صفحات 78-117
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ (وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُكَاتَبًا) أَيْ فَلِسَيِّدِهِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَلَمْ أَعْلَم لَهُ مُتَابِعًا عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهُ عَلَيْهِ هُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَشَرْحِ ابْنِ الْمُنَجَّا وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَمُنْتَخَبِ الْأَزِجِيَّ قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: وَيَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مُطْلَقًا عَلَى قِنٍّ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ فِي الْكُبْرَى: وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مُكَاتَبِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَ وَفِيهِ وَجْهٌ وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ الْمَذْهَب لِأَنَّهُ عَبْدٌ (أَوْ مَرْهُونًا أَوْ مُسْتَأْجَرًا) أَيْ فَلِلسَّيِّدِ إقَامَتُهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا مِلْكَهُ (وَلَوْ أُنْثَى) فَلِلسَّيِّدِ إقَامَةِ الْجَلْدِ عَلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالْحَدُّ الَّذِي يُقِيمُهُ السَّيِّدُ عَلَى قِنِّهِ (كَحَدِّ الزِّنَا وَحْدِ الشُّرْبِ) لِلْمُسْكِرِ (وَحْدِ الْقَذْفِ) لِمُحْصَنٍ (كَمَا) أَنَّ (لَهُ) أَيْ السَّيِّدُ (أَنْ يُعَزِّرَهُ) أَيْ قِنَّهُ (فِي حَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى.
(وَ) فِي (حَقِّ نَفْسِهِ) أَيْ السَّيِّد لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَمَالِيكِ (وَلَا يَمْلِكُ) السَّيِّدُ (الْقَتْلَ) لِقَنِّهِ (فِي الرِّدَّةِ وَ) لَا (الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أُمِرَ بِالْجَلْدِ فَلَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّ فِي الْجَلْدِ سَتْرًا عَلَى رَقِيقِهِ لِئَلَّا يَفْتَضِحَ بِإِقَامَةِ الْإِمَامِ لَهُ فَيَنْقُصُ قِيمَتَهُ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهِمَا (بَلْ ذَلِكَ) أَيْ الْقَتْل فِي الرِّدَّةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ (لِلْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَا يَمْلِكُ) السَّيِّدُ (إقَامَتَهُ) أَيْ الْجَلْدُ (عَلَى قِنٍّ مُشْتَرَكٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى كُلِّهِ وَالْحَدُّ تَصَرُّفٌ فِي الشَّكْلِ (وَلَا) يَمْلِكُ أَيْضًا إقَامَتَهُ (عَلَى مَنْ بَعْضَهُ حُرٌّ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا عَلَى أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا مُخَالِفٌ لَهُ فِي الصَّحَابَة وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ مِلْكًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ أَشْبَهَتْ الْمُشْتَرَكَةَ (وَلَا) يَمْلِكُ وَلِيٌّ إقَامَةَ الْحَدِّ (عَلَى رَقِيقِ مُوَلِّيهِ كَأَجْنَبِيِّ) أَيْ كَمَا لَا يَمْلِكُ أَجْنَبِيٌّ إقَامَةَ حَدٍّ عَلَى رَقِيقِ غَيْرِهِ بَلْ يُقِيمُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (وَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ (الْمُكَاتَب) لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
(وَلَا يُقِيمُهُ) أَيْ الْحَدَّ (السَّيِّدُ حَتَّى يَثْبُتَ) مُوجِبُهُ (عِنْدَهْ إمَّا بِإِقْرَارِ الرَّقِيق الْإِقْرَار الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ إذَا عَلِمَ) السَّيِّدُ (شُرُوطَهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ (أَوْ) يَثْبُتُ (بِبَيِّنَةٍ يَسْمَعُهَا) أَيْ السَّيِّدُ (إنْ كَانَ) السَّيِّدُ (يُحْسِنُ سَمَاعَهَا) أَيْ الْبَيِّنَةَ (وَيَعْرِفُ شُرُوطَ الْعَدَالَةِ) الْمُعْتَبَرَة فِي الشَّهَادَة لِأَنَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ حُجَّةٌ فِي ثُبُوتِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حَالُ السَّيِّدِ فِيهِ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْمَع إقْرَارَهُ وَيُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ وَيُقَدِّم سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ (وَإِنْ ثَبَتَ) مُوجِبُ الْحَدِّ (بِعِلْمِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (فَلَهُ إقَامَتُهُ) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَأْدِيبَهُ
فَكَذَا هُنَا.
(وَلَا) يَمْلِكُ (إمَامُ وَنَائِبُهُ) إقَامَةَ الْحَدِّ بِعِلْمِهِ عَلَى حُرٍّ وَلَا قِنٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ مِنْهُمْ بِخِلَافِ السَّيِّدِ.
(وَتَحْرُم إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي مَسْجِدِ) بَلَدًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ زَنَا فَقَالَ: " أَخْرِجُوهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاضْرِبُوهُ " وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقَطَعَ يَدَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ فَيُنَجِّسُهُ وَيُؤْذِيهِ (فَإِنْ أُقِيمَ) الْحَدُّ (فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (سَقَطَ الْغَرَضُ) لِحُصُولِ الزَّجْرِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى ذِمِّيٍّ فِي الْمَسْجِدِ.
[فَصْلٌ وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا]
(فَصْلٌ وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ) فِي الْحَدِّ (قَائِمًا) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إلَى إعْطَاءِ كُلٍّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ (بِسَوْطٍ) مِنْ غَيْرِ جِلْدٍ (لَا حَدِيدَ فَيُجَرِّحُ وَلَا خَلَقٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْبَالِي لِأَنَّهُ لَا يُؤْلِمُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ (حَجْمَهُ) أَيْ السَّوْط (بَيْنَ الْقَضِيبِ وَالْعَصَا) أَيْ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا كَمَا مَرَّ (وَلَا يُضْرَبُ) فِي الْحَدِّ (بِعَصًا وَلَا غَيْرِهَا) مِنْ جِلْدٍ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ يَعْنِي وَسَطًا (وَإِنْ كَانَ السَّوْطُ مَغْصُوبًا أَجْزَأَ) الْجَلْدَ بِهِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّهْيِ لِلْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْجَلْدَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي فَلَهُ) أَيْ الْإِمَامُ (ذَلِكَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُتِيَ بِشَارِبٍ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا يُمَدُّ الْمَحْدُودُ وَلَا يُرْبَطُ وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ وَلَا يُجَرَّدُ) مِنْ ثِيَابِهِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا تَجْرِيدٌ (بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ غَيْرَ ثِيَابِ الشِّتَاءِ كَالْقَمِيصِ وَالْقَمِيصَيْنِ) صِيَانَةً لَهُ عَنْ التَّجْرِيدِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ أَلَمَ الضَّرْبِ وَلَا يَضُرُّ
بَقَاؤُهُمَا عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْوَةٌ أَوْ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ نُزِعَتْ) لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِالضَّرْبِ (وَلَا يُبَالِغُ فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ) لِأَنَّ الْغَرَض تَأْدِيبُهُ وَزَجْرُهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لَا قَتْلَهُ وَالْمُبَالَغَةُ تُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ (وَلَا يُبْدِي) الضَّارِبُ (إبْطَهُ فِي رَفْعِ يَدِهِ) أَيْ لَا يَرْفَعُ يَدَهُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ إبْطُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الضَّرْبِ.
(وَيُسَنُّ تَفْرِيقُ الضَّرْبِ عَلَى أَعْضَائِهِ) أَيْ الْمَحْدُودِ (وَجَسَدِهِ فَلَا يُوَالِي) الضَّرْبَ (فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ حَظَّهُ وَ (لِئَلَّا يَشُقُّ الْجِلْدَ) أَوْ يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَالَى الضَّرْبَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ (أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَيُكْثِرُ مِنْهُ) أَيْ الضَّرْبُ (فِي مَوْضِعِ اللَّحْمِ كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ) لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَحَمُّلًا (وَيَتَّقِي) الضَّارِبُ (الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِلْجَلَّادِ اضْرِبْ وَأَوْجِعْ وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ.
(وَ) يَتَّقِي (الْفَرْجَ وَالْبَطْنَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَمَوْضِعَ الْقَتْلِ فَيَجِب اجْتِنَابُهَا) لِأَنَّ ضَرْبَهَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ وَهُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ بَلْ مَأْمُورٌ بِعَدَمِهِ (وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا (وَيُضْرَبُ مِنْهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (الظَّهْرَ وَمَا قَارَبَهُ) أَيْ الظَّهْرَ وَكَذَا لَوْ ضُرِبَ الرَّجُلُ جَالِسًا.
(وَيُعْتَبَرُ لَهُ) أَيْ الْحَدُّ أَيْ إقَامَتِهِ (نِيَّةٌ لِيَصِيرَ قُرْبَةً فَيَضْرِبُهُ لِلَّهِ وَلِمَا وَضَعَ اللَّهُ ذَلِكَ) لِأَجْلِهِ كَالزَّجْرِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (فَإِنْ جَلَدَ لِلتَّشَفِّي أَثِمَ) لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ وَلَيْسَ بِحَدٍّ (وَلَا يُعِيدُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَحْدُودِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَى الْمُقِيمِ لَهَا أَيْ الْحُدُودِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا النَّفْعَ وَالْإِحْسَانَ كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ بِعُقُوبَةِ الْوَلَدِ وَالطَّبِيبُ بِدَوَاءِ الْمَرِيضِ فَلَمْ يَأْمُرْ الشَّرْعُ إلَّا بِمَا هُوَ نَفْعٌ لِلْعِبَادِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ (وَلَا تُعْتَبَر الْمُوَالَاةُ فِي الْحُدُودِ) أَيْ فِي الْجَلْدِ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ وَسُقُوطِهِ بِالشُّبْهَةِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَفِيهِ نَظَرٌ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَا أَشَدُّ الْجَلْدِ ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ ثُمَّ الشُّرْبِ) نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ التَّعْزِيرِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الزِّنَا بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ لِأَنَّ مَا كَانَ أَخَفَّ فِي عَدَدِهِ كَانَ أَخَفَّ فِي صِفَتِهِ وَحَدُّ الْقَذْفِ حَقُّ آدَمِيٍّ وَحَدُّ الشُّرْبِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَالتَّعْزِيرُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ.
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ فِيهِ الضَّرْبُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ فَشَرْطُهُ التَّأْلِيمُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ اضْرِبْ وَأَوْجِعْ.
(وَيَحْرُمُ حَبْسُهُ) أَيْ الْمَحْدُودُ (بَعْدَ الْحَدِّ وَأَذَاهُ بِالْكَلَامِ) كَالتَّعْيِيرِ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ الْجَوْزِيّ لِنَسْخِهِ بِشَرْعِ الْحَدِّ كَنَسْخِ حَبْسِ الْمَرْأَةِ.
(وَلَا يُؤَخَّرُ حَدُّ الزِّنَا لِمَرَضٍ رَجْمًا كَانَ) الْحَدُّ (أَوْ جَلْدًا لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَدَّ (يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ) وَلَا يُؤَخَّرُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلِأَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَيُقَامُ) الْحَدُّ (فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ) وَلَوْ مُفْرِطَيْنِ كَالْمَرَضِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَحْدُودُ (مَرِيضًا أَوْ) كَانَ (نِضْوُ الْخِلْقَةِ أَوْ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَكَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أُقِيمَ عَلَيْهِ) الْحَدُّ (بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ) لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَإِنْ كَانَ لَا يُطِيقُ الضَّرْبَ وَخُشِيَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْدُودِ (مِنْ السَّوْط أُقِيمَ) عَلَيْهِ الْحَدُّ (بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَ) بِ (الْقَضِيبِ الصَّغِيرِ وَشِمْرَاخِ النَّخْلِ) لِئَلَّا يُفْضِي مَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى إتْلَافِهِ (فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ) مِنْ الْقَضِيبِ وَنَحْوِهِ (ضُرِبَ بِمِائَةِ شِمْرَاخٍ مَجْمُوعَةً أَوْ عُثْكُولٍ ضَرْبَةً وَوَاحِدَةً أَوْ بِخَمْسِينَ شِمْرَاخًا ضَرْبَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ رَجُلًا اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ بِهَا فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَالْعُثْكُولُ بِوَزْنِ عُصْفُورٍ الضِّغْث بِالضَّادِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ.
(وَلَا يُقَامُ) الْحَدُّ (رَجْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى حُبْلَى وَلَوْ مِنْ زِنًا حَتَّى تَضَعَ) لِئَلَّا يَتَعَدَّى إلَى الْحَمْلِ (فَإِنْ كَانَ) الْحَدُّ (رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَاصِ (ثُمَّ) إذَا سَقَتْ اللِّبَأَ (إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ وَلَمْ يَتَكَفَّلْ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ (تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ) لِيَزُولَ عَنْهُ الضَّرَرُ (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا) أَيْ الزَّانِيَة (لَمْ يُؤَخَّرْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا) لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبَةٌ فَوْرًا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحَمْلِ (وَإِنْ ادَّعَتْ) الزَّانِيَةُ (الْحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُهَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَدُّ (جَلْدًا إذَا وَضَعَتْهُ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ وَكَانَتْ قَوِيَّةٌ يُؤْمَنُ تَلَفُهَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: «إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحْسَنْتَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمَحْدُودَةُ (فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ عَلَيْهَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا) الْحَدُّ (حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى) لِيُسْتَوْفَى الْحَدُّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَوَاتِهِ وَبِهِ فَارَقَتْ الْمَرِيضَ (وَهَذَا) هُوَ (الَّذِي تَقْضِيهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ) مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّ الْمَرْأَةَ انْطَلَقَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَجَاءَتْ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي فَتَطَهَّرِي مِنْ الدَّمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ فِي الْحَالِ بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ السَّوْطِ أُقِيمَ) الْحَدُّ (بِالْعُثْكُولِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ) كَالْمَرِيضِ.
(وَتَقَدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَيُؤَخَّرُ) إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى (سَكْرَانٍ حَتَّى يَصْحُوَ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ إقَامَةٍ الْحَدِّ وَهُوَ الزَّجْرُ (فَلَوْ خَالَفَ وَحَدَّهُ) أَيْ السَّكْرَانَ قَبْلَ صَحْوِهِ (سَقَطَ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ إنْ حَسَّ بِأَلَمِ الضَّرْبِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَزْجُرهُ (وَيُؤَخَّرْ قَطْعُ خَوْفِ تَلَفٍ) أَيْ مَوْتِ الْمَحْدُودِ بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ حَيْفٌ (وَإِنْ مَاتَ) الْمَحْدُودُ (فِي حَدٍّ أَوْ قَطْعِ سَرِقَةٍ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ تَأْدِيبٍ مُعْتَاد) مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ زَوْجٍ (وَتَقَدَّمَ فِي الدِّيَاتِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّه وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا كَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ (إنْ لَمْ يَلْزَمْ التَّأْخِيرُ فَإِنْ لَزِمَ) التَّأْخِيرُ بِأَنْ خِيفَ التَّلَفَ مِنْ الْقَطْعِ (وَلَمْ يُؤَخِّرْ) الْقَطْعَ (ضَمِنَ) الْقَاطِعُ الْمَقْطُوعَ إنْ سَرَى إلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ إذَنْ.
(وَإِنْ زَادَ) الْجَلَّادُ (فِي الْحَدِّ سَوْطًا أَوْ أَكْثَر عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ) زَادَ (فِي السَّوْطِ) بِأَنْ ضَرَبَ بِأَكْبَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَضْرِبُ بِهِ (أَوْ اعْتَمَدَ) الْجَلَّادُ (فِي ضَرْبِهِ أَوْ) ضَرَبَ (بِسَوْطٍ لَا يَحْتَمِلُهُ) لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ (ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْجَلْدِ (بِكُلِّ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَعُدْوَانِ الضَّارِب فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الضَّارِبِ كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَقَتَلَهُ (كَمَا إذَا أَلْقَى عَلَى سَفِينَةٍ مُوَقَّرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَهَا فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْجَلَّادِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ) أَحَدٍ (فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) إنْ كَانَ خَطَأً كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَطَإِ.
(وَمَنْ أُمِرَ بِزِيَادَةٍ فَزَادَ جَاهِلًا تَحْرِيمَهَا) أَيْ الزِّيَادَة فَتَلِفَ الْمَضْرُوبُ (ضَمِنَهُ الْآمِرُ) كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مُكَلَّفًا يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الضَّارِبُ جَاهِلًا تَحْرِيمَ الزِّيَادَةِ ضَمِنَهُ (الضَّارِبُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَكَمَنْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مُكَلَّفًا يَعْلَمُ تَحْرِيمَهُ (وَإِنْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ الزَّائِدُ (الْعَادَّةُ فَقَطْ) ضَمِنَهُ وَحْدَهُ دُونَ الضَّارِبِ وَغَيْرِهِ (أَوْ أَخْطَأَ) الْعَادَّةَ فِي الْعَدَدِ (وَادَّعَى الضَّارِبُ الْجَهْلَ ضَمِنَهُ الْعَادُّ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَالَهُ فِي
الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ وَفِي بَعْضِهَا مَشْطُوبٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ (وَتَعَمَّدَ الْإِمَامُ الزِّيَادَةَ) فِي الضَّرْبِ (شِبْهَ عَمْدٍ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ نِهَايَةً فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ فِي حُكْمِهِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ يُحْفَرْ لَهُ) أَيْ الْمَرْجُومُ (رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِ مَاعِزٍ خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَكِنْ قَامَ لَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ نَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ وَسَوَاءٌ (ثَبَتَ) الزِّنَا (بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَتُشَدُّ ثِيَابُ الْمَرْأَةِ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْلَ الْمَرْجُومِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَالدَّائِرَةِ إنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إلَى تَمْكِينِهِ مِنْ الْهَرَبِ وَ (لَا) يُسَنُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ زِنَاهُ ثَبَتَ (بِإِقْرَارٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَهْرُبَ فَيُتْرَكُ) وَلَا يُتَمَّمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(وَيُسَنُّ حُضُورُ مَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا وَبُدَاءَتُهُمْ) أَيْ الشُّهُودُ (بِالرَّجْمِ وَإِنْ كَانَ) الزِّنَا (ثَبَتَ بِإِقْرَارِ) الزَّانِي (بَدَأَ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ: " الرَّجْمُ رَجَمَانِ فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ النَّاسُ " وَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُمْ مِنْ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ (وَيَجِب حُضُورُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي كُلِّ حَدٍّ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ كَمَا فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ (وَمَنْ أَذِنَ لَهُ) الْإِمَامُ (فِي إقَامَةِ الْحَدِّ فَهُوَ نَائِبُهُ) يَكْفِي حُضُورُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَامْضِ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ أَقَرَّتْ فَارْجُمْهَا» .
(وَيَجِبُ حُضُورُ طَائِفَةٍ فِي حَدِّ الزِّنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] (وَلَوْ وَاحِدًا) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِع وَهُوَ مُنْقَطِعٌ (مَعَ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ) لِأَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ حَاضِرٌ ضَرُورَةً فَتَعَيَّنَ صَرْفُ الْأَمْرِ إلَى غَيْرِهِ (وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِحَدِّ الزِّنَا أَوْ) حَدِّ (سَرِقَةٍ أَوْ) حَدِّ (شُرْبٍ قَبْلَ الْحَدِّ عَنْ إقْرَارِهِ بِأَنْ يَقُولَ كَذَبْتُ فِي إقْرَارِي أَوْ) يَقُولُ (لَمْ أَفْعَل مَا أَقْرَرْتُ بِهِ أَوْ) يَقُولُ (رَجَعْتُ عَنْ إقْرَارِي وَنَحْوَهُ) فَلَمْ يَصْدُرْ مِنِّي مَا أَقْرَرْتُ بِهِ (قُبِلَ مِنْهُ) رُجُوعُهُ (وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ) لِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ وَقَالَ لَهُمْ رَدُّونِي إلَى النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الْحَدِّ (أَوْ هَرَبَ) الْمُقِرُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَدّ (تُرِكَ وُجُوبًا) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَإِنْ قَالَ) الْمُقِرُّ (رُدُّونِي إلَى الْحَاكِمِ وَجَبَ رَدُّهُ) إلَيْهِ لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ تَمَّمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ضَمِنَ الْمُتَمِّمُ) لِلْحَدِّ (الرَّاجِعِ) عَنْ إقْرَارِهِ (بِالدِّيَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إقْرَارُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ و (لَا) يُضْمَنُ (الْهَارِبُ وَلَا مَنْ طَلَبَ الرَّدَّ إلَى الْحَاكِمِ) فَتَمَّمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِخَبَرِ مَاعِزٍ وَسَبَقَ (وَلَا قَوَدَ) عَلَى الْمُتَمِّمِ لِلْحَدِّ وَلَوْ عَلَى الْمُصَرِّحِ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ كَالْحَدِّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَإِنْ رُجِمَ) لِثُبُوتِ الْحَدَّ (بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ لَمْ يُتْرَكْ) لِأَنَّ زِنَاهُ ثَبَتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُ وَلَا هَرَبُهُ.
[فَصْلٌ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهَا قَتْل]
(فَصْلٌ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ حُدُودُ اللَّهِ) تَعَالَى (وَفِيهَا قَتْل مِثْلَ أَنْ سَرَقَ وَزَنَا وَهُوَ مُحْصَنٌ وَشَرِبَ) الْخَمْرَ (وَقُتِلَ فِي الْمُحَارَبَةِ اسْتَوْفِي الْقَتْلَ وَسَقَطَ سَائِرُهَا) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ أَحَاطَ الْقَتْلُ ذَلِكَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودُ تُرَادُ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ وَمَعَ الْقَتْلِ لَا حَاجَةَ إلَى زَجْرِهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَيُفَارِقُ الْقِصَاصَ فَإِنَّ فِيهِ غَرَضَ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مُجَرَّدُ الزَّجْرِ (لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ لِلْمُحَارِبَةِ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ) وَإِنَّمَا أُثِرَتْ الْمُحَارَبَةُ مُحَتَّمَةً وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ (وَيَسْقُطُ الرَّجْمُ) كَمَا لَوْ مَاتَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا) أَيْ حُدُودِ اللَّهِ (قَتْلٌ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مِثْل أَنْ زَنَى) مِرَارًا (أَوْ سَرَقَ) مِرَارًا (أَوْ شَرِبَ) الْخَمْرَ (مِرَارًا قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ فَتَتَدَاخَلُ السَّرِقَةُ كَغَيْرِهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر أَجْمَع عَلَى هَذَا كُلِّهِ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ الزَّجْرُ عَنْ إتْيَانِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْحَدِّ الْوَاحِدِ.
(وَلَوْ طَالَبُوا) أَيْ الْمَسْرُوقِينَ مِنْهُمْ (مُتَفَرِّقِينَ) فَيَكْفِي الْقَطْعُ لِلْكُلِّ (فَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) لِمَعْصِيَةٍ (ثُمَّ حَدَثَتْ جِنَايَةٌ أُخْرَى) تُوجِبُ الْحَدَّ (فَفِيهَا حَدُّهَا) كَمَا لَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَكَفَّرَ ثُمَّ حَلَفَ أُخْرَى وَحَنِثَ فِيهَا (وَإِنْ كَانَتْ) الْحُدُودُ (مِنْ أَجْنَاسٍ) كَمَا لَوْ زَنَى وَشَرِبَ
الْخَمْرَ وَسَرَقَ وَلَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا (اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ لِأَنَّ التَّدَاخُلَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَلَوْ سَرَقَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ قُطِعَ لِذَلِكَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ لِأَنَّ مَحَلّ الْقَطْعَيْنِ وَاحِدٌ (وَيَجِبُ الِابْتِدَاءُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفّ فَإِذَا شَرِبَ) الْخَمْرَ (وَزَنَا) وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ (وَسَرَقَ حُدَّ لِلشُّرْبِ) لِأَنَّهُ أَخَفٌّ (ثُمَّ لِلزِّنَا ثُمَّ قُطِعَ) لِلسَّرِقَةِ وَلَا يُوَالِي بَيْنَ هَذِهِ الْحُدُودِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى التَّلَفِ.
(وَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْأَخَفِّ وَقَعَ الْمُوَقَّعُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الزَّجْرُ (وَتُسْتَوْفَى حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهَا) سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ (وَيَبْدَأُ بِغَيْرِ قَتْلٍ) لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِهِ تَفُوتُ اسْتِيفَاءَ بَاقِي الْحُقُوقِ فَيَبْدَأُ (بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ مِنْهَا وُجُوبًا) لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى (فَيَحُدُّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يَقْطَعُ لِغَيْرِ السَّرِقَةِ) لِأَنَّ الْقَطْعَ لِلسَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى (ثُمَّ يُقْتَلُ فَإِنْ اجْتَمَعَتْ) . أَيْ حُدُودُ الْآدَمِيِّ (مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَتَّفِقَا) أَيْ الْحَدَّانِ (فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بَدَأَ بِهَا) أَيْ بِحُدُودِ الْآدَمِيِّ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ.
(وَ) يَبْدَأُ (بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ وُجُوبًا) كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا، وَلَا يَتَدَاخَلُ الْقَذْفُ وَالشُّرْبُ) لِاخْتِلَافِ جِنْسَيْهِمَا (فَإِذَا زَنَا) غَيْرَ مُحْصَنٍ (وَشَرِبَ) الْخَمْرَ (وَقَذَفَ) مُحْصَنًا (وَقَطَعَ يَدًا) عَمْدًا عُدْوَانًا مِنْ مُكَافِئٍ (قُطِعَتْ يَدُهُ) قِصَاصًا (أَوَّلًا) لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ آدَمِيٍّ فَقُدِّمَ بِخِلَافِ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (ثُمَّ حُدَّ لَلْقَذْفِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (ثُمَّ) حُدَّ (لَلشُّرْبِ) لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الزِّنَا (ثُمَّ) حُدَّ (لَلزِّنَا فَقَدَّمُوا أَيْ الْأَصْحَابُ هُنَا الْقَطْعَ عَلَى حَدِّ الْقَذْف وَهُوَ أَيْ حَدُّ الْقَذْفِ أَخَفُّ مِنْ الْقَطْعِ) لِأَنَّ الْقَطْعَ مَحْضُ حَقِّ آدَمِيٍّ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
(وَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْحُدُودِ (قَتْلٌ فَإِنَّ حُدُودَ اللَّهِ) تَعَالَى (تَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) تَعَالَى (كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا وَالْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَ) الْقَتْلِ (لِلرِّدَّةِ أَوْ حَقُّ آدَمِيٍّ) مَحْض (كَالْقِصَاصِ) فَإِنَّهُ مَحْضُ حَقِّ آدَمِيٍّ بِخِلَافِ الْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّ تَحَتُّمَهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُرَادُهُ فِيمَا مَرَّ وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا (ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِلَّهِ) تَعَالَى (اُسْتُوْفِيَتْ الْحُقُوقُ كُلُّهَا مُتَوَالِيَةً مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ بُرْءٍ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّل لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ) أَيْ الْمَحْدُودِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ (وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ) كَالْقِصَاصِ (انْتَظَرَ بِاسْتِيفَاءِ) الْحَدِّ (الثَّانِي بُرْؤُهُ مِنْ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ فَوَاتَ نَفْسِهِ لَيْسَ مُحَقَّقًا لِأَنَّهُ قَدْ يَعْفُو وَلِيُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ.
(وَإِنْ اتَّفَقَ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ قِصَاصًا وَاحِدًا مِثْلَ: أَنْ قَتَلَ) عَمْدًا مُكَافِئًا (وَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ) عَنْ الْقِصَاصِ (اسْتَوْفَى الْحَدَّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَعْفُ (وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّاءِ مَنْ قَتَلَ بِسِحْرٍ قُتِلَ حَدًّا وَلِلْمَسْحُورِ مِنْ مَالِهِ) أَيْ السَّاحِرِ (دِيَتُهُ فَيُقَدَّمُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى) وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ فِي الْجِنَايَاتِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ (فَإِنْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَة وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال قُتِلَ حَتْمًا) لِلْقَتْلِ (وَلَمْ يُصْلَبْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا (وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ) لِلسَّرِقَةِ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ (وَإِنْ قَتَلَ مَعَ الْمُحَارَبَةِ جَمَاعَةً قُتِلَ بِالْأَوَّلِ وَلِأَوْلِيَاءِ الْبَاقِينَ) مِنْ الْقَتْلِ (دِيَاتُهُمْ) فِي مَالِ الْقَاتِلِ كَمَا لَوْ مَاتَ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ.
[فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ حَرَمِ مَكَّةَ]
(فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ حَرَمِ مَكَّةَ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ أَوْ لَجَأَ إلَيْهِ) أَيْ حَرَمِ مَكَّةَ (حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ لَمْ يَسْتَوْفِ) الْحَدَّ (مِنْهُ) وَلَمْ يُقْتَلْ (فِيهِ) أَيْ فِي حَرَمِ مَكَّةَ فَيَحْرُم اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ حَتَّى بِدُونِ قَتْلٍ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] أَيْ فَأَمِّنُوهُ فَهُوَ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْر، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بِمَكَّةَ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ ابْنِ شُرَيْحٍ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَم مَا سَجَنْتُهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُوكَلُ وَلَا يُشَارَبُ) لِأَنَّهُ لَوْ أُطْعِمَ أَوْ أُوِيَ لَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ دَائِمًا فَيَضِيعَ الْحَقُّ (وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُؤْوَى) لِمَا سَبَقَ (وَيُهْجَرُ فَلَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجَ) مِنْ الْحَرَم لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَقُّ (لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهِ وَاخْرُجْ إلَى الْحِلّ لِيُسْتَوْفَى مِنْكَ الْحَقُّ الَّذِي قِبَلَكَ، فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) خَارِج الْحَرَمِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ (فَإِنْ اُسْتُوْفِيَ ذَلِكَ) الْحَدُّ وَنَحْوُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ (فِي الْحَرَمِ فَقَدْ
أَسَاءَ) لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الْحَرَمِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ مَا وَجَبَ لَهُ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَتَى حَدًّا أَوْ ارْتَدَّ (فِي الْحَرَمِ اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ) مَا وَجَبَ بِذَلِكَ (فِيهِ) أَيْ الْحَرَمِ قَالَ فِي الْمُبْدِع بِغَيْرِ خِلَاف نَعْلَمُهُ.
رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 191] الْآيَةَ فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْد قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّجْرِ عَنْ الْمَعَاصِي حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِيهِ لَتَعَطَّلَتْ الْحُدُودُ فِي حَقِّهِمْ وَفَاتَتْ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا (وَلَوْ قُوتِلُوا فِي الْحَرَمِ دَفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَطْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 191] قُرِئَ بِهِمَا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ مُجَاهِدًا وَغَيْرَهُ قَالُوا: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
وَفِي التَّمْهِيدِ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] .
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بَعْضُهُمْ إلَّا بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحِفْظُهَا فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ إضَاعَتِهَا وَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لَمْ تَغْلِبْ فِيهَا كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ وَجَبَ قِتَالُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إنْ تَعَدَّى أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى الرَّكْبِ دَفَعَ الرَّكْبُ كَمَا يَدْفَعُ الصَّائِلُ، وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ مَعَ الرَّكْبِ بَلْ يَجِبُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ (وَفِي الْهَدْيِ الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ بِالْحَرَمِ مِنْ مُبَايَعَة الْإِمَامِ، لَا تُقَاتَلُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لَهَا تَأْوِيلٌ وَأَمَّا حَرَمُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَائِرِ الْبِقَاعِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا) كَرَمَضَانَ (فَلَا تَمْنَعُ إقَامَةَ حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 217] الْآيَةَ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا أَوْ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَمَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْو أَوْ) أَتَى (مَا يُوجِبُ قِصَاصًا) فِي الْغَزْوِ (لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ) لِخَبَرِ بَشِيرِ بْنِ أَرْطَاةَ، أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فِي الْغَزَاةِ قَدْ سَرَقَ بُخْتِيّه فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزَاةِ لَقَطَعْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِع وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ إذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (يُقَامُ
عَلَيْهِ) لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِعَارِضٍ وَقَدْ زَالَ.
(وَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ (فِي الثُّغُورِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى زَجْرِ أَهْلِهَا كَالْحَاجَةِ إلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ (وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ أَوْ أُسِرَ أُقِيمَ عَلَيْهِ إذَا خَرَجَ) مِنْ دَار الْحَرْبِ لِمَا سَبَقَ (تَتِمَّةٌ) الْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ الذَّنْبِ نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ.
[بَابُ حَدّ الزِّنَا]
(بَابُ حَدِّ الزِّنَا وَهُوَ فِعْلُ الْفَاحِشَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: 32] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ حَدُّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ الْحَبْسَ فِي الْبَيْتِ وَالْأَذَى بِالْكَلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] الْآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ بِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ مَرْفُوعًا «خُذُوا عَنِّي الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» وَنَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُهُ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ لَيْسَ هَذَا نَسْخًا إنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَبْيِينٌ لَهُ وَلَكِنْ أَنْ يُقَالَ نَسْخُهُ حَصَلَ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْجَلْدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّجْمُ كَانَ فِيهِ فَنُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحُ (إذَا زَنَا مُحْصَنٌ وَجَبَ رَجْمُهُ بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يَمُوتَ) حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فِي أَخْبَارٍ تُشْبِهُ التَّوَاتُرَ وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ثُمَّ نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ لِقَوْلِ عُمَرَ كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ الْخَبَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ لَهُ لَوْ كَانَتْ
فِي الْمُصْحَفِ لَاجْتَمَعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابِ تِلَاوَتِهَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَجَابَ ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيُظْهِر بِهِ مِقْدَارَ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ وَهُوَ أَدْنَى طَرِيقٍ إلَى الْوَحْي وَأَقَلَّهَا (وَيَتَّقِي) الرَّاجِمُ (الْوَجْهَ) لِشَرَفِهِ.
(وَلَا يَجْلِدُ) الْمَرْجُومَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الرَّجْمِ رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا وَقَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَلَمْ يَأْمُرْ بِجِلْدِهَا وَكَانَ هَذَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ وَلِأَنَّهُ حُدَّ فِيهِ قَتْلٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ الْجَلْدُ كَالرِّدَّةِ (وَلَا يَنْفِي) الْمَرْجُومُ قَبْلَ رَجْمِهِ (وَتَكُونُ الْحِجَارَةُ) فِي الرَّجْمِ (مُتَوَسِّطَةً كَالْكَفِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُثْخِنَ الْمَرْجُومَ بِصَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ وَلَا أَنْ يُطَوِّلَ عَلَيْهِ بِحَصَيَاتٍ خَفِيفَةٍ) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ.
(وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَلَوْ) كَانَتْ (كِتَابِيَّةً فِي قُبُلهَا وَطْئًا حَصَلَ بِهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا) مِنْ مَقْطُوعهَا (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بَالِغَانِ عَاقِلَانِ حُرَّانِ مُلْتَزِمَانِ فَهُمَا مُحْصَنَانِ) يُرْجَمُ مَنْ زَنَى مِنْهُمَا بِشُرُوطِهِ وَدَخَلَ فِي الْمُلْتَزِمِينَ الذِّمِّيَّانِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي لُزُوم الْحَدِّ لَا فِي حُصُولِ الْإِحْصَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَغَيْرِهِ وَيَثْبُتُ لِمُسْتَأْمَنِينَ (فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْإِحْصَانِ (وَلَوْ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فَلَا إحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُحْصِنْ أَحَدَ الْمَوْطُوءَيْنِ فَلَمْ يُحْصِنْ الْآخَرَ كَالتَّسَرِّي (فَإِنْ عَتَقَا وَعَقِلَا وَبَلَغَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بَعْدَ النِّكَاحِ ثُمَّ وَطِئَهَا صَارَا مُحْصَنَيْنِ) بِالْوَطْءِ بَعْد الْعِتْقِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمهُ وَطْءٌ آخَرُ.
(وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِين) وَهُوَ التَّسَرِّي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُهُ (وَلَا) بِوَطْءٍ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِمَا سَبَقَ (وَلَا فِي نِكَاحٍ خَالٍ عَنْ الْوَطْء) فِي الْقُبُلِ (سَوَاء حَصَلَتْ فِيهِ) الشَّهْوَةُ (أَوْ وَطِئَ فِيمَا دُون الْفَرْجِ أَوْ فِي الدُّبُرِ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ وَلَا تَحْصُلُ بِالْعَقْدِ.
(وَيَثْبُتُ) الْإِحْصَانُ (لِمُسْتَأْمَنَيْنِ كَذِمِّيَّيْنِ وَلَوْ مَجُوسِيَّيْنِ لَكِنْ لَا يَصِيرُ الْمَجُوسِيُّ مُحْصَنًا بِنِكَاحِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) كَأُخْتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ لَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا فَهُوَ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَكَذَا الْيَهُودِيُّ إذَا نَكَحَ بِنْتَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتَهُ (فَلَوْ زَنَى أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَجَبَ الْجَلْدُ)
«لِأَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُ الْإِمَامُ إقَامَةَ حَدِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) لِالْتِزَامِهِمْ حُكْمِنَا (وَمِثْلُهُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] (وَلَا يَسْقُطُ) حَدٌّ عَنْ ذِمِّيٍّ (بِإِسْلَامِهِ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (لَكِنْ لَا يُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى مُسْتَأْمَنٍ نَصًّا) قُلْتُ وَكَذَا حَدُّ سَرِقَةٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِحُكْمِنَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ.
(قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ الزِّنَا (يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ سِوَاهُ انْتَهَى وَهَذَا إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ وَأَمَّا إنْ زَنَى) الْمُسْتَأْمَنُ (بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالْحَرْبِيِّ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ (وَكَحَدِّ الْخَمْرِ) فَلَا يُقَامُ عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ (وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَتِهِ فَقَالَ مَا وَطِئَهَا لَمْ يَثْبُتْ إحْصَانُهُ) وَلَا يُرْجَمُ إذَا زَنَى لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ وَاحْتِمَالِهِ وَالْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ (وَلَوْ كَانَ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (وَلَدٌ مِنْ زَوْجٍ فَأَنْكَرَتْ) الْمَرْأَةُ (أَنْ يَكُونَ) زَوْجُهَا (وَطِئَهَا لَمْ يَثْبُتْ إحْصَانُهَا) لِمَا ذَكَرْنَا.
(وَيَثْبُتُ) إحْصَانُهُ (بِقَوْلِهِ وَطِئْتُهَا أَوْ جَامَعْتُهَا أَوْ بَاضَعْتُهَا وَيَثْبُتُ إحْصَانُهَا بِقَوْلِهَا إنَّهُ جَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا أَوْ وَطِئَهَا وَإِنْ قَالَتْ) الزَّوْجَةُ أَنَّهُ (بَاشَرَهَا أَوْ أَصَابَهَا أَوْ أَتَاهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا أَوْ قَالَهُ هُوَ) أَيْ قَالَ الزَّوْجُ أَنَّهُ بَاشَرَهَا أَوْ أَصَابَهَا أَوْ أَتَاهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا (فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الْإِحْصَانُ) لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِمَاعِ فِيهِمَا دُون الْفَرْجِ كَثِيرًا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ الَّذِي يُدْرَأُ بِالِاحْتِمَالِ وَقَالَ فِي الْمُبْدِع وَالْأَشْهَرُ أَوْ دَخَلْتُ بِهَا أَيْ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَإِذَا جُلِدَ الزَّانِي عَلَى أَنَّهُ بِكْرٌ فَبَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ) إلَى أَنْ يَمُوتَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لِأَنَّهُ حَدُّهُ وَالْجَلْدُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا.
(وَإِذَا رُجِمَ الزَّانِيَانِ الْمُسْلِمَانِ غُسِّلَا وَكُفِّنَا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا وَدُفِنَا) مَعًا، كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ وَفِيهِ: «فَرُجِمَتْ وَصَلَّى عَلَيْهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَإِذَا زَنَى الْحُرُّ غَيْرَ الْمُحْصَنِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ جُلِدَ مِائَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] (وَغُرِّبَ عَامًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فَعَلُوا
ذَلِكَ بِالْحُرِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (إلَى مَسَافَةٍ الْقَصْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ (فِي بَلَدٍ مُعَيَّنٍ) لِأَنَّ التَّغْرِيبَ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ التَّغْرِيبَ إلَى فَوْقِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَعَلَ) لِتَنَاوُلِ الْحَبَرِ لَهُ.
(وَالْبَدْوِيُّ يُغَرَّبُ عَنْ حِلَّتِهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَقَوْمِهِ) إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ (وَلَا يُمَكَّنُ) الْبَدْوِيُّ (مِنْ الْإِقَامَةِ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يَمْضِيَ الْعَامُ لِيَحْصُلَ التَّغْرِيبُ (وَلَوْ عَيَّنَ السُّلْطَانُ جِهَةً لِتَغْرِيبِهِ وَطَلَبَ الزَّانِي جِهَةً غَيْرَهَا تَعَيَّنَ مَا عَيَّنَهُ السُّلْطَانُ) لِأَنَّ إقَامَتَهُ لِلسُّلْطَانِ لَا لِلزَّانِي (وَلَوْ أَرَادَ الْحَاكِمُ تَغْرِيبَهُ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَغَابَ سَنَةً ثُمَّ عَادَ لَمْ يَكْفِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ كَمَا لَوْ جَلَدَ نَفْسَهُ (وَلَا يُحْبَسُ) الْمُغَرَّبُ (فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (فَإِنْ عَادَ) الْمُغَرَّبُ (مِنْ تَغْرِيبِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ أُعِيدَ تَغْرِيبُهُ حَتَّى يُكْمِلَ الْحَوْلَ مُسَافِرًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى) قَبْلَ عَوْدِهِ، فَلَا يَلْزَمهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لِزِيَادَتِهِ إذَنْ عَنْ الْعَامِ.
(وَتُغَرَّبُ امْرَأَةٌ مَعَ مَحْرَمٍ وُجُوبًا إنْ تَيَسَّرَ) لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ أَشْبَهَ سَفَرَ الْحَجِّ (فَيَخْرُجُ) الْمَحْرَمُ (مَعَهَا حَتَّى يُسْكِنَهَا فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ إنْ شَاءَ رَجَعَ) الْمَحْرَمُ (إذَا أَمِنَ عَلَيْهَا) لِانْقِضَاءِ السَّفَرِ (وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ) الْمَحْرَم (مَعَهَا) حَتَّى يَنْقَضِيَ الْعَامُ (وَإِنْ أَبَى) الْمَحْرَمُ (الْخُرُوجَ مَعَهَا) إلَّا بِأُجْرَةٍ (بَذَلَتْ لَهُ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَعُونَةِ سَفَرِهَا أَشْبَهَ الْمَرْكُوبُ وَالنَّفَقَةَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَخْذَ الْأُجْرَةِ مِنْهَا (فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَشْبَهَ نَفَقَةَ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَ (فَإِنْ أَبَى) الْمَحْرَمُ (الْخُرُوجَ مَعَهَا نُفِيَتْ وَحْدَهَا) قَالَ فِي التَّرْغِيب وَغَيْرِهِ مَعَ الْأَمْنِ (كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ) الْمَحْرَمُ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِهِ (كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ وَسَفَرِ الْحَجِّ إذَا مَاتَ الْمَحْرَمُ فِي الطَّرِيقِ) وَتَقَدَّمَ (وَقِيلَ تَسْتَأْجِرُ امْرَأَةً ثِقَةً اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَخْصٍ يَكُونُ مَعَهَا لِأَجْلِ حِفْظِهَا وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ.
(وَإِذَا زَنَى الْغَرِيبُ غُرِّبَ إلَى بَلَدٍ غَيْرُ وَطَنِهِ) لِيَكُونَ تَغْرِيبًا (وَإِنْ زَنَى) الْمُغَرَّبُ (فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ غُرِّبَ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ، وَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ مُدَّةِ) التَّغْرِيبِ (الْأَوَّلِ فِي) التَّغْرِيبِ (الثَّانِي لِأَنَّ الْحَدَّيْنِ مِنْ جِنْسٍ فَتَدَاخَلَا) كَمَا سَبَقَ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَقِيقًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى]
(فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الزَّانِي رَقِيقًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْعَذَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ الْجَلْدُ مِائَةً لَا غَيْرَ، فَيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: «إذَا تَعَالَتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَاجْلِدُوهَا خَمْسِينَ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْن أَحْمَدَ وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ (وَلَا يُغَرَّبُ) الْقِنُّ وَلَا يُعَيَّرُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ (بِكْرًا كَانَ) الْقِنُّ (أَوْ ثَيِّبًا) أَوْ مُزَوَّجًا (وَلَا يُرْجَمُ هُوَ) أَيْ الْقِنُّ (وَلَا) يُرْجَمُ (الْمُبَعَّضُ) لِمَنْ حَدَّهُ الْجَلْدُ كَمَا سَبَقَ (وَإِذَا زَنَى) الرَّقِيقُ (ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَدُّ الرَّقِيقِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (وَلَوْ زَنَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَ فَاسْتُرِقَّ حُدَّ حَدُّ الْأَحْرَارِ) مِنْ رَجْمٍ أَوْ جَلْدٍ وَتَغْرِيبٍ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَقَدْ كَانَ حُرًّا.
(وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ حُرًّا وَالْآخَرُ رَقِيقًا) فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حَدُّهُ (أَوْ زَنَى مُحْصَنٌ بِبِكْرٍ فَعَلَى كُلّ وَاحِدٍ حَدُّهُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ فَقَالُوا إنَّمَا عَلَى ابْنِكِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالرَّجْمُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ يَأْتِي امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ زَنَى بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْعِتْقِ (فَعَلَيْهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ) وَلَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ.
(وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الرَّقِيقِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ عُلِمَتْ) حُرِّيَّتُهُ (بَعْدَ) ذَلِكَ (تَمَّمَ عَلَيْهِ حَدَّ الْأَحْرَارِ) اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ فَتَمَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِائَةِ وَيُغَرَّبُ عَامًا وَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةُ بَعْدَ الْعِتْقِ ثُمَّ زَنَى قَبْلَ الْعِلْمِ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِحْصَانِ كُلِّهَا رُجِمَ كَمَا سَبَقَ
فِي الْحُرِّ الْأَصْلِيِّ (وَإِنْ كَانَ) الزَّانِي (نِصْفُهُ حُرًّا) وَنِصْفُهُ رَقِيقًا (فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) جَلْدَةً لِأَنَّ أَرْش جِرَاحِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ وَالنِّصْفِ مِنْ الْعَبْد فَكَذَا جَلْدُهُ (وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ) لِأَنَّ الْحُرَّ تَغْرِيبُهُ عَامٌ وَالْعَبْدُ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ فَنِصْفُ الْوَاجِبِ مِنْ التَّغْرِيبِ نِصْفُ عَامٍ (مَحْسُوبًا) نِصْفَ الْعَامِ (عَلَى الْعَبْدِ مِنْ نَصِيبِهِ الْحُرِّ وَلِلسَّيِّدِ نِصْفُ عَامٍ بَدَلًا عَنْهُ) لِأَنَّ نَصِيبَ السَّيِّدِ لَا تَغْرِيبَ فِيهِ (وَمَا زَادَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ) عَلَى النِّصْفِ (أَوْ نَقَصَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ) مِنْ جَلْدٍ وَتَغْرِيبٍ وَلَوْ قَالَ كَالْفَرْعِ وَغَيْرِهِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ بِالْحِسَابِ لَكَانَ أَوْلَى.
(فَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْجَلَدَاتِ (كَسْرٌ مِثْل أَنْ يَكُونَ ثُلُثه حُرًّا فَيَلْزَمهُ سِتٌّ وَسِتُّونَ جَلْدَةٍ وَثُلُثَا جَلْدَة فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْكَسْرُ) لِئَلَّا يَحْصُلَ الْعُدْوَانُ بِمُجَاوَزَةِ الْوَاجِبِ وَلَمْ تُجْعَلْ كَالْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ (وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ) لِحَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ) الزَّانِي أَوْ نَحْوِهِ (لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ لِلَّهِ فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ (وَإِذَا فَجَرَ رَجُلٌ بِأَمَةٍ ثُمَّ قَتَلَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِزِنَاهُ بِهَا (وَ) عَلَيْهِ (قِيمَتُهَا) لِسَيِّدِهَا لِإِتْلَافِهِ إيَّاهَا.
(وَحَدُّ اللِّوَاطِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ كَزَانٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ» وَلِأَنَّهُ فَرْجٌ مَقْصُودٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ فِيهِ الْحَدُّ كَفَرْجِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ وَإِلَّا جَلْدُ حُرٍّ مِائَةً وَغُرِّبَ عَامًا وَقِنٍّ خَمْسِينَ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ) اللِّوَاطُ (فِي مَمْلُوكِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ) لِأَنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُهُ لَهُ (أَوْ) فِي دُبُرِ (أَجْنَبِيَّةٍ) لِأَنَّهُ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ كَالْقُبُلِ (فَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ) فِي دُبُرهَا (أَوْ) وَطِئَ (مَمْلُوكَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَهُوَ مُحَرَّمٌ) لِمَا سَبَقَ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ (وَلَا حَدَّ فِيهِ) لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَحَدُّ زَانٍ بِذَاتِ مَحْرَمٍ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (كَ) حَدِّ (لَائِطٍ) عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَخَبَرُ الْبَرَاءِ " يُقْتَلُ وَيُؤْخَذُ مَالُهُ إلَّا رَجُلًا يَرَاهُ مُبَاحًا " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَحْمُولٌ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَحِلِّ
كَزَانٍ.
(وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً وَلَوْ سَمَكَةً عُزِّرَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحُّ فِيهِ نَصٌّ وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى اللِّوَاطِ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَالنُّفُوسُ تَعَافُهُ (وَيُبَالَغُ فِي تَعْزِيرِهِ) لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ لَهُ فِيهِ كَوَطْءِ الْمَيِّتَةِ (وَقُتِلَتْ الْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) وَسَوَاءٌ كَانَتْ (مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ " (فَإِنْ كَانَتْ) الْبَهِيمَةُ الْمَأْتِيَّةُ (مِلْكَهُ) أَيْ الْآتِي لَهَا (فَ) هِيَ (هَدْرٌ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضْمَنُ مَالَ نَفْسِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْبَهِيمَةُ (لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا) لِرَبِّهَا لِأَنَّهَا أُتْلِفَتْ بِسَبَبِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهَا (وَيَحْرُمُ أَكْلُهَا) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهَا وَجَبَ قَتْلُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمَقْتُولَاتِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَيَثْبُتُ ذَلِكَ) أَيْ إتْيَانُهُ لِلْبَهِيمَةِ (بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فِعْلِهِ بِهَا) سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ كَسَائِرِ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (أَوْ إقْرَارِهِ وَيَأْتِي وَلَوْ مَرَّةً إنْ كَانَتْ) الْمَأْتِيَّةُ (مِلْكَهُ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤَاخَذُ بِهِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الْبَهِيمَةُ الْمَأْتِيَّةُ (مِلْكَهُ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا بِإِقْرَارِهِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِ مَالِكهَا (وَلَوْ مَكَّنَتْ امْرَأَةٌ قِرْدًا مِنْ نَفْسهَا حَتَّى وَطِئَهَا فَعَلَيْهَا مَا عَلَى وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ) أَيْ فَتُعَزَّرُ بَلِيغًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تُقْتَلُ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ الْحَدَّ لِلزِّنَا إلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ]
(فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ الْحَدَّ) لِلزِّنَا (إلَّا بِشُرُوطٍ) أَرْبَعَةٍ (أَحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِي فَرْج أَصْلِيٍّ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ وَأَقَلُّهُ) أَيْ الْوَطْءُ (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ مِنْ فَحْلٍ أَوْ خَصِيٍّ أَوْ قَدْرِهَا عِنْدَ عَدَمِهَا) لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ، بَعْدَ كَلَامٍ نَقَلَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْي الْغُسْلِ الْحَدُّ وَأَوْلَى انْتَهَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ غَيَّبَهُ بِحَائِلٍ.
(فَإِنْ وَطِئَ) الزَّانِي (دُونَ الْفَرْجِ) فَلَا حَدَّ (أَوْ تَسَاحَقَتْ امْرَأَتَانِ) فَلَا حَدَّ لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ (أَوْ جَامَعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ بِذَكَرِهِ) وَلَوْ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ
فَلَا حَدَّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى (أَوْ جُومِعَ) الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ (فِي قُبُلِهِ) وَلَوْ بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ (فَلَا حَدَّ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ الْوَاطِئِ دُونَ الْفَرْجِ وَالْمَوْطُوءَةِ كَذَلِكَ والمُتساحِقتَيْنِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إذَا جَامَعَ أَوْ جُومِعَ فِي قُبُلِهِ (التَّعْزِيرُ) لِارْتِكَابِهِمْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ جُومِعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي دُبُرِهِ فَلِوَاطٌ.
(وَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ يُقَبِّلُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمُوجِبِهِ (وَعَلَيْهِمَا التَّعْزِيرُ) لِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ (وَإِنْ قَالَا: نَحْنُ زَوْجَانِ وَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُمَا) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ (وَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا فَقَالَا: نَحْنُ زَوْجَانِ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِالنِّكَاحِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا تَنْفِي كَوْنَهُمَا زَوْجَيْنِ فَلَا تَبْطُل بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمَا وَقِيلَ: لَا، إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ كَمَا لَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ فَادَّعَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكَهُ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُبْدِعِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُكَلَّفًا فَلَا حَدَّ عَلَى صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) وَنَائِمٍ وَنَائِمَةٍ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ زَنَى ابْنُ عَشْرٍ أَوْ بِنْتُ تِسْع عُزِّرَا) قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَقَالَ فِي الْمُبْدِع: يُعَزَّر غَيْرُ الْبَالِغُ مِنْهُمَا انْتَهَى وَذَلِكَ كَضَرْبِهِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ (وَحُدَّ السَّكْرَانُ إذَا زَنَا) فِي سُكْرِهِ (أَوْ أَقَرَّ بِهِ) أَيْ الزِّنَا (فِي سُكْرِهِ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ) فَلَا حَدَّ سَوَاءٌ (وَطِئَهَا الِابْنُ أَوْ لَا) لِأَنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (أَوْ) وَطِئَ (جَارِيَةً لَهُ) فِيهَا شِرْكٌ (أَوْ لِوَلَدِهِ) فِيهَا شِرْكٌ (أَوْ لِمُكَاتَبِهِ فِيهَا شِرْكٌ) فَلَا حَدَّ لِأَنَّهُ فَرْجٌ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ أَشْبَهَ الْمُكَاتَبَةَ وَالْمَرْهُونَةَ (أَوْ) وَطِئَ (أَمَةً كُلَّهَا) لِبَيْتِ الْمَالِ (أَوْ بَعْضَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ) فَلَا حَدَّ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(أَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ دُبُرٍ) فَلَا حَدَّ لِأَنَّ الْوَطْءَ قَدْ صَادَفَ مِلْكًا (أَوْ) وَطِئَ (امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ) امْرَأَةً (فِي مَنْزِلِهِ) ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ (أَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُقَلْ لَهُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ) فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ (أَوْ) وَطِئَ امْرَأَةً (ظَنَّ أَنَّ لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ) أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ (فِيهَا شِرْكًا) فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ (أَوْ دَعَا الضَّرِيرُ امْرَأَتَهُ فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا) فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا يَظُنُّهَا الْمَدْعُوَّةَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَدْعُوَّةُ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةٌ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ لَمْ
يَكُنْ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهَذَا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا يَظُنُّهُ ابْنَهُ فَبَانَ أَجْنَبِيًّا.
(أَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَجُوسِيَّةَ) أَوْ الْوَثَنِيَّةَ (أَوْ الْمُرْتَدَّةَ أَوْ الْمُعْتَدَّةَ أَوْ الْمُزَوَّجَةَ أَوْ فِي مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا) فَلَا حَدَّ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ (أَوْ) وَطِئَ (فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ أَوْ) فِي (مِلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ كَنِكَاحِ مُتْعَةٍ وَ) نِكَاحٍ (بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ وَالْمُحَلَّلِ وَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا) وَنَحْوِهَا (الْبَائِنِ وَ) نِكَاحِ (خَامِسَةٍ فِي عِدَّةِ رَابِعَةٍ بَائِنٍ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ وَعَقْدِ الْفُضُولِيّ وَلَوْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ) سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ لَا هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا النِّكَاحِ.
(وَ) كَوَطْءٍ فِي (شِرَاءٍ فَاسِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ (وَلَوْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ فَلَا حَدَّ) لِأَنَّ الْوَطْءَ فِيهِ شُبْهَةٌ أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَيُحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ.
(وَتَقَدَّمَ وَطْءُ بَائِعٍ فِي مُدَّةِ خِيَارٍ) إذَا كَانَ (يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ) وَأَنَّهُ يُحَدُّ إذَا عُلِمَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (وَإِنْ جَهِلَ) الزَّانِي (تَحْرِيمَ الزِّنَا لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأْتِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ) جَهِلَ (تَحْرِيمَ نِكَاحٍ بَاطِلٍ إجْمَاعًا) كَخَامِسَةٍ (فَلَا حَدَّ) لِلْعُذْرِ وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا (وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِجَهْلِ الْعُقُوبَةِ إذَا عُلِمَ التَّحْرِيمُ لِقَضِيَّةِ مَاعِزٍ) فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَمَرَ بِرَجْمِهِ " وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَالَ فِي أَثْنَاءِ رَجْمِهِ «رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ قَوْمِي غَرُّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ قَاتِلِي - الْحَدِيثَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَإِنْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا أَوْ) أُكْرِهَ (الْمَفْعُولُ بِهِ لِوَاطًا قَهْرًا أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْمَنْعِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ اضْطِرَارًا إلَيْهِ وَنَحْوِهِ) كَالدِّفْءِ فِي الشِّتَاءِ وَلَيَالِيهِ الْبَارِدَةِ (فَلَا حَدَّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ) أَيْ الزِّنَا (الرَّجُلُ فَزَنَى) مُكْرَهًا (حُدَّ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِانْتِشَارِ الْحَادِث بِالِاخْتِيَارِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ (وَعَنْهُ لَا) حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ كَالْمَرْأَةِ (وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ، وَلِعُمُومِ الْخَبَرِ وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ شُبْهَةٌ وَكَمَا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إيلَاجِ ذَكَرِهِ بِإِصْبَعِهِ) فَفَعَلَ (مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ) فَلَا حَدَّ (أَوْ بَاشَرَ الْمُكْرَهَ الْمُكْرِهُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (أَوْ) بَاشَرَ (مَأْمُورُهُ ذَلِكَ) أَيْ إيلَاجَ الذَّكَرِ بِالْأُصْبُعِ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ يُنْسَبُ إلَيْهِ.
(وَإنْ وَطِئَ مَيِّتَةً) عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ.
(أَوْ مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ) وَنَحْوَهُمَا مِنْ مَحَارِمِهِ (مِنْ الرَّضَاعِ فَوَطِئَهَا عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَشْبَهَتْ مُكَاتَبَتَهُ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ وَالْحَدُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ (وَإِنْ اشْتَرَى ذَاتَ مَحْرَمِهِ مِنْ النَّسَب مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ (وَوَطِئَهَا) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا فَلَا تُوجَدُ الشُّبْهَةُ (أَوْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ مَعَ الْعِلْمِ) بِبُطْلَانِهِ (كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ) أَوْ نِكَاحِ (الْمُعْتَدَّةِ وَنِكَاحِ) (مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا وَ) نِكَاحِ (الْخَامِسَةِ وَذَوَاتِ مَحَارِمه مِنْ النَّسَب وَالرَّضَاعِ) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ فَأَوْجَبَ الْحَدَّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتهَا فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمَا؟ قَالَا: لَا فَقَالَ لَوْ عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا " رَوَاهُ أَبُو النَّصْر الْمَرُّوذِيُّ.
(أَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَيْسَ سَبَبًا لِيُسْتَبَاحَ بِهِ الْبُضْعُ (أَوْ نَكَحَ بِنْتَه مِنْ الزِّنَا) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ (نَصًّا وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى إنْ لَمْ يَبْلُغهُ الْخِلَافُ) وَهُوَ كَوْنُ الشَّافِعِيِّ أَبَاحَهُ (فَيُحْمَلُ إذَنْ عَلَى مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ) أَيْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْبِنْتِ وَنَحْوِهَا وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِلَافُ وَيُحْمَلُ حَمْلُهُ عَلَى مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ انْتَهَى قُلْتُ: وَذَلِكَ لَا يَكْفِي لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ لَا (أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَا أَوْ) اسْتَأْجَرَهَا (لِغَيْرِهِ) أَيْ الزِّنَا كَالْخِيَاطَةِ (فَزَنَى بِهَا) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِجَارَةِ (أَوْ) زَنَى (بِامْرَأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا قِصَاصٌ) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْر مِلْكٍ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ.
(أَوْ) زَنَى (بِصَغِيرَةٍ يُوطَأُ مِثْلُهَا أَوْ مَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْوَاطِئ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَدِّ (أَوْ) زَنَى (بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ) زَنَى (بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالْمِلْكَ وُجِدَ بِغَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ مَلَكَهُ (وَإِنْ مَكَّنَتْ الْمُكَلَّفَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ مُمَيِّزًا أَوْ مَنْ لَا يُحَدُّ لِجَهْلِهِ) التَّحْرِيمَ (أَوْ مَكَّنَتْ) مُكَلَّفَةٌ (حَرْبِيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ أَدْخَلَتْ) مُكَلَّفَةٌ (ذَكَرَ نَائِمٍ) فِي فَرْجِهَا (فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَحْدَهَا) لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ أَحَدِ الْمُتَوَاطِئَيْنِ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْ الْآخَرِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: ثُبُوتُ الزِّنَا وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ) (أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ)
لِأَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَالْغَامِدِيَّةُ أَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَتَى رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: إنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ أُحْصِنْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهُوَ مُكَلَّفٌ) حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ لَا (مُخْتَارًا) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَفْوِ لِلْمُكْرَهِ.
(وَيُصَرِّحُ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ) لِتَزُولَ التُّهْمَةُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَاعِزٍ «لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْتَ؟ قَالَ: لَا: قَالَ: أَفَنِكْتَهَا لَا يُكَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَا يَنْزِعُ) أَيْ يَرْجِعُ (عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ) فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ أَوْ هَرَبَ كُفَّ عَنْهُ لِقِصَّةِ مَاعِزٍ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَكَذَّبَتْهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) مُؤَاخَذَةً بِإِقْرَارِهِ (دُونَهَا كَمَا لَوْ سَكَتَتْ أَوْ لَمْ تُسْأَلْ) عَنْ ذَلِكَ (وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلَا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ) أَوْ إغْمَاءٍ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (وَيُحَدُّ الْأَخْرَسُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ) وَأَقَرَّ بِهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ إقْرَارٌ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ امْرَأَةٍ وَادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الزَّوْجِيَّةَ وَلَمْ تُقِرَّ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِلشُّبْهَةِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَلَا مَهْرَ لَهَا) لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ وَلَمْ تُقِرَّ بِالْوَطْءِ (وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِوَطْئِهِ وَأَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً فَلَا مَهْرَ) لِاعْتِرَافِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ (وَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَمَّا الْوَاطِئُ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ فَلِأَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً (إلَّا أَنْ تُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) فَتُحَدَّ مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا (وَإِنْ أَقَرَّتْ) الْمَوْطُوءَةُ (أَنَّهُ أَكْرَههَا عَلَيْهِ) أَيْ الْوَطْءِ (أَوْ) أَنَّهُ (اشْتَبَهَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) مَا نَالَ مِنْ فَرْجهَا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا (وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ) أَيْ الزَّانِي (أَرْبَعًا بِالزِّنَا ثَبَتَ الزِّنَا) لِوُجُودِ الْإِقْرَارِ بِهِ أَرْبَعًا.
(وَلَا يَثْبُتُ) الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا (بِدُونِ أَرْبَعَةٍ) يَشْهَدُونَ بِهِ مِنْ الرِّجَالِ (فَإِنْ أَنْكَرَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ (أَوْ صَدَّقَهُمْ دُونَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ إنْكَارَهُ وَتَصْدِيقَهُ دُونَ أَرْبَعٍ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارِهِ وَهُوَ مَقْبُولٌ مِنْهُ (وَلَا) حَدَّ (عَلَى الشُّهُودِ) لِأَنَّهُمْ نِصَابٌ كَامِلٌ (وَلَوْ تَمَّتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ) بِالزِّنَا (وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارًا تَامًّا) أَيْ أَرْبَعًا (ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ) لِثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ التَّامَّةِ.
[فَصْلٌ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَيْ الزِّنَا وَلَوْ ذِمِّيًّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مُسْلِمِينَ عُدُولٌ]
(فَصْلٌ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ) أَيْ الزِّنَا (وَلَوْ ذِمِّيًّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مُسْلِمِينَ عُدُولٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ وَلِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ «أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ» رَوَاهُ مَالِكٌ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا فَاسِقٍ وَلَوْ مَسْتُورًا (أَحْرَارًا كَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (أَوْ عَبِيدًا) لِعُمُومِ النَّصِّ وَهُوَ عَدْلٌ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ فَقُبِلَ كَالْحُرِّ (يَصِفُونَ الزِّنَا) فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَشْهَدُوا (بِزِنَا وَاحِدٍ) يَصِفُونَهُ.
(فَيَقُولُونَ رَأَيْنَاهُ مُغَيِّبًا ذَكَرَهُ) فِي فَرْجِهَا (أَوْ) غَيَّبَ (حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا) إنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا (فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ أَوْ الرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ) لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ التَّصْرِيحُ فِي الْإِقْرَارِ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْلَى (وَيَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى ذَلِكَ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّانِيَيْنِ (لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا) لِيَحْصُلَ الرَّدْعُ بِالْحَدِّ (وَلَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ مَكَانِ الزِّنَا) عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ.
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَلَا ذِكْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى رَجُلٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُهُ الْمَزْنِيَّ بِهَا وَلَا مَكَانَ الزِّنَا وَقَطَعَ فِي الْمُنْتَهَى فِي الشَّهَادَاتِ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذِكْرهُمَا (وَلَا ذِكْرُ الزَّانِي إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ) كَعَكْسِهِ (وَيَكْفِي إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالزِّنَا (وَالتَّشْبِيهِ) بِالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ تَأْكِيدٌ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجِيءَ الْأَرْبَعَةُ) لِلشَّهَادَةِ (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمَعِينَ) لِقِصَّةٍ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّهُمْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ وَسُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنَّمَا حُدُّوا لِعَدَمِ كَمَالِهَا وَذَلِكَ " أَنَّ عُمَرَ شَهِدَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعٌ وَشِبْلُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ فَحُدَّ الثَّلَاثَةُ " وَلَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ غَيْرُ مُشْتَرِطٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحِدَّهُمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكْمُلُوا بِرَابِعٍ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ (وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُمْ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ لِكَمَالِ النِّصَابِ (فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ) فَهُمْ قَذَفَةٌ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا صَحِيحَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ
لَمْ يَشْهَدْ أَصْلًا وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ (أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ) مِنْ الشَّهَادَةِ (أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا فَهُمْ قَذَفَةٌ وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] وَهَذَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَهُ أَرْبَعَةٌ وَلِأَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ حَيْثُ لَمْ يُكْمِلْ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ بِمَحْضَرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (فُسَّاقًا) أَوْ بَعْضُهُمْ (أَوْ) كَانُوا (عُمْيَانًا أَوْ بَعْضُهُمْ فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ) لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ وَكَذَا لَوْ كَانُوا كُفَّارًا وَلَوْ عَلَى ذِمِّيٍّ (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مَسْتُورُونَ وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ) لَمْ يَثْبُتْ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا فُسَّاقًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ الْعَدَالَةِ.
(أَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ) الشَّاهِدِينَ بِالزِّنَا (قَبْلَ وَصْفِ الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهِ أَرْبَعَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ مَسْتُورِينَ (فَإِنْ شَهِدَ) بِالزِّنَا (ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ حُدَّ الْجَمِيعُ) لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ سَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ مَسْتُورِينَ لِلْقَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ) الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا (زَوْجًا حُدَّ الثَّلَاثَةُ) لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ حَيْثُ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ عَلَيْهَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ وَلِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ مُقِرٌّ بِعَدَاوَتِهِ.
وَ (لَا) يُحَدُّ (الزَّوْجُ إنْ لَاعَنَ) الْمَقْذُوفَةَ وَإِلَّا حُدَّ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا لَا تُقْبَلُ فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهَا (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ) عَلَى إنْسَانِ بِالزِّنَا (فَإِذَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَجْبُوبُ أَوْ) الْمَرْأَةُ (رَتْقَاءَ حُدُّوا) أَيْ الشُّهُودُ (لِلْقَذْفِ) لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهِمْ (وَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ بِالزِّنَا (فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا عَذْرَاءُ لَمْ تُحَدَّ هِيَ) لِثُبُوتِ بَكَارَتِهَا وَوُجُودُهَا يَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا ظَاهِرًا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَحْصُل بِدُونِ الْإِيلَاجِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ (وَلَا) يُحَدُّ (الرَّجُلُ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا بِهَا لِلشُّبْهَةِ (وَلَا) يُحَدُّ (الشُّهُودُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمُلَتْ مَعَ احْتِمَالِ صِدْقِهِمْ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا (وَتَكْفِي شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِعُذْرَتِهَا) كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ يَوْمٍ وَ) شَهِدَ (اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ) آخَرَ (أَوْ بَلَدٍ) آخَرَ (أَوْ يَوْمٍ آخَرَ) فَهُمْ قَذَفَةٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًا وَاحِدٍ وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ (أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ وَ) شَهِدَ (اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَوْدَاءَ فَهُمْ قَذَفَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًا وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةً عَلَى زِنًا وَاحِدٍ (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ صَغِيرٍ عُرْفًا وَ) شَهِدَ (اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَتِهِ الْأُخْرَى)
كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ (أَوْ) شَهِدَ (اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ أَوْ) أَنَّهُ زَنَى بِهَا (قَائِمَةً وَ) شَهِدَ (اثْنَانِ) أَنَّهُ زَنَى بِهَا (فِي) قَمِيصٍ (أَحْمَرَ أَوْ نَائِمَةً كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ) لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي زَاوِيَةٍ وَتَمَامِهِ فِي أُخْرَى أَوْ يَكُونَ عَلَيْهَا قَمِيصَانِ فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ تَكُونَ قَائِمَةً فِي الِانْتِهَاءِ نَائِمَةً فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصِ كَتَّانٍ وَآخَرَانِ فِي قَمِيصٍ خَزٍّ.
(وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ كَبِيرًا وَالزَّاوِيَتَانِ مُتَبَاعِدَتَانِ) وَعَيَّنَ كُلُّ اثْنَيْنِ زَاوِيَةً مِنْهُمَا (فَهُمْ قَذَفَةٌ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًا وَاحِدٍ وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ (وَالْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ كَالْقَوْلِ فِي الْمَكَانِ) إذَا عَيَّنَ كُلُّ اثْنَيْنِ زَمَانًا (مَتَى كَانَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ مُتَبَاعِدٌ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِهِ كَطَرَفَيْ النَّهَارِ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ تَقَارَبَا قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُ زَمَنٌ وَاحِدٌ.
(وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ اثْنَانِ (أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً وَ) شَهِدَ (آخَرَانِ) أَنَّهُ زَنَى بِهَا (مُكْرَهَة لَمْ تَكْمُلْ) شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُطَاوِعَةِ غَيْرَ فِعْلِ الْمُكْرَهَةِ (وَحُدَّ شَاهِدِ الْمُطَاوِعَةِ لِقَذْفِ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهُمَا قَذَفَاهَا بِالزِّنَا (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ) بِالزِّنَا (فَرَجَعُوا) كُلُّهُمْ (أَوْ) رَجَعَ (بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْحَدِّ) وَلَوْ بَعْدَ حُكْمِ حَدِّ الْأَرْبَعَةِ (لِلْقَذْفِ) وَ (حُدَّ الْأَرْبَعَةُ) لِقَذْفِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُمْ قَذَفُوهُ بِالزِّنَا.
(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْأَرْبَعَةُ (بَعْدَ الْحَدِّ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا (حُدَّ) الرَّاجِعُ (وَحْدَهُ) لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يُنْقَضُ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْضِهِمْ لَكِنْ يَلْزَمُ مَنْ رَجَعَ حُكْمُ رُجُوعِهِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْقَذْفِ فَيَلْزَمُهُ حَدُّهُ إذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا وَطَالَبَهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ (إنَّهُ وَرِثَ حَدَّ الْقَذْفِ) فَيُحَدُّ بِطَلَبِ الْوَرَثَةِ وَإِنْ رَجَعَ الْأَرْبَعَةَ أَوْ بَعْضُهُمْ قَبْلَ حَدِّ مَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ حُكْمٍ حُدَّ الْجَمِيعُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ (رُبْعُ مَا تَلِفَ بِشَهَادَتِهِ) لِتَسَبُّبِهِ فِي تَلَفِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) مُفَصَّلًا.
(وَإِذَا ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا فَصَدَّقَهُمْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزِّنَا وَلَوْ دُونَ أَرْبَعٍ (لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِكَمَالِ الْبَيِّنَةِ (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ) بِالزِّنَا (وَاعْتَرَفَ هُوَ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (مَرَّتَيْنِ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ) لِعَدَمِ تَمَامِ النِّصَابِ وَلَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ أَرْبَعًا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ (وَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ) عَلَى الْبَيِّنَةِ لِتَصْدِيقِهِ لَهَا (فَإِنْ كَمُلَتْ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا جَازَ الْحُكْمُ بِهَا) أَيْ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَازَ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ حُضُورِ الشُّهُودِ جَازَ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ غِيبَتِهِمْ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَاحْتِمَالِ رُجُوعِهِمْ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ كَمَا لَوْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ.
(وَ) جَازَ (إقَامَةُ الْحَدِّ) عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِتَمَامِ النِّصَابِ
(وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنًا قَدِيمٍ أَوْ أَقَرَّ) الزَّانِي (بِهِ) أَيْ بِزِنًا قَدِيمٍ (وَجَبَ الْحَدُّ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَتَجُوز الشَّهَادَةُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقِصَّةِ أَبِي بَكْر (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ) عَلَى رَجُلٍ (أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الزُّنَاةُ) بِهَا (لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ تَضَمَّنَتْ جَرْحَ الْأَوَّلِينَ (وَيُحَدُّ الْأَوَّلُونَ لِلْقَذْفِ وَلِلزِّنَا) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا (وَكُلُّ زِنًا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْجَبَ الْحَدَّ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] .
(وَيَدْخُلُ فِيهِ اللِّوَاطُ) لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنَا (وَيَدْخُل فِيهِ) أَيْضًا (وَطْءُ الْمَرْأَةِ) الْأَجْنَبِيَّةِ (فِي دُبُرِهَا) لِأَنَّهُ زِنًا وَإِنْ أَوْجَبَ نَقْضَ الْعَهْدِ كَزِنَا الذِّمِّيِّ بِمُسْلِمَةٍ فَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ فِيهِ (وَإِنْ أَوْجَبَ التَّعْزِيرَ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَ) وَطْءِ (الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَ) أَمَتُهُ (الْمُزَوَّجَةِ قُبِلَ فِيهِ رَجُلَانِ كَشُهُودِ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَنَحْوِهَا) مِمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (وَإِنْ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ زِنًا.
(وَتُسْأَلُ اسْتِحْبَابًا فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ) عَلَى الزِّنَا (أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزِّنَا) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (لَمْ تُحَدَّ) لِإِمْكَانِ صِدْقِهَا وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ التَّعْرِيضَ لِلْمُقِرِّ بِالرُّجُوعِ إذَا تَمَّ) الْإِقْرَارُ.
(وَ) التَّعْرِيضُ لَهُ (بِالْوُقُوفِ) أَيْ التَّوَقُّفُ عَنْ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَتِمَّ الْإِقْرَارُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ مَاعِزٍ حِين أَقَرَّ عِنْدَهُ ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى تَمَّ إقْرَارُهُ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّك قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ " مَا أُخَالَك فَعَلْتَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ بِالرُّجُوعِ) عَنْ الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ (أَوْ) يَعْرِضُوا لَهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ (بِأَنْ لَا يُقِرَّ) لِأَنَّ سَتْرَ نَفْسِهِ أَوْلَى (وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْإِقْرَارِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ انْتَهَى.
[بَابُ الْقَذْفِ]
(بَابُ الْقَذْفِ وَهُوَ الرَّمْيُ بِزِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ شَهَادَةٍ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ (عَلَيْهِ وَلَمْ تَكْمُل الْبَيِّنَةُ) بِذَلِكَ (وَهُوَ) مُحَرَّمٌ بَلْ (كَبِيرَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مَنْ قَذَفَ وَلَوْ) كَانَ الْقَاذِفُ (أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ) .
أَيْ الْقَاذِفُ (مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ مُحْصَنٌ وَلَوْ) كَانَ الْمَقْذُوفُ (ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ مَرِيضًا مُدْنِفًا) أَيْ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ (أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ حُدَّ حَرٌّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] .
(وَ) حَدُّ (قِنٍّ وَلَوْ عَتَقَ) بَعْدَ الْقَذْفِ (قَبْلَ حَدِّهِ أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ " أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَالْخُلَفَاءَ وَهَلُمَّ جَرًّا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ " رَوَاهُ مَالِكٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِلْآيَةِ.
(وَ) حَدُّ (مُعْتَقِ بَعْضُهُ بِحِسَابِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الزِّنَا (سِوَى أَبَوَيْهِ) أَيْ الْمَقْذُوفُ (وَإِنْ عَلَوْا فَلَا يُحَدَّانِ بِقَذْفِ وَلَدٍ وَإِنْ نَزَلَ) نُصَّ عَلَيْهِ (كَقَوَدٍ وَلَا يُحَدَّانِ) أَيْ الْأَبَوَانِ (لَهُ) لِوَلَدِهِمَا وَإِنْ نَزَلَ فِي قَذْفِ وَلَا غَيْرِهِ، فَلَا يَرِثُ الْوَلَدُ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى أَبَوَيْهِ كَمَا لَا يَرِثُ الْقَوَدَ عَلَيْهِمَا (فَإِنْ قَذَفَ أُمَّ ابْنِهِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ) أَيْ الْقَاذِفُ أَيْ غَيْرُ زَوْجَةٍ لَهُ (فَمَاتَتْ) الْمَقْذُوفَةُ (قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ لَمْ يَكُنْ لِابْنِهِ الْمُطَالَبَةُ) بِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ بِقَذْفِهِ لِنَفْسِهِ فَلِغَيْرِهِ أَوْلَى وَكَالْقَوَدِ (فَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ الْمَقْذُوفَةَ (ابْنٌ آخَرَ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْقَاذِفِ (كَانَ لَهُ) أَيْ ابْنِهَا الْآخَرِ، (اسْتِيفَاؤُهُ فَلَهُ إذَا مَاتَتْ بَعْدُ الْمُطَالَبَةُ) لِتَبَعُّضِهِ بِخِلَافِ الْقَوَدِ.
(وَيُحَدُّ الِابْنُ بِقَذْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَإِنْ عَلَوْا) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَكَمَا يُقَادُ بِهِمْ (وَيُحَدُّ) الْقَاذِفُ (بِقَذْفٍ عَلَى وَجْهِ الْغَيْرَةِ) بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَيْ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَكَأَجْنَبِيٍّ.
(وَيُشْتَرَطُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ) بِالْقَذْفِ (مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ) لِلْقَاذِفِ (وَاسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ بِأَنْ لَا يَعْفُو) فَلَا يُحَدُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ إلَّا بِطَلَبِهِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إجْمَاعًا.
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (أَنْ لَا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ) أَيْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ (مَا قَذَفَهُ بِهِ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] .
(وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ الْمَقْذُوفُ) فَإِنْ صَدَّقَهُ لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ أَبْلَغَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
(وَ) يُشْتَرَط أَيْضًا (أَنْ لَا يُلَاعِنَ الْقَاذِفُ) الْمَقْذُوفَ (إنْ كَانَ) الْقَاذِفُ (زَوْجًا) فَإِنْ لَاعَنَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ (وَهُوَ) أَيْ حَدُّ الْقَذْفِ (حَقٌّ لِآدَمِيٍّ) يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ) الْمُنْكِرُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْقَذْفِ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ) أَيْ الْمُقِرِّ بِالْقَذْفِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقَذْفِ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ إذَا أَقَرَّ بِهَا بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَيَسْقُطُ) حَدُّ الْقَذْفِ بِالْعَفْوِ (عَنْ بَعْضِهِ) فَلَوْ قُذِفَ جَمَاعَةٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَفَا بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ وَيُسْتَوْفَى لَهُ كَامِلًا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ (وَإِنْ قَالَ، اقْذِفْنِي عُزِّرَ الْقَاذِفُ فَقَطْ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً وَلَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ (وَلَيْسَ لِلْمَقْذُوفِ اسْتِيفَاءُ بِنَفْسِهِ) فَلَوْ فَعَلَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَدَّ (وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ كَمُشْرِكٍ وَذِمِّيٍّ وَقِنٍّ وَلَوْ كَانَ الْقَاذِفُ سَيِّدَهُ وَمُسْلِمٍ لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ وَمُسْلِمَةٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ وَمَنْ لَيْسَ بِعَفِيفٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَقَطْ) رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ وَكَفَالَةً عَنْ أَذَاهُمْ (وَحَقُّ طَلَبِ تَعْزِيرِ الْقِنِّ إذَا قُذِفَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ (لَا لِسَيِّدِهِ) فَلَا يُطَالَبُ بِهِ سَيِّدُهُ.
(وَالْمُحْصَنُ هُنَا) أَيْ فِي الْقَذْفِ غَيْرُ الْمُحْصَنِ فِي بَابِ الزِّنَا (وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَبِنْتُ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ (الْعَفِيفُ عَنْ الزِّنَا ظَاهِرًا) أَمَّا اعْتِبَارُ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْكَافِرَ حُرِّيَّتُهُمَا لَا تَنْهَضُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَرَدَتْ فِي الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُعَيَّرُ بِالزِّنَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَغَيْرُ الْعَاقِلِ لَا يَلْحَقُهُ شَيْنٌ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَأَمَّا الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا فَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَفِيفِ لَا يُشِينُهُ الْقَذْفُ وَالْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ لِأَجَلِ ذَلِكَ وَقَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ الْحَدَّ عَنْ الْقَاذِفِ إذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ وَأَمَّا كَوْنه يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَلِأَنَّ مَنْ دُونَهُ لَا يُعَيَّرُ بِالْقَذْفِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِ الْقَاذِفِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُحْصَنِ الْعَدَالَةَ فَلَوْ كَانَ فَاسِقًا لِشُرْبِهِ الْخَمْر أَوْ الْبِدْعَةَ وَلَمْ يُعْرَفْ بِالزِّنَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ (وَلَوْ تَائِبًا مِنْ زِنًا) فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا (أَوْ) كَانَ الْمَقْذُوفُ (مُلَاعِنَةً) فَيُحَدُّ قَاذِفُهَا كَغَيْرِهَا (وَوَلَدُهَا) أَيْ الْمُلَاعِنَةُ (وَوَلَدُ زِنًا كَغَيْرِهِمَا فَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَهُمَا) إذَا كَانَا مُحْصَنَيْنِ كَغَيْرِهِمَا.
(وَمَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ وَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا (أَوْ) ثَبَتَ زِنَاهُ (مِنْ غَيْرِهِمَا بِبَيِّنَةٍ) أَوْ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ لِلْآيَةِ (أَوْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِزِنَاهُ (شَاهِدَانِ) فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] (أَوْ أَقَرَّ) الْمَقْذُوفَ (بِهِ) أَيْ بِالزِّنَا (وَلَوْ دُونَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ) فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ (أَوْ حُدَّ لِلزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفَةِ) لِعَدَمِ إحْصَانِهِ (وَيُعَزَّرُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ قَالَ لِمَنْ زَنَى فِي شِرْكِهِ أَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِذَاتِ مَحْرَمٍ) كَأُخْتِهِ (بَعْد أَنْ أَسْلَمَ يَا زَانِي فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِالزِّنَا فِي شِرْكِهِ أَوْ بِتَزَوُّجِهِ بِذَاتِ مَحْرَمِهِ لِأَنَّهُ صَادِقُ (وَيُعَزَّرُ) لِإِيذَائِهِ لَهُ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَقْذُوفِ الْبُلُوغَ بَلْ) أَنْ (يَكُونَ مِثْلُهُ يَطَأُ أَوْ يُوطَأَ كَابْنِ عَشْرٍ) فَأَكْثَرَ (وَابْنَةِ تِسْعٍ) فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُمَا الشَّيْنُ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إلَيْهِمَا وَيُعَيَّرَانِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا جُعِلَ عَيْبًا فِي الرَّقِيقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَر سَلَامَتُهُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ (وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَاذِفِ ابْن عَشْرٍ وَنَحْوِهِ (الْحَدُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَقْذُوفُ وَيُطَالِبَ بِهِ) أَيْ الْحَدُّ (بَعْدَ بُلُوغِهِ) لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ) أَيْ وَلِيِّ غَيْرِ الْبَالِغِ (الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ) بِالْحَدِّ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ التَّشَفِّي (وَكَذَا لَوْ جُنَّ الْمَقْذُوفُ) قَبْلَ الطَّلَبِ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَبِ) بِالْحَدِّ لَمْ يُقَمْ عَلَى الْقَاذِفِ حَتَّى يُفِيقَ الْمَقْذُوفُ وَيُطَالِبُهُ وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ لِمَا سَلَفَ.
(وَإِنْ كَانَ) جُنُونُهُ أَوْ إغْمَاؤُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الطَّلَبِ، (أُقِيمَ) الْحَدُّ فِي الْحَالِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ (كَمَا لَوْ وُكِّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ثُمَّ جُنَّ) مُسْتَحَقُّهُ جُنُونًا غَيْرَ مُطْبَقٍ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وَكِيلَهُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الْجُنُونُ مُطْبَقًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ.
(وَإِنْ قَذَفَ غَائِبًا اُعْتُبِرَ قُدُومُهُ وَطَلَبَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ أَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالَبَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَيُحَدُّ) الْقَاذِفُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الطَّلَبُ.
(وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ مَجْنُونًا أَوْ مُبَرْسَمًا أَوْ نَائِمًا أَوْ صَغِيرًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ (بِخِلَافِ السَّكْرَانَ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) مُحْصَنَةٍ (زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعٍ لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ إنَّمَا وَجَبَ لِمَا يَلْحَقُ بِالْمَقْذُوفِ مِنْ الْعَارِ وَهُوَ مُنْتَفٍ لِلصِّغَرِ (وَيُعَزَّرُ) زَادَ فِي الْمُغْنِي إنْ رَآهُ الْإِمَامُ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحَدٍّ طُلِبَ لِأَنَّهُ تَأْدِيبٌ.
(وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ صَغِيرًا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ) أَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا فَقَالَ لَهُ زَنَيْتَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ وَفَسَّرَهُ بِمَا دُونَ الْعُشْرِ لِمَا مَرَّ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لِمُحْصَنَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ وَ (فَسَّرَهُ بِتِسْعٍ فَأَكْثَرَ مِنْ عُمْرِهَا) حُدَّ (أَوْ) قَالَ لِمُحْصَنٍ: زَنَيْتَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ وَفَسَّرَهُ (بِعَشْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ عُمْرِهِ حُدَّ) لِعَدَمِ اشْتِرَاط الْبُلُوغِ.
(وَإِنْ قَالَ الْقَاذِفُ لِلْمَقْذُوفِ كُنْتَ أَنْتَ صَغِيرًا حِين قَذَفْتُك فَقَالَ) الْمَقْذُوفُ (بَلْ) كُنْتَ (كَبِيرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرَ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْحَدِّ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ وَكَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ مُؤَرِّخَتَيْنِ تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُمَا قَذْفَانِ يُوجِبَانِ التَّعْزِيرَ وَالْحَدَّ) أَيْ الْقَذْفُ فِي الصِّغَرِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَالْقَذْفُ فِي الْكِبْرِ يُوجِبُ الْحَدَّ إعْمَالًا لِلْبَيِّنَتَيْنِ (وَإِنْ بَيَّنَتَا تَارِيخًا وَاحِدًا) فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: قَذَفَهُ فِي أَوَّلِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مَثَلًا (فَقَالَتْ إحْدَاهُمَا وَهُوَ صَغِيرٌ وَقَالَتْ الْأُخْرَى وَهُوَ كَبِيرٌ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا) لِتَعَارُضِهِمَا وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
(وَكَذَا لَوْ كَانَ تَارِيخُ بَيِّنَةِ الْمَقْذُوفِ) الشَّاهِدَةِ بِكِبَرِهِ (قَبْلَ تَارِيخِ بَيِّنَةِ الْقَاذِفِ) الشَّاهِدِ بِالصِّغَرِ فَتَعَارَضَتَا، وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الْقَاذِفِ: أَنَّ الْقَذْفَ كَانَ فِي صِغَرِ الْمَقْذُوفِ وَالْمُرَادُ بِالصِّغَرِ مَا دُونَ عَشْرٍ فِي الذَّكَرِ وَتِسْعٍ فِي الْأُنْثَى كَمَا يُعْلَم مِمَّا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ) أَوْ نَحْوُهَا (أَوْ أَمَةٌ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حُدَّ) لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ فِي وَصْفِهَا بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ) ذَلِكَ (وَأَمْكَنَ) أَنْ تَكُون كَذَلِكَ (حُدَّ أَيْضًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَكَذَا لَوْ قَذَفَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَادَّعَى رِقَّهَا وَأَنْكَرَتْهُ) فَيُحَدُّ وَكَذَا لَوْ قَذَفَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَادَّعَى رِقَّهُ وَأَنْكَرَهُ وَتَقَدَّمَ فِي اللَّقِيطِ (وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ) أَيْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ أَمَةً (لَمْ يُحَدَّ) لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ وَقْتَ الْقَذْفِ (وَإِنْ قَالَتْ أَرَدْتَ قَذْفِي الْحَالَ فَأَنْكَرَهُ لَمْ يُحَدُّ) وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إرَادَتِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (وَلَوْ قَالَ زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُشْرِكَةً فَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي بِالزِّنَا وَالشِّرْكِ فَقَالَ) الْقَاذِفُ.
(بَلْ أَرَدْتُ قَذْفَكِ بِالزِّنَا إذْ كُنْتِ مُشْرِكَةً فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي نِيَّتِهِ، وَلَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ (وَهَكَذَا إنْ قَالَ) لِحُرٍّ (زَنَيْتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ) فَقَالَ: أَرَدْتَ قَذْفِي بِالزِّنَا وَالرِّقِّ فَقَالَ: بَلْ أَرَدْتُ قَذْفَكَ بِالزِّنَا إذْ كُنْتَ
قِنًّا (وَإِنْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِمُشْرِكَةٍ أَسْلَمَتْ (يَا زَانِيَةُ ثُمَّ ثَبَتَ زِنَاهَا فِي حَالِ كُفْرِهَا لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْصَنَةٍ (وَلَوْ قَذَفَ) زَوْجُ (مَنْ أَقَرَّتْ بِزِنًا) وَلَوْ (مَرَّةً فَلَا لِعَانَ عَلَيْهِ) لِاعْتِرَافِهَا بِمَا قَذَفَهَا بِهِ (وَيُعَزَّرُ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا فَزَالَ إحْصَانُهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يَسْقُطْ، الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ) حَكَمَ الْحَاكِمُ بِوُجُوبِهِ أَمْ لَا.
لِأَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ وَكَمَا لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ بِخِلَافِ فِسْقِ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِضِيقِ الشَّهَادَةِ (وَإِنْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ) عَلَى (مُرْتَدٍّ فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ) بَلْ مُقَامٌ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ]
(فَصْلٌ وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) زَادَ فِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ وَلَوْ دُونَ الْفَرْجِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَوْ تُقِرَّ بِهِ أَيْ بِالزِّنَا فَيُصَدِّقهَا (فَيَعْتَزِلَهَا ثُمَّ تَلِدَ مَا يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْ الزَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا) لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْفِهِ لَحِقَهُ وَوِرْثَهُ وَوَرِثَ أَقَارِبَهُ وَوَرِثُوا مِنْهُ وَنَظَرَ إلَى بَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَلَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ إلَّا بِالْقَذْفِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَ) يَجِبُ (نَفْيُ وَلَدِهَا) .
لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَا لِكَوْنِهَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَمْ يُدْخِلْهَا اللَّهُ فِي جَنَّتِهِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّجُلَ مِثْلَهَا (وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا) الزَّوْجُ (فِي طُهْرٍ زَنَتْ فِيهِ، وَظَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي) لِشَبَهِهِ وَنَحْوِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَفِي التَّرْغِيبِ نَفْيُهُ) أَيْ الْوَلَدَ (مُحَرَّمٌ مَعَ التَّرَدُّدِ) فِي كَوْنِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
(وَ) الْمَوْضِعُ (الثَّانِي أَنْ يَرَاهَا تَزْنِي وَلَمْ تَلِدْ مَا يَلْزَمُ نَفْيُهُ أَوْ يَسْتَفِيضُ زِنَاهَا فِي النَّاسِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ) أَيْ بِزِنَاهَا (ثِقَةٌ أَوْ يَرَى) الزَّوْجُ (رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إلَيْهَا زَادَ فِي التَّرْغِيبِ خَلْوَةً فَيُبَاحُ قَذْفُهَا) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ فُجُورُهَا (وَلَا يَجِبُ) لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ فِرَاقُهَا (وَفِرَاقُهَا أَوْلَى مِنْ قَذْفِهَا) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَلِأَنَّ قَذْفَهَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا أَوْ تُقِرَّ فَتَفْتَضِحَ.
(وَإِنْ أَتَتْ) الزَّوْجَةُ (بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنُهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ كَأَبْيَضَ بَيْنَ أَسْوَدَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ (أَوْ) أَتَتْ بِوَلَدٍ (يُشْبِهُ رَجُلًا غَيْرَ وَالِدِهِ لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ ضَعِيفَةٌ وَدَلَالَةَ الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ بِدَلِيلِ قِصَّةِ سَعْدٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ (مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ) بِأَنْ رَأَى عِنْدَهَا رَجُلًا يُشْبِهُ الْوَلَدَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَعَ الشَّبَهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ عِنْدَهَا (وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا لَمْ يُبَحْ لَهُ نَفْيُهُ) لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ (وَلَا يَجُوزُ قَذْفُهَا بِخَبَرِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِخَبَرِهِ) لِأَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ مَقْبُولًا (وَلَا) قَذَفَهَا (بِرُؤْيَتِهِ رَجُلًا خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا مَعَ قَرِينَةٍ) لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى زِنَاهَا انْتَهَى.
[فَصْل وَأَلْفَاظ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ]
(فَصْل وَ) أَلْفَاظ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ كَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ (صَرِيحُ الْقَذْفِ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَحْوُ يَا زَانِي يَا عَاهِرُ) وَأَصْلُ الْعِهْرِ إتْيَانُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لَيْلًا لِلْفُجُورِ بِهَا ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الزِّنَا فَأُطْلِقَ الْعَاهِرُ عَلَى الزَّانِي سَوَاءٌ جَاءَهَا أَوْ جَاءَتْهُ هِيَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (زَنَى فَرْجُك بِالْوَطْءِ يَا مَعْفُوجُ) مِنْ عَفَجَ بِمَعْنَى نَكَحَ أَيْ مَنْكُوحٌ أَيْ مَوْطُوءٌ (يَا مَنْيُوكُ قَدْ زَنَيْتَ أَوْ أَنْتَ أَزَنَى النَّاسِ فَتْحَ التَّاءَ أَوْ كَسْرَهَا لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي قَوْلِهِ: زَنَيْتِ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خِطَابٌ لَهُمَا وَإِشَارَةٌ إلَيْهِمَا بِلَفْظِ الزِّنَا، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُذَكِّرُ الْمُؤَنَّثَ وَيُؤَنِّثُ الْمُذَكَّرَ.
وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُرَادًا بِمَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ (أَوْ) قَالَ (أَنْتَ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ يُحَدُّ لِلْمُخَاطَبِ) بِذَلِكَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لَهُ (وَلَيْسَ بِقَاذِفٍ لِفُلَانَةَ) فَلَا يُحَدُّ لَهَا لِأَنَّ لَفْظَةُ أَفْعَلُ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالْفِعْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس: 35] (أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَانِيَةُ أَوْ يَا نَسَمَةٌ زَانِيَةٌ أَوْ لِامْرَأَةٍ يَا زَانٍ أَوْ يَا شَخْصًا زَانِيًا أَوْ قَذَفَهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا أَوْ قَالَ لَهَا يَا مَنْيُوكَةُ إنْ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِفِعْلِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ) فَإِنْ فَسَّرَهُ بِفِعْلِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ فَلَيْسَ قَذْفًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا (إذَا كَانَ الْقَذْفُ بَعْدَ حُرِّيَّتِهَا) أَيْ الْأَمَةِ (وَفَسَّرَهُ بِفِعْلِ السَّيِّدِ قَبْلَ الْعِتْقِ) فَلَا حَدَّ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ لَا يُسْمَعُ تَفْسِيرَ الْقَاذِفِ لِلْقَذْفِ (بِمَا يُحِيلُهُ) أَيْ يُغَيِّرُ الْقَذْفَ وَيُخْرِجهُ عَنْ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ خِلَافَ الظَّاهِرِ (وَيَحُدُّ) لِإِتْيَانِهِ
بِصَرِيحِ الْقَذْفِ.
(فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ) بِقَوْلِي يَا زَانِي أَوْ يَا عَاهِرُ (زَانِيَ الْعَيْنِ أَوْ عَاهِرَ الْبَدَنِ أَوْ) قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي (يَا لُوطِيُّ أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطِ أَوْ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرِ إتْيَانِ الذُّكُورِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّأْوِيلِ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِهِ وَإِرَادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِيهِ مَعَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ (وَكُلُّ مَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِفِعْلِهِ لَا يَجِب عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ وَقَذْفِ الْمَرْأَةِ بِالْمُسَاحَقَةِ أَوْ) قَذْفُهَا (بِالْوَطْءِ مُكْرَهَةً وَ) كَ (الْقَذْفِ بِاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ رَمْيًا بِالزِّنَا (وَقَوْلُهُ لَسْتِ لِأَبِيكِ أَوْ لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ قَذْفٌ لِأُمِّهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّهُ أَتَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَذَلِكَ قَذْفٌ لَهَا.
(إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَبُوهُ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ) الْقَائِلُ (بِزِنَا أُمِّهِ) فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَذْفًا لِأُمِّهِ لِصِدْقِهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ (وَكَذَا إنْ نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ) بِأَنْ قَالَ لَسْتَ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا لِأُمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَبُوهُ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِزِنَا أُمِّهِ (أَوْ قَالَ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ) فَهُوَ قَذْفٌ لِأُمِّهِ (وَإِنْ نَفَاهُ) أَيْ الْوَلَدُ (عَنْ أُمِّهِ) بِأَنْ قَالَ مَا أَنْتَ ابْنَ فُلَانَةَ فَلَا حَدَّ لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ (أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا فَلَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ) فَلَا حَدّ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بِالزِّنَا (أَوْ رَمَى بِحَجَرٍ فَقَالَ مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ الرَّامِي) فَلَا حَدَّ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الرَّامِي (أَوْ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا الْكَاذِبِ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَلَا حَدَّ) لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْكَاذِبِ.
(وَإِنْ كَانَ يَعْرِف الرَّامِي فَقَاذِف) لِتَعْيِينِهِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى كَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ إذَا قَالَ مَنْ رَمَانِي بِالزِّنَا فَهُوَ زَانٍ لَا حَدَّ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا (وَإِنْ قَالَ لِوَلَدِهِ لَسْت بِوَلَدِي فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي قَذْفِ أُمِّهِ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ) لِأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغْلِظَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِوَلَدِهِ (وَزَنَأَتْ فِي الْجَبَلِ مَهْمُوزًا صَرِيحٌ وَلَوْ زَادَ فِي الْجَبَلِ أَوْ عُرْفِ الْعَرَبِيَّة) لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقَذْفَ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ طَلَعَتْ (كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ فِي الْجَبَلِ أَوْ لَحَنَ لَحْنًا غَيْرَ هَذَا) فَالْعِبْرَةُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ وَلَا أَثَرَ لِلَّحْنِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَعَلَيْهِمَا إنْ قَالَ أَرَدْت الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ قُبِلَ.
(وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ زَنَيْتَ بِفُلَانَةَ أَوْ قَالَ لَهَا زَنَى بِكِ فُلَانٌ أَوْ) قَالَ (يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ كَانَ قَاذِفًا لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) فَيُحَدُّ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًا بِطَلَبِهِمَا أَوْ طَلَبِ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ قَالَ يَا نَاكِحَ أُمِّهِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَعَلَيْهِ حَدَّانِ نَصًّا) وَيَحْتَاجُ لِتَحْرِيرِ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا (وَيَا زَانِيَ ابْنَ الزَّانِي كَذَلِكَ) أَيْ عَلَيْهِ حَدَّانِ نَصًّا (إنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا) لِأَنَّهُ قَذَفَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا فَعَلَى مَا يَأْتِي فِي قَذْفِ الْمَيِّتِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ لِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ لَا يُورَثُ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ
بِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَهُوَ قَاذِفٌ لَهَا) فَيَلْزَمهُ حَدُّهُ (وَلَمْ لَوْ يَلْزَمهُ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ) بِأَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعًا أَوْ أَقَرَّ بِهِ أَرْبَعًا ثُمَّ رَجَعَ.
[فَصْلٌ وَكِنَايَتُهُ أَيْ الْقَذْفِ وَالتَّعْرِيضِ بِهِ]
(فَصْلٌ وَكِنَايَتُهُ) أَيْ الْقَذْفِ (وَالتَّعْرِيضِ) بِهِ (نَحْوَ زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ أَوْ) زَنَتْ (يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ) لِأَنَّ زِنَا هَذِهِ الْأَعْضَاء لَا يُوجِبُ الْحَدَّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ» الْحَدِيثَ (أَوْ) زَنَى (بَدَنُكَ) لِأَنَّ زِنَاهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِزِنَا شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ عَلَى الْمَعْنَى السَّابِقِ غَيْرِ الْفَرْجِ (وَنَحْوُ قَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ رَجُلٌ قَدْ فَضَحْتِهِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِشَكْوَاكِ (وَغَطَّيْتِ) رَأْسَهُ (أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَيَاءً مِنْ النَّاسِ (وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ) .
أَيْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ (وَأَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ) أَيْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ بِالنُّشُوزِ وَالشِّقَاقِ أَوْ مَنْعِ الْوَطْءِ (أَوْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ) لِأَنَّهُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً (مَا يُعَيَّرُ كُلُّ النَّاسِ بِالزِّنَا) أَيْ مَا أَنْتَ زَانٍ وَلَا أُمُّك زَانِيَةٌ (أَوْ يَا فَاجِرَةُ) أَيْ مُخَالِفَةٌ لِزَوْجِهَا فِيمَا يَجِبُ طَاعَتُهَا فِيهِ (يَا قَحْبَةُ) قَالَ السَّعْدِيُّ قَحَبَ الْبَعِيرُ وَالْكَلْبُ سَعَلَ وَهِيَ فِي زَمَانِنَا الْمُعَدَّةُ لِلزِّنَا (أَوْ يَا خَبِيثَةُ) صِفَة مُشَبَّهَةً مِنْ خَبُثَ الشَّرُّ فَهُوَ خَبِيثٌ (أَوْ يَقُولَ لِعَرَبِيٍّ يَا نَبَطِيُّ) أَوْ (يَا فَارِسِيُّ) أَوْ (يَا رُومِيُّ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالنَّبَطِيِّ اللِّسَانَ أَوْ يَا فَارِسِيَّ الطَّبْعِ أَوْ رُومِيَّ الْخِلْقَةِ (أَوْ يَقُولَ لِأَحَدِهِمْ يَا عَرَبِيُّ) وَالنَّبَطُ قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ وَفَارِسَ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ وَأَهْلُهَا الْفُرْسُ وَفَارِسٌ أَبُوهُمْ وَالرُّومُ عَلَى الْأَصْلِ عِيصُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ يَا أَعْجَمِيُّ بِالْأَلِفِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى الْعُجْمَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَرَبِيِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا غَيْرَ فَصِيحٍ.
(أَوْ قَالَ مَا أَنَا بِزَانٍ أَوْ مَا أُمِّي زَانِيَةٌ أَوْ يَا خَنِيثُ بِالنُّونِ أَوْ يَا عَفِيفُ يَا نَظِيفُ أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ صَدَقْتَ أَوْ صَدَقْتَ فِيمَا قُلْتَ) إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ (أَوْ) قَالَ (أَخْبَرَنِي أَوْ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ قَذَفَ فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ (أَوْ قَالَ يَا وَلَدَ الزِّنَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَوْ قَالَ لَهَا لَمْ أَجِدُكِ عَذْرَاءَ.
وَفِي الْكَافِي يَا وَلَدَ الزِّنَا قَاذِف لِأُمِّهِ فَهَذِهِ) الْأَلْفَاظُ الَّتِي سَبَقَتْ كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِهَا غَيْرَ الزِّنَا كَمَا قَدَّمْتُهُ (إنْ فَسَّرَهُ) أَيْ مَا سَبَقَ (بِالزِّنَا فَهُوَ قَذْفٌ) .
لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ الْأَغْلَظُ عَلَيْهِ (وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ قُبِلَ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الزِّنَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ (مَعَ يَمِينِهِ) .
وَفِي التَّرْغِيبِ هُوَ قَذْفٌ بِنِيَّتِهِ وَلَا يَحْلِفُ مُنْكِرُهَا (وَعُزِّرَ وَإِنْ كَانَ نَوَى الزِّنَا بِالْكِنَايَةِ لَزِمَهُ الْحَدُّ بَاطِنًا وَيَلْزَمُهُ إظْهَارُ نِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
(وَيُعَزَّرُ بِقَوْلِهِ يَا كَافِرُ يَا مُنَافِقُ يَا سَارِقُ يَا أَعْوَرُ يَا أَقْطَعُ يَا أَعْمَى يَا مُقْعَدُ يَا ابْنَ الزَّمِنِ الْأَعْمَى الْأَعْرَجِ يَا نَمَّامُ يَا حَرُورِيُّ) نِسْبَة إلَى الْحَرُورِيَّةِ، فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ (يَا مُرَائِي يَا مُرَابِي يَا فَاسِقُ يَا فَاجِرُ يَا حِمَارُ يَا تَيْسُ يَا رَافِضِيُّ يَا خَبِيثَ الْبَطْنِ أَوْ الْفَرْجِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ يَا جَائِرُ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا كَذَّابُ أَوْ يَا كَاذِبُ يَا ظَالِمُ يَا خَائِنُ يَا مُخَنَّثُ يَا مَأْبُونُ أَيْ مَعْيُوبُ) وَفِي عُرْفِ زَمَانِنَا مَنْ بِهِ مَاءٌ فِي دُبُرِهِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ لِأَنَّ الْأَبْنَةَ الْمُشَارُ إلَيْهَا لَا تُعْطِي أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ يَا مُغْتَلِمَةُ (زَنَتْ عَيْنُكِ يَا قَرْنَانِ يَا قُوَّادُ) وَهُوَ عِنْدَ الْعَامَّةِ السِّمْسَارُ فِي الزِّنَا (يَا مُعَرِّصُ يَا عَرْصَةُ) وَيَنْبَغِي فِيهِمَا بِحَسْبِ الْعُرْفِ أَنْ يَكُونَا صَرِيحِينَ (وَنَحْوُهُمَا يَا دَيُّوثُ) وَهُوَ الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ عَلَى أَهْلِهِ وَقِيلَ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (يَا كَشْخَانُ) بِفَتْحِ الْكَافَ وَكَسْرِهَا الدَّيُّوثُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (يَا قَرْطَبَانُ) قَالَ ثَعْلَبٌ الْقَرْطَبَانُ الَّذِي يَرْضَى أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ عَلَى نِسَائِهِ.
وَقَالَ الْقَرْنَانُ وَالْكَشْخَانُ لَمْ أَرَهُمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِثْلَ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ (يَا عِلْقُ) وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ وَمَعْنَاهُ قَوْلُ ابْنُ رَزِينٍ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عُرْفًا (يَا سُوسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ إيذَاءٌ وَابْنُ ظَالِمٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الزِّنَا فَيُعَزَّر بِهِ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً وَكَفَالَةً عَنْ أَذَى الْمَعْصُومِينَ وَمَنْ قَالَ لِظَالِمِ ابْنِ ظَالِمٍ جَبَرَكَ اللَّهُ وَرَحِمَ سَلَفَكَ يُعَزَّرُ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ الرِّعَايَةِ.
[فَصْلٌ وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ]
(فَصْلٌ وَإنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ أَوْ) قَذَفَ (جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْ جَمِيعِهِمْ عَادَةً لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهُ عَارٌ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ (وَعُزِّرَ) عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالزُّورِ (كَسَبِّهِمْ بِغَيْرِهِ) أَيْ الْقَذْفِ
(وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ) أَيْ التَّعْزِيرَ (أَحَدٌ مِنْهُمْ) .
قَالَ فِي الْمُغْنِي لَا يَحْتَاجُ التَّعْزِيرُ إلَى مُطَالَبَةٍ (وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ بِكَ زَنَيْتُ لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً) لَهُ لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ (وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا) لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ (لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الزِّنَا مِنْهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ زَانِيًا) بِهَا (بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ) وَهِيَ عَالِمَةٌ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ) بِهِ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَمَنْ قُذِفَ لَهُ مَوْرُوثٌ حَيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ لَا) أَوْ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
(أَمًّا كَانَ) الْمَقْذُوفُ (أَوْ غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ فِي حَيَاتِهِ بِمُوجِبِ قَذْفِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلتَّشَفِّي فَلَا يَقُومُ فِيهِ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ مَقَامَهُ كَالْقِصَاصِ (فَإِنْ مَاتَ) الْمَقْذُوفُ أُمًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَقَدْ طَالَبَهُ) بِالْحَدِّ (صَارَ) الْحَدُّ (لِلْوَارِثِ بِصِفَةِ مَا كَانَ لِلْمُورِثِ اعْتِبَارًا بِإِحْصَانِهِ) أَيْ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ وَطَعْنَ فِي نَسَبِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ فَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْإِحْصَانُ فِيهِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي أُمِّهِ أَيْ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمَقْذُوفَةُ وَلِأَنَّ الْقَذْفَ لَهُ وَشَرْطٌ فِيهِ الطَّلَبُ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ فَلَا يُسْتَوْفَى بِغَيْرِ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِحْصَانِهِ لِأَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ لِلْقَدَحِ فِي نَسَبِهِ.
(وَإِنْ قُذِفَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَيِّتٌ مُحْصَنٌ أَوْ لَا) أَوْ أَيْ غَيْرُ مُحْصَنٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ الْمَقْذُوفُ (مِنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِ الْوَارِثِ حُدَّ قَاذِفٌ بِطَلَبِ وَارِثٍ مُحْصَنٍ خَاصَّةً) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْيِيرِ (وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ غَيْرَ مُحْصَنٍ) بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا وَنَحْوَهُ (فَلَا حَدَّ) كَمَا لَوْ قَذَفَهُ ابْتِدَاءً (وَثَبَتَ حَدُّ قَذْفِ الْمَيِّتِ وَالْقَذْفُ الْمَوْرُوثُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ وُرِثَ عَنْ الْمَيِّتِ فَاشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةُ (حُدَّ) الْقَاذِفُ (لِلْبَاقِي) مِنْ الْوَرَثَةِ حَدًّا (كَامِلًا) لِلُحُوقِ الْعَارِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ.
(وَمَنْ قَذَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ) قَذَفَ (أُمَّهُ كَفَرَ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْقَدَحِ فِي النُّبُوَّةِ الْمُوجِبِ لِلْكُفْرِ (وَقَتْلُ) مَنْ قَذَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَوْ تَابَ نَصًّا أَوْ كَانَ كَافِرًا مُلْتَزِمًا) كَالذِّمِّيِّ (فَأَسْلَمَ) لِأَنَّ قَتْلَهُ حَدُّ قَذْفِهِ وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَقَذْفِ غَيْرِهِمَا وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَ حَدُّهُ لَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ قَالَ فِي الْمَنْثُورِ وَهَذَا كَافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّهِ فَيُعَايَا بِهَا فَائِدَةٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَذْفُ نِسَائِهِ كَقَذْفِهِ لِقَدْحِهِ فِي دِينِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلهُمْ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِهِ بِبَرَاءَتِهَا وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِإِمْكَانِ الْمُفَارَقَةِ فَيَخْرُجُ بِهَا مِنْهُنَّ وَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَ (لَا) يُقْتَلُ (إنْ سَبَّهُ) كَافِرٌ (بِغَيْرِ الْقَذْفِ ثُمَّ أَسْلَمَ) لِأَنَّ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ فَسَبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى (وَتَقَدَّمَ آخِرُ بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ وَكَذَا) حُكْمُ قَذْفِ (كُلِّ أُمِّ نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيّنَا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ لَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ وَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا يُنَافِيهِ.
تَتِمَّةٌ سَأَلَهُ حَرْبٌ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ يَا ابْنَ كَذَا وَكَذَا إلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ فَعَظَّمَهُ جِدًّا وَقَالَ عَنْ الْحَدِّ لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ ذَهَبَ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ (وَإِنْ قَذَفَ) مُكَلَّفٌ (جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الزِّنَا عَادَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَ) عَلَيْهِ (حَدُّ وَاحِدٍ إذَا طَالَبُوا وَلَوْ مُتَفَرِّقِينَ أَوْ) طَالَبَ (وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيُحَدُّ لِمَنْ طَلَبَ ثُمَّ لَا حَدَّ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْن مَنْ قَذَفَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ وَبِحَدٍّ وَاحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذَا الْقَاذِفِ وَتَزُولُ الْمَعَرَّةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِي بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي قَذْفِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَذِبُهُ فِي الْآخَرِ وَلَا تَزُولُ الْمَعَرَّةُ (وَإِنْ أَسْقَطَهُ) أَيْ الْحَدُّ (أَحَدُهُمْ فَلِغَيْرِهِ الْمُطَالَبَةُ وَاسْتِيفَاؤُهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَأَيُّهُمْ طَلَبَهُ اسْتَوْفَاهُ وَسَقَطَ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ كَحَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى أَوْلِيَائِهَا فِي تَزْوِيجِهَا (وَسَقَطَ حَقّ الْعَافِي) بِعَفْوِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
(وَإِنْ كَانَ) قَذَفَ جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْهُمْ عَادَةً (بِكَلِمَاتِ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (حَدًّا) كَامِلًا لِمَا سَلَفَ وَكَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ (وَمِنْ حُدَّ لِقَذْفٍ ثُمَّ أَعَادَهُ) أَيْ الْقَذْفَ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ حُدَّ بِهِ مَرَّةً فَلَمْ يُحَدَّ ثَانِيَةً وَيُعَزَّرُ (أَوْ) أَعَادَ زَوْجٌ الْقَذْفَ (بَعْدَ لِعَانِهِ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ قَذْفٌ لَاعَنَ عَلَيْهِ فَلَا يُحَدُّ بِهِ كَمَا لَوْ أَعَادَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ (وَيُعَزَّرُ) رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ (وَلَا لِعَانَ) أَيْ لَوْ كَانَ الْمُعِيدُ لِلْقَذْفِ زَوْجًا بَعْدَ أَنْ لَاعَنَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ إعَادَةُ اللِّعَانِ لِدَرْءِ التَّعْزِيرِ لِأَنَّ الْقَذْفَ وَاحِدٌ وَقَدْ لَاعَنَ عَلَيْهِ أَوْ لَا فَلَا يُعِيدُهُ (وَإِنْ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ) أَيْ غَيْرِ الَّذِي قُذِفَ بِهِ (حُدَّ) لِلْقَذْفِ الثَّانِي (مَعَ طُولِ الزَّمَنِ) لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَقْذُوفِ لَا تَسْقُطُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَذْفِهِ بِكُلِّ حَالٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ بَيْنَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ وَالْقَذْفِ الثَّانِي (فَلَا) يُحَدُّ ثَانِيًا لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ لَهُ مَرَّةً وَلَمْ يَجِدْ لَهُ بِالْقَذْفِ عَقِبَهُ كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ (وَإِنْ قَذَفَ رَجُلًا) أَوْ امْرَأَةً (مَرَّاتٍ بِزِنًا أَوْ زَنَيَاتٍ وَلَمْ يُحَدَّ فَحَدٌّ وَاحِدٌ) كَمَا لَوْ
زَنَى بِنِسَاءٍ أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ الرَّدْعَ وَإِظْهَارُ كَذِبِهِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ حَدٌّ وَاحِدٌ.
[فَصْل وَتَجِب التَّوْبَةُ فَوْرًا مِنْ الْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ وَغَيْرِهِمَا]
(فَصْل) (وَتَجِب التَّوْبَةُ) فَوْرًا (مِنْ الْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ وَغَيْرِهِمَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ تُكَفِّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَلَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّتِهَا) أَيْ التَّوْبَةِ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: الْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِمَا (إعْلَامُهُ) أَيْ الْمَقْذُوفِ أَوْ الْمُغْتَابِ وَنَحْوِهِ.
نَقَلَ مُهَنَّا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَهُ (وَلِأَنَّ فِي إعْلَامِهِ دُخُولُ غَمٍّ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ إيذَاءٍ وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يُحَرَّمُ) عَلَى الْقَاذِفِ وَنَحْوِهِ (إعْلَامَهُ) أَيْ الْمَقْذُوفِ أَوْ الْمُغْتَابِ وَنَحْوِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ إعْلَامُهُ (إنْ عِلْم بِهِ الْمَظْلُومَ وَإِلَّا دَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ وَلَمْ يُعْلِمْهُ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ) لِلْمَظْلُومِ (وَلَوْ سَأَلَهُ فَيُعَرِّضُ) فِي إنْكَارِهِ حَذَرًا مِنْ الْكَذِبِ (وَلَوْ مَعَ اسْتِحْلَافِهِ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ) فَيَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ (وَمَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ وَالْإِحْسَانِ تَعْرِيضُهُ) فِي الْإِنْكَارِ كَذِبٌ وَيَمِينُهُ غَمُوسٌ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ فَلَا يَنْفَعُهُ تَعْرِيضُهُ.
(قَالَ: وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا لَا يُعْلِمُهُ بَلْ يَدْعُو لَهُ فِي مُقَابِلَةِ مَظْلِمَتِهِ وَقَالَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَتَمْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً - الْحَدِيثَ» (وَقَالَ) الشَّيْخُ (أَيْضًا زِنَاهُ بِزَوْجَةِ غَيْرِهِ كَالْغِيبَةِ) وَذَكَرَ فِي الْغُنْيَةِ إنْ تَأَذَّى بِمَعْرِفَتِهِ كَزِنَاهُ بِجَارِيَتِهِ وَأَهْلِهِ وَغِيبَتِهِ خَفِيٍّ يَعْظُمُ أَذَاهُ بِهِ فَهُنَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى أَنْ يَسْتَحِلَّهُ وَيَبْقَى لَهُ عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ فَيَجْبُرُهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا تُجْبَرُ مَظْلِمَةُ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ (وَلَوْ أَعْلَمَهُ بِمَا فَعَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَحَلَّلَهُ فَهُوَ كَإِبْرَاءٍ مِنْهُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ (وَفِي الْغُنْيَةِ لَا يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ إلَيْهِمْ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَيُكْثِرُ الْحَسَنَاتِ وَلَوْ رَضِيَ أَنْ يُشْتَمَ أَوْ يُغْتَابَ أَوْ يُجْنَى عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ لَمْ يُبَحْ ذَلِكَ) لِأَنَّ إسْقَاطَ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُودِهِ لَا يَصِحُّ وَإِذْنُهُ فِي عِرْضِهِ كَإِذْنِهِ فِي قَذْفِهِ وَدَمِهِ.
(وَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ فِي بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) وَبَيَانِ مَعْنَى التَّوْبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
[بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ]
(بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ) السُّكْرُ اخْتِلَاطُ الْعَقْلِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّكْرَانُ خِلَافُ الصَّاحِي وَالْجَمْعُ سَكْرَى وَسُكَارَى بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَالْمَرْأَةُ سَكْرَى وَلُغَةُ بَنِي أَسَدٍ سَكْرَانَةُ وَالْمُسْكِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَسْكَرَ الشَّرَابُ إذَا جَعَلَ صَاحِبَهُ سَكْرَانَ أَوْ كَانَ فِيهِ قُوَّةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَهُوَ مُحَرَّمُ بِالْإِجْمَاعِ وَمَا نُقِلَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَابْنِ جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أَنَّهَا حَلَالٌ فَمَرْجُوعٌ عَنْهُ.
نَقَلَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَاتِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» .
وَفِي لَفْظٍ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَمَّرَ الْعَقْلُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُسَمَّى) كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ (خَمْرًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا يَجُوزُ شُرْبُهُ) أَيْ الْمُسْكِرِ (لِلَّذَّةِ وَلَا لِتَدَاوٍ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ وَكَرِهَ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَا عَطَشَ بِخِلَافِ مَا نَجِسَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَرْدِ وَالرُّطُوبَةِ بِخِلَافِ الْمُسْكِرِ.
فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ رِيٌّ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ مَا يُزِيدُ الْعَطَشَ (وَلَا) يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمُسْكِرِ فِي (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ (إلَّا لِمُكْرَهٍ) فَيَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَقَطْ لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (أَوْ مُضْطَرُّ إلَيْهِ) خَافَ التَّلَفَ (لِدَفْعِ لُقْمَةِ غَصَّ بِهَا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُسِيغُهَا) فَيَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهُ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَلِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مَطْلُوبٌ بِدَلِيلِ إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا (وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ (بَوْلٌ) لِوُجُوبِ الْحَدِّ بِاسْتِعْمَالِ الْمُسْكِرِ دُونَ الْبَوْلِ (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمُسْكِرِ وَالْبَوْلِ (مَاءٌ نَجِسٌ) لِأَنَّ الْمَاءَ مَطْعُومٌ بِخِلَافِ الْبَوْلِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ حِلِّ اسْتِعْمَالِهِ نَجَاسَتُهُ (وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ) كَالشَّرْحِ (إنْ شَرِبَهَا) أَيْ الْخَمْرَ (لِعَطَشٍ فَإِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ (وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ لَمْ تُبَحْ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا لِأَنَّهَا لَا تَرْوِي بَلْ تُزِيدُهُ عَطَشًا (وَعَلَيْهِ الْحَدُّ انْتَهَى) .
لِأَنَّ الْيَسِيرَ الْمُسْتَهْلَكَ فِيهَا لَمْ يَسْلُبْ عَنْهَا اسْمَ الْخَمْرِ (وَإِذَا شَرِبَهُ) أَيْ الْمُسْكِرَ (الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ مُخْتَارًا) لِحِلِّهِ لِمُكْرَهٍ (عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ سَوَاءٌ كَانَ) الشَّرَابُ الْمُسْكِرُ (مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ) لِمَا سَبَقَ (قَلِيلًا كَانَ) الَّذِي شَرِبَهُ مِنْ الْمُسْكِرِ (أَوْ كَثِيرًا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ الشَّارِبُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا جَلَدُوا شَارِبَهَا.
وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ خَمْرٌ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (ثَمَانُونَ جَلْدَةً) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِّ وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ: " إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَلَفِ