صفحات 435-474
[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]
[فَصْل وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا إذَا مَلَكَ أَمَةً بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ]
بَابُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْمَدِّ طَلَبُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، كَالِاسْتِعْطَاءِ طَلَبُ الْإِعْطَاءِ وَخُصَّ بِالْأَمَةِ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَالْحُرَّةُ وَإِنْ شَارَكَتْ الْأَمَةَ فِي ذَلِكَ فَهِيَ مُفَارِقَةٌ لَهَا فِي التَّكْرَارِ فَلِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا لَفْظُ الْعِدَّةِ (وَهُوَ) تَرَبُّصٌ فِيهِ (قَصْدُ عِلْمِ بَرَاءَةِ رَحِمٍ مِلْكِ يَمِينٍ) مِنْ قِنٍّ وَمُكَاتَبَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرَةٍ (حُدُوثًا) أَيْ عِنْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ زَوَالًا) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ زَوَالِ الْمِلْكِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ زَوَالِ اسْتِمْتَاعِهِ كَمَا لَوْ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا وَقَوْلُهُ (مِنْ حَمْلٍ غَالِبًا) مُتَعَلِّقٌ بِبَرَاءَةٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَعَبُّدًا (بِأَحَدِ مَا يُسْتَبْرَأُ بِهِ) مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ حَيْضَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَتَأْتِي مُفَصَّلَةً آخِرَ الْبَابِ، وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:.
أَحَدُهَا: (إذَا مَلَكَ وَلَوْ طِفْلًا أَمَةً بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) بِأَنْ أَخَذَهَا عِوَضًا فِي إجَارَةٍ أَوْ جَعَالَةٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ (لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِقُبْلَةٍ وَ) لَا بِنَظَرٍ (لِشَهْوَةٍ وَلَا بِمَا دُونَ فَرْجٍ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا أَوْ كَبِيرَةً مِمَّنْ تَحْمِلُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِيهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي.
وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ
مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ أَحْمَدُ بَلَغَنِي أَنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْمِلُ " وَلِأَنَّ عَدَمَهُ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ،.
(وَسَوَاءٌ مَلَكَهَا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مَجْبُوبٍ أَوْ) كَانَ مَلَكَهَا (مِنْ رَجُلٍ قَدْ اسْتَبْرَأَهَا) قَبْلَ الْبَيْعِ (ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا) فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ مَنُوطٌ بِالْمَظِنَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ لِلْمِلْكِ الْمُتَجَدِّدِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا كَالْمَسْبِيَّةِ مِنْ امْرَأَةٍ.
(وَإِنْ اشْتَرَى غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا لَمْ يَصِحَّ تَزَوُّجُهُ بِهَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْوَطْءِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَيُرْوَى أَنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَفْتَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا قَالَ الْإِمَامِ أَحْمَدُ " مَا أَعْظَمَ هَذَا أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟ وَهَذَا لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا مَا أَسْمَجَ هَذَا ".
(وَلِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي (نِكَاحُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ الرِّقِّ وَالْعِتْقِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مَا وَطِئَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ اسْتَبْرَأَ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا فَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَكَذَا النِّكَاحُ، لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ حِيلَةً لِإِبْطَالِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْحِيَلُ كُلُّهَا خِدَعٌ بَاطِلَةٌ.
(وَلَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا) لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مُتَحَقِّقٌ وَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَلَا يُرَادُ الرَّحِمُ وَلَا يُوجَدُ الشُّغْلُ فِي حَقِّهَا.
(وَلَا) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (بِمِلْكِ أُنْثَى مِنْ أُنْثَى) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا بِتَجَدُّدِ مِلْكِهَا (وَإِنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ) حَلَّتْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ (أَوْ عَجَزَتْ مُكَاتَبَتُهُ) وَعَادَتْ لِلرِّقِّ حَلَّتْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكَهُ (أَوْ فَكَّ أَمَتَهُ مِنْ الرَّهْنِ) حَلَّتْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ بِلَا خِلَافٍ (أَوْ أَسْلَمَتْ أَمَتُهُ الْمَجُوسِيَّةُ وَالْمُرْتَدَّةُ أَوْ الْوَثَنِيَّةُ الَّتِي حَاضَتْ عِنْدَهُ، أَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ وَأَسْلَمَ) ، حَلَّتْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِالْإِسْلَامِ وَلَا أَصَابَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَهِيَ غَيْرُهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاءٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَحَلَّتْ الْمُحْرِمَةُ مِنْ إمَائِهِ (أَوْ اشْتَرَى مُكَاتَبَةً مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) أَيْ الْمَكَاتِبِ (فَحِضْنَ عِنْدَهُ ثُمَّ عَجَزَ) الْمَكَاتِبُ حَلَلْنَ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الْمَكَاتِبِ إنْ رَقَّ رَقَقْنَ وَإِنْ عَتَقَ عَتَقْنَ، وَالْمَكَاتِبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ (أَوْ زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ ثُمَّ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ)
حَلَّتْ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مِلْكٌ وَلَمْ يُصِبْهَا الزَّوْجُ.
(أَوْ اشْتَرَى عَبْدُهُ التَّاجِرُ أَمَةً) اسْتَبْرَأَهَا الْعَبْدُ (ثُمَّ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ حَلَّتْ) لِسَيِّدِهِ (بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) الِاسْتِبْرَاءُ (فِي) مَا إذَا مَلَكَ (الزَّوْجَةَ لِيَعْلَم هَلْ حَمَلَتْ فِي زَمَنِ الْمِلْكِ أَوْ غَيْرِهِ) وَهُوَ النِّكَاحُ وَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَلَهُ وَطْؤُهَا لِزَوَالِ الِاشْتِبَاهِ وَمَتَى وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مِلْكٍ فَأُمُّ وَلَدٍ، وَلَوْ أَنْكَرَ الْوَلَدَ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا (وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ الْمَكَاتِبُ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ بَعْدَ أَنْ حَاضَتْ عِنْدَهُ) أَيْ الْمَكَاتِبِ (وَأَخَذَهَا السَّيِّدُ لِعَجْزِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِلْكٌ عَلَى مَا فِي يَدِ مَكَاتِبِهِ، وَلِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ.
(وَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ) الَّتِي يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا (وَهِيَ حَامِلٌ حَمْلًا كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ انْقَضَى اسْتِبْرَاؤُهَا بِوَضْعِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَطَأْهَا، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (وَلَا يَلْحَقُ) الْوَلَدُ (بِالْمُشْتَرِي وَلَا بِبَيْعِهِ وَلَكِنْ يُعْتِقُهُ لِأَنَّهُ قَدْ شُرِكَ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ انْتَهَى) .
(وَيَحْرُمُ وَطْءُ مُسْتَبْرَأَةٍ) مِنْ غَيْرِهِ (زَمَنُ اسْتِبْرَائِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَطِئَ الْمُسْتَبْرَأَةَ (لَمْ يَنْقَطِعْ) الِاسْتِبْرَاءُ (بِهِ) أَيْ بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ بِعُدْوَانِهِ (وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى) مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ (فَإِنْ حَمَلَتْ قَبْلَ الْحَيْضَةِ اسْتَبْرَأَتْ بِوَضْعِهِ) لِأَنَّهَا ذَاتُ حَمْلٍ (وَإِنْ أَحَبَلَهَا فِيهَا وَقَدْ مَلَكَهَا حَائِضًا فَكَذَلِكَ) أَيْ اسْتَبْرَأَتْ بِوَضْعِهِ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي مَلَكَهَا فِيهَا لَا يُحْتَسَبُ لَهَا بِهَا.
(وَ) إنْ أَحْبَلَهَا (فِي حَيْضَةٍ ابْتَدَأَتْهَا عِنْدَهُ تَحِلُّ فِي الْحَالِ لِجَعْلِ مَا مَضَى) مِنْ الدَّمِ قَبْلَ الْحَمْلِ (حَيْضَةً) فَيَحْصُلُ بِهَا الِاسْتِبْرَاءُ.
(وَإِنْ وَجَدَ اسْتِبْرَاءَ مُشْتَرٍ وَنَحْوَهُ) كَمُتَّهَبٍ (فِي يَدِ بَائِعٍ وَنَحْوِهِ) كَوَاهِبٍ بِأَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا ثُمَّ حَاضَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا (أَوْ) حَاضَتْ فِي (يَدِ وَكِيلِهِ) أَيْ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي وَنَحْوِهِ (بَعْدَ الشِّرَاءِ) وَنَحْوِهِ (وَقَبْلَ الْقَبْضِ أَجْزَأَ) الِاسْتِبْرَاءُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يَكُونُ اسْتِبْرَاءٌ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِجَمِيعِ الْأَمَةِ، فَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيَهَا لَمْ يُحْتَسَبْ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا) لِأَنَّهُ وَقْتُ حُصُولِهَا كُلِّهَا فِي مِلْكِهِ.
(وَإِنْ بَاعَ أَمَتَهُ أَوْ وَهَبَهَا وَنَحْوَهُ) بِأَنْ صَالَحَ بِهَا أَوْ أَصْدَقَهَا أَوْ خَالَعَ عَلَيْهَا (ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ) لِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْفَسْخِ كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوَ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (حَيْثُ انْتَقَلَ الْمِلْكُ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا وَلَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي لَهَا وَنَحْوُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (إنْ افْتَرَقَا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَوْ نَحْوُهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا (فَلَا يَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْإِقَالَةِ) وَهَذَا وَجْهٌ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ مَا فِيهِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، " وَلَوْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا عَنْ الْمَجْلِسِ عَلَى الْأَصَحِّ يَعْنِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (وَيَكْفِي اسْتِبْرَاءُ زَمَنِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي) لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ وَكَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً، وَلِأَنَّ إسْقَاطَهُ هُنَا ذَرِيعَةٌ إلَى إسْقَاطِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ بِأَنْ يُزَوِّجَهَا عِنْدَ بَيْعِهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا زَوْجُهَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَالْحِيَلُ حَرَامٌ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مُطَلَّقَةً قَبْلَ الدُّخُولِ (أَوْ مَلَكَهَا) الْمُشْتَرِي وَنَحْوُهُ (مُعْتَدَّةً) مِنْ وَفَاةٍ وَطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (أَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ طَلُقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَأُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاءٌ، اكْتِفَاءً بِالْعِدَّةِ) لِأَنَّ بَرَاءَتَهَا تُعْلَمُ بِهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلَيْنِ فَوَطِئَاهَا ثُمَّ بَاعَهَا لِرَجُلٍ آخَرَ أَجْزَأَهُ اسْتِبْرَاءُ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا (وَإِنْ أَعْتَقَهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ الِاسْتِبْرَاءُ كَالْعِدَّةِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ، وَالْوَطْءُ فِيهِ وُجِدَ مِنْ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ) .
[الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا أَوْ بَيْعَهَا]
الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا أَوْ بَيْعَهَا لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) أَمَّا إذَا أَرَادَ تَزْوِيجَهَا فَلِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءٌ فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَأَمَّا إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَلِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْعَ جَارِيَةٍ لَهُ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِحِفْظِ مَائِهِ فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا (صَحَّ الْبَيْعُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ (دُونَ النِّكَاحِ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إلَّا لِلِاسْتِمْتَاعِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَصَحَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلِهَذَا صَحَّ فِي عِدَّةِ الْمُحَرَّمَاتِ وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ لَمْ يَطَأْ) الْبَائِعُ الْأَمَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ نِكَاحَهَا لِعَدَمِ مُوجِبِهِ (أَوْ كَانَتْ آيِسَةً لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا) عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: الْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْآيِسَةِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ انْتَهَى لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْآيِسَةِ وَغَيْرِهَا (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) اسْتِبْرَاءُ الْآيِسَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ تَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ يَكُونَ الْبَائِعُ ادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي فَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ، ابْنُ لِلْبَائِعِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَيْ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي (اسْتَبْرَأَ) الْجَارِيَةَ (ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَالْوَلَدُ لَهُ) أَيْ لَاحِقٌ بِالْمُشْتَرِي (وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي لِلُّحُوقِ الْحَمْلِ بِهِ (الثَّالِثُ: أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ أَحَدِهِمَا لَهَا وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَلَا يَلْحَقُ) الْوَلَدُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَكُونُ الْوَلَدُ (مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَمْلِكُ فَسْخَ الْبَيْعِ) لِأَنَّ الْحَمْلَ تَجَدَّدَ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا.
(فَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَنَّهُ وَلَدُهُ (فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) حَيْثُ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مُنْذُ وَطِئَ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ وَإِنْ (ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحْدَهُ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي) أَنَّ الْوَلَدَ لَهُ (لَحِقَهُ) نَسَبُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَيْهِ (وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ (وَإِنْ أَكْذَبَهُ) الْمُشْتَرِي فِي دَعْوَاهُ الْوَلَدَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِ الْوَلَدِ) عَمَلًا بِظَاهِرِ الْيَدِ.
(الرَّابِعُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَقَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ) أَيْ بِالْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ (فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَأَقَرَّ لَهُ الْمُشْتَرِي لَحِقَهُ) لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ (وَبَطَلَ الْبَيْعُ) لِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ (وَإِنْ أَكْذَبَهُ) الْمُشْتَرِي (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) لِكَوْنِهَا فِرَاشًا (لَهُ وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ) ، بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي هُوَ لِلْبَائِعِ، وَقَالَ الْبَائِعُ هُوَ لِلْمُشْتَرِي، (عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّقِيطِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ) لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ (وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ) لِأَنَّ عُلُوقَهَا كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ (الْخَامِسُ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا وَلَمْ يَكُنْ) الْبَائِعُ (أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ) فِي الظَّاهِرِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْوَلَدِ بِالْبَائِعِ (وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّالِثِ) .
[الثَّالِثُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا]
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ) أَعْتَقَ (أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا) لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ فَلَزِمَهَا اسْتِعْلَامُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ (لَكِنْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ مَعْتُوقَتَهُ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ (أَوْ اسْتَبْرَأَ) هَا (بَعْدَ وَطْئِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ قَبْلَ وَطْئِهَا) فَلَا اسْتِبْرَاءَ اكْتِفَاءً بِالِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ الْبَيْعِ (أَوْ كَانَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةُ (مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً أَوْ) كَانَتْ (فَرَغَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَأَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ لَهُ (أَوْ أَرَادَ) مُشْتَرِي أَمَةٍ اسْتَبْرَأَهَا بَائِعُهَا قَبْلَ بَيْعِهَا، أَوْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا (تَزْوِيجَهَا) مِنْ غَيْرِهِ (قَبْلَ وَطْئِهِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ) لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ السَّابِقِ لِلْبَيْعِ.
(وَإِنْ أَبَانَهَا) أَيْ طَلَّقَ الْأَمَةَ زَوْجُهَا طَلَاقًا بَائِنًا (قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَاتَ) زَوْجُهَا (فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ) عَلَيْهَا (بِأَنْ لَمْ يَطَأْ) هَا سَيِّدُهَا لِزَوَالِ فِرَاشِ السَّيِّدِ بِتَزْوِيجِهِ لَهَا كَمَنْ لَا يَطَؤُهَا أَصْلًا (وَإِنْ بَاعَ) أَمَةً (وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْل وَطْءٍ وَاسْتِبْرَاءٍ اسْتَبْرَأَتْ) إنْ أَعْتَقَهَا عَقِبَ الْمُشْتَرِي (أَوْ تَمَّمَتْ مَا وُجِدَ عِنْدَ مُشْتَرٍ) مِنْ اسْتِبْرَاءٍ إنْ عَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهَا لِتُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا (وَإِذَا زَوَّجَ سَيِّدٌ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ عَتَقَتْ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ.
(وَإِنْ بَانَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةُ مِنْ الزَّوْجِ (قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا) أَوْ بَانَتْ (بِطَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَأَتَمَّتْ عِدَّتَهَا ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ) لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا السَّيِّد إلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا) أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ (وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا) مَوْتًا، أَوْ عَلِمَ، ثُمَّ نَسِيَ.
(وَ) كَانَ (بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ فَقَطْ) لِأَنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ مَاتَ أَوَّلًا، فَقَدْ مَاتَ، وَهِيَ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ آخِرًا فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مَعْنَاهُ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ زَوْجَهَا مِنْ عُهْدَةِ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ إلَّا بِذَلِكَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي مَاتَ آخِرًا.
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ مَوْتِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ (أَوْ جَهِلَتْ الْمُدَّةَ) الَّتِي بَيْنَ مَوْتِهِمَا (لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا الْأَطْوَلُ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْوَفَاةِ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الزَّوْجَ مَاتَ آخِرًا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ السَّيِّدَ مَاتَ آخِرًا فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى هَذَا جَمِيعُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ، وَمِنْ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ انْتَهَى وَهَذَا أَوْضَحُ عَلَى قَوْلِ الْمُوَفَّقِ وَمُتَابِعِيهِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَلَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ قَبْلَ الْوَطْءِ لِاسْتِبْرَاءٍ، فَلَا كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى (وَلَا تَرِثُ الزَّوْجَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَا تَجِبُ مَعَ الشَّكِّ وَالْعِدَّةِ وَجَبَتْ اسْتِظْهَارًا لَا ضِرَارَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا، بِخِلَافِ الْإِرْثِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ أَمَةٌ مَوْرُوثَةٌ تَحْرِيمَهَا عَلَى وَارِثٍ بِوَطْءِ مَوْرُوثِهِ) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ (أَوْ) ادَّعَتْ (مُسْتَبْرَأَةٌ أَنَّ لَهَا زَوْجًا صُدِّقَتْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا (وَإِنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ) أَعْتَقَ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ إصَابَتُهَا، (فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ عَادَةً بَائِنٌ بِغَيْرِ ثَلَاثٍ فِي عِدَّتِهَا (وَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ أَمَةٍ لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ) إنْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ كَالْعِدَّتَيْنِ، وَالْمُزَوِّجَةُ تَعْتَدُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَالْمُقْنِعِ وَالْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا، وَعَلَى كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى يَكْفِي فِي الزِّنَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ.
[فَصْلٌ وَيَحْصُلُ اسْتِبْرَاءُ حَامِلٍ بِوَضْعِ الْحَمْلِ]
(فَصْلٌ وَيَحْصُلُ اسْتِبْرَاءُ حَامِلٍ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلِّهِ) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْمَعْنَى (وَبِحَيْضَةٍ) إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا (لَا بِيَقِينِهَا) إذَا مَلَكَهَا حَائِضًا (لِمَنْ تَحِيضُ) وَلَوْ كَانَتْ تُبْطِئُ حَيْضَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ فَمَا فِي لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ حَتَّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ (وَيَمْضِي شَهْرٌ لِآيِسَةٍ وَصَغِيرَةٍ وَبَالِغٍ لَمْ تَحِضْ) لِأَنَّ الشَّهْرَ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ أَوْ الْأَمَةِ (وَتَصْدُقْ فِي الْحَيْضِ) فَإِذَا قَالَتْ حِضْتُ جَازَ وَطْؤُهَا (فَلَوْ أَنْكَرَتْهُ) أَيْ الْحَيْضَ (فَقَالَ) السَّيِّدُ (أَخْبَرَتْنِي بِهِ) أَيْ الْحَيْض (صَدَقَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا مَا تَدْرِي رَفْعَهُ فَبِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ تِسْعَةٍ لِلْحَمْلِ وَشَهْرٍ لِلِاسْتِبْرَاءِ) بَدَلُ الْحَيْضَةِ (وَإِنْ عَرَفَتْ) مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا (مَا رَفْعُهُ انْتَظَرَتْهُ حَتَّى يَجِيءَ فَتَسْتَبْرِئَ بِهِ أَوْ تَصِيرَ مِنْ الْآيِسَاتِ فَتَسْتَبْرِئَ اسْتِبْرَاءَهُنَّ) بِشَهْرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي
الْعِدَّةِ فَإِنْ ارْتَابَتْ الْمُسْتَبْرَأَةُ بِنَفْسِهَا فَهِيَ كَالْحُرَّةِ إذَا ارْتَابَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِدَّةِ انْتَهَى.
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
(كِتَابُ الرَّضَاعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَهُوَ) مَصْدَرُ رَضَعَ الثَّدْيَ إذَا مَصَّهُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَلَهُ سَبْعُ مَصَادِرَ وَقَالَ الْمُطَرِّزُ فِي شَرْحِهِ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ إذَا كَانَتْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا سَاعَةً بَعْد سَاعَةٍ، وَامْرَأَةٌ مُرْضِعَةٌ إذَا كَانَ ثَدْيُهَا فِي فَمِ وَلَدِهَا قَالَ ثَعْلَبٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2] وَقِيلَ: الْمُرْضِعَةُ الْأُمُّ وَالْمُرْضِعُ الَّتِي مَعَهَا صَبِيٌّ تُرْضِعُهُ؛ وَالْوَلَدُ رَضِيعٌ وَرَاضِعٌ وَ (شَرْعًا مَصُّ لَبَنٍ) أَيْ مَصُّ مَنْ لَهُ دُونَ حَوْلَيْنِ لَبَنًا (أَوْ شُرْبُهُ وَنَحْوُهُ) كَالسَّعُوطِ وَالْوَجُورِ وَأَكْلُهُ بَعْدَ أَنْ جَبُنَ (ثَابَ) أَيْ اجْتَمَعَ (مِنْ حَمْلٍ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِ " مَصُّ " وَتَأْتِي مَفَاهِيمُ ذَلِكَ (يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: «إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إنَّهَا لِابْنَةِ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا يُحَرِّمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَثْبُتُ) بِالرَّضَاعِ (بَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّسَب مِنْ النَّفَقَةِ وَالْإِرْثِ وَالْعِتْقِ) إذَا مَلَكَ رَحِمُهُ الْمُحَرَّمُ بِالرَّضَاعِ: (وَرُدَّتْ الشَّهَادَةُ) لِأَصْلِهِ وَفُرُوعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالْعَقْلِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ (لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى) مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا يُسَاوِيهِ إلَّا فِيمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْرَمَةِ وَالْخَلْوَةِ.
(وَإِذَا حَمَلَتْ) امْرَأَةٌ (مِنْ رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ) بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ مَوْطُوءَتَهُ لِشُبْهَةٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ (فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ) عَطْفٌ عَلَى حَمَلَتْ وَكَذَا (فَأَرْضَعَتْ بِهِ وَلَوْ مُكْرَهَةً طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرَّمًا) بِأَنْ يَكُونَ
خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ وَيَأْتِي (صَارَ) الطِّفْلُ (وَلَدًا لَهُمَا) أَيْ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ إذًا (فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] وَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
(وَ) فِي (إبَاحَةِ النَّظَرِ وَ) إبَاحَةِ (الْخَلْوَةِ وَ) فِي (ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعٌ عَنْ التَّحْرِيمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ (وَ) صَارَ (أَوْلَادُهُ) أَيْ الطِّفْلِ (مِنْ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَإِنْ سَفَلُوا أَوْلَادَ وَلَدِهِمَا) لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ الطِّفْلِ وَهُوَ وَلَدُهُمَا (وَصَارَا) أَيْ الْمُرْضِعَةُ وَصَاحِبُ اللَّبَنِ (أَبَوَيْهِ) لِأَنَّهُ وَلَدُهُمَا (وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ) لِأَنَّهُ وَلَدُ وَلَدِهِمَا (وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالَهُ وَخَالَاتَهُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ أُخْتِهِمْ (وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتِهِ أَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ أَخِيهِمْ (وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ الَّذِينَ ارْتَضَعَ مَعَهُمْ) الطِّفْلُ (وَالْحَادِثِينَ قَبْلَهُ وَ) الْحَادِثِينَ (بَعْدَهُ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الرَّجُلِ الَّذِي انْتَسَبَ الْحَمْلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمَا أَوْلَادُ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ) كَالنَّسَبِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ لَا بَأْسَ بِتَزْوِيجِهِ أَخَوَاتِهِ الْحَادِثَاتِ قَبْلَهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَلَمْ نَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ أُبُوَّةُ الْوَاطِئِ لِلطِّفْلِ وَفُرُوعِهَا إذَا كَانَ يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْحَمْلِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنُ الْفَحْلِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ أَفْلَحَ حِينَ قَالَ لَهَا: أَتَحْتَجِبِينَ عَنِّي وَأَنَا عَمُّكِ فَقَالَتْ: كَيْفَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي فَقَالَ صَدَقَ أَفْلَحُ ائْذَنِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَالْأُخْرَى غُلَامًا أَيَحِلُّ لِلْغُلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْجَارِيَةَ فَقَالَ " لَا اللِّقَاحُ وَاحِدٌ رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا تَفْسِيرُ لَبَنِ الْفَحْلِ.
(وَتُنْشَرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنْ الْمُرْتَضِعِ إلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا) لِأَنَّ الرَّضَاعَ كَالنَّسَبِ وَالتَّحْرِيمُ فِي النَّسَبِ يَشْمَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ فَكَذَا الرَّضَاعُ (وَلَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ) أَيْ الْمُرْتَضِعُ (مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَنْتَشِرُ فِي النَّسَبِ فَكَذَا فِي الرَّضَاعِ (وَلَا) تَنْتَشِرُ أَيْضًا (إلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ) أَيْ الْمُرْتَضِعُ (مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاته وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ)
لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إذَا لَمْ تَنْتَشِرْ إلَى مَنْ هُوَ فِي الدَّرَجَةِ فَلِئَلَّا تَنْتَشِرَ إلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (فَتَحِلُّ مُرْضِعَةٌ لِأَبِي مُرْتَضِعٌ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَ) لِ (خَالِهِ مِنْ نَسَبٍ وَيَحِلُّ لِأَبِيهِ) أَيْ الْمُرْتَضِعُ (مِنْ نَسَبٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ) لِأَنَّهُ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَسَبَ (وَتَحِلُّ أُمُّ مُرْتَضِعٍ وَإِخْوَتُهُ وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ مِنْ النَّسَبِ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ مِنْ رَضَاعٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُخْتَ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ وَلَا نَسَبٌ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) امْرَأَةٌ (بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنْ الزِّنَا أَوْ) بِلَبَنِ وَلَدِهَا (الْمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ طِفْلًا) رَضَاعًا مُحَرَّمًا (صَارَ وَلَدًا لَهَا) لِأَنَّهُ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهَا حَقِيقَةً (وَحُرِّمَ عَلَى الزَّانِي وَالْمُلَاعِنِ تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ) لِأَنَّهُ وَلَدُ مَوْطُوءَتِهِ وَالْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْحَلَالِ فِي تَحْرِيمِ الرِّيبَةِ (وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا) أَيْ الزَّانِي وَالْمَلَاعِنُ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَالرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَن بِوَطْئِهِ أَنْ يُنْسَبَ الْحَمْلُ إلَى الْوَاطِئِ فَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا وَنَحْوُهُ فَلَا (كَالنَّسَبِ) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَثْبُتُ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) امْرَأَةٌ (بِلَبَنِ اثْنَيْنِ وَطِئَاهَا بِشُبْهَةٍ وَثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُمَا لِلْمَوْلُودِ فَالْمُرْتَضِعُ ابْنُهُمَا) لِأَنَّ الْمُرْتَضِعَ كُلُّ مُرْضِعٍ تَبَعٌ لِلْمُنَاسِبِ فَمَتَى لَحِقَ الْمُنَاسِبُ بِشَخْصٍ فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ (أَوْ) ثَبَتَتْ (أُبُوَّةُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ) أَيْ الرَّضِيعُ (ابْنُهُ) لِمَا سَبَقَ وَسَوَاءٌ (ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْقَافَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمَا أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ تُثْبِتُ التَّحْرِيمَ بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا) تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ (وَإِنْ انْتَفَى عَنْهُمَا بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهَا أَوْ) أَتَتْ بِهِ (لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ انْتَفَى الْمُرْتَضِعُ عَنْهُمَا) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُنَاسِبِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ) حِينَئِذٍ (جَارِيَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ وَتُحَرِّمُ أَوْلَادَهَا عَلَيْهِمَا) أَيْ الْوَاطِئِينَ (أَيْضًا لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِمَا فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا) وَالرَّبِيبَةُ مِنْ الرَّضَاعِ كَالنَّسَبِ.
(وَإِنْ ثَابَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ كَلَبَنِ الْبِكْرِ) الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ (لَمْ يُنْشَرْ الْحُرْمَةُ نَصًّا) لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ أَشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُلِ وَالْبَهِيمَةِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنٍ حَقِيقَةً بَلْ رُطُوبَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ، لِأَنَّ اللَّبَنَ مَا أَنْشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيْرُ لَبَنِ الْمَرْأَةِ فَلَوْ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ) لَمْ يَنْشُرْ الْحُرْمَةَ وَلَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْإِخْوَةِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمُومَةِ وَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْأُمُومَةِ بِهَذَا الرَّضَاعِ فَالْأُخُوَّةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ الْآدَمِيِّ لَأَشْبَهَ الْعِظَامَ (أَوْ) ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ لَبَنِ
(رَجُلٍ) فَكَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ) ارْتَضَعَا مِنْ لَبَنِ (خُنْثَى مُشْكِلٍ لَمْ يُنْشَرْ الْحُرْمَةُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ امْرَأَةً فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَعَ الشَّكِّ.
[فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إلَّا بِشُرُوطٍ]
(فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إلَّا بِشُرُوطٍ أَحَدِهَا: أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ وَلَوْ كَانَ قَدْ فُطِمَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ الرَّضَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] وَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ قَاعِدٌ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَ: اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ.
(فَلَوْ ارْتَضَعَ) الطِّفْلُ (بَعْدَهُمَا) أَيْ الْحَوْلَيْنِ (بِلَحْظَةٍ وَلَوْ قَبْلَ فِطَامِهِ أَوْ ارْتَضَعَ الْخَامِسَةَ كُلّهَا بَعْدَهُمَا) أَيْ الْحَوْلَيْنِ (بِلَحْظَةٍ لَمْ يَثْبُتْ) التَّحْرِيمُ لِأَنَّ شَرْطَهُ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُوجَدْ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا اكْتَفَى بِمَا وَجَدَ مِنْهَا فِي الْحَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ انْفَصَلَ عَمَّا بَعْدَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مِمَّا يَعْلَمُ الرِّجَالُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
الشَّرَطُ (الثَّانِي أَنْ يَصِلَ اللَّبَنُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ حَلْقِهِ فَإِنْ وَصَلَ) اللَّبَنُ (إلَى فَمِهِ ثُمَّ مَجَّهُ) أَيْ أَلْقَاهُ (أَوْ احْتَقَنَ بِهِ أَوْ وَصَلَ إلَى جَوْفٍ لَا يُغَذِّي كَالذَّكَرِ وَالْمَثَانَةِ لَمْ يَنْشُرْ الْحُرْمَةَ) لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعٍ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّغَذِّي فَلَمْ يَنْشُرْ الْحُرْمَةَ كَمَا لَوْ وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا) وَهُوَ قَوْلُ
عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضْعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسْخِنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ «أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ» .
(وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ) الْخَمْسُ (مُتَفَرِّقَاتٍ) لِتَتَحَقَّقَ (فَمَتَى امْتَصَّ) الطِّفْلُ (ثُمَّ تَرَكَهُ) أَيْ الرَّضَاعَ (شِبَعًا أَوْ) تَرَكَهُ (لِتَنَفُّسٍ أَوْ) تَرَكَهُ (لِمَلِّهِ أَوْ) تَرَكَهُ (لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إلَى) ثَدْيٍ (غَيْرِهِ أَوْ) لِانْتِقَالِهِ (مِنْ امْرَأَةٍ إلَى) امْرَأَةٍ (غَيْرِهَا أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ) الرَّضَاعُ بِأَنْ أَخْرَجَ الثَّدْيَ مِنْ فَمِهِ (فَهِيَ رَضْعَةٌ) لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنٍ وَلَا مِقْدَارٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُمْ إلَى الْعُرْفِ، فَإِذَا ارْتَضَعَ ثُمَّ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ فَهِيَ رَضْعَةٌ (فَمَتَى عَادَ) ارْتَضَعَ (وَلَوْ قَرِيبًا فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى) لِأَنَّ الْعَوْدَ ارْتِضَاعٌ وَالشَّارِعُ لَمْ يَحُدَّ الرَّضْعَةَ بِزَمَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ فَكَانَ رَضْعَةً أُخْرَى كَالْأُولَى.
(وَسَعُوطٌ فِي أَنْفِهِ وَوُجُورٌ فِي فَمِهِ كَرِضَاعٍ) يَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالرَّضَاعِ مِنْ الْغِذَاءِ وَالسَّعُوطُ أَنْ يَصُبَّ اللَّبَنَ فِي أَنْفِهِ مِنْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَدْخُلَ حَلْقَهُ وَالْوُجُورُ أَنْ يُصَبَّ فِي حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ الثَّدْيِ (وَكَذَا جُبْنٌ عُمِلَ مِنْهُ) لِأَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ الْحَلْقِ يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ (وَيُحَرَّمُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ الْوُجُورُ وَالسَّعُوطُ وَالْجُبْنُ الْمَعْمُولُ مِنْهُ (خَمْسٌ) لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ الرَّضَاعِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ (فَإِنْ ارْتَضَعَ دُونَهَا) أَيْ الْخَمْسِ (وَكَمَّلَهَا) أَيْ الْخَمْسَ (سَعُوطًا أَوْ وُجُورًا أَوْ أَسَعْطَ وَأَوْجَرَ وَكَمَّلَ الْخَمْسَ بِرَضَاعٍ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ) لِوُجُودِ الْخَمْسِ.
(وَلَوْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ لَبَنٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ ثُمَّ سُقِيَ لِطِفْلٍ فِي خَمْسِ أَوْقَاتٍ فَهِيَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ) اعْتِبَارًا بِشُرْبِ الطِّفْلِ لَهُ.
(وَإِنْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ خَمْسُ حَلَبَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ ثُمَّ سُقِيَ) لِلطِّفْلِ (دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً) اعْتِبَارًا بِشُرْبِهِ لَهُ فَإِنْ سَقَاهُ جُرْعَةً بَعْدَ أُخْرَى مُتَتَابِعَةٍ فَرَضْعَةٌ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرَّضْعَةِ الْعُرْفُ وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ هَذَا رَضَعَاتٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخْرَجَ عَلَى مَا إذَا قُطِعَ عَلَيْهِ الرَّضَاعُ.
(وَيُحَرَّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ إذَا حُلِبَ أَوْ اُرْتُضِعَ مِنْ ثَدْيِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا) لِأَنَّهُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَنَجَاسَتُهُ لَا تُؤَثِّرُ كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ نَجِسٍ يَعْنِي إنْ قُلْنَا: يُنَجَّسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ وَ (كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ شَرِبَهُ) الطِّفْلُ (بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَوْ حَلِفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ امْرَأَةٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا.
(وَيُحَرَّمُ اللَّبَنُ الْمَشُوبُ) وَهُوَ الْمُخَلَّطُ بِغَيْرِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ خَالِصِهِ وَمَشُوبِهِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةِ الْخَالِصَةِ وَ (كَ) اللَّبَنِ (الْمَخِيضِ) وَفِي نُسَخٍ كَالْمَحْضِ أَيْ الْخَالِصِ (إنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ) أَيْ الْمَشُوبِ (بَاقِيَةً) وَهِيَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرِّيحُ فَلَوْ صَبَّهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشُوبٍ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي وَلَا إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَلَا إنْشَازُ الْعِظَامِ (وَسَوَاءٌ خُلِطَ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ حُلِبَ اللَّبَنُ مِنْ نِسْوَةٍ وَسُقِيَ لِطِفْلٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ ارْتَضَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) لِاخْتِلَاطِ لَبَنِهِنَّ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَتَزَوَّجَ صَغَائِرَ فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ إحْدَاهُنَّ]
فَصْلٌ وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً (كَبِيرَةً ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ غَيْرِهِ) زَوْجًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَلَمْ يَدْخُلْ) الثَّانِي (بِهَا وَ) تَزَوَّجَ (ثَلَاثَ صَغَائِرَ) دُونَ الْحَوْلَيْنِ (فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ إحْدَاهُنَّ حُرِّمَتْ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا) لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ (وَبَقِيَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يُدْخَلْ بِأُمِّهَا وَفَارَقَ مَا لَوْ ابْتَدَأَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ (فَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْكَبِيرَةُ (اثْنَتَيْنِ) مِنْ الصَّغَائِرِ (مُنْفَرِدَتَيْنِ أَوْ مَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا) لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ وَاجْتَمَعَتَا فِي الزَّوْجِيَّةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَتَيْنِ) لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ (دُونَ الثَّالِثَةِ) فَيَثْبُتْ نِكَاحُهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ إخْوَتَهَا جَمْعًا فِي النِّكَاحِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً ثُمَّ) أَرْضَعَتْ (اثْنَتَيْنِ مَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ) لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ (وَلَهُ نِكَاحُ إحْدَى الثَّلَاثِ) الصَّغَائِرِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حُرِّمَ الْكُلُّ ابْتِدَاءً) لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دُخِلَ بِأُمِّهِنَّ (وَلَوْ أَرْضَعَتْ الثَّلَاثَ أَجْنَبِيَّةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ حَلَبَتْهُ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَنْ أَوْجَرَتْهُنَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَرْضَعَتْ اثْنَتَيْنِ مَعًا وَأَوْجَرَتْ الثَّالِثَةَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) أَوْ أَوْجَرَتْ اثْنَتَيْنِ وَأَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ أَبَدًا) لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ (وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلَاثِ) لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي النِّكَاحِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْأَجْنَبِيَّةُ (اثْنَتَيْنِ) مِنْ الصَّغَائِرِ مُنْفَرِدَتَيْنِ أَوْ مَعًا (انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا)
لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْأَجْنَبِيَّةُ (إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً ثُمَّ اثْنَتَيْنِ مَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ) لِمَا سَبَقَ (وَلَهُ نِكَاحُ إحْدَى الثَّلَاثِ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ لِأَجْلِ الْجَمْعِ.
(وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا كَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأُخْتِهِ وَرَبِيبَتِهِ إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا تَصِيرُ ابْنَتَهَا مِنْ الرَّضَاعِ فَإِذَا كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهُ فَالْمُرْتَضِعَةُ أُخْتَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ جَدَّتَهُ فَالْمُرْتَضِعَةُ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أُخْتَهُ فَالْمُرْتَضِعَةُ ابْنَةَ أُخْتِهِ.
(وَكُلُّ رَجُل تُحَرَّمُ ابْنَتُهُ كَأَخِيهِ وَأَبِيهِ إذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا تَصِيرُ ابْنَتَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ امْرَأَةَ أَخِيهِ فَالْمُرْتَضِعَةُ ابْنَةُ أَخِيهِ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَالْمُرْتَضِعَةُ أُخْتُهُ (وَفُسِخَ) أَيْ انْفَسَخَ (نِكَاحُهَا مِنْهُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (إنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ) لِتَحْرِيمِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ الطِّفْلَةَ زَوْجَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا امْرَأَةُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ زَوْجِهَا لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِنْتُ زَوْجِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ رَبِيبَةَ زَوْجِهَا فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى ابْنِهِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ الطِّفْلَةَ (مَنْ لَا تُحَرَّمُ بِنْتُهَا كَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا لَمْ تُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا بِنْتُ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ وَكَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةُ عَمِّهِ أَوْ زَوْجَةُ خَالِهِ بِلَبَنِهِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ) طِفْلٌ طِفْلَةً هِيَ (بِنْتُ عَمِّهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا) دُونَ الْحَوْلَيْنِ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا لَمَّا أَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوَّجْتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّتَهُ) لِأَنَّهَا أُخْتُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا) الْجَدَّةُ (جَمِيعًا صَارَ) الزَّوْجُ (عَمَّهَا) أَيْ عَمَّ زَوْجَتِهِ (وَصَارَتْ عَمَّتَهُ) وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا) فِي الْحَوْلَيْنِ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا لَمَّا أَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ خَالَهَا) لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةَ صَارَتْ) الزَّوْجَةُ (عَمَّتَهُ) لِأَنَّهَا أُخْتُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ) الزَّوْجُ (عَمَّ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا صَارَتْ خَالَتَهُ) لِكَوْنِهَا أُخْتَ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ خَالَتِهِ فَأَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّهَا مِنْ الرَّضَاعِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ) الزَّوْجَةُ (خَالَةَ زَوْجِهَا) لِأَنَّهَا أُخْتُ أُمِّهِ مِنْ الرِّضَاعِ.
[فَصْلٌ وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(فَصْلٌ وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الَّذِي لَزِمَهُ لَهَا) ، لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عُرْضَةً لِلسُّقُوطِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا، وَإِنَّمَا لَزِمَ الزَّوْجُ نِصْفَ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا وَالْفَسْخُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَتْ) طِفْلَةٌ (نِكَاحَ نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الْفَسْخَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ (وَإِنْ كَانَ) إفْسَادُهَا لِنِكَاحِ نَفْسِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ (لَمْ يَسْقُطْ وَيَجِبُ) صَدَاقُهَا إذَنْ (عَلَى زَوْجِهَا) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، وَكَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ نِكَاحَهَا (غَيْرُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُهَا) الْمُسَمَّى عَلَى الزَّوْجِ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) الزَّوْجُ الْمُفْسِدُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ عَلَى زَوْجِهَا فَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ كَنِصْفِ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (وَلَهَا) أَيْ لِمَنْ أَفْسَدَ غَيْرُهَا نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (الْأَخْذُ مِنْ الْمُفْسِدِ نَصًّا) وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ.
(فَإِذَا ارْتَضَعَتْ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالْكُبْرَى (فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى) لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ كَمَا تَقَدَّمَ (يَرْجِعُ بِهِ) الزَّوْجُ (عَلَى الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا الَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي انْفِسَاخِ نِكَاحِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَفِي رَقَبَتِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا (وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكُبْرَى الْمُسَمَّى لَهَا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إذَا كَانَ أَدَّاهُ إلَيْهَا) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ بِهَا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أَيْ الْكُبْرَى (فَلَا مَهْرَ لَهَا) أَيْ الْكُبْرَى لِأَنَّهَا الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا (وَنِكَاحُ الصُّغْرَى بِحَالِهِ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يُدْخَلْ بِأُمِّهَا.
(وَإِنْ دَبَّتْ الصُّغْرَى إلَى الْكُبْرَى وَهِيَ) أَيْ الْكُبْرَى (نَائِمَةٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا أَوْ مَجْنُونَةٌ فَارْتَضَعَتْ) الصُّغْرَى (مِنْهَا انْفَسَخَ نِكَاحُ الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ (وَيَرْجِعُ عَلَى الصُّغْرَى بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى قَبْلَ الدُّخُولِ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ إلَى فَسْخِ نِكَاحِهَا الْمُوجِبُ لِتَقْرِيرِ نِصْفِ الْمُسَمَّى وَأَتْلَفَتْ عَلَى الزَّوْجِ الْبُضْعَ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْ عَلَيْهِ مَبِيعَهَا (وَنِكَاحُ الصُّغْرَى ثَابِتٌ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا (فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى حُرِّمَتَا) عَلَى التَّأْبِيدِ أَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَأَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا (وَلَا مَهْرَ لِلصُّغْرَى) لِأَنَّهَا الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا (وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكُبْرَى) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ لَهَا (يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي فَسْخِ نِكَاحِهَا وَإِتْلَافِ الْبُضْعِ عَلَيْهِ (وَإِنْ ارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا رَضْعَتَيْنِ وَهِيَ نَائِمَةٌ ثُمَّ انْتَبَهَتْ الْكَبِيرَةُ فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ) فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ بِفِعْلِهَا (فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ (وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ) وَيَسْقُطُ عُشْرَانِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَضَعَتْهُ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ بِمَا يَغْرَمُهُ لِلصَّغِيرَةِ (عَلَى الْكَبِيرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ فَعَلَيْهِ خُمْسُ مَهْرِهَا) وَيَسْقُطُ الْبَاقِي نَظِيرَ فِعْلِهَا بَعْدَ انْتِبَاهِهَا (يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِكَوْنِهَا تَسَبَّبَتْ بِدَبِيبِهَا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ) الزَّوْجَةِ (الْكُبْرَى) الزَّوْجَةَ (الصُّغْرَى فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْفَسْخِ، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ) فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا أَبَدًا، وَإِلَّا حُرِّمَتْ الْكُبْرَى وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا.
(وَ) كَذَا الْحُكْمُ فِي (الرُّجُوعِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ النِّكَاحَ) فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا يَغْرَمُهُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِتَسَبُّبِهَا فِي غُرْمِهِ وَتَفْوِيتِهَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ (أُمُّ) زَوْجَتِهِ (الْكَبِيرَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا مَعًا) لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ اجْتَمَعَا فِي النِّكَاحِ (فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ (وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهِمَا) الَّذِي غَرِمَهُ لِتَسَبُّبِهَا (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ فَلَهُ نِكَاحُهَا) فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ (وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْكَبِيرَةِ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُخْتَهَا فَلَا يَنْكِحْهَا فِي عِدَّتِهَا) لِأَنَّ زَمَنَ الْعِدَّةِ كَالزَّوْجِيَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي النِّكَاحِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّةُ الْكَبِيرَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَمَّةَ الْكَبِيرَةِ) إنْ كَانَتْ الْجَدَّةُ لِأَبٍ (أَوْ) تَصِيرُ (خَالَتَهَا) إنْ كَانَتْ جَدَّةً لِأُمٍّ (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ الرَّضَاعِ (مُحَرَّمٌ) كَالنَّسَبِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهَا) أَيْ أُخْتُ الْكَبِيرَةِ (أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ أَوْ أَرْضَعَتْهَا) بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ (أُخْتِهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهَا أَوْ بِنْتَ بِنْتِ أَخِيهَا (أَوْ بِنْتَ أُخْتِهَا) وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ (وَلَا تَحْرِيمٌ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ جَمْعٍ إلَّا إذَا أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا) فَيَحْرُمُ عَلَى الْأَبَدِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلِأَنَّهَا
بِنْتُ رَبِيبَةٍ دَخَلَ بِأُمِّهَا.
(وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً صَارَ) سَيِّدُهُنَّ (أَبًا لَهَا) لِأَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضْعَاتٍ، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ) عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ، وَ (لَا) تُحَرَّمُ عَلَيْهِ (أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ) فَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُنَّ (وَإِنْ أَرْضَعْنَ) أَيْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ الْخَمْسُ بِلَبَنِهِ (طِفْلًا كَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْضَعَتْهُ رَضْعَةً (صَارَ الْمَوْلَى) صَاحِبُ اللَّبَنِ (أَبًا لَهُ) لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضْعَاتٍ (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الطِّفْلِ (الْمُرْضِعَاتُ، لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ وَهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ) فَيَتَنَاوَلَهُنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] .
(وَلَوْ كَانَ لَهُ) أَيْ الرَّجُلِ (خَمْسُ بَنَاتٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ فَأَرْضَعْنَ) أَيْ بَنَاتُهُ أَوْ بَنَاتُ زَوْجَتِهِ (امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى) فِي الْحَوْلَيْنِ (رَضْعَةً رَضْعَةً فَلَا أُمُومَةَ) لِأَنَّ إحْدَاهُنَّ لَمْ تُرْضِعْهُ خَمْسًا (وَلَا يَصِيرُ الْكَبِيرُ) أَبُو الْبَنَاتِ (وَلَا الْكَبِيرَةُ) أُمُّ الْمُرْضِعَاتِ (جَدًّا وَلَا جَدَّةً) لِأَنَّ الْجُدُودَةَ فَرْعُ الْأُمُومَةِ وَلَمْ تَثْبُتْ (وَلَا) تَصِيرُ (إخْوَةُ الْمُرْضِعَاتِ أَخْوَالًا وَلَا أَخَوَاتُهُنَّ خَالَاتٍ) لِأَنَّ الْخُؤُولَةَ فَرْعُ الْأُمُومَةِ، وَلَمْ تَثْبُتْ (وَلَوْ كَمُلَ لِطِفْلٍ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ أُمِّ رَجُلٍ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةً فَكَذَلِكَ، أَيْ لَا تَحْرِيمَ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
(وَإِذَا كَانَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ فَانْقَطَعَ لَبَنُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ مِنْهُ الطِّفْلَ) الَّذِي أَرْضَعَتْهُ أَوَّلًا فِي الْحَوْلَيْنِ (رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ أُمًّا لَهُ) لِأَنَّهُ كَمُلَ لَهُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِهَا (وَلَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَبًا لَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ أَحَدِهِمَا (وَيُحَرَّمُ) الطِّفْلُ (عَلَيْهِمَا إنْ كَانَ أُنْثَى لِكَوْنِهِ رَبِيبًا لَهُمَا) قَدْ دَخَلَا بِأُمِّهِ (لَا لِكَوْنِهِ وَلَدَهُمَا) .
(وَإِذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ، لَمْ تُحَرَّمْ الْمُرْضِعَاتُ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ (وَحُرِّمَتْ الصُّغْرَى) عَلَى الْأَبَدِ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ (وَتَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ) لِأَنَّهُ كَمُلَ لَهُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِهِ وَ (لَا) تَثْبُتُ (الْأُمُومَةُ) لِوَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْهَا خَمْسًا (وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا) أَيْ الصُّغْرَى، لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا (يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِهِ عَلَيْهِنَّ) أَيْ الْمُرْضِعَاتِ لِتَسَبُّبِهِنَّ فِي اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ (عَلَى قَدْرِ رَضَاعَتِهِنَّ) الْمُحَرِّمَةِ (وَعَلَى الْأُولَى)
الَّتِي ارْتَضَعَتْ أَوَّلًا (خُمْسُ الْمَهْرِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ خُمْسُهُ وَعَلَى الثَّالِثَةِ عُشْرُهُ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ حَصَلَ مِنْهَا بِرَضْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ اشْتَرَكْنَ فِي الْإِتْلَافِ فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَتْ.
(وَلَوْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ غَيْرِهِ فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ صِغَارًا) فَأَرْضَعَتْ (كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِنْ بَنَاتِ الزَّوْجَةِ (وَاحِدَةً) مِنْ زَوْجَاتِهِ الصِّغَارِ (إرْضَاعًا كَامِلًا) أَيْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكُبْرَى حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مِنْ جَدَّاتِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الصِّغَارِ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ أَخَوَاتٍ إنَّمَا هُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ) وَلَا يُحَرَّمُ الْجَمْعُ بَيْنَ بَنَاتِ الْخَالَاتِ وَلَا يُحَرَّمْنَ بِكَوْنِهِنَّ رَبَائِبَ (لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تُحَرَّمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمِّهَا) أَوْ جَدَّتِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ (وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا أَوَّلًا) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حُرِّمَ الصَّغَائِرُ) أَبَدًا (أَيْضًا) لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِجَدَّتِهِنَّ (وَإِنْ أَرْضَعْنَ) أَيْ بَنَاتُ زَوْجَتِهِ (وَاحِدَةً) مِنْ زَوْجَاتِهِ الصِّغَارِ أَرْضَعَتْهَا (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) رَضْعَتَيْنِ (اثْنَتَيْنِ حُرِّمَتْ الْكُبْرَى) صَحَّحَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّةً بِكَوْنِ الصَّغِيرَةِ قَدْ كَمُلَ لَهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ بَنَاتِهَا (وَقِيلَ لَا تُحَرَّمُ) الْكَبِيرَةُ (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ) لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا، وَلَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ فَمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا أَوْلَى وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا جُزِمَ بِهِ فِيمَا إذَا أَرْضَعَتْهَا خَمْسُ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
[فَصْلٌ طَلَّقَ كَبِيرَةً مَدْخُولًا بِهَا فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ]
(فَصْلٌ وَإِذَا طَلَّقَ كَبِيرَةً مَدْخُولًا بِهَا فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ (صَارَتْ) الْمُرْضَعَةُ (بِنْتًا لَهُ) لِارْتِضَاعِهَا مِنْ لَبَنِهِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ غَيْرِهِ) صَارَتْ رَبِيبَةً لَهُ لِأَنَّهَا بِنْتُ زَوْجَتِهِ (وَحُرِّمَتَا) أَيْ الْمُرْضِعَةُ وَالرَّضِيعَةُ، أَمَّا الْمُرْضِعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَأَمَّا الرَّضِيعَةُ فَلِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا (وَيَرْجِعُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) زَوْجُ الصَّغِيرَةِ (مَا دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ بَقِيَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا.
(وَإِنْ طَلَّقَ صَغِيرَةً فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ لَهُ حُرِّمَتْ الْمُرْضِعَةُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ (فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ (فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا (وَلَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ)
لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِأُمِّهَا (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ (فَلَهَا مَهْرُهَا) الْمُسَمَّى لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ (وَحُرِّمَتَا) أَيْ الْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ (عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ وَالرَّضِيعَةَ رَبِيبَةٌ مَدْخُولٌ بِأُمِّهَا (وَإِنْ طَلَّقَهُمَا) أَيْ الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ (جَمِيعًا فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا مَضَى) تَفْصِيلُهُ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ) رَجُلٌ امْرَأَةً (كَبِيرَةً وَ) تَزَوَّجَ (آخَرُ) طِفْلَةً (صَغِيرَةً ثُمَّ طَلَّقَاهُمَا وَنَكَحَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ الْآخَرِ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ حُرِّمَتْ الْكَبِيرَةُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِمَا (وَإِنْ كَانَ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ دَخَلَ) بِالْكَبِيرَةِ (حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الصَّغِيرَةُ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ مَدْخُولٌ بِأُمِّهَا (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا) فِيمَا ذُكِرَ (فَالْمُرَادُ عَلَى التَّأْبِيدِ هُوَ مَقْرُونٌ بِفَسْخِ نِكَاحِهَا) إنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الطَّارِئَ كَالْمُقَارِنِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ فَأَرْضَعَتْهُ]
فَصْلٌ وَإِذَا (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ) دُونَ الْحَوْلَيْنِ (فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) مِنْ الصَّبِيِّ (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ) أَبَدًا لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَّهُ.
(وَ) حُرِّمَتْ أَيْضًا (عَلَى الْأَوَّلِ أَبَدًا) لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ صَارَ ابْنًا لِلْمُطَلِّقِ لِأَنَّهُ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ رَضَاعًا مُحَرِّمًا وَهِيَ زَوْجَتُهُ (وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الصَّبِيَّ أَوَّلًا ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا لِمُقْتَضٍ) كَعَيْبٍ أَوْ فَقْدِ نَفَقَةٍ أَوْ إعْسَارٍ بِمُقَدَّمِ صَدَاقٍ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا أَبَدًا) عَلَى الْكَبِيرِ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ وَعَلَى الصَّغِيرِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ.
(قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ طَرَأَ لِرَضَاعِ أَجْنَبِيٍّ قَالَ) فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
(وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ لِعَبْدٍ لَهُ يَرْضَعُ ثُمَّ أَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ) أَيْ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِمَنْ أَوْلَدَهَا فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِ هَذَا الْوَلَدِ زَوْجَهَا الْأَوَّلَ بَعْدَ عِتْقِهِ) أَوْ قَبْلَهُ (حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا) أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ وَأَمَّا صَاحِبُ اللَّبَنِ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ.
(وَلَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَتَهُ بِصَبِيٍّ مَمْلُوكٍ فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلِأَنَّهَا
صَارَتْ أُمَّهُ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ (وَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا) أَيْ تَزَوُّجُ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ الْأَمَةِ لِصَبِيٍّ (إنْ كَانَ الصَّبِيُّ حُرًّا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ خَوْفَ الْعَنَتِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ) أَيْ خَوْفُ الْعَنَتِ (فِي الطِّفْلِ) وَفِيهِ تَلْوِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى صَاحِبِ الرِّعَايَةِ وَرَدَّ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ خَوْفُ عَنَتِ الْعُزُوبَةِ لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ وَالطِّفْلُ قَدْ يَحْتَاجُ لِلْخِدْمَةِ، فَيُتَصَوَّرُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا) الطِّفْلُ، لِغَيْرِ حَاجَةِ خِدْمَةٍ (كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَى سَيِّدِهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ لِفَسَادِ النِّكَاحِ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا لِحَاجَةِ خِدْمَةٍ صَحَّ النِّكَاحُ وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا.
[فَصْلٌ مَتَى كَانَ مُفْسِدُ النِّكَاحِ جَمَاعَةً]
(فَصْلٌ مَتَى كَانَ مُفْسِدُ النِّكَاحِ جَمَاعَةً وُزِّعَ الْمَهْرُ عَلَى مُرْضِعَاتِهِنَّ الْمُحَرَّمَةِ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ اشْتَرَكْنَ فِيهِ فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِقَدَرِ مَا أَتْلَفَتْ وَ (لَا) يُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ (رُءُوسِهِنَّ) كَمَا لَوْ أَتْلَفْنَ مَالًا وَتَفَاوَتْنَ فِيهِ (فَلَوْ سَقَى خَمْسٌ زَوْجَةً صَغِيرَةً مِنْ لَبَن أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ (وَلَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِهَا بَيْنَهُنَّ) بِحَسَبِ مَا سَقَيْنَهَا لِتَسَبُّبِهِنَّ فِي اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ وَ) سَقَتْهَا (أُخْرَى ثَلَاثًا فَعَلَى الْأُولَى خُمْسُ الْمَهْرِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ خُمْسُ) الْمَهْرِ (وَعُشْرٌ) (وَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ وَسَقَاهَا ثَلَاثٌ) أُخَرُ (ثَلَاثَ شَرَبَاتٍ فَعَلَى الْأُولَى الْخُمْسُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ عُشْرٌ) .
(وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ كِبَارٍ وَوَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ) الْكِبَارِ (الصَّغِيرَةَ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ وَسَقَيْنَهُ لِلصُّغْرَى حُرِّمَ الْكِبَارُ) لِأَنَّهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ فَنِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ثَابِتٌ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى ضَرَّاتِهَا) لِتَسَبُّبِهِنَّ فِي إقْرَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ السُّدُسُ الْبَاقِي مِنْ النِّصْفِ فِي نَظِيرِ فِعْلِهَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَالِثَةٌ لِضَرَّتَيْهَا مُشَارَكَةٌ لَهُمَا (لِأَنَّ إفْسَادَ نِكَاحِهَا حَصَلَ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَى الْكِبَارِ حُرِّمَتْ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا) لِأَنَّهَا رَبِيبَةُ زَوْجَةٍ دُخِلَ بِهَا (وَلَهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ (نِصْفُ صَدَاقِهَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ أَثْلَاثًا) لِأَنَّهُنَّ تَسَبَّبْنَ فِي فَسَادِ نِكَاحِهَا (وَلِلَّتِي دَخَلَ بِهَا الْمَهْرُ كَامِلًا) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ.
(وَإِنْ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ فَسَقَتْهُ إحْدَاهُنَّ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ كَانَ عَلَيْهِ صَدَاقُ ضَرَّتَيْهَا) يَعْنِي نِصْفَهُ (يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا) أَيْ السَّاقِيَةِ (إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُمَا) بِسَقْيِهَا اللَّبَنَ لِلصَّغِيرَةِ (وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ بِاَلَّتِي سَقَتْ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُهَا لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ) لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ (وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكِبَارِ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حُرِّمَ الثَّلَاثُ) لِأَنَّهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ (فَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِنَّ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُهَا لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ) لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ هِيَ الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْكِبَارِ (وَتُحَرَّمُ الصَّغِيرَةُ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ قَدْ دُخِلَ بِأُمِّهَا (وَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِهَا) وَهُوَ نِصْفُهُ (عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْأُولَى) لِأَنَّهَا الَّتِي أَفْسَدَتْهُ.
[فَصْلٌ وَإِذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ]
(فَصْلٌ وَإِذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (فَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأَمَةِ (كَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ) وَهُوَ نِصْفُهُ (لَهُ فِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ (أُمُّ وَلَدِهِ حُرِّمَا عَلَيْهِ أَبَدًا) أَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ أَوْ رَبِيبَتَهُ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ (وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا غُرْمٌ (وَيَرْجِعُ عَلَى مُكَاتَبَتِهِ) إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِنِكَاحِ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ بِلَبَنِهِ امْرَأَةَ ابْنِهِ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (فَسَخَتْ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ أَبَدًا لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ) مِنْ الرَّضَاعَةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) أُمُّ وَلَدِهِ (زَوْجَةَ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا (لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ وَيَرْجِعُ الْأَبُ لِابْنِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا غَرِمَهُ لِزَوْجَتِهِ) وَهُوَ نِصْفُ صَدَاقِهَا الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةِ إنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا (أَوْ قِيمَتُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِهِ) وَجِنَايَتُهَا تُضْمَنُ كَذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا إذْ لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ زَوْجَتَيْ ابْنِهِ وَأَبِيهِ (بِغَيْرِ لَبَنِ سَيِّدِهَا لَمْ تُحَرِّمْهَا) عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ بِنْتَ أُمِّ وَلَدِهِ) وَهِيَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ وَإِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ أَوْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ]
(فَصْلٌ وَإِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ أَوْ) شَكَّ (فِي عَدَدِهِ) بِأَنْ شَكَّ هَلْ أَرْضَعَتْهُ أَوْ لَا أَوْ هَلْ أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا أَوْ دُونَهَا (بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّضَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ.
(وَ) الْأَصْلُ (عَدَمُ وُجُودِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ مَا إذَا شَكَّ فِي عَدَدِهِ (لَكِنْ تَكُونُ) الَّتِي لَوْ ثَبَتَ رَضَاعُهَا خَمْسًا حُرِّمَتْ (مِنْ الشُّبُهَاتِ تَرْكَهَا أَوْلَى قَالَهُ الشَّيْخُ) لِحَدِيثٍ «مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الْمُبْدِعِ آخَرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنْ شَكَّتْ الْمُرْضِعَةُ فِي الرَّضَاعِ أَوْ كَمَالِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَا بَيِّنَةٌ فَلَا تَحْرِيمَ.
(وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ (امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مَرْضِيَّةٌ عَلَى فِعْلِهَا) بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ (أَوْ) شَهِدَتْ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ عَلَى (فِعْلِ غَيْرِهَا) بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ فُلَانَةَ أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ (أَوْ) شَهِدَ بِذَلِكَ (رَجُلٌ وَاحِدٌ ثَبَتَ) الرَّضَاعُ (بِذَلِكَ وَلَا يَمِينَ) عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَلَى الشَّاهِدَةِ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ «تَزَوَّجْتُ: أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ؟ فَنَهَاهُ عَنْهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ " دَعْهَا عَنْكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ " فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ " وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ فَتُقْبَلُ بِهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ، لِأَنَّهُ مَعْنَى يُقْبَل فِيهِ قَوْل النِّسَاء الْمُنْفَرِدَات فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمَانِيُّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ مِنْ الشُّهُودِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَتْنِهِ وَالْمُتَبَرِّعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ وَغَيْرُ الْمَرْضِيَّةِ لَا تُقْبَلُ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّ الظِّئْرَ إذَا قَالَتْ أَشْهَدُ أَنِّي أَرْضَعْتُهُمَا لَمْ تُقْبَلْ وَإِنْ قَالَتْ أَشْهَدُ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنِّي قُبِلَ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ أَوْ إنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ
مِنْ النَّسَبِ (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ) أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ ثَبَتَ) ذَلِكَ (بِبَيِّنَةٍ فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا تَسْتَحِقُّ فِيهِ مَهْرًا (وَإِنْ أَكَذَبَتْهُ) وَلَمْ يَثْبُتْ مَا قَالَهُ بِالْبَيِّنَةِ (فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حُقُوقِهَا وَقَدْ جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ (بَعْدَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَهَا الْمَهْرُ) بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ (مَا لَمْ تُقِرَّ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ عَالِمَةٌ بِالتَّحْرِيمِ) لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ.
(فَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلِهِ هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ (وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْبَلْ الْحُكْمُ) وَلَوْ قَالَ أَخْطَأْتُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقٍّ لِآدَمِيٍّ فَلَمْ يُقْبَلْ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهَا بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ (وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسَهُ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْبَاطِلَ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ.
(وَإِنْ شَكَّ) الزَّوْجُ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي كَوْنِهَا أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ (لَمْ يَزُلْ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ.
(فَإِنْ قَالَ هِيَ عَمَّتِي) مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) قَالَ هِيَ (خَالَتِي) مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) قَالَ هِيَ (ابْنَةُ أَخِي أَوْ ابْنَةُ أُخْتِي أَوْ أُمِّي مِنْ الرَّضَاعِ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ هِيَ أُخْتِي) مِنْ الرَّضَاعِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بِلَا فَرْقٍ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ) فِي قَوْلِهِ هِيَ أُمِّي (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ هِيَ مِثْلُهُ) فِي السِّنِّ هَذِهِ أُمِّي أَوْ ابْنَتِي (أَوْ) يَقُولَ لِمَنْ هِيَ (أَصْغَرُ مِنْهُ) سِنًّا (هَذِهِ أُمِّي أَوْ) يَقُولَ (لِأَكْبَرَ مِنْهُ) هَذِهِ ابْنَتِي (أَوْ) يَقُولَ (لِمِثْلِهِ هَذِهِ ابْنَتِي) مِنْ الرَّضَاعِ (لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ) لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِ (كَمَا لَوْ قَالَ أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا سَوَاءٌ أَوْ قَالَ) هَذِهِ زَوْجَتُهُ (هَذِهِ حَوَّاءُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَهِيَ فِي سَنٍّ لَا يُولَدُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَهِيَ فِي سِنِّهِ لِتَحَقُّقِ مَا ذُكِرَ فِيهِ.
(وَالْحُكْمُ فِي الْإِقْرَارِ بِقَرَابَةٍ مِنْ النَّسَبِ تُحَرِّمُهَا) أَيْ الزَّوْجَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقِرِّ بِأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ أَوْ عَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ كَذَلِكَ أَوْ أُمَّهُ أَوْ بِنْتُهُ لَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ (كَالْحُكْمِ فِي الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ) بِجَامِعِ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَأَنْكَرَتْهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ أَوْ أَبُوهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ) لِلْمَانِعِ وَهُوَ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ (وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ) أَيْ بِكَوْنِهَا أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ (أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا أَوْ أَبُوهَا قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهَا عَلَيْهَا، لَا لَهَا (وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ (الْمَرْأَةُ وَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ فَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا أَوْ أَبُوهَا لَمْ تُقْبَلْ) الشَّهَادَةُ لِقَرَابَةِ الْوِلَادَةِ (وَإِنْ شَهِدَتْ لَهَا أُمُّ الزَّوْجِ أَوْ ابْنَتُهُ أَوْ أَبُوهُ قُبِلَ) مِنْهُمْ
مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ (وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْبُلْغَةِ، لَوْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ (أَبُوهَا لَمْ يُقْبَلْ بَلْ) يُقْبَلُ إنْ شَهِدَ بِهِ (أَبُوهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (يَعْنِي بِلَا دَعْوَى وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ) بِأَنْ شَهِدَ بِذَلِكَ حِسْبَةٌ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ شَهَادَتُهُ دَعْوَى مِنْ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ الزَّوْجَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ فَشَهَادَةُ أَبِيهَا بِالرَّضَاعِ تَقْطَعُهُ فَتَكُونُ شَهَادَةً لِابْنَتِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ وَشَهَادَةُ أَبِيهِ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ فَقُبِلَتْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي.
(وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (هِيَ الَّتِي قَالَتْ هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ فَأَكْذَبَهَا وَلَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحَلَفَ (فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا (فَإِنْ كَانَ) قَوْلُهَا ذَلِكَ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ) لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ (وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ) مِنْهَا، وَلَا طَلَبَهَا بِهِ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا (وَإِنْ كَانَ) قَوْلُهَا ذَلِكَ (بَعْدَ الدُّخُولِ فَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً أَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَطَاوَعَتْهُ فِي الْوَطْءِ فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِإِقْرَارِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ (وَإِنْ أَنْكَرَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ شُبْهَةٌ (وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّ قَوْلَهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ (وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ، فَإِنَّ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مُسَاكَنَتَهُ وَلَا تَمْكِينَهُ مِنْ وَطْئِهَا) وَلَا مِنْ دَوَاعِيهِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ (وَعَلَيْهَا أَنْ تَفْتَدِيَ وَتَفِرَّ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي عَلِمْت أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَتَقَدَّمَ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَالْإِنْصَافِ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَقَلُّ الْمَهْرَيْنِ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَلَّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي وُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَيْهِ لَا تَسْتَحِقُّهُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ (وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهَا بِأُخُوَّتِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ لَهَا نِكَاحُهُ) لِاعْتِرَافِهَا بِتَحْرِيمِهِ.
(وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهَا عَنْ إقْرَارِهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إنْ أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ وَنَحْوُهُ) كَعَمَّتِهِ، أَوْ خَالَتِهِ أَوْ بِنْتِ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ (قَبْلَ النِّكَاحِ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي ظَاهِر الْحُكْمِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَلَوْ ادَّعَتْ أَمَةٌ أُخُوَّةَ السَّيِّدِ بَعْدَ وَطْءٍ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهَا مُطْلَقًا لِأَنَّ تَمْكِينَهَا دَلِيلُ كَذِبِهَا.
(وَ) إنْ ادَّعَتْ الْأَمَةُ أُخُوَّةَ سَيِّدِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَطْءِ (يُقْبَلُ) قَوْلُهَا (فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ) احْتِيَاطًا وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهَا (فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ) لِعَدَمِ تَحْقِيقِ مُوجِبِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِهِ) أَوْ أَشْتَرَى سَيِّدٌ أَمَةً لَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ أَبَانَهَا فَوَطِئَهَا (فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ تَلِدْ، وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ فَهُوَ) أَيْ اللَّبَنُ (لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ نِصْفَ اللَّبَنِ كَانَ لَهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ (وَإِنْ زَادَ) اللَّبَنُ بَعْدَ الْحَمْلِ (زِيَادَةً فِي أَوَانِهَا) فَاللَّبَنُ لَهُمَا (فَإِنْ أَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا صَارَ ابْنًا لَهُمَا) كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ
فِي أَنَّهُ مِنْهُ وَبَقِيَ لَبَنُ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنُ أَصْلِهِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا.
(وَإِنْ لَمْ يَزِدْ) اللَّبَنُ بِالْحَمْلِ (أَوْ زَادَ قَبْلَ أَوَانِهِ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ وَزَادَ بِالْوَطْءِ فَ) اللَّبَنُ (لِلْأَوَّلِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحِمْلِهَا مِنْ الثَّانِي فَهُوَ لَهُمَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ فَلَمَّا عَادَ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ ثَابَ بِسَبَبِ الْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ (وَمَتَى وَلَدَتْ فَاللَّبَنُ لِلثَّانِي وَحْدَهُ) إذَا زَادَ، لِأَنَّ زِيَادَتَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمَوْلُودِ فَتَمْتَنِعُ الْمُشَارَكَةُ فِيهِ (إلَّا إذَا لَمْ يَزِدْ) اللَّبَنُ (أَوْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى وَلَدَتْ فَهُوَ) أَيْ اللَّبَنُ (لَهُمَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ الْأَوَّلَ أُضِيفَ إلَى الْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى حَالِهِ أَوْجَبَ بَقَاءَهُ عَلَيْهِ وَحَاجَةُ الْوَلَدِ الثَّانِي إلَى اللَّبَنِ أَوْجَبَتْ اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ كَالْعَيْنِ إذَا لَمْ يَدْفَعْ الْمُسْتَحِقُّ الثَّانِي صَاحِبُ الْيَدِ عَنْهَا يَبْقَى اسْتِحْقَاقُهُ لَهَا.
(وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَأَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ (لَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ) وَهُوَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رَجُلَيْنِ " كَالنِّكَاحِ وَالْقَذْفِ.
(وَيُكْرَهُ لَبَنُ الْفَاجِرَةِ وَالْمُشْرِكَةِ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ (وَالذِّمِّيَّةُ) كَالْمُشْرِكَةِ (وَالْحَمْقَاءُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَوَّجُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ صُحْبَتَهَا بَلَاءٌ وَفِي وَلَدِهَا ضَيَاعٌ، وَلَا تَسْتَرْضِعُوهَا فَإِنَّ لَبَنَهَا يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ» (وَالزِّنْجِيَّةُ وَسَيِّئَةُ الْخُلُقِ) فَإِنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْحَمْقَاءِ (وَالْجَذْمَاءُ وَالْبَرْصَاءُ) خَشْيَةَ وُصُولِ ذَلِكَ إلَى الرَّضِيعِ.
وَفِي الْمُجَرَّدِ (وَالْبَهِيمَةُ) لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي بَلَادَةِ الْبَهِيمَةِ (وَفِي التَّرْغِيبِ وَعَمْيَاءُ فَإِنَّهُ يُقَال الرَّضَاعُ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ) وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْسُوسًا.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَ) الْمُوسِرُ (الظِّئْرَ) الْمُتَبَرِّعَةَ، كَمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ (عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً) مُكَافَأَةً لَهَا فَإِنْ كَانَتْ أَمَة اُسْتُحِبَّ لَهُ عِتْقُهَا (وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ) .
(وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُرْضِعَ غَيْرَ وَلَدِهَا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ.
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]
ُ وَهِيَ جَمْعُ نَفَقَةٍ) وَتُجْمَعُ عَلَى نِفَاقٍ كَثَمَرَةٍ وَثِمَارٍ (وَهِيَ) فِي الْأَصْلِ لِلدَّرَاهِمِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَشَرْعًا (كِفَايَةُ مَنْ يَمُونُهُ خُبْزًا وَأُدْمًا وَكُسْوَةً) بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ
فِي الْحَاشِيَةِ (وَمَسْكَنًا وَتَوَابِعَهَا) أَيْ تَوَابِعَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ، كَثَمَنِ الْمَاءِ وَالْمُشْطِ وَالسُّتْرَةِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَالْغِطَاءِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهَا وَأَصْلُهَا الْإِخْرَاجُ مِنْ النَّافِقَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَجْعَلُهُ الضَّبُّ فِي مُؤَخَّرِ الْحُجْرِ رَفِيعًا يَعُدُّهُ لِلْخُرُوجِ إذَا أَتَى مِنْ بَابِهِ رَفْعَهُ بِرَأْسِهِ وَخَرَجَ وَمِنْهُ سُمِّيَ النِّفَاقُ، لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْإِيمَانِ أَوْ خُرُوجٌ الْإِيمَان مِنْ الْقَلْبِ، فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ نَفَقَةً لِذَلِكَ وَهِيَ أَصْنَافٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَتَأْتِي (وَيَلْزَمُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْكِفَايَةَ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَتَوَابِعِهَا (الزَّوْجَ لِزَوْجَتِهِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الْآيَةُ وَمَعْنَى قَدَرَ ضَيَّقَ «وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ الزَّوْجَةُ (ذِمِّيَّةً) تَحْتَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (بِ) حَسَبِ (مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا) مَعَ مِثْلِهِ (بِالْمَعْرُوفِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ.
(وَهِيَ) أَيْ النَّفَقَةُ (مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ) فَيَجِبُ لَهَا كِفَايَتُهَا مِمَّا ذُكِرَ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ لَهُ فِي قَدْرِهَا لِلْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِأَخْذِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَالْكِفَايَةُ لَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُمَا الشَّرْعُ فِي الْجِنْسِ لَا الْقَدْرِ.
(وَتَخْتَلِفُ) النَّفَقَةُ (بِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ) يَسَارًا وَإِعْسَارًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] (فَيَعْتَبِرُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ بِحَالِهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ) لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ بِحَالِهِمَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَرِعَايَةً لِكُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي الْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ خُبْزٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ (فَيَفْرِضُ) الْحَاكِمُ (لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ) الْخَاصِّ (وَدُهْنِهِ وَأُدْمِهِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَكْلِهِ مِنْ الْأُرْزِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تُكْرَهُ عُرْفًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ إطْعَامُ الْمُوسِرَةِ خُبْزَ الْمُعْسِرَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ التَّفْرِيقُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ يَتَعَارَفُونَ
فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ جِنْسَ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ أَعْلَى مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ وَيَعُدُّونَ الْمُنْفِقَ مِنْ الْمُوسِرِينَ مِنْ جِنْسِ الْمُعْسِرِينَ بَخِيلًا (وَإِنْ تَبَرَّمَتْ بِأُدْمٍ نَقَلَهَا إلَى أُدْمٍ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
(وَ) يَفْرِضُهُ لَهَا (لَحْمًا عَادَةَ الْمُوسِرِينَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ) يَفْرِضُ لَهَا (حَطَبًا وَمِلْحًا لِطَبْخِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ (وَقَدْرُ اللَّحْمِ رِطْلٌ عِرَاقِيٌّ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ وَمَا قَدَّمَهُ أَوْلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْكِفَايَةِ (لَكِنْ يُخَالِفُ فِي إدْمَانِهِ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ (قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ مَرَّتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهَادِي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ (وَ) يَفْرِضُ لَهَا الْحَاكِمُ مِنْ الْكُسْوَةِ (مَا يَلْبِسُ مِثْلُهَا مِنْ حَرِيرٍ وَخَزٍّ) وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَلُحِمَ بِغَيْرِهِ (وَجَيِّدِ كَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَوِقَايَةٌ وَهِيَ مَا تَضَعُهُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ وَتُسَمَّى الطَّرْحَةَ وَمِقْنَعَةٌ وَمَدَاسٌ وَجُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ.
لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَيْءٍ يُوَارِي جَسَدَهُ وَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمِنْ شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ، وَمِنْ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ الْوِقَايَةُ، وَمِنْ شَيْءٍ فِي رِجْلِهِ وَهُوَ الْمَدَاسُ وَمِنْ شَيْءٍ يُدْفِئُهُ وَهُوَ جُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ، وَمِنْ شَيْءٍ يَنَامُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلِلنَّوْمِ فِرَاشٌ وَلِحَافٌ وَمِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (مَحْشُوٌّ ذَلِكَ بِالْقُطْنِ الْمَنْزُوعِ الْحَبِّ إذَا كَانَ عُرْفُ) الْبَلَدِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ (وَمِلْحَفَةٌ لِلِّحَافِ) لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ (وَإِزَارٌ) تَنَامُ فِيهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالنَّوْمِ فِيهِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا.
(وَلِلْجُلُوسِ زِلِّيٌّ وَهُوَ بِسَاطٌ مِنْ صُوفٍ وَهُوَ الطَّنْفَسَةُ وَرَفِيعُ الْحُصْرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَا لَا غِنًى عَنْهُ (وَتُزَادُ مِنْ عَدَدِ الثِّيَابِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ مِمَّا لَا غِنًى عَنْهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الْحَاجَةِ الْغَالِبَةِ (دُونَ مَا لِلتَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ وَ) يُفْرَضُ (لِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ كَخِشْكَارٍ) ضِدَّ النَّاعِمِ (بِأُدْمِهِ الْمُلَائِمِ لَهُ عُرْفًا كَالْبَاقِلَاءِ وَالْخَلِّ وَالْبَقْلِ وَالْكَامَخِ وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا) لِأَنَّهَا إحْدَى الزَّوْجَيْنِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا كَالْمُوسِرَةِ (وَدُهْنِهِ وَلَحْمِهِ عَادَةً.
وَفِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ كَالرِّعَايَةِ فِي اللَّحْمِ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً وَ) يَفْرِضُ لَهَا (مَا يَلْبِسُ مِثْلُهَا أَوْ يَنَامُ فِيهِ مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلِلنَّوْمِ فِرَاشٌ بِصُوفٍ وَكِسَاءٍ أَوْ عَبَاءَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ (لِلْغِطَاءِ وَالْجُلُوسِ بَارِيَّةٍ أَوْ خَيْشٍ) عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا وَعَادَةِ أَمْثَالِهَا.
(وَ) يُفْرَضُ (لِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ وَالْمُوسِرَةِ مَعَ الْمُعْسِرِ وَالْمُعْسِرَةِ مَعَ الْمُوسِر الْمُتَوَسِّطِ مِنْ ذَلِكَ عُرْفًا) لِأَنَّ إيجَابَ نَفَقَةَ الْمُوسِرِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَإِنْفَاقِ الْمُعْسِرِ نَفَقَةَ الْمُوسِرُ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِصَاحِبِهِ، فَكَانَ
اللَّائِقُ بِحَقِّهِمَا هُوَ الْمُتَوَسِّطُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: الْمُوسِرُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَة بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ وَعَكْسُهُ الْمُعْسِرُ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ قَالَ ابْنُ حَمَدَانِ: وَمِسْكِينٌ لَا زَكَاةَ لَهُ مُعْسِرٌ وَمِنْ فَوْقَهُ مُتَوَسِّطٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُعْسِرٌ.
(وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ الْبَدَوِيَّةِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَادِيَةِ بِالنَّاحِيَةِ الَّتِي يَنْزِلُونَهَا وَيَجِبُ) لِلزَّوْجَةِ (مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّهْنِ لِلسِّرَاجِ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كُلُّهُ بِحَسْبِ عَادَةِ بَلَدِهِمَا (عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فِي بُلْدَانِهِ) فَيَجِبُ لَهَا (السَّمْنُ فِي مَوْضِعٍ وَالزَّيْتُ فِي آخَرَ وَالشَّحْمِ فِي آخَرَ وَالشَّيْرَجِ فِي آخَرَ) بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَ (لَا) يَجِبُ دُهْنُ الْمِصْبَاحِ (لِأَهْلِ الْخِيَامِ وَالْبَادِيَةِ) لِعَدَمِ تَعَارُفِهِمْ لَهُ (وَلَا يَجِبُ لَهَا إزَارٌ لِلْخُرُوجِ وَهُوَ الْمِلْحَفَةُ، وَمِثْلُهُ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ) كَالرَّانِ (لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ أَمْرُهَا عَلَى الْخُرُوجِ) وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الزَّوْجِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ لِأَجْلِهِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَاعُونِ الدَّارِ) لِأَنَّهُ لَا غِنًى لَهَا عَنْهُ (وَيُكْتَفَى بِخَزَفٍ) وَهُوَ آنِيَةُ الطِّينِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ وَهُوَ الصَّلْصَالُ فَإِذَا شُوِيَ فَهُوَ الْفَخَّارُ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَخَشَبٍ وَالْعَدْلُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآنِيَةِ.
(وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ) فِي النَّفَقَةِ (كَالْمُعْسِرِ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِأَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ (وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَكَمُتَوَسِّطِينَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَكَمُعْسِرَيْنِ) وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَنِصْفُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَبَاقِيهِمَا عَلَى سَيِّدِهِ.
(وَلَا يَجِبُ فِي النَّفَقَةِ الْحَبُّ) بَلْ الْكِفَايَةُ مِنْ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ وَكَنَفَقَةِ السَّيِّدِ وَلِأَنَّ الْحَبَّ يَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ (فَلَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَقِيقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ (أَوْ) طَلَبَتْ (مَكَانَ الْكُسْوَةِ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا) مِنْ الْعُرُوضِ (لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوِضُهُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا.
(وَ) كَذَا (لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا لَوْ بَذَلَهُ) الزَّوْجُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ بَذْلِ الْخُبْزِ أَوْ الْكُسْوَةِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ أَخْذُ الْعِوَضَ (جَازَ) لِأَنَّهُ الْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا (بِخِلَافِ الطَّعَامِ) فِي الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (وَلَيْسَ هُوَ مُعَاوَضَةً حَقِيقَةً) لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِفَايَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إيجَابِ الْخُبْزِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فَرُجِّحَ بِذَلِكَ.
(وَ) إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْعِوَضِ فِي النَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ أَوْ فِيهِمَا فَ (لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ التَّرَاضِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ.
(وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ فَرْضَ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمَ مَثَلًا) إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا وَلَا يُجْبَرُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْهَدْيِ: وَأَمَّا فَرْضُ الدَّرَاهِمِ فَلَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابٍ
وَلَا سُنَّةٍ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِغَيْرِ الرِّضَا عَنْ غَيْرِ مُسْتَقَرٍّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ مَعَ عَدَمِ الشِّقَاقِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ الشِّقَاقِ وَالْحَاجَةُ كَالْغَائِبِ مَثَلًا فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
(وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ الْمَاضِي) مِنْ وَاجِبِ النَّفَقَةِ (بِرِبَوِيٍّ) لِأَنَّهُ رِبًا.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا مَنْ الدُّهْنِ) لِرَأْسِهَا (وَالسِّدْرِ وَالصَّابُونِ وَثَمَنُ مَاءَ شُرْبٍ وَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَنَابَةٍ وَنَجَاسَةٍ وَغَسْلِ ثِيَابٍ وَكَذَا الْمُشْطُ وَأُجْرَةُ الْقِيمَةِ وَنَحْوُهُ وَتَبْيِيضُ الدَّسْتِ وَقْتَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ كَتَنْظِيفِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْأَدْوِيَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَالْحَجَّامِ وَالْفَاصِدِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِإِصْلَاحِ الْجِسْمِ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَاءُ مَا يَقَعُ مِنْ الدَّارِ (وَكَذَا ثَمَنُ الطِّيبِ وَالْحِنَّاءُ وَالْخِضَابُ وَنَحْوُهُ) كَالْإِسْفِيدَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الزِّينَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الْحُلِيِّ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرِيدُ لِذَلِكَ (أَوْ قَطْعَ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْهَا) أَيْ يَلْزَمُهُ مَا يُرَادُ لِقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّرْغِيبِ (وَيَلْزَمُهَا تَرْكُ الْحِنَّاءِ وَزِينَةً نَهَاهَا عَنْهُ) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(فَإِنْ احْتَاجَتْ) الزَّوْجَةُ (إلَى مَنْ يَخْدُمُهَا لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا يَخْدُمُ نَفْسَهَا أَوْ لِمَوْضِعِهَا وَلَا خَادِمَ لَهَا لَزِمَهُ لَهَا خَادِمٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخِدْمَةُ كَمَا لَوْ أَسْكَنَهَا دَارًا بِالْأُجْرَةِ أَوْ عَارِيَّةٍ وَالْخَادِمُ وَاحِدُ الْخَدَمِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ غَيْرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ كَحَائِضٍ وَعَاتِقٍ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (أَنْ يُمَلِّكَهَا إيَّاهُ) أَيْ الْخَادِمَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ لَا التَّمْلِيكُ فَإِنْ مَلَّكَهَا إيَّاهُ فَقَدْ زَادَهَا خَيْرًا (وَلَا إخْدَامَ) عَلَيْهِ (لِرَقِيقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ جَمِيلَةً) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالزَّوْجَةِ.
(فَإِنْ طَلَبَتْ) الزَّوْجَةُ (مِنْهُ أَجْرَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ أَبَى) الزَّوْجُ ذَلِكَ (وَقَالَ أَنَا آتِيكِ بِخَادِمٍ سِوَاهُ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَى بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا) لِأَنَّهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ (وَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الزَّوْجَةِ (إمَّا امْرَأَةٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ) لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ.
(فَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ مِلْكَهَا كَانَ تَعْيِينُهُ إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الزَّوْجَيْنِ فَإِذَا رَضِيَتْ بِخِدْمَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَلَى الزَّوْجِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ كَانَ)
الْخَادِمُ (مِلْكَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتِعَارَهُ فَتَعْيِينُهُ إلَيْهِ) لِأَنَّ أُجْرَتَهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ إلَيْهِ (وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ) الْخَادِمُ (كِتَابِيَّةً) لِأَنَّهَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ لِلْمُسْلِمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (قَبُولُهَا) أَيْ الْكِتَابِيَّةَ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ (وَلَهُ تَبْدِيلُ خَادِمٍ أَلِفَتْهَا) الزَّوْجَةُ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ (وَلَا يَلْزَمُ) الزَّوْجَ (أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ) زَوْجَةً (مَرِيضَةً) بِخِلَافِ رَقِيقِهِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ.
(وَتَلْزَمُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ وَكُسْوَتِهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَيْنِ) لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَحَالُهُ حَالُ الْمُعْسِرِينَ (إلَّا فِي النَّظَافَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَهَا) أَيْ الْخَادِمِ (مَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا وَلَا مُشْطٍ وَدُهْنٍ وَسِدْرٍ لِرَأْسِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْخَادِمِ (فَإِنْ احْتَاجَتْ) الْخَادِمُ (إلَى خُفٍّ وَمِلْحَفَةٍ لِحَاجَةِ الْخُرُوجِ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (إلَّا إذَا كَانَتْ) الْخَادِمُ (بِأُجْرَةٍ أَوْ) كَانَتْ (عَارِيَّةً فَ) نَفَقَتُهَا وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ (عَلَى مُؤَجِّرٍ وَمُعِيرٍ) لِأَنَّ الْمُكْرِي لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ وَالْمُعَيَّرُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَةٌ مِلْكُهُ بِإِعَارَتِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ وَمَا زَادَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قَالَتْ) لِزَوْجِهَا (أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذ مَا يَلْزَمُكَ لِخَادِمِي لَمْ يَلْزَمْهُ) ذَلِكَ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ الْخَادِمُ إلَيْهِ (وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَنَا أَخْدُمُكِ) بِنَفْسِي (لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ) لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُهُ وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا (وَلَوْ أَرَادَتْ مِنْ الْإِخْدَامِ لَهَا أَنْ تَتَّخِذَ خَادِمًا وَتُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ) لَهَا فِيهِ وَيَلْزَمُهُ مُؤْنِسَةٌ لِحَاجَةٍ.
[فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ]
فَصْلٌ (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكُسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ أَشْبَهَ مَا قَبْل الطَّلَاقِ (إلَّا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ لِلِاسْتِمْتَاعِ (أَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] (تَأْخُذُهَا
كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ الْوَضْعِ) لِلْآيَةِ (وَلَهَا السُّكْنَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] .
(وَ) لَهَا (الْكُسْوَةُ) لِدُخُولِهَا فِي النَّفَقَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ دُونَهَا مُتَعَذِّرٌ فَوَجَبَ كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الْبَائِنُ (حَامِلًا فَلَا شَيْءَ لَهَا) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ " وَلَا سُكْنَى.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُنْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا فَكَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحُمَيْدِيُّ وَقَوْلُ عُمَرَ بِوُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ.
(فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ (سَوَاءٌ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَعَكْسُهَا) بِأَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا (يَرْجِعُ عَلَيْهَا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) بَائِنٌ (أَنَّهَا حَامِلٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا) مُبِينُهَا (ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ) مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَنٍ ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْهُ بِنَظِيرِ مَا أَنْفَقَ الثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يَبِنْ) حَمْلُهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا، إلَّا إنْ ظَهَرَ بَرَاءَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثَةِ أَشْهُرٍ (بِحَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْطَعُ النَّفَقَةَ) عَنْهَا لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْحَمْلِ (سَوَاءٌ دُفِعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِغَيْرٍ شَرَطَ أَنَّهَا نَفَقَةٌ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ) ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَتَبَيَّنُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَقَرِينَةُ الْحَالِ دَالَّةٌ أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ الْحَمْلَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا (وَيَرْجِعُ فِي) قَدْرِ (مُدَّةِ الْعِدَّةِ إلَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
(وَلَا يُرْجَعُ بِالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا تَبَيَّنَ فَسَادُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ مُفَرِّطٌ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ) بِلَا إذْنِهَا لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ عَلَى الْمُبِينِ (لِلْحَمْلِ لَا لَهَا) أَيْ الْبَائِنُ (مِنْ أَجْلِهِ) أَيْ الْحَمْلِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ (وَتَسْتَحِقُّ) الْبَائِنُ (قَبْضَهَا) أَيْ النَّفَقَةَ (وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا) وَكَذَلِكَ صَحَّتْ مُخَالَعَتُهَا عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (عَلَى زَوْجٍ لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ حَامِلٍ وَلِمُلَاعَنَةٍ حَامِلٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ (وَلَوْ نَفَاهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِهِ) مَا دَامَ حَمْلًا (فَإِنْ
نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ، فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ (فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ) لِمُلَاعِنٍ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَ (رَجَعْت عَلَيْهِ الْأُمُّ بِمَا أَنْفَقَتْهُ، وَبِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ وَالرَّضَاعِ سَوَاءٌ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْهُ ثُمَّ عَلِمَهُ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِحَامِلٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ عَلَى الْوَاطِئِ) لِأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِ وَالنَّفَقَةُ لَهُ.
(وَ) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِمِلْكِ يَمِينٍ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَوْ عَتَقَهَا) وَهِيَ حَامِلٌ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ.
(وَ) تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ مَيِّتٍ عَلَى وَارِث زَوْجٍ مَيِّتٍ لِلْقُرْبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَمْلِ مَالُ.
(وَ) تَجِبُ (مِنْ مَالِ حَمْلِ مُوسِرٍ فَتَسْقُطُ عَنْ أَبِيهِ) وَعَنْ وَارِثِهِ لِأَنَّ الْمُوسِرَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ تَلِفَتْ) النَّفَقَةُ بِيَدِ حَامِلٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِنْهَا (وَجَبَ) عَلَى مَنْ قُلْنَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ حَمْلِهَا (بَدَلَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ الْحَمْلِ (عَلَى زَوْجٍ رَقِيقٍ وَلَا مُعْسِرٍ وَلَا غَائِبٍ) لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ (فَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ (مَا لَمْ تَسْتَأْذِنْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ تُنْفِقْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَمْلِ لِكَوْنِهَا قَامَتْ عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ الْحَمْل (عَلَى مَنْ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْحَمْلِ كَزَانٍ) لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ (وَلَا تَجِب نَفَقَةُ الْحَمْلِ عَلَى وَارِثِ) الْحَمْلِ (مَعَ عُسْرِ زَوْجٍ لَاحِقٍ بِهِ الْحَمْلُ) لِحَجْبِهِمْ بِهِ قَلَّتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ يَسَارِهِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ (وَلَا تَجِبُ فِطْرَةُ حَامِلٍ مُطَلَّقَةٍ) وَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا لِلْحَمْلِ وَفِطْرَتُهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، بَلْ تُسْتَحَبُّ.
(وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ لَهَا) بَلْ لِلْحَمْلِ فَلَا تَعَارُضَ لَهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامُ الشِّيرَازِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ: يَصِحُّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْخُلْعِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا لِأَنَّهَا الَّتِي قَبَضَتْهَا وَتَسْتَحِقُّهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْمَالِكَةُ لَهَا وَبَعْد الْوِلَادَةِ هِيَ أُجْرَةُ رَضَاعِهَا وَهِيَ الْآخِذَةُ لَهَا.
(وَلَوْ وُطِئَتْ الرَّجْعِيَّةُ بِشُبْهَةٍ أَوْ) وُطِئَتْ (بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّوْجِ وَ) مِنْ (الْوَطْءِ) بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ (فَعَلَيْهِمَا) أَيْ الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ (الْأُجْرَةُ حَتَّى تَضَعَ وَ) عَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ (بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَبُ مِنْهُمَا) وَيَتَمَيَّزَ (وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ الْحَمْلِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَيْ الزَّوْجِ أَوْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ (رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ (بِمَا أَنْفَقَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ شَيْئًا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الدَّافِعِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ
تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ فَحَمَلَتْ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَاطِئِ إنْ وَجَبَتْ لِلْحَمْلِ وَلَهَا عَلَى الْأَصَحِّ إنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً تَظُنُّهُ زَوْجَهَا فَلَا.
(وَلَا نَفَقَةَ مِنْ التَّرِكَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ) كَانَتْ (حَامِلًا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ تَجِبُ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ فَاتَ (وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ) فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ فِي حَمْلِ أُمِّ الْوَلَدِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ؟ وَيُجَابُ: بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ يَشْهَدُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مُورَثِهِ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ حَيًّا يَتَبَيَّنُ بِهِ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَا سِيَّمَا وَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّهِ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ كَمَا يُتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ.
(وَلَا) نَفَقَةَ (لِأُمِّ وَلَدٍ حَامِلٍ وَيُنْفِقُ) عَلَيْهَا (مِنْ مَالِ حَمْلِهَا نَصًّا) كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا سَبَقَ (وَلَا سُكْنَى لَهُمَا) أَيْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ حَامِلًا وَأُمِّ الْوَلَدِ الْحَامِلِ (وَلَا كُسْوَة) لِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَةِ.
وَفِي الْمُغْنِي فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إنْ مَاتَ وَهِيَ فِي مَسْكَنِهِ قُدِّمَتْ بِهِ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 234] الْآيَةَ لِنَسْخِ بَعْضِ الْمُدَّةِ وَبَقِيَ مَا فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ السُّكْنَى لِلْفُرَيْعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَسْكُنَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَقِصَّةُ فُرَيْعَةَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ.
(وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ كَعَدَمِهِ (لِغَيْرِ حَامِلٍ) فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَالنَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ.
(وَلَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ غَيْرِ حَامِلٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي نَظِيرِ تَمْكِينِهَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالنَّاشِزُ غَيْرُ مُمَكَّنَةٌ (فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ) أَيْ النَّاشِزِ (أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ أَوْ الْمُرْضِعَةَ) لَهُ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَيْسَتْ فِي نَظِيرِ التَّمْكِينِ بَلْ لِلْقَرَابَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ نُشُوزِ أُمِّهِ (وَيُعْطِيهَا أَيْضًا أُجْرَةَ رَضَاعِهَا إنْ طَالَبَتْ بِهَا) وَإِنْ كَانَتْ فِي حِبَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَالنَّاشِزُ الْعَاصِيَةُ لِزَوْجِهَا (فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ أَوْ) مِنْ (الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا أَوْ خَرَجَتْ) مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (أَوْ سَافَرَتْ أَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ إذَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَلَدَهَا فَهِيَ نَاشِزٌ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ دَفْعُ الْقُوتِ إلَى الزَّوْجَةِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (دَفْعُ الْقُوتِ) أَيْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ (إلَى الزَّوْجَةِ) لَا بُدَّ لَهُ وَلَا حَبَّ إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ (فِي صَدْرِ كُلِّ نَهَارٍ وَذَلِكَ إذَا طَلَعْتُ الشَّمْسُ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ (فَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى تَأْخِيرِهِ) أَيْ الْقُوتِ عَنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ (أَوْ) عَلَى (تَعْجِيلِهِ لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا كَالدَّيْنِ وَتَمْلِكُهُ بِقَبْضِهِ قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ لَا يَلْزَمُهُ تَمْلِيكٌ يُنْفِقُ وَيَكْسُو بِحَسَبِ الْعَادَةِ انْتَهَى) .
(وَلَوْ أَكَلَتْ) الزَّوْجَةُ (مَعَ زَوْجِهَا عَادَةً سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَكَذَا إنْ كَسَاهَا) الزَّوْجُ (بِدُونِ إذْنِهَا وَ) بِدُونِ (إذْنِ وَلِيِّهَا) إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا عَمَلًا بِالْعَادَةِ (وَنَوَى أَنْ يَعْتَدَّ لَهَا) أَيْ بِالنَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ سَقَطَتْ عَنْهُ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(وَإِنْ رَضِيَتْ) الزَّوْجَةُ (بِالْحَبِّ لَزِمَهُ أُجْرَةُ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ.
(فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْبَابِ) .
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَيَلْزَم الدَّفْع) لِلْكُسْوَةِ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ الْعَامِ (لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْوُجُوبِ) وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ كُسْوَةٌ وَفِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ كُسْوَةٌ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْوَاضِحِ بِقَوْلِهِ كُلَّ نِصْفِ سَنَةٍ (وَتَمْلِكُهَا) أَيْ الْكُسْوَةَ بِالْقَبْضِ (مَعَ نَفَقَةٍ) أَيْ وَتَمْلِكُ النَّفَقَةَ أَيْضًا (بِالْقَبْضِ) كَمَا يَمْلِكُ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ بِقَبْضِهِ (وَغِطَاءٌ وَوِطَاءٌ وَنَحْوِهِمَا) كَسِتَارَةٍ (كَكُسْوَةٍ) فَيَجِبُ كُلَّ عَامٍ وَتَمْلِكُهُ بِقَبْضِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ أَنَّهُ كَمَاعُونِ الدَّارِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (وَلَا تَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (الْمَسْكَنَ وَأَوْعِيَةَ الطَّعَامِ وَالْمَاعُونَ وَالْمُشْطَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ إمْتَاعٌ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ أَكَلَتْ) الزَّوْجَةُ (مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَادَةً أَوْ كَسَاهَا بِلَا إذْنٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلَيِّهَا وَلَمْ يَتَبَرَّعْ سَقَطَتْ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إنْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ التَّبَرُّعِ فَ (الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ.
(فَإِذَا قَبَضَتْهَا) أَيْ النَّفَقَةَ أَوْ الْكُسْوَةَ (فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ أَوْ بَلِيَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا) لِأَنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا فَلَمْ
يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ كَالدَّيْنِ إذَا وَفَّاهَا إيَّاهُ ثُمَّ ضَاعَ مِنْهَا لَكِنْ لَوْ بَلِيَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا لَزِمَهُ بَدَلهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كُسْوَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْلَى فِيهِ عَادَةً وَإِنَّمَا بَلِيَتْ قَبْلَهُ لِكَثْرَةِ خُرُوجِهَا وَدُخُولِهَا فَلَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْهَا وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ وَلَمْ تَبْلَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ لِلْكُسْوَةِ وَالثَّانِي: بَلَى لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَهِيَ) أَيْ الْكُسْوَةُ (صَحِيحَةٌ فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ بَقَائِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ (وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيَّ السَّنَةِ (أَوْ مَاتَتْ أَوْ بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ) رَجَعَ بِقِسْطِهِ (أَوْ تَسَلَّفَتْ) أَيْ تَعَجَّلَتْ (النَّفَقَةَ أَوْ الْكُسْوَةَ فَحَصَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ أَوْ بَانَتْ (قَبْلَ مُضِيِّهَا) أَيْ مُضِّي الْمُدَّةِ الَّتِي تَسَلَّفَتْ نَفَقَتَهَا أَوْ كِسْوَتَهَا (رَجَعَ بِقِسْطِهِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
(لَكِنْ لَا يَرْجِعُ) مَنْ عَجَّلَ نَفَقَةً ثُمَّ سَقَطَتْ (بِبَقِيَّةِ يُومِ الْفُرْقَةِ إلَّا عَلَى نَاشِزٍ) لِأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ لَا تُعْطِيَهُ شَيْئًا بِأَنْ تَرْجِعَ إلَى الطَّاعَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَعَادَهَا أَيْ غَيْرُ نَاشِزٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَةٌ ثَانِيًا.
(وَإِذْ قَبَضَتْ) الزَّوْجَةُ (النَّفَقَةَ) أَوْ الْكُسْوَةَ (فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يَنْهَكُ) بِفَتْحِ الْهَاء أَيْ يُجْهِدُ (بَدَنُهَا) لِأَنَّهَا مَلَكَتْهَا بِالْقَبْضِ (فَيَجُوزُ لَهَا بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَالصَّدَقَةُ بِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ) التَّصَرُّفُ (عَلَيْهَا بِضَرَرٍ فِي بَدَنِهَا أَوْ نَقْصٍ فِي اسْتِمْتَاعِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِذَلِكَ (فَإِذْ دَفَعَ إلَيْهَا الْكُسْوَةَ فَأَرَادَتْ بَيْعَهَا أَوْ الصَّدَقَةَ بِهَا وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا أَوْ يُخِلُّ بِتَحَمُّلِهَا بِهَا أَوْ) يُخِلُّ (بِسُتْرَتِهَا لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الزَّوْجِ أَوْ حَقِّ اللَّهِ.
(وَلَوْ أَهْدَى لَهَا كُسْوَةً لَمْ تَسْقُطْ كُسْوَتُهَا) كَمَا لَوْ أَهْدَى الْمَدِينُ الرَّبَّ شَيْئًا لَمْ يَسْقُطْ دَيْنُهُ بِهِ (وَلَوْ أَهْدَى لَهَا طَعَامًا فَأَكَلَتْهُ وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ لَمْ يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ لَا بِحَقِيقَةِ الْحَاجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ لِأَنَّهَا امْتِنَاعٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
(وَإِنْ غَابَ) الزَّوْجُ (مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى سَوَاءٌ تَرَكَهَا) أَيْ النَّفَقَةَ (لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرَضَهَا حَاكِمٌ أَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا) حَاكِمٌ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعِوَضِ فَرَجَعْت بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إلَّا بِمِثْلِهَا وَالْكُسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
(وَإِذَا أَنْفَقَتْ) الزَّوْجَةُ (فِي غَيْبَتِهِ مِنْ مَالِهِ فَبَانَ) الزَّوْجُ (مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ) بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ، لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ ارْتَفَعَ بِمَوْتِ الزَّوْجِ فَلَا تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ أَوْ رَجَعَ وَالْمَانِحِ وَأَهْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ فَارَقَهَا) الزَّوْجُ بَائِنًا (فِي غَيْبَتِهِ فَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ) الثَّانِيَةِ لِمَا سَبَقَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي الْعِدَدِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إذَا أَنْفَقَتْ) مِنْ مَالِهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَإِذَا بَذَلَتْ الزَّوْجَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا]
(فَصْلٌ وَإِذَا بَذَلَتْ) الزَّوْجَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا (الْبَذْلُ التَّامُّ) بِأَنْ لَا تُسَلِّمَ فِي مَكَان دُونَ آخَر أَوْ بَلَدٍ دُونَ آخَر بَلْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ شَاءَ مِمَّا يَلِيقُ بِهَا (وَهِيَ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا) كَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلِ وَالْمُوَفَّقِ وَالشِّيرَازِيِّ وَأَنَاطَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِابْنَةِ تِسْعَ سِنِينَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ مَتَى يُؤْخَذُ مِنْ الرَّجُلِ نَفَقَةُ الصَّغِيرَةِ فَقَالَ إذَا كَانَ مِثْلهَا يُوطَأُ كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى هَذَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ.
(أَوْ بَذَلَهُ) أَيْ التَّسْلِيمَ (وَلِيُّهَا أَوْ اسْتَلَمَ مَنْ يَلْزَمُهُ تَسَلُّمِهَا) وَهِيَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ كَبِيرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ صَغِيرًا) وَسَوَاءٌ كَانَ (يُمْكِنُهُ الْوَطْءَ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ كَالْعِنِّينِ وَالْمَجْبُوبِ وَالْمَرِيضِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ ذَلِكَ كَالْمُؤَجَّرِ إذَا أَسْلَمَ الْمُؤَجَّرَةَ أَوْ بَذَلَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَلَوْ تَسَاكَنَا طَوِيلًا وَيَأْتِي مَا لَمْ تَبْذُلْ وَتُسَلِّمْ فَتَجِبُ (حَتَّى وَلَا تَعَذَّرَ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ رَتْقٍ أَوْ قَرْنٍ أَوْ لِكَوْنِهَا نِضْوَةَ الْخَلْقِ) أَيْ هَزِيلَةً (أَوْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَرَضِ أَوْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ أَوْ الرَّتْقِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَهُ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا وَلَوْ بَذَلَتْ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا.
(لَكِنْ لَوْ
امْتَنَعَتْ مِنْ التَّسْلِيمِ) وَهِيَ صَحِيحَةٌ (ثُمَّ حَدَثَ لَهَا مَرَضٌ فَبَذَلَتْهُ) أَيْ التَّسْلِيمَ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا مَا دَامَتْ مَرِيضَةً عُقُوبَةً عَلَيْهَا بِمَنْعِهَا نَفْسِهَا فِي حَالَةِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِيهَا وَبَذْلِهَا فِي ضِدِّهَا (وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ إذَا ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ) وَعَظْمِهِ أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا أَوْ قُرُوحٍ بِهِ قُبِلَ بِامْرَأَةٍ ثِقَةٍ.
(فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا) فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ كَالْكَبِيرِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ أَشْبَهَ الْكَبِيرَ إذَا هَرَبَ أَوْ (أَجْبَرَ وَلِيَّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ) وَالْوَلِيُّ يَنُوبُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ كَالزَّكَاةِ وَكَذَا السَّفِيهُ وَالْمَجْنُونُ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَزَوْجُهَا طِفْلٌ أَوْ بَالِغٌ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا وَلَوْ مَعَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا) أَوْ بِتَسْلِيمِ وَلِيِّهَا لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحِلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَا أَثَرَ لِتَسْلِيمِهَا قُلْتُ لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا يُوطَأ مِثْلُهَا أَرَادَ تَسْلِيمَهَا مُضَارَّةً لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ.
(وَإِنْ بَذَلَتْ) زَوْجَةٌ أَوْ بَذَلَ وَلِيُّهَا (تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) النَّفَقَةَ (حَتَّى يُرَاسَلَهُ حَاكِمُ الشَّرْعِ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنْهُ التَّسْلِيمُ فِيهِ (فَيَكْتُبُ) الْقَاضِي (إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ زَوْجَتَهُ بَذَلَتْ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا (فَإِنْ سَارَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَتَسَلَّمَهَا) لَهُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَحْرَمِهَا (فَوَصَلَ فَتَسَلَّمَهَا هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ) حِينَئِذٍ، لِأَنَّ الْبَذْلَ قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الزَّوْجُ أَيْ: لَمْ يَحْضُرْ أَوْ لَمْ يُوَكِّلْ مِنْ يَتَسَلَّمُهَا (فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا) لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَبَذْلِهَا لَهُ فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (بَعْدَ تَمْكِينِهَا) مِنْ نَفْسِهَا (فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي غِيبَتِهِ) سَوَاءٌ سَلَّمَهَا أَوْ لَا إذْ الْمَانِعُ مِنْهُ.
(وَإِنْ مَنَعَتْ) الزَّوْجَةُ (تَسْلِيمَ نَفْسِهَا) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ مَنَعَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (أَهْلُهَا) مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ تَسَاكَنَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بَعْد الْعَقْدِ فَلَمْ تَبْذُلْ) الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا (وَلَمْ يَطْلُبْ) الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ طَالَ مُقَامُهَا عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّ الْبَذْلَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَإِنْ بَذَلَتْ) نَفْسَهَا (تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ كَتَسْلِيمِهَا فِي مَنْزِلهَا) دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَنَازِلِ (أَوْ) تَسْلِيمِهَا (فِي الْمَنْزِلِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ) تَسْلِيمِهَا (فِي بَلَدِهَا) أَوْ بَلَدِ كَذَا (دُونَ غَيْرِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ) لِأَنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ كَعَدَمِهِ.
(وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا
قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ ثُمَّ لَا تُسَلِّمُ صَدَاقَهَا فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ (وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا) لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَالَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِمَرَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ لِمَرَضِهَا، لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَتِهَا فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِهَا.
(وَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَهُ) أَيْ حَالَ الصَّدَاقِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْهُ (وَلَا) لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (حَتَّى تَقْبِضَ) الصَّدَاقَ (الْمُؤَجَّلَ) لِأَنَّ قَبْضَهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَيَكُونُ مَنْعُهَا لِلتَّسْلِيمِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ فَلَمْ تَجِبُ حَتَّى (وَلَوْ حَلَّ قَبْلَ الدُّخُولِ) لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا حَيْثُ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا مَنْعُهَا (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِعَدَمِ التَّمْكِينِ بِلَا عُذْرٍ مِنْ قِبَلِهِ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الزَّوْجَةَ (الْأَمَةَ) لِزَوْجِهَا (سَيِّدُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَكَحُرَّةٍ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ) عَلَى زَوْجِهَا الْحُرِّ (وَلَوْ أَبَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ سَيِّدَهَا مُكِّنَ مِنْهَا فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ) .
(وَإِنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ (عِنْدَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (لَيْلًا فَقَطْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ اللَّيْلِ مِنْ الْعَشَاءِ وَتَوَابِعِهِ كَالْوِطَاءِ وَالْغِطَاءِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَنَحْوِهِ) كَإِزَارِ النَّوْمِ (وَنَفَقَةُ النَّهَارِ عَلَى سَيِّدِهَا) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي حَقِّهِ التَّمْكِينَ لَيْلًا فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ سَلَّمَهَا السَّيِّدُ) لِلزَّوْجِ (نَهَارًا فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ، إذْ النَّهَارُ مَحِلُّ الْمَعَاشِ وَاللَّيْلُ مَحِلُّ السَّكَنِ قُلْتُ إلَّا مَنْ مَعِيشَتُهُ بِلَيْلٍ كَأَنْ يَكُونَ حَارِسًا.
(وَعَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَهُ أَشْبَهَ الْحُرَّ (وَنَفَقَةُ امْرَأَةِ الْعَبْدِ الْقِنِّ) أَوْ الْمُدَبَّرِ (عَلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِهَا كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (حُرًّا فَعَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (بِقَدَرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ) كَنَفَقَتِهِ.
[فَصْلٌ وَإِذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا]
(فَصْلٌ وَإِذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ وَقَدْ زَالَ بِخِلَافِ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (أَوْ سَافَرَتْ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا نَاشِزٌ (أَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِنُشُوزِهَا (وَإِنْ) أَيْ وَلَوْ (كَانَ) خُرُوجُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ (فِي غَيْبَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِحَجٍّ أَوْ) تَطَوَّعَتْ (بِصَوْمٍ مَنَعَتْهُ فِيهِ نَفْسَهَا أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ لِلزَّوْجِ فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَقَالَ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْهُ) أَيْ الْوَطْءِ (دُونَ بَقِيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ) كَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ (أَوْ لَمْ تَبِتْ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُسْلِمْ نَفْسَهَا التَّسْلِيمَ التَّامَّ (أَوْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ) بِأَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ إنْ طَاوَعَتْ إلَّا إنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا نَاشِزٌ (وَسَوَاءٌ فِيهِ) أَيْ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (الْبَالِغَةُ وَالْمُرَاهِقَةُ وَالْعَاقِلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى رَدِّهَا إلَى الطَّاعَةِ أَمْ لَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ سَقَطَتْ.
(فَإِنْ أَطَاعَتْ النَّاشِزُ فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَمْ تَعْدُ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ) إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّسْلِيمُ فِي غِيبَتِهِمَا (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الزَّوْجُ وَلَا وَكِيلُهُ (وَرُوسِلَ) أَيْ رَاسَلَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ كَتَبَ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ يُعْلِمُهُ بِطَاعَتِهَا (فَعَلِمَ بِذَلِكَ وَمَضَى زَمَنٌ يَقْدَمُ فِي مِثْلِهِ لَزِمَتْهُ) النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا ابْتِدَاءً.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (تَفْطِيرُهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَوَطْؤُهَا فِيهِ) لِأَنَّ حَقَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) الصَّائِمَةُ تَطَوُّعًا مِنْ تَمْكِينِ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا (فَنَاشِزٌ) لَا نَفَقَةَ لَهَا لِمَعْصِيَتِهَا إيَّاهُ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهَا.
(وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ مُرْتَدَّةٍ) فِي غَيْبَتِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ تَعُودُ نَفَقَتُهَا.
(وَ) بِمُجَرَّدِ إسْلَامِ (مُتَخَلِّفَةٍ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَزِمَتْ النَّفَقَةُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ وَتَخَلُّفَهَا عَنْ الْإِسْلَامِ أَسْقَطَ النَّفَقَةَ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَسُقُوطِهَا بِالطَّلَاقِ فَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ عَادَ النِّكَاحُ إلَى حَالِهِ فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ النَّاشِزِ فَإِنَّ سُقُوطَ نَفَقَتِهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ
عَلَيْهَا، وَلَا يَعُودُ ذَلِكَ إلَّا بِعَوْدِهَا إلَى يَدِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْلِ.
(وَيَشْطُرُ) النَّفَقَةَ (لِنَاشِزٍ لَيْلًا فَقَطْ) أَنْ تُطِيعَهُ نَهَارًا وَتَمْنَعَهُ لَيْلًا (أَوْ) نَاشِزٍ (نَهَارًا فَقَطْ بِ) أَنْ تُطِيعَهُ لَيْلًا وَتَمْتَنِعَ مِنْهُ نَهَارًا أَيْ تُعْطَى نِصْفَ النَّفَقَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَ (لَا) تُعْطَى مِنْ النَّفَقَةِ (بِقَدْرِ الْأَزْمِنَةِ) لِعُسْرِ التَّقْدِيرِ بِالْأَزْمِنَةِ (وَيَشْطُرُ لَهَا) النَّفَقَةَ أَيْضًا إذَا نَشَزَتْ (بَعْضَ يَوْمٍ) أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ صَامَتْ لِكَفَّارَةٍ) بِلَا إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ) صَامَتْ لِنَذْرٍ (أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّذْرِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ (بِلَا إذْنِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا عَنْهُ بِسَبَبٍ لَا مِنْ جِهَتِهِ (أَوْ سَافَرَتْ لِتَغْرِيبٍ) بِأَنْ زَنَتْ فَغُرِّبَتْ (أَوْ حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْمًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) زَمَنَ تَغْرِيبِهَا، أَوْ حَبْسِهَا لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ الْمُقَابِلِ لِلنَّفَقَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْبَيْتُوتَةُ مَعَهَا فِي حَبْسِهَا) لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الْبَيْتُوتَةِ مَعَهَا فَلَا يَسْقُطُ بِحَبْسِهَا.
(وَإِنْ حَبَسَتْهُ) أَيْ الزَّوْجَ (عَلَى صَدَاقِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ كَانَتْ ظَالِمَةً مَانِعَةً لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ حَبْسِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ) أَيْ أَدَاءِ مَا حَبَسَتْهُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهَا (لِمَنْعِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ فَلَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ إذَا كَانَتْ بَاذِلَةً لِلتَّمْكِينِ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا.
(وَإِنْ سَافَرَتْ) الزَّوْجَةُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (فِي حَاجَتِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ (أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ أَوْ أَحْرَمَتْ بِمَكْتُوبَةٍ فِي وَقْتِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَكَانَ كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَكَذَا سُنَنُ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا (أَوْ طَرَدَهَا) الزَّوْجُ (وَأَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِوُجُودِ التَّمْكِينِ مِنْهَا وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُ وَمَحَلُّ وُجُوبِ النَّفَقَةِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ (إنْ أَحْرَمَتْ فِي الْوَقْتِ) أَيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ قَدَّمَتْ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ فَكَالْمُحْرِمَةِ بِتَطَوُّعٍ فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا مُدَّةَ التَّقْدِيمِ.
(وَإِنْ سَافَرْتِ) الزَّوْجَةُ (فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا أَوْ لَوْ لِنُزْهَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةِ) رَحِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ) أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ (وَلَوْ بِإِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ التَّمْكِينَ لِأَجْلِ نَفْسِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا فَلَا تَسْقُطُ) نَفَقَتُهَا، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا هُنَا، يَعْنِي إذَا سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِحَالٍ، وَعَزَى الْأَوَّلَ لِلْقَاضِي.
(وَإِنْ أَحْرَمَتْ) الزَّوْجَةُ (بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ) أَوْ صَامَتْ نَذْرًا مُعَيَّنًا فِي