كشاف القناع عن متن الإقناعصفحات 204-243
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أَيْ: الْعَمَلِ إنْ أَتَمَّهُ بِنِيَّةِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ، وَقَعَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَهُ مُتَبَرِّعًا بِهَا،، وَيَأْتِي مَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ.

(مَثَلًا وَالْجَمَاعَةُ) إنْ فَعَلَتْ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ (تَقْتَسِمُهُ) أَيْ: الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا الثَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا بِخِلَافِ رَدِّ اللُّقَطَةِ، وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ رَدًّا كَامِلًا، وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ فَنَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا اشْتَرَكُوا فِي الدِّينَارِ، وَإِنْ نَقَبَ كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا.

(وَإِذَا رَدَّ) الْعَامِلُ اللُّقَطَةَ أَوْ الْعَبْدَ، وَنَحْوَهُمَا (لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَبْسُ) أَيْ: حَبْسُ الْمَرْدُودِ (عَلَى الْجُعْلِ) فَإِنْ حَبْسَهُ عَلَيْهِ، وَتَلِفَ ضَمِنَهُ.

(وَإِنْ تَلِفَ الْجُعْلُ) بِيَدِ الْمُجَاعِلِ (كَانَ لَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا (فَقِيمَتُهُ) إذَا رَدَّ.

(فَإِنْ فَاوَتَ بَيْنَهُمْ) أَيْ: بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْعَامِلِينَ (فَجَعَلَ لِ وَاحِدٍ) عَلَى رَدِّهِ (دِينَارًا، وَ) جَعْلَ (الْآخَرِ) دِينَارَيْنِ (اثْنَيْنِ، وَ) جَعَلَ (لِآخَرَ ثَلَاثَةَ) دَنَانِيرَ (جَازَ) عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ (فَإِنْ) رَدَّهُ وَاحِدٌ اسْتَحَقَّ جُعْلَهُ، وَإِنْ (رَدَّهُ الثَّلَاثَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ جُعْلِهِ) ، وَإِنْ رَدَّهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ جُعْلِهِ.

وَإِنْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمْ دِينَارًا دِينَارًا وَلِلْآخَرَيْنِ عِوَضًا مَجْهُولًا فَرَدُّوهُ، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرَيْنِ أُجْرَةُ عَمَلِهِمَا.

(وَإِنْ جَعَلَ) رَبُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ مِثْلًا (لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ) كَزَيْدٍ (شَيْئًا فِي رَدِّهِ فَرَدَّهُ) ، زَيْدٌ (هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَاهُ مُعَاوَنَةً لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ مَثَلًا (اسْتَحَقَّ) زَيْدٌ (جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِمَا (وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ (وَلَهُ) أَيْ: زَيْدٍ (ثُلُثُ الْجُعْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ.

(وَإِنْ نَادَى غَيْرُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ، فَقَالَ مَنْ رَدِّهَا فَلَهُ دِينَارٌ، فَرَدَّهَا رَجُلٌ) أَوْ امْرَأَةٌ (فَالدِّينَارُ عَلَى الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ) أَيْ: الْتَزَمَ (الْعِوَضَ) ، وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ.

(وَإِنْ قَالَ) الْمُنَادِي غَيْرِ رَبِّ الضَّالَّة (فِي النِّدَاءِ قَالَ فُلَانٌ مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ) دِينَارٌ وَلَمْ يَكُنْ رَبُّهَا قَالَ ذَلِكَ (فَرَدَّهَا رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ الْمُنَادِي) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ (الْعِوَضَ) ، وَالرَّادُّ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ.

(وَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ: الْعَبْدَ، وَنَحْوَهُ (مَنْ دُونِ الْمَسَافَةِ الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ) رَبُّ آبِقٍ مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهُ إنْسَانٌ (مِنْ بَعْضِ طَرِيقِهِ) أَيْ: طَرِيقِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى (فَ) إنَّهُ يَسْتَحِقُّ (بِالْقِسْطِ) مِنْ الْجُعْلِ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي رَدَّ مِنْهُ نِصْف الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ.
(وَ) إنْ رَدَّهُ (مِنْ) مَوْضِعٍ (أَبْعَدَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْبَلْدَةِ الْمُسَمَّاةِ (لَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَلزَّائِدَ عَلَى الْمَسَافَةِ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّادُّ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا.
(وَإِنْ رَدَّهُ) الْعَامِلُ (مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى) الْمُسَمَّى وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَجْعَل عَلَى رَدِّهِ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ عِوَضًا، فَالرَّادُّ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ (كَمَا لَوْ جَعَلَ) رَبُّ آبِقَيْنِ (لَهُ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ) كَسَالِمٍ شَيْئًا (مُعَيَّنًا، فَرَدَّ) الْعَبْدَ (الْآخَرَ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُعَيَّنَ قُلْت بَلْ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَكَذَا الَّتِي قَبْلَهَا.

(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ آبِقَيْنِ: (مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّ أَحَدَهُمَا فَلَهُ نِصْفُ الْجَعَالَة) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهَا، وَيَأْتِي لَوْ هَرَبَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.

(وَمَنْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْعَمَلَ الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ لَمْ يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ: الْجَعْلَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) أَيْ: الْجَعْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
(وَسَوَاءٌ رَدَّهُ) قَبْل بُلُوغِ الْجُعْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ إذْ الْجُعْلُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لَا التَّسْلِيمِ أَيْ: سَلَّمَ الْمَرْدُودَ، وَنَحْوَهُ.

(وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ) كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ خَاطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا، فَإِنْ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ بِخِلَافِ الْإِجَارَة، فَالْجَعَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نَوْعَ إجَارَةٍ، لَكِنْ تُخَالِفُهَا فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَمِنْهَا أَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَلْتَزِمْ الْفِعْلَ، وَأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَقَعُ لَا مَعَ مُعَيَّنٍ، كَمَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا.

(وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ) فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ لِعَامِلِ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، كَاسْتِئْجَارِهِ بِذَلِكَ مُفْرَدًا أَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ، وَتَزِيدُ الْجَعَالَةُ بِجُعْلٍ مَجْهُولٍ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ، وَتَقَدَّمَ.

(وَكُلّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ جَازَ أَخْذُهُ) أَيْ: الْعِوَضِ (عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ كَالْغِنَاءِ، وَالزَّمْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] .

(وَالْعُدْوَانِ وَمَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ) بِأَنْ اشْتَرَطَ إسْلَامَ فَاعِلِهِ (مِمَّا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ (فَأَمَّا مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهِ) كَتَعْلِيمِ فِقْهٍ، وَقُرْآنٍ، وَقَضَاءٍ، وَإِفْتَاءٍ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ، وَرُقْيَةٍ (فَيَجُوزُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ) مُفَصَّلًا.

(وَإِنْ جَعَلَ) لِمَنْ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا (عِوَضًا مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا أَوْ فَلَهُ ثَوْبٌ، وَنَحْوُهُ) مِنْ الْمَجْهُولَاتِ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ عِوَضًا (مُحَرَّمًا كَالْخَمْرِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ.

(وَإِنْ قَالَ مَنْ دَاوَى لِي هَذَا) الْجَرِيحَ (حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ) دَاوَى هَذَا الْمَرِيضَ حَتَّى يَبْرَأ مِنْ (مَرَضِهِ أَوْ)

دَاوَى هَذَا الْأَرْمَدَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ (رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهَا مُطْلَقًا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَغَيْرِهِ.

(وَهِيَ) أَيْ: الْجَعَالَةُ (عَقْدٌ جَائِزٌ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجَاعِلِ، وَالْمَجْعُولِ لَهُ الْمُعَيَّنَ (فَسْخُهَا) مَتَى شَاءَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ.

(فَإِنْ فَسَخَهَا الْعَامِلُ) ، وَلَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ) لِمَا عَمِلَهُ (شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ، كَعَامِلِ الْمُسَاقَاةِ.

(وَإِنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ) قَبْلَ شُرُوعِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَ (بَعْدَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ) مِثْلِ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَمَا عَمِلَهُ بَعْد الْفَسْخِ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.

وَإِنْ زَادَ الْجَاعِلُ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ جَازَ، وَعُمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ كَالْمُضَارَبَةِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْجُعْلِ) أَيْ: التَّسْمِيَةِ بِأَنْ أَنْكَرَهَا أَحَدُهُمَا (فَقَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.

(وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: الْجُعْلِ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ (الْمَسَافَةِ) بِأَنْ قَالَ الْجَاعِلُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ مَثَلًا (فَقَوْلُ جَاعِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ زِيَادَةً عَمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْن الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ الْعِوَضُ فِي رَدِّهِ.

(وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْعَامِلُ (مُعَدًّا لِأَخَذِ الْأُجْرَةِ فَإِنْ كَانَ) مُعَدًّا لِذَلِكَ (كَالْمَلَّاحِ، وَالْمُكَارِي، وَالْحَجَّامِ، وَالْقَصَّارِ، وَالْخَيَّاطِ، وَالدَّلَّالِ، وَنَحْوِهِمْ) كَالنَّقَّادِ، وَالْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَشِبْهِهِمْ (مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَلِ، وَأَذِنَ لَهُ) الْمَعْمُول فِي الْعَمَلِ (فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ) .

(إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَتَاعِ غَيْرِهِ مِنْ بَحْرٍ أَوْ فَمِ سَبْعٍ أَوْ فَلَاةٍ، وَلَوْ) كَانَ الْمُخَلَّصُ (عَبْدًا فَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ، وَتَلَفُهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ، وَكَذَا لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَتَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا، وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْهَلَكَةِ، فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ.

(وَإِلَّا فِي رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ مَثَلًا وَمُدَبَّرٍ مَثَلًا وَأُمِّ وَلَدٍ إذَا كَانَ) الرَّادُّ (غَيْرَ الْإِمَامِ فَلَهُ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَصِيَانَةُ الْعَبْدِ عَمَّا يُخَافُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَعَلَى الْأُوَلِ فَإِنْ رَدَّهُ الْإِمَامُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ نَصًّا لِانْتِصَابِهِ لِلْمَصَالِحِ، وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ (سَوَاءٌ رَدَّهُ) أَيْ: الْآبِقَ (مِنْ دَاخِلِ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَ) الْآبِقُ (يُسَاوِي الْمِقْدَارَ) الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِعُ (أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ) الرَّادُّ (زَوْجًا لِلرَّقِيقِ) الْآبِقِ (أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِك أَوْ لَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ " تَنْبِيهٌ " يُقَالُ: أَبَقَ الْعَبْدُ، إذَا هَرَبَ مِنْ سَيِّدِهِ - بِفَتْحِ الْبَاء - يَأْبِق، بِكَسْرِهَا، وَضَمِّهَا فَهُوَ آبِقٌ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ: فِي سِرِّ اللُّغَةِ: لَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ آبِقٌ إلَّا إذَا كَانَ ذَهَابُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا كَدٍّ فِي الْعَمَلِ، وَإِلَّا فَهُوَ هَارِبٌ.

(وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ وُصُولِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ) إلَيْهِ (عَتَقَا) إنْ خَرَجَ الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: لِرَادِّهِمَا فِي نَظِيرِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمْ؛ لِأَنَّ الْعَتِيقَ لَا يُسَمَّى آبِقًا (وَيَأْخُذُ) رَادُّ الْآبِقِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ تَرِكَتِهِ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) .

(وَ) مَا أَنْفَقَ عَلَى (دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا " (فِي قُوتٍ، وَعَلَفٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ) الْمُنْفِقُ (الْمَالِكَ) فِي الْإِنْفَاقِ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَحَثًّا عَلَى صَوْنِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، وَنَحْوِهَا (حَتَّى، وَلَوْ هَرَبَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ وَاجِدِهِ (فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَاتَ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَرَبِهِ) أَوْ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ مَأْذُونٌ فِيهَا شَرْعًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ مَالِكِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا كَرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ أَوْ هَرَّبَهُ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ (مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ) فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِالْعَمَلِ التَّبَرُّعَ، وَلَا أُجْرَة لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، وَنَحْوِهَا (لَكِنْ لَا جُعْل لَهُ إذَا هَرَبَ) الْآبِقُ مِنْهُ (قَبْلَ تَسْلِيمِهِ) لِسَيِّدِهِ (أَوْ مَاتَ) الْآبِقُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ.

(وَلَوْ أَرَادَ) وَاجِدُ الْآبِقِ (اسْتِخْدَامَهُ بَدَلَ النَّفَقَةِ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ (كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ) ، وَأَوْلَى.

(وَمَنْ أَخَذَ الْآبِقَ أَوْ) أَخَذَ غَيْرَهُ مِنْ الْمَالِ الضَّائِعِ لِيَرُدَّهُ لِرَبِّهِ (فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ إنْ تَلِفَ) قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ (مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) ، وَلَا تَعَدٍّ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِأَخْذِهِ.

(وَإِنْ وَإِنْ وَجَدَ)

رَادَّ الْآبِقِ (صَاحِبَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ، إنْ كَانَ كَبِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِوَصْفِهِ إيَّاهُ فَبِتَصْدِيقِهِ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَقَوْلُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (أَوْ أَقَامَ) صَاحِبُهُ (بَيِّنَةً) أَنَّهُ لَهُ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ.

(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) وَاجِدُ الْآبِقِ (سَيِّدَهُ دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ) إلَى (نَائِبِهِ، فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ) إلَى أَنْ يَجِدَهُ (أَوْ يَبِيعَهُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ) أَيْ: فِي بَيْعِهِ، وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِرَبِّهِ لِانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ.

(فَإِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ) قَبْلَ بِيَعِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (قُبِلَ قَوْلُهُ، وَبَطَلَ الْبَيْعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ.

(يُنَافِيه وَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ (فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ) لَكِنْ جَازَ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادُهُ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ.

(وَمَتَى كَانَ الْعَمَلُ فِي مَالِ الْغَيْرِ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ الْمُشْرِف عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ إلَيْهِ (كَذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ إذَا خِيفَ مَوْتُهُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَ بِمَوْتِهِ) أَيْ: ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِهِ.

وَلَوْ (وَقَعَ الْحَرِيقُ بِدَارٍ وَنَحْوِهَا فَهَدَمَهَا غَيْرُ صَاحِبِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى النَّارِ لِئَلَّا تَسْرِيَ) النَّارُ (أَوْ هَدَمَ قَرِيبًا مِنْهَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَخِيفَ تَعَدِّيهَا، وَعُتُوُّهَا لَمْ يَضْمَنْ، ذَكَرَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ رَأَى السَّيْلَ يَقْصِدُ الدَّارَ الْمُؤَجَّرَةَ فَبَادَرَ وَهَدَمَ الْحَائِطَ لِيُخْرِجَ السَّيْلَ وَلَا يَهْدِمُ الدَّارَ كَانَ مُحْسِنًا، وَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى) ، وَكَذَا فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.

(وَإِنْ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ الْعَرَبِ أَيْ: مِنْ الْبَدْوِ، فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ جَازَ لِلْآخِذِ بَيْعُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَبِيعَهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَظَائِرِهَا، وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ) لِرَبِّهِ.
(قَالَهُ الشَّيْخُ، وَهِيَ) أَيْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (فِي) الْجُزْءِ (الْخَامِسِ مِنْ الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ) .

[بَابُ اللُّقَطَةِ]

ِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: اللُّقَطَةُ مُحَرَّكَةٌ، وَكَحُرْمَةٍ، وَهُمَزَةٍ، وَثُمَامَةَ: مَا اُلْتُقِطَ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ: مُحَرَّكَةٌ أَيْ: مَفْتُوحَةُ اللَّامِ، وَالْقَافِ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ: اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ، وَفَتْحِ الْقَافِ

الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ، وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَلَةٍ فَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ، كَالضُّحَكَةِ، وَالْهُمَزَةِ، وَاللُّمَزَةِ (وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُلْتَقَط مِنْ مَالٍ) ضَائِعٍ (أَوْ مُخْتَصٍّ ضَائِعٍ) كَالسَّاقِطِ مِنْ رَبِّهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ.
(وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى الضَّائِعِ، كَالْمَتْرُوكِ قَصْدًا لِأَمْرٍ يَقْتَضِيهِ (لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ) فَإِنْ كَانَتْ لِحَرْبِيٍّ مَلَكَهَا وَاجِدُهَا، كَالْحَرْبِيِّ إذَا ضَلَّ الطَّرِيقَ فَوَجَدَهُ إنْسَانٌ فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ، وَتَقَدَّمَ (يَلْتَقِطُهُ غَيْرُ رَبِّهِ) فَإِنْ الْتَقَطَهُ رَبُّهُ لَمْ يُسَمَّ لُقَطَةً عُرْفًا، وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ: مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ، وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

مَثَلًا وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: مُلْتَقِطٌ، وَمَلْقُوطٌ، وَالْتِقَاطٌ (وَالْتِقَاطٌ وَيَنْقَسِمُ) الْمَالُ الضَّائِعُ، وَنَحْوُهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطُ النَّاسِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْهِمَّةُ بِالْكَسْرِ، وَتُفْتَحُ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ (كَالسَّوْطِ) مَا يُضْرَب بِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُوَ فَوْقَ الْقَضِيبِ، وَدُونَ الْعَصَا، وَفِي الْمُخْتَارِ هُوَ سَوْطٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ (وَالشِّسْعِ) أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ (وَالرَّغِيفِ، وَالْكِسْرَةِ، وَالتَّمْرَةِ، وَالْعَصَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْخِرْقَةِ، وَالْحَبْلِ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ تَقْيِيدُهُ بِمَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ، وَلَوْ كَثُرَ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ الدِّرْهَمَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ الدَّانِقِ، وَحَمَلَهُ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى دَانِقِ الذَّهَبِ نَظَرًا لِعُرْفِ الْعِرَاقِ.
(وَمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ ذَلِكَ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ آخِذُهُ بِلَا تَعْرِيفٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (دَفْعُ بَدَلِهِ إنْ وَجْدَ رَبَّهُ) ؛ لِأَنَّ لَاقِطَهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا تَلِفَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: إذَا الْتَقَطَهُ إنْسَانٌ، وَانْتَفَعَ بِهِ، وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ.

(فَأَمَّا إنْ كَانَ) مَا الْتَقَطَهُ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ (مَوْجُودًا وَوَجَدَ) مُلْتَقِطُهُ (رَبَّهُ فَيَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ) ، وَيُؤَيِّدُهُ: تَعْبِيرُهُمْ بِالْبَدَلِ

إذْ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَلَفِ الْمُبْدَلُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُوَضِّحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَلْزَمُ دَفْعُ عَيْنِهِ.

(وَكَذَا لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) كَالْمُقْلِشِ (قِطَعًا صِغَارًا مُفَرَّقَةً) مِنْ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِأَخْذِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا، وَلَا بَدَلُهَا إنْ وَجَدَ رَبَّهَا (وَلَوْ كَثُرَتْ) بِضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضِ؛ لِأَنَّ تَفَرُّقهَا يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ أَرْبَابِهَا.

(وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ تَرْكَ إيَاسٍ لِانْقِطَاعِهَا) أَيْ: عَجْزِهَا عَنْ الْمَشْي (أَوْ) تَرْكَهَا لِ (عَجْزِهِ عَنْ عَلَفِهَا، مَلَكَهَا آخِذُهَا) لِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، وَتَقَدَّمَ بِخِلَافِ عَبْدٍ، وَمَتَاعٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ) فَلَا يَمْلِكَهَا آخِذُهَا (، وَتَقَدَّمَ آخِرَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) مُوَضَّحًا.

(وَكَذَا مَا أُلْقِيَ خَوْفُ الْغَرَقِ) فِي الْبَحْرِ فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَلْقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ الْمَنْبُوذَ رَغْبَةً عَنْهُ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَاد التَّشْبِيهُ فِي تَقَدُّمِ حُكْمِهِ أَوْ أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْمُسْتَثْنَى فَلَا مُخَالَفَةَ، وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُ ذَلِكَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَبَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ.

الْقِسْمُ (الثَّانِي: الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ مِثْلَ ثَعْلَبٍ، وَذِئْبٍ، وَابْنِ آوَى، وَوَلَدِ الْأَسَدِ) ، وَالضَّوَالُّ جَمْعُ ضَالَّةٍ، وَهِيَ اسْمُ حَيَوَانٍ خَاصَّةً، وَيُقَالُ لَهَا الْهَوَامِي، وَالْهَوَافِي، وَالْحَوَامِلُ، وَامْتِنَاعُهَا إمَّا لِكِبَرِ جُثَثِهَا (كَإِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَبَقَرٍ، وَبِغَالٍ وَ) إمَّا لِطَيَرَانِهَا كَ (طُيُورٍ تَمْتَنِعُ بِطَيَرَانِهَا وَ) إمَّا بِسُرْعَةِ عَدْوِهَا (كَظِبَاءٍ، وَ) إمَّا بِنَابِهَا (كَفُهُودٍ مُعَلَّمَةٍ) أَوْ قَابِلَةٍ لِلتَّعْلِيمِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ مَالًا، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَكَ) إبِلٍ (حُمُرٍ) أَهْلِيَّةٍ.
(وَخَالَفَ الْمُوَفَّقُ فِيهَا) فَقَالَ: الْأَوْلَى إلْحَاقُهَا بِالشَّاةِ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا فِي الْعِلَّةِ (فَهَذَا الْقِسْمُ غَيْرُ الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَا لَكَ، وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءِ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» ، وَحِذَاؤُهَا خُفُّهَا؛ لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ، وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مُجْرَى الْحِذَاءِ، وَسِقَاؤُهَا بَطْنُهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ فِيهِ مَاءً كَثِيرًا، فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْآبِقُ فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ صَوْنًا لَهُ عَنْ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادِهِ، وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ (وَ) هَذَا الْقِسْمُ (لَا يَمْلِكُهُ) مُلْتَقِطُهُ (بِتَعْرِيفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهِ كَالْغَاصِبِ لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَالشَّارِعِ سَوَاءٌ كَانَ زَمَنَ أَمْنٍ أَوْ فَسَادٍ.

(وَإِنْ أَنْفَقَ) الْمُلْتَقِطُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْقِسْمِ (لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى رَبِّهِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (لِتَعَدِّيهِ بِالْتِقَاطِهِ) ، وَإِمْسَاكِهِ.

(فَإِنْ تَبِعَ شَيْءٌ مِنْهَا)

أَيْ: الضَّوَالِّ الْمَذْكُورَةِ (دَوَابَّهُ فَطَرَدَهُ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (أَوْ دَخَلَ) شَيْءٌ مِنْهَا (دَارِهِ فَأَخْرَجَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَلَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَيْهِ) .

(لَكِنْ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِمَا (أَخْذُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الضَّوَالِّ (لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُمَا نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخَذِهَا عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ مَصْلَحَةً لِرَبِّهَا لِصَوْنِهَا، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُمَا كَغَيْرِهِمَا أَخَذُهَا (عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(مَثَلًا وَلَا يَلْزَمُهُمَا) أَيْ: الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ: تَعْرِيفُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الضَّوَالِّ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَ الضَّوَالَّ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ مِنْ الْإِمَامِ حِفْظُ الضَّوَالِّ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ جَاءَ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ فَمَنْ عَرَفَ مَالَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ (وَلَا تَكْفِي فِيهِ الصِّفَةُ) ؛ لِأَنَّ الضَّالَّةَ كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ حِينَ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا دُونَ غَيْرِهِ، وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا مُمْكِنَةٌ لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ.

(وَمَنْ أَخَذَهُ) أَيْ: مَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ قَبْلَ رَدِّهِ (كَالْغَاصِبِ) قَبْلَ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ (وَإِنْ كَتَمَهُ، وَتَلِفَ ضَمِنَهُ) الْكَاتِمُ (بِقِيمَتِهِ مَرَّتَيْنِ) لِرَبِّهِ (إمَامًا كَانَ) الْمُلْتَقِطُ (أَوْ غَيْرَهُ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: ثَبَتَ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ غَرَامَتُهَا، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» قَالَ: وَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُرَدُّ.

(وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ) مَا الْتَقَطَهُ مِنْ الضَّوَالِّ (رَدَّهُ) إلَى رَبِّهِ إنْ وَجَدَهُ بِلَا غُرْمٍ إنْ لَمْ يُنْقَصْ، وَإِلَّا فَأَرْشُ نَقْصِهِ، وَتَقَدَّمَ.

(فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِيهَا.

(أَوْ أَمَرَهَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (بِرَدِّهِ إلَى مَكَانِهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِسَنَدِهِ " أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ "؛ وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِرَدِّهِ كَأَخْذِهِ مِنْهُ،.

فَإِنْ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ لَزِمَهُ حِفْظُهُ، وَتَرْكُهُ تَضْيِيعٌ لَهُ.

(وَكَذَا مَنْ أَخَذَ مِنْ نَائِمٍ أَوْ) أَخَذَ مِنْ (سَاهٍ) أَيْ: غَافِلٍ (شَيْئًا لَا يَبْرَأُ بِرَدِّهِ) لَهُ نَائِمًا أَوْ سَاهِيًا (بَلْ بِتَسْلِيمِهِ لِرَبِّهِ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ) مِنْ النَّوْمِ، وَالسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَدٍّ بِالْأَخْذِ فَهُوَ سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِرَدِّهِ فِي حَالٍ يَصِحُّ قَبْضُ مَالِكِهِ لَهُ فِيهَا (أَوْ) بِتَسْلِيمِهِ (لِإِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ فَيَبْرَأُ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا وِلَايَةَ لِحَاكِمٍ عَلَى نَائِمٍ، وَسَاهٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْتَهَى، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.

(وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ) الصَّيْدَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَغَيْرِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحّ

لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَمْنُوعِ (وَيَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَالِ) بِلَا تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ تَبَعًا لِلْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا ضَمَانَ.

(ضَمَانُ وَيَسِمُ الْإِمَامُ) مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ (مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الضَّوَالِّ) ، وَقَوْلُهُ (بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ) مُتَعَلِّقٌ بِيَسِمُ (، وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا) لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِهِ (ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى يَرْعَى فِيهِ) مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنْ الدَّوَابِّ (تَرَكَهَا) تَرْعَى (فِيهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى) الْمَصْلَحَةَ فِي (بَيْعِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا، وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُفْضِي إلَى أَنْ تَأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِهَا.

(وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الصُّيُودِ الْمُتَوَحِّشَةِ الَّتِي إذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزِ رَبِّهَا عَنْهَا) ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ حِفْظَهَا فِي نَفْسِهَا لَمَا جَازَ الْتِقَاطُ الْأَثْمَانِ، فَإِنَّ الدِّينَارَ دِينَارٌ حَيْثُمَا كَانَ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا.

وَمِثْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ لَوْ وَجَدَ الضَّالَّةَ فِي أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ بِمَحَلٍّ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ فِي بَرِيَّةٍ لَا مَاءَ فِيهَا، وَلَا مَرْعًى فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخَذِهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ، وَيُسَلِّمُهَا لِنَائِبِ الْإِمَامِ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ أَخَذِهَا، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.

(وَجْهٌ وَأَحْجَارُ الطَّوَاحِينَ) مُبْتَدَأٌ (الْكَبِيرَةُ وَالْقُدُورُ، الضَّخْمَةُ وَالْأَخْشَابُ الْكَبِيرَةُ) ، وَقَوْلُهُ (مُلْحَقَةٌ بِإِبِلٍ) خَبَرُهُ، أَيْ: فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا، وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا، فَهِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ مِنْ الضَّوَالِّ.

(وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ قِنٍّ صَغِيرٍ ذَكَرًا كَانَ) الْقِنُّ (أَوْ أُنْثَى) كَالشَّاةِ (وَلَا يُمْلَكُ بِالِالْتِقَاطِ) ، وَلَوْ عَرَّفَهُ حَوْلًا.
(قَالَ الْمُوَفَّقُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: اللَّقِيطَ (مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي اللَّقِيطِ.

الْقِسْمُ (الثَّالِثُ: سَائِرُ) أَيْ: بَاقِي (الْأَمْوَالِ، كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْغَنَمِ، وَالْفُصْلَانِ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَكَسْرِهَا جَمْعُ فَصِيلٍ، وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فَصَلَ عَنْ أُمِّهِ (وَالْعَجَاجِيلُ) جَمْعُ عِجْلٍ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (وَجِحَاشُ الْحَمِيرِ، وَالْأَفْلَاءِ) بِالْمَدِّ جَمْعُ فِلْوٍ، بِوَزْنِ سِحْرٍ، وَجِرْوٍ، وَعَدُوٍّ، وَسُمُوٍّ، وَهُوَ الْجَحْشُ، وَالْمُهْرُ إذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَالْإِوَزِّ، وَالدَّجَاجِ، وَنَحْوِهَا) كَالْخَشَبَةِ

الصَّغِيرَةِ، وَقِطَعِ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالزِّقِّ مِنْ الدُّهْنِ أَوْ الْعَسَلِ، وَالْغِرَارَةِ مِنْ الْحَبِّ، وَالْكُتُبِ، وَمَا جَرَى مُجْرَى ذَلِكَ، وَالْمَرِيضِ مِنْ كِبَارِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِ، كَالصَّغِيرِ (سَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ بِمِصْرٍ، أَوْ بِمَهْلَكَةٍ لَمْ يَنْبُذْهُ رَبُّهُ رَغْبَةً عَنْهُ) فَإِنْ نَبَذَهُ كَذَلِكَ، مَلَكَهُ آخِذُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.

(فَمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَخَذُهَا بِحَالٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَتِهَا عَلَى رَبِّهَا، فَهُوَ كَإِتْلَافِهَا، وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا.

(فَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِهَذِهِ النِّيَّةِ) أَيْ: بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ (ضَمِنَهَا) إنْ تَلِفَتْ (وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ فَضَمِنَهُ، كَالْغَاصِبِ (وَلَمْ يَمْلِكْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ، إذَا أَخَذَهَا، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ لِنَفْسِهِ عَلَيْهَا، أَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا (وَإِنْ عَرَّفَهَا) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرَّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ.

(وَمَنْ أَخَذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ثُمَّ طَرَأَ) لَهُ (قَصْدُ الْخِيَانَةِ لَمْ يَضْمَنْ) اللُّقَطَةَ إنْ تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ فِي الْحَوْلِ كَمَا لَوْ كَانَ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا.

(وَمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (اللُّقَطَةِ وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَقِيسَ عَلَيْهِمَا كُلُّ مُتَمَوَّلٍ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَفِي الْحَيَوَانِ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَغَيْرِهِ (وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا (تَرْكُهَا) أَيْ: عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهَا قَالَ أَحْمَدُ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الِالْتِقَاطِ.
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَلَوْ وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ) ؛ لِأَنَّ فِي الِالْتِقَاطِ تَعْرِيضًا بِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَتَضْيِيعِ الْوَاجِبِ مِنْ تَعْرِيفِهَا، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا، فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى، وَأَسْلَمُ.

(وَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا) وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ وُصُولِهَا إلَى رَبِّهَا.

(وَمَتَى أَخَذَهَا) أَيْ: أَخَذَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ (ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا) ضَمِنَهَا (أَوْ فَرَّطَ فِيهَا) فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، وَتَرْكُهَا، وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا تَضْيِيعٌ لَهَا.

(إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُلْتَقِطُ (رَدَّهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) إلَى مَوْضِعِهِ، فَلَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهُ، وَكَذَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَدَفَعَهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.

(وَلَوْ) كَانَ الْمُلْتَقَطُ (مُمْتَنِعًا) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَرَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهَا (كَمَا تَقَدَّمَ) .

، (وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِنْهُ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَالْوَدِيعَةِ.

(فَإِنْ)

ضَاعَتْ مِنْهُ فَ (الْتَقَطَهَا آخَرُ فَعَلِمَ) الثَّانِي (أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الثَّانِي (رَدُّهَا إلَيْهِ) أَيْ: الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ، وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُول ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا مَلَكَهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ (وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ (فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ.
(وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَرَدَّهَا إلَيْهِ فَأَبَى) الْأَوَّلُ (أَخْذَهَا مَثَلًا وَقَالَ) لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا أَنْتَ فَعَرَّفَهَا) الثَّانِي حَوْلًا (مَلَكَهَا أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ حَقَّهُ فَسَقَطَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا وَتَكُونُ مِلْكًا لِي فَفَعَلَ) الثَّانِي (فَهُوَ نَائِبُهُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْأَوَّلِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا مَثَلًا وَتَكُونُ بَيْنِنَا، فَفَعَلَ) أَيْ: عَرَّفَهَا (صَحَّ أَيْضًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي.

(وَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَعَرَّفَهَا) الْغَاصِبُ (لَمْ يَمْلِكْهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ الْتَقَطَهَا ثَانٍ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ.

(وَاللُّقَطَةُ) الَّتِي أُبِيحَ الْتِقَاطُهَا وَلَمْ تُمْلَكْ بِهِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا حَيَوَانٌ) مَأْكُولٌ، كَفَصِيلٍ، وَشَاةٍ، وَدَجَاجَةٍ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ فِعْلُ الْأَحَظِّ لِمَالِكِهِ (مِنْ) أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ (أَكْلُهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) فِي الْحَالِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَسُئِلَ عَنْ لُقَطَةِ الشَّاةِ هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» فَجَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يُسْتَأْنَى بِأَكْلِهَا؛ وَلِأَنَّ فِي أَكْلِ الْحَيَوَانِ فِي الْحَالِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَحِرَاسَتِهِ لِمَالِيَّتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ إذَا جَاءَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ بِكَمَالِهَا (أَوْ) مِنْ (بَيْعِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ، فَبَيْعُهُ أَوْلَى.
(وَ) إذَا بَاعَهُ (حَفِظَ ثَمَنَهُ لِصَاحِبِهِ وَلَهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْأَكْلِ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَ) لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا فِي (الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ بِلَا إذْنِهِ، فَبَيْعُهُ أَوْلَى (يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (حِفْظُ صِفَتِهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا أَرَادَ الْأَكْلَ أَوْ الْبَيْعَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ إذَا وَصَفَهَا رَبُّهَا (أَوْ) مَنْ (حَفِظَهُ) أَيْ: الْحَيَوَانَ.
(وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَالِكِهِ (وَلَا يَتَمَلَّكُهُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُلْتَقِطُ الْحَيَوَانَ وَلَوْ بِثَمَنٍ

كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ.

(فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرَكَ الْحَيَوَانَ (وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ) حَتَّى تَلِفَ (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.

(مُفَرِّطٌ وَيَرْجِعُ) الْمُلْتَقِطُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْحَيَوَانِ (مَا لَمْ يَتَعَدَّ) بِأَنْ الْتَقَطَهُ لَا لِيُعَرِّفَهُ، أَوْ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ فِي الْحَالِ، وَنَحْوِهِ (وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ) عَلَى مَالِكِهِ إنْ وَجَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ كَالْوَدِيعَةِ.

(وَإِلَّا) بِأَنْ أَنْفَقَ وَلَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ (فَلَا) رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.

(فَإِنْ اسْتَوَتْ) الْأُمُورُ (الثَّلَاثَةُ) فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْأَحَظُّ مِنْهَا (خُيِّرَ بَيْنَهَا) لِجَوَازِ كُلٍّ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْأَحَظِّ.
(قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَأَوْلَى الْأُمُور: الْحِفْظُ مَعَ الْإِنْفَاقِ، ثُمَّ الْبَيْعُ، وَحِفْظُ الثَّمَنِ، ثُمَّ الْأَكْلُ، وَغُرْمُ الْقِيمَةِ) ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يَبِيعُ بَعْضَ الْحَيَوَانِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي مَا يُخْشَى فَسَادُهُ بِتَبْقِيَتِهِ (كَطَبِيخٍ، وَبِطِّيخٍ، وَفَاكِهَةٍ، وَخَضْرَاوَاتٍ، وَنَحْوِهَا، فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْ أَكْلِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَبَيْعُهُ) وَلَوْ (بِلَا حُكْمِ) أَيْ: إذْنِ (حَاكِمٍ، وَحِفْظُ ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ عَلَى رَبِّهِ،، وَكَالْحَيَوَانِ.

(وَلَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرَكَ الْمُلْتَقِطُ مَا يُخْشَى فَسَادَهُ بِلَا أَكْلٍ وَلَا بِيَعٍ (حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.

(فَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ (خُيِّرَ بَيْنَهُمَا) فَأَيُّهُمَا فَعَلَ جَازَ لَهُ (وَقَيَّدَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالْأَكْلِ (جَمَاعَةٌ، بَعْدَ تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ مَا يَخَافُ مَعَهُ فَسَادَهُ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ) بَيْنَ أَكْلِهِ، وَبَيْعِهِ.

(إلَّا أَنْ يُمْكِنَ تَجْفِيفُهُ) أَيْ: تَجْفِيفُ مَا يُخْشَى فَسَادُهُ (كَالْعِنَبِ فَيَفْعَلُ) الْمُلْتَقِطُ (مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ مِنْ الْأَكْلِ) بِقِيمَتِهِ (وَالْبَيْعِ) مَعَ حِفْظِ ثَمَنِهِ (وَالتَّجْفِيفِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ، وَفِعْلُ الْأَحَظِّ فِي الْأَمَانَةِ مُتَعَيِّنٌ.

(مُتَعَيِّنٍ وَغَرَامَةِ التَّجْفِيفِ) إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا (مِنْهُ فَيَبِيعُ) الْمُلْتَقِطُ (بَعْضَهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي تَجْفِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.

وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ تَعَيَّنَ أَكْلُهُ.

الضَّرْبُ (الثَّالِثُ: سَائِرُ الْأَمْوَالِ) أَيْ: مَا عَدَا الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَنَحْوِهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ حِفْظُ الْجَمِيعِ مِنْ حَيَوَانٍ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِالْتِقَاطِهِ.

(وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْرِيفُهُ عَلَى الْفَوْرِ) لِظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْفَوْرِ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضَيَاعِهَا (حَيَوَانًا كَانَ) الْمُلْتَقَطُ (أَوْ غَيْرَهُ) سَوَاءٌ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ تَمَلُّكَهُ أَوْ حِفْظَهُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلَا حَفِظَهَا لِصَاحِبِهَا إنَّمَا يُفِيدُ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ، وَطَرِيقُهُ التَّعْرِيفُ.

وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُلْتَقَطِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَوْ بِنَائِبِهِ) ، وَيَكُونُ النِّدَاءُ (فِي مَجَامِعِ النَّاسِ كَالْأَسْوَاقِ، وَالْحَمَّامَاتِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا.

(وَيُكْرَهُ) النِّدَاءُ عَلَيْهَا (فِيهَا) أَيْ: فِي الْمَسَاجِدِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللَّهُ إلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ، وَالْإِنْشَادُ دُونَ التَّعْرِيفِ فَهُوَ أَوْلَى.

(أَوْلَى وَيَكْثُرُ مِنْهُ) أَيْ: التَّعْرِيفِ (فِي مَوْضِعِ وُجْدَانِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طِلَبِهَا (وَ) يَكْثُرُ أَيْضًا مِنْهُ (فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلِي الْتِقَاطَهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضِيَاعِهَا، فَالْإِكْثَارُ مِنْهُ إذَنْ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِهَا إلَيْهِ.

، وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (حَوْلًا كَامِلًا) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ (نَهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ، وَمُلْتَقَاهُمْ (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أُسْبُوعًا) أَيْ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ (ثُمَّ) لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَعْدَ أُسْبُوعٍ مُتَوَالِيًا بَلْ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا (مَرَّةً مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ) حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ.

(وَلَا يَصِفُهُ) أَيْ: لَا يَصِفُ مَا يُعَرِّفُهُ (بَلْ يَقُولُ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ نَفَقَةٌ) قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فَيَقُولُ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ انْتَهَى، لَكِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِفُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مَنْ سَمِعَ صِفَتَهَا فَتَضِيعَ عَلَى مَالِكِهَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: لَا يَصِفُهَا أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا فَأَخَذَهَا غَيْرُ مَالِكِهَا بِالْوَصْفِ ضَمِنَهَا الْمُلْتَقِطُ لِمَالِكِهَا كَمَا لَوْ دَلَّ الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ مَنْ سَرَقَهَا.

(وَإِنْ سَافَرَ) الْمُلْتَقِطُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ (وَكَّلَ مَنْ يُعَرِّفُهَا) عَنْهُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَيَنُوبَ نَائِبُهُ مَنَابَهُ.

(فَإِنْ الْتَقَطَ) اللُّقَطَةَ (فِي صَحْرَاءَ عَرَّفَهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) الَّتِي الْتَقَطَهَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا.

(طَلَبُهَا وَأُجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَى الْمُلْتَقِطِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْعَمَلِ، فَكَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اكْتَرَى شَخْصًا يَقْلَعُ لَهُ مُبَاحًا (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ: بِأُجْرَةِ الْمُنَادِي عَلَى رَبِّ اللُّقَطَةِ وَلَوْ قَصَدَ حِفْظَهَا لِمَالِكِهَا خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُلْتَقِطِ فَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِ.

(وَلَا تُعَرَّفَ كِلَابٌ) وَلَوْ مُعَلَّمَةٌ (بَلْ يُنْتَفَعُ بِالْمُبَاحِ مِنْهَا) فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَمْنُوعِ، وَفِي أَخْذِهِ حِفْظُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ أَشْبَهَ الْأَثْمَانَ، وَأَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مَالًا فَيَكُونُ أَخَفَّ.

(وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى وُجُودُ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ) ، وَمِنْهُ لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ بِصُرَّةٍ وَلَا نَحْوِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي مُغْنِي ذَوِي الْأَفْهَامِ حَيْثُ

ذَكَر أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُلْتَقِطُهَا بِلَا تَعْرِيفٍ (لَمْ يَجِبْ تَعْرِيفُهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْعَبَثِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِمَا: يَجِبُ مُطْلَقًا.

(وَلَوْ أَخَّرَ) الْمُلْتَقِطُ (التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ) أَثِمَ، وَسَقَطَ (أَوْ) أَخَّرَهُ (بَعْضَهُ) أَيْ: بَعْضَ الْحَوْلِ الْأُوَلِ (أَثِمَ) الْمُلْتَقِطُ بِتَأْخِيرِهِ أَيْ: التَّعْرِيفِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَسَقَطَ) التَّعْرِيفُ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ،.

فَإِذَا تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ فَقَطْ (كَ) مَا يَأْثَمُ (بِالْتِقَاطِهِ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ أَوْ) بِالْتِقَاطِ (مَا لَمْ يُرِدْ تَعْرِيفَهُ) ، وَتَقَدَّمَ.

(وَلَا يَمْلِكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ إذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأُوَلِ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ أَبَدًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ (فِيهِ) أَيْ: الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (عَجْزًا كَمَرِيضٍ، وَمَحْبُوسٍ أَوْ) تَرَكَهُ فِيهِ (نِسْيَانًا) فَلَا يَمْلِكُهَا بِهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ سَوَاءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَمْلِكُهَا بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ التَّنْقِيحِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.

(أَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ (فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَمْلِكُهَا وَلَوْ عَرَّفَهَا بَعْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ وَجَدَهَا صَغِيرٌ، وَنَحْوُهُ) كَسَفِيهٍ (فَلَمْ يُعَرِّفْهَا وَلِيُّهُ) الْحَوْلَ الْأَوَّلَ فَلَا يَمْلِكُهَا لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الْمِلْكِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(أَوْ ضَاعَتْ) اللُّقَطَةُ (فَعَرَّفَهَا) (الْمُلْتَقِطُ الثَّانِي مَعَ عِلْمِهِ بِ) الْمُلْتَقِطِ (الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ) بِهَا لَمْ يَمْلِكْهَا (أَوْ أَعْلَمَهُ) أَيْ: أَعْلَمَ الثَّانِي الْأَوَّلَ (وَقَصَدَ) الثَّانِي (بِتَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ) دُونَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَأْذَنْهُ الْأَوَّلُ (لَمْ يَمْلِكْهَا) الثَّانِي؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْرِيفِ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ غَاصِبٌ فَعَرَّفَهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلِكِ وُجِدَ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَمْلِكْهَا قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى، لَكِنْ تَوَهَّمَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَكَوْا الْوَجْهَيْنِ فِي مِلْكِ الثَّانِي لَهَا، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعْرِيفٌ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ، وَالتَّعْرِيفُ هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ.

(وَلَيْسَ خَوْفُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَنْ يَأْخُذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (سُلْطَانٌ جَائِرٌ) عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا (أَوْ) خَوْفُهُ أَنْ (يُطَالِبَهُ بِأَكْثَرَ عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ

(فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ لِذَلِكَ الْخَوْفِ (لَمْ يَمْلِكْهَا إلَّا بَعْدَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَمُرَادُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عُذْرًا حَتَّى يَمْلِكَهَا بِلَا تَعْرِيفٍ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بَعْدَهُ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَوْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ تَبْقَى بِيَدِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَمْنًا عَرَّفَهَا حَوْلًا انْتَهَى فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِلْعُذْرِ لَا يُؤَثِّرُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بَعْدُ، فَيَتَعَارَضُ كَلَامُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا تَقَدَّمَ، فَكَأَنَّهُ رَجَعَ إلَى هَذَا.

(وَإِذَا عَرَّفَهَا) أَيْ: عَرَّفَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ الْجَائِزَ الْتِقَاطِهَا حَوْلًا كَامِلًا فَوْرًا (فَلَمْ تُعَرَّفْ دَخَلَتْ) اللُّقَطَةُ (فِي مِلْكِهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا (بَعْدَ الْحَوْلِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «، وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» ، وَفِي لَفْظٍ «ثُمَّ كُلْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «فَانْتَفِعْ بِهَا» ، وَفِي لَفْظٍ «فَشَأْنُكَ بِهَا» ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كَعْبٍ «فَاسْتَنْفِقْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ: وَيَمْلِكُ اللُّقَطَةَ مِلْكًا مُرَاعًى يَزُولُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ الْعِوَضِ بِوُجُودِ صَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ بَدَلُهُ لِلزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ (حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ، وَالتَّعْرِيفَ سَبَبُ التَّمَلُّكِ، فَإِذَا تَمَّا وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حُكْمًا كَالْإِحْيَاءِ، وَالِاصْطِيَادِ، فَلَا يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ.

(وَلَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (عُرُوضًا) فَهِيَ (كَالْأَثْمَانِ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي اللُّقَطَةِ جَمِيعِهَا، وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى مَتَاعًا يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ؟ أَوْ فِي مَسْكُونَةٍ فَقَالَ: عَرِّفْهُ سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهِ» .

(وَ) لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ (لُقَطَةَ الْحَرَمِ) فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ حُكْمًا كَلُقَطَةِ الْحِلِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ فَأَشْبَهَ حَرَمَ الْمَدِينَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا بِالْحِلِّ، وَالْحَرَمِ كَالْوَدِيعَةِ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا لِمَنْ عَرَّفَهَا عَامًا، وَتَخَصُّصُهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِهَا لَا لِتَخْصِيصِهَا كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» ، وَضَالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا " تَتِمَّةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُنْشِدُ الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ الطَّالِبُ (أَوْ كَانَ سُقُوطُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (مِنْ صَاحِبِهَا بِ) سَبَبِ (عُدْوَانِ غَيْرِهِ) عَلَيْهِ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.

[فَصْلُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ]

فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (التَّصَرُّفُ فِيهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا الْحَوْلَ وَلَوْ بِخَلْطٍ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا، وَهُوَ ظَرْفُهَا، كِيسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) كَخِرْقَةٍ مَشْدُودَةٍ فِيهَا وَقِدْرٍ، وَزِقٍّ فِيهِ اللُّقَطَةُ الْمَائِعَةُ وَلُفَافَةٌ عَلَى ثِيَابٍ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (وِكَاءَهَا) بِالْمَدِّ (وَهُوَ الْخَيْطُ) أَوْ السَّيْرُ (الَّذِي تُشَدُّ بِهِ) فَيُعَرِّفُ كَوْنَهُ خَيْطًا أَوْ سَيْرًا، وَكَوْنُ الْخَيْطِ مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ، وَنَحْوِهِ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ الشَّدُّ، وَالْعَقْدُ أَيْ: صِفَتُهُمَا) فَيُعَرِّفَ الرَّبْطَ هَلْ هُوَ عُقْدَةٌ أَوْ عُقْدَتَانِ، وَأُنْشُوطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَمْرِ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا، وَهَذِهِ مِنْهَا.
، وَالْأُنْشُوطَةُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَأُنْبُوبَةٍ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلَالُهَا كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ وَقَالَ فِي الْعِفَاصِ: كَكِتَابِ: الْوِعَاءِ فِيهِ النَّفَقَةُ، جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً، وَغِلَافُ الْقَارُورَةِ، وَالْجِلْدَةِ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا انْتَهَى فَالْعِفَاصُ مُشْتَرَكٌ لَكِنْ لَمَّا ذُكِرَ مَعَ الْوِعَاءِ حُمِلَ عَلَى مَا يُغَايِرُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (قَدْرَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بِمِعْيَارِهَا الشَّرْعِيِّ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ.
(وَ) يُعَرِّفَ (جِنْسَهَا، وَصِفَتَهَا) الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا، وَحَتَّى نَوْعَهَا وَلَوْنَهَا لِحَدِيثِ زَيْدٍ وَفِيهِ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَ وِعَاءَهَا، وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ» . (أَيْ: تَجِبُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا) أَيْ: فِي اللُّقَطَةِ لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ دَفْعَهَا إلَى رَبِّهَا يَجِبُ بِمَا ذُكِرَ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ نَظَرًا إلَى مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عُدِمَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ سَبِيلُ إلَى مَعْرِفَتِهَا.

(وَيُسَنُّ ذَلِكَ) أَيْ: أَنْ يُعَرِّفَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، وَجِنْسَهَا، وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا (عِنْدَ وِجْدَانِهَا) ؛ لِأَنَّ

فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ.
(وَ) يُسَنُّ لِلْمُلْتَقِطِ أَيْضًا (إشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَ (لَا) يُسَنُّ الْإِشْهَادُ " (عَلَى صِفَتِهَا " أَيْ: اللُّقَطَةِ لِاحْتِمَالِ شُيُوعِهِ فَيَعْتَمِدُهُ الْمُدَّعِي الْكَاذِبُ قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُبْدِعِ) ، وَيُسْتَحَبُّ كَتْبُ صِفَاتِهَا لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا مَخَافَةَ نِسْيَانِهَا.

(فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا) وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ (فَوَصَفَهَا) بِالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ (لَزِمَ دَفْعُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَلَوْ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يَمِينٍ ظَنَّ صِدْقَهُ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا غَالِبًا لِسُقُوطِهَا حَالَ الْغَفْلَةِ، وَالسَّهْوِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا بِالصِّفَةِ لِمَا جَازَ الْتِقَاطُهَا.

(فَإِنْ وَجَدَهَا) طَالِبُهَا (قَدْ خَرَجَتْ عَنْ) مِلْكِ (الْمُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ) بِأَنْ بَاعَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ وَهَبَهَا أَوْ وَقَفَهَا (بَعْدَ مِلْكِهَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا حَوْلًا كَامِلًا (فَلَا رُجُوعَ) لِطَالِبِهَا فِي عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ (وَلَهُ) أَيْ: لِطَالِبِهَا (بَدَلُهَا) عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَيْ: مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا لِمَا تَقَدَّمَ.

(فَإِنْ أَدْرَكَهَا) طَالِبُهَا (مَبِيعَةً بَيْعَ الْخِيَارِ) بِأَنْ يَبْعَثَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا) أَيْ: الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ (فِي زَمَنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكِهَا أَيْ: زَمَنَ الْخِيَارِ (وَجَبَ) عَلَى الْبَائِعِ (الْفَسْخُ) لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ زَمَنَ خِيَارٍ، وَتُرَدُّ لَهُ، وَعَلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا الْبَدَلُ مَا لَمْ يَخْتَرْ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ وَلَا يَلْزَمُهُ.

(أَوْ) أَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ (مَرْهُونَةً) وَلَوْ مَقْبُوضَةً (فَلَهُ انْتِزَاعُهَا) مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ، وَانْتِفَاءِ إذْنِهِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: يَتَوَجَّهُ عَدَمُ الِانْتِزَاعِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الشَّرْحِ: وَسَائِرُ أَحْكَامِ الرُّجُوعِ هَهُنَا كَحُكْمِ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

(فَإِنْ صَادَفَهَا رَبُّهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ (بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ أَخَذَهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهَا كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَوَجَدَ الصَّدَاقَ قَدْ رَجَعَ إلَى الْمَرْأَةِ، وَحَيْثُ أَخَذَ اللُّقَطَةَ طَالِبُهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا (بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مَالِكِهَا وَلَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهَا عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.

(فَأَمَّا) النَّمَاءُ (الْمُنْفَصِلُ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ فَ) هُوَ (لِمَالِكِهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
(وَ) النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ اللُّقَطَةَ بِمُضِيِّ الْحَوْل فَنَمَاؤُهَا إذَنْ نَمَاءُ مِلْكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَكُونُ لَهُ الزِّيَادَةُ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ

بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ النَّقْصَ لِغَيْرِهِ.

(وَوَارِثٌ مُلْتَقِطٌ كَهُوَ) أَيْ: كَالْمُلْتَقِطِ (فِي تَعْرِيفٍ، وَغَيْرِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ قَامَ وَارِثُهُ فِي إتْمَامِ تَعْرِيفِهَا، وَدَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَرِثَهَا وَرَثَتُهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.

(فَإِنْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْ الْوَارِثِ) إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ (وَإِنْ كَانَتْ) اللُّقَطَةُ (مَعْدُومَةً فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا) أَيْ: بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً أَوْ بِقِيمَتِهَا فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ ضَاقَتْ زَاحَمَ الْغُرَمَاءَ (وَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْوَارِثِ (أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ.

(وَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (أَوْ نَقَصَتْ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ لَمْ يَضْمَنْهَا) الْمُلْتَقِطُ وَلَا وَارِثُهُ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ) .

(وَ) إنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ ضَاعَتْ (بَعْدَ الْحَوْلِ يَضْمَنُهَا وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ إذَنْ (بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلَّا) تَكُنْ مِثْلِيَّةً ضَمِنَهَا (بِقِيمَتِهَا يَوْمَ عَرَّفَ بِهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) لِصَيْرُورَتِهَا بِمِلْكِهِ بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ.

وَإِذَا مَاتَ الْمُلْتَقِطُ وَلَمْ يَعْلَمْ تَلَفَ اللُّقَطَةِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلِ بَقَاؤُهَا.

(وَلَا يَكْفِي تَصْدِيقُ عَبْدٍ) وَلَا أَمَةٍ (مُلْتَقِطٍ) أَيْ: لَوْ كَانَ بِيَدِ قِنٍّ عَيْنٌ وَجَاءَ طَالِبُهَا وَقَالَ: هِيَ لُقَطَةٌ لُقَطَةٌ وَوَصَفَهَا لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ الْقَنِّ (لِوَاصِفٍ) عَلَى أَنَّهَا لُقَطَةٌ (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ لَا يَصِحُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ) أَيْ: بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى سَيِّدِهِ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِنَحْوِ طَلَاقٍ.

(فَإِنْ وَصَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (اثْنَانِ) فَأَكْثَرُ (مَعًا أَوْ وَصَفَهَا الثَّانِي) بَعْدَ الْأَوَّلِ لَكِنْ (قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى الْأَوَّلِ) أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) بِاللُّقَطَةِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (حَلَفَ) أَنَّ اللُّقَطَةَ لَهُ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ صَاحِبِهِ (وَأَخَذَهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ.
(وَ) إنْ وَصَفَهَا إنْسَانٌ (بَعْدَ دَفْعِهَا) لِمَنْ وَصَفَهَا أَوَّلًا (لَا شَيْءَ لِلْوَاصِفِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا بِوَصْفِهِ إيَّاهَا مَعَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ حِينَ أَخَذَهَا، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعَهَا مِنْهُ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهَا لَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ.

(وَلَوْ ادَّعَاهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَصَفَهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ حَلَفَ) وَاصِفُهَا (وَأَخَذَهَا) لِتَرَجُّحِهِ بِوَصْفِهَا (، وَمِثْلُهُ وَصْفُهُ مَغْصُوبًا، وَمَسْرُوقًا) ، وَمَنْهُوبًا، وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ (يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصْفِ) وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِهِ (ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي دِفْنِ الدَّارِ) بِكَسْرِ الدَّال أَيْ: الْمَدْفُونِ بِهَا (مَنْ وَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ) لِتَرَجُّحِهِ بِالْوَصْفِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ، وَالتِّسْعِينَ: مَنْ ادَّعَى شَيْئًا، وَوَصَفَهُ دُفِعَ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ، إذَا جُهِلَ رَبُّهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدٌ مِنْ جِهَةِ مَالِكِهِ، وَإِلَّا فَلَا.

(وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُلْتَقِطِ (دَفْعُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ لِطَالِبِهَا (بِغَيْرِ وَصْفٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَوْ ظَهَرَ صِدْقُهُ) لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ،.

وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ إنْ جَاءَ آخَرُ مَثَلًا وَوَصَفَهَا وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْآخِذِ وَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا، إنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ رَبِّهَا، وَطَلَبَهُ بِهَا،؛ وَلِأَنَّهَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ.

(وَإِنْ) وَصَفَهَا إنْسَانٌ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ (أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنْ الْوَاصِفِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ.

(فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْوَاصِفِ ضَمِنَهَا) الْوَاصِفُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ كَالْغَاصِبِ.

(وَلَمْ يَضْمَنْ الدَّافِعُ، وَهُوَ الْمُلْتَقِطُ، إنْ كَانَ الدَّافِعُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَنْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْمُكْرَهِ.

(وَلَا يَرْجِعُ الْوَاصِفُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِمَا يَغْرَمُهُ لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَلْ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ (وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّفْعُ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ لِلْوَاصِفِ (بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ: الدَّفْعِ (عَلَيْهِ) لِمَنْ وَصَفَهَا لِمَا تَقَدَّمَ.

وَإِنْ كَانَ الْوَاصِفُ أَخَذَ بَدَلَهَا لِتَلَفِهَا عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يُطَالِبْهُ ذُو الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْوَاصِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ لَهُ.

(مَثَلًا وَمُؤْنَةُ رَدِّهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (عَلَى رَبِّهَا) إنْ احْتَاجَتْ لِذَلِكَ كَالْوَدِيعَةِ.

(وَلَوْ قَالَ مَالِكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَلَفِهَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِلَا تَفْرِيطٍ (أَخَذْتَهَا لِتَذْهَبَ بِهَا) لَا لِتُعَرِّفَهَا فَأَنْتَ ضَامِنٌ (وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ: بَلْ) أَخَذْتُهَا (لِأُعَرِّفَهَا فَقَوْلُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.

(وَإِنْ وَجَدَ) مُشْتَرٍ (فِي حَيَوَانٍ اشْتَرَاهُ، كَشَاةٍ وَنَحْوِهَا نَقْدًا فَ) هُوَ (لُقَطَةٌ لِوَاجِدِهِ يُعَرِّفُهَا) أَيْ: يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ (وَيَبْدَأُ) فِي التَّعْرِيفِ (بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ) الشَّاةُ (ابْتَلَعَتْهَا فِي مِلْكِهِ) ،.

(كَمَا لَوْ وَجَدَ صَيْدًا مَخْضُوبًا أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٍ، أَوْ فِي عُنُقِهِ خَرَزٌ) فَإِنَّهُ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِضَابَ، وَنَحْوَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

(وَإِنْ اصْطَادَ سَمَكَةً مِنْ الْبَحْرِ فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ) أَيْ: الدُّرَّةُ (لَهُ) لِلصَّائِدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلَاعُهَا مِنْ مَعْدِنِهَا؛ لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] . (وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ: السَّمَكَةَ (غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا) أَيْ: بِالدُّرَّةِ (لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) أَيْ: الصَّيَّادِ (عَنْهَا)

أَيْ: الدُّرَّةِ (فَتُرَدُّ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبِعْهُ، وَيَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ (كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا لَهُ فِيهَا مَالٌ) مَدْفُونٌ (لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) .

وَإِنْ (وَجَدَ) الصَّيَّادُ (فِي بَطْنِهَا) أَيْ: السَّمَكَةِ (مَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْآدَمِيِّ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ) وَجَدَ فِيهِ دُرَّةً أَوْ غَيْرهَا مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ (غَيْرِهِمَا) فَلُقَطَةٌ لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ بَلْ يُعَرِّفُهَا (أَوْ) وَجَدَ مَا ذُكِرَ (فِي عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ وَلَوْ) كَانَ النَّهْرُ (مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ فَلُقَطَةٌ) عَلَى الصَّيَّادِ تَعْرِيفُهَا عَمَلًا بِالْقَرَائِنِ.

(وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ: الدَّرَاهِمَ أَوْ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدُّرَّةَ الْمَثْقُوبَةَ الْمَثْقُوبَةَ وَنَحْوَهَا (الْمُشْتَرِي) لِلسَّمَكَةِ (فَالتَّعْرِيفُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ.

(وَإِنْ اصْطَادَهَا) السَّمَكَةَ (مِنْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالْبَحْرِ فَكَالشَّاةِ فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ دُرَّةٍ مَثْقُوبَةٍ لُقَطَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ، وَالنَّهْرَ غَيْرَ الْمُتَّصِلِ لَيْسَ مَعْدِنًا لِلدُّرِّ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ الدُّرَّةُ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ أَنَّهَا لِلصَّيَّادِ.

(وَإِنْ وَجَدَ) إنْسَانٌ (عَنْبَرَةً عَلَى السَّاحِلِ فَحَازَهَا فَهِيَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَحْرَ قَذَفَ بِهَا فَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى السَّاحِلِ فَلُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا.

(وَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ، كَثِيَابٍ فِي حَمَّامٍ) حَمَّامٍ وَتُرِكَ لَهُ بَدَلُهُ فَلُقَطَةٌ (أَوْ أُخِذَ مَدَاسُهُ وَتُرِكَ بَدَلُهُ فَلُقَطَةٌ) لَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْهَا فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ وَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ.
(وَيَأْخُذُ) رَبُّ الثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا تَرَكَ لَهُ (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) مِنْ غَيْرِ رَفْعِهِ إلَى حَاكِمٍ قَالَ الْمُوَفَّقُ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا، وَنَفْعًا لِلْآخَرِ إنْ كَانَ سَارِقًا بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ عَنْ الضَّيَاعِ فَلَوْ كَانَتْ الثِّيَابُ الْمَتْرُوكَةُ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَأْخُوذِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فَاضِلٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا بِتَرْكِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي.

(وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً بِدَارِ حَرْبٍ حَرْبٍ وَهُوَ) أَيْ: الْوَاجِدُ (فِي الْجَيْشِ عَرَّفَهَا سَنَةً، ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: السَّنَةِ (فِي الْجَيْشِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمْ.
(وَ) يُعَرِّفُهَا (بَقِيَّتَهَا) أَيْ: بَقِيَّةَ السَّنَةِ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ) إذَا تَمَّ تَعْرِيفُهَا (وَضَعَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (فِي الْمَغْنَمِ) ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا.

(وَإِنْ كَانَ) الْمُلْتَقِطُ (دَخَلَ) دَارَ الْحَرْبِ (بِأَمَانٍ عَرَّفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (فِي دَارِهِمْ) حَوْلًا؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ (ثُمَّ هِيَ) أَيْ: اللُّقَطَةُ (لَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَيْشٍ، فَكَالَّتِي قَبْلَهَا) أَيْ:

يَضَعُهَا فِي الْمَغْنَمِ لِمَا تَقَدَّمَ،.

وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا فَوَجَدَ لُقَطَةً عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.

(وَإِنْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي غَيْرِ طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ) أَيْ: مَسْلُوكٍ (فَهِيَ لُقَطَةٌ) تُعَرَّفَ، كَالَّتِي فِي الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ.

[فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا]

فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ حَوْلًا وَمِلْكِهَا بَعْدَهُ (بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ كَالِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَتَقَدَّمَ (وَيَضُمُّ) أَيْ: يَضُمُّ الْحَاكِمُ إذَا عَلِمَ بِهَا (إلَى الْكَافِرِ، وَالْفَاسِقِ أَمِينًا فِي تَعْرِيفِهَا، وَحِفْظِهَا) قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْمَنَانِ عَلَى تَعْرِيفِهَا وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُخِلَّا فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الْمُشْرِفِ عَلَى الْكَافِرِ وَقَالَا: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْمُشْرِفَ حِفْظُهَا مِنْهُ اُنْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَتُرِكَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ فَإِذَا عَرَّفَهَا، وَتَمَّتْ السَّنَةُ مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ.

(وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (صَغِيرٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ مَجْنُونٌ) صَحَّ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَسُّبٍ كَالِاصْطِيَادِ، وَ (قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِوَاجِدِهَا حَقُّ التَّمَلُّكِ فِيهَا فَكَانَ عَلَى وَلِيِّهِ الْقِيَامُ بِهَا (فَإِذَا عَرَّفَهَا) الْوَلِيُّ (فَهِيَ لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ بِشَرْطِهِ وَلَوْ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا فَعَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ التَّعْرِيفَ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ انْتَهَى.

وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا الصَّغِيرُ وَلَا الْوَلِيُّ فَنَصَّ الْإِمَامُ إنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا قَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ، وَهَذَا يُؤَيِّدَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِعُذْرٍ كَتَأْخِيرِهِ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ أَهْلِ الْعُذْرِ.

(وَإِنْ تَرَكَهَا الْوَلِيُّ بِيَدِهِ) أَيْ: يَدِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ (بَعْدَ عِلْمِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ بِهَا (ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مُوَلِّيهِ.

(وَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِيَدِ أَحَدِهِمْ) أَيْ: الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ السَّفِيهِ (بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ الْوَلِيِّ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا كَالْأَمَانَةِ.

(وَإِنْ فَرَّطَ) فِيهَا وَاجِدُهَا الصَّغِيرُ أَوْ السَّفِيهُ أَوْ الْمَجْنُونُ فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ كَإِتْلَافِهِ، وَكَعَبْدٍ) .

(وَلِلْعَبْدِ الْتِقَاطُهَا) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّغِيرُ، وَيَصِحُّ مِنْهُ، فَصَحَّ مِنْ الرَّقِيقِ.

(وَ) لِلْعَبْدِ إذَا الْتَقَطَهَا (تَعْرِيفُهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ كَاحْتِطَابِهِ وَاحْتِشَاشِهِ، وَاصْطِيَادِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ فَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ.

(وَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (إعْلَامُ سَيِّدِهِ الْعَدْلِ بِهَا إنْ أَمِنَهُ) عَلَيْهَا (وَإِلَّا) يَأْمَنْ سَيِّدَهُ عَلَيْهَا (لَزِمَ) الْعَبْدَ (سَتْرُهَا عَنْهُ) أَيْ: عَنْ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا لِلْحَاكِمِ لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ.

(وَلِسَيِّدِهِ الْعَدْلِ أَخْذُهَا مِنْهُ) لِيُعَرِّفَهَا فَإِنْ عَرَّفَهَا وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطِ أَحَدِهِمَا (أَوْ تَرْكُهَا) أَيْ: وَلِسَيِّدِهِ تَرْكُهَا (مَعَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (لِيُعَرِّفَهَا إنْ كَانَ) الْعَبْدُ (عَدْلًا) فَيَكُونُ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي حِفْظِهَا كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ سَائِرِ مَالِهِ.

وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ أَمِينٍ كَانَ السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بِإِقْرَارِهَا فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِهِ.

وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ كَانَ لَهُ انْتِزَاعُ اللُّقَطَةِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ.

(فَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (الْعَبْدُ أَوْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِتَفْرِيطِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَفِي رَقَبَتِهِ) ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ فَكَانَ ضَمَانُهُ فِي رَقَبَتِهِ كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ فِيمَا تَقَدَّمَ (أُمُّ وَلَدٍ، وَمُدَبَّرٌ، وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) .

(لَكِنْ إنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِتَفْرِيطِ أُمِّ الْوَلَدِ فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَتْهُ) كَسَائِرِ إتْلَافَاتِهَا.

(وَالْمُكَاتَبُ) فِي الْتِقَاطِ (كَالْحُرِّ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ، وَهَذَا مِنْهَا، وَمَتَى عَادَ قِنًّا بِعَجْزِهِ كَانَتْ كَلُقَطَةِ الْقِنِّ.

(وَ) لُقَطَةُ (مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ سَيِّدِهِ) عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ (وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمُبَعَّضِ، وَسَيِّدِهِ (مُهَايَأَةٌ) أَيْ: مُوَافَقَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ كَسْبُهُ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلِسَيِّدِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً (وَكَذَا حُكْمُ نَادِرِ مَنْ كَسْبُهُ كَهِبَةٍ، وَهَدِيَّةٍ، وَوَصِيَّةٍ وَرِكَازٍ، وَنَحْوِهِ) كَنِثَارٍ يَقَعُ فِي حِجْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ النَّادِرَ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ، وَلَا يُظَنُّ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ.

وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَاللُّقَطَةُ بَيْنِهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِمْ مِنْهُ.

(وَلَوْ اسْتَيْقَظَ نَائِمٌ) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَالًا لَا يَدْرِي مَنْ صَرَّهُ) أَوْ وَجَدَ فِي كِيسِهِ قُلْتُ: أَوْ جَيْبِهِ مَا لَا يَدْرِي مَنْ وَضَعَهُ فِيهِ (فَهُوَ) أَيْ: الْمَالُ (لَهُ) أَيْ: لِلنَّائِمِ، وَنَحْوِهِ (وَلَا تَعْرِيفَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ لَهُ.

[بَابُ اللَّقِيطِ]

ِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَالْأُنْثَى لَقِيطَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (طِفْلٌ) لَا مُمَيِّزَ (لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا) يُعْرَفُ (رِقُّهُ، نُبِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ، وَنَحْوِهِ (أَوْ ضَلَّ) الطَّرِيقَ مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَقِيلَ: وَالْمُمَيِّزُ) لَقِيطٌ أَيْضًا (إلَى الْبُلُوغِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُمَيِّزَ: يَكُونُ لَقِيطًا،؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا الْتَقَطَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مَعًا مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ أُقْرِعَ وَلَمْ يُخَيَّرْ بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ.

وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ طِفْلٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ أَوْ مَعْلُومُ الرِّقِّ فَرَفَعَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ لَقِيطٌ لُغَةً لَا شَرْعًا (وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءُ نَفْسِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إذَا اضْطَرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ فَلَوْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ أَثِمُوا، وَيَحْرُمُ النَّبْذُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالْمَنْبُوذِ لِلتَّلَفِ.

(وَيُسْتَحَبَّ لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) كَاللُّقَطَةِ، وَدَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلَّا تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ (عَلَى مَا مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ جَحْدِهِ.

(وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ) حَتَّى فِي قَذْفِ، وَقَوَدٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَيْضًا (مُسْلِمٌ) لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَتَغْلِيبِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.

(إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ كُفَّارِ حَرْبٍ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ) أَيْ: فِي بَلَدِ الْحَرْبِ (أَوْ فِيهِ مُسْلِم كَتَاجِرٍ، وَأَسِيرٍ فَكَافِرٌ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ فَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَارِثِيُّ فَقَالَ: مَثَّلَ الْأَصْحَابَ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا بِالتَّاجِرِ، وَالْأَسِيرِ، وَاعْتَبَرُوا

إقَامَتَهُ زَمَنًا، حَتَّى صَرَّحَ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُرُورُهُ مُسَافِرًا (فَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَ) اللَّقِيطُ مُسْلِمٌ قُلْتُ حُرٌّ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ وُجِدَ) اللَّقِيطُ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهَا) أَهْلُ (ذِمَّةٍ فَكَافِرٌ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذِهِ لَا مُسْلِمَ فِيهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ مُسْلِمٍ يَكْتُمُ إيمَانَهُ.

(وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: بَلَدِ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ كُلُّ أَهْلِهِ أَهْلَ ذِمَّةٍ (مُسْلِمٌ) وَلَوْ وَاحِدًا (فَ) اللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُسْلِمِ بِهَا تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ، فَمُسْلِمٌ.

(وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ (وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ " وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاذْهَبْ هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ أَوْ رَضَاعُهُ ".

(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ بِهَا بَيْتُ مَالٍ، وَنَحْوِهِ (اقْتَرَضَ حَاكِمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ مُتَبَرِّعٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِدُونِ مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَشْبَهَ الْأَخْذَ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ الْإِنْفَاقُ) عَلَيْهِ (مَجَّانًا) لِلْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، وَالتَّقْوَى، وَبِالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ؛ وَلِأَنَّهُ إحْيَاءُ مَعْصُومٍ، وَإِنْقَاذٌ لَهُ مِنْ التَّلَفِ، فَوَجَبَ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ فَهِيَ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَقِرَى الضَّيْفِ.

(وَإِنْ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (ثُمَّ بَانَ رَقِيقًا أَوْ لَهُ أَبٌ مُوسِرٌ رَجَعَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى سَيِّدِ الرَّقِيقِ، وَأَبِي الْحُرِّ الْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا قُلْتُ: وَقِيَاسُ الْأَبِ وَارِثُ مُوسِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ.

(فَإِنْ) اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَى اللَّقِيطَ وَ (لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ) تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (وَفَّى) الْحَاكِمُ مَا اقْتَرَضَهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ فِيهِ.

وَإِنْ كَانَ لِلَّقِيطِ مَالٌ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لِمَانِعٍ أَوْ يَنْتَظِرُ حُصُولَهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلِمَنْ

أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقَالَ، وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَةَ الْمِثْلِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ أَحَدٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إذَا أَيْسَرَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ، وَبِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّي النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

(الْمَالِ وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ) كَوِطَاءٍ، وَبِسَاطٍ، وَوِسَادَةٍ، وَسَرِيرٍ (أَوْ ثِيَابٍ) أَوْ حُلِيٍّ أَوْ غِطَاءٍ عَلَيْهِ (أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ) أَوْ وِسَادَتِهِ (أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ طَرِيًّا أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ أَوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ فَهُوَ لَهُ) ، وَكَذَا مَا طُرِحَ فَوْقَهُ أَوْ رُبِطَ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ أَوْ سَرِيرِهِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ عَنَانِ دَابَّةٍ أَوْ مَرْبُوطٍ عَلَيْهَا أَوْ مَرْبُوطَةٍ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ كَالْمُكَلَّفِ، وَيُمْنَعُ الْتِقَاطُهُ بِدُونِ الْتِقَاطِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ، وَمَالِكِهِ.

(وَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي خَيْمَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ دَارٍ فَهِيَ لَهُ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ بَالِغٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ بِهِ أَخَصُّ إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى أَقْوَى السَّبَبَيْنِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّقِيطِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَدِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَقِيطًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ يَدِهِمَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَيَعْمَلَ بِهَا، وَمَا وُجِدَ بَعِيدًا عَنْهُ أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ فَلُقَطَةٌ.

(وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ) وَاجِدُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، (وَ) أَوْلَى النَّاسِ بِ (حِفْظِ مَالِهِ وَاجِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ (إنْ كَانَ أَمِينًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (مُكَلَّفًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (رَشِيدًا) ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (حُرًّا) تَامَّ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ مَنَافِعُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ وَلَا مَنَافِعِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (عَدْلًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ " إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ " (وَلَوْ) كَانَ (ظَاهِرًا) أَيْ: لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ.

(وَلَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وُجِدَ مَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ بِخِلَافِ مَنْ أَوْدَعَ مَالًا، وَغَابَ وَلَهُ وَلَدٌ فَلَا يُنْفِقُ الْوَدِيعُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بَلْ تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرِ

الْحَاكِمِ.

(الْحَاكِمُ وَالْمُسْتَحَبُّ) لِوَاجِدِ اللَّقِيطِ الْإِنْفَاقُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (إنْ وُجِدَ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ، وَأَقْطَعُ مِنْ الظِّنَّةِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَحِفْظٌ لِمَالِهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.

(وَيَنْبَغِي) لِوَلِيِّ اللَّقِيطِ (أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ كَ) وَلِيِّ (الْيَتِيمِ فَإِنْ بَلَغَ اللَّقِيطُ وَاخْتَلَفَا) أَيْ: اللَّقِيطُ مَثَلًا وَوَاجِدُهُ (فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ) وَاجِدُهُ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُنْفِقِ بِيَمِينِهِ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْفَاقِ) بِأَنْ قَالَ اللَّقِيطُ: أَنْفَقْتَ فَوْقَ الْمَعْرُوفِ الْمَعْرُوفِ وَأَنْكَرَهُ وَاجِدُهُ (فَقَوْلُ الْمُنْفِقِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.

(وَلَهُ) أَيْ: وَاجِدِ اللَّقِيطِ (قَبُولُ هَدِيَّةٍ لَهُ) مَثَلًا وَهِبَةٍ (وَصَدَقَةٍ) وَوَصِيَّةٍ وَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ؛ وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، فَكَانَ لَهُ كَحِفْظِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَجِبُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِاللَّقِيطِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ فِيمَا إذَا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ رَحْمَةً أَنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ إنْ لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِاللَّامِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ لِلْحَاكِمِ.

(وَلَا يُقَرُّ) اللَّقِيطُ (بِيَدِ صَبِيٍّ، وَ) لَا بِيَدِ (مَجْنُونٍ، وَ) لَا بِيَدِ (سَفِيهٍ، وَ) لَا بِيَدِ (فَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يُقَرُّ أَيْضًا بِيَدِ (كَافِرٍ وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ) لِانْتِفَاءِ وِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا يُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ فِي الدِّينِ (وَلَا) يُقَرُّ اللَّقِيطُ أَيْضًا (بِيَدِ رَقِيقٍ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحَضَانَةِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ.

(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْقِنِّ (الْتِقَاطُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ لِلسَّيِّدِ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الرَّقِيقُ مَنْ يَلْتَقِطُهُ فَيَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ (الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ الْهَلَكَةِ) ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ.

(فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) فِي الْتِقَاطِهِ (فَهُوَ نَائِبُهُ) فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ إذَنْ لِلسَّيِّدِ، وَالْعَبْدُ نَائِبٌ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ (وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ) بِصِفَةٍ (وَالْمُكَاتَبُ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ كَالْقِنِّ) لِقِيَامِ الرِّقِّ.

(وَلَا يُقَرُّ) اللَّقِيطُ (بِيَدِ بَدَوِيٍّ يَتَنَقَّلُ فِي الْمَوَاضِعِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْعَابٌ لِلطِّفْلِ بِتَنَقُّلِهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيُدْفَعُ إلَى مَنْ فِي قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ، وَأَخَفُّ عَلَيْهِ.

(وَلَا) يُقَرُّ أَيْضًا بِيَدِ (مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ وَأَرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ) ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ، وَدُنْيَاهُ، وَأَرْفَهُ لَهُ، وَأَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَظُهُورِ أَهْلِهِ.

(فَإِنْ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ لِلِاسْتِيطَانِ أُقِرَّ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْحِلَّةَ كَالْقَرْيَةِ فِي كَوْنِ أَهْلِهَا لَا تَرْحَلُ لِطَلَبِ الْمَاءِ، وَالْكَلَإِ.

، (وَأَرَادَ) أَيْ:، وَأَرَادَ وَاجِدُ اللَّقِيطِ بِبَادِيَةٍ (النُّقْلَةَ) بِهِ (إلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ) اللَّقِيطُ (مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ.

، (وَيَصِحُّ) أَيْ: يَجُوزُ (الْتِقَاطُ ذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ، وَيُقَرُّ)

الذِّمِّيُّ (بِيَدِهِ) أَيْ: الذِّمِّيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] .

(وَلَوْ الْتَقَطَ) اللَّقِيطَ (الْكَافِرَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَهُمَا سَوَاءٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِالْتِقَاطِ وَلِلْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ الْوِلَايَةُ (وَقِيلَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ اخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّاظِمِ قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ يَنْشَأُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَتَعَلَّمُ شَرَائِعَ الدِّينِ فَيَفُوزُ بِالسَّعَادَةِ الْكُبْرَى.

(وَإِنْ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ (أَوْ) الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النُّقْلَةَ (مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ مِنْ مَحَلَّةٍ إلَى مَحَلَّةٍ) أَيْ: مِنْ حِلَّةٍ إلَى حِلَّةٍ (لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ أَوْ حِلَّتِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَكَالْمُنْتَقِلِ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ (مَا لَمْ يَكُنِ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهِ) وَاجِدُ اللَّقِيطِ (وَبِيئًا) أَيْ:، وَخِيمًا (كَغَوْرِ بَيْسَانَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ يَلِيهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ بَلَدٌ بِأَرْضِ الشَّامِ (وَنَحْوِهِ) كَالْجُحْفَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ وَبِيئًا أُقِرَّ اللَّقِيطُ بِيَدِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ إلَى بَلَدٍ لَا وَبَاءَ بِهِ أَوْ دُونَهُ فِي الْوَبَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ.

وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهِ لِغَيْرِ نُقْلَةٍ، فَإِنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ، وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ أُقِرَّ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (وَحَيْثُ يُقَالُ بِانْتِزَاعِهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ مِنْ الْمُلْتَقِطِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ (فَإِنَّمَا ذَلِكَ) الِانْتِزَاعُ (عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَى بِهِ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ (فَأَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ) أَوْلَى مِنْهُ (فَإِقْرَارُهُ فِي يَدِهِ أَوْلَى كَيْفَ كَانَ) لِرُجْحَانِهِ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ.

(وَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ وَمُقِيمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ إذَا الْتَقَطَاهُ) أَيْ: الْمُوسِرُ، وَضِدُّهُ أَوْ الْمُقِيمُ، وَضِدُّهُ (مَعًا عَلَى ضِدِّهِمَا) فَيُقَدَّمُ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلَّقِيطِ، وَيُقَدَّمُ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِاللَّقِيطِ.

(فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمُلْتَقِطَانِ فِي الْيَسَارِ أَوْ الْإِقَامَةِ (الْإِقَامَةِ وَتَشَاحَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَتَسْلِيمِ اللَّقِيطِ إلَى صَاحِبِهِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا، وَالْحَضَانَةُ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْمُهَايَأَةُ فِيهَا إضْرَارٌ بِالطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَغْذِيَةُ، وَالْأُنْسُ، وَالْإِلْفُ (وَالْبَلَدِيُّ، وَالْكَرِيمُ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، وَضِدُّهُمْ) أَيْ: الْبَلَدِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ سَوَاءٌ، وَالْكَرِيمُ، وَالْبَخِيلُ سَوَاءٌ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، وَمَسْتُورُهَا سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَهْلِيَّةِ (وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ) فَلَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ عَنْ الطِّفْلِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ فِي الْحَضَانَةِ لِقَرَابَتِهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلشَّفَقَةِ، وَكَوْنُ الرَّجُلِ إنَّمَا يُحْضَنُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.

(بِأَجْنَبِيَّةٍ وَالشَّرِكَةُ فِي الِالْتِقَاطِ أَنْ يَأْخُذَاهُ جَمِيعًا) أَيْ: مَعًا (وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ كَالْأَخْذِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقِيَامِ الْمُجَرَّدِ) عَنْ الْأَخْذِ، وَوَضْعِ الْيَدِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَخْذِ، وَفِي مَعْنَاهُ وَضْعُ الْيَدِ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِمَا.

(إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ) الْمُلْتَقِطُ (لِلْغَيْرِ بِأَمْرِهِ فَالْمُلْتَقِطُ هُوَ الْآمِرُ فِي قَوْلِ) مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي الِالْتِقَاطِ (وَالْآخِذُ نَائِبٌ عَنْهُ) أَيْ: الْآمِرِ فَهُوَ كَاسْتِنَابَتِهِ فِي أَخْذِ الْمُبَاحِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوِكَالَةِ لَا تَصِحُّ فِي الِالْتِقَاطِ فَالْمُلْتَقِطُ هُوَ الْآخِذُ لَا الْآمِرُ.

(فَإِنْ نَوَى) الْمَأْمُورُ (أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْوِكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ عَزَلَ نَفْسَهُ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِط مِنْهُمَا) بِأَنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الَّذِي الْتَقَطَهُ وَحْدَهُ (قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) بِهِ (سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْ فِي يَدِ غَيْرِهِ) إعْمَالًا لِبَيِّنَتِهِ (فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخِيًّا) ؛ لِأَنَّ الثَّانِي إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ ثَبَتَ الْحَقُّ لَهُ قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّقِيطَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ فَهُوَ كَالْمَالِ فَيَجْرِي فِيهِ مَا فِي بَيِّنَةِ الْمَالِ مِنْ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ سَبْقِ التَّارِيخِ وَرِوَايَةِ تَسَاوِيهِمَا أَعْنِي: الْبَيِّنَتَيْنِ (فَإِنْ اتَّحَدَتَا تَارِيخًا أَوْ أُطْلِقَتَا أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا، وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا) فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَكَدَعْوَى الْمَالِ فَتُقَدَّمَ بَيِّنَةُ خَارِجٍ.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُفِيدُ الْمِلْكَ فَأَوْلَى أَنْ تُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ (فَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِتَسَاوِيهِمَا فِي مُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا سَبِيلَ إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي كَفَالَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (سُلِّمَ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا بِعَلَامَةٍ مَسْتُورَةٍ فِي جَسَدِهِ) بِأَنْ يَقُولَ: بِظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ كَتِفِهِ أَوْ فَخِذِهِ شَامَةٌ أَوْ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ نَارٌ، وَنَحْوُهُ فَكُشِفَ، وَوُجِدَ كَمَا ذُكِرَ (قُدِّمَ) عَلَى مَنْ لَمْ يَصِفْهُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا كَلُقَطَةِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ وَصَفَاهُ جَمِيعًا) بِمَا تَقَدَّمَ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنِ) اللَّقِيطُ (فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا وَلَا وَصَفَاهُ وَلَا) وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا سَلَّمَهُ الْقَاضِي إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ، فَاسْتَوَيَا، وَغَيْرُهُمَا فِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَنَازَعَاهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: الْأَوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (وَلَا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ) إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ بِخِلَافِ اخْتِيَارِهِ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ

إلَى تَجْرِبَةٍ تَقَدَّمَتْ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ.

(وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ) مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، أَوْ مِمَّنْ الْتَقَطَاهُ مَعًا (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ اللَّقِيطِ (سَقَطَ) حَقُّهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَرْكُهُ لِلْآخَرِ كَالشَّفِيعَيْنِ.

[فَصْلٌ مِيرَاثُ اللَّقِيطِ إنْ مَاتَ]

فَصْلٌ وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ إنْ مَاتَ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا وَلَا يَرِثَهُ الْمُلْتَقِطُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَحِمٌ وَلَا نِكَاحٌ، فَالْإِرْثُ بِالْوَلَاءِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (وَالْمُلْتَقَطُ لَيْسَ مُعْتَقًا) ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ وَقَوْلُ عُمَرَ " وَلَكَ وَلَاؤُهُ " أَيْ: وِلَايَتُهُ.

(وَدِيَتُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (إنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مِيرَاثِهِ كَسَائِرِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يُخَلِّفْ) اللَّقِيطُ (وَارِثًا) بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلَهَا الرُّبُعُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ مَاتَتْ لَقِيطَةٌ لَهَا زَوْجٌ، فَلَهُ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ، أَوْ ابْنُ بِنْتٍ أَخَذَ جَمِيعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ، وَالرَّحِمَ مُقَدَّمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رَقٌّ وَلَا وَلَاءٌ عَلَى آبَائِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ كَالْمَعْرُوفِ نَسَبُهُ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ ابْنَ حُرَّيْنِ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ مُعْتَقَيْنِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِمَا.

(وَإِنْ قُتِلَ) اللَّقِيطُ (عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ، وَالسُّلْطَانُ يَنُوبُ مَنَابَهُمْ، فَ (إنْ شَاءَ) الْإِمَامُ (اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ) حَسَبَ الْأَصْلَحِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَعْصُومٌ، وَالِاسْتِحْقَاقُ مَنْسُوبٌ إلَى جِهَةِ الْإِسْلَامِ، لَا إلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يُمْنَعَ مِنْهُمْ كَوْنُ فِيهِمْ صِبْيَانٌ، وَمَجَانِينُ.

(وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (عَمْدًا، اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ مَعَ رُشْدِهِ) لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الِاسْتِيفَاءِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَانْتُظِرَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ لَهُ، بَلْ

لِوَارِثِهِ، وَالْإِمَامِ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ (فَيُحْبَسُ الْجَانِي) عَلَى طَرَفِ اللَّقِيطِ (إلَى أَوَانِ الْبُلُوغِ، وَالرُّشْدِ) لِئَلَّا يَهْرَبَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) اللَّقِيطُ (فَقِيرًا وَلَوْ) كَانَ اللَّقِيطُ (عَاقِلًا، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ) فِيهِ حَظٌّ لِلَّقِيطِ (يُنْفِقُ عَلَيْهِ) دَفْعًا لِحَاجَةِ الْإِنْفَاقِ، وَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَجْنُونِ، وَالْعَاقِلِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَدَ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ بِخِلَافِ وَلِيِّ الْعَاقِلِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ هُنَا.

(وَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ) : عَلَى اللَّقِيطِ (رِقَّهُ أَوْ) ادَّعَى (قَاذِفُهُ، قَاذِفُهُ وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ) ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ، فَلِلَّقِيطِ طَلَبُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ مَالًا طَالَبَ بِمَا يَجِبُ فِي الْحُرِّ، وَإِنْ صَدَّقَ اللَّقِيطُ قَاذِفَهُ أَوْ الْجَانِيَ عَلَيْهِ عَلَى كَوْنِهِ رَقِيقًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَجِبُ فِي قَذْفِ الرَّقِيقِ أَوْ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ فَ) أَرْشُهَا (عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ، وَنَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَانَ عَقْلُهُ فِيهِ كَعَصَبَاتِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ) كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَإِتْلَافِ الْمَالِ (فَحُكْمُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (فِيهَا حُكْمُ غَيْرِ اللَّقِيطِ) فَ (إنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (بَالِغٌ عَاقِلٌ اُقْتُصَّ مِنْهُ) مَعَ الْمُكَافَأَةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ مِنْ اللَّقِيطِ (مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَلَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مَالٌ اسْتَوْفَى) مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ (كَانَ) مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ (فِي ذِمَّتِهِ، حَتَّى يُوسِرَ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ.

(وَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ) أَيْ: غَيْرُ الْمُلْتَقِطِ (أَنَّ اللَّقِيطَ مَمْلُوكُهُ) ، وَهُوَ فِي يَدِهِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ اللَّقِيطُ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا.

(أَوْ) ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّ (مَجْهُولَ النَّسَبِ غَيْرَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مَمْلُوكُهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ، صُدِّقَ) الْمُدَّعِي لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِإِمْكَانِ عَدَمِ الْمِلْكِ، ثُمَّ إذَا بَلَغَ وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ لَمْ يُقْبَلْ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّقِيطُ أَوْ مَجْهُولُ النَّسَبِ بِيَدِ الْمُدَّعِي، فَلَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تُخَالِفُ الْأَصْلَ، وَالظَّاهِرَ.

(فَلَوْ شَهِدَتْ لَهُ) أَيْ: لِمُدَّعِي اللَّقِيطِ غَيْرِ مُلْتَقَطِهِ أَوْ لِمُدَّعِي مَجْهُولِ النَّسَبِ (بَيِّنَةٌ بِالْيَدِ) بِأَنْ قَالَا: نَشْهَدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ (أَوْ) شَهِدَتْ بِ (الْمِلْكِ أَوْ) شَهِدَتْ (أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ) أَوْ قِنُّهُ أَوْ رَقِيقُهُ.
(وَلَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْبَيِّنَةُ سَبَبَ الْمِلْكِ) حُكِمَ لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِمِلْكِ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ.

(أَوْ) شَهِدَتْ (أَنَّ أَمَتَهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إلَّا مِلْكَهُ.

(وَإِنْ) شَهِدَتْ أَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ وَ (لَمْ تَقُلْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ) بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنُ أَمَتِهِ، وَكَوْنِهَا وَلَدَتْهُ،.

هَلْ يَكْفِي فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ رِجَالٌ؟ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُغْنِي أَوْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ، وَامْرَأَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ قَوْلِ الْقَاضِي: أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ.

(وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: مِلْكَ اللَّقِيطِ (الْمُلْتَقِطُ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِمِلْكِهِ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تَكْفِي يَدُهُ وَلَا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ لَهُ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَيَدُهُ عَنْ سَبَبٍ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْمِلْكُ.

، (وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مِنْ لَقِيطٍ أَوْ مَجْهُولِ نَسَبٍ (بَالِغًا عَاقِلًا) ، وَكَذَا إنْ كَانَ مُمَيِّزًا، كَمَا يَأْتِي فِي الدَّعَاوَى (فَأَنْكَرَ) أَنَّهُ رَقِيقٌ وَقَالَ أَنَا حُرٌّ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.

(وَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي رِقُّ اللَّقِيطِ أَوْ مَجْهُولِ النَّسَبِ بَيِّنَةٌ) بِدَعْوَاهُ (حُكِمَ) لَهُ (بِهَا) أَيْ: بِبَيِّنَتِهِ.

(فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقَطُ) بِفَتْحِ الْقَافِ، الْقَافِ وَفِي نُسَخٍ: اللَّقِيطُ قَدْ (تَصَرَّفَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِمُدَّعِي رِقِّهِ بِبَيِّنَةٍ (بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ) أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ كَانَ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ) اللَّقِيطُ أَوْ مَجْهُولُ النَّسَبِ (بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ إقْرَارَهُ تَصَرُّفٌ بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ، أَوْ إصْدَاقٍ، وَنَحْوِهِ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ) تَصَرُّفٌ (بَلْ) كَانَ (أُقِرَّ بِالرِّقِّ جَوَابًا) لِدَعْوَى مُدَّعٍ (أَوْ) أَقَرَّ بِهِ (ابْتِدَاءً وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا، فَلَمْ يَصِحَّ (كَمَا لَوْ تَقَدَّمَهُ إقْرَارٌ بِحُرِّيَّتِهِ) ؛ وَلِأَنَّ الطِّفْلَ الْمَنْبُوذَ لَا يَعْلَمُ رِقَّ نَفْسِهِ وَلَا حُرِّيَّتَهَا وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ رَقٌّ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ.

، (وَإِنْ أَقَرَّ اللَّقِيطُ أَنَّهُ كَافِرٌ وَقَدْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ تَبَعًا لِلدَّارِ) بِأَنْ كَانَ وُجِدَ فِي دَارِ إسْلَامٍ، فِيهِ مُسْلِمٌ، يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) أَنَّهُ كَافِرٌ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ وُجِدَ عُرْيًا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَثَبَتَ حُكْمُهُ، وَاسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَجُزْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مُسْلِمٍ وَقَوْله: لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْحَالِ مَنْ كَانَ أَبُوهُ وَلَا مَا

كَانَ دِينُهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ (وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ (كَمَا لَوْ بَلَغَ سِنًّا يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِيهِ) كَسَبْعِ سِنِينَ (وَنَطَقَ بِالْإِسْلَامِ) ، وَهُوَ يَعْقِلُهُ (ثُمَّ قَالَ إنَّهُ كَافِرٌ) فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ مُتَيَقَّنٌ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّ اللَّقِيطَ وَلَدُهُ]

فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ أَيْ: اللَّقِيطَ وَلَدُهُ وَقَوْلُهُ (مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ) صِفَةٌ لِإِنْسَانٍ (يُمْكِن كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمُقِرِّ (حُرًّا كَانَ) الْمُقِرُّ (أَوْ رَقِيقًا رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَلَوْ) كَانَتْ أَمَةً، حَيًّا كَانَ اللَّقِيطُ أَوْ مَيِّتًا أُلْحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِلْحَاقٌ لِمَجْهُولِ النَّسَبِ ادَّعَاهُ مَنْ يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيهِ وَلَا دَافِعَ عَنْهُ وَلَا ظَاهِرَ يَرُدُّهُ فَوَجَبَ اللِّحَاقُ؛ وَلِأَنَّهُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لِلطِّفْلِ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ، وَكِسْوَتِهِ، وَاتِّصَالِ نَسَبِهِ، فَكَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ.

(وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (عَلَى الْعَبْدِ) إذَا أَلْحَقْنَاهُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ.

(وَلَا حَضَانَةَ لَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ عَلَى مَنْ اسْتَلْحَقَهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالسَّيِّدِ فَيُضَيِّعُ فَلَا يَتَأَهَّلُ لِلْحَضَّانَةِ كَمَا قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَإِنَّ أَذِنَ السَّيِّدُ جَازَ لِانْتِفَاءِ مَانِعِ الشُّغْلِ.

(وَلَا) تَجِبُ نَفَقَةُ مَنْ اسْتَلْحَقَهُ الْعَبْدُ (عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّقِيطَ (مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ) وَالسَّيِّدُ غَيْرُ نَسِيبٍ لَهُ (وَتَكُونُ) نَفَقَتُهُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.

(وَلَا يَلْحَقُ) اللَّقِيطُ (بِزَوْجِ الْمَرْأَةِ الْمُقِرَّةِ بِهِ بِدُونِ تَصْدِيقِهِ) أَيْ الزَّوْجِ، لِأَنَّ إقْرَارَهَا لَا يَنْفُذُ عَلَى غَيْرِهَا فَلَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ نَسَبٌ لَمْ يُقِرَّ بِهِ.

(وَلَا) يَلْحَقْ اللَّقِيطُ (بِالرَّقِيقِ) إذَا اسْتَلْحَقَهُ (فِي رِقِّهِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَإِضْرَارُ بِالطِّفْلِ (بِدُونِ بَيِّنَةِ الْفِرَاشِ فِيهِمَا) .

فَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِ زَوْجِهَا لَحِقَ بِهِ وَكَذَا لَوْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ بِأَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ قِنُّهُ أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (كَمَا لَوْ اسْتَلْحَقَ) حُرٌّ (رَقِيقًا) فَيُثْبَتُ نَسَبُهُ دُونَ حُرِّيَّتِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.

(وَلَا) يَلْحَقُ اللَّقِيطُ (بِزَوْجَةِ الْمُقِرِّ بِدُونِ تَصْدِيقِهَا) لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَسْرِي عَلَيْهَا.

(وَيَلْحَقُ) اللَّقِيطُ (الذِّمِّيَّ) إذَا اسْتَلْحَقَهُ (نَسَبًا) كَالْمُسْلِمِ (لَا دِينًا) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِدَعْوَى الْكَافِرِ، وَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِاللَّقِيطِ.

(وَلَا حَقَّ لَهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ (فِي حَضَانَتِهِ) أَيْ اللَّقِيطِ الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِكَفَالَةِ مُسْلِمٍ وَلَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ

وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.

(وَلَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ يُقِيمَ) الذِّمِّيُّ (بَيِّنَةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ فَيَلْحَقُهُ دِينًا) لِثُبُوتِ أَنَّهُ وَلَدُ ذِمِّيَّيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَقِيطًا (بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْكُفْرِ) إلَى بُلُوغِهِ عَاقِلًا فَإِنَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ.

(وَالْمَجْنُونُ كَالطِّفْلِ) إذَا أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ لَحِقَ بِهِ (إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَكَانَ) الْمَجْنُونُ (مَجْهُولَ النَّسَبِ) لِأَنَّ قَوْلَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ كَالطِّفْلِ.

(وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ إلْحَاقُهُ بِالِاسْتِلْحَاقِ لَوْ بَلَغَ) أَوْ عَقِلَ (وَأَنْكَرَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ) لِنُفُوذِ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ أَوْ جُنُونِهِ لِمُسْتَنِدٍ صَحِيحٍ أَشْبَهَ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ.

(وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ نَسَبَ اللَّقِيطِ (اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ) سُمِعَتْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَاهُ فَإِذَا تَنَازَعُوا تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ (لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ بِهَا) لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُبَيِّنُهُ (وَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ الْمُدَّعَى نَسَبُهُ (فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَأَقَامَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ خَارِجٍ) كَالْمَالِ.
(وَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي يَدِ امْرَأَةٍ) وَادَّعَتْ نَسَبَهُ وَأَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةً (قُدِّمَتْ عَلَى امْرَأَةٍ ادَّعَتْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مُوَضِّحَةٌ (وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ) بِأَنْ أَقَامَ كُلُّ مِنْهُمْ بَيِّنَةً وَالطِّفْلُ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ لَيْسَ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (أَوْ) تَسَاوَوْا فِي (عَدَمِهَا عُرِضَ) اللَّقِيطُ (مَعَهُمَا) أَيْ الْمُدَّعِيَيْنِ إنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا وَإِلَّا لَحِقَ بِالْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِالثَّانِي فَيَلْحَقَ بِهِ وَيَنْقَطِعَ نَسَبُهُ عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ فَيَزُولَ بِهَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى (عَلَى الْقَافَةِ) بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ قَائِفٍ، وَيَأْتِي مَعْنَاهُ.
وَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَائِفًا وَكَذَا شُرَيْحٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ) عَرَضَ (مَعَ أَقَارِبِهُمَا إنْ مَاتَا) أَيْ الْمُدَّعِيَيْنِ (كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَإِنْ أَلْحَقْتُهُ) الْقَافَةُ (بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» . وَفِي لَفْظٍ «دَخَلَ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَكَانَ إجْمَاعًا.

(وَإِنَّ أَلْحَقَتْهُ)

الْقَافَةُ (بِهِمَا) أَيْ الْمُدَّعِيَيْنِ (لَحِقَ) نَسَبُهُ (بِهِمَا) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ " فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ وَعَلِيٌّ يَقُولُ " هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ " وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَارٍ عَنْ عُمَرَ (فَيَرِثُ) الْمُلْحَقُ بِأَبَوَيْنِ (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إرْثَ وَلَدٍ كَامِلٍ، وَيَرِثَانِهِ إرْثَ أَبٍ وَاحِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنَّ وَصَّى لَهُ) أَيْ الْمُلْحَقِ بِاثْنَيْنِ (قَبِلَا) الْوَصِيَّةَ لَهُ (جَمِيعًا) لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَبٍ وَاحِدٍ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ نِكَاحٍ وَقَبُولٍ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا قَالَ الْمُوَضِّحُ: وَهُمَا وَلِيَّانِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ.

(وَإِنَّ خَلَفَ) الْمُلْحَقَ بِاثْنَيْنِ (أَحَدُهُمَا فَلَهُ إرْثُ أَبٍ كَامِلٍ وَنَسَبُهُ ثَابِتٌ مِنْ الْمَيِّتِ) كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا يَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ وَالزَّوْجَةُ كَالزَّوْجَاتِ (وَلِأُمَّيْ أَبَوَيْهِ مَعَ أُمِّ أُمِّهِ نِصْفُ السُّدْسِ) لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّ أَبٍ مَعَ أُمٍّ (وَلَهَا) أَيْ لِأُمِّ أُمِّهِ (نِصْفُهُ) أَيْ السُّدُسُ.

(وَلَوْ تَوَقَّفَتْ الْقَافَةُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا أَوْ نَفْتَهُ عَنْ الْآخَرِ لَمْ يَلْحَقْ بِاَلَّذِي تَوَقَّفَتْ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا دَلِيلٌ لَهُ.

(وَلَا يَلْتَحِقُ) الْوَلَدُ (بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمَّيْنِ فَإِنَّ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ سَقَطَ قَوْلُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِتَبَيُّنِ خَطَأِ الْقَافَةِ وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى.

(وَإِنَّ ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَحِقَ بِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فَيَكُونُ ابْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا كَالِانْفِرَادِ.

(فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ هُوَ ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي وَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ) أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْهُ وَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ ابْنُهَا (فَهُوَ ابْنُهُ) وَ (تُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ.

وَالْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْأَنْسَابَ بِالشَّبَهِ جَمْعُ قَائِفٍ (وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ) كَبَنِي مُدْلِجٍ (بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةَ بِذَلِكَ وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ فَهُوَ قَائِفٌ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ قَفَّتْ وَقَفَوْتُ وَقَافَ وَاقْتَافَ أَثَرَهُ إذَا اتَّبَعَهُ وَهُوَ أَقْوَفُ النَّاسِ اهـ وَالْقَائِفُ كَالْحَاكِمِ فَلَوْ أُلْحِقَ بِوَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِآخَرَ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَيَسْقُطُ بِوُجُودِ الْأَصْلِ.

(وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ نَسَبًا لِلَّقِيطِ وَنَحْوِهِ (أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ) كَثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرُ (فَأُلْحِقَ) أَيْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ (بِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ وَإِنَّ كَثُرُوا) لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ قِيَاسًا وَقَوْلُهُمْ إنَّ إلْحَاقَهُ بِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِ، فَيَجِبُ

تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ (وَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّهُ يَرِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَدٌ كَامِلٌ وَيَرِثُونَهُ إرْثَ أَبٍ وَاحِدٍ وَيَقْبَلُونَ لَهُ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوَهَا (لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمْ بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْغَيْرُ فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِذِكْرِهَا.

(وَإِنَّ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ أَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ) يُمْكِنُ الذَّهَابُ إلَيْهَا (وَلَوْ بَعِيدَةً فَيَذْهَبُونَ إلَيْهَا) ضَاعَ نَسَبُهُ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِأَحَدِهِمْ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدَّعَ نَسَبُهُ.

(أَوْ اخْتَلَفَ قَائِفَانِ أَوْ) اخْتَلَفَ (اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ ضَاعَ نَسَبُهُ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ كَمَا لَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا.

(وَإِنْ اتَّفَقَ) قَائِفَانِ اثْنَانِ وَخَالَفَهُمَا قَائِفٌ (ثَالِثٌ أُخِذَ بِهِمَا) لِكَمَالِ النِّصَابِ إنْ اُعْتُبِرَ التَّعَدُّدُ وَإِلَّا فَتَعَارُضُ الْقَائِفِينَ يَقْتَضِي تَسَاقُطِهِمَا، وَالثَّالِثُ خَلَا عَنْ مُعَارِضٍ فَيُعْمَلُ بِهِ (وَمِثْلُهُ طَبِيبَانِ وَبَيْطَارَانِ فِي عَيْبٍ) خَالَفَهُمَا ثَالِثٌ فَيُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ.

(وَلَوْ رَجَعَا) بَعْدَ التَّقْوِيمِ بِأَنَّ قَوَّمَاهُ بِعَشْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى بَعْدَ الْحُكْمِ وَلَوْ رَجَعَ مَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ عَنْ دَعْوَاهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَعَ عَدَمِ إلْحَاقِهَا بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا يَلْحَقُ بِالْآخَرِ.

(وَلَوْ أَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِوَاحِدٍ لِانْفِرَادِهِ بِالدَّعْوَى ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ) كَانَ لِلْأَوَّلِ (أَوْ أَلْحَقَتْهُ قَافَةٌ بِوَاحِدٍ فَجَاءَتْ قَافَةٌ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخَرَ كَانَ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ.

وَإِنَّ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ فَسَقَطَ بِوُجُودِ الْأَصْلِ.

(وَإِنَّ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرًا وَ) وَلَدَتْ (أُخْرَى أُنْثَى وَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ الذَّكَرَ وَلَدُهَا دُونَ الْأُنْثَى عُرِضَتَا مَعَ الْوَلَدَيْنِ عَلَى الْقَافَةِ فَيَلْحَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ) الْقَافَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ آخَرُ (فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ اعْتَبَرَ بِاللَّبَنِ خَاصَّةً، فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَزِنَتِهِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ لَبَنَ الِابْنِ أَثْقَلُ مِنْ لَبَنِ الْأُنْثَى فَمَنْ كَانَ لَبَنُهَا لَبَنَ الِابْنِ فَهُوَ وَلَدُهَا وَالْبِنْتُ لِلْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ الْوَلَدَانِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ وَادَّعَتَا أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ عَرْضُهُ) أَيْ الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (عَلَى الْقَافَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ.

وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ مَوْلُودًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ ابْنَيْ وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ ابْنِي نَظَرَ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَلِمُدَّعِيهِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلِمُدَّعِيهَا سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكَلًا عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.

(وَإِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ) وَطِئَا (جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أَوْ وُطِئَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ) أَيْ الْوَاطِئِ (فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ أُرِيَ) الْوَلَدُ (الْقَافَةَ مَعَهُمَا) أَيْ الْوَاطِئَيْنِ إنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ وَإِلَّا فَمَعَ، أَقَارِبِهِمَا، كَاللَّقِيطِ، وَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا (سَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ أَوْ جَحَدَاهُ أَوْ) ادَّعَاهُ (أَحَدُهُمَا) وَجَحَدَهُ الْآخَرُ وَقَدْ ثَبَتَ الْفِرَاشُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُلَائِمُ آخِرُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ تَبِعَ صَاحِبَ الْإِنْصَافِ وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ أَيْضًا مُوهِمَةٌ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ وَمُتَابِعِيهِ إنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ اخْتَصَّ بِهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا كُلُّ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا أَوْ بِيعَتْ أَمَتُهُ فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلَيْسَ لِزَوْجٍ أُلْحِقَ بِهِ اللِّعَانُ لِنَفْيِهِ.

(وَنَفَقَةُ الْمَوْلُودِ) الْمُشْتَبَهُ نَسَبُهُ (عَلَى الْوَاطِئَيْنِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إمْكَانِ لُحُوقِهِ بِهِمَا (فَإِذَا أُلْحِقَ) الْوَلَدُ (بِأَحَدِهِمَا رَجَعَ مَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ عَلَى الْآخَرِ بِنَفَقَتِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مَحَلُّ الْوُجُوبِ.

(وَيُقْبِلُ قَوْلُ الْقَائِفِ فِي غَيْرِ بُنُوَّةٍ، كَأُخُوَّةٍ وَعُمُومَةٍ) وَخُؤُولَةٍ لِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ» ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ شَبَهِ الْمُدَّعِي لِلْمَيِّتِ بِشِبْهِ مُنَاسِبِيهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْعَصَبَاتِ.

(وَلَا قَوْلَ الْقَائِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ فَاعْتُبِرَ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ (وَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، فَلَا يُمْنَعُ الْقَبُولُ كَالرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَالْمُفْتِي، بِجَامِعِ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ وَقِيلَ تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَذَكَره فِي التَّرْغِيبِ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ كَحَاكِمٍ، فَتُعْتَبَرُ حُرِّيَّتُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِسْلَامُ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا اشْتَرَطَ إسْلَامَ الْقَائِفِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ وَجَزَمَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَخْذًا مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ قُلْتُ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ كَحَاكِمٍ أَوْ شَاهِدٍ اعْتِبَارُ الْإِسْلَامِ قَطْعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَقَافَ الْمُصْطَلِقِيَّ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَقَافَ ابْنَ كَلَدَةَ وَحْدَهُ،

وَاسْتُلْحِقَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ حَكَمٌ فَقُبِلَ الْوَاحِدُ فِيهِ كَالْحَاكِمِ (وَهُوَ كَحَاكِمٍ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ) لِقِصَّةِ مُجَزِّزٍ.

" تَنْبِيهٌ " قَوْلُهُ " مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ " أَيْ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ فَمَنْ عَرَفَ مَوْلُودًا بَيْنَ نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ وَهِيَ فِيهِنَّ فَأَصَابَ كُلَّ مُرَّةٍ فَقَائِفٌ وَقَالَ الْقَاضِي يُتْرَكُ الصَّبِيَّ بَيْنَ عَشْرَةِ رِجَالٍ غَيْرَ مُدَّعِيهِ فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ سَقَطَ قَوْلُهُ وَإِنَّ نَفَاهُ عَنْهُمْ تُرِك مَعَ عِشْرِينَ مِنْهُمْ مُدَّعِيهِ فَإِنَّ أَلْحَقَهُ بِهِ عُلِمَتْ إصَابَتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إصَابَتِهِ وَلَوْ لَمْ تُجَرِّبُهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْإِصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَازَ وَقَضِيَّةُ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي وَلَدِ الشَّرِيفِ مِنْ جَارِيَةٍ شَاهِدَةٍ بِذَلِكَ.

[كِتَابُ الْوَقْفِ]

(كِتَابُ الْوَقْفِ وَهُوَ) مَصْدَرُ وَقَفَ بِمَعْنَى حَبَسَ وَأَحْبَسَ وَسَبَلَ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَأَوْقَفَ لُغَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ - وَفِي لَفْظٍ - غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ " لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَالْوَقْفُ (تَحْبِيسُ مَالِكٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ (مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ (مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِ الْوَاقِفِ وَغَيْرِهِ فِي رَقَبَتِهِ) أَيْ الْمَالِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: مَعْنَى تَحْبِيسِ الْأَصْلِ

إمْسَاكُ الذَّاتِ عَنْ أَسْبَابِ التَّمَلُّكَاتِ مَعَ قَطْعِ مِلْكِهِ فِيهَا (يُصْرَفُ رِيعُهُ) أَيْ الْمَالِ (إلَى جِهَةِ بِرٍّ) هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ " وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ " أَيْ إطْلَاقُ فَوَائِدِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مِنْ غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَغَيْرِهَا لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَقَوْلُهُ (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمَطْلَعِ وَالتَّنْقِيحِ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ لِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ لَا لِصِحَّةِ الْوَقْفِ، فَكَثِيرٌ مِنْ الْوَاقِفِينَ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ قَصْدًا مُحَرَّمًا، كَمَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَخَافَ بَيْعَ عَقَارِهِ فِيهَا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَوْ يُقَالُ: هَذَا بَيَانُ أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ وَسُمِّيَ وَقَفًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةً، وَحَبِيسًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْبُوسَةً (وَهُوَ مَسْنُونٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ.

(وَيَصِحُّ) الْوَقْفُ (بِقَوْلٍ) وَيَأْتِي صَرِيحُهُ وَكِنَايَتُهُ (وَ) يَصِحُّ الْوَقْفُ أَيْضًا ب (فِعْلٍ) مَعَ (دَالٍّ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَقْفِ (عُرْفًا) كَالْقَوْلِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ (مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ فِي الدَّفْنِ فِيهَا) إذْنًا عَامًّا لِأَنَّ الْإِذْنَ الْخَاصَّ قَدْ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ فَلَا يُفِيدُ دَلَالَةَ الْوَقْفِ (أَوْ يَبْنِي بُنْيَانًا عَلَى هَيْئَةِ مَسْجِدٍ وَيَأْذَنْ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ إذْنًا عَامًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَذَّنَ وَأَقَامَ فِيهِ) أَيْ فِيمَا بَنَاهُ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسْجِدِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ نَصَّبَهُ لِذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فِيهِ كَالْإِذْنِ الْعَامِّ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ انْتَهَى أَيْ أَنَّ نِيَّتَهُ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ لَا أَثَرَ لَهَا قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ لِلْإِذْنِ وُجُودُ صِيغَةٍ بَلْ يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ أَوْ التَّأْذِينِ، أَوْ كِتَابَةِ لَوْحٍ بِالْإِذْنِ أَوْ الْوَقْفِ انْتَهَى.
وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَذَّنَ فِيهِ (أَوْ بَنَى بَيْتًا لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ) أَيْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(وَالتَّطْهِيرِ وَيَشْرَعُهُ) أَيْ يَفْتَحُ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ (لَهُمْ) أَيْ لِلنَّاسِ (أَوْ يَمْلَأُ خَابِيَةً) أَوْ نَحْوَهَا (مَاءً عَلَى الطَّرِيقِ) أَوْ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى تَسْبِيلِهِ (وَلَوْ جَعَلَ سَفَلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا، وَانْتَفَعَ بِعُلُوِّهِ) أَيْ الْبَيْتِ صَحَّ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ جَعَلَ عُلُوَّ بَيْتِهِ مَسْجِدًا وَانْتَفَعَ بِسَفَلِهِ صَحَّ (أَوْ) جَعَلَ.
(وَسَطَهُ) أَيْ الْبَيْتِ مَسْجِدًا وَانْتَفَعَ بِعُلُوِّهِ وَسَفَلِهِ (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِطْرَاقًا) إلَى مَا جَعَلَهُ مَسْجِدًا (صَحَّ) الْوَقْفُ (وَيَسْتَطْرِقُ) إلَيْهِ (كَمَا لَوْ بَاعَ) بَيْتًا مِنْ دَارِهِ (أَوْ أَجَّرَ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ) وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ اسْتِطْرَاقًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَيَسْتَطْرِقُ إلَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ.
(وَصَرِيحُهُ) أَيْ الْقَوْلِ (وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ وَيَكْفِي أَحَدُهَا) فَمَنْ أَتَى بِكَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ

صَحَّ بِهَا الْوَقْفُ لِعَدَمِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُنْضَمِّ إلَيْهِ عُرْفُ الشَّرْعِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ «إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا» فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ وَإِضَافَةُ التَّحْبِيسِ إلَى الْأَصْلِ، وَالتَّسْبِيلُ إلَى الثَّمَرَةِ لَا يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مُحْبَسَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا شُرِطَ صَرْفُهَا إلَيْهِ.

(وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ) لِعَدَمِ خُلُوصِ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا عَنْ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالتَّحْرِيمُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدُ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُرَادُ تَأْبِيدُهُ مِنْ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (بِالْكِنَايَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) الْمَالِكُ.
فَمَتَى أَتَى بِإِحْدَى هَذِهِ الْكِنَايَاتِ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ نَوَى بِهَا الْوَقْفَ لَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهَا بِالنِّيَّةِ صَارَتْ ظَاهِرَةً فِيهِ، وَإِنْ قَالَ مَا أَرَدْتُ بِهَا الْوَقْفَ قُبِلَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ (أَوْ يُقْرِنُ بِهِ) أَيْ بِلَفْظَةِ الْكِنَايَةِ (أَحَدَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ) وَهِيَ الْكِنَايَتَانِ وَالصَّرَائِحُ الثَّلَاثُ (فَيَقُولُ تَصَدَّقْت) بِكَذَا (صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ) تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً (مُحْبَسَةً، أَوْ) صَدَقَةً (مُسَبَّلَةً، أَوْ) صَدَقَةً (مُؤَبَّدَةً) ، أَوْ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً، (أَوْ يَقُولُ: هَذِهِ) الْعَيْنُ (مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ) مُحَرَّمَةٌ (مُحْبَسَةٌ، أَوْ) مُحَرَّمَةٌ (مُسَبَّلَةٌ، أَوْ) مُحَرَّمَةٌ (مُؤَبَّدَةٌ، أَوْ يَصِفُهَا) أَيْ الْكِنَايَةَ (بِصِفَاتِ الْوَقْفِ، فَيَقُولُ) تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً (لَا تُبَاعُ) أ (وَلَا تُوهَبُ) أ (وَلَا تُوَرَّثُ أَوْ) يُقْرِنُ الْكِنَايَةَ بِحُكْمِ الْوَقْفِ كَأَنْ (يَقُولُ: تَصَدَّقْتُ بِأَرْضِي عَلَى فُلَانٍ وَالنَّظَرُ لِي أَيَّامِ حَيَاتِي أَوْ) وَالنَّظَرُ (لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِفُلَانٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ) . تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ (عَلَى فُلَانٍ، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى قَبِيلَةِ كَذَا، أَوْ) تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى (طَائِفَةِ كَذَا) كَالْفُقَرَاءِ أَوْ الْغُزَاةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَنَحْوَهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا عَدَا الْوَقْفِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى بِلَفْظِهِ الصَّرِيحِ.

(وَلَوْ قَالَ) رَبُّ دَارٍ (تَصَدَّقْت بِدَارِي عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ) الْمُتَصَدِّقُ (بَعْدَ ذَلِكَ: أَرَدْت الْوَقْفَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فُلَانٌ) وَقَالَ إنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ، فَلِي التَّصَرُّفُ فِي رَقَبَتِهَا بِمَا أُرِيدُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فَيُعَايَى بِهَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَنْ قَالَ قَرْيَتِي الَّتِي بِالثَّغْرِ لِمَوَالِي الَّذِينَ بِهِ وَلِأَوْلَادِهِمْ صَحَّ وَقْفًا وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِذَا قَالَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ: جَعَلْنَا هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا أَوْ وَقْفًا صَارَ مَسْجِدًا أَوْ وَقْفًا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلُوا عِمَارَتَهُ وَإِذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ جَعَلْتُ مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ صَارَ بِذَلِكَ وَقْفًا لِلْمَسْجِدِ انْتَهَى

فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ وَوَقْفُ الْهَازِلِ وَوَقَفَ التَّلْجِئَةِ إنْ غَلَبَ عَلَى الْوَقْفِ جِهَةُ التَّحْرِيرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَالْعِتْقِ وَالْإِتْلَافِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شَبَهُ التَّمْلِيكِ فَيُشْبِهُ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْهَازِلِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.

(وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (إلَّا بِشُرُوطٍ) خَمْسَةٍ (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا) بِخِلَافِ نَحْوِ أُمِّ وَلَدٍ (غَيْرُ مُصْحَفٍ) فَيَصِحُّ وَقْفُهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ خِلَافٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ أَيْضًا أَنْ (يُمْكِنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا عُرْفًا كَإِجَارَةٍ وَاسْتِغْلَالِ ثَمَرَةٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ الْوَقْفَ يُرَادُ لِلدَّوَامِ لَيَكُونَ صَدَقَةً جَارِيَةً وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَبْقَى عَيْنُهُ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَإِجَارَةٍ إلَى آخِرِهِ إلَى أَنَّ الْمُنْتَفَعَ بِهِ تَارَةً يُرَادُ مِنْهُ مَا لَيْسَ عَيْنًا كَسُكْنَى الدَّارِ وَرَكُوبِ الدَّابَّةِ وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَتَارَةً يُرَادُ مِنْهُ حُصُولُ عَيْنٍ كَالثَّمَرَةِ مِنْ الشَّجَرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالْأَلْبَانِ وَالْبَيْضِ مِنْ الْحَيَوَانِ (عَقَارًا كَانَ) الْمَوْقُوفُ كَأَرْضٍ (أَوْ شَجَرًا أَوْ مَنْقُولًا كَالْحَيَوَانِ) كَفَرَسٍ وَقَفَهُ عَلَى الْغُزَاةِ.
(وَ) ك (الْأَثَاثِ) كَبِسَاطٍ يُفْرَشُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ (وَ) ك (السِّلَاحِ) كَسَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ قَوْسٍ عَلَى الْغُزَاةِ (وَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ) أَمَّا الْعَقَارُ فَلِحَدِيثِ عَمْرٍو وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ حَسَنَاتٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا الْأَثَاثُ وَالسِّلَاحُ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ حَبَسَ أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ "، وَأَعْتِدَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ " الْأَعْتَادُ " مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَرْكُوبٍ، وَسِلَاحٍ، وَآلَةِ الْجِهَادِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَمَقِيسٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا فَجَازَ وَقْفُهُ كَوَقْفِ السِّلَاحِ.

(وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ) كَنِصْفٍ أَوْ سَهْمٍ مِنْ عَيْنٍ يَصِحُّ وَقْفُهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْمِائَةُ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبَ إلَيَّ مِنْهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا قَالَهُ أَحْمَدُ (فَلَوْ وَقَفَهُ) أَيْ: الْمُشَاعَ (مَسْجِدًا ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الْحَالِ) عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالْوَقْفِ (فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ) ، وَالسَّكْرَانُ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى (ثُمَّ الْقِسْمَةُ مُتَعَيِّنَةٌ هُنَا) أَيْ: فِيمَا إذَا وَقَفَ

فصول الكتاب · 69 فصل · 573 صفحة
جارٍ التحميل