صفحات 84-123
(لَا تَخْرُجُ) الْخَشَبَةُ (إلَّا بِنَقْضِهِ وَجَبَ نَقْضُهُ) أَيْ الْبَابِ، لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الرَّدِّ.
(وَرَدَّ الْفَصِيلَ وَالْخَشَبَةَ) لِرَبِّهِمَا وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِمَا لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ (وَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ) أَيْ الْفَصِيلِ (فِي الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِهَا) بِأَنْ دَخَلَ الْفَصِيلُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ رَبُّهُ (نَقَضَ الْبَاب، وَضَمَانُهُ عَلَى صَاحِبِ الْفَصِيلِ) لِأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ مَالِهِ فَيَغْرَمُ مَالِكُهُ أَرْشَ نَقْضِ الْبِنَاءِ وَإِصْلَاحِهِ.
(وَأَمَّا الْخَشَبَةُ) إذَا حَصَلَتْ فِي الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِ صَاحِبِهَا (فَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ نَقْضِ الْبَابِ) بِأَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهَا بِالْكَسْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ (فَكَالْفَصِيلِ) فَيُنْقَضُ الْبَابُ، وَيَغْرَمُ صَاحِبُهَا أَرْشَ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) كَسْرُهَا (أَقَلَّ) ضَرَرًا (كُسِرَتْ) وَلَا شَيْءَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ (وَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَصِيلِ أَوْ الْخَشَبَةِ (فِي الدَّارِ بِعُدْوَانٍ مِنْ صَاحِبِهِ، كَمَنْ غَصَبَ دَارًا، وَأَدْخَلَهَا فَصِيلًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ تَعَدَّى عَلَى إنْسَانٍ، فَأَدْخَلَ دَارِهِ فَرَسًا وَنَحْوَهَا) بِغَيْرِ إذْنِهِ (كُسِرَتْ الْخَشَبَةُ، وَذُبِحَ الْحَيَوَانُ) الْمَأْكُولُ.
(وَإِنْ زَادَ ضَرَرُهُ عَلَى نَقْضِ الْبِنَاءِ) لِأَنَّ رَبَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِعُدْوَانِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنْ ذَوَاتِ التَّرْكِيبِ كَالتَّوَابِيتِ وَالْأَسِرَّةِ فَكَذَلِكَ إنْ فَرَّطَ مَالِكُ الدَّارِ نُقِضَ الْبَابُ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ.
وَإِنْ فَرَّطَ مَالِكُهُ فُكَّكَ التَّرْكِيبُ (وَإِنْ بَاعَ) إنْسَانٌ (دَارًا وَفِيهَا مَا يَعْسُرُ إخْرَاجَهُ كَخَوَابٍ) غَيْرِ مَدْفُونَةٍ (وَخَزَائِنَ) غَيْرِ مَسْمُورَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ: أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَّصِلَ بِهَا (حَيَوَانٍ وَكَانَ نَقْضُ الْبَابِ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ أَوْ) مِنْ (تَفْصِيلِهِ) أَيْ مَا يَتَأَتَّى تَفْصِيلُهُ كَخَزَائِنٍ.
(وَ) مَنْ (ذَبَحَ الْحَيَوَانَ) الْمَأْكُولَ (نَقَضَ) الْبَابَ (وَكَانَ) أَرْشُ نَقْضِهِ وَ (إصْلَاحِهِ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ وَكَذَا لَوْ بَاعَ دَارًا وَلَهُ فِيهَا أَسِرَّةٌ وَتَعَذَّرَ الْإِخْرَاجُ وَالتَّفْكِيكُ.
(وَإِنْ كَانَ) نَقْضُ الْبَابِ (أَكْثَرَ ضَرَرًا) مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ وَمِنْ تَفْصِيلِهِ، وَذَبْحِ الْحَيَوَانِ (لَمْ يُنْقَضْ) الْبَابُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ (وَيَصْطَلِحَانِ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ مُشْتَرِي الدَّارِ وَغَيْرَ ذَلِكَ) بِأَنْ يَهَبَهُ لَهُ الْبَائِعُ وَنَحْوَهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُوَفَّقِ وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ: بِنَقْضِ الْبَابِ وَعَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُ النَّقْضِ.
(وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَعَ بِهِ سَفِينَةً لَمْ يُقْلَعْ وَهِيَ) أَيْ السَّفِينَةُ (فِي اللُّجَّةِ حَتَّى تَخْرُجَ) السَّفِينَةُ (مِنْهَا) أَيْ اللُّجَّةِ (وَتَرْسًا إنْ خِيفَ عَلَيْهَا) الْغَرَقُ (بِقَلْعِهِ) لِأَنَّ فِي قَلْعِهِ إفْسَادًا لِمَالِ الْغَيْرِ، مَعَ إمْكَانِ رَدِّ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ زَمَنٍ يَسِيرٍ بِدُونِهِ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا مَالُ الْغَاصِبِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذُو رُوحٍ مُحْتَرَمٍ) خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدَّ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَالُ غَيْرِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (أُجْرَتُهُ) أَيْ اللَّوْحِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى رَدِّهِ، لِذَهَابِ مَنَافِعِهِ بِيَدِهِ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ.
(وَإِنْ كَانَ اللَّوْحُ فِي أَعْلَاهَا) أَيْ السَّفِينَةِ بِحَيْثُ (لَا تَغْرَقُ بِقَلْعِهِ لَزِمَهُ قَلْعُهُ) وَرَدُّهُ لِرَبِّهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِالسَّاحِلِ (وَلِصَاحِبِ اللَّوْحِ طَلَبُ قِيمَتِهِ حَيْثُ تَأَخَّرَ الْقَلْعُ) لِكَوْنِهَا فِي اللُّجَّةِ وَخِيفَ غَرَقُهَا لِلْحَيْلُولَةِ (فَإِذَا أَمْكَنَ رَدُّ اللَّوْحِ) إلَى رَبِّهِ (اسْتَرْجَعَهُ وَرَدَّ الْقِيمَةَ) لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ وَعَلَى الْغَاصِبِ الْأُجْرَةُ إلَى حِينِ بَذْلِهِ الْقِيمَةِ فَقَطْ وَلَا يَمْلِكُهُ بِبَذْلِهَا بَلْ يَمْلِكُهَا رَبُّهُ.
(وَإِنْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَخِيفَ مِنْ قَلْعِهِ) أَيْ الْخَيْطِ (ضَرَرُ آدَمِيٍّ) لَمْ يُقْلَعْ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ (أَوْ) خِيفَ مِنْ قَلْعِهِ (تَلَفُ غَيْرِهِ) الْآدَمِيِّ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (قِيمَتُهُ) أَيْ الْخَيْطِ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ فَوَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَلْعُ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ وَكَذَا لَوْ شَدَّ بِالْمَغْصُوبِ جُرْحًا يَثْغَبُ دَمُهُ، أَوْ جَبَّرَ بِهِ نَحْوَ سَاقٍ مَكْسُورٍ.
(وَغَيْرُ الْمُحْتَرَمِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْخِنْزِيرِ) فَإِذَا خَاطَ جُرْحَ ذَلِكَ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ وَجَبَ رَدُّهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتُ ذِي حُرْمَةٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَيَوَانُ (مَأْكُولًا) وَخَاطَ جُرْحَهُ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ مِلْكٌ (لِلْغَاصِبِ ذُبِحَ) الْحَيَوَانُ وَلَوْ نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْخَيْطِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِأَكْلٍ، كَالْخَيْلِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (رَدُّهُ) أَيْ الْخَيْطِ لِرَبِّهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّهِ بِذَبْحِ الْحَيَوَانِ وَالِانْتِفَاعِ بِلَحْمِهِ وَلَا أَثَرَ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ (وَإِنْ كَانَ) الْحَيَوَانُ الَّذِي خِيطَ جُرْحُهُ مُحْتَرَمًا (غَيْرَ مَأْكُولٍ رَدَّ) الْغَاصِبُ (قِيمَةَ الْخَيْطِ) لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيَوَانِ آكَدُ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ) الَّذِي خِيطَ جُرْحُهُ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (رَدُّهُ) أَيْ الْخَيْطِ لِرَبِّهِ لِزَوَالِ حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَيَرُدُّ الْقِيمَةَ) أَيْ قِيمَةَ الْخَيْطِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا.
(وَإِنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْخَيْطِ) الَّذِي خَاطَ بِهِ جُرْحَهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَلَوْ ابْتَلَعَتْ شَاتُه) أَيْ شَاةُ إنْسَانٍ (وَنَحْوُهَا) أَيْ الشَّاةِ مِنْ كُلّ مَا يُؤْكَلُ (جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرِ مَغْصُوبَةٍ وَتَوَقَّفَ إخْرَاجُهَا) أَيْ الْجَوْهَرَةِ (عَلَى ذَبْحِهَا) أَيْ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا (ذُبِحَتْ) بِقَيْدِ كَوْنِ الذَّبْحِ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِهَا.
(قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَاخْتَارَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الْقَيْدِ) لِكَوْنِ الذَّبْحِ أَقَلَّ ضَرَرًا عَلَى مَا مَرَّ فِي مِثْلِهِ
وَعَلَى مَالِكِ الْجَوْهَرَةِ ضَمَانُ نَقْصِ الذَّبْحِ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ مَالِكُ الشَّاةِ بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ) مِمَّا نَقَصَهُ الذَّبْحَ (لِتَفْرِيطِهِ) .
(وَلَوْ أَدْخَلَتْ الْبَهِيمَةُ رَأْسَهَا فِي قِدْرٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ) أَيْ الرَّأْسِ (إلَّا بِذَبْحِهَا وَهِيَ) أَيْ الْبَهِيمَةُ (مَأْكُولَةٌ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: (إنْ كَانَ) دُخُولُ رَأْسِهَا (لَا بِتَفْرِيطٍ مِنْ أَحَدٍ كُسِرَ الْقِدْرُ) لِرَدِّ مَا حَصَلَ فِيهِ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ لِرَبِّهِ (وَوَجَبَ الْأَرْشُ عَلَى مَالِكِ الْبَهِيمَةِ) لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) دُخُولُ رَأْسِهَا (بِتَفْرِيطِ مَالِكِهَا بِأَنْ أَدْخَلَ رَأْسَهَا بِيَدِهِ) فِي نَحْوِ الْقِدْرِ (أَوْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا) حَالَ الدُّخُولِ (وَنَحْوُهُ ذُبِحَتْ غَيْرَ ضَمَانٍ) عَلَى رَبِّ الْإِنَاءِ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ مِمَّنْ لَمْ يُفَرِّطْ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْفَعْلَةُ (بِتَفْرِيطِ مَالِكِ الْقِدْرِ، بِأَنْ أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ أَلْقَاهَا) أَيْ الْقِدْرَ (فِي الطَّرِيقِ كُسِرَتْ) الْقِدْرُ أَوْ نَحْوُهَا (وَلَا أَرْشَ) لَهَا عَلَى رَبِّ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: يُعْتَبَرُ أَقَلُّ الضَّرَرَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْكَسْرُ هُوَ الْأَقَلَّ تَعَيَّنَ وَإِلَّا ذُبِحَ وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ ثَمَّ قَالَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ التَّفْرِيطُ فَالضَّمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَفْرِيطٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ إنْ كُسِرَ الْقِدْرُ وَإِنْ ذُبِحَتْ الْبَهِيمَةُ فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْقِدْرِ (وَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ أَنَا أُتْلِفُ مَالِي وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا لِلْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِضْرَارِ نَفْسِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْبَهِيمَةُ الَّتِي أَدْخَلَتْ رَأْسَهَا فِي نَحْوِ الْقِدْرِ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَتْ الْقِدْرُ وَلَا تُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ بِحَالٍ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ لَمْ يُمَكَّنَا مِنْهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ " وَيَحْرُمُ تَرْكُ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ.
(وَمَنْ وَقَعَ فِي) نَحْوِ (مِحْبَرَتِهِ دِينَارٌ وَنَحْوُهُ) كَجَوْهَرَةٍ لِغَيْرِهِ (بِتَفْرِيطِ صَاحِبِهَا) أَيْ الْمِحْبَرَةِ (فَلَمْ يَخْرُجْ) الدِّينَارُ مِنْهَا (كُسِرَتْ مَجَّانًا) أَيْ وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الدِّينَارِ لِرَبِّ الْمِحْبَرَةِ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ (وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ) رَبُّ الْمِحْبَرَةِ (خُيِّرَ رَبُّ الدِّينَارِ) فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ (بَيْنَ تَرْكِهِ فِيهَا) إلَى أَنْ تَنْكَسِرَ (وَبَيْنَ كَسْرِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (فَإِنْ بَذَلَ رَبُّهَا بَدَلَهُ وَجَبَ قَبُولُهُ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُ كَسْرُهَا لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَا لَا يَتَفَاوَتُ بِهِ حَقُّهُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (فَإِنْ بَادَرَ) رَبُّ الدِّينَارِ (فَكَسَرَ) الْمِحْبَرَةَ (عُدْوَانًا لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا) كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ.
(وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ، بِأَنْ سَقَطَ مِنْ مَكَان أَوْ أَلْقَاهُ طَائِرٌ أَوْ هِرٌّ وَجَبَ الْكَسْرُ وَعَلَى رَبِّ الدِّينَارِ الْأَرْشُ) أَيْ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الْمِحْبَرَةُ ثَمِينَةً) أَيْ غَالِيَةَ الثَّمَنِ (وَامْتَنَعَ رَبُّ الدِّينَارِ مِنْ ضَمَانِهَا) فِي مُقَابَلَةِ الدِّينَارِ، فَيُقَالُ لَهُ:
إنْ شِئْتَ (أَنْ تَأْخُذَ) دِينَارَكَ (فَاغْرَمْ) أَرْشَ كَسْرِهَا (وَإِلَّا) تَشَأْ أَنْ تَأْخُذَهُ (فَاتْرُكْ) الدِّينَارَ حَتَّى تَنْكَسِرَ (وَلَا شَيْءَ لَكَ) بَدَلَهُ.
(وَلَوْ غَصَبَ) إنْسَانٌ (الدِّينَارَ) أَوْ نَحْوَهُ (فَأَلْقَاهُ فِي مِحْبَرَةِ آخَرَ) أَوْ نَحْوِهَا مِنْ كُلِّ إنَاءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ (أَوْ سَقَطَ) الدِّينَارُ (فِيهَا) أَيْ الْمِحْبَرَةِ (بِغَيْرِ فِعْلِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (تَعَيَّنَ الْكَسْرُ) لِرَدِّ عَيْنِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إضَاعَةِ مَالٍ (وَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهَا إلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَى التَّبْقِيَةِ فَيَسْقُطُ) الْكَسْرُ (وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ الدِّينَارِ) فَيُعْطَى رَبُّ الدِّينَارِ بَدَلَهُ وَلَا تُكْسَرُ لِأَنَّ فِي كَسِرِّهَا إذْن إضَاعَةً لِلْمَالِ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
وَلَوْ بَادَرَ رَبُّ الدِّينَارِ وَكَسَرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِيمَتُهَا وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ.
[فَصْل زَادَ الْمَغْصُوبُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ]
فَصْل وَإِنْ زَادَ الْمَغْصُوبُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، مُتَّصِلَةً كَانَتْ، كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ) مِنْ بَهِيمَةٍ وَكَذَا مِنْ أَمَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَهُوَ حُرٌّ وَيَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَيَأْتِي (وَالْكَسْب) لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ لِمَالِكِهِ فَلَزِمَهُ رَدُّهُ كَالْأَصْلِ.
(وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا) فَصَادَ بِهِ (أَوْ قَوْسًا) أَوْ سَهْمًا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (فَصَادَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (بِهِ أَوْ غَصَبَ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا) أَوْ فَخًّا وَنَحْوَهُ (فَأَمْسَكَ) الشَّرَكُ أَوْ الشَّبَكَةُ (شَيْئًا أَوْ) غَصَبَ (فَرَسًا فَصَادَ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ) أَيْ فَالصَّيْدُ فِي الْكُلِّ وَغُنْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِ الْجَارِحِ وَالْقَوْسِ وَالشَّبَكَةِ وَالشَّرَكِ وَالْفَرَسِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسَبَبِ مِلْكِهِ فَكَانَ لَهُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَصَادَ.
(وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ أُجْرَةٌ لِلْجَارِحِ أَوْ الْقَوْسِ أَوْ الشَّبَكَةِ أَوْ الشَّرَكِ أَوْ الْفَرَسِ (مُدَّةَ اصْطِيَادِهِ) وَغَزْوِ الْفَرَسِ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَادَتْ إلَى الْمَالِكِ.
فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ زَرَعَ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ فَأَخَذَ الْمَالِكُ الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ وَكَذَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَصَادَ أَوْ كَسَبَ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي مُدَّةِ كَسْبِهِ وَصَيْدِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا وَصَادَ بِهِ فَفِي التَّلْخِيصِ هُوَ لِلْغَاصِبِ (وَإِنْ غَصَبَ مِنْجَلًا فَقَطَعَ) الْغَاصِبُ
غَيْرَهُ (بِهِ خَشَبًا أَوْ حَشِيشًا فَهُوَ) أَيْ الْخَشَبُ أَوْ الْحَشِيشُ (لِلْغَاصِبِ) لِحُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ (كَالْحَبْلِ) الْمَغْصُوبِ (يَرْبِطُ بِهِ) الْغَاصِبُ مَا يَجْمَعُهُ مِنْ حَطَبٍ وَنَحْوِهِ.
وَكَمَا لَوْ غَصَبَ سَيْفًا فَقَاتَلَ بِهِ وَغَنِمَ (وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ) الْغَاصِبُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ (أَوْ) غَصَبَ (غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ) غَصَبَ (فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ إبَرًا أَوْ أَوَانِيَ أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ) غَصَبَ (خَشَبًا فَنَجَّرَهُ بَابًا أَوْ نَحْوَهُ) كَرُفُوفٍ (أَوْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا) لَزِمَهُ رَدُّ ذَلِكَ وَأَرْشُ نَقْصِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ لِتَعَدِّيهِ.
(وَذَبْحُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (إيَّاهَا) أَيْ الشَّاةِ (لَا يُحَرِّمُهَا، بِمَعْنَى أَنَّهَا لَيْسَ) هُوَ أَيْ الشَّأْنُ أَنَّ الشَّاةَ (صَارَتْ كَالْمَيْتَةِ) لِأَنَّهَا مُذَكَّاةٌ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الذَّكَاةِ (لَكِنْ لَا يَجُوزُ) لِلْغَاصِبِ وَلَا غَيْرِهِ (أَكْلُهَا وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهَا) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ (وَيَأْتِي فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ) .
(أَوْ) غَصَبَ (طِينًا فَضَرَبَهُ لَبِنًا) أَوْ آجُرًّا (أَوْ فَخَّارًا، أَوْ) غَصَبَ (حَبًّا فَطَحَنَهُ) أَوْ دَقِيقًا فَعَجَنَهُ وَخَبَزَهُ وَنَحْوَهُ (رُدَّ ذَلِكَ) إلَى مَالِكِهِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ فَكَذَا بِمِلْكِ غَيْرِهِ (بِزِيَادَتِهِ) إنْ زَادَ.
(وَأَرْشِ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ لِكَوْنِهِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَقْصِ الْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ أَوْ هُمَا.
(وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْغَاصِبِ بِعَمَلِهِ الْمُؤَدِّي إلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا، كَمَا لَوْ غَلَى زَيْتًا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ (لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى) ، كَحُلِيٍّ وَدَرَاهِمَ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَوَانٍ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ وَسَكَاكِينَ وَنِعَالٍ (فَلِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (عَلَى الْإِعَادَةِ) إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى لِأَنَّ عَمَلَ الْغَاصِبِ فِي الْمَغْصُوبِ مُحَرَّمٌ فَمَلَكَ الْمَالِكُ إزَالَتَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ: إنَّمَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَجَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ.
(وَمَا لَا يُمْكِنُ) رَدُّهُ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى (كَالْأَبْوَابِ وَالْفَخَّارِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْآجُرِّ وَالشَّاةِ إذَا ذَبَحَهَا وَشَوَاهَا وَالْحَبِّ طَحَنَهُ (فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ إفْسَادُهُ وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) .
(وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ شَقَّ) فِيهَا (نَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ) كَقَنَاةٍ وَدُولَابٍ (فَلِرَبِّهَا إلْزَامُهُ بِطَمِّهَا) أَيْ الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا (إنْ كَانَ) الطَّمُّ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) لِعُدْوَانِهِ بِالْحَفْرِ وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ.
(وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا فَإِنْ كَانَ) الطَّمُّ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَإِسْقَاطِ ضَمَانٍ مَا يَقَعُ فِيهَا) أَيْ الْبِئْرِ (أَوْ يَكُونُ) الْغَاصِبُ (قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِهِ، أَوْ) إلَى (مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ إلَى طَرِيقٍ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ - فَلَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (طَمُّهَا)
بِتُرَابِهَا حَيْثُ بَقِيَ فَلَوْ فَاتَ بِسَيْلٍ أَوْ رِيحٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الطَّمُّ بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ، لَا بِرَمْلٍ أَوْ كُنَاسَةٍ وَنَحْوِهَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ (مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا) تَخَلُّصًا مِنْ ذَلِكَ الضَّرَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الطَّمِّ (مِثْلُ أَنْ يَكُونَ) الْغَاصِبُ (قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي أَرْضِ مَالِكِهَا، أَوْ) وَضَعَهُ (فِي مَوَاتٍ وَأَبْرَأَهُ) الْمَالِكُ (مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا) أَيْ الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا (وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ) قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ زَالَ التَّعَدِّي فَيَزُولُ الضَّمَانُ وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ.
وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ لِلتَّعَدِّي بِرِضَاهُ بِهِ (أَوْ مَنَعَهُ) الْمَالِكُ (مِنْهُ) أَيْ الطَّمِّ (لَمْ يَمْلِكْ) الْغَاصِبُ (طَمَّهَا) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وَمَنْعُهُ مِنْ الطَّمِّ رِضًا بِالْحَفْرِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إبْرَائِهِ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا (وَلَوْ كَشَطَ) الْغَاصِبُ (تُرَابَ الْأَرْضِ) الْمَغْصُوبَةِ (فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهِ وَفَرْشِهِ لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (ذَلِكَ) أَيْ الرَّدُّ وَالْفَرْشُ.
وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ أَرَادَهُ) أَيْ فَرْشَ التُّرَابِ كَمَا كَانَ (الْغَاصِبُ وَأَبَاهُ الْمَالِكُ فَلَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (فِعْلُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ إنْ كَانَ) الْغَاصِبُ (نَقَلَهُ إلَى مِلْكٍ لِنَفْسِهِ فَيَرُدُّهُ لِيَنْتَفِعَ بِالْمَكَانِ، أَوْ) كَانَ الْغَاصِبُ (طَرَحَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ) أَيْ مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ الطَّرِيقِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْغَاصِبُ أَرَادَ فَرْشَ التُّرَابِ الَّذِي كَشَطَهُ (لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَلَا) يُمَكَّنُ مِنْهُ بِلَا إذْنِ الْمَالِكِ لِأَنَّ فِيهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
(وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ) غَصَبَ (بَيْضًا فَصَارَ) الْبِيضُ (فِرَاخًا، أَوْ) غَصَبَ (نَوًى) فَغَرَسَهُ (فَصَارَ غَرْسًا، أَوْ) غَصَبَ (غُصْنًا) فَغَرَسَهُ (فَصَارَ شَجَرًا رَدَّهُ) الْغَاصِبُ لِمَالِكِهِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالَيْ مَالِكِهِ.
(وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْغَاصِبِ فِي عَمَلِهِ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ.
(وَإِنْ نَقَصَ) الْمَغْصُوبُ (وَلَوْ) كَانَ نَقْصُهُ (بِنَبَاتِ لِحْيَةِ عَبْدٍ أَمْرَدَ، أَوْ) كَانَ نَقْصُهُ بِ (ذَهَابِ رَائِحَةِ مِسْكٍ، أَوْ قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارٍ وَنَحْوِهِ) كَبَغْلٍ وَفَرَسٍ (ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (نَقْصَهُ) الْحَاصِلَ قَبْلَ رَدِّهِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ إذْ الْقَصْدُ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ مَا فُوِّتَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ، كَغَيْرِ الْحَيَوَانِ.
وَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ رِبْحًا فَاتَ بِحَبْسِ مَالِ تِجَارَةٍ عَنْ مَالِكِهِ مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ (وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي طِيَرَةٍ جَاءَتْ إلَى قَوْمٍ فَازْدَوَجَتْ عِنْدَهُمْ وَفَرَّخَتْ: أَنَّ الْفِرَاخَ تَبَعٌ لِلْأُمِّ وَيَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِ الطَّيْرَةِ فِرَاخُهَا) كَوَلَدِ الْأَمَةِ وَالْبَهِيمَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَرْجِعُ عَلَى رَبِّهَا بِمَا أَنْفَقَهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى هُوَ وَاضِحٌ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ غَصَبَ شَاةً) أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةَ وَنَحْوَهَا (وَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلَهُ فَالْوَلَدُ لِمَالِكِ الْأُمِّ) كَوَلَدِ الْأَمَةِ.
(وَلَا أُجْرَةَ لِلْفَحْلِ) لِعَدَمِ إذْنِ رَبِّهَا وَلِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ قُلْت: وَكَذَا لَوْ غَصَبَ نَخْلَةً وَحَصَلَ مِنْهَا مِنْهَا فَإِنَّهُ لِمَالِكِهَا لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا كَكَسْبِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الْأَمَةِ.
(وَإِنْ غَصَبَ فَحْلَ غَيْرِهِ فَأَنْزَاهُ عَلَى شَاتِهِ فَالْوَلَدُ لَهُ) أَيْ لِلْغَاصِبِ تَبَعًا لِلْأُمِّ وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْفَحْلِ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ (لَكِنْ إنْ نَقَصَ) الْفَحْلُ بِالْإِنْزَاءِ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (أَرْشُ نَقْصِهِ) لِتَعَدِّيهِ.
[فَصْلٌ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ]
فَصْلٌ وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (ضَمَانُهُ) أَيْ النَّقْصِ (بِقِيمَتِهِ) أَيْ النَّقْصِ فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا وَنَاقِصًا وَبِغُرْمِ الْغَاصِبِ مَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ، إذْ الْقَصْدُ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ مَا فُوِّتَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ.
(وَلَوْ) كَانَ مَا نَقَصَ (رَقِيقًا أَوْ بَعْضَهُ) بِأَنْ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ وَنَحْوُهُ، أَوْ ذَهَبَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ وَنَحْوُهُمَا بِنَحْوِ أَكْلَةٍ وَ (لَا) يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ مِنْ الرَّقِيقِ (بِمُقَدَّرٍ مِنْ الْحُرِّ كَيَدِهِ) فَلَا يَجِبُ فِيهِمَا نِصْفُ الْقِيمَةِ وَلَا تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي ذَهَابِ نَحْوِ بَصَرِهِ أَيْضًا (إذَا لَمْ يُجْنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَيْهِ) أَيْ الرَّقِيقِ.
(وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ) أَيْ الرَّقِيقِ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ (ضَمِنَهُ) أَيْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الذَّاهِبَ بِالْجِنَايَةِ (بِأَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ) مِنْ أَرْشِ نَقْصِ قِيمَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوْ دِيَةِ الْمَقْطُوعِ لِأَنَّ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا وَدَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ عِنْدَهُ إلَى أَلْفَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مَعَ رَدِّهِ أَلْفٌ وَإِنْ كَانَ الْقَاطِعُ لِيَدِهِ غَيْرَ الْغَاصِبِ.
وَقَدْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ
قَبْلُ وَصَارَ بَعْدَ الْقَطْعِ يُسَاوِي أَرْبَعَمِائَةٍ كَانَ عَلَى الْجَانِي أَرْبَعُمِائَةٍ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ وَهِيَ حِينَ الْقَطْعِ ثَمَانُمِائَةٍ وَعَلَى الْغَاصِبِ مِائَتَانِ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبَ مَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْجَانِي لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ.
(وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ غَرِمَ) الْجَمِيعَ لِمَالِكٍ (عَلَى جَانٍ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ فَقَطْ) لِاسْتِقْرَارِ ضَمَانِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهُ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّقْصِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ (فَإِنْ خَصَاهُ) أَيْ خَصَى الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ.
(وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ) بِالْخِصَاءِ (أَوْ قَطَعَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (مِنْهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (مَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ الْحُرِّ) كَأَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ يَدَيْهِ.
(لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ الْجَانِي) لِأَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ، كَقَطْعِ خَصْيَتَيْ ذَكَرٍ مُدَبَّرٍ وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوَّتُ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ، بِضَمَانِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ تِسْعَ أَصَابِعَ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (دَابَّةً) وَنَقَصَتْ بِجِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا وَلَوْ) كَانَ النَّقْصُ (بِتَلَفِ إحْدَى عَيْنَيْهَا) أَيْ الدَّابَّةِ فَيَغْرَمُ أَرْشَ نَقْصِهَا فَقَطْ لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَهُ عَلَى الْمَالِكِ وَمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، بِدَلِيلِ احْتِجَاجِ أَحْمَدَ بِقَوْلِ عُمَرَ دُونَهُ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ؛ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْرَ نَقْصِهَا وَلَوْ كَانَ تَقْدِيرُ الْوَاجِبِ فِي الْعَيْنِ نِصْفَ الدِّيَةِ، كَعَيْنِ الْآدَمِيِّ.
(وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ) الْمَغْصُوبَةِ (بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ) بِأَنْ نَزَلَ السِّعْرُ لِذَهَابِ نَحْوِ مَوْسِمٍ (لَمْ يَضْمَنْ) الْغَاصِبُ مَا نَزَلَ السِّعْرُ (سَوَاءٌ رُدَّتْ الْعَيْنُ أَوْ تَلِفَتْ) لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ لَمْ تَنْقُصْ عَيْنُهُ وَلَا صِفَتُهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ سِوَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ بَدَلِهِ - وَالْفَائِتُ إنَّمَا هُوَ رَغَبَاتُ النَّاسِ، وَلَا تُقَابَلُ بِشَيْءٍ.
(وَإِنْ نَقَصَتْ) قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ (لِمَرَضٍ ثَمَّ عَادَتْ) الْقِيمَةُ (بِبُرْئِهِ) رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (ثَمَّ زَالَ بَيَاضُهَا وَنَحْوُهُ) بِأَنْ نَسِيَ صَنْعَةً فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ تَعَلَّمَهَا (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَنْقُصْ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
(وَإِنْ اسْتَرَدَّهُ الْمَالِكُ مَعِيبًا مَعَ الْأَرْضِ، ثَمَّ زَالَ الْعَيْبُ فِي يَدِ مَالِكِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (لَمْ يَجِبْ) عَلَى مَالِكِهِ (رَدُّ الْأَرْشِ لِاسْتِقْرَارِهِ)
أَيْ الْأَرْشِ (بِأَخْذِ الْعَيْنِ نَاقِصَةً) عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهِ.
(وَكَذَا لَوْ أَخَذَ) الْمَالِكُ (الْمَغْصُوبَ) بَعْدَ تَعَيُّبِهِ (بِغَيْرِ أَرْشٍ ثَمَّ زَالَ) الْعَيْبُ (فِي يَدِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (لَمْ يَسْقُطْ الْأَرْشُ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرِئَ قَبْلَ رَدِّهِ (وَإِنْ زَادَتْ) قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ (لِمَعْنًى فِي الْمَغْصُوبِ مِنْ كِبَرٍ وَسِمَنٍ وَهُزَالٍ) عَنْ سِمَنٍ مُفْرِطٍ.
(وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَزَوَالِ عُجْمَةٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ (ثَمَّ نَقَصَتْ) الْقِيمَةُ بِزَوَالِ ذَلِكَ (ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (الزِّيَادَةَ) لِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا فَلَزِمَ الْغَاصِبَ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ وَفَارَقَ زِيَادَةَ السِّعْرِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ وَلِذَلِكَ يَضْمَنُهَا إذَا طُولِبَ بِرَدِّ الْعَيْنِ (وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأُولَى مِنْ جِنْسِهَا مِثْلُ أَنْ) غَصَبَ عَبْدًا فَ (سَمِنَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ نَقَصَتْ) قِيمَتُهُ (بِزَوَالِ ذَلِكَ) السِّمَنِ (ثُمَّ سَمِنَ فَعَادَتْ) قِيمَتُهُ كَمَا كَانَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) الْغَاصِبُ (مَا نَقَصَ) أَوَّلًا ثَمَّ عَادَ لِأَنَّ مَا ذَهَبَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَادُ وَهُوَ بِيَدِهِ أَشْبَهُ مَا لَوْ مَرِضَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا ثَمَّ بَرِئَتْ فَعَادَتْ الْقِيمَةُ وَكَذَا لَوْ نَسِيَ صَنْعَةً ثُمَّ تَعَلَّمَهَا أَوْ بَدَّلَهَا فَعَادَتْ قِيمَتُهُ كَمَا كَانَتْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا (وَإِنْ كَانَتْ) الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ الذَّاهِبَةِ مِثْلُ أَنْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَتَعَلَّمَ صَنْعَةً، فَصَارَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، ثَمَّ نَسِيَهَا فَصَارَ يُسَاوِي مِائَةً، ثَمَّ سَمِنَ فَصَارَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ (لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَا ذَهَبَ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا) أَوْ أَمَةً (مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ فَهَزَلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ) بِذَلِكَ (أَوْ لَمْ تَنْقُصْ) وَلَمْ تَزِدْ (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِي مِثْلِ هَذَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَمْ يُقَدَّرْ بَدَلُهُ وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرَ رَدِّهِ (وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ) قَبْلَ رَدِّهِ (نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقَرٍّ) بِأَنْ يَكُونَ سَارِيًا غَيْرَ وَاقِفٍ (كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ) وَطَلَبَهَا مَالِكُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا إلَى حَالَةٍ يَعْلَمُ فِيهَا قَدْرَ أَرْشِ نَقْصِهَا (خُيِّرَ) مَالِكُهَا (بَيْنَ أَخْذِ مِثْلِهَا) مِنْ مَالِ غَاصِبٍ (وَبَيْنَ تَرْكِهَا) بِيَدِ غَاصِبٍ (حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا فَيَأْخُذَهَا وَ) يَأْخُذَ أَرْشَ نَقْصِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ الْمِثْلُ ابْتِدَاءً لِوُجُودِ عَيْنِ مَالِهِ وَلَا أَرْشَ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ إذَنْ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ صَارَتْ الْخِيَرَةُ إلَى الْمَالِكِ لِأَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ التَّعْجِيلِ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ عِنْدَ اسْتِقْرَارِ فَسَادِهَا
لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَيَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ أَرْشَ نَقْصِهَا لِأَنَّهُ، حَصَلَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ أَشْبَهَ تَلَفَ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَقَرَّ) النَّقْصُ قَبْلَ رَدِّ الْمَغْصُوبِ (أَخَذَهَا) أَيْ الْحِنْطَةَ مَالِكُهَا (وَ) أَخَذَ (الْأَرْشَ) لِمَا سَبَقَ: يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اسْتَقَرَّ قَبْلَ الطَّلَبِ، لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ.
(وَإِنْ جَنَى) الْقِنُّ (الْمَغْصُوبُ) قَبْلَ رَدِّهِ (فَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ نَقْصٌ فِيهِ لِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَسَائِرِ نَقْصِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ (وَسَوَاءٌ جَنَى) الْقِنُّ الْمَغْصُوبُ (عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ) عَلَى (أَجْنَبِيٍّ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا حُكْمُ مَا أَتْلَفَهُ الْقِنُّ الْمَغْصُوبُ مِنْ مَالِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِرَدِّ الْغَاصِبِ لَهُ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ فِي يَدِهِ فَلَوْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ بَعْدَ الرَّدِّ رَجَعَ رَبُّهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ (وَجِنَايَتُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (عَلَى غَاصِبِهِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ) لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَوْ كَانَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَوَجَبَ أَرْشُهَا عَلَى الْغَاصِبِ فَلَوْ وَجَبَ لَهُ شَيْءٌ لَوَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ (إلَّا فِي قَوَدٍ) لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ لِغَيْرِهِ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ.
(فَلَوْ قَتَلَ) الْمَغْصُوبُ (عَبْدًا لِأَحَدِهِمَا) أَيْ لِلْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ سَيِّدِهِ (عَمْدًا فَلَهُ) أَيْ سَيِّدِ الْمَقْتُولِ (قَتْلُهُ بِهِ ثَمَّ يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فِيهِنَّ) لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَشْبَهُ مَا لَوْ مَاتَ بِيَدِهِ.
(وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ مَنْ اسْتَعَانَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ فَحُكْمُهُ) أَيْ الْمُسْتَعِينِ (حُكْمُ الْغَاصِبِ حَالَ اسْتِخْدَامِهِ) فَيَضْمَنُ جِنَايَتَهُ وَنَقْصَهُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ، وَكَذَا فِي الْمُنْتَهَى فِي الدِّيَاتِ (وَيَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (زَوَائِدَ الْغَصْبِ، كَالثَّمَرَةِ) إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ.
(وَ) كَ (الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ حَيًّا ثَمَّ مَاتَ سَوَاءٌ حَمَلَتْ) بِهِ أُمُّهُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (أَوْ غَصَبَهَا حَامِلًا) لِأَنَّهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُهُ بِالتَّلَفِ كَأَصْلٍ (وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ لَمْ يَضْمَنْهُ) إنْ كَانَ غَصَبَهَا حَامِلًا لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَمَلَتْ بِهِ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْهُ مَيِّتًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَعِنْدَ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَمِنْ تَبِعَهُ: وَالْأُولَى أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ عَنْ اخْتِيَارِ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَيُحْتَمَلُ الضَّمَانُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَقْيَسُ (وَ) إنْ
وَلَدَتْهُ مَيِّتًا (بِهَا) أَيْ بِجِنَايَةٍ (يَضْمَنُهُ الْجَانِي بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ) لِمَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ (وَكَذَا وَلَدُ بَهِيمَةٍ) مَغْصُوبَةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ لَكِنْ إذَا وَلَدَتْهُ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ يَضْمَنُ بِمَا نَقَصَ أُمَّهُ لَا بِعُشْرِ قِيمَتِهَا كَمَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ.
[فَصْلٌ خَلَطَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ خَلَطَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ) عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى (وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ) الْمَغْصُوبُ عَنْ غَيْرِهِ (مِثْلُ إنْ خَلَطَ حِنْطَةً) بِمِثْلِهَا (أَوْ) خَلَطَ (دَقِيقًا) بِمِثْلِهِ (أَوْ زَيْتًا) بِمِثْلِهِ (أَوْ نَقْدًا بِمِثْلِهِ لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (مِثْلُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (مِنْهُ) أَيْ الْمُخْتَلِطِ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ بَعْضِ مَالِهِ إلَيْهِ مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فِي الْبَاقِي فَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى بَدَلِهِ فِي الْجَمِيعِ.
كَمَا لَوْ غَصَبَ صَاعًا فَتَلِفَ بَعْضُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ مَا لَهُ مِنْهُ) بِدُونِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا لِلْغَاصِبِ (إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَامِ مِنْهُ) أَيْ الْمُخْتَلَطِ (بِدُونِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكٌ) فَلَا يُقَاسِمُ نَفْسَهُ (لَا اسْتِهْلَاكٌ) وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يُخْرِجُ مِنْهُ قَدْرَ مَا خَالَطَهُ هَذَا إنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَمَا بَقِيَ حَلَالٌ.
وَإِنْ عَبَرَ الْحَرَامُ الثُّلُثَ قَالَ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يُعَامِلُ بِالرِّبَا: يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ إنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ وَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَإِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْحَرَامِ تَصَدَّقَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ خَلَطَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبَ (بِدُونِهِ) مِنْ جِنْسِهِ (أَوْ) خَلَطَهُ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) مِنْ جِنْسِهِ (أَوْ) خَلَطَهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ (وَلَوْ بِمَغْصُوبٍ مِثْلِهِ لِآخَرَ وَكَانَ الْخَلْطُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ) كَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ (فَهُمَا) أَيْ مَالِكَا الْمَخْلُوطَيْنِ (شَرِيكَانِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا فَيُبَاعُ الْجَمِيعُ وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، كَاخْتِلَاطِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ) لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ فَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عَنْ قِيمَتِهِ مُنْفَرِدًا فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ.
وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَزَيْتٍ بِمَاءٍ فَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ خَلَّصَهُ وَرَدَّهُ وَنَقَصَهُ، وَإِلَّا أَوْ كَانَ يُفْسِدُهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ) لِإِنْسَانٍ (بِدِرْهَمَيْنِ لِآخَرَ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ فَتَلِفَ) دِرْهَمَانِ (اثْنَانِ فَمَا بَقِيَ) وَهُوَ دِرْهَمٌ فَهُوَ (بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ الدِّرْهَمَيْنِ فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ دِرْهَمًا لِهَذَا وَدِرْهَمًا لِهَذَا فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمَيْنِ بِالْبَاقِي فَتَسَاوَيَا لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ غَايَتُهُ أَنَّهُ أَبْهَمَ عَلَيْنَا ذِكْرَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ الْقُرْعَةُ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّا مُتَحَقِّقُونَ أَنَّ الدِّرْهَمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا فَأَخْرَجْنَاهُ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَمَنَّ اللَّهُ بِهِ فَلَهُ الْحَمْدُ.
(وَإِنْ خَلَطَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبَ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ أَقَلَّ) مِنْهُ (جَازَ) لِأَنَّ بَدَلَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ خَلَطَهُ بِجَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الرَّدِيءِ أَوْ دُونَ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ رِبًا وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَرَضِيَ بِأَخْذِ دُونِ حَقِّهِ مِنْ الرَّدِيءِ أَوْ سَمَحَ الْغَاصِبُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ جَازَ لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لِلزِّيَادَةِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ) الْغَاصِبُ (بِصِبْغَةٍ، أَوْ) غَصَبَ (سَوِيقًا فَلَتَّهُ) الْغَاصِبُ (بِزَيْتِهِ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا) أَيْ قِيمَةُ الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ أَوْ قِيمَةُ الزَّيْتِ وَالسَّوِيقِ (أَوْ) نَقَصَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْهُ (وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ) قِيمَتُهُمَا (وَلَمْ تَزِدْ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فَهُمَا) أَيْ رَبُّ الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ أَوْ رَبُّ السَّوِيقِ وَالزَّيْتِ (شَرِيكَانِ) فِي الثَّوْبِ وَصَبْغِهِ أَوْ السَّوِيقِ وَزَيْتِهِ (بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) فَيُبَاعُ ذَلِكَ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ غَصَبَ زَيْتًا فَجَعَلَهُ صَابُونًا (وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا) مِنْ ثَوْبٍ أَوْ صَبْغٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ زَيْتٍ (فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ) يَخْتَصُّ بِهَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ هَذَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِغُلُوِّ سِعْرٍ فَإِنْ حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِالْعَمَلِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَا عَمِلَهُ الْغَاصِبُ فِي الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ لِمَالِكِهَا حَيْثُ كَانَ أَثَرًا وَزِيَادَةُ مَالِ الْغَاصِبِ لَهُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا) أَيْ مَالِكُ الثَّوْبِ أَوْ الْغَاصِبِ (قَلْعَ الصِّبْغِ) مِنْ الثَّوْبِ (لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا لِمِلْكِهِ (وَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكُ) لِلثَّوْبِ (بَيْعَ الثَّوْبِ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَهُوَ عَيْنٌ، وَصَبْغُهُ بَاقٍ لِلْغَاصِبِ (وَلَوْ أَبَى الْغَاصِبُ) بَيْعَ الثَّوْبِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ مَالِكُهُ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ.
(وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَهُ) أَيْ الثَّوْبِ
الْمَصْبُوغِ (لَمْ يُجْبَرْ الْمَالِكُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» وَإِنْ بَذَلَ الْغَاصِبُ لِرَبِّ الثَّوْبِ قِيمَتَهُ لِيَمْلِكَهُ؛ أَوْ بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لِلْغَاصِبِ لِيَمْلِكَهُ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.
وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ أَنَّ لِمَالِكِ الثَّوْبِ تَمَلُّكَ الصِّبْغِ بِقِيمَتِهِ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ الضَّرَرِ.
(وَإِنْ وَهَبَ) الْغَاصِبُ (الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ) لِلثَّوْبِ (أَوْ) غَصَبَ دَارًا وَزَوَّقَهَا ثُمَّ وَهَبَ (تَزْوِيقَ الدَّارِ نَحْوَهُمَا) لِلْمَالِكِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمَالِكَ (قَبُولُهُ) لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ صِفَاتِ الْعَيْنِ فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ (كَنَسْجِ غَزْلٍ وَقَصْرِ ثَوْبٍ، وَعَمَلِ حَدِيدٍ إبَرًا أَوْ سُيُوفًا وَنَحْوَهُمَا) كَسَكَاكِينَ وَنِعَالَاتٍ وَأَوَانٍ وَ (لَا) يَلْزَمُ الْمَالِكَ إذَا غَصَبَ مِنْهُ خَشَبًا وَجَعَلَهُ بَابًا ثَمَّ وَهَبَهُ الْمَسَامِيرَ قَبُولُهُ (هِبَةِ مَسَامِيرٍ سَمَّرَ بِهَا بَابًا مَغْصُوبًا) لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ أَشْبَهَتْ الْغِرَاسَ.
(وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ) الْغَاصِبُ (ثَوْبَهُ، أَوْ) غَصَبَ (زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ) الْغَاصِبُ (سَوِيقَهُ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا) فِي ذَلِكَ فَيُبَاعَانِ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْحَقَّيْنِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِحَقِّهِ (وَيَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (النَّقْصَ) إنْ وُجِدَ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ زَادَ الْمَغْصُوبُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا) مِنْ وَاحِدٍ (فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ) الْغَاصِبُ (وَ) رَدَّ (أَرْشَ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ لِتَعَدِّيهِ بِهِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَتِهِ) بِعَمَلِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ وَإِنْ كَانَا مِنْ اثْنَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ بِالْقِيمَةِ وَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ وَإِنْ نَقَصَ السِّعْرُ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ أَوْ الصِّبْغِ أَوْ لِنَقْصِ سِعْرِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ، وَنَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ صَاحِبِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ.
وَكَذَا لَوْ غَصَبَ سَوِيقًا مِنْ وَاحِدٍ وَزَيْتًا مِنْ آخَرَ وَلَتَّهُ بِهِ، أَوْ نَشًا وَعَسَلًا مِنْ اثْنَيْنِ وَعَقَدَهُ حَلْوَى (وَإِنْقَاءُ الثَّوْبِ الدَّنِسِ بِالصَّابُونِ) مِنْ الْغَاصِبِ (وَإِنْ أُورَثَ نَقْصًا) فِي الثَّوْبِ (ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ) لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ (وَإِنْ زَادَ) الثَّوْبُ (فَ) الزِّيَادَةُ (لِلْمَالِكِ) وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَمَلِهِ لِتَبَرُّعِهِ.
(وَلَوْ غَصَبَهُ) أَيْ الثَّوْبَ (نَجِسًا لَمْ يَمْلِكْ) الْغَاصِبُ (تَطْهِيرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ) رَبِّهِ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ (وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ) لِلثَّوْبِ (تَكْلِيفُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (بِهِ) أَيْ بِتَطْهِيرِهِ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لَمْ تَحْصُلْ بِيَدِهِ (وَإِنْ كَانَ) الثَّوْبُ حِينَ الْغَصْبِ (طَاهِرًا فَنَجِسَ عِنْدَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (أَيْضًا تَطْهِيرُهُ بِغَيْرِ إذْنِ) رَبِّهِ لِمَا سَبَقَ (وَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (إلْزَامُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (بِهِ) أَيْ بِتَطْهِيرِهِ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ (وَمَا نَقَصَ) مِنْ قِيمَةِ الثَّوْبِ بِسَبَبِ الْغَسْلِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (أَرْشُهُ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ، حَصَلَ فِي يَدِهِ (وَلَوْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْغَاصِبُ الثَّوْبَ (نَجِسًا فَمُؤْنَةُ تَطْهِيرِهِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ.
[فَصْلٌ وَطِئَ الْغَاصِبُ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ]
(فَصْلٌ وَإِنْ وَطِئَ الْغَاصِبُ الْجَارِيَةَ) الْمَغْصُوبَةَ (مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ) أَيْ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْحَدُّ) أَيْ حَدُّ الزِّنَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَلَا شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ.
(وَكَذَا هِيَ) أَيْ الْجَارِيَةُ يَلْزَمُهَا الْحَدُّ (إنْ طَاوَعَتْ) عَلَى الزِّنَا (وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِّ) بِأَنْ كَانَتْ مُكَلَّفَةً غَيْرَ جَاهِلَةٍ بِالتَّحْرِيمِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ بِوَطْئِهَا (مَهْرُ مِثْلِهَا) بِكْرًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَإِلَّا فَثَيِّبًا.
(وَلَوْ) كَانَتْ (مُطَاوِعَةً) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا (وَعَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا أَرْشُ الْبَكَارَةِ) الَّتِي أَزَالَهَا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَهْرِ وَالْأَرْشِ يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا ثَيِّبًا وَجَبَ مَهْرُهَا وَلَوْ افْتَضَّهَا بِإِصْبَعِهِ وَجَبَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا اجْتَمَعَا وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَنَّ أَرْشَ بَكَارَةِ الْحُرَّةِ يَنْدَرِجُ فِي مَهْرِهَا (وَ) عَلَى الْغَاصِبِ (رَدُّهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ (إلَى سَيِّدِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ) الْجَارِيَةُ مِنْ غَاصِبٍ عَالِمٍ بِالْحَالِ (فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ) تَبَعًا لِأُمِّهِ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا (وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ نَقْصَ الْوِلَادَةِ) لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ (وَلَا يَنْجَبِرُ) نَقْصُ الْوِلَادَةِ (بِزِيَادَةِ الْوَلَدِ) كَمَا لَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصُ غَيْرِ الْوِلَادَةِ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) الْجَارِيَةُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (قِيمَتُهَا وَإِنْ رَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الْغَاصِبُ الْجَارِيَةَ حَامِلًا (فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ) وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ أَثَرُ فِعْلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ وَقَدْ جَرَحَهُ الْغَاصِبُ، فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْمَالِكِ فَمَاتَ.
(وَتَقَدَّمَ) قَرِيبًا (إذَا وَلَدَتْهُ مَيِّتًا) فَلَا ضَمَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِجِنَايَةٍ وَيَضْمَنُهُ سُقْطًا بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ (وَإِنْ كَانَ) الْغَاصِبُ (جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ) لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ كَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ مَثَلُ هَذَا وَكَذَا جَاهِلُ الْحَالِ، بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِأَمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ فِي نَحْوِ ظُلْمَةٍ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ، أَوْ تَزَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا
حُرَّةٌ وَنَحْوُهُ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَاطِئِ لِلشُّبْهَةِ (وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ) وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْلَافٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ (وَالْوَلَدُ حُرٌّ) لِاعْتِقَادِ الْوَاطِئِ الْإِبَاحَةَ (نَسَبُهُ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ) لِلشُّبْهَةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ جَاهِلًا وَقَوْلُهُ (إنْ انْفَصَلَ حَيًّا وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ انْفِصَالِهِ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيْ وَعَلَيْهِ فِدَاءُ الْوَلَدِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ إنْ انْفَصَلَ حَيًّا فَيَفْدِيهِ الْوَاطِئُ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ، ثُبُوتُ رِقِّهِ بِاعْتِقَادِهِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ.
(وَإِنْ انْفَصَلَ) الْمَحْكُومُ بِحُرِّيَّتِهِ (مَيِّتًا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ) لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ (و) إنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا (بِجِنَايَةٍ فَعَلَى الْجَانِي الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ (فَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (مِنْ الْغَاصِبِ فَ) عَلَيْهِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ (مَوْرُوثَةً عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْجَنِينِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ وُلِدَ حَيًّا لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا وَ (لَا يَرِثُ الْغَاصِبُ مِنْهَا) أَيْ الْغُرَّةِ (شَيْئًا) لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَهُ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ) فَيَضْمَنُهُ لَهُ ضَمَانُ الْمَمَالِيكِ وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي (الْغُرَّةُ يَرِثُهَا الْغَاصِبُ) لِأَنَّهُ أَبُو الْجَنِينِ (دُونَ أُمِّهِ) لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ وَعَلَى الْغَاصِبِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ لِلْمَالِكِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ لِكَوْنِهِ قَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ.
(وَإِنْ قَتَلَهَا) الْغَاصِبُ (بِوَطْئِهِ أَوْ مَاتَتْ) الْأَمَةُ (بِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (قِيمَتُهَا) أَيْ الْأَمَةِ وَتَقَدَّمَ (أَكْثَرُ مَا كَانَتْ) هَكَذَا فِي الْمُغْنِي وَالْمُبْدِعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْكَثْرَةَ كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْأَوْصَافِ، لَا لِارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ، كَمَا صَارَ إلَيْهِ فِي مِثْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثَالُهُ: كَانَتْ الْقِيمَةُ أَلْفًا فَنَقَصَتْ، بِالِافْتِضَاضِ مِائَةً، ثُمَّ بِالْوِلَادَةِ مِائَةً، ثُمَّ مَاتَتْ وَقِيمَتُهَا ثَمَانِمِائَةٍ فَالْوَاجِبُ أَلْفٌ لَا ثَمَانِمِائَةٍ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ مَضْمُونَةٌ كَالْأَعْيَانِ وَوَقَعَ التَّضْمِينُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ بِأَكْثَرِ مَا كَانَتْ وَلَوْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ لِانْخِفَاضِ السِّعْرِ قَبْلَ الِافْتِضَاضِ، أَوْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، أَوْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْوَاجِبُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ يَوْمَ تَلِفَ الْوَصْفُ، أَوْ تَلِفَ الْعَيْنُ وَعَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِأَقْصَى الْقِيَمِ يَكُونُ الْوَاجِبُ أَلْفًا انْتَهَى.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَغْصُوبَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ (وَ) عَلَى مَا نَذْكُرُهُ (يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي قِيمَتِهَا أَكْثَرِ مَا كَانَتْ (أَرْشُ بَكَارَتِهَا وَنَقْصُ وِلَادَتِهَا) لِأَنَّهَا تُقَوَّمُ بِكْرًا لَا نَقْصَ بِهَا وَعَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهَا تُقَوَّمُ يَوْمَ التَّلَفِ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ بَلْ يُضَمُّ إلَى قِيمَتِهَا (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي قِيمَتِهَا أَكْثَرِ مَا كَانَتْ (ضَمَانُ وَلَدِهَا) لَوْ مَاتَ.
(وَلَا مَهْرَ مِثْلِهَا) بَلْ يُضَمُّ ذَلِكَ إلَى الْقِيمَةِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَمَتَى انْتَقَلَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ إلَى غَيْرِ الْمَالِكِ لَهَا فَالْمُنْتَقِلَةُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ فِي كَوْنِ الْمَالِكِ يَمْلِكُ تَضْمِينَهُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ كَانَ غَاصِبًا وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ صَارَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَلَكُ الْمَالِكِ تَضْمِينَهُ، كَمَا يَمْلِكُ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ، لَكِنْ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مَا دَخَلَ ضَمَانه مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى الْغَاصِبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ عَشَرَةٌ تَأْتِي مُفَصَّلَةً.
فَمَنْ غَصَبَ أَمَةً بِكْرًا فَبَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لِإِنْسَانٍ أَوْ زَوَّجَهَا لَهُ وَنَحْوُهُ، وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ مَاتَتْ عِنْدَهُ، أَوْ غَصَبَ دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ عَبْدًا ذَا صِنَاعَةٍ أَوْ بَهِيمَةً ثُمَّ بَاعَ ذَلِكَ أَوْ وَهَبَهُ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ اسْتَغَلَّهُ إلَى أَنْ تَلِفَ عِنْدَهُ، ثَمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ فَلَهُ تَضْمِينُ أَيُّهُمَا شَاءَ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ الْجَارِيَةَ (أَوْ وَهَبَهَا وَنَحْوُهُمَا) بِأَنْ جَعَلَهَا صَدَاقًا أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ عَنْ قَرْضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (مِنْ كُلِّ قَابِضٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْغَاصِب تَمَلُّكًا بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ فَوَطِئَهَا) الْقَابِضُ وَأَوْلَدَهَا (فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيُّهُمَا شَاءَ) أَيْ الْغَاصِبَ أَوْ الْقَابِضَ (نَقْصَهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ.
(وَمَهْرَهَا وَأُجْرَتَهَا وَأَرْشَ بَكَارَتِهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إنْ تَلِفَ) وَلَدُهَا (فَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْغَاصِبَ) ذَلِكَ (رَجَعَ) الْغَاصِبُ (عَلَى الْآخَرِ) وَهُوَ الْقَابِضُ مِنْهُ بِمَا ضَمَّنَهُ لَهُ الْمَالِكُ (لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ) الْعَادِيَةِ، حَيْثُ عَلِمَ بِالْغَصْبِ (وَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْآخَرَ) أَيْ الْقَابِضَ مِنْ الْغَاصِبِ الْعَالِمِ بِالْحَالِ جَمِيعَ ذَلِكَ (لَمْ يَرْجِعْ) الْقَابِضُ بِمَا غَرِمَهُ (عَلَى أَحَدٍ) لِاسْتِقْرَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
(وَالنَّقْصُ وَالْأُجْرَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ) وَنَحْوِهِمَا (عَلَى الْغَاصِبِ) فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ تَضْمِينَهُمَا لِلْقَابِضِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا تَحْتَ يَدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا) أَيْ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهَبُ (بِالْغَصْبِ فَهُمَا كَالْغَاصِبِ فِي جَوَازِ تَضْمِينِهِمَا الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ) مِنْ حِينِ الْقَبْضِ لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمَا ضَمَانَهُ) أَيْ بِمَا لَا يَقْتَضِي الْعَقْدُ ضَمَانَهُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ
فَعَقْدُ الْبَيْعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، حَتَّى لَوْ تَلِفَ فَاتَ مَجَّانًا بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِيَّ تَبَعًا لِلْعَيْنِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْعَيْنِ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا أَعْطَى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ خَاصَّةً فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ وَالْعَيْنُ مَعَهُ أَمَانَةٌ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهَا.
الْوَدِيعَةُ وَالْهِبَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ ضَمَانِ الْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةِ وَالْعَارِيَّةُ تَقْتَضِي ضَمَانَ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَهَكَذَا تَقُولُ فِي كُلِّ عَقْدٍ بِحَسَبِهِ إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَالْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ يَدُ الْمُشْتَرِي، وَالْمُسْتَعِيرِ وَإِلَيْهِمَا.
أَشَارَ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْمُشْتَرِيَ) الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (أَوْ) ضَمَّنَ (الْمُسْتَعِيرَ) الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (رَجَعَا) أَيْ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْغَاصِبِ (بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ) إذْ هِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِمَا (دُونَ الْعَيْنِ) فَإِنَّهَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمَا لِدُخُولِهِمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى ضَمَانِهَا.
الثَّالِثَةُ يَدُ الْمُسْتَأْجِرُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (الْمُسْتَأْجِرُ) إنْ جَهِلَ الْغَصْبَ (عَكْسُهُمَا) يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ ضَمِنَهُمَا الْمُسْتَأْجِرَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ.
الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ: الْمُمَلِّكُ بِلَا عِوَضٍ وَالْقَابِضُ بِعَقْدِ أَمَانَةٍ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْمُودَعَ) وَلَمْ يَكُنْ فَرَّطَ (أَوْ الْمُتَّهَبَ) وَمِثْلُهُ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَالْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ: الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (رَجَعَا) أَيْ: الْمُودَعُ وَالْمُتَّهَبُ (بِهِمَا) عَلَى الْغَاصِبِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمَا لِتَغْرِيرِهِ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ وَمِثْلُ الْمُودَعِ الْوَكِيلُ وَالْمُرْتَهِنُ وَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْأَمِينَ فِي الرَّهْنِ إذَا بَاعَا وَقَبَضَا الثَّمَنَ ثَمَّ بَانَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ أَيْ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْعَيْنِ لَا يُطَالِبُ الْوَكِيلَ بِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ.
(وَإِنْ ضَمَّنَ) الْمَالِكُ (الْغَاصِبَ رَجَعَ) الْغَاصِبُ (عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ) الْقَابِضُ (عَلَيْهِ لَوْ ضَمَّنَهُ) الْمَالِكُ ابْتِدَاءً فَفِي مَسْأَلَتَيْ الْوَدِيعَةِ وَالْهِبَةِ إذَا ضُمِّنَ الْغَاصِبُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُتَّهَبِ، وَلَا عَلَى الْوَدِيعِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ كَالْمُتَّهَبِ.
(وَيَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْغَاصِبِ مَا دَفَعَا إلَيْهِ مِنْ الْمُسَمَّى) فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ (بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ جَهِلَا أَوْ عَلِمَا بِالْغَصْبِ لِانْتِفَاءِ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُؤَجِّرَ لَيْسَ مَالِكًا
وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فَلَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَلَا الْأُجْرَةَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَقَرَّا بِالْمِلْكِ لِلْغَاصِبِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الدَّعَاوَى وَمَفْهُومُ الْمُنْتَهَى: إنْ أَقَرَّا بِالْمِلْكِ لَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُمَا مُؤَاخَذَةٌ لَهُمَا بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِمَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ لَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فَفِي الرُّجُوعِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَقَدْ يَخْرُجُ كَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْتَنِدُ الْيَدِ وَقَدْ بَانَ عُدْوَانُهَا انْتَهَى.
وَلَوْ طَالَبَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إذَا كَانَ أَزِيدَ مِنْ الْقِيمَةِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُتَّجِرِ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ) الْمَغْصُوبَةُ (مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ) وَلَدَتْ مِنْ (مُتَّهَبٍ فَالْوَلَدُ حُرٌّ) حَيْثُ لَمْ يَعْلَمَا الْحَالَ لِلْغَرَرِ (وَيَفْدِيهِ) أَبُوهُ (بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وَضْعِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَرْجِعُ) الْغَارِمُ (بِالْفِدَاءِ عَلَى الْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ (وَإِنْ تَلِفَتْ) الْجَارِيَةُ (عِنْدَ مُشْتَرٍ) جَاهِلٍ بِالْحَالِ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا يَرْجِعُ بِهَا وَلَا بِأَرْشِ بَكَارَةٍ) عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَتِهَا (بَلْ) يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الْجَاهِلُ بِالْحَالِ عَلَى الْغَاصِبِ (بِثَمَنٍ) أَخَذَهُ الْغَاصِبُ مِنْهُ.
(وَ) بِ (مَهْرٍ وَأُجْرَةِ نَفْعٍ وَثَمَرَةِ) بُسْتَانٍ (وَكَسْبِ) قِنٍّ (وَقِيمَةِ وَلَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ (وَ) كَذَا (نَقْصِ وِلَادَةٍ وَمَنْفَعَةٍ فَائِتَةٍ) إذَا غَرِمَهُمَا الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِمَا عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مِنْ كُلِّ قَابِضٍ مِنْ الْغَاصِبِ بِمَا يَرْجِعُ) الْغَاصِبُ (بِهِ عَلَى الْقَابِضِ مِنْهُ) إذَا غَرَّمَهُ الْمَالِكُ وَمَا يَرْجِعُ بِهِ الْقَابِضُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ فَإِنْ قُلْتَ أَيْنَ تَقَدَّمَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمَا ضَمَانَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالْمُتَّهَبَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ كُلِّ قَابِضٍ إذَا غَرَّمَهُمَا الْمَالِكُ يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا لَا يَقْتَضِي الْعَقْدُ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمَا مَا اقْتَضَى الْعَقْدُ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ رَدَّهَا) أَيْ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرِي (حَامِلًا فَمَاتَتْ مِنْ الْوَضْعِ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْوَاطِئِ) ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِسَبَبِ وَطْئِهِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا وَغَرِمَ الْقِيمَةَ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غُرْمٌ.
السَّادِسَةُ يَدُ الْمُتَزَوِّجِ لِلْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا تَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَمَاتَتْ وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ عَالِمٍ) بِالْغَصْبِ (فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ) تَبَعًا لِأُمِّهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ حُرِّيَّتَهُ أَوْ يَغُرُّ
بِحُرِّيَّتِهَا (يَجِبُ) عَلَى الزَّوْجِ (رَدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا) كَأُمِّهِ.
(وَإِنْ تَلِفَ) الْوَلَدُ (فَفِيهِ الْقِيمَةُ لِلْمَالِكِ) كَمَا تَقَدَّمَ (يَأْخُذُهَا) الْمَالِكُ (مِمَّنْ شَاءَ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ الزَّوْجِ فَإِنْ ضَمِنَ الزَّوْجُ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ (وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجُ لِاسْتِقْرَارِ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ) الْجَارِيَةُ (فِي حِبَالِ الزَّوْجِ فَقَرَارُ الضَّمَان عَلَى الْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ النِّكَاحِ عَدَمُ ضَمَانِهَا عَلَى الزَّوْجِ (فَإِنْ اسْتَخْدَمَهَا الزَّوْجُ وَغَرِمَ) لِلْمَالِكِ (الْأُجْرَةَ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَقْتَضِي اسْتِخْدَامَ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَقَطْ فَلَا تَغْرِيرَ (وَإِنْ أَعَارَهَا) أَيْ أَعَارَ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ (فَتَلِفَتْ ضَمِنَ مُسْتَعِيرٌ غَيْرُ عَالِمِ الْعَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى عَقْدِ الْعَارِيَّةِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ.
(وَ) غَرِمَ (غَاصِبُ الْأُجْرَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَعْرُوفِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ (ضَمِنَهَا) أَيْ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (الْمُسْتَعِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَغْرِيرَ.
السَّابِعَةُ يَدُ الْمُتَصَرِّفِ فِي الْمَالِ بِمَا يُنْمِيهِ كَالْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُسَاقِي وَالْمُزَارِعِ إذَا تَلِفَ ذَلِكَ بِيَدِ الْعَامِلِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ وَأُجْرَةِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إلَّا حِصَّتَهُمْ مِنْ الرِّبْحِ وَالثَّمَرِ وَنَحْوِهِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُهَا وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ بِمَا قَبَضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مِنْ رِبْحٍ وَثَمَرٍ وَزَرْعٍ بِقِسْمَتِهِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَهُ مِنْ ذَلِكَ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَلِلْعَامِلِ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
الثَّامِنَةُ يَدُ الْقَابِضِ تَعْوِيضًا بِغَيْرِ عَقْدِ الْبَيْعِ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَغْصُوبُ عِوَضًا فِي نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ إيفَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ غَرِمَ قَابِضٌ وَنَحْوُهُ رَجَعَ بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ وَإِنْ غَرِمَ غَاصِبٌ رَجَعَ بِقِيمَةِ عَيْنٍ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ.
التَّاسِعَةُ يَدُ الْمُتْلِفِ لِلْمَغْصُوبِ نِيَابَةً عَنْ الْغَاصِبِ كَالذَّابِحِ لِلْحَيَوَانِ وَالطَّابِخِ لَهُ وَهَذَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ لَهُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لِلْغَاصِبِ فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ لَهُ لَكِنْ إنْ أَتْلَفَهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ كَأَنْ قَتَلَ الْعَبْدَ أَوْ أَحْرَقَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ عَالِمًا تَحْرِيمَهُ فَفِي التَّلْخِيصِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِعِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ وَرَجَّحَ الْحَارِثِيُّ دُخُولَهُ فِي قِسْمِ الْمَغْرُورِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالضَّمَانِ الْعَاشِرَةُ يَدُ الْغَاصِبِ مِنْ الْغَاصِبِ فَالْقَرَارُ عَلَى الثَّانِي مُطْلَقًا وَلَا يُطَالِبُهُ بِمَا زَادَ عَلَى مُدَّتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ بِالتَّأَمُّلِ وَمَتَى وُجِدَتْ زِيَادَةٌ بِيَدِ أَحَدِهِمَا كَسِمَنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ ثَمَّ زَالَتْ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الثَّانِي
فَكَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ الْأَوَّلِ اخْتَصَّ بِضَمَانِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَأَمَّا الْأَصْلُ فَعَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِذَا اشْتَرَى) إنْسَانٌ (أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ) الْأَرْضُ (مُسْتَحَقَّةً وَقَلَعَ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا غَرِمَهُ) بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنٍ أَقْبَضَهُ وَأُجْرَةِ غَارِسٍ وَبَانٍ وَثَمَنِ مُؤَنٍ مُسْتَهْلَكَةٍ وَأَرْشِ نَقْصٍ بِقَلْعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأُجْرَةِ دَارٍ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ بِبَيْعِهِ إيَّاهَا وَأَوْهَمَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَكَانَ سَبَبًا فِي غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ وَانْتِفَاعِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ وَ (لَا) يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي (بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ وَلَا بِخَرَاجِ الْأَرْضِ) إذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً وَغَرِمَ خَرَاجَهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً فَلَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (دَخَلَ فِي الشِّرَاءِ مُلْتَزِمًا ضَمَانَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْمَبِيعِ وَدَفْعَ خَرَاجِهِ قُلْتُ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً كَمَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْحُرَّةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَبَيْعُ الْخَرَاجِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَالْمُرَادُ هُنَا إذَا حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النُّزُولُ عَنْهَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ وَوَزْنِ الْخَرَاجِ كَمَا يَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
(وَإِنْ أَطْعَمَ) الْغَاصِبُ (الْمَغْصُوبَ لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَلَا غَرَرَ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْآكِلُ بِالْغَصْبِ (فَ) قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْآكِلَ.
(وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) الْغَاصِبُ (كُلْهُ فَإِنَّهُ طَعَامِي) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَمْلِكُهُ (وَإِنْ أَطْعَمَهُ) أَيْ أَطْعَمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ (لِمَالِكِهِ أَوْ) أَطْعَمَهُ ل (عَبْدِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (أَوْ دَابَّتِهِ فَأَكَلَهُ) الْمَالِكُ (عَالِمًا أَنَّهُ لَهُ) وَكَذَا لَوْ أَكَلَهُ عَبْدُهُ أَوْ دَابَّتُهُ بِيَدِهِ.
(وَلَوْ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (بَرِئَ الْغَاصِبُ) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ أَتْلَفَ مَالَهُ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمَالِك أَنَّهُ طَعَامُهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِدْهُ إلَى تَصَرُّفِهِ التَّامِّ وَسُلْطَانِهِ الْمُطْلَقِ إذْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ وَلَا هِبَتِهِ وَلَا إطْعَامِهِ غَيْرَهُ (أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ الْمَالِكُ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ مِنْ غَاصِبِهِ (بِقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ هَدِيَّةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ إبَاحَةِ) - الْغَاصِبِ - (لَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَبْرَأْ (أَوْ رَهَنَهُ) الْغَاصِبُ (عِنْدَهُ) أَيْ مَالِكِهِ (أَوْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ أَوْ أَجَرَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى قَصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ لَمْ يَبْرَأْ) الْغَاصِبُ (إلَّا أَنْ يُعْلِمَ) الْمَالِكَ أَنَّهُ مَالُهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ وَسَلْطَنَتَهُ وَبِالْإِطْعَامِ وَالْهِبَةِ أَوْ الْإِيدَاعِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَعُدْ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا تَسَلَّمَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ أَوْ ثُبُوتِ
بَدَلِهِ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ تَحَمُّلِهِ مِنَّتِهِ وَرُبَّمَا كَافَأَهُ فِي الْهِبَةِ لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ إذَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ قَرْضًا أَوْ شِرَاءً مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالُوا: لَا شَيْءَ لَهُ لِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا كَمَا فِي الْعَارِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَمَا قَالَ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ عَلَى بَذْلِ الْعِوَضِ فَلَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ وَقَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى.
" تَنْبِيهٌ " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا إذَا أَجَرَهُ لِمَالِكِهِ لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ (وَإِنْ أَعَارَهُ) أَيْ أَعَارَ الْغَاصِبُ الْمَالِكَ (إيَّاهُ) أَيْ الْمَغْصُوبَ (بَرِئَ) الْغَاصِبُ (عَلِمَ) الْمَالِكُ أَنَّهُ مَالُهُ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لَكِنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأُجْرَةِ مَنْفَعَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ وَإِنْ صَدَرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَالِكِ الْغَاصِبِ بِأَنْ وَهَبَهُ الْمَغْصُوبَ أَوْ أَوَدَعَهُ إيَّاهُ وَنَحْوَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ الْمَغْصُوبَةَ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِبَيِّنَةٍ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ رَدَّ بَائِعُهُ مَا أَخَذَ.
(وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَوْ أَمَةً (فَأَعْتَقَهُ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ) أَيْ الْقِنَّ (مِنْهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي (لَمْ يُقْبَلْ) تَصْدِيقُهُ (عَلَى الْآخَرِ) الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (وَإِنْ صَدَّقَاهُ) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (مَعَ الْعَبْدِ لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَأَنْكَرَهُ الْعَبْدُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَكَذَا إنْ صَدَّقَاهُ دُونَ الْعَبْدِ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا.
(وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ فَإِنْ ضَمِنَ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِالثَّمَنِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ وَخَلَفَ مَالًا فَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (لِلْمُدَّعِي) لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَهُ (إلَّا أَنْ يَخْلُفَ) الْقِنُّ (وَارِثًا) فَالْمَالُ لَهُ لِلْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْقِنِّ (وَلَاءٌ) ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيهِ.
(وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ) مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ (بَطَلَ الْبَيْعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَالِكٍ وَلَا مَأْذُونٍ (وَ) بَطَلَ (الْعِتْقُ) لِتَرَتُّبِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْبَاطِلِ (وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ) لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، (وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَعْتِقْهُ) وَادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ.
(وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ انْتَقَضَ الْبَيْعُ) أَيْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ انْعِقَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَالِكٍ وَلَا مَأْذُونِهِ (وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ) لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (بِذَلِكَ) أَيْ بِأَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْ الْمُدَّعِي فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ (وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا) بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي مِنْ غَصْبِ الْقِنِّ (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ (عَلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ) هُوَ (الْبَائِعَ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ لِلْمُدَّعِي) ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيُقِرُّ الْعَبْدُ فِي يَد الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فِي الظَّاهِرِ (وَلِلْبَائِعِ إحْلَافُهُ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِحَّةَ إقْرَارِهِ فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، (ثَمَّ إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي) بِهِ لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُسْقِطُهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (قَدْ قَبَضَهُ) أَيْ الثَّمَنَ (فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي اسْتِرْجَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ وَمَتَى عَادَ الْعَبْدُ إلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ) لِلْبَيْعِ (أَوْ غَيْرِهِ مِنْ) إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهَا (لَزِمَهُ) أَيْ الْبَائِعَ (رَدُّهُ) أَيْ الْعَبْدِ (إلَى مُدَّعِيهِ) لِاعْتِرَافِهِ بِالْمِلْكِ (وَلَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَخَذَ مِنْهُ) فِي نَظِيرِ الْحَيْلُولَةِ لِزَوَالِهَا.
(وَإِنْ كَانَ إقْرَارُ الْبَائِعِ) بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ) فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا يَفْسَخُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ خِيَارَ مَجْلِسٍ أَوْ خِيَارَ شَرْطٍ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحَدَهُ لَا لِلْمُشْتَرِي وَحَدَهُ (وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ) بِأَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ هُوَ (الْمُشْتَرِي وَحَدَهُ لَزِمَهُ رَدُّ الْعَبْدِ) لِلْمُدَّعِي لِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ.
(وَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يَمْلِكُ) الْمُشْتَرِي (الرُّجُوعَ عَلَيْهِ) أَيْ الْبَائِعِ (بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ) الْبَائِعُ (قَبَضَهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي (دَفْعُهُ) أَيْ الثَّمَنِ (إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ) الْبَائِعُ (قَبَضَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ (وَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً مَا أَقَرَّ بِهِ) مِنْ غَصْبِ الْبَائِعِ لِلْعَبْدِ (قُبِلَتْ) بَيِّنَتُهُ لِعَدَمِ مَا يُنَافِيهَا.
(وَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ) حِينَئِذٍ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ (وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ) هُوَ (الْمُقِرَّ) بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ الْمُدَّعِي (وَأَقَامَ بَيِّنَةً) بِمَا أَقَرَّ بِهِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (فِي حَالِ الْبَيْعِ قَالَ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا أَوْ) قَالَ بِعْتُك (مِلْكِي لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ) أَيْ الْبَائِعِ؛ (لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهَا) بِقَوْلِهِ عَبْدِي هَذَا أَوْ مِلْكِي.
(وَإِلَّا) يَقُلْ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ (قُبِلَتْ) بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَغَيْرَهُ (وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ سُمِعَتْ) بَيِّنَتُهُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ وَكَذَا الْعِتْقُ إنْ كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا (وَإِنْ أَنْكَرَاهُ) أَيْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعَى الْعَبْدِ جَمِيعًا (فَلَهُ إحْلَافُهُمَا) لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»
تَتِمَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يَجِدُ سَرِقَتَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهَا قَالَ: هُوَ مِلْكُهُ يَأْخُذهُ أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَتْبَعُ الْمُبْتَاعُ مَنْ بَاعَهُ» رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَمُوسَى بْنُ السَّائِبِ ثِقَةٌ.
[فَصْلٌ تَلَفُ الْمَغْصُوبِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ) بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَمَاتَ أَوْ مَتَاعًا فَاحْتَرَقَ وَنَحْوَهُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ لَوْ غَصَبَهُ مَرِيضًا فَمَاتَ فِي يَدِهِ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ضَمِنَهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ (أَوْ أَتْلَفَهُ الْغَاصِبُ أَوْ) أَتْلَفَهُ (غَيْرُهُ) بِأَنْ قَتَلَ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ أَوْ أَحْرَقَ الْمَتَاعَ الْمَغْصُوبَ.
(وَلَوْ) كَانَ إتْلَافُ غَيْرِ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ (بِلَا غَصْبٍ) بِأَنْ أَتْلَفَهُ بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَ إلَى يَدِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ (ضَمِنَهُ) الْغَاصِبُ أَوْ مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ (بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةٌ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (تَمَاثَلَتْ أَجْزَاؤُهُ أَوْ تَبَايَنَتْ كَالْأَثْمَانِ وَلَوْ نَقْرَةٍ أَوْ سَبِيكَةٍ وَ) كَ (الْحُبُوبِ) مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَأُرْزٍ وَدُخْنٍ وَذُرَةٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَّاءٍ وَنَحْوِهَا.
(وَ) كَ (الْأَدْهَانِ) مِنْ سَمْنٍ وَشَيْرَجٍ وَزَيْتٍ وَكَذَا سَائِرُ الْمَائِعَاتِ وَالثِّمَارِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَبُنْدُقٍ وَلَوْزٍ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ فِي الرِّبَا مُفَصَّلَةً فَيَضْمَنُ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ (إذَا كَانَ) حِينَ التَّلَفِ (بَاقِيًا عَلَى أَصْلِهِ) أَيْ حَالِهِ حِينَ الْغَصْبِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ مَا يُوزَنُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ انْتَهَى؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَى الْمُنْضَبِطِ مِنْ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهِ مُمَاثِلًا لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى بِخِلَافِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهَا مُمَاثِلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ فَقُدِّمَ مَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةَ كَالنَّصِّ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِدْرَاكَ بِالسَّمَاعِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الِاجْتِهَادُ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (كَرُطَبٍ صَارَ) وَقْتَ التَّلَفِ (تَمْرًا أَوْ سِمْسِمٍ صَارَ) بَعْدَ الْغَصْبِ (شَيْرَجًا ضَمَّنَهُ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (الْمَالِكُ) لِلْغَاصِبِ وَنَحْوه (بِمِثْلِ أَيِّهِمَا أَحَبَّ) لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِثْلَيْنِ فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا
وَسِمْسِمًا اعْتِبَارًا بِحَالِ الْغَصْبِ أَوْ تَمْرًا وَشَيْرَجًا اعْتِبَارًا بِحَالَةِ التَّلَفِ (وَالدَّرَاهِمُ الْمَغْشُوشَةُ الرَّائِجَةُ مِثْلِيَّةٌ) لِتَمَاثُلِهَا عُرْفًا وَلِأَنَّ أَخْلَاطَهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وَكَذَا الْفُلُوسُ وَتَقَدَّمَ فِي الْقَرْضِ.
" تَنْبِيهٌ " يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْمِثْلِيّ بِمِثْلِهِ: الْمَاءُ فِي الْمَفَازَةِ فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَجَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ: وَيُيَمَّمُ رَبُّ مَاءٍ مَاتَ لِعَطَشِ رَفِيقِهِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ لِوَرَثَتِهِ.
(وَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْبَلَدِ أَوْ حَوْلِهِ (لِعَدَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَلَاءٍ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ (قِيمَةُ مِثْلِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ الْمِثْلِيِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فَوَجَبَ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَصْلِهِ كَالْآخَرِ (يَوْمَ إعْوَازِهِ) أَيْ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ.
فَاعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَتَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ (فِي بَلَدِهِ) أَيْ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَكَانُ الْوُجُوبِ (فَلَوْ قَدَرَ) الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ (عَلَى الْمِثْلِ) بَعْدَ تَعَذُّرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ لَا بَعْدَهُ لَزِمَهُ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ كَالْمَأْمُورِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَفَقْدِ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ.
(وَ) إنْ قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ (لَمْ يَرُدَّ الْقِيمَةَ) لِيَأْخُذَ الْمِثْلَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ الْبَدَلُ كَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَوْزُونُ (مَصُوغًا مُبَاحًا) أَيْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ (كَمَعْمُولِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ) مِنْ أَسَاوِرَ وَخَلَاخِيلَ وَدَمَالِجَ وَنَحْوِهَا.
(وَ) كَمَعْمُولِ (نُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَمَغْزُولٍ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَنَحْوِهِ) كَمَغْزُولِ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ (أَوْ) كَانَ (تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ) ضُمِنَ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْقِيمَةِ.
وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ وَالْقِيمَةُ فِيهِ حَصْرٌ وَكَذَا مَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مِنْ جَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَصُوغُ (مِنْ) أَحَدِ (النَّقْدَيْنِ) قُوِّمَ بِالْآخَرِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا فَيُقَوَّمُ حُلِيُّ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَحُلِيُّ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ (أَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (مُحَلًّى بِأَحَدِهِمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ (قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) فَيُقَوَّمُ الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ بِالْفِضَّةِ وَالْمُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِالذَّهَبِ فِرَارًا مِنْ الرِّبَا.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (مُحَلًّى بِهِمَا) أَيْ بِالنَّقْدَيْنِ مَعًا (قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ) إلَى التَّقْوِيمِ بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا قِيَمٌ لِلْمُتْلِفَاتِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ يُخْبِرُ التَّقْوِيمَ.
(وَأَعْطَاهُ) أَيْ أَعْطَى الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ مَالِكَ الْمُحَلَّى بِهِمَا (بِقِيمَتِهِ عَرَضًا) ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ يُفْضِي إلَى الرِّبَا وَكَذَا لَوْ كَانَ مَصُوغًا مِنْهُمَا (وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (مُحَرَّمَ الصِّنَاعَةِ كَأَوَانِي ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحُلِيٍّ مُحَرَّمٍ ") كَسَرْجٍ وَرِكَابٍ (ضَمِنَهُ) الْغَاصِبُ وَنَحْوِهِ (بِوَزْنِهِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا.
(وَفِي الِانْتِصَارِ وَالْمُفْرَدَاتِ لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِغَيْرِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيّ وَبِغَيْرِ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَلَمْ يَلْزَمْ قَبُولُهُ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَغْصُوبُ (مِثْلِيًّا) كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ» مُتَّفَق عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا وَتَخْتَلِفُ صِفَاتُهَا فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا فَكَانَتْ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَخْضَرَ قُوِّمَ عَلَى رَجَاءِ السَّلَامَةِ وَخَوْفِ الْعَطَبِ كَالْمَرِيضِ وَالْجَانِي وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ (يَوْمَ تَلَفِهِ فِي بَلَدِ غَصْبِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَمَنُ الضَّمَانِ وَمَوْضِعُهُ (مِنْ نَقْدِهِ) أَيْ نَقْدِ بَلَدِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الضَّمَانِ (فَإِنْ كَانَ بِهِ نُقُودٌ فَمِنْ غَالِبِهَا) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اللَّفْظُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ.
(وَكَذَا مُتْلَفٌ بِلَا غَصْبٍ وَمَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) إذَا تَلِفَ أَوْ تُلِّفَ (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) أَيْ مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فِي الضَّمَانِ (مِمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ) أَيْ الْقَابِضِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ضُمِنَتْ بِمِثْلِهَا أَوْ مُتَقَوِّمَةً فَبِقِيمَتِهَا لَكِنْ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ شِرَاءً فَاسِدًا وَخَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى شَجَرَةٍ لَمْ يُضَمِّنْهُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَحَلَّ وِفَاقٍ قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ.
(فَإِنْ دَخَلَ) التَّالِفُ (فِي مِلْكِهِ) أَيْ مِلْكِ مُتْلِفِهِ (بِأَنْ أَخَذَ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ) أَخَذَ (حَوَائِجَ مِنْ بَقَّالٍ وَنَحْوِهِ) كَجَزَّارٍ وَزَيَّاتٍ (فِي أَيَّامِ) وَلَمْ يَقْطَعْ سِعْرَهَا (ثَمَّ يُحَاسِبُهُ بَعْدَ) ذَلِكَ (فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِسِعْرِ يَوْمِ أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَتْ قِيمَتُهُ) فِي ذِمَّتِهِ (يَوْمَ أَخْذِهِ) لِتَرَاضِيهِمَا عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَرُدُّ الْمِثْلَ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: فَإِنْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَنَّ الْعَقْدَ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِلَّا لَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ وَلِذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّةَ الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ وَهَذَا الْعَقْدُ جَارٍ مَجْرَى الْفَاسِدِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ الثَّمَنَ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ إقَامَةً لِلْعُرْفِ مَقَامَ النُّطْقِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَثَرٍ بَلْ يَدَّعِي أَنَّ الثَّمَنَ فِي هَذِهِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعُرْفِ فَيَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِهِ (وَلَا قِصَاصَ فِي الْمَالِ مِثْلُ شَقِّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ) بَلْ الضَّمَان بِالْبَدَلِ أَوْ الْأَرْشِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
تَفْصِيلُهُ.
(وَلَوْ غَصَبَ جَمَاعَةٌ مُشَاعًا) بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَعَقَارٍ (فَرَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ الْغَاصِبِينَ (سَهْمَ وَاحِدٍ) مِنْ الْمَالِكِينَ (إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ) أَيْ لَمْ يَطِبْ لَهُ الِانْفِرَادُ بِالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ (حَتَّى يُعْطِيَ شُرَكَاءَهُ) أَيْ إلَى أَنْ يَرُدَّ إلَى شُرَكَائِهِ مِثْلَ مَا رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ شَائِعٌ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَرْدُودِ.
(وَكَذَا لَوْ صَالَحُوهُ عَنْهُ بِمَالٍ) نَقَلَهُ حَرْبٌ أَيْ فَلَا يَطِيبُ لَهُ الِانْفِرَادُ بِهِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ بَيْعُ الْمُشَاعِ انْتَهَى أَيْ فَيَصِحُّ وَيَطِيبُ لَهُ الْمَالُ قُلْتُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَعَلَّ رِوَايَةَ حَرْبٍ جَرَتْ فِيمَا إذَا صَالَحُوهُ عَنْ سَهْمٍ مُعَيَّنٍ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ لِحِصَصِهِمْ وَاحِدًا.
وَيَصِحُّ غَصْبُ الْمُشَاعِ فَلَوْ كَانَتْ أَرْضٌ أَوْ دَارٌ لِاثْنَيْنِ فِي يَدِهِمَا فَنَزَلَ الْغَاصِبُ فِي الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ فَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ مَعَهُ عَلَى مَا كَانَ مَعَ الْمُخْرَجِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غَاصِبًا إلَّا نَصِيبَ الْمُخْرَجِ حَتَّى لَوْ اسْتَغَلَّا الْمِلْكَ وَانْتَفَعَا بِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِي مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ الْمُخْرَجِ شَيْءٌ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
(وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوبِ فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ) بِذَلِكَ (كَزَوْجَيْ خُفٍّ وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْشُ النَّقْصِ) فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ فَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي مِنْهُمَا دِرْهَمَيْنِ رَدَّهُ وَأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دِرْهَمَانِ قِيمَةُ التَّالِفِ وَدِرْهَمَانِ أَرْشُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ بِخِلَافِ نَقْصِ السِّعْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعْنًى وَهَا هُنَا فُوِّتَ مَعْنًى وَهُوَ إمْكَانُ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَلَبِسَهُ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (فَأَبْلَاهُ فَنَقَصَ) الثَّوْبُ (نِصْفَ قِيمَتِهِ) وَكَذَا لَوْ نَقَصَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ (ثَمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ إلَى عَشَرَةٍ (كَمَا كَانَتْ) قَبْلَ الْبِلَى (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ.
(وَ) رَدَّ (أَرْشَ نَقْصِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ قَبْلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ يَثْبُتُ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِغَلَاءِ الثَّوْبِ وَلَا رُخْصِهِ (وَإِنْ رَخُصَتْ الثِّيَابُ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى ثَلَاثَةٍ لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ) أَرْشُ النَّقْصِ (مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ) لِمَالِكِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ أَوْ) غَصَبَ (فَرَسًا فَشَرَدَ أَوْ) غَصَبَ (شَيْئًا فَتَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (قِيمَتَهُ) لِلْحَيْلُولَةِ (فَإِذَا أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَلَكَهَا) بِقَبْضِهَا فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ مِنْ أَجْلِ الْحَيْلُولَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ.
(وَ) لِهَذَا (لَا يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْبَيْعِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِهَا وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا وَلَا يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالْبَدَلِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ الْأَخْذِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ فَتُوقَفُ عَلَى خِيَرَتِهِ.
(وَلَا)
يَمْلِكُ الْغَاصِبُ أَيْضًا (إكْسَابَهَا) أَيْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ مِلْكِهَا (وَلَا يَعْتِقُ) الْعَبْدُ الْآبِقُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ بِبَذْلِ قِيمَتِهِ لِلْمَالِكِ (إنْ كَانَ) الْآبِقُ (قَرِيبَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ (فَإِنْ قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (بَعْدَ) عَجْزِهِ عَنْ (رَدِّهِ رَدَّهُ) لِمَالِكِهِ (بِنَمَائِهِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ (وَأَخَذَ) الْغَاصِبُ (الْقِيمَةَ بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَةِ فَقَطْ) مِنْ سِمَنٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ دَفْعُهَا مِنْ أَجْلِ الْحَيْلُولَةِ وَقَدْ زَالَتْ.
وَلَا يَرُدُّ الْمُنْفَصِلَةَ بِلَا نِزَاعٍ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ قَالَ الْمَجْدُ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ أَوْ الْحَيَوَانَ لَا يَكُونُ أَبَدًا نَفْسَ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ بَلْ بَدَلٌ عَنْهَا وَإِذَا رَجَعَ الْمَغْصُوبُ رَدَّ الْقِيمَةَ لَا بَدَلَهَا وَلَا ثَمَرَاتِهِ كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةٌ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ أَخَذَ عَنْهَا ذَهَبًا أَوْ سِلْعَةً ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِدَرَاهِمَ لَا بِبَدَلِهَا انْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ كَمَا قَالَ قُلْتُ: وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ قَدْ اسْتَقَرَّتْ بِذِمَّتِهِ فَيَتَأَتَّى التَّعْوِيضُ عَنْهَا وَهُنَا لَمْ تَثْبُتْ الْقِيمَةُ بِذِمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ فَافْتَرَقَا (إنْ كَانَتْ) الْقِيمَةُ (بَاقِيَةً وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً أَخَذَ (بَدَلَهَا) وَهُوَ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً أَوْ قِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً (وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ حَبْسُ الْعَيْنِ) الْمَغْصُوبَةِ إذَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ قِيمَتِهَا لِلْحَيْلُولَةِ (لِاسْتِرْدَادِ الْقِيمَةِ كَمَنْ اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا) وَقَبَضَ الْمَبِيعَ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ (لَيْسَ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى رَدِّ الثَّمَنِ بَلْ يُدْفَعَانِ) أَيْ الْمَغْصُوبُ وَقِيمَتُهُ أَوْ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا وَثَمَنُهُ (إلَى عَدْلٍ) يُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ (يُسَلِّمُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَالَهُ) قَطْعًا لِلنِّزَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ) عِنْدَهُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (مِثْلُهُ) أَمَّا ضَمَانُهُ فَلِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ التَّالِفِ لِذَهَابِ مَالِيَّتِهِ بِتَخَمُّرِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بِالْمِثْلِ فَلِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ (وَإِنْ انْقَلَبَ) الْخَمْرُ (خَلًّا رَدَّهُ) الْغَاصِبُ (وَ) رَدَّ (مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ أَوْ) نَقَصَ (مِنْهُ ب) سَبَبِ (غَلَيَانِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِيَدِهِ.
وَمَنْ غَصَبَ صَاعًا مِنْ عَصِيرٍ وَغَلَاهُ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُهُ فَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَنَقَلَ الْمَجْدُ عَنْ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الذَّاهِبَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ مَائِيَّةٌ وَرُطُوبَاتٌ لَا قِيمَةَ لَهَا وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ عَلَيْهِ: مِثْلُ نَقْصِهِ وَحَكَاهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَكَمَا لَوْ كَانَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ.
(وَإِنْ غَصَبَ أَثْمَانًا) لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا (فَطَالَبَهُ مَالِكُهَا بِهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ (وَجَبَ) عَلَى الْغَاصِبِ (رَدُّهَا إلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ) كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ وَطَالَبَ بِهِ مَالِكُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ (لَزِمَ) الْغَاصِبَ (دَفْعُ قِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ)
لِلْحَيْلُولَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ) وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ (وَقِيمَتُهُ فِي الْبَلَدَيْنِ) أَيْ بَلَدِ الْغَصْبِ وَبَلَدِ الطَّلَبِ (وَاحِدَةٌ أَوْ هِيَ) أَيْ الْقِيمَةُ (أَقَلُّ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَقِيَهُ) الْمَالِكُ وَطَلَبَهُ مِنْهُ (فِيهِ فَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (مُطَالَبَتُهُ بِمِثْلِهِ) لِلْحَيْلُولَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) قِيمَتُهُ بِبَلَدِ الطَّلَبِ (أَكْثَرَ) مِنْ قِيمَتِهِ بِبَلَدِ الْغَصْبِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (الْمِثْلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْغَاصِبِ (وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْغَاصِبِ (وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَتَى قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَى الْمَغْصُوبِ أَوْ) قَدَرَ (عَلَى الْمِثْلِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ رَدَّهُ) لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ.
(وَأَخَذَ) الْغَاصِبُ (الْقِيمَةَ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ لِلْحَيْلُولَةِ وَقَدْ زَالَتْ.
[فَصْلٌ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مَنْفَعَةٌ تَصِحُّ إجَارَتُهَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مَنْفَعَةٌ تَصِحُّ إجَارَتُهَا) يَعْنِي إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا يُؤَجَّرُ عَادَةً (فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدِهِ) سَوَاءٌ (اسْتَوْفَى) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ كَالْأَعْيَانِ وَحَدِيثُ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ " وَارِدٌ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْغَاصِبُ وَالْقَابِضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْ سَوْمٍ (وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (فِي الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةِ الْغَصْب بِاسْتِعْمَالٍ أَوْ لَا (كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (مَعَ الْأُجْرَةِ أَرْشُ نَقْصِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِيجَابِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَا وَالْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَفُوتُ مِنْ الْمَنَافِعِ لَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْزَاءِ (وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (أُجْرَتُهُ إلَى) حِينِ (تَلَفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِينِ التَّلَفِ لَمْ تَبْقَ لَهُ مَنْفَعَةٌ حَتَّى تُوجِبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ) أَوْ الْقَابِضِ: إنَّهُ تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ (فَيُطَالَبُ بِالْبَدَلِ) أَيْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي وَقْتِ التَّلَفِ بِيَمِينِهِ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الْأُجْرَةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وَمَا لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ) أَيْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِجَارَتِهِ (كَغَنَمٍ وَشَجَرٍ وَطَيْرٍ) وَنَحْوِهِ (مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ) تُؤَجَّرُ عَادَةً (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (لَهُ أُجْرَةٌ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اسْتِئْجَارِ الْغَنَمِ لِدِيَاسِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لِنَشْرِ الثِّيَابِ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ.
(وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ)
كَعَبْدٍ أَبِقَ وَجَمَلٍ شَرَدَ (فَأَدَّى قِيمَتَهُ) لِلْحَيْلُولَةِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ) فَقَطْ (فَإِنْ قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (بَعْدَ) أَنْ كَانَ عَجَزَ عَنْهُ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) لِمَالِكِهِ (كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ حِينِ دَفَعَ) الْغَاصِبُ (بَدَلَهُ إلَى رَدِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ بِقَبْضِ قِيمَتِهِ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي هُوَ قِيمَتُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَبِبَدَلِهِ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ.
(وَمَنَافِعُ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (كَمَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ وَالتَّفْوِيتِ) أَيْ يَضْمَنُهَا الْقَابِضُ سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ لِمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ عُقُودِ الْأَمَانَاتِ كَالْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ فَلَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهَا وَلِهَذَا يَرْجِعُ مَنْ غَرِمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْئًا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَهُ.
(وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ ذَا صَنَائِعَ لَزِمَهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (أُجْرَةُ أَعْلَاهَا) صَنْعَةً (فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي صَنْعَتَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا يَحْصُلُ لِسَيِّدِهِ بِهِ مِنْ النَّفْعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَعْلَى مَا يُحْسِنُهُ مِنْ الصَّنَائِعِ (وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ لَوْ حَبَسَ حُرًّا أَوْ اسْتَعْمَلَهُ كَرْهًا) فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ ذَا صَنَائِعَ وَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ أَعْلَاهَا.
[فَصْلٌ تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةِ]
(فَصْلٌ وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةِ) وَكَذَا غَيْرُ الْغَاصِبِ (وَهِيَ) أَيْ التَّصَرُّفَاتُ الْحُكْمِيَّةُ (مَا لَهَا حُكْمٌ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ فَسَادٍ) أَيْ مَا تُوصَفُ تَارَةً بِالصِّحَّةِ وَتَارَةً بِالْفَسَادِ (كَالْحَجِّ مِنْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ) الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَغْصُوبِ إذَا فَعَلَهَا عَالِمًا ذَاكِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ كَالصَّلَاةِ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ وَالْوُضُوءِ مِنْ مَاءٍ مَغْصُوبٍ وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ بِخِلَافِ عِبَادَةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِقَادِ.
(وَالْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ) لِلْمَغْصُوبِ (وَالْإِنْكَاحِ كَأَنْ أَنْكَحَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ وَنَحْوَهَا) أَيْ نَحْوَ الْمَذْكُورَاتِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ (تَحْرُمُ وَلَا تَصِحُّ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ لِحَدِيثِ: «مَنْ عَمَلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أَيْ مَرْدُودٌ (وَتَحْرُمُ) التَّصَرُّفَاتُ (غَيْرُ الْحُكْمِيَّةِ) فِي الْمَغْصُوبِ (كَإِتْلَافِ) الْمَغْصُوبِ
(وَاسْتَعَمَّا لِ) هـ (كَأَكْلِ) الْمَغْصُوبِ (وَلُبْسِ) هـ (وَنَحْوِهِمَا) كَرُكُوبِهِ وَحَمْلٍ عَلَيْهِ وَسُكْنَى الْعَقَارِ لِحَدِيثِ: «إنَّ أَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» .
(وَإِنْ اتَّجَرَ) الْغَاصِبُ (بِعَيْنِ الْمَالِ) الْمَغْصُوبِ بِأَنْ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَاتَّجَرَ بِهَا (أَوْ) اتَّجَرَ بِثَمَنِ (عَيْنِ الْمَغْصُوبِ) بِأَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهِ وَحَصَلَ رِبْحٌ (فَالرِّبْحُ وَالسِّلَعُ الْمُشْتَرَاةُ لِلْمَالِكِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَاحْتُجَّ بِخَبَرِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ أَوْ بُطْلَانِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَكَيْفَ يَمْلِكُ الْمَالِكُ الرِّبْحَ وَالسِّلَعَ؟ لَكِنَّ نُصُوصَ أَحْمَدَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ فَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ فَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْغَاصِبِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُغْنِي وَبَنَاهُ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْغَصْبِ يَطُولُ بِطُولِ الزَّمَانِ فَيَشُقُّ اعْتِبَارُهُ وَخَصَّ ذَلِكَ بِمَا طَالَ زَمَنُهُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ثَمَّ نَقَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ الْغَصْبِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى مُقَيَّدِهِ وَحَمَلَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِ الْقَوَاعِدِ عَلَى أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ وَحَمَلَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى مَا إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ وَرَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ اشْتَرَى) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَهَا) أَيْ عَيْنَ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَوْ ثَمَنَهَا.
(وَلَوْ مِنْ وَدِيعَةِ عَبْدِهِ أَوْ قَارَضَ بِهِمَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ (وَلَوْ) كَانَ الشِّرَاءُ (بِغَيْرِ نِيَّةِ نَقْدِهِ) أَيْ الثَّمَنِ مِنْ الْغَصْبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ (فَالْعَقْدُ) أَيْ الشِّرَاءُ (صَحِيحٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لَهُ (وَالْإِقْبَاضُ فَاسِدٌ أَيْ غَيْرُ مُبَرِّئٍ) لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ فِيهِ (وَالرِّبْحُ وَالسِّلَعُ) فِي الْمُضَارَبَةِ وَغَيْرِهَا (الْمُشْتَرَاةُ لِلْمَالِكِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ادْفَعْ إلَيْهِ دَرَاهِمَهُ بِنِتَاجِهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ عَيْنٍ أَوْ ذِمَّةٍ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ لِلْمَالِكِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا صَحَّ لِكَوْنِهِ وَاقِعًا فِي ذِمَّةِ الْعَاقِدِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يَقَعْ فِي ذِمَّتِهِ؟ وَمَأْخَذُ الصِّحَّةِ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ نَتِيجَةُ مِلْكِهِ فَكَانَ كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ عَيْنِهِ وَهَذَا قَضَاءٌ بِالدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ قَهْرًا كَدُخُولِ الْمِيرَاثِ بِالْإِرْثِ لَا فِي الْعَامِلِ وَلَا فِي غَيْرِهِ فِيهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ شَيْءٌ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ثَمَّ إنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِالْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَلَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
(وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ مُبَاحٌ) أَيْ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مُبَاحٍ (أَكَلَ عَادَتَهُ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (لَا مَا لَهُ عَنْهُ غِنًى كَحَلْوَى وَفَاكِهَةٍ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ إذْ لَا مُبِيحَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ (فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ) بِأَنْ قَالَ الْغَاصِبُ: قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَقَالَ الْمَالِكُ: اثْنَا عَشَرَ فَقَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي زِيَادَةِ قِيمَتِهِ: هَلْ زَادَتْ قَبْلَ تَلَفِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي صِنَاعَةٍ فِيهِ وَلَا بَيِّنَةَ) لِأَحَدِهِمَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ) فَقَالَ الْغَاصِبُ: رَدَدْتُهُ وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ فَقَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ (فِيهِ بَعْدَ تَلَفِهِ) بِأَنْ قَالَ الْغَاصِبُ:
كَانَ الْعَبْدُ أَعْمَى مَثَلًا وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ (فَقَوْلُ الْمَالِكِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ (لَكِنْ لَوْ شَاهَدَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَبْدَ مَعِيبًا عِنْدَ الْغَاصِبِ فَقَالَ الْمَالِكُ حَدَثَ) الْعَيْبُ (عِنْدَ الْغَاصِبِ وَقَالَ الْغَاصِبُ: بَلْ كَانَ) الْعَيْبُ (فِيهِ قَبْلَ غَصْبِهِ فَقَوْلُ الْغَاصِبِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
(وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يُعْرَفُ أَرْبَابَهَا فَسَلَّمَهَا إلَى الْحَاكِمِ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (قَبُولُهَا بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهَا) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْحَاكِمِ لَهَا قَائِمٌ مَقَامَ قَبْضِ أَرْبَابِهَا لَهَا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُمْ (وَلَهُ) أَيْ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَغْصُوبُ (الصَّدَقَةُ بِهَا عَنْهُمْ) أَيْ أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ يُرَادُ لِمَصْلَحَةِ الْمَعَاشِ أَوْ الْمَعَادِ وَمَصْلَحَةُ الْمَعَادِ أَوْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ.
وَقَدْ تَعَيَّنَتْ هَهُنَا لِتَعَذُّرِ الْأُخْرَى (بِشَرْطِ ضَمَانِهَا) لِأَرْبَابِهَا إذَا عَرَفَهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِدُونِ الضَّمَانِ إضَاعَةٌ لِمَالِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ بَدَلٍ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَانِهِ أَيْ مَكَانِ الْغَاصِبِ إنْ عَرَفَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُرَاعَى الْفُقَرَاءُ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَنَقَلَ صَالِحٌ أَوْ بِالْقِيمَةِ وَلَهُ شِرَاءُ عَرَضٍ بِنَقْدٍ وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةُ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ نَصًّا (كَلُقَطَةٍ) حُرِّمَ الْتِقَاطُهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ رَبِّهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ أَوْ يَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ.
وَإِذَا أُنْفِقَتْ كَانَتْ لِمَنْ يَأْخُذُ بِالْحَقِّ مُبَاحَةً كَمَا أَنَّهَا مَنْ يَأْكُلُهَا بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمَةٌ وَبِكُلِّ حَالٍ تَرْكُ الْأَخْذِ أَجْوَدُ مِنْ الْقَبُولِ، وَإِذَا صَحَّ الْأَخْذُ كَانَ أَفْضَلَ أَعْنِي الْأَخْذَ وَالصَّرْفَ إلَى النَّاسِ الْمُحْتَاجِينَ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَهُنَاكَ التَّرْكُ أَوْلَى وَمِنْ الصَّدَقَةِ بِمَا ذُكِرَ: وَقْفُهُ أَوْ شِرَاءُ عَيْنٍ بِهِ يَقِفُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ نَصًّا (وَيَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (إثْمُ الْغَصْبِ)
بِدَفْعِهَا لِلْحَاكِمِ أَوْ الصَّدَقَةِ بِهَا عَنْ رَبِّهَا بِشَرْطِ ضَمَانِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ عَنْ الرَّدِّ لِلْمَالِكِ لِجَهْلِهِ بِهِ.
وَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا فَالثَّوَابُ لِأَرْبَابِهَا (وَكَذَا رُهُونٌ وَوَدَائِعُ وَسَائِرُ الْأَمَانَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ) كَالسَّرِقَةِ وَالنَّهْبِ إذَا جُهِلَ رَبُّهَا دَفَعَهَا لِلْحَاكِمِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا بِشَرْطِ ضَمَانِهَا لَهُ؛ لِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ بِهَا عَنْهُمْ جَمْعًا بَيْنَ مَصْلَحَةِ الْقَابِضِ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ بِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَتَخَرَّجُ جَوَازُ أَخْذِ الْفُقَرَاءِ مِنْ الصَّدَقَةِ مِنْ يَدِ مَنْ مَالُهُ حَرَامٌ كَقُطَّاعِ طَرِيقٍ وَأَفْتَى الْقَاضِي بِجَوَازِهِ.
(وَلَيْسَ لِمَنْ هِيَ) أَيْ: الْغُصُوبُ وَالْأَمَانَاتُ الْمَجْهُولَةُ أَرْبَابُهَا (عِنْدَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا) وَلَوْ كَانَ (فَقِيرًا) مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: الدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ مُسْتَحِقِّهَا نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: تَصَدَّقْ عَنِّي بِدَيْنِي الَّذِي لِي عَلَيْك لَمْ يَبْرَأْ بِالصَّدَقَةِ وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ بَاطِنًا، وَإِذَا أَرَادَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ جَهِلَ مَالِكَهَا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا عَنْ مَالِكِهَا.
فَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ الْجَوَازُ فِيمَنْ اشْتَرَى آجُرًّا وَعَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ مَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَرْبَابٌ: أَرْجُو إنْ أُخْرِجَ قِيمَةَ الْآجُرِّ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ إثْمِهِ وَقَدْ يَتَخَرَّجُ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ جَوَازِ شِرَاءِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ.
(وَإِذَا تَصَدَّقَ) الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ (بِالْمَالِ) الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ الْمَجْهُولِ رَبُّهُ (ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ خُيِّرَ بَيْنَ الْآجُرِّ وَبَيْنَ الْأَخْذِ) لِلْبَدَلِ (مِنْ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنْ) اخْتَارَ الْآجُرَّ فَذَاكَ.
(وَإِنْ اخْتَارَ الْأَخْذَ مِنْ) الْمُتَصَدِّقِ (فَلَهُ ذَلِكَ وَالْآجُرُّ لِلْمُتَصَدِّقِ) عَمَّا تَصَدَّقَ بِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا عَرَفَ رَدُّ مَا فَعَلَهُ مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ كَمَنْ مَاتَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ وَلَا حَاكِمَ.
(وَلَوْ نَوَى) الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ (جَحْدَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ) الْغَصْبِ أَوْ الْأَمَانَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَيَاةِ رَبِّهِ (أَوْ) نَوَى جَحْدَ (حَقٍّ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ فَثَوَابُهُ لَهُ) أَيْ: لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ جَحْدِهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ إتْلَافِهِ إذَنْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِوَرَثَةِ رَبِّهِ بِمَوْتِهِ فَكَانَ ثَوَابُهُ لَهُ (وَإِلَّا) يَنْوِي جَحْدَ مَا ذُكِرَ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ (فَ) ثَوَابُهُ (لِوَرَثَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُدِمَ عَلَيْهِمْ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَاتَ عَلَيْهِ قَهْرًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ.
(وَلَوْ نَدِمَ) الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ عَلَى تَعَدِّيهِ (وَرَدَّ مَا غَصَبَهُ) أَوْ سَرَقَهُ وَنَحْوَهُ (عَلَى الْوَرَثَةِ بَرِئَ) الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ مِنْ (إثْمِهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَسْرُوقِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (لَا مِنْ إثْمِ الْغَصْبِ) فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ بَلْ يَبْقَى
عَلَيْهِ إثْمُ مَا أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِ مَالِكِهِ مِنْ أَلَمِ الْغَصْبِ وَمَضَرَّةِ الْمَنْعِ مِنْ مِلْكِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَلَا يَزُولُ إثْمُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّوْبَةِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّ بِالضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ بِلَا تَوْبَةٍ يَزُولُ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ حَقِّ اللَّهِ وَذَكَر الْمَجْدُ فِيمَنْ ادَّانَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ فَعَجَزَ: لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِير: بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحِلُّ وِفَاقٍ (وَلَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمَالَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ (وَارِثُ الْغَاصِبِ) أَوْ السَّارِقِ وَنَحْوُهُ (فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ) أَوْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ (مُطَالَبَتُهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ أَوْ السَّارِقِ وَنَحْوِهِ (فِي الْآخِرَةِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْمَظَالِمَ لَوْ انْتَقَلَتْ لَمَا اسْتَقَرَّ لِمَظْلُومٍ حَقٌّ فِي الْآخِرَةِ.
[فَصْلٌ فِيمَا يُضْمَنُ بِهِ الْمَالُ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ]
(فَصْلٌ) فِيمَا يُضْمَنُ بِهِ الْمَالُ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ (وَمَنْ أَتْلَفَ) مِنْ مُكَلَّفٍ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ رَبُّهُ (وَلَوْ) كَانَ الْإِتْلَافُ (خَطَأً أَوْ سَهْوًا مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ (ضَمِنَهُ) أَيْ: ضَمِنَ الْمُتْلِفُ مَا أَتْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَتَلِفَ عِنْدَهُ وَاحْتُرِزَ بِالْمَالِ عَنْ الْكَلْبِ وَالسَّرْجَيْنِ النَّجَسِ وَنَحْوِهِمَا (سِوَى إتْلَافِ حَرْبِيٍّ مَالَ مُسْلِمٍ) وَعَكْسِهِ وَعَادَلَ مَالَ بَاغٍ وَعَكْسِهِ حَالَ الْحَرْبِ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُتْلِفُ وَيَأْتِي (وَغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ كَمَالِ حَرْبِيٍّ وَصَائِلٍ وَرَقِيقٍ حَالَ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ وَنَحْوهِمْ) كَآلَاتِ لَهْوٍ وَآنِيَةِ خَمْرٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَصَلِيبٍ وَصَنَمٍ وَنَحْوِهَا (لَا يَضْمَنُهُ) مُتْلِفُهُ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ وَيَأْتِي.
(وَإِنْ أُكْرِهَ إنْسَانٌ عَلَى إتْلَافِهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمَضْمُونِ (ضَمِنَهُ مُكْرِهُهُ) وَلَوْ كَانَ مَالَ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مِنْ الْمُكْرِهِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَهُوَ كَالْآلَةِ.
(وَمَنْ أَغْرَى ظَالِمًا بِأَخْذِ مَالِ إنْسَانٍ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ مَالِهِ (ضَمِنَهُ) الْمُغْرِي لِتَسَبُّبِهِ (أَفْتَى بِهِ ابْنُ الزَّرِيرَانِيِّ) وَلَعَلَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْإِغْرَاءِ أَوْ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ فَهْوَ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ.
(وَإِنْ غَرِمَ) إنْسَانٌ (بِسَبَبِ كَذِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَلَهُ) أَيْ: الْغَارِمِ (تَغْرِيمُ الْكَاذِبِ) لِتَسَبُّبِهِ فِي ظُلْمِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخِذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْحَجْرِ) وَتَقَدَّمَتْ لَهُ نَظَائِرُ أَيْضًا وَمِثْلُهُ مَنْ شَكَا إنْسَانًا ظُلْمًا فَأَغْرَمَهُ شَيْئًا لِحَاكِمٍ سِيَاسِيٍّ كَمَا أَفْتَى بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ الشِّهَابُ ابْنُ النَّجَّارِ وَلَمْ يَزَلْ مَشَايِخُنَا
يُفْتُونَ بِهِ بَلْ لَوْ غَرَّمَهُ شَيْئًا لِقَاضٍ ظُلْمًا كَانَ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ فِيمَا غَرِمَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بِمَطْلِ الْمَدِينِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي إتْلَافِهِ) أَوْ دَفَعَهُ إلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ (فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْمُتْلِفُ) مَا أَتْلَفَهُ لِتَسْلِيطِ رَبِّهِ لَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ فَتَحَ) إنْسَانٌ (قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ) مَمْلُوكٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ (أَوْ حَلَّ إنْسَانٌ قَيْدَ عَبْدِهِ أَوْ) حَلَّ قَيْدَ (أَسِيرٍ أَوْ دَفَعَ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْعَبْدِ أَوْ الْأَسِيرِ (مِبْرَدًا فَبَرَدَهُ) أَيْ: الْقَيْدَ (فَذَهَبُوا) أَيْ: الطَّائِرُ وَالْعَبْدُ وَالْأَسِيرُ ضَمِنَ الْفَاتِحُ وَالْحَالُّ وَدَافِعُ الْمَبْرَدِ لِتَسَبُّبِهِ فِي الضَّيَاع.
(أَوْ حَلَّ إنْسَانٌ رِبَاطَ سَفِينَةٍ فَغَرِقَتْ بِعُصُوفِ رِيحٍ أَوْ لَا) ضَمِنَ.
(أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلًا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (فَضَاعَتْ الدَّابَّةُ أَوْ حَلَّ رِبَاطَ فَرَسٍ) فَفَاتَتْ ضَمِنَهَا.
(أَوْ) حَلَّ (وِكَاءَ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ نَحْوُ الْقِرْبَةِ (زِقٍّ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: ظَرْفٍ (مَائِعٍ) فَانْدَفَقَ (أَوْ) حَلَّ وِكَاءَ زِقٍّ (جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ) فَانْدَفَقَ ضَمِنَهُ فَإِنْ قَرَّبَ إلَيْهِ شَخْصٌ نَارًا فَذَابَ بِهَا فَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا: يَضْمَنهُ بِقُرْبِ النَّارِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ قَالَهُ الْمَجْدُ (أَوْ بَقِيَ) الزِّقُّ (بَعْد حَلِّهِ قَاعِدًا فَأَلْقَتْهُ رِيحٌ أَوْ) أَلْقَتْهُ (زَلْزَلَةٌ فَانْدَفَقَ فَخَرَجَ) مَا فِيهِ (كُلُّهُ فِي الْحَالِ أَوْ) خَرَجَ (قَلِيلًا قَلِيلًا أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَلْ أَسْفَلُهُ) أَيْ: الزِّقِّ (فَسَقَطَ) فَانْدَفَقَ (أَوْ ثَقُلَ أَحَدُ جَانِبَيْهِ) أَيْ: الزِّقِّ بَعْدَ حَلِّ وِكَائِهِ (فَلَمْ يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَهُ) أَيْ: ضَمِنَ الْمُتَسَبِّبُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ سَوَاءٌ (تَعَقَّبَ ذَلِكَ فِعْلَهُ أَوْ تَرَاخَى عَنْهُ) وَسَوَاءٌ (هَاجَ الطَّائِرُ أَوْ الدَّابَّةُ حَتَّى ذَهَبَا أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَكَمَنْ قَطَعَ عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فَسَقَطَ فَانْكَسَرَ قَالَ فِي الْفُنُونِ: إلَّا مَا كَانَ مِنْ الطُّيُورِ يَأْلَفُ الرَّوَاحَ وَيَعْتَادُ الْعَوْدَ فَلَا ضَمَانَ فِي إطْلَاقِهِ إتْلَافًا.
(وَمِثْلُهُ لَوْ أَزَالَ يَدَ إنْسَانٍ عَنْ عَبْدٍ أَوْ) عَنْ حَيَوَانٍ (فَهَرَبَ إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا يَذْهَبُ بِزَوَالِ الْيَدِ) عَنْهُ (كَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ الْوَحْشِيَّةِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ) فَيَضْمَنهُ مَنْ أَزَالَ يَدَ رَبِّهِ عَنْهُ لِتَسَبُّبِهِ فِي فَوَاتِهِ.
(أَوْ نَفَّرَ الدَّابَّةَ بِأَنْ صَرَخَ فِيهَا حَتَّى شَرَدَتْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ) أَيْ: أَنَّهَا تَنْفِرُ بِصِيَاحِهِ فَيَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ.
(وَكَذَا لَوْ أَزَالَ يَدَهُ الْحَافِظَةَ) لِمَتَاعِهِ (حَتَّى نَهَبَهُ النَّاسُ أَوْ) حَتَّى (الدَّوَابُّ أَفْسَدَتْهُ أَوْ) أَفْسَدَتْهُ (النَّارُ أَوْ) أَفْسَدَهُ (الْمَاءُ) فَيَضْمَنُهُ (بِأَنْ فَتَحَ بَابَهُ) تَعَدِّيًا (فَيَجِيءُ غَيْرُهُ فَيَنْهَبُ الْمَالَ أَوْ يَسْرِقُهُ) أَوْ يُفْسِدُهُ بِحَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ فَلِرَبِّ الْمَالِ تَضْمِينُ فَاتِحِ الْبَابِ لِتَسَبُّبِهِ فِي الْإِضَاعَةِ (وَالْقَرَارُ عَلَى الْآخِذِ) لِمُبَاشَرَتِهِ فَإِنْ ضَمِنَهُ
رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ ضَمِنَ الْفَاتِحُ رَجَعَ عَلَى (الْآخِذِ) .
(وَلَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ يَدَ آخَرَ وَفِيهَا) أَيْ: الْيَدِ (دِينَارٌ فَضَاعَ) الدِّينَارُ (ضَمِنَهُ) الضَّارِبُ لِتَسَبُّبِهِ فِي إضَاعَتِهِ.
(وَلَوْ خَاصَمَهُ فَأَسْقَطَ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ بِيَدِهِ أَوْ هَزَّهُ حَتَّى سَقَطَتْ) عِمَامَتُهُ عَنْ رَأْسِهِ (فَتَلِفَتْ) لِوُقُوعِهَا فِي نَارٍ وَنَحْوِهَا (أَوْ) سَقَطَتْ (فِي زِحَامٍ) بِسَبَبِ هَزِّهِ وَنَحْوِهِ (فَضَاعَتْ ضَمِنَهَا) الَّذِي سَقَطَتْ بِفِعْلِهِ لِتَعَدِّيهِ قُلْتُ: فَإِنْ وَقَعَتْ فِي نَحْوِ قَذَرٍ يُنْقِصُهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ.
(وَلَوْ أَقَامَ عَمُودًا) وَنَحْوَهُ (بِجِدَارِهِ الْمَائِلِ) يَمْنَعهُ مِنْ السُّقُوطِ (فَجَاءَ آخَرُ وَرَفَعَ الْعَمُودَ) أَوْ نَحْوَهُ تَعَدِّيًا (فَسَقَطَ الْجِدَارُ فِي الْحَالِ ضَمِنَهُ) الرَّافِعُ لِلْعَمُودِ وَنَحْوِهِ لِتَعَدِّيهِ.
(وَإِنْ وَقَعَ طَائِرُ إنْسَانٍ عَلَى جِدَارٍ فَنَفَّرَهُ آخَرُ) صَاحِبُ الْجِدَارِ أَوْ غَيْرُهُ (فَطَارَ يَضْمَنُهُ الْمُنَفِّرُ) ؛ لِأَنَّ تَنْفِيرَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ رَمَاهُ) إنْسَانٌ (فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ) الرَّامِي (وَإِنْ كَانَ) فِي دَارِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ تَنْفِيرِهِ بِغَيْرِ قَتْلِهِ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ: الطَّائِرَ (وَهُوَ مَارٌّ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ) وَهُوَ مَارٌّ فِي هَوَاءِ دَارِ غَيْرِهِ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعُ الطَّائِرِ مِنْ الْهَوَاءِ.
(وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ الْمَحْلُولَةُ عَقُورًا وَجَنَتْ) بَعْدَ حَلِّهَا أَوْ فَتْحِ إصْطَبْلِهَا وَنَحْوِهِ (ضَمِنَ) الْحَالُّ وَنَحْوُهُ (جِنَايَتَهَا) ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا (كَمَا لَوْ حَلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ أَوْ سَاجُورَ كَلْبٍ فَعَقَرَا) فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَالِّ لِتَسَبُّبِهِ وَالسَّاجُورُ: خَشَبَةٌ تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْكَلْبِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَتْ) الدَّابَّةُ الْمَحْلُولَةُ (زَرْعَ إنْسَانٍ فَكَإِفْسَادِ دَابَّةِ نَفْسِهِ) زَرْعَ غَيْرِهِ (عَلَى مَا سَيَأْتِي) تَفْصِيلُهُ فِي جِنَايَاتِ الْبَهَائِمِ.
(وَلَوْ فَتَحَ) إنْسَانٌ (بَثْقًا) بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي يَحْبِسُ الْمَاءَ (فَأَفْسَدَ بِمَائِهِ زَرْعًا أَوْ بُنْيَانًا) قُلْت: أَوْ غِرَاسًا (ضَمِنَ) فَاتِحُ الْبَثْقِ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ قُلْتُ وَعَلَى قِيَاسِهِ: لَوْ فَاتَ بِهِ رَيُّ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ تُرْوَى بِسَبَبِ سَدِّهِ فَيَضْمَنُ فَاتِحُهُ خَرَاجَهُ وَعَلَى قِيَاسِهِ: لَوْ فَرَّطَ مَنْ يَلِي سَدَّ الْبَثْقِ فِيهِ فَأَزَالَهُ الْمَاءُ عِنْد عُلُوِّهِ وَأَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ فَاتَ بِهِ رَيُّ شَيْءٍ مِنْ الْأَرَاضِي.
(كَمَا لَوْ أَطْلَقَ دَابَّةً رَمُوحًا مِنْ شِكَالٍ أَيْ: تَضْرِبُ بِرِجْلِهَا) بَيَانٌ لِلرَّمُوحِ فَيَضْمَنُ مَنْ أَطْلَقَهَا مَا تَلِفَ بِهَا.
(وَإِنْ رَمَى) أَيْ: أَلْقَى (الزِّقَّ الَّذِي بَقِيَ بَعْدَ حَلِّ وِكَائِهِ قَاعِدًا إنْسَانٌ آخَرُ اخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ) أَيْ: بِالْمُلْقِي لِلزِّقِّ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ.
(وَإِنْ بَقِيَ الطَّائِرُ) بَعْدَ فَتْحِ قَفَصِهِ (وَ) بَقِيَ (الْفَرَسُ) بَعْدَ حَلِّ قَيْدِهِ أَوْ فَتْحِ إصْطَبْلِهِ (بِحَالِهِمَا فَنَفَّرَهُمَا آخَرُ ضَمِنَهُمَا الْمُنَفِّرُ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ كَدَافِعِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ مَعَ حَافِرِهَا وَكَذَا لَوْ حَلَّ إنْسَانٌ حَيَوَانًا وَحَرَّضَهُ آخَرُ فَجَنَى فَإِنَّ ضَمَانَ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُحَرِّضِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ وَثِيقَةً لَا يَثْبُتُ) الْمَالُ (إلَّا بِهَا) وَتَعَذَّرَ ثُبُوتُهُ (ضَمِنَهُ) مُتْلِفُهَا؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إضَاعَتِهِ (لَا إنْ دَفَعَ) إنْسَانٌ (مِفْتَاحًا إلَى لِصٍّ) فَسَرَقَ اللِّصُّ مَا فِي الدَّارِ الْمَدْفُوعِ مِفْتَاحُهَا إلَيْهِ فَالضَّمَانُ عَلَى اللِّصِّ دُونَ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّ اللِّصَّ مُبَاشِرٌ وَالدَّافِعَ مُتَسَبِّبٌ وَإِحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَسَبِّبِ.
(وَلَوْ حَبَسَ مَالِكٌ دَوَابَّ فَتَلِفَتْ) الدَّوَابُّ بِسَبَبِ حَبْسِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) حَابِسُ الدَّوَابِّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَبْسِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً) فِي طَرِيقٍ وَلَوْ وَاسِعًا (أَوْ أَوْقَفَهَا فِي طَرِيقٍ وَلَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (وَاسِعًا وَيَدُهُ عَلَيْهَا) بِأَنْ كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَحْوَهُ (فَأَتْلَفَتْ) الدَّابَّةُ (شَيْئًا) ضَمِنَهُ مَنْ رَبَطَهَا أَوْ أَوْقَفَهَا (أَوْ جَنَتْ) الدَّابَّةُ (بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَمٍ) ضَمِنَ رَابِطُهَا وَمُوقِفُهَا لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ طَبْعَ الدَّابَّةِ الْجِنَايَةُ بِفَمِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَإِيقَافُهَا فِي الطَّرِيقِ كَوَضْعِ الْحَجَرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ فِيهِ وَظَاهِرُهُ: لَا يَضْمَنُ جِنَايَةَ ذَنَبِهَا.
(أَوْ تَرَكَ) أَيْ: أَلْقَى (فِي الطَّرِيقِ طِينًا أَوْ قِشْرَ بِطِّيخٍ أَوْ رَشَّ فِيهِ مَاءً فَزَلِقَ بِهِ إنْسَانٌ) ضَمِنَهُ مُلْقِي الطِّينِ أَوْ الْقِشْرِ أَوْ الرَّاشُّ لَكِنْ لَوْ كَانَ الرَّاشُّ لِتَسْكِينِ الْغُبَارِ عَلَى الْمُعْتَادِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ.
(أَوْ) أَلْقَى (خَشَبَةً أَوْ عَمُودًا أَوْ حَجَرًا) فِي الطَّرِيقِ لَا فِي نَحْوِ مَطَرٍ لِيَمْشِيَ عَلَيْهِ النَّاسُ (أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ أَوْ أَسْنَدَ خَشَبَةً إلَى حَائِطٍ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَالَ إلَى السُّقُوطِ (فَتَلِفَ بِهِ) أَيْ: بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (شَيْءٌ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (ضَمِنَ) الْمُلْقِي لِذَلِكَ (مَا أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِهِ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِتَعَدِّيهِ.
(وَمَنْ ضَرَبَ دَابَّةً مَرْبُوطَةً فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَرَفَسَتْهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ صَاحِبُهَا ذَكَرَهُ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ) وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً لَا ضَمَانَ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى ضَرْبِهَا فَهُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ: الْكَلْبِ (عَادَةٌ بِذَلِكَ) الْعَقْرِ (أَوْ) اقْتَنَى كَلْبًا (لَا يُقْتَنَى) بِأَنْ لَا يَكُونَ كَلْبَ صَيْدٍ وَلَا زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ (أَوْ) اقْتَنَى كَلْبًا (أَسْوَدَ بَهِيمًا أَوْ) اقْتَنَى (كَبْشًا مُعَلَّمًا النِّطَاحَ أَوْ) اقْتَنَى (أَسَدًا أَوْ نَمِرًا أَوْ نَحْوَهُمَا مِنْ السِّبَاعِ الْمُتَوَحِّشَةِ فَعَقَرَتْ أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبًا) بِمَنْزِلِهِ أَوْ خَارِجَهُ ضَمِنَهُ مُقْتَنِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاقْتِنَائِهِ.
(أَوْ) اقْتَنَى (هِرًّا تَأْكُلُ الطُّيُورَ وَتُقَلِّبُ الْقُدُورَ فِي الْعَادَةِ مَعَ عِلْمِهِ) بِحَالِهَا (بِأَنْ تَقَدَّمَ لِلْهِرِّ عَادَةٌ بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَكْلِ الطُّيُورِ وَقَلْبِ الْقُدُورِ (ضَمِنَ) لِتَعَدِّيهِ بِاقْتِنَائِهَا إذَنْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ)
أَيْ: الْهِرِّ (عَادَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهُ) مَا أَتْلَفَهُ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ بِاقْتِنَائِهِ مَا لَا عَادَةَ لَهُ بِذَلِكَ (كَالْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقُورٍ) إذَا اقْتَنَاهُ لِنَحْوِ صَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ بَهِيمًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ.
(وَلَا فَرْقَ) فِي ضَمَانِ إتْلَافِ مَا لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ (بَيْنَ) الْإِتْلَافِ فِي (اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْعُدْوَانِ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَنَحْوِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمَخْرُوقَ ثَوْبُهُ أَوْ نَحْوُهُ (دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ) دَخَلَ (بِإِذْنِهِ وَنَبَّهَهُ) رَبُّ الْمَنْزِلِ (أَنَّهُ) أَيْ: الْكَلْبَ وَنَحْوَهُ (عَقُورٌ أَوْ غَيْرُ مَوْثُوقٍ) فَلَا يَضْمَنُ رَبُّ الْمَنْزِلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ الْمُتَعَدِّي بِالدُّخُولِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ وَنَبَّهَهُ عَلَى أَنَّهُ عَقُورٌ أَوْ غَيْرُ مَوْثُوقٍ فَقَدْ أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُقْتَنِي الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَنَحْوِهِ (مَا أَفْسَدَتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ عَقْرٍ أَوْ خَرْقِ ثَوْبٍ بِأَنْ أَفْسَدَتْ (بِبَوْلٍ أَوْ وُلُوغٍ) فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ.
(وَلَهُ قَتْلُ هِرٍّ بِسَبَبِ) أَكْلِ (لَحْمٍ وَنَحْوِهِ كَالْفَوَاسِقِ) وَسَائِرِ مَا فِيهِ أَذًى دَفْعًا لِأَذَاهُ (وَقَيَّدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَنَصَرَهُ الْحَارِثِيُّ حِينَ أَكْلِهَا) اللَّحْمَ وَنَحْوَهُ (فَقَطْ) إلْحَاقًا لَهَا بِالصَّائِلِ.
(وَلَوْ حَصَلَ عِنْدَهُ كَلْبٌ عَقُورٌ أَوْ سِنَّوْرٌ ضَارٌّ) أَيْ: لَهُ عَادَةٌ بِأَكْلِ الطُّيُورِ وَقَلْبِ الْقُدُورِ مِنْ غَيْرِ اقْتِنَاءٍ وَمِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ (فَأَفْسَدَ) شَيْئًا (لَمْ يَضْمَنْ) مَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَدِّيَ مِنْهُ وَلَا تَسَبُّبَ إذْ لَمْ يَقْتَنِهِ.
(وَإِنْ اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا فَلَقَطَ حَبًّا) لِلْغَيْرِ (ضَمِنَ) الْمُقْتَنِي خَرَّجَهُ فِي الْآدَابِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَإِنْ قُلْنَا يَحْرُمُ الِاقْتِنَاءُ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ وَبَعْدَ الْجَزْمِ بِعَدَمِ الضَّمَانِ.
وَفِي الْمُغْنِي: لَا ضَمَانَ وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ الْحَارِثِيِّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ أَجَّجَ نَارًا فِي مَوَاتٍ أَوْ أَجَّجَهَا فِي مِلْكِهِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مَوَاتٍ أَوْ أَجَّجَهَا فِي مِلْكِهِ) بِأَنْ أَوْقَدَ النَّارَ حَتَّى صَارَتْ تَلْتَهِبُ فِي دَارِهِ أَوْ عَلَى سَطْحِهِ (أَوْ سَقَى أَرْضَهُ) لِشَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ بِهَا أَوْ لِيَزْرَعَهَا (فَتَعَدَّى) مَا ذُكِرَ مِنْ النَّارِ وَالْمَاءِ (إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ) أَيْ: أَتْلَفَ الْمُتَعَدِّي مِنْ النَّارِ أَوْ الْمَاءِ مِلْكَ غَيْرِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْفَاعِلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا تَعَدِّيهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ وَسُئِلَ أَحْمَدُ: أَوْقَدَ نَارًا فِي السَّفِينَةِ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ
أَنْ يَطْبُخَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (إذَا كَانَ) التَّأْجِيجُ أَوْ السَّقْيُ (مَا) أَيْ: شَيْئًا (جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ فَإِنْ فَرَّطَ) بِأَنْ تَرَكَ النَّارَ مُؤَجَّجَةً وَالْمَاءَ مَفْتُوحًا وَنَامَ فَحَصَلَ التَّلَفُ بِذَلِكَ وَهُوَ نَائِمٌ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ (أَوْ فَرَّطَ بِأَنْ أَجَّجَ نَارًا تَسْرِي فِي الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهَا أَوْ) أَجَّجَهَا (فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُهَا) إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ لِتَعَدِّيهِ وَكَذَا لَوْ أَجَّجَهَا قُرْبَ زَرْبٍ أَوْ حَصِيدٍ ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَ (لَا) يَضْمَنُ إنْ تَعَدَّتْ (بِطَرَيَانِهَا) أَيْ: الرِّيحِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ أَجَّجَهَا عَلَى سَطْحِ دَارٍ فَهَبَّتْ الرِّيحُ فَأَطَارَ الشَّرَرَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ وَهُبُوبُ الرِّيحِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
(أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى) عَادَةً (أَوْ فَتَحَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ أَوْقَدَ) نَارًا (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) تَعَدِّيًا (فَرَّطَ أَوْ أَفْرَطَ) أَيْ: أَسْرَفَ (أَوْ لَا ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) لِتَعَدِّيهِ.
(وَكَذَلِكَ) يَضْمَنُ (إنْ أَيْبَسَتْ النَّارُ) الَّتِي أَوْقَدَهَا وَلَوْ فِي مِلْكِهِ (أَغْصَانُ شَجَرِ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَارٍ كَثِيرَةٍ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَغْصَانُ فِي هَوَائِهِ فَلَا يَضْمَنُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ.
(وَإِنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ لَزِمَهُ حِفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ) بِيَدِهِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ لِرَبِّهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَ الدَّارِ صَاحِبَهُ) أَيْ: الثَّوْبِ (فَهُوَ لُقَطَةٌ) يُعَرِّفُهُ حَوْلًا.
(وَإِنْ عَرَفَهُ) أَيْ: عَرَفَ رَبُّ الدَّار صَاحِبَ الثَّوْبِ (لَزِمَهُ إعْلَامُهُ) بِالثَّوْبِ فَوْرًا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يُعْلِمْ رَبَّهُ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ (ضَمِنَهُ) إنْ تَلِفَ بَعْد مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ إعْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْفِظْهُ.
(وَإِنْ سَقَطَ طَائِرٌ غَيْرِهِ فِي دَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّارِ (حِفْظُهُ وَلَا إعْلَامُ صَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الطَّيْرُ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) كَالْمَقْصُوصِ جَنَاحُهُ (فَكَالثَّوْبِ) إنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ فَلُقَطَةٌ وَإِنَّ عَرَفَهُ أَعْلَمَهُ فَوْرًا وَإِلَّا ضَمِنَ.
(وَإِنْ دَخَلَ) طَيْرٌ مَمْلُوكٌ (بُرْجَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ) رَبُّ الْبُرْجِ (نَاوِيًا إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ ضَمِنَهُ) لِتَعَدِّيهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغْلِقْ عَلَيْهِ الْبَابُ أَوْ أَغْلَقَهُ غَيْرُ نَاوٍ إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ نَوَى إمْسَاكَهُ لِرَبِّهِ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ وَهُوَ فِي الْأَخِيرَةِ مُحْسِنٌ لَكِنْ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فَوْرًا إنْ عَلِمَهُ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ (وَهُوَ) أَيْ: الْفِنَاءُ (مَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ) وَنَحْوِهَا (قَرِيبًا مِنْهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِنَاءُ الدَّارِ كَكِسَاءٍ مَا اتَّسَعَ مِنْ أَمَامِهَا وَجَمْعُهُ أَفَنِيَةٌ وَفُنِيٌّ (بِئْرًا لِنَفْسِهِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) وَلَوْ بِلَا ضَرَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي وَكَذَا إنْ حَفَرَ نِصْفَ الْبِئْرِ فِي حَدِّهِ وَنِصْفَهَا فِي فِنَائِهِ.
(وَكَذَا الْبِنَاءُ) فِي فِنَائِهِ (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) أَيْ: الْبِئْرِ وَكَذَا
الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ حَصَلَ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِي فِنَائِهِ سِكِّينًا فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ إذْ الْأَفْنِيَةُ لَيْسَتْ بِمِلْكِ مُلَّاكِ الدُّورِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَرَافِقِهِمْ.
(وَلَوْ حَفَرَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ فِي الْفِنَاءِ (الْحُرِّ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَثَبَتَ عِلْمُهُ أَنَّهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) أَيْ: الْآذِنِ (ضَمِنَ الْحَافِرُ) مَا تَلِفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي (وَإِنْ جَهِلَ) الْحَافِرُ أَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ ضَمِنَ (الْآمِرُ) لِتَغْرِيرِهِ الْحَافِرَ وَكَذَا لَوْ جَهِلَ الْبَانِي فَلَوْ ادَّعَى الْآمِرُ عِلْمَ الْحَافِرِ أَوْ الْبَانِي بِالْحَالِ وَأَنْكَرَاهُ فَقَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ فِي سَابِلَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَرٍ (أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَهُ) كَبِنَاءٍ وَقَفَهُ عَلَى مَسْجِدٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَوَاعِدِ (فِي سَابِلَةٍ) أَيْ: طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ (وَاسِعَةٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ) كَمَا لَوْ حَفَرَهَا لِيَجْتَمِعَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ أَوْ يَنْبُعَ مِنْهَا الْمَاءُ لِيَشْرَبَ الْمَارَّةُ (بِلَا ضَرَرٍ بِالْمَارَّةِ) لَأَنْ فِعْلَ ذَلِكَ (لِنَفْعِ نَفْسِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامٍ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ (كَبِنَاءِ جَسْرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ الْقَنْطَرَةُ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ النَّاسُ.
(وَكَذَا لَوْ حَفَرَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ (فِي مَوَاتٍ لِتَمَلُّكٍ أَوْ ارْتِفَاقٍ أَوْ انْتِفَاعٍ عَامٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا (وَيَنْبَغِي) لِمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بِالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ أَوْ الْمَوَاتِ (أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا حَاجِزًا تُعْلَمُ بِهِ لِتُتَوَقَّى قَالَ الشَّيْخُ: وَمَنْ لَمْ يَسُدَّ بِئْرَهُ مَسَدًّا يَمْنَعُ مِنْ الضَّرَرِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ حَفْرِ الْبِئْرِ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْخَانِ وَنَحْوِهِ (فِيهَا) أَيْ: فِي الطَّرِيقِ (لِنَفْعِ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ) بِأَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ فِي الْقَارِعَةِ (أَوْ) فَعَلَهُ (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ضَمِنَ سَوَاءٌ فَعَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ أَوْ لَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَلَوْ مَاتَ الْحَافِرُ ثُمَّ تَلِفَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ تَرِكَتِهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي بَابِ الرَّهْنِ حَتَّى قَالَا: لَوْ بِيعَتْ التَّرِكَةُ لِفَسْخٍ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ مِنْهَا لِسَبْقِ سَبَبِهِ، وَلَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْوَرَثَةُ قَبْلَ الْوُقُوعِ ضَمِنُوا قِيمَةَ الْعَبْدِ كَالْمَرْهُونِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ.
(وَفِعْلُ عَبْدِهِ) لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَفْرِ وَالْبِنَاءِ بِالْفِنَاءِ وَالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ أَوْ الضَّيِّقِ (بِأَمْرِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (كَفِعْلِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَالْآلَةِ وَسَوَاءٌ (أَعْتَقَهُ) سَيِّدُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْفِعْلِ فَيَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِالسَّيِّدِ.
(وَ) إنْ فَعَلَهُ الْعَبْدُ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (يَتَعَلَّقُ ضَمَانُهُ) أَيْ: ضَمَانُ مَا يَتْلَفُ (بِرَقَبَتِهِ) كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا سَيِّدُهُ (ثُمَّ إنْ أَعْتَقَهُ) السَّيِّدُ بَعْدَ الْحَفْرِ أَوْ الْبِنَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ تَلِفَ شَيْءٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ (فَمَا تَلِفَ بَعْدَ عِتْقِهِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الْعَتِيقِ
(ضَمَانُهُ) دُونَ سَيِّدِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْجِنَايَةِ.
(وَلَوْ أَمَرَهُ) أَيْ: الْحَافِرَ أَوْ الْبَانِيَ (السُّلْطَانُ بِفِعْلِ ذَلِكَ) أَيْ: بِالْحَفْرِ أَوْ الْبِنَاءِ (ضَمِنَ السُّلْطَانُ وَحْدَهُ) وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَسَعُهُ مُخَالَفَتُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ فَعَلَ) إنْسَانٌ فِي طَرِيقٍ (مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِنَفْعِ الطَّرِيق وَإِصْلَاحِهَا كَإِزَالَةِ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَنْهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِمَّا يَضُرُّ فِيهَا) كَقِشْرِ بِطِّيخٍ (وَحَفْرِ هَدَفَةٍ) أَيْ: رَبْوَةٍ عَالِيَةٍ (فِيهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ بِحَيْثُ تُسَاوِي غَيْرَهَا (وَقَلْعِ حَجَرٍ) فِي الْأَرْضِ (يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ وَوَضْعِ الْحَصَى فِي حُفْرَةٍ فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْضِ (لِيَمْلَأَهَا وَتَسْقِيفِ سَاقِيَةٍ فِيهَا وَوَضْعِ حَجَرٍ فِي طِينٍ فِيهَا لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ وَمَعْرُوفٌ.
(وَإِنْ بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ حَصِيرًا أَوْ بَارِيَّةً) وَهِيَ الْحَصِيرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ لَكِنْ فِي عُرْفِ الشَّامِّ مَا يُنْسَجُ مِنْ قَصَبٍ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا لِيَحْصُلَ التَّغَايُرُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ) بَسَطَ فِي الْمَسْجِدِ (بِسَاطًا أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ أَوْقَدَهُ أَوْ نَصَبَ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (بَابًا أَوْ عُمُدًا أَوْ بَنَى جِدَارًا) يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَسْجِدُ (أَوْ سَقَّفَهُ أَوْ جَعَلَ فِيهِ رَفًّا وَنَحْوَهُ لِنَفْعِ النَّاسِ أَوْ وَضَعَ فِيهِ حَصًى لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(وَإِنْ جَلَسَ) فِي مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ (أَوْ اضْطَجَعَ) فِي مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ (أَوْ قَامَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ) فَتَلِفَ أَوْ نَقَصَ (لَمْ يَضْمَنْ) تَلَفَهُ وَلَا نَقْصَهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فِي مَكَان لَهُ فِيهِ حَقٌّ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ وَيَضْمَنُ إنْ كَانَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا كَالْجُلُوسِ مَعَ الْحَيْضِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مَعَ إضْرَارِ الْمَارَّةِ فِي الطَّرِيقِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ: لَا ضَمَانَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا لِذَاتِ الْجُلُوسِ بَلْ لِمَعْنًى قَارَنَهُ وَهُوَ الْجَنَابَةُ أَوْ الْحَيْضُ فَأَشْبَهَ مَنْ جَلَسَ بِمِلْكِهِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَضْمَنُ إنْ جَلَسَ أَوْ اضْطَجَعَ) أَوْ قَامَ (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ) لِإِضْرَارِهِ بِالْمَارَّةِ (وَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ) .
وَإِنْ أَحْدَثَ بِرْكَةً لِلْمَاءِ أَوْ كَنِيفًا أَوْ مُسْتَحَمًّا فَنَزَّ إلَى جِدَارِ جَارِهِ فَأَوْهَاهُ وَهَدَمَهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ تَتَعَدَّى ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالتَّلْخِيصِ قَالَا: وَلِلْجَارِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ حَاجِزًا مُحَكَّمًا يَمْنَعُ النَّزَّ زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَوْ يَبْعُدُ بِحَيْثُ لَا يَتَعَدَّى النَّزُّ إلَى جِدَارِ جَارِهِ وَقَالَ أَيْضًا: الدَّقُّ الَّذِي يَهِدُّ الْجِدَارَ مَضْمُونُ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) إنْسَانٌ (جَنَاحًا) وَهُوَ الرَّوْشَنُ (أَوْ مِيزَابًا وَنَحْوَهُ) كَسَابَاطٍ وَحَجَرٍ بَرَزَ بِهِ فِي الْبُنْيَانِ (إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ) مُطْلَقًا إلَّا بِإِذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ فِي جَنَاحٍ أَوْ سَابَاطٍ أَوْ