صفحات 448-487
الشُّكْرِ.
وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ آخِرَ الْأَعْرَافِ وَفِي الرَّعْدِ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] وَفِي النَّحْلِ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَفِي مَرْيَمَ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] وَفِي أَوَّلِ الْحَجِّ ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] . وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] وَفِي النَّمْلِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] وَفِي الم تَنْزِيلُ ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وَسَجْدَةُ حم عِنْدَ ﴿يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ فَكَانَ السُّجُودُ عِنْدَهُ، وَالنَّجْمُ وَاقْرَأْ آخِرَهُمَا وَفِي الِانْشِقَاقِ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] .
(وَيُكَبِّرُ) مَنْ أَرَادَ السُّجُودَ لِلتِّلَاوَةِ (إذَا سَجَدَ بِلَا تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ وَاحِدَةً (وَ) يُكَبِّرُ (إذَا رَفَعَ) مِنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرِدٌ فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَصُلْبِ الصَّلَاةِ (وَيَجْلِسُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يَعْقُبُهُ فَشُرِعَ لِيَكُونَ سَلَامُهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ (وَلَعَلَّ جُلُوسَهُ نَدْبٌ) وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا جُلُوسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِذَلِكَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَبِعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ، فِي الْمُبْدِعِ قُلْت وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ كَمَا مَرَّ فِي عَدَدِ الْأَرْكَانِ.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) فَتَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا
لِحَدِيثِ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ فَوَجَبَ التَّسْلِيمُ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُجْزِئُ وَاحِدَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا ثِنْتَانِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَعَنْهُ لَا سَلَامَ لَهُ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ (بِلَا تَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهَا التَّشَهُّدُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، بَلْ لَا يُسَنُّ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ نَصًّا) لِلْأَخْبَارِ (إلَّا إذَا سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا فَيَسْجُدُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَجْدَةً) إذَا قَصَدَ الِاسْتِمَاعَ.
وَكَذَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً وَاسْتَمَعَ أُخْرَى لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ فِي صُورَةِ الْمَتْنِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ وَيَتَخَرَّج أَنَّهُ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُنْتَهَى: وَيُكَرِّرُهُ بِتَكْرَارِهَا أَيْ يُكَرِّرُ السُّجُودَ بِحَسَبِ تَكْرَارِ التِّلَاوَةِ (وَسُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِلتِّلَاوَةِ (وَالتَّسْلِيمُ رُكْنَانِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي عَدِّ السُّجُودِ رُكْنًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ رُكْنًا لِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ كَوْنُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ) رُكْنٌ وَعَلَى هَذَا: فَتَكْبِيرُ الِانْحِطَاطِ وَالرَّفْعُ وَالذِّكْرُ فِي السُّجُودِ وَاجِبٌ كَمَا فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْجُلُوسُ لِلتَّسْلِيمِ فَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
(وَيَقُولُ فِي سُجُودِهَا مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ) أَيْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وُجُوبًا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ زَادَ غَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ وَمِنْهُ) أَيْ مِمَّا وَرَدَ (اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ) أَيْ اُمْحُ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَمِنْهُ أَيْضًا «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (وَالْأَفْضَلُ سُجُودُهُ عَنْ قِيَامٍ) لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا انْتَهَتْ إلَى السَّجْدَةِ قَامَتْ فَسَجَدَتْ وَتَشْبِيهًا لَهُ بِصَلَاةِ النَّفْلِ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْجُدَ لَهَا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا كَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ سَجَدَ لَهَا أَوْجَبَ الْإِبْهَامَ وَالتَّخْلِيطَ عَلَى الْمَأْمُومِ فَكَانَ تَرْكُ السَّبَبِ الْمُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَوْلَى.
(وَ) يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ (سُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِقِرَاءَةِ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ؛ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاةِ سِرٍّ (خُيِّرَ الْمَأْمُومُ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَتَرْكِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ (وَالْأَوْلَى السُّجُودُ) مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ.
(وَيُكْرَهُ اخْتِصَارُ آيَاتِ السُّجُودِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ) أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (يَسْجُدُ فِيهَا أَوْ أَنْ يُسْقِطَهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ) لِئَلَّا يَسْجُدَ لَهَا قَالَ الْمُوَفَّقُ: كِلَاهُمَا مُحْدَثٌ وَفِيهِ إخْلَالُ التَّرْتِيبِ (وَلَا يَقْضِي هَذَا السُّجُودَ إذَا طَالَ الْفَصْلُ، كَمَا لَا تُقْضَى صَلَاةُ كُسُوفٍ وَ) صَلَاةُ (اسْتِسْقَاءٍ) وَتَحِيَّةُ مَسْجِدٍ وَعَقِبَ الْوُضُوءِ وَنَحْوُهَا، بِخِلَافِ الرَّوَاتِبِ، لِتَبَعِهَا لِلْفَرَائِضِ.
(وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ) لَهُ وَلِلنَّاسِ (أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا)
كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَّ سَاجِدًا حِين جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي السُّنَنِ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
«وَيَسْجُدُ حِينَ يَشْفَعُ فِي أُمَّتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ مِنْ الْخَوَارِجِ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَسَجَدَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ (فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى) وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ (وَلَا يَسْجُدُ لَهُ) أَيْ الشُّكْرِ (فِي الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مِنْهَا (فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ، لَا مِنْ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا سُجُودًا (وَصِفَتُهَا) أَيْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ (وَأَحْكَامُهَا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ) وَتَقَدَّمَ (وَمَنْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ حُضُورِهِ (وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا وَإِنْ كَانَ) مُبْتَلًى (فِي بَدَنِهِ سَجَدَ وَقَالَ ذَلِكَ وَكَتَمَهُ مِنْهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قِرْدٍ وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نَغَاشِيٍّ» بِالنُّونِ وَالْغَيْنِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ قِيلَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيلَ الْمُبْتَلَى وَقِيلَ: مُخْتَلِطُ الْعَقْلِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ أَرَادَ الدُّعَاءَ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي التُّرَابِ وَسَجَدَ لَهُ لِيَدْعُوَهُ فِيهِ فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ وَلَا شَيْءٌ يَمْنَعُهُ وَالْمَكْرُوهُ: هُوَ السُّجُودُ بِلَا سَبَبٍ) .
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا]
(فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا) (أَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ بَعْدَ الْفَجْرِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا، حَتَّى تَزُولَ وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَالْأَوْقَاتُ خَمْسَةٌ (بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلُوعِهَا حِينَ تَرْتَفِعُ قِيدَ) بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ قَدْرَ (رُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ (وَعِنْدَ قِيَامِهَا) أَيْ الشَّمْسِ (وَلَوْ يَوْمَ جُمُعَةٍ حَتَّى تَزُولَ، وَبَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ عَصْرٍ حَتَّى تَشْرَعَ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ نَحْوُهُ مُرْسَلًا.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تُضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالظَّهِيرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ وَقَائِمُهَا: الْبَعِيرُ، يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ وَتُضَيَّفُ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ تَمِيلُ وَمِنْهُ الضَّيْفُ تَقُولُ: أَضَفْت فُلَانًا إذَا أَمَلْته إلَيْك، وَأَنْزَلْته عِنْدَك وَيَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِي الْعَصْرِ بِفِعْلِهَا لَا بِالْوَقْتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَوْ) فُعِلَتْ الْعَصْرُ (جَمْعًا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ مُنِعَ التَّطَوُّعَ) لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا مَا يُسْتَثْنَى (وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (غَيْرَهُ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (لَمْ يُمْنَعْ) التَّنَفُّلَ (وَإِنْ صَلَّى غَيْرَهُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ (وَالِاعْتِبَارُ بِفَرَاغِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعَصْرِ (لَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا) أَوْ قَطَعَهَا (لَمْ يُمْنَعْ مِنْ التَّطَوُّعِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِفَرَاغِهَا (وَتُفْعَلُ سُنَّةُ الْفَجْرِ بَعْدَهُ) أَيْ الْفَجْرِ (وَقَبْلَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» .
(وَ) تُفْعَلُ (سُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْجَمْعِ تَقْدِيمًا) كَانَ (أَوْ تَأْخِيرًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَإِنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا، فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) الْخَامِسُ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ (إذَا شَرَعَتْ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ عَنْهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ
الشَّمْسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ، لَا تَحْرِيمِ الْفِعْلِ.
(وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ الْمَنْذُورَةِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا (وَلَوْ كَانَ نَذَرَهَا فِيهَا) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ.
(وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ، فَرْضًا كَانَ) الطَّوَافُ (أَوْ نَفْلًا) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ وَهَذَا إذْنٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِعْلِهِمَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَعَ كَوْنِهِ صَلَاةً، كَذَلِكَ رَكْعَتَاهُ تَبَعًا لَهُ.
(وَ) تَجُوزُ (إعَادَةُ جَمَاعَةٍ إذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ إمَامِ الْحَيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ وَحْدَهُ، فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ: لَا تَفْعَلَا إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْفَجْرِ، وَبَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُعِدْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَظَاهِرُهُ: إذَا دَخَلَ وَهُمْ يُصَلُّونَ لَا يُعِيدُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَهُوَ نَصُّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، أَيُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ نَعَمْ لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ (وَتَجُوزُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَ) بَعْدَ صَلَاةِ (الْعَصْرِ) لِطُولِ مُدَّتِهِمَا فَالِانْتِظَارُ فِيهِمَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا.
وَ (لَا) يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ (فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِيَةِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَتَقَدَّمَ وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الْخَمْسِ أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ (إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا) فَتَجُوزُ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ (وَتَحْرُمُ) الصَّلَاةُ (عَلَى قَبْرٍ، وَ) عَلَى (غَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ) مُطْلَقًا (نَفْلًا وَفَرْضًا) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ خَشْيَةَ الِانْفِجَارِ بِالِانْتِظَارِ بِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى الْغَائِبِ.
(وَيَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا) أَيْ الْمُسْتَثْنَاةِ السَّابِقَةِ (فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ (وَ) يَحْرُمُ (إيقَاعُ بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ( كَأَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ، وَهُوَ) أَيْ الْمُتَطَوِّعُ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِدَامَةُ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ إتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ بَلْ يُخَفِّفُهُ (وَإِنْ شَكَّ) هَلْ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ؟ (فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَعْلَمَ) دُخُولَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ إخْبَارِ عَارِفٍ (وَإِنْ ابْتَدَأَهُ) أَيْ النَّفَلَ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَالْمُرَادُ فِي وَقْتٍ مِنْهَا (لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالْحُكْمِ، أَوْ بِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) كَسُنَّةِ الصُّبْحِ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ.
(وَ) كَ (صَلَاةِ كُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ (وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) وَسُنَّةِ وُضُوءٍ وَالِاسْتِخَارَةِ، لِعُمُومِ النَّهْيِ.
وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَحَلُّ مَنْعِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَقْتَ النَّهْيِ (فِي غَيْرِ حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا) أَيْ فِي حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (تُفْعَلُ) تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ فَيَرْكَعُهُمَا (وَلَوْ كَانَ وَقْتَ قِيَامِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بِلَا كَرَاهَةٍ) عَلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ نَهْيٍ أَوْ لَا، شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَمَكَّةُ كَغَيْرِهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
(بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَمَنْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَمَنْ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَمَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاجْتِمَاعُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْأُسْبُوعِ وَهُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي السَّنَةِ مُتَكَرِّرًا وَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ لِجَمَاعَةِ كُلِّ بَلَدٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ فِي السَّنَةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ التَّوَاصُلِ وَالتَّوَادُدِ وَعَدَمِ التَّقَاطُعِ (أَقَلُّهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (اثْنَانِ) إمَامٌ وَمَأْمُومٌ (فَتَنْعَقِدُ) الْجَمَاعَةُ (بِهِمَا) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي حَدِيثِ مَالِكٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَّةً وَحُذَيْفَةُ مَرَّةً (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَتَصِحُّ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ (وَلَوْ بِأُنْثَى) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَالْإِمَامُ رَجُلٌ أَوْ أُنْثَى (أَوْ عَبْدٌ) وَالْإِمَامُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ مُبَعَّضٌ (فَإِنْ أَمَّ عَبْدَهُ، أَوْ) أَمَّ (زَوْجَتَهُ كَانَا جَمَاعَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَ (لَا) تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ (بِصَغِيرٍ فِي فَرْضٍ) وَالْإِمَامُ بَالِغٌ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الْفَرْضِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ صَغِيرًا فِي نَفْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ وَعَنْهُ: يَصِحُّ أَيْضًا فِي الْفَرْضِ كَمَا لَوْ أَمَّ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا قَالَهُ فِي الْكَافِي.
(وَهِيَ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَيْنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102] فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ: قَالَ فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ وَيُعَضِّدُ وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهَا حَالَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْنِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَأَبَاحَ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا جَازَ ذَلِكَ (لَا وُجُوبَ كِفَايَةٍ) كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(فَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
(كَآذَانٍ) الظَّاهِرُ: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْمَنْفِيِّ أَيْ لَيْسَ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ وُجُوبَ كِفَايَةٍ كَآذَانٍ فَإِنَّ وُجُوبَهُ وُجُوبُ كِفَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَيُقَاتَلُ تَارِكُ الْجَمَاعَةِ، كَتَارِكِ الْآذَانِ، لَكِنَّ الْآذَانَ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ تَارِكُهَا، وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ، بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ حَضَرًا وَسَفَرًا) مُتَعَلِّقٌ بِوَاجِبَةٍ (حَتَّى فِي خَوْفٍ) شَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: 102] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْغَالِبُ كَوْنُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ فَمَعَ الْأَمْنِ وَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى (عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ) عَلَيْهَا (دُونَ) غَيْرِ الْخَمْسِ، كَالْكُسُوفِ وَالْوَتْرِ وَالْمَنْذُورَةِ، دُونَ الْمَقْضِيَّاتِ مِنْ الْخَمْسِ، وَدُونَ (النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى) وَالصِّبْيَانِ.
وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ أَوْ لَهُ عُذْرٌ مِمَّا يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ لِمَا يَأْتِي (لَا) أَيْ لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ بِ (شَرْطٍ لِصِحَّتِهَا) أَيْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ مِنْهُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى قَالُوا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ: لَا يَصِحُّ عَنْ صَاحِبِنَا فِي كَوْنِهَا شَرْطًا (إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) فَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ (وَ) حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْخَمْسِ فَإِنَّهَا (تَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَفِي صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (فَضْلٌ مَعَ الْإِثْمِ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ.
(وَتَفْضُلُ الْجَمَاعَةُ عَلَى صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ وَأَبَا دَاوُد قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُفْرَدَةً أَشْبَهَتْ الْعَدَدَ الْمُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ الْعَدَدِ وَكَانَتْ خَمْسًا، فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَأُدْخِلَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ الْمُضَاعَفَةِ فِي الْحِسَابِ (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) أَيْ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ الْعُذْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ
احْتِمَالُ تَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْأَجْرِ وَهُوَ الْجَزَاءُ وَالْفَضْلُ بِالْمُضَاعَفَةِ.
(وَتُسَنُّ) الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدٍ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ (وَلَهُ فِعْلُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (فِي بَيْتِهِ وَ) فِي (صَحْرَاءَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) فِعْلُهَا (فِي مَسْجِدٍ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَحَدِيثُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» يَحْتَمِلُ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِقَامَتُهَا فِي الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَرِيبٌ مِنْ إقَامَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَهَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ يُؤَدِّي إلَى انْفِرَادِ أَهْلِهِ فَالْمُتَّجَهُ إقَامَتُهَا فِي بَيْتِهِ فَذًّا، تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فَذًّا، وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ، وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ وَفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْجَمَاعَةُ (لِنِسَاءٍ، إذَا اجْتَمَعْنَ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ الرِّجَالِ، سَوَاءٌ كَانَ إمَامُهُنَّ مِنْهُنَّ أَوْ لَا) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَشْبَهْنَ الرِّجَالَ (وَيُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، تَفِلَاتٍ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ) يُقَالُ: تَفِلَتْ الْمَرْأَةُ تَفَلًا، مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا أَنْتَنَ رِيحُهَا لِتَرْكِ الطِّيبِ وَالِادِّهَانِ وَتَفِلَتْ إذَا تَطَيَّبَتْ، مِنْ الْأَضْدَادِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَكَوْنُهُنَّ تَفِلَاتٍ لِئَلَّا يَفْتِنَّ وَكَوْنُهُ بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا.
(وَيُكْرَهُ حُضُورُهَا) أَيْ جَمَاعَةَ الرِّجَالِ (لِحَسْنَاءَ) شَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةَ الِافْتِتَانِ (وَيُبَاحُ) الْحُضُورُ (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْحَسْنَاءِ، تَفِلَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ بِإِذْنِ زَوْجِهَا: وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، لِلْخَبَرِ (وَكَذَا مَجَالِسُ الْوَعْظِ) وَأَوْلَى (وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ قَرِيبًا) أَوَاخِرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ.
(وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِهِ إلَى الْمَسْجِدِ مُنْكَرٌ كَغِنَاءٍ لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ بِالْمَسْجِدِ فَيَحْضُرُ (وَيُنْكِرُهُ) بِحَسَبِهِ (وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ) إتْيَانُ الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَعَلَ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
(فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا، وَهُوَ) الْمَكَانُ (الْمَخُوفُ) مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ (فَالْأَفْضَلُ لِأَهْلِهِ: الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ،
وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَإِنْ جَاءَهُمْ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَأَخْبَرَ بِهَا، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِحُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلُ ثَوَابِ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَحْصِيلُ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ.
وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ (أَوْ تُقَامُ) فِيهِ الْجَمَاعَةُ (بِدُونِهِ) أَيْ حُضُورِهِ (لَكِنْ فِي قَصْدِهِ لِغَيْرِ كَسْرِ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ) فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى.
(قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْعَتِيقُ) ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فَالْأَفْضَلُ مِنْ الْمَسَاجِدِ (مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ) لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ (الْأَبْعَدِ) أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَقْرَبِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ.
(وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ) قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ: قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَتُقَدَّمُ: الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ سُنَّةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ لَهُ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ وَ (لَا) يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ: لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، فَلَا افْتِيَاتَ، عَلَيْهِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَّا لِمَنْ يُعَادِي الْإِمَامَ) لِقَصْدِهِ الْإِيذَاءَ إذَنْ فَيُشْبِهُ مَا لَوْ تَقَدَّمَهُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَمَّ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ (لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَمَعْنَاهُ فِي التَّنْقِيحِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ: الصِّحَّةُ كَمَا يَأْتِي فِي نَقْلِ كَلَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ) الرَّاتِبُ (لِعُذْرٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ حُضُورُهُ، أَوْ ظَنَّ) حُضُورَهُ (وَلَكِنْ لَا يَكْرَهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُهُ مَعَ غَيْبَتِهِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَيُصَلُّونَ) «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ) أَيْ الرَّاتِبِ (وَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، اُنْتُظِرَ، وَرُوسِلَ مَعَ قُرْبِهِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ) فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ (وَسَعَةِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ بِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَات بِنَصْبِ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَعُدَ) مَكَانُهُ (أَوْ شَقَّ) الذَّهَابُ إلَيْهِ أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ (صَلَّوْا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ صَلَّى) فَرْضَهُ (ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) اُسْتُحِبَّ إعَادَتهَا وَلَوْ كَانَ صَلَّى أَوَّلًا فِي جَمَاعَة أَوْ كَانَ وَقْتُ نَهْيٍ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ (أَوْ جَاءَ) أَيْ الْمَسْجِدَ (غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ وَلَمْ يَقْصِدْ) بِمَجِيئِهِ الْمَسْجِد (الْإِعَادَةَ وَأُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا) مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَغْبَتُهُ عَنْهُ (إلَّا الْمَغْرِبَ) فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَةَ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِوَتْرٍ وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ وَ (كَإِعَادَتِهَا مُنْفَرِدًا، فَلَا يَنْوِي الثَّانِيَةَ فَرْضًا، بَلْ ظُهْرًا مُعَادَةً مَثَلًا) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ (وَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ الْمُعَادَةَ (نَفْلًا صَحَّ) لِمُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ وَإِنْ نَوَاهَا ظُهْرًا مَثَلًا فَقَطْ صَحَّتْ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَانَتْ نَفْلًا.
(وَإِنْ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ) حَتَّى تَفْرُغَ الصَّلَاةُ، لِامْتِنَاعِ الْإِعَادَةِ إذَنْ وَإِيهَامِ رَغْبَتِهِ عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ (وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقْتَ نَهْيٍ بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ انْبَنَى عَلَى فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ) فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ آنِفًا لَا يَجُوزُ، فَلَا إعَادَةَ قُلْت وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعَادَةَ كَمَا هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى فِيمَا سَبَقَ وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ (وَالْمَسْبُوقُ فِي الْمُعَادَةِ يُتِمُّهَا فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا) رَكْعَتَيْنِ (وَلَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ نَصًّا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَقِيلَ: يُسَلِّمُ مَعَهُ قُلْت وَلَعَلَّ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَهِيَ نَفْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُهُ إيقَاعُهُ أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضٌ وَفِيهِ بُعْدٌ.
(وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ) أَيْ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَلِقَوْلِهِ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُكْرَهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ، فَهُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ
الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِيُصَلُّوا فِي غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ (فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَطْ) فَالْأَقْصَى كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ (وَفِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (تُكْرَهُ) إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ.
وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمَاعَةِ، أَيْ لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى قُلْت: فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَسْجِدَيْنِ، لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَتَأَخَّرُ، وَفَوَاتِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَنَوْمٍ وَنَحْوِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ إذَنْ إعَادَتُهَا بِالْمَسْجِدَيْنِ لِمَا، تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» وَلِأَنَّ إقَامَتَهَا إذَنْ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهَا (وَإِنْ قَصَدَ) مَسْجِدًا مِنْ (الْمَسَاجِدِ لِلْإِعَادَةِ، كُرِهَ) زَادَ بَعْضُهُمْ وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ وَلِأَجْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِفَوَاتِهَا لَا لِقَصْدِ الْجَمَاعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ اعْتِيَادُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ الثَّانِيَةِ عَنْ فَائِتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ) قُلْت لَعَلَّ الْمُرَادَ عَلَى اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِمَا، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُعَادَةً أَوْ فَائِتَةً فَلَا مَانِعَ وَمَنْ نَذَرَ أَنَّهُ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ فَرِيضَةً أُخْرَى، وَحَفِظَهُ، لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
(وَإِذَا أُقِيمَتْ) أَيْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي إقَامَةِ (الصَّلَاةِ) لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ (الَّتِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا) وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ لَا يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا (فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ، فَلَا يَشْرَعُ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ، وَلَا رَاتِبَةٍ) مِنْ سُنَّةِ فَجْرٍ أَوْ غَيْرِهَا (فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِبَيْتِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَأَبَاحَ قَوْمٌ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ (فَإِنْ جَهِلَ الْإِقَامَةَ فَكَجَهْلِ وَقْتِ نَهْيٍ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، لَكِنْ إنْ وَافَقَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَمْ تَنْعَقِدْ.
(وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (وَلَوْ) كَانَ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّالِثَةِ أَتَمَّهَا) أَيْ النَّافِلَةَ (أَرْبَعًا) ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثِ (فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ (جَازَ نَصًّا فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَعَلَّ عَدَمَ كَرَاهَةِ الثَّلَاثِ هُنَا لِلْعُذْرِ (إلَّا أَنْ يَخْشَى) مَنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ (فَوَاتَ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَيَقْطَعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ.
(قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَفَضِيلَةُ تَكْبِيرَةِ الْأُولَى) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ) مَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ.
[فَصْلٌ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى]
(فَصْلٌ وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا، مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ، بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَأْمُومُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِمَامُ عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ (غَيْرَ شَاكٍّ فِي إدْرَاكِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ إذَا اطْمَأَنَّ هُوَ) أَيْ الْمَسْبُوقُ ثُمَّ لَحِقَهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ: هَلْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.
وَإِنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ، ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ إمَامُهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ وَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَةَ فِي انْحِنَائِهِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا وَتَقَدَّمَ (وَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ عَنْ الْوَاجِبِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَاجِبَةً لَمْ تَسْقُطْ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْقِرَاءَةَ وَأَسْقَطَهَا إذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالَةِ قِيَامٍ، خِلَافُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
(وَإِتْيَانُهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (بِهَا) أَيْ
تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ (فَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ نَوَى الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ (بِالتَّكْبِيرَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ عَنْهُمَا.
وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ قَوْلًا وَفِعْلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا» الْحَدِيثَ وَالْمُرَادُ بِمُتَابَعَتِهِ فِي الْأَقْوَالِ: أَنْ يَأْتِيَ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ عَمَّا أَدْرَكَهُ فِيهِ وَمَا فِي السُّجُودِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَمَّا التَّشَهُّدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (سُنَّ دُخُولُهُ مَعَهُ) فَيُسَنُّ كَيْفَ أَدْرَكَهُ لِلْخَبَرِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ فِي حَالِ قِيَامِهِ) لِوُجُوبِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ انْتِقَالٍ يَعْتَدُّ بِهِ الْمُصَلِّي، (وَيَنْحَطُّ مَسْبُوقٌ) أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (بِلَا تَكْبِيرٍ لَهُ) أَيْ لِانْحِطَاطِهِ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ (وَيَقُومُ) مَسْبُوقٌ (لِلْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الرَّكْعَةُ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا (ثَانِيَتَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ سَائِرَ الِانْتِقَالَاتِ (فَإِنْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (قَبْلَ) أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، بِلَا عُذْرٍ يُبِيحُ الْمُفَارَقَةَ) لِلْإِمَامِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ (الْعَوْدُ، لِيَقُومَ بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الرُّكْنِ وَلَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ بِلَا عُذْرٍ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) الْمَسْبُوقُ (انْقَلَبَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) بِلَا إمَامٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالذِّكْرِ وَضِدِّهِمَا وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى وُجُوبَ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْأَوْلَى خُصُوصًا بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ رَأْسًا فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْمَسْبُوقُ؟ لَوْ قِيلَ لَا يُفَارِقُهُ قَبْلَهَا.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي سُجُودِ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا بِهِ، حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ دَخَلَ مَعَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ (لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ) لِمَا مَرَّ.
(وَمَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) كَالثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ (لَمْ يَسْتَفْتِحْ وَلَمْ يَسْتَعِذْ وَمَا يَقْضِيهِ) الْمَسْبُوقُ (أَوَّلَهَا) أَيْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ (يَسْتَفْتِحُ لَهُ، وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ) وَلَوْ أَدْرَكَ
رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ مَثَلًا أَطَالَ قِرَاءَتَهَا أَيْ أَدْرَكَهَا، وَرَاعَى تَرْتِيبَ السُّوَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ مُسْلِمٌ أَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَاقْضُوا وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَاقْضِ مَا سَبَقَك» وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ.
(لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ رَكْعَةً تَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (عَقِبَ قَضَاءِ) رَكْعَةٍ (أُخْرَى نَصًّا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) أَنَّ مَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرَهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَأَتِمُّوا قَضَاءً، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَتَشَهَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَقِبَ أُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ، لَزِمَ عَلَيْهِ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وَتْرٍ وَالثُّلَاثِيَّةِ شَفْعًا وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مُمْكِنَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَرْكِهَا فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهَا (وَيُخَيَّرُ) الْمَسْبُوقُ إذَا قَضَى مَا فَاتَهُ (فِي الْجَهْرِ) بِالْقِرَاءَةِ (فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) غَيْرَ الْجُمُعَةِ (بَعْدَ مُفَارَقَةِ إمَامِهِ وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَعَلَى هَذَا أَيْضًا: يَتَخَرَّجُ تَكْبِيرُ الْعِيدِ وَالْقُنُوتِ فَلَا يَقْنُتُ مَنْ قَنَتَ مَعَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ.
(وَيَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ إمَامِهِ) فِي مَوْضِعِ تَوَرُّكِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ قُلْت: جُلُوسُهُ وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ.
وَفِي كَلَامِ الْفُرُوعِ هُنَا تَأَمُّلٌ (كَمَا يَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (فِيمَا يَقْضِيه) لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا: لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مُتَوَرِّكًا مُتَابَعَةً لَهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَجَلَسَ بَعْدَ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُتَوَرِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَلَامُهُ (وَيُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَصًّا، حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ) التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ وَاقِعٌ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَوَّلِ قُلْت: وَهَذَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ فَإِنْ كَانَ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ الْمَرَّةُ الْأُولَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَإِنْ سَلَّمَ) الْإِمَامُ (قَبْلَ إتْمَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (قَامَ) الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (وَلَمْ يُتِمَّهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي صِفَة الصَّلَاة.
(وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَة أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) جَمَاعَة أُخْرَى (اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُصَلِّي مَعَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَجِبُ فِعْلُ قِرَاءَةِ عَلَى مَأْمُومٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ
وَابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَجْلِ سُنَّةِ الِاسْتِمَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَدْ رَوَى مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ ضِعَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قِرَاءَتَهُ تَكْفِيك وَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ قَالَ (فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ إمَامُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ: الْفَاتِحَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَسُجُودَ السَّهْوِ) إذَا كَانَ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَالسُّتْرَةَ قُدَّامَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ إذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ أَتَى بِهَا) الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَ) فِيمَا إذَا (سَجَدَ الْإِمَامُ لِتِلَاوَةِ سَجْدَةٍ قَرَأَهَا) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنْ شَاءَ لَمْ يَسْجُدْ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْمَأْمُومُ لَيْسَ بِتَالٍ، وَلَا مُسْتَمِعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ تُشْرَعْ السَّجْدَةُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ (وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَوْلَ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ) إنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنُ فَقَطْ، وَإِلَّا قَنَتَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَوْ) كَانَ سُكُوتُهُ (لِتَنَفُّسٍ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ (وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ.
(وَ) تُسَنُّ قِرَاءَتُهُ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهِ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَلِيٍّ اقْرَءُوا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُورَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لِلْأَدِلَّةِ فَبَقِيَ حَالَ تَعَذُّرِ اسْتِمَاعِهِ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
(أَوْ لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ إذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ (لِبُعْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَامِعٍ لِقِرَاءَتِهِ أَشْبَهَ حَالَ سَكَتَاتِهِ وَالصَّلَاةَ السِّرِّيَّةَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٌ يَتَمَكَّنْ) الْمَأْمُومُ (فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ نَدْبًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً فِي أُولَتَيْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ وَعَلِيٍّ (فَإِنْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كُرِهَتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ) لِلْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ تَكْرَارٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْأَخِيرُ عَلَى السِّرِّيَّةِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ (فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا يَقُولُ) الْإِمَامُ (لَمْ يَقْرَأْ) ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
(وَمَوَاضِعُ سَكَتَاتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (ثَلَاثَةٌ) إحْدَاهَا: (بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِيَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَعُلِمَ مِنْهُ اخْتِصَاصُهَا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(وَ) الثَّانِيَةُ (بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَ) الثَّالِثَةُ: بَعْدَ (فَرَاغِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَتُسْتَحَبُّ هُنَا سَكْتَةٌ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ) لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا.
(وَيَقْرَأُ أَطْرَشُ إنْ لَمْ يُشْغِلْ مَنْ إلَى جَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ اسْتِمَاعِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْبَعِيدَ فَإِنْ أَشْغَلَ مَنْ إلَى جَنْبِهِ عَنْ اسْتِمَاعِهِ أَوْ قِرَاءَتِهِ لَمْ يَقْرَأْ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَأْمُومِ (أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) لِبُعْدِهِ أَوْ سُكُوتِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَكَالسِّرِّيَّةِ.
[فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ]
(فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهِبِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِمَّا كَانَ فِيهِ اهـ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ (فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ) الْمَأْمُومَ (بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ الْإِمَامُ تَبِعَهُ) الْمَأْمُومُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ
وَمُسْتَحَبٍّ (بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ يُتِمُّهُ (إذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ.
(وَإِنْ وَافَقَهُ) أَيْ وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ (كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (فِي أَقْوَالِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَ (إنْ كَبَّرَ) الْمَأْمُومُ (لَلْإِحْرَامِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (أَوْ) كَبَّرَ الْمَأْمُومُ (قَبْلَ تَمَامِهِ) أَيْ تَمَامِ إحْرَامِ إمَامِهِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ،؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ.
(وَ) إنْ سَلَّمَ (قَبْلَهُ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ مُتَعَمِّدًا وَ (لَا) تَبْطُلُ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ (سَهْوًا، فَيُعِيدُهُ) أَيْ السَّلَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ أَيْضًا (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْمُومُ عَقِبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْأُولَى) وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ.
(وَ) سَلَّمَ الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (الثَّانِيَةُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ (لَا إنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ، حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا) فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى.
(وَلَا يُكْرَهُ) لِلْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَا مُوَافَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (بِقَوْلٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا (وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ) أَيْ سَبْقُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ) كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا حَرُمَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (إنْ رَفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ، وَيُدْرِكُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سَبَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ بَعْدُ فَحَصَلَتْ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُرَادُ مِنْ إتْيَانِهِ بِهِ مَعَهُ: أَيْ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ: تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)
أَيْ يَرْجِعْ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ) يَعْنِي يَرْجِعَ (لِيَأْتِيَ بِهِ) مُؤْتَمًّا بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ، أَيْ عَقِبَهُ لِيَكُونَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ بِأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ لِلنَّهْيِ (وَإِنْ كَانَ) رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَإِنْ سَبَقَهُ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ، بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ، عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (وَصَحَّتْ صَلَاةُ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) لِمَا سَبَقَ (قَالَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: (مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فَإِذَا رَكَعَ وَرَفَعَ فَقَدْ سَبَقَ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِالرَّفْعِ وَلَا يَكُونُ سَابِقًا بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فَإِذَا هَوَى إلَى السُّجُودِ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ الْقِيَامِ، وَحَصَلَ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ وَلَا تَبْطُلُ بِسَبْقٍ بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الْمَأْمُومُ الرَّكْعَةَ فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ السَّبْقَ بِرُكْنَيْنِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَعَ الْعَمْدِ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ (فَكَالسَّبْقِ بِهِ) بِرُكْنٍ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ (لِعُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَجَلَةِ إمَامٍ وَنَحْوِهِ (يَفْعَلُهُ وَيَلْحَقُهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ فَلَزِمَهُ (وَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ) فَيُعْتَدُّ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ (فَلَا) تَصِحُّ الرَّكْعَةُ بَلْ تُلْغَى لِفَوَاتِ رُكْنِهَا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومَ (عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزِحَامٍ (تَابَعَهُ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَقَضَى) الْمَأْمُومُ مَا تَخَلَّفَ بِهِ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جُمُعَةً) كَانَتْ (أَوْ غَيْرَهَا، كَمَسْبُوقٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ كَأَنَّهُ
أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ قُلْت وَالْمَقْضِيُّ هُنَا لَيْسَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ دَائِمًا، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَهُ.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ) لِغَيْرِ عُذْرٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ.
(وَ) إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ بِالرُّكْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ إنْ أَمِنَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ وَتَبِعَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِهِ بِلَا مَحْذُورٍ (وَصَحَّتْ رَكْعَتُهُ) فَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْمَنْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ (تَبِعَهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدْرَاكَهُ الْفَائِتَةَ إذَنْ يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ رَكْعَةٍ غَيْرِهَا فَيَتْرُكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ (وَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا.
(وَلَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ) فَيَأْتِي بَعْدَهَا بِرَكْعَةٍ فَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ ظَنَّ تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اُعْتُدَّ بِهِ.
وَلَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَبَعْدَ رَفْعَهُ مِنْهُ تَبِعَهُ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.
(وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَا «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ: فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ (إذَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ فَإِنْ آثَرُوا) هـ (كُلُّهُمْ اُسْتُحِبَّ) لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّنْفِيرُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
(وَ) يُسَنُّ، لِلْإِمَامِ (أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ، بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ وَأَنْ يَتَمَكَّنَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ) لِيَتَمَكَّنَ كُلٌّ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِسُنَّةٍ (وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَنْ يُخَفِّفَ، كَمَا إذَا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَتُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا فِعْلِ مَا يُسَنُّ) لَهُ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِتْمَامِ مَا يُسَنُّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ الْمَأْمُومِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوُهُ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ وَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ غَالِبًا وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُزِيدُ وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا.
(وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ) قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعَ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَأْتِي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ إلَيْهَا لِئَلَّا يَفُوتُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ طَوَّلَ الثَّانِيَةَ عَنْ الْأُولَى (فَنَصُّهُ: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَذَلِكَ) أَيْ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ (فِي كُلِّ صَلَاةٍ) ثُنَائِيَّةً كَانَتْ أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً (إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَالثَّانِيَةُ أَطْوَلُ) مِنْ الْأُولَى لِتُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا ثُمَّ تَذْهَبَ لِتَحْرُسَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتَدْخُلُ مَعَهُ (وَ) إلَّا فِي (صَلَاةِ جُمُعَةٍ إذَا قَرَأَ بِسَبِّحِ وَالْغَاشِيَةِ) لِوُرُودِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ أَيْ إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَطْوَلُ بِيَسِيرٍ، لَا كَرَاهَةَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ.
(وَإِنْ أَحَسَّ) الْإِمَامُ (بِدَاخِلٍ وَهُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (فِي، رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةٌ كُرِهَ) لِلْإِمَامِ (انْتِظَارُهُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَالَ وَالشَّأْنَ (يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ زَادَ جَمَاعَةٌ أَوْ طَالَ ذَلِكَ.
(وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَالِانْتِظَارُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ) فَيُكْرَهُ،؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَأْمُومِ الَّذِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، فَلَا يَشُقَّ عَلَى مَنْ مَعَهُ لِنَفْعِ الدَّاخِلِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَلَا يَشُقُّ الِانْتِظَارُ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى بَعْضِهِمْ (اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ) لِلدَّاخِلِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الْمُتَقَدِّمِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ بِلَا مَضَرَّةٍ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا، كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(وَإِنْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ إلَى الْمَسْجِدَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، كُرِهَ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ مَنْعُهَا إذَا خَرَجَتْ تَفِلَةً، غَيْرَ مُزَيَّنَةٍ وَلَا مُطَيَّبَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا أَنْ يَخْشَى) زَوْجُهَا إلَى الْمَسْجِدَ (فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا) فَيَمْنَعُهَا عَنْهُ دَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ.
(وَكَذَا أَبٌ مَعَ ابْنَتِهِ) إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ كُرِهَ لَهُ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ يَخْشَى فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا (وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (مَنْعُهَا مِنْ الِانْفِرَادِ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ دُخُولٍ يُفْسِدُهَا وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ وَالزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَأَوْلِيَاؤُهَا الْمَحَارِمُ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى هَذَا فِي رِجَالِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَالْخَالِ أَوْ الْحَاكِمِ: الْخِلَافُ فِي الْحَضَانَةِ وَيَتَوَجَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ وَلَا ضَرَرَ حَرُمَ الْمَنْعُ عَلَى وَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ أَبٍ (وَيَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ) .
(وَتُنْهَى الْمَرْأَةُ عَنْ تَطَيُّبِهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ تَطَيَّبَتْ لِلْخُرُوجِ (كُرِهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يُكْرَهُ تَطَيُّبُهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ أَظْهَرُ اهـ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (وَلَا تُبْدِي زِينَتَهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (إلَّا لِمَنْ فِي الْآيَةِ) وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ.
(قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ (ظُفْرُهَا عَوْرَةٌ) كَسَائِرِ بَدَنِهَا (فَلَا تَخْرُجْ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَلَا تُبَيِّنْ شَيْئًا وَلَا خُفَّهَا فَإِنَّهُ يَصِفُ الْقَدَمَ) أَيْ حَجْمَهُ.
(وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَجْعَلَ لِكُمِّهَا زِرًّا عِنْدَ يَدِهَا) وَاخْتَارَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّينَةِ مِنْ الثِّيَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ لَا قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ بِبَعْضِ الْحُلِيِّ أَوْ بِبَعْضِهَا فَإِنَّهَا الْخَفِيَّةُ، وَنَصُّ أَحْمَدَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ الثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا عَوْرَةٌ حَتَّى الظُّفْرُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الْوَجْهُ وَبَاطِنُ الْكَفِّ» .
(وَصَلَاتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ وَظَاهِرُهُ: حَتَّى مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَك قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي قَالَ فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ، حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» .
(وَالْجِنُّ مُكَلَّفُونَ) فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] (يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ) إجْمَاعًا.
(وَ) يَدْخُلُ (مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا وَإِنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا، أَوْ إنَّهُمْ فِي رَبَضَ الْجَنَّةِ، أَيْ مَا حَوْلَهَا.
قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْجُمُعَةَ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَنَرَاهُمْ) أَيْ الْجِنَّ (فِيهَا) أَيْ الْجَنَّةِ (وَلَا يَرَوْنَا) فِيهَا عَكْسُ مَا فِي الدُّنْيَا (وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: 130] فَهِيَ كَقَوْلِهِ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] وَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكَقَوْلِهِ ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: 16] وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ قَالَ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ إخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اهـ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ أَنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إسْلَامِهِمْ فَتَصِحُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَيَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ، وَكَافِرُهُمْ كَالْحَرْبِيِّ يَجُوزُ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الْآدَمِيِّينَ وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَبَوْلُهُمْ وَقَيْئُهُمْ طَاهِرَانِ وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْآدَمِيُّ لِئَلَّا يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ الْجِنِّ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلْجِنِّ قُدْرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا أَتَى بِالْمَصْرُوعِ وَعَظَ مَنْ صَرَعَهُ، وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَإِنْ انْتَهَى وَفَارَقَ الْمَصْرُوعَ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَعُودَ وَإِنْ لَمْ يَأْتَمِرْ وَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ ضَرَبَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ وَالضَّرْبُ يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى الْمَصْرُوعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ صَرَعَهُ وَلِهَذَا يَتَأَلَّمُ مَنْ صَرَعَهُ بِهِ وَيَصِيحُ وَيُخْبِرُ الْمَصْرُوعُ إذَا أَفَاقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ:
وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْتُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِثْلَ فِعْلِ شَيْخِنَا وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى مَنْ صَرَعَهُ فَفَارَقَهُ، وَأَنَّهُ عَاوَدَ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَدَ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ بِنَعْلِ أَحْمَدَ وَقَالَ لَهُ: فَلَمْ يُفَارِقْهُ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ ضَرَبَهُ فَامْتِنَاعُهُ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ) (الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْأَفْقَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْفَقِيهُ، ثُمَّ الْأَقْرَأُ) جَوْدَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا تَقْدِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ أَقْرَأَ مِنْهُ وَأَحْفَظَ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِتَفْهَمَ الصَّحَابَةُ مِنْ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ لِلْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَتَقْدِيمَهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَلَّمُونَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيهِ وَمَا يُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إذَا عَلِمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأَجْوَدَ قِرَاءَةً عَلَى الْأَكْثَرِ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّدَ لِقِرَاءَتِهِ أَعْظَمُ أَجْرًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إعْرَابُ الْقُرْآنْ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ.
(ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْجَوْدَةِ وَعَدَمِهَا فَالْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ (الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْفَقِيهُ، ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا
فِي الْقِرَاءَةِ (فَالْقَارِئُ الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْقَارِئُ الْفَقِيهُ ثُمَّ الْقَارِئُ الْعَارِفُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ الْأَفْقَهُ) وَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا، إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَمِنْ شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِقْهَ صَلَاتِهِ) وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهَا (حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ (وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيهَيْنِ) الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ (أَفْقَهَ أَوْ أَعْلَمَ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ) ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ،؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ يُقَدَّمُ (الْأَسَنُّ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْأَوْلَى (الْأَشْرَفُ وَهُوَ مَنْ كَانَ قُرَشِيًّا) إلْحَاقًا لِلْإِمَامَةِ الصُّغْرَى بِالْكُبْرَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَوْلُهُ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَالشَّرَفُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ.
(فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ) لِقُرْبِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) كَبِنَى عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ (ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً بِسَبْقِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا) وَعُلِمَ مِنْهُ بَقَاءُ حُكْمِ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمَعْنَى: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ (وَمِثْلُهُ السَّبْقُ بِالْإِسْلَامِ) فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْهِجْرَةِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَا بِدَارِ إسْلَامٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ مُسْلِمًا أَيْ إسْلَامًا» ، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ كَالْهِجْرَةِ (ثُمَّ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَعْمَرِ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ هُوَ الْخُضُوعُ، وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ أَقْرُبُ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: الْوَرَعُ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ زَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْوَى وَالزُّهْدِ فِي الْخُطْبَةِ
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ أَنَّ الزُّهْدَ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوَرَعُ تَرْكُ مَا يُخْشَى ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ يُقَدَّمُ (مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ الْمُصَلُّونَ، أَوْ كَانَ أَعَمْرُ لِلْمَسْجِدِ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ وَالشَّارِحِ وَالْمَذْهَبِ، كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا يُقْرَعُ (ثُمَّ قُرْعَةٌ) مَعَ التَّشَاحِّ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْآذَانِ، وَالْإِمَامَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَفْضُولُ) عَلَى الْفَاضِلِ بِلَا إذْنِهِ (جَازَ) أَيْ صَحَّتْ إمَامَتُهُ.
(وَكُرِهَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ» ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ.
(وَإِذَا أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَتَقَدَّمَ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّقَدُّمِ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ بِلَا كَرَاهَةٍ) إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ، أَوْ فِيهِ مَزِيَّةٌ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ الصِّدِّيقُ عَلَى أَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ (وَصَاحِبَ الْبَيْتِ وَإِمَامَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ عَبْدًا، وَلَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ إذَا كَانَ إمَامَ مَسْجِدٍ أَوْ صَاحِبَ بَيْتٍ (بِالْأَحْرَارِ) جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبَا ذَرٍّ صَلَّوْا خَلْفَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ (أَحَقُّ بِإِمَامَةِ مَسْجِدٍ وَبَيْتِهِ مِنْ الْكُلِّ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (إذَا كَانَ) إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ صَاحِبَ الْبَيْتِ (مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى وَقَالَ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ (فَيَحْرُمُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا بِدُونِ إذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِمَا (وَلَهُمَا تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا وَلَا يُكْرَهُ) لَهُمَا أَنْ يُقَدِّمَا غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (بَلْ يُسْتَحَبُّ) تَقْدِيمُهُمَا لِغَيْرِهِمَا (إنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا) مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْفَضْلِ.
(وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ (ذُو سُلْطَانٍ وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ كَالْقَاضِي، وَكُلُّ ذِي سُلْطَانٍ أَوْلَى مِنْ) جَمِيعِ (نُوَّابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (وَسَيِّدٌ فِي بَيْتِ عَبْدِهِ أَوْلَى) بِإِمَامَةٍ (مِنْهُ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ (وَحُرٌّ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ مُبَعَّضٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَشْرَفُ وَيَصْلُحُ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (وَمُكَاتَبٌ وَمُبَعَّضٌ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ) لِحُصُولِ بَعْضِ الْأَكْمَلِيَّةِ وَالْأَشْرَفِيَّةِ فِيهِمَا (وَحَاضِرٌ) أَيْ مُقِيمٌ أَوْلَى مِنْ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَرَ،
فَيَفُوتُ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ (وَبَصِيرٌ) أَوْلَى مِنْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ (وَحَضَرِيٌّ) وَهُوَ النَّاشِئُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى أَوْلَى مِنْ بَدْوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْجَفَاءُ وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِبُعْدِهِمْ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْأَعْرَابِ ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97] (وَمُتَوَضِّئٌ) أَوْلَى مِنْ مُتَيَمِّمٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ (وَمُعِيرٌ) فِي الْبَيْتِ الْمُعَارِ أَوْلَى مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ إنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ (وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ دُخُولِهِ.
(فَإِنْ قَصَرَ إمَامٌ مُسَافِرٌ قَضَى) أَيْ أَتَمَّ (الْمُقِيمُ كَمَسْبُوقٍ) مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَلَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ إذَنْ كَالْعَكْسِ) أَيْ كَإِمَامَةِ الْمُقِيمِ لِلْمُسَافِرِ.
(وَإِنْ أَتَمَّ) الْمُسَافِرُ (كُرِهَتْ) إمَامَتُهُ بِالْمُقِيمِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ فَيَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَجَوَابُهُ: الْمَنْعُ، وَأَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ فَلِذَلِكَ قَالَ.
(وَإِنْ تَابَعَهُ) أَيْ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ (الْمُقِيمَ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا.
(وَلَوْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ صَحَّتْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَى وَالصَّمَمَ فَقْدُ حَاسَّتَيْنِ لَا يُخِلَّانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشُرُوطِهَا، فَصَحَّتْ مَعَ ذَلِكَ الْإِمَامَةِ كَمَا لَوْ كَانَ أَعْمَى فَاقِدَ الشَّمِّ (وَكُرِهَتْ) إمَامَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ) كَزَانٍ وَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ وَنَمَّامٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ اعْتِقَادٍ) كَخَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ (وَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذَا: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ بِمِثْلِهِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فَاسِقٌ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِالتَّوْبَةِ (عُلِمَ فِسْقُهُ ابْتِدَاءً أَوَّلًا، فَيُعِيدُ) الْمَأْمُومُ (إذَا عَلِمَ) فِسْقَ إمَامِهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ، دُونَ خَفِيِّهِ
قَالَ فِي الْوَجِيزِ لَا تَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ لَكِنَّ ظَاهَرَ كَلَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ.
(وَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ) خَلْفَ فَاسِقٍ (بِلَا إعَادَةٍ إنْ تَعَذَّرَتْ خَلْفَ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَصَّانِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فَالْمَنْعُ مِنْهُمَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهُمَا وَرَاءَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا (وَإِنْ خَافَ أَذًى) بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ (صَلَّى خَلْفَهُ) أَيْ الْفَاسِقِ، دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَأَعَادَ، نَصًّا) لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ.
(وَإِنْ نَوَى مَأْمُومٌ الِانْفِرَادَ) أَيْ نَوَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْفَاسِقِ صُورَةَ عَدَمِ الِائْتِمَامِ بِهِ (وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا) أَيْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (صَحَّ) مَا صَلَّاهُ.
(وَلَمْ يُعِدْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ (حَتَّى وَلَوْ) كَانُوا (جَمَاعَةً صَلَّوْا خَلْفَهُ بِإِمَامٍ) عَدْلٍ وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي أَفْعَالِهَا فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِفَاسِقٍ.
(وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْعَدْلِ إذَا كَانَ تَائِبًا لِفَاسِقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالْحَدَثِ (كَصَلَاةِ فَاسِقٍ خَلْفَ عَدْلٍ) .
(وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ إمَامٍ لَا يَعْرِفُهُ) أَيْ يَجْهَلُ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ، إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ.
(وَالِاسْتِحْبَابُ) أَنْ يُصَلِّيَ (خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ) عَدْلًا، لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ (وَالْفَاسِقُ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً) وَهِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ (أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَتَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي) بَابِ (شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) ،.
(وَمَنْ صَحَّ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْأُصُولِ) كَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ) كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، لِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَ بَعْضِهِمْ مَعَ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُرُوعِ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) .
(وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ، قَالَهُ) مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ عَنْ إمَامٍ قَالَ أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟ (فَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (شَيْءٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَلَا بَأْسَ نَصًّا) وَكَذَا لَوْ كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفٍ.
(وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَوْ) كَانَ كُفْرُهُ (بِبِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ) عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولُ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَلَوْ أَسَرَّهُ) أَيْ الْكُفْرَ، فَجَهِلَ الْمَأْمُومُ كُفْرَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ،؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» وَالْكُفْرُ لَا يَخْفَى غَالِبًا فَالْجَهْلُ بِهِ مُفْرِطٌ.
(وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ) ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ) لِمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ وَإِنَّمَا صَلَّى تَهَزُّؤًا، أَعَادَ مَأْمُومٌ فَقَطْ) نَصَّ عَلَيْهِ (كَمَنْ ظُنَّ كُفْرُهُ أَوْ حَدَثُهُ فَبَانَ بِخِلَافِهِ، أَوْ) ظُنَّ (أَنَّهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ فَبَانَ رَجُلًا) فَيُعِيدُ الْمَأْمُومُ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.
(وَلَوْ عَلِمَ مِنْ إنْسَانٍ حَالَ رِدَّةٍ وَحَالَ إسْلَامٍ) وَصَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ؟ أَعَادَ (وَ) لَوْ عَلِمَ لِإِنْسَانٍ (حَالَ إفَاقَةٍ وَحَالَ جُنُونٍ كُرِهَ تَقْدِيمُهُ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِيهَا (فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يَبْرَأُ بِهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُعِيدُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ أَوْ إفَاقَتَهُ وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ فَلَا إعَادَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ أَوْ جُنُونَهُ وَشَكَّ فِي إسْلَامِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ أَعَادَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، جُزِمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى، وَقُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَالَ بَعْدَ صَلَاتِهِ: كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَفَعَلْتُ مَا يَجِبُ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ (سَكْرَانٍ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ (وَإِنْ سَكِرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ أَخْرَسِ وَلَوْ بِ) أَخْرَسَ (مِثْلِهِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالتَّحْرِيمَةُ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يَأْتِي بِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ وَنَحْوِهِ قَالَهُ يَأْتِي بِالْبَدَلِ.
(وَلَا) تَصِحَّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسٌ مِنْ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ) كَنَجْوٍ وَرِيحٍ وَرُعَافٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَجُرُوحٍ سَيَّالَةٍ إلَّا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ (أَوْ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُ كَأَحْدَبَ، أَوْ) عَاجِزٍ عَنْ (سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ عَنْ اسْتِقْبَالٍ أَوْ اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ أَوْ) عَاجِزٍ (عَنْ الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشُّرُوطِ إلَّا بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ فَلَمْ يُجْزَ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَصِحُّ إمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ» ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ
(خَلْفَ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِرَاءَة إلَّا بِمِثْلِهِ (إلَّا إمَامَ الْحَيِّ وَهُوَ كُلُّ إمَامِ مَسْجِدٍ رَاتِبٍ) لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَلِأَنَّ إمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ (الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) الَّتِي مَنَعَتْهُ الْقِيَامَ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ.
(وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ) جُلُوسًا (وَ) يُصَلُّونَ أَيْضًا (وَرَاءَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) إذَا مَرِضَ وَرُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ (جُلُوسًا) لِلْخَبَرِ.
قَالَ فِي الْخِلَافِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ مَالِكٌ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ إمَامًا لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَنَقَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَجَابِرٌ وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا) خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ قَائِمًا بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ.
(وَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِإِمَامِ الْحَيِّ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ إذَا مَرِضَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ أَنَّهُ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ.
(وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ) الْإِمَامُ (الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ) عَجْزًا (أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا وَلَمْ يَجُزْ الْجُلُوسُ نَصًّا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالطُّمَأْنِينَةِ (أَوْ) تَرَكَ الْإِمَامُ (وَاجِبًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (أَوْ)
تَرَكَ الْإِمَامُ (شَرْطًا عِنْدَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْمَأْمُومِ كَسَتْرِهِ أَحَدَ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ، بِأَنْ كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يَرَى الْمَتْرُوكَ رُكْنًا، وَلَا وَاجِبًا، وَلَا شَرْطًا (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ شَرْطًا (عِنْدَهُ، وَعِنْدَ الْمَأْمُومِ) حَالَ كَوْنِ الْإِمَامِ (عَالِمًا) بِمَا تَرَكَهُ (أَعَادَ) لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِتَرْكِهِ الشَّرْطَ أَوْ الرُّكْنَ أَوْ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَبُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ سَهْوًا فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاجِبًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ وَحْدَهُ، عَلَى مَا يَأْتِي وَإِنْ كَانَ رُكْنًا وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ قَرِيبًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا غَيْرَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُمَا وَأَعَادَا (وَإِنْ كَانَ) الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا (عِنْدَ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) كَالْحَنْبَلِيِّ اقْتَدَى بِمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ تَرْكَ سَتْرَ أَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ أَوْ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَكْبِيرَةَ الِانْتِقَالِ وَنَحْوِهِ، مُتَأَوِّلًا أَوْ مُقَلِّدًا مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ مُفْسِدًا (فَلَا) إعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ فَجَازَتْ خَلْفَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى شَافِعِيٌّ قَبْلَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْحَنْبَلِيِّ خَلْفَهُ.
(وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ) أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إجْمَاعًا كَتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ وَجَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ تَرْكَ الْوَاجِبِ كَذَلِكَ وَمُرَادُهُ: إذَا شَكَّ فِي وُجُوبِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَيَسْقُطُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، إنْ عَلِمَ فِيهَا أَوْ قَرِيبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَتَصِحَّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي فَرْعٍ لَمْ يُفَسَّقْ بِهِ) أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ فِيهِ، كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَرَى النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَشُرْبِ نَبِيذٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فُسِّقَ) بِالْمُدَاوَمَةِ.
(وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ) لِفِسْقِهِ (وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ) عَلَيْهِ (فَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (هُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ بِالصَّغِيرَةِ بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31] وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ: صَحَّتْ
صَلَاتُهُ خَلْفَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
(وَلَا إنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ) عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَقَلَّدَ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إمَّا مُصِيبٌ، أَوْ كَالْمُصِيبِ فِي حَطِّ الْإِثْمِ عَنْهُ وَحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ أُنْكِرَ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا اهـ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا الْعَجْزُ وَلَا أَقُولُ الْعَوَامُّ بَلْ الْعُلَمَاءُ كَانَتْ أَيْدِي الْحَنَابِلَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَيَّامِ ابْنِ يُونُسَ فَكَانُوا يَسْتَطِيلُونَ بِالْبَغْيِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ، حَتَّى مَا يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَلَمَّا جَاءَتْ أَيَّامُ النَّظَّامِ، وَمَاتَ ابْنُ يُونُسَ وَزَالَتْ شَوْكَةُ الْحَنَابِلَةِ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ اسْتِطَالَةَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، فَاسْتَعْدَوْا بِالسَّجْنِ، وَآذَوْا الْعَوَامَّ بِالسِّعَايَاتِ، وَالْفُقَهَاءَ بِالنَّبْذِ بِالتَّجْسِيمِ قَالَ: فَتَدَبَّرْتُ أَمْرَ الْفَرِيقَيْنِ فَإِذَا بِهِمْ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ آدَابُ الْعِلْمِ وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ، يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ.
(وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ امْرَأَةٍ) بِرِجَالٍ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَلَا بِخَنَاثَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ رِجَالًا.
(وَلَا) إمَامَةُ (خُنْثَى مُشْكِلٍ بِرِجَالٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً.
(وَلَا) إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِخَنَاثَى) مُشْكِلِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَهُمْ رِجَالٌ وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ وَغَيْرِهَا وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا كَانَا قَارِئَيْنِ وَالرِّجَالُ أُمِّيُّونَ، وَيَقِفُونَ خَلْفَهَا، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الرَّجُلُ الْمَأْمُومُ بِكَوْنِ الْإِمَامِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى (إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) ؛ لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا.
(وَتَصِحَّ) إمَامَةُ الْمَرْأَةِ بِنِسَاءٍ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ «أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» وَتَصِحُّ أَيْضًا إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِنِسَاءٍ) لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِمَامَتُهَا بِهِنَّ صَحِيحَةٌ (وَيَقِفْنَ) أَيْ الْمَأْمُومَاتُ (خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْخُنْثَى، إذَا أَمَّهُنَّ كَالرَّجُلِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُومُ وَسْطَهُنَّ.
(وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ خُنْثَى لَكِنْ، يَجْهَلُ إشْكَالَهُ، ثُمَّ بَانَ) الْخُنْثَى (بَعْدَ الصَّلَاةِ رَجُلًا فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْإِعَادَةُ) كَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُحْدِثًا فَبَانَ مُتَطَهِّرًا.
(وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَهُ) أَيْ الْخُنْثَى (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَنَّهُ خُنْثَى (فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ رَجُلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَدَمِ شَكِّهِ حَالَ الْفِعْلِ فِيمَا يُفْسِدُهَا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ) نَصَّ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ السِّرِّ.
(وَتَصِحُّ) إمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ (فِي نَفْلٍ) كَكُسُوفٍ وَتَرَاوِيحٍ (وَ) تَصِحُّ إمَامَةُ مُمَيِّزٍ (بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلًا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُحْدِثٍ) يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَلَا) إمَامَةُ (نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (وَلَوْ جَهِلَهُ) أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (مَأْمُومٌ فَقَطْ) أَيْ وَحْدَهُ وَعَلِمَهُ الْإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّهُمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَلَا بَيْنَ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ فَإِنْ جَهِلَهُ أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (هُوَ) أَيْ الْإِمَامُ.
(وَالْمَأْمُومُونَ كُلُّهُمْ حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومٍ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْإِمَامِ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجَرْفِ فَأَهْرَاقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ النَّاسُ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى وَلَا سَبِيلَ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (إلَّا فِي الْجُمُعَةِ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ بِالْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ) إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا.
(وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ مُحْدِثًا) أَوْ نَجِسًا (فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ فَقَطْ فَيُعِيدُ الْكُلُّ، لِفَقْدِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ النَّجِسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ غَيْرَ الْمُحْدِثِ أَوْ النَّجِسِ فَالْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلًا) أَوْ نَاسِيًا فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ أُمِّيٍّ نِسْبَةً إلَى الْأُمِّ) كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا وَقِيلَ: إلَى أُمَّةِ الْعَرَبَ وَهُوَ لُغَةً مَنْ لَا يَكْتُبُ وَمِنْ ذَلِكَ وَصْفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأُمِّيِّ (بِقَارِئٍ) مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَهُوَ يَتَحَمَّلُهَا عَنْ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ (وَالْأُمِّيُّ) اصْطِلَاحًا (مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ لَا يَحْفَظُهَا (أَوْ يُدْغِمُ مِنْهَا حَرْفًا لَا يُدْغَمُ) أَيْ فِي غَيْرِ مِثْلِهِ، وَغَيْرِ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْمَخْرَجِ (وَهُوَ الْأَرَتُّ) .
وَفِي الْمَذْهَبِ هُوَ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ تُسْقِطُ بَعْضَ الْحُرُوفِ (أَوْ يَلْحَنُ) فِيهَا (لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، كَفَتْحِ هَمْزَةِ اهْدِنَا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْهَدِيَّةِ لَا الْهِدَايَةِ (وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ) وَكَسْرِهَا، وَكَسْرِ كَافِ إيَّاكَ فَإِنْ لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ فَلَيْسَ أُمِّيًّا.
(وَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إصْلَاحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا يَأْتِي) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ.
(وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إصْلَاحِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (قَرَأَهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَمَا زَادَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْفَاتِحَةِ (تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى فِيهِ وَاللَّحْنُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى، فَإِنْ أَحَالَهُ كَانَ عَمْدُهُ كَالْكَلَامِ وَسَهْوُهُ كَالسَّهْوِ عَنْ كَلِمَةٍ وَجَهْلُهُ كَجَهْلِهَا.
(وَيَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ) أَيْ إبَاحَةَ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى، لِإِدْخَالِهِ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
(وَإِنْ كَانَ) اللَّحْنُ الْمُحِيلُ لِلْمَعْنَى (لِجَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ آفَةٍ) كَسَبْقِ لِسَانِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ تُمْنَعْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأُمِّيٍّ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ تَصِحَّ إمَامَةُ الْأُمِّيِّ بِمِثْلِهِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ.
(وَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا فَإِنْ، كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) كَانَ (الْأُمِّيُّ فَقَطْ) عَنْ يَمِينِهِ وَالْقَارِئُ عَنْ يَسَارِهِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ.
(وَ) صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (الْأُمِّيِّ) ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ، وَوَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ) لِاقْتِدَائِهِ بِأُمِّيٍّ (وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ الْمَأْمُومَانِ (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْأُمِّيَّ (أَوْ) كَانَ (الْقَارِئُ وَحْدَهُ عَنْ يَمِينِهِ) وَالْأُمِّيُّ عَنْ يَسَارِهِ (فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ) أَمَّا الْإِمَامُ فَلِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، وَأَمَّا الْقَارِئُ فَلِاقْتِدَائِهِ بِالْأُمِّيِّ وَأَمَّا الْأُمِّيُّ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفَهُ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْأُمِّيَّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِيَسَارِ إمَامِهِ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِالْإِمَامِ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَعْدُ لَا يُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ عَقِبَهُ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ) مِنْهَا.
(وَلَا بِالْعَكْسِ) أَيْ إقْصَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأُوَلِ (وَلَا اقْتِدَاءُ مَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا مِنْهَا بِمَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا غَيْرَهُ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.
(وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَيُحْسِنَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِقَدْرِهَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ) وَجَوَّزَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ
لِأَنَّهُمَا أُمِّيَّانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ دُونَ السَّبْعِ فَوَجْهَانِ.
(وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْإِمَامَةِ (فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَاسِقِ.
(وَإِنْ شَاءَ صَلَّى وَحْدَهُ جَمَاعَةً) بِإِمَامِ يَصْلُحُ لِلْعُذْرِ (أَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا.
(وَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وَنَحْوِهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ) إذَا كَانَ سَهْوًا عِنْدَ الْمَجْدِ، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ يَسْجُدُ لَهُ.
(وَحُكْمُ مَنْ أَبْدَلَ مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (حَرْفًا بِحَرْفٍ، لَا يُبَدَّلُ كَالْأَلْثَغِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا وَنَحْوِهِ، حُكْمُ مَنْ لَحَنَ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُبَدِّلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا ضَادَ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ) إذَا أَبْدَلَهَا (بِظَاءٍ فَتَصِحُّ) إمَامَتُهُ بِمَنْ لَا يُبَدِّلُهَا ظَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ أُمِّيًّا بِهَذَا الْإِبْدَالِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنَى (كَ) مَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ (بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الضَّادِ وَالظَّاءِ (مِنْ أَطْرَافِ اللِّسَانِ، وَبَيْنَ الْأَسْنَانِ وَكَذَلِكَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ وَاحِدٌ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إصْلَاحِ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إدْغَامِ حَرْفٍ فِي آخَرَ لَا يُدْغَمُ فِيهِ، أَوْ إبْدَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ غَيْرِ ضَادِ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ بِظَاءٍ، أَوْ إصْلَاحِ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ مَا لَمْ يُصْلِحْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا.
(وَتُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ كَثِيرِ اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى) كَجَرِّ دَالِ الْحَمْدِ وَنَصْبِ هَاءِ اللَّهُ وَنَصْبِ بَاءِ رَبِّ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْتَمُّ مِثْلَهُ أَوْ كَانَ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ بَاقٍ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ: إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالْيَسِيرِ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (مَنْ يُصْرَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِنْ الصَّرْعِ، وَهُوَ دَاءٌ يُشْبِهُ الْجُنُونَ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ تُضْحِكُ رُؤْيَتُهُ) أَوْ صُورَتُهُ، أَيْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ وَتَصِحُّ.
(وَمَنْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ إمَامَةِ الْمُوَسْوِسِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ عَامِّيٌّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُكْرَهُ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْلَف) أَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّهُ
ذَكَرٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ قَارِئٌ، فَصَحَّتْ إمَامَتُهُ كَالْمَخْتُونِ، وَالنَّجَاسَةُ تَحْتَ الْقُلْفَةِ بِمَحَلٍّ لَا تُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ إزَالَتِهَا، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْأَقْلَفِ الْمُرْتَفِقِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْقِ قُلْفَتِهِ وَغَسْلِ مَا تَحْتَهَا فَأَمَّا الْمَفْتُوقُ الْقُلْفَةَ فَإِنْ تَرَكَ غَسْلَ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ مِمَّا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ وَلَا صَلَاتُهُ، لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً لَا يُعْفَى عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ (وَ) .
تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْطَعِ يَدَيْنِ، أَوْ) أَقْطَعِ (إحْدَاهُمَا أَوْ) أَقْطَعِ (رِجْلَيْنِ أَوْ) أَقْطَعَ (إحْدَاهُمَا) .
قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ إذَا أَمْكَنَ أَقْطَعِ رِجْلَيْنِ الْقِيَامُ، بِأَنْ يَتَّخِذَ لَهُ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ أَنْفٍ) أَيْ تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ أَقْطَعِ أَنْفٍ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (الْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ: الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ، أَمَّا صِحَّةُ إمَامَتِهِ فَلِإِتْيَانِهِ بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا كَرَاهَةُ تَقْدِيمِهِ فَلِزِيَادَتِهِ مَا يُكَرِّرُ، أَوْ عَدَمِ فَصَاحَتِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَؤُمَّ رَجُلٌ) أُنْثَى (أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ، لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ.
(وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَؤُمَّ (بِذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ.
وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ فَإِنْ صَلَّى بِهِنَّ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ، بِحَقٍّ نَصًّا، لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَيِّنٌ.
وَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ أَمَّا إنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ (فَإِنْ كَرِهَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (نِصْفُهُمْ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (مُعَادَاةٌ
مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، لِعَدَمِ الِائْتِلَافِ) وَالْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً إنَّمَا يَتِمُّ بِالِائْتِلَافِ (وَلَا يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ) حَيٌّ صَلُحَ لِلْإِمَامَةِ (؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) دُونَهُمْ، لِلْأَخْبَارِ (وَإِنْ كَرِهُوهُ لِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) ،.
(وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ زِنًا وَلَقِيطٍ وَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَخَصِيٍّ وَجُنْدِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ (وَأَعْرَابِيٍّ إذَا سَلِمَ دِينُهُمْ وَصَلَحُوا لَهَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى الْبَاقُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِمَّنْ فِي نِسْبَتِهِ نَظَرٌ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ قَالَتْ: يُقَالُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ، يَصْلُحُ لَهَا كَغَيْرِهِ.
(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيَهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ.
(وَعَكْسُهُ) أَيْ يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا لِمَا سَبَقَ (وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (قَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ بِقَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ آخَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ وَالْعَكْسُ أَوْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ) ائْتِمَامُ (مَاسِحٍ عَلَى حَائِلٍ بِغَاسِلٍ) لِمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رَافِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ» .
(وَ) لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ (مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) أَوْ بِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِأَحَدِهِمَا (بِمَنْ تَطْهُرُ بِأَحَدِهِمَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي ائْتِمَامِ الْقَادِرِ بِالْعَاجِزِ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ (مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تُؤَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَهُوَ يُنْقَضُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ مَنْ يُصَلِّيهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الظُّهْرَ بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ بِإِذْنٍ وَالْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَعَنْهُ يَصِحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ «مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ: هَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ فَيَسْقُطُ بِهَا الِاسْتِدْلَال (إلَّا إذَا
صَلَّى بِهِمْ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَاتَيْنِ) فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(فَائِدَةٌ) لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا؟ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَوْ لَا؟ .
(وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ أَوْ غَيْرَهُمَا) كَالْعِشَاءِ (وَلَا عَكْسُهُ) وَمِثْلُهُ صَلَاةُ كُلِّ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ وَقْتًا وَاسْمًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْوَصْفِ.
(تَتِمَّةٌ) إذَا صَلَّى مَرِيضٌ بِمِثْلِهِ ظُهْرًا قَبْلَ إحْرَامِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ لَمْ تَنْقَلِبْ ظُهْرُهُ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
[فَصْلٌ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ]
(فَصْلٌ فِي الْمَوْقِفِ) (السُّنَّةُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ) رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ «فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا، حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ وَمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَفِيهِ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا يُحْتَجَّ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (إلَّا إمَامَ الْعُرَاةِ وَ) إلَّا (إمَامَةَ النِّسَاءِ، فَوَسَطًا وُجُوبًا فِي الْأُولَى) أَيْ إمَامِ الْعُرَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَاسْتِحْبَابًا فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ إمَامَةِ النِّسَاءِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرَ وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا.
(فَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومُونَ (قُدَّامَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَوْ بِ) قَدْرِ تَكْبِيرَةِ (إحْرَامٍ) ثُمَّ تَأَخَّرُوا (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْأَفْعَالِ مُبْطِلَةٌ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ
خَلْفَهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ، (غَيْرَ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ فِي نَفْلٍ إذَا تَقَابَلَا) بِأَنْ وَجَّهَ الْإِمَامُ إلَى وَجْهِ الْمَأْمُومِ (أَوْ) تَدَابَرَا بِأَنْ (جَعَلَ) الْمَأْمُومُ (ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالنَّفْلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَصِحُّ دَاخِلَهَا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إنْ جَعَلَ) الْمَأْمُومَ (ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (لِتَقَدُّمِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى إمَامِهِ.
(وَ) إلَّا (فِيمَا إذَا اسْتَدَارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (فَلَا بَأْسَ بِتَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِمَامِ) يَعْنِي فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ جِهَةِ الْإِمَامِ فَلَا تَصِحُّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ فِي جِهَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ جَازَ فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
(وَ) إلَّا (فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إذَا أَمْكَنَ الْمُتَابَعَةُ) فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ نَصَّ عَلَيْهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَّةِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْمُتَابَعَةُ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ.
(وَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَنْ يَمِينِهِ أَوْ) وَقَفُوا (عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَيْ الْإِمَامِ «لِإِدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا خَوْفًا مِنْ التَّقَدُّمِ، وَمُرَاعَاةً لِلْمَرْتَبَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ بَانَ عَدَمُ صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ فَيَجِيءُ الْوَجْهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، أَوْ كَصَلَاتِهِمْ قُدَّامَهُ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ انْتَهَيَا قُلْت ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ فَإِنْ تَقَدَّمَهُ مَأْمُومٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي رَجُلٍ أَمَّ رَجُلًا قَامَ عَنْ يَسَارِهِ يُعِيدُ وَإِنَّمَا صَلَّى الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَظَاهِرُهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا دُونَ الْمَأْمُومِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغَايَةِ بِالْإِمَامَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
(فَإِنْ وَقَفَ) الْمَأْمُومُ الرَّجُلُ أَوْ الْخُنْثَى (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) وَقَفَ الْمَأْمُومُ مُطْلَقًا (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (وَصَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَعَنْهُ تَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ وَالْمُوَفَّقُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ وَفِي الشَّرْحِ: هِيَ الْقِيَاسُ كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ جَابِرًا وَابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، بِدَلِيلِ رَدِّ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ إلَى وَرَائِهِ، مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمَا عَنْ جَانِبَيْهِ.
(وَإِذَا وَقَفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا، سُنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدِيرَهُ مِنْ وَرَائِهِ إلَى يَمِينِهِ وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ.
(وَإِنْ كَبَّرَ) مَأْمُومٌ
(وَحْدَهُ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ جَاءَ) مَأْمُومٌ (آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ، أَوْ تَقَدَّمَ إلَى الصَّفِّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَحَدُهُمَا) لِلْإِحْرَامِ (وَتَوَسْوَسَ الْآخَرُ ثُمَّ كَبَّرَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ) وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَأَحَسَّ بِآخَرَ فَتَأَخَّرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِي ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَدْرَ رَكْعَةٍ وَلَا أَكْثَرَهَا.
(فَإِنْ وَقَفَ) مَأْمُومٌ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَ) وَقَفَ (آخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَخَّرَهُمَا خَلْفَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَابِرًا وَجَبَّارًا وَرَاءَهُ (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمَا (أَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ الْإِمَامُ) بَيْنَهُمَا لِيَصِيرَا وَرَاءَهُ وَصَلَّى بَيْنَهُمَا (فَإِنْ تَأَخَّرَ الْأَيْمَنُ قَبْلَ إحْرَامِ الدَّاخِل لِيُصَلِّيَ خَلْفَهُ جَازَ) ذَلِكَ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَ (كَتَفَاوُتِ إحْرَامِ اثْنَيْنِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (ثُمَّ إنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا) لِسَبْقِهِ الْحَدَثَ وَنَحْوِهِ (تَقَدَّمَ الْآخَرُ إلَى الصَّفِّ) إنْ كَانَ (أَوْ) تَقَدَّمَ (إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ) إنْ لَمْ يَكُنْ صَفَّ (أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ) لِئَلَّا يَصِيرَ فَذًّا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمُهُ إلَى الصَّفِّ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَلَا جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ (نَوَى الْمُفَارَقَةَ) لِلْعُذْرِ (وَإِنْ أَدْرَكَهُمَا) أَيْ أَدْرَكَ مَأْمُومٌ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ (جَالِسَيْنِ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَأَخَّرَ إذَنْ لِلْمَشَقَّةِ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّمْنَى لَا يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ لِلْعِلَّةِ.
(وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّقَدُّمِ وَالْمُسَاوَاةِ بِمُؤَخَّرِ قَدَمٍ، وَهُوَ الْعَقِبُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمٌ بِمُؤَخَّرِ الْقَدَمِ (لَمْ يَضُرَّ، كَطُولِ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِرَأْسِهِ فِي السُّجُودِ فَلَوْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (فِي الْعَقِبِ، وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمَأْمُومِ لَمْ يَضُرَّ) أَيْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ عَقِبِهِ عَلَى عَقِبِ إمَامِهِ.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ عَقِبُ الْمَأْمُومِ عَقِبَ الْإِمَامِ مَعَ تَأَخُّرِ أَصَابِعِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ عَنْ أَصَابِعِ الْإِمَامِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَقِبِ وَلَوْ قَدَّمَ رِجْلَهُ وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ الْأَرْضِ لَمْ يَضُرَّ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا.
(وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَ عَقِبَ الْمَأْمُومِ) فَإِنَّهُ الْمُعْتَبَرُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ أَصَابِعُهُ، لَكِنْ لَا يَضُرَّ تَأَخُّرُ عَقِبِهِ إلَّا إذَا بَانَ عَدَمُ مُصَافَّتِهِ لِإِمَامِهِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُبْدِعِ: أَنَّهُ يُنْدَبُ تَأَخُّرُهُ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُصَافًّا لَهُ (فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا لَا اعْتِبَارَ بِمَحَلِّ الْقُعُودِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِقْرَارِهِ.
(وَهُوَ الْأَلْيَةُ، حَتَّى لَوْ مَدَّ) الْمَأْمُومُ (رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهُمَا عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّ) لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا