صفحات 408-447
(مَسْبُوقًا سَوَاءً كَانَ سَهْوُ إمَامِهِ فِيمَا أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَسَوَاءٌ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ قَامَ) الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ رَجَعَ) وُجُوبًا إنْ لَمْ يَسْتَقِمْ قَائِمًا (فَسَجَدَ مَعَهُ) لِسَهْوِهِ وَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا كُرِهَ رُجُوعُهُ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَرْجِعْ) أَيْ حَرُمَ رُجُوعُهُ كَمَا لَوْ نَهَضَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ الْأَخِيرَةِ سَجَدَ مَعَهُ) السَّجْدَةَ الَّتِي أَدْرَكَهُ فِيهَا، مُتَابَعَةً لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ (أَتَى) الْمَسْبُوقُ (بِ) السَّجْدَةِ (الثَّانِيَةِ) مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَضَى) الْمَسْبُوقُ (صَلَاتَهُ نَصًّا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» .
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ وَقَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ لِسَهْوِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ قَدْ انْجَبَرَ بِسُجُودِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَسْجُدْ الْمَسْبُوقُ لِسَلَامِهِ مَعَ إمَامِهِ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا بِسَلَامِ إمَامِهِ.
(وَيَسْجُدُ مَسْبُوقٌ) (لِسَهْوِهِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (وَ) يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ لِسَهْوِهِ (فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ كَانَ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ لِسَهْوِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا صَوَّرُوا بِهِ سِتّ تَشَهُّدَاتٍ فِي الْمَغْرِبِ وَيَأْتِي فِي الْجَمَاعَةِ (حَتَّى فِيمَنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ) أَيْ لَوْ سَهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ وَهُوَ مَعَهُ، ثُمَّ فَارَقَهُ لِعُذْرِ يُبِيحُ الْمُفَارَقَةَ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا.
(وَلَا يُعِيدُ) الْمَسْبُوقُ (السُّجُودَ إذَا سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ وَانْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ لِسَهْوِهِ لِعُذْرٍ (سَجَدَ) الْمَسْبُوقُ (آخِرَ الصَّلَاةِ) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ) لِسَهْوِهِ (سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ سَجَدَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ سَلَامِهِ وَالْإِيَاسِ مِنْ سُجُودِهِ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ بِسَهْوِ إمَامِهِ فَلَزِمَهُ جَبْرُهَا كَمَا لَوْ انْفَرَدَ لِعُذْرٍ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ (لَكِنْ يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ) الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ لِسَهْوِهِ (إذَا فَرَغَ) مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْجُدُهُ مَعَ الْإِمَامِ مُتَابَعَةً لَهُ وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي صَلَاتِهِمْ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الشَّرْحِ: وَجْهَانِ قُلْتُ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاتُهُمْ لِمَا يَأْتِي.
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى أَسْبَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِهِ، وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَقَالَ: (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَدَخَلَ فِيمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ: الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالشَّكُّ فِي صُوَرِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ (سِوَى نَفْسِ سُجُودِ سَهْوٍ) مَحَلُّهُ (قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ) أَيْ مَعَ تَرْكِهِ سَهْوًا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
(وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهُ) أَيْ لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ سَهْوًا، بَلْ إنْ ذَكَرَهُ قَرِيبًا أَتَى بِهِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَإِلَّا سَقَطَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.
(وَسِوَى مَا إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) فَإِنَّ عَمْدَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ أَوْ فِعْلِهِ جَهْلًا.
(قَالَهُ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (فِي شَرْحِهِ) عَلَى الْهِدَايَةِ (وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ السُّجُودِ) لِلَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا كَسَائِرِ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ سُجُودِ السَّهْوِ (نَدْبًا) قَالَ الْقَاضِي لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، أَيْ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ (قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْمَامٌ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ فِيهَا كَسُجُودِ صُلْبِهَا (إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَذِي الْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ كَسُجُودِ صُلْبِهَا وَقَوْلُهُ: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَر: تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْخِلَافِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ وَإِلَّا قَبْلَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ حَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخِلَافِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا وَإِلَّا.
(فِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ إنْ قُلْنَا بِهِ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ (فَ) إنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ (نَدْبًا نَصًّا) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَق عَلَيْهِ وَفِي الْبُخَارِيّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
(وَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ سُجُودَ السَّهْوِ (قَبْلَ السَّلَامِ) أَتَى بِهِ بَعْدَهُ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أَوْ) نَسِيَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْ عَقِبَهُ (أَتَى بِهِ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ عُرْفًا وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ تَكَلَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ) نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ (حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ) ثُمَّ ذَكَرَهُ (قَضَاهُ إذَا سَلَّمَ) إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ (وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا (أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ (أَوْ أَحْدَث لَمْ يَسْجُدْ) لِلسَّهْوِ، لِفَوَاتِ شَرْطِ الصَّلَاةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاته؛ لِأَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ فَلَمْ تَبْطُلْ بِفَوَاتِهِ.
(وَيَكْفِيه لِجَمِيعِ السَّهْوِ: سَجْدَتَانِ وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا) أَيْ مَحَلُّ السَّهْوَيْنِ
لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَكَفَى فِيهِ سُجُودٌ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أُخِّرَ لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ سَلَامٍ فَالسَّهْوُ اسْمُ جِنْسٍ وَمَعْنَاهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ.
(وَ) إذَا اجْتَمَعَ سَهْوَانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ (يُغَلِّبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ) عَلَى مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ السَّلَامِ آكَدُ وَلِسَبَقِهِ (وَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ) بِأَنْ حَصَلَ لَهُ سَهْوٌ وَشَكَّ: هَلْ السُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَمَتَى سَجَدَ) لِلسَّهْوِ (بَعْدَ السَّلَامِ) سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ جَلَسَ) مُفْتَرِشًا فِي الثَّانِيَةِ وَمُتَوَرِّكًا فِي غَيْرِهَا (فَتَشَهَّدَ وُجُوبًا) التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلَّمُ لَهُ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ يَعْقُبُهُ كَسُجُودِ الصُّلْبِ (وَتَقَدَّمَ) بَعْضُهُ (فِي الْبَاب قَبْلَهُ وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ السَّلَامِ (سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بِلَا تَشَهُّدٍ بَعْدَهُمَا) .
ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ إجْمَاعًا (وَسُجُودٌ سَهْوٌ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَمَا يَقُولُ فِيهِ) أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَ) مَا يَقُولُ (بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ «ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ» (وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ) لِلسَّهْوِ (عَمْدًا لَا سَهْوًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ بِتَرْكِ (مَا) مَحَلُّهُ (قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (بِ) تَرْكِ (مَا) مَحَلُّهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ عَنْهَا (مُنْفَرِدٌ عَنْهَا) فَلَمْ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ وَلِأَنَّهُ (وَاجِبٌ لَهَا كَالْأَذَانِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ كَالْجَمَاعَةِ وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا.
[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّطَوُّعُ تُكَمَّلُ بِهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي أَتَمَّهَا وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ اهـ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ: جَاءَتْ السُّنَّةُ بِثَوَابِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَعِقَابِهِ عَلَى مَا تَرَكَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا كَعَدَمِهِ لَمْ يُجْبَرْ بِالنَّوَافِلِ شَيْءٌ وَالْبَاطِلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ضِدُّ الصَّحِيحِ فِي عُرْفِهِمْ وَهُوَ مَا أَبْرَأَ الذِّمَّةَ فَقَوْلُهُمْ: تَبْطُلُ صَلَاةُ وَصَوْمُ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا بِمَعْنَى وَجَبَ الْقَضَاءُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِمَا شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ (وَهُوَ) أَيْ التَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ وَ (شَرْعًا) وَعُرْفًا (طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ) وَالنَّفَلُ وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ وَالتَّنَفُّلُ التَّطَوُّعُ.
(وَأَفْضَلُهُ) أَيْ التَّطَوُّعِ (الْجِهَادُ) قَالَ أَحْمَدُ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ إيضَاحٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ (ثُمَّ تَوَابِعُهُ) أَيْ الْجِهَادِ (مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا فَالنَّفَقَةُ فِيهِ) أَيْ الْجِهَادِ (أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي غَيْرِهِ) مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261]- الْآيَةَ (ثُمَّ عِلْمٌ، تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهِمَا) كَتَفْسِيرٍ وَأُصُولٍ لِحَدِيثِ «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ) وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ وَقَالَ لِأَبِي دَاوُد شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ حُبِّبَ إلَيَّ، فَجَمَعْته وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: يَطْلُبُ الْحَدِيثَ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَنَّ تَذَاكُرَ بَعْضِ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَى أَحْمَدَ مِنْ إحْيَائِهَا - وَإِنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ قُلْت الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالطَّلَاقُ وَنَحْوُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ مَذْمُومًا، بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ، إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا، فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا قَالَ: وَقَدْ
يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا، أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ طَلَبْنَا الْعَلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ وَقَوْلُ الْآخَرِ طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ يَعْنِي نَفْسُ طَلَبِهِ حَسَنٌ يَنْفَعُهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ وَيَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَلَبِهِ قِيلَ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ: صَلَاتُهُ، وَصِيَامُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمُرَادُ أَحْمَدَ مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَمَتَى قَامَتْ طَائِفَةٌ بِعِلْمٍ لَا يَتَعَيَّنُ، وُجُوبُهُ قَامَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ ثُمَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ فَنَفْلٌ فِي حَقِّهِ، وَوُجُوبُهُ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ دَعْوَى تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَلْيَحْذَرْ الْعَالِمُ وَيَجْتَهِدْ، فَإِنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ لَيْسَ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يُغْفَرُ لِسَبْعِينَ جَاهِلًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِعَالِمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ: أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً (ثُمَّ صَلَاةٌ) لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَى سَالِمٍ قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ بَيْنَهُمَا شَعْبَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ.
؛ وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنْ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصَ، وَالْقِرَاءَةَ، وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَمُنَاجَاةَ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نَقَلَ حَنْبَلٌ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَكَذَا عَطَاءٌ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، فَيُمْكِنُ التَّنَفُّلُ بِهَا مِنْ أَيِّ مَكَان أَرَادَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ (ثُمَّ سَائِرُ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ وَإِصْلَاحٍ بَيْنِ النَّاسِ وَنَحْوِهِ) كَإِبْلَاغِ حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا إلَى ذِي سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ:
اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّافِعِ الْقَاصِرِ كَالْحَجِّ، وَإِلَّا فَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ (وَهُوَ) أَيْ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ (مُتَفَاوِتٌ، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ) أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (وَعِتْقٌ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ (إلَّا زَمَنَ غَلَاءٍ وَحَاجَةٍ) فَالصَّدَقَةُ، حَتَّى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (ثُمَّ حَجٌّ) لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ، وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ مَاتَ شَهِيدًا قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ، عَلَى مَا سَبَقَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ - قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ، لِمَا سَبَقَ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ، لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ.
وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَفِيهِ إنْهَاكُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ (ثُمَّ عِتْقٌ) هَكَذَا فِي الْمُبْدِعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْفُرُوعِ فِيمَا سَبَقَ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا (ثُمَّ صَوْمٌ) لِحَدِيثِ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِضَافَةُ عِبَادَةٍ إلَى غَيْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ قُرَى الشَّامِ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَا عُبِدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ قَطُّ وَقَدْ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18] فَكَذَا الصَّلَاةُ مَعَ الصَّوْمِ.
وَقِيلَ: أَضَافَ الصَّوْمَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَفْضَلِيَّتَهُ «وَسَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» إسْنَادُهُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنْ صَحَّ فَمَا سَبَقَ أَصَحُّ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِحَسَبِ السَّائِلِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ: وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلُ فِي حَالٍ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ:
اُنْظُرْ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِقَلْبِك فَافْعَلْهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ: اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا: أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ.
وَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ (وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ غَيْرِهِ وَقَالَ: الْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ فِي الثَّغْرِ وَفِي غَيْرِهِ نَظِيرُهَا.
وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» .
وَفِي لَفْظٍ «كَاَلَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» " (وَقَالَ) الشَّيْخُ: (تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي الْجِهَادِ، وَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِهِ إقَامَةَ الْحُجَجِ عَلَى الْمُعَانِدِ، وَإِقَامَةَ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ بِالرَّأْيِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ.
(تَتِمَّةٌ) فِي خُطْبَةِ كِفَايَةِ ابْنِ عَقِيلٍ إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومُ بِحَسَبِ مُؤَدِّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِي فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَجُوزُ، أَجَلُّ الْعُلُومِ وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ: الِاعْتِنَاءُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ قَوْمٌ خَيْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَعَابَ عَلَى مُحَدِّثٍ لَا يَتَفَقَّهُ، وَقَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فَهِمًا فِي الْفِقْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ أَحْمَدُ مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ.
وَفِي خُطْبَةِ مَذْهَبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: بِضَاعَةُ الْفِقْهِ أَرْبَحُ الْبَضَائِعِ وَفِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ: الْفِقْهُ عُمْدَةُ الْعُلُومِ اهـ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَفْضَلِيَّةَ الْفِكْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ وَيَكُونُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ عَمَلَ الْجَوَارِحِ، وَيُؤَيِّدُهُ: حَدِيثُ «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» ) وَحَدِيثُ «أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ» وَقَدْ جَاءَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَجَزَاهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ (وَآكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ صَلَاةُ الْكُسُوفِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا بِخِلَافِ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى (ثُمَّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ لَكِنَّهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ مِنْ حَيْثُ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ لَهَا (ثُمَّ الْوِتْرُ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ شُرِعَتْ لِلتَّرَاوِيحِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ تَبَعًا لِلتَّرَاوِيحِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ
اللَّيْلِ.
(وَكَانَ) الْوِتْرُ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالْوَتْرُ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ عُذْرٍ أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ كَمَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِقَوْلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ، حِينَ سَأَلَهُ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَّبَ عُبَادَةُ رَجُلًا يَقُولُ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ.
وَقَالَ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» الْخَبَرَ.
«وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ السُّنَنَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَفِيهِ ضَعْفٌ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: أَوْلَى بِالصَّوَابِ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ (ثُمَّ سُنَّةُ فَجْرٍ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «صَلُّوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (ثُمَّ سُنَّةُ مَغْرِبٍ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سُئِلَ أَكَانَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُ بِصَلَاةٍ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» " (ثُمَّ سَوَاءٌ فِي رَوَاتِبَ) أَيْ بَاقِي الرَّوَاتِبِ، وَهِيَ رَكْعَتَا الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَرَكْعَتَا الْعِشَاءِ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَوَقْتُ الْوِتْرِ: بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ " «لَقَدْ أَمَدَّكُمْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، هِيَ الْوِتْرُ، فِيمَا بَيْنَ الْعَشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَنْ مُعَاذٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَ) بَعْدَ (سُنَّتِهَا) أَيْ الْعِشَاءِ اسْتِحْبَابًا، لِيُوَالِيَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَسُنَّتِهَا وَقَدْ أَوْضَحْته فِي حَاشِيَةِ
الْمُنْتَهَى بِكَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ (وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (فِي جَمْعِ تَقْدِيمٍ) بِأَنْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي نَضْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا يَصِحُّ) الْوِتْرُ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الْعِشَاءِ) لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ سُنَّتِهَا، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى (وَالْأَفْضَلُ: فِعْلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ قِيَامِهِ فِيهِ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ قِيَامِهِ (أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ ثُمَّ لِيَرْقُدْ وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَقْضِيهِ مَعَ شَفْعِهِ إذَا فَاتَ) وَقْتُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ وَلَا يُكْرَهُ) الْإِيتَارُ (بِهَا مُفْرَدَةً وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَأَكْثَرُهُ) أَيْ الْوِتْرِ وَفِي الْوَجِيزِ: وَأَفْضَلُهُ (إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ تَفْرُغَ الْعِشَاءُ إلَى الْفَجْرِ: إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيُسَنُّ فِعْلُهَا) أَيْ الرَّكْعَةِ (عَقِبَ الشَّفْعِ، بِلَا تَأْخِيرٍ) لَهَا عَنْهُ (نَصًّا، وَإِنْ صَلَّاهَا) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ (كُلَّهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ سَرَدَ عَشْرًا وَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (ثُمَّ قَامَ فَأَتَى بِالرَّكْعَةِ) جَازَ (أَوْ سَرَدَ الْجَمِيعَ) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ جَازَ) لَكِنْ الصِّفَةُ الْأُولَى أَوْلَى.
؛ لِأَنَّهَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَكَذَا مَا دُونَهَا) أَيْ دُونَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، بِأَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، أَوْ بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ) سَرَدَهُنَّ، (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ لَا يَفْصِلُ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ أَيْ عَدَمُ جُلُوسِهِ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ (أَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ وَجَزَمَ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِسَبْعٍ: أَنْ يَسْرُدَ سِتًّا، وَيَجْلِسَ يَتَشَهَّدَ.
وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي السَّابِعَةَ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ (وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الثَّلَاثُ أَدْنَى الْكَمَالِ (بِسَلَامَيْنِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الثَّلَاثِ بِسَلَامَيْنِ (أَفْضَلَ) لِمَا سَبَقَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ (بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ سَرْدًا) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ (كَالْمَغْرِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي إذَا صَلَّى الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَكُونُ وِتْرًا (وَيَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ".
وَفِي الثَّالِثَةِ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقْنُتَ فِيهَا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوِتْرِ (جَمِيعَ السَّنَةِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي وِتْرِهِ أَشْيَاءَ، يَأْتِي ذِكْرُهَا وَكَانَ لِلدَّوَامِ وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ (بَعْدَ الرُّكُوعِ) رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الرُّكُوعِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ
الصَّحَابَةِ قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ (فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى صَدْرِهِ وَيَبْسُطُهُمَا وَبُطُونَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْك، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا فَإِذَا فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الثَّلَاثِ رَكَعَاتٍ (رَكْعَةً فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَجْزَأَهُ) مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ (قَضَى، كَصَلَاةِ الْإِمَامِ) لِحَدِيثِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ (وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ جَهْرًا إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا نَصًّا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ فِي الْجَهْرِ) بِالْقُنُوتِ (وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ) وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ قَالَ فِي الْخِلَافِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ حُذِفَتْ " يَا " مِنْ أَوَّلِهِ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَلَحَظُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا (إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك وَنَسْتَغْفِرُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْمَعُونَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ (وَنَتُوبُ إلَيْك) التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ، وَشَرْعًا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الذَّنْبِ وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَنُؤْمِنُ بِك) أَيْ نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيِّتِك (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوَكُّلُ إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ وَالِانْخِلَاعُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ (وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ) أَيْ نَمْدَحُك وَنَصِفُك بِالْخَيْرِ.
وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً وَالثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (وَنَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك) أَصْلُ الْكُفْرِ الْجُحُودُ وَالسَّتْرُ قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: وَالْمُرَادُ هُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ (اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذُلِّهِ وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاةِ (وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِك (وَإِلَيْك نَسْعَى) يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا إذَا عَدَا.
وَقِيلَ: إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْيِ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: 19] (وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ النُّون وَيَجُوزُ ضَمُّهَا يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ فَمَعْنَى نَحْفِدُ نُسْرِعُ، أَيْ نُبَادِرُ بِالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ (نَرْجُو) أَيْ نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَك) سَعَةَ عَطَائِك (وَنَخْشَى) نَخَافُ (عَذَابَك) أَيْ عُقُوبَتَك لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: 50] (إنَّ عَذَابَك الْجِدُّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقُّ لَا اللَّعِبُ (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لُغَةً عَلَى مَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْحِقُهُ بِهِمْ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى.
وَهَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِي أَوَّلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي آخِرِهِ " اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك " وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إلَى قَوْلِهِ " مُلْحِقٌ " زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك " (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ: قَالَ تَعَالَى " ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] " فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثْبِيتِ عَلَيْهَا، وَبِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا وَالْمُعَافَاةُ أَنْ يُعَافِيَك اللَّهُ مِنْ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْك (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْت) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ إذَا عَنَيْت بِهِ وَنَظَرْت إلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلِيت الشَّيْءَ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْت) أَيْ أَنْعَمْت بِهِ (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت، إنَّك سُبْحَانَك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك) سُبْحَانَهُ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ لَهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي - إلَى - وَتَعَالَيْت وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَثْبَتَهَا
فِيهِ وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ وَالرِّوَايَةُ إفْرَادُ الضَّمِيرِ وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: " لَك الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْت نَسْتَغْفِرُك اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْك لَا لَجَأَ وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك " " اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَهُمَا ضِدَّانِ وَمُتَقَابِلَانِ وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ، لَجَأَ إلَى مَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ، وَالِانْقِطَاعَ وَفَزِعَ مِنْهُ إلَيْهِ فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِك مِنْك إذْ حَاصِلُهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ اللَّهِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) أَيْ لَا نُحْصِي نِعَمَك وَالثَّنَاءَ بِهَا عَلَيْك وَلَا نَبْلُغُهُ وَلَا نُطِيقُهُ وَلَا مُنْتَهَى غَايَتِهِ.
وَالْإِحْصَاءُ: الْعَدُّ وَالضَّبْطُ وَالْحِفْظُ قَالَ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] أَيْ تُطِيقُوهُ (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ يَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَقُولَ (وَعَلَى آلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي قُنُوتِهِ بِمَا شَاءَ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ نَصًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَهْمَا دَعَا بِهِ جَازَ) .
وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ (وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ) لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَ (كَخَارِجِ الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ بِلَا قُنُوتٍ) إنْ سَمِعَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ دَعَا نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُفْرِدُ الْمُنْفَرِدُ الضَّمِيرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا سَلَّمَ) مِنْ
الْوِتْرِ (سُنَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ) لِلْخَبَرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.
(تَتِمَّةٌ) قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ قَامَ يَتَطَوَّعُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَجَعَلَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وِتْرًا قَالَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَدْ قَلَبَ نِيَّتَهُ قِيلَ لَهُ: أَيَبْتَدِئُ الْوِتْرَ؟ قَالَ نَعَمْ.
(وَيُكْرَهُ قُنُوتُهُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ» .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قُلْتِ لِأَبِي إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَخَلْفَ عَلِيٍّ هُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ فِيهِ فِي الْفَجْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «مَا زَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (فَإِنْ ائْتَمَّ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ فِي النَّازِلَةِ تَابَعَهُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (وَأَمَّنَ) الْمَأْمُومُ (إنْ كَانَ يَسْمَعُ) الْقُنُوتَ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْقُنُوتَ دَعَا) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِذَا فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ تَبِعَهُ الْمَأْمُومُ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَاهُ، مِثْلُ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَوَصْلِ الْوِتْرِ (فَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) هِيَ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ (غَيْرَ الطَّاعُونِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْيَارِ فَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ (سُنَّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ (وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ وَنَائِبَهُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (الْقُنُوتَ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةِ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ) لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا الْجُمُعَةَ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالدُّعَاءِ فِي خُطْبَتِهَا (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُطْلَقًا (وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامٍ جَمَاعَةً أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ قَالَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
[فَصْلٌ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ الَّتِي تُفْعَلُ مَعَ الْفَرَائِضِ]
ِ) (عَشْرُ) رَكَعَاتٍ (وَرَكْعَةُ الْوِتْرِ فَيَتَأَكَّدُ فِعْلُهَا، وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ عَدَالَتِهِ) قَالَ أَحْمَدُ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.
(قَالَ الْقَاضِي وَيَأْثَمُ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا تَأْثِيمَ بِتَرْكِ سُنَّةٍ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَدَالَةِ فِي بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (إلَّا فِي سَفَرٍ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا) أَيْ الرَّوَاتِبِ.
(وَ) بَيْنَ (تَرْكِهَا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهِ الْقَصْرُ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ وَ) إلَّا سُنَّةَ (وَتْرٍ فَيُفْعَلَانِ فِيهِ) أَيْ السَّفَرِ كَالْحَضَرِ، لِتَأَكُّدِهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَفِعْلُهَا) أَيْ الرَّوَاتِبِ بَلْ السُّنَنِ كُلِّهَا سِوَى مَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ (فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ، لَكِنَّ الْمُعْتَكِفَ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ يَقْرَأُ فِي أُولَاهُمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِلْخَبَرِ (وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ كَانَتْ سَاعَةٌ لَا يُدْخَلُ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُمَا) أَيْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُسَنُّ (الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهُمَا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) قَبْلَ فَرْضِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» . وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَهُمَا إنَّمَا هِيَ سَاعَةُ تَسْبِيحٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ لِقَوْلِ الْمَيْمُونِيِّ كُنَّا نَتَنَاظَرُ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَغَيْرِ الْكَلَامِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ.
وَيَتَوَجَّهُ لَا يُكْرَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ جَدُّهُ فِي الْفُرُوعِ (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا) أَيْ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (كَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ) فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] .
وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] . وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ) يَقْرَأُ (فِي الْأُولَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] . - الْآيَةَ) مِنْ الْبَقَرَةِ.
(وَفِي الثَّانِيَةِ) قُلْ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: 64] . - الْآيَةَ) مِنْ آلِ عِمْرَانَ لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَيَجُوزُ فِعْلُهُمَا) أَيْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (رَاكِبًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ «إلَّا الْفَرَائِضَ» وَسَأَلَهُ صَالِحٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ «أَوْتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرِهِ» وَرَكْعَتَا الْفَجْر مَا سَمِعْت بِشَيْءٍ، وَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ.
(وَوَقْتُ كُلِّ رَاتِبَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرَّوَاتِبِ (قَبْلَ الْفَرْضِ) كَسُنَّةِ الْفَجْرِ، وَالظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ (مِنْ دُخُولِ وَقْتِهِ) أَيْ وَقْتِ الْفَرْضِ (إلَى) تَمَامِ (فِعْلِهِ) فَسُنَّةُ فَجْرٍ وَظُهْرٍ، الْأُولَى بَعْدَهُمَا قَضَاءً كَمَا يَأْتِي (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ الْفَرْضِ مِنْ السُّنَنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ الْأَخِيرَةِ وَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقْتُهَا (مِنْ فِعْلِهِ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ) فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ.
(وَلَا سُنَّةَ) رَاتِبَةٌ (لِجُمُعَةٍ قَبْلَهَا وَأَقَلُّهَا) أَيْ أَقَلُّ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (رَكْعَتَانِ) لِمَا فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ» (وَأَكْثَرُهَا) أَيْ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ (سِتٌّ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ (وَفِعْلُهَا) أَيْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ (فِي الْمَسْجِدِ مَكَانَهُ أَفْضَلُ نَصًّا) وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: فِعْلُ جَمِيعِ الرَّوَاتِبِ فِي الْبَيْتَ أَفْضَلُ (وَتُجْزِئُ السُّنَّةُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بُدَاءَةُ الدَّاخِلِ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ وُجِدَتْ وَ (لَا عَكْسَ) أَيْ لَا تُجْزِئُ تَحِيَّةٌ عَنْ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ السُّنَّةَ
عِنْدَ إحْرَامِهِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَا تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِرَكْعَةٍ وَلَا بِصَلَاةِ، جِنَازَةٍ، وَلَا سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ.
قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ أَوْ الْفَرْضَ: حَصَلَا.
(وَيُسَنُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَسُنَّتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ) أَيْ انْتِقَالٍ لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ إنَّ النَّبِيَّ «أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً، حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلِلزَّوْجَةِ وَالْأَجِيرِ) وَلَوْ خَاصًّا (وَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ: فِعْلُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ (وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُمْ) مِنْ السُّنَنِ؛ لِأَنَّ زَمَنَهَا مُسْتَثْنًى شَرْعًا كَالْفَرَائِضِ.
(وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْهُمَا، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ» وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَى ذَلِكَ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (إذَا فَاتَتْ) السُّنَنُ (مَعَ الْفَرَائِضِ) مُفَصَّلًا (وَسُنَّةُ فَجْرٍ وَسُنَّةُ ظُهْرٍ الْأَوْلَى بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ (قَضَاءً) ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُمَا يَمْتَدُّ إلَى الصَّلَاةِ فَفِعْلُهُمَا بَعْدَ الْوَقْتِ يَكُونُ قَضَاءً (وَيَبْدَأُ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ) الَّتِي (قَبْلَهَا إذَا قَضَاهَا) أَيْ السُّنَّةَ (قَبْلَ) السُّنَّةِ (الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الظُّهْرِ نَدْبًا، مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ (وَيُسَنُّ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْجُمُعَةِ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ (وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (سِتٌّ) أَيْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعَشَاءِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «مَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ (يُحَافِظَ عَلَيْهِنَّ) اسْتِحْبَابًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ آذَانِ الْمَغْرِبِ قَبْلَهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ فَقُلْت لَهُ: أَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا؟ قَالَ كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ: إبَاحَتُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَان لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ، خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: يُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَشِيئَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ سُنَّتَيْهِمَا لَيْسَتْ مُؤَكَّدَةً.
(وَ) يُسَنُّ (رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا) وَالْأَصَحُّ: يُبَاحَانِ قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، قُلْت تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ لَا مَا أَفْعَلُهُ انْتَهَى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرُوهُمَا مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهَا عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ.
[فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
(فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةً لِعُمَرَ فَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ» وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُرَاوَحَةِ وَهِيَ التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ وَهِيَ (عِشْرُونَ رَكْعَةً فِي رَمَضَانَ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَهَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ الشَّافِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً» (يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) لِفِعْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ (وَفِعْلُهَا جَمَاعَةً أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلهَا فُرَادَى قَالَ أَحْمَدُ كَانَ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي الْجَمَاعَةِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ إنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَا يُنْقِصُ مِنْهَا)
أَيْ مِنْ الْعِشْرِينَ رَكْعَةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى الْعِشْرِينَ (نَصًّا) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ رَأَيْت أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَد يَقُومُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِسَبْعٍ (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (وَإِنْ تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ صَلَّى وَحْدَهُ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (وَيَنْوِي فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَقُولُ) سِرًّا نَدْبًا (أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ الْمَسْنُونَةِ) أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيَسْتَرِيحُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ (بِجِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا) أَيْ الْجِلْسَةِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ.
(وَلَا يَدْعُو إذَا اسْتَرَاحَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِعُمُومِ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] (وَوَقْتُهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الْعِشَاءِ وَ) بَعْدَ (سُنَّتِهَا) قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ:؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ فَكَانَ إتْبَاعُهَا لَهَا أَوْلَى (قَبْلَ الْوِتْرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) فَلَا تَصِحُّ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ التَّرَاوِيحَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعَشَاءَ مُحْدِثًا أَعَادَ التَّرَاوِيحَ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ تُفْعَلُ بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهَا كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاتَ وَقْتُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُقْضَى، وَإِنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ بَعْدَ الْعَشَاءِ وَقَبْلَ سُنَّتِهَا صَحَّ جَزْمًا وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهَا بَعْدَ السُّنَّةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ قُلْت وَكَذَا لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ.
(وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ) أَفْضَلُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا مَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةً» كَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ «وَمَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَفَرِّقَةً» كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَقَالَ «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ وَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيٍّ وَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَ) فِعْلُهَا (أَوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ أَوَّلَهُ.
(وَيُوتِرُ بَعْدَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (فِي الْجَمَاعَةِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) لِمَا تَقَدَّمَ
عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَهُ) اسْتِحْبَابًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (صَلَّاهَا) أَيْ الْوِتْرَ مَعَ الْإِمَامِ، لِيَنَالَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ (فَإِنْ أَحَبَّ) مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ) فِي وِتْرِهِ (قَامَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامَ فَشَفَعَهَا) أَيْ رَكْعَةَ الْوِتْرِ (بِأُخْرَى) ثُمَّ إذَا تَهَجَّدَ أَوْتَرَ فَيَنَالُ فَضِيلَةَ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَفَضِيلَةَ جَعْلِ وِتْرِهِ آخِرَ صَلَاتِهِ (وَمَنْ أَوْتَرَ) فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا (ثُمَّ أَرَادَ الصَّلَاةَ) تَطَوُّعًا (بِيَدِهِ) أَيْ الْوِتْرِ (لَمْ يَنْقُضْ وِتْرَهُ) أَيْ لَمْ يَشْفَعْهُ (بِرَكْعَةٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ - ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ (وَصَلَّى شَفْعًا مَا شَاءَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» (وَلَمْ يُوتِرْ) اكْتِفَاءً بِالْوَتْرِ الَّذِي قَبْلَ تَهَجُّدِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَيْسٌ فِيهِ لِينٌ.
(وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِيهِ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رُخْصَةٌ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّرَاوِيحُ، أَتُصَلِّي وَإِمَامُك بَيْنَ يَدَيْك؟ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا وَ (لَا) يُكْرَهُ (طَوَافٌ بَيْنَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (وَلَا) طَوَافَ (بَعْدَهَا) وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا، وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (وَلَا) يُكْرَهُ (تَعْقِيبٌ وَهُوَ التَّطَوُّعُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَ) بَعْدَ (الْوِتْرِ فِي جَمَاعَةٍ سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ رَجَعُوا إلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ أَوْ لَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ أَنَسٍ لَا تَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ تَرْجُونَهُ وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا وَلِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ، فَلَمْ يُكْرَهْ كَمَا لَوْ أَخَّرُوهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنْقِصَ عَنْ خَتْمَةٍ فِي التَّرَاوِيحِ) لِيُسْمِعَ النَّاسَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ (وَلَا) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَزِيدَ) الْإِمَامُ عَلَى خَتْمَةٍ كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي وَقَالَ قَالَ أَحْمَدُ يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرٍ مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشُقُّ، سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ انْتَهَى (إلَّا أَنْ يُوتِرُوا) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَبْتَدِئَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحَ فِي (أَوَّلِ لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ) يَعْنِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ أَوَّلَهَا (أَوَّلُ مَا نَزَلَ) مِنْ الْقُرْآنِ (فَإِذَا سَجَدَ) لِلتِّلَاوَةِ (قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ.
(وَعَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِهَا) أَيْ بِسُورَةِ الْقَلَمِ (فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ) أَيْ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ
رَمَضَانَ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهَا التَّرَاوِيحَ وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيَدْعُو) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَأَى أَهْلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَدْرَكْت النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ يَفْعَلُونَهُ وَبِمَكَّةَ وَذَكَرَ عُثْمَانَ (بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ) وَهُوَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِالْقُرْآنِ وَاجْعَلْهُ لِي إمَامًا وَنُورًا وَهُدًى وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نُسِّيت وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْت وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَأَبُو بَكْرٍ الضَّحَّاكُ فِي الشَّمَائِلِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثٌ مُعْضَلٌ وَقَالَ لَا أَعْلَمُ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا قَالَهُ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ بِمَا شِئْت، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَسَاهَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رُوَاتِهِ مَنْ يُعْرَفُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى فَلِذَلِكَ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ بِالْمَأْثُورِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) إذَا دَعَا لِمَا سَبَقَ (وَيُطِيلُ) الْقِيَامَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ (وَيَعِظُ بَعْدَ الْخَتْمِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَقِيلَ لَهُ:) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: لَا بَأْسَ بِهِ) وَقِرَاءَةُ الْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِدْعَةٌ إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[فَصْلٌ حِفْظُ الْقُرْآنِ]
فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ حِفْظُ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا وَحِفْظُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يُعْطُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَهِيَ حَرِيصَةٌ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنْ الْإِنْسِ انْتَهَى قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ النَّازِلُ بِالْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: 3] أَيْ تَتْلُو الْقُرْآنَ انْتَهَى قُلْت يُحْتَمَلُ
أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرَ جِبْرِيلَ أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ بِهِ بَقَاءُ حِفْظِهِ لَهُ جُمْلَةً لَكِنْ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ مُدَارَسَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ الْقُرْآنَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يُلْهِمُهُ إلْهَامًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَبْلِيغِهِ وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حِفْظُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (وَ) الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الصُّحُفِ (وَبَعْضُهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ) إمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْفَاتِحَةُ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، (وَيَجِبُ) أَنْ يَحْفَظَ (مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً عَلَى مُقَابِلِهِ (وَيَبْدَأُ الصَّبِيُّ وَلِيَّهُ بِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ أَوَّلًا تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ لَزِمَهَا (إلَّا أَنْ يَعْسُرَ) عَلَيْهِ حِفْظُهُ كُلِّهِ، فَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (وَالْمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ الْعِلْمَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ (كَمَا يُقَدِّمُ الْكَبِيرُ تَعَلُّمَ نَفْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَفْلِ الْقِرَاءَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ) فِيمَا سَبَقَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ.
(وَيُسَنُّ خَتْمُهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَّرَا أَيْ فِي الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَإِنْ قَرَأَهُ) أَيْ الْقُرْآنَ (فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي قُوَّةً قَالَ اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْخَتْمِ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ الثَّلَاثِ (أَحْيَانًا وَفِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، كَرَمَضَانَ، خُصُوصًا اللَّيَالِي اللَّاتِي تُطْلَبُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) كَأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ (وَ) فِي (الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ)
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالنَّشَاطِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَمَنْ وَجَدَ نَشَاطًا فِي خَتْمِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ.
(وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ بِلَا عُذْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ مَا سَمِعْت أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ (وَيَحْرُمُ) تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ (إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَا أَشَدُّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ) .
(وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (التَّعَوُّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] (وَ) يُسْتَحَبُّ (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (عِنْدَ قَطْعِهَا) أَيْ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ (عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ) عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مِنْ آلِ الْقُرْآنِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (سُؤَالُ الثَّبَاتِ) عَلَيْهَا (وَ) يَقْصِدُ (الْإِخْلَاصَ) فِي الْقِرَاءَةِ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ (قَطْعَ تَرْكٍ وَإِهْمَالٍ أَعَادَ التَّعَوُّذَ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا) أَيْ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى الْقِرَاءَةِ (وَإِنْ قَطَعَهَا لِعُذْرٍ عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ) الْعُذْرُ (كَتَنَاوُلِ شَيْءٍ أَوْ إعْطَائِهِ أَوْ أَجَابَ سَائِلًا) أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ (كَفَاهُ التَّعَوُّذُ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا ثُمَّ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِهَا إذَنْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ سَقَطَتْ (وَيَخْتِمُ فِي الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ) لِطُولِهِ.
(وَفِي الصَّيْفِ أَوَّلَ النَّهَارِ) لِطُولِهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَكَانَ يُعْجِبُ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ، يَقُولُونَ إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ خَتْمِهِ) رَجَاءَ عَوْدِ نَفْعِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ إلَيْهِمْ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ رَجُلًا يُرَاقِبُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ أَعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَشْهَدُ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخَتْمَةِ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ الْحِلُّ وَالرِّحْلَةُ» قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ (وَيَدْعُو)
عَقِبَ الْخَتْمِ (نَصًّا) لِفِعْلِ أَنَسٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُكَبِّرَ فَقَطْ) فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ (لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ آخِرِ الضُّحَى) إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ بِإِسْنَادِهِ (وَيُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَخَمْسًا) أَيْ خَمْسَ آيَاتٍ (مِنْ) أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ أَثَرٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلُهَا وَإِعْرَابُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] (وَالْمُرَادُ الِاجْتِهَادُ عَلَى حِفْظِ إعْرَابِهَا، لَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقُرْآنَ، ذَكَرَهُ) الشَّمْسُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ (فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالتَّفَهُّمُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّدَبُّرُ بِالْقَلْبِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجِهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (كَثِيرًا بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] (وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] .
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ) «لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ عَلِمْتُ أَنَّك تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَك تَحْبِيرًا» وَعَلَى كُلٍّ فَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمُ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى زِيَادَةِ حَرْفٍ فِيهِ، أَوْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ.
وَمِنْ الْآدَابِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَبْكِ فَلْيَتَبَاكَ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ وَيَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ الْعَذَابِ وَلَا يَقْطَعُهَا لِحَدِيثِ النَّاسِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ بِمَعْنَاهَا وَأَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذَا قَرَأَ قَاعِدًا، وَيَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَيَفْصِلُ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ وَيَتْرُكُ الْمُبَاهَاةَ، وَأَنْ لَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَقَنَاعَةٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، زَادَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ وَأَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ أَوْ نِيَامٍ أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ.
(قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرَهُ) وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78] (وَقِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ أَيْ مِنْ السَّبْعَةِ، وَ) قِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ (الْأُخْرَى بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ جَائِزَةٌ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ) أَيْ تَغْيِيرُ (الْمَعْنَى) فَيَمْتَنِعُ وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى الْأُولَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ حَالٍ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهَا قَالَتْ إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ (وَلَا تُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الطَّرِيقِ نَصًّا) لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ.
(وَلَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَبِنَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ الذَّكَرِ وَالزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ) تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.
(وَ) تُكْرَهُ (اسْتِدَامَتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ) فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ.
(وَ) يُكْرَهُ (جَهْرُهُ بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ (مَعَ الْجِنَازَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لَهَا مَخْرَجَ النِّيَاحَةِ (وَلَا تَمْنَعُ نَجَاسَةُ الْفَمِ الْقِرَاءَةَ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ الْأَوْلَى الْمَنْعُ.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمُصْحَفِ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا اخْتَارَ أَحْمَدُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ لِلْأَخْبَارِ، ثُمَّ ذَكَرَهَا (وَ) يُسْتَحَبُّ (الِاسْتِمَاعُ لَهَا) أَيْ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْقَارِئَ فِي أَجْرِهِ.
(وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
(وَكَرِهَ أَحْمَدُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُهَا) أَيْ السُّرْعَةِ (أَكْمَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ وَالتَّفَكُّرِ (وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ) وَقَالَ حَرْبٌ حَسَنَةٌ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَجْهَانِ (وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ ثُمَّ يَقْرَأُ غَيْرُهُ) أَيْ بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ وَهَكَذَا فَلَا يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ (وَحَكَى الشَّيْخُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا) أَيْ قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ (حَسَنَةٌ كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ) وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَذِكْرٍ فَعَنْهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْهُ كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ وَعَنْهُ: مُحْدَثٌ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ مَا أَكْرَهُهُ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى غَيْرِ وَعْدٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ يَعْنِي يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَكَرِهَهُ مَالِكٌ قَالَ فِي الْفُنُونِ: أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ
لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً.
(وَكَرِهَ أَحْمَدُ) وَالْأَصْحَابُ (قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ وَقَالَ هِيَ بِدْعَةٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ " أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغْنِيَهُمْ غِنَاءً " وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ (فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا) أَيْ الْأَلْحَانِ (تَغَيُّرُ - نَظْمِ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا حَرُمَ) ذَلِكَ (وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّلْحِينُ الَّذِي يُشْبِهُ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ) وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ طَائِفَةٌ، مَعْنَاهُ تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّرَنُّمُ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَغْنِي بِهِ.
(وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَسْوَاقِ يَصِيحُ أَهْلُهَا فِيهَا بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ) قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَاتِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ مَآثِمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ الْأَسْوَاقِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ وَلَا أَهْلُ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِمَاعُ وَذَلِكَ امْتِهَانٌ كَذَا قَالَ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُكْرَهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَلَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ بَحْثُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ الْمَكْتُوبَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا جَمَعَهُ الدَّفَّتَانِ: مِنْ أَوَّلِ الْحَمْدُ (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - إلَى آخِرِ - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حَقٌّ وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ، أَوْ بَدَّلَهُ بِحَرْفٍ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا آخَرَ مِمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَأُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ عَامِدًا لِكُلِّ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
(وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ.
(وَيَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَقَوْلُهُ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]
وَقَوْلُهُ ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97] الْمُرَادُ الْأَحْكَامُ وَ (لَا) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ فَسَّرَهُ (بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أَيْ لِيَنْزِلَ مَنْزِلَهُ (مِنْ النَّارِ وَأَخْطَأَ، وَلَوْ أَصَابَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَسُهَيْلٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ، فَيَقُولُ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: 40] .
وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَهُوَ تَوْقِيفٌ (وَيَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ فَهُوَ أَمَارَة ظَاهِرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ (التَّابِعِيِّ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرْوَزِيُّ: نَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ التَّابِعِينَ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ، لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنْ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» الْحَدِيثَ (وَلَا) النَّظَرُ فِي (كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَ) لَا النَّظَرُ فِي (الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا رِوَايَتُهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ الْعَقَائِدِ (وَتَقَدَّمَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُصْحَفِ) فَيَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا.
وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْرَمِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو، وَلَا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ.
[فَصْلٌ تُسْتَحَبُّ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ]
ِ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (إلَّا أَوْقَاتَ النَّهْيِ) فَيَحْرُمُ فِيهَا كَمَا يَأْتِي (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِيهِ أَيْضًا «إنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَلِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ (وَبَعْدَ النَّوْمِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّاشِئَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ) وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ هِيَ أَشَدُّ وَطْأَةً، أَيْ تَثَبُّتًا: تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ وَتَعِي أُذُنُك (وَالتَّهَجُّدُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ النَّوْمِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ يَسِيرًا (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ (ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ مَا وَرَدَ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَمِنْهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " ثُمَّ إنْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) .
لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ - فَذَكَرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ تَعَارَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ اسْتَيْقَظَ وَقَوْلُهُ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا هُوَ شَكٌّ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَحَدُ الرُّوَاةِ وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (ثُمَّ يَقُولُ) يَعْنِي إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَمَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ لَا شَرِيكَ لَك، سُبْحَانَك أَسْتَغْفِرُك لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُك رَحْمَتَك اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ» .
رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إذَا اسْتَيْقَظَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ - وَذَكَرَهُ» (ثُمَّ يَسْتَاكُ) إذَا اسْتَيْقَظَ، وَيَشُوصُ فَاهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي السِّوَاكِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَإِذَا تَوَضَّأَ وَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، إنْ شَاءَ اسْتَفْتَحَ بِاسْتِفْتَاحِ الْمَكْتُوبَةِ) وَسَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَإِنْ شَاءَ) اسْتَفْتَحَ (بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَقَوْلُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أَيْ رَفَعْت الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا حُكْمَ إلَّا لَك (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) . لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُك الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ - إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ بِهِ صَلَاتَهُ فَقَالَ» - فَذَكَرَهُ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ حِزْبَهُ) أَيْ الْحِصَّةَ الَّتِي يَقْرَؤُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ (مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ) أَيْ فِي تَهَجُّدِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَأَنْ يُغْفِي بَعْدَ تَهَجُّدِهِ) لِئَلَّا يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُ النُّعَاسِ «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَصْفِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» وَكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ يَنَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنْ) النِّصْفِ (الْأَوَّلِ، وَ) أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَصَلِّ مَا شِئْتَ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ وَفِي أُخْرَى لَهُ إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا (وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ أَفْضَلُ نَصًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» .
(وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] (وَلَمْ يُنْسَخْ) وَقَطَعَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ بِنَسْخِهِ.
(وَلَا يَقُومُهُ كُلَّهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا عَلِمْتُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَا لَيَالِي الْعَشْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَحْيَا اللَّيْلَ أَيْ كَثِيرًا مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَيَتَوَجَّهُ بِظَاهِرِهِ احْتِمَالٌ وَيَخْرُجُ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهَا الْأَوَّلُ: عَلَى غَيْرِ الْعَشْرِ، أَوْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَاسْتَحَبَّهُ شَيْخُنَا وَقَالَ قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي كُلِّهَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ (إلَّا لَيْلَةَ عِيدٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي عِلَلِهِ وَفِي مَعْنَاهَا: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِهِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِيَامِهِ كُلِّهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَفْوِيتِ حَقٍّ.
وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» وَكَسِلَ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» وَعَنْهَا مَرْفُوعًا «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَى ذَلِكَ.
(وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَهُوَ) أَيْ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّيْلَ (مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16]- الْآيَةَ قَالَ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي سَاعَةَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَقَالَ مَا سَمِعْت بِصَاحِبِ حَدِيثٍ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا وَإِذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَكَانَ
إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ) مَا وَرَدَ قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَيْلِ فَصِيحِ ثَعْلَبٍ الصَّبَاحُ عِنْدَ الْغُرُوبِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى الزَّوَالِ ثُمَّ الْمَسَاءُ إلَى آخِرِ نِصْفِ اللَّيْلِ اهـ وَمِنْ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ وَأَنَّهُ يُكْفَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَعَنْهُ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَك فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (النَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي السَّفَرِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرِهِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ - وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ وَمَعْنَى مُقْرِنِينَ مُطِيقِينَ» (وَغَيْرَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمَ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ: مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ وَآخِرِ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِمَا وَمِنْهُ: مَا يُقَالُ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ وَزَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى
وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ خَوْلَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ نَوْمِهِ مِنْ اللَّيْلِ قِيَامَ لَيْلِهِ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا نَشِطَ طَوَّلَهَا، وَإِذَا لَمْ يَنْشَطْ خَفَّفَهَا) لِحَدِيثِ «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» .
(وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلَيْسَ بِمُنَاقِضٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي خُصَّ فِيهِ اللَّيْلُ بِذَلِكَ وَهُوَ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً بِاتِّفَاقٍ وَلِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوِتْرِ، وَالنُّصُوصُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ (وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ، كَالظُّهْرِ فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ، بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ سَرَدَهُنَّ) أَيْ الْأَرْبَعَ (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ جَازَ، وَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ نَهَارًا) كُرِهَ، وَصَحَّ (أَوْ) زَادَ عَلَى (اثْنَتَيْنِ لَيْلًا، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا، عَلِمَ الْعَدَدَ أَوْ نَسِيَهُ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ كُرِهَ وَصَحَّ) أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَطَوُّعٌ فَأَلْحَقْنَا بِهِ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ.
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» وَهَذَا لَا يُنَافِي رِوَايَتَهَا الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهَا رَأَتْهُ يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ قُلْت يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا عَدَا الْوِتْرَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَإِسْرَارُهُ، أَيْ عَدَمُ إعْلَانِهِ أَفْضَلُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ) فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَالْوَتْرِ بَعْدَهَا فَفِعْلُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْتِ كَالْمَسْجِدِ وَإِظْهَارُهُ أَفْضَلُ لِشَبَهِهِ بِالْفَرَائِضِ، وَكَذَا السُّنَنُ مِنْ الْمُعْتَكِفِ، وَسُنَّةُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ.
(وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ جَمَاعَةً) كَمَا تُفْعَلُ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعَاتِهِ مُنْفَرِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَا سُنَّ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا، كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، إنْ فُعِلَ جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً.
(وَيُكْرَهُ جَهْرُهُ فِيهِ) أَيْ التَّطَوُّعِ (نَهَارًا) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَالْمُرَادُ: غَيْرُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَ) الْمُتَطَوِّعُ (لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ فَإِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَصَالِحِ (وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مَنْ يَتَهَجَّدُ أَوْ يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ) مِنْ نَائِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ خَافَ رِيَاءً فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ) دَفْعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
(وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ) كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ افْتِتَاحِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (أَوْ) وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَطْوِيلُهُ) كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] (وَمَا عَدَاهُ) أَيْ مَا عَدَا مَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ وَتَطْوِيلُهُ (فَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّك لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَ بِهَا لَهُ دَرَجَةً فَاسْتَكْثِرُوا مِنْ السُّجُودِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ وَآكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعَالِمِ وَسَيِّدِ الْقَوْمِ وَالِاسْتِكْثَارُ مِمَّا هُوَ آكَدُ وَأَفْضَلُ أَوْلَى.
(وَيُسْتَحَبُّ اسْتِغْفَارٌ بِالسَّحَرِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] وَسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي
فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، إلَّا أَنْتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ بِقَوْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ شَيْخُنَا: تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَمَتُك بِنْتُ عَبْدِك أَوْ بِنْتِ أَمَتِك " وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا عَبْدُك لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ.
(وَمَنْ فَاتَهُ تَهَجُّدُهُ قَضَاهُ قَبْلَ الظُّهْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» (وَتَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مَنْ نَوَى عَدَدًا فَزَادَ عَلَيْهِ) وَحَاصِلُهُ: إنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَهَارًا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا أَرْبَعًا، وَلَيْلًا فَلَا.
(وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا الْمَعْذُورَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» قَالَتْ عَائِشَةُ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسُومِحَ فِي التَّطَوُّعِ تَرْكُ الْقِيَامِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقُعُودِ مُتَرَبِّعًا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ (فَإِذَا بَلَغَ الرُّكُوعَ فَإِنْ شَاءَ قَامَ فَرَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ قُعُودٍ لَكِنْ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، قَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَتْ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسَ.
(وَلَا يَصِحُّ) النَّفَلُ (مِنْ مُضْطَجِعٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُ ذَلِكَ لِيُخَصِّصَ بِهِ الْعُمُومَ (وَ) التَّنَفُّلُ (لَهُ) أَيْ لِعُذْرٍ مُضْطَجِعًا (يَصِحُّ) كَالْفَرْضِ وَأَوْلَى (وَيَسْجُدُ) الْمُتَنَفِّلُ مُضْطَجِعًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السُّجُودِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ (أَوْمَأَ) بِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
[فَصْلٌ صَلَاةُ الضُّحَى]
(فَصْلٌ تُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَقْتُهَا) أَيْ صَلَاةِ الضُّحَى (مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ) أَيْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ رُمْحٍ (إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ، مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ النَّهْيِ) أَيْ وَقْتُ الِاسْتِوَاءِ (وَعَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ) .
وَفِي الْمُبْدِعِ: تُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا، بَلْ تُفْعَلُ غِبًّا نَصَّ عَلَيْهِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ مَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ (وَاسْتَحَبَّهَا) أَيْ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا (جُمُوعٌ مُحَقِّقُونَ) مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ (وَهُوَ أَصْوَبُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمَا (وَاخْتَارَهَا) أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (الشَّيْخُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ اللَّيْلِ) حَتَّى لَا يَفُوتهُ كُلٌّ مِنْهُمَا (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَحْمَى الرَّمْضَاءُ وَهِيَ الرَّمْلُ فَتَبْرُكُ الْفِصَالُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ (وَأَقَلُّهَا: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنْت أَعْرِضُ بَعِيرًا لِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبْصَرْته يُصَلِّي الضُّحَى سِتًّا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِفَرْدٍ، كَرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا، كَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» رَوَاهُ ابْنُ
حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً، قَالَ هُوَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ وَصَحَّ عَنْ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ: تَقْصِيرُ الْوِتْرِ بَرَكَةً، وَهُوَ تَطَوُّعٌ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْوِتْرِ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ إذَا هَمَّ بِأَمْرٍ) أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ (وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُرَادُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتُ) فَيَكُونُ قَوْلُ أَحْمَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ بَعْدَ فِعْلِ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (إنْ كَانَ) الْحَجُّ وَنَحْوُهُ (نَفْلًا) فَتَكُونُ الِاسْتِخَارَةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، لَا الْوَاجِبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ لَهُ (وَيَقُولُ فِيهِ: مَعَ الْعَافِيَةِ) .
(وَلَا يَكُونُ وَقْتَ الِاسْتِخَارَةِ عَازِمًا عَلَى الْأَمْرِ) الَّذِي يَسْتَخِيرُ فِيهِ (أَوْ) عَلَى (عَدَمِهِ: فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ فِي التَّوَكُّلِ ثُمَّ يَسْتَشِيرُ فَإِذَا ظَهَرْت الْمَصْلَحَةُ فِي شَيْءٍ فَعَلَهُ) فَيَنْجَحُ مَطْلُوبُهُ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ إلَى آدَمِيٍّ فَيَتَوَضَّأُ وَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى (وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْته وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته وَلَا حَاجَةً هِيَ لَك رِضًا إلَّا قَضَيْتهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، يَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غُفِرَ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135] الْآيَةَ رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَرْقَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَنَصُّهُ: لَا) قَالَ مَا يُعْجِبُنِي قِيلَ لِمَ؟ قَالَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، وَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا، وَهِيَ (أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهَا) أَيْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (عَشْرًا، ثُمَّ يَقُولُهَا فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَشْرًا ثُمَّ) يَفْعَلُ (كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ.
(يَفْعَلُهَا) أَيْ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ يَوْمٍ (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ جُمُعَةٍ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ شَهْرٍ (فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ سَنَةٍ (فَفِي الْعُمُرِ مَرَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غُفِرَ لَك ذَنْبُك أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَقَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ خَطَؤُهُ وَعَمْدُهُ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ، سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تُسَنُّ صَلَاةُ (تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي آخِرِ) بَابِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحَةً.
(وَ) تُسَنُّ (سُنَّةُ الْوُضُوءِ) أَيْ رَكْعَتَانِ عَقِبَهُ وَتَقَدَّمَ (وَ) يُسَنُّ (إحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِلْخَبَرِ (وَتَقَدَّمَ) وَأَنَّهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
(وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ وَالصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ فَبِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ وَكَانَ) فِي (السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ لَهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ اهـ وَفِي اسْتِحْبَابِ قِيَامِهَا) أَيْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (مَا فِي) إحْيَاءِ (لَيْلَةِ الْعِيدِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ (بْنِ رَجَبٍ) الْبَغْدَادِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ (فِي) كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (اللَّطَائِفَ) فِي الْوَظَائِفِ.
وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ وَلَيْلَةُ أَوَّلِ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ.
وَفِي الرِّعَايَةِ وَفِي الْغُنْيَةِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَظْهَرُ لِضَعْفِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ
قِيَاسُ نَصِّهِ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَأَوْلَى.
وَفِي آدَابِ الْقَاضِي صَلَاةُ الْقَادِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةَ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَجِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[فَصْلٌ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ]
ِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ وَقَرَأَ عُمَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةُ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَالَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ وَإِنَّمَا ذُمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] تَكْذِيبًا وَاسْتِكْبَارًا كَإِبْلِيسَ وَالْكُفَّارِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20] .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: 15] فَالْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: 15] وَلَيْسَ التَّسْبِيحُ بِوَاجِبٍ (لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ) لَهُ (وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى فِي طَوَافٍ عَقِبَ تِلَاوَتِهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السَّجْدَةَ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَلَوْ) كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ وَالِاسْتِمَاعِ (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بَيْنَ السُّجُودِ وَسَبَبِهِ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ نَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ وَيَسْجُدُ مَعَ قِصَرِهِ) أَيْ الْفَصْلِ (أَيْضًا) بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ لِطُولِ الْفَصْلِ (وَلَا
يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ (مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ) وَقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّيَمُّمِ.
(وَالرَّاكِبُ) الْمُسَافِرُ (يُومِئُ بِالسُّجُودِ) لِلتِّلَاوَةِ (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) كَسَائِرِ النَّوَافِلِ (وَيَسْجُدُ الْمَاشِي) الْمُسَافِرُ (بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا) لِلْقِبْلَةِ، كَمَا يَسْجُدُ فِي النَّافِلَةِ (وَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ عُثْمَانُ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ مَا جَلَسْنَا لَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ وَلِأَنَّ السَّامِعَ لَا يُشَارِكُ التَّالِيَ فِي الْأَجْرِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي السُّجُودِ كَغَيْرِهِ أَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ» فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اسْتَمَعَ آيَةً كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا قَاصِدًا.
(وَلَا) يَسْجُدُ (الْمُصَلِّي لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ بِحَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرَ الْمَأْمُومِ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِمَاعِ غَيْرِهِ وَالْمَأْمُومُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةُ غَيْرِ إمَامِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ فِي حَقِّهِ (وَلَا) يَسْجُدُ (مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْإِمَامِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (وَلَا) يَسْجُدُ (الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا سُجُودًا.
(وَهِيَ) أَيْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (وَسَجْدَةُ شُكْرٍ: صَلَاةٌ فَيُعْتَبَرُ لَهُمَا مَا يُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ، مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) كَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ.
(وَ) وَيُعْتَبَرُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ (أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ) لَهُ، أَيْ يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، فَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَك» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى وَفِيهِ كَلَامٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ اقْرَأْ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ: اُسْجُدْ فَإِنَّك إمَامُنَا فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (فَلَا يَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (قُدَّامَ الْقَارِئِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ وَلَا رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى) ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَصْلُحُ إمَامًا لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ (وَيَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (لِتِلَاوَةِ أُمِّيٍّ وَزَمِنٍ وَصَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامَ لَيْسَا بِوَاجِبٍ فِي النَّفْلِ وَاقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالصَّبِيِّ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَمِعِ (الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ الْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا لَهُ حَقِيقَةً بَلْ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَرْفَعُ قَبْلَ إمَامِهِ، كَسُجُودِ الصُّلْبِ (وَيَسْجُدُ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ السُّجُودَ التَّالِي فِي الصَّلَاةِ) إذَا اسْتَمَعَ لَهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ سَجَدَ)
الْقَارِئُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ لِلتِّلَاوَةِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ خَارِجَهَا اُسْتُحِبَّ) لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى، وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي، التَّكْبِيرِ» (وَ) فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ (لَا يَرْفَعُهُمَا فِيهَا) أَيْ، فِي الصَّلَاةِ، «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ.
(وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (فَلَوْ تَرَكَهَا) أَيْ تَرَكَ الْمَأْمُومُ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ السَّمَاعِ كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ.
(وَلَا يَقُومُ رُكُوعٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا، وَلَا سُجُودُهَا الَّذِي بَعْدَ الرُّكُوعِ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ أَشْبَهَ سُجُودَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا لَمْ يُجْزِهِ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَإِذَا سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ) لِلتِّلَاوَةِ (ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ شَاءَ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُسْتَمِعُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) أَيْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) فِي الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ سَجْدَةً سَجْدَةً وَ (فِي الْحَجِّ اثْنَتَانِ) وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَحم السَّجْدَةُ (وَفِي الْمُفَصَّلِ ثَلَاثٌ) فِي النَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَسَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيهَا وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فَعَلَى هَذَا (يَسْجُدُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَ) إنْ سَجَدَ لَهَا (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (تَبْطُلُ صَلَاةَ غَيْرِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي) كَسَائِرِ سَجَدَاتِ