كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 238-277
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ (فَإِذَا حَلَفَ) بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ أَوْ النَّذْرِ (فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ أَرَادَ اللَّهَ وَقَصَدَ بِهَا) أَيْ الْإِرَادَةِ الْمَشِيئَةَ لَا مَنْ أَرَادَ بِإِرَادَتِهِ (مَحَبَّتَهُ) تَعَالَى (أَوْ أَمْرَهُ أَوْ أَرَادَ) بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَرَادَ اللَّهُ (التَّحْقِيقَ لَا التَّعْلِيقَ لَمْ يَحْنَثْ فَعَلَ) مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرَكَهُ (أَوْ تَرَكَ) مَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ (قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ) كَإِنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا (أَوْ أَخَّرَهُ) كَلَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ (إذَا كَانَ) الِاسْتِثْنَاءُ (مُتَّصِلًا لَفْظًا أَوْ حُكْمًا كَانْقِطَاعِهِ بِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ) كَتَثَاؤُبٍ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ اُعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ (وَيُعْتَبَرُ نُطْقُهُ) أَيْ الْحَالِفِ (بِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ (وَلَا يَنْفَعُهُ) مَرَّة الِاسْتِثْنَاء (بِالْقَلْبِ إلَّا مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ) وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: خَائِف لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ.

(وَ) يُعْتَبَرُ (قَصْرُ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ الِاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ) الِاسْتِثْنَاءُ (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ) الِاسْتِثْنَاءُ لِعَدَمِ قَصْدِهِ لَهُ أَوَّلًا.

(وَلَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ) بِيَمِينِهِ (فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَصِحَّ) اسْتِثْنَاؤُهُ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَإِنْ شَكَّ فِيهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) .

(وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَشَاءَ زَيْدٌ) انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
(وَ) مَتَى (لَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ) لِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطٍ (فَإِنْ لِمَ يَعْلَمْ) الْحَالِفُ (مَشِيئَتَهُ) أَيْ زَيْدٍ (لِغَيْبَةٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ) أَيْ لَمْ تَنْعَقِدْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا أَشْرَبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَإِنْ شَاءَ فَلَهُ الشُّرْبُ) وَلَا حِنْثَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ (وَإِنْ لَمْ يَشَأْ) زَيْدٌ (لَمْ يَشْرَبْ) الْحَالِفُ وَيَحْنَثُ بِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الشُّرْبُ بِغَيْرِ إذْنِ زَيْدٍ (فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ لَمْ يَشْرَبْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا (وَإِنْ شَرِبَ حَنِثَ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.

(وَ) إنْ قَالَ (لَأَشْرَبَنَّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَةِ زَيْدٍ بَرَّ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ (وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْتُ أَنْ لَا تَشْرَبَ انْحَلَّتْ، يَمِينُهُ) فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ بَعْدُ لِأَنَّهُ شَرِبَ بِغَيْرِ

إذْنِ زَيْدٍ (وَإِنْ قَالَ) زَيْدٌ (قَدْ شِئْتُ أَنْ تَشْرَبَ أَوْ) قَالَ زَيْدٌ (مَا شِئْتُ أَنْ لَا تَشْرَبَ لَمْ تَنْحَلَّ) يَمِينُهُ فَيَحْنَثُ إنْ شَرِبَ لِأَنَّهُ شَرِبَ بِإِذْنِ زَيْدٍ (فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لَزِمَهُ الشُّرْبُ) لِأَنَّ الْأَصْلِ عَدَمُهَا وَمَعْنَى لُزُومِهِ لَهُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ تَرَكَهُ كَفَّرَ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْتُ أَنْ لَا تَشْرَبَ فَشَرِبَ حَنِثَ) لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَرِبَ) الْحَالِفُ قَبْل مَشِيئَتِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِعَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِهِ (قَبْلَ مَشِيئَةِ) زَيْدٍ لِكَوْنِهَا مُعَلَّقَةً عَلَيْهَا وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْءٍ لَا يُوجَدُ قَبْلَهُ (وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا (وَالْمَشِيئَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) وَشِبْهِهَا (أَيْ يَقُولُ بِلِسَانِهِ قَدْ شِئْتُ) وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْمَشِيئَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَتَى قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ شَاءَ وَلَوْ كَانَ كَارِهًا كَمَا سَبَقَ فِي الطَّلَاقِ.

(وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ) كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ (تَقَيَّدَ بِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ فَلَا تَصْرِفُهُ إلَى وَقْتٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) وَقْتًا بِعَيْنِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ (حَتَّى يَيْأَس مِنْ فِعْلِهِ إمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِ عُمَرَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا سَنَأْتِي فِي الْبَيْتِ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ لَا فَإِنَّكَ آتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ» وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ يَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَفِعْلُهُ مُمْكِنٌ، فَلَمْ تَحْصُلْ مُخَالَفَةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ الْحِنْثِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَحْنَثْ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهِ) هَذَا تَكْرَار.

(وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا سُنَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ) لِأَخْبَارٍ مِنْهَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي مُوسَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَسَبَقَ تَقْسِيمُهُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.

(وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ، فَإِنْ أَفْرَطَ كُرِهَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10] وَهَذَا ذَمٌّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ الْكَذِبِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْحَلِفِ مَعَ عَدَمِ الْإِفْرَاطِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَفَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ.

(وَإِنْ دُعِيَ إلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ اُسْتُحِبَّ لَهُ ابْتِدَاءُ يَمِينِهِ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ عُمَرُ لَقَدْ أَنْصَفَك فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ وَلَمْ يَحْلِفْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ تُوَافِقَ

قَدَرَ بَلَاءٍ فَيُقَالُ بِيَمِينِ عُثْمَانَ " (فَإِنْ حَلَفَ) مَنْ دُعِيَ إلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ مُحِقًّا (فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ أَشْبَهَ الْحَلِفَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ " تَتِمَّةٌ " ذُكِرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَقُولَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

[فَصْل وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ]

(فَصْل وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ) حَرَّمَ (شَيْئًا مِنْ الْحَلَالِ غَيْرَ زَوْجَتِهِ كَقَوْلِهِ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَا زَوْجَةَ لَهُ أَوْ) قَوْلُهُ (هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ طَعَامِي عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِ) كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ (أَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ التَّحْرِيمَ (بِشَرْطٍ مِثْلَ إنْ أَكَلْتُهُ) أَيْ هَذَا الطَّعَامَ (فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ) قَالَ (حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْرُمْ) لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وَالْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ لَا تُحَرِّمهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَتَقَدَّمَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ كَالظِّهَارِ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ وَسَمَّاهُ خَيْرًا (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ فَعَلَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا» .

(وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ يَكْفُرُ بِاَللَّهِ أَوْ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ أَوْ غَيْرَ اللَّهِ أَوْ) هُوَ (بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَوْ) هُوَ بَرِيءٌ (مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ) مِنْ (الْقُرْآنِ أَوْ) مِنْ (النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا يَرَاهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ قَالَ أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ) تَرْكَ (الزَّكَاةِ) وَنَحْوَهُ (أَوْ) تَرْكَ (الصِّيَامِ وَنَحْوَهُ) كَتَرْكِ الْحَجِّ (إنْ فَعَلْتُ) كَذَا (لَمْ يَكْفُرْ وَفَعَلَ مُحَرَّمًا) لِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ قَالَ إنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (تَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ مِنْهُ) كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ (وَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلِأَنَّ قَوْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ فَكَانَ يَمِينًا كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ هُوَ فَاسِقٌ وَنَحْوِهِ.
(وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالنَّاظِمُ لَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ قَالَ عَصَيْتُ اللَّهَ أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إنْ فَعَلْتُ) كَذَا (وَحَنِثَ فَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا نَصَّ فِيهَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ فَيَبْقَى الْحَالِفُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ.

(وَإِنْ قَالَ أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ قَطَعَ) اللَّهُ (يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ إنْ فَعَلَ أَوْ) قَالَ (لَأَفْعَلَنَّ أَوْ) قَالَ (عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ أَوْ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ) إنْ فَعَلْتُ فَ (مَالُ فُلَانٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَوْ فُلَانٌ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ) كَإِنْ فَعَلْتُ فَفُلَانٌ يَهُودِيٌّ (فَلَغْوٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا.

(وَإِنْ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ) بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ (وَالْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ) عَلَى اللَّهِ الْعَبَّاسِيُّ لِأَخِيهِ الْمُوَفَّقِ لَمَّا جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ (تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ) تعي (وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ) زَادَ بَعْضُهُمْ وَالْحَجِّ (فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ لِمَا فِيهَا) مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ أَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يَعْرِفهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا) الْحَالِفُ بِهَا (أَوْ عَرَفَهَا وَلَمْ يَنْوِهَا أَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَتَأَتَّ أَنْ يَنْوِيهِ.

(وَلَوْ قَالَ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمنِي إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَفَعَلَهُ لَزِمَتْهُ يَمِينُ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ إذَا نَوَى بِهَا ذَلِكَ) لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ وَاعْتُبِرَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (وَلَوْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَقَالَ لَهُ آخَرُ: يَمِينِي مَعَ يَمِينِكَ أَوْ) قَالَ (أَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِكَ يُرِيدُ الْتِزَامَ مِثْلِ يَمِينِهِ) كَبَاقِي الْكِنَايَاتِ (إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ) فَقَالَ لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ فِيهَا بِالْكِنَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ) لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.

(وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ يَمِينٌ) إنْ فَعَلْتُ كَذَا (أَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ أَوْ مِيثَاقُهُ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَفَعَلَهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» (وَكَذَا عَلَيَّ نَذْرٌ وَيَمِينٌ فَقَطْ) فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَلِفٍ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ فَهِيَ كَذِبَةٌ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) وَإِنْ قَالَ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ.

[فَصْل كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِيهَا تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ]

(فَصْل فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِيهَا تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ) فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّرْتِيبُ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الصِّيَامِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَة (فَيُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا وَلَوْ صِغَارًا) كَالزَّكَاةِ (جِنْسًا) وَاحِدًا (كَانَ الْمَطْعَمُ) كَأَنْ يُطْعِمَهُمْ بُرًّا (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ جِنْسٍ كَأَنْ أَطْعَمَ الْبَعْضَ بُرًّا وَالْبَعْضَ شَعِيرًا وَالْبَعْضَ تَمْرًا وَالْبَعْضَ زَبِيبًا (أَوْ كُسْوَتُهُمْ) أَيْ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الظِّهَارِ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِلْآيَةِ (وَالْكُسْوَةُ مَا تُجْزِئُ صَلَاةُ) الْمِسْكِينِ (الْآخِذِ الْفَرْضَ فِيهِ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ وَلَوْ عَتِيقًا إذَا لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ) فَإِنْ بَلِيَ وَذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ.
(أَوْ قَمِيصٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ الْفَرْضَ نَصًّا) نَقَلَهُ حَرْبٌ (بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْئًا) بَعْدَ سَتْرِ عَوْرَتِهِ (أَوْ ثَوْبَانِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا وَيَرْتَدِي بِالْآخَرِ وَلَا يُجْزِئُهُ مِئْزَرٌ وَحْدَهُ وَلَا سَرَاوِيل) وَحْدَهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ فِيهِ (وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصٌ (وَخِمَارٌ يُجْزِئُهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ لَابِسَهُ فِي الصَّلَاةِ وَيُسَمَّى عُرْيَانًا (وَإِنْ أَعْطَاهَا) الْمُكَفِّرُ (ثَوْبًا وَاسِعًا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتُرَ) الثَّوْبُ (بَدَنَهَا وَرَأْسَهَا أَجْزَأَهُ) إنَاطَةً بِسَتْرِ عَوْرَتِهَا (وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ مِمَّا يَجُوزُ لِلْآخِذِ لُبْسُهُ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَصُوفٍ وَشَعْرٍ وَوَبَرٍ وَخَزْوٍ حَرِيرٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَصْبُوغًا أَوْ لَا أَوْ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا) لِعُمُومِ

الْآيَة.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ) الْمُكَفِّرُ (بَعْضًا) مِنْ الْعَشَرَةِ (وَيَكْسُوَ بَعْضًا) مِنْهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ فَكَانَ مَرْجِعُهُمَا إلَى اخْتِيَاره فِي الْعَشَرَةِ وَفِي بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخَيِّرْهُ فِيهِ (فَإِنْ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ وَكَسَاهُ بَعْضَ الْكُسْوَةِ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُ وَلَمْ يَكْسُهُ (أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّرْ رَقَبَةً وَلَمْ يُطْعِم أَوْ يَكْسُو عَشْرَة (أَوْ أَطْعَمَ) بَعْض الْعَشَرَة (وَصَامَ) دُون الثَّلَاثَة.
(لَمْ يُجْزِئْهُ) وَكَذَا لَوْ كَسَا الْبَعْضَ وَصَامَ أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ وَصَامَ الْبَاقِي لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ رَقَبَةً وَلَمْ يُطْعِمْ عَشَرَةً وَلَمْ يَكْسُهُمْ وَلَمْ يَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (كَبَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ وَلَا يَنْتَقِلُ) الْمُكَفِّرُ بِيَمِينِهِ (إلَى الصَّوْمِ إلَّا إذَا عَجِزَ كَعَجْزِهِ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا اسْتَدَانَ) مَا يُطْعِمُهُ أَوْ يَكْسُوهُ أَوْ يُعْتِقُ بِهِ (إنْ قَدَرَ) عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا صَامَ) كَمَنْ لَا مَال لَهُ (وَالْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ) مِنْ إطْعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ (إنَّمَا تَجِبُ فِي الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ كَدَارٍ يَحْتَاجُ إلَى سُكْنَاهَا وَدَابَّةٍ يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ ذَلِكَ) لِيُكَفِّرَ مِنْهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ أَوْ الْخَادِمُ كَذَلِكَ وَأَمْكَنَ بَيْعُ ذَلِكَ وَشِرَاءُ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ بِالْبَاقِي لَزِمَهُ.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاج إلَى أُجْرَتِهِ لِمُؤْنَتِهِ أَوْ) ل (حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ) مِنْ كُسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ) كَانَ لَهُ (بِضَاعَةٌ يَحْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالتَّكْفِيرِ مِنْهَا أَوْ) كَانَ لَهُ (سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا حَاجَةً أَصْلِيَّةً أَوْ) لَهُ (أَثَاثٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ كُتُبُ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا) لِنَظَرٍ أَوْ حِفْظٍ (أَوْ ثِيَابِ جَمَالٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَحُلِيِّ امْرَأَةٍ تَحْتَاجُهُ (أَوْ تَعَذَّرَ بَيْعُ شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ انْتَقَلَ إلَى الصَّوْمِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرّهُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ وَيَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ) لِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " حَكَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَكَصَوْمِ الظِّهَارِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) فَيَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُ التَّتَابُعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الظِّهَارِ (وَتَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَنَذْرٍ عَلَى الْفَوْرِ إذَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ.
(وَإِنْ شَاءَ) الْحَالِفُ (كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ فَتَكُونُ) الْكَفَّارَةُ (مُحَلِّلَةً لِلْيَمِينِ وَإِنْ شَاءَ) كَفَّرَ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحِنْثِ (فَتَكُونُ مُكَفِّرَةً) وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ: عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» رَوَاهُ

أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْد سَبَبِهِ فَجَازَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ بَعْدَ الْجِرَاحِ وَالْحِنْثُ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِسَبَبٍ (فَهُمَا) أَيْ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ (فِي الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ) نَصّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهَا التَّقْدِيمُ مَرَّة وَالتَّأْخِيرُ أُخْرَى وَهَذَا دَلِيلُ التَّسْوِيَةِ (هُوَ مَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ صَوْمٍ لِظَاهِرِ مَا سَبَقَ (وَلَوْ كَانَ الْحِنْثُ حَرَامًا) كَأَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ لَيُصَلِّي الظُّهْرَ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُبْدِعِ حَيْثُ قَالَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَفَّرَ بَعْدَهُ مُطْلَقًا (وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الْكَفَّارَةِ (عَلَى الْيَمِينِ) لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ.
(وَإِذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ لِفَقْرِهِ) إذْ (ثَمَّ حِنْثٌ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يُجْزِئْهُ) الصَّوْمُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَهُوَ هُنَا وَقْتُ الْحِنْثِ وَقَدْ صَارَ مُوسِرًا فَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ كَمَا لَوْ صَامَ إذَنْ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَة الْخَامِسَةِ: وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ يُخَالِفُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرَضَهُ فِي الظَّاهِرِ فَبَرِئَ مِنْ الْوَاجِبِ فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْحِنْثُ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَلَّتْهُ.

(وَمَنْ كَرَّرَ يَمِينًا مُوجِبُهَا وَاحِدٌ عَلَى فِعْلِ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت وَاَللَّه لَا أَكَلْت) فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ سَبَبَهَا وَاحِدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْكِيدَ (أَوْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَفَّارَتُهَا وَاحِدَة كَقَوْلِهِ وَاَللَّه وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَكَلَامِهِ) لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ (أَوْ كَرَّرَهَا) أَيْ الْأَيْمَانَ (عَلَى أَفْعَالٍ مُخْتَلِفَةٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَاَللَّهِ لَا شَرِبْتُ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْتُ) (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ فَتَدَاخَلَتْ كَالْحُدُودِ (وَمِثْلُهُ الْحَلِفُ بِنُذُورٍ مُكَرَّرَةٍ) فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.

وَلَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلَتْ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا لَبِسْتُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (حَنِثَ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِي وَاحِدٍ وَتَنْحَلُّ الْبَقِيَّةُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ وَالْحِنْثُ وَاحِدٌ.

(وَإِنْ كَانَتْ الْأَيْمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ كَالْحُدُودِ مِنْ أَجْنَاسٍ.

(وَلَيْسَ لِرَقِيقٍ أَنْ يُكَفِّرَ بِغَيْرِ صَوْمٍ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ) فَلَا يَصِحَّانِ (لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ) وَلَوْ مَلَكَ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الصَّوْمِ وَلَوْ أَضَرَّ) الصَّوْمُ (بِهِ) كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ (وَلَوْ كَانَ الْحَلِفُ وَالْحِنْثُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ السَّيِّدِ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّوْمِ (وَلَا مَنْعُهُ) أَيْ وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ مَنْعُ رَقِيقِهِ (مِنْ نَذْرٍ) لِلصَّوْمِ.

(وَيُكَفِّرُ كَافِرٌ وَلَوْ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ وَلَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَإِذَا أَعْتَقَ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ.

(وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَحُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا أَشْبَهَ الْحُرَّ الْكَامِلَ (وَتَقَدَّمَ فِي) كِتَابِ (الظِّهَارِ وَبَعْضِ أَحْكَامِ الْكَفَّارَةِ فَلْيُعَاوَدْ) لِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ.

[بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ]

ِ (يُرْجَعُ فِيهَا) أَيْ الْأَيْمَانِ (إلَى نِيَّةِ حَالِفٍ إنْ كَانَ) الْحَالِفُ (غَيْرَ ظَالِمٍ) لَهَا كَانَ (وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهَا) أَيْ يَحْتَمِلُ النِّيَّةَ فَتَعَلَّقَ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ دُونَ مَا لَفِظَ بِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يُصْرَفُ إلَى مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ دُونَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى إرَادَتِهِ أَوْلَى (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ (حُكْمًا) أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ (مَعَ قُرْبِ الِاحْتِمَالِ مِنْ الظَّاهِرِ وَتَوَسُّطِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ.
وَ (لَا) يُقْبَلُ مِنْهُ (مَعَ بُعْدِهِ) أَيْ الِاحْتِمَالِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلظَّاهِرِ (فَتُقَدَّمُ نِيَّتُهُ) أَيْ الْحَالِفِ (فِي عُمُومِ لَفْظِهِ وَعَلَى السَّبَبِ) الَّذِي صَحَّحَ الْيَمِينَ لِمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ كَانَ مَا نَوَاهُ) الْحَالِفُ (مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ فَالْمُوَافِقُ) مِنْ نِيَّتِهِ (لِلظَّاهِرِ) مِنْ لَفْظِهِ (أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ الْعُمُومَ وَ) يَنْوِيَ (بِالْمُطْلَقِ الْإِطْلَاقَ وَ) يَنْوِيَ (بِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْهَا وَالْمُخَالِفُ) مِنْ النِّيَّةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ (يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا فَاكِهَةً وَيُرِيدُ) بِاللَّحْمِ (لَحْمًا بِعَيْنِهِ وَ) بِالْفَاكِهَةِ (فَاكِهَةً بِعَيْنِهَا) وَنَظِيرُهُ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173] (وَمِنْهَا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ) عَلَى (تَرْكِهِ وَيَنْوِيَ فِي وَقْتٍ) مُعَيَّنٍ (مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَتَغَذَّى وَيُرِيدُ الْيَوْمَ أَوْ لَا أَكَلْتُ وَيُرِيدُ السَّاعَةَ أَوْ دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى سِوَى ذَلِكَ الْغِذَاءِ) لَكِنَّ هَذَا الْمِثَالَ مِنْ النَّوْعِ قَبْلَهُ (اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ غَيْرَ مَا يَفْهَمُهُ السَّامِعُ مِنْهُ) لِنَحْوِ تَوْرِيَةٍ.
(كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ وَمِنْهَا أَنْ يُرِيدَ بِالْخَاصِّ الْعَامَّ) عَكْسَ الْأَوَّلِ (كَقَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُ لِفُلَانٍ الْمَاءَ مِنْ الْعَطَشِ يَنْوِي قَطْعَ كُلِّ مَالَهُ فِيهِ مِنَّةٌ) لِأَنَّهُ نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ وَيَسُوغُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ كَالْمَعَارِيضِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13]

﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: 49] ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53] وَالْقِطْمِيرُ لُفَافَةُ النَّوَاةِ، وَالْفَتِيلُ مَا فِي شِقِّهَا، وَالنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِهَا وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ بَلْ نَفَى كُلَّ شَيْءٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَيْ لَا يَظْلِمُونَهُمْ شَيْئًا وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِأَقَلَّ) مِنْ ذَلِكَ (كَقُعُودٍ فِي ضَوْءِ نَارِهِ وَظِلِّ حَائِطِهِ) لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ.
وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ (أَوْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ سَمَّاهَا يُرِيدُ جَفَاءَهَا فَيَعُمُّ جَمِيعَ الدُّورِ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا يُرِيدُ قَطْع مِنَّتِهَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا) وَكَذَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّبَبُ كَمَا يَأْتِي.

(وَمِنْ شَرْطِ انْصِرَافِ اللَّفْظِ إلَى مَا نَوَاهُ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ) لَفْظُهُ (مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا يَعْنِي بِهِ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا لَمْ تَنْصَرِفْ الْيَمِينُ إلَى الْمَنْوِيِّ) لِأَنَّهَا نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا لَفْظُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا ظَاهَرَ اللَّفْظِ وَلَا غَيْرَهُ رَجَعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَاهِيَّتِهَا) أَيْ آثَارِهَا لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى النِّيَّةِ فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهِ (فَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ) حَقَّهُ.
(قَبْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ إذَا قَصَدَ أَنْ لَا يُجَاوِزَهُ) أَيْ الْغَد (أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْيَمِينِ تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ وَلِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ (فَإِنْ عُدِمَا) أَيْ النِّيَّةُ وَسَبَبُ الْيَمِينِ (لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِقَضَائِهِ) حَقَّهُ (فِي الْغَدِ) فَإِنْ عَجَّلَهُ قَبْلَهُ حَنِثَ كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا تَنَاوَلَهُ يَمِينُهُ لَفْظًا وَلَمْ يَصْرِفْهَا عَنْهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَعْبَانَ فَصَامَ رَجَبٍ (وَكَذَا) لَوْ حَلَفَ (لَآكُلَنَّ شَيْئًا غَدًا أَوْ لَأَبِيعَنَّهُ غَدًا أَوْ لَأَشْتَرِيَنَّهُ) غَدًا (أَوْ لَأَضْرِبَنَّهُ) غَدًا (وَنَحْوَهُ) كَلَا كَلَّمْتُهُ غَدًا.
(وَإِنْ قَصَدَ) بِحَلِفِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا (مَطَلَهُ فَقَضَاهُ قَبْلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ عَلَى مَا نَوَاهُ وَقَدْ خَالَفَهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلَّا بِمِائَةٍ فَبَاعَةُ بِهَا) أَيْ الْمِائَةِ (أَوْ) بَاعَهُ (بِأَكْثَرَ) مِنْ الْمِائَةِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ بَاعَهُ (بِأَقَلَّ) مِنْ مِائَةٍ (يَحْنَثُ) لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَبِيعُهُ بِمِائَةٍ حَنِثَ) إنْ بَاعَهُ (بِهَا وَبِأَقَلَّ) مِنْهَا لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا أَشْتَرِيَنَّهُ بِمِائَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ حَنِثَ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى ذَلِكَ وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ اشْتَرَاهُ (بِأَقَلَّ) مِنْ مِائَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ حَلَفَ) بَائِعٌ (لَا يَنْقُصُ هَذَا الثَّوْبُ عَنْ كَذَا فَقَالَ)

مُشْتَرِيهِ (قَدْ أَخَذْته وَلَكِنْ هَبْ لِي كَذَا فَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: هَذَا حِيلَةٌ قِيلَ لَهُ، فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ أَبِيعُكَ بِكَذَا وَأَهَبُ لِفُلَانٍ شَيْئًا آخَرَ قَالَ) أَحْمَدُ (هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَرِهَهُ وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا وَنَوَى الْيَوْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ) لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّ مَا نَوَاهُ مُحْتَمَلٌ (وَإِنْ كَانَتْ) الْيَمِينُ (بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ (لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا الْفُرُوعِ وَلَا الْمُبْدِعِ وَلَا الْمُنْتَهَى بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ وَتَقَدَّمَ وَنَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ لِلظَّاهِرِ (وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا) وَلَبِسَهُ (حَنِثَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» (وَكَذَا) يَحْنَثُ (إنْ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ) فِي غَيْرِ اللُّبْسِ لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِهِ تَلْحَقُ الْمِنَّةُ بِهِ (وَإِنْ انْتَفَعَ) الْحَالِفُ (بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا سِوَى الْغَزْلِ وَثَمَنِهِ) مِثْلَ أَنْ يَسْكُنَ دَارَهَا أَوْ أَكَلَ طَعَامَهَا أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا لَهَا مِنْ غَيْرِ غَزْلِهَا (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ لِكَوْنِهِ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا أَثَرًا فِيهِ دَاعِيَةُ الْيَمِينِ فَلَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ.
(وَإِنْ امْتَنَّتْ) امْرَأَةٌ (عَلَيْهِ بِثَوْبٍ فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُهُ قَطْعًا لِمِنَّتِهَا فَاشْتَرَاهُ غَيْرُهَا ثُمَّ كَسَاهُ إيَّاهُ أَوْ اشْتَرَاهُ الْحَالِفُ وَلَبِسَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا مِنَّةَ لَهَا فِيهِ) عَلَيْهِ (فَوَجْهَانِ) قُلْت مُقْتَضَى الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ أَوْ السَّبَبِ: لَا حِنْثَ إذَنْ لِعَدَمِ الْمِنَّة حَيْثُ لَا حِيلَةَ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ سَمَّاهَا يُرِيدُهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ يُهَيِّجُ يَمِينَهُ فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ كَانَ ذِكْرُهَا كَعَدَمِهِ فَكَأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فَإِذَا أَوَى مَعَهَا حَنِثَ لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ (فَإِنْ كَانَ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ لِكَرَاهَتِهِ سُكْنَاهَا أَوْ) لِكَوْنِهِ (خُوصِمَ مِنْ أَجْلِهَا) أَيْ الدَّارِ أَوْ لِكَوْنِهِ (اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِهَا لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ عُدِمَ السَّبَبُ وَالنِّيَّةُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ مَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ وَهُوَ الْإِيوَاءُ مَعَهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ بِعَيْنِهَا) دُونَ الْإِيوَاءِ مَعَهَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ وَلَا صَارِفَ إلَيْهِ.
(وَالْإِيوَاءُ الدُّخُولُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) يُقَالُ: آوَيْتُ أَنَا وَآوَيْت فُلَانًا قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 10] وَقَالَ ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] وَنَقَلَ

ابْنُ هَانِئٍ: أَقَلُّ الْإِيوَاءِ سَاعَةٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ (وَإِنْ بَرَّهَا) أَيْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارِ سَمَّاهَا (بِصَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ اجْتَمَعَ مَعَهَا فِيمَا لَيْسَ بِدَارٍ وَلَا بَيْتٍ لَمْ يَحْنَثْ سَوَاءٌ كَانَ لِلدَّارِ سَبَبٌ فِي يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ) لِأَنَّهُ قَصَدَ جَفَاءَهَا بِهَذَا النَّوْعِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا عُدْتُ رَأَيْتُكِ تَدْخُلِينَهَا يَنْوِي مَنْعهَا) مِنْ الدُّخُولِ (حَنِثَ بِدُخُولِهَا وَلَوْ لَمْ يَرَهَا) تَدْخُلُهَا تَقْدِيمًا لِلنِّيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ اقْتَضَاهُ السَّبَبُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فِيمَا لَيْسَ بِبَيْتٍ فَكَالَّتِي قَبْلَهَا) فَإِنْ قَصَدَ جَفَاءَهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ يَقْصِدُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ فَكَذَلِكَ) أَيْ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ (وَإِنْ كَانَ) دَخَلَهُ وَهُوَ (لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا فِيهِ) أَيْ الْبَيْتَ (فَدَخَلَ فَوَجَدَهَا فِيهِ فَكَمَا لَوْ دَخَلَ عَلَيْهَا نَاسِيًا) يَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ، لَا فِي يَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ (وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فِي الْحَالِ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ تَارِكٌ (فَإِنْ أَقَامَ) مَعَهَا (حَنِثَ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ دُخُولٌ.

[فَصْل وَالْعِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ]

ِ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ فَصَارَ كَالْمَنْوِيِّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَقَصْرَهُ الْخَاصَّ، وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَالنِّيَّةُ مِثْلَ: إنْ امْتَنَّتْ امْرَأَةٌ عَلَيْهِ بِغَزْلِهَا فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا يَنْوِي اجْتِنَابَ اللُّبْسِ خَاصَّةً دُونَ الِانْتِفَاعِ بِثَمَنٍ وَغَيْرِهِ، قُدِّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى السَّبَبِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ ثَوْبًا وَاحِدًا.
فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِلْقَاضِي، لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَصْدِ فَإِذَا خَالَفَ حَقِيقَةَ الْقَصْدِ لَمْ يُعْتَبَرْ فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اللَّفْظُ بِعُمُومِهِ وَالنِّيَّةُ تَخُصُّهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَلَوْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَنَحْوِهِ) كَأَمْرِهِ وَرِضَاهُ (فَعَزَلَ) الْعَامِلَ (أَوْ) حَلَفَ (عَلَى زَوْجَتِهِ) لَا تَفْعَلُ كَذَا (فَطَلَّقَهَا) انْحَلَّتْ يَمِينُهُ (أَوْ) حَلَفَ (عَلَى عَبْدِهِ) لَا يَفْعَلُ كَذَا (فَأَعْتَقَهُ) انْحَلَّتْ يَمِينُهُ

وَكَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى أَجِيرِهِ وَانْقَضَتْ مُدَّتُهَا (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ بَلَدَ الظُّلْمِ فَرَآهُ فِيهِ) أَيْ الْبَلَدِ (فَزَالَ) الظُّلْمُ (أَوْ) حَلَفَ (لَا أَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي فَعُزِلَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ مَاتَ (يُرِيدُ) الْحَالِفَ (مَا دَامَ) الْعَامِلُ أَوْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الظُّلْمُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي (كَذَلِكَ أَوْ أَطْلَقَ) الْحَالِفُ (انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) تَقْدِيمًا لِلنِّيَّةِ أَوْ السَّبَب عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَالْمَذْهَبُ عَوْدُ الصِّفَةِ فَيُحْمَلُ يَعْنِي انْحِلَالُ الْيَمِينِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْحَالِفَ (نَوَى تِلْكَ الْوِلَايَةَ) أَيْ فِيمَا إذَا حَلَفَ لِعَامِلٍ أَوْ وَالٍ أَوْ قَاضٍ (وَذَلِكَ النِّكَاحُ) أَيْ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ (أَوْ) ذَلِكَ (الْمِلْكُ انْتَهَى) أَيْ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى عَبْدِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِانْحَلَّتْ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ بَعْدُ إلَّا حَالَ وُجُودِ صِفَةٍ عَادَتْ كَمَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى إحَالَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي كَلَامِهِمْ.
(فَلَوْ رَأَى الْمُنْكَرَ فِي وِلَايَتِهِ وَأَمْكَنَهُ رَفْعُهُ) إلَيْهِ (فَلَمْ يَرْفَعْهُ) إلَيْهِ (حَتَّى عُزِلَ حَنِثَ بِعَزْلِهِ وَلَوْ رَفَعَهُ) إلَيْهِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْعَزْلِ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ رَفْعُهُ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ وَمَفْهُومُهُ كَالْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا إنْ عُزِلَ قَبْلَ إمْكَانِ رَفْعِهِ إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ (وَإِنْ مَاتَ) الْعَامِلُ أَوْ الْوَالِي أَوْ الْقَاضِي (قَبْلَ إمْكَانِ رَفْعِهِ إلَيْهِ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ رَفْعُهُ إلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْحَالِفُ (الْوَالِي إذَنْ) بِأَنْ حَلَفَ لَا أَرَى مُنْكَرًا إلَّا أَرْفَعُهُ لِذِي الْوِلَايَةِ (لَمْ يَتَعَيَّنْ) ذُو الْوِلَايَةِ خَالَفَ الْحَلِفَ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) أَيْ الْمُنْكَرِ (الْحَالِفُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِ الْوَالِي فَمَاتَ لَبَرَّ كَمَا لَوْ رَآهُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْوَلِيِّ وَلَمْ يَحْنَثْ كَإِبْرَائِهِ مِنْ دَيْنٍ بَعْدَ حَلِفِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ.

(وَإِنْ حَلَفَ اللِّصُّ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِهِ وَلَا يَغْمِزَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْوَالِي عَنْ قَوْمٍ هُوَ مَعَهُمْ فَبَرَّأَهُمْ) الْحَالِفُ (وَسَكَتَ عَنْهُ) أَيْ الْمَحْلُوفِ لَهُ (يَقْصِدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِهِ وَالْغَمْزِ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الْحَالِفُ (حَقِيقَةَ النُّطْقِ وَالْغَمْزِ) فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا وَجَدَ لِمُوَافَقَةِ النِّيَّةِ اللَّفْظَ (وَالْغَمْزُ أَنْ يَفْعَلَ) الْحَالِفُ (فِعْلًا تَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ هُوَ اللِّصُّ) ،.

(وَلَوْ) حَلَفَ (لِيَتَزَوَّجَنَّ يَبَرُّ بِعَقْدِ) نِكَاحٍ (صَحِيحٍ) لَا فَاسِدٍ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْعَقْدِ الْحِلُّ وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا تَحِلُّ بِهِ الزَّوْجَةُ فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (و) لَوْ حَلَفَ (لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَيْهَا وَلَا نِيَّةَ وَلَا سَبَبَ لَا يَبَرُّ إلَّا بِدُخُولِهِ بِنَظِيرَتِهَا أَوْ بِمَنْ تَغُمُّهَا أَوْ تَتَأَذَّى بِهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ يَمِينِهِ قَصْدُ إغَاظَتِهَا بِذَلِكَ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا فِي حُقُوقِهَا مِنْ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ مَنْ يُسَاوِيهَا فِي الْحَقِّ وَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْيَمِينِ بِدُونِ

ذَلِكَ (فَإِنْ تَزَوَّجَ عَجُوزًا زِنْجِيَّةً لَمْ يَبْرَأْ نَصًّا) لِأَنَّهَا لَا تَغُمُّهَا، وَلَا تَتَأَذَّى بِهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَوْ قَالَ إنَّ تَزْوِيجَ الْعَجُوزِ يَغِيظُهَا وَالزِّنْجِيَّةِ لَبَرَّ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ لِأَنَّ الْغَالِبَ لَا يَغِيظُهَا لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَغِيظَهَا.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا حَنِثَ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَلَوْ) كَانَ الْعَقْدُ (عَلَى نَظِيرَتِهَا) لِأَنَّهُ صَدَقَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهَا (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهَا هَجْرًا حَنِثَ) الْحَالِفُ (بِوَطْئِهَا) لِزَوَالِ الْهَجْرِ بِالْوَطْءِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَيُطَلِّقَنَّ ضَرَّتَهَا بَرَّ بِ) طَلَاقٍ (رَجْعِيِّ) لِأَنَّهُ طَلَاقٌ (إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي الْإِبَانَةَ) فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِهَا.

[فَصْل فَإِنْ عَدَمَ النِّيَّة وَسَبَبَ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا رَجَعَ إلَى التَّعْيِينِ وَهُوَ الْإِشَارَةُ]

ُ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ أَبْلَغُ مِنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ يَنْفِي الْإِبْهَامَ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الِاسْمِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ عَبْدَانِ عَلَى عَيْنِ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا عَلَى مُسَمَّى بِاسْمٍ لَمْ يُحْكَمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ فَيُقَدَّمُ التَّعْيِينُ عَلَى الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَالْإِضَافَةِ (فَإِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَةُ التَّعْيِينِ) أَيْ الْمُعَيَّنِ (فَذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ تَسْتَحِيلَ أَجْزَاؤُهُ بِتَغْيِيرِ اسْمه ك) . مَا لَوْ حَلَفَ (لَا أَكَلْتُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَصَارَتْ زَرْعًا فَأَكَلَهُ) حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا شَرِبْتُ هَذَا الْخَمْرَ فَصَارَ خَلًّا فَشَرِبَهُ حَنِثَ الثَّانِي: تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ وَزَالَ اسْمُهُ مَعَ بَقَاءِ أَجْزَائِهِ كَلَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا أَوْ نَاطِفًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَلْوَى) . وَأَكَلَهُ حَنِثَ (أَوْ حَلَفَ) لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَصَارَ شَيْخًا أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الْحَمَلَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (فَصَارَ كَبْشًا أَوْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَصَارَتْ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا أَوْ هَرِيسَةً) أَوْ كَشْكًا وَنَحْوَهُ، وَأَكَلَهَا حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ لَا أَكَلْتُ (هَذَا الْعَجِينَ فَصَارَ خُبْزًا) وَأَكَلَهُ حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ لَا أَكَلْتُ (هَذَا اللَّبَنَ فَصَارَ مَصْلًا أَوْ جُبْنًا أَوْ كَشْكًا أَوْ) حَلَفَ (لَا دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ فَضَاءً ثُمَّ دَخَلَهَا أَوْ أَكْلَهُ حَنِثَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) عَمَلًا بِالتَّعْيِينِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(الثَّالِثُ: تَبَدَّلَتْ الْإِضَافَةُ كَ) مَا لَوْ حَلَفَ (لَا كَلَّمْتُ زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ وَلَا عَبْدَهُ هَذَا وَلَا دَخَلْتُ دَارِهِ هَذِهِ فَطَلَّقَ) زَيْدٌ (الزَّوْجَةَ

وَبَاعَ الْعَبْدَ، وَ) بَاعَ الدَّارَ (فَكَلَّمَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَةَ وَالْعَبْدَ (وَدَخَلَ الدَّارَ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ تَعْيِينٌ عَلَى الِاسْمِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْإِضَافَةِ أَوْلَى.
(الرَّابِعُ: تَغَيُّرُ صِفَتِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ثُمَّ عَادَتْ) الصِّفَةُ (كَغُصْنٍ انْكَسَرَ ثُمَّ أُعِيدَ وَقَلَمٌ كُسِرَ ثُمَّ بُرِيَ وَسَفِينَةٌ نُقِضَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ وَدَارٌ هُدِمَتْ ثُمَّ بُنِيَتْ وَنَحْوه فَإِنَّهُ) أَيْ الْحَالِفَ (يَحْنَثُ) بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْدِيمِ التَّعْيِينِ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ عَلَى الِاسْم فَالصِّفَةُ أَوْلَى.
(الْخَامِسُ: تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا لَمْ يَزُلْ اسْمُهُ كَلَحْمٍ) حَلَفَ لَا يَأْكُلهُ (شُوِيَ أَوْ طُبِخَ) ثُمَّ أَكَلَهُ حَنِثَ (وَ) ك (تَمْرٌ حَدِيثٌ) حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ (فَعُتِّقَ) ثُمَّ أَكَلَهُ حَنِثَ (وَعَبْدٌ بِيعَ وَرَجُلٌ صَحِيحٌ) حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ مَثَلًا (فَمَرِضَ وَنَحْوه) ثُمَّ كَلَّمَهُ (فَإِنَّهُ يَحْنَثُ) تَقْدِيمًا لِلتَّعْيِينِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْحَالِفُ فِي حَلِفِهِ (لَا كَلَّمَتْ سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ أَوْ سَيِّدَ صُبَيْحٍ أَوْ صَدِيقَ عَمْرٍو أَوْ مَالِكَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ صَاحِبَ الطَّيْلَسَانِ أَوْ) قَالَ (لَا كَلَّمْتُ هِنْدَ امْرَأَةَ سَعْدٍ أَوْ صُبَيْحًا عَبْدًا أَوْ عَمْرًا صَدِيقَهُ فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ وَالطَّيْلَسَانَ وَعَادَى عَمْرًا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْإِضَافَةُ غَلَبَ الِاسْمُ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّعْيِينِ فِي تَعْرِيفِ الْمَحَلِّ (وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَكَانَ) الثَّوْبُ (رِدَاءً حَالَ حَلِفِهِ فَارْتَدَى بِهِ أَوْ اتَّزَرَ أَوْ اعْتَمَّ أَوْ جَعَلَهُ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَبَاءً فَلَبِسَهُ حَنِثَ) لِفِعْلِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ.
(وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ) الثَّوْبُ (سَرَاوِيلَ فَارْتَدَى أَوْ اتَّزَرَ بِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَادَةً وَ (لَا) يَحْنَثُ (إذَا اتَّزَرَ بِهِ) أَيْ الْقَمِيصِ (وَلَا بِطَيِّهِ وَتَرْكِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا بِنَوْمِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَدَثُّرِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لُبْسًا لِلْقَمِيصِ عَادَةً (وَإِنْ قَالَ لَا أَلْبَسُهُ وَهُوَ رِدَاءٌ فَغَيَّرَ) الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (عَنْ كَوْنِهِ رِدَاءً وَلَبِسَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا وَلَمْ يَلْبَسهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ (وَكَذَلِكَ) لَا يَحْنَثُ (إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَالْإِضَافَةِ أَوْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ) أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْيِينِ.

[فَصْل فَإِنْ عَدِمَ النِّيَّةَ وَسَبَبَ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا وَالتَّعْيِينَ رَجَعَ إلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ]

ُ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْمُسَمَّى وَلَا مُعَارِضَ لَهُ هُنَا فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ عَمَلًا بِهِ لِسَلَامَتِهِ

عَنْ الْمُعَارَضَةِ (وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ الْعُرْفِيَّ وَالشَّرْعِيَّ وَالْحَقِيقِيَّ وَهُوَ اللُّغَوِيُّ) أَيْ يَنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ (فَيُقَدَّمُ شَرْعِيٌّ) أَيْ فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(ثُمَّ عُرْفِيُّ) لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُهُ بِيَمِينِهِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَشْبَهَ الْحَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ (ثُمَّ لُغَوِيٌّ فَالشَّرْعِيُّ مَاله مَوْضُوعٌ فِيهِ) أَيْ فِي الشَّرْعِ (وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ) كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَالِاعْتِكَافِ (فَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَالَ صَلِّ تَعَيَّنَ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِكَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ (وَيَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْفَاسِدَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِهِ بِالْيَمِينِ (إلَّا إذَا حَلَفَ لَا يَحُجُّ فَحَجَّ حَجًّا فَاسِدًا فَيَحْنَثُ) لِوُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ وَلِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْم الصَّحِيحِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ مِنْ الْفِدْيَةِ وَغَيْرِهَا (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا) لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يُنْكِحُ غَيْرَهُ) أَيْ يُزَوِّجَهُ (فَأَنْكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا) لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ حَلَفَ مَا بِعْتُ وَلَا صَلَّيْتُ وَنَحْوَهُ) كَنَكَحْتُ (وَكَانَ قَدْ فَعَلَهُ فَاسِدًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْفَاسِدَ (إلَّا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ كَحَلِفِهِ لَا يَبِيعُ الْحُرَّ أَوْ) لَا يَبِيعُ (الْخَمْرَ أَوْ مَا بَاعَ الْحُرَّ أَوْ) مَا بَاعَ (الْخَمْرَ أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِيهِ) فَأَنْتِ طَالِقٌ (أَوْ) قَالَ لَهَا إنْ (طَلَّقْتُ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَحْنَثُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ) لِتَعَذُّرِ حَمْلِ يَمِينِهِ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ طَلَاقٍ وَاقِعٍ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ صُورَةِ ذَلِكَ مَحَلًّا لَهُ.

(فَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ الْخِيَارُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ شَرْعِيٌّ فَيَحْنَثُ بِهِ كَاللَّازِمِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا أَبِيعُ وَلَا أَتَزَوَّجُ وَلَا أُؤْجَرُ فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَالْإِجَارَةَ) أَيْ أُتِيَ بِالْإِيجَابِ فِي ذَلِكَ (وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَزَوِّجُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَحْنَثْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَى الْإِيجَابِ بِدُونِهِ وَإِنْ قَبِلَ حَنِثَ (وَلَا يَتَسَرَّى فَوَطِئَ جَارِيَتَهُ حَنِثَ وَلَوْ عَزَلَ) أَوْ لَمْ يَحْضُنْهَا أَوْ يَحْجُبْهَا عَنْ النَّاسِ لِأَنَّ التَّسَرِّي مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ وَهُوَ الْوَطْءُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ

فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ (كَحَلِفِهِ لَا يَطَأُ) امْرَأَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ أَوَ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ قُلْت وَبِمَا ذَكَر فِي التَّسَرِّي عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إخْرَاجُهَا عَلَى هَيْئَةِ الْأَحْرَارِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَحُجُّ وَلَا يَعْتَمِرُ حَنِثَ بِإِحْرَامٍ) صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ يُسَمَّى حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَصُومُ حَنِثَ بِشُرُوعٍ صَحِيحٍ) فِي الصَّوْمِ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يُسَمَّى صَائِمًا.

(وَلَوْ كَانَ حَالَ حَلِفِهِ) لَا يَصُومُ (صَائِمًا) فَاسْتَدَامَ لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ) كَانَ حَالَ حَلِفِهِ لَا يَحُجُّ (حَاجًّا فَاسْتَدَامَ) لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُصَلِّي وَهُوَ) أَيْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَدَامَ لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ بِالِاسْتِدَامَةِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَصُومُ صَوْمًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا) لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ لِلصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ وَإِمْسَاكِ بَعْضِ يَوْمٍ لَيْسَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يُصَلِّي صَلَاةً بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَيُسَمَّى مُصَلِّيًا.
(وَ) حَلَفَ (لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ) بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً بِسَجْدَتِهَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ شَرْعًا (وَيَشْمَلُ) يَمِينُهُ (صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يُصَلِّي صَلَاةً لِأَنَّهُ يُقَالُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ.
(قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الطَّوَافُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ فِي الْحَقِيقَةِ) قَالَ الْمَجْدُ لَيْسَ صَلَاةً مُطْلَقَةً وَلَا مُضَافَةً لَكِنْ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ صَلَاةٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ وَهُوَ النُّطْقُ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لِزَيْدٍ شَيْئًا وَلَا يُوصِي لَهُ وَلَا يَتَصَدَّق عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعِيرُهُ فَفَعَلَهُ) أَيْ وَهَبَ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ أَهْدَى لَهُ أَوْ أَعَارَهُ أَيْ أَتَى بِالْإِيجَابِ فِي هَذِهِ (وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا عِوَضَ فِيهِ فَيَحْنَثُ بِالْإِيجَابِ فَقَطْ كَالْوَصِيَّةِ.

(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَهَبَ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ مَثَلًا (بَرَّ) النَّاذِرُ (بِالْإِيجَابِ) وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يُهْدِيَ لَهُ أَوْ أَنْ يُعِيرَهُ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا بِدُونِ الْقَبُولِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَهَبُهُ فَأَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا أَوْ أَعْطَاهُ مِنْ نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ أَوْ صَدَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أَوْ أَعَارَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهِبَةٍ (فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا) حَنِثَ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ (أَوْ أَهْدَى لَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ) حَنِثَ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْهِبَةِ (أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ) حَنِثَ

لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ فِي الْعُرْفِ هِبَةٌ (أَوْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَ عِيَالَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ صَدَقَةً عُرْفًا وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا فِي الْخَبَرِ صَدَقَةٌ فَبِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْأَجْرِ.

[فَصْلٌ وَالِاسْمُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ أَيْ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ]

ٍ (مَا لَمْ يَغْلِبْ مَجَازه فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ الشَّحْمَ أَوْ الْمُخَّ الَّذِي فِي الْعِظَامِ أَوْ) أَكَلَ (الْكِبْدَةَ أَوْ الطِّحَالَ أَوْ الْقَلْبَ أَوْ الْكَرِشَ أَوْ الْمُصْرَانَ أَوْ الْأَلْيَةَ أَوْ الدِّمَاغَ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي قِحْفِ الرَّأْسِ أَوْ الْقَانِصَةَ أَوْ الْكُلْيَةَ أَوْ الْكَوَارِعَ أَوْ لَحْمَ الرَّأْسِ أَوْ لَحْمَ خَدِّ الرَّأْسِ أَوْ اللِّسَانَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا وَلَا يُنَفَّذُ الشِّرَاءَ وَهُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْعَظْمِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ) وَكَذَا (إذَا اقْتَضَاهُ السَّبَبُ فَيَحْنَثُ بِهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّسَمِ (وَيَحْنَثُ) الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا (بِأَكْلِ لَحْمٍ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ك) لَحْمِ (خِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَمَغْصُوبٍ وَ) يَحْنَثُ (بِلَحْمِ سَمَكٍ وَلَحْمِ قَدِيدٍ وَلَحْمِ طَيْرٍ وَ) لَحْمِ (صَيْدٍ) لِدُخُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُسَمَّى اللَّحْمِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمَ الْجَوْفِ مِنْ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ أَوْ) أَكَلَ (مِنْ شَحْمِ الظَّهْرِ أَوْ) مِنْ (سَمِينِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ) مِنْ (السَّنَامِ أَوْ الْأَلْيَةِ حَنِثَ) لِأَنَّ كُلَّ مَا يُذَوَّبَ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ يُسَمَّى شَحْمًا وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ ذَلِكَ شَحْمًا بِقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: 146] فَاسْتَثْنَاهُ مِنْ الشَّحْمِ وَلَوْلَا دُخُولُهُ فِي مَفْهُومِ الشَّحْمِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَ (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا (بِاللَّحْمِ الْأَحْمَرِ) لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ يَحْنَثُ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ) بَهِيمَةِ (الْأَنْعَامِ) أَيْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ (أَوْ) مِنْ لَبَنِ (الصَّيْدِ أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ حَلِيبًا كَانَ أَوْ رَائِبًا أَوْ مَائِعًا أَوْ مُجَمَّدًا حَنِثَ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ (وَإِنْ أَكَلَ زُبْدًا أَوْ سَمْنًا أَوْ كَشْكًا وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْ الْقَمْحِ وَاللَّبَنِ أَوْ) أَكَلَ (مَصْلًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَصْلُ وَالْمَصَالَةُ مَا سَالَ مِنْ الْأَقِطِ إذَا طُبِخَ ثُمَّ عُصِرَ (أَوْ) أَكَلَ (أَقِطًا أَوْ جُبْنًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَبَنًا (إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ طَعْمُهُ) أَيْ اللَّبِنِ لَا يَحْنَثُ إذَنْ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا آكُلُ زُبْدًا فَأَكَلَ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ) طَعْمُ (الزُّبْدِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زُبْدًا وَإِنْ كَانَ طَعْمُ الزُّبْدِ (ظَاهِرًا فِيهِ) أَيْ فِي السَّمْنِ أَوْ اللَّبِنِ (حَنِثَ) لِأَنَّ ظُهُورَهُ كَوُجُودِهِ (وَإِنْ أَكْلَ) مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا (جُبْنًا أَوْ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبِنِ مِنْ كَشْكٍ أَوْ مَصْلٍ أَوْ أَقِطٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زُبْدًا (وَلَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ زُبْدًا أَوْ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبِنِ) كَالْجُبْنِ وَنَحْوِهِ (سِوَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَمْنٍ (وَإِنْ أَكَلَ) الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا (السَّمْنَ مُنْفَرِدًا أَوْ) أَكْلَ (فِي عَصِيدَةٍ أَوْ حَلْوَى أَوْ طَبِيخٍ مِنْ خَبِيصٍ وَنَحْوِهِ يَظْهَرُ طَعْمُهُ) أَيْ السَّمْنِ (فِيهِ حَنِثَ) لِأَنَّ ظُهُورَهُ كَوُجُودِهِ (وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ لَبَنٌ) يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ خَلًّا فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ خَلٌّ يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ حَنِثَ) .

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً حَنِثَ بِعِنَبٍ وَرُطَبٍ وَرُمَّانٍ وَسَفَرْجَلٍ وَتُفَّاحٍ وَكُمَّثْرَى وَخَوْخٍ وَأُتْرُجٍّ وَنَبْقٍ وَمَوْزٍ وَجُمَّيْزٍ وَبِطِّيخٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو وَكُلُّ ثَمَرِ الشَّجَرِ (وَكُلُّ ثَمَرِ شَجَرٍ غَيْرِ بَرِّيٍّ وَلَوْ يَابِسًا كَصَنَوْبَرٍ وَعُنَّابٍ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَبُنْدُقٍ وَتَمْرٍ وَتُوتٍ وَزَبِيبٍ وَمِشْمِشٍ) بِكَسْرِ مِيمَيْهِ (وَتِينٍ وَإِجَّاصٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيدِ الْجِيم قَالَهُ فِي الْحَاشِيَة (وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى فَاكِهَةً عُرْفًا وَشَرْعًا وقَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] الْعَطْفُ لِتَشْرِيفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: 98] الْآيَة (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً بِأَكْلِ (قِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَخَسٍّ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ زَيْتُهُ (وَبَلُّوطٍ وَبُطْمٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ شَجَرَةُ الْحَبَّةِ الْخَضْرَاءِ الْوَاحِدَةُ بُطْمَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَزُعْرُورٍ) بِضَمِّ الزَّاي (أَحْمَرَ) مِنْ ثَمَرِ

الْبَادِيَةِ يُشْبِهُ النَّبْقَ فِي خَلْقِهِ وَفِي طَعْمِهِ حُمُوضَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَثَمَرِ قَيْقَبٍ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ تَحْتُ (وَعَفْصٍ وَآسٍ وَخَوْخِ الدُّبِّ وَسَائِرِ ثَمَر كُلِّ شَجَرٍ لَا يُسْتَطَابُ وَلَا قَرْعٍ وَبَاذِنْجَانٍ وَجَزَرٍ وَلُفْتٍ وَفُجْلٍ وَقُلْقَاسٍ وَسَنَوْطَلٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى فَاكِهَةً وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ) الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ قِبَلِ ذَنَبِهِ (أَوْ) أَكْلَ (مُنَصَّفًا) أَيْ مَا نِصْفُهُ رُطَبٌ وَنِصْفُهُ بُسْرٌ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَ الرُّطَبَ أَوْ الْبُسْرَ (كَمَا لَوْ أَكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ وَنِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى الرُّطَبِ فَأَكَلَ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطَبَ مِنْ النِّصْفِ) حَنِثَ (أَوْ كَانَ) الْحَلِفُ (عَلَى الْبُسْرِ فَأَكَلَ الْبُسْرَ الَّذِي فِي النِّصْفِ حَنِثَ) لِفِعْلِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا (وَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى الرُّطَبِ أَوْ) أَكَلَ (الرُّطَبَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى الْبُسْرِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا مَا حَلَفَا عَلَى تَرْكِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ.
(وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا وَ) حَلَفَ آخَرُ لِيَأْكُلَنَّ بُسْرًا فَأَكَلَ الْحَالِفُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ مَا فِي الْمُنَصَّفِ مِنْ الرُّطَبِ وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيهَا بَرَّا (جَمِيعًا) لِفِعْلِهِمَا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَكَلَا مِنْ غَيْرِ الْمُنَصَّفِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لِيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً أَوْ لَا يَأْكُلُ ذَلِكَ) أَيْ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً (فَأَكَلَ مُنَصَّفًا لَمْ يَبَرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ) أَيْ الْمُنَصَّفِ (رُطَبَةٌ وَلَا بُسْرَةٌ وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلُ تَمْرًا أَوْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا أَوْ بَلَحًا أَوْ رُطَبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ نَاطِفًا لَمْ يَحْنَثْ) لِعَدَمِ فِعْلِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَالْبُسْرُ هُوَ الْبَلَحُ إذَا أَخَذَ فِي الطُّولِ وَالتَّلَوُّنِ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ، فَأَوَّلُهُ طَلْعٌ ثُمَّ خِلَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ ثُمَّ تَمْرٌ الْوَاحِدَة بُسْرَةٌ وَالْجَمْعُ بُسُرَاتٌ وَبُسَرٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ هُمَا أَوْ نَاطِفًا أَوْ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا فَكَلَّمَ شَيْخًا أَوْ لَا يَشْتَرِي جَدْيًا فَاشْتَرَى تَيْسًا أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدًا فَضَرَبَ عَتِيقًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلهُ بَلْ غَيْرَهُ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبَقَرَةِ لَمْ يَعُمَّ وَلَدًا وَلَبَنًا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْهَا.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأُسِيغَهُ أَوْ خُبْزَهُ فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ أَكْلَهُ قَالَ الرِّهَانِيُّ: حَقِيقَةُ الْأَكْلِ بَلْعُ الطَّعَامِ بَعْدَ مَضْغِهِ فَبَلْعُ الْحَصَا لَيْسَ بِأَكْلٍ حَقِيقَةً ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَحَقِيقَةُ الْغَدَاءِ وَالْقَيْلُولَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ) حَقِيقَةُ (الْعَشَاءِ بَعْدَهُ وَآخِرَهُ) أَيْ الْعَشَاءِ (نِصْف اللَّيْلِ) وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخَرِ اللَّيْلِ يُسَمَّى سُحُورًا (فَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَأَكَلَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَدَاءٍ بَلْ عَشَاءٌ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَتَعَشَّى فَأَكَلَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ سُحُورٌ لَا عَشَاءٌ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَتَسَحَّرُ فَأَكَلَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ عَشَاءٌ لَا سُحُورٌ (وَالْغَدَاءُ وَالْعَشَاءِ أَنْ يَأْكُلَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شِبَعِهِ) فَلَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى أَوْ يَتَعَشَّى بِالنِّصْفِ فَأَقَلَّ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَنَامُ حَنِثَ بِأَدْنَى نَوْمٍ) وَكَذَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ بِالسَّفَرِ الْقَصِيرِ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ أُدْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ مِنْ مُصْطَبَغٍ بِهِ) أَيْ مَا يُغْمَسُ فِيهِ الْخُبْزُ (كَالطَّبِيخِ وَالْمَرَقِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَاللَّبَنِ وَالدِّبْسِ وَالْعَسَلِ أَوْ جَامِدٍ كَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَاقِلَّاءِ وَالزَّيْتُونِ وَالْبَيْضِ وَالْمِلْحِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّأَدُّمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيِّدُ أُدْمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِهِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
«وَمَضَغَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ وَقَالَ: هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَالْقُوتُ الْخُبْزُ وَحَبَّةٌ) مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَذَرَّةٍ وَدَخَنٍ وَنَحْوه (وَدَقِيقُهُ وَسَوِيقُهُ وَالْفَاكِهَةُ الْيَابِسَةُ) كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَمِشْمِشٍ وَتِينٍ وَتُوتٍ (وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِ لَا عِنَبَ وَحِصْرِمَ وَخَلَّ وَنَحْوَهُ) كَمِلْحٍ وَرُطَبٍ (وَالطَّعَامُ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ مِنْ قُوتٍ وَأُدْمٍ وَحُلْوٍ وَجَامِدٍ وَمَائِعٍ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لَا مَاءٍ وَدَوَاءٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ وَنُشَارَةِ خَشَبٍ وَتُرَابٍ وَنَحْوِهَا) كَفَحْمٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ وَ (الْعَيْشُ فِي الْعُرْفِ الْخُبْزُ مِنْ حِنْطَةٍ) وَفِي الْفِقْهِ مِنْ الْعَيْشِ الْحَيَاة.

[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا]

فَلَبِسَ ثَوْبًا أَوْ دِرْعًا أَوْ جَوْشَنًا أَوْ خُفًّا أَوْ نَعْلًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ قَلَنْسُوَةً) بِفَتْحِ الْقَافِ

وَضَمِّ السِّينِ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا فَحَنِثَ بِهِ كَالثِّيَابِ (فَإِنْ تَرَكَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ) أَوْ الْقَلَنْسُوَةِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَابِسًا لِذَلِكَ عَادَةً.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ) لَبِسَ (خَاتَمًا وَلَوْ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ) لَبِسَ (لُؤْلُؤًا وَجَوَاهِرَ فِي مِخْنَقَةٍ أَوْ) لَبِسَ ذَلِكَ (مُنْفَرِدًا أَوْ) لَبِسَ (مِنْطَقَةً) وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّة حِيَاصَةً (مُحَلَّاةً حَنِثَ) قَالَ تَعَالَى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23] . وَقَالَ ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ إنِّي جَاعِلٌ فِيكَ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ " وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ لَبِسَ (سَبْحًا وَعَقِيقًا وَحَرِيرًا وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَلَا وَدَعًا أَوْ خَرَزَ زُجَاجٍ وَنَحْوَهُ وَلَا سَيْفًا مُحَلَّى دُونَ مِنْطَقَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِلْيَةٍ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ فَدَخَلَ أَوْ رَكِبَ أَوْ لَبِسَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ أَوْ) مَا هُوَ مُؤَجَّرُهُ أَوْ مُسْتَأْجِرُهُ أَوْ جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ حَنِثَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ وَسَاكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا فَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ صَحِيحَةٌ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] وَمَا جَعَلَهُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَ (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ (فَاسْتَعَارَهُ فُلَانٌ أَوْ) اسْتَعَارَهُ (عَبْدُهُ) أَوْ غَصَبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَهُ حَنِثَ) الْحَالِفُ (بِ) دُخُولِهِ (مُسْتَأْجَرٍ) يَسْكُنهُ.
(وَ) دُخُول (مُسْتَعَار) يَسْكُنهُ (وَ) دُخُولِ (مَغْصُوبٍ يَسْكُنهُ) لِأَنَّهُ يَسْكُنهُ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) دُخُولِ (مِلْكِهِ الَّذِي لَا يَسْكُنُهُ) سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا لِعَيْنِهِ أَوْ مَنَافِعِهِ وَلَمْ يَسْكُنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْكَنَهُ (وَإِنْ قَالَ فِي) حَلِفٍ لَا يَدْخُلُ (مِلْكَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِمُسْتَأْجَرٍ) لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ أَشْبَهَ الْمُسْتَعَارَ لَهُ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا حِينَئِذٍ (كَحَلِفِهِ

لَا يَرْكَبُ رَحْلِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لَا يَبِيعهُ) أَوْ لَا يَهَبَهُ وَنَحْوَهُ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ سَطْحَهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنْ الدَّارِ وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَمَنْعِ الْحِنْثِ مِنْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ الدَّارَ نَفْسَهَا وَ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا (إنْ وَقَفَ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ فِي طَاقِ الْبَابِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا الدَّارَ نَفْسَهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ لَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (أَوْ كَانَ فِي الْيَمِينِ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِرَادَةِ بِدَاخِلِهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ سَطْحُ الدَّارِ طَرِيقًا وَسَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ وَصْلَةِ أَهْلِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُرُورِ عَلَى سَطْحِهَا) لِأَنَّ سَبَبَ الْيَمِينِ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَوَى بَاطِنَ الدَّارِ تَقَيَّدَتْ بِهِ يَمِينُهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ فِي الدَّارِ مِنْ خَارِجهَا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا (فَإِنْ صَعِدَ) عَلَى الشَّجَرَةِ (حَتَّى صَارَ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا بَيْنَ حِيطَانِهَا) حَنِثَ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ كَمَا لَوْ أَقَامَ عَلَى سَطْحِهَا (أَوْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ فِي غَيْرِ الدَّارِ فَتَعَلَّقَ بِفَرْعٍ مَادٍّ عَلَى الدَّارِ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا حَنِثَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْهَا فَصَعَدَ سَطْحَهَا لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ سَطْحَهَا مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَصَعَدَهُ) أَيْ السَّطْحَ (لَمْ يَحْنَثْ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ عَمِلَ بِهَا.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ أَوْ لَا يَطَؤُهَا أَوْ لَا يَدْخُلُهَا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا حَنِثَ) وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِدُخُولِ مَقْبَرَةٍ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ) أَيْ لِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ وَوَضْعَ قَدَمِهِ فِيهَا هُوَ دُخُولُهَا كَيْفَ كَانَ عُرْفًا وَالْمَقْبَرَةُ لَا تُسَمَّى دَارًا عُرْفًا وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الدَّارُ فِي اللُّغَةِ تَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ فَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (وَلَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ زَجَرَهُ فَقَالَ) لَهُ (تَنَحَّ أَوْ اُسْكُتْ حَنِثَ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ فَيَدْخُلُ فِيمَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا) فَلَا يَحْنَثُ بِهِ (وَإِنْ صَلَّى) الْحَالِفُ (بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا ثُمَّ سَلَّمَ) الْحَالِفُ (مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ السَّلَامَ وَكُلَّ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ بِهِ كَالتَّكْبِيرَاتِ (وَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي الصَّلَاةِ

فَفَتْحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (وَلَوْ كَاتَبَهُ) الْحَالِفُ (أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا حَنِثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: 51] وَقَوْلُ عَائِشَةَ «مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ أَشْبَهَ الْخِطَابَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ لَكِنْ إنْ نَوَى تَرْكَ مُرَاسَلَتِهِ أَوْ سَبَب يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (أَرَادَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ) فَلَا يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا بِالْمُرَاسَلَةِ وَإِنْ أَرْسَلَ مَنْ يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَحْنَثْ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَاسِلْهُ (وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي) لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ قَالَ اللَّه تَعَالَى لِمَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ هُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهَا (وَإِنْ نَادَاهُ) الْحَالِفُ (بِحَيْثُ) إنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (يَسْمَعُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أَوْ غَفْلَةٍ) حَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ (أَوْ سَلَّمَ) الْحَالِفُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمهُ (حَنِثَ) لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ فَحَنِثَ بِهِ كَغَيْرِهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِهِ (فَكَنَاسٍ) فَيَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ (وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ) الْحَالِفُ بِالسَّلَامِ (وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ) الْحَالِفُ (بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانٍ كَأَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ لِدُخُولِهِ فِي التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ وَالسَّلَامُ كَلَامٌ لِمَا سَبَقَ وَفُلَانٌ مَرْسُومٌ فِي النُّسَخِ بِلَا أَلِفٍ فَيَخْرُجُ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ لِأَنَّهُ صَوَابٌ لَا غَيْر.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْهُ (بِخِلَافِ لَا كَلَّمْتُهُ حَتَّى يُكَلِّمَنِي أَوْ يَبْدَأنِي بِكَلَامٍ فَيَحْنَثُ بِكَلَامِهِمَا مَعًا) لِأَنَّ يَمِينَهُ هَذِهِ تَقْتَضِي تَرْتِيبَ كَلَامِهِ بِكَلَامِ فُلَانٍ فَإِذَا تَكَلَّمَا مَعًا لَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ فَيَحْنَثُ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا فَالْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ (شَيْئًا) لِأَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] أَيْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]- الْآيَة وَقَوْلُهُ ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54] فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ صَارِفٌ (وَكَذَا الزَّمَانُ مُعَرَّفًا) أَيْ فَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ.
(وَإِنْ قَالَ زَمَنًا أَوْ دَهْرًا وَبَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا أَوْ طَوِيلًا أَوْ وَقْتًا أَوْ عُمْرًا أَوْ حِقَبًا فَأَقَلُّ زَمَانٍ) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِي إرَادَتِهِ مِنْ اللَّفْظِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَإِنْ قَالَ الْأَبَدَ وَالدَّهْرَ وَالْعُمْرَ مُعَرِّفًا فَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ) لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ (وَالْحِقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وَقَالَهُ فِي الصِّحَاحِ (وَالشُّهُورُ ثَلَاثَةٌ كَالْأَشْهُرِ وَالْأَيَّامِ) لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمُتَعَارَفِ.
(وَإِنْ قَالَ) لَا أُكَلِّمهُ وَنَحْوَهُ (إلَى الْحَوْلِ) فَحَوْلٌ كَامِل) مِنْ حِينِ الْيَمِينِ (لَا تَتِمَّتُهُ) إنْ حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ حَوْلٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ أَوَمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَ لَيَالٍ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَيَّامُ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي وَاللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ عَيَّنَ أَيَّامًا تَبِعَتْهَا اللَّيَالِي.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ قَالَ لَا دَخَلْتُ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ فَحَوَّلَ) الْبَابَ (وَدَخَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ.
(وَ) كَذَا (لَوْ) جُعِلَ لَهَا بَابٌ آخَرُ (مَعَ بَقَاءِ) الْبَابِ (الْأَوَّلِ) وَدَخَلَهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ بَابُهَا (وَإِنْ قُلِعَ الْبَابُ وَنُصِبَ فِي دَارٍ أُخْرَى وَبَقِيَ الْمَمَرُّ حَنِثَ بِدُخُولِهِ الْمَمَرَّ فَقَطْ) أَيْ لَا إنْ دَخَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي نُصِبَ فِيهِ الْبَابُ لِلدَّارِ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ مَوْضِعُهُ لِأَنَّهُ مَكَانُ الدُّخُولِ لَا ذَاتُ الْخَشَبِ (وَلَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا فَدَخَلَهَا مِنْ غَيْرِهِ حَنِثَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى أَنْ يَحْنَثَ إذَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ اجْتِنَاب الدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَابِ سَبَبٌ هَيَّجَ الْيَمِينَ (وَلَا يُكَلِّمهُ إلَى حِينِ الْحَصَادِ أَوْ الْجَذَاذِ انْتَهَى يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ)

لِأَنَّ: " إلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَيَنْتَهِي عِنْدَ أَوَّلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] .

(وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ مَالٌ وَلَوْ غَيْرُ زَكَوِيٍّ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْعَقَارَاتِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ) لَهُ (ضَائِعٌ وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْ عَوْدِهِ أَوْ) لَهُ (مَغْصُوبٌ أَوْ مَحْجُورٌ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا (حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَالٌ فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ لِلْمُخَالَفَةِ وَالدَّيْنُ مَالٌ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَة أَشْبَهَ الْمُودَى وَلِأَنَّ الْمَالَ مَا تَتَمَوَّلُهُ النَّاسُ عَادَةً لِطَلَبِ الرِّبْحِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ قَالَ فِي الْوَاضِحِ (فَإِنْ أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ) أَيْ الضَّائِعِ (كَاَلَّذِي سَقَطَ فِي الْبَحْرِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُهُ (أَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَلَيْسَ مَالِكًا لَهَا بَلْ لِمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ أَوْ الْحِلِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (أَوْ) كَانَ (مُسْتَأْجِرًا عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ) كَحَيَوَانٍ وَأَثَاثٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ وَلَا تُسَمَّى مِلْكًا عُرْفًا (أَوْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ لَمْ يَحْنَثْ) بِحَلِفِهِ لَا مَالَ لَهُ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَيْسَ بِمَالِ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَوَكَّلَ مَنْ يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ) الْوَكِيلُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ فِعْلَ وَكِيلِهِ كَفِعْلِهِ نَصّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ يُضَافُ إلَى الْمُوَكِّلِ فِيهِ وَالْأَمْرُ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ.

فَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَكَلَّمَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَضُرِبَ بِأَمْرِهِ حَنِثَ.

(وَلَوْ تَوَكَّلَ الْحَالِف فِيمَا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَكَانَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (عَقْدًا أَضَافَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ) بِأَنْ قَالَ بِعْتُ عَنْ مُوَكِّلِي أَوْ اشْتَرَيْتُ لَهُ (وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ (لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يُضِفْهُ لِمُوَكِّلِهِ.

[فَصْل وَالْعُرْفِيُّ مَا اشْتَهَرَ مَجَازُهُ حَتَّى عَلَى حَقِيقَتِهِ]

ِ أَيْ اللُّغَوِيَّةِ (بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ يَكُونُ مَجَازًا لُغَةً سُمِّيَ

عُرْفِيًّا لِاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فِي مَعْنًى ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ عُرْفِيٍّ (كَالرَّاوِيَةِ وَهِيَ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْمَزَادَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقِيَاسُ كَسْرُهَا وَهِيَ شَطْرُ الرَّاوِيَةِ وَالْجَمْعُ مَزَايِد قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يَسْتَقِي عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فِي مَوْضِعٍ.
وَفِي الشَّرْحِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمُبْدِعِ وَنَصَرَهُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرهَا: لِلْجَمَلِ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ (وَالظَّعِينَةُ فِي الْعُرْفِ الْمَرْأَةُ وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِلنَّاقَةِ الَّتِي يُظْعَنُ) أَيْ يُرْتَحَلُ (عَلَيْهَا وَالدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا دَبَّ وَدَرَجَ وَالْعَذِرَةُ وَالْغَائِطُ فِي الْعُرْفِ الْفَضْلَةُ الْمُسْتَقْذَرَة وَفِي الْحَقِيقَة الْعَذِرَةُ فِنَاءُ الدَّارِ) وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ " مَا لَكُمْ لَا تُنَقُّونَ عَذْرَاتِكُمْ " يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُمْ (وَالْغَائِطُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ فَهَذَا) الْمَذْكُورُ (وَأَمْثَالُهُ تَنْصَرِفُ يَمِينُ الْحَالِف إلَى مَجَازِهِ) لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَصَارَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ (دُونَ حَقِيقَتِهِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَهْجُورَةً وَلَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ.

(فَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا) لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اللَّفْظُ فِي الْعُرْفِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ وَلَوْ يَابِسًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرَّيْحَانِ حَقِيقَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَخْتَصُّ يَمِينُهُ بِالرَّيْحَانِ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى عُرْفًا وَقَدَّمَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (وَلَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ فَشَمَّ دُهْنَهُمَا أَوْ شَمَّ مَاءَ الْوَرْدِ حَنِثَ) لِأَنَّ الشَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ الذَّاتِ وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فِي دُهْنِهِمَا وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ مَوْجُودَةٌ فِي مَاءِ الْوَرْدِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَشُمُّ طِيبًا فَشَمَّ نَبْتًا رِيحُهُ طَيِّبٌ) كَمَرْزَجُوشٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الطِّيبِ وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ شَمَّ (فَاكِهَةً) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الطِّيبِ (وَلَا يَأْكُلُ رَأْسًا حَنِثَ بِأَكْلِ كُلّ رَأْسِ حَيَوَانٍ مِنْ الْإِبِلِ) وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (وَالصُّيُودِ وَيَأْكُلُ رُءُوسَ طُيُورٍ وَ) رُءُوسَ (سَمَكٍ وَجَرَادٍ) لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا (وَلَا يَأْكُلُ بَيْضًا حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ بَيْضٍ يُزَايِلُ) أَيْ يُفَارِقُ (بَائِضَهُ، كَثُرَ وُجُودُهُ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ أَوْ قَلَّ كَبَيْضِ النَّعَامِ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ) عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافه، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَعِنْدَ الْقَاضِي يَحْنَثُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَطَعَ بِهِ

فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى.

(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً مِلْحًا أَوْ مَاءً نَجِسًا) حَنِثَ لِأَنَّهُ مَاءٌ (أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ أَوْ الذُّرَةَ أَوْ غَيْرهمَا) كَخُبْزِ الدُّخْنِ (فِي مَكَان يُعْتَادُ أَكْلُهُ) فِيهِ (أَوَّلًا حَنِثَ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ.

(وَلَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ مَسْجِدًا أَوْ الْكَعْبَةَ أَوْ بَيْتَ رَحَا أَوْ) دَخَلَ (حَمَّامًا أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ أَوْ) بَيْتَ (أُدْمٍ) أَيْ جِلْدٍ (أَوْ) دَخَلَ (خَيْمَةً حَنِثَ حَضَرِيًّا كَانَ الْحَالِفُ أَوْ بَدَوِيًّا) لِأَنَّهَا بُيُوتٌ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] الْآيَة - وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَإِذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْتًا وَفِي عُرْفِ الشَّارِعِ حَنِثَ بِدُخُولِهِ وَأَمَّا بَيْتُ الشَّعْرِ وَالْأَدَمِ فَلِأَنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80] الْآيَة - وَالْخَيْمَةُ كَذَلِكَ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ الدَّارِ أَوْ صُفَّتَهَا الَّتِي تَكُونُ وَرَاءَ الْبَابِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَيْتًا.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ فَرَكِبَ سَفِينَةً حَنِثَ) لِأَنَّهُ رُكُوبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: 41] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: 65] .

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ) أَوْ سَبَّحَ اللَّهَ (أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ " كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ ". وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41] فَأَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ (وَحَقِيقَةُ الذِّكْرِ مَا نَطَقَ بِهِ فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مَا لَا يَنْطِقُ بِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ.

(قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ فَسَمِعَ الْقُرْآنَ حَنِثَ إجْمَاعًا وَإِنْ اُسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمَنِينَ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ لِيُنَبِّهَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ مَعَ قَصْدِهِ الْقُرْآنَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْآنَ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ أَوْ) مِائَةَ (عَصَا أَوْ) حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ فَجَمَعَهَا) أَيْ الْمِائَةَ (فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ وَلِأَنَّ السَّوْطَ أَوْ الْعَصَا فِي قَوْلِهِ مِائَةَ سَوْطٍ أَوْ عَصًا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَانْتَصَبَتْ انْتِصَابَهُ فَصَارَ مَعْنَاهُ لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمَا خُصَّ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ وَعَنْ الْمَرِيضِ الْمَجْلُودِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْيَمِينِ (أَوْلَى وَيَبَرُّ بِمِائَةِ ضَرْبَةٍ مُؤْلِمَةٍ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ يَمِينِهِ (وَإِنْ قَالَ) لَيَضْرِبَنَّهُ (بِمِائَةِ سَوْطٍ) فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (بَرَّ) لِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِمِائَةِ سَوْطٍ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ) أَوْ غَيْرَهَا (فَخَنَقَهَا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا أَوْ عَضَّهَا تَأْلِيمًا لَا تَلَذُّذًا حَنِثَ) لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الضَّرْبِ التَّأْلِيمُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (وَلَوْ لَمْ يَنْوِ) أَنْ لَا يُؤْلِمَهَا فِي (يَمِينِهِ) هَذِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ خَنَقَهَا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا أَوْ عَضَّهَا تَأْلِيمًا (بَرَّ) لِحُصُولِ مَقْصُودِ الضَّرْبِ بِهِ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ زُبْدًا) لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُ اللَّبَنِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ مَعَهُ فِيهِ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ بَيْضًا فَأَكَلَ نَاطِفًا أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ فِي الشَّيْءِ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَفَ لِمَعْنًى فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) فِيمَا أَكَلَهُ (حَنِثَ) كَمَا لَوْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا (وَلَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ أَوْ لَا يَشْرَبُهُ) أَيْ السَّوِيقَ (فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ يُقْصَدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ فَحُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ

أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: 188] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ شُرْبِهَا وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ لَا تَأْكُلْ الْعَسَلَ كَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ وَبِالْعَكْسِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أَوْ) مَصَّ (الرُّمَّانَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ لَا يُسَمَّى أَكْلًا وَلَا شُرْبًا (وَكَذَا) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ وَابْتَلَعَهُ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرُّمَّانِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ (لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَصِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: 249] وَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ (وَإِنْ ذَاقَهُ وَلَمْ يَبْلَعْهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَذُوقُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَفِيمَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ نَظَرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ الْكُوزِ فَصَبَّ مِنْهُ فِي إنَاءٍ وَشَرِبَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ (وَعَكْسُهُ) لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (إنْ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْبِئْرِ) وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ لِأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُمَا عُرْفًا كَذَلِكَ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ حَنِثَ بِالثَّمَرَةِ فَقَطْ وَلَوْ لَقَطَهَا مِنْ تَحْتِهَا) وَأَكَلَهَا لِأَنَّهَا مِنْ الشَّجَرَةِ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْوَرَقِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لِيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً بِالْفَتْحِ) أَيْ فَتْحِ الْهَمْزَةِ (لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً) وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ (وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ وَ) مِنْهُ حَدِيثُ «فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ» .

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ وَلَا يَتَطَيَّبُ فَاسْتَدَامَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُقَالُ تَزَوَّجْتُ شَهْرًا وَلَا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا وَإِنَّمَا يُقَالُ مُنْذُ شَهْرٍ وَلَمْ يُنَزِّلْ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهِ فِي تَحْرِيمِهِ فِي الْإِحْرَامِ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ وَهُوَ رَاكِبٌ وَلَا يَلْبَسُ وَهُوَ لَابِسٌ وَلَا يَلْبَس مِنْ غَزْلِهَا وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَتِرُ وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ) أَيْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ دَاخِلَهَا فَأَقَامَ فِيهَا أَوْ) حَلَفَ (لَا يُضَاجِعُهَا عَلَى فِرَاشٍ وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ فَاسْتَدَامَ أَوْ ضَاجَعَتْهُ وَدَامَ حَنِثَ) لِأَنَّ الْمُسْتَدِيمَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَكِبَ شَهْرًا وَلَبِسَ شَهْرًا وَنَحْوَهُ وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ الِاسْتِدَامَةُ هُنَا فِي الْإِحْرَامِ حَيْثُ حَرَّمَ لِبْسَ الْمَخِيطِ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِاسْتِدَامَتِهِ كَمَا لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ (وَكَذَا) لَوْ حَلَفَ (لَا يَطَؤُهَا) فَدَامَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يُمْسِكُ) شَيْئًا فَدَامَ (أَوْ لَا يُشَارِكُهُ فَدَامَ) عَلَى ذَلِكَ فَيَحْنَثُ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَأَقَامَ) الْحَالِفُ (مَعَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَقَامِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَكَذَا هُنَا (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (نِيَّةٌ) أَوْ لِلْيَمِينِ سَبَبٌ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.

[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا]

أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ مَعَ إمْكَانِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا (إلَّا أَنْ يُقِيم لِنَقْلِ مَتَاعِهِ) وَأَهْلِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَإِنْ تَرَدَّدَ إلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى (أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمُ إلَى أَنْ يُمْكِنَهُ الْخُرُوجُ) لِأَنَّهُ أَقَامَ لِدَفْعِ الضَّرَر وَإِزَالَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْي وَيَكُونُ خُرُوجُهُ (بِحَسَبِ الْعَادَةِ) لَا لَيْلًا (فَلَوْ كَانَ ذَا مَتَاعٍ كَثِيرٍ فَنَقَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى الْعَادَةِ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ النَّقْلَ الْمُعْتَادَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ.
(وَإِنْ أَقَامَ عَلَى) ذَلِكَ (أَيَّامًا) لِلْحَاجَةِ (وَلَا يَلْزَمُهُ جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (النَّقْلُ وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ عِنْدَ التَّعَبِ وَلَا أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَادِ (وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ) الْمَقْصُودِ (وَأَهْلِهِ) مَعَ إمْكَانِ نَقْلِهِمْ (حَنِثَ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ) وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ (إلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ أَوْ يَزُولَ مُلْكُهُ عَنْهُ أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إكْرَاهُهَا أَوْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ فَامْتَنَعُوا وَلَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهُمْ فَيَخْرُجُ وَحْدَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ

زَوَالَ مِلْكِهِ وَإِبَاءَ امْرَأَتِهِ الْخُرُوجَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُمَا حِنْثٌ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْمُقَامِ لَمْ يَحْنَثْ) مَا دَامَ الْإِكْرَاهُ فَإِذَا زَالَ بَادَرَ بِالْخُرُوجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا إنْ كَانَ) الْحَلِفُ (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ) الَّذِي يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ (أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُمْكِنهُ فَتْحُهَا أَوْ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ فَأَقَامَ فِي طَلَبِ النُّقْلَةِ أَوْ) أَقَامَ فِي (انْتِظَارِ زَوَالِ الْمَانِعِ أَوْ خَرَجَ طَالِبًا النُّقْلَةَ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ لِتَعَذُّرِ الْكِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ بَهَائِمَ يَنْقُلُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ النُّقْلَةُ بِدُونِهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ (فَأَقَامَ نَاوِيًا لِلنُّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ) لِأَنَّ إقَامَتَهُ عَنْ اخْتِيَارٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النُّقْلَةِ كَالْمُقِيمِ لِلْإِكْرَاهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ النُّقْلَةُ بِحَمَّالِينَ بِلَا بَهَائِمَ وَأَقَامَ حَنِثَ وَأَنَّهُ إنْ أَقَامَ غَيْرَ نَاوٍ لِلنُّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا حَنِثَ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ (قَالَ الشَّيْخُ: وَالزِّيَارَةُ لَيْسَتْ سُكْنَى اتِّفَاقًا) فَلَوْ تَرَدَّدَ لِلدَّارِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا زَائِرًا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا (وَالسَّفَرُ الْقَصِيرُ سَفَرٌ) يَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ، وَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبُ يَمِينٍ نَقَلَ الْأَثْرَمُ أَقَلَّ زَمَنٍ يَكُونُ سَفَرًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فَانْتَقَلَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَحْنَثْ) لِانْقِطَاعِ الْمُسَاكَنَةِ (وَإِنْ بَنَيَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا وَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا فِي الْمُسَاكَنَةِ حَنِثَ لِأَنَّهُمَا بِتَشَاغُلِهِمَا بِبِنَاءِ الْحَاجِزِ قَدْ تَسَاكَنَا قَبْلَ وُجُودِهِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (حُجْرَةً لَمْ يَحْنَثْ) حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا سَبَبَ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَاكِنٌ فِي حُجْرَتِهِ فَلَا يَكُونُ مُسَاكِنًا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ سَكَنَا فِي دَارَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ وَالْحُجْرَةُ الْبَيْتُ وَكُلُّ بِنَاءٍ مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَالْجَمْعُ حُجَرٌ وَحُجُرَاتٌ كَغُرَفٍ وَغُرُفَاتٍ.
(وَإِنْ كَانَا فِي حُجْرَةِ دَارٍ وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْيَمِينِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الْبَيْتَيْنِ (بَابًا وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ (وَإِنْ سَكَنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ ذِي بَابٍ وَغَلَقٍ رَجَعَ إلَى نِيَّتِهِ بِيَمِينِهِ) أَيْ الْحَالِفِ لَا يُسَاكِنُ (أَوْ إلَى سَبَبِهَا) أَيْ الْيَمِينِ (وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ وَسَبَبَ الْيَمِينِ يُقَدَّمَانِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ) أَيْ النِّيَّةُ وَسَبَبُ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا (حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسَاكِنًا لَهُ.

تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الْفُنُونِ: فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْتِ عَلَيَّ الْبَيْتَ وَلَا كُنْتِ لِي زَوْجَةً إنْ لَمْ تَكْتُبِي لِي نِصْفَ مَالِكِ فَكَتَبَتْ لَهُ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِاسْتِدَامَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَا اسْتِدَامَةُ الزَّوْجِيَّةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا سَاكَنْتُ فُلَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ) قُلْتُ: أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ (فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا لِنَفْسِهِ وَسَكَنَاهَا) بَعْدَ ذَلِكَ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدَّ مُسَاكِنًا لَهُ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ لَمْ يُعَارِضْهَا مُعَارِضٌ فَوَجَبَ حُصُولُ الْبِرِّ لِحُصُولِ الْحَقِيقَةِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ (أَوْ لَيَدْخُلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَادَةً فَظَاهِرُ حَالِهِ إرَادَةُ خُرُوجِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ بِخِلَافِ الْبَلَدِ (كَحَلِفِهِ لَا يَسْكُنُهَا) أَيْ الدَّارَ (أَوْ لَا يَأْوِيهَا أَوْ لَا يَنْزِلُهَا) فَلَا يَبَرُّ إلَّا إذَا خَرَجَ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ) مِنْ الْبَلَدِ (أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ فَلَهُ الْعَوْدُ) إلَيْهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ) لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَقَدْ وُجِدَ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَكَقَوْلِهِ: إنْ خَرَجْتُ فَلَكَ دِرْهَمٌ اسْتَحَقَّ بِخُرُوجٍ أَوَّل ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأُدْخِلَهَا]

وَأَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الدُّخُولُ (بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ) كَأَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ أَوْ تَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَدَخَلَ لَمْ يَحْنَثْ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيَحْنَثُ بِالِاسْتِدَامَةِ بَعْدَ) زَوَالِ (الْإِكْرَاهِ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ مُخْتَارًا، وَمَتَى دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ حَنِثَ سَوَاءٌ كَانَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ فَجَرَّهُ إلَيْهَا أَوْ سَبَحَ فِيهِ فَدَخَلَهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ مِنْ

بَابِهَا أَوْ تَسَوَّرَ حَائِطَهَا أَوْ دَخَلَ مِنْ طَاقَةٍ فِيهَا أَوْ ثَقَبَ حَائِطِهَا وَدَخَلَ مِنْ ظَهْرِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اجْتِنَابَ خِدْمَتِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ (وَلَوْ كَانَ الْخَادِمُ عَبْدَهُ) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا خَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ كَعَبْدِ غَيْرِهِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ غَدًا) فَتَلِفَ قَبْلَهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (قَبْلَ الْغَدِ أَوْ) تَلِفَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهِ) حَنِثَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ لِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْمَجْلِسِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَهُ لِصِغَرِهِ أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ (أَوْ) حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ وَ (أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ فَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِهِ حَنِثَ حَالَ تَلَفِهِ) لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ الْغَدِ أَوْ جُنَّ فَلَمْ يُفِقْ إلَّا بَعْد خُرُوجِ الْغَدِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ الْغَدُ وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْغَدِ لَمْ يَبَرَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (أَوْ) ضَرَبَهُ (فِيهِ ضَرَبًا لَا يُؤْلِمُهُ) لَمْ يَبَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الضَّرْبِ (أَوْ) ضَرَبَ فِي الْغَدِ (بَعْدَ مَوْتِ الْغُلَامِ) لَمْ يَبَرَّ لِعَدَمِ الْإِحْسَاسِ (أَوْ أَفَاقَ الْحَالِفُ مِنْ جُنُونِهِ فِي الْغَدِ وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا، أَوْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ حَنِثَ لِوُجُودِ جُزْءٍ هُوَ فِيهِ مُكَلَّفٌ فَيَصِحُّ لِشِبْهِ الْحِنْثِ إلَيْهِ فِيهِ.
(أَوْ هَرَبَ الْغُلَامُ أَوْ مَرِضَ هُوَ) أَيْ الْغُلَامُ (أَوْ الْحَالِفُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ) فِي الْغَدِ (حَنِثَ) أَيْ الْحَالِفُ لِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَضْرِبْهُ لِصِغَرِهِ (وَإِنْ جُنَّ الْغُلَامُ وَضَرَبَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (بَرَّ) لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ فِي الْغَدِ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ نَتْفَ شَعْرَهُ أَوْ عَصَرَ سَاقَهُ بِحَيْثُ يُؤْلِمُهُ بَرَّ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الضَّرْبِ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلِذَلِكَ يَحْنَثُ بِهِ لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ وَتَقَدَّمَ.

(وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الْيَوْمَ أَوْ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ فَمَاتَ الْغُلَامَ أَوْ تَلِفَ الرَّغِيفُ أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ) قَبْلَ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (حَنِثَ) الْحَالِفُ فِي آخَرِ حَيَاةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا وَعِنْدَ تَلَفِ الرَّغِيفِ لِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَلَا يَكْفُلُ بِمَالٍ فَكَفَلَ بِبَدَنٍ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ) إنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ مَالًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ

يَشْتَرِطْ الْبَرَاءَةَ حَنِثَ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا عَلَيْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ.

(وَإِنْ حَلَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَيَقْضِيَنَّهُ) أَيْ رَبَّ الْحَقِّ (حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ) رَبُّ الْحَقِّ (أَوْ أَخَذَ عَنْهُ عِوَضًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَقِّ وَقَدْ وُجِدَ (وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَقِّ فَقَضَى) الْحَالِفُ (وَرَثَتَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَا فِي يَمِينِهِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا أَبْرَأَهُ الْيَوْمَ أَوْ) أَبْرَأَهُ (قَبْلَ مُضِيِّهِ أَوْ مَاتَ رَبُّهُ فَقَضَاهُ) الْحَالِفُ (لِوَرَثَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِمَا سَبَقَ.

(وَإِنْ) حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ مَعَ رَأْسِهِ أَوْ إلَى رَأْسِهِ أَوْ) إلَى (اسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ مَعَ رَأْسِهِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ بَرَّ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ هُوَ آخِرُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ بَلْ بَعْدَهُ (فَلَا) بَرَّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَحْنَثُ إذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ إمْكَانِهِ (وَلَوْ شَرَعَ) الْحَالِفُ (فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ ذَرْعِهِ فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ) لِكَثْرَتِهِ (لَمْ يَحْنَثْ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ فِيهِ وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَتِهِ) وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا تُعْتَبَرُ الْمُقَارَنَةُ فَيَكْفِي حَالُ الْغُرُوبِ.

(وَ) إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ (لَا أَخَذْتَ حَقَّكَ مِنِّي فَأُكْرِهَ) الْحَالِفُ (عَلَى دَفْعِهِ) لِغَرِيمِهِ فَأَخَذَهُ حَنِثَ (أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الْحَقَّ (حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إلَى غَرِيمِهِ فَأَخَذَهُ) الْغَرِيمُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّ غَرِيمَهُ أَخَذَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَقَدْ وُجِدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا بِفِعْلِهِ اخْتِيَارًا (كَ) مَا لَوْ حَلَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى رَبِّهِ (لَا تَأْخُذُ حَقَّكَ عَلِيَّ) فَأُكْرِهَ الْحَالِفُ عَلَى الدَّفْعِ لَهُ أَوْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إلَى غَرِيمِهِ حَنِثَ الْحَالِفُ لِمَا سَبَقَ وَ (لَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ (إنْ أُكْرِهَ قَابِضُهُ) عَلَى قَبْضِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا إنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْغَرِيمِ (أَوْ فِي حِجْرِهِ فَلَمْ يَأْخُذهُ الْغَرِيمُ) فَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَخْذٍ (لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مِثْلَ هَذَا مَالٌ وَلَا صَيْدٌ) فِي إحْرَامٍ أَوْ حَرَمٍ (وَيَحْنَثُ) الْحَالِفُ (لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُعْطِيكَ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ إذْ هُوَ) أَيْ الْإِعْطَاءُ (تَمْكِينٌ وَتَسْلِيمٌ بِحَقٍّ فَهُوَ كَتَسْلِيمِ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ) فَإِنْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ وَأَعْطَاهُ لِلْغَرِيمِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ لَا يُعْطِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْطَاءٍ.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى أَسْتَوْفِي حَقِّي مِنْكَ فَفَارَقَهُ) الْحَالِفُ (مُخْتَارًا أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَذِنَ الْحَالِفُ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمُفَارَقَةِ (أَوْ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ) الْحَالِفِ

(أَوْ هَرَبَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنهُ مُلَازَمَتُهُ وَالْمَشْي مَعَهُ) حَنِثَ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ (أَوْ أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ) فَفَارَقَهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ بَرَّ فَوَجْهَانِ (أَوْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ (أَوْ) لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ (كَمَنْ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ) حَنِثَ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حَقَّهُ (إلَّا أَنْ يَهْرُبَ) الْمَدِينُ (مِنْهُ) أَيْ الْحَالِفِ (بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) فَلَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ فَارَقَهُ مُكْرَهًا (أَوْ قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عَرْضًا ثُمَّ فَارَقَهُ) لِأَنَّهُ قَضَاهُ حَقَّهُ (كَ) مَا لَوْ حَلَفَ (لَا فَارَقْتُكَ تَبْرَأُ مِنْ حَقِّي أَوْ) لَا فَارَقْتُكَ (وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ) وَأَعْطَاهُ عَنْهُ عِوَضًا ثُمَّ فَارَقَهُ فَلَا حِنْثَ وَجْهًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ فِي الثَّانِيَةِ.
(وَإِنْ قَضَاهُ) الْمَدِينُ (قَدْرَ حَقِّهِ فَارَقَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ مُسْتَحَقًّا فَكَنَاسٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَيَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ لَا فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ وَنَذْرٍ (وَفِعْلٍ وَكِيلٍ كَهُوَ) أَيْ كَفِعْلٍ مُوَكَّلٍ (فَلَوْ وَكَّلَ) الْحَالِفُ لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ (فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَفَارَقَهُ الْمُوَكَّلُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ (وَإِنْ فَارَقَهُ) الْحَالِفُ (مُكْرَهًا بِمَخُوفٍ كَإِلْجَاءٍ بِسَبِيلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ تَهْدِيدٍ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.

(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا فَارَقْتَنِي) حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ وَنَحْوَهُ (فَفَارَقَهُ الْغَرِيمُ أَوْ الْحَالِفُ طَوْعًا حَنِثَ) لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ لَا حَصَلَ مِنَّا فُرْقَةٌ وَقَدْ حَصَلَتْ وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ فَارَقَهُ (كَرْهًا) سَوَاءٌ كَانَ الْمُكْرَهُ الْحَالِفَ أَوْ الْغَرِيمُ لِمَا سَبَقَ.

(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا افْتَرَقْنَا) حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي (فَهَرَبَ) الْغَرِيمُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ لِوُجُودِ الْفُرْقَةِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ أُكْرِهَا) قُلْتُ أَوْ أَحَدُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَحَلَفَ رَبُّهُ (لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيك حَقَّكَ فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ فَكَمُكْرَهٍ) فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لِأَنَّ فَوَاتَ الْبِرِّ مِنْهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ.

(وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا) مِنْ وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَنَحْوِهَا وَحَلَفَ لَا يُفَارِقهُ حَتَّى يُوَفِّيَهَا لَهُ (فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ) أَيْ مَالِكُهَا (فَقَبِلَهَا) الْحَالِفُ (حَنِثَ) لِأَنَّ الْبِرَّ فَاتَهُ بِاخْتِيَارِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُولِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ (وَإِنْ قَبَضَهَا) أَيْ رَبُّهَا (مِنْهُ) أَيْ الْحَالِفِ (ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ حَقَّهُ وَالْهِبَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُفَارِقُكَ وَلَك فِي قِبَلِي حَقٌّ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأَهُ) رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ (أَوْ وَهَبَ) رَبُّ الْعَيْنِ (الْعَيْنَ لَهُ أَوْ أَحَالَهُ) الْمَدِينُ بِدَيْنِهِ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ أَحَالَ عَلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ رَبَّ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ (وَقَدْرُ الْفُرْقَةِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا كَفُرْقَةٍ) تُبْطِلُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي (الْبَيْعِ)

لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَمَا نَوَاهُ) الْحَالِفُ (بِيَمِينِهِ) مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ (وَكَذَا مَا اقْتَضَاهُ سَبَبُ الْيَمِينِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ مَالَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ فِي) كِتَابِ (الطَّلَاقِ) فَالْحُكْمُ هُنَا وَهُنَاكَ وَاحِدٌ مَا عَدَا مَا يُنَبَّهُ عَنْهُ.

[بَاب النَّذْر]

(النَّذْر) مَصْدَرُ نَذَرْتُ أَنْذُرُ بِالضَّمِّ وَكَسْرِهَا فَأَنَا نَاذِرٌ أَيْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] وَقَوْله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ (وَهُوَ) أَيْ النَّذْرُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ (مَكْرُوهُ وَلَوْ عِبَادَةً) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ.
وَقَالَ «إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِكَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوَفِّينَ بِهِ لِأَنَّ ذَمّهُمْ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ (لَا يَأْتِي) أَيْ النَّذْرُ (بِخَيْرٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا يَرُدُّ قَضَاءً) وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (وَهُوَ) أَيْ النَّذْرُ (إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْقَوْلِ شَيْئًا غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَ) قَوْلِهِ (عَلَيَّ لِلَّهِ أَوْ نَذَرْتُ لِلَّهِ وَنَحْوِهِ) كَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ فَلَا يُنَفَّذُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ وَلَا مِنْ مُكْرَهٍ وَلَا بِغَيْرِ قَوْلٍ إلَّا مِنْ أَخْرَسَ وَإِشَارَةٌ مَفْهُومَة كَيَمِينِهِ وَفِي نَذْرِ الْوَاجِبِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (فَلَا تُعْتَبَر لَهُ صِيغَةٌ) بِحَيْثُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا بَلْ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ كَالْبَيْعِ.

(وَيَصِحُّ) النَّذْرُ (مِنْ كَافِرٍ) وَلَوْ (بِعِبَادَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ «إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْفِ بِنَذْرِكَ» .

(فَإِنْ نَوَاهُ) أَيْ النَّذْرَ (النَّاذِرُ مِنْ

غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ كَالْيَمِينِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِغَيْرِ الْقَوْلِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَيَقْتَضِي تَشْبِيهُهُ بِالطَّلَاقِ صِحَّتَهُ بِالْكِتَابَةِ وَمُقْتَضَى تَشْبِيهِهِ بِالنِّكَاحِ انْعِقَادُهُ بِهَا لَكِنَّ النِّكَاحَ أَضْيَقُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ بِخِلَافِ النَّذْرِ.

(وَيَنْعَقِدُ) النَّذْرُ (فِي وَاجِبٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِيَمِينٍ إنْ تَرَكَهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ إذَا نَذَرَهُ الْعَبْدُ أَوْ عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ أَوْ بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولَ أَوْ الْإِمَامَ أَوْ تَحَالَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ وَالْمَوَاثِيق تَقْتَضِي لَهُ وُجُوبًا ثَانِيًا غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ وَاجِبًا مِنْ وَجْهَيْنِ وَيَكُونُ تَرْكُهُ مُوجِبَ التَّرْكِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ وَالْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ (فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يَصُمْهُ كَحَلِفِهِ عَلَيْهِ) أَيْ كَحَلِفِهِ لَيَصُومَنَّ رَمَضَانَ فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يَصُمْهُ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ لَا) يَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي وَاجِبٍ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ أَشْبَهَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ وَمُوجِبَهُ مُوجِبُهَا إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِأُخْتِ عُقْبَةَ لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ وَلَمْ تُطِقْهُ فَقَالَ: «لِتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا وَلْتَرْكَبْ» . وَفِي رِوَايَةٍ " وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " قَالَ أَحْمَدُ أَذْهَبُ إلَيْهِ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِهِ سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ.

(وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ أَقْسَامُهُ) سِتَّةٌ (أَحَدُهَا) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ كَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلِيَّ نَذْرٌ) سَوَاءٌ (أَطْلَقَ أَوْ قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا) وَفَعَلَهُ (وَلَمْ يَنْوِ) بِنَذْرِهِ (شَيْئًا) مُعَيَّنًا (فَيَلْزَمهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ.

(الثَّانِي نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) يَعْنِي النَّذْرَ (بِشَرْطٍ يَقْصِدُ) النَّاذِرُ (الْمَنْعَ مِنْهُ) أَيْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (أَوْ الْحَمْلَ) أَيْ الْحَثَّ (عَلَيْهِ وَالتَّصْدِيقَ عَلَيْهِ) إذَا كَانَ خَبَرًا (كَقَوْلِهِ إنْ

كَلَّمْتُكِ أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبكِ فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ عِتْقُ عَبْدِي أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ، أَوْ إنْ لَمْ أَكُنْ صَادِقًا فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ) لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ ابْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ، (وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ) أَيْ النَّاذِرِ (عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ) مُجْزِئَةً (وَنَحْوَهُ لِأَنَّ) هَذَا تَأْكِيدٌ وَ (الشَّرْعُ لَا يَتَغَيَّر بِتَوْكِيدٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَلَوْ عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِبَيْعِهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ بِعْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (وَالْمُشْتَرِي عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِشِرَائِهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (فَاشْتَرَاهُ كَفَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ) ، ذَكَرَهُ السَّيَاعِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ كَمَا لَوْ حَلَفَا عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ: إنْ تَصَدَّقَ بِهِ الْمُشْتَرِي خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ (وَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ) إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَنَحْوَهُ (فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) إنْ لَمْ يَعْتِقْ رَقَبَةً.

(الثَّالِثُ: نَذْرُ الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلِيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَأَنْ يَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنْ أَوْفَى بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ «امْرَأَة أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَ (كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ) أَيْ الْمُبَاحَ (فَلَمْ يَفْعَلْ) فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ.

(الرَّابِعُ: نَذْرُ، مَكْرُوهٌ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَكْلِ ثُومٍ وَبَصَلٍ) وَتَرَكِ سُنَّةٍ (فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفِّرَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ، (وَلَا يَفْعَلُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى (فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ.

(الْخَامِسُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَيَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (وَيَقْضِي الصَّوْمَ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: غَيْرَ يَوْمِ حَيْضٍ انْتَهَى لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً كَنَذْرِ مَرِيضٍ صَوْمًا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ وَنَذْرُ صَوْمِ لَيْلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ صَوْمٍ، وَكَذَا يَوْمُ

أَكْلٍ فِيهِ وَيَوْمُ حَيْضٍ بِمُفْرَدِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّ الْأَكْلَ وَالْحَيْضَ مُنَافِيَانِ لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَالْعِيدَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ (وَيُكَفِّرُ) قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ وَسَمُرَةُ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ (فَإِنْ وَفَى) النَّاذِرُ (بِهِ) أَيْ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ (أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، (وَمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ مَعْصُومٍ وَلَوْ نَفْسَهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ أَشْبَهَ نَذْرَ ذَبْحِ أَخِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: مَنْ نَذَرَ فِعْلَ وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ انْعَقَدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا قَالَ مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَالِهِنَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
(فَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ وَكَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَلَدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا) مِنْ أَوْلَادِهِ (بِنِيَّتِهِ وَلَا قَوْلِهِ لَزِمَهُ بِعَدَدِهِمْ) أَيْ الْأَوْلَادِ (كَفَّارَاتٌ) لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ (فَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ وَيُكَفِّرُ لِغَيْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ وَإِذَا نَذَرَ نُذُورًا كَثِيرَةً لَا يُطِيقُهَا أَوْ مَا لَا يَمْلِكُ فَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ (وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ وَكَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَالنَّذْرُ لِلْقُبُورِ أَوْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ كَالنَّذْرِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالشَّيْخِ فُلَانٍ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا نَذَرَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنْفَعَ) . وَقَالَ: " مَنْ نَذَرَ إسْرَاجَ بِئْرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ جَبَلِ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ نَذَرَ لَهُ أَوْ لِسُكَّانِهِ أَوْ الْمُضَافِينَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا وَيُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ مَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَمِنْ الْحَسَنِ صَرْفُهُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْمَشْرُوعِ وَفِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ.
(وَقَالَ فِيمَنْ نَذَرَ قِنْدِيلَ نَقْدٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْرَفُ لِجِيرَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيمَتُهُ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْخَتْمَةِ وَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ لِلْمَسَاجِدِ مَا تَتَنَوَّرُ بِهِ أَوْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهَا فَهَذَا نَذْرُ بِرٍّ فَيُوَفِّي بِنَذْرِهِ) لِأَنَّ تَنْوِيرَهَا وَتَعْمِيرَهَا مَطْلُوبٌ.

(السَّادِسُ نَذَرُ التَّبَرُّرِ) أَيْ التَّقَرُّبِ يُقَالُ تَبَرَّرَ تَبَرُّرًا أَيْ تَقَرَّبَ تَقَرُّبًا (كَنَذْرِ

الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْقُرَبِ) كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ (عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا) بِشَرْطٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ وَالْحَمْلُ (كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلِمَ مَالِي أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا أَوْ فَعَلْتُ كَذَا نَحْوَ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ) أَحْمَدُ (فِي إنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا فَهَذَا نَذْرٌ) صَحِيحٌ (وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ النَّذْرِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ النَّذْرِ فَمَتَى وَجَدَ شَرْطَهُ) إذَا كَانَ النَّذْرُ مُعَلَّقًا (انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوَفُّونَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75] الْآيَاتِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ نَذْرَ التَّبَرُّرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا: مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا وَكَذَا إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ وَنَحْوَهُ فَعَلْتُ كَذَا الثَّانِي: الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ نَحْوُهُ الثَّالِثُ: نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ كَالْإِعْتَاقِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.

(تَتِمَّةٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَعْلِيقُ النَّذْرِ بِالْمِلْكِ نَحْوَ: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ (وَيَجُوزُ فِعْلُهُ) أَيْ النَّذْرِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ كَإِخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصُومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِنَذْرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَقَالَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَئِنْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَأَصْبِرَنَّ، وَلَئِنْ لَقِيتُ الْعَدُوَّ لَأُجَاهِدَنَّ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَمَلَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْتُهُ: نَذْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ كَقَوْلِ الْآخَرِ ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ وَنَظِيرُهُ ابْتِدَاءُ الْإِيجَابِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَيُشْبِهُهُ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ فَإِيجَابُ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ إيجَابًا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ بِنَذْرٍ وَعَهْدٍ وَطَلَبٍ وَسُؤَالِ جَهْلٍ مِنْهُ وَظُلْمٍ، وَقَوْلُهُ لَوْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَصَبَرْتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنْ كَانَ وَعْدًا أَوْ الْتِزَامًا فَنَذْرٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ الْحَالِ فَفِيهِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَجَهْلٌ بِحَقِيقَةِ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل