كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 358-397
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْمَدِينُ (مُعْسِرًا بِهِ أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا الْأَخْذُ (فَيَأْخُذ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ) إنْ وَجَدَ فِي مَالِ الْمَدِينِ مِنْ جِنْسِهِ (وَإِلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِهِ فِي الْبَاطِنِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ) فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَلِقَوْلِهِ: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ حَدِيثَ هِنْدٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُقِرًّا بِهِ بَاذِلًا لَهُ أَوْ كَانَ مَالُهُ لِأَمْرٍ يُبِيحَ الْمَنْعَ كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ أَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.

(وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا) دَيْنَ الْآخَرِ (فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَهُ) دَيْنَهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَا فَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا بِشَرْطِهِ وَسَبَقَ (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ فَلَا يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ.

(وَلَوْ) كَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ (فِي عَقْدٍ وَفَسْخٍ وَطَلَاقٍ فَمَنْ حَكَمَ لَهُ بِبَيِّنَةِ زُورٍ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ) بَاطِنًا (وَيَلْزَمُهَا) حُكْمُهُ (فِي الظَّاهِرِ) لِعَدَمِ مَا يَدْفَعُهُ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا (أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهَا فَإِنْ أَكْرَهَهَا) وَوَطِئَهَا (فَالْأَثِمُ عَلَيْهِ دُونَهَا) لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ (ثُمَّ إنْ وَطِئَ مَعَ الْعِلْمِ فَكَزِنًا فَيُحَدُّ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ: " رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَرَفَعَا إلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَالَتْ وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ فَقَالَ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ " فَتَقْدِيرُ صِحَّتِهِ لَا حَجَّةَ فِيهِ لِلْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ لَا إلَى حُكْمِهِ وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ لَكِنْ اللِّعَانُ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَهُ لِسِتْرِ الزَّانِيَةِ وَصِيَانَةِ النَّسَبِ فَتَعَقَّبَهُ النَّسْخُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ إلَّا بِهِ وَلَيْسَ كَمَسْأَلَتِنَا.

(وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ الْمَحْكُومِ بِنِكَاحِهَا لِرَجُلٍ بِبَيِّنَةِ زُورٍ (غَيْرَهُ) لِخُلُوِّهَا مِنْ النِّكَاحِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (لَا يَصِحُّ) تَزْوِيجُهَا غَيْرَهُ (لِإِفْضَائِهِ إلَى وَطْئِهَا مِنْ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ وَالْآخَرُ بِحُكْمِ الْبَاطِنِ) وَهَذَا فَسَادٌ وَكَالْمُزَوَّجَةِ بِلَا وَلِيٍّ.

(وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودِ زُورٍ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا) نَصًّا.
(وَيُكْرَهُ لَهُ اجْتِمَاعُهُ بِهَا ظَاهِرًا خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ) بِسَبَبِ طَعْنِهِ عَلَى الْحَاكِمِ (وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ بِالْحَالِ) لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَةِ الْأَوَّلِ (وَمَنْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ أَوْ) حَكَمَ (عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ عَمِلَ) الْمُجْتَهِدُ (بَاطِنًا بِالْحُكْمِ) كَمَا يَعْمَل بِهِ ظَاهِرًا (لَا بِاجْتِهَادِهِ) لِرَفْعِ حُكْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْإِمَامِ مَا يَرَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الطَّالِبُ غَيْرَهُ أَوْ ابْتَدَأَ الْإِمَامُ بِحُكْمٍ أَوْ قِسْمَةٍ فَهُنَا يَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ.

(وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَيْدٍ (فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ نَفَذَ) حُكْمُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا بِالْخِطَابِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

(وَإِنْ رَدَّ حَاكِمٌ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِ) رُؤْيَةِ (هِلَالِ رَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ) رَدُّهُ لِشَهَادَتِهِ (كَ) رَدِّهِ بِبَيِّنَةِ (مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ فِي عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ رَدُّهُ لِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ (فَتْوَى فَلَا يُقَالُ حَكَمَ بِكَذِبِهِ أَوْ) حَكَمَ (أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ) أَيْ الْهِلَالَ فَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ الصَّوْمُ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْوَاحِدِ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ قَالَ الْغَزِّيِّ: وَكَذَا طَهَارَةُ شَيْءٍ وَنَجَاسَتُهُ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ يَدْخُلُهَا تَضَمُّنًا كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا أَوْ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ.

(وَلَوْ رُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (حُكْمٌ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ) لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا أَوْ مَا يَعْتَقِدُهُ (لَيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ) الْمَرْفُوعُ إلَيْهِ صَحِيحًا لِأَنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ (وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمٍ وَ) حُكْمِهِ (بِنُكُولِهِ) أَيْ الْخَصْمِ (وَ) حُكْمِهِ (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَتَزْوِيجِهِ بِيَتِيمَةٍ) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَكَالْحُكْمِ عَلَى غَائِبٍ وَفِي الْمُحَرَّرِ: لَمْ يَلْزَمْهُ تَنْفِيذُهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ قَبْلَهُ قَالَ شَارِحُهُ: فَإِنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْحُكْمِ.

(وَلَوْ رَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (خَصْمَانِ عَقْدًا فَاسِدًا عِنْدَهُ وَأَقَرَّا) أَيْ الْخَصْمَانِ (بِأَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَلَهُ إلْزَامُهُمَا بِذَلِكَ) الْعَقْدِ الَّذِي أَقَرَّا أَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَقَرَّا بِهِ فَلَزِمَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِغَيْرِهِ (وَلَهُ رَدُّهُ وَالْحُكْمُ) عَلَيْهِمَا (بِمَذْهَبِهِ) لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا بَيِّنَةَ هُنَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ.

(وَمَنْ قَلَّدَ) مُجْتَهِدًا (فِي صِحَّةِ نِكَاحٍ) مُخْتَلَفٍ فِيهِ (لَمْ يُفَارِقْ) الْمَنْكُوحَةَ (بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ) أَيْ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي قَلَّدَهُ فِي الصِّحَّةِ (كَحُكْمٍ) أَيْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ مُجْتَهِدٌ يَرَى صِحَّتَهُ حَالَ

الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِقَوْلِ عُمَرَ " ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي " (بِخِلَافِ مُجْتَهِدٍ نَكَحَ) نِكَاحًا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى صِحَّتِهِ (ثُمَّ رَأَى بُطْلَانَهُ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَارِقَ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَهُ وَحُرْمَةَ الْوَطْءِ.

(وَلَا يَلْزَمُ) الْمُجْتَهِدَ (إعْلَامُ الْمُقَلِّدِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (بِتَغَيُّرِهِ) أَيْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ أَنْ يُفَارِقَ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مَنْ قَلَّدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (فِي إتْلَافٍ) كَقَطْعٍ وَقَتْلٍ (لِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْ) بَانَ (خَطَأُ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلًا) لَلْفُتْيَا (ضَمِنَا) أَيْ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي لِأَنَّهُ إتْلَافٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَاهُ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِيمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ مِمَّا يَقْبَلُ الِاجْتِهَادَ لَا ضَمَانَ.

(وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ لَزِمَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (نَقْضُهُ) أَيْ الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِ صِحَّتِهِ (وَيَرْجِعُ بِالْمَالِ) الْمَحْكُومِ بِهِ إنْ بَقِيَ (أَوْ بَدَلَهُ) إنْ تَلِفَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّهُ أَخْذَ بِغَيْرِ حَقٍّ (أَوْ) يَرْجِعُ بِ (بَدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ قَتْلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي الْعَمْدِ.

(وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ) - تَعَالَى - (بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ) كَقَتْلٍ فِي رِدَّةٍ وَقَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ (أَوْ بِمَا سَرَى إلَيْهِ) أَيْ الْإِتْلَافُ الْحِسِّيُّ كَجَلْدٍ سِرِّيٍّ وَمَاتَ بِهِ ثُمَّ بَانَ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ (ضَمِنَهُ مُزَكُّونَ) إنْ كَانُوا لِتَفْرِيطِهِمْ وَتَسَبُّبِهِمْ وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ (وَإِنْ بَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَبِيدًا أَوْ وَلَدًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ) وَلَدًا أَوْ عَدُوًّا (لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ) لِمُوَافَقَتِهِ اعْتِقَادَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرَ حَاكِمُهُ الْحُكْمَ بِهِ (وَنَقَضَهُ وَلَمْ يُنَفِّذْ) حُكْمَهُ بِهِ (لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ) وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ إلَّا الْمُقَلِّدُ فَإِنَّهُ يُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ وَيُرَاعِي نُصُوصَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَيَحْكُمُ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ أَفْتَى التَّقِيُّ الْفَتُوحِيُّ بِنَقْضِ حُكْمِ الْحَنْبَلِيِّ بِأَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ إمَامِهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الْمِرْدَاوِيُّ فِي الرَّدِّ الْجَلِيِّ أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ الْمُقَلِّدِ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ إمَامِهِ.

(وَإِذَا حَكَمَ) الْحَاكِمُ (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ ثُمَّ) ارْتَابَ الْحَاكِمُ (فِي شَهَادَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي حُكْمِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةٌ لِلصِّحَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ.

(وَفِي الْمُحَرَّرِ: مَنْ حَكَمَ بِقَوَدٍ أَوْ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ بَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَبِيدًا فَلَهُ نَقْضُهُ إذَا كَانَ) الْحَاكِمُ (لَا يَرَى قَبُولَهُمْ فِيهِ) أَيْ الْقَوَدِ وَالْحَدِّ فَقَوْلُهُ لَهُ نَقْضُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ شَاءَ نَقَضَهُ أَوْ أَمْضَاهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا وَلَعَلَّهُ قَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْعِ فَلَا يُنَافِي ظَاهِرُهُ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنْ لُزُومِ نَقْضِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ عِنْدَهُ (وَكَذَا) شَيْءٌ (مُخْتَلَفٌ فِيهِ)

أَيْ فِي كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ لِلشَّهَادَةِ أَوْ الْحُكْمِ (صَادَفَ مَا حَكَمَ بِهِ) الْحَاكِمُ (وَجَهِلَهُ) الْحَاكِمُ فَيَنْقُضُهُ إذَا كَانَ لَا يَرَى الْحُكْمَ مَعَهُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ (خِلَافًا لِمَالِكٍ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُوَضَّحًا.

[بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي]

(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبَةِ الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 30] الْآيَةَ وَكَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَة إلَى قَبُولِهِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ وَلَا مُطَالَبَتُهُ إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَبُولِهِ.

(لَا يُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (فِي حَدِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَزِنًا وَنَحْوِهِ) كَحَدِّ الشُّرْبِ وَكَالْعِبَادَاتِ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالسِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ وَالسُّقُوطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهَا وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ فَكَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (وَيُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي (فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ مِنْ الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالصُّلْحِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ مَثَلًا.
(وَ) الْوَصِيَّةِ (إلَيْهِ وَ) الْوَصِيَّةِ (فِي الْجِنَايَةِ وَالْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّوْكِيلِ) فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ (وَحَدِ الْقَذْفِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) وَهِيَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يُقْبَلُ إلَّا فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ.

(ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي) إلَى الْغَائِبِ (حُكْمُهُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا) أَيْ كِتَابَتَهُ (شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ وَذَكَرُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ (فِيمَا إذَا تَغَيَّرَتْ حَالٌ لَهُ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ (أَصْلٌ وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) بِكِتَابِهِ (فَرْعٌ فَلَا يَسُوغُ) لِقَاضٍ (نَقْضُ الْحُكْمِ) مِنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (بِإِنْكَارِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَلَا يَقْدَحُ) إنْكَارُهُ (فِي عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ بَلْ يَمْنَعُ إنْكَارُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ كَمَا يَمْنَعُ رُجُوعَ شُهُودِ الْأَصْلِ)

قَبْلَ الْحُكْمِ (الْحُكْمُ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ (فَرْعٌ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ) بِالْحَقِّ الَّذِي كَتَبَ بِهِ (و) أَنَّهُ (أَصْلٌ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) بِكِتَابِهِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ فَرْعٍ أَصْلًا لِفَرْعٍ آخَرَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

(وَالْمَحْكُومُ بِهِ إنْ كَانَ عَيْنًا فِي بَلَدِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا حَاجَةَ إلَى كِتَابٍ) لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُمْتَنِعِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَسْلِيمِ الْعَيْنِ كَوَلِيِّ الصَّغِيرِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَحْكُومُ بِهِ (دَيْنًا أَوْ عَيْنًا فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ بَلْدَةِ الْحَاكِمِ (فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْكِتَابِ) لِيُسَلِّمَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْعَيْنَ لِرَبِّهَا أَوْ يَأْمُرُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِوَفَاءِ الدَّيْنِ (وَهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ مُتَدَاخِلَاتٌ مَسْأَلَةُ إحْضَارِ الْخَصْمِ إذَا كَانَ غَائِبًا) بِعَمَلِ الْمَاضِي وَلَوْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ (وَمَسْأَلَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ) إذَا كَانَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ أَوْ مُسْتَتِرًا وَلَوْ بِالْبَلَدِ (وَمَسْأَلَةُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَلَوْ قِيلَ إنَّمَا يَحْكُم عَلَى الْغَائِبِ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ حَاضِرًا لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَهِيَ تَسْلِيمُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ غَائِبًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَاتِبَ الْحَاكِمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَكُونَ الْحُكْمُ فِي بَلَدِ التَّسْلِيمِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا.

(وَيُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي (فِيمَا حَكَمَ بِهِ) الْكَاتِبُ مِنْ حَقِّ إنْسَانٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ أَوْ عَلَى غَائِبٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِب وَيَكْتُبُ إلَيْهِ أَوْ تَقُومُ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ فَهَرَبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُ رَبُّ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ (لِيُنَفِّذَهُ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ.

(وَلَوْ كَانَا) أَيْ الْقَاضِيَانِ الْكَاتِبَ وَالْمَكْتُوبَ إلَيْهِ (بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ) كَانَ (كُلٌّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا بِبَلَدٍ وَلَوْ) كَانَ أَحَدُ الْبَلَدَيْنِ (بَعِيدًا) عَنْ الْآخَرِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (إلَّا فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبِ (لِيَحْكُمَ بِهِ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ (إلَّا فِي مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ) لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكِتَابُهُ بِالْحُكْمِ لَيْسَ هُوَ نَقْلًا وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ وَالثُّبُوتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِلْحَاكِمِ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِ إذَا كَانَ يَرَى صِحَّتَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ لَوْ أَثْبَتَ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ وَقْفًا لَا يَرَاهُ كَوَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَإِنْ حَكَمَ الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فَلِحَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَهُ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بَلْ قَالَ ثَبَتَ هَذَا فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ حُكْمٌ ثُمَّ إنْ رَأَى الْحَنْبَلِيُّ الثُّبُوتَ حُكْمًا

نَفَّذَهُ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَلُزُومُ الْحَنْبَلِيِّ تَنْفِيذَهُ يَنْبَنِي عَلَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَحُكْمُ الْمَالِكِيِّ مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْخَطِّ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَلِهَذَا لَا تُنَفِّذُهُ الْحَنَفِيَّةُ حَتَّى يُنَفِّذَهُ حَاكِمٌ وَلِلْحَاكِمِ الْحَنْبَلِيِّ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَمَعَ قُرْبِهَا الْخِلَاف.

(وَلَوْ سَمِعَ) الْكَاتِبُ (الْبَيِّنَةَ وَلَمْ يُعَدِّلْهَا وَجَعَلَ تَعْدِيلَهَا إلَى الْآخَرِ) أَيْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (جَازَ) ذَلِكَ (مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ) لَا مَعَ قُرْبِهَا.

(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ وَ) إلَى قَاضِي (مِصْرٍ أَوْ) قَاضِي (قَرْيَةٍ) مُعَيَّنَيْنِ (و) أَنْ يَكْتُبَ (إلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ) وَيَلْزَمُ مِنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ كِتَابُ حَاكِمٍ مِنْ وِلَايَتِهِ فَلَزِمَ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

(وَيُشْتَرَطُ لِقَبُولِهِ) أَيْ كِتَابِ الْقَاضِي (أَنْ يُقْرَأَ عَلَى عَدْلَيْنِ وَهُمَا نَاقِلَاهُ) أَيْ الْكِتَابِ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لِيَتَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَهُ الْحَاكِمُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقْرَآ مَعَهُ فِيمَا يَقْرَؤُهُ (وَيُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ النَّاقِلَيْنِ لِكِتَابِ الْقَاضِي (لِمَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فَقَطْ) يَعْنِي دُونَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى دُونَ الْأَلْفَاظِ.
(ثُمَّ يَقُولُ) الْقَاضِي الْكَاتِبُ (هَذَا كِتَابِي) إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ (أَوْ) يَقُولُ (اشْهَدَا عَلَى أَنَّ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) أَوْ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الشَّهَادَةَ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الشَّهَادَةُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (وَإِنْ قَالَ اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ كَانَ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) قَوْلُهُ اشْهَدَا عَلَيَّ (وَيَدْفَعُهُ) أَيْ الْكِتَابَ (إلَيْهِمَا وَالْأَوْلَى خَتْمُهُ احْتِيَاطًا) بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْخَتْمُ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا لَا عَلَى الْخَتْمِ، وَكَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَيْصَرَ كِتَابًا وَلَمْ يَخْتِمْهُ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَقْرَأ كِتَابًا غَيْرَ مَخْتُومٍ فَاِتَّخَذَ الْخَاتَمَ فَكِتَابَتُهُ أَوَّلًا بِغَيْرِ خَتْمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وَإِنَّمَا اتَّخَذَهُ لِيَقْرَأ كِتَابَهُ (وَيَقْبِضَانِ) أَيْ الشَّاهِدَانِ (الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا لِئَلَّا يَدْفَعَ إلَيْهِمَا غَيْرَهُ) . ثُمَّ إنْ قَلَّ مَا فِي الْكِتَابِ اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ وَإِلَّا كَتَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا نُسْخَةً بِهِ (فَإِذَا وَصَلَا إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ دَفَعَا إلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا سَمِعَاهُ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ كَتَبَهُ بِعَمَلِهِ) أَيْ مَحِلِّ نُفُوذِ حُكْمِهِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ قَوْلُهُمَا قُرِئَ عَلَيْنَا أَوْ أَشْهَدَنَا عَلَيْهِ) اعْتِمَادًا عَلَى الظَّاهِرِ (وَإِنْ أَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ مَدْرُوجًا) أَيْ مَطْوِيًّا (مَخْتُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَجْهُولٍ لَا يَعْلَمَانِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَا: لَنَشْهَدَا أَنَّ

لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مَالًا (وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ وَ) مَعْرِفَتُهُ (خَتْمَهُ) لِأَنَّ الْخَطَّ يَشْتَبِهُ وَالْخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَقْلُ حُكْمٍ أَوْ إثْبَاتٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بُدٌّ مِنْ إشْهَادِ عَدْلَيْنِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (كَمَا لَا يَحْكُمُ بِخَطِّ شَاهِدٍ مَيِّتٍ وَتَقَدَّمَ لَوْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ) وَعُلِمَ أَنَّهُ خَطُّهُ عَمِلَ بِهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ (وَتَقَدَّمَ الْعَمَلُ بِخَطِّ أَبِيهِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ دَيْنٍ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ) فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ مُوَضَّحًا.
(وَكِتَابُهُ) أَيْ الْقَاضِي (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ كَخَبَرِهِ) فَيُقْبَلُ (كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يَسْمَعُهَا فِي غَيْرِهِ (فَإِنْ وَصَلَهُ) الْكِتَابُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُوله حَتَّى يَصِير إلَى مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّهُ مَحِلُّ نُفُوذِ حُكْمِهِ.

(وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَحِلِّ وِلَايَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا إذَنْ (فَإِنْ تَرَاضَيَا بِهِ) أَيْ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا (فَكَمَا لَوْ حَكَّمَا رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُحَكَّمًا لَا حَاكِمًا (وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ مِنْ أَهْل عَمَلِهِ أَوْ لَا) إذْ الْعِبْرَة بِكَوْنِهِ بِمَحِلِّ وِلَايَتِهِ، وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ نَفَّذَ حُكْمَهُ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لِقَاضٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانُوا وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُمَا كَانَ فَيَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَذِنَ) الْإِمَامُ (فِيهِ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ (أَوْ) عَلَى مَا (مَنَعَ مِنْهُ) الْإِمَامُ لِأَنَّهُ ذُو الْوِلَايَةِ فَتُرَاعَى كَيْفَ صَدَرَتْ مِنْهُ (وَيُقْبَلُ كِتَابُهُ فِي حَيَوَانٍ وَعَبْدٍ وَجَارِيَةٍ) شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِهَا (بِالصِّفَةِ اكْتِفَاءً بِهَا) أَيْ بِالصِّفَةِ (كَمَشْهُودٍ عَلَيْهِ) بِالصِّفَةِ فَيُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْمَوْصُوفَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ وَ (لَا) يُقْبَلُ كِتَابُهُ فِي مَشْهُودٍ (لَهُ) بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ لَا يُشْهَدُ لَهُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ بِخِلَافِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ.

(وَلَا يَحْكُمُ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ (بِالْيَمِينِ الْغَائِبَةِ) إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهَا (بِالصِّفَةِ) عِنْدَ الْكَاتِبِ، وَكَتَبَ إلَيْهِ بِذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ مُشَارَكَتُهُ) أَيْ الْحَيَوَانِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ الْعَبْدَ (فِي صِفَةٍ أَخَذَهُ مُدَّعِيهِ بِكَفِيلٍ مَخْتُومًا عُنُقُهُ بِخَيْطٍ لَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، وَبَعَثَهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِذَا شَهِدَا عَلَيْهِ دَفَعَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ) لِزَوَالِ الْإِشْكَالِ (وَكَتَبَ) الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوَّلًا (لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (كِتَابًا) بِمَا ثَبَتَ لَهُ (لِيَبْرَأَ كَفِيلُهُ) مِنْ كَفَالَتِهِ بِهِ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا يَسْتَحِقُّهُ.

(وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي) بِهِ (جَارِيَةً سُلِّمَتْ إلَى أَمِينٍ يُوصِلُهَا) لِلْحَاكِمِ الْكَاتِبِ

احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ فَإِذَا شُهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنهَا سُلِّمَتْ لِلْمُدَّعِي (وَإِنْ لَمْ يَثْبُت لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي بِمَا ذَكَرَهُ (مَا ادَّعَاهُ) كَمَا تَقَدَّمَ (لَزِمَهُ رَدُّهُ وَمُؤْنَتُهُ) أَيْ الرَّدِّ وَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْجَارِيَةِ (مُنْذُ تَسَلَّمَهُ) الْمُدَّعِي (فَهُوَ) أَيْ الْمُدَّعِي (فِيهِ) أَيْ فِيمَا قَبَضَهُ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ إذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ (كَغَاصِبٍ فِي ضَمَانِهِ) إنْ تَلِفَ (وَضَمَانِ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ (وَ) ضَمَانِ (مَنْفَعَتِهِ) وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ.

(وَيَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ) بِأَنْ كَانَ يُؤَجَّرْ عَادَةً (إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ) لِأَنَّ أَخْذَهُ بِلَاحِقٍ وَفِي الرِّعَايَةِ دُونَ نَفْعِهِ أَيْ فَلَا يَضْمَنُهُ.

(وَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ) إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (وَأَحْضَرَ الْخَصْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ) لِمُسْتَحِقِّهِ لِيَبْرَأَ إلَيْهِ مِنْهُ.

(وَإِنْ قَالَ) الْخَصْمُ (مَا أَنَا الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (مَا لَمْ تَقُمْ) عَلَيْهِ (بَيِّنَةٌ) أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَيَقْضِي بِهَا لِرُجْحَانِهَا عَلَى قَوْلِهِ (فَإِنْ) لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَطَلَب يَمِينَهُ فَ (نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (قَضَى عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ) الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ (أَوْ ثَبَتَ) الِاسْمُ وَالنَّسَبُ (بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ) الْخَصْمُ (الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ آخَرَ كَذَلِكَ) أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ بِالْبَلَدِ كَذَلِكَ (وَلَوْ مَيِّتًا يَقَعُ بِهِ إشْكَالٌ) قُبِلَتْ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ (فَإِنْ كَانَ) الْمُشَارِكُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ (حَيًّا أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ وَسَأَلَهُ عَنْ الْحَقِّ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ أَلْزَمَهُ) الْحَاكِمُ (بِهِ) سَوَاءٌ أَخَذَهُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَتَخَلَّصَ) الْأَوَّل لِظُهُورِ بَرَاءَتِهِ (وَإِنْ أَنْكَرَهُ) الثَّانِي (وَقَفَ الْحُكْمَ) لِلِالْتِبَاسِ وَالْإِشْكَالِ (وَيَكْتُبُ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ (إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ وَمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ حَتَّى يُحْضِرَ) الْكَاتِبُ (الشَّاهِدَانِ فَيَشْهَدَا عِنْدَهُ) أَيْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الْمُشَارِكِ فَإِنْ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ بِالْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَمَاتَ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ.

(وَإِنْ مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ) لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ (أَوْ عُزِلَ) الْقَاضِي الْكَاتِبُ (لَمْ يَقْدَحْ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِهِ) لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَهُمَا حَيَّانِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْبَلَ الْكِتَابَ كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ أَوْ يَنْعَزِلْ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَ إنْ كَانَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ فَحُكْمُهُ لَا يَبْطُلُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَهُوَ أَصْلٌ وَاَللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ فَرْعٌ لَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِمَوْتِ الْأَصْلِ.

(وَإِنْ فَسَقَ) الْكَاتِبُ (قَبْلَ الْحُكْمِ بِكِتَابِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ)

لِأَنَّ بَقَاءَ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدَيْ الْفَرْعِ فَكَذَلِكَ بَقَاءُ عَدَالَةِ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ.

(وَإِنْ فَسَقَ) الْكَاتِبُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ) قَالَ: ابْنُ الْمُنَجَّا كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَسَقَ، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ فَكَذَا هُنَا.

(وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ) الْقَاضِي (الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ فِسْقٍ فَعَلَى مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَهُ) بَلْ مِنْ سَائِرِ الْحُكَّامِ (الْعَمَلُ بِهِ اكْتِفَاءً بِالْبَيِّنَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى مَا حَفِظَهُ الشُّهُودُ وَتَحَمَّلُوهُ، وَمَنْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً وَشَهِدَ بِهَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَاضٍ الْحُكْمُ بِهَا، (بِدَلِيلِ مَا لَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوْ انْمَحَى وَكَانَا يَحْفَظَانِ مَا فِيهِ أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ وَلَوْ أَدَّيَاهُ بِالْمَعْنَى) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ دُونَ اللَّفْظِ (وَكَمَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانًا الْقَاضِيَ حَكَمَ بِكَذَا لَزِمَهُ إنْفَاذُهُ) .

وَلَوْ شَهِدَ حَامِلَا الْكِتَابِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ قَبِلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ شَهَادَتَهُمَا اعْتِمَادًا عَلَى الْعِلْمِ بِمَا أَشْهَدَهُمَا بِهِ الْكَاتِبُ عَلَى نَفْسِهِ (وَمَتَى قَدِمَ الْخَصْمُ الْمُثْبَتُ عَلَيْهِ بَلَدَ) الْحَاكِمِ (الْكَاتِبِ فَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِلَا إعَادَةِ شَهَادَةٍ) إذَا سَأَلَهُ رَبُّ الْحَقِّ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ مِنْ الْحَقِّ عِنْد الْقَاضِي الْكَاتِبِ]

(فَصْلٌ وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ) بِمَا ثَبَتَ مِنْ الْحَقِّ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ (فَسَأَلَهُ) أَيْ سَأَلَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحَاكِمَ عَلَيْهِ (أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ) كِتَابًا (إنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ عَلَيَّ لَا يَحْكُمُ عَلَيَّ ثَانِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَحْكُمُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ أَوْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ غَيْرُهُ وَكِلَاهُمَا مَفْقُودٌ هُنَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَلْزَمُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ لِيَخْلُصَ مِمَّا خَافَهُ.

(وَإِنْ سَأَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ بِمَا جَرَى لِئَلَّا يَحْكُمَ عَلَيْهِ) الْقَاضِي (الْكَاتِبُ) لَزِمَهُ إجَابَتُهُ (أَوْ سَأَلَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (مَنْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ مِثْلَ إنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ أَوْ) سَأَلَ مَنْ (ثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمَا جَرَى مِنْ بَرَاءَةٍ أَوْ ثُبُوتٍ مُجَرَّدٍ) عَنْ حُكْمٍ (أَوْ مُتَّصِلٍ بِحُكْمٍ أَوْ تَنْفِيذٍ أَوْ الْحُكْمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ) لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ عَلَى الْحَقِّ فَإِذَا طُولِبَ أَوْ طَالَبَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حُجَّةٌ وَرُبَّمَا نَسِيَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ أَوْ يُطَالِبُهُ الْغَرِيمُ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَهُ إذَا نَسِيَ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ

فَوَجَبَ الْإِشْهَادُ لِئَلَّا يَضِيعَ حَقُّهُ مِنْ ذَلِكَ.

(وَإِنْ سَأَلَ مَعَ الْإِشْهَادِ كِتَابَةً وَأَتَاهُ بِكَاغَدَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَرُبَّمَا قِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (أَوْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَاغَدُ) مَعَهُ (لِذَلِكَ لَزِمَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ لِذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَثِيقَةٌ لِلْخَصْمِ فَلَزِمَهُ كِتَابَتُهَا (كَسَاعٍ) أَيْ عَامِلٍ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا طَلَبَ الْمُزَكِّي مِنْهُ الْكِتَابَةَ (بِأَخْذِ زَكَاةٍ) . وَكَذَا مُعَشِّرٌ يَأْخُذُ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ مِنْ تُجَّارِ حَرْبٍ أَوْ ذِمَّةٍ لِتَكُونَ بَرَاءَةً لَهُ إذَا مَرَّ بِهِ آخَرُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَنْ لَهُ حَقٌّ بِوَثِيقَةٍ إذَا اسْتَوْفَاهُ الْإِشْهَادُ بِهِ لَا دَفْعُ الْوَثِيقَةِ، وَكَذَا بَائِعُ عَقَارٍ وَثِيقَة يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ لَا دَفْعُ الْوَثِيقَةِ (وَمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ يُسَمَّى سِجِلًّا وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ مَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِإِقْرَارٍ أَوْ نُكُولٍ يُسَمَّى (مَحْضَرًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالضَّادِ وَهُوَ الصَّكُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ حُضُورِ الْخَصْمَيْنِ وَالشُّهُودِ (وَالْمَحْضَرُ شَرَحَ ثُبُوتَ الْحَقِّ عِنْدَهُ) لَا الْحُكْمَ بِثُبُوتِهِ وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ اصْطِلَاحِيَّةٌ.
وَأَمَّا السِّجِلُّ وَأَصْلُهُ الصَّحِيفَةُ الْمَكْتُوبَةُ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: السِّجِلُّ الْكِتَابُ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ اصْطِلَاحًا، (وَالْأَوْلَى جَعْلُ السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا) الْحَاكِمُ (إلَيْهِ) أَيْ الطَّالِبِ لَهَا لِتَكُونَ وَثِيقَةً بِحَقِّهِ (وَ) النُّسْخَةُ (الْأُخْرَى عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ إلَى النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدَهُ عِنْدَ ضَيَاعِ مَا بِيَدِ الْخَصْمِ أَوْ الِاخْتِلَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ وَفِي زَمَنِنَا تُتْرَكُ الْوَثَائِقُ بِكِتَابٍ مُجَمِّعُهَا مُدَّةً ثُمَّ مُدَّةً بِحَسَبِ مَا يَسَعُ لَهَا وَفِيهِ مِنْ الْحِفْظِ مَا لَا يُخْفِي وَهُوَ أَحْوَطُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا (وَالْكَاغَدُ) لِذَلِكَ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (فَمِنْ مَالِ الْمَكْتُوبِ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.

(وَصِفَةُ الْمَحْضَرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَيَنْبَغِي كِتَابَتُهَا سَطْرًا وَحْدَهَا إلَى مَا يُحَاذِي عَلَامَةَ الْقَاضِي حَتَّى لَا تَعْلُوَ اسْمَ اللَّهِ (حَضَرَ الْقَاضِيَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ عَلَى كَذَا) أَيْ مِصْرٍ مَثَلًا (وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي نَائِبًا كَتَبَ خَلِيفَةَ الْقَاضِي فُلَانٍ قَاضِيَ الْإِمَامِ) وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ هُنَا اهْتِمَامًا وَتَعْظِيمًا لَهُ (فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا مُدَّعٍ) وَهُوَ فَاعِلُ حَضَرَ.
(ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) وَيَذْكُرُ مَا يُمَيِّزُهُ (وَأُحْضِرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) وَيَذْكُرُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ (وَلَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْجَدِّ بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ (وَالْأَوْلَى ذِكْرُ حِلْيَتِهِمَا إنْ جَهِلَهُمَا) فَيَكْتُبُ: أَسْوَدُ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ أَنْزَعُ أَوْ أَغَمُّ أَوْ أَشْهَلُ أَوْ أَكْحَلُ أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَفْطَسُ دَقِيقُ الشَّفَتَيْنِ أَوْ غَلِيظُهُمَا طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رِبْعَةٌ وَنَحْوُ هَذَا لِيَتَمَيَّزَ وَلَا يَقَعَ اسْمٌ عَلَى اسْمٍ احْتِيَاطًا خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ

وَكَثْرَةِ الْحِيَلِ وَالتَّوَسُّلِ إلَى الْبَاطِلِ فَإِنْ لَمْ يَجْهَلْهُمَا الْقَاضِي كَتَبَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَنَسَبَهُمَا وَإِنْ جَهِلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَتَبَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يُنَاسِبُهُ (فَادَّعَى عَلَيْهِ بِكَذَا فَأَقَرَّ لَهُ أَوْ فَأَنْكَرَ فَقَالَ) الْقَاضِي (لِلْمُدَّعِي: لَكَ بَيِّنَةٌ فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَحْضَرَهَا وَسَأَلَهُ) . أَيْ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْحَاكِمَ (سَمَاعَهَا فَفَعَلَ أَوْ فَأَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِلْمُدَّعِي (وَسَأَلَ) الْمُدَّعِي (تَحْلِيفَهُ فَحَلَّفَهُ وَإِنْ نَكَلَ ذَكَرَهُ) أَيْ النُّكُولَ (وَأَنَّهُ قَضَى بِنُكُولِهِ وَسَأَلَهُ) الْمُدَّعِي (كِتَابَةَ مَحْضَرٍ فَأَجَابَهُ فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَيُعَلِّمُ) عَلَى رَأْسِ الْمَحْضَرِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِحْلَافِ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ جَرَى.
(وَ) يَعْلَمُ (فِي الْبَيِّنَةِ شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي الرِّعَايَةِ أَوْ عَادَ بَلَدَهُ قُلْتُ: وَكَذَا يَنْبَغِي فِي كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى عَادَةِ بَلَدِهِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ حَدِيثُ «أُمِرْتُ أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ بِمَا يَفْقَهُونَ» وَلِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى أَدَاءِ الْمَعْنَى، وَيَكْتُب عَلَى ذَلِكَ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَوْ نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (وَإِنْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارِ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَمْ يُحْتَجْ إلَى) ذِكْرِ (مَجْلِسِ حُكْمِهِ) لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ يَصِحُّ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَتَبَ أَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَيْنِ كَانَ آكَدَ.
ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا لَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.

[فَصْل السِّجِلُّ]

فَصْل (وَأَمَّا السِّجِلُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَالْجِيمِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ الْكِتَابُ الْكَبِيرُ (فَلَا نَفَاذَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْحُكْمُ بِهِ) هَذَا بَيَانُ مَعْنَاهُ (وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُنْتَهَى (هَذَا مَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ كَمَا تَقَدَّمَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الشُّهُودِ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ وَلْيَذْكُرْهُمَا إنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ وَإِلَّا قَالَ مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ حُضُورُهُمَا وَسَمِعَ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَعْرِفَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ) مَعْرِفَةُ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ ثَبَتَ عِنْدَهُ (وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِقْرَارُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ فُلَانٍ وَالتَّقْدِيرُ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ ابْنِ فُلَانٍ وَإِقْرَارُهُ، وَيَصِحُّ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْ وَيَذْكُرُ

الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ (تَطَوُّعًا فِي صِحَّتِهِ مِنْهُ وَجَوَازِ أَمْرٍ) حَتَّى يَخْرُجَ الْمُكْرَهُ وَنَحْوُهُ (بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ بِهِ وَوَصْف فِي كِتَابِهِ نُسْخَةً وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ الْمُثْبَتَ أَوْ الْمُحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِذَا فَرَغَهُ قَالَ وَإِنَّ الْقَاضِيَ أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ وَالْإِشْهَادَ بِهِ الْخَصْمُ الْمُدَّعِي وَنَسَبُهُ) يَعْنِي يَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ (وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الْحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّةٍ وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانُ عَلَى إنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإِمْضَائِهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ فِي الْيَوْمِ الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ) لِأَنَّهُمَا الَّتِي تَقُومُ إحْدَاهُمَا مَقَامَ الْأُخْرَى.
(نُسْخَةٌ مِنْهُمَا تَخْلُدُ بِدِيوَانِ الْحُكْمِ، وَالدِّيوَانُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحِهَا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ الدَّفْتَرُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحَاسِبِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَوْضِعِ) الْحَاسِبِ (وَنُسْخَةٌ يَأْخُذُهَا مَنْ كَتَبَهَا وَكُلُّ وَاحِدَةٍ حُجَّةٌ بِمَا أَنْفَذَهُ فِيهَا) لِتَضَمُّنِهِمَا ذَلِكَ (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ) بِمَحْضَرٍ (مِنْ خَصْمَيْنِ سَاغَ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ) وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (وَمَهْمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مُحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ عَلَى حَسَبِهَا قِلَّةً وَكَثْرَةً ضَمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ) لِأَنَّ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَشُقُّ (وَكَتَبَ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا) لِتَتَمَيَّزَ وَلِيَكُنْ إخْرَاجُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
قَالَ فِي الْكَافِي فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا وَكَّلَ أَمِينَهُ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَكْتُبُ مَعَ ذَلِكَ أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَيَخْتِمُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَحْضَرَ خَصْمَهُ وَادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ مَثَلًا أَوْ بِالنُّكُولِ.

وَأَمَّا صِفَةُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَبُ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ مَنْ تَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي وَقَضَائِي الَّذِي أَتَوَلَّاهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَإِنْ كَانَ نَائِبًا ذَكَرَ الَّذِي أَنُوبُ فِيهِ عَنْ الْقَاضِي فُلَانٍ بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُمَا وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَهُمَا مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ عِنْدِي عَرَفْتُهُمَا وَقَبِلْتُ شَهَادَتِهِمَا بِمَا رَأَيْتُ مَعَهُ قَبُولَهَا مَعْرِفَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ بِعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ وَاسْمِهِ فَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ أَسْرِ أَسِيرٍ قَالَ وَإِنَّ الْفِرِنْجَ خَذَلَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى - أَسَرُوهُ مِنْ مَكَانِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا وَحَمَلُوهُ إلَى مَكَانِ كَذَا وَهُوَ مُقِيمٌ تَحْتَ حَوْطِهِمْ وَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فَكَاكِ نَفْسِهِ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُتَّصِلِ أَوَّلُهُ

بِآخَرِ كِتَابِي الْمُؤَرَّخِ بِكَذَا.
وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ دَيْنٍ قَالَ: وَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِي ذِمَّةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِ وَيَصِفُهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ حَالًا وَحَقًّا وَإِجْبَارًا لَازِمًا وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ وَاسْتِيفَاءَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ عَيْنٍ كَتَبَ وَأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِ فُلَانٍ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ وَيَصِفُهُ بِصِفَةِ يَتَمَيَّزُ بِهَا مُسْتَحِقٌّ لِأَخْذِهِ وَتَسْلِيمِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُتَّصِلِ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا الْمُؤَرَّخِ بِتَارِيخِ كَذَا وَقَالَ الشَّاهِدَانِ الْمَذْكُورَانِ أَنَّهُمَا عَالِمَانِ بِمَا شَهِدَا بِهِ وَأَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ إلَى حِينِ أَقَامَا الشَّهَادَةَ عِنْدِي فَأَمْضَيْتُ مَا ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ وَحَكَمْتُ بِمُوجِبِهِ بِسُؤَالِ مَنْ جَازَ مَسْأَلَتُهُ وَسَأَلَنِي مَنْ جَازَ سُؤَالُهُ وَشَرَعَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ إجَابَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ إلَى الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ فَأَجَبْتُهُ إلَى مَا الْتَمَسَهُ لِجَوَازِهِ شَرْعًا وَتَقَدَّمْتُ بِهَذَا فَكَتَبَ وَبِإِلْصَاقِ الْمَحْضَرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَأَلْصَقَ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْتُهُ وَتَصَفَّحَ مَا سَطَّرْتُهُ وَاعْتَمَدَ فِي إنْفَاذِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ مَا يُوَجِّه الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ أَحْرَزَ مِنْ الْأَجْرِ أَجْزَاءً لَهُ وَكَتَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْمَحْرُوسِ مِنْ مَكَانِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَاضِي اسْمَهُ فِي الْعِنْوَانِ وَلَا ذِكْرَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ فَلَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ إلَيْهِ، وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْعِنْوَانِ دُونَ بَاطِنِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ وَلَنَا أَنَّ الْمُعَوِّلَ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ بِالْحُكْمِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوْ انْمَحَى سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا وَحَكَمَ بِهَا.

[بَابُ الْقِسْمَةِ]

(بَابُ الْقِسْمَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ اسْمُ مَصْدَرِ قَسَمَ يَقْسِمُ قَسْمًا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْقَسْمُ مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ فَانْقَسَمَ وَقَاسَمَهُ الْمَالَ وَتَقَاسَمَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ (وَهِيَ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ عَنْ بَعْضٍ وَإِفْرَازُ مَا عَنْهَا) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهَا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28] ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ» وَكَانَ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَثْرَةِ الْأَيْدِي.

[الْقِسْمَةُ نَوْعَانِ]

[النَّوْع الْأَوَّل قِسْمَةُ تَرَاضٍ]

(وَهِيَ) أَيْ الْقِسْمَةُ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا قِسْمَةُ تَرَاضٍ لَا تَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ وَهِيَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ وَرَدُّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) عَلَى الْآخَرِ (كَالدُّورِ الصِّغَارِ وَالْحَمَّامِ وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ وَالْعَضَائِدِ الْمُلَاصِقَةِ أَيْ الْمُتَّصِلَةِ صَفًّا وَاحِدًا وَهِيَ) أَيْ الْعَضَائِدُ (الدَّكَاكِينُ اللِّطَافُ الضَّيِّقَةُ) . وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَاحِدَتُهَا عِضَادَةٌ وَهِيَ مَا يُصْنَعُ لِجَرَيَانِ الْمَاءِ فِيهِ مِنْ السَّوَاقِي ذَوَاتِ الْكَتِفَيْنِ، وَمِنْهُ عِضَادَتَا الْبَابِ وَهُمَا جَنْبَاهُ مِنْ جَنْبَيْهِ، (فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (قِسْمَةَ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ) أَيْ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَهَا فِي مُقَابَلَةِ بَعْضٍ (لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ وَيَقْصِدُ بِالسَّكَنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقٌ مُفْرَدٌ) وَكُلُّ عَيْنٍ مِنْهَا تَخْتَصُّ بِاسْمٍ وَصُورَةٍ وَلَوْ بِيعَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ لِمَالِكِ الَّتِي تُجَاهَهَا (فَيَجْرِي) ذَلِكَ مَجْرَى الدُّورِ الْمُتَجَاوِرَةِ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُفْرَدَةً، وَكَذَا الشَّجَرُ الْمُفْرَدُ وَالْأَرْضُ الَّتِي بِبَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ أَوْ نَحْوُهُ أَيْ وَنَحْوُ مَا ذَكَرَ فَتُعْتَبَرُ كُلُّ عَيْنٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهَا (وَ) حَيْثُ (لَا يُمْكِنُ قِسْمَةٌ بِالْأَجْزَاءِ وَالتَّعْدِيلِ) لَا يُقْسَمُ بِغَيْرِ رِضَا الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ (فَإِنْ قَسَمُوهُ أَعْيَانًا بِرِضَاهُمْ بِالْقِيمَةِ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ) لَا يَعْدُوهُمْ.

(وَحُكْمُهَا) أَيْ قِسْمَةُ التَّرَاضِي (كَبَيْعٍ) لِأَنَّ صَاحِبَ الزَّائِدِ بَذَلَ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ حَقِّ شَرِيكِهِ وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ.
(قَالَ الْمَجْدُ: الَّذِي تَحَرَّرَ عِنْدِي فِيمَا فِيهِ رَدٌّ أَنَّهُ بَيْعٌ فِيمَا يُقَابِلُ الرَّدِّ) أَيْ الْعِوَضِ الَّذِي رُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَإِفْرَازٌ فِي الْبَاقِي انْتَهَى) وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَصَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْمُوَفَّقُ فِي الْكَافِي: الْبَيْعُ مَا فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ فَهِيَ إفْرَازُ النَّصِيبَيْنِ وَتَمْيِيزُ الْحِصَصِ وَلَيْسَتْ بَيْعًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَلَا يَجُوزُ فِيهَا) أَيْ قِسْمَةِ التَّرَاضِي (مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ) لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ.
(وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ) مِنْهُمَا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، قَالَ الثَّوْرِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَهُ طَرِيقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَسَفَهٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَجْرَ أَشْبَهَ هَدْمَ الْبِنَاءِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ بِالْأَجْزَاءِ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ بِالْأَجْزَاءِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ وَاسِعَةً يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ نِصْفُهَا لِوَاحِدٍ وَنِصْفُهَا لِلْآخَرِ وَيُجْعَلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فِي أَعْلَاهَا، أَوْ يَكُونَ الْبِنَاءُ كَبِيرًا يُمْكِن أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

نِصْفَهُ أَوْ أَمْكَنَ الْقَسْمُ بِالتَّعْدِيلِ كَأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْأَرْضِ بِئْرٌ يُسَاوِي مِائَةً وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهَا بِئْرٌ يُسَاوِي مِائَةً فَهُوَ مِنْ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ.
(فَلَوْ) كَانَ لَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ وَ (قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا آخِذُ الْأَدْنَى وَيَبْقَى لِي فِي الْأَعْلَى تَتِمَّةُ حِصَّتِي فَلَا إجْبَارَ) لِلشَّرِيكِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَلَا إجْبَارَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ، (وَمَنْ دَعَا شَرِيكَهُ فِيهَا) أَيْ فِي الدُّورِ الصِّغَارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ (أَوْ) دَعَا شَرِيكَهُ (فِي شَرِكَةِ عَبْدٍ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَكِتَابٍ (إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ) إنْ امْتَنَعَ عَنْ الْبَيْعِ لِيَتَخَلَّصَ الطَّالِبُ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (فَإِنْ أَبَى) الْمُمْتَنِعُ الْبَيْعَ (بِيعَ) أَيْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ (عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، كَمَا بِيعَ الرَّهْنُ إذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ (وَقَسْمُ الثَّمَنِ) بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ (نَصًّا، قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ) - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. (وَكَذَا لَوْ طَلَبَ) أَحَدُهُمَا (الْإِجَارَةَ وَلَوْ فِي وَقْفٍ) فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ فَإِنْ أَصَرَّ أَجَّرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا وَقَسَّمَ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا بِحَسْبِ الْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ، (وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنْ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ نَقْصُ قِيمَةِ الْمَقْسُومِ بِهَا) لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا وَسَوَاءٌ انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أَوْ لَا، وَلَا يُعْتَبَرُ الضَّرَرُ (بِكَوْنِهِمَا لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا) خِلَافًا لِظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ الْقِيَاسُ وَهُوَ رِوَايَةٌ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَحْدَهُ كَرَبِّ الثُّلُثِ مَعَ رَبِّ الثُّلُثَيْنِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ) وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ هُوَ الْمُتَضَرِّرُ لِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ مَالٍ، وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ يُضَرُّ بِهَا صَاحِبُهُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا (وَمَا تَلَاصَقَ مِنْ دُورٍ وَعَضَائِدَ وَنَحْوِهَا) كَأَقْرِحَةٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ بِهَا وَلَا شَجَرَ كَمُتَفَرِّقٍ (يُعْتَبَرُ الضَّرَرُ فِي عَيْنٍ وَحْدَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَيْنُ بَهَائِمَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ نَحْوِهَا) كَأَوَانِي فَإِنْ كَانَتْ (مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) وَفِي الْمُغْنِي مِنْ نَوْعٍ (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا أَعْيَانًا) وَأَمْكَنَ أَنْ تُعْدَلَ (بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ إنْ تَسَاوَتْ الْقِيمَةُ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنْ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَهَذِهِ قِسْمَةٌ لَهُمْ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ عَيْنٌ أَمْكَنَ قِسْمَتُهَا وَلَا ضَرَرَ وَلَا رَدَّ عِوَضٍ فَأُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَرْضًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَسَاوَ الْقِيمَةُ (فَلَا) إجْبَارَ (كَاخْتِلَافِ أَجْنَاسٍ) بِأَنْ كَانَ بَعْضُ الْبَهَائِمِ ضَأْنًا وَبَعْضُهَا بَقَرًا (وَالْآجُرُّ) وَهُوَ اللَّبِنُ الْمَشْوِيُّ (وَاللَّبِنُ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ تَحْتُ وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْوِيِّ (الْمُتَسَاوِي الْقَوَالِبِ مِنْ قِسْمَةِ الْأَجْزَاءِ) لِلتَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ (وَالْمُتَفَاوِتُ) الْقَوَالِبِ (مِنْ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ) بِالْقِيمَةِ.

(فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ أَوْ عَرْصَةُ حَائِطٍ وَهِيَ مَوْضِعُهُ بَعْدَ اسْتِهْدَامِهِ) أَيْ الْحَائِطِ (فَطَلَب أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهُ) أَيْ الْحَائِطِ أَوْ عَرْصَتِهِ (وَلَوْ طُولًا فِي كَمَالِ الْعَرْضِ) لَمْ يُجْبَرْ مُمْتَنِعٌ (أَوْ) طَلَبَ قِسْمَةَ (الْعَرْصَةِ عَرْضًا وَلَوْ وَسَعَتْ حَائِطَيْنِ لَمْ يُجْبَرْ مُمْتَنِعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَائِطُ مَبْنِيًّا لَمْ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ عَرَضًا فِي تَمَامِ طُولِهِ بِدُونِ نَقْضِهِ لِيَنْفَصِلَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْإِجْبَارُ عَلَيْهِ، وَلَا طُولًا فِي تَمَامِ الْعَرْضِ لِأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْ الْحَائِطِ يُنْتَفَعُ بِهَا عَلَى حِدَتِهَا، وَالنَّفْعُ فِيهَا مُخْتَلِفٌ فَلَا يَجُوزُ إجْبَارُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى تَرْكِ انْتِفَاعِهِ بِمَكَانٍ مِنْهُ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ كَانَا دَارَيْنِ أَوْ عِضَادَتَيْنِ مُتَلَاصِقَتَيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْجَمِيعِ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ فَهُوَ كَالْعَرْصَةِ الضَّيِّقَةِ، وَالْعَرْصَةُ الضَّيِّقَةُ لَا يَجُوزُ الْإِجْبَارُ فِي قِسْمَتِهَا فَكَذَلِكَ هَذِهِ.

(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ فَطَلَب أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا، لِأَحَدِهِمَا الْعُلْوُ وَلِلْآخَرِ السُّفْلُ) فَلَا إجْبَارَ، (أَوْ طَلَبَ) أَحَدُهُمَا (قِسْمَةَ السُّفْلِ دُون الْعُلْوِ أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ طَلَب قِسْمَةَ الْعُلْوِ دُون السُّفْلِ بِلَا إجْبَارٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْكَنٌ مُنْفَرِدٌ وَلِأَنَّ فِي إحْدَى الصُّوَرِ قَدْ يَحْصُلُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلْوُ سُفْلِ الْآخَرِ فَيَتَضَرَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَفِي أَحَدِهِمَا لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ، (أَوْ) طَلَبَ أَحَدُهُمَا (قِسْمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ (عَلَى حِدَةٍ فَلَا إجْبَارَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، (وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهُمَا) أَيْ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ (مَعًا وَلَا ضَرَرَ) وَلَا رَدَّ عِوَضٍ (وَجَبَ) وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ (وَعَدَلَ بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَ (لَا) يَحْصُلُ (ذِرَاعُ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْ عُلْوٍ) وَلَا عَكْسُهُ (وَلَا ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ) إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ (وَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (عَلَى قَسْمِ الْمَنَافِعِ كَدَارٍ مَنْفَعَتُهَا لَهُمَا مِثْلَ دَارِ وَقْفٍ عَلَيْهِمَا أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ) لَهُمَا أَوْ لِمُوَرِّثِهِمَا (أَوْ مِلْكٍ لَهُمَا فَاقْتَسَمَاهَا مُهَايَأَةً بِزَمَانٍ بِأَنْ تُجْعَلَ الدَّارُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَهْرًا أَوْ عَامًا وَنَحْوَهُ) بِحَسَبِ مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ (وَفِي يَدِ الْآخَرِ مِثْلُهَا) أَيْ مِثْلُ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا بِيَدِ الْأَوَّلِ (أَوْ) اقْتَسَمَاهَا مُهَايَأَةً (بِمَكَانٍ كَسُكْنَى هَذَا فِي بَيْتٍ وَ) سُكْنَى (الْآخَرِ فِي بَيْتٍ وَنَحْوِهِ جَازَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ كَالْأَعْيَانِ) . وَالْحَقُّ لَهُمَا فِيهَا فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا تَطْوِيلَ الدَّوْرِ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ) الشَّرِيكُ (الْآخَرُ تَقْصِيرَهُ وَجَبَتْ إجَابَةُ مَنْ طَلَبَ التَّقْصِيرَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَهَايَآ) عَبْدًا أَوْ نَحْوَهُ (اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ

(بِنَفَقَتِهِ وَكَسْبِهِ فِي مُدَّتِهِ) لِيَحْصُلَ مَقْصُودُ الْقِسْمَةِ (لَكِنْ لَا يَدْخُلُ) فِي الْمُهَايَأَةِ (الْكَسْبُ النَّادِرُ فِي وَجْهٍ كَاللُّقَطَةِ وَالْهِبَةِ وَالرِّكَازِ) إذَا وَجَدَهُ الْعَبْدُ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي نَوْبَتِهِ وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَا جَزَمَ بِهِ هُوَ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمَا فِي آخَرِ اللُّقَطَةِ فِي الْمُبَعَّضِ إذَا وَجَدَهَا.

(وَإِنْ تَهَايَآ فِي الْحَيَوَانِ اللَّبُونِ لِيَحْلِبَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) تَهَايَآ (فِي الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ لِتَكُونَ الثَّمَرَةُ لِهَذَا عَامًا وَلِهَذَا عَامًا لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ (لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ لَكِنْ طَرِيقُهُ أَنْ يُبِيحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْمُدَّةِ) الَّتِي تَكُونُ بِيَدِهِ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمِنْحَةِ وَالْإِبَاحَةِ لَا الْقِسْمَةِ (وَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (جَائِزًا لَا لَازِمًا) سَوَاءٌ عَيَّنَا مُدَّةً أَوْ لَمْ يُعَيِّنَاهَا كَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ (فَلَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ نَوْبَتِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ نَوْبَتِهِ (غَرِمَ مَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ) أَيْ أَعْطَى شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِزَمَنِ انْفِرَادِهِ بِالِانْتِفَاعِ.

(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ لَهُمَا فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا دُونَ الزَّرْعِ قُسِّمَتْ كَالْخَالِيَةِ) مِنْ الزَّرْعِ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ كَالْقُمَاشِ فِي الدَّارِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ قِسْمَةَ الدَّارِ، فَكَذَا الزَّرْعُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّرْعِ بَذْرًا أَوْ قَصِيلًا أَوْ مُشْتَدًّا (وَإِنْ طَلَب قِسْمَةَ الزَّرْعِ دُونَهَا) أَيْ الْأَرْضِ (أَوْ) طَلَبَ (قِسْمَتَهُمَا مَعًا فَلَا إجْبَارَ) لِلْمُمْتَنِعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ لِلنَّقْلِ عَنْهَا، وَتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بِالسِّهَامِ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِيهِ جَيِّدٌ وَرَدِيءٌ فَإِنْ جَعَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الرَّدِيءِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلِيلِ مِنْ الْجَيِّدِ كَانَ صَاحِبُ الرَّدِيءِ مُنْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْهَا، لِأَنَّ الزَّرْعَ يَجِبُ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ إلَى حَصَادِهِ (وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قِسْمَةِ الزَّرْعِ (وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ) الزَّرْعُ (قُطْنٌ جَازَ) كَبَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَالْجَوَازَ التَّفَاضُلُ إذَنْ (وَإِنْ كَانَ) الزَّرْعُ (بَذْرًا أَوْ سُنْبُلًا مُشْتَدَّ الْحَبِّ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَجْهُولٌ وَأَمَّا السُّنْبُلُ فَلِأَنَّهُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاوِي.

(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ أَوْ قَنَاةٌ أَوْ عَيْنٌ نَبَعَ مَاؤُهَا فَالنَّفَقَةُ لِحَاجَةٍ بِقَدْرِ حَقِّهِمَا) أَيْ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمَاءِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (وَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرْطَاهُ عِنْدَ اسْتِخْرَاجِهِ) أَيْ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (وَإِنْ رَضِيَا بِقَسْمِهِ) أَيْ الْمَاءِ (مُهَايَأَةً بِالزَّمَانِ) كَيَوْمٍ لِهَذَا وَيَوْمٍ لِهَذَا جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَكَالْأَعْيَانِ (أَوْ) تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهِ (بِمِيزَانٍ بِأَنْ يُنْصَبَ حَجَرٌ مُسْتَوٍ أَوْ) يَنْصِبَ (خَشَبَةٌ فِي مَصْدَرِ الْمَاءِ فِيهِ) أَيْ الْحَجَرِ أَوْ الْخَشَبَةِ (ثَقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا جَازَ)

لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فَجَازَ قَسْمُ الْأَرْضِ بِالتَّعْدِيلِ (وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَا شِرْبَ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ النَّصِيبُ مِنْ الْمَاءِ (لَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ لَمْ يَمْنَعْ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَهُوَ يَنْصَرِفُ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَلَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ.

[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ قِسْمَةُ إجْبَارٍ]

ٍ) لِأَنَّهُ يَلِي النَّوْعَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي (وَهِيَ) أَيْ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ (مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَيْهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا رَدَّ عِوَضٍ كَأَرْضٍ وَاسِعَةٍ وَقَرِيبَةٍ وَبُسْتَانٍ وَدَارٍ كَبِيرَةٍ وَدُكَّانٍ وَاسِعٍ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ أَوْ لَا إذَا أَمْكَنَ قِسْمَتُهَا بِتَعْدِيلِ السِّهَامِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُجْعَلُ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ) أَيْ تَعْدِيلَ السِّهَامِ (إلَّا بِجَعْلِ شَيْءٍ مَعَهَا فَلَا إجْبَارَ) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ امْتَنَعَ مِنْهَا كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
(وَلَهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (قَسْمُ أَرْضِ بُسْتَانٍ دُونَ شَجَرِهِ وَعَكْسُهُ) بِأَنْ يَقْتَسِمَا الشَّجَرَ دُونَ الْأَرْضِ.
(وَ) قَسْمُ (الْجَمِيعِ فَإِنْ قَسَّمَا الْجَمِيعَ) أَيْ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ (أَوْ) قَسَّمَا (الْأَرْضَ) وَحْدَهَا (فَقِسْمَةُ إجْبَارٍ) حَيْثُ أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهَا بِالتَّعْدِيلِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ عِوَضٍ (وَيَدْخُلُ الشَّجَرُ تَبَعًا) لِلْأَرْضِ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ قَسَمَا) أَيْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا (الشَّجَرَ وَحْدَهُ فَلَا إجْبَارَ) لِمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا (وَمِنْ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ قِسْمَةُ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَدُهْنٍ) مِنْ زَيْتٍ وَشَيْرَجٍ وَغَيْرِهِمَا (وَلَبَنٍ وَدِبْسٍ وَخَلٍّ وَتَمْرٍ وَعِنَبٍ وَنَحْوِهِمَا) كَسَائِرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ الْمَكِيلَةِ.
(وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ فِيهَا) أَيْ فِي الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا النَّوْعِ (وَأَبَى) الشَّرِيكُ (الْآخَرُ أُجْبِرَ) الْمُمْتَنِعُ (وَلَوْ كَانَ وَلِيًّا عَلَى صَاحِبِ الْحِصَّةِ) لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إزَالَةَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ، وَحُصُولَ النَّفْعِ لِلشَّرِيكَيْنِ، لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا تَمَيَّزَ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إحْدَاثِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ مَعَ الِاشْتِرَاكِ.
وَيُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ أَيْضًا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَلَكَهُمْ بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا حُكْمًا عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لِخَصْمِهِ بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَيَشْتَرِطُ أَيْضًا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ انْتِفَاءُ الضَّرَرِ، وَإِمْكَانُ تَعْدِيلِ

السِّهَامِ فِي الْعَيْنِ الْمَقْسُومَةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُجْعَلُ فِيهَا (وَيُقَسِّمُ حَاكِمٌ مَعَ غَيْبَةِ وَلِيٍّ وَكَذَا) يُقَسِّمُ حَاكِمٌ.
(وَعَلَى غَائِبٍ فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ) لِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى الْغَائِبِ فَجَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِثْلِيًّا وَهُوَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ، وَغَابَ الشَّرِيكُ أَوْ امْتَنَعَ) مِنْ قِسْمَتِهِ (جَازَ لِ) لِشَرِيكِ (الْآخَرِ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَاهُ فِي الْوَدِيعَةِ تَبَعًا لِلْمُقْنِعِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُحَقِّقِينَ (لَا عِنْدَ الْقَاضِي) وَالنَّاظِمِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ آنِفًا، وَمِنْ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ قِسْمَةُ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ إذْ الْقَوْلُ بِإِجْبَارٍ يَمْنَعُ الْأَخْذَ بِنَفْسِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَنَّ الْقِسْمَةَ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا بَيْعًا (وَإِذْنُ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ النِّزَاعَ) وَيُزِيلُ الِاخْتِلَافَ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِي) جَوَابِ سُؤَالٍ عَنْ (قَرْيَةٍ مُشَاعَةٍ قَسَّمَهَا فَلَّاحُوهَا هَلْ يَصِحُّ؟ فَقَالَ: إذَا تَهَايَئُوا وَزَرَعَ كُلٌّ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ فَالزَّرْعُ لَهُ) أَيْ لِلزَّارِعِ (وَلِرَبِّ الْأَرْضِ نَصِيبُهُ) أَيْ الْقِسْطُ الْمُعْتَادُ لَهُ نَظِيرَ رَقَبَةِ الْأَرْضِ (إلَّا أَنَّ مَنْ تَرَكَ نَصِيبَ مَالِكِهِ) يَعْنِي مِنْ نَصِيبٍ هُوَ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ (فَلَهُ أُجْرَةُ الْفَضْلَةِ) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا (أَوْ مُقَاسَمَتُهَا) أَيْ أَخْذُ قِسْمَةِ الْفَضْلَةِ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ مَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ لِرَبِّ الْأَرْضِ مُقَاسَمَتُهُ فِي الزَّرْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَادَةَ أُولَئِكَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَقَطْ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ عَدَمُ صِحَّةِ قِسْمَةِ أَرْضٍ مِنْ الْفَلَّاحِينَ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ لَهَا لَكِنَّ الزَّرْعَ لِزَارِعِهِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَهِيَ) أَيْ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ (إفْرَازُ حَقِّ) أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ التَّمْلِيكِ وَلَا تَجِبُ فِيهَا شُفْعَةٌ وَيَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ وَالْإِفْرَازُ مَصْدَرُ أَفْرَزْتُ الشَّيْءَ، يُقَال: فَرَزْتُهُ وَأَفْرَزْتُهُ إذَا عَزَلْتُهُ (لَا بَيْعٌ) . أَيْ وَلَيْسَتْ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ بَيْعًا لِأَنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا كَسَائِرِ الْعُقُودِ (فَيَصِحُّ قَسْمُ وَقْفٍ بِلَا رَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا) عَلَى الْآخَرِ (إذَا كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى جِهَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ (فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُقَسَّمُ عَيْنُهُ قِسْمَةً لَازِمَةً اتِّفَاقًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ) وَمَا بَعْدَهَا.
(وَلَكِنْ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ) فِيهِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (وَهِيَ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَهَذَا وَجْهُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَفِي الْمُبْهِجِ لُزُومُهَا إذَا اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ تَهَيَّئُوا (وَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ) إذَا تَقَاسَمُوا نَفْعَهُ بِالْمُهَايَأَةِ (مُدَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الشُّرَكَاءِ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُمْ أَرْفَقُ بِهِمْ مَعَ حُصُولِ التَّسَاوِي.

قُلْت فَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي نَظِيرِ مَا يَسْتَوْفِيهِ شَرِيكُهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ لَا الْعَارِيَّةِ (وَإِنْ نَقَصَ الْحَادِثُ عَنْ الْعَادَةِ) لِعَجْزٍ فِي الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ (فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ) لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِمَّا اسْتَوْفَاهُ زَائِدًا عَنْهُ (وَتَجُوزُ قِسْمَةُ مَا بَعْضُهُ وَقْفٌ وَبَعْضُهُ طِلْقٌ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ حَلَالٌ، وَسُمِّيَ الْمَمْلُوكُ طِلْقًا لِأَنَّ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ حَلَالٌ وَالْمَوْقُوفُ لَيْسَ كَذَلِكَ (بِلَا رَدِّ عِوَضٍ مِنْ رَبِّ الطِّلْقِ) عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ.
(وَ) تَجُوزُ الْقِسْمَةُ (بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ مُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ) لِأَنَّهُ يَشْتَرِي بَعْضَ الطِّلْقِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَإِنَّ بَيْعَ الْوَقْفِ غَيْرُ جَائِزٍ (وَ) تَجُوزُ قِسْمَةُ (الدَّيْنِ فِي ذِمَمِ الْغُرَمَاءِ) حَيْثُ قُلْنَا: إنَّهَا إفْرَازٌ لَا بَيْعٌ تَبِعَ فِيهِ الْإِنْصَافُ هُنَا (وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا) إنْ كَانَتْ مِمَّا يُخْرَصُ كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ (وَلَوْ) كَانَتْ الثِّمَارُ (عَلَى شَجَرٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ) أَيْ الثَّمَرِ وَلَوْ (بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَ) تَجُوزُ (قِسْمَةُ لَحْمِ هَدْيٍ وَأَضَاحِيٍّ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ الذَّبَائِحِ.
(وَ) قِسْمَةُ (مَرْهُونٍ فَلَوْ رَهَنَ) شَرِيكٌ (سَهْمَهُ مُشَاعًا ثُمَّ قَاسَمَ شَرِيكَهُ صَحَّ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ (وَاخْتَصَّ قَسْمُهُ بِالرَّهْنِ، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَزْنًا وَ) قِسْمَةُ (مَا يُوزَنُ كَيْلًا وَتَفَرُّقُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِيهِمَا) لِأَنَّ التَّفَرُّقَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ وَهَذَا إفْرَازٌ (وَلَا خِيَارَ فِيهَا) أَيْ فِي الْقِسْمَةِ (وَلَا شُفْعَةَ وَلَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ إذَا قَاسَمَ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ (وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَاشِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ فَاقْتَسَمَاهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَاسْتَدَامَا خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ) لِأَنَّ أَحَدَهُمْ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْ الْآخَرِ وَلَا بَيْع (وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْقِسْمَةِ غَبْنٌ فَاحِشٌ لَمْ تَصِحَّ) الْقِسْمَةُ لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْإِفْرَازِ (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ يَشْرَبُ بَعْضُهَا سَحًّا وَ) يَشْرَبُ (بَعْضُهَا بَعْلًا أَوْ فِي بَعْضِهَا شَجَرٌ وَفِي بَعْضِهَا نَخْلٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ قُدِّمَ مِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إنْ أَمْكَنَ التَّسْوِيَةُ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى التَّعْدِيلِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا فِي الْجَمِيعِ وَلِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْقِسْمَةِ زَوَالُ الشَّرِكَةِ.
وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرَ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) أَيْ يُسَوِّي فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ (وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ عُدِلَتْ) بِالْقِيمَةِ لِتَعَيُّنِهِ إذَنْ (وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ) مِنْ الْقِسْمَةِ لِإِمْكَانِهَا بِلَا ضَرَرٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّعْدِيلُ أَيْضًا بِالْقِيمَةِ (فَلَا) إجْبَارَ لِمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا.

[فَصْلٌ وَيَجُوز لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ]

(فَصْلٌ وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ) وَأَنْ يَتَقَاسَمُوا (بِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ لَا يَعْدُوهُمْ (أَوْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَهُ) أَيْ الْقَاسِمِ لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ طَلَبَهُ حَقٌّ لَهُمْ فَجَازَ أَنْ يَسْأَلُوهُ الْحَاكِمَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ (وَأُجْرَتُهُ) أَيْ الْقَاسِمِ وَتُسَمَّى الْقُسَامَةَ بِضَمِّ الْقَافِ (مُبَاحَةٌ) لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ عَمَلٍ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ.
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ الْقَاسِمَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ (بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِيَقْسِمَ نَصِيبَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ الشُّرَكَاءُ (جَمِيعًا إجَارَةً وَاحِدَةً بِأُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَقْسُومِ) كَالنَّفَقَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ (مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ) فَيُتْبَعُ عَلَى مَا فِي الْكَافِي.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَهِيَ بِقَدْرِ الْأَمْلَاكِ وَلَوْ شَرَطَ خِلَافَهُ (وَ) الْأُجْرَةُ عَلَى الْجَمِيعِ (وَسَوَاءٌ طَلَبُوا الْقِسْمَةَ) أَوْ طَلَبَهَا (أَحَدُهُمْ وَأُجْرَةُ شَاهِدٍ يَخْرُجُ لِقَسْمِ الْبِلَادِ وَوَكِيلٍ وَأَمِينٍ لِلْحِفْظِ) أَيْ حِفْظِ الزَّرْعِ الَّذِي يُؤْخَذُ خَرَاجَهُ مِنْهُ (عَلَى مَالِكٍ وَفَلَّاحٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) يَعْنِي بِقَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَأُجْرَةِ لِلْقَاسِمِ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (إذَا مَانَهُمْ الْفَلَّاحُ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ) لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ (أَوْ) بِقَدْرِ مَا (يَسْتَحِقُّهُ لِلضَّيْفِ حَلَّ لَهُمْ وَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ إلَّا قَدْرَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالزِّيَادَةُ يَأْخُذُهَا الْمُقَطِّعُ، فَالْمُقَطِّعُ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ الْفَلَّاحِينَ فَإِذَا أَعْطَى الْوَكِيلُ الْمُقَطِّعَ مِنْ الضَّرِيبَةِ مَا يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ إلَّا أُجْرَةَ عَمَلِهِ جَازَ ذَلِكَ) . قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ كَيْفَ وَلَهُ مَدْخَلٌ فِي ظُلْمِهِمْ؟ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113] (وَيُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ الْقَاسِمُ) الَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ (مُسْلِمًا عَدْلًا) لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الْقِسْمَةِ (عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ) لِيَحْصُلَ مِنْهُ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يَكُنْ تَعْيِينُهُ لِلسِّهَامِ مَقْبُولًا.
(قَالَ) الشَّيْخُ (الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَالشَّارِحِ وَالزَّرْكَشِيِّ: (وَعَارِفًا بِالْحِسَابِ) لِأَنَّهُ كَالْخَطِّ لِلْكَاتِبِ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ أَسْقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِمْ لَمْ يُشْتَرَطْ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا كَانَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا (فَإِنْ كَانَ) الْقَاسِمُ (كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ جَاهِلًا بِالْقِسْمَةِ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمْ بِهَا) كَمَا لَوْ اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ.
(وَيَعْدِلُ) الْقَاسِمُ (السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إنْ تَسَاوَتْ) كَالْمَائِعَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ وَكَالْأَرْضِ الْمُتَسَاوِيَةِ جَوْدَةً أَوْ رَدَاءَةً (وَ) يَعْدِلُ السِّهَامَ (بِالْقِيمَةِ إنْ اخْتَلَفَتْ) فَيَجْعَلُ السَّهْمَ الرَّدِيءَ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ الْجَيِّدِ بِحَيْثُ إذَا قُوِّمَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ التَّعْدِيلُ بِالْأَجْزَاءِ لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا.
(وَ) تَعْدِلُ السِّهَامُ (بِالرَّدِّ إنْ اقْتَضَتْهُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِعَدِيلِ السِّهَامِ بِالْأَجْزَاءِ وَلَا بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ بِالرَّدِّ بِأَنْ يَجْعَلَ مَعَ الرَّدِيءِ أَوْ الْقَلِيلِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الْجَيِّدَ أَوْ الْأَكْثَرَ (فَإِذَا تَمَّتْ) الْقِسْمَةُ بِأَنْ عَدَلَتْ السِّهَامُ بِوَاحِدٍ مِمَّا سَبَقَ.
(وَأَخْرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ وَقُرْعَتُهُ كَالْحَاكِمِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي تَعْدِيلِ السِّهَامِ كَاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَ قُرْعَتُهُ (وَلَوْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (ضَرَرٌ أَوْ رَدُّ) عِوَضٍ وَسَوَاءٌ (تَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ بِقَاسِمٍ لِأَنَّهَا كَالْحُكْمِ مِنْ الْحَاكِمِ) فَلَا تُنْقَضُ (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الْقُرْعَةِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لَزِمَتْ بِرِضَاهُمَا وَتَفَرُّقِهِمَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ حَتَّى يَرْضَيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِيهِ رَدٌّ بَيْعٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ بَذَلَ عِوَضًا لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ وَالْبَيْعُ لَا يَلْزَمُ بِالْقُرْعَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْخِيَارِ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يَثْبُتُ فِي الْقِسْمَةِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي (وَتَعْدِيلُ السِّهَامِ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ مُتَسَاوِيَةً كَأَرْضٍ بَيْنَ سِتَّةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمْ سُدُسُهَا فَتُعَدَّلُ) الْأَرْضُ (بِالْمَسَّاحَةِ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةً ثُمَّ يَقْرَعُ) بَيْنَ الشُّرَكَاءِ (الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَّفِقَةً) بِأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَ سِتَّةٍ سَوِيَّةً.
(وَ) تَكُونَ (الْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً) لِاخْتِلَافِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً (فَتَعْدِلُ الْأَرْضُ بِالْقِيمَةِ وَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةً بِالْقِيمَةِ) لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ بِالْأَجْزَاءِ ثُمَّ يَقْرَعُ (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً وَالسِّهَامُ مُخْتَلِفَةً كَأَرْضٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ النِّصْفُ، وَلِلثَّانِي الثُّلُثُ وَلِلثَّالِثِ السُّدُسُ وَأَجْزَاؤُهَا مُتَسَاوِيَةُ الْقِيَمِ فَتُجْعَلُ) الْأَرْضُ (سِتَّةَ أَسْهُمٍ) مُتَسَاوِيَةً لِأَنَّهَا الْمَخْرَجُ الْجَامِعُ لِتِلْكَ الْكُسُورِ.
(الرَّابِعُ: إذَا اخْتَلَفَتْ السِّهَامُ وَالْقِيمَةُ) كَأَرْضٍ مُخْتَلِفَةِ الْقِيَمِ لِثَلَاثَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (فَتَعْدِلُ السِّهَامُ بِالْقِيمَةِ وَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ ثُمَّ يَقْرَعُ وَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ بِرِضَاهُمَا وَتَفَرُّقِهِمَا) مِنْ الْمَجْلِسِ

بِأَبْدَانِهِمَا كَتَفْرِيقِ مُتَبَايِعَيْنِ.
(فَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ (تَقْوِيمٌ لَمْ يَجُزْ) أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمَا (أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْقُرْعَةِ) فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا أَقُلُّ مِنْ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَقْوِيمٌ (أَجْزَأَ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ يَنْفُذُ مَا يَجْتَهِدُ فِيهِ أَشْبَهَ الْقَائِفَ وَالْحَاكِمَ (وَإِذَا سَأَلُوا) أَيْ الشُّرَكَاءُ (الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِسْمَةٌ) بَيْنَهُمْ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ فِيهِ (بَلْ يَجُوزُ) لَهُ قِسْمَةٌ بِإِقْرَارِهِمْ وَتَرَاضِيهِمْ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْمِلْكُ وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا بِإِقْرَارِهِمَا لَا عَلَى غَيْرِهِمَا (فَإِنْ قَسَمَهُ) الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ (ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ بِمِلْكِهِ لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ) لِئَلَّا يَتَوَهَّم الْحَاكِمُ بَعْدَهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ضَرَرِ مَنْ يَدَّعِي فِي الْعَيْنِ حَقًّا (وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِسْمَةِ لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمْ كَمَا سَبَقَ وَكَيْفَمَا أَقْرَعُوا جَازَ) إنْ شَاءُوا رِقَاعًا أَوْ بِالْخَوَاتِيمِ أَوْ الْحَصَا أَوْ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ.
(وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ شَرِيكٍ فِي رُقْعَةٍ) لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى التَّمْيِيزِ (ثُمَّ تُدْرَجُ) الرِّقَاعُ (فِي بَنَادِقَ) كُلُّ رُقْعَةٍ فِي بُنْدُقَةٍ مِنْ (شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةٍ قَدْرًا وَوَزْنًا) حَتَّى لَا يُعْلَمَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (ثُمَّ تُطْرَحُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ) أَيْ الْكِتَابَ وَالْأَدْرَاجَ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ (وَيُقَال لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ) لِيُعْلَم مِنْ هُوَ لَهُ (فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَانَ) ذَلِكَ السَّهْمُ (لَهُ) لِأَنَّ اسْمَهُ خَرَجَ عَلَيْهِ وَتَمَيَّزَ سَهْمُهُ بِهِ (ثُمَّ) يَفْعَلُ (بِالثَّانِي كَذَلِكَ) . أَيْ كَمَا فَعَلَ الْأَوَّلُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْإِخْرَاجِ لِمُسَاوَاتِهِ لِلْأَوَّلِ (وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ إنْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَاسْتَوَتْ سِهَامُهُمْ) لِتَعَيُّنِ السَّهْمِ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ لِزَوَالِ الْإِبْهَامِ (وَإِنْ كَتَبَ سَهْمَ كُلِّ اسْمٍ فِي رُقْعَةٍ ثُمَّ أُخْرِجَ) مَنْ طُرِحَتْ فِي حِجْرِهِ بَعْدَ إدْرَاجِهَا كَمَا سَبَقَ (بُنْدُقَةً لِفُلَانٍ جَازَ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (وَإِنْ كَانَتْ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ مُخْتَلِفَةً كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ جَزَّأَ) الْقَاسِمُ (الْمَقْسُومَ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ) كَمَا سَبَقَ (وَأَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ) أَيْ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي تَعْلِيلُهُ (فَيَكْتُبُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةَ رِقَاعٍ وَ) يَكْتُبُ (لِرَبِّ الثُّلُثِ رُقْعَتَيْنِ وَ) يَكْتُبُ (لِرَبِّ السُّدُسِ رُقْعَةً وَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى أَوَّلِ سَهْمٍ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ اسْمُ رَبِّ النِّصْفِ أَخَذَ مَعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الرُّقْعَةُ.
(وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَ) أَخَذَ (الثَّانِي الَّذِي يَلِيهِ) وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ السُّدُسِ أَخَذَهُ فَقَطْ (ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْن الْأَخِيرَيْنِ كَذَلِكَ وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ) فَإِنْ خَرَجَتْ الرُّقْعَةُ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَكَانَتْ الرُّقْعَةُ الْأُولَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَخَذَ صَاحِبُ الثُّلُثِ السَّهْمَ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَكَانَ الْبَاقِي لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ السُّدُسِ أَخَذَ السَّهْمَ الرَّابِعَ وَكَانَ السَّهْمُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَإِنَّمَا لَزِمَ إخْرَاجُ الْأَسْمَاءِ عَلَى السِّهَامِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ صَاحِبُ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ بِأَخْذِ نَصِيبِهِ مُتَفَرِّقًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ مُتَجَاوِرَتَانِ أَوْ مُتَبَاعِدَتَانِ أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (خَانَانِ أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (أَكْثَرُ) مِنْ دَارَيْنِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ خَانَيْنِ (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي إحْدَى الدَّارَيْنِ أَوْ إحْدَى الْخَانَيْنِ أَوْ) فِي إحْدَى (الْخَانَيْنِ وَيَجْعَلَ الْبَاقِي نَصِيبًا لِلْآخَرِ أَوْ) طَلَبَ أَنْ (يَجْعَلَ كُلَّ دَارٍ) أَوْ خَانٍ (سَهْمًا) وَامْتَنَعَ الْآخَرُ (لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ) مِنْهَا سَوَاءٌ (تَسَاوَتْ) أَيْ الْقِيمَةُ (أَوْ اخْتَلَفَتْ) لِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ مِنْهُمَا مُفْرَدَةٌ بِأَحْكَامِهَا وَحُدُودِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ أَيْضًا.

[فَصْلٌ وَمِنْ ادَّعَى غَلَطًا أَوْ حَيْفًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ]

ُ) أَيْ الشُّرَكَاءُ (بِأَنْفُسِهِمْ) مِنْ غَيْرِ قَاسِمٍ (وَأَشْهَدُوا عَلَى رِضَاهُمْ بِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) فِي دَعْوَى الْغَلَطِ أَوْ الْحَيْفِ (لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً) أَيْ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَلَا يُحَلَّفُ غَرِيمُهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْقِسْمَةِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ وَرِضَاهُ بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ يَلْزَمُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّعِي الْغَلَطَ مُسْتَرْسِلًا) لَا يُحْسِنُ الْمُشَاحَةَ فِيمَا يُقَالُ لَهُ (فَيُغْبَنُ بِمَا لَا يُسَامِحُ بِهِ عَادَةً) فَيَسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيُطَالِبُ بِالْبَيَانِ.
وَإِذَا ثَبَتَ غَبْنُهُ فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (أَوْ كَانَ) ادَّعَى غَلَطًا أَوْ حَيْفًا (فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِم قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ) لِلْغَلَطِ أَوْ الْحَيْفِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) بِمَا ادَّعَاهُ (فَتَنْقُضُ الْقِسْمَةَ) لِأَنَّ سُكُوتَهُ حَالَ قَسْمِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى الظَّاهِرِ فَلَا يَمْنَعُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ عَشْرَةٌ فَوَفَّاهَا لَهُ ثَمَانِيَةً غَلَطًا ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهَا ثَمَانِيَةٌ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِبَاقِي حَقِّهِ (وَتُعَادُ) الْقِسْمَةُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ لِيَصِل كُلٌّ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
(وَإِنْ كَانَ) ادَّعَى الْغَلَطَ

أَوْ الْحَيْفَ (فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمٌ نَصَّبُوهُ وَكَانَ فِيمَا شَرَطْنَا فِيهِ الرِّضَا) لِضَرَرٍ فِيهِ أَوْ رَدِّ عِوَضٍ وَكَانُوا قَدْ تَرَاضُوا بِالْقِسْمَةِ (بَعْدَ الْقُرْعَةِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ) لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْقِسْمَةِ عَلَى الصُّورَة الَّتِي وَقَعَتْ رِضًا بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَيَلْزَمُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْقِسْمَةِ الرِّضَا أَوْ اشْتَرَطَ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْقُرْعَةِ (فَهُوَ) أَيْ الْقَاسِمُ الَّذِي رَضِيَاهُ (كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ) فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا (وَإِذَا تَقَاسَمُوا) بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ بِقَاسِمٍ نَصَّبُوهُ أَوْ الْحَاكِمُ (ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ) أَيْ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهُ لِغَيْرِهِمَا (بَطَلَتْ) الْقِسْمَةُ لِفَوَاتِ التَّعْدِيلِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ) الْعَيْنُ (مِنْ الْحِصَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ) بِأَنْ اقْتَسَمَا أَرْضًا فَاسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّتِهِمَا مَعًا قِطْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحِصَّتَيْنِ (لَمْ تَبْطُلْ) الْقِسْمَةُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ أُفْرِزَ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْسُومُ عَيْنَيْنِ فَاسْتَحَقَّ إحْدَاهُمَا (وَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَحَقُّ (فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ) مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ (أَوْ) كَانَ (ضَرَرُهُ) فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا (أَكْثَرَ) مِنْ ضَرَرِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ (كَسَدِّ طَرِيقِهِ أَوْ) سَدِّ (مَجْرَى مَائِهِ أَوْ) سَدِّ مَحِلِّ (طَرِيقِهِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ لِفَوَاتِ التَّعْدِيلِ.
(أَوْ كَانَ) الْمُسْتَحَقُّ (شَائِعًا فِيهِمَا) بَطَلَتْ لِأَنَّ ثَمَّ شَرِيكًا لَمْ يُرْضَ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ وَسَوَاءُ كَانَتْ قِسْمَةُ تَرَاضٍ أَوْ إجْبَارٍ (أَوْ) كَانَ شَائِعًا (فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ نَصِيبَيْ الشَّرِيكَيْنِ (بَطَلَتْ) الْقِسْمَةُ لِفَوَاتِ التَّعْدِيلِ (وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (أَنَّ هَذَا) الشَّيْءَ الْمَقْسُومَ (مِنْ سَهْمِي تَحَالَفَا) أَيْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَنُقِضَتْ) الْقِسْمَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمَا وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ وَنَحْوِهِمَا) كَمَعْصَرَتَيْنِ أَوْ بُسْتَانَيْنِ (قِسْمَةَ تَرَاضٍ فَبَنَى أَحَدُهُمَا) فِي نَصِيبِهِ (أَوْ غَرَسَ فِي نَصِيبِهِ ثُمَّ خَرَجَ) نَصِيبُهُ (مُسْتَحَقًّا وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ وَقُلِعَ غَرْسُهُ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ الدَّارَ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً وَقَلَعَ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ فَإِذَا بَاعَهُ نِصْفَهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ وَكَذَا كُلُّ قِسْمَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى الْبَيْعِ.
(وَلَا يَرْجِعُ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (بِهِ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ نَصِيبُهُ مُسْتَحَقًّا وَقَلَعَ غِرَاسَهُ وَبِنَاءَهُ (فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ) لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يَغُرَّهُ وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا أَفْرَزَ حَقَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ مِمَّا

غَرِمَهُ شَيْئًا (وَإِنْ خَرَجَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ إنْ كَانَ جَاهِلًا) بِهِ أَيْ الْعَيْبِ (وَلَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ) لِلْعَيْبِ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَيْبِ فِي نَصِيبِهِ نَقْصٌ فَخُيِّرَ بَيْنَ الْأَرْشِ وَالْفَسْخِ كَالْمُشْتَرِي.

(وَيَصِحُّ بَيْعُ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ إنْ قَضَى) الدَّيْنَ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالَهَا لِلْوَرَثَةِ وَكَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي (وَيَصِحُّ الْعِتْقُ) أَيْ عِتْقُ الْوَرَثَةِ لِعَبْدٍ مِنْ التَّرِكَةِ مَعَ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ كَعِتْقِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَا يَنْقَضِي بِالْعِتْقِ وَلَوْ أُعْسِرَ الْوَرَثَةُ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَأَوْلَى (وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَنْفُذُ) الْعِتْقُ (إلَّا مَعَ يَسَارِ الْوَرَثَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْغَرِيمِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لَوْ بَاعَ الْوَارِثُ التَّرِكَةَ مَعَ اسْتِغْرَاقِهَا بِالدَّيْنِ مُلْتَزِمًا لِضَمَانِهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ وَفَائِهِ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ انْتَهَى قُلْت: وَمَفْهُومُهُ إنْ امْتَنَعَ مَعَ الْقُدْرَةِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْسَخْ الْبَيْعُ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَالنِّصَابِ الزَّكَوِيِّ.

(وَلَا يَمْنَعُ دَيْنُ الْمَيِّتِ انْتِقَالَ تَرِكَتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ) فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَيْهِمْ وَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْوَفَاءِ مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَتَقَدَّمَ (بِخِلَافِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهَا) أَيْ التَّرِكَةِ (مِنْ مُعَيَّنٍ مُوصًى بِهِ) لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ لِنَحْوِ زَيْدٍ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ إلَى حِينِ قَبُولِهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ (وَالنَّمَاءُ) فِي التَّرِكَةِ كَأَنْ أَثْمَرَتْ النَّخْلُ أَوْ اكْتَسَبَ الْعَبِيدُ أَوْ نَتَجَتْ الْمَاشِيَةُ (لَهُمْ) أَيْ لِلْوَرَثَةِ يَنْفَرِدُونَ بِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ كَكَسْبِ الْجَانِي وَ (لَا إنْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا) أَيْ التَّرِكَةِ (كَتَعَلُّقِ) أَرْشِ (جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي (لَا) كَتَعَلُّقِ (رَهْنِ) وَدَيْنِ غُرَمَاءَ بِمَالِ مُفْلِسٍ.

(وَتَصِحُّ قِسْمَتُهَا) أَيْ التَّرِكَةِ مَعَ الدَّيْنِ قَبْلَ قَضَائِهِ كَبَيْعِهَا وَأَوْلَى.

(وَظُهُورُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا يُبْطِلُهَا) كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا وَأَوْلَى (لَكِنْ إنْ امْتَنَعُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (مِنْ وَفَائِهِ) أَيْ الدَّيْنِ (بِيعَتْ) التَّرِكَةُ (فِيهِ) أَيْ فِي الدَّيْنِ لَتَقَدُّمِهِ عَلَى الْإِرْثِ (وَبَطَلَتْ الْقِسْمَةُ) لِمَا سَبَقَ.

(فَإِنْ وَفَّى أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ (دُونَ الْآخَرِ صَحَّ) أَيْ اسْتَقَرَّ لَهُ الْمِلْكُ (فِي نَصِيبِهِ وَبِيعَ نَصِيبُ الْآخَرِ) فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الدَّيْنِ.

(وَإِنْ اقْتَسَمُوا دَارًا) فِيهَا بُيُوتٌ (ذَاتُ أَسْطِحَةٍ يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لِمَنْ صَارَتْ لَهُ مَنْعُ جَرَيَانِ الْمَاءِ) لَتَقَدُّمِ الِاسْتِحْقَاقِ (إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَشَارَطُوا عَلَى مَنْعِهِ) فَيُوَفَّى بِهِ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» .

(وَإِنْ اقْتَسَمَا دَارًا فَحَصَلَتْ الطَّرِيق فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا بِلَا مَنْفَذٍ لِلْآخَرِ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّ الدَّاخِلَ الَّذِي لَا مَنْفَذَ لَهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ

السُّلُوكُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ فَلَا تَعْدِيل لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ.

(وَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ الدَّارِ الَّتِي قُسِمَتْ (ظُلَّةٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ شَيْءٌ كَالصُّفَّةِ يُسْتَتَرُ بِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ (فَوَقَعَتْ) الظُّلَّةُ (فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ) أَيْ الظُّلَّةُ (لَهُ) أَيْ لِمَنْ وَقَعَتْ فِي حِصَّتِهِ (بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ) وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ كَالطَّرِيقِ.

(وَوَلِيُّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ (فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَكَذَا) هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ (أَيْ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي إذْ رَآهَا مَصْلَحَةً) كَالْبَيْعِ وَأَوْلَى انْتَهَى.

[بَاب الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ]

(بَاب الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ) الدَّعَاوَى (وَاحِدُهَا دَعْوَى وَهِيَ) لُغَةً الطَّلَبُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] أَيْ يَتَمَنَّوْنَ وَيَطْلُبُونَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ بِهَا عِنْدَ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَهِيَ قَوْلُهُمْ يَا لِفُلَانٍ وَاصْطِلَاحًا (إضَافَةُ الْإِنْسَانِ إلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ الْغَيْرِ مِنْ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ (وَالْمُدَّعِي مَنْ يُطَالِبُ غَيْرَهُ بِحَقٍّ يَذْكُرُ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَيْهِ وَإِذَا سَكَتَ) عَنْ الطَّلَبِ (تُرِكَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُطَالَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الَّذِي يُطَالِبُهُ غَيْرُهُ بِحَقٍّ يُذْكَرُ بِذِكْرِ اسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ (وَإِذَا سَكَتَ) عَنْ الْجَوَابِ (لَمْ يُتْرَكْ) بَلْ يُقَالُ: إنْ أَجَبْتَ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ كَمَا سَبَقَ (وَوَاحِدُ الْبَيِّنَاتِ بَيِّنَةٌ) مِنْ بَانَ الشَّيْءُ فَهُوَ بَيِّنٌ وَالْأُنْثَى بَيِّنَةٌ (وَهِيَ الْعَلَامَةُ الْوَاضِحَةُ كَالشَّاهِدِ فَأَكْثَرَ) وَالْأَصْلُ فِي مَسَائِلِ الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَنَحْوُهُ.

(وَلَا تَصِحُّ دَعْوَى وَإِنْكَار إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (لَكِنْ تَصِحَّ الدَّعْوَى عَلَى سَفِيهٍ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ حَالَ سَفَهِهِ وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ) كَطَلَاقٍ وَقَذْفٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ مُعْتَبَرٌ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (وَيَحْلِفُ إذَا أَنْكَرَ) فِيمَا يَحْلِفُ الرَّشِيدُ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ.

(وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ) هَكَذَا فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ وَلَا تَعَارُضَ لِاشْتِمَالِ الْقِسْمِ الثَّانِي عَلَى حَالَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

[أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ]

(أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ) الْعَيْنُ (فِي يَدِ أَحَدِهِمَا) وَحْدَهُ (فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا) أَيْ الْعَيْنَ (لَهُ وَلَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ) لَهُ (بَيِّنَةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ» وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ (وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهَا) أَيْ بِالْيَدِ (كَثُبُوتِهِ) أَيْ الْمِلْكِ (بِالْبَيِّنَةِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ (بَلْ تُرَجَّحُ بِهِ الدَّعْوَى) . وَفِي الرَّوْضَةِ: يَدُهُ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَفِي التَّمْهِيدِ: يَدُهُ بَيِّنَةٌ (فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَهُوَ مِلْكُ مَا بِيَدِهِ.

(وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَاكِمَ كِتَابَةَ مَحْضَرٍ بِمَا جَرَى أَجَابَهُ) إلَيْهِ وُجُوبًا (وَذَكَرَ) الْحُكْمَ (فِيهِ) أَيْ الْمَحْضَرِ (أَنَّهُ بَقِيَ الْعَيْنُ بِيَدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا يَرْفَعُهَا) أَيْ الْيَدَ عَنْ الْعَيْنِ.

(وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ) أَحَدُهُمَا (لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا أَوْ) الْآخَرُ (سَائِقُهَا فَهِيَ) أَيْ الدَّابَّةُ (لِلْأَوَّلِ) بِيَمِينِهِ وَهُوَ الرَّاكِبُ أَوْ صَاحِبُ الْحِمْلِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَقْوَى وَيَدُهُ آكَدُ وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِمَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الرَّاكِبُ وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ (فِي الْحِمْلِ فَادَّعَاهُ الرَّاكِبُ وَ) ادَّعَاهُ (صَاحِبُ الدَّابَّةِ فَهُوَ لِلرَّاكِبِ) لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَقْوَى (بِخِلَافِ السَّرْجِ) أَيْ سَرْجِ الدَّابَّةِ إذَا تَنَازَعَهُ الرَّاكِبُ وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا ثِيَابَ عَبْدٍ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ (فَ) هِيَ (لِصَاحِبِ الْعَبْدِ) لِأَنَّ يَدَ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الثِّيَابِ وَآخَرُ فِي الْعَبْدِ اللَّابِسِ لَهَا فَهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ نَفْعَ الثِّيَابِ يَعُودُ عَلَى الْعَبْدِ لَا إلَى صَاحِبِ الثِّيَابِ.

، (وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ فَهُوَ) أَيْ الْقَمِيصُ (لِلْأَوَّلِ) اللَّابِسِ لَهُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِ أَقْوَى وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِمَنْفَعَتِهِ (وَإِنْ كَانَ كُمُّهُ أَيْ الْقَمِيصِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهِ مَعَ الْآخَرِ أَوْ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفُهَا) أَيْ الْعِمَامَةِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهَا فِي (يَدِ الْآخَرِ فَهُمَا فِيهَا سَوَاءٌ) لِأَنَّ يَدَ الْمُمْسِكِ لِلطَّرَفِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَاقِي عَلَى الْأَرْضِ وَنَازَعَهُ غَيْرُهُ قَدِمَ بِهِ.

، (وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِيهَا أَرْبَعَةُ بُيُوتٍ فِي أَحَدِهَا) أَيْ الْبُيُوتِ (سَاكِنٌ وَفِي الثَّلَاثَةِ) الْأُخْرَى (سَاكِنٌ) آخَرُ (وَاخْتَلَفَا) أَيْ تَنَازَعَا الدَّارَ كُلَّهَا (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (مَا هُوَ سَاكِنٌ فِيهِ) لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَنْفَصِلُ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يُشَارِكُ الْخَارِجُ مِنْهُ السَّاكِنَ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا السَّاحَةَ الَّتِي يُتَطَرَّق مِنْهَا إلَى الْبُيُوتِ) الْأَرْبَعَةِ

(فَهِيَ) أَيْ السَّاحَةُ (بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَتْ الْعِمَامَةَ فِيمَا سَبَقَ.

(وَلَوْ كَانَتْ شَاةٌ مَسْلُوخَةٌ بِيَدِ أَحَدِهِمَا جِلْدُهَا وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا وَبِيَدِ الْآخَرِ بَقِيَّتُهَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهَا) أَيْ الشَّاةَ (وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِدَعْوَاهُمَا) أَيْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مِنْ الشَّاةِ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَارِجَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ) كَمَا يَأْتِي.

(وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَخَيَّاطٌ فِيهَا) أَيْ الدَّارِ (فِي إبْرَةٍ وَمِقَصٍّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمِقْرَاضُ (فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَعَهُ الْإِبْرَةَ وَالْمِقَصَّ بِخِلَافِ الْقَمِيصِ إذَا تَنَازَعَاهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُهُ عَادَةً لِيَخِيطَهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ) أَيْ صَاحِبُ الدَّارِ (وَالْقَرَّابُ الْقِرْبَةَ) فِي الدَّارِ (فَهِيَ) أَيْ الْقِرْبَةُ (لِلْقَرَّابِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ ظَاهِرُ الْحَالِ، وَإِنْ تَنَازَعَا الْخَابِيَةَ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ النَّجَّارُ مَعَ صَاحِبِ الدَّارِ فِي الْقَدُومِ وَالْمِنْشَارِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْآلَةِ، فَآلَةُ النَّجَّارِ لِلنَّجَّارِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْخَشَبَةِ الْمَنْشُورَةِ وَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ الْمَنْجُورَةِ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَ النَّدَّافُ مَعَ رَبِّ الدَّارِ فِي قَوْسِ النَّدْفِ فَهُوَ لِلنَّدَّافِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْفُرُشِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً) أَيْ أَرْضًا (فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ لَهُمَا فَهِيَ) أَيْ الْعَرْصَةُ (لَهُمَا أَوْ) إنْ كَانَ الْبِنَاءُ أَوْ الشَّجَرُ (لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ) أَيْ الْعَرْصَةُ (لَهُ) وَحْدَهُ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَالْبِنَاءُ أَوْ الشَّجَرُ اسْتِيفَاءٌ لِمَنْفَعَةِ الْعَرْصَةِ وَاسْتِيلَاءٌ عَلَيْهَا بِالتَّصَرُّفِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَرْصَةِ لِمَنْ هُمَا لَهُ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ أَوْ) تَنَازَعَا حَائِطًا (لَهُ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ (عَلَيْهِ أَزَجٌ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْبِنَاءِ وَيُقَالُ لَهُ طَاقٌ) ابْنُ الْمُنَجَّا: هُوَ الْقَبْوُ (أَوْ) تَنَازَعَا حَائِطًا (لَهُ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ (عَلَيْهِ بِنَاءٌ كَحَائِطٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (أَوْ) لَهُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ كَ (عَقْدٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (أَوْ قُبَّةٍ أَوْ لَهُ عَلَيْهِ سُتْرَةٌ مَبْنِيَّةٌ وَنَحْوِ هَذَا فَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ ذَلِكَ الْبِنَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمُتَّصِلِ بِهِ الِاتِّصَالَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَيَحْلِفُ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِيَقِينٍ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بَنَى الْحَائِطَ لِصَاحِبِهِ مُتَبَرِّعًا مَعَ حَائِطِهِ أَوْ كَانَ لَهُ فَوَهَبَهُ لَهُ فَوَهَبَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ لَهُ أَوْ بَنَاهُ بِأُجْرَةٍ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ لِلِاحْتِمَالِ كَمَا وَجَبَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَائِطُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (مَعْقُودًا بِبِنَائِهِ) أَيْ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا

(عَقْدًا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ كَالْبِنَاءِ بِاللَّبِنِ وَالْآجُرِّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْزَعَ مِنْ الْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ نِصْفُ لَبِنَةٍ أَوْ) نِصْفُ (آجُرَّةٍ وَيَجْعَلَ مَكَانَهَا لَبِنَةً صَحِيحَةً أَوْ آجُرَّةً صَحِيحَةً تُعْقَدُ بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ لَمْ يُرَجِّحْ) صَاحِبُ الْبِنَاءِ الْمَعْقُودِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ بِنَائِهِ الْمَعْقُودِ لِاحْتِمَالِ الْإِحْدَاثِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَائِطُ (مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا أَيْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَائِهِمَا بَلْ) كَانَ (بَيْنَهُمَا شَقٌّ مُسْتَطِيلٌ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ اللَّذَيْنِ أُلْصِقَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَوْ) كَانَ الْحَائِطُ (شِرْكًا بَيْنَهُمَا) أَيْ بِبِنَاءِ الِاثْنَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ عَلَى نِصْفِهِ (وَيَتَحَالَفَانِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (لِلْآخَرِ أَنَّ نِصْفَهُ لَهُ) دَفْعًا لِلِاحْتِمَالِ.
(وَإِنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ أَنَّهُ) كُلَّهُ (لَهُ جَازَ) إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْحَلِفِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا إنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالْيَمِينِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنهمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ " قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ هَذَا فِيمَنْ تُسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْلَافِ لِكَوْنِ الشَّيْءِ فِي يَدِ مُدَّعِيهِ وَيُرِيدُ يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّهُ.
(وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا) لِتَرَجُّحِهِ بِالْبَيِّنَةِ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَعَارَضَتَا) لِتُسَاوِيهِمَا وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا) فَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَنَاصَفَانِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ) عَمِلَتْ أَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَتَعَارَضَتَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ (وَنَكَلَا عَنْ الْيَمِينِ كَانَ الْحَائِطُ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى مَا كَانَ) قَبْلَ التَّدَاعِي لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ رَفْعَ يَدِ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ) عَنْ الْيَمِينِ (قَضَى عَلَى النَّاكِلِ) بِنُكُولِهِ (وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ الْجَارُ، وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ وَلِلْجَارِ وَضْعُهُ قَهْرًا بِشَرْطِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تُرَجَّحُ بِهِ الدَّعْوَى كَإِسْنَادِ مَتَاعِهِ إلَيْهِ (وَلَا) تُرَجَّحُ الدَّعْوَى أَيْضًا (بِ) كَوْنِ (وُجُوهِ آجُرٍّ أَوْ حِجَارَةٍ مِمَّا يَلِي أَحَدِهِمَا) وَلَا يَكُونُ الْآجُرَّةُ الصَّحِيحَةُ مِمَّا يَلِيهِ وَقِطَعُ الْآجُرِّ مِلْكَ الْآخَرِ.
(وَ) لَا (بِالتَّزْوِيقِ وَالتَّجْصِيصِ وَلَا بِسُتْرَةٍ عَلَيْهِ غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ لِأَنَّهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ (مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ) عَادَةً (وَيُمْكِنُ إحْدَاثُهُ وَلَا) تُرَجَّحُ الدَّعْوَى أَيْضًا (بِمَعَاقِدِ الْقِمْطِ فِي الْخُصِّ أَيْ عَقْدُ الْخُيُوطِ الَّتِي تَشُدُّ الْخُصَّ وَهُوَ بَيْتٌ يُعْمَلُ مِنْ خَشَبٍ وَقَصَبٍ) لِأَنَّ وُجُوهَ الْآجُرِّ وَمَعَاقِدَ الْقِمْطِ إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجِدَارِ أَوْ الْخُصِّ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ إلَى أَحَدِهِمَا إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إلَيْهَا جَمِيعًا فَبَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، وَلِأَنَّ التَّزْوِيقَ وَالتَّجْصِيصَ مِمَّا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ فَلَا تَرْجِيحَ

بِهِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ سُلَّمًا مَنْصُوبًا أَوْ) تَنَازَعَا (دَرَجَةً) فَالسُّلَّمُ الْمَنْصُوبُ وَالدَّرَجَةُ (لِصَاحِبِ الْعُلْوِ) لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِمَا (وَكَذَا) إذَا تَنَازَعَا (الْعَرْصَةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا الدَّرَجَةُ) فَإِنَّهَا تَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّرَجَةِ لِكَوْنِهَا مَشْغُولَةً بِبِنَائِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ) الْمُتَنَازَعِ فِيهَا (مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَتَكُونُ الدَّرَجَةُ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا سَقْفُ السُّفْلَانِيِّ وَمَوْطِئٌ لِلْفَوْقَانِيِّ (وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا) أَيْ الدَّرَجَةِ (طَاقٌ صَغِيرٌ لَمْ تُبْنَ الدَّرَجَةُ لِأَجْلِهِ وَإِنَّمَا جُعِلَ مِرْفَقًا يُجْعَلُ فِيهِ جَرُّ) وَفِي نُسْخَةٍ جُبُّ (الْمَاءِ وَنَحْوُهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ) لِأَنَّهُ مِنْ مَرَافِقِهِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا) أَيْ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَصَاحِبُ السُّفْلِ (الصَّحْنَ) الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى الدَّرَجَةِ (وَالدَّرَجَةُ فِي الصَّدْرِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَ) الصَّحْنُ (بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الدَّرَجَةُ (فِي الْوَسَطِ) أَيْ وَسَطِ الصَّحْنِ (فَمَا) أَيْ فَالْمَكَانُ الَّذِي يُتَوَصَّلْ مِنْهُ (إلَيْهَا) أَيْ إلَى الدَّرَجَةِ يَكُونُ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ (وَمَا وَرَاءَهُ) أَيْ وَرَاءَ الْمَكَانِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى الدَّرَجَةِ (لِرَبِّ السُّفْلِ) وَحْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِرَبِّ الْعُلْوِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا) أَيْ رَبُّ السُّفْلِ وَرَبُّ الْعُلْوِ (فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَهُوَ) أَيْ السَّقْفُ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَالْحَائِطَيْنِ الْمِلْكَيْنِ.

(وَإِنْ تَنَازَعَا) أَيْ رَبُّ السُّفْلِ وَرَبُّ الْعُلْوِ (جُدْرَانَ الْبَيْتِ السُّفْلَانِيِّ فَهُوَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْجُدْرَانِ (لِصَاحِبِ السُّفْلِ) وَحْدَهُ (وَحَوَائِطُ الْعُلْوِ) إذَا تَنَازَعَاهَا (لِصَاحِبِ الْعُلْوِ) وَحْدَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِيهِمَا.

(وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرِ) لِلدَّارِ (فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ أَوْ مِصْرَاعٍ مَقْلُوعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ فَهُوَ لِرَبِّهَا) لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَ الرَّفَّيْنِ أَوْ الْمِصْرَاعَيْنِ لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ صَاحِبِهِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ كَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مَعَ التَّحْتَانِيِّ وَالْمِفْتَاحِ مَعَ الْقُفْلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّفِّ الْمَقْلُوعِ وَلَا لِلْمِصْرَاعِ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (وَكَذَا مَا لَا يَدْخُلُ فِي بَيْتٍ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ) كَمِفْتَاحِ الدَّارِ إذَا تَنَازَعَاهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ لِرَبِّهَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ، وَكَذَا مَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ الْمُسَمَّرَةِ وَالسَّلَالِيمِ الْمُسَمَّرَةِ وَالرَّحَا الْمَنْصُوبَةِ فَهُوَ لِلْمُكْرِي لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ أَشْبَهَ الشَّجَرَةَ الْمَغْرُوسَةَ فِي الدَّارِ (وَمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ) مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ كَالْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَالْأَوَانِي

وَالْكُتُبِ (فَ) هُوَ (لِمُكْتَرٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُكْرِي دَارِهِ فَارِغَةً.

(وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا) كُلَّهَا (وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا جُعِلَتْ) الدَّارُ (بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ وَلَا رَافِعَ لَهَا (فَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَى مُدَّعِي الْكُلِّ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ تَعَارَضَتَا فِي النِّصْفِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَيْتَيْنِ تَنْفِي مَا أَثْبَتَتْهُ الْأُخْرَى (فَيَكُونُ النِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ) لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ.
(وَ) يَكُونُ (النِّصْفُ الْآخَرُ لَهُ أَيْضًا لِتَقْدِيمِ بَيِّنَتِهِ) لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ لَوَضْعِ مُدَّعِي النِّصْفِ يَدَهُ عَلَيْهِ وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْن الْبَيِّنَتَيْنِ حَقِيقَةً لِعَدَمِ اسْتِوَائِهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ تَعَارَضَتَا لَكَانَ أَوْلَى فِي الْمُنْتَهَى.

(وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَا يَدَّعِيهَا فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا مُدَّعِيَ لَهُ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ لَهُ لِأَنَّ الْعَيْنَ بِغَيْرِ يَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) وَالْعَيْنُ بِيَدِ الثَّالِثِ غَيْرِ الْمُنَازِعِ (فَتَعَارَضَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (وَصَارَا) أَيْ الْمُتَنَازِعَانِ (كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا) فَيَكُونُ النِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَهُ.

(وَإِنْ تَنَازَعَ زَوْجَانِ أَوْ) تَنَازَعَ (وَرَثَتُهُمَا) بَعْدَ مَوْتِهِمَا (أَوْ) تَنَازَعَ (أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مَمْلُوكٌ فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ) مِنْ فُرُشٍ وَمَلْبُوسٍ وَنَحْوِهِمَا (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ قُمَاشِ الْبَيْتِ مِنْ أَوَانٍ وَغَيْرِهَا (أَوْ) تَنَازَعَا فِي (بَعْضِهِ) بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا هَذِهِ الْعَيْنُ لِي فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا وَإِلَّا (فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ كَالْعِمَامَةِ وَالسَّيْفِ فَلِلرَّجُلِ) أَوْ وَرَثَتِهِ وَكَذَا قُمْصَانُ الرِّجَالِ وَأَقْبِيَتُهُمْ وَجِبَابُهُمْ وَالطَّيَالِسَةُ وَالسِّلَاحُ وَأَشْبَاهُهَا (وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ كَحُلِيِّهِنَّ وَثِيَابِهِنَّ) وَمَقَانِعِهِنَّ وَمَغَازِلِهِنَّ وَأَشْبَاهِهَا (فَلِلْمَرْأَةِ) أَوْ وَرَثَتِهَا (وَالْمُصْحَفُ لَهُ) أَيْ الرَّجُلِ (إذَا كَانَتْ لَا تَقْرَأُ) فَإِنْ كَانَتْ تَقْرَأُ فَهُوَ لَهُمَا قُلْتُ: وَكَذَا يَنْبَغِي فِي كُتُبِ الْعِلْمِ (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا) أَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (كَالْفُرُشِ وَالْأَوَانِي) وَالْقُمَاشِ الَّذِي لَمْ يُفَصَّلْ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (وَسَوَاءٌ كَانَ) مَا يَصْلُحُ لَهُمَا (فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَ) هُوَ (بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) لِأَحَدِهِمَا (أَقْرَعَ فَمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا حَلَفَ وَاحِدَةً) كَمَنْ تَنَازَعَا عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً دُفِعَ إلَيْهِ لِتَرَجُّحِهِ بِهَا.

(وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي آلَةِ دُكَّانٍ لَهُمَا حَكَمَ بِآلَةِ كُلِّ صَنْعَةٍ لِصَانِعِهَا فَآلَةُ الْعَطَّارِينَ لِلْعَطَّارِ وَآلَةُ النَّجَّارِينَ لِلنَّجَّارِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْآلَةُ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ عِنْدَ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا) أَيْ الصَّانِعَانِ (فِي دُكَّانٍ وَاحِدٍ وَاخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ لَمْ يُرَجِّحْ أَحَدُهُمَا بِصَلَاحِيَّةِ الْعَيْنِ لَهُ) .

(وَكَذَا لَوْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ) هِيَ زَوْجَةٌ لَهُ أَوْ لَا (فِي عَيْنٍ غَيْرِ قُمَاشٍ بَيْنَهُمَا) فَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا بِصَلَاحِيَّةِ الْعَيْنِ لَهُ، بَلْ إنْ كَانَتْ فِي أَيَدِيهِمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يُنَازَعْ اقْتَرَعَا عَلَيْهَا (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا) الْمُدَّعَى بِهِ (لَهُ فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ غَرِيمِهِ (إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) . فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَتُسْمَعُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا) أَيْ بِبَيِّنَتِهِ (مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي وَهُوَ الْخَارِجُ وَحُكِمَ لَهُ بِهَا سَوَاءٌ أُقِيمَتْ بَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ وَهُوَ الدَّاخِلُ) أَيْ وَاضِعُ الْيَدِ (بَعْدَ رَفْعِ يَدِهِ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ) أَيْ الدَّاخِلِ (أَنَّهَا لَهُ نُتِجَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِي مِلْكِهِ أَوْ) أَنَّهَا لَهُ (قَطِيعَةٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ لَا) . أَيْ أَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي فَلَا يَبْقَى فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلِأَنَّ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَدَلِيلُ كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا أَنَّهَا تُثْبِتُ سَبَبًا لَمْ يَكُنْ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُلُّ الْيَدُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ تَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةُ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُجِيزُ الشَّهَادَةَ بِهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْيَدِ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مُثْبَتَيْنِ عَلَى شَاهِدَيْ الْأَصْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا وَمَنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَتَهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهَا لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا مُنْفَرِدَةً كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ خَاصٌّ وَعَامٌّ أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ نَقَلَ الْأَثْرَمُ: ظَاهِرُ الْآثَارِ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَإِذَا جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.

(فَإِنْ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا) أَيْ الْعَيْنَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا (مِنْ الْخَارِجِ وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الدَّاخِلِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ) لِأَنَّهُ الْخَارِجُ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَاحِبُ الْيَدِ وَأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نَائِبَةٌ عَنْهُ وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكَهُ وَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا لِلدَّاخِلِ أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا أَوْ أَجْرَهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَهُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
وَقَالَ الْقَاضِي بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ

لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ مَعْنًى كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ قَبْلَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ وَتَعْدِيلِهَا) لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَتُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بَعْدَ التَّعْدِيلِ) لِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ (قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ) وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ قُلْتُ: وَلَعَلَّ فَائِدَةَ سَمَاعِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ نَاقِلَةً فَتُقَدَّمُ كَمَا يَأْتِي.

(وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْخَارِجِ (أَوْ أَوْقَفَهَا عَلَيْهِ أَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ الْعَبْدَ (قُدِّمَتْ) الْبَيِّنَةُ (الثَّانِيَةُ) لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِأَمْرٍ حَادِثٍ عَلَى الْمِلْكِ خَفِيٍّ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ وَالْبَيْعُ أَوْ الْوَقْفُ أَوْ الْعِتْقُ مِنْهُ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ وَأَقَامَ وَارِثٌ بَيِّنَةً أَنَّ مَوْرُوثَهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْوَاقِفِ قَبْلَ وَقْفِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ كَتَقْدِيمِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ أَبِيهِ عَلَى مَنْ شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ (وَلَمْ تَرْفَعْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ يَدَهُ) أَيْ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (كَقَوْلِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَبْرَأَنِي مِنْ الدَّيْنِ) وَيُقِيمُ بِذَلِكَ بَيِّنَةً (أَمَّا لَوْ قَالَ) مُدَّعِي الشِّرَاءِ أَوْ الْوَقْفِ أَوْ الْعِتْقِ (لِي بَيِّنَةٌ) بِذَلِكَ (غَائِبَةٌ طُولِبَ بِالتَّسْلِيمِ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ يَطُولُ) وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا " تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَا تُسْمَعُ إلَّا بَيِّنَةُ مُدَّعٍ بِاتِّفَاقِنَا، وَفِيهِ تَثْبُتُ فِي جَنْبَةِ مُنْكِرٍ وَهُوَ مَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَيُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقِيمَهَا فِي الدَّيْنِ لِعَدَمِ إحَاطَتِهَا بِهِ وَلِهَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ بِبَغْدَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِيهِ بِالْكُوفَةِ صَحَّ.

[فَصْلٌ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا]

فَصْلٌ (الْقَسْمُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ) تَكُونَ (فِي غَيْرِ يَدِ أَحَدٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا فَيَتَحَالَفَانِ وَتُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الدَّعْوَى وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِهَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ لِعَدَمِ الْيَدِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَسِمَاهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَتَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ حَالَانِ مِنْ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا فِي الْمُنْتَهَى كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
(وَكَذَا إنْ نَكَلَا) عَنْ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِنُكُولِهِ) عَلَى الْيَمِينِ لَهُ (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا) عَنْ الْيَمِينِ (وَحَلَفَ الْآخَر قَضَى لَهُ) أَيْ لِلَّذِي حَلَفَ (بِجَمِيعِهَا) أَيْ جَمِيعِ الْعَيْنِ النِّصْفِ بِحَلِفِهِ

لِكَوْنِهِ وَاضِعَ الْيَدِ عَلَيْهِ وَالنِّصْفِ الْآخَرِ بِنُكُولِ خَصْمِهِ (فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا) أَيْ الْعَيْنِ (فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لَحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةُ مَعْنَاهُ أَيْ فَأَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ (أَوْ) ادَّعَى (الْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّتِهَا أَوْ) ادَّعَى الْآخَرُ (كُلَّهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَقَلِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ وَاضِعُ يَدِهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَا رَافِعَ لِيَدِهِ وَالْبَاقِي لِمُدَّعِي الْكُلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ بِلَا يَمِينٍ لِعَدَمِ التَّنَازُعِ لَهُ فِيهِ.
(وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً وَهِيَ السَّدُّ الَّذِي يَرُدُّ مَاءَ النَّهْرِ مِنْ جَانِبِهِ حَاجِزٌ بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الْآخَرِ تَحَالَفَا وَهِيَ) أَيْ الْمُسَنَّاةُ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِأَنَّهَا حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا يَنْتَفِعُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَشْبَهَ الْحَائِطَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ (وَكَذَا إنْ نَكَلَا) عَنْ الْيَمِينِ تَنَاصَفَاهَا (لِأَنَّهَا حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا صَغِيرًا دُونَ التَّمْيِيزِ فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا) وَهُوَ (رَقِيقٌ) لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَيَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ لَا رُجْحَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (وَيَتَحَالَفَانِ) أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْحُرِّيَّةَ إذَا بَلَغَ بِلَا بَيِّنَةٍ) أَيْ يَدِ مُدَّعِي الرِّقَّ (عَلَى الْمِلْكِ مِثْلُ أَنْ يَلْتَقِطَهُ) ثُمَّ يَدَّعِي رِقَّهُ (فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِرِقِّهِ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ) لِأَنَّهَا الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ فِي بَنِي آدَمَ وَالرِّقُّ طَارِئٌ (وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ وَاضِعِي الْيَدِ عَلَى طِفْلٍ (بَيِّنَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِبَيِّنَةٍ (وَإِنْ كَانَ) الْمُدَّعَى (مُمَيِّزًا فَقَالَ إنِّي حُرٌّ فَهُوَ حُرٌّ) فَيُخَلَّى إلَى حَالِ سَبِيلِهِ وَيَمْنَعَانِ مِنْهُ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي ابْنِ آدَمَ (إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ كَالْبَالِغِ إلَّا أَنَّ الْبَالِغَ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ ثَبَتَ رِقُّهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ دَعْوَاهُ الْحُرِّيَّةَ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ بِالْوَصِيَّةِ وَأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ.
(وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْمُدَّعَيْنِ لِلْعَيْنِ (بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ) الْمُدَّعَى بِهَا بِيَدِهَا أَوْ لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ (حُكِمَ لَهُ بِهَا) لِرُجْحَانٍ بِالْبَيِّنَةِ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ لَمْ يُقَدِّمْ أَسْبَقَهَا تَارِيخًا بَلْ) هُمَا (سَوَاءٌ) خِلَافًا لِلْقَاضِي.
قَالَ يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا لِأَنَّ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالتَّارِيخِ الْمُقَدَّمِ أَثْبَتَتْ لَهُ الْمِلْكَ فِي وَقْتٍ لَمْ تُعَارِضْهُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى وَتَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَسَقَطَتَا فَبَقِيَ مِلْكُ السَّابِقِ تَحْتَ اسْتِدَامَتِهِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ أَحَقُّ بِالتَّرْجِيحِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَنَّهُ وَهَبَهُ إيَّاهُ وَنَحْوَهُ لَقُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ اتِّفَاقًا، فَإِذَا لَمْ يُرَجَّحْ بِهَا فَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّسَاوِي وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ مَمْنُوعٌ لِثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ

ادَّعَى الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ.
(فَإِنْ وُقِيَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْبَيِّنَتَيْنِ (وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى وَالْعَيْنُ بِيَدَيْهِمَا) فَهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إحْدَاهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ مِنْ تَقَدُّمِ الْمِلْكِ وَلَا غَيْرِهِ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَسَبَبِهِ كَنِتَاجٍ بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّهَا نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ (أَوْ) شَهِدَتْ بِ (سَبَبِ غَيْرِهِ) كَشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ.
(وَ) شَهِدَتْ (بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ أَوْ) شَهِدَتْ (بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِالْمِلْكِ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَ) شَهِدَتْ (بَيِّنَةُ الْآخَرِ بِالْمِلْكِ مُنْذُ شَهْرٍ وَلَمْ تَقُلْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَهُمَا سَوَاءٌ) لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسَاوَيَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهُوَ مِلْكُ الْعَيْنِ الْآنَ فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ.
(وَلَا تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ) كَمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ وَالْأُخْرَى رَجُلَيْنِ (وَلَا اشْتِهَارُ الْعَدَالَةِ وَلَا الرِّجَالُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَلَا الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِد وَالْيَمِين) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ حُجَّةٌ مُفْرَدَةٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ (وَإِنْ تَسَاوَتَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَعَارَضَتَا وَتَحَالَفَا فِيمَا بِيَدِهِمَا وَقُسِّمَتْ) الْعَيْنُ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي وَضْعِ الْيَدِ (وَأُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا (مَا لَمْ تَكُنْ) الْعَيْنُ (فِي يَدِ أَحَدٍ) مِنْهُمَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَهَكَذَا فِي الْمُنْتَهَى وَأَصْلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا يَتَنَاصَفَانِ تَبَعًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ الْآتِي، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا (أَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ (بِيَدِ ثَالِثٍ وَلَمْ يُنَازَعْ) فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا (وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا فَيَسْقُطَانِ) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (بِالتَّعَارُضِ) وَهُوَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مِلْكُهُ وَشَهِدَتْ) لَهُ (الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ سُمِعَتْ) الشَّهَادَةُ (وَإِنْ لَمْ تَقُلْ) الْبَيِّنَةُ (وَهِيَ مِلْكُهُ لَمْ تُسْمَعْ) شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ (وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ مِلْكُهُ) وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ (تَعَارَضَتَا) جَوَابٌ وَإِنْ ادَّعَى وَقَوْلُهُ سَمِعْتُ وَمَا بَعْدَهُ اعْتِرَاضٌ (حَتَّى وَلَوْ أُرِّخَا) قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْإِنْصَافِ حَيْثُ قَالَ: مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤَرَّخَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا تَحَالَفَا وَتَنَاصَفَاهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَمْ يُنَازَعْ أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا (وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِلْخَارِجِ) لِتَقْدِيمِ بَيِّنَتِهِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ (وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِأَبِي خَلَّفَهَا تَرِكَةً وَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا فَهِيَ) أَيْ الدَّارُ (لِلْمَرْأَةِ دَاخِلَةً كَانَتْ أَوْ خَارِجَةً لِأَنَّ بَيِّنَتَهَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِنَقْلِ الْمِلْكِ كَبَيِّنَةِ مِلْكٍ عَلَى بَيِّنَةٍ يَدٍ) .

فَائِدَةٌ " قَالَ الْغَزِّيِّ إذَا تَعَارَضَ الْمُسْقِطُ وَالْمُوجِبُ جُعِلَ الْمُسْقِطُ آخِرًا كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا أَوْ عَيْنًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّكَ أَقْرَرْتَ أَنْ لَا دَعْوَى وَلَا خُصُومَةَ لَك عَلَيَّ وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَانْدَفَعَتْ الدَّعْوَى، وَلَوْ احْتَمَلَ أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ بُعْدِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ وَالْمُوجِبَ إذَا تَعَارَضَا جُعِلَ الْمُسْقِطُ آخِرًا إذَا السُّقُوطُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَ الْقَضَاءُ بِالْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ.
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّك أَبْرَأْتَنِي مِنْ الدَّعَاوَى كُلِّهَا فِي سَنَةِ كَذَا صَحَّ هَذَا الدَّفْعُ.

[فَصْلٌ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا]

(فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّالِثُ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَإِنْ ادَّعَاهَا) مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (لِنَفْسِهِ حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا) لِأَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ الثَّانِي فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا (فَإِنْ نَكَلَ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْيَمِينَيْنِ (أَخَذَاهَا) أَيْ الْعَيْنَ (مِنْهُ أَوْ) أَخَذَا (بَدَلَهَا) مِنْهُ وَهُوَ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً لِأَنَّ الْعَيْنَ فَاتَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا بِتَفْرِيطِهِ فِي الْحَلِفِ لَهُ (وَاقْتَرَعَا) أَيْ الْمُدَّعِيَانِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْعَيْنِ وَبَدَلِهَا لِأَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ بِالْعَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ لِتَعْيِينِهِ (وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا) أَيْ الْعَيْنَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ وَلَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ) بِهَا لِأَحَدِهِمَا (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بِيَدِ أَحَدٍ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ) لِصَاحِبِهِ (وَأَخَذَهَا) لِتَرَجُّحِهِ بِالْقُرْعَةِ (فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَبْدًا مُكَلَّفًا فَأَقَرَّ) الْعَبْدُ بِالرِّقِّ (لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى وَاحِدًا وَأَقَرَّ لَهُ (وَإِنْ صَدَّقَهُمَا) الْعَبْدُ (فَهُوَ لَهُمَا) عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَهُمَا.
(وَإِنْ جَحَدَهُمَا) وَقَالَ إنَّهُ حُرٌّ (قُبِلَ قَوْلُهُ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالرِّقُّ طَارِئٌ (وَإِنْ كَانَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَمْ يُرَجَّحْ) أَحَدُهُمَا (بِإِقْرَارِهِ لَهُ) لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ الْعَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا (مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) كَأَنْ يَقُولُ هِيَ لِزَيْدٍ مَثَلًا (حَلَفَ زَيْدٌ أَنَّهَا) لَهُ (وَأَخَذَهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهَا صَاحِبُ الْيَدِ صَارَتْ الْعَيْنُ كَأَنَّهَا فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الْآخَرُ مُدَّعِيًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكَرٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلْآخَرِ) أَيْ لِلْمُدَّعِي الْآخَرِ إنْ الْتَمَسَ يَمِينَهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَخَافَ مِنْ الْيَمِينِ فَيُقِرُّ لِلْآخَرِ (فَإِنْ نَكِلَ) الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ لِلْآخَرِ (أَخَذَ مِنْهُ بَدَلَهَا) حُكْمًا عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ (وَإِنْ أَخَذَهَا)

أَيْ الْعَيْنَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا (الْمُقَرُّ لَهُ فَأَقَامَ) الْمُدَّعِي (الْآخَرُ بَيِّنَةً) أَنَّهَا لَهُ (أَخَذَهَا) لِتَرَجُّحِهِ.
(وَلِلْمُقَرِّ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُقِرِّ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ لِغَيْرِهِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَإِنْ أَقَرَّ) مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ (بِهَا لَهُمَا وَنَكِلَ عَنْ التَّعْيِينِ) بِأَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ هِيَ لَهُمَا (اقْتَسَمَاهَا) لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ (وَإِنْ قَالَ) مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ (هِيَ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْهَلُهُ فَإِنْ صَدَّقَاهُ) عَلَى أَنَّهُ يَجْهَلُهُ (لَمْ يَحْلِفْ) لِتَصْدِيقِهِمَا لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَذَّبَاهُ (حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ لِلْعَيْنِ.
(فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فَصَارَ ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ دُونَ الْآخَرِ فَبِالْقُرْعَةِ يَتَعَيَّنُ الْمُقَرُّ لَهُ فَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ وَيَقْضِي لَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ عَبَثًا (ثُمَّ إنْ بَيَّنَهُ) أَيْ بَيَّنَ مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ هِيَ لِأَحَدِهِمَا أَجْهَلُهُ (قَبْلُ) كَبَيِّنَةِ ابْتِدَاءٍ وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ إنْ أَبَى الْيَمِينَ مَنْ قَرَعَ أَخَذَهَا أَيْضًا أَيْ بِلَا يَمِينٍ (وَلَهُمَا) أَيْ: لِلْمُتَنَازِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ادَّعَيَا الْعَيْنَ وَقَالَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لِأَحَدِهِمَا وَأَجْهَلُهُ (الْقُرْعَةُ بَعْدَ تَحْلِيفِهِ الْوَاجِبِ وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ تَحْلِيفِهِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى يَمِينِهِ وَلِذَلِكَ لَوْ صَدَّقَاهُ لَمْ تَنْتَفِ الْقُرْعَةُ (فَإِنْ نَكِلَ) مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ عَنْ حَلِفِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعَيْنِ (قُدِّمَتْ الْقُرْعَةُ) لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُقَرَّ لَهُ، فَإِذَا قَرَعَ صَاحِبَهُ كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ لَهُ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَخَذَ حَقَّهُ.
(وَيَحْلِفُ) الْمُقِرُّ (لِلْمَقْرُوعِ إنْ أَكْذَبَهُ) فِي عَدَمِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ مَتَى صَدَّقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ (فَإِنْ نَكِلَ) الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ (أُخِذَ مِنْهُ بَدَلُهَا) كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ (وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا) أَيْ أَنْكَرَ مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ كَوْنَهَا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا (وَلَمْ يُنَازِعْ أَقَرَعَ) بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ كَإِقْرَارِهِ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ (فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لِلْآخَرِ) الْمَقْرُوعِ (فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ) لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيِّ لِأَنَّ قُرْعَتَهُ حُكْمٌ فَلَا يُنْقَضُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الْعَيْنُ (بِيَدِ أَحَدٍ) وَتَنَازَعَهَا اثْنَانِ (فَهِيَ لِأَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَمُقَدَّمٌ فِي أَوَّلِ الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّهُمَا يَتَنَاصَفَاهَا (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا) كَمَا لَوْ أَنْكَرَ رَبُّ الْيَدِ وَنَازَعَ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَارَضَتَا) لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْيَدِ (سَوَاءٌ كَانَ مُقِرًّا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لَا بِعَيْنِهِ أَوْ) كَانَتْ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا (لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ) فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا (وَكَذَلِكَ إنْ أَنْكَرَهُمَا) وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا.
(ثُمَّ إنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بَعْدَ إقَامَتِهَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ (لَمْ يُرَجَّحْ) الْمُقَرُّ لَهُ (بِذَلِكَ) الْإِقْرَارِ (وَحُكْمِ التَّعَارُضِ بِحَالِهِ) لِتَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ

مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَلَا تُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا بِرُجُوعِ الْيَدِ إلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّهَا يَدٌ طَارِئَةٌ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا (وَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ) فَيُعْمَلُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ.
(وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ لَهُ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا (قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَالْمُقَرُّ لَهُ) بِالْعَيْنِ (كَدَاخِلٍ وَالْآخَرُ كَخَارِجٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَدِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الْمُقَرِّ لَهُ فَإِنَّ الْعَيْنَ انْتَقَلَتْ إلَى يَدِهِ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ (وَإِنْ ادَّعَاهَا) أَيْ الْعَيْنَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا (صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ وَلَوْ بَعْدَ التَّعَارُضِ حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا) لِأَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ اثْنَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا (وَهِيَ) أَيْ الْعَيْنُ (لَهُ) لِتَرَجُّحِ جَانِبِهِ بِوَضْعِ الْيَدِ (فَإِنْ نَكِلَ) عَنْ الْيَمِينِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (أَخَذَاهَا مِنْهُ وَ) أَخَذَا مِنْهُ (بَدَلَهَا) لِأَنَّ الْعَيْنَ فَاتَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا بِتَرْكِ الْيَمِينِ لِلْآخَرِ (وَاقْتَرَعَا عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْعَيْنِ وَبَدَلِهَا لِأَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ بِالْعَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ لِتَعْيِينِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ بِهَا لِغَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمُدَّعِيَيْنِ لَهُمَا (فَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ.

(وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ) وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ صَحَّحَتَا أَسْبَقَ التَّصَرُّفَيْنِ (أَوْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ زَيْدًا بَاعَهُ الْعَبْدَ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، وَادَّعَى الْآخَر أَنَّهُ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً) شَهِدَتْ بِدَعْوَاهُ (صَحَّحْنَا أَسْبَقَ التَّصَرُّفَيْنِ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الثَّانِيَ صَادَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ فَبَطَلَ (وَإِلَّا) يُعْلَمُ التَّارِيخُ (تَعَارَضَتَا) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَكَذَا لَوْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَصْوَبُ: أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمْ يَتَعَارَضَا، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدَانِ لَكِنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ الْمَرْأَةَ وَجَهِلَ السَّابِقُ، فَإِمَّا أَنْ يُقْرَعَ أَوْ يَبْطُلَ الْعَقْدَانِ بِحُكْمٍ أَوْ بِغَيْرِ حُكْمٍ (وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَبْدُ بِيَدِ نَفْسِهِ) وَادَّعَى أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ فَإِنْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَلَا يُرَجَّحُ بِهَذِهِ الْيَدِ (أَوْ) كَانَ الْعَبْدُ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْمُدَّعِينَ لِشِرَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ مِنْ زَيْدٍ إلْغَاءً لِهَذِهِ الْيَدِ لِلْعِلْمِ بِمُسْتَنَدِهَا وَهُوَ الدَّعْوَى الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ فَتَكُونُ عَادِيَّةً فَلَا تُرَجَّحُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهَذِهِ الْيَدِ، فَكَذَا هُنَا.
(وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ زَيْدٍ) وَادَّعَى كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ (فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.

(وَإِنْ ادَّعَيَا زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا سَقَطَتَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَشْهَدُ بِضِدِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى فَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ

الْيَدِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي إذَا كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ مَسْأَلَةُ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَقَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بَلْ أَنَا حُرٌّ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا) وَتَسَاقَطَتَا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ قُلْتُ وَيُخْلَى سَبِيلُ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ طَارِئٌ وَلَمْ يَثْبُتْ (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَى) عَلَيْهِ (اثْنَانِ) ادَّعَى (كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ سَمَّاهُ) الْمُدَّعِي (فَصَدَّقَهُمَا) مَنْ بِيَدِهِ الْعَبْدُ (لَزِمَهُ ثَمَنَانِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (فَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ لَهُمَا وَبَرِئَ) لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ (وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا) وَحْدَهُ (وَأَقَامَ) أَحَدُهُمَا (بِهِ بَيِّنَةً لَزِمَهُ الثَّمَنُ) لِلْمُقَرِّ لَهُ أَوْ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ لِثُبُوتِ دَعْوَاهُ (وَحَلَفَ لِلْآخَرِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (بَيِّنَةً مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْ التَّارِيخِ أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً عُمِلَ بِهِمَا) لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّهُمَا عَقْدَانِ وَقَدْ شَهِدَ بِهِمَا بَيِّنَتَانِ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ بِنَحْوِ بَيْعٍ إلَى الثَّانِي ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَيْضًا فَيُعْمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَيُلْزَمُ بِالثَّمَنَيْنِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا) أَيْ الشِّرَاءَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَتْ بِهِمَا الْبَيِّنَتَانِ (تَعَارَضَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ وَصَارَا كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ (وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى آخَرَ (أَنَّهُ بَاعَنِي إيَّاهُ) أَيْ نَحْوَ الْعَبْدِ (بِأَلْفٍ وَأَقَامَ) بِدَعْوَاهُ (بَيِّنَةً قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا) لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ حَاصِلٌ لِمَنْ سَبَقَ فَالْعَقْدُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ لَا يَصِحُّ (وَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي التَّارِيخِ (تَعَارَضَتَا) وَيَتَخَالَفَانِ وَيَتَنَاصَفَانِ الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي إحْدَى النِّصْفَيْنِ خَارِجَةٌ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَكَانَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلِكُلٍّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِع بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَأَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ بِكُلِّهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ كُلَّهَا مَعَ فَسْخِ الْآخَرِ وَإِنْ أُطْلِقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا تَعَارَضَتَا فِي ذَلِكَ إذَنْ لَا فِي شِرَاءٍ لِجَوَازِ تَعَدُّدِهِ.
فَيُقْبَلُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ بِيَمِينٍ لَهُمَا أَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ (وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا غَصَبَنِي) الْعَبْدُ وَنَحْوُهُ (وَقَالَ الْآخَرُ مَلَّكَنِيهِ أَوْ أَقَرَّ لِي بِهِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ) لِأَنَّ عِنْدَ بَيِّنَتِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَهُوَ ثُبُوتُ الْيَدِ لَهُ وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى إنَّمَا تَشْهَدُ بِتَصَرُّفِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا (وَلَا يَغْرَمُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِلْآخَرِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ.
فَكَمَا لَوْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى) رَبُّ دَارٍ (أَنَّهُ أَجَّرَهُ الْبَيْتَ بِعَشَرَةٍ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: بَلْ) أَجَّرْتَنِي (كُلَّ الدَّارِ) بِالْعَشَرَةِ وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً (تَعَارَضَتَا وَلَا قِسْمَةَ هُنَا) أَيْ لَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مَا زَادَ عَلَى الْبَيْتِ (وَتَقَدَّمَ أَوَّل لَا طَرِيق الْحُكْمِ وَصِفَتُهُ مَا لَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ فِيهِ قَبْلَ الدَّعْوَى وَمَا يَصِحُّ) سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ فِيهِ قَبْلَهَا.
" تَتِمَّةٌ " نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ أَحَدُهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرُ بِعِشْرِينَ ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَادَّعَاهُ الْآخَرُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَ الثَّوْبَ الْجَيِّدَ وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا ثَوْبًا بِيَدِ غَيْرِهِمَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل