كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 278-317
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حَالِهَا انْتَهَى) .

وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَحْرِيمِ النُّذُورِ وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَمَنْ نَذَرَ التَّبَرُّرَ أَوْ حَلَفَ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنْ سَلِمَ مَالِي لِأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ) الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ لِأَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ مُعَيَّنَةٌ بَلْ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ قَوْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ.

(وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ) أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِمُعَيَّنٍ وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ) أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِأَلْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمِائَةٍ (وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ أَوْ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَالِهِ) بِأَنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (نَذْرَ قُرْبَةٍ لَا) نَذْرَ (لَجَاجٍ وَغَضَبٍ أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ «لِقَوْلِ كَعْبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ هُوَ خَيْرٌ لَكَ» . وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمْعِ مَكْرُوهَةٌ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ انْتَهَى فَإِنْ كَانَ نَذْرَ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (وَإِنْ نَوَى) مِنْ نَذْرِ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ (عَيْنًا) مِنْهُ (أَوْ) نَوَى (مَالًا دُونَ مَالِهِ كَصَامِتٍ أَوْ غَيْرِهِ أُخِذَ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ تَخْتَلِفُ عِنْدَ النَّاسِ) وَالنِّيَّةُ مُخَصِّصَةٌ (وَثُلُثُ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ بِيَوْمِ نَذْرِهِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَالَ فِي الْهَدْيِ: يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ وَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ قَدْرُ دَيْنِهِ (وَلَا يَدْخُلُ مَا تَجَدَّدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ النَّذْرِ.

(وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ وَنِيَّتُهُ أَلْفٌ) أَوْ نَحْوُهُ (مُخْتَصَّةٌ يُخْرِجُ مَا شَاءَ) لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ (وَمَصْرِفُهُ) أَيْ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ (لِلْمَسَاكِينِ كَصَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ.

(وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ مَالِهِ) كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِأَلْفٍ وَلَيْسَتْ كُلَّ مَالِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا نَذَرَهُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ كَسَائِرِ النُّذُورِ.

(وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ) وَ (إنْ كَانَ الْغَرِيمُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْصِدَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ وَهَذَا إسْقَاطٌ فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالزَّكَاةِ (فَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ الدَّيْنَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَدِينِ (ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ) مِنْ النَّذْرِ (أَجْزَأَ) لِحُصُولِ التَّمْلِيكِ.

وَمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِثُلُثِ الزَّائِدِ وَحَبَّةِ

بُرٍّ وَنَحْوِهَا لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ.

وَإِنْ قَالَ إنْ مَلَكْتُ مَالَ فُلَانٍ فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهِ فَمَلَكَهُ فَكَمَالِهِ (وَتَجِبُ كَفَّارَةُ النَّذْرِ عَلَى الْفَوْرِ وَتَقَدَّمَ آخِرَ كِتَابِ الْإِيمَانِ) وَكَذَلِكَ نَفْسُ النَّذْرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُ فَوْرًا وَتَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.

(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا أَوْ صِيَامَ نِصْفِ يَوْمٍ أَوْ رُبُعِهِ وَنَحْوِهِ) كَثُلُثِ يَوْمٍ (لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ فَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَشْبَهَ قَضَاءَ رَمَضَانَ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَأَطْلَقَ فَرَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ) عَلَى الْقِيَامِ (لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي فَرْضٍ وَإِنْ عَيَّنَ عَدَدًا) مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ (أَوْ نَوَاهُ لَزِمَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ.

(وَإِنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ) الْعَبْدُ (قَبْلَ مُعْتِقِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ النَّذْرِ (وَيُكَفِّرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْعَبْدَ الْمَنْذُورَ عِتْقُهُ (السَّيِّدُ فَالْكَفَّارَةُ فَقَطْ) وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ غَيْرِهِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ لِلْمَنْذُورِ عِتْقُهُ وَقَدْ مَاتَ (وَإِنْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ سَيِّدِهِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ (وَلِلسَّيِّدِ الْقِيمَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدَ (صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ عَنْ النَّذْرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ (كَاللَّيْلِ) .

(وَإِنْ قَالَ:) لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ (سَنَةً وَأَطْلَقَ) وَلَمْ يُعَيِّنْهَا (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ كَمَا فِي) نَذْرِ صَوْمِ (شَهْرٍ مُطْلَقٍ وَيَأْتِي وَيَصُومُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ) أَيْ: يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ) لِأَنَّهُ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ سَنَةً فَانْصَرَفَ إلَى سَنَةٍ كَامِلَة وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا كَامِلَةً فَلَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ لِذَلِكَ.

(وَإِنْ قَالَ:) لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ (سَنَةً مِنْ الْآنِ أَوْ مِنْ وَقْتِ كَذَا فَكَمُعَيَّنَةٍ) لِأَنَّ تَعْيِينَ أَوَّلِهَا تَعْيِينٌ لَهَا إذْ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، فَإِذَا عَيَّنَ أَوَّلَهَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا انْقِضَاءَ الثَّانِي عَشَرَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَلَا أَيَّامُ النَّهْيِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ) كَبَقِيَّةِ النَّذْرِ (وَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ) أَيْ بِلَا قَضَاءٍ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بِالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ وَيُكَفِّرُ لِتَرْكِ الْمَنْذُورِ (وَلَا يَدْخُلُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ نَهْيٍ) فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ كَاللَّيْلِ (وَيَقْضِي فِطْرَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ رَمَضَانَ (لِعُذْرٍ) أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَتَقْدِيمِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَيُكَفِّرُ بِفِطْرِهِ لِرَمَضَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَيُصَامُ لِظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْيَوْمِ الْمَنْذُورِ صَوْمُهُ (وَيُكَفِّرُ مَعَ صَوْمِ ظِهَارٍ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَنَحْوِهِ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ سَبَبُهُ بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَفْطَرَ) لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ (وَقَضَى) لِأَنَّهُ فَاتَهُ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ (وَكَفَّرَ) لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَكَمَا لَوْ فَاتَهُ لِمَرَضٍ.

(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَبَدًا ثُمَّ جَهِلَ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَصُومُ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا أَيَّ يَوْمٍ كَانَ انْتَهَى وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ التَّعْيِينِ) أَيْ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ قُلْتُ: فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ مَا صَامَهُ خِلَافُ مَا عَيَّنَهُ وَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالشَّكِّ.

[فَصْلٌ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْم يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ]

ِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ فَلَمْ يَجِبْ نَذْرُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ صَبِيحَتَهُ (وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ صَبِيحَتِهِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (نَهَارًا أَوْ هُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (مُفْطِرٌ أَوْ) قَدِمَ (يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ قَضَى وَكَفَّرَ) لِأَنَّهُ أَفْطَرَ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَمْ يَصُمْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا وَنَذَرَ إتْمَامَهُ (وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (صَائِمٌ وَكَانَ قَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ صَحَّ صَوْمُهُ وَأَجْزَأَهُ) وَفَاءً بِنَذْرِهِ.
(وَإِنْ نَوَى) النَّاذِرُ الصَّوْمَ (حِين قَدِمَ) زَيْد (لَمْ يُجْزِئْهُ) الصَّوْمُ لِعَدَمِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ (وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرِهِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ ذِمَّتِهِ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ) أَيْ زَيْدٍ (وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَتَمَّهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ كَ) مَا لَوْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي (صَوْمٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ أَوَّلَ رَمَضَانَ) فَعَلَيْهِ قَضَاءُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةُ (وَعَلَيْهِ نَذْرُ الِاعْتِكَافِ كَالصَّوْمِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ فَلَغْوٌ) لَا قَضَاءَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْم نَذْرِهِ وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (مَجْنُونٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ النَّذْرِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كَالْمُحَرَّمِ (فَلَمْ

يَصُمْهُ قَضَى) لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ مُعَيَّنٌ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ (مُتَتَابِعًا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ وَقَدْ وَجَبَ مُتَتَابِعًا فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ (وَكَفَّرَ) سَوَاءٌ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ (لِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ فَيَسْتَأْنِفُ (شَهْرًا مِنْ يَوْمِ فِطْرِهِ وَكَفَّرَ) لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ.
، (وَ) إنْ أَفْطَرَ مِنْهُ (لِعُذْرٍ يَبْنِي) عَلَى مَا صَامَهُ (وَيَقْضِي مَا أَفْطَرَهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِتَمَامِهِ) لِأَنَّ بَاقِي الشَّهْرِ مَنْذُورٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَوْمِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ أَنَّ تَتَابُعَ رَمَضَانَ بِالشَّرْعِ وَتَتَابُعَ النَّذْرِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَرَّقَهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) الصَّوْمُ (كَالصَّلَاةِ) قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ (وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ الْحَجَّ فِي عَامٍ فَحَجَّ قَبْلَهُ) لَمْ يُجْزِئْهُ.
(فَإِنْ كَانَ نَذْرُهُ بِصَدَقَةِ مَالٍ جَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ كَالزَّكَاةِ) وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحِنْثِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ جُنَّ) النَّاذِرُ (الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ كُلَّهُ) لِلصَّوْمِ أَوْ الِاعْتِكَافِ (لَمْ يَقْضِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ (وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِذَلِكَ (وَصَوْمُهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) أَوْ الْقَتْلِ أَوْ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (فِي الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ كَفِطْرِهِ فِيهِ) فَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ (وَيَبْنِي مَنْ لَا يَقْطَعُ عُذْرُهُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ) أَيْ إذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ تَتَابُعَ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا فَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا نَذَرَهُ (وَالْكَفَّارَةُ) لِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ) شَهْرٍ (مُطْلَقٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ (وَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَامَ شَهْرًا هِلَالِيًّا مِنْ أَوَّلِهِ وَلَوْ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَيَلْزَمُهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَأَيَّهُمَا فَعَلَهُ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْعُهْدَةِ (فَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ الصَّوْمَ بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَهُ (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ بَطَلَ التَّتَابُعُ لِتَحَلُّلِ الْفِطْرِ فِيهِ وَ) إنْ أَفْطَرَ (مَعَ عُذْرٍ بِخَبَرٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ) أَيْ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمَنْذُورِ عَلَى صِفَتِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ، وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُكَفِّرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَلَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يَلْزَمْهُ تَتَابُعٌ) لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ

بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يَقُولَ: مُتَتَابِعَةٍ (أَوْ نِيَّةٍ) فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ) كَعَشْرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (فَأَفْطَرَ) فِي أَثْنَائِهَا (لِمَرَضٍ يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ) بِأَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ بِالصَّوْمِ (أَوْ) أَفْطَرَ لِ (حَيْضٍ خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى صَوْمِهِ فَيُكَفِّرُ) لِمُخَالَفَتِهِ فِيمَا نَذَرَهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) ضَرُورَةً لِلْوَفَاءِ بِالتَّتَابُعِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَنْذُورَ وَعَلَى وَجْهِهِ (وَإِنْ أَفْطَرَ) النَّاذِرُ صِيَامًا مُتَتَابِعًا (لِسَفَرٍ أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ) لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَشْبَهَ الْمَرَضَ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ.

(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ نَذَرَهُ) أَيْ الصِّيَامَ فِي حَالِ عَجْزِهِ (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَالْإِطْعَامِ لِلْعَجْزِ عَنْ وَاجِب الصَّوْمِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (وَإِنْ عَجَزَ) النَّاذِرُ عَنْ الصَّوْمِ (لِعَارِضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ انْتَظَرَ زَوَالَهُ) كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا) إذَا لَمْ يَكُنِ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَفَاتَ مَحَلَّهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ صَارَ) الْمَرَضُ (غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ صَارَ) النَّاذِرُ (إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ) فِي الْإِطْعَامِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَمَا لَوْ كَانَ ابْتَدَأَ بِذَلِكَ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا) كَطَوَافٍ (وَعَجَزَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ) وَظَاهِرُ هَذَا انْعِقَادُ نَذْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَلَوْلَا انْعِقَادُ نَذْرِهِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ (وَإِنْ نَذَرَ حَجًّا لَزِمَهُ) صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَعْضُوبًا، وَيَحُجُّ عَنْهُ وَإِنْ أَطَاقَ الْبَعْضَ أَتَى بِهِ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي.

(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ الرُّكُوبَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ) إلَى (مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ أَوْ مَكَّةَ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (أَوْ قَالَ: غَيْرُ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْمَشْيُ إلَيْهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَيُحْمَلُ النَّذْرُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، وَيُلْغَى مَا يُخَالِفُهُ (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَيْ مَكَانِهِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ) كَمَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُهُ مِنْهُ عَلَى صِفَة مَا نَذَرَهُ مِنْ مَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ) لِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ (إلَى أَنْ يَسْعَى فِي الْعُمْرَةِ أَوْ يَأْتِيَ بِالتَّحَلُّلَيْنِ فِي الْحَجِّ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَلْزَمُهُ الْمَقْدُورُ مِنْهُمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاؤُهُ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ.
وَفِي التَّرْغِيبِ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ التَّحَلُّلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَيَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ لِإِتْيَانِهِ مَا نَذَرَهُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِحْرَامِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمِيقَاتِ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ الْمَنْذُورَ أَوْ) تَرَكَ (الرُّكُوبَ الْمَنْذُورَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» وَلِأَنَّ الْمَشْيَ أَوْ الرُّكُوبَ فِيهَا لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ فَلَا يَجِبُ بِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ دَم (فَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِالْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ حَقِيقَةَ ذَلِكَ) وَ (إنَّمَا أَرَادَ إتْيَانَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَزِمَهُ إتْيَانَهُ فِي ذَلِكَ) لِلْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ (وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ) لِأَنَّهُمَا يَحْصُلَانِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ نَذَرَهُمَا) أَيْ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ (إلَى) مَوْضِعٍ (غَيْرَ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْمَوَاضِعِ كَمَسْجِدٍ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى (لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ (وَلَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا وَجَبَ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا) لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ (وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ) أَيْ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ (مَاشِيًا) إنْ كَانَ نَذَرَهُ مَاشِيًا (أَوْ رَاكِبًا) إنْ كَانَ نَذَرَهُ رَاكِبًا (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ) بِالتَّحَلُّلَيْنِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ وَ) هِيَ (الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَ) الْمَبِيتُ بِمِنًى وَالرَّمْيُ (وَتَحَلُّلٌ بِعُمْرَةٍ) إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ،.

وَإِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ فَلَمْ يَحُجَّ ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ الثَّانِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ يَصِحّ وَأَنْ يَبْدَأَ بِالثَّانِيَةِ لِفَوْتِهَا وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ.

(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ أَوْ) أَنْ (يَذْهَبَ إلَيْهِ أَوْ يَحُجَّهُ أَوْ يَزُورَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (إنْ شَاءَ مَاشِيًا وَإِنْ شَاءَ رَاكِبًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ أَحَدَهُمَا.

(وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (أَوْ) نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِيُوَفِّيَ بِنَذْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُهُمْ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا (وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ.

(وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَهُ مَسْجِدًا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ) لِحَدِيثِ:

«لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» (وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (فَيُصَلِّيهَا فِي أَيْ مَكَان شَاءَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ) لِحَدِيثِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» .

(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْتًا) بِلَفْظِهِ (وَلَمْ يَنْوِهِ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّه الْحَرَامِ) لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ.

(وَإِنْ نَذَرَ طَوَافًا) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَذَرَ (سَعْيًا) وَأَطْلَقَ (فَأَقَلُّهُ أُسْبُوعٌ) لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ (وَتَقَدَّمَ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ) مُفَصَّلًا.

(وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الظِّهَارِ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا فَيَجْزِيهِ مَا عَيَّنَهُ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ كَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ (لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ أَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا عِتْقٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ) .

(وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعَ طَافَ طَوَافَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَلِخَبَرِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ الْكِنْدِيِّ: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعَيْنِ، سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَالسَّعْيُ) النُّذُورُ عَلَى أَرْبَعٍ (كَالطَّوَافِ) فِي ذَلِكَ فَيَسْعَى عَلَى رِجْلَيْهِ أُسْبُوعَيْنِ (وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا أَوْ) نَذْرِهِ حَجًّا حَافِيًا حَاسِرًا، أَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ (الْحَجَّ حَاسِرَةً وَنَحْوَهُ) كَالصَّلَاةِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ (فَيَفِي بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتُلْغَى تِلْكَ الصِّفَةُ) لِمَا.
رَوَى عِكْرِمَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا قَالَ: فَمُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مَقْرُونَيْنِ فَقَالَ: أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا» (وَيُكَفِّرُ) لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (وَيَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فَلَا يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ سَيُوجَدُ إلَّا بِاعْتِبَارٍ جَازِمٍ أَوْ ظَنٍّ

رَاجِحٍ.
قَالَ: وَتَعْلِيقُ الْخَبَرِ فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِخْبَارِ الْمَشْهُورِ فِي تَرْكِهِ فِي الْخَبَرِ وَالْقَسَمِ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ أَيْ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ بِسَبَبٍ كَمَنْ قَالَ: تَزَوَّجْ وَأُعْطِيكَ كَذَا، وَأَحْلِفْ لَا تَشْتُمُنِي وَلَكَ كَذَا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ.

(تَنْبِيهَاتٌ) لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْتَ عَبْدَ زَيْدٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَهُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ أُلْزِمَ بِعِتْقِهِ إذَا مَلَكَهُ.

وَإِذَا نَذَرَ الْحَجَّ عَاجِزٌ عَنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ حَالَ نَذْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ثُمَّ إنْ وَجَدَهُمَا لَزِمَهُ.

وَإِنْ نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ أَطْلَقَ يُجْزَى بِتَسْلِيمَةٍ كَعَكْسِهِ،.

وَلِمَنْ نَذَرَ صَلَاةً جَالِسًا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا وَالْعَهْدُ غَيْرُ الْوَعْدِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، وَالْأَمَانِ وَالذِّمَّةِ وَالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] عَامٌّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَالنَّاسِ ثُمَّ قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ مِنْ الْوَعْدِ.

[كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا]

(وَالْقَضَاءُ) مَصْدَرُ قَضَى يَقْضِي فَهُوَ قَاضٍ، إذَا حَكَمَ وَإِذَا فَصَلَ وَإِذَا حَكَمَ وَإِذَا أَمْضَى وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الشَّيْءِ وَإِذَا خَلَقَ، وَقَضَى فُلَانٌ وَاسْتَقْضَى صَارَ قَاضِيًا وَيُسَمَّى قَاضِيًا لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيَحْكُمُهَا وَيَكُونُ قَضَى بِمَعْنَى أَوْجَبَ وَ (جَمْعُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (أَقْضِيَةٌ) وَجُمِعَ مَعَ أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ (الْإِلْزَامُ) بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (وَفَصْلُ الْخُصُومَاتِ) وَالْحُكْمُ إنْشَاءٌ لِذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ وَالْإِطْلَاقِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْإِبَاحَةِ كَحُكْمِ الْحَاكِم بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ الْحَاكِمُ فِيهِ صِفَاتٌ ثَلَاثَةٌ: فَمِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ هُوَ شَاهِدٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُوَ مُفْتٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ هُوَ ذُو سُلْطَانٍ انْتَهَى.
وَأَرْكَانُ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ: الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمُقْضَى فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65]

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ (وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي غَيْرِهِ لَكِنْ الْمُخَاطَبُ بِنَصْبِ الْقَضَاءِ الْإِمَامُ كَمَا يَأْتِي (وَوِلَايَتُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ وَنَصْبُهُ شَرْعِيَّةٌ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ) قَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُو سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (دِينًا وَقُرْبَةً فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ) «وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ الْأَكْثَرِ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا انْتَهَى) .

(وَفِيهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ) وَلِهَذَا فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَيْ مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ فَلْيَحْذَرْهُ، وَالذَّبْحُ هَهُنَا مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (فَمَنْ عَرَفَ الْحَقِّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ أَوْ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَفِي النَّارِ، وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَفِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» .

(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ، الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَلِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّفَرِ إلَى الْإِمَامِ فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ لِمَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ وَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَاضِيًا لِلْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَالْإِقْلِيمُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ (وَ) يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ

يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لَهُمْ، فَيَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالشَّرْعِ فَرْعٌ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ، وَكَذَا مَنْ وَرَعُهُ أَشَدُّ لِسُكُونِ النَّفْسِ إلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ أَعْظَمُ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ (سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] (فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (مَنْ لَا يَعْرِفُهُ أَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْئُولِ غَرَضٌ غَيْر الْمَطْلُوبِ وَكَانُوا يَمْتَحِنُونَ الْعُمَّالَ بِالْفَرَائِضِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْغَوَامِضِ (فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ) وَلَّاهُ (وَإِلَّا بَحَثَ عَنْهَا فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ) وَإِلَّا لَمْ يُوَلِّهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا يَأْتِي (وَيَأْمُرُهُ) الْإِمَامُ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ وَ) يَأْمُرُهُ أَيْضًا (بِتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهُهُ عَلَى اعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ.
(وَيَكْتُبُ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِذَلِكَ عَهْدًا) إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكْتُبُ لَهُ بِأَنَّهُ وَلَّاهُ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ إلَخْ.
(وَ) يَأْمُرُهُ (أَنْ يَتَخَلَّفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ نَاحِيَةٍ (أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ) لَهُمَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَصْلَحَةِ رَعِيَّةِ بَلَدِ الْقَاضِي وَحَثًّا لَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ.

، (وَ) يَجِبُ عَلَى (مَنْ يَصْلُحُ لَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ (طَلَبُهُ) وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

(وَمَنْ لَا يُحْسِنُهُ) أَيْ الْقَضَاءَ (وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ) لِعَدَمِ صِحَّةِ قَضَائِهِ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ وَالضَّرَرُ.

(وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ) فِي الْأَهْلِيَّةِ (فَلَهُ أَنْ يَلِيَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) الدُّخُولُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُجِيبَ إذَا طُلِبَ) إذَنْ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ وَلِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ وَذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَقَدْ أَرَادَ

عُثْمَانُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَى.

(وَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ) طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ (وَتَأَكَّدَ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ.

(وَيَحْرُمُ بَذْلُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي نَصْبِهِ قَاضِيًا (وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ (وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَهُ) وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْقَائِمِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَتَهُ أُثِيبَ وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ.

(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ) مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا وَتَصِحُّ أَيْضًا تَوْلِيَةُ حَرِيصٍ عَلَيْهَا بِلَا كَرَاهَةٍ.

(وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ.

(وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ (كَوْنَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَضَاءِ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَهْلِيَّتِهِ، كَمَا لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصَلَاحِيَتِهِ (وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (تَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْمُحَكَّمُ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ) كَمِصْرِ وَنَوَاحِيهَا (وَالْبُلْدَانِ) كَالْمَحِلَّةِ وَنَحْوِهَا لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وِلَايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (مُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ) إنْ كَانَ حَاضِرًا (وَمُكَاتَبَتُهُ بِهَا) إنْ كَانَ غَائِبًا لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ كَالتَّوْكِيلِ وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» ، وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ لَكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا " (فِي الْبُعْدِ) أَيْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا فِي الْبُعْدِ (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ فَيَقْرَأُ) الْإِمَامُ (أَوْ نَائِبُهُ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ تَوْلِيَتِهِ فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (لَهُمَا اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَتَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ بِمَا يَشْتَمِلُ هَذَا الْعَهْدِ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ بَعِيدًا لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ (وَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادِ) عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ) الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ (قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ لِيَسْتَفِيضَ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ نَحْوُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ) أَيْ كَمَا يَكْتَفِي بِالِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الْكِتَابَةِ وَعَنْ الْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوِلَايَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْأَزَجِيُّ وَاسْتِفَاضَةٌ وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَوْ كَانَ نَائِبَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَتَصِحُّ وِلَايَتُهُ كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلِّي أَفْضَى إلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّحِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ وَقَلَّدْتُكَ) الْحُكْمَ (وَاسْتَنَبْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَاسْتَخْلَفْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَرَدَدْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَجَعَلْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ.
(وَقَبِلَ الْمُوَلَّى الْحَاضِرُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ) قَبِلَ (الْغَائِبُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (أَوْ شَرَعَ الْغَائِبُ فِي الْعَمَلِ انْعَقَدَتْ) الْوِلَايَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَصِحُّ الْقَبُولُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فِي الْأَصَحِّ انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَالْكِنَايَةُ نَحْوَ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا تَنْعَقِدُ) الْوِلَايَةُ بِكِنَايَةٍ مِنْهَا (حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ نَحْوُ: فَاحْكُمْ أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ فِيهِ عَلَيْكَ وَمَا أَشْبَهَهُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.

[فَصْلٌ وَتُفِيدُ وِلَايَة الْحُكْمِ الْعَامَّةِ]

ُ أَيْ الَّتِي لَمْ تُخَصَّ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَّةِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُ) الْقَاضِي (بِهَا) أَيْ بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: تَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ (وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ) لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ (وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ) لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ.
(وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ) الَّتِي (فِي عَمَلِهِ) أَيْ وِلَايَتِهِ (لِتَجْرِي بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَى إجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ (وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ كَغَيْرِهِ (وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْقَاضِي نَائِبُهُ (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقِيمُهَا وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ (وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ فِي إقَامَتِهَا، وَنَصْبُ إمَامِهَا وَكَذَا الْعِيدُ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا (مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ) مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوَاقِفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (وَالنَّظَرُ فِي مَالِ الْغَائِبِ) لِئَلَّا يَضِيعَ.
(وَجِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) أَيْ الزَّكَاةِ (إنْ لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ) مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ) لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلْمَصَالِحِ (وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ لِيَسْتَبْقِيَ وَيَسْتَبْدِل مَنْ يَصْلُحُ) أَيْ يَسْتَبْقِي مَنْ يَصْلُحُ وَيَسْتَبْدِلُ مَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَضَاءِ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ الْوِلَايَةِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
(قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَسْتَفِيدُ الِاحْتِسَابَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامِهِمْ بِالشَّرْعِ) . وَفِي الْمُنْتَهَى: لَا يَسْتَفِيد ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِتَوَلِّي الْقُضَاةِ لِذَلِكَ.
(قَالَ الشَّيْخُ: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُحَدَّ شَرْعًا يُحَلُّ عَلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ (وَلَا يَحْكُمُ) الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً غَيْرَ عَمَلِهِ وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ مَا يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً، كَالْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا (مَحَلُّ حُكْمِهِ) الَّذِي وَلِيَ لِيَحْكُمَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً أَوْ بَلَدًا مُعَيَّنًا أَوْ مَحَلًّا مُعَيَّنًا مِنْ الْبَلَدِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ حَكَمَ أَوْ وَلِيَ أَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (لُغِيَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ وِلَايَةً (وَتَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ كَتَعْدِيلِهَا) فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُفُوذِ حُكْمِهِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (طَلَبُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَرَزَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِذَا جَازَ لَهُ الطَّلَبُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ (مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، وَفَرَضَ

عُمَرُ لِزَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَتْ وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ (فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (شَيْءٌ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ جَازَ) فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.

(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا يَعْمَلُهُ إنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ.

(وَلِلْمُفْتِي أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْأَذَانِ (وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا كِفَايَةَ لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ (وَمَنْ أَخْذَ رِزْقًا) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ وَلَا لِحَظِّهِ لِاسْتِغْنَائِهِ بِالرِّزْقِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذ رِزْقًا (أَخَذَ أُجْرَةَ حَظِّهِ) فَقَطْ.

(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ، الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ التَّكَسُّبِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَالِانْقِطَاعِ لَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ.

[فَصْلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْإِمَامُ عُمُومَ النَّظَرِ]

ِ (فِي عُمُومِ الْعَمَلِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ) فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ (فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ) وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُوَلِّيَهُ) الْإِمَامُ (خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (أَوْ) أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (فَيُوَلِّيَهُ النَّظَرَ فِي بَلَدٍ) خَاصٍّ (أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فَيَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فِي، أَهْلِهِ وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ) لِأَنَّ الطَّارِئَ إلَيْهِ يُعْطَى حُكْمَ أَهْلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي الطَّارِئِ إلَيْهَا كَأَهْلِهَا (وَلَكِنْ لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا) مِنْ الْأَوْلَى لَهَا وَهِيَ فِي عَمَلِهِ (فَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ) لَهَا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ عَمَلِهِ لِأَنَّهَا حَالَةَ التَّزْوِيجِ لَمْ تَكُنْ فِي عَمَلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَا يَصِحُّ.
(وَلَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ) ذَلِكَ (إلَى عَمَلِهِ) لِأَنَّ إذْنهَا لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ إلَى عَمَلِهِ (فَإِنْ قَالَتْ) لِلْقَاضِي فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (إذَا حَصُلْتُ فِي عَمَلِكَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ) أَنْ تُزَوِّجَنِي (فَزَوَّجَهَا) بَعْدَ حُصُولِهَا (فِي عَمَلِهِ صَحَّ) تَزْوِيجُهُ لَهَا (بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ

الْوِكَالَةِ بِالشَّرْطِ) وَالْإِذْنُ فِي مَعْنَى الْوِكَالَةِ وَلَيْسَ وَكَالَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ عَزْلَهُ (أَوْ يَجْعَلُ) الْأَمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (الْحُكْمَ فِي الْمُدَايِنَاتِ خَاصَّةً أَوْ) الْحُكْمَ (فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ لَا يُتَجَاوَزُ، أَوْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا) فِي بَلَدٍ خَاصٍّ أَوْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ لِأَنَّ الْخِبْرَةَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَى الْأَمَامِ فَكَذَا فِي صِفَتِهَا وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْكُلِّ فَكَذَا فِي الْبَعْضِ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي شَيْءٍ، فَوَلَّى عُمَرَ الْقَضَاءَ، وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا بِالْيَمَنِ وَكَانَ يُرْسِلُ بَعْضَهُمْ لَقَبْضِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.

(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) الْإِمَامُ قَاضِيًا (مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ (وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَهُ الْحُكْمُ بِهَا) هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَوَازُ انْتَهَى قُلْتُ: فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ابْتِدَاءً شَيْئًا خَاصًّا وَبَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ.

(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ (قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَلِّي الْإِمَامَ أَوْ الْقَاضِيَ) وَلَّى (خُلَفَاءَهُ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ إلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَ) يَجْعَلَ (إلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ) لِأَنَّ الْإِمَامَ كَامِلُ الْوِلَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ كَتَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوَاحِدِ (فَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْقَاضِيَيْنِ (عَمَلًا وَاحِدًا جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (فَيَحْكُمُ كُلُّ وَاحِدٍ بِاجْتِهَادِهِ) لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فَجَازَ جَعْلُهَا لِاثْنَيْنِ كَالْوِكَالَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَالْإِمَامُ أَوْلَى (وَلَيْسَ) لِلْقَاضِي (الْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَفِيقِهِ (وَلَا نَقْضَ حُكْمِهِ) كَمَا لَوْ قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ خَاصٍّ (فَإِنْ تَنَازَعَ خَصْمَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَحَدِهِمْ قَدَّمَ قَوْلَ الطَّالِبِ) وَهُوَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الطَّالِبُ يُرِيد الدَّعْوَى (عِنْدَ نَائِبٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي (فَلَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الْخَصْمَانِ (فِي الدَّعْوَى كَالْمُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّكَلُّفِ لِلْأَبْعَدِ مِنْهُمَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْحَاكِمَانِ فِي الْقُرْبِ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاضِيًا لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ بِدُونِ الْقُرْعَةِ.

(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَقّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَلَّاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ

بِعَيْنِهِ (بَطَلَ الشَّرْطُ) وَصَحَّتْ الْوِلَايَةُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبِيَعِ (وَعَمَلَ النَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا) .

(قَالَ الشَّيْخُ: مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ قَالَ يَنْبَغِي) أَيْ تَقْلِيدُ إمَامٍ بِعَيْنِهِ (كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا قَالَ: وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلْإِمَامِ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ) بِلَا نِزَاعٍ.
(قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْحَالِ) أَيْ حَالِ قُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى (يَجُوزُ) تَقْلِيدُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ (عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَجِبُ وَإِنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ) انْتَهَى.

(وَيَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ) أَيْ أَنْ يُوَلِّيَ، الْقُضَاةَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ (أَنْ يُوَلِّيَ نَفْسَهُ وَلَا وَالِدَهُ وَلَا وَلَدَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوِكَالَةِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى بِفَتْحِهَا) أَيْ: اللَّامِ (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ كَمَا لَوْ عُزِلَ الْإِمَام لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ (نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ لَا نَائِبُهُ) فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ عَقَدَ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ فَسَخَهُ (وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ كَوَالٍ وَمَنْ يُنَصِّبُهُ) الْإِمَامُ (لِجِبَايَةِ مَالٍ) كَخَرَاجٍ وَزَكَاةٍ (وَصَرْفِهِ وَأَمِيرِ جِهَادٍ وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَمُحْتَسِبٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَقَالَ:) الشَّيْخُ (الْكُلُّ لَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِ الْمُسْتَنِيبِ وَمَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ انْتَهَى) لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا (وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) أَيْ لَوْ قَدَّرَ الْقَاضِي نَفَقَةً أَوْ كُسْوَةً أَوْ نَحْوَهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ لَمْ يَبْطُلْ فَرْضُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِمَوْتِهِ وَلَا بِعَزْلِهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ لِأَنَّ فَرْضَهُ حُكْمٌ، وَأَحْكَامُهُ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْعَزْلِ.

(وَلَا يَنْعَزِلُ) الْقَاضِي (حَيْثُ صَحَّ عَزْلُهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ فَلَيْسَ كَوَكِيلٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوِلَايَةِ لِلَّهِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَكِيلٌ وَالنَّسْخُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْعِلْمِ كَمَا قُلْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ إنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْوَكِيلِ بِثُبُوتِ الضَّمَانِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْجَهْلَ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فَإِنَّ فِيهِ الْإِثْمَ وَذَلِكَ يُنَافِي الْجَهْلَ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا فَعَزَلَ نُوَّابَهُ أَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ انْعَزَلُوا) لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ أَشْبَهُوا الْوَكِيلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ قَاضِيًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ عِنْدَهُ

وَعِنْدَ نُوَّابِهِ بِالْبُلْدَانِ فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَنُوَّابُ الْأَمِيرِ كَالْوَالِي وَالْمُحْتَسِبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ وِلَايَتُهُ مِنْهُ يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِهِ.

(وَمَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ انْعَزَلَ) قَاضِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ.

(وَلَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ فَوَلَّى غَيْرَهُ) وَكَانَ (فَبَانَ) الْمُخْبِرُ عَنْهُ (حَيًّا لَمْ يَنْعَزِلْ) لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْبَارِ وَكَذَا كُلُّ مَا رُتِّبَ عَلَى أَنَّهَا فَاسِدَةٌ.

(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَجْعَلَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ مِنْهُ بِلَا إذْنٍ (وَإِنْ نَهَاهُ) أَيْ نَهَى الْإِمَامُ الْقَاضِي (عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) غَيْرَهُ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَاصِرَةٌ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْإِمَامُ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاسْتِخْلَافِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ (فَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (ذَلِكَ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ نَصَّ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ وَجَعْلًا لَهُ كَالْوَصِيِّ انْتَهَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ عُرْفًا أَوْ يَشُقُّ وَهَذَا الثَّانِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْوِكَالَةِ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ وَقَالَ عَنْهُ هُنَاكَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَدْ نَقْلنَا كَلَامَهُ فِي الْحَاشِيَةِ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ وَيُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ التَّائِبِ لِمَا نَوَاهُ.

(وَيَصِحُّ) تَعْلِيقُ (تَوَلِّيَةِ قَضَاءٍ وَتَوْلِيَةِ إمَارَةٍ) بَلَدٍ أَوْ سَرِيَّةٍ وَنَحْوِهَا (بِشَرْطٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ بَعْدَ زَيْدٍ عَلَى شَرْطٍ فَكَذَا وِلَايَة الْحُكْمِ.

(فَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي أَوْ نَفَّذَ وِلَايَتَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ لِمَنْ يَنْظُرُ) مِنْهُمَا (لِجَهَالَةِ الْمُوَلَّى مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ (وَإِنْ قَالَ) الْإِمَامُ: (وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي؛ انْعَقَدَتْ لِمَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا النَّظَرُ) لِأَنَّهُ وَلَا هُمَا جَمِيعًا ثُمَّ عَيَّنَ السَّابِقَ مِنْهُمَا.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ]

ٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُنَفِّذُ قَوْلَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلِئَلَّا يَنْعَقِدَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا وَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ وَبَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مُنَافَاةٌ (ذَكَرًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمَرَهُمْ امْرَأَةً» وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ قَلِيلَةُ الرَّأْيِ

لَيْسَتْ أَهْلًا لِحُضُورِ مَحَافِلِ الرِّجَالِ (حُرًّا) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِرِقِّهِ، مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، وَكَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى (لَكِنْ تَصِحُّ وِلَايَةُ عَبْدٍ إمَارَةَ سَرِيَّةٍ وَقَسْمَ صَدَقَةٍ وَ) قَسْمُ (فَيْءٍ، وَإِمَامَةُ صَلَاةٍ) غَيْرَ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (وَأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَقْتَضِي إذْلَالَ صَاحِبِهِ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي احْتِرَامَهُ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ فَهُنَا أَوْلَى (عَدْلًا وَلَوْ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ) نَصّ عَلَيْهِ.
(فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ) قَبُولَ (الشَّهَادَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ا﴾ [الحجرات: 6] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّبْيِينُ عِنْدَ حُكْمِهِ وَكَالشَّهَادَةِ (وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّز الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُقِرَّ مَنْ الْمُقَرِّ لَهُ (نَاطِقًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ (مُجْتَهِدًا) إجْمَاعًا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَلِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ لَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فَاقِدَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا فَالْحَاكِمُ أَوْلَى.
(وَلَوْ) كَانَ اجْتِهَادُهُ (فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (لِضَرُورَةٍ) لَكِنْ فِي الْإِفْصَاحِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مُجْتَهِدٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا عُنِيَ بِهِ مَا كَانَتْ الْحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي خُطْبَةِ الْمُفْتِي: النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ (وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ أَوْ مُقَلِّدًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (وَعَلَيْهِ عَمِلَ النَّاسُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ وَكَذَا الْمُفْتِي) قَالَ ابْنُ يَسَارٍ مَا أَعِيبُ مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِأَحْمَدَ يُفْتِي بِهَا، وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ مُفْتٍ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْحَاجَةِ (فَيُرَاعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَ) يُرَاعِي مِنْ أَقْوَالِهِ

(مُتَأَخِّرًا وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبٍ فِي ذَلِكَ وَيَحْكُمُ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ) وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ يَنْقَسِمُ) أَيْ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ (حَتَّى لَوْ وَلَّاهُ فِي الْمَوَارِيثِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا الْفَرَائِضَ وَالْقَضَايَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَلَّاهُ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ وَفَسْخَهَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَقُضَاةُ الْأَطْرَافِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْضُوا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ كَالدِّمَاءِ وَالْقَضَايَا الْمُشْكَلَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: اقْضِ فِيمَا نَعْلَمُ كَمَا يَقُول لَهُ: فِيمَا تَعْلَمُ جَازَ وَيَبْقَى مَا لَا يَعْلَمُ خَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ انْتَهَى وَمِثْلُهُ لَا تَقْضِي فِيمَا مَضَى لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَنَحْوَهُ) لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ.

(وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا وَلْيَحْذَرْ الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ مِثْل أَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا هُوَ لَهُ) فَقَطْ (أَوْ يَكْتُبَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ) فَقَطْ (وَنَحْوَ ذَلِكَ) بَلْ يَكْتُبُ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسَائِلِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مَيْلٌ مَعَ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ سَأَلَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا وَبَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يُجِبْ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ) السَّائِلُ (بِذَلِكَ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا شَرَحَهُ) الْمُسْتَفْتِي (لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ دَافِعٍ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ) :

(وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاضِي كَاتِبًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أُمِّيًّا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا (أَوْ) أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ (وَرِعًا أَوْ زَاهِدًا أَوْ يَقِظًا أَوْ مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ أَوْ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ كَذَلِكَ) أَيْ كَاتِبًا وَرِعًا زَاهِدًا يَقِظًا مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ حَسَنَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ) تَعَالَى.

(قَالَ: وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ تُعْتَبَرُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَيَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُوَلِّي لِلْعَدَمِ أَنْفَعَ الْفَاسِقِينَ وَأَقَلَّهُمَا شَرًّا، وَأَعْدَلَ الْمُقَلِّدِينَ وَأَعْرَفَهُمَا بِالتَّقْلِيدِ وَهُوَ كَمَا قَالَ) وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ وَاخْتَلَّ النِّظَام (وَالشَّابُّ الْمُتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ كَغَيْرِهِ لَكِنْ الْأَسَنُّ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي) فِي الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ وَوَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً (وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِحُسْنِ الْخُلُقِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُرَجَّحُ (مَنْ كَانَ أَكْمَلَ فِي الصِّفَاتِ) السَّابِقِ ذِكْرُهَا لِتَرَجُّحِهِ بِكَمَالِهِ (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُوَلِّيَ الْمَوْلَى) أَيْ الْمُعْتَقَ (مَعَ أَهْلِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا أَشْبَهَ حُرَّ الْأَصْلِ.

(وَمَا يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءً يَمْنَعُهَا دَوَامًا، إذَا طَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِفِسْقٍ أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ) فَيَنْعَزِلُ بِذَلِكَ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْلِ وَالْعَدَالَةِ وَنَحْوِهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ فَتَبْطُلُ بِزَوَالِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهَا (إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (فِي حَالِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَتَّى عَمِيَ أَوْ طَرِشَ فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ الْأَعْمَى وَالْأَصَمُّ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْأَصَمُّ لَا يَعْرِفُ مَا يُقَالُ فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ فَإِذَا كَانَ قَدْ عَرَفَهُمَا قَبْلَ الْعَمَى وَسَمِعَ مِنْهُمَا قَبْلَ الصَّمَمِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَصْمِ وَاللَّفْظُ لَمْ يَمْنَعْ الْعَمَى وَالصَّمَمُ الْحُكْمَ لِأَنَّ فَقْدَهُمَا لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الِاجْتِهَادِ فَيَصِحُّ الْحُكْمُ مِنْهُ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْفِسْقِ وَالْجُنُونِ وَالرِّدَّةِ وَنَحْوِهَا.

(وَلَوْ مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ تَعَيَّنَ عَزْلُهُ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ انْتَهَى) أَيْ مَنْعُهُ إقَامَةَ غَيْرِهِ.

(وَالْمُجْتَهِدُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَقِيقَةَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ (وَالْمَجَازَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ (وَالْأَمْرَ) أَيْ الْقَوْلَ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَالنَّهْيَ) أَيْ اقْتِضَاءَ الْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ لَا بِقَوْلِ كُفَّ (وَالْمُجْمَلَ) أَيْ مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ (وَالْمُبَيِّنَ) أَيْ الْمُخْرِجَ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ (وَالْمُحْكَمَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُتَّضِحَ الْمَعْنَى (وَالْمُتَشَابِهَ) مُقَابِلُهُ إمَّا لِاشْتِرَاكٍ أَوْ لِظُهُورِ تَشْبِيهٍ (وَالْخَاصَّ) الْمَقْصُورَ مِنْ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
(وَالْعَامَّ) مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا (وَالْمُطْلَقَ) مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ (وَالْمُقَيَّدَ) مَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (وَالنَّاسِخَ) أَيْ الرَّافِعَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (وَالْمَنْسُوخَ) مَا ارْتَفَعَ شَرْعًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ شَرْعًا (وَالْمُسْتَثْنَى) أَيْ الْمُخْرَجَ بِإِلَّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) هُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِإِلَّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (وَيَعْرِفُ مِنْ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا) وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ (مِنْ سَقِيمِهَا) وَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرْطُ الصِّحَّةِ كَالضَّعِيفِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالشَّاذِّ وَغَيْرِهَا (وَمُتَوَاتِرَهَا) هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ مَشُوبًا فِي ذَلِكَ

طَرَفَاهُ وَوَسَطُهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعَقْلِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْهُ ضَرُورِيٌّ فِي الْأَصَحِّ (مِنْ آحَادِهَا) وَهُوَ مَا عَدَا الْمُتَوَاتِرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةَ وَاحِدٍ بَلْ كُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ التَّوَاتُرَ فَهُوَ آحَادٌ (وَمُرْسَلَهَا) وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَمُتَّصِلَهَا) أَيْ مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا (وَمُسْنَدَهَا) مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيهِ إلَى مُنْتَهَاهُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَمُنْقَطِعَهَا) أَيْ مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الِانْقِطَاعُ (مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حِفْظُ خَمْسمِائَةِ آيَةٍ كَالْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُعْظَمُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ بِدَلِيلِهِ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ.
وَلِكُلٍّ مِمَّا ذَكَرْنَا دَلَالَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِتُعْرَفَ دَلَالَتُهُ وَتَوَقَّفَ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ (وَيَعْرِفُ مَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَهُ اجْتِهَادُهُ إلَى قَوْلٍ يَخْرُجُ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَعَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْقِيَاسَ) وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ (وَ) يَعْرِفُ (حُدُودَهُ) أَيْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (وَشُرُوطَهُ) وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَبَعْضُهَا إلَى الْفَرْعِ وَبَعْضُهَا إلَى الْعِلَّةِ (وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ) عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَالِّهَا.
(وَ) يَعْرِفُ (الْعَرَبِيَّةَ) أَيْ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُهَا بِأَحْوَالٍ هِيَ: الْإِعْرَابُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ (الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ) لِيَعْرِفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ وَرُزِقَ فَهْمَهُ صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْعَالِمَ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَوَضْعِهَا فِي مَوَاضِعِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: مَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ فَمُجْتَهِدٌ وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْفُتْيَا]

(كَانَ السَّلَفُ) رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (يَأْبَوْنَ الْفُتْيَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا) قَالَ

النَّوَوِيُّ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ " أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ " وَفِي رِوَايَةٍ " مَا مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إيَّاهُ وَلَا يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا " (وَأَنْكَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ يَهْجُمُ عَلَى الْجَوَابِ) لِخَبَرِ «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» .

(وَقَالَ) أَحْمَدُ (لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ وَقَالَ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ إحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ) أَيْ أَنْ يُخْلِصَ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَقْصِدُ رِيَاسَةً وَلَا نَحْوَهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ) إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ) وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ مَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِعَظِيمٍ (الرَّابِعَةُ: الْكِفَايَةُ وَإِلَّا أَبْغَضَهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ احْتَاجَ إلَى النَّاسِ وَإِلَى الْأَخْذِ مِمَّا فِي) أَيْدِيهِمْ، فَيَتَضَرَّرُونَ مِنْهُ (الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ النَّاسِ أَيْ يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِمَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِمْ بَلْ يَكُونُ حَذِرًا فَطِنًا مِمَّا يُصَوِّرُونَهُ فِي سُؤَالَاتِهِمْ) لِئَلَّا يُوقِعُوهُ فِي الْمَكْرُوهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ وَاخْبَرْ أَخَاكَ الْبَكْرِيَّ وَلَا تَأْمَنْهُ» .

وَالْمُفْتِي مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَيُخْبِرُ بِهِ مَنْ غَيْرِ إلْزَامٍ (وَالْحَاكِمُ يُبَيِّنُهُ) أَيْ الْحُكْم الشَّرْعِيَّ (وَيُلْزِمُ بِهِ) فَامْتَازَ بِالْإِلْزَامِ قَالَ الْخَطِيبُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ فَمَنْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مَنْعَهُ وَنَهَاهُ أَنْ يَعُودَ وَتُوَاعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إنْ عَادَ، وَطَرِيقُ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ وَيَعْتَمِدُ أَخْبَارَ الْمُوَثَّقِينَ بِهِمْ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي هَلْ تَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ.

(وَيَحْرُمُ أَنْ يُفْتِي فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكِمَ فِيهَا كَغَضَبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرٍّ (مُفْرِطٍ وَبَرْدٍ مُفْرِطٍ وَمَلَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُغَيِّرُ) الْفِكْرَ (فَإِنْ أَفْتَى) فِي ذَلِكَ الْحَالِ (وَأَصَابَ) الْحَقَّ (صَحَّ) جَوَابُهُ

(وَكُرِهَ) .

(وَتَصِحُّ فَتْوَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشَارَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ) كَخَبَرِهِمْ (وَتَصِحُّ) الْفُتْيَا (مَعَ أَحَدِ الشَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ مِنْ الْعَدُوِّ وَأَنْ يُفْتَى أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَشَرِيكَهُ وَ) سَائِرَ (مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كَزَوْجَتِهِ وَمُكَاتِبَتِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ مِنْهُ إلْزَامٌ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْفُتْيَا (مِنْ فَاسِقٍ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ قُلْتُ: الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ (لَكِنْ يُفْتِي) الْمُجْتَهِدُ الْفَاسِقُ (نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ (وَلَا يَسْأَلُهُ) أَيْ الْفَاسِقَ (غَيْرُهُ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْوُثُوقِ بِهِ.

(وَلَا تَصِحُّ) الْفُتْيَا (مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ وَفِي الْمُبْدِعِ تَصِحُّ فُتْيَا مَسْتُورِ) الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ.

(وَالْحَاكِمُ كَغَيْرِهِ فِي الْفُتْيَا) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (وَيَحْرُمُ لِتَسَاهُلِ مُفْتٍ) فِي الْفُتْيَا (وَتَقْلِيدِ مَعْرُوفٍ بِهِ) أَيْ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْفُتْيَا.
(قَالَ الشَّيْخُ لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ أَوْ عَدْلٍ انْتَهَى) لِأَنَّ أَمْرَ الْفُتْيَا خَطَرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ.

(وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ) إذَا اُسْتُفْتِيَ (فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ بِأَنْ يَتَخَيَّرَ وَيَعْمَلَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) بَلْ يُرَاعِي أَلْفَاظَ الْأُمَّةِ وَمُتَأَخِّرِهِمَا وَأَقْرَبِهِمَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ) .

(وَيَلْزَمُ الْمُفْتِي تَكْرِيرُ النَّظَرِ عِنْدَ تَكْرَارِ الْوَاقِعَةِ) كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ يَجْتَهِدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَمَّا الْعَامِّيُّ إذَا وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فَسَأَلَ عَنْهَا ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ ثَانِيًا فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا شَيْئًا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ ثَانِيًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّؤَالِ عَنْهَا فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَكْفِيهِ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ لِلْمَشَقَّةِ نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ انْتَهَى وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.

(وَإِنْ حَدَّثَ مَا لَا قَوْلَ فِيهِ) لِلْعُلَمَاءِ (تَكَلَّمَ فِيهِ حَاكِمٌ وَمُجْتَهِدٌ وَمُفْتٍ) فَيَرُدُّهُ إلَى الْأَصْلِ وَالْقَوَاعِدِ (وَيَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ إفْشَاءُ سِرِّ السَّائِلِ أَوْ تَعْرِيضُهُ لِلْأَذَى أَوْ) يَكُونَ فِيهِ (مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ) فَيُخْفِيهِ إزَالَةٌ لِذَلِكَ.

(وَحَقِيقٌ بِهِ) أَيْ الْمُفْتِي (أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالَمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» وَيَقُولُ إذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ: يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي) لِلْخَبَرِ.

(وَفِي آدَابِ الْمُفْتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ مُفَصِّلًا بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا تَجُوزُ الْفَتْوَى فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ نَهْيُ السَّائِلِ عَنْهُ وَالْعَامَّةِ أَوْلَى وَيَأْمُرُ الْكُلَّ بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ وَمَا يَلِيقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ بِهِ الْجَزْمُ وَلَا إثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَا الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَيَجُوزُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ وَإِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتَى يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الطَّلَاقِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ حَنِثَ فَقَالَ السَّائِلُ: إنْ أَفْتَانِي إنْسَانٌ لَا أَحْنَثُ قَالَ: تَعْرِفُ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ؟ قَالَ: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.

(وَلَا يَلْزَمُ جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى ذَلِكَ " (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ) أَيْ السَّائِلِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي خَبَرِ «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا سُئِلَهُ» - الْحَدِيثَ.

(وَلَا) يَلْزَمُ (جَوَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ السَّائِلُ) قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ " وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ ".

(وَ) لَا يَلْزَمُ جَوَابُ (مَا لَا يَقَعُ فِيهِ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ " مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ " وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا؟ وَسَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ فَقَالَ: سَلْ رَحِمَكَ اللَّهُ عَمَّا اُبْتُلِيتَ بِهِ.

(وَإِنْ جَعَلَ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ جَازَ) لَهُ أَخْذُهُ وَالْأَرْزَاقُ مَعْرُوفٌ غَيْر لَازِمٍ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَلَا يُورَثُ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ قَالَ: وَبَابُ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ، وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَاب الْمُكَاسَبَةِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (قَبُولُ هَدِيَّةٍ وَالْمُرَادُ لَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُهْدِي (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَخَذَهَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ (حُرِّمَتْ) عَلَيْهِ الْهَدِيَّةُ.

(وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ فَلَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ) عَلَى الْخِلَافِ هَلْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَظْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْوَقْفُ؟ (وَقِيلَ مَتَى خَلَتْ الْبَلَدُ مِنْ مُفْتٍ حُرِّمَ السُّكْنَى فِيهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَصَحُّ لَا يَحْرُمُ إنْ أَمْكَنَ الذَّهَابُ إلَى مُفْتٍ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (رَدُّ الْفُتْيَا إنْ خَافَ غَائِلَتَهَا أَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ)

فِي الْفُتْيَا لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ فِي حَقِّهِ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ سَنَةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ رَدُّ الْفُتْيَا لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيمُ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ مَعْنَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ (لَكِنْ إنْ كَانَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ مُفْتِيًا وَهُوَ جَاهِلٌ تَعَيَّنَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَالِمِ) لِتَعَيُّنِ الْإِفْتَاءِ عَلَيْهِ إذَنْ (قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْحُكْمُ يَتَعَيَّنُ بِوِلَايَتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ رَدُّ مُحْتَكِمَيْنِ إلَيْهِ وَيُمْكِنُهُ رَدُّ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا شَهَادَةً فَنَادِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ سِوَاهُ) أَيْ مَعَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذْ يُمْكِنُ نِيَابَةُ غَيْرِهِ (وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَ) إنَّهُ (لَا يَنُوبُ الْبَعْض عَنْ الْبَعْضِ وَلَا يَقُولُ لِمَنْ ارْتَفَعَ: إلَيْهِ امْضِ إلَى غَيْرِي مِنْ الْحُكَّامِ انْتَهَى) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لَمَا يَلْزَمُ عَلَى جَوَازِ تَدَافُعِ الْحُكُومَاتِ مِنْ الْحُقُوقِ.

(وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ) لِظُهُورِ الدَّلِيلِ مَعَهُ (أَفْتَى بِهِ) أَيْ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ (وَأَعْلَمَ السَّائِلَ) بِذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْلِيدِهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إذَا جَاءَتْ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ) أَيْ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَا مَوْقُوفٌ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ (فَأَفْتِ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ) . وَفِي الْمُبْدِعِ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» .

(وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (الْعُدُولُ عَنْ جَوَابِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلسَّائِلِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . (وَ) يَجُوزُ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُجِيبَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . (وَ) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَدُلَّهُ) أَيْ الْمُسْتَفْتِي (عَلَى عِوَضِ مَا مَنَعَهُ عَنْهُ وَأَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى مَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ (وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا وَطَّأَ قَبْلَهُ) أَيْ مَهَّدَ لَهُ، أَيْ ذَكَرَ لِلْحُكْمِ شَيْئًا يُوَضِّحُ وَيُبَيِّنُ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ، وَوَطَّأَ قَبْلَهُ (مَا هُوَ كَالْمُقَدَّمَةِ لَهُ) لِيُزِيلَ اسْتِغْرَابَهُ (وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَحْيَانًا) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]

وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ أَحْيَانًا احْتِرَازٌ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي الْحَلِفِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.

(وَلَهُ أَنْ يُكَذْلِكَ مَعَ جَوَابِ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْفُتْيَا لِيَقُولَ جَوَابِي كَذَلِكَ وَالْجَوَابُ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ) طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (إذَا عَلِمَ صَوَابَ جَوَابِهِ وَكَانَ أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَوَابَهُ (اشْتَغَلَ بِالْجَوَابِ مَعَهُ فِي الْوَرَقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) مَنْ تَقَدَّمَ الْمُفْتِي (أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (لَمْ يُفْتِ مَعَهُ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمُنْكَرٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي اسْمَ مَنْ كَتَبَ فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْفُتْيَا مَعَهُ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَهْلٍ تَقْرِيرًا لِلْمُنْكَرِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِ الرُّقْعَةِ بِإِبْدَالِهَا) إذَا جَهِلَ الْمُفْتِي قَبْلَهُ فِيهَا (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ) أَيْ إبْدَالَهَا (أَجَابَهُ شَفَاهًا) بِلَا كِتَابَةٍ (وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْإِفْتَاءِ فِي الرُّقْعَةِ كَتَبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ أَمْكَنَ وَإِنْ كَتَبَ فِي) الْجَانِبِ (الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَسْفَلِ جَازَ وَلَا يَكْتُبُ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ) احْتِرَامًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ إشْغَالٌ لِلرُّقْعَةِ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ وَقَدْ لَا يَرْضَى رَبُّهَا بِذَلِكَ، وَدَلَالَةُ الْحَالِ إنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ (وَلَا بَأْسَ لَوْ كَتَبَ) الْمُفْتِي (بَعْد جَوَابِهِ كَمَا فِي الرُّقْعَةِ: زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا) لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ.

(وَإِنْ جَهِلَ) الْمُفْتِي (لِسَانَ السَّائِلِ) أَيْ لُغَتَهُ (أَجْزَأَتْ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ) كَالْإِخْبَارِ بِالْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَحُكْمُهَا كَالشَّهَادَةِ وَيَأْتِي.

(وَإِنْ رَأَى) الْمُفْتِي (لَحْنًا فَاحِشًا فِي الرُّقْعَةِ) الْمَكْتُوبِ فِيهَا السُّؤَالُ (أَوْ) رَأَى بِهَا (خَطَأً يُحِيلُ الْمَعْنَى أَصْلَحَهُ) لِأَنَّ إجَابَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطًا، وَيُقَارِبَ سُطُورَهُ وَخَطَّهُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَأَمَّلَ الْجَوَابَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ خَوْفًا مِنْ غَلَطٍ أَوْ سَهْوٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي فَتْوَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي آخِرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَحْوَهُ، وَكَتَبَهُ فُلَانٌ الْحَنْبَلِيُّ أَوْ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ) كَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِمَنْ سَلَفَ (وَإِذَا رَأَى خِلَالَ السُّطُورِ أَوْ فِي آخِرِهَا بَيَاضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ أَوْ يَشْغَلَهُ بِشَيْءٍ) لِيَأْمَنَ مِنْ الزِّيَادَةِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الْوَرَقَةِ وَلَا يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكْتُبَ لِلسَّائِلِ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مَلْزُوقَةٌ كَتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الِالْتِزَاقِ وَشَغَلَهُ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَحِلَّ اللَّزْقُ

وَيُوصَلَ بِرُقْعَةٍ أُخْرَى قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ وَطُلِبَ مِنْهُ الْكِتَابَةُ لِيُلْزَقَ لَمْ يَجِبْ لِئَلَّا يُلْزَقَ بِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ فِي الْحُكْمِ.

(وَإِذَا سُئِلَ) الْمُفْتِي (عَنْ شَرْطٍ وَاقِفٍ لَمْ يُفْتِ بِإِلْزَامِ الْعَمَلِ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ الشَّرْطُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَوْ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ مِثْلُ أَنْ يَشْرِطَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ فِي التُّرْبَةِ الْمَدْفُونِ بِهَا) الْوَاقِفُ (وَيَدْعُ الْمَسْجِدَ أَوْ يُشْعِلَ بِهَا) أَيْ التُّرْبَةِ (قِنْدِيلًا أَوْ سِرَاجًا) لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ (أَوْ وَقَفَ مَدْرَسَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ زَاوِيَةً وَشَرَطَ أَنَّ الْمُقِيمِينَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَأَصْحَابِ الْإِشَارَاتِ وَالْمَلَاذِنِ وَأَهْلِ الْحَيَّاتِ وَأَشْبَاهِ الذُّبَابِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرَّقْصِ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَالْأَقَارِيرِ (بِمَا اعْتَادَهُ هُوَ مِنْ فَهْمِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عُرْفَ أَهْلِهَا وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِهَا بَلْ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا اعْتَادُوهُ وَعَرَفُوهُ وَإِنْ كَانَ) الَّذِي اعْتَادُوهُ (مُخَالِفًا لِحَقَائِقِهَا الْأَصْلِيَّةِ) اللُّغَوِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْعُرْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ.

(وَإِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَهُ قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ) أَيْ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ (فَقَالَ الْقَاضِي يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ) وَتَقَدَّمَ لَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ لِمَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ.

(وَمَنْ أَرَادَ كِتَابَةً عَلَى فُتْيَا أَوْ) أَنْ يَكْتُبَ (شَهَادَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ وَلَا أَنْ يُوَسِّعَ السُّطُورَ بِلَا إذْنٍ وَلَا حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّهِ) أَيْ الْمُفْتِي وَ (لَا) يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ (بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَإِذَا كَانَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَسَائِلُ فَحَسَنٌ أَنْ يُرَتِّبَ الْجَوَابَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ) لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ، بَلْ يَذْكُرُ جَوَابَهُ فِي الرُّقْعَةِ) فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ مَا فِيهَا فَلْيَقُلْ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا قُلْتُ وَإِنْ أَمَرَ السَّائِلَ بِتَغْيِيرِ الرُّقْعَةِ فَهُوَ أَوْلَى.

(وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ فِي الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (بَلْ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ) فِي الْجَوَابِ (فَلَوْ سُئِلَ) الْمُفْتِي (هَلْ لَهُ الْأَكْلُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي وَأَرْسَلَ) الْإِمَامُ (أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَبِي يُوسُفَ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ فَقَصَرَهُ وَجَحَدَهُ هَلْ لَهُ أُجْرَةٌ إنْ عَادَ وَسَلَّمَهُ إلَى رَبِّهِ؟ وَقَالَ) أَبُو حَنِيفَةَ (إنْ قَالَ:) أَبُو يُوسُفَ (نَعَمْ أَوْ لَا أَخْطَأَ فَفَطِنَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: إنْ قَصَّرَهُ قَبْلَ جُحُودِهِ فَلَهُ) الْأُجْرَةُ لِأَنَّهُ

قَصَّرَهُ لِرَبِّهِ (وَبَعْدَهُ) أَيْ وَإِنْ قَصَّرَهُ بَعْدَ جُحُودِهِ (لَا) أُجْرَةَ لَهُ (لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِنَفْسِهِ، وَسَأَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ) (قَوْمًا) مِنْ أَصْحَابِهِ (عَنْ بَيْعِ رَطْلِ تَمْرٍ بِرَطْلِ تَمْرٍ فَقَالُوا: يَجُوزُ، فَخَطَّأَهُمْ فَقَالُوا: لَا فَخَطَّأَهُمْ) فَخَجِلُوا (فَقَالَ: إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا جَازَ) فَهَذَا يُوَضِّحُ خَطَأَ الْمُطْلِقِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُ التَّفْصِيل قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ: الْمَذْكُورِ كَذَا قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ عَمَلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِظَاهِرِهِ انْتَهَى قُلْتُ وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُجِيبُونَ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ السُّؤَالُ عَنْ حَقَائِقِهَا أَوْ شُرُوطِهَا أَوْ أَرْكَانِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا.

(وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُفْتِي (أَنْ يُلْقِيَ السَّائِلَ فِي الْحَيْرَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ: تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ يَقُولَ فِيهَا) أَيْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا (قَوْلَانِ وَنَحْوُهُ) مِمَّا لَا يُنَافِيهِ (بَلْ يُبَيِّنُ لَهُ بَيَانًا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ) لِأَنَّ الْفُتْيَا تَبْيِينُ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُفْتِي (أَنْ يَذْكُرَ الْمَانِعَ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ) كَالرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ (وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْعُقُودِ مِنْ الْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ وَنَحْوِهِمَا (فَلَا يَجِبُ) عَلَى الْمُفْتِي (أَنْ يَذْكُرَ الْجُنُونَ وَالْإِكْرَاهَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) مِنْ الصِّغَرِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ.

(وَالْعَامِّيُّ يُخَيَّرُ فِي فَتْوَاهُ فَيَقُولُ) الْمُفْتِي: (مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَتَخَيَّرُ وَإِنْ لَمْ يُخَيَّرْ وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ الْمُفْتِي.

(وَيُقَلِّدُ الْعَامِّيُّ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا) لِلتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ (مُعَظَّمًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ (وَلَا يُقَلِّدُ مَنْ عَرَفَهُ جَاهِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَيَكْفِيهِ) أَيْ الْعَامِّيَّ (قَوْلُهُ عَدْلٌ خَبِيرٌ) بِمَا أَفْتَاهُ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ سُؤَالُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] (فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ (وَيُقَلِّدُ) الْمُجْتَهِدُ الْعَدْلُ وَلَوْ (مَيِّتًا وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَقَبْلِهَا) لِأَنَّ قَوْلَهُ بَاقٍ فِي الْإِجْمَاعِ كَالْحَاكِمِ، وَالشَّاهِدُ لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ بِمَوْتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَيْسَ لَهُ أَيْ لِلْعَامِّيِّ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا

لِتَدْوِينِ الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ.

(وَيَحْفَظُ الْمُسْتَفْتِي الْأَدَبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلُّهُ) لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ (وَلَا يُومِئُ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ وَلَا يَقُلْ: وَمَا مَذْهَبُ إمَامِكَ فِي كَذَا وَمَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُكَ أَوْ) أَفْتَانِي (فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ قُلْتُ أَنَا) كَذَا (أَوْ وَقَعَ لِي) كَذَا (أَوْ إنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوَافِقًا فَاكْتُبْ) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي الْأَدَبَ.

(لَكِنْ إنْ عَلِمَ) الْمُفْتِي (غَرَضَ السَّائِلِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (أَنْ يَكْتُبَ) فِي رُقْعَتِهِ (بِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ رُقْعَتَهُ وَيُحْوِجُهُ إلَى إبْدَالِهَا.

(وَيُكْرَهُ) لِلْمُسْتَفْتِي (أَنْ يَسْأَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِيَ (فِي حَالِ ضَجِرٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ) عِنْدَ (قِيَامِهِ أَوْ نَحْوِهِ) كَنُعَاسِهِ وَكُلِّ مَا يَشْغَلُ الْفِكْرِ (وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ) أَيْ لَا يَطْلُبُ الْمُسْتَفْتِي مِنْ الْمُفْتِي الدَّلِيلَ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ فِيهِ اتِّهَامًا لَهُ.

(وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَل مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ الْفَاضِلِ مِنْهُمْ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَفِيهِمْ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَيْضًا الْعَامِّيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ عَنْهُ.

" فَائِدَةٌ " لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَذَكَرَهُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَفِي صَحِيحِ ابْن حِبَّانَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَاب﴾ [آل عمران: 190] قَالَ «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ وَاسْتِحَالَةِ حُصُولهِ لِمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ، وَلِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَأَ لِعَدَمِ تَمَامِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى

ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ فِي الْفُرُوعِ.

قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: (وَلُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ، وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ الْأَشْهَرُ عَدَمُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَامِّيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُحِبُّونَ ذَلِكَ وَاَلَّذِينَ يُوجِبُونَ يَقُولُونَ: إذَا الْتَزَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ مَا دَامَ مُلْتَزِمًا لَهُ، أَوْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْتِزَامَ الْمَذَاهِبِ وَالْخُرُوجَ عَنْهَا إنْ كَانَ لِغَيْرِ أَمْرٍ دِينِيٍّ مِثْلَ أَنْ يَلْتَمِسَ مَذْهَبًا لِحُصُولِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ بَلْ يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا انْتَقَلَ عَنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُسْلِمُ وَلَا يُسْلِمُ إلَّا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ يُهَاجِرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا وَدُنْيَا يُصِيبُهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ انْتِقَالُهُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ وَلَا يَتْبَعُ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ طَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
وَفِي الرِّعَايَةِ مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ وَلَا عُذْرٍ، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: بِلَا دَلِيلٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقَوْلُهُ: وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ أَيْ لِعَالِمٍ أَفْتَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ.
وَقَوْلُهُ، وَلَا عُذْرٍ أَيْ يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ: لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَلْزَمُ كُلُّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَقِيلَ بَلَى، وَقِيلَ: ضَرُورَةٌ.

(وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (وَلَا لِغَيْرِهِ تَتَبُّعُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَلَا تَتَبُّعُ الرُّخَصِ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ فَإِنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ) أَيْ الْحِيَلَ الْمَكْرُوهَةَ وَالْمُحَرَّمَةَ وَالرُّخَصَ (فَسَقَ وَحَرُمَ اسْتِفْتَاؤُهُ وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ) أَيْ الْمُفْتِي (فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا مَفْسَدَةَ لِتَخَلُّصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ، كَمَا أَرْشَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا آخَرَ فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا) بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ فَاشْتَرَى

فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ مِنْ جِنْسِ الْأَوْلَى وَعَلَى صِفَتِهَا فَتَحِلُّ الْمُقَاصَّةُ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ قَبْضِهَا مِمَّا يُشَارِكهُ فِي الْعِلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.

(وَإِذَا اسْتَفْتَى وَاحِدًا أَخَذَ) الْمُسْتَفْتِي (بِقَوْلِهِ وَيَلْزَمُهُ) الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ (بِالْتِزَامِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: لَوْ أَفْتَى الْمُقَلِّدَ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَعَمَل بِهِ الْمُقَلِّدُ لَزِمَهُ قَطْعًا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا إجْمَاعًا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: هَذَا الْأَشْهَرُ.

(وَلَوْ سَأَلَ) الْعَامِّيُّ (مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ تَخَيَّرَ) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَفْضَلِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهَا: وَالظَّاهِرُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَفْضَلِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ.
وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَبْحَثَ عَنْ الرَّاجِحِ بِحَسَبِهِ وَهُوَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ السَّبْعَةِ انْتَهَى وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُسَوَّدَةِ وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي أُصُولِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مُفْتِيًا وَاحِدًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ) كَمَا لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَا يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ.

(وَلَهُ الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ خَطُّهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ وَسُعَاتِهِ وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِكُتُبِ الْأَئِمَّةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُمْ أَوْ نَقَلَهَا الثِّقَةُ عَنْ خَطِّهِمْ.

[فَصْلٌ وَإِنْ تَحَاكَمَ شَخْصَانِ إلَى رَجُلٍ لِلْقَضَاءِ]

ِ (بَيْنَهُمَا فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ وَغَيْرِهَا حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ فَهُوَ كَحَاكِمِ الْإِمَامِ) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ الْفَرِيقَانِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَحَاكَمَا إلَيْهِ وَارْتَضَيَا بِهِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمَا قَاضِيًا (وَيَلْزَمُ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ) الْمُحَكِّمُ (بِحُكْمِهِ الْقَبُولُ وَ) يَلْزَمُهُ (تَنْفِيذُهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ (كَحَاكِمِ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ) فِيهِ (حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ) مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعُ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ أَشْبَهَ رُجُوعَ الْمُوَكِّلِ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ وَ (لَا) يَصِحُّ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ (وَقَبْلَ تَمَامِهِ) كَرُجُوعِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ صُدُورِ مَا وُكِّلَ فِيهِ مِنْ وَكِيلِهِ.

(وَقَالَ الشَّيْخُ: وَإِنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ أَوْ حَكَّمَا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ جَازَ، وَقَالَ: يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَى (وَقَالَ: الْعَشْرُ صِفَاتٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ فِي الْقَاضِي: لَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحَكِّمُهُ الْخَصْمَانِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِالرِّضَا بِهِ قَبْلَ حُكْمِهِ لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا (وَقَالَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّحْكِيمِ: وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُقَدَّمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ الْوَاسِطَاتِ وَالصُّلْحَ عِنْدَ الْفَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَفْوِيضَ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَخُرُوجَ طَائِفَةٍ إلَى الْجِهَادِ، وَالْقِيَامَ بِأَمْرِ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالتَّعْزِيرَ لِعَبِيدٍ، وَإِمَاءٍ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ) قُلْتُ: وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.

[بَابُ آدَابِ الْقَاضِي]

بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ، يُقَالُ: أَدِبَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا لُغَةً إذَا صَارَ أَدِيبًا فِي خُلُقٍ أَوْ عِلْمٍ (وَهُوَ) أَيْ الْأَدَبُ (أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي) لَهُ وَلِغَيْرِهِ (التَّخَلُّقُ بِهَا) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي، أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ نَفْسَهُ وَأَعْوَانَهُ

مِنْ الْآدَابِ وَالْقَوَانِينَ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِهَا أُمُورُ الْقَضَاءِ وَتَحْفَظُهُمْ مِنْ الْمَيْلِ وَالزَّيْغِ (وَالْخُلُقُ) بِضَمِّ اللَّامِ (صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ) وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ.
(يَنْبَغِي) أَيْ يُسَنُّ (أَنْ يَكُونَ) الْقَاضِي (قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ، وَالْعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْقِ.
(لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَظَاهِرُ الْفُصُولِ يَجِبُ ذَلِكَ (حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (مُتَأَنِّيًا) لِئَلَّا تُؤَدِّيَ عَجَلَتُهُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي (ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ) لِئَلَّا يُخْدَعَ مِنْ بَعْضِ الْخُصُومِ عَلَى غِرَّةٍ (بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ " لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ " (صَحِيحَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْمُتَرْجِمَ قَدْ يُخْفِي شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَحَدِهِمَا.
(عَفِيفًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (وَرِعًا نَزِهًا بَعِيدًا عَنْ الطَّمَعِ صَدُوقَ اللَّهْجَةِ لَا يَهْزِلُ وَلَا يَمْجِنُ) أَيْ يَمْزَحُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِهَيْئَتِهِ (ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (لِكَلَامِهِ لَيِّنٌ ذَا قُرْبٍ وَهَيْبَةٍ إذَا أَوْعَدَ وَوَفَاءٍ إذَا وَعَدَ) يُقَالُ: وَعَدَ فِي الْخَيْرِ وَأَوْعَدَ فِي ضِدِّهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ (وَلَا يَكُونُ) الْقَاضِي (جَبَّارًا وَلَا عَسُوفًا) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِتَوْلِيَتِهِ مِنْ وُصُولِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ (وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى) لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ (وَ) أَنْ (يَصِيحَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخَصْمِ عِنْدَ الْتِوَائِهِ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ أَدَبٍ) لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ (أَوْ حَبْسٍ) .

(وَإِنْ افْتَاتَ) الْخَصْمُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي (بِأَنْ يَقُولَ) الْخَصْمُ: (حَكَمْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ ارْتَشَيْتَ، فَلَهُ تَأْدِيبُهُ) لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَجَازَ لَهُ تَأْدِيبُهُ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَعْفُوَ) عَمَّنِ افْتَاتَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ.

(وَإِنْ بَدَأَ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ قَطَعَهَا) الْقَاضِي (عَلَيْهِ، وَقَالَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِكَ) الْمُدَّعِي (فَإِنْ عَادَ) الْمُنْكِرُ إلَى الْيَمِينِ (نَهَرَهُ) عَنْ ذَلِكَ (فَإِنْ عَادَ) إلَيْهِ (عَزَّرَهُ إنْ رَأَى) ذَلِكَ (وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إسَاءَةُ الْأَدَبِ) .

(وَإِذَا وَلِيَ) الْقَاضِي (فِي غَيْرِ بَلَدٍ فَأَرَادَ الْمَسِيرَ إلَيْهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ إنْ وُجِدَ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ)

أَيْ عَنْ الْبَلَدِ (وَعَنْ عُلَمَائِهِ وَعُدُولِهِ وَفُضَلَائِهِ) لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ حَتَّى يُشَاوِرَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْمُشَاوَرَةِ، وَيَقْبَلَ شَهَادَةَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْعَدَالَةِ (وَيَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ) أَيْ مِمَّنْ وَجَدَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ (مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يَسْأَلُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (وَلَا فِي طَرِيقِهِ سَأَلَ إذَا دَخَلَ) لِيَتَعَرَّفَ حَالَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا قَرَّبَ) الْقَاضِي (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وَلِيَ فِيهِ (بَعَثَ مَنْ يُعْلِمُ بِقُدُومِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيهِ) لِأَنَّ فِي تَلَقِّيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَذَلِكَ طَرِيقٌ لِقَبُولِ قَوْلِهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ (وَيَدْخُلُ فِي الْبَلَدِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ أَوْ) يَوْمُ (الْخَمِيسِ أَوْ) يَوْمُ (السَّبْتِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» . وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ» (ضَحْوَةً) لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ تَفَاؤُلًا (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ أَحْسَنَهَا لِأَنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] لِأَنَّهَا مَجَامِعُ النَّاسِ وَهَذَا مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ أَوْلَى بِالزِّينَةِ (وَفِي التَّبْصِرَةِ وَكَذَا أَصْحَابُهُ) أَيْ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَعْظَمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي النُّفُوسِ (وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا) أَيْ الثِّيَابِ (سُودًا وَإِلَّا فَالْعِمَامَةُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " دَخَلَ مَكَّةَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَرْقَانِيَّةٌ أَيْ سَوْدَاءُ " قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ غَيْرُ السَّوَادِ أَوْلَى) لِلْأَخْبَارِ أَيْ فِي الْبَيَاضِ (وَلَا يَتَطَيَّرُ) أَيْ يَتَشَاءَمُ (بِشَيْءٍ وَإِنْ تُفَاءَلَ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَنَهَى عَنْ الطِّيَرَةِ (فَيَأْتِي) الْقَاضِي (الْجَامِعَ يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِكُلِّ قَادِمٍ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلَ بِهِ الْقِبْلَةَ (فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ بِعَهْدِهِ) أَيْ بِاَلَّذِي كَتَبَهُ لَهُ مُوَلِّيهِ عَمَّا وَلَّاهُ إيَّاهُ (فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْحَاضِرِينَ لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ وَيَعْلَمُوا احْتِيَاطَ الْإِمَامِ عَلَى اتِّبَاعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَالنَّهْيَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَقَدْرَ الْمَوْلَى عِنْدَهُ وَيَعْلَمُوا حُدُودَ وِلَايَتِهِ وَمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِيهِ (وَلْيُقْلِلْ) الْقَاضِي (مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ) لِلْخَبَرِ (وَيَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ) لِيَعْلَمَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَقْصِدَ الْحُضُورَ لِفَصْلِ حَاجَتِهِ.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) الْقَاضِي (إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ) لِيَسْتَرِيحَ مِنْ نَصَبِ سَفَرِهِ وَيُعِدَّ أَمْرَهُ وَلِيُرَتِّبَ نُوَّابَهُ لِيَكُونَ

خُرُوجُهُ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ.

(وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ أَنْ يَبْعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَعْزُولَ (تَسْلِيمُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْقَاضِي الْمُتَوَلِّي لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ وَقَدْ صَارَتْ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الدِّيوَانُ (مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنْ الْمَحَاضِرِ، وَهِيَ نُسَخُ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالسِّجِلَّاتِ وَهِيَ نُسَخُ مَا حُكِمَ بِهِ) وَيُعْرَفُ الْآن بِالسِّجِلِّ.

(وَلِيَأْمُرَ) الْقَاضِي (كَاتِبًا ثِقَةً يَكْتُبُ مَا يُسَجِّلُهُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ) احْتِيَاطًا (ثُمَّ يَخْرُجُ) الْقَاضِي (يَوْمَ الْوَعْدِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَائِعٍ وَلَا شَبْعَانَ وَلَا حَاقِنٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنْ الْفَهْمِ كَالْعَطَشِ وَالْفَرَحِ الشَّدِيدَيْنِ وَالْحُزْنِ الْكَثِيرِ وَالْهَمِّ الْعَظِيمِ وَالْوَجَعِ الْمُؤْلِمِ وَالنُّعَاسِ الَّذِي يَغْمُرُ الْقَلْبَ) لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.

(وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (وَلَوْ صِبْيَانًا ثُمَّ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ» .

(وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدٍ (خَيْرٌ وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا.

(وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ يُفْرَشُ لَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي هَيْبَتِهِ وَأَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمُ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ (وَلَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ وَلَا عَلَى حُصُرِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ) لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ دُونَ تُرَابٍ وَحَصِيرٍ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَوْلَى.

(وَيَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ سِرًّا أَنْ يَعْصِمَهُ مِنْ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ وَلِمَا يُرْضِيهِ) مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا فَفِي وَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْلَى وَالْقَاضِي أَشَدُّ النَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةً.

(وَيَجْعَلُ) الْقَاضِي (مَجْلِسَهُ فِي مَكَان فَسِيحٍ كَجَامِعٍ وَيَصُونُهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (عَمَّا يُكْرَهُ فِيهِ) مِنْ لَغَطٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) يَجْلِسُ فِي (فَضَاءٍ وَاسِعٍ أَوْ دَارٍ وَاسِعَةٍ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إنْ أَمْكَنَ) لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْسَعَ عَلَى الْخُصُومِ وَأَقْرَبَ إلَى الْعَدْلِ.

(وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ " أَنَّهُمْ

كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ ". وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْقَضَاءُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَالْقَدِيمِ فَإِنْ اتَّفَقَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخُصُومِ مَانِعٌ مِنْ الدُّخُولِ كَحَيْضٍ وَكُفْرٍ، وَكَّلَ وَكِيلًا وَيَنْتَظِرُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُحَاكِمُ إلَيْهِ.

(وَلَا يَتَّخِذُ) الْقَاضِي (فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا نَدْبًا بِلَا عُذْرٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ إمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلَقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ، وَلِأَنَّ الْحَاجِبَ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ (وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْخُصُومَةِ إذَا تَنَازَعُوا إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ (وَلَا لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَحْتَجِبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَقْتًا لِلْحُكُومَةِ.

(وَيَعْرِضَ الْقِصَصَ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا (فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ سَبَقُوا إلَى مُبَاحٍ (وَيَكُونَ لَهُ مَنْ يُرَتِّبُ النَّاسَ إذَا كَثُرُوا فَيَكْتُبَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ) لِيَعْلَمَ السَّابِقُ (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ السَّابِقِ عَلَى غَيْرِهِ) كَالسَّبَقِ إلَى الْمُبَاحِ.

(فَإِذَا حَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَقَالَ: لِي دَعْوَى أُخْرَى لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ، إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ نَظَرْتُ فِي دَعْوَاكَ الْأُخْرَى إنْ أَمْكَنَ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسُ بِدَعَاوِيهِ فَيُضِرَّ بِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَلِيهِ سَبَقَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ (فَإِذَا فَرَغَ الْكُلُّ) مِنْ دَعَاوِيهِمْ (فَقَالَ الْأَخِيرُ بَعْدَ فَصْلِ حُكُومَتِهِ لِي دَعْوَى أُخْرَى لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ حَتَّى تُسْمَعَ دَعْوَى الْأَوَّلِ الثَّانِيَةِ) لِسَبْقِهِ (ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ) لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ (وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي الْمُدَّعِي لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي جَاءَ ثَانِيًا (فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا) كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِمَا.

(وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ) مُدَّعِيَانِ (أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَتَشَاحُّوا (أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلتَّرْجِيحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَكَذَا هُنَا.

وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ يُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ وَالْمُرْتَحِلُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالْمَرْأَةُ فِي حُكُومَاتٍ يَسِيرَةٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَكِنْ لَوْ قَدِمَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْ عُكِسَ صَحَّ قَضَاؤُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ،.

وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَضَرَ قَبْلَ الْآخَرِ لِيَدَّعِيَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ يَصْرِفُهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا أَوْ يَقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُحَلِّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي.

(وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ) أَيْ الْمُدَّعِينَ الَّذِينَ جَاءُوا دُفْعَهً وَاحِدَةً (كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى أَيْ كُلَّمَا انْتَهَتْ خُصُومَةُ صَاحِبِ رُقْعَةٍ أَخَذَ الْأُخْرَى فَأَنْهَى) حُكُومَةَ صَاحِبِهَا (وَ) يَأْخُذُ (أُخْرَى) فَ (يُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يُتَّفَقُ) إلَى أَنْ يَنْتَهُوا لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ هُنَا إلَّا الْقُرْعَةُ وَهَذَا أَسْهَلُ طُرُقِهَا.

[فَصْلٌ مَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ]

فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ أَيْ الْقَاضِيَ (الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ قُضَاةِ الْبَصْرَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعْهُ عَلَى الْآخَرِ» وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ وَانْكَسَرَ وَرُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتَهُ فَيُؤَدِّي إلَى ظُلْمِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ لِشُرَيْحٍ " لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْجُلُوسِ» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (أَوْ يَأْذَنُ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ) لَهُ رَفْعُهُ لِإِسْقَاطِ خَصْمِهِ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ (وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا رَدَّ عَلَيْهِ) السَّلَامَ (وَلَا يَنْتَظِرُ) بِالرَّدِّ (سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (الْقِيَامُ السَّائِغُ) كَالْقِيَامِ لِعَالِمٍ وَوَالِدٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَقُومُ لِخَصْمَيْنِ فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِلْآخَرِ لِلْعَدْلِ (وَ) لَهُ (تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ الْقِيَامِ لَهُمَا لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْهَيْبَةِ (وَمُسَارَّةُ أَحَدِهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إقَامَةِ حُجَّتِهِ.

(وَ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ (تَلْقِينُهُ) لِأَحَدِهِمَا (حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى وَجْهِ صَاحِبهِ (وَ) يُحَرَّمُ عَلَيْهِ (تَضْيِيفُهُ) أَيْ تَضْيِيفُ أَحَدِ

الْخَصْمَيْنِ (إلَّا أَنْ يُضَيِّفَ خَصْمَهُ مَعَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: لَكَ خَصْمٌ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَحَوَّلْ عَنَّا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» . (وَ) يُحَرَّمُ أَيْضًا (تَعْلِيمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ (إذَا لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ، فَإِنْ لَزِمَ كَشَرْطِ عَقْدٍ أَوْ سَبَبِ) إرْثٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّعْوَى كَوَصْفِ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُدَّعِي فَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَسْأَلَ) عَنْهُ (لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ) وَيُحَرِّرُهُ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.

(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيَنْظُرَهُ) بِالدَّيْنِ (أَوْ يَضَعَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ وَيَكُونُ) ذَلِكَ (بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحُكْمِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَفْعًا لِخَصْمِهِ وَلِأَنَّ مُعَاذًا " أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ سَعِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ " تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ وَأَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى كَعْبٍ أَنْ ضَعْ الشِّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُمْ فَأَعْطِهِ " قَالَ أَحْمَدُ هَذَا حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إنْ أَمْكَنَ؛ يُشَاوِرهُمْ فِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ) لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَأَقْرَبُ إلَى صَوَابِهِ (فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ (وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَظَاهِرَهُ وَلَوْ آحَادًا كَمَا يَأْتِي (أَوْ إجْمَاعًا) لِوُجُوبِ إنْكَارِهِ وَنَقْضِ حُكْمِهِ بِهِ (وَيُشَاوِرُ) الْقَاضِي (الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ) مِنْ الْفُقَهَاءِ (وَيَسْأَلهُمْ عَنْ حُجَجِهِمْ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ وَ) لِ (تَعَرُّفِ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) : لَمَّا وَلِيَ سَيِّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوُلِّيَ مُحَارَبُ بْنُ زِيَادٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا (مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ يُشَارُونَ وَيَنْظُرُونَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] (فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ) حَكَمَ فَوْرًا (وَإِلَّا أَخَّرَهُ) أَيْ الْحُكْمَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْحَقُّ فَيَحْكُمَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْجَهْلِ.

(فَلَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ فَأَصَابَ الْحَقَّ لَمْ يَصِحَّ) حُكْمُهُ (وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا (تَقْلِيدُ غَيْرِهِ إنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ

نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ قَالَ عُمَرُ " وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ " وَلَوْ كَانَ حَكَمٌ يَحْكُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ هَذَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ لَا تُقَلِّدْ أَمْرَك أَحَدًا وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُسْأَلُوا أَنْ يَغْلَطُوا.

(وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ (أَوْ) وَهُوَ (حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ وَجَعٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ أَوْ تَوَقَانِ جِمَاعٍ أَوْ شِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ أَوْ مَلَلٍ أَوْ كَسَلٍ وَنَحْوِهِ) كَحُزْنٍ قِيَاسًا عَلَى الْغَضَبِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الذِّكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ (فَإِنْ خَالَفَ) الْقَاضِي (وَحَكَمَ) فِي حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ (فَوَافَقَ الْحَقَّ نَفَذَ) حُكْمُهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي، قَالَ: لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَلَطٌ يُقِرُّ عَلَيْهِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا فِي حُكْمٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.

(وَيُحَرَّمُ) عَلَى الْقَاضِي (قَبُولُ رِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ وَزَادَ " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا (وَهِيَ) أَيْ الرِّشْوَةِ (مَا يُعْطَى بَعْدَ طَلَبِهِ) لَهَا (وَيُحَرَّمُ بَذْلُهَا مِنْ الرَّاشِي لِيَحْكُمَ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ حَقًّا وَإِنَّ رَشَّاهُ لِيَدْفَعَ) عَنْهُ (ظُلْمَهُ وَيَجْرِيهِ عَلَى وَاجِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي حَقِّهِ) قَالَ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَهُ كَمَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.

(وَيَحْرُمُ قَبُولُهُ) أَيْ الْقَاضِي (هَدِيَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَتْ عُقْدَةُ إبِطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: قَرَأْتُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحُكْمِ (بِخِلَافِ مُفْتٍ) فَلَا يَحْرُمُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُفَصَّلًا (وَهِيَ) أَيْ: الْهَدِيَّةُ (الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (وَظَاهِرُهُ) أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ (وَلَوْ كَانَ) الْقَاضِي (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمُهْدِي (حُكُومَةٌ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ (أَوْ) كَانَتْ الْهَدِيَّةُ (مِنْ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَاكِمِ (لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ) هَذَا وَاضِحٌ فِي عَمُودَيْ نَسَبَهُ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَهْدِيَ لِئَلَّا يَحْكُمَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ كَانَ يُلَاطِفُهُ، أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ (وَرَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ (وَاسْتِعَارَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي (مِنْ غَيْرِهِ كَالْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَافِعَ كَالْأَعْيَانِ، وَمِثْلُهُ لَوْ خَتَنَ) الْقَاضِي (وَلَدَهُ وَنَحْوَهُ فَأُهْدِيَ لَهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الرِّشْوَةِ فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ) عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ وَفِي الْفُنُونِ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ.

(وَإِنْ قَبِلَ) الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ (حَيْثُ حَرُمَ الْقَبُولُ وَجَبَ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا، كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) وَقِيلَ: تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ تَابَ: إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا دَفَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى) .

(وَتَقَدَّمَ لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) يَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ أَرْبَابِهَا مَضْمُونَةً.

(فَإِنْ أَهْدَى لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ (لَمْ يَجُزْ) لِلشَّافِعِ (أَخْذُهَا) لِيَشْفَعَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوصِلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَوْ يُوَلِّيهِ وِلَايَةً يَسْتَحِقّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وَيَجُوزُ لِلْمَهْدِيِّ أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.

(وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ؛ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بُنَيَّةِ الْمُكَافَأَةِ وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ سَائِرِ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل