صفحات 75-114
خَصَّصْنَاهُ بِمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
(وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ خَالَتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ رَجُلَيْنِ (ابْنَةَ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِنْتٌ فَكَلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ خَالَةٌ لِلْأُخْرَى لِأَنَّهَا أُخْتُ أُمِّهَا لِأَبِيهَا.
(وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْنَ عَمَّتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمَّ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ) فَكَلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ عَمَّةٌ لِلْأُخْرَى لِأَنَّهَا أُخْتُ أَبِيهَا لِأُمِّهِ (أَوْ) أَيْ وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ (عَمَّةٍ وَخَالَةٍ بِأَنْ يَنْكِحَ) الرَّجُلُ (امْرَأَةً وَيَنْكِحُ ابْنَهُ أُمّهَا فَيُولَد لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ) فَبِنْتُ الِابْنِ خَالَةُ ابْنِ بِنْتِ الْأَبِ وَبِنْتُ الْأَبِ عَمَّةُ بِنْتِ الِابْنِ.
(وَ) يَحْرُمُ الْجَمْعُ (بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ نِكَاحُهُ) أَيْ الذَّكَرِ لَهَا لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ الْجَمْعُ مِنْ أَجْلِهِ إفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُرِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ.
وَأُلْحِقَ بِالْقَرَابَةِ الرِّضَاعُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
(فَإِنْ كَانَ) الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) بَطَل فِي حَقِّهِمَا (أَوْ) كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فِي عَقْدَيْنِ مَعًا) أَيْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَلَا (أَوْ تَزَوَّجَ خَمْسًا) فَأَكْثَرَ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي الْكُلِّ وَلَا مَزِيَّةَ لِوَاحِدَةٍ عَلَى غَيْرِهَا فَيَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا) أَيْ الْأُخْتَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا (فِي عَقْدَيْنِ) وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى بَطَلَ الثَّانِي لِأَنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِهِ (أَوْ وَقَعَ) الْعَقْدُ عَلَى إحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى بَائِنًا كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً بَطَلَ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَلِأَنَّ الْبَائِنَ مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ فَأَشْبَهْتِ الرَّجْعِيَّةَ.
(وَ) الْعَقْدُ (الْأَوَّلُ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ.
(فَإِنْ) تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ (وَلَمْ تَعْلَمْ أُولَاهُمَا فَعَلَيْهِ فُرْقَتُهُمَا بِطَلَاقِهِمَا أَوْ بِفَسْخِ الْحَاكِمِ نِكَاحَهُمَا دَخَلَ بِهِمَا أَوْ) دَخَلَ (بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا لِأَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَلَا يَعْرِفُ الْمُحَلَّلَةَ لَهُ وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ وَلَا يَتَيَقَّنُ بَيْنُونَتَهَا مِنْهُ إلَّا بِذَلِكَ فَوَجَبَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ وَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقَ مِنْ الْعَقْدَيْنِ.
(فَإِنْ كَانَ) مَنْ عَقَدَ عَلَى أُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فِي عَقْدَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَجَهِلَ السَّابِقَ (لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا) وَطَلَّقَهُمَا أَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا (فَعَلَيْهِ لِإِحْدَاهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ) لِأَنَّ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ وَقَدْ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ) فَتَأْخُذَهُ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ (وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى) قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا.
(وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا) دُونَ الْأُخْرَى ثُمَّ طَلَّقَهُمَا أَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُمَا (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِ الْمُصَابَةِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلِلْمُصَابَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا (وَإِنْ وَقَعَتْ) الْقُرْعَةُ (لِلْمُصَابَةِ فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى وَلِلْمُصَابَةِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ) لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ (وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ نَكَحَ الْمُصَابَةَ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَطْءٍ يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ أَشْبَهَ الْمُبَانَةَ مِنْهُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
(وَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَ الْأُخْرَى) الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا (لَمْ يَجُزْ) لَهُ نِكَاحُهَا (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُصَابَةِ) لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ نَحْوِ أُخْتَيْنِ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا وَأَصَابَهُمَا فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) لِتَتَمَيَّزَ مَنْ تَأْخُذُ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ تَفَاوَتَا (وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُخْرَى) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا) لَحِقَهُ النَّسَبُ (أَوْ) وَلَدَتْ مِنْهُ (كِلْتَاهُمَا فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ) لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ.
(وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْن أُخْتِ رَجُلٍ مِنْ أَبِيهِ وَأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا حَلَّتْ لَهُ الْأُخْرَى فَإِنْ وُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ فَالرَّجُلُ عَمُّهُ وَخَالُهُ (وَلَا) يَحْرُمُ الْجَمْعُ أَيْضًا (بَيْن مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ) وَبَانَتْ مِنْهُ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ (وَ) بَيْنَ (ابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ وَإِنْ حَرُمَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى قَدَّرْنَاهَا ذَكَرًا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُهَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الْمُصَاهَرَةِ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا.
(وَيُكْرَهُ) لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَع (بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْهِ أَوْ) بِنْتَيْ (عَمَّتَيْهِ أَوْ بِنْتَيْ خَالَيْهِ أَوْ بِنْتَيْ خَالَتَيْهِ أَوْ) يَجْمَعُ بَيْنَ (بِنْتِ عَمِّهِ وَبِنْتِ عَمَّتِهِ أَوْ) يَجْمَعُ بَيْنَ (بِنْتِ خَالِهِ وَبِنْتِ خَالَتِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذِي قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ» أَيْ لِإِفْضَائِهِ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ لَمْ يَحْرُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِبُعْدِ الْقَرَابَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ نِكَاحُهَا وَكَانَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ بِنْتَانِ لِكُلِّ رَجُلٍ بِنْتٌ وَوَطِئَا أَمَةً) لَهُمَا أَوْ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ (فَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَأُلْحِقَ وَلَدُهَا بِهِمَا فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ بِالْأَمَةِ وبِالْبِنْتَيْنِ) أَوْ بِهِمَا وَبِالْمَرْأَةِ (فَقَدْ تَزَوَّجَ أُمّ رَجُلٍ وَأُخْتَهُ) وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ مُبَانَة شَخْصٍ وَبِنْتَهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ) اشْتَرَى (عَمَّتهَا أَوْ) اشْتَرَى (خَالَتَهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (صَحَّ) الشِّرَاءُ لِأَنَّ الْمِلْكُ يُرَادُ
لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءُ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ الَّتِي مَلَكَهَا (حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ) أَوْ يَخْلَعهَا أَوْ يَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ لِمُقْتَضٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى حَتَّى يُفَارِقَ زَوْجَتَهُ (وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا) لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَذَلِكَ حَرَامٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَدَوَاعِي الْوَطْءِ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْوَطْءِ فَتَحْرُمُ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْخَلْوَة (وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا حَلَّ لَهُ شِرَاءُ) أُمِّهَا (وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا كَمَا يَحِلُّ لَهُ شِرَاءُ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ) وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ (وَإِنْ اشْتَرَى مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) كَالْأُخْتَيْنِ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ صَحَّ) الْعَقْدُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَم خِلَافًا فِي ذَلِكَ.
(وَلَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا) أَيَّتَهُمَا شَاءَ لِأَنَّ الْأُخْرَى لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ إحْدَاهُمَا وَحْدُهَا (وَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» (وَأَمَّا الْجَمْعُ) بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ فَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَقَالَ الْقَاضِي يَحْرُمُ كَالْوَطْءِ) وَقَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ بَحْثًا فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ آنِفًا وَلَوْ حُمِلَ كَلَامُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى مَا قَبْلَ وَطْءِ إحْدَاهُمَا لَمْ يُعَارِض كَلَام الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
(فَإِنْ وَطِئَ) مَنْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا (إحْدَاهُمَا فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] (1) فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ جَمِيعًا كَسَائِرِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ يَحْرُمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا فَحَرُمَتْ أُخْتهَا كَالزَّوْجَةِ.
وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِعِتْقٍ أَوْ تَزْوِيجٍ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا أَوْ إزَالَةِ مِلْكِهِ وَلَوْ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ) كَهِبَةٍ (لِلْحَاجَةِ) إلَى التَّفْرِيقِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا.
وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي هَذَا (قَالَهُ الشَّيْخُ وَابْنُ رَجَبٍ) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى (وَ) حَتَّى (يَعْلَمَ) بَعْدَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا يَكْفِي فِي إبَاحَتِهَا مُجَرَّدُ إزَالَةِ الْمِلْكِ حَتَّى تَنْقَضِيَ حَيْضَةُ الِاسْتِبْرَاءِ فَتَكُونُ الْحَيْضَةُ كَالْعِدَّةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا الْقَيْدُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي كَلَامِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا لَا يُجَوِّزُ وَطْءَ الْأُخْتِ
فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا (وَلَا يَكْفِي) لِإِبَاحَةِ وَطْءِ الْأُخْرَى (اسْتِبْرَاؤُهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ (بِدُونِ زَوَالِ الْمِلْكِ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَوْدُهُ إلَيْهَا فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا (وَلَا) يَكْفِي أَيْضًا (تَحْرِيمُهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ يَقُولَ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ وَلَوْ كَانَ يُحَرِّمُهَا، إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ كَالْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ (وَلَا زَوَالُ مِلْكٍ) عَنْ الْمَوْطُوءَةِ (بِدُونِ اسْتِبْرَائِهَا) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ كَالْعِدَّةِ.
(وَلَا) يَكْفِي أَيْضًا (كِتَابَتُهَا) لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِمَا (وَلَا) يَكْفِي أَيْضًا (رَهْنُهَا) لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِتَحْرِيمِهَا وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى فَكّهَا مَتَى شَاءَ (وَلَا) يَكْفِي أَيْضًا (بَيْعُهَا بِشَرْطِ خِيَارٍ) لَهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْجَاعِهَا مَتَى شَاءَ يَفْسَخُ الْبَيْعَ (وَمِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَهُ فِي عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ (هِبَتُهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ (لِمَنْ يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَهَا مِنْهُ كَهِبَتِهَا لِوَلَدِهِ) .
قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْفَعَهُ وَحْدَهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَيَكْفِي فِي تَحْرِيمِ الْمَوْطُوءَةِ إخْرَاجُ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهَا كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةِ جُزْءٍ مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمهَا كَبَيْعِ كُلِّهَا فَإِنْ أَخْرَجَ الْمِلْكَ لَازِمًا ثُمَّ عُوِّضَ لَهُ الْمُبِيحُ لِلْفَسْخِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهَا بِسِلْعَةٍ ثُمَّ تَتَبَيَّنُ أَنَّهَا كَانَتْ مَعِيبَةً، أَوْ يُفْلِسُ الْمُشْتَرَى بِالثَّمَنِ أَوْ يَظْهَرُ فِي الْعِوَضِ تَدْلِيسٌ أَوْ يَكُونُ مَغْبُونًا.
فَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يُبَاحَ وَطْءُ الْأُخْتِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى عُمُومِ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (فَلَوْ خَالَفَ) مُشْتَرِي الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (وَوَطِئَهُمَا) وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَوَطْءُ الثَّانِيَةِ مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ جَمْعُ مَائِهِ فِي رَحِمِهِمَا (لَا حَدَّ فِيهِ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَلَزِمَهُ أَنْ يُمْسِك عَنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا وَيَشْتَرِيَهَا) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا أَوْ نَحْوُهَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً.
وَاسْتِدْلَالُ مَنْ قَالَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحَالِ بِحَدِيثِ «إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ» لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْخَبَر لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَيَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا وَطِئَ الْأَوَّلُ وَطْئًا مُحَرَّمًا كَفِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمِ فَرْض فَإِنَّ أُخْتَهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (فَإِنْ عَادَتْ) الَّتِي أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ (إلَى مِلْكِهِ وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهَا إلَيْهِ (قَبْلَ وَطْءِ الْبَاقِيَةِ لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) لِمَا تَقَدَّمَ.
(قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ هَذَا إنْ لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاءٌ) كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُولِ
فَيَكُفّ عَنْهَا وَعَنْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا (فَإِنْ وَجَبَ) الِاسْتِبْرَاءُ بِأَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ (لَمْ يَلْزَمهُ تَرْكُ أُخْتِهَا) أَوْ نَحْوِهَا (فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ زَمَنَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ (وَهُوَ حَسَنٌ) . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجهَا عَنْ مِلْكِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ إحْدَاهُمَا مَعَ تَعَيُّنِ الِاسْتِبْرَاءِ، قَالَ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِالِاسْتِبْرَاءِ.
(وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتهَا) أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَنَحْوَهَا (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرُدَّ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنَى يُحَرِّمُ أُخْتهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ فَمَنَعَ صِحَّةَ النِّكَاح كَالزَّوْجِيَّةِ، وَيُفَارِقُ ذَلِكَ صِحَّةَ شِرَاءِ أُخْتِهَا فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَكُونُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ (فَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) سُرِّيَّتُهُ بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأُخْتَ) وَنَحْوَهَا (بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا صَحَّ) النِّكَاحُ لِزَوَالِ كَوْنِهَا فِرَاشًا لَهُ (فَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ الْأَمَةُ فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا) لِأَنَّهَا أَقْوَى قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ (وَحِلُّهَا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ (بَاقٍ) لِقُوَّةِ الزَّوْجِيَّةِ (وَلَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى تُحَرَّمَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى) كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَحِلُّهَا بَاقٍ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْعَارِضَ لَا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّة فَلَا يَرْفَعُ أَثَرهَا كَالزَّوْجَةِ الْحَائِضِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يَطَأُ الزَّوْجَةَ هُنَا حَتَّى تُسْتَبْرَأ الْأَمَةُ إنْ لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءٌ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ سُرِّيَّتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ عَمَّتهَا وَنَحْوَهَا قَبْلَ فَرَاغِ مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (أَيْضًا) لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بِهِ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا (وَلَهُ) أَيْ لِمُعْتِقِ سُرِّيَّتِهِ زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا (نِكَاحُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا) أَيْ سِوَى أُخْتِ سُرِّيَّتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا.
(وَإِنْ اشْتَرَى) رَجُلٌ (أُخْتَيْنِ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً) أَوْ وَثَنِيَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِنَحْوِ رَضَاعٍ (فَلَهُ وَطْءُ الْمُسْلِمَةِ) الَّتِي لَا مَانِعَ بِهَا بِخِلَافِ الْأُخْرَى (وَإِنْ وَطِئَ) مَنْ يَطَأُ مِثْلُهُ (امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ) بِزِنًا (لَمْ يَجُزْ) لَهُ (فِي الْعِدَّةِ) أَيْ عِدَّةِ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا) أَوْ عَمَّتَهَا وَنَحْوَهَا.
(وَلَا) أَنْ (يَطَأَهَا) أَيْ أُخْت مَوْطُوءَتِهِ (إنْ كَانَتْ) أُخْتُهَا زَوْجَةً لَهُ (نَصًّا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» .
(وَلَا) يَجُوزُ لِمَنْ وَطِئَ امْرَأَة بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا أَنْ (يَعْقِدَ عَلَى رَابِعَةٍ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة (وَ) إذَا كَانَ
مُتَزَوِّجًا بِأَرْبَعٍ وَوَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ أَوْ زِنًا فَإِنَّهُ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَطَأَهَا) أَيْ الرَّابِعَةَ مِنْ نِسَائِهِ فَإِذَا وَطِئَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ عَنْ الرَّابِعَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا لِئَلَّا يَجْمَعَ مَاءَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (وَلَا يُمْنَعُ) حُرٌّ (مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٍ بِشَرْطَيْهِ) وَهُمَا أَنْ يَكُونَ عَادِمَ الطُّولِ خَائِفَ الْعَنَتِ وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَمِنْ نِكَاحِ خَامِسَةٍ فِي الْعِدَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا لِمَائِهِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَا لِكَوْنِهَا زَوْجَةً كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَالْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْحَاجَةُ لَا تَنْدَفِعُ بِالْبَائِنِ بَلْ الزَّوْجَةُ الَّتِي لَا تُعِفُّهُ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ كَمَا يَأْتِي.
(وَتَقَدَّمَ لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ) أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ (فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ) عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى اشْتِبَاهِ الْمِيَاهِ الْمُبَاحَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ أَوْ النَّجِسَةِ.
(وَيَحْرُمُ نِكَاحُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ) كَمُعْتَدَّةِ مِنْ فِرَاقِ زَوْجٍ (إلَّا عَلَى وَاطِئٍ) لَهَا بِالشُّبْهَةِ فَلَهُ الْعَقْدُ فِي عِدَّتِهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لِكَوْنِهِ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَهُوَ مَأْمُونٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ النَّسَبَ كَمَا يَلْحَقُهُ فِي النِّكَاحِ يَلْحَقُهُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ.
(وَلَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) زَوْجَاتٍ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَيْلَانِ بْنِ سَلَمَةَ حِين أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» .
وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
وَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى وقَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلٍّ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ تِسْعَةُ أَجْنِحَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ (وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّج أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] (3) .
(وَلَهُ) أَيْ الرَّجُلِ (التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ مِنْ الْإِمَاءِ وَلَوْ) كُنَّ (كِتَابِيَّاتٍ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] (1) وَلِأَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَمْ يَنْحَصِرْنَ فِي عَدَدٍ وَكَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ) وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَنُسِخَ تَحْرِيمُ الْمَنْعِ) مِنْ التَّزَوُّجِ عَلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] (2) الْآيَةَ (وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ) لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ " أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ " وَيُقَوِّيه مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ " أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّاسَ كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ اثْنَتَيْنِ وَطَلَاقُهُ اثْنَتَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يُنْكِرْ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " (3) وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْضِيلِ وَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أُمَّتَهُ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (التَّسَرِّي) وَلَوْ أَذِنَهُ سَيِّدُهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ (وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ، وَلِمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ فَأَكْثَرُ) مِنْ نِصْفِهِ (نِكَاحُ ثَلَاثٍ) نِسْوَةٍ (نَصًّا) فَإِنْ مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
وَفِي الْفُنُونِ قَالَ فَقِيهٌ: شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ شَهْوَةِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ أَجْزَاءٍ فَقَالَ حَنْبَلٌ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعٍ وَيَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ مَا شَاءَ، وَلَا تَزِيدُ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَلَهَا مِنْ الْقَسْمِ الرُّبْعُ وَحَاشَا حِكْمَتِهِ أَنْ تَضِيقَ عَلَى الْأَحْوَجِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ " فَفُضِّلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا مِنْ اللَّذَّة - أَوْ قَالَ مِنْ الشَّهْوَة - وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ ".
(وَمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِهَايَةِ جُمُعَةٍ) بِأَنْ طَلَّقَ الْحُرُّ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ الْعَبْدُ وَاحِدَةً مِنْ ثِنْتَيْنِ أَوْ الْمُبَعَّضُ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ (لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَثَرُ النِّكَاحِ فَكَأَنَّهُ بَاقٍ.
فَلَوْ
جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا لَكَانَ جَامِعًا بَيْنَ أَكْثَر مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ (وَإِنْ مَاتَتْ) وَاحِدَةٌ مِنْ نِهَايَةِ جُمُعَةٍ (جَازَ) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَدَلهَا (فِي الْحَالِ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِنِكَاحِهَا أَثَرٌ (فَلَوْ) طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِهَايَةِ جُمُعَةٍ ثُمَّ.
(قَالَ أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ) أَيْ يُمْكِنُ (انْقِضَاؤُهَا فِيهَا فَكَذَّبَتْهُ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عَلَيْهِ فِي عَدَمِ جَوَازِ نِكَاحِهِ غَيْرَهَا لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى.
وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي ذَلِكَ بِإِرَادَةِ مَنْعِهِ نِكَاحَ غَيْرِهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَ) لَهُ نِكَاحُ (بَدَلِهَا) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِهَايَةِ جُمُعَةٍ (فِي الظَّاهِرِ) .
قُلْتُ: وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَاذِبًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا (وَلَا تَسْقُطُ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ) عَنْهُ بِدَعْوَاهَا إخْبَارَهَا بِانْقِضَاءٍ مَعَ إنْكَارِهَا لِحَدِيثِ «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَ) لَا يَسْقُط نَصًّا (نَسَبُ الْوَلَدِ) إذَا أَتَتْ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ لِفَوْقِ أَرْبَعِ سِنِينَ مَا لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ، ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُطَلِّقِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا.
(وَتَسْقُطُ الرَّجْعَةُ) أَيْ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْ فَأَرَادَ رَجْعَتَهَا لَمْ يَمْلِك ذَلِكَ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ.
[فَصْلٌ الْمُحَرَّمَاتُ لِعَارِضٍ يَزُولُ]
فَصْلٌ فِي بَيَانِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى أَمَدٍ وَهُنَّ (الْمُحَرَّمَاتُ لِعَارِضٍ يَزُولُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَةُ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] (1) .
(وَ) تَحْرُمُ أَيْضًا عَلَيْهِ (الْمُعْتَدَّةُ) مِنْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] (2) (وَ) تَحْرُمُ أَيْضًا (الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ تَزَوُّجَهَا زَمَنَ اسْتِبْرَائِهَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَدَّةُ، وَالْمُسْتَبْرَأَةُ (مِنْ وَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ مُحَرَّمٍ) كَشُبْهَةٍ وَزْنًا (أَوْ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ) كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) كَذَا (الْمُرْتَابَةُ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِالْحَمْلِ) لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا لِغَيْرِهِ حَتَّى تَزُولَ
الرِّيبَةُ وَيَأْتِي فِي الْعَدَدِ (وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ إذَا عُلِمَ زِنَاهَا عَلَى الزَّانِي وَغَيْرِهِ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] وَهُوَ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: 5] (2) وَهُنَّ الْعَفَائِفُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(فَإِنْ كَانَتْ) الزَّانِيَةُ (حَامِلًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزِّنَا (لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ) لِمَا سَبَقَ (وَتَوْبَتُهَا) أَيْ الزَّانِيَةِ (أَنْ تُرَاوَدَ عَلَيْهِ) أَيْ الزِّنَا (فَتَمْتَنِعَ) مِنْهُ " لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ كَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا: قَالَ يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ: فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ " فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ مُخَالَطَةَ إنْسَانٍ امْتَحَنَهُ، حَتَّى يَعْرِفَ بِرَّهُ أَوْ فُجُورَهُ أَوْ تَوْبَتَهُ وَيَسْأَلُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُهُ (وَقِيلَ تَوْبَتُهَا) أَيْ الزَّانِيَةِ (كَتَوْبَةِ غَيْرِهَا) نَدَمٌ وَإِقْلَاعٌ وَعَزْمٌ أَنْ لَا تَعُودَ (مِنْ غَيْرِ مُرَاوَدَةٍ) وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي امْتِحَانُهَا بِطَلَبِ الزِّنَا مِنْهَا بِحَالٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (فَإِذَا تَابَتْ) مِنْ الزِّنَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا (حَلَّ نِكَاحُهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ) عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَعَائِشَةَ " أَنَّهَا لَا تَحِلّ لِلزَّانِي بِحَالٍ " فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ أَوْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا فَيَكُونُ كَقَوْلِنَا.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا (تَوْبَةُ الزَّانِي بِهَا إذَا نَكَحَهَا) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ الزَّانِيَةَ كَالزَّانِي بِغَيْرِهَا (وَإِنْ زَنَتْ امْرَأَةٌ) قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ (أَوْ) زَنَى (رَجُلٌ قَبْل الدُّخُولِ) بِزَوْجَتِهِ (أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ) بِالزِّنَا لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا تُخْرِجُ عَنْ الْإِسْلَامِ أَشْبَهَ السَّرِقَةَ، لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَعْتَدَّ إذَا كَانَتْ هِيَ الزَّانِيَةَ وَيَأْتِي.
وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ لِلزَّوْجِ مُفَارَقَتَهُ امْرَأَتِهِ إذَا زَنَتْ وَقَالَ لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن مِنْ أَنْ تُفْسِدَ فِرَاشَهُ، وَتُلْحِق بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ وَإِنْ زَنَى بِأُخْتِ زَوْجَتِهِ لَمْ يَطَأْ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا وَإِنْ زَنَى بِأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ بِنْتِهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
(وَلَا يَطَأُ الرَّجُلُ أَمَتَهُ إذَا عَلِمَ مِنْهَا فُجُورًا) أَيْ زِنًا حَتَّى تَتُوبَ وَيَسْتَبْرِئُهَا خَشْيَةَ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا
وَلَيْسَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ أَمَتِي وَقَدْ بَغَتْ.
(وَتَحْرُمُ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا) بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَطَؤُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ لَمَّا أَنْ أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» (وَيَأْتِي فِي الرَّجْعَةِ بِأَبْسَط مِنْ هَذَا وَتَحْرُمُ الْمُحْرِمَةُ حَتَّى تُحِلَّ) .
لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا - يَخْطُبُ» (وَتَقَدَّمَ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحَ كَافِرٍ بِحَالٍ) حَتَّى يُسْلِمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] وَقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] .
(وَلَا) يَحِلُّ (لِمُسْلِمٍ وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا نِكَاحُ كَافِرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وَلِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] (إلَّا حِرَارَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَوْ) كُنَّ (حَرْبِيَّاتٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] .
وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ وَلَوْ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] وَلِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى اسْتِرْقَاقِ الْكَافِرِ وَلَدَهَا الْمُسْلِمَ (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّج مِنْ نِسَائِهِمْ وَقَالَ الشَّيْخُ: يُكْرَهُ) .
أَيْ مَعَ وُجُودِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ عُمَرَ لِلَّذِينَ تَزَوَّجُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ " طَلِّقُوهُنَّ " و (كَ) أَكْلِ (ذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ وَمَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ (وَ) مَنَعَ (أَيْضًا مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ مُطْلَقًا) أَيْ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ مُوَضَّحًا.
(وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156]
(كَالْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ) فِرْقَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ فَأَمَّا الْمُتَمَسِّكُ مِنْ الْكُفَّارِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيم وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد (فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ ولِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ لَيْسَتْ بِشَرَائِعَ إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ فَ (لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ وَأَهْلِ الْأَوْثَانِ وَكَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرُ كِتَابِيٍّ وَلَوْ اخْتَارَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَحَّضُّ كِتَابِيَّةً وَلِأَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ بَيْن مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ فَلَمْ تَحِلْ كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَبَوَاهَا غَيْرَ كِتَابِيَّيْنِ وَاخْتَارَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ تَحِلُّ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ.
(وَ) يَحِلُّ (لِكِتَابِيٍّ نِكَاحُ مَجُوسِيَّةٍ) وَيَحِلُّ لِكِتَابِيٍّ أَيْضًا (وَطْؤُهَا) أَيْ الْمَجُوسِيَّةِ (بِمِلْكِ يَمِينٍ) كَالْمُسْلِمِ يَنْكِحُ الْكِتَابِيَّةَ وَيَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ (وَلَا) يَحِلُّ (لِمَجُوسِيٍّ) نِكَاحَ (كِتَابِيَّةٍ نَصًّا) لِأَنَّهَا أَشْرَفَ مِنْهُ فَإِنْ مَلَكَهَا فَلَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَتَحِلُّ نِسَاءُ بَنِي تَغْلِبَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُنَّ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَ) مِنْ (يُهَوِّدُهُمْ) لِأَنَّهُنَّ كِتَابِيَّاتٌ فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ (وَالدُّرُوزِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَالتَّبَّانِيَّةِ) فِرَقٌ بِجَبَلِ الشَّوْفِ وَكِسْرَوَانَ لَهُمْ أَحْوَالٌ شَنِيعَةٌ وَظَهَرَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ أَزَالَهَا اللَّهُ تَعَالَى (لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ وَلَا أَنْ يُنْكِحَهُمْ الْمُسْلِمُ وَلِيَّتَهُ) .
قُلْتُ: حُكْمُهُمْ كَالْمُرْتَدِّينَ (وَالْمُرْتَدَّةُ يَحْرُم نِكَاحُهَا عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَتْ) عَلَيْهِ وَإِنْ تَدَيَّنَتْ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا لَا تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا.
(وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَوْ) كَانَ (خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا إذَا كَانَ لَهُ شَهْوَةٌ يَخَافُ مَعَهَا مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِالْمُبَاشَرَةِ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إلَّا أَنْ يَخَافَ) الْحُرُّ (عَنَتَ الْعُزُوبَةِ إمَّا لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ وَإِمَّا لِحَاجَةِ خِدْمَةٍ لِكِبَرٍ أَوْ سَقَمً وَنَحْوِهِمَا نَصًّا وَلَا يَجِدُ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ وَلَوْ) . كَانَتْ (كِتَابِيَّةً بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ حَاضِرٌ يَكْفِي لِنِكَاحِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ وَلَوْ كِتَابِيَّةً فَتَحِلُّ) لَهُ الْأَمَةُ إذَنْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ِ﴾ [النساء: 25] إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] هَذَا إنْ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ وَجَبَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لِأَنَّ الْمُنْفِقَ
يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ عَنْهُ فَيُعَفُّ بِحُرَّةٍ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ثَمَنِ أَمَةٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَمَةً قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَجْدُ فِي الْمُحَرَّرِ وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ وَمَسْبُوكُ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبُ وَالْخُلَاصَةُ وَالنَّظْمُ وَالشَّرْحُ وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ وَالْوَجِيزُ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَدَّمَ الثَّانِي فِي التَّلْقِيحِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ (وَالصَّبْرُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ وُجُودِ مَا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُهُ (خَيْرٌ وَأَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: 25] (1) .
(وَلَهُ) أَيْ لِلْحُرِّ (فِعْلُ ذَلِكَ) أَيْ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (مَعَ صِغَر زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ) مَعَ (غَيْبَتِهَا أَوْ) مَعَ (مَرَضِهَا) بِحَيْثُ تَعْجَزُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَا تُعِفُّهُ كَالْعَدَمِ (أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَكِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ) حُرَّةً (لِقُصُورِ نَسَبِهِ) فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِ الطَّوْلِ إلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ (أَوْ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ) فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ خَوْفُ الْعَنَتِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِ الطَّوْلِ لِنِكَاحِ الْحُرَّةِ.
(فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّ الْمُقْرِض يُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْحَالِ (أَوْ رَضِيَتْ الْحُرَّةُ بِتَأْخِيرِ صَدَاقِهَا) لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّهَا تُطَالِبهُ بِهِ (أَوْ) رَضِيَتْ الْحُرَّةُ (بِدُونِ مَهْرِ مِثْلهَا أَوْ) رَضِيَتْ (بِتَفْوِيضِ بُضْعِهَا) لَمْ يَلْزَمهُ لِأَنَّ لَهَا طَلَبُ فَرْضِهِ (أَوْ بَذَلَهُ لَهُ بَاذِلٌ أَنْ يَزِنَهُ) أَيْ الصَّدَاقَ عَنْهُ (أَوْ أَنْ يَهَبَهُ) لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَوِّجُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِزِيَادَةٍ تُجْحِفُ بِمَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَنْ يَتَزَوَّجَ الْحُرَّةَ.
وَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ حَيْثُ خَافَ الْعَنَتَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ بِلَا ضَرَرٍ عَلَيْهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَ) فِي (عَدَمِ الطَّوْلِ) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِحَالِ نَفْسِهِ (حَتَّى لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ أَوْ) أَنَّهُ (مُضَارَبَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قُلْت بِلَا يَمِينٍ لِعَدَمِ الْخَصْمِ (وَنِكَاحُ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ) مَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ (أَوْلَى مِنْ) نِكَاحِ (أَمَةٍ) لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَخَفُّ مِنْ اسْتِرْقَاقِ كُلِّهِ.
(وَمَتَى تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا) لِنِكَاحِ حُرَّةٍ (حَالَ النِّكَاحِ أَوْ) ذَكَرَ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ يَخْشَى الْعَنَتَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) لِاعْتِرَافِهِ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ (فَإِنْ كَانَ) إقْرَارُهُ بِذَلِكَ (قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ فَلَا مَهْرَ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ كَذَّبَهُ) السَّيِّدُ
فِي ذِكْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا أَوْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ (فَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (نِصْفُهُ) أَيْ الْمَهْرِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى السَّيِّدِ فِي إسْقَاطِهِ (وَإِنْ كَانَ) إقْرَارُهُ بِذَلِكَ (بَعْدَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى لَزِمَهُ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ وَجَبَ لِلسَّيِّدِ (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ وَفِيهِ الشَّرْطَانِ) بِأَنْ كَانَ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ (ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ حُرَّةً أَوْ زَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ أَوْ نَحْوِهِ) .
كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا لِغَيْبَةِ زَوْجَتِهِ فَحَضَرَتْ أَوْ لِصِغَرِهَا فَكَبِرَتْ أَوْ لِمَرَضِهَا فَعُوفِيَتْ (لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا) أَيْ الْأَمَةِ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ " إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَة " (وَإِنْ تَزَوَّجَ) الْحُرُّ (حُرَّةً فَلَمْ تُعِفَّهُ وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أُخْرَى جَازَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] الْآيَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ إذَا لَمْ يَصْبِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ (وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ حُرَّةٍ لَا تُعِفُّهُ وَأَمَةٍ بِشَرْطِهِ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) صَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا فِي عَقْدَيْنِ (وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَلَمْ تُعِفَّهُ سَاغَ لَهُ نِكَاحُ ثَانِيَةٍ ثُمَّ) إنْ لَمْ تُعِفَّاهُ سَاغَ لَهُ نِكَاحُ (ثَالِثَةٍ ثُمَّ) إنْ لَمْ يُعِفَّهُ سَاغَ نِكَاحُ (رَابِعَةٍ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُعِفُّهُ إلَّا ذَلِكَ) لِمَا سَبَقَ (وَكِتَابِيٌّ حُرٌّ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي تَزَوُّجِ الْأَمَةِ (كَمُسْلِمٍ) فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ (وَوَلَدُ الْجَمِيعِ) مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ (مِنْهُنَّ) أَيْ الْإِمَاءِ (رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ) تَبَعًا لِأُمِّهِ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِط الزَّوْجُ عَلَى مَالِكِهَا حُرِّيَّتُهُ) أَيْ الْوَلَدِ (فَيَكُونُ) وَلَدُهُ (حُرًّا) قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(وَابْنُ الْقَيِّمِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَلِقَوْلِ عُمَرَ " مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ " وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فَكَانَ لَازِمًا كَشَرْطِ سَيِّدِهَا زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا " تَنْبِيهٌ " فِي قَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَلَى (مَالِكِهَا) إيمَاءٌ إلَى أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ وَوَلِيَّ الْيَتِيمِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ اشْتِرَاطُ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ.
وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِلْغَيْرِ بِمَا فِيهِ حَظٌّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَا أَثَرَ لِاشْتِرَاطِهِ (وَلِعَبْدٍ) نِكَاحُ أَمَةٍ (وَ) لِ (مُدَبَّرٍ) نِكَاحُ أَمَةٍ (وَ) لِ (مُكَاتَبٍ) نِكَاحُ أَمَةٍ (وَ) لِ (مُعْتَقٍ بَعْضُهُ نِكَاحُ أَمَةٍ وَلَوْ فُقِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ وَلَوْ عَلَى حُرَّةٍ) لِأَنَّهَا تُسَاوِيهِ.
(وَإِنْ جَمَعَ) الْعَبْدُ أَوْ الْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ
بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ صَحَّ) الْعَقْدُ فِيهِمَا كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِمَا فِي عَقْدَيْنِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ (نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ) الْمَالِكَةِ لَهُ أَوْ لِبَعْضِهِ لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ تَتَنَاقَضُ، إذْ مِلْكُهَا إيَّاهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا وَأَنْ يَكُونَ بِحُكْمِهَا، وَنِكَاحُهُ إيَّاهَا يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ.
وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ " جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا وَقَالَ لَا يَحِلُّ لَكِ " (وَلَا) يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ (أُمَّ سَيِّدِهِ أَوْ) أُمَّ (سَيِّدَتِهِ) لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ وَلَدُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ انْفَسَخَ النِّكَاحُ (وَلَا لِحُرٍّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ لِلْمَرْأَةِ حُقُوقًا مِنْ الْقَسْمِ وَالْمَبِيتِ وَغَيْرِهِمَا.
وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِلْكَ الْيَمِينِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِيهِ وَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ (وَلَا) لِلْحُرِّ (أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ مُكَاتَبِهِ) أَوْ أَمَةَ مُكَاتَبَتِهِ (وَلَا أَمَةَ وَلَدِهِ مِنْ النَّسَبِ) لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ (دُونَ الرَّضَاعِ) فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ مِنْ الرَّضَاعِ بِشَرْطِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَلَوْ كَانَ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ) وَهُمْ الْحُرُّ وَمُكَاتَبُهُ وَوَلَدُهُ (بَعْضًا مِنْ الْأَمَةِ) فَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَمِلْكِ كُلّهَا (وَلَا لِحُرَّةٍ نِكَاحُ عَبْدِ وَلَدِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهَا) أَيْ الْأُمِّ (ذَلِكَ) أَيْ نِكَاحُ عَبْدِ وَلَدِهَا (مَعَ رِقِّهَا وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَمَةِ وَلَدِهِ) .
لِأَنَّ الرِّقَّ قَطَعَ التَّوَارُثَ بَيْنَ الْأَمَةِ أَوْ الْعَبْدِ وَوَلَده، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُمَا (وَيَصِحُّ) لِلْعَبْدِ أَوْ الْحُرِّ بِشَرْطِهِ (نِكَاحُ أَمَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ لَكِنْ لَا تَجْعَلُ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ) .
لِأَنَّ لِلْإِمَامِ التَّصَرُّفَ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِمَا يَرَى أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ، وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَتَعَيَّن فِي الْمَنْكُوحَةِ (وَلِلِابْنِ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شُبْهَةُ التَّمَلُّكِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ بِخِلَافِ الْأَبِ (وَكَذَلِكَ سَائِرُ) أَيْ بَاقِي (الْقَرَابَاتِ) فَلِلْحُرِّ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَأَمَةَ جَدِّهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ عَلَيْهِمْ.
(وَإِنْ مَلَكَ حُرٌّ) زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ فَيُزِيلُهُ (أَوْ) مَلَكَ (وَلَدُهُ الْحُرُّ زَوْجَتَهُ) انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَمِلْكِ أَصْلِهِ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، فَكَانَ كَمِلْكِهِ فِي إزَالَةِ النِّكَاحِ (أَوْ) مَلَكَ (مُكَاتَبَهُ زَوْجَتَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا لَوْ مَلَكَ) الزَّوْجُ أَوْ وَلَدُهُ الْحُرُّ أَوْ مُكَاتَبَهُ (بَعْضَهَا) أَيْ بَعْضَ الزَّوْجَةِ قُلْتُ: وَالْمُكَاتَبَةُ فِي ذَلِكَ كَالْمُكَاتَبِ (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا هُنَا) أَيْ إذَا مَلَكَ بَعْضَهَا لِعَدَمِ تَمَامِ الْمِلْكِ وَكَذَا إذَا مَلَكَهَا وَلَدُهُ الْحُرُّ أَوْ مُكَاتَبُهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا (وَكَذَا لَوْ مَلَكَتْ زَوْجَةٌ) زَوْجَهَا (أَوْ) مَلَكَ (وَلَدُهَا) الْحُرُّ زَوْجَهَا (أَوْ) مَلَكَ (مُكَاتَبُهَا زَوْجَهَا أَوْ) مَلَكَ أَحَدُهُمْ (بَعْضَهُ) انْفَسَخَ النِّكَاحُ كَمَا سَبَقَ.
(وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَلَّلَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ) كَأَيِّمٍ وَمُزَوَّجَةٍ نَكَحَهُمَا (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ صَحَّ) النِّكَاحُ (فِيمَنْ تَحِلُّ) وَهِيَ الْأَيِّمُ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا فَصَحَّ كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى نَحْوِ أُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهَهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ النِّكَاحُ فِيهَا وَلِلَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا مِنْ الْمُسَمَّى لَهُمَا بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلهَا مِنْهُ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ أُمًّا وَبِنْتًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ) النِّكَاحُ (فِي الْأُمِّ فَقَطْ) وَصَحَّ فِي الْبِنْتِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ عَقْدَيْنِ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَصَحَّ فِيمَا يَصِحُّ وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ، لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ سَبَقَ وَبَطَلَ ثُمَّ عُقِدَ عَلَى الْبِنْتِ صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ سَبَقَ وَبَطَلَ ثُمَّ عُقِدَ عَلَى الْأُمِّ لَمْ يَصِحَّ فَإِذَا وَقَعَا مَعًا فَنِكَاحُ الْبِنْتِ أَبْطَلَ نِكَاح الْأُمِّ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ لَا يُبْطِلُ نِكَاحَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَبِيبَتَهُ مِنْ زَوْجَةٍ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلِذَلِكَ صَحَّ نِكَاحُ الْأُمِّ.
(وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحهَا حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْمَجُوسِيَّةِ) لِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فَلَأَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ نَفْسُهُ أَوْلَى (إلَّا إمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فَيَحْرُم نِكَاحُهُنَّ وَلَا يَحْرُم وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِدُخُولِهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْإِمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إنَّمَا حَرُمَ مِنْ أَجْلِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَإِبْقَائِهِ مَعَ كَافِرَةٍ وَهَذَا مَعْدُومٌ بِوَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(وَكُلُّ مَنْ حَرَّمَهَا النِّكَاحُ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَبَنَاتِهِنَّ وَحَلَائِلِ الْآبَاءِ وَ) حَلَائِلِ (الْأَبْنَاءِ حَرَّمَهَا الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَ) وَطْءُ (الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا لِأَنَّ الْوَطْءَ آكَدُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ الْعَقْدِ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ وَلَا يُحَرِّمُهَا الْعَقْدُ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ أَبُوهُ بِنْتَهَا أَوْ أُمَّهَا فَزُفَّتْ امْرَأَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ فَوَطِئَهَا فَإِنَّ وَطْءَ الْأُولَى يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا وَيَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا لِمَجِيءِ الْفَسْخِ مِنْ قِبَلِهَا وَيَنْفَسِخُ بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْوَاطِئِ أَيْضًا لِأَنَّ امْرَأَتَهُ صَارَتْ أُمَّ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ ابْنَتَهَا وَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى وَأَمَّا وَطْءُ الثَّانِي فَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى وَاطِئِهَا وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَيَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى زَوْجهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى وَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ (فَلَوْ وَطِئَ ابْنُهُ أَمَةً أَوْ) وَطِئَ (أَبُوهُ أَمَةً بِمِلْكِ الْيَمِينِ) أَوْ
بِشُبْهَةٍ أَوْ (زِنًا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (وَطْؤُهَا إنْ مَلَكَهَا) وَكَذَا أُمُّهَا وَبِنْتُهَا تَحْرُم عَلَى الْوَاطِئِ كَذَلِكَ لَا عَلَى أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ.
(وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) لِاشْتِبَاهِ الْمُبَاحِ وَالْمَحْظُورِ فِي حَقِّهِ " تَتِمَّةٌ " قَالَ الْخِرَقِيُّ: إذَا قَالَ أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ وَإِنْ قَالَ أَنَا امْرَأَةٌ لَمْ يُنْكَحْ إلَّا رَجُلًا فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ أَنَا امْرَأَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ جَمِيعُهُ إنْ كَانَ بَعْدَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَنْكِحَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ أَنَا رَجُلٌ بِتَحْرِيمِ الرِّجَالِ، وَأَقَرَّ بِقَوْلِهِ أَنَا امْرَأَةٌ بِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ وَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَإِذَا زَالَ نِكَاحُهُ فَلَا مَهْرَ لَهُ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ دُخِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَا يَحْرُمُ فِي الْجَنَّة زِيَادَةُ الْعَدَدِ وَ) لَا (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرُهُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ.
[بَاب الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ قِسْمَانِ]
[فَصْلٌ الْقِسْمُ الْأَوَّل مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ صَحِيحٌ]
بَاب الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ أَيْ مَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ (وَمَحَلُّ الْمُعْتَبَرِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ (صُلْبُ الْعَقْدِ) كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةَ بِشَرْطِ كَذَا وَنَحْوِهِ وَيَقْبَلُ الزَّوْج عَلَى ذَلِكَ (وَكَذَا لَوْ اتَّفَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الشَّرْطِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْعَقْدِ.
(قَالَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأُبَيُّ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (وَعَلَى هَذَا جَوَابُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ لِأَنَّ) الْأَمْرَ (بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا.
وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبُ وَ) ظَاهِرُ (مَنْصُوصِ أَحْمَدَ وَ) ظَاهِرُ قَوْلِ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَمُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ.
(قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَظَاهِرُ هَذَا أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ النِّكَاحَ بَلْ الْعُقُودُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (وَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ لَكِنْ يَأْتِي فِي آخِرِ النُّشُوزِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْحُكْمَيْنِ مَا لَا يُنَافِي النِّكَاحَ لَازِمٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْحَالَة مَنْزِلَةَ الْعَقْدِ قَطْعًا لِلشِّقَاقِ وَالْمُنَازَعَةِ
(وَهِيَ) أَيْ الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ (قِسْمَانِ) أَحَدهمَا (صَحِيحٌ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ) بِأَنْ يَكُونَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (كَتَسْلِيمِ الزَّوْجَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الزَّوْجِ (وَتَمْكِينِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا) وَتَسْلِيمِهَا الْمَهْرَ وَتَمْكِينِهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ (فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
(الثَّانِي شَرْطُ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ الْمَرْأَةُ) مِمَّا لَا يُنَافِي الْعَقْدَ (كَزِيَادَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي مَهْرِهَا) أَوْ نَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (أَوْ) اشْتِرَاطِ كَوْنِ مَهْرِهَا مِنْ (نَقْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ) .
تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا أَوْ) أَنْ (لَا يُفَرِّق بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبَوَيْهَا أَوْ) أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (أَوْلَادِهَا أَوْ عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا الصَّغِيرَ أَوْ) .
شَرَطَتْ أَنْ (لَا يَتَزَوَّج عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى أَوْ شَرَطَ لَهَا طَلَاق ضَرَّتِهَا أَوْ) شَرَطَ لَهَا (بَيْعَ أَمَتِهِ فَهَذَا) النَّوْعُ (صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلزَّوْجَةِ بِمَعْنَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا بِعَدَمِهِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا فَخَاصَمُوهُ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَهَا شَرْطُهَا فَقَالَ الرَّجُلُ: إذَنْ يُطَلِّقْنَنَا فَقَالَ عُمَرُ: مُقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ " وَلِأَنَّهُ شَرَطَ لَهَا مَنْفَعَةَ مَقْصُودَةً لَا تَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ.
فَكَانَ لَازِمًا كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ كَوْنَ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ الدَّلِيلَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ وَمَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ (وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ الصَّحِيحِ (بَلْ يُسَنُّ) الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَأُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجْبِرْهُ عُمَرُ بَلْ قَالَ لَهَا شَرْطُهَا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ لَمْ يَفِ الزَّوْجُ لَهَا بِشَرْطِهَا (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فِي عَقْدٍ فَثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا تَفْسَخُ فَبِفِعْلِهِ مَا شَرَطَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ (لَا بِعَزْمِهِ) عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْقَاضِي لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الشَّيْءِ لَيْسَ كَفِعْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْفَسْخُ إذَنْ عَلَى (التَّرَاخِي) لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهَا كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالْقِصَاصِ فَلَا (يُسْقِطُ) الْخِيَارَ (إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) مِنْهَا (مِنْ قَوْلٍ أَوْ تَمْكِينٍ مِنْهَا مَعَ الْعِلْمِ) بِفِعْلِهِ مَا شَرَطَتْ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِعَدَمِ الْوَفَاءِ وَمَكَّنَتْهُ لَمْ
يَسْقُطْ خِيَارُهَا لِأَنَّ مُوجِبَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ كَالْمُسْقِطِ لِشُفْعَتِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ.
وَإِذَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ (وَلَا يَلْزَمُ هَذِهِ الشُّرُوطُ إلَّا فِي النِّكَاحِ الَّذِي شَرَطَتْ فِيهِ فَإِنْ بَانَتْ) الْمُشْتَرِطَةُ (مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَمْ تُعِدْ) الشُّرُوطَ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ لِمَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ لَوْ خَدَعَهَا) أَيْ خَدَعَ مَنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا (فَسَافَرَ بِهَا ثُمَّ كَرِهَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكْرِههَا) عَلَى السَّفَرِ (بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى هَذَا إذَا لَمْ تُسْقِط حَقَّهَا) مِنْ الشَّرْطِ (فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ سَقَطَ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقّهَا يَسْقُطُ مُطْلَقًا.
(وَلَوْ شَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا فَمَاتَ الْأَبُ) أَوْ الْأُمُّ (بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْمَنْزِل صَارَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمَا فَاسْتَحَالَ إخْرَاجهَا مِنْ مَنْزِل أَبَوَيْهَا فَبَطَل الشَّرْطُ (وَلَوْ تَعَذَّرَ سُكْنَى الْمَنْزِلِ) الَّذِي اشْتَرَطَتْ سُكْنَاهُ (بِخَرَابٍ وَغَيْرِهِ سَكَن بِهَا) الزَّوْجُ (حَيْثُ أَرَادَ وَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْفَسْخِ) لِأَنَّ الشَّرْط عَارِضٌ وَقَدْ زَالَ فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ وَالسُّكْنَى مَحْضُ حَقِّهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ شَرَطَ لَهَا أَنْ يُسْكِنهَا بِمَنْزِلِ أَبِيهِ فَسَكَنَتْ ثُمَّ طَلَبَتْ سُكْنَى مُنْفَرِدَةً وَهُوَ عَاجِزٌ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ بَلْ لَوْ كَانَ قَادِرًا فَلَيْسَ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مَا شُرِطَ لَهَا (انْتَهَى) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ وَمُرَادُهُ صِحَّةُ الشَّرْطِ فِي الْجُمْلَةِ بِمَعْنَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا بِعَدَمِهِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِحَقِّهَا لِمَصْلَحَتِهَا لَا حَقُّهُ لِمَصْلَحَتِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ فِي حَقِّهَا وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا مَنْ شَرَطَتْ دَارَهَا فِيهَا أَوْ فِي دَارِهِ لَزِمَ انْتَهَى أَيْ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَمَنْ شَرَطَتْ سُكْنَاهَا مَعَ أَبِيهِ ثُمَّ أَرَادَتْهَا مُنْفَرِدَةً فَلَهَا ذَلِكَ (وَلَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةَ وَلَدِهَا) مِنْ غَيْرِهِ (وَكُسْوَتَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) صَحَّ الشَّرْطُ وَكَانَتْ مِنْ الْمَهْرِ فَظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُدَّةَ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ.
[فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ فَاسِدٌ]
ٌ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا نِكَاحُ الشِّغَارِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، قِيلَ سُمِّيَ بِهِ لِقُبْحِهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ وَقِيلَ:
هُوَ الرَّفْعُ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْفَعُ رِجْلَهُ لِلْآخَرِ عَمَّا يُرِيدُ وَقِيلَ: هُوَ الْبُعْدُ كَأَنَّهُ بَعُدَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ الْخُلُوِّ يُقَالُ: شَغَرَ الْمَكَانُ إذَا خَلَا وَمَكَانٌ شَاغِرٌ أَيْ خَالٍ وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِأَنَّهُ أَخْلَى ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ رِجْلِهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْإِمَامُ: بِأَنَّهُ فَرْجٌ بِفَرْجٍ فَالْفُرُوجُ لَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ فَلِئَلَّا تُعَاوَضَ بِبُضْعٍ أَوْلَى (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ (سَكَتَا عَنْهُ أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهُمَا مَهْرُ الْأُخْرَى وَكَذَا لَوْ جَعَلَا بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ مَهْرًا لِلْأُخْرَى) وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ.
قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ، أَيْ بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الشِّغَارِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَب وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي ثَوْبَكَ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ ثَوْبِي وَلَيْسَ فَسَادُهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ وَلِأَنَّهُ شَرَطَ تَمْلِيكِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا بِشَرْطِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ.
(فَإِنْ سَمَّوْا) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَهْرًا كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةٌ أَوْ) قَالَ أَحَدُهُمَا (وَمَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ وَمَهْرُ ابْنَتِكَ خَمْسُونَ أَوْ أَقَلُّ) مِنْهَا (أَوْ أَكْثَرُ صَحَّ) الْعَقْدُ عَلَيْهَا (بِالْمُسَمَّى نَصًّا) قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: بَاطِلٌ قَالَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ فِي هَذَا الْعَقْدِ تَشْرِيكٌ وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ شَرْطٌ فَبَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ وَذَكَرْتُهَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ (إنْ كَانَ) الْمُسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مُسْتَقِلًّا) عَنْ بُضْعِ الْأُخْرَى فَإِنْ جَعَلَ الْمُسَمَّى دَرَاهِمَ وَبُضْعَ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ الصِّحَّةِ أَيْضًا إنْ كَانَ (غَيْرَ قَلِيلٍ حِيلَةً) سَوَاءٌ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلُّ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا حِيلَةً لَمْ يَصِحَّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بُطْلَانِ الْحِيَلِ عَلَى تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ وَظَاهِرُهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا صَحَّ وَلَوْ حِيلَةً وَعِبَارَةُ
الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ تَقْتَضِي فَسَادَهُ.
وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى (وَلَوْ سَمَّى) الْمَهْرَ (لِإِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُسَمِّ لِلْأُخْرَى صَحَّ نِكَاحُ مَنْ سُمِّيَ لَهَا) لِأَنَّ فِي نِكَاحِ الْمُسَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً وَشَرْطًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سُمِّيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ.
" فَائِدَةٌ ".
لَوْ قَالَ زَوَّجْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَتَكُونَ رَقَبَتُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِكَ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا سِوَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ وَإِذَا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا صَحَّ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا.
وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ زَوْجهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ فَيَفْسُدَ الصَّدَاقُ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(الثَّانِي: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ) سُمِّيَ مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ الْحِلَّ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ (بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا (بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا أَوْ) يَتَزَوَّجهَا بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَ (لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا أَوْ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ نِيَّتِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
(أَوْ نَوَى) الْمُحَلِّلُ (ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ مَتَى أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا (وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ نِيَّتِهِ عِنْد الْعَقْدِ وَهُوَ) أَيْ النِّكَاحُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ (حَرَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونَانِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: تَزَوَّجْتُهَا أُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا لَمْ يَأْمُرْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ قَالَ لَا، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، إنْ أَعْجَبَتْكَ أَمْسَكْتَهَا وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارَقْتَهَا وَقَالَ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِفَاحًا وَقَالَ: لَا يَزَالَا زَانِيَيْنِ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً» إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيد أَنْ يُحِلّهَا وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
فَقَالَ: " إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَيُحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ قَالَ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ " (وَلَا يَحْصُلُ بِهِ) أَيْ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ (الْإِحْصَانُ وَلَا الْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ) الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا لِفَسَادِهِ (وَيَلْحَق فِيهِ النَّسَبُ) لِلشُّبْهَةِ بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ.
(فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ قَبْل الْعَقْدِ أَنْ يُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا) ثَلَاثًا وَأَجَابَ لِذَلِكَ (ثُمَّ نَوَى عِنْدَ الْعَقْد غَيْرَ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ صَحَّ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ " قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارٌ وَعَلَيْهِ إزَارٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ فَسَأَلَ عُمَرَ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ: هَلْ لَكِ أَنْ تُعْطِي ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا وَيُحِلُّكِ لِي؟ قَالَتْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَتَزَوَّجَهَا فَدَخَلَ بِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَتْ دَخَلَتْ إخْوَتُهُ الدَّارَ فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ، وَقَالَ يَا وَيْلَهُ غُلِبَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ غُلِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَالَ مَنْ غَلَبَكَ؟ قَالَ ذُو الرُّقْعَتَيْنِ قَالَ أَرْسِلُوا إلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْفَ مَوْضِعُكَ مِنْ قَوْمِكَ قَالَ لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ قَالَتْ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك: طَلِّقْ امْرَأَتكَ فَقُلْ لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقهَا، فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُكَ فَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَتُطَلِّقُ امْرَأَتكَ قَالَ لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا قَالَ عُمَرُ لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْتُ رَأْسَكَ بِالسَّوْطِ " وَرَوَاهُ أَيْضًا سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الثَّانِي (فِي نِيَّتِهِ) إذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَرْطِ التَّحْلِيلِ وَقَصَدَ أَنَّهُ نِكَاحُ رَغْبَةٍ لِأَنَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِنْ ادَّعَاهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَل قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ وَلَوْ صَدَّقَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ كَانَ فَاسِدًا فَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ لِاعْتِرَافِهَا بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ (وَلَوْ زَوَّجَ) الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا (عَبْدَهُ بِمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ وَهَبَهَا) الْمُطَلِّقُ (الْعَبْدَ أَوْ) وَهَبَهَا (بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ الْعَبْدِ (لِيَنْفَسِخَ نِكَاحُهَا) بِمِلْكِهَا زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ (لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ نَصًّا) قَالَ فَهَذَا نَهَى عَنْهُ عُمَرُ وَيُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا وَعَلَّلَ أَحْمَدُ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُحَلِّلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُطَلِّقُ (مُحَلِّلٌ بِنِيَّتِهِ كَنِيَّةِ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهَا إيَّاهُ لِيُحِلّهَا لَهُ.
وَالثَّانِي كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا (وَلَوْ دَفَعَتْ) مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا (مَالًا هِبَةً لِمَنْ تَثِقُ بِهِ لِيَشْتَرِيَ مَمْلُوكًا فَاشْتَرَاهُ وَزَوَّجَهُ لَهَا ثُمَّ وَهَبَهُ لَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ مَشْرُوطٌ وَلَا مَنْوِيٌّ مِمَّنْ تُؤَثِّرُ نِيَّتُهُ وَشَرْطُهُ وَهُوَ الزَّوْجُ وَلَا أَثَر لِنِيَّةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ لَا فُرْقَةَ بِيَدِهَا.
(قَالَهُ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَقَالَ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ ذَلِكَ يُحِلُّهَا وَذَكَرَ كَلَامَهُ فِي الْمُغْنِي فِيهَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا: وَمَنْ لَا فُرْقَةَ بِيَدِهِ لَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ) .
وَ (قَالَ الْمُنَقِّحُ: الْأَظْهَرُ عَدَمُ الْإِحْلَالِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْمُنَقِّحِ انْتَهَى وَهُوَ قِيَاسُ الَّتِي قَبْلهَا قَالَ فِي الْوَاضِحِ نِيَّتُهَا كَنِيَّتِهِ وَقَالَ فِي الرَّوْضَة: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ بَاطِلٌ إذَا اتَّفَقَا.
فَإِنْ اعْتَقَدَتْ ذَلِكَ بَاطِنًا وَلَمْ تُظْهِرْهُ صَحَّ فِي الْحُكْمِ وَبَطَلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ (وَفِي الْفُنُونِ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةُ ثَلَاثًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا لِتَأَسُّفِهِ عَلَى طَلَاقِهَا حِلُّهَا بَعِيدٌ فِي مَذْهَبنَا لِأَنَّهُ) أَيْ الْحِلُّ (يَقِفُ عَلَى زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَمَتَى زَوَّجَهَا مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ تَأَسُّفِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مِنْ النِّكَاحِ إلَّا التَّحْلِيلَ وَالْقَصْدُ عِنْدَنَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا إذَا تَزَوَّجَ الْغَرِيبُ بِنِيَّةِ طَلَاقِهَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ وَمَنْ عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهِ لِمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا أَوْ وَعَدَهَا سِوَاهُ كَانَ أَشَدَّ تَحْرِيمًا مِنْ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ إجْمَاعًا لَا سِيَّمَا يُنْفِق عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا مَا تُحَلَّلُ بِهِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ) .
وَهُوَ وَاضِحٌ.
الثَّالِثُ (نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا لِيَتَمَتَّع بِهَا إلَى أَمَدٍ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إلَى مُدَّةٍ) مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ (مِثْلُ أَنْ يَقُولَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ) زَوَّجْتُكَهَا (إلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ أَوْ) إلَى (قُدُومِ الْحَاجِّ وَشِبْهِهِ مَعْلُومَةً كَانَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مَجْهُولَةً، أَوْ يَقُولُ هُوَ) أَيْ الْمُتَزَوِّجُ (أَمْتِعِينِي نَفْسَكِ فَتَقُولُ: أَمْتَعْتُكَ نَفْسِي لَا بِوَلِيٍّ وَلَا شَاهِدَيْنِ) لِمَا رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ أَنَّهُ قَالَ " أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ".
وَفِي لَفْظٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَرَوَى سَبْرَةُ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ " قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّ الْمُتْعَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ إلَّا الْمُتْعَةَ (وَإِنْ نَوَى) الزَّوْجُ (بِقَلْبِهِ) أَنَّهُ نِكَاحُ مُتْعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِشَرْطٍ (فَكَالشَّرْطِ نَصًّا خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُد فِيهَا: هُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتْعَةِ؟ لَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ مَا حَيِيتُ.
(وَإِنْ شَرَطَ) الزَّوْجُ (فِي النِّكَاحِ طَلَاقَهَا فِي وَقْتٍ وَلَوْ مَجْهُولًا فَهُوَ كَالْمُتْعَةِ) فَلَا يَصِحُّ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي عَقْدِ الْمُتْعَةِ وَفِيمَا حَكَمْنَا بِهِ أَنَّهُ) كَ (مُتْعَةٌ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) فَيَفْسَخُ الْحَاكِمُ النِّكَاحَ إنْ لَمْ يُطَلِّقْ الزَّوْجَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ الْمَهْرِ وَلَا مُتْعَةَ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
(وَإِنْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ بِمَنْ نَكَحَهَا نِكَاحَ مُتْعَةٍ (فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسَمًّى) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: إنَّ الْأَئِمَّةَ بَعْدَ الْفَسْخِ جَعَلُوهَا فِي حَيِّزِ السِّفَاحِ لَا فِي النِّكَاحِ انْتَهَى.
لَكِنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ أَوَاخِرَ الصَّدَاقِ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يَجِبُ فِيهِ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى كَالصَّحِيحِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَثْبُت بِهِ) أَيْ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ (إحْصَانٌ وَلَا إبَاحَةٌ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ فَاسِدٌ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ (وَلَا يَتَوَارَثَانِ وَتُسَمَّى زَوْجَةً) لِمَا سَبَقَ (وَمَنْ تَعَاطَاهُ عَالِمًا) تَحْرِيمَهُ (عُزِّرَ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (وَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ إذَا وَطِئَ يَعْتَقِدهُ نِكَاحًا) . قُلْتُ: أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ نِكَاحًا لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةُ الْعَقْدِ (وَيَرِثُ وَلَدَهُ وَيَرِثُهُ) وَلَدُهُ لِلُحُوقِ النَّسَبِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِيهَا ذُكِرَ (إذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَاعْتَقَدَهُ نِكَاحًا جَائِزًا) قُلْتُ: أَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ كَذَلِكَ (فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ وَطْءُ شُبْهَة يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ فِيهِ) لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ (وَيَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ) أَيْ التَّعْزِيرَ (عَلَى مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ) لِتَعَاطِيهِمَا عَقْدًا فَاسِدًا.
(الرَّابِعُ إذَا شَرَطَ نَفْيَ الْحِلِّ فِي نِكَاحٍ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لِاشْتِرَاطِ مَا يُنَافِيهِ (أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ) أَيْ النِّكَاحِ (عَلَى شَرْطٍ) مُسْتَقْبَلٍ (غَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ زَوَّجْتُكَ) ابْنَتِي أَوْ نَحْوَهَا (إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ) إذَا (رَضِيَتْ أُمُّهَا أَوْ) إذَا (رَضِيَ فُلَانٌ أَوْ) زَوَّجْتُكَهَا عَلَى (أَنْ لَا يَكْرَهَ فُلَانٌ فَسَدَ الْعَقْدُ)
لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقَفَ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ وَيَصِحُّ زَوَّجْتُ وَقَبِلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَتَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مَاضٍ أَوْ حَاضِرٍ (وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ إلَى الْمَمَاتِ) بِأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ إلَى الْمَمَاتِ فَيَقْبَلُ فَيَصِحُّ وَلَا أَثَرَ لِهَذَا التَّوْقِيتِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(النَّوْع الثَّانِي) مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (إذَا شَرَطَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (أَوْ) شَرَطَ أَحَدُهُمَا (الْخِيَارَ فِي النِّكَاحِ) كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُك بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَبَدًا أَوْ مُدَّةً وَلَوْ مَجْهُولَةً (أَوْ) شَرَطَا أَوْ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ (فِي الْمَهْرِ) بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ لِمَا يَأْتِي وَهَلْ يَصِحُّ الصَّدَاقُ وَيَبْطُلُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ، أَوْ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ، أَوْ يَبْطُلُ الصَّدَاقُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَطْلَقَهَا فِي الشَّرْحِ (أَوْ) شَرَطَا أَوْ أَحَدُهُمَا (عَدَمَ الْوَطْءِ أَوْ) شَرَطَتْ.
(إنْ جَاءَ بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا أَوْ شَرَطَ) الزَّوْجُ (عَدَمَ الْمَهْرِ أَوْ) عَدَمَ (النَّفَقَةِ أَوْ) شَرَطَ (قِسْمَةً لَهَا أَقَلَّ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهَا (أَوْ) شَرَطَ (إنْ أَصْدَقَهَا رَجَعَ عَلَيْهَا) بِمَا أَصْدَقَهُ لَهَا أَوْ بِبَعْضِهِ (أَوْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا أَوْ) شَرَطَتْ.
أَنْ (لَا يَكُونَ عِنْدَهَا فِي الْجُمُعَةِ إلَّا لَيْلَةً أَوْ) شَرَطَتْ أَنْ (لَا تُسْلِمَ نَفْسَهَا إلَيْهِ أَوْ) شَرَطَتْ (إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ) شَرَطَتْ (أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا إذَا أَرَادَتْ انْتِقَالًا أَوْ) شَرَطَتْ.
(أَنْ يَسْكُنَ بِهَا حَيْثُ شَاءَتْ أَوْ) حَيْثُ (شَاءَ أَبُوهَا أَوْ) حَيْثُ شَاءَ غَيْرُهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ (أَوْ) شَرَطَتْ (أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ إلَى الْجِمَاعِ وَقْتَ حَاجَتِهَا أَوْ) وَقْتَ (إرَادَتِهَا أَوْ شَرَطَ لَهَا النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ أَوْ) شَرَطَتْ (أَنْ لَا تُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ) أَنْ (تُعْطِيَهُ شَيْئًا وَنَحْوَهُ) كَأَنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا (بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَيَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ.
(وَصَحَّ الْعَقْدُ) لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَعُودُ إلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي الْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ فَلَمْ يُبْطِلْهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالْعِتْقِ (وَإِنْ طَلَّقَ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَقَعَ) طَلَاقُهُ وَلَغَا شَرْطَهُ كَالنِّكَاحِ وَأَوْلَى.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّة]
فَصْلٌ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا أَيْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً (عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّة) أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك هَذِهِ الْمُسْلِمَة فَبَانَتْ كَافِرَةً (أَوْ تَزَوَّجَهَا يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً وَلَمْ تُعْرَفْ بِتَقَدُّمِ كُفْرٍ فَبَانَتْ كَافِرَةً) كِتَابِيَّةً (فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ) لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً (وَبِالْعَكْسِ) بِأَنْ شَرَطَهَا أَوْ ظَنَّهَا كَافِرَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً (لَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ فِيهَا.
(وَإِنْ شَرَطَهَا أَمَةً فَبَانَتْ حُرَّةً) فَلَا خِيَارَ لَهُ (أَوْ) شَرَطَهَا (ذَاتَ نَسَبِ فَبَانَتْ أَشْرَفَ أَوْ) شَرَطَهَا (عَلَى صِفَةٍ دَنِيَّةٍ فَبَانَتْ أَعْلَى مِنْهَا) كَمَا لَوْ شَرَطَهَا شَوْهَاءَ فَبَانَتْ حَسْنَاءَ أَوْ قَصِيرَةً فَبَانَتْ طَوِيلَةً أَوْ سَوْدَاءَ فَبَانَتْ بَيْضَاءَ (فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ فِيهَا (وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا) فَبَانَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ الْخِيَارُ.
(أَوْ) شَرَطَهَا (جَمِيلَةً أَوْ نَسِيبَةً) أَيْ ذَاتَ نَسَبٍ (فَبَانَتْ) بِخِلَافِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ (أَوْ) شَرَطَهَا (بَيْضَاءَ أَوْ طَوِيلَةً أَوْ شَرَطَ نَفْيَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ كَالْعَمَى وَالْخَرَسِ وَالصَّمِّ وَالشَّلَلِ وَنَحْوِهِ) كَالْعَرَجِ وَالْعَوَرِ (فَبَانَتْ) الزَّوْجَةُ (بِخِلَافِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا شَرَطَهُ (فَلَهُ الْخِيَارُ نَصًّا) لِأَنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَقْصُودًا فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ (كَمَا لَوْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ) فَبَانَتْ أَمَةً (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِالْمَهْرِ إنْ قَبَضَتْهُ) .
قُلْتُ لَعَلَّ الْمُرَادَ إنْ اسْتَقَرَّ بِأَنْ دَخَلَ أَوْ خَلَا بِهَا كَمَا يَأْتِي فِي الْأَمَة (عَلَى الْغَارِّ) لَهُ مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ لِلْغُرُورِ (وَإِلَّا) بِأَنْ فُسِخَ قَبْلَ مَا يُقَرِّرُهُ سَقَطَ لِأَنَّهُ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا (وَلَا يَصِحُّ فَسْخٌ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ غَيْرَ مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ مَنْ شَرَطَتْ حُرِّيَّةَ زَوْجهَا فَبَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْفَسْخُ بِلَا حَاكِمٍ كَمَا لَوْ عَتَقَتْ تَحْتَهُ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ امْرَأَةً يَظُنّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ) فَبَانَتْ أَمَةً (أَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً وَكَانَ الْحُرُّ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ غَيْر عَادِمِ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ.
فَالنِّكَاحُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ (أَوْ كَانَ) الْحُرَّ (مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ نِكَاحُ الْإِمَاءِ لِكَوْنِهِ عَادِمَ الطَّوْلِ خَائِفَ الْعَنَتِ (وَاخْتَارَ الْفَسْخُ) فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ وَكَانَ لَهُ ذَلِكَ.
فَثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْآخَرِ ثُمَّ إنْ فُسِخَ (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ) بِهَا (فَلَا مَهْرَ) لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (دَخَلَ بِهَا) ثُمَّ فُسِخَ (فَلَهَا الْمُسَمَّى) لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ (وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ حُرِّيَّتهَا فَكَانَ وَلَدُهُ حُرًّا لِاعْتِقَادِهِ مَا يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُ (وَيَفْدِيهِ) الزَّوْجُ (بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ) قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْوَضْعِ.
فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ وَقْتُ فَوَاتِ رِقِّهِ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْوَضْعِ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْأَمَةِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا بَعْدَ الْخُصُومَةِ (إنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَلَدَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ وَلَا قِيمَةَ لَهُ (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِالْفِدَاءِ.
(وَ) يَرْجِعُ (بِالْمَهْرِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَخْتَرْ إمْكَانَ النِّكَاحِ حَيْثُ يَكُونُ لَهُ الْإِمْضَاءُ (عَلَى مَنْ غَرَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَارُّ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلِيٌّ وَكَذَلِكَ إنْ غَرِمَ الزَّوْجُ أُجْرَةَ خِدْمَتِهَا لَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ (وَإِنْ كَانَ) حِينَ تَزَوَّجَ بِالْمَرْأَةِ (ظَنَّهَا عَتِيقَةً) فَبَانَتْ أَمَةً (فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِتْقِ فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ) قَبْل وُجُودِهَا (كَالْأَمَةِ الْقِنِّ وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ يَقُومُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ) .
وَيَغْرَمُ أَبُوهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ (وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا) يَكُونُ حُرًّا إذَا غَرَّ بِهَا (وَيَفْدِي) الزَّوْجُ (مِنْ وَلَدِهَا بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ) وَبَاقِيهِ حُرُّ لَا فِدَاءَ فِيهِ (وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ) إذَا غَرَّ بِهَا (وَيَفْدِيهِ) أَيْ وَلَدَهَا أَبُوهُ الْمَغْرُور بِهَا (وَمَهْرُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا لَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغُرُورُ مِنْهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهَا ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهَا.
(وَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً بِبَيِّنَةٍ فَقَطْ لَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى) لِحَدِيثِ «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» (وَلَا) يَثْبُتُ كَوْنُهَا أَمَةً أَيْضًا (بِإِقْرَارِهَا) بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهَا فَلَمْ يُقْبَلْ.
(وَإِنْ حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا فَضَرَبَهَا ضَارِبٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا) فَعَلَى الضَّارِب غُرَّةٌ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى جَنِينٍ حُرٍّ (يَرِثُهَا وَرَثَتُهُ) أَيْ وَرَثَةُ الْجَنِينِ كَأَنَّهُ وُلِدَ حَيًّا وَمَاتَ عَنْهَا.
(وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَبَاهُ) فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ وَ (لَمْ يَرِثْهُ) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ (وَلَا يَجِبُ فِدَاءُ هَذَا الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ وُلِدَ مَيِّتًا وَلَا قِيمَةَ لَهُ.
(وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْأَمَةِ وَمَنْ غَرَّ بِهَا (إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بِأَنْ كَانَ حُرًّا فَاقِدًا الشَّرْطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ) الْإِمَاءِ (فَلَهُ الْخِيَارُ) كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا فَمَا) حَمَلَتْ بِهِ وَوَلَدَتْهُ (بَعْدَ الرِّضَا فَرَقِيقٌ) لِمَالِكِ الْأَمَةِ تَبَعًا لِأُمِّهِ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ نَمَائِهَا وَنَمَاؤُهَا لِمَالِكِهَا وَقَدْ انْتَفَى الْغَرَرُ
الْمُقْتَضِي لِلْحُرِّيَّةِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ) بِالْأَمَةِ (عَبْدًا فَوَلَدُهُ) مِنْهَا (أَحْرَارٌ) لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا حُرِّيَّةَ أَوْلَادِهَا فَأَشْبَهَ الْحُرَّ (يَفْدِيهِمْ) أَيْ يَفْدِي الْعَبْدُ أَوْلَادَهُ مِنْ الْأَمَةِ الَّتِي غَرَّ بِهَا بِقِيمَتِهِمْ يَوْم الْوِلَادَةِ (إذَا عَتَقَ لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ (بِذِمَّتِهِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقُّهُمْ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ وَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ فَتَعَلَّقَ الْفِدَاءُ بِذِمَّتِهِ وَيُفَارِقُ الْجِنَايَةَ وَالِاسْتِدَانَةَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا عَتَقُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ وَلَا أَخْذِ عِوَضٍ.
(وَيَرْجِعُ) الْعَبْدُ (بِهِ) أَيْ بِالْفِدَاءِ (عَلَى مَنْ غَرَّهُ) قَالَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: وَلَا يَرْجِعُ بِهِ حَتَّى يَغْرَمَهُ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ (كَأَمْرِهِ) أَيْ كَمَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانٌ (عَبْدًا بِإِتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ) مُغَرَّرًا بِهِ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَالَ (لَهُ) أَيْ لِلْآمِرِ (فَلَمْ يَكُنْ) الْمَالُ لَهُ وَأَغْرَمهُ مَالِكُهُ قِيمَتَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ.
(وَيَرْجِعُ) الْعَبْدُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْغَارِّ (بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى أَيْضًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرِّ (وَشَرْطُ رُجُوعِهِ) أَيْ الْمَغْرُورِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا (عَلَى الْغَارِّ) لَهُ (أَنْ يَكُونَ) الْغَارُّ (قَدْ شَرَطَ لَهُ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَلَوْ لَمْ يُقَارِنْ الشَّرْطُ الْعَقْدَ) بِأَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (حَتَّى مَعَ إبْهَامِهِ حُرِّيَّتَهَا) بِأَنْ عَلِمَ رِقَّهَا وَكَتَمَهُ (قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُغْنِي) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَالْغَارُّ مَنْ عَلِمَ رِقَّهَا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
وَفِي نُسَخٍ (نَصًّا) لَكِنْ سَيَأْتِي كَلَامُ الشَّرْحِ: لَا يَكُونُ غَارًّا إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ أَوْ الْإِخْبَارِ بِحُرِّيَّتِهَا أَوْ إيهَامِهِ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتهَا فَيَنْكِحُهَا عَلَى ذَلِكَ وَيَرْغَبُ فِيهَا وَيُصْدِقُهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ (وَلِمُسْتَحِقِّ الْفِدَاءِ) وَالْمَهْرِ (مُطَالَبَةُ الْغَارِّ ابْتِدَاءً) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَالِبَ الزَّوْجَ لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ الْغَارُّ) هُوَ (السَّيِّدَ وَلَمْ تَعْتِقْ بِذَلِكَ) أَيْ وَلَمْ يَكُنِ التَّغْرِيرُ بِلَفْظٍ ثَبَتَتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْغَارُّ (الْأَمَةَ) غَيْرَ الْمُكَاتَبَةِ تَعَلَّقَ الْوَاجِبُ (بِرَقَبَتِهَا) فَيَغْرَمُ الزَّوْجُ الْمَهْرَ وَقِيمَةَ الْأَوْلَادِ لِلسَّيِّدِ، وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِرَقَبَتِهَا، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهَا بَيْنَ فِدَائِهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا أَوْ يُسْلِمُهَا فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهَا بِقِيمَتِهَا سَقَطَ قَدْرُ ذَلِكَ عَنْ الزَّوْج فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ نُوجِبَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَرُدُّهُ إلَيْهِ وَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهَا سَلَّمَهَا وَأَخَذ مَا وَجَبَ لَهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْغَارُّ (أَجْنَبِيًّا رَجَعَ) الزَّوْجُ بِمَا غَرِمَهُ (عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ الْغَرَرُ مِنْهَا) أَيْ الْأَمَةِ.
(وَمِنْ وَكِيلِهَا فَالضَّمَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْجِنَايَةِ وَيَتَعَلَّقُ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا بِرَقَبَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَتْ حُرَّةٌ) رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ (أَوْ) تَزَوَّجَتْ (أَمَةٌ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ تَزَوَّجَتْهُ) الْحُرَّةُ أَوْ الْأَمَةُ (تَظُنُّهُ حُرًّا فَبَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ نَصًّا) أَمَّا الْحُرَّةُ فَلِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ لِلْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فَلِلسَّابِقَةِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلِأَنَّهَا مَغْرُورَةٌ بِحُرِّيَّةِ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ أَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ وَالْعَبْدَ الْمَغْرُورَ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ النِّكَاحِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ وَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ وَكَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ الْحُرَّةُ الْإِمْضَاءَ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ) عَتَقَتْ (تَحْتَ عَبْدٍ وَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ فَبَانَ دُونَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ) .
بِأَنْ غَرَّهَا بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَبَانَ عَجَمِيًّا (فَلَهَا الْخِيَارُ) لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ (وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ) ذَلِكَ (بِهَا) أَيْ الْكَفَاءَةِ (فَلَا خِيَارَ) لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ (أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْهُ فَقِيهًا فَبَانَ بِخِلَافِهِ وَإِنْ شَرَطَتْ) الْمَرْأَةُ (صِفَةً غَيْرَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ (مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْجَمَالِ وَنَحْوِهِ فَبَانَ أَقَلَّ مِنْهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا) .
لِمَا تَقَدَّمَ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُكِمَ فِيهِ بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ وَ) إنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا (بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا لَكِنْ يَأْتِي فِي آخِرِ الصَّدَاقِ: أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ فِيهِ النِّكَاحُ مَعَ صِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ) لَهَا لِحُصُولِ الْفَسْخِ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا (وَ) إنْ فُسِخَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ الْخَلْوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُقَرِّرُهُ (يَجِبُ الْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ لِتَقَرُّرِهِ.
وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
[فَصْلٌ عَتَقَتْ الْأَمَةُ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ]
فَصْلٌ وَإِنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ فَلَا خِيَارَ لَهَا (أَوْ) عَتَقَتْ كُلُّهَا وَ (بَعْضه) حُرٌّ (فَلَا خِيَار لَهَا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ كَمَا لَوْ أَسَلَّمْتَ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ وَأَمَّا خَبَرُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
فَقَدْ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ " أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُمَا أَخَصُّ بِهَا مِنْ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُمَا ابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا قَالَ
أَحْمَدُ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ قَالَا فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ " إنَّهُ عَبْدٌ رِوَايَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلُهُمْ " وَإِذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ حُرٌّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ (وَإِنْ كَانَ) زَوْجُ الْأَمَةِ الَّتِي عَتَقَتْ كُلَّهَا (عَبْدًا فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهَا بِلَا حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ (فَإِذَا قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي أَوْ) قَالَتْ (فَسَخْتُ النِّكَاحَ انْفَسَخَ) وَكَذَا لَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ فِرَاقَهُ (وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَنَوَتْ الْمُفَارَقَةَ كَانَ) ذَلِكَ (كِنَايَةً عَنْ الْفَسْخِ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْفَسْخِ، فَصَلُحَ كَوْنُهُ كِنَايَةً عَنْهُ كَالْكِنَايَةِ بِالْفَسْخِ عَنْ الطَّلَاقِ.
وَلَا يَكُونُ فَسْخُهَا لِنِكَاحِهَا طَلَاقًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ وَكَانَتْ فَسْخًا كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا (وَهُوَ) أَيْ خِيَارُ الْفَسْخِ مِنْهَا (عَلَى التَّرَاخِي) كَخِيَارِ الْعَيْبِ (فَإِنْ عَتَقَ) زَوْجُهَا (قَبْلَ فَسْخِهَا) بَطَلَ خِيَارُهَا، لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ وَقَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ فَسَقَطَ الْخِيَارُ كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ سَرِيعًا (أَوْ رَضِيَتْ) الْعَتِيقَةُ (بِالْمُقَامِ مَعَهُ) رَقِيقًا وَفِي نُسْخَةٍ " بَعْدَهُ " أَيْ بَعْدَ الْعِتْقِ.
فَلَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْهُ (أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا أَوْ) مِنْ (مُبَاشَرَتِهَا أَوْ) مِنْ (تَقْبِيلِهَا طَائِعَةً أَوْ قَبَّلَتْهُ هِيَ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بَطَلَ خِيَارُهَا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَهَا إنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ» .
(فَإِنْ ادَّعَتْ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ) أَيْ يُمْكِنُ (جَهْلُهُ أَوْ) ادَّعَتْ (الْجَهْلَ بِمِلْكِ الْفَسْخِ لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهَا (وَبَطَلَ خِيَارُهَا نَصًّا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْإِقْدَامُ عَلَى وَطْئِهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ عَالِمَةٍ) بِالْعِتْقِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ.
(وَلَوْ بَذَلَ الزَّوْجُ لَهَا) أَيْ الْعَتِيقَةِ (عِوَضًا عَلَى أَنْ تَخْتَارَهُ) أَيْ الزَّوْجَ (جَازَ) ذَلِكَ (نَصًّا) قَالَ ابْنُ رَجَبٍ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى صِحَّةِ إسْقَاطِ الْخِيَارِ بِعِوَضٍ.
وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِجَوَازِهِ فِي خِيَارِ الْبَيْعِ (وَلَوْ شَرَطَ مُعْتِقُهَا عَلَيْهَا دَوَامَ النِّكَاحِ تَحْتَ حُرٍّ) إنْ قُلْنَا لَهَا الْفَسْخُ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَهُ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهَا مُعْتِقُهَا دَوَامَ النِّكَاحِ تَحْتَ (عَبْدٍ إذَا أَعْتَقَهَا فَرَضِيَتْ) بِالشَّرْطِ (لَزِمَهَا ذَلِكَ) وَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ إذَنْ كَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ بُضْعهَا الزَّوْجَ، وَالْعِتْقُ بِشَرْطٍ جَائِزٌ.
(فَإِنْ كَانَتْ) مَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ (صَغِيرَةً) دُونَ تِسْعٍ
(أَوْ مَجْنُونَةً فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهَا (وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ تِسْعًا وَعَقَلَتْ) لِكَوْنِهَا صَارَتْ عَلَى صِفَةٍ لِكَلَامِهَا حُكْمٌ وَكَذَا لَوْ كَانَ بِزَوْجِهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ (مَا لَمْ يَطَأْ الزَّوْجُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْل اخْتِيَارِهَا الْفَسْخَ فَيَسْقُطُ كَالْكَبِيرَةِ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ.
(وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا) كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ عِلْمِهَا (وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ (الِاخْتِيَارُ عَنْهَا) لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ الشَّهْوَةُ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ كَالْقِصَاصِ (فَإِنْ طَلُقَتْ) مَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ (قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ) الْفَسْخَ (وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَوْ لَمْ تُعْتَقْ (وَبَطَلَ خِيَارُهَا إنْ كَانَ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا) فَلَهَا الْخِيَارُ (أَوْ عَتَقَتْ الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ فِيهَا الْخِيَارُ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ نِكَاحهَا بَاقٍ يُمْكِنُ فَسْخُهُ وَلَهَا فِي الْفَسْخ فَائِدَةٌ فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ إذَا لَمْ تَفْسَخْ بِخِلَافِ الْبَائِنِ (فَإِنْ رَضِيَتْ) الرَّجْعِيَّةُ (بِالْمُقَامِ بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمَقَامِ كَصُلْبِ النِّكَاح وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَسُكُوتُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا.
(وَإِنْ فَسَخَتْ) الرَّجْعِيَّةُ (فِي الْعِدَّةِ بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يُنَافِي عِدَّةَ الطَّلَاقِ وَلَا يَقْطَعُهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أُخْرَى (تَمَامَ عِدَّةِ حُرَّةٍ) لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ (فَإِنْ) لَمْ تَفْسَخْ و (رَاجَعَهَا فَلَهَا الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ فَسَخَتْ ثُمَّ عَادَ يَتَزَوَّجُهَا بَقِيَتْ مَعَهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ عَدَد الطَّلَاقِ يُعْتَبَرُ بِالزَّوَاجِ كَمَا يَأْتِي وَهُوَ رَقِيقٌ وَقَدْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَبَقِيَتْ لَهُ أُخْرَى (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْد أَنْ عَتَقَ رَجَعَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ) كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ (وَمَتَى اخْتَارَتْ) الْعَتِيقَةُ (الْفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَهِيَ مِلْكُهُ حَالَتَهُ كَمَا لَوْ لَمْ تَفْسَخْ.
(وَإِنْ كَانَ) الْفَسْخُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ أَتَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ فَسَقَطَ بِذَلِكَ مَهْرُهَا كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى.
(وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ) نَصِيبَهُ مِنْ الْأَمَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُعْتِقُ (مُعْسِرٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتِقْ كُلُّهَا فَلَمْ تَفُتْهُ الْمُكَافَأَةُ (وَلَوْ زَوَّجَ مُدَبَّرَةً لَهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ يُعِيدُ عَلَى مِائَتَيْنِ مَهْرًا ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ وَلَا فَسْخَ) لَهَا (قَبْلَ الدُّخُولِ لِئَلَّا يَسْقُطَ الْمَهْرُ) عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ يَتَنَصَّفَ) عَلَى مُقَابِلِ الْمَذْهَبِ.
(فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَيُرَقُّ بَعْضُهَا فَيَمْتَنِعُ الْفَسْخُ) لِأَنَّ مَا أَدَّى وُجُودُهُ إلَى رَفْعِهِ يَرْتَفِعُ مِنْ أَصْلِهِ (فَهَذِهِ مُسْتَثْنَاة مِنْ كَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ)
مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ لَهَا الْفَسْخُ وَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ أَمَةٌ عَتَقَتْ كُلُّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ وَلَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ (وَإِنْ أُعْتِقَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمُكَافَأَةِ.
(وَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ الْكَفَاءَة تُعْتَبَر فِيهِ لَا فِيهَا فَلَوْ تَزَوَّجَ) رَجُلٌ (امْرَأَةً مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ غَيْرِ شَرْطِ حُرِّيَّةٍ وَلَا رِقٍّ (فَبَانَتْ أَمَةً فَلَا خِيَارَ) لَهُ لِمَا سَبَقَ (وَلَوْ تَزَوَّجَتْ) رَجُلًا (مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حُرِّيَّةٍ أَوْ عَدَمِهَا (فَبَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ) لِمَا سَبَقَ (فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِدَامَةِ) فَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ لَا خِيَارَ لَهُ وَإِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدِ فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ فَأَرَادَ عِتْقَهُمَا الْبُدَاءَةُ بِالرَّجُلِ لِئَلَّا يَثْبُتَ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ) فَتَفْسَخَ نِكَاحَهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ وَتَزَوَّجَا فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا فَقَالَ لَهَا: ابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ» وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَالَتْ لِلرَّجُلِ: إنِّي بَدَأْت بِعِتْقِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لَهَا عَلَيْكَ خِيَارٌ وَلِمَالِكِ زَوْجَيْنِ بَيْعُهُمَا وَبَيْعُ أَحَدِهِمَا وَلَا فُرْقَةَ بِذَلِكَ وَمَنْ عَتَقَتْ وَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا فَالزِّيَادَةُ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا، عَتَقَ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَعْتِقْ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا ثُمَّ بَاعَهَا فَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا فَالزِّيَادَةُ لِلثَّانِي قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
[بَابُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ]
[فَصْلٌ الْأَوَّل مَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ]
بَابُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ أَيْ بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ وَأَقْسَامُ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا مَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إذَا وَجَدَتْ) الْمَرْأَةُ (زَوْجَهَا) مَجْبُوبًا أَيْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِحَيْثُ (لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَطَأُ بِهِ أَوْ) وَجَدَتْ زَوْجهَا (أَشَلَّ) الذَّكَرِ (فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الْحَالِ) وَيُرْوَى ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا وَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فِي الْجُمْلَةِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَلِيٍّ
لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَيْبٍ وَلَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ (1) فِي النِّكَاحِ فَجَازَ رَدُّهَا بِعَيْبٍ، كَالصَّدَاقِ، وَالرَّجُلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَيَثْبُت لَهُ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ فِي الْآخَرِ كَالْمَرْأَةِ وَلِأَنَّ الْجَبَّ وَالرَّتَقَ وَنَحْوَهُمَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْوَطْءَ بِخِلَافِ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهِمَا وَأَمَّا الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ فَتُوجِبُ نُفْرَةً تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُخَافُ مِنْ التَّعَدِّي إلَى نَفْسِهِ وَنَسْلِهِ وَالْمَجْنُونُ يُخَاف مِنْهُ الْجِنَايَةَ، فَصَارَتْ كَالْمَانِعِ الْحِسِّيِّ (فَإِنْ) جُبَّ بَعْضُ ذَكَرِهِ وَ (أَمْكَنَ وَطْؤُهُ بِالْبَاقِي فَادَّعَاهُ) أَيْ إمْكَانَ وَطْئِهِ بِالْبَاقِي مِنْ ذَكَرِهِ وَ (أَنْكَرَتْهُ قُبِلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا) لِأَنَّهُ يَضْعُفُ بِالْقَطْعِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَطْءِ.
(وَإِنْ بَانَ) الزَّوْجُ (عِنِّينًا) أَيْ عَاجِزًا عَنْ الْوَطْءِ وَرُبَّمَا اشْتَهَاهُ وَلَا يُمْكِنُهُ، مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إذَا اعْتَرَضَ، لِأَنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذَا أَرَادَ إيلَاجَهُ أَيْ يَعْتَرِضُ (لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءَ بِإِقْرَارِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِبَانَ (أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِهِ) أَنَّهُ عِنِّينٌ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ عُمِلَ بِهَا (أَوْ بِنُكُولِهِ) عَنْ الْيَمِينِ (كَمَا يَأْتِي) أَجَلُ سَنَةٍ هِلَالِيَّةٍ، (وَلَوْ عَبْدًا مُنْذُ تَرَافُعِهِ إلَى الْحَاكِمِ) فَيَضْرِبُ الْحَاكِمُ (لَهُ الْمُدَّةَ وَلَا يَضْرِبُهَا غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً " وَرَوَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالْجَبِّ فِي الرَّجُلِ وَالرَّتَقِ فِي الْمَرْأَة.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّ مَا لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ مُدَّةً» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ طَلَاقِهِ، فَلَا مَعْنَى لِضَرْبِ الْمُدَّةِ (وَلَا تُعْتَبَرُ عُنَّتُهُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَجْزُهُ لِصِغَرِهِ لَا خِلْقَةً (وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْهَا) أَيْ السَّنَةِ (مَا اعْتَزَلَتْهُ) الْمَرْأَةُ لَهُ بِالنُّشُوزِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهَا.
وَإِنَّمَا تُضْرَبُ لَهُ السَّنَةُ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّى مِنْ
الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِعُنَّتِهِ وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضِ فَضَرَبَ لَهُ سَنَةً لِتَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ فَإِنْ كَانَ مِنْ يُبْسٍ زَالَ فِي فَصْلِ الرُّطُوبَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ الْيُبْسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بُرُودَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ الْحَرَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ انْحِرَافِ مِزَاجٍ زَالَ فِي فَصْلِ الِاعْتِدَالِ فَإِذَا مَضَتْ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَلَمْ يَزُلْ عَلِمْنَا أَنَّهُ خِلْقَةٌ (وَلَوْ عَزَلَ) الزَّوْجُ (نَفْسَهُ) عَنْهَا (أَوْ سَافَرَ) لِحَاجَةٍ (أَوْ غَيْرِهَا حُسِبَ عَلَيْهِ) ذَلِكَ مِنْ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ وَكَالْمُولِي.
(فَإِنْ وَطِئَ) الزَّوْجُ (فِيهَا) أَيْ فِي السَّنَةِ فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ مَضَتْ وَلَمْ يَطَأَهَا فِيهَا (فَلَهَا الْفَسْخُ) أَيْ فَسْخُ نِكَاحِهَا مِنْهُ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ جُبَّ أَيْ قُطِعَ ذَكَرُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ وَلَوْ) كَانَ الْجَبُّ (بِفِعْلِهَا فَلَهَا الْخِيَارُ مِنْ وَقْتِهَا) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ، إذْ التَّأْجِيلُ وَالْفَسْخُ إذَنْ لِلْجَبِّ لَا لِلْعُنَّةِ.
(فَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي عِنِّينٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَهَا فَإِنْ أَقَرَّتْ) بِذَلِكَ (أَوْ ثَبَتَ) عِلْمُهَا بِهِ (بِبَيِّنَةٍ فَلَا يُؤَجَّلُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ) وَلَا فَسْخَ لَهَا لِدُخُولِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ (وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فَسَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي (وَيُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرَافُعِهِ) لَا مِنْ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ الدُّخُولِ.
(وَإِنْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ: رَضِيتُ بِهِ عِنِّينًا لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ) ذَلِكَ بِالْفَسْخِ لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا مِنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ) بِأَنَّهُ عِنِّينٌ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِاعْتِرَافِهِ أَوْ بِعُنَّتِهِ إنْ أَمْكَنَ وَلَمْ يَدَّعِ وَطْئًا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لِقَطْعِ دَعْوَاهَا وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الرَّجُلِ السَّلَامَةُ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ أُجِّلَ سَنَةً لِمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ.
(فَإِنْ اعْتَرَفَتْ) الْمَرْأَةُ (أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً فِي الْقُبُلِ وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (فِي مَرَضٍ يَضُرُّهَا فِيهِ الْوَطْءُ وَفِي حَيْضٍ وَنَحْوِهِ) كَنِفَاسٍ (أَوْ فِي إحْرَامٍ أَوْ هِيَ صَائِمَةٌ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي الرِّدَّةِ بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا) لِزَوَالِ عُنَّتِهِ بِالْوَطْءِ (فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ) لَمْ تَزُلْ الْعُنَّةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْصَانٌ وَلَا إحْلَالٌ لِمُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا (أَوْ) وَطِئَهَا (فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا لَمْ تَزُلْ الْعُنَّةُ لِأَنَّهَا قَدْ تَطْرَأُ) وَلِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ امْرَأَةٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا.
وَالْفَسْخُ لِزَوَالِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِعَجْزِهِ عَنْ وَطْئِهَا وَهُوَ لَا يَزُولُ بِوَطْءِ غَيْرِهَا (وَإِنْ ادَّعَى) زَوْجٌ (وَطْءَ بِكْرٍ فَشَهِدَ بِعُذْرَتِهَا) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ بَكَارَتِهَا (امْرَأَةٌ ثِقَةٌ) أُجِّلَ سَنَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا (وَالْأَحْوَطُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ) تَقِيَّتَيْنِ (وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا) أَيْ الْبَكَارَةِ (أَحَدٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ (وَعَلَيْهَا الْيَمِينُ إنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَزَلْتُهَا) أَيْ الْبَكَارَةَ
(وَعَادَتْ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا بِيَمِينِهَا (وَإِنْ شَهِدَتْ) امْرَأَةٌ ثِقَةٌ (بِزَوَالِهَا) أَيْ الْبَكَارَةِ بَعْدَ دَعْوَاهُ الْوَطْءَ (لَمْ يُؤَجَّلْ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْعِنِّينِ فِي تَأْجِيلِهِ سَنَةً لِبَيَانِ كَذِبهَا بِثُبُوتِ زَوَالِ بَكَارَتِهَا (وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ قَالَتْ) الْمَرْأَةُ (زَالَتْ) الْبَكَارَةُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ وَطْئِهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهَا (وَكَذَا إنْ أَقَرَّ بِعُنَّتِهِ وَأُجِّلَ) السَّنَةَ (وَادَّعَى وَطْأَهَا فِي الْمُدَّةِ) فَقَوْلُهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَشَهِدَتْ ثِقَةٌ بِبَقَاءِ بَكَارَتِهَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.
(وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَادَّعَى وَطْأَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ عُنَّتِهِ وَأَنْكَرَتْهُ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ وُجُودُ مَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ وَهُوَ ثُبُوت الْعُنَّةِ (وَإِنْ ادَّعَى الْوَطْءَ ابْتِدَاءً مَعَ إنْكَارِ الْعُنَّةِ وَأَنْكَرَتْهُ) أَيْ الْوَطْءَ (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَيَكْفِي فِي زَوَالِ الْعُنَّةِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِ) الْحَشَفَةِ (مَعَ انْتِشَارِهِ) لِيَكُونَ مَا يُجْزِئ مِنْ الْمَقْطُوعِ مِثْلَ مَا يُجْزِئُ مِنْ الصَّحِيحِ.
وَكَذَا يَسْقُطُ حَقُّ امْرَأَةِ مَنْ جُبَّ بَعْضُ ذَكَرِهِ بِتَغْيِيبِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مَعَ الِانْتِشَارِ (وَإِنْ ادَّعَتْ زَوْجَةُ مَجْنُونٍ عُنَّتَهُ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ) عِنْدَ ابْنَ عَقِيلٍ وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَعِنْدَ الْقَاضِي لَا تُضْرَبُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ مِلْكِ الْفَسْخِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَجْنُونُ وَالْعَاقِلُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَمَجْنُونٌ ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ كَعَاقِلٍ فِي ضَرْبِ الْمُدَّةِ (وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهَا هُنَا فِي عَدَمِ الْوَطْءِ وَلَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا) لِأَنَّ قَوْلَ الْمَجْنُونِ لَا حُكْمَ لَهُ (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ عَجْزَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَنْ الْوَطْءِ لِعَارِضٍ مِنْ صِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِنِّينٍ وَعَارِضُهُ مَرْجُوُّ الزَّوَالِ.
(وَإِنْ كَانَ) عَجْزُهُ عَنْ الْوَطْءِ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ) كَالْخِلْقِيِّ لِأَنَّ عَارِضَهُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوَطْئِهِ فِيهِ بَطَل حُكْمُ عُنَّتِهِ فَإِنْ كَانَ) الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ (فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ) عِنْدَ التَّرَافُعِ (لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ) لِأَنَّهُ لَا عُنَّةَ مَعَ الْوَطْءِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ (بَعْدَ ضَرْبِهَا انْقَطَعَتْ) عُنَّتُهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهَا (وَإِنْ كَانَ) الْحُكْمُ بِوَطْئِهِ (بَعْدَ انْقِضَائِهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارُ) الْفَسْخِ لِزَوَالِ مُوجِبِهِ كَمَا لَوْ زَالَ عَيْبُ الْمَبِيعِ سَرِيعًا (وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ فِيهِ حَكَمْنَا بِعُنَّتِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ بِالْعُنَّةِ لِأَنَّ عَدَمَ الْوَطْءِ عَلَامَتُهَا.
[فَصْلٌ الثَّانِي مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ]
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْعُيُوبِ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِجُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَوْ جُنُونٍ وَلَوْ أَفَاقَ) أَحْيَانًا لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بَيَاضٍ بِجَسَدِهِ) هَلْ هُوَ بَهَقٌ أَوْ بَرَصٌ؟ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي عَلَامَاتِ الْجُذَامِ مِنْ ذَهَابِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ، هَلْ هُوَ جُذَامٌ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْخِبْرَةِ تَشْهَدُ بِمَا قَالَ ثَبَتَ قَوْلُهُ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ (حَلَفَ الْمُنْكِرُ) لِحَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُنْكِرِ حَيْثُ لَا بَيِّنَة بِيَمِينِهِ وَلِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ) تَحْتَ الثِّيَابِ (أُرِيَتْ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ) فَيُكْتَفَى بِشَهَادَتِهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَالْأَحْوَطُ اثْنَتَانِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَإِنْ شَهِدَتْ) امْرَأَةٌ عَدْلٌ (بِمَا قَالَ الزَّوْجُ) مِنْ الْعَيْبِ فِي امْرَأَتِهِ عُمِلَ بِشَهَادَتِهَا (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ) فِي عَدَمِ الْعَيْبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ قُلْتُ: وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ الْوَطْءِ أَنَّهُ وَجَدَ الزَّوْجَةَ ثَيِّبًا وَقَالَتْ: بَلْ كُنْتُ بِكْرًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ.
(وَإِنْ زَالَ الْعَقْلُ بِمَرَضٍ فَهُوَ إغْمَاءٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ) لِأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ بِهِ (فَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ وَدَامَ الْإِغْمَاءُ فَهُوَ كَالْجُنُونِ) يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَعِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ وَالْمُبْدِعِ فَهُوَ جُنُونٌ (يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْعُيُوبِ مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَثْبُتُ) خِيَارُ الْفَسْخِ لِلزَّوْجِ (بِالرَّتَقِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ (وَهُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا مُلْتَصِقًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ) بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْفَسْخِ لِلزَّوْجِ (بِالْقَرَنِ وَالْعَفَلِ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ) فَعَلَى هَذَا: الْقَرَنُ وَالْعَفَلُ فِي الْعُيُوبِ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ.
(وَقِيلَ: الْقَرَنُ عَظْمٌ أَوْ غُدَّةٌ تَمْنَع وُلُوجَ الذَّكَرِ) قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَعِ وَالزَّرْكَشِيُّ (وَقِيلَ: الْعَفَلُ رَغْوَةٌ تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ) قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ.
(وَقِيلَ: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ شَبِيهٌ بِالْأُدْرَةِ الَّتِي لِلرِّجَالِ فِي الْخُصْيَةِ) قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَعِ
وَالزَّرْكَشِيُّ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلِذَلِكَ قَالَ (وَعَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَطْءَ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا (بِانْخِرَاقِ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِنْ الْمَرْأَةِ (وَ) بِانْخِرَاقِ (مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ) وَهُوَ الْفَتْقُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ وَفَائِدَتَهُ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ (بِبَخَرِ فَمِ) الْآخَرِ فَهُوَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُشْتَرَكَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَعْمِلُ لِلْبَخَرِ السِّوَاكَ وَيَأْخُذُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَرَقَ آسٍ مَعَ زَبِيبٍ مَنْزُوعِ الْعَجْمِ بِقَدْرِ الْجَوْزَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْكَرَفْسِ وَمَضْغُ النَّعْنَاعِ جَيِّدٌ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالدَّوَاء الْقَوِيُّ لِعِلَاجِهِ: أَنْ يَتَغَرْغَرَ بِالصَّبِرِ كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الرِّيقِ وَوَسْطَ النَّهَارِ وَعِنْدَ النَّوْمِ وَيَتَمَضْمَضُ بِالْخَرْدَلِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُخَرَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّمَا يَتَغَيَّرُ فَمُهُ إلَى أَنْ يَبْرَأَ وَإِمْسَاكُ الذَّهَبِ فِي الْفَمِ يُزِيلُ الْبَخَرَ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ بِبَخَرِ (فَرْجِ) الْمَرْأَةِ وَهُوَ نَتْنٌ فِي الْفَرْجِ يَثُورُ بِالْوَطْءِ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (بِاسْتِطْلَاقِ بَوْلٍ وَ) اسْتِطْلَاقِ (نَجْوٍ) أَيْ غَائِطِ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ (بِقُرُوحٍ سَيَّالَةٍ فِي فَرْجِ) الْمَرْأَةِ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (بِبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ) وَهُمَا دَاءَانِ بِالْمَقْعَدَةِ فَالْبَاسُورُ: مِنْهُ مَا يَأْتِي كَالْعَدَسِ أَوْ الْحِمَّصِ أَوْ الْعِنَبِ أَوْ التُّوتِ وَمِنْهُ مَا هُوَ غَائِرٌ دَاخِلُ الْمَقْعَدَةِ وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ إمَّا سَائِلٌ أَوْ غَيْرُ سَائِلٍ، وَالنَّاصُورُ قُرُوحٌ غَائِرَةٌ تَحْدُثُ فِي الْمَقْعَدَةِ يَسِيلُ مِنْهَا صَدِيدٌ وَيَنْقَسِمُ إلَى نَافِذَةٍ وَغَيْرِ نَافِذَةٍ وَعَلَامَةُ النَّافِذَةِ أَنْ يَخْرُجَ الرِّيحُ وَالنَّجْوُ بِلَا إرَادَةٍ وَإِذَا أَدْخَلَ فِي النَّاصُورِ مِيلًا وَأَدْخَلَ الْإِصْبَعَ فِي الْمَقْعَدَةِ فَإِنْ الْتَقَيَا فَالنَّاصُورُ نَافِذٌ.
(وَ) يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارُ الْفَسْخِ بِ (خِصَاءِ) الرَّجُلِ (وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَيْنِ وَ) يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ أَيْضًا بِ (سَلٍّ وَهُوَ سَلُّهُمَا) أَيْ الْخُصْيَتَيْنِ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهَا أَيْضًا بِ (وِجَاءٍ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ (وَهُوَ رَضُّهُمَا) أَيْ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ قَالَ فِي الْمُطْلِعِ: هُوَ رَضُّ عِرْقِ الْبَيْضَتَيْنِ حَتَّى يَنْفَسِخَ فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْخِصَاءِ انْتَهَى وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ يُضْعِفُهُ وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ ابْنَ سَنَدٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ خَصِيٌّ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَعْلَمْتَهَا قَالَ: لَا قَالَ أَعْلِمْهَا ثُمَّ خَيِّرْهَا ".
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِكُلِّ مِنْهُمَا بِ (كَوْنِهِ) أَيْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (خُنْثَى غَيْرَ مُشْكِلٍ وَأَمَّا) الْخُنْثَى (الْمُشْكِلُ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ) حَتَّى يَتَّضِحَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُفْسَخُ النِّكَاحُ بِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْ الْعُيُوبِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُخْشَى تَعَدِّي أَذَاهُ وَمِنْهَا مَا فِيهِ نُفْرَةٌ وَنَقْصٌ وَمِنْهَا مَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ.
(وَ) يَثْبُتُ الْفَسْخُ بِ (وُجْدَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ عَيْبًا بِهِ عِيبَ غَيْرُهُ أَوْ مِثْلُهُ) كَأَنْ يَجِدَ الْأَجْذَمُ الْمَرْأَةَ بَرْصَاءَ أَوْ جَذْمَاءَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ كَمَا لَوْ غَرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعَافُ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَا يَعَافُ مِنْ نَفْسِهِ (إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) وَصَاحِبُ الْمُبْدِعِ، لِامْتِنَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِعَيْبِ نَفْسِهِ وَاخْتَارَ فِي الْفُصُولِ: إنْ لَمْ يَطَأَ لِطُرُوئِهَا فَكَرَتْقَاءَ.
(وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ أَيْضًا (بِحُدُوثِهِ) أَيْ الْعَيْبِ (بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ قَالَهُ الشَّيْخُ) فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ (وَتَعْلِيلُهُمْ) بِأَنَّهُ عَيْبٌ أَثْبَتَ الْخِيَارَ مُقَارِنًا فَأَثْبَتَ طَارِئًا كَالْإِعْسَارِ وَالرِّقِّ (لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ (وَهُنَا) أَيْ إذَا كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ الدُّخُولِ لِعَيْبٍ طَرَأَ بَعْدَهُ (لَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِالْمَهْرِ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ غَرَرٌ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ.
(وَيَثْبُتُ) لِلزَّوْجِ خِيَارُ الْفَسْخِ (بِاسْتِحَاضَةٍ وَ) يَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهَا بِ (قَرْعٍ فِي رَأْسٍ وَلَهُ رِيحٌ مُنْكَرَةٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ النُّفْرَةِ (فَإِنْ كَانَ) أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الَّذِي لَا عَيْبَ بِهِ (عَالِمًا بِالْعَيْبِ) فِي الْآخَرِ (وَقْتَ الْعَقْدِ) فَلَا خِيَارَ لَهُ (أَوْ عَلِمَ) بِالْعَيْبِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ (وَرَضِيَ بِهِ) فَلَا خِيَارَ لَهُ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ (أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دَلَالَةٌ عَلَى الرِّضَا) بِالْعَيْبِ (مِنْ وَطْءٍ أَوْ تَمْكِينٍ) مِنْ وَطْءٍ (مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَ (الْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ مُنْكِرِ الْعِلْمِ (مَعَ يَمِينِهِ فِي عَدَمِ عِلْمِهِ) بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(فَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ) كَمَا لَوْ رَضِيَهَا رَتْقَاءَ مَثَلًا (ثُمَّ حَدَثَ عَيْبٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) بِأَنْ حَدَثَ لِلرَّتْقَاءِ جُذَامٌ (فَلَهُ الْخِيَارُ) لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ (فَإِنْ ظَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي رَضِيَ بِهِ يَسِيرًا فَبَانَ كَثِيرًا كَمَنْ ظَنَّ الْبَرَصَ فِي قَلِيلٍ مِنْ جَسَدِهِ، فَبَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ أَوْ زَادَ) الْعَيْبُ (بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا رَضِيَ بِهِ وَرِضَاهُ بِهِ رِضًا بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ (وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا) وَلَوْ دُونَ عَشْرٍ (وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الْحَالِ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ.
(وَلَا يُنْتَظَرُ وَقْتُ إمْكَانِ الْوَطْءِ وَعَلَى قِيَاسِهِ الزَّوْجَةُ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ عَفْلَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْ فَلَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ، وَلَا يَنْتَظِرُ وَقْتَ إمْكَانِ الْوَطْءِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بِحَالِهِ.
[فَصْلٌ خِيَارُ الْعُيُوبِ وَالشُّرُوطِ عَلَى التَّرَاخِي]
فَصْلٌ وَخِيَارُ الْعُيُوبِ وَالشُّرُوطِ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَخِيَارِ الْقِصَاصِ فَ (لَا يَسْقُطُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ لَهُ الْخِيَارُ (دَلَالَةٌ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ) كَقَوْلِهِ: أَسْقَطْتُ الْفَسْخَ وَنَحْوَهُ: رَضِيتُ (أَوْ وَطْءٍ) إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا (أَوْ تَمْكِينٍ) مِنْ وَطْءٍ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا لِأَنَّهُ دَلِيلُ رَغْبَتِهَا فِيهِ (مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ) وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (أَوْ يَأْتِي بِصَرِيحِ الرِّضَا) كَقَوْلِهِ: رَضِيتُ بِالْعَيْبِ.
(فَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالْخِيَارِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ) كَعَامِّيٍّ لَا يُخَالِطُ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا (فَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ قَالَهُ الشَّيْخُ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَوْ جَهِلَ الْحُكْمَ أَيْ يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَوْ جَهِلَ الْحُكْمَ (وَ) خِيَارُ الْفَسْخِ (فِي الْعُنَّةِ لَا يَسْقُطُ بِغَيْرِ قَوْلِ) امْرَأَةِ الْعِنِّينِ أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ الْفَسْخِ أَوْ رَضِيتُ بِهِ عِنِّينًا وَنَحْوَهُ لَا بِتَمْكِينِهَا مِنْ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا لِتَعْلَمَ أَزَالَتْ عُنَّتُهُ أَمْ لَا.
(وَمَتَى زَالَ الْعَيْبُ) قَبْلَ الْفَسْخِ (فَلَا فَسْخَ) لِزَوَالِ سَبَبِهِ كَالْمَبِيعِ يَزُولُ عَيْبُهُ (وَلَوْ فَسَخَتْ بِعَيْبٍ) كَبَيَاضٍ بِبَدَنِهِ ظَنَّتْهُ بَرَصًا (فَبَانَ أَنْ لَا عَيْبَ بَطَلَ) أَيْ تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ (الْفَسْخُ) إذْ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا (وَاسْتَمَرَّ النِّكَاحُ) لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي فَسْخَهُ (وَلَا فَسْخَ بِغَيْرِ الْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ كَعَوَرٍ وَعَرَجٍ وَعَمًى وَخَرَسٍ وَطَرَشٍ وَقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَكُلِّ عَيْبٍ يَنْفِرُ الزَّوْجُ الْآخَرُ مِنْهُ خِلَافًا لِابْنِ الْقَيِّمِ) قَالَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْبَيْعِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَطْءُ وَهَذِهِ لَا تَمْنَعُهُ، وَالْحُرَّةُ لَا تُقَلَّبُ كَمَا تُقَلَّبُ الْأَمَةُ وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ لَمْ يَشْتَرِطْ صِفَةً فَبَانَتْ دُونَهَا.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الشَّيْخُوخَةُ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبٌ (فَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ نَفْيَ ذَلِكَ) أَيْ الْعَوَرِ وَالْعَرَجِ وَنَحْوِهِ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ (أَوْ شَرَطَهَا بِكْرًا أَوْ جَمِيلَةً وَنَحْوَهُ) بِأَنْ شَرَطَهَا (نَسِيبَةً، فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ) لِشَرْطِهِ (وَكَذَا لَوْ شَرَطَتْهُ) حُرًّا (أَوْ ظَنَّتْهُ حُرًّا فَبَانَ عَبْدًا وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا.
(وَلَوْ بَانَ) أَحَدُهُمَا (عَقِيمًا) فَلَا خِيَارَ لِلْآخَرِ (أَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ لَا فِي الْإِنْزَالِ وَلَا يَصِحُّ فَسْخٌ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) .
لِأَنَّهُ فَسْخٌ يُجْتَهَدُ فِيهِ فَافْتُقِرَ إلَيْهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ إلَّا الْحُرَّةَ إذَا غَرَّتْ بِعَبْدٍ
وَمَنْ عَتَقَتْ كُلَّهَا تَحْتَ رَقِيقٍ كُلِّهِ فَتَفْسَخُ بِلَا حَاكِمٍ وَتَقَدَّمَ (فَيَفْسَخُهُ) أَيْ النِّكَاحَ (الْحَاكِمُ أَوْ يَرُدُّهُ) أَيْ الْفَسْخَ (إلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ) فَيَفْسَخُهُ (وَيَصِحُّ) الْفَسْخُ مِنْ الْمَرْأَةِ حَيْثُ مَلَكَتْهُ (فِي غِيبَةِ زَوْجٍ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخِيَارِ.
(وَالْأَوْلَى) الْفَسْخُ (مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ الزَّوْجِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ فِي غِيبَتِهِ (وَالْفَسْخُ لَا يَنْقُصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (رَجْعَتُهَا) يَعْنِي إعَادَتَهَا (بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ) حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ طَلَاقٌ (وَكَذَا سَائِرُ الْفُسُوخِ) كَالْفَسْخِ لِإِعْسَارِهِ بِالصَّدَاقِ أَوْ بِالنَّفَقَةِ وَفَسْخُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُولِي بِشَرْطِهِ (إلَّا فُرْقَةِ اللِّعَانِ) فَإِنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِن أَبَدًا كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ) وَلَا مُتْعَةَ سَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهَا فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا.
وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فَإِنَّمَا فَسَخَ لِعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَتْهُ بِالْإِخْفَاءِ فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا لَا يُقَالُ: هَلَّا جَعَلَ فَسْخهَا لِعَيْبِهِ كَأَنَّهُ مِنْهُ لِحُصُولِهِ بِتَدْلِيسِهِ لِأَنَّ الْعِوَضَ مِنْ الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهَا فَإِذَا اخْتَارَتْ الْفَسْخَ مَعَ سَلَامَةِ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ رَجَعَ الْعِوَضُ إلَى الْعَاقِدِ مِنْهَا، وَلَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ لِأَجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا لَا لِأَجْلِ تَعَذُّرِ مَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنَافِعَ عِوَضًا فَافْتَرَقَا.
(وَ) إنْ فَسَخَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ (أَوْ بَعْدَ خَلْوَةٍ) فَ (لَهَا الْمُسَمَّى) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وُجِدَ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصِّحَّةِ وَلِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِحَادِثٍ بَعْدَهُ، وَكَمَا لَوْ طَرَأَ الْعَيْبُ (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِهِ) أَيْ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْ امْرَأَةٍ عَاقِلَةٍ (وَوَلِيٍّ وَوَكِيلٍ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ، وَكَمَا لَوْ غَرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ كُنْتُ أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فَهِبْتُهُ فَمِلْتُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ، فَ (أَيُّهُمْ انْفَرَدَ بِالْغَرَرِ، ضَمِنَ) وَحْدَهُ لِانْفِرَادِهِ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ (وَشَرَطَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِضْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخِضْرِ بْنِ عَبْدِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ) الْوَاعِظُ الْفَقِيهُ (بُلُوغَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَ التَّغْرِيرُ مِنْهَا (وَقْتَ الْعَقْدِ لِيُوجَدَ تَغْرِيرٌ مُحَرَّمٌ) .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ غَارَّةً إذَا كَانَتْ تَعْلَمُ وَأَمَّا الطِّفْلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ فَلَا فَاعْتَبَرَ الْقَصْدَ دُونَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: زَوْجَةٌ عَاقِلَةٌ (وَلَا سُكْنَى لَهَا) أَيْ لِلْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا (وَلَا نَفَقَةَ إلَّا أَنْ تَكُون حَامِلًا) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ كَالْبَائِنِ (وَإِنْ وُجِدَ الْغُرُورُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ.
(وَ) إنْ
وُجِدَ الْغُرُورُ (مِنْهَا وَمِنْ الْوَكِيلِ) فَ (بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَقَدْ أَشَرْتُ إلَى مَا فِيهِ فِي الْحَاشِيَةِ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَلِيُّ) عِلْمَهُ بِالْعَيْبِ.
(وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ رُؤْيَتُهَا) كَأَبِيهَا وَأَخِيهَا فَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِهِ (أَوْ) ادَّعَى (الْوَكِيلُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ وَلَا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ) عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِعِلْمِهِ بِالْعَيْبِ (قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْعَيْبَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِنْ ادَّعَتْ) امْرَأَةٌ بِهَا عَيْبٌ وَزُوِّجَتْ (عَدَمَ الْعِلْمِ بِعَيْبِ نَفْسِهَا وَاحْتُمِلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْوَلِيِّ قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهَا فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ:
(وَمِثْلُهَا) أَيْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَا إذَا غُرَّ الزَّوْجُ فِي تَزْوِيجِهِ مَعِيبَةً (فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ لَوْ زُوِّجَ امْرَأَةً فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ زَوْجَتِهِ فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِلشُّبْهَةِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِإِدْخَالِهَا عَلَيْهِ (وَيَلْحَقهُ الْوَلَدُ) إنْ أَتَتْ بِهِ لِلشُّبْهَةِ (وَتُجَهَّزُ) إلَيْهِ (زَوْجَتُهُ بِالْمَهْرِ الْأَوَّلِ نَصًّا وَتَقَدَّمَ) نَحْوُهُ فِي بَابِ أَرْكَانِ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ الْمَعِيبَةَ (قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا عَيْبٌ يَقْتَضِي الْفَسْخَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَا يَرْجِعُ بِهِ) عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْتِزَامِهِ بِطَلَاقِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
(وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهَا (أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْفَسْخِ فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا) لِتَقَرُّرِهِ بِالْمَوْتِ (وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ) لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ الْفَسْخُ وَلَمْ يُوجَدْ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ أَوْ صَغِيرٍ تَزْوِيجُهُمْ مَعِيبًا]
(فَصْلٌ وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ أَوْ صَغِيرٍ) وَلَا لِوَلِيِّ (مَجْنُونَةٍ وَمَجْنُونٍ و) لَا لِ (سَيِّدِ أَمَةٍ تَزْوِيجُهُمْ مَعِيبًا يُرَدُّ بِهِ) فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) بِأَنْ زَوَّجَهُمْ مَعِيبًا يُرَدُّ بِهِ (لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (فِيهِنَّ مَعَ عِلْمِهِ) لِأَنَّهُ عَقَد لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَ مَحْجُورِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ عَيْبَهُ (صَحَّ) النِّكَاحُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُمْ مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ (وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا وَالزَّرْكَشِيِّ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ) لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُنَّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ (خِلَافًا لِمَا فِي التَّنْقِيحِ) وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى