كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 448-487
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزِّنَا وَإِيجَابًا لِنَفَقَةِ الْإِمَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ.

(وَ) لِوَلِيِّهِمَا (السَّفَرُ بِمَالِهِمَا لِتِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا) بِأَنْ عَرَضَ لَهُ سَفَرٌ (فِي مَوَاضِعِ أَمْنِهِ) لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمَا وَلِأَنَّهُ عَادَةُ الْبَالِغِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَقَوْلُهُ (فِي غَيْرِ الْبَحْرِ) لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا الْمُبْدِعِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ: يَجُوزُ أَيْضًا مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ.
(وَلَا يَدْفَعُهُ) أَيْ يَدْفَعُ الْوَلِيُّ مَالَهُمَا (إلَّا إلَى الْأُمَنَاءِ) لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا فِي دَفْعِهِ لِغَيْرِ أَمِينٍ (وَلَا يُغَرِّرُ) الْوَلِيُّ (بِهِ) أَيْ بِمَالِهِمَا، بِأَنْ يَعْرِضَهُ لِمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَعَدَمِهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ لَهُمَا.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (الْمُضَارَبَةُ) أَيْ التِّجَارَةُ (بِهِ) أَيْ بِالْمَالِ (بِنَفْسِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) فِي نَظِيرِ اتِّجَارِهِ بِهِ (وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ (وَالتِّجَارَةُ بِمَالِهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا) وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ:.

تُسْتَحَبُّ التِّجَارَةُ بِمَالِ الْيَتِيمِ لِقَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ " اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِئَلَّا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ " (وَلَهُ) أَيْ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (دَفْعُهُ) أَيْ دَفْعِ مَالِهِمَا (مُضَارَبَةً إلَى أَمِينٍ) يَتَّجِرُ فِيهِ (بِجُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ) لِأَنَّ عَائِشَةَ أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ نَائِبٌ عَنْ مَحْجُورِهِ فِي كُلِّ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (إبْضَاعُهُ وَهُوَ) أَيْ إبْضَاعُهُ (دَفْعُهُ) أَيْ مَالِهِمَا (إلَى مَنْ يَتَّجِرُ بِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَ) لِلْوَلِيِّ أَيْضًا (بَيْعُهُ نَسِيئًا لِمَلِيءٍ وَ) لَهُ (قَرْضُهُ لِمَصْلَحَتِهِ فَيَهِمَا) بِأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ أَكْثَرَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ حَالًّا (كَحَاجَةِ سَفَرٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَالِ (أَوْ غَيْرِهِمَا) فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ.
(وَلَوْ بِلَا رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ بِهِ) فِعْلُ ذَلِكَ (بِهِمَا) أَيْ بِالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ (أَوْ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى) مِنْ تَرْكِهِ لِأَنَّهُ الِاحْتِيَاطُ (فَإِنْ تَلِفَ) الْمَالُ، أَيْ ضَاعَ بِسَبَبِ تَرْكِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْوَلِيُّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ.
(قَالَ الْقَاضِي وَمَعْنَى الْحَظِّ) فِي قَرْضِ مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ (أَنْ يَكُونَ لِلصَّبِيِّ) أَوْ الْمَجْنُونِ (مَالٌ فِي بَلَدٍ فَيُرِيدُ) الْوَلِيُّ (نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيُقْرِضُهُ) الْوَلِيُّ (مِنْ رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَقْتَضِيَهُ بَدَلَهُ، فِي بَلَدِهِ يَقْصِدُ) الْوَلِيُّ (بِذَلِكَ حِفْظَهُ مِنْ الْغَرَرِ) أَيْ الْمُخَاطَرَةِ (فِي نَقْلِهِ) أَيْ الْمَالِ (أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَالِ (الْهَلَاكَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ يَكُونُ) الْمَالُ (مِمَّا يَتْلَفُ بِتَطَاوُلِ مُدَّتِهِ أَوْ) يَكُونُ (حَدِيثُهُ خَيْرًا مِنْ قَدِيمِهِ، كَالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا فَيُقْرِضُهُ) الْوَلِيُّ (خَوْفًا مِنْ السُّوسِ، أَوْ) خَوْفًا مِنْ أَنْ (تَنْقُصَ قِيمَتُهُ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ) .

(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي قَرْضِهِ (حَظٌّ لَمْ يَجُزْ) لِوَلِيِّهِ قَرْضُهُ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّبَرُّعَ (وَإِنْ أَرَادَ) الْوَلِيُّ (أَنْ يُودِعَ مَالَهُ) أَيْ مَالِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ (فَقَرْضُهُ لِثِقَةٍ أَوْلَى) مِنْ إيدَاعِهِ لِأَنَّهُ

أَحْفَظُ لَهُ.
(وَإِنْ أَوْدَعَهُ) لِلْوَلِيِّ (مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ لِلْوَلِيِّ إنْ تَلِفَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (قَرْضُهُ) بِأَنْ رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ (فَلَا يَجُوزُ) قَرْضُهُ (إلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ) لِئَلَّا يُعَرِّضَهُ لِلتَّلَفِ وَكَذَا بَيْعُهُ نَسَاءً (وَلَا يُقْرِضُهُ الْوَلِيُّ) لِمُرُوءَةٍ وَمُكَافَأَةٍ (نَصًّا لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ) وَلَا يَقْتَرِضُ وَصِيٌّ وَلَا حَاكِمٌ مِنْهُ شَيْئًا (لِنَفْسِهِ) ، كَمَا لَا يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَبِيعُ لَهَا لِلتُّهْمَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَبَ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (هِبَتُهُ بِعِوَضٍ) قَدْرِ قِيمَتِهِ فَأَكْثَرَ أَمَّا بِدُونِهَا فَمُحَابَاةٌ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ.

(وَ) لِلْوَلِيِّ (رَهْنُهُ عِنْدَ ثِقَةٍ لِحَاجَةٍ) وَلِلْأَبِ أَنْ يَرْتَهِنَ مَالَهُمَا لِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَلِيٍّ غَيْرَهُ (وَلِوَلِيِّهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (شِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا) مِنْ مَالِهِمَا لِيُسْتَغَلَّ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ لَهُمَا (وَ) لَهُ أَيْضًا (بِنَاؤُهُ) أَيْ الْعَقَارِ لَهُمَا (بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ: يَبْنِيه بِالْآجُرِّ وَالطِّينِ لَا بِاللَّبَنِ) لِأَنَّهُ إذَا انْهَدَمَ فَسَدَ وَرُدَّ بِأَنَّ كُلَّ الْأَمَاكِنِ لَا يُقْدَرُ فِيهَا عَلَى الْآجُرِّ وَإِنْ وُجِدَ فَبِقِيمَةٍ كَثِيرَةٍ قَالَ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَنْ عَادَتُهُمْ الْبِنَاءُ بِهِ، كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ (وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ أَحَظَّ مِنْ الْبِنَاءِ، وَهُوَ) أَيْ شِرَاءُ الْعَقَارِ (مُمْكِنٌ بِيَقِينِ تَقْدِيمِهِ) أَيْ الشِّرَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِكَوْنِهِ أَحَظَّ.

(وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِيَتِيمٍ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ) وَحُمِلَ النَّصُّ فِي الْمُغْنِي عَلَى يَتِيمٍ يَعْقِلُهَا لِأَنَّهُ يَوْمَ سُرُورٍ وَفَرَحٍ، لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ جَبْرُ قَلْبِهِ وَإِلْحَاقًا بِمَنْ لَهُ أَبٌ كَالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّوْسِعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ (وَتَحْرُمُ صَدَقَتُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْأَضَاحِيّ (وَمَتَى كَانَ خَلْطُ قُوتِهِ) أَيْ الْيَتِيمِ بِقُوتِ وَلِيِّهِ (أَرْفَقَ بِهِ وَأَلْيَنَ لِعَيْشِهِ فِي الْخَبْزِ وَأَمْكَنَ فِي حُصُولِ الْأُدْمِ فَهُوَ) أَيْ الْخَلْطُ (أَوْلَى) طَلَبًا لِلرِّفْقِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] (وَإِنْ كَانَ إفْرَادُهُ) أَيْ الْيَتِيمِ (أَرْفَقَ بِهِ أَفْرَدَهُ) الْوَلِيُّ، مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَةِ.

(وَيَجُوزُ) لِلْوَلِيِّ (تَرْكُهُ) أَيْ الْيَتِيمِ (فِي الْمَكْتَبِ) لِيَتَعَلَّمَ مَا يَنْفَعُهُ.
(وَ) لَهُ أَيْضًا (تَعْلِيمُهُ الْخَطَّ وَالرِّمَايَةَ وَالْأَدَبَ وَمَا يَنْفَعُهُ، وَ) لَهُ (أَدَاءُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ) مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ أَشْبَهَ ثَمَنَ مَأْكُولِهِ (وَ) لَهُ (أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ إذَا كَانَتْ مَصْلَحَةً، وَ) لَهُ أَيْضًا (مُدَاوَاتُهُ) أَيْ مُدَاوَاةُ مَحْجُورِهِ لِمَصْلَحَةٍ.
(وَ) لَهُ أَيْضًا (حَمْلُهُ لِيَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ بِأُجْرَةٍ فَيَهِمَا) أَيْ فِي الْمُدَاوَاةِ وَالْحَمْلِ (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ إذَا رَأَى) الْوَلِيُّ (الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) .

(وَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (بَيْعُ عَقَارِهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، (لِمَصْلَحَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ زِيَادَةٌ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الْعَقَارِ (وَأَنْوَاعُ الْمَصْلَحَةِ كَثِيرَةٌ إمَّا لِاحْتِيَاجِ) الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (إلَى نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ) عَلَيْهِمَا (أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (وَلَيْسَ لَهُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَقَارِ (الْهَلَاكَ بِغَرَقٍ أَوْ خَرَابٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يَكُونُ فِي بَيْعِهِ) أَيْ الْعَقَارِ (غِبْطَةٌ وَهِيَ أَنْ يَبْذُلَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالثُّلُثِ، أَوْ يَكُونُ) أَيْ الْعَقَارُ (فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) لِكَوْنِهِ لَا غَلَّةَ فِيهِ لِخَرَابِ مَحَلَّتِهِ مَثَلًا (أَوْ نَفْعُهُ قَلِيلًا فَيَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي لَهُ) عَقَارًا (فِي مَكَان يَكْثُرُ نَفْعُهُ، أَوْ يَرَى) الْوَلِيُّ (شَيْئًا يُبَاعُ فِي شِرَائِهِ غِبْطَةٌ لَا يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهُ إلَّا بِبَيْعِ عَقَارِهِ وَقَدْ تَكُونُ دَارُهُ فِي مَكَان يَتَضَرَّرُ الْغُلَامُ بِالْمُقَامِ فِيهِ، كَسُوءِ الْجِوَارِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي لَهُ بِثَمَنِهَا دَارًا يَصْلُحُ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ (الْمُقَامُ بِهَا وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ) فَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَوْ نَقَصَ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ ذِكْرُهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ انْتَهَى.
وَفِي حَوَاشِي ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ: وَبَيْعُ الْوَلِيِّ بِدُونِ الْقِيمَةِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ يَعْنِي وَيَضْمَنُ النَّقْصَ كَالْوَكِيلِ.

(وَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمَا) أَيْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ (بِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ (وَلَا تَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ (نَفَقَتُهُ لِإِعْسَارِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَنْ يَكُونُ الْمُوصَى بِهِ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ.
(وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ نَفَقَةً وَاجِبَةً عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (لَمْ يَجُزْ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (قَبُولُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ وَالْهِبَةُ فِي ذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا شِرَاءُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.

(وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّغِيرَةِ أَنْ تَلْعَبَ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ أَيْ بِلَا رَأْسٍ وَلَهُ شِرَاؤُهَا) أَيْ اللُّعَبِ غَيْرِ الْمُصَوِّرَةِ لِمَحْجُورَتِهِ (مِنْ مَالِهَا نَصًّا) لِأَنَّهُ لَا مَحْظُورَ فِيهِ، بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةُ التَّمَرُّنِ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهَا.
(وَ) شِرَاؤُهُ لَهَا (مِنْ مَالِهِ أَوْلَى) لِيُوَفِّرَ لَهَا مَالَهَا (وَتَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَعْضُهُ) وَلِوَلِيِّهَا أَيْضًا: تَجْهِيزُهَا إذَا زَوَّجَهَا بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَفُرُشٍ عَلَى الْعَادَةِ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحهَا.

(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَلِيَّ تَخْلِيصُ حَقِّ مُوَلِّيهِ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (إلَّا بِرَفْعِهِ إلَى وَالٍ يَظْلِمُهُ فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (رَفْعُهُ) أَيْ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الظُّلْمَ إلَى نَفْسِهِ (كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ) فَإِنَّ لِلْمَالِكِ تَكْلِيفَ الْغَاصِبِ

ذَلِكَ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُ حَقِّهِ إلَّا بِرَفْعِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِوَالٍ يَظْلِمُهُ جَازَ لَهُ رَفْعُهُ.

[فَصْلٌ مَنْ بَلَغَ سَفِيهًا وَاسْتَمَرَّ]

فَصْلٌ: وَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا وَاسْتَمَرَّ (أَوْ) بَلَغَ (مَجْنُونًا فَالنَّظَرُ) فِي مَالِهِ (لِوَلِيِّهِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْبُلُوغِ: مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ الْحَاكِمِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ فَكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ) بِأَنْ بَلَغَ عَاقِلًا رَشِيدًا (فَعَاوَدَهُ السَّفَهُ) أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ (أَوْ جُنَّ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ (أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ (فَإِنْ فَسَقَ السَّفِيهُ وَلَمْ يُبَذِّرْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ) خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الرُّشْدَ إصْلَاحُ الْمَالِ فَقَطْ (وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى مَنْ سَفِهَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ إلَّا حَاكِمٌ (لِأَنَّ التَّبْذِيرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ثَابِتًا يَخْتَلِفُ) فَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ وَمَا احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ وَهَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ سَفِهَ وَأَمَّا مَنْ جُنَّ فَالْجُنُونُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَمَعْنَاهُ فِي الْمُغْنِي.

(وَلَا يَنْظُرُ فِي أَمْوَالِهِمَا) أَيْ مَالِ مَنْ سَفِهَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ وَحُجِرَ عَلَيْهِ (إلَّا الْحَاكِمُ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ، وَفَكُّهُ كَذَلِكَ فَكَذَا النَّظَرُ فِي مَالِهِمَا (وَلَا يَنْفَكُّ) الْحَجْرُ (عَنْهُمَا إلَّا بِحُكْمِهِ) لِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ فَلَمْ يَزُلْ إلَّا بِهِ، كَالْفَلَسِ (وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ إذَا اخْتَلَّ عَقْلُهُ حُجِرَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ) لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: أَرَى أَنْ يَحْجُرَ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ إذَا أَسْرَفَ فِي مَالِهِ، بِأَنْ يَضَعَهُ فِي الْفَسَادِ، وَشِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ وَنَحْوِهِ.

(وَمَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ) الْحَاكِمُ (اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ عَلَيْهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ (لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ) وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ أَمْرُهُ لِشُهْرَتِهِ.
(وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِذَلِكَ) أَيْ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ (لِيُعَرِّفَهُ النَّاسَ فَعَلَ) أَيْ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي بِهِ (وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَجِبُ بِهِ مَالٌ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ كَالشِّرَاءِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) السَّفِيهُ (مُحْتَاجًا إلَيْهِ) أَيْ إلَى التَّزَوُّجِ (وَإِلَّا) بِأَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (صَحَّ) التَّزَوُّجُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ إذْنُ مَصْلَحَةٍ مَحْضَةٍ وَالنِّكَاحُ لَمْ يُشْرَعْ لِقَصْدِ الْمَالِ، وَسَوَاءٌ احْتَاجَهُ لِمُتْعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ (وَيَتَقَيَّدُ) السَّفِيهُ إذَا تَزَوَّجَ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ) فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَبَرُّعٌ

وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
(وَإِنْ عَضَلَهُ الْوَلِيُّ بِالزَّوَاجِ) أَيْ مَنَعَهُ مِنْهُ (اسْتَقَلَّ) السَّفِيهُ (بِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ عَلِمَ) الْوَلِيُّ (أَنَّهُ) أَيْ السَّفِيهَ (يُطَلِّقُ) إذَا زَوَّجَهُ (اشْتَرَى لَهُ أَمَةً) يَتَسَرَّى بِهَا وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ أَشْبَهَ هِبَتَهُ وَوَقْفَهُ وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِإِتْلَافِ مَالٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ فِي زَوْجَتِهِ وَلَا تُورَثُ عَنْهُ إذَا مَاتَ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَغَرِمَ الشَّاهِدَانِ نِصْفَ الْمُسَمَّى إذَا شَهِدَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَرَجَعَا بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا أَوْقَعَا مِنْ الْحَيْلُولَةِ وَإِنْ لَمْ يُتْلِفَا مَالًا (وَيَأْتِي تَزْوِيجُ وَلِيِّهِ) أَيْ السَّفِيهِ (لَهُ) مُفَصَّلًا (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ) مِنْ مَالِهِ (وَيُكْسَى) مِنْ مَالِهِ (بِالْمَعْرُوفِ) وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ وَلِيُّهُ.
(فَإِنْ أَفْسَدَ) السَّفِيهُ (ذَلِكَ) أَيْ نَفَقَتَهُ وَكِسْوَتَهُ (فَعَلَ) الْوَلِيُّ (بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) فَيَدْفَعُ النَّفَقَةَ إلَيْهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَإِنْ أَفْسَدَهَا أَطْعَمَهُ مُعَايَنَةً وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ فِي بَيْتٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحَيُّلٌ عَلَيْهِ بِتَهْدِيدٍ وَنَحْوِهِ وَإِذَا خَرَجَ لِلنَّاسِ أَلْبَسَهُ ثِيَابَهُ (وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَيَأْتِي (وَلَا) يَصِحُّ (عِتْقُهُ، وَ) لَا (هِبَتُهُ، وَ) لَا (وَقْفُهُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَقْفُ مُعَلَّقًا بِمَوْتِهِ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَفَارَقَ عِتْقُهُ عِتْقَ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِحَقِّ غَيْرِهِ وَيَنْجَبِرُ بِأَخْذِ قِيمَتِهِ مَكَانَهُ.

(وَلَهُ) أَيْ السَّفِيهِ (الْمُطَالَبَةُ بِالْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ (وَ) لَهُ (الْعَفْوُ) عَنْ الْقِصَاصِ (عَلَى مَالٍ وَلَا يَصِحُّ) عَفْوُهُ عَنْ الْقِصَاصِ (عَلَى غَيْرِ مَالٍ) وَيَأْتِي فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ تَحْرِيرُهُ وَإِنَّهُ يَصِحُّ.
(وَيَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ) أَيْ اسْتِيلَادُ السَّفِيهِ الْأَمَةَ الْمَمْلُوكَةَ لَهُ (وَتُعْتَقُ الْأَمَةُ الْمُسْتَوْلَدَةُ) لَهُ (بِمَوْتِهِ) لِعُمُومِ مَا يَأْتِي فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ) السَّفِيهُ (بِحَدِّ) زِنًا أَوْ شُرْبٍ أَوْ قَذْفٍ (أَوْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَوْ خُلْعِهَا بِمَالٍ صَحَّ) الْإِقْرَارُ وَالطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ السَّفِيهَ (حُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَفْسِهِ وَالْحَجْرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ.
(وَإِنْ قَبَضَ) السَّفِيهُ (عِوَضَ الْخُلْعِ) أَوْ الطَّلَاقِ (لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالٍ (فَلَوْ أَتْلَفَهُ) أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) السَّفِيهُ (وَلَا تَبْرَأُ الْمَرْأَةُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّفِيهِ عِوَضَ الْخُلْعِ أَوْ الطَّلَاقِ، كَالصَّغِيرِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَبْضِ (وَيَصِحُّ ظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ وَلِعَانُهُ وَنَفْيُ النَّسَبِ بِهِ) أَيْ بِاللَّعَّانِ عَنْ السَّفِيهِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ) السَّفِيهُ (بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرْفٍ وَنَحْوِهِ (وَطَلَبَ) الْمُقِرُّ لَهُ (إقَامَتَهُ كَانَ لِرَبِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ) فِي الْحَالِّ (فَإِنْ عَفَا) رَبُّهُ عَنْهُ (عَلَى مَالٍ صَحَّ) الْعَفْوُ.
(وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْمَالُ) الَّذِي عَفَا عَلَيْهِ (فِي الْحَالِّ) لِأَنَّ السَّفِيهَ وَالْمُقِرُّ لَهُ قَدْ يَتَوَاطَآنِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ إذَا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ (وَسَقَطَ الْقِصَاصُ) لِلْعَفْوِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) السَّفِيهُ (بِنَسَبِ وَلَدٍ) أَوْ نَحْوِهِ (صَحَّ) إقْرَارُهُ (وَلَزِمَتْهُ أَحْكَامُهُ: مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا) كَالسُّكْنَى وَالْإِرْثِ (كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ) وَالْخَادِمِ (وَلَا يُفَرِّقُ السَّفِيهُ زَكَاةَ مَالِهِ بِنَفْسِهِ، بَلْ) يُفَرِّقُهَا (وَلِيُّهُ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ الْمَالِيَّةِ (وَلَا تَصِحُّ شَرِكَتُهُ) أَيْ السَّفِيهِ (وَلَا حَوَالَتُهُ وَلَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، وَلَا ضَمَانُهُ) لِغَيْرِهِ (وَلَا كَفَالَتُهُ بِبَدَنِ إنْسَانٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

(وَيَصِحُّ مِنْهُ) أَيْ السَّفِيهِ (نَذْرُ كُلِّ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ مِنْ حَجٍّ وَغَيْرِهِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ (لَا نَذْرُ عِبَادَةٍ مَالِيَّةٍ) كَصَدَقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالٍ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَكَفَّرَ بِالصِّيَامِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ) السَّفِيهُ (بِحَجِّ فَرْضٍ صَحَّ) إحْرَامُهُ بِهِ كَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ (وَالنَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ تُدْفَعُ إلَى ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ) حَتَّى يَعُودَ (وَإِنْ كَانَ) الْحَجُّ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ (تَطَوُّعًا وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ كَنَفَقَتِهِ فِي الْحَضَرِ، أَوْ) كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ (أَزْيَدَ لَكِنْ يَكْتَسِبُ) السَّفِيهُ (الزَّائِدَ) فِي سَفَرِهِ (لَمْ يَمْنَعْهُ وَلِيُّهُ) مِنْ إتْمَامِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالشُّرُوعِ.
(وَدَفَعَ النَّفَقَةَ إلَى ثِقَةٍ) يُنْفِقُ عَلَيْهِ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الْفَرْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ نَفَقَةُ السَّفَرِ أَزْيَدَ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا (فَلَهُ) أَيْ لِوَلِيِّهِ (تَحْلِيلُهُ) مِنْ الْإِحْرَامِ بِحَجِّ النَّفْلِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ (وَيَتَحَلَّلُ) السَّفِيهُ (بِالصِّيَامِ) أَيْ صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (كَالْمُعْسِرِ) إذَا أُحْصِرَ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الْحَجِّ) مُفَصَّلًا.

(وَإِنْ لَزِمَتْهُ) أَيْ السَّفِيهَ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ) لَزِمَتْهُ (كَفَّارَةٌ غَيْرُهَا) كَقَتْلٍ وَظِهَارٍ (كَفَّرَ بِالصَّوْمِ) لِأَنَّ الْمَالَ يَضُرُّهُ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ) أَوْ كَسَا (لَمْ يُجِزْهُ وَلَمْ يَنْفُذْ) عِتْقُهُ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ (فَإِنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ كَفَّرَ بِمَا يُكَفِّرُ بِهِ الرَّشِيدُ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (لَا إنْ فُكَّ) حَجْرُهُ (بَعْدَ التَّكْفِيرِ) فَلَا يُعِيدُ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، كَمَنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ (وَإِنْ أَقَرَّ) السَّفِيهُ (بِمَالٍ صَحَّ) إقْرَارُهُ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ) مَا أَقَرَّ بِهِ (فِي حَالِ حَجْرِهِ) بَلْ يَتْبَعُ بِهِ بَعْدَهُ لَكِنْ إنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ السَّفِيهُ كَدَيْنِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ (وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ السَّفِيهِ كَحُكْمِ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ) عَلَى مَا سَلَفَ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى السَّفِيهِ لِحَظِّهِ أَشْبَهَ وَلِيَّ الصَّبِيِّ.

[فَصْلٌ لِلْوَلِيِّ الْمُحْتَاجِ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ]

(فَصْلٌ: وَلِلْوَلِيِّ الْمُحْتَاجِ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِك غَيْرَ مُسْرِفٍ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ (الْأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ قَدْرَ كِفَايَتِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ وَالْحَاجَةِ جَمِيعًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا وَجَدَا فِيهِ.
(وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَاكِمٌ) وَأَمَّا الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ فَلَا يَأْكُلَانِ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا يَسْتَغْنِيَانِ بِمَالِهِمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْوَلِيَّ (عِوَضُهُ) أَيْ مَا أَكَلَهُ (إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عِوَضًا لَهُ عَنْ عَمَلِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ، كَالْأَجِيرِ وَالْمُضَارِبِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْأَكْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا (وَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6] (إذَا لَمْ يَكُنْ أَبًا) لِمَا يَأْتِي: أَنَّ الْأَبَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ.

(فَإِنْ فَرَضَ) أَيْ قَدَّرَ (لِلْوَلِيِّ الْحَاكِمُ شَيْئًا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ مَجَّانًا) فَلَا يَغْرَمُ بَدَلَهُ بَعْدُ (وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ) وَلِلْحَاكِمِ الْفَرْضُ، حَيْثُ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً.
(وَلَا يَقْرَأُ) الْوَلِيُّ وَلَا غَيْرُهُ (فِي مُصْحَفِ الْيَتِيمِ إنْ كَانَ) ذَلِكَ (يُخْلِقُهُ) أَيْ يُبْلِي الْمُصْحَفَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ (وَيَأْكُلُ نَاظِرُ وَقْفٍ بِمَعْرُوفٍ نَصًّا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ لَهُ شَيْئًا) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْوَصِيَّ مَعْنًى وَحُكْمًا.
(وَظَاهِرُهُ) أَنَّ النَّاظِرَ يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ وَقَالَ الشَّيْخُ لَهُ) أَيْ النَّاظِرِ (أَخْذُ أُجْرَةِ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُقَدَّمُ بِمَعْلُومِهِ بِلَا شَرْطٍ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ (وَالْوَكِيلِ فِي) تَفْرِيقِ (الصَّدَقَةِ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَجْلِ الْعَمَلِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُوَافَقَةُ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي وَلَا يَأْكُلُ أَيْضًا لِفَقْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لِأَنَّهُ مُنَفِّذٌ.

(وَمَتَى زَالَ الْحَجْرُ) عَنْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ السَّفِيهِ (فَادَّعَى)

أَحَدُهُمْ (عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا) فِي مَالِهِ (أَوْ) ادَّعَى (مَا يُوجِبُ ضَمَانًا) مِنْ نَحْوِ تَفْرِيطٍ أَوْ مُحَابَاةٍ أَوْ تَبَرُّعٍ.
(وَنَحْوِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ فَقَوْلُ وَلِيٍّ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ كَالْمُودَعِ (حَتَّى فِي قَدْرِ نَفَقَةٍ عَلَيْهِ، وَ) قَدْرِ (كِسْوَةٍ أَوْ) قَدْرِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ (عَلَى مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْمَحْجُورِ مِنْ رَقِيقٍ وَبَهَائِمَ وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ (أَوْ) قَدْرِ نَفَقَةٍ عَلَى (عَقَارِهِ) إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي عِمَارَةٍ (بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْوَلِيِّ، لِيَرْجِعَ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَظَاهِره: لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ اقْتِرَاضًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (مَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ، بِأَنْ كَذَّبَ الْحِسُّ دَعْوَاهُ (أَوْ تُخَالِفُهُ عَادَةٌ وَعُرْفٌ) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ.

(لَكِنْ لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: أَنْفَقْت عَلَيْك ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَالَ الْيَتِيمُ: بَلْ مَاتَ أَبِي مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَأَنْفَقْت عَلَيَّ مِنْ أَوَانِ مَوْتِهِ فَقَوْلُ الْيَتِيمِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَتُهُ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيٍّ أَيْضًا فِي وُجُودِ ضَرُورَةٍ وَغِبْطَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْ بَيْعَ عَقَارِ الْمَحْجُورِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَكِنَّهُ أَحْوَطُ، دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ.
(وَ) يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيٍّ أَيْضًا فِي (تَلَفِ) مَالِ الْمَحْجُورِ أَوْ بَعْضِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَ) حَيْثُ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيٍّ فَإِنَّهُ (يَحْلِفُ) لِاحْتِمَالِ قَوْلِ الْيَتِيمِ (غَيْرُ حَاكِمٍ) فَلَا يَحْلِفُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.

(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ بَعْدَ) بُلُوغِهِ، وَ (رُشْدِهِ وَعَقْلِهِ، إنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (مُتَبَرِّعًا) لِأَنَّهُ أَمِينٌ أَشْبَهَ الْمُودَعَ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْوَلِيُّ مُتَبَرِّعًا بَلْ بِأُجْرَةٍ (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِهِ الْمَالَ إلَيْهِ بَلْ قَوْلُ الْيَتِيمِ لِأَنَّ الْوَلِيَّ قَبَضَ الْمَالَ لِحَظِّهِ فَلَمْ تَقْبَلْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ.

(وَلَيْسَ لِزَوْجٍ حَجْرٌ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّشِيدَةِ فِي تَبَرُّعٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، وَلَوْ زَادَ) تَبَرُّعُهَا (عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُنَّ وَإِطْلَاقِهِنَّ فِي التَّصَرُّفِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» وَكُنَّ يَتَصَدَّقْنَ وَيُقْبَلُ مِنْهُنَّ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمَرِيضِ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبٌ يُفْضِي إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ، وَالزَّوْجِيَّةُ إنَّمَا تَجْعَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فَهِيَ أَحَدُ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَا

يَثْبُتُ لَهَا الْحَجْرُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ حَجْرٌ عَلَى مُقْتِرٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: بَلَى أَيْ لَا يُمْنَعُ مِنْ عُقُودِهِ وَلَا يُكَفُّ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ جَبْرًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ.

[فَصْلٌ لِوَلِيٍّ مُمَيِّزٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلِسَيِّدِ عَبْدٍ مُمَيِّزٍ أَوْ بَالِغٍ الْإِذْنُ لَهُمَا فِي التِّجَارَةِ]

(فَصْلٌ: لِوَلِيٍّ مُمَيِّزٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) (وَ) لِ (سَيِّدِ عَبْدٍ) مُمَيِّزٍ أَوْ بَالِغٍ (الْإِذْنُ لَهُمَا فِي التِّجَارَةِ) لقوله عز وجل ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] أَيْ اخْتَبِرُوهُمْ لِتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ وَلِأَنَّ الْمُمَيِّزَ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْعَبْدِ الْكَبِيرِ فَلَوْ تَصَرَّفَ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَصِحَّ (فَيَنْفَكُّ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ (الْحَجْرُ فِيمَا أَذِنَ) الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّدُ (لَهُمَا فِيهِ فَقَطْ) فَإِذَا أَذِنَ لَهُمَا فِي التِّجَارَةِ فِي مِائَةٍ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُمَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا (وَ) يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ أَيْضًا (فِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ) أَيْ بِأَنْ يَتَّجِرَا فِيهِ (فَقَطْ) لِأَنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ آدَمِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَيَّدَا بِمَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ، كَوَكِيلٍ وَوَصِيٍّ فِي نَوْعٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ) أَيْ الْمَأْذُونَ فِي التِّجَارَةِ مِنْ مُمَيِّزٍ وَعَبْدٍ (كَمُضَارِبٍ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً وَنَحْوِهِ) كَالْبَيْعِ بِعِرْضٍ، لَا كَوَكِيلٍ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا الرِّبْحُ كَالْمُضَارَبَةِ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْجَمِيعِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ بِمَجْمُوعِ الْعَبْدِ.

(وَإِنْ أَذِنَ) الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّد (لَهُ) أَيْ لِلْمُمَيِّزِ أَوْ الْعَبْدِ (أَنْ يَشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ جَازَ) لَهُ الشِّرَاءُ فِي ذِمَّتِهِ، عَمَلًا بِالْإِذْنِ (وَيَصِحُّ إقْرَارُهُمَا) أَيْ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ (بِقَدَرِ مَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ انْفَكَّ عَنْهُمَا فِيهِ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ) مِنْ الْعَمَلِ (بِنَفْسِهِ) إذَا لَمْ يُعْجِزْهُ لِأَنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ بِالْإِذْنِ فَاخْتَصَّا بِمَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ كَالْوَكِيلِ.

(وَإِنْ أَذِنَ) الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّدُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُمَيِّزِ أَوْ الْعَبْدِ (فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلَا) أَنْ (يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْ) الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِإِذْنٍ، كَبَيْعِ نَفْسِهِ وَتَزْوِيجِهِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ التِّجَارَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْإِذْنِ وَفِي إيجَارِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ الْجَوَازُ، إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَإِلَّا فَلَا.

(وَإِنْ وَكَّلَ) الْمُمَيِّزُ أَوْ الْعَبْدُ

الْمَأْذُونَ (فَكَوَكِيلٍ) يَصِحُّ فِيمَا يُعْجِزُهُ وَفِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ (وَمَتَى عَزَلَ سَيِّدٌ قِنَّهُ) الْمَأْذُونَ (انْعَزَلَ وَكِيلُهُ) أَيْ وَكِيلُ الْقِنِّ، كَوَكِيلِ وَكِيلٍ مُضَارِبٍ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ وَتَوْكِيلُهُ فَرْعُ إذْنِهِ فَإِذَا بَطَلَ الْإِذْنُ بَطَلَ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ وَكِيلِ صَبِيٍّ وَمُكَاتَبٍ وَرَاهِنٍ أَذِنَهُ مُرْتَهِنٌ فِي بَيْعِ رَهْنٍ فَإِذَا وُكِّلُوا وَبَطَلَ الْإِذْنُ لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَلَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ الْوَكِيلُ فِي حَالِ الْمَنْعِ لِمُوَكَّلِهِ (وَالْمَجْنُونُ وَالطِّفْلُ دُونَ التَّمْيِيزِ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنٍ وَلَا غَيْرِهِ) لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِمَا.

(وَيَصِحُّ شِرَاءُ الْعَبْدِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ لِرَحِمٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَتَعْلِيقٍ، بِأَنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدٍ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ مَأْذُونُهُ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شِرَاءُ مَنْ اعْتَرَفَ سَيِّدُهُ بِحُرِّيَّتِهِ لِأَنَّهُ افْتِدَاءٌ وَتَبَرُّعٌ فَلَا يَمْلِكُهُ (وَ) لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ أَيْضًا (شِرَاءُ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ وَ) لَهُ أَيْضًا شِرَاءُ (زَوْجِ صَاحِبَةِ الْمَالِ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ مَتَى مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
(وَإِنْ رَآهُ) أَيْ الْعَبْدَ (سَيِّدُهُ) يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ (أَوْ) رَأَى الْمُمَيِّزُ (وَلِيَّهُ يَتَّجِرُ لَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ فَلَمْ يَقُمْ السُّكُوتُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ فِي الرَّهْنِ وَالْآخَرُ سَاكِتٌ، وَكَتَصَرُّفِ الْأَجَانِبِ.

(وَإِذَا تَصَرَّفَ) الْمُمَيِّزُ أَوْ الْعَبْدُ (غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ) تَصَرَّفَ (بِقَرْضٍ لَمْ يَصِحَّ) التَّصَرُّفُ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَ مَا أَخَذَهُ) الْمُمَيِّزُ أَوْ الْعَبْدُ (مِنْ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ الْمُمَيِّزِ.
(وَ) لَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا (مِنْ السَّيِّدِ) أَوْ الْوَلِيِّ (إنْ كَانَ بِيَدِهِ وَ) لَهُ أَخْذُهُ (حَيْثُ كَانَ) لِفَسَادِ الْعَقْدِ.

(فَإِنْ تَلِفَ) مَا أَخَذَهُ الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ بِنَحْوِ بَيْعٍ (فِي يَدِ السَّيِّدِ أَوْ غَيْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ) مَالِكُهُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِبَدَلِ مَالِهِ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَإِنْ شَاءَ) الْمَالِكُ (كَانَ) مَا تَلِفَ بِيَدِ السَّيِّدِ (مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ الَّذِي أَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّيِّدِ أَوْ الْعَبْدِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّلْخِيصِ.
(وَإِنْ أَهْلَكَهُ الْعَبْدُ) أَيْ أَهْلَكَ مَا قَبْضَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (تَعَلَّقَ) الْبَدَلُ (بِرَقَبَتِهِ يَفْدِيه سَيِّدُهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ) لِمُسْتَحِقِّ الْبَدَلِ أَوْ يَبِيعُهُ (إنْ لَمْ يُعْتِقْهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ لَزِمَ السَّيِّدَ الَّذِي) كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ (وَهُوَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْبَدَلُ وَ) لَا (يَلْزَمُ السَّيِّدُ) أَرْشُ الْجِنَايَةِ كُلُّهُ، إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ (كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ) ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مِائَةٌ وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى الْخَمْسِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ إلَّا الْخَمْسِينَ.
(وَيَضْمَنُهُ)

أَيْ مَا قَبَضَهُ الْعَبْدُ بِبَيْعٍ وَقَرْضٍ وَنَحْوِهِ (بِمِثْلِهِ، إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَأَمَّا مَا قَبَضَهُ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ وَأَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ.

(وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ) لِأَنَّهُ غَرَّ النَّاسَ بِمُعَامَلَتِهِ (وَحُكْمُ مَا اسْتَدَانَهُ) الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ (أَوْ اقْتَرَضَهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ حُكْمُ مَا اسْتَدَانَهُ لِلتِّجَارَةِ بِإِذْنِهِ) فَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ.

(وَيَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْحَجْرِ عَلَى سَيِّدِهِ) لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ (وَ) بِ (مَوْتِهِ وَجُنُونِهِ الْمُطْبَقِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِسَائِرِ مَا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ لِأَنَّ إذْنَهُ لَهُ كَالْوَكَالَةِ يَبْطُلُ بِمَا يُبْطِلُهَا (وَتَتَعَلَّقُ أُرُوشُ جِنَايَاتِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (وَقَيَّمَ مُتْلَفَاتِهِ بِرَقَبَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ) فِي التِّجَارَةِ (أَوْ لَا) إذْ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِذْنُ فِي الْجِنَايَاتِ وَالْإِتْلَافَاتِ.
(وَ) حَيْثُ قُلْنَا يَتَعَلَّقُ الْمَأْذُونُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ فَ (لَا فَرْقَ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ) لَزِمَهُ (فِي التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ) لَهُ (فِيهَا أَوْ) لَزِمَهُ (فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ فَيَتَّجِرُ فِي غَيْرِهِ) أَوْ يَسْتَدِينُ لِغَيْرِ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ إذْنَهُ فِي التِّجَارَةِ لَهُ (لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّغْرِيرِ، إذْ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا) فَيُعَامِلُونَهُ.

(وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ شَيْئًا) أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ (لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا بِيَدِهِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ وَالْمُكَاتَبِ لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ فِي رَقَبَتِهِ وَمَالِهِ أَقْوَى ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
(وَإِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ (دَيْنٌ أَوْ أَرْشُ جِنَايَةٍ ثُمَّ مَلَكَهُ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ أَوْ الْأَرْشُ) بِغَيْرِ شِرَاءٍ (سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ) الدَّيْنُ أَوْ الْأَرْشُ، لِعَدَمِ الْبَدَلِ عَنْ الرَّقَبَةِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ الدَّيْنُ وَإِنْ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ سَقَطَ أَيْضًا لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ مَمْلُوكِهِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ تَحَوَّلَ إلَى ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ.

(وَإِنْ حَجَرَ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ (وَفِي يَدِهِ مَالٌ) فَأَقَرَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ (ثُمَّ) إنْ (أَذِنَ) السَّيِّدُ (لَهُ فَأَقَرَّ) الْمَأْذُونُ (بِهِ) أَيْ بِالْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ (صَحَّ) إقْرَارُهُ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ إقْرَارِهِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَالَ وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ فَصَحَّ إقْرَارُهُ كَالْحَرِّ.

(وَلَا يَمْلِكُ عَبْدٌ) وَلَا أَمَةٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ وَمُكَاتَبَةٍ (بِتَمْلِيكٍ، وَلَا غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ) مُفَصَّلًا (وَمَا كَسَبَ) عَبْدٌ (غَيْرُ مُكَاتَبٍ) مِنْ مُبَاحٍ أَوْ قَبِلَهُ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ (فَلِسَيِّدِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ سَيِّدِهِ عَنْهُ

مُطْلَقًا (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ يُرِيدُ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً وَنَحْوَهُ (مُعَامَلَةُ عَبْدٍ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ.

(وَمَنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْ قِنٍّ عَيْبًا) فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى الْقِنِّ (فَقَالَ: أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ قَدِمَ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، فَاشْتَرَاهُ النَّاسُ مِنْهُ فَقَالَ: أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ قَالَ هُوَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ، مَأْذُونًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِتَصَرُّفِهِ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوْ قُدِّرَ صِدْقُهُ فَتَسْلِيطُهُ عُدْوَانٌ مِنْهُ فَيَضْمَنُهُ.

(وَلَا يُعَامَلُ صَغِيرٌ) لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَأْذُون لَهُ (إلَّا فِي مِثْلِ مَا يُعَامَلُ مِثْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْيَسِيرِ (وَلَا يَبْطُلُ إذْنُ) السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ (بِإِبَاقٍ وَتَدْبِيرٍ وَإِيلَادٍ وَكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَأَسْرٍ، وَحَبْسٍ بِدَيْنٍ وَغَصْبٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَلَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةً.

(وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ مَأْذُونٍ لَهُ بِدَرَاهِمَ وَ) لَا بِ (كِسْوَةِ ثِيَابٍ وَنَحْوِهَا) كَفَرَسٍ وَحِمَارٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قَلَّ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمَأْذُونِ لَهُ (هَدِيَّةُ مَأْكُولٍ وَإِعَارَةُ دَابَّةٍ وَعَمَلُ دَعْوَةٍ وَنَحْوُهُ) كَإِعَارَةِ ثَوْبِهِ (بِلَا إسْرَافٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ» وَلِأَنَّهُ مِمَّا جَرَّتْ بِهِ عَادَةُ التُّجَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ: وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِ مَوْلَاهُ فَلَمْ يَجُزْ كَنِكَاحِهِ، وَكَمُكَاتَبٍ فِي الْأَصَحِّ.

(وَلِ) قِنٍّ (غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ صَدَقَةٌ) مِنْ قُوتِهِ (بِرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ، إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ) لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ (وَلِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ الرَّغِيفِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ «إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ تَذْكُرْ إذْنًا إذْ الْعَادَةُ السَّمَاحُ وَطِيبُ النَّفْسِ بِهِ (إلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا) الزَّوْجُ مِنْ ذَلِكَ (أَوْ يَكُونُ) الزَّوْجُ (بَخِيلًا فَتَشُكُّ فِي رِضَاهُ فَيَحْرُمُ) عَلَيْهَا الصَّدَقَةُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (فَيَهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا مَنَعَهَا أَوْ كَانَ بَخِيلًا فَشَكَّتْ فِي رِضَاهُ وَكَذَا إذَا اضْطَرَبَ عُرْفٌ وَشَكَّتْ فِي رِضَاهُ (كَصَدَقَةِ الرَّجُلِ بِطَعَامِ الْمَرْأَةِ) فَيَحْرُمُ بِغَيْرِ إذْنِهَا لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ (فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِهِ، كَجَارِيَتِهِ وَأُخْتِهِ وَغُلَامِهِ الْمُتَصَرِّفُ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ وَطَعَامِهِ فَهُوَ كَزَوْجَتِهِ) يَجُوزُ لَهُ الصَّدَقَةُ بِنَحْوِ رَغِيفٍ مِنْ مَالِهِ، مَا لَمْ يُمْنَعْ أَوْ يَكُنْ بَخِيلًا، أَوْ يَضْطَرِبُ عُرْفٌ وَيَشُكُّ فِي رِضَاهُ (وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا كَالَّتِي يُطْعِمُهَا بِالْفَرْضِ وَلَا يُمْكِنُهَا مِنْ طَعَامِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَنَعَهَا) مِنْ الصَّدَقَةِ (بِالْقَوْلِ) عَمَلًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ فَلَا تَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِهِ بِشَيْءٍ.

[بَابُ الْوَكَالَةِ]

ِ (الْوَكَالَةِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ (وَهِيَ) لُغَةً: التَّفْوِيضُ يُقَالُ: وَكَّلْت أَمْرِي إلَى اللَّهِ أَيْ فَوَّضْته إلَيْهِ وَاكْتَفَيْت بِهِ وَقَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْحِفْظُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] وَشَرْعًا (اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ) أَيْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، ذَكَرَيْنِ كَانَا أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ (فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ) مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، أَوْ الْمُرَادُ: جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَلَا يَرِدُ صِحَّةُ تَوْكِيلِ نَحْوِ عَبْدٍ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ وَهِيَ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: 19]- الْآيَةَ وَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي تَزَوُّجِ مَيْمُونَةَ وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزَوُّجِ أُمِّ حَبِيبَةَ.

(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ، أَيْ إيجَابُهَا (بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ) فِي التَّصَرُّفِ (كَوَكَّلْتُكَ أَوْ فَوَّضْت إلَيْك) فِي كَذَا (أَوْ أَذِنْت لَك فِيهِ، أَوْ بِعْهُ، أَوْ أَعْتِقْهُ، أَوْ كَاتِبْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَأَقَمْتُكَ مَقَامِي، أَوْ جَعَلْتُك نَائِبًا عَنِّي لِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الْإِذْنِ فَصَحَّ كَلَفْظِهَا الصَّرِيحِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِهَا بِفِعْلٍ دَالٍّ، كَبَيْعٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَلَامِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ وَهُوَ أَظْهَرُ كَالْقَبُولِ انْتَهَى (وَ) يَصِحُّ قَبُولُ الْوَكَالَةِ بِ (كُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِنْ الْوَكِيلِ يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ) لِأَنَّ وُكَلَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ قَبُولُهُ بِالْفِعْلِ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ.
(وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الْوَكِيلُ (بِهَا) أَيْ بِالْوَكَالَةِ لَهُ، مِثْلُ أَنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.

(وَيَصِحُّ قَبُولُهَا) أَيْ الْوَكَالَةِ (عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، بِأَنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَيَبِيعُهُ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ يَبْلُغُهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْرٍ فَيَقُولُ: قَبِلْت) لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاهُمْ وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ أَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ (وَكَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، كَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَمُسَاقَاةٍ وَنَحْوِهَا) كَالْمُزَارِعَةِ (فِي أَنَّ الْقَبُولَ يَصِحُّ بِالْفِعْلِ) فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا لِمَا سَبَقَ.

(وَلَوْ أَبَى الْوَكِيلُ أَنْ يَقْبَلَ) الْوَكَالَةَ (فَكَعَزْلِهِ نَفْسَهُ) كَالْمُوصَى لَهُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُرِدْهَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ بَاقِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ.

(وَيُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ (تَعْيِينُ وَكِيلٍ) فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْت أَحَدَ هَذَيْنِ لَمْ تَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ وَ.
(قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فَلَوْ وَكَّلَ زَيْدًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ) لَمْ تَصِحَّ لِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ، إمَّا بِنِسْبَةٍ، أَوْ إشَارَةٍ إلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَيِّنُهُ (أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ: وَكَّلَك زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ، وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ (لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ لِلْجَهَالَةِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ (مُؤَقَّتَةً) كَأَنْتَ وَكِيلِي شَهْرًا (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ نَحْوُ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَافْعَلْ كَذَا، أَوْ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَاشْتَرِ لَنَا كَذَا، أَوْ إذَا طَلَبَ أَهْلِي مِنْك شَيْئًا فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ وَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي كَذَا، أَوْ فَأَنْتَ وَكِيلِي وَنَحْوُهُ) كَوَصِيَّةٍ وَإِبَاحَةِ أَكْلٍ وَقَضَاءٍ وَإِمَارَةٍ.

(وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي شَيْءٍ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهَا (إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الَّذِي وَكَّلَ فِيهِ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ فَنَائِبُهُ أَوْلَى (سِوَى تَوْكِيلِ أَعْمَى وَنَحْوِهِ) كَغَائِبٍ (فِي عَقْدٍ) نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ عَلَى (مَا يَحْتَاجُ إلَى رُؤْيَةٍ) لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ لَا لِمَعْنًى فِيهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْبَيْعِ، وَمِثْلُهُ) ، أَيْ مِثْلُ التَّوْكِيلِ فِيمَا ذَكَرَ (التَّوَكُّلُ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِي شَيْءِ مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ (سِوَى تَوَكُّلِ حُرٍّ وَاجِدِ الطَّوْلِ) أَوْ غَيْرِ خَائِفٍ الْعَنَتَ (فِي قَبُولِ نِكَاحِ أَمَةٍ لِمَنْ تُبَاحُ لَهُ) الْأَمَةُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ عَادِمِ الطَّوْلِ خَائِفٍ الْعَنَتَ.
(وَ) سِوَى (تَوَكُّلِ غَنِيٍّ فِي قَبْضِ زَكَاةٍ) أَوْ

كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (لِفَقِيرٍ، وَ) سِوَى (قَبُولِ نِكَاحِ أُخْتِهِ وَنَحْوِهَا) كَعَمَّتِهِ (مِنْ أَبِيهِ) أَوْ جَدِّهِ وَنَحْوِهِ (الْأَجْنَبِيِّ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ لَا لِمَعْنًى فِيهِ يَقْتَضِي مَنْعَ التَّوَكُّلِ.

وَلَوْ وَكَّلَ الزَّوْجُ الْوَلِيَّ فِي الْقَبُولِ صَحَّ وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (وَ) سِوَى (طَلَاقِ امْرَأَةٍ نَفْسَهَا وَ) طَلَاقِهَا (غَيْرَهَا) مِنْ ضَرَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا (بِالْوَكَالَةِ فَيَصِحُّ فِيهِنَّ) لِأَنَّهَا لَمَّا مَلَكَتْ طَلَاقَ نَفْسِهَا بِجَعْلِهِ إلَيْهَا مَلَكَتْ طَلَاقَ غَيْرِهَا.

(وَلَا يَصِحُّ) أَنْ يُوَكِّلَ (فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ، وَلَا) فِي (طَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا) لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ حِينَ التَّوْكِيلِ وَإِنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَصِحَّ، بِخِلَافِ إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي عِتْقِهِ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ عَلَى الْمِلْكِ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى نِكَاحِهَا.

(وَلَا) يَصِحُّ (تَوْكِيلُ الْعَبْدِ، وَ) لَا (السَّفِيهُ فِي غَيْرِ مَا لَهُمَا فِعْلُهُ) مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ، وَكُلِّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ (وَتَصِحُّ وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ (كَتَصَرُّفِهِ) أَيْ الْمُمَيِّزِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَتَقَدَّمَ وَأَمَّا تَوْكِيلُهُ فِي نَحْوِ إيجَابِ النِّكَاحِ فَلَا يَصِحُّ، لِمَا مَرَّ وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ وَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ إذَا عَقَلَهُ لِصِحَّتِهِ مِنْهُ وَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ.

(وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ مِنْ الْعُقُودِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، كَالْإِجَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَالْمُضَارَبَةُ، وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَ) مِنْ (الْفُسُوخِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ (حَاضِرًا كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ غَائِبًا) صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا.
(وَلَوْ) كَانَ التَّوْكِيلُ فِي خُصُومَةٍ (بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ، حَتَّى فِي صُلْحٍ وَإِقْرَارٍ) فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فَيَهِمَا، كَغَيْرِهِمَا وَصِفَةُ التَّوْكِيلِ فِي الْإِقْرَارِ: أَنْ يَقُولَ لَهُ: وَكَّلْتُك فِي الْإِقْرَارِ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: أَقِرَّ عَنِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَكَالَةً ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.

(وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ) الْمُوَكِّلِ (مَا يُقِرُّ بِهِ) وَكِيلُهُ عَنْهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ بِمَالٍ أَوْ شَيْءٍ، فَأَقَرَّ كَذَلِكَ (رُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى، الْمُوَكِّلِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا عَلَيْهِ.

(وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ) مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا (لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ) الْوَكِيلُ (لِنَفْسِهِ) صَدَقَةً (إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، وَلَا) شَيْئًا (لِأَجْلِ الْعَمَلِ) لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْمُوَكِّلِ يَنْصَرِفُ إلَى دَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهُ لِوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَوَّلُهُمَا: جَوَازُهُ، لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
(وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ) مُوَضَّحًا وَكَذَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِ

بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ مِنْهُمْ أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَأَمَرَهُ بِتَفْرِيقِهِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ، أَوْ دَفْعِهِ إلَى مَنْ شَاءَ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.

(وَيَصِحُّ) التَّوْكِيلُ (فِي عِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ وَلَوْ) كَانَ التَّوْكِيلُ (لِغَرِيمِهِ) فِي الْإِبْرَاءِ.
(وَ) لِ (عَبْدِهِ) فِي الْعِتْقِ (وَيَمْلِكَانِهِ) أَيْ يَمْلِكُ الْغَرِيمُ الْإِبْرَاءَ وَالْعَبْدُ الْعِتْقَ (لِأَنْفُسِهِمَا بِالْوَكَالَةِ الْخَاصَّةِ) بِأَنْ وَكَّلَهُ غَرِيمُهُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ، أَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ وَ (لَا) يَمْلِكَانِ ذَلِكَ بِالْوَكَالَةِ (الْعَامَّةِ) وَمِثْلُهُمَا الطَّلَاقُ (فَلَوْ وَكَّلَ) السَّيِّدُ (الْعَبْدَ فِي إعْتَاقِ عَبِيدِهِ، أَوْ) وَكَّلَ الزَّوْجُ (امْرَأَتَهُ فِي طَلَاقِ نِسَائِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ إعْتَاقَ نَفْسِهِ، وَلَا الْمَرْأَةُ طَلَاقَ نَفْسِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ بِإِطْلَاقِهِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِهِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ) رَبُّ الدَّيْنِ (فِي إبْرَاءٍ غُرَمَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي حَبْسِهِمْ) أَيْ الْغُرَمَاءِ (لَمْ يَمْلِكْ حَبْسَ نَفْسِهِ) لِمَا سَبَقَ (وَيَصِحُّ) التَّوْكِيلُ (فِي طَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ، وَحَوَالَةٍ وَرَهْنٍ، وَضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ، وَشَرِكَةٍ، الْوَدِيعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ، وَجِعَالَةٍ، وَمُسَاقَاةٍ) وَمُزَارَعَةٍ (وَإِجَارَةٍ وَقَرْضٍ وَصُلْحٍ، وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَكِتَابَةٍ، وَتَدْبِيرٍ وَإِيقَافٍ، وَقِسْمَةٍ وَحُكُومَةٍ) بِأَنْ يُوَكِّلَ الْقَاضِي مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

(وَ) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَيْضًا فِي (إثْبَاتِ حَقٍّ وَمُحَاكَمَةٍ فِيهِ) أَيْ مُخَاصِمَةٍ فِي إثْبَاتِ الْحَقِّ، بِأَنْ يُوَكِّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ (وَ) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَيْضًا فِي (تَمَلَّك مُبَاحَاتٍ مِنْ صَيْدٍ وَحَشِيشٍ وَنَحْوِهِمَا) كَحَطَبٍ وَإِحْيَاءِ مَوَاتٍ لِأَنَّهُ تَمَلُّك مَالٍ بِسَبَبٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَجَازَ كَالِابْتِيَاعِ، بِخِلَافِ الِالْتِقَاطِ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ الِائْتِمَانُ (سِوَى ظِهَارٍ وَلِعَانٍ، وَأَيْمَانٍ، وَنُذُورٍ، وَإِيلَاءٍ وَقَسَامَةٍ، وَقَسْمٍ بَيْنَ زَوْجَاتٍ، وَشَهَادَةٍ وَالْتِقَاطِ) لَقِطَّة أَوْ لَقِيطٍ (وَاغْتِنَامٍ، وَمَعْصِيَةٍ وَجِزْيَةٍ، وَرَضَاعٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ) فَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ، لِعَدَمِ قَبُولِ النِّيَابَةِ.

(وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُقْبَلُ لَهُ النِّكَاحُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (تَسْمِيَةُ الْمُوَكِّلِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَيَقُولُ) الْوَلِيُّ: زَوَّجْت مُوَكِّلَك فُلَانًا أَوْ زَوَّجْت فُلَانًا - وَيَنْسُبُهُ فُلَانَةَ وَيَقُولُ الْوَكِيلُ (قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ لِفُلَانِ) بْنِ فُلَانٍ (أَوْ لِمُوَكِّلِي فُلَانٍ فَإِنْ قَالَ) الْوَكِيلُ (قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ وَنَوَى أَنَّهُ قَبِلَهُ لِمُوَكِّلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ) فِي الْعَقْدِ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا (وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ وَلَوْ) كَانَ الْوَلِيُّ (غَيْرَ مُجْبَرٍ) قَبْلَ إذْنِهَا لَهُ فِي التَّزْوِيجِ (لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ عَزْلَهُ.
(وَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِيهِ: هُوَ التَّزْوِيجُ، وَهُوَ) أَيْ التَّزْوِيجُ (غَيْرُ مَا يُوَكِّلُ فِيهِ) الْوَلِيُّ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ إذْنُ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيلٍ بَعْدَ، الْوَكَالَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا قَبْلُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ) مُفَصَّلًا.

وَمَحَلُّ صِحَّةِ تَوْكِيلِ الزَّوْجِ فِي الْقَبُولِ (إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ) أَيْ قَبُولُ النِّكَاحِ (لِنَفْسِهِ) كَالْحُرِّ الْبَالِغِ وَلَوْ فَاسِقًا، بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ (وَ) مَحَلُّ صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْوَلِيِّ فِي الْإِيجَابِ: إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ إيجَابُهُ (لِمُوَلِّيَتِهِ) بِخِلَافِ فَاسِقٍ وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْكُفْءَ وَمَصَالِحَ النِّكَاحِ وَنَحْوَهُمْ (إلَّا تَوَكُّلَ حُرٍّ وَاجِدِ الطَّوْلِ فِي قَبُولِ نِكَاحِ أَمَةٍ لِمَنْ يُتَاحُ لَهُ) الْأَمَةُ (فَيَصِحُّ كَمَا تَقَدَّمَ) قَرِيبًا.

(وَتَصِحُّ) الْوَكَالَةُ أَيْضًا (فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَكَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ بِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا» وَحَدِيثُ مُعَاذٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ (وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) نَفْلًا مُطْلَقًا أَوْ فَرْضًا مِنْ نَحْوِ مَعْضُوبٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ (وَرَكْعَتَا طَوَافٍ تَدْخُلُ تَبَعًا لَهُمَا) أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (بِخِلَافِ عِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ مَحْضَةٍ كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَطَهَارَةٍ مِنْ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ.
(وَنَحْوِهِ) كَاعْتِكَافٍ (فَلَا تَصِحُّ) الْوَكَالَةُ فِيهَا لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ حَدَثٍ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي تَطْهِيرِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَيَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَيَسْتَنِيبَ مَنْ يَصُبُّ لَهُ الْمَاءَ أَوْ يَغْسِلُ لَهُ أَعْضَاءَهُ وَتَقَدَّمَ (وَالصَّوْمُ) وَنَحْوُهُ (الْمَنْذُورُ يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ) أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَكَالَةٍ) لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَسْتَنِبْ الْوَلِيَّ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِهِ إبْرَاءً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحُقُوقَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ وَنَوْعٌ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ مُطْلَقًا، كَالصَّلَاةِ وَالظِّهَارِ وَنَوْعٌ تَصِحُّ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ دُونَ الْقُدْرَةِ، كَحَجِّ فَرْضٍ وَعُمْرَتِهِ.

(وَيَصِحُّ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ لِمِثْلِهِ (أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِي) وَبَيَّنَهَا لَهُ (مِنْ مَالِكٍ) لِأَنَّهُ اقْتِرَاضٌ مِنْ مَالِ الْوَكِيلِ، وَتَوْكِيلٌ فِي إخْرَاجِهِ (وَيَصِحُّ) التَّوْكِيلُ (فِي إثْبَاتِ الْحُدُودِ، وَ) فِي (اسْتِيفَائِهَا) مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.

(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (اسْتِيفَاءُ) مَا وُكِّلَ فِيهِ (بِحَضْرَةِ مُوَكِّلِهِ وَغَيْبَتِهِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلِأَنَّ مَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ جَازَ فِي غَيْبَتِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَلَوْ) كَانَ

الِاسْتِيفَاءُ (فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ) لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ عَفَا لَأَعْلَمَ وَكِيلَهُ.
(وَالْأَوْلَى) الِاسْتِيفَاءُ (بِحُضُورِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (فَيَهِمَا) أَيْ فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَإِذَا حَضَرَ احْتَمَلَ أَنْ يَرْحَمَهُ فَيَعْفُوَ.

(وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ تَوْكِيلٌ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ وَلَا تَضَمَّنَهُ إذْنُهُ لِكَوْنِهِ يَتَوَلَّى مِثْلَهُ وَلِأَنَّهُ اسْتِئْمَانٌ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ غَيْرَهُ كَالْوَدِيعَةِ (أَوْ يَقُولُ) الْمُوَكِّلُ، وَفِي نُسْخَةٍ: إلَّا أَنْ يَقُولَ (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (اصْنَعْ مَا شِئْت، أَوْ تَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْت فَيَجُوزُ) لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ عَامٌّ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ التَّوْكِيلِ.

(وَإِنْ أَذِنَ) الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ فِي التَّوْكِيلِ (تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَمِينًا) لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْمُوَكِّلِ فِي تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ أَمِينًا وَكَذَا حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ (إلَّا مَعَ تَعْيِينِ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: وَكِّلْ زَيْدًا فَيُوَكِّلُهُ أَمِينًا كَانَ أَوْ خَائِنًا لِأَنَّهُ قَطَعَ نَظَرَهُ بِتَعْيِينِهِ لَهُ (فَإِنْ وَكَّلَ) الْوَكِيلُ حَيْثُ جَازَ (أَمِينًا فَصَارَ خَائِنًا فَعَلَيْهِ عَزْلُهُ) لِأَنَّ تَرْكَهُ يَتَصَرَّفُ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ.

(وَكَذَا وَصِيٌّ يُوَكِّلُ) فِيمَا أُوصِيَ بِهِ إلَيْهِ أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِالْإِذْنِ أَشْبَهَ الْوَكِيلَ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَصِيَّةُ كَالْوَكِيلِ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَكَالَةُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُلْحَقُ بِهَذَا مُضَارِبٌ.

(وَ) كَذَا (حَاكِمٌ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ فِي نَاحِيَةٍ فَيَسْتَنِيبُ غَيْرَهُ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ وَحَيْثُ جَازَتْ الِاسْتِنَابَةُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ وَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي الْقَضَاءِ.

(وَمَا يَعْجِزُ عَنْهُ) أَيْ الْوَكِيلُ وَنَحْوُهُ (لِكَثْرَتِهِ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي جَمِيعِهِ) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازُ التَّوْكِيلِ فَجَازَ فِي جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ لَفْظًا (كَتَوْكِيلِهِ) أَيْ كَمَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ (فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْعَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيلُ عَنْ مِثْلِهِ، كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيَّةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا عَادَةً فَإِنَّ الْإِذْنَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَ مَا سَبَقَ يَسْتَنِيبُ نَائِبٌ فِي الْحَجِّ لِمَرَضٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ (وَيَكُونُ مَنْ وُكِّلَ) مِنْ قِبَلِ الْوَكِيلِ (وَكِيلَ الْوَكِيلِ) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَلَهُ عَزْلُهُ (وَإِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: وَكِّلْ عَنْك صَحَّ) ذَلِكَ (وَكَانَ) الثَّانِي (وَكِيلَ وَكِيلِهِ) فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ وَمَوْتِهِ.

(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (وَكِّلْ عَنِّي أَوْ) قَالَ وَكِّلْ وَ (أَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَنْك وَلَا عَنِّي (صَحَّ، وَكَانَ) الثَّانِي.
(وَكِيلَ مُوَكِّلِهِ) لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ لَهُ وَلَا بِمَوْتِهِ وَلَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: وَكِّلْ فُلَانًا عَنِّي فِي بَيْعِ كَذَا فَقَالَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي: بِعْ هَذَا وَلَمْ يُشْعِرْهُ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَبْيِينِ أَنَّهُ وَكِيلُهُ أَوْ وَكِيلُ فُلَانٍ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَبِمَوْتِهِ وَنَحْوِهِ) كَجُنُونِهِ وَحَجْرٍ عَلَيْهِ (وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ.
(وَلَا يَنْعَزِلُ) الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِمَوْتِهِ) وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ (وَحَيْثُ قُلْنَا) : إنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ (وَكِيلُ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِمَا) أَوْ أَحَدِهِمَا وَالْحَجْرِ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ.

(وَكَذَا) قَوْلُ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ (أَوْصِ إلَى مَنْ يَكُونُ وَصِيًّا لِي) فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْوَصِيُّ وَصِيًّا لِلْمُوصِي الْأَوَّلِ (وَلَا يُوصِي وَكِيلٌ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ أَوْ لَا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ.

(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْمَنْعَ لَحِقَهُ فَإِذَا أَذِنَ صَارَ كَالْحُرِّ (وَلَا يَصِحُّ) تَوْكِيلُ الْعَبْدِ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ فِي إيجَابِ النِّكَاحِ، وَقَبُولِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَكَذَا لِغَيْرِهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ) إنْسَانٌ (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنِ سَيِّدِهِ (فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ) صَحَّ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدِ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ (أَوْ) وَكَّلَهُ (فِي شِرَاءِ عَبْدِ غَيْرِهِ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (صَحَّ) التَّوْكِيلُ وَالشِّرَاءُ لِمَا سَبَقَ (فَلَوْ قَالَ) الْعَبْدُ (اشْتَرَيْت نَفْسِي لِزَيْدٍ) الْمُوَكِّلِ (وَصَدَّقَاهُ) أَيْ زَيْدٌ وَسَيِّدُهُ (صَحَّ) الشِّرَاءُ.
(وَلَزِمَ زَيْدًا الثَّمَنُ) الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْبَيْعِ (وَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ) عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ لِزَيْدٍ (وَكَذَّبَهُ زَيْدٌ نَظَرْت فَإِنْ كَذَّبَهُ) زَيْدٌ (فِي الْوَكَالَةِ حَلَفَ) أَيْ حَلَفَ زَيْدٌ أَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ (وَبَرِئَ) مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ (وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُ عَبْدِهِ) لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ.
(وَإِنْ صَدَّقَهُ) زَيْدٌ (فِي الْوَكَالَةِ، وَقَالَ) زَيْدٌ (مَا اشْتَرَيْت نَفْسَك لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقْبَلُ إقْرَارَهُ بِمَا وُكِّلَ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ) لِلْعَبْدِ (مَا اشْتَرَيْت نَفْسَك إلَّا لِنَفْسِك فَقَالَ) الْعَبْدُ (بَلْ) اشْتَرَيْت نَفْسِي (لِزَيْدٍ فَكَذَّبَهُ) زَيْدٌ (عَتَقَ) الْعَبْدُ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُعْتَقُ بِهِ الْعَبْدُ.
(وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ لَهُ.

(وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ) مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ،

لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ) عَنْ غَيْرِهِ (بِجُعْلٍ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْمَالِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَنْ يَتَوَكَّلَ بِغَيْرِ جُعْلٍ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَنَافِعِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ (إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) فَإِنْ أَذِنَ جَازَ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ وَكَذَا الْمُبَعَّضُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَيُحْتَمَلُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ أَنْ يَصِحَّ فِي نَوْبَتِهِ.

[فَصْلٌ الْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ]

فَصْلٌ (وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ إذْنٌ وَمِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ بَذْلُ نَفْعٍ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ (تَبْطُلُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا) أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ لِعَدَمِ لُزُومِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (لِوَكِيلِهِ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَقَدْ وَكَّلْتُك فَهِيَ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ) لِأَنَّهَا تَدُورُ مَعَ الْعَزْلِ، فَكُلَّمَا عَزَلَهُ عَادَ وَكِيلًا.
(وَهِيَ) أَيْ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ (صَحِيحَةٌ) لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْعَزَلَ) الْوَكِيلُ فِي الْوَكَالَةِ الدَّوْرِيَّةِ (بِ) قَوْلِ الْمُوَكِّلِ: عَزَلْتُك وَ (كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَقَدْ عَزَلْتُك فَقَطْ) أَيْ دُونَ عَزَلْتُك فَلَا يَنْعَزِلُ بِهَا.
(وَهِيَ) أَيْ مَقَالَتُهُ كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَقَدْ عَزَلْتُك (فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ) وَهُوَ التَّوْكِيلُ وَالْفَسْخُ الْمُعَلَّقُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَصِيرُ وَكِيلًا إذَا وَكَّلَهُ بَعْدَ الْعَزْلِ الدَّوْرِيِّ لِأَنَّهُ مَتَى صَارَ وَكِيلًا انْعَزَلَ ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.

(وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ) بِمَوْتِ (الْوَكِيلِ) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَعْتَمِدُ الْحَيَاةَ فَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَتْ صِحَّتُهَا لِانْتِفَاءِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ (لَكِنْ لَوْ وَكَّلَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ أَوْ عَقَدَ) وَلِيُّ الْيَتِيمِ أَوْ نَاظِرُ الْوَقْفِ (عَقْدًا جَائِزًا غَيْرَهَا، كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَمْ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ عَلَى غَيْرِهِ) ذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ.

(وَتَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (بِجُنُونٍ مُطْبَقٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُوَكِّلِ أَوْ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَعْتَمِدُ الْعَقْلَ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ صِحَّتُهَا لِانْتِفَاءِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ (وَ) تَبْطُلُ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّصَرُّفِ بِخِلَافِ نَحْوِ طَلَاقٍ.

(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِفَلْسِ مُوَكِّلٍ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ) كَتَصَرُّفٍ فِي عَيْنِ مَالِهِ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ،

بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ.

(وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَيْضًا (بِفِسْقِ) أَحَدِهِمَا (فِيمَا يُنَافِيه) الْفِسْقُ (فَقَطْ كَإِيجَابٍ فِي نِكَاحٍ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي قَبُولِهِ أَوْ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ فَلَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ وَلَا بِفِسْقِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَجَازَ لِغَيْرِهِ كَالْعَدْلِ.

(وَإِنْ كَانَ وَكَّلَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ كَوَكِيلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَوَلِيِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِ انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ (وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، كَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَجِعَالَةٍ) يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَعَزْلِهِ وَجُنُونِهِ الْمُطْبَقِ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ حَيْثُ نَافَاهُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي أَبْوَابِهِ.

(وَلَا تَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (بِالنَّوْمِ وَالسُّكْرِ الَّذِي يَفْسُقُ بِهِ فِي غَيْرِ مَا يُنَافِيه) لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا يُنَافِيه الْفِسْقُ (وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِالْإِغْمَاءِ) كَالنَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ (وَلَا) بِ (التَّعَدِّي كَلُبْسِ ثَوْبٍ) وَكَّلَهُ فِي نَحْوِ بَيْعِهِ (وَرُكُوبِ دَابَّةٍ وَنَحْوِهِمَا) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ الْأَمَانَةَ وَالْإِذْنَ، فَإِذَا زَالَتْ الْأُولَى بِالتَّعَدِّي بَقِيَ الْإِذْنُ بِحَالِهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهَا مُجَرَّدُ أَمَانَةٍ فَنَافَاهَا التَّعَدِّي (وَيَصِيرُ) الْوَكِيلُ (بِالتَّعَدِّي ضَامِنًا فَلَوْ وُكِّلَ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَلَبِسَهُ صَارَ ضَامِنًا) لِتَعَدِّيهِ (فَإِذَا بَاعَهُ) الْوَكِيلُ (صَحَّ بَيْعُهُ) لَهُ.
(وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ) لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ (فَإِذَا قَبَضَ) الْكَيْلُ (الثَّمَنَ) حَيْثُ جَازَ لَهُ (صَارَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعَدٍّ عَلَيْهِ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الثَّوْبَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ (بِعَيْبٍ عَادَ الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُزِيلَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَعَادَ مَا زَالَ بِهِ وَإِنْ عَادَ إلَى يَدِ الْوَكِيلِ بِعَقْدٍ آخَرَ لَمْ يَعُدْ الضَّمَانُ إلَّا إنْ تَعَدَّى لِأَنَّ هَذِهِ وَكَالَةٌ أُخْرَى لَمْ يَقَعْ عَنْهُ فِيهَا تَعَدٍّ.

(وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَوَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا فَتَعَدَّى) الْوَكِيلُ (فِي الثَّمَنِ صَارَ ضَامِنًا فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ وَسَلَّمَهُ) أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ عَلَى قِيَاسِ الْمَبِيعِ (زَالَ الضَّمَانُ وَقَبْضُهُ لِلْمَبِيعِ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَإِنْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ وَقَبَضَ الثَّمَنَ عَادَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.

(وَتَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (أَيْضًا بِتَلَفِ الْعَيْنِ الَّتِي وُكِّلَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا) لِأَنَّ مَحَلَّ الْوَكَالَةِ قَدْ ذَهَبَ (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِدَفْعِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (عِوَضًا لَمْ يُؤْمَرْ بِدَفْعِهِ) فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَفِي شِرَاءِ أَمَةٍ بِدَرَاهِمَ أُخْرَى فَبَذَلَ ثَمَنَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَكَّلَهُ فِي شِرَائِهِ.

(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (اقْتِرَاضِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْمَالَ الَّذِي بِيَدِهِ) لِلْمُوَكِّلِ (كَتَلَفِهِ)

أَيْ كَمَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِتَلَفِهِ (كَمَا إذَا دَفَعَ) الْمُوَكِّلُ (إلَيْهِ دِينَارًا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ فَاسْتَقْرَضَ الْوَكِيلُ الدِّينَارَ) وَتَصَرَّفَ فِيهِ لِنَفْسِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ (وَ) لَوْ (عَزَلَ دِينَارًا عَوَّضَهُ وَاشْتَرَى بِهِ) الْوَكِيلُ (فَيَصِيرُ كَالشِّرَاءِ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ (مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَطَلَتْ وَالدِّينَارُ الَّذِي عَزَلَهُ) الْوَكِيلُ (عِوَضًا لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَإِذَا اشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ بِهِ شَيْئًا) وَلَمْ يُسَمِّهِ فِي الْعَقْدِ.
(وَقَفَ) الشِّرَاءُ (عَلَى إجَازَتِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ) الْمُوَكِّلُ (صَحَّ) الشِّرَاءُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُجِزْهُ الْمُوَكِّلُ (لَزِمَ) الْبَيْعُ الْوَكِيلَ فَيُؤَدِّي ثَمَنَهُ.

(وَتَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (بِرِدَّةِ مُوَكِّلٍ) لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ: لَا تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَ (لَا) تَبْطُلُ بِرِدَّةِ (وَكِيلٍ، وَلَوْ لَحِقَ) الْوَكِيلُ (بِدَارِ حَرْبٍ) لِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي مَالِهِ (إلَّا فِيمَا يُنَافِيهَا) أَيْ إلَّا إذَا وُكِّلَ فِي تَصَرُّفٍ يُنَافِي الرِّدَّةَ كَإِيجَابٍ أَوْ قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ.

(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ كَافِرًا فِيمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (فِيهِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (ذِمِّيًّا كَانَ) الْوَكِيلُ (أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا) لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ فَكَذَلِكَ الدَّيْنُ كَالْبَيْعِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ) أَيْ وَكَّلَ إنْسَانٌ آخَرَ (فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا) الْمُوَكِّلُ (أَوْ قَبَّلَهَا وَنَحْوُهُ) كَمُبَاشَرَتِهَا دُونَ فَرْجٍ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ رُجُوعِهِ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالْقُبْلَةِ.

(أَوْ) وَكَّلَ (فِي عِتْقِ عَبْدِهِ، فَكَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ بَطَلَتْ) الْوَكَالَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ دَلِيلُ رُجُوعِهِ.
(وَلَا يَبْطُلُ تَوْكِيلُهُ عَبْدَهُ بِعِتْقِهِ وَلَا بَيْعِهِ وَ) لَا (هِبَتِهِ، وَ) لَا (كِتَابَتِهِ، وَ) لَا (إبَاقِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ فَلَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا (وَكَذَا إنْ وَكَّلَ) إنْسَانٌ (عَبْدَ غَيْرِهِ فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ أَوْ بَاعَهُ) أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ لِمَا سَبَقَ (لَكِنْ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ) وَالْهِبَةِ (إنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي) أَوْ الْمُتَّهِبُ (بِبَقَائِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي) أَوْ الْمُتَّهِبُ (الْمُوَكِّلَ) فَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُتَّهِبُ بِبَقَاءِ الْعَبْدِ عَلَى الْوَكَالَةِ (بَطَلَتْ) الْوَكَالَةُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ أَوْ اتَّهَبَهُ الْمُوَكِّلُ مِنْ مَالِكِهِ فَلَا بُطْلَانَ لِأَنَّ مِلْكَهُ إيَّاهُ لَا يُنَافِي إذْنَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

(وَلَا تَبْطُلُ) الْوَكَالَةُ (بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ) وَكَّلَهَا زَوْجُهَا أَوْ غَيْرُهُ (وَلَا بِجُحُودِ الْوَكَالَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ (وَلَا) تَبْطُلُ (بِسُكْنَاهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (دَارِهِ بَعْدَ أَنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلَا

يُنَافِيهَا.

(وَيَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِمَوْتِ مُوَكِّلٍ وَعَزْلِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (بِهِ) أَيْ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ أَوْ عَزْلِهِ لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ فَصَحَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالطَّلَاقِ (فَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ (إنْ تَصَرَّفَ) بَعْدَ مَوْتِ مُوَكِّلِهِ أَوْ عَزْلِهِ (لِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ إلَّا مَا يَأْتِي فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ) مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ اقْتَصَّ وَلَمْ يَعْلَمْ عَفْوَ مُوَكِّلِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
(وَلَا يَقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (أَنَّهُ كَانَ عَزَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ، لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ (بِلَا بَيِّنَةٍ) فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عُمِلَ بِهَا (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ) الزَّكَاةَ (إلَى السَّاعِي) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهَا (وَتُؤْخَذُ) الزَّكَاةُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّاعِي (إنْ كَانَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ السَّاعِي وَتُرَدُّ لِرَبِّهَا.
(وَإِلَّا) تَكُنْ بِيَدِ السَّاعِي بِأَنْ تَلِفَتْ أَوْ أَعْطَاهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا (فَلَا) تُؤْخَذُ مِنْهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَكِيلُ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِنَحْوِ فَقِيرٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَزِعَهَا مِنْ الْفَقِيرِ بِلَا بَيِّنَةٍ.

(وَلَا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِهِ) بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوْ عَزْلِهِ فَمَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ (وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: اشْتَرِ كَذَا بَيْنَنَا فَقَالَ نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ) فَقَالَ لَهُ اشْتَرِ بَيْنَنَا.
(قَالَ نَعَمْ فَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ مِنْ وَكَالَةِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ) الَّذِي اشْتَرَاهُ (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (وَلِلثَّانِي) نِصْفَيْنِ لِأَنَّ إجَابَتَهُ لِلثَّانِي دَلِيلُ رُجُوعِهِ عَنْ إجَابَةِ الْأَوَّلِ.

(وَتَنْفَسِخُ شَرِكَةٌ وَمُضَارَبَةٌ بِعَزْلِهِ) أَيْ الشَّرِيكِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ (قَبْلَ الْعِلْمِ) بِعَزْلِهِ كَالْوَكِيلِ.
(وَمَتَى صَحَّ الْعَزْلُ فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي الْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ (كَانَ مَا بِيَدِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ (أَمَانَةٌ) لَا يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطٍ حَيْثُ لَمْ يَتَصَرَّفْ وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَصَرُّفِهِ فَيَضْمَنُهُ كَمَا سَبَقَ (وَكَذَلِكَ عُقُودُ الْأَمَانَاتِ كُلُّهَا كَالْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ إذَا انْتَهَتْ) بِأَنْ كَانَتْ مُغَيَّاةً بِمُدَّةٍ وَانْقَضَتْ (أَوْ انْفَسَخَتْ) بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ حَيْثُ أَمْكَنَ فَإِنَّهَا تَكُونُ أَمَانَةً.
(وَ) كَذَلِكَ (الْهِبَةُ) لِلْوَلَدِ (إذَا رَجَعَ فِيهَا الْأَبُ) فَهِيَ أَمَانَةٌ مَا دَامَتْ بِيَدِ وَلَدِهِ (وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ قَبُولُ قَوْلِ مُوَكِّلٍ: أَنَّهُ) كَانَ (رَجَعَ قَبْلَ طَلَاقِ وَكِيلِهِ) وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا حُكْمُ دَعْوَى (عِتْقِهِ وَرَهْنِهِ) مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ بَيْعِ وَكِيلِهِ لَهُ.

(وَإِذَا وَقَعْت الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً مَلَكَ) الْوَكِيلُ (التَّصَرُّفَ أَبَدًا مَا لَمْ تَنْفَسِخْ) الْوَكَالَةُ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ (وَيَحْصُلُ فَسْخُهَا) أَيْ الْوَكَالَةِ (بِقَوْلِهِ: فَسَخْتُ الْوَكَالَةَ أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ نَقَضْتهَا أَوْ أَزَلْتُك أَوْ صَرَفْتُك أَوْ عَزَلْتُك عَنْهَا أَوْ يَنْهَاهُ) الْمُوَكِّلُ (عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُقْتَضِيَةِ عَزْلَهُ وَ) الْأَلْفَاظِ (الْمُؤَدِّيَةِ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى الْعَزْلِ (أَوْ يَعْزِلُ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ، أَوْ يُوجَدُ مَا يَقْتَضِي فَسْخَهَا حُكْمًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْ يُوجَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْوَكَالَةِ، كَوَطْءِ امْرَأَتِهِ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ فِي طَلَاقِهَا) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ فِي حُقُوق عَقْدِ الْوَكَالَة]

فَصْلٌ: فِي حُقُوقُ الْعَقْدِ.
(وَحُقُوقُ الْعَقْدِ) كَتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَضَمَانِ الدَّرَكِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ (مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (ابْتِدَاءً وَلَا يَدْخُلُ) الْمَبِيعُ (فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ فَلَا يُعْتَقُ قَرِيبُ وَكِيلٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدٍ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ وَاشْتَرَاهُ بِالْوَكَالَةِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الْوَكِيلِ (وَلَا يُطَالِبُ) الْوَكِيلُ (فِي الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ، وَلَا) يُطَالِبُ الْوَكِيلُ (فِي الْبَيْعِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، بَلْ يُطَالِبُ بِهِمَا الْمُوَكِّلُ) لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَإِنْ اشْتَرَى وَكِيلٌ فِي شِرَاءٍ فِي الذِّمَّةِ فَكَضَامِنٍ وَقَالَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَمَنْ وَكَّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مُوَكِّلَهُ فِي الْعَقْدِ فَضَامِنٌ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ.

(وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا) أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ حَرْبِيًّا (فِي شِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) أَوْ نَحْوِهِمَا (لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ) لِأَنَّ شِرَاءَ الْمُسْلِمِ لِذَلِكَ لَا يَصِحُّ فَتَوْكِيلُهُ فِيهِ كَذَلِكَ (وَلَا) يَصِحُّ (الشِّرَاءُ) لِمَا سَبَقَ.

(وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ) بِغَيْرِ مَا وُكِّلَ فِيهِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ (لَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَلَا صُلْحُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ مُوَكِّلِهِ.
(وَلَا الْإِبْرَاءُ) أَيْ إبْرَاءُ الْوَكِيلِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ مُوَكِّلِهِ (إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ) الْمُوَكِّلُ (بِذِكْرِ ذَلِكَ) لِلْوَكِيلِ (فِي تَوْكِيلِهِ) فَيَمْلِكُ كَسَائِرِ مَا يُوَكَّلُ فِيهِ (وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ) الْمَبِيعَ (بِعَيْبٍ) أَوْ تَدْلِيسٍ أَوْ غَبْنٍ وَنَحْوِهِ.
(وَيَضْمَنُ) الْمُوَكِّلُ (الْعُهْدَة) إذَا ظَهَرَ الْمَبِيعُ أَوْ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا (وَنَحْوَ ذَلِكَ) مِنْ سَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ دُونَ الْوَكِيلِ.

(وَإِذَا وَكَّلَ) شَخْصٌ (اثْنَيْنِ) وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِعَزْلِ الْأَوَّلِ، أَوْ وَكَّلَهُمَا مَعًا (لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ) لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يُفَوِّضْهُ إلَيْهِ وَحْدَهُ

وَكَذَا النَّاظِرَانِ وَالْوَصِيَّانِ.
(وَإِلَّا أَنْ يَجْعَلَ) الْمُوَكِّلُ (ذَلِكَ) أَيْ الِانْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَوْ يَجْعَلَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَيَكُونُ لَهُ الِانْفِرَادُ بِهِ (وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُوَكِّلُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ (لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ) الْحَاضِرِ (أَنْ يَتَصَرَّفَ) فِي غَيْبَةِ رَفِيقِهِ.
(وَلَا الْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ إلَيْهِ لِيَتَصَرَّفَا) مَعًا (وَفَارَقَ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ حَيْثُ يُضِيفُ الْحَاكِمُ إلَى الْوَصِيِّ أَمِينًا لِيَتَصَرَّفَ لِكَوْنِ الْحَاكِمِ لَهُ النَّظَرُ فَإِنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا فِي النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ) بِخِلَافِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ رَشِيدٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ حَضَرَ الْحَاكِمَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ، وَ) الْوَكِيلُ (الْآخَرُ غَائِبٌ) عَنْ الْبَلَدِ أَوْ الْمَجْلِسِ (فَادَّعَى) الْوَكِيلُ الْحَاضِرُ (الْوَكَالَةَ لَهُمَا) أَيْ لَهُ وَلِرَفِيقِهِ الْغَائِبِ (أَقَامَ بَيِّنَةً) بِدَعْوَاهُ (سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِثُبُوتِ الْوَكَالَةِ لَهُمَا) أَيْ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ الْحَاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِذَا حَضَرَ) الْوَكِيلُ (الْآخَرُ تَصَرَّفَا مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ وَجَازَ الْحُكْمُ الْمُتَقَدِّمُ لِلْغَائِبِ، تَبَعًا لِلْحَاضِرِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْوَقْفِ الَّذِي ثَبَتَ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِّ وَإِنْ جَحَدَ الْغَائِبُ الْوَكَالَةَ أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ) . لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَرْضَ تَصَرُّفَ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا بِدَلِيلِ إضَافَةِ الْغَيْرِ إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ (وَجَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ اقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ إبْرَاءٍ مِنْهُ وَنَحْوِهَا (فِي هَذَا) الْمَذْكُورِ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ.

(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ وَكِيلٍ) شَيْئًا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ وَكَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ بِهِ تُهْمَةٌ وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ (وَلَا) يَصِحُّ (شِرَاؤُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ شَيْئًا وُكِّلَ فِي شِرَائِهِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ (لِمُوَكِّلِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَلَوْ زَادَ) الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ (عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ) حَيْثُ جَازَ.
(وَكَانَ هُوَ أَحَدُ الْمُشْتَرِينَ) فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ فَتُحْمَلُ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ (إلَّا بِإِذْنِهِ) بِأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ الشِّرَاءِ مِنْهَا فَيَجُوزُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (فَيَصِحُّ تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدٍ فَيَهِمَا) أَيْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (كَأَبِي الصَّغِيرِ، وَكَوَكِيلِهِ فِي بَيْعِهِ وَ) تَوْكِيلِ (آخَرَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (فِي شِرَائِهِ) فَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْبَيْعِ فِي تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ (نِكَاحٌ وَيَأْتِي) مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ

النِّكَاحِ.
(وَ) مِثْلُهُ أَيْضًا (دَعْوًى) إذَا وَكَّلَاهُ فِيهَا فَيَدَّعِي عَنْ أَحَدِهِمَا وَيُجِيبُ عَنْ الْآخَرِ وَيُقِيمُ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَالَ الْأَزَجِيُّ فِي الدَّعْوَى: الَّذِي يَقَعُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ: لَا يَصِحُّ لِلتَّضَادِّ.

(وَيَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ (لِإِخْوَتِهِ وَأَقَارِبِهِ) كَعَمِّهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ وَعَمِّهِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ، قُلْت وَحَيْثُ حَصَلَ تُهْمَةٌ فِي ذَلِكَ لَا يَصِحُّ (لَا) بَيْعُهُ (لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَنَحْوِهِمْ) كَزَوْجَتِهِ وَسَائِرِ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ، وَيَمِيلُ إلَى تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ (إلَّا بِإِذْنِ) الْمُوَكِّلِ فَيَجُوزُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ قُلْت وَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ كَالْبَيْعِ لَهُمْ فِيمَا سَبَقَ.
(وَكَذَا) أَيْ كَالْوَكِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ (حَاكِمٌ وَأَمِينُهُ وَوَصِيٌّ وَنَاظِرُ) وَقْفٍ فَلَا يَبِيعُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَنَحْوِهِمْ، كَإِجَارَةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَعَكْسِهِ وَأَمَّا إجَارَتُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى نَفْسِ النَّاظِرِ فَإِجَارَتُهُ لِوَلَدِهِ صَحِيحَةٌ بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنْهَا: الصِّحَّةُ وَحَكَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ قُضَاتِنَا مِنْهُمْ الْبُرْهَانُ بْنُ مُفْلِحٍ وَالثَّانِي: تَصِحُّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَقَطْ وَالثَّالِثُ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ بَعْضُ إخْوَانِنَا وَالْمُخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ: الثَّانِي انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ مَشَايِخُنَا: عَدَمُ الصِّحَّةِ وَكَذَا (مُضَارِبٌ وَشَرِيكُ عِنَانٍ وَوُجُوهٍ) وَكَذَا عَامِلُ بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ وَالْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ فِيمَا سَبَقَ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهُ.

[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيلُ نَسَاءً]

فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيلُ نَسَاءً) أَيْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ (وَلَا) أَنْ يَبِيعَ (بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحُلُولُ وَإِطْلَاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ وَأَطْلَقَ انْصَرَفَ إلَى الْحُلُولِ وَنَقْدِ الْبَلَدِ (وَلَا) أَنْ يَبِيعَ (بِغَيْرِ غَالِبَةٍ) رَوَاجًا (إنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الْبَلَدِ (نُقُودٌ فَإِنْ تَسَاوَتْ) النُّقُودُ رَوَاجًا (فَبِالْأَصْلَحِ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْإِطْلَاقُ (هَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوَكِّلُ نَقْدًا فَإِنْ عَيَّنَهُ أَوْ قَالَ) بِعْ بِكَذَا (حَالًّا تَعَيَّنَ) مَا عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ، كَتَعْيِينِهِ إيَّاهُ،

لَكِنْ لَوْ لَمْ يَقُلْ حَالًّا تَعَيَّنَ أَيْضًا الْحَالُّ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ إلَّا التَّوْكِيدُ.

(وَلَا أَنْ يَبِيعَ) الْوَكِيلُ (بِعَرَضٍ) كَثَوْبٍ وَفُلُوسٍ (وَلَا نَفْعَ) كَسُكْنَى دَارٍ وَخِدْمَةِ عَبْدٍ (مَعَ الْإِطْلَاقِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا فَلَا يَبِيعُهُ بِعَرْضٍ وَلَا نَفْعٍ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ لَمْ يَقْتَضِهِ لَكِنْ التَّافِهُ الَّذِي يُبَاعُ بِالْفُلُوسِ عَادَةً يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهَا، عَمَلًا بِالْعُرْفِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ، حَيْثُ يَبِيعُ نَسَاءً وَبِغَرَضِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ وَهُوَ فِي النَّسَاءِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرُ وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ لِدَفْعِ حَاجَةٍ فَيَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ وَتَنْضِيضَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ فَيَعُودُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا تَعَيَّنَ وَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِإِذْنِهِ.

(وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ فِي بَيْعٍ تَقْلِيبُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ (عَلَى مُشْتَرٍ إلَّا بِحَضْرَتِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَقْتَضِيه (وَإِلَّا) بِأَنْ أَعْطَاهُ الْوَكِيلُ لِمَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ لِيُقَلِّبَهُ وَغَابَ بِهِ عَنْ الْوَكِيلِ (ضَمِنَ) الْوَكِيلُ الْبَيْعَ إنْ تَلِفَ لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِهِ لَهُ (وَلَا) لِوَكِيلٍ (بَيْعُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَيَضْمَنُ) إنْ فَعَلَ، لِعَدَمِ تَضَمُّنِ الْإِذْنِ لِذَلِكَ (وَيَصِحُّ) الْبَيْعُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعَدِّيَ لَا يُبْطِلُهَا.
(وَ) إنْ نَقَلَ الْمَبِيعَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَبَاعَهُ بِهِ (مَعَ مُؤْنَةِ نَقْلٍ) لِلْمَبِيعِ (لَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى مِنْ عِنْدِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْعَقْدُ مَعَ فَقِيرٍ) لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّمَنِ (وَلَا) مَعَ (قَاطِعِ طَرِيقٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُوَكِّلِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ.

(وَإِنْ بَاعَ هُوَ) أَيْ وَكِيلٌ (وَمُضَارِبٌ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ) إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ ثَمَنًا (أَوْ) بَاعَ (بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ) الْمُوَكِّلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ (صَحَّ) الْبَيْعُ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ (وَضَمِنَا) أَيْ الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ (النَّقْصَ كُلَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً) لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ حَظِّ الْمُشْتَرِي بِعَدَمِ الْفَسْخِ وَحَظِّ الْبَائِعِ فَوَجَبَ التَّضْمِينُ وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا يُعْتَبَرُ حَظُّهُ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (فَأَمَّا مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ) عَادَةً (كَالدِّرْهَمِ فِي الْعَشَرَةِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ) لَا يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ وَلَا الْمُضَارِبُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُوَكِّلُ قَدْ قَدَّرَ الثَّمَنَ) لِلْوَكِيلِ.
(وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ (الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ النَّقْصِ وَلَوْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً (فِي الْمُقَدَّرِ) فَإِنْ قَالَ بِعْهُ بِعَشَرَةٍ وَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ ضَمِنَ الْوَاحِدَ لِمُخَالَفَتِهِ.

(وَلَا يَضْمَنُ عَبْدٌ) بَاعَ بِأَنْقَصَ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ عَمَّا قَدَّرَهُ لَهُ سَيِّدُهُ (لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ الدَّيْنُ (وَلَا) يَضْمَنُ

(صَبِيٌّ) بَاعَ كَذَلِكَ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى نَفْسِهِ (وَيَصِحُّ الْبَيْعُ) مِنْ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ بِأَنْقَصَ كَالْوَكِيلِ.

(وَلَوْ حَضَرَ مَنْ يَزِيدُ) فِي الْمَبِيعِ (عَلَى ثَمَنِ مِثْلٍ لَمْ يَجُزْ) لِلْوَكِيلِ وَلَا لِلْمُضَارِبِ (بَيْعُهُ بِهِ) أَيْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ وَطَلَبَ الْحَظِّ لِلْمُوَكِّلِ فَإِنْ خَالَفَ وَبَاعَ، فَمُقْتَضَى مَا سَبَقَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَا ضَمَانَ وَلَمْ أَرَهُ مُصَرِّحًا بِهِ (فَإِنْ بَاعَ) الْوَكِيلُ أَوْ الْمُضَارِبُ (بِثَمَنِ الْمِثْلِ) أَوْ أَكْثَرَ (فَحَضَرَ مَنْ يَزِيدُ) فِي الثَّمَنِ (فِي مُدَّةِ خِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُضَارِبَ (فَسْخُ) الْبَيْعِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَالدَّافِعَ لَهَا قَدْ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ أَنَّ أَمِين الْحَاكِمِ إذَا بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ وَحَضَرَ مَنْ يَزِيدُ يَلْزَمُهُ الْفَسْخُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبَعْدَهَا يُسْتَحَبُّ لَهُ سُؤَالُ الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ.

(وَإِذَا بَاعَ) وَكِيلٌ أَوْ مُضَارِبٌ (بِأَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُقَدَّرِ (صَحَّ) الْبَيْعُ (سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ) الْمُوَكِّلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ (أَوْ لَمْ تَكُنْ) الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِهِ لِأَنَّهُ بَاعَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ وَزَادَهُ خَيْرًا زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ وَالْعُرْفُ يَقْتَضِيه أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ (بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، أَوْ) قَالَ (اشْتَرِهِ بِدِينَارٍ فَاشْتَرَاهُ بِدِرْهَمٍ صَحَّ) الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ (لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا) فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ وَمَنْ رَضِيَ بِبَذْلِ دِينَارٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِرْهَمٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ اخْتَلَطَ الدِّرْهَمُ بِآخَرَ عَمِلَ بِظَنِّهِ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ حُكْمًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَ (لَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ إذَا قَالَ بِعْهُ بِدِرْهَمٍ (إنْ بَاعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي دِينَارًا) لِمُخَالَفَةِ مُوَكِّلِهِ وَالْعُرْفُ لَا يَقْتَضِيه (وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (بِمِائَةِ ثَوْبٍ قِيمَتُهَا) أَيْ الثِّيَابِ (أَكْثَرُ مِنْ الدَّرَاهِمِ) لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِلْمُخَالَفَةِ (أَوْ) قَالَ بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ (بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَعِشْرِينَ ثَوْبًا لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ وَلَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الثِّيَابِ لِلْمُخَالَفَةِ فِي الْجِنْسِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ وَلَا تَشْتَرِهِ بِدُونِهَا فَخَالَفَهُ) الْوَكِيلُ (لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُخَالَفَةِ لِنَصِّهِ.
وَصَرِيحُ قَوْلِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَلَالَةِ الْعُرْفِ (وَإِنْ قَالَ اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ وَلَا تَشْتَرِهِ بِخَمْسِينَ صَحَّ شِرَاؤُهُ بِمَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ، بِأَنْ اشْتَرَاهُ بِسِتِّينَ مَثَلًا لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الشِّرَاءِ بِمِائَةٍ دَلَّ عُرْفًا عَلَى الشِّرَاءِ بِمَا دُونَهَا خَرَجَ مِنْهُ الْخَمْسُونَ بِصَرِيحِ النَّهْيِ بَقِيَ فِيمَا فَوْقَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ.
(وَ) كَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ (بِدُونِ الْخَمْسِينَ)

فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ (وَ) إنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ (اشْتَرِ لِي نِصْفَهُ بِمِائَةٍ وَلَا تَشْتَرِهِ جَمِيعَهُ فَاشْتَرَى) الْوَكِيلُ (أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَأَقَلَّ مِنْ الْكُلِّ بِمِائَةٍ صَحَّ) الشِّرَاءُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (بِهِ حَالًّا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا.
(وَلَوْ اسْتَضَرَّ) الْمُوَكِّلُ (بِقَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِّ) مِنْ حَيْثُ حِفْظُهُ أَوْ خَوْفُ تَلَفِهِ أَوْ تَعَدٍّ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ، اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ إذْ النَّادِرُ لَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ (مَا لَمْ يَنْهَهُ) بِأَنْ يَقُولَ: لَا تَبِعْ حَالًّا فَلَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى) الْوَكِيلُ (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ مِمَّا لَا يُتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً) إذَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ ثَمَنٌ صَحَّ (أَوْ) اشْتَرَى الْوَكِيلُ (بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ) الْمُوَكِّلُ (صَحَّ) كَالْبَيْعِ فِيمَا سَبَقَ (وَضَمِنَ) الْوَكِيلُ (الزَّائِدَ) عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُقَدَّرِ لِمَا سَبَقَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (مُضَارِبٌ) فِيمَا ذُكِرَ وَكَذَا الْوَصِيُّ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ إذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ) أَوْ غَيْرِهِ (بِمِائَةٍ فَبَاعَ) الْوَكِيلُ (نِصْفَهُ بِهَا) أَيْ بِالْمِائَةِ (صَحَّ) الْبَيْعُ لِأَنَّهُ حَصَلَ غَرَضُهُ وَزَادَهُ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ (وَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (بَيْعُ النِّصْفِ الْآخَرِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي بَيْعِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ بِمِثْلَيْ ثَمَنِهِ.
(وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ فَبَاعَ) الْوَكِيلُ (أَحَدَهُمَا بِهَا) صَحَّ الْبَيْعُ (وَلَهُ بَيْعُ) الْعَبْدِ (الْآخَرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي عَزْلَهُ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَ) الْوَكِيلُ (بَعْضَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْكُلِّ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى بَعْضَهُمَا (مَا لَمْ يَبِعْ) الْوَكِيلُ (الْبَاقِيَ) مِنْ الْعَبْدِ فَإِنْ بَاعَهُ صَحَّ وَعَلَى هَذَا فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ مَوْقُوفٌ إنْ بَاعَ الْبَاقِيَ تَبَيَّنَّا صِحَّتُهُ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا (أَوْ يَكُنْ) الْمَبِيعُ (عَبِيدًا أَوْ صُبْرَةً وَنَحْوَهُمَا فَيَصِحُّ) بَيْعُهُ (مُفَرَّقًا) لِأَنَّهُ الْعُرْفُ (مَا لَمْ يَأْمُرْهُ) الْمُوَكِّلُ (بِبَيْعِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً) فَلَا يُخَالِفُهُ.

(وَإِنْ اشْتَرَاهُ) الْوَكِيلُ (بِمَا قَدَّرَهُ) الْمُوَكِّلُ (لَهُ) بِأَنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِهَا (مُؤَجَّلًا) صَحَّ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا (أَوْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى) الْوَكِيلُ (بِهِ) أَيْ الدِّينَارِ (شَاتَيْنِ تُسَاوِي إحْدَاهُمَا دِينَارًا أَوْ اشْتَرَى) الْوَكِيلُ (شَاةً تُسَاوِي دِينَارًا بِأَقَلَّ مِنْهُ صَحَّ) الشِّرَاءُ.
(وَكَانَ) الزَّائِدُ (لِلْمُوَكِّلِ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ ضَحِيَّةً مَرَّةً وَقَالَ مَرَّةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ اثْنَتَيْنِ فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ وَأَتَاهُ بِالْأُخْرَى فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «هَذَا دِينَارُكُمْ وَهَذِهِ شَاتُكُمْ قَالَ كَيْفَ صَنَعْت؟ فَذَكَرَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ حَصَلَ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَزِيَادَةٌ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى شَاتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا (وَإِنْ لَمْ تُسَاوِهِ) أَيْ الدِّينَارَ إحْدَاهُمَا فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَاتَيْنِ أَوْ لَمْ تُسَاوِهِ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِدُونِ الدِّينَارِ (لَمْ يَصِحَّ) الشِّرَاءُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَقْصُودُ فَلَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ لَهُ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا.
(وَإِنْ بَاعَ) الْوَكِيلُ (إحْدَى الشَّاتَيْنِ) اللَّتَيْنِ اشْتَرَاهُمَا بِدِينَارٍ (لَا) إنْ بَاعَ (كِلْتَيْهِمَا بِغَيْرِ إذْنِ) الْمُوَكِّلِ (صَحَّ) الْمَبِيعُ (إنْ كَانَتْ) الشَّاةُ (الْبَاقِيَةُ تُسَاوِي دِينَارًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ.

(وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ شَرْطَ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدِ مَعَهُ) لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَعَقْدُ الْوَكَالَةِ لَا يَقْتَضِيه (وَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (شَرْطُهُ) أَيْ الْخِيَارِ (لِنَفْسِهِ) وَيَكُونُ لَهُ وَلِمُوَكِّلِهِ وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ.
(وَ) لَهُ شَرْطُهُ (لِمُوَكِّلِهِ) لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِخِيَارِ مَجْلِسٍ لَمْ يَحْضُرْهُ مُوَكِّلُهُ وَيَخْتَصُّ بِهِ مُوَكِّلُهُمَا إنْ حَضَرَهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (شِرَاءُ مَعِيبٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ اشْتَرَى مَعِيبًا (غَيْرَ عَالِمٍ فَلَهُ الرَّدُّ) بِالْعَيْبِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ الْمَعِيبَ (عَالِمًا) بِعَيْبِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْبَيْعُ الْوَكِيلَ (مَا لَمْ يَرْضَ الْمُوَكِّلُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (وَلَا لِمُوَكِّلِهِ رَدُّهُ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، لِدُخُولِ الْوَكِيلِ عَلَى بَصِيرَةٍ فَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ إنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ.

(وَإِنْ اشْتَرَى) الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ عَيْبَهُ (بِعَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي وُكِّلَ فِي الشِّرَاءِ بِهِ (فَكَشِرَاءِ فُضُولِيٍّ) فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَلَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (وَلِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ) أَيْ رَدُّ مَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ أَمَّا الْمُوَكِّلُ فَلِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ) الْمَعِيبَ.
(وَرَضِيَ) الْمُوَكِّلُ (بِالْعَيْبِ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُوَكِّلِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا وَلَا يَسْقُطُ بِرِضَا غَيْرِهِ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الْمُوَكِّلُ (فَأَرَادَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ، فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: تَوَقَّفْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ فَرُبَّمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ فَوَاتَ الرَّدِّ بِهَرَبِ الْبَائِعِ فَإِنْ أَخَّرَهُ لِذَلِكَ فَلَهُ الرَّدُّ.

(فَلَوْ أَسْقَطَ الْوَكِيلُ خِيَارَهُ فَحَضَرَ مُوَكِّلُهُ فَرَضِيَ بِهِ) أَيْ الْمَعِيبِ (لَزِمَهُ) الْبَيْعُ

لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ (فَلَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ وَكِيلِهِ.
(وَلَوْ ظَهَرَ بِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ (عَيْبٌ) وَأَسْقَطَ الْوَكِيلُ خِيَارَهُ، وَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ الرَّدَّ بِهِ (فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لِلْمُوَكِّلِ) قَبْلَ قَوْلِهِ، وَ (لَزِمَ الْوَكِيلَ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَنْ يُبَاشِرُ عَقْدًا أَنَّهُ لِنَفْسِهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (رَدُّهُ) لِإِسْقَاطِهِ خِيَارَهُ (فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ) لِلْوَكِيلِ (مُوَكِّلُك قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَيَرُدُّهُ) الْوَكِيلُ (وَيَأْخُذُ حَقَّهُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ فَوَاتَ الرَّدِّ لَوْ أَخَّرَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ.

(وَلَوْ ادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَ الْوَكِيلَ فِي قَضَاءٍ) أَيْ اقْتِضَاءِ (الدَّيْنِ أَوْ ادَّعَى مَوْتَ الْمُوَكِّلِ) أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا تَنْفَسِخُ بِهِ الْوَكَالَةُ (حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) بِمَا ادَّعَاهُ الْغَرِيمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْوَكِيلُ الْمَعِيبَ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ (فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ فِي الرِّضَا بِالْعَيْبِ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ، وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُوَكِّلِ) لِأَنَّ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِالْعَيْبِ عَزْلٌ لِلْوَكِيلِ عَنْ الرَّدِّ، وَمَنْعٌ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ عَلِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فَلِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُهُ وَلِلْبَائِعِ رَدُّهُ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ) أَيْ الْغَرِيمِ (لِوَكِيلٍ غَائِبٍ) فِي الِاقْتِضَاءِ مِنْهُ (احْلِفْ أَنَّ لَك مُطَالَبَتِي أَوْ) احْلِفْ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (مَا عَزَلَك) لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِلْحَلِفِ عَلَى الْبَتِّ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ (وَيُسْمَعُ لِقَوْلِهِ) أَيْ الْغَرِيمِ (أَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ - عَزَلَك (فَيَحْلِفُ) الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ.
(وَرِضَا الْمُوَكِّلِ الْغَائِبِ بِالْعَيْبِ) فِي مَبِيعٍ اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ (عَزْلٌ لِوَكِيلِهِ عَنْ رَدِّهِ) فَلَا يَصِحُّ رَدُّ الْوَكِيلِ بَعْدَهُ وَتَقَدَّمَ.

(وَلَوْ قَالَ) الْغَرِيمُ (مُوَكِّلُك أَخَذَ حَقَّهُ أَوْ أَبْرَأَنِي) مِنْ الدَّيْنِ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ (فَإِنْ حَلَفَ) الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ (طَالَبَهُ وَأَخَذَ) الدَّيْنَ مِنْهُ.
(وَلَمْ) يَلْزَمْهُ أَنْ (يُؤَخِّرَ) الطَّلَبَ (لِيَحْلِفَ الْمُوَكِّلُ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ الْفَوَاتِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ]

فَصْلٌ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ) (فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ) الْوَكِيلُ (مَعِيبًا فَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ الرَّدُّ قَبْلَ إعْلَامِ مُوَكِّلِهِ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفٍ.
وَفِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ

لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ فَرُبَّمَا رَضِيَهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْوَكِيلُ (عَيْبَهُ) أَيْ عَيْبَ مَا عَيَّنَهُ لَهُ مُوَكِّلُهُ (قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (شِرَاؤُهُ) كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُ رَدُّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمُقَدَّمُ لَهُ شِرَاؤُهُ انْتَهَى أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (وَاشْتَرِ لِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَقُلْ بِعَيْنِهَا جَازَ) لَهُ، أَيْ الْوَكِيلِ (أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (فِي ذِمَّتِهِ، وَ) أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ (بِعَيْنِهَا) لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَتَنَاوَلُهُمَا.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (اشْتَرِ لِي بِعَيْنِ هَذَا الثَّمَنِ، فَاشْتَرَى) الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ (فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الْبَيْعُ) لِلْوَكِيلِ (وَلَمْ يَلْزَمْ) الْبَيْعُ (الْمُوَكِّلَ) لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا تَعَيَّنَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ لِلْمُوَكِّلِ فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ.
(وَعَكْسُهُ) بِأَنْ قَالَ اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك وَانْقُدْ الثَّمَنَ، فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ (يَصِحُّ) الشِّرَاءُ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّهُ أَذِنَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ، مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا فَكَانَ إذْنًا فِي عَقْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إلَّا مَعَ بَقَائِهَا (وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِعَيْبٍ فِيمَا بَاعَهُ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي كُلِّ مَا وُكِّلَ فِيهِ.

(وَإِنْ أَمَرَهُ) أَيْ أَمَرَ الْوَكِيلَ (بِبَيْعِهِ فِي سُوقٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (بِهِ فِي) سُوقٍ (آخَرَ صَحَّ) الْبَيْعُ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْبَيْعُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ وَقَدْ حَصَلَ، كَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا (إنْ لَمْ يَنْهَهُ) الْمُوَكِّلُ عَنْ بَيْعِهِ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ لِلْمُخَالَفَةِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ السُّوقِ (غَرَضٌ) صَحِيحٌ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ أَوْ حِلِّهِ، أَوْ صَلَاحِ أَهْلِهِ فَلَا يَبِيعُهُ فِي غَيْرِهِ.

(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (بِعْهُ مِنْ زَيْدٍ فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ مِنْ (غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ لِلْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ نَفْعَهُ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِقَرِينَةٍ أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي زَمَنٍ مُقَيَّدٍ) كَرَجَبٍ (لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي غَيْرِهِ (فَلَوْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (بِعْ ثَوْبِي غَدًا لَمْ يَجُزْ) لِلْوَكِيلِ بَيْعُهُ (قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ) وَلَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ) الْإِبْرَاءَ مِنْ ثَمَنِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْعِ وَلَا مِنْ تَتِمَّتِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ أَيْضًا (قَبْضَ ثَمَنِهِ) أَيْ ثَمَنِ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُ فِي الْبَيْعِ مَنْ لَا يَأْتَمِنُهُ عَلَى الثَّمَنِ.

(فَ) عَلَى هَذَا (إنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ) لِمَوْتِ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا وَنَحْوِهِ " (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (شَيْءٌ) مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُهُ وَ (كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا) فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ، عَلَى الْوَكِيلِ فِي شِرَائِهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (كَحَاكِمٍ وَأَمِينِهِ) إذَا بَاعَا عَلَى صَغِيرٍ أَوْ غَائِبٍ وَفَاتَ الثَّمَنُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ) الْمُوَكِّلُ (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (فِي قَبْضِ الثَّمَنِ) فَيَمْلِكُ قَبْضَهُ (أَوْ تَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ (قَرِينَةٌ مِثْلُ تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ) أَوْ نَحْوِهِ (فِي سُوقٍ غَائِبٍ عَنْ الْمُوَكِّلِ، أَوْ) فِي (مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الْوَكِيلِ وَنَحْوِهِ) فَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ قَبْضَهُ، لِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ عَلَى الْإِذْنِ فِي قَبْضِهِ هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَمْلِكُ قَبْضَ ثَمَنِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَالْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ إنْ فُقِدَتْ قَرِينَةُ الْمَنْعِ وَجَزَمَ بِالثَّانِي فِي الْمُنْتَهَى (فَ) عَلَى الْأَوَّلِ: إنْ أَذِنَهُ أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى الْقَبْضِ (مَتَى تَرَكَ) الْوَكِيلُ (قَبْضَهُ) وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ فَفَاتَ الثَّمَنُ (ضَمِنَهُ) الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُفَرِّطًا.

(وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْضَى) عَدَمُ الْقَبْضِ (إلَى رِبًا) كَبَيْعِ رِبَوِيٍّ بِآخَرَ (وَلَمْ يَحْضُرْ الْمُوَكِّلُ) فَيَقْبِضُهُ الْوَكِيلُ ذَكَرَهُ فِي التَّنْقِيحِ، لِأَنَّ الْقَبْضَ حِينَئِذٍ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَبْضِ سِلْعَةٍ وُكِّلَ فِي شِرَائِهَا) فَلَا يَمْلِكُ قَبْضَهَا مُطْلَقًا، مَا لَمْ يُفْضِ إلَى رِبًا، وَعَلَى مَا قَدَّمَهُ: أَوْ قَرِينَةٌ.
(وَإِنْ أَمَرَهُ بِقَبْضِ دَرَاهِمَ، أَوْ) أَمَرَهُ بِقَبْضِ (دِينَارٍ لَمْ يُصْرَفْ بِغَيْرِ إذْنِ) الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ الْمُصَارَفَةَ عَقْدٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ (وَإِنْ أَخَذَ) الْوَكِيلُ فِي قَبْضِ دَيْنٍ (رَهْنًا أَسَاءَ) الْوَكِيلُ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) الْوَكِيلُ الرَّهْنَ إذَا تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ لِأَنَّ صَحِيحَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَفَاسِدُهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ.

(وَلَا يُسَلِّمُ) الْوَكِيلُ (الْمَبِيعَ قَبْلَ) قَبْضِ (ثَمَنِهِ حَيْثُ جَازَ الْقَبْضُ) أَيْ حَيْثُ جَازَ لَهُ قَبْضُ ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُفَرِّطًا (أَوْ حُضُورُهُ) أَيْ إلَّا بِحُضُورِ الْمُوَكِّلِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ سَلَّمَ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ حُضُورِ الْمُوَكِّلِ (قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ الثَّمَنِ حَيْثُ جَازَ (ضَمِنَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَذَا وَكِيلٌ فِي شِرَاءٍ وَقَبْضِ مَبِيعٍ) لَا يُسَلِّمُ الثَّمَنَ حَتَّى يَتَسَلَّمَ الْمَبِيعَ (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (عُذْرٌ مِثْلُ أَنْ ذَهَبَ لِيَنْقُدَ)

الثَّمَنَ (وَنَحْوَهُ) فَضَاعَ الْمَبِيعُ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا إذَنْ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ ذَلِكَ مَلَكَ) الْوَكِيلُ (تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ (فَإِنْ أَخَّرَ) الْوَكِيلُ (تَسْلِيمَهُ بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَهُ) إذَا تَلِفَ لِتَفْرِيطِهِ بِإِمْسَاكِهِ.

(فَإِنْ اشْتَرَى) الْوَكِيلُ (عَبْدًا) أَوْ نَحْوَهُ (فَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَخَرَجَ الْعَبْدُ) أَوْ نَحْوُهُ (مُسْتَحَقًّا فَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْمُخَاصَمَةُ فِي ثَمَنِهِ) وَمُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِهِ (إنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ، كَبُعْدِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ، (عَنْ مُوَكِّلِهِ وَنَحْوِهِ) بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَوْ تَرَكَهُ الْوَكِيلُ لَفَاتَ عَلَى مُوَكِّلِهِ صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَصَوَّبَ فِيهِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ تَزْكِيَةُ بَيِّنَةِ خَصْمِهِ قَالَ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ كَشَرْطِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (عَلَى وَكِيلٍ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَصِحَّ) التَّوْكِيلُ (وَلَمْ يَمْلِكْهُ) أَيْ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ فَوَكِيلُهُ أَوْلَى وَقَوْلُهُ: كَشَرْطِهِ عَلَى وَكِيلٍ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ تَشْبِيهٌ لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ فَذِكْرُهُ بَعْدَ " لَمْ يَصِحَّ " أَوْلَى كَمَا فَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ) الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْبَيْعَ (الصَّحِيحَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْ فِيهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لَمْ يَصِحَّ) ذَكَرَ الْأَزَجِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ وَكَذَا لَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ يَجُوزُ لِي، أَوْ كُلُّ مَا لِي التَّصَرُّفُ فِيهِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ، وَطَلَاقِ نِسَائِهِ، وَإِعْتَاقِ رَقِيقِهِ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ وَالضَّرَرُ وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمِثْلُهُ: وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ مَا شِئْت مِنْ الْمَتَاعِ الْفُلَانِيِّ فَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك بِمَا إلَيَّ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَاحْتِمَالَانِ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ) صَحَّ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَالَهُ فَيَقِلُّ الْغَرَرُ (أَوْ) وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ (مَا شَاءَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ صَحَّ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) وَكَّلَهُ فِي (الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ كُلِّهَا) أَوْ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ كُلِّهِ وَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ صَحَّ (أَوْ) وَكَّلَهُ فِي (الْإِبْرَاءِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ حُقُوقِهِ كُلِّهَا (أَوْ) وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ (فِيمَا شَاءَ مِنْهَا صَحَّ) التَّوْكِيلُ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي بِعْ مِنْ مَالِي مَا شِئْت: لَهُ بَيْعُ مَالِهِ كُلِّهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ (اشْتَرِ لِي مَا شِئْت) لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ (أَوْ) قَالَ (اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِمَا شِئْت لَمْ يَصِحَّ) التَّوْكِيلُ (حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ وَقَدْرَ الثَّمَنِ) لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ شِرَاؤُهُ وَالشِّرَاءُ بِهِ يَكْثُرُ فَيَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ، فَإِنْ ذَكَرَ النَّوْعَ وَقَدْرَ الثَّمَنِ صَحَّ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ وَاقْتَصَرَ الْقَاضِي عَلَى ذِكْرِ النَّوْعِ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ نَوْعًا فَقَدْ أَذِنَ فِي أَعْلَاهُ ثَمَنًا فَيَقِلُّ الْغَرَرُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَمَنْ اعْتَبَرَهُ، أَيْ ذِكْرَ الثَّمَنَ جَوَّزَ أَنْ يُذْكَرَ أَكْثَرُ الثَّمَنِ وَأَقَلُّهُ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي مُخَاصَمَةِ غُرَمَائِهِ صَحَّ) التَّوْكِيلُ (وَإِنْ جَهِلَهُمْ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ)

لِإِمْكَانِ مَعْرِفَتِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غَرَرَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ صَحَّ) التَّوْكِيلُ (وَلَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ) لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى لِلْخُصُومَةِ مَا لَا يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ إذْ مَعْنَى الْوَكَالَةِ فِي الْخُصُومَةِ: الْوَكَالَةُ فِي إثْبَاتِ الْحَقِّ.
(وَلَا) يَكُونُ الْوَكِيلُ فِي الْخُصُومَةِ وَكِيلًا (فِي الْإِقْرَارِ عَلَى مُوَكِّلِهِ) بِقَبْضٍ وَلَا غَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا (كَإِقْرَارِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مُوَكِّلِهِ (بِقَوَدٍ وَقَذْفٍ) فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ (وَكَالْوَلِيِّ) لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَى مَوْلَاهُ (وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا يَمِينٌ) لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
(وَفِي الْفُنُونِ: لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ فِي الْخُصُومَةِ وَلَا شَكَّ فِيمَا قَالَ) قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] ذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ أَوْ نَفْيِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ، وَفِي الْمُغْنِي فِي الصُّلْحِ نَحْوُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَكَذَا لَوْ ظَنَّ) الْوَكِيلُ (ظُلْمَهُ) أَيْ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَنْهُ (أَيْضًا) لِمَا سَبَقَ إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْفُنُونِ ذَلِكَ (فَبَعِيدٌ جِدًّا الْقَوْلُ بِهِ) أَيْ بِجَوَازِ التَّوْكِيلِ (مَعَ ظَنِّ ظُلْمِهِ) أَيْ ظَنِّ الْوَكِيلِ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ، وَمَعَ الشَّكِّ احْتِمَالَانِ.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الدَّيْنِ أَوْ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا (كَانَ وَكِيلًا فِي الْخُصُومَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْقَبْضِ إلَّا بِهَا فَكَانَ إذْنًا فِيهَا عُرْفًا لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (مِنْ إنْسَانٍ تَعَيَّنَ) أَيْ لَمْ يَجُزْ إلَّا (قَبْضُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ (أَوْ مِنْ وَكِيلِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَ (لَا) يَمْلِكُ قَبْضَهُ (مِنْ وَارِثِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ وَلَا يَقْتَضِيه الْعُرْفُ لَا يُقَالُ: الْوَارِثُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا دَفَعَ بِإِذْنِهِ جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِهِ وَلَيْسَ الْوَارِثُ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَيْهِ وَاسْتُحِقَّتْ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِ لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوَرِّثِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ دُونَ مُوَرِّثِهِ.

(وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ: اقْبِضْ (حَقِّي الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ) اقْبِضْ حَقِّي الَّذِي (قِبَلَهُ) أَيْ فِي جِهَتِهِ (فَ) لِلْوَكِيلِ الْقَبْضُ (مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ) لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ قَبْضَ حَقِّهِ مُطْلَقًا فَشَمَلَ الْقَبْضَ مِنْ الْوَارِثِ (وَإِنْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (اقْبِضْهُ) أَيْ الْحَقَّ (الْيَوْمَ لَمْ يَمْلِكْ) الْوَكِيلُ (قَبْضَهُ غَدًا) لِتَقْيِيدِ الْوَكَالَةِ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ غَرَضُهُ فِي زَمَنِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (إثْبَاتُ وَكَالَتِهِ مَعَ غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ) فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِلَا دَعْوَى كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
(وَإِنْ أَمَرَهُ بِدَفْعِ ثَوْبٍ إلَى) نَحْوِ (قَصَّارٍ مُعَيَّنٍ فَدَفَعَهُ) الْوَكِيلُ (وَنَسِيَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ) أَيْ الثَّوْبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُفَرِّطًا، بَلْ التَّفْرِيطُ مِنْ الْمُوَكِّلِ.

(وَإِنْ أَطْلَقَ الْمَالِكُ) وَلَمْ يُعَيِّنْ قَصَّارًا (وَدَفَعَهُ) الْوَكِيلُ (إلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ وَلَا اسْمَهُ وَلَا دُكَّانَهُ ضَمِنَهُ الْوَكِيلُ لِتَفْرِيطِهِ وَلِوَكِيلٍ فِي شِرَاءِ حِنْطَةٍ أَوْ) فِي شِرَاءِ (طَعَامٍ شِرَاءُ بُرٍّ فَقَطْ) لِأَنَّ الْحِنْطَةَ هِيَ الْبُرُّ، وَالطَّعَامَ هُوَ الْبُرُّ أَيْضًا لَكِنْ هَذَا عُرْفُ الْعِرَاقِ سَابِقًا وَ (لَا) يَمْلِكُ شِرَاءَ (دَقِيقِهِ) لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَلَا الْعُرْفُ.

(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْإِيدَاعِ فَأَوْدَعَ وَلَمْ يَشْهَدْ) الْوَكِيلُ (لَمْ يَضْمَنْ) الْوَكِيلُ (إذَا أَنْكَرَ الْمُودِعُ) الْإِيدَاعَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْمُودِعَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ فَلَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا فِي عَدَمِ الْإِشْهَادِ فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ: دَفَعْت الْمَالَ إلَى الْمُودِعِ فَأَنْكَرَ قُبُلَ قَوْلِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.

(وَإِنْ وَكَّلَ) مَدِينٌ (مُودِعًا أَوْ غَيْرَهُ) فِي قَضَاءِ دَيْنٍ عَنْهُ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ) الْمُوَكِّلُ (بِإِشْهَادٍ قَضَاهُ) الْوَكِيلُ (فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ.
(وَلَمْ يَشْهَدْ) عَلَى الْقَضَاءِ (فَأَنْكَرَ الْغَرِيمُ ضَمِنَ الْوَكِيلُ) لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَشْهَدْ (قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ) مِنْ الْأَصْحَابِ (سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ) فِي الْقَضَاءِ (أَوْ كَذَّبَهُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي قَضَاءِ مُبْرِئٍ وَلَمْ يُوجَدْ (كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ) أَيْ يَشْهَدُ، فَيَضْمَنُ لِمُخَالَفَتِهِ (إلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ) الْوَكِيلُ (بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ) فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّ حُضُورَهُ قَرِينَةُ رِضَاهُ بِالدَّفْعِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَأْذَنْ) الْمُوَكِّلُ (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ إشْهَادٍ) فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَفْرِيطٌ (وَإِنْ) أَشْهَدَ فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ وَإِنْ أَشْهَدَ بَيِّنَةً فِيهَا خِلَافٌ فَوَجْهَانِ فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ (أَشْهَدْت فَمَاتُوا) أَيْ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا (أَوْ) قَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ (أَذِنْت فِيهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ) قَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ (قَضَيْت بِحَضْرَتِك فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ) ذَلِكَ (فَقَوْلُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ وَالْقَوْلِ فِي الرَّهْنِ نَحْوُهُ.

[فَصْلٌ الْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ]

فَصْلٌ (وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) (فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ) لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ (سَوَاءٌ كَانَ) بِجُعْلٍ (أَمْ لَا) حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ وَلِآخَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَوَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ وَأَذِنَ لَهُ

أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَتَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى الْأَنْبَارِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ (فَلَوْ قَالَ) الْوَكِيلُ (بِعْت الثَّوْبَ وَقَبَضْت الثَّمَنَ فَتَلِفَ، فَأَنْكَرَهُ) أَيْ الْبَيْعَ (الْمُوَكِّلُ، أَوْ قَالَ) الْمُوَكِّلُ (بِعْته وَلَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا) فَقَوْلُ الْوَكِيلِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فَيَهِمَا كَالْوَلِيِّ وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ وَتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكَلَّفُهَا كَالْمُودَعِ.

(أَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ (فِي تَعَدِّيه أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ، أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (مُخَالَفَةِ) الْوَكِيلِ (أَمْرَ مُوَكِّلِهِ) فَقَوْلُ وَكِيلٍ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ فَدَعْوَى التَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ (مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ) الْمُوَكِّلُ (أَنَّك حَمَّلْت عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا أَوْ حَمَّلْت عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِك، أَوْ فَرَّطْت فِي حِفْظِهَا، أَوْ لَبِسْت الثَّوْبَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ (أَوْ) قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ أَمَرْتُك (بِرَدِّ) الْمَالِ (فَلَمْ تَفْعَلْ) ذَلِكَ (أَوْ يَدَّعِي) الْوَكِيلُ (الْهَلَاكَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ (فَقَوْلُ وَكِيلٍ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(وَكَذَا) أَيْ كَالْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ (كُلُّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَأَمِينِ الْحَاكِمِ وَالشَّرِيكِ، وَالْمُضَارِبِ، وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ) وَالْمُودَعِ يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي التَّلَفِ وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ وَالتَّعَدِّي.

(وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (بِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي كُلِّ مَا وُكِّلَ فِيهِ) لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ (وَلَوْ) كَانَ وُكِّلَ (فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) وَأَقَرَّ بِالْعَقْدِ قُبِلَ مِنْهُ كَغَيْرِهِ.

(وَلَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَاهُ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَقَالَ) الْوَكِيلُ (اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَوْلُ الْوَكِيلِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَأَدْرَى بِمَا عُقِدَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ عَيْنٍ) وُكِّلَ فِيهَا (أَوْ) فِي رَدِّ (ثَمَنِهَا إلَى مُوَكِّلٍ فَقَوْلُ وَكِيلٍ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ) الْوَكِيلُ (مُتَبَرِّعًا) بِعَمَلِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ فَقَطْ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَالْوَصِيِّ وَالْمُودَعِ الْمُتَبَرِّعِ.
(وَكَذَا وَصِيٌّ وَعَامِلُ وَقْفٍ وَنَاظِرُهُ) إذَا كَانُوا (مُتَبَرِّعِينَ) فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِيَمِينِهِمْ (لَا) إنْ كَانُوا (بِجُعْلٍ فِيهِنَّ) أَيْ فِي مَسَائِلِ دَعْوَى الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَعَامِلِ الْوَقْفِ وَنَاظِرِهِ إذَا ادَّعَوْا رَدَّ الْعَيْنِ (وَأَجِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ) وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّهِ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الرَّدَّ وَتَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ كَالْمُسْتَعِيرِ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَكِيلٍ فِي رَدِّهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الثَّمَنِ (إلَى وَرَثَةِ مُوَكِّلٍ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ (وَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُ.
(وَرَثَةِ وَكِيلٍ فِي دَفْعِهِ إلَى مُوَكِّلٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ (أَوْ) أَيْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْوَكِيلِ فِي الرَّدِّ إلَى (وَرَثَتِهِ)

أَيْ الْمُوَكِّلِ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا) يُقْبَلُ (قَوْلُ وَكِيلٍ فِي دَفْعِ مَالِ الْمُوَكِّلِ إلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ بِإِذْنِهِ) بِأَنْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا مَثَلًا لِيُقْرِضَهُ لِزَيْدٍ وَيَقُولُ الْوَكِيلُ: دَفَعْته إلَى زَيْدٍ وَيُنْكِرُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمِينًا لِلْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَى غَيْرِ رَبِّهِ وَإِطْلَاقُهُمْ، وَلَا فِي صَرْفِهِ فِي وُجُوهٍ عُيِّنَتْ لَهُ مِنْ أُجْرَةٍ لَزِمَتْهُ وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ انْتَهَى.
وَفِي الْقَوَاعِدِ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ (وَكَذَا) لَا يُقْبَلُ (قَوْلُ كُلِّ مَنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ) جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

" فَائِدَةٌ " الْوَكِيلُ فِي الضَّبْطِ مِثْلُ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي كِتَابَةِ مَالِهِ وَمَا عَلَيْهِ كَأَهْلِ الدِّيوَانِ، قَوْلُهُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ وَكِيلِ التَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى نَفْسِ الْإِخْبَارِ بِمَا لَهُ وَبِمَا عَلَيْهِ وَنَظِيرُهُ إقْرَارُ كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَكِتَابِ السُّلْطَانِ بِمَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَسَائِرِ أَهْلِ الدِّيوَانِ بِمَا عَلَى جِهَاتِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ مِنْ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَعَامِلِ الصَّدَقَةِ وَالْخَرَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ وَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.

(وَمَنْ ادَّعَى مِنْ وَكِيلٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُضَارِبٍ وَمُودَعٍ التَّلَفَ بِحَادِثٍ ظَاهِرٍ، كَحَرِيقٍ وَنَهْبِ جَيْشٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِ) وُجُودِ (الْحَادِثِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ) لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ غَالِبًا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (ثُمَّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ وَكِيلٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُضَارِبٍ وَمُودَعٍ (فِي التَّلَفِ) بِيَمِينِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ التَّلَفَ وَأَطْلَقَ، أَوْ أَسْنَدَهُ إلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ، كَنَحْوِ سَرِقَةٍ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الرَّهْنِ) مُفَصَّلًا.

(وَلَا ضَمَانَ) عَلَى وَكِيلٍ (بِشَرْطٍ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: وَكَّلْتُك بِشَرْطِ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ مِنْك فَإِذَا تَلِفَ مِنْهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَالشَّرْطُ لَاغٍ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَإِنْ قَالَ وَكِيلٌ أَوْ مُضَارِبٌ) لِرَبِّ الْمَالِ (أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً) أَيْ إلَى أَجَلٍ (أَوْ) قَالَ أَذِنْت لِي (فِي الشِّرَاءِ بِكَذَا أَوْ) قَالَ وَكِيلٌ (أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَأَنْكَرَهُ) الْمُوَكِّلُ (أَوْ قَالَ) الْوَكِيلُ (وَكَّلْتنِي فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَقَالَ) الْمُوَكِّلُ (بَلْ) وَكَّلْتُك (فِي شِرَاءِ أَمَةٍ) فَقَوْلُ وَكِيلٍ (أَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ مَعَ رَبِّ الْمَالِ (فِي صِفَةِ الْإِذْنِ) فِي الْوَكَالَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ (فَقَوْلُهُمَا) أَيْ الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ بِيَمِينِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَمِينَانِ فِي التَّصَرُّفِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُمَا كَالْخَيَّاطِ.
(وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ)

نَحْوِ (عَبْدٍ فَبَاعَهُ) الْوَكِيلُ (نَسِيئَةً فَقَالَ الْمُوَكِّلُ مَا أَذِنْت) لَك (فِي بَيْعِهِ إلَّا نَقْدًا، فَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي) فِي ذَلِكَ (فَسَدَ الْبَيْعُ) لِلْمُخَالَفَةِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَيْ الْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي (بِالْعَبْدِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِقِيمَتِهِ إنْ تَلِفَ) أَمَّا طَلَبُهُ لِلْوَكِيلِ فَلِكَوْنِهِ أَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِوَضْعِهِ يَدَهُ عَلَى مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُشْتَرِي (فَإِنْ أَخَذَ) الْمُوَكِّلُ (الْقِيمَةَ مِنْ الْوَكِيلِ رَجَعَ) الْوَكِيلُ (عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَا) أَيْ بِالْقِيمَةِ لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ (وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ أَخَذَ الْمُوَكِّلُ الْقِيمَةَ (مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ) الْمُشْتَرِي (عَلَى أَحَدٍ) بِهَا لِاسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ.

(وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ) حَيْثُ جَازَ لَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ (فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ) إذَا تَلِفَ (بِتَأْخِيرِهِ) كَالْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ الَّذِي أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ كَالْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَأْذُونٌ بِهِ فِي الْقَبْضِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا بِخِلَافِ صَاحِبِ الدَّارِ (فَإِنْ أَخَّرَ) الْوَكِيلُ (رَدَّهُ) أَيْ الثَّمَنِ (بَعْدَ طَلَبِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ الثَّمَنَ (مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ الرَّدِّ (فَتَلِفَ) الثَّمَنُ (ضَمِنَهُ) الْوَكِيلُ لِتَعَدِّيهِ بِإِمْسَاكِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا.
(وَإِنْ) طَلَبَ الْمُوَكِّلُ الثَّمَنَ مِنْ الْوَكِيلِ، وَ (وَعَدَهُ) الْوَكِيلُ (رَدَّهُ ثُمَّ ادَّعَى) الْوَكِيلُ (إنِّي كُنْت رَدَدْته قَبْلَ طَلَبِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الثَّمَنَ (كَانَ تَلِفَ) قَبْلَ طَلَبِهِ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَمْ يُقْبَلْ.
(وَلَوْ) كَانَ (بِبَيِّنَةٍ) أَقَامَهَا الْوَكِيلُ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِرَدِّهِ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَهَا (وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ) فِي أَنَّهُ كَانَ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ (بَرِئَ) الْوَكِيلُ لِاعْتِرَافِ رَبِّ الْحَقِّ بِبَرَاءَتِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَعِدْهُ) أَيْ يَعِدْ الْوَكِيلُ الْمُوَكِّلَ (بِرَدِّهِ) أَيْ الثَّمَنِ (لَكِنْ مَنَعَهُ) الْوَكِيلُ (أَوْ مَطَلَهُ) بِالثَّمَنِ (مَعَ إمْكَانِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ فَلَا يَبْرَأُ بِدَعْوَاهُ ذَلِكَ، لَكِنْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ كَالْغَاصِبِ (إلَّا) أَنْ يَدَّعِيَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ (بِبَيِّنَةٍ) فَيُعْمَلُ بِبَيِّنَتِهِ وَيَبْرَأُ إذَا شَهِدَتْ بِالرَّدِّ مُطْلَقًا، أَوْ بِالتَّلَفِ قَبْلَ الْمَنْعِ، أَوْ الْمَطْلِ وَإِلَّا ضَمِنَ كَالْوَدِيعِ، وَيَأْتِي.

(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْوَكِيلُ (قَبْضَ الْمَالِ ثُمَّ ثَبَتَ) الْقَبْضُ (بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافِ) الْوَكِيلِ بِهِ (فَادَّعَى) الْوَكِيلُ (الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ.
(وَلَوْ أَقَامَ) بِالرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ (بَيِّنَةً) لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِإِنْكَارِ الْقَبْضِ ابْتِدَاءً (فَإِنْ كَانَ جُحُودُهُ) أَيْ جُحُودُ الْوَكِيلِ الْقَبْضَ بِقَوْلِهِ (: إنَّك لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ) بِقَوْلِهِ (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إنْكَارِ الْقَبْضِ ابْتِدَاءً

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل