صفحات 337-376
[بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
َ (أَفْضَلُهُ) صَوْمُ التَّطَوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ قُلْت: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ) اللَّيَالِي (الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ) لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَالِثَ عَشَرِهِ وَرَابِعَ عَشَرِهِ وَخَامِسَ عَشَرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَهُوَ) أَيْ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (كَصَوْمِ الدَّهْرِ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ) بِصِيَامِهَا (أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ) ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا (مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ) الَّتِي فِي صِيَامِ الدَّهْرِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُمِّيَتْ بِيضًا لِابْيِضَاضِهَا لَيْلًا بِالْقَمَرِ وَنَهَارًا بِالشَّمْسِ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي كَلَامِهِ بَيَانِيَّةٌ، وَأَنَّ الْبِيضَ وَصْفٌ لِلْأَيَّامِ وَكَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ قَالَ: وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ زَادَ فِي الشَّرْحِ: وَالتَّقْدِيرُ لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَابَ فِيهَا عَلَى آدَمَ وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ.
(وَيُسَنُّ صَوْمُ) يَوْمِ (الِاثْنَيْنِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَ) يَوْمِ (الْخَمِيسِ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ «وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» .
(وَ) يُسَنُّ صَوْمُ (سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً فَمَنْ صَامَهَا بَعْدَ أَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) فَرْضًا كَمَا فِي اللَّطَائِفِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» رَوَاهُ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقَدُّمِ لِرَمَضَانَ؛؛ لِأَنَّ يَوْمَ
الْعِيدِ فَاصِلٌ وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ سَنَةٌ» يَعْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ فَذَلِكَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ: التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَلَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ فِي صَوْمِهَا دُونَ صَوْمِهِ (وَلَا تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصِيَامِهَا) أَيْ: السِّتَّةِ أَيَّامٍ (فِي غَيْرِ شَوَّالٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إلَّا لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّ فَضِيلَتَهَا تَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَى رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ التِّسْعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَآكَدُهُ: التَّاسِعُ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إجْمَاعًا ثُمَّ الثَّامِنُ وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وَيَأْتِي فِي الْحَجِّ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ.
(وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ جَوْفُ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُكْثِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّوْمَ فِيهِ إمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا أَخِيرًا، وَالْمُرَادُ أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَّوَّعَ فِيهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ كَعَرَفَةَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ الْمُحَرَّمُ كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ الْمُحَرَّمُ (يَوْمُ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهَرِ وَهُوَ اسْمٌ إسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (الْعَاشِرُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ التَّاسِعُ (ثُمَّ تَاسُوعَاءُ) بِالْمَدِّ عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (التَّاسِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ (مَثَلًا وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ وَعَاشُورَاءَ.
لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَ) قَالَ (إنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِيَتَيَقَّنَّ صَوْمَهَا، (وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَهُمَا) أَيْ: تَاسُوعَاءُ وَعَاشُورَاءُ (آكَدُهُ) أَيْ: آكَدُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ (ثُمَّ) بَقِيَّةُ (الْعَشْرِ، وَلَمْ يَجِبْ صَوْمُ) يَوْمِ (عَاشُورَاءَ) فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ فِيهِ بِالْقَضَاءِ.
وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَعَنْهُ وَجَبَ) صَوْمُهُ (ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) وَقَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ " صَحِيحٌ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى إرَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ) مَاضِيَةٍ لِلْخَبَرِ.
(وَمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الِاكْتِحَالِ وَالِاخْتِضَابِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ) أَيْ: يَوْمِ عَاشُورَاءَ (فَكَذِبٌ) .
وَكَذَا مَا يُرْوَى فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَأَكْلِ الْحُبُوبِ أَوْ الذَّبْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ ذَلِكَ: بِدْعَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ، وَيَنْبَغِي فِيهِ التَّوَسُّعَةُ عَلَى الْعِيَالِ سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ فَقَالَ: نَعَمْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ " قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إلَّا خَيْرًا.
(وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَعَلَّ مُضَاعَفَةَ التَّكْفِيرِ عَلَى عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَهُ.
(قَالَ) النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ كَفَّارَةُ الصَّغَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ صَغَائِرُ (رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ كَبَائِرُ
(رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ) أَيْ: يَوْمِ عَرَفَةَ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ مِنْ الْحَاجِّ بَلْ فِطْرُهُ أَفْضَلُ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ " أَنَّهَا «أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ "؛ وَلِأَنَّهُ يُضَعِّفُ عَنْ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ وَعَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ) فَيَصُومَانِهِ مَعَ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ (وَيَأْتِي) فِي الْحَجِّ.
(وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِ» وَفِيهِ دَاوُد بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُ " (وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنْ السَّنَةِ قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ لَمْ يَلِهِ) أَيْ: يَلِي الشَّهْرَ الْآخَرَ رَجَبٌ.
(وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْإِرْشَادِ (وَكُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ أَوْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالْحَدِيثِ.
(وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ وَالتَّرْغِيبُ
فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ.
(وَ) يُكْرَهُ تَعَمُّدُ (إفْرَادِ يَوْمِ السَّبْتِ) بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَيَوْمُ السَّبْتِ آخِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطَاعِ الْأَيَّامِ عِنْدَهُ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ (عَادَةً) كَأَنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَكَانَ عَادَتَهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ.
(وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا (وَيَصِحُّ) صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (أَوْ) أَيْ: وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا) وَلَا يُجْزِئُ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ الشَّكِّ (يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ) فِي مَطْلِعِ الْهِلَالِ (عِلَّةٌ) مِنْ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمَ الشَّكِّ (عَادَةٌ) كَمَنْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ أَحَدُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ، أَوْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ آخَرَ فَوَافَقَ صَوْمُهُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ (أَوْ يَصِلُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (بِصِيَامٍ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَوْ يَصُومُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ) أَوْ كَفَّارَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ وَاجِبٌ إذَنْ.
(وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ نَيْرُوزِ) بِصَوْمٍ (وَ) يَوْمِ (مِهْرَجَانٍ وَهُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ الرَّبِيعِ وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي تَعْظِيمِهَا وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُمَا بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ.
(وَ) عَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ إفْرَادُ (كُلِّ عِيدٍ لَهُمْ) أَيْ: لِلْكُفَّارِ (أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ) ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) كَأَنْ يَكُونَ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَعَادَتُهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ.
(وَيُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِ) صَوْمِ (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، (وَلَا يُكْرَهُ) تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ (أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ
وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَحَمَلَهُ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.
(وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ إلَّا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُبَاحٌ لَهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَنَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا: إنَّك تُوَاصِلُ فَقَالَ: إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً وَلِهَذَا وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْوِصَالُ (أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِأَكْلِ تَمْرَةٍ وَنَحْوِهَا وَكَذَا بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ) لِانْتِفَاءِ الْوِصَالِ (وَلَا يُكْرَهُ الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَكِنْ تَرَكَ سُنَّةً وَهِيَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ.
(وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ فِطْرٍ وَيَوْمِ أَضْحَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ.
(وَكَذَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) يَحْرُمُ صَوْمُهَا وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» وَلِأَحْمَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْفِدْيَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَيَجُوزُ صَوْمُ الدَّهْرِ وَلَمْ يُكْرَهْ) ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْرُدُونَ الصَّوْمَ مِنْهُمْ أَبُو طَلْحَةَ قِيلَ: إنَّهُ صَامَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ سَنَةً (إذَا لَمْ يَتْرُكْ بِهِ حَقًّا وَلَا خَافَ ضَرَرًا وَلَمْ يَصُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ) الْخَمْسَةَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (فَإِنْ صَامَهَا فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعٍ غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَكْمِيلُ الْعِبَادَةِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ (وَلَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ إتْمَامُهُ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ: أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا فَأَكَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْخَمْسَةُ وَزَادَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَغَيْرُ الصَّوْمِ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ كَهُوَ وَكَالْوُضُوءِ وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَيَجِبَانِ بِالشُّرُوعِ وَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَيْهِمَا لَا يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَإِنْفَاقِ مَالٍ كَثِيرٍ، فَفِي إبْطَالِهِمْ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ وَإِبْطَالٌ لِأَعْمَالِهِ الْكَثِيرَةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْأَجْرِ (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: التَّطَوُّعَ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بَلْ يُسْتَحَبُّ.
(وَكَذَا لَا تَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَلَا الْقِرَاءَةُ وَلَا الْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ) فِيهَا وِفَاقًا (وَإِنْ دَخَلَ فِي فَرْضِ كِفَايَةِ) كَصَلَاةِ جِنَازَةٍ (أَوْ) دَخَلَ فِي (وَاجِبٍ) عَلَى الْأَعْيَانِ (مُوَسَّعٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَ رَمَضَانَ الثَّانِي وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ وَكَفَّارَةٍ) إنْ قُلْنَا: هُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي (حَرُمَ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ وَدَخَلَتْ التَّوَسُّعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا وَمَظِنَّةً لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إتْمَامِهَا (وَقَدْ يَجِبُ قَطْعُهُ) أَيْ الْفَرْضُ (كَرَدِّ مَعْصُومٍ عَنْ هَلَكَةٍ وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرِيقٍ وَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ.
(وَإِذَا دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] ، (وَلَهُ قَطْعُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِهَرَبِ غَرِيمِهِ وَ) لَهُ (قَلْبُهَا نَفْلًا وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ مُوَضَّحًا (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: الْفَرْضَ (فَلَا كَفَّارَةَ) مُطْلَقًا لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهَا.
(وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا كَانَ قَبْلَ شُرُوعِهِ) فِيمَا أَفْسَدَهُ، (وَلَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ قَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهَا قَائِمًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ إلَّا فِيمَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ) لِلْخَبَرِ.
تَتِمَّةٌ " إذَا قَطَعَ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ فَهَلْ انْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُؤَدِّي وَحَصَلَ بِهِ قُرْبَةٌ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يَبْطُلُ حُكْمًا أَوْ لَا يَبْطُلُ؟ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِهِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ الْإِبْطَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ بِبُطْلَانِ جَمِيعِهِ بَلْ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ.
[فَصْلٌ فَضْلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]
(فَصْلٌ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ شَرِيفَةٌ مُعَظَّمَةٌ تُرْجَى إجَابَةُ الدُّعَاءِ فِيهَا) قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 2] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ قِيَامُهَا وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةٍ مِنْهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» زَادَ أَحْمَدُ وَمَا تَأَخَّرَ ".
(وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] وَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " يَقْضِي اللَّهُ الْأَقْضِيَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَيُسَلِّمُهَا إلَى أَرْبَابِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ: لِضِيقِ الْأَرْضِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهَا وَقِيلَ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا.
(وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ تُرْفَعْ) لِلْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا وَقِيَامِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا، (وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتُطْلَبُ فِيهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ
هِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ (وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ كُلَّ الْعَشْرِ سَوَاءً وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ (كَثِيرَةٌ وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ نَصًّا) وَهُوَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَثْنِي وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ طَرَفَةَ بْنُ كَعْبٍ: " وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً، السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ فِيهَا هِيَ " وَالْحِكْمَةُ فِي إخْفَائِهَا لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ طَمَعًا فِي إدْرَاكِهَا كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي أَسْمَائِهِ وَرِضَاهُ فِي الْحَسَنَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي) ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ إجْمَاعًا (حَتَّى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ) وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا أَمْثَالُهَا مِنْ لَيَالِي الْقَدْرِ فَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنَامَ فِيهَا مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ نَصًّا وَيَذْكُرُ حَاجَتَهُ فِي دُعَائِهِ) الَّذِي يَدْعُو بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ (وَيُسْتَحَبُّ) أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا (مَا رَوَتْ) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ التَّرْكُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ فَمَعْنَى " اُعْفُ عَنِّي اُتْرُكْ مُؤَاخَذَتِي بِحِرْصٍ وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي وَأَذْهِبْ عَنِّي عِقَابَك وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» فَالشَّرُّ الْمَاضِي يَزُولُ بِالْعَفْوِ، وَالْحَاضِرُ بِالْعَافِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالْمُعَافَاةِ، لِتَضَمُّنِهَا دَوَامَ الْعَافِيَةِ.
(وَتَتَنَقَّلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةِ أَوَّلِ الْعَشْرِ) الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ.
(وَقَعَ الطَّلَاقُ) أَيْ: تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ (فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ) مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ لَا يَخْلُو مِنْهَا، وَنَازَعَ فِيهِ ابْنُ عَادِلٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ مُتَيَقِّنَةٌ فَلَا تَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ السَّنَةِ فَلَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِمُضِيِّ السَّنَةِ.
(وَإِنْ كَانَ مَضَى مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (لَيْلَةٌ) فَأَكْثَرُ ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ (وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ) مِنْ رَمَضَانَ (مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) لِيَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا.
قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْيَمِينِ عَلَى مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ.
(وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَامَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ كُلَّهُ وَنَذَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْعَشْرِ الْأَخِيرِ (كَطَلَاقٍ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي ".
تَتِمَّةٌ " عَنْ طَرَفَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ «بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ» ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» .
(وَ) شَهْرُ رَمَضَانَ (أَفْضَلُ الشُّهُورِ) وَيَكْفُرُ مَنْ فَضَّلَ رَجَبًا عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ قَالَ الشَّيْخُ: لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
(وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي الْحَاشِيَةِ) وَقَالَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا وَقَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ.
(وَكَذَا ذَكَرَهُ جَدُّهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ شَرْحِهِ مُنْتَهَى الْغَايَةِ: أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ) وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَكِيمٍ (إبْرَاهِيم النَّهْرَوَانِيُّ) أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (وَقَالَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُهُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (كَلَيَالِيِهِ وَأَيَّامِهِ) وَقَدْ يُقَالُ: لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ وَأَيَّامُ ذَلِكَ أَفْضَلُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ذَكَرَهُ فِي
الِاخْتِيَارَاتِ، (وَ) عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ (مِنْ أَعْشَارِ الشُّهُورِ كُلِّهَا) لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ» قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ: وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ بَعْضُ أَعْيَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنْ يُقَالَ: مَجْمُوعُ هَذَا الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ مَجْمُوعِ عَشْرِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ فِي عَشْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةٌ لَا يَفْضُلُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الِاعْتِكَافِ وَأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]
ِ " (وَهُوَ) أَيْ: الِاعْتِكَافُ لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] يُقَالُ: عَكَفَ بِفَتْحِ الْكَافِ يَعْكُفُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَشَرْعًا (لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا (مِنْ مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا (عَاقِلٍ وَلَوْ مُمَيِّزًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا طِفْلٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ (طَاهِرٍ مِمَّا وَجَبَ غُسْلًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ جُنُبٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مُتَوَضِّئًا (وَأَقَلُّهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافُ (سَاعَةٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: أَقَلُّهُ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا: مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةٌ وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ لَا لَحْظَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ اهـ وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَأَقَلُّهُ أَدْنَى لُبْثٍ اهـ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ: وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ مَا يَتَنَاوَلُ اللَّحْظَةَ وَقَدْ حَكَيْت كَلَامَهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى، (فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُدَّةٍ (أَجْزَأَتْهُ) السَّاعَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ) بِالْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُعْتَكِفًا.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ الِاعْتِكَافُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّهُ ذَلِكَ.
(وَيُسَمَّى) الِاعْتِكَافُ (جِوَارًا) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
مَرْفُوعًا قَالَ «كُنْت أُجَاوِرُ هَذَا الْعَشْرَ يَعْنِي الْأَوْسَطَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذَا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَلْبَثْ فِي مُعْتَكَفِهِ» . (قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَ) هَذَا الِاعْتِكَافُ (لَا يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً) وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ (قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى) أَيْ مِنْ التَّحْرِيمِ.
(وَهُوَ سُنَّةٌ كُلَّ وَقْتٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تَعَالَى وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ وَمَعَهُ (إلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ (فَيَجِبُ عَلَى صِفَةِ مَا نُذِرَ) مِنْ تَتَابُعٍ وَغَيْرِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
(وَلَا يَخْتَصُّ) الِاعْتِكَافُ (بِزَمَانٍ) دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّ وَقْتٍ.
(وَآكَدُهُ فِي رَمَضَانَ) إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الثَّغْرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَعْتَكِفُ بِالثَّغْرِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ نَفِيرٌ (وَآكَدُهُ الْعَشَرَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تُطْلَبُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ: نَذْرَ الِاعْتِكَافِ (أَوْ) عَلَّقَ (غَيْرَهُ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ نَذْرِهَا (بِشَرْطٍ فَلَهُ شَرْطُهُ) أَيْ: فَلَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُهُ، وَذَلِكَ نَحْوُ (أَنْ يَقُولَ) (لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ كُنْت مُقِيمًا أَوْ مُعَافًى، فَلَوْ كَانَ) النَّاذِرُ (فِيهِ) أَيْ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَيَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِحَدِيثِ «عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ نَذْرَكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ وَكَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُت إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ " فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفْعَهُ فَقَدْ وَهَمَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ: الِاسْتِحْبَابُ فَإِنَّ الصَّوْمَ فِيهِ أَفْضَلُ؛ وَلِأَنَّ
الِاعْتِكَافَ لُبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ (إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ) أَيْ: نَذْرٌ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ لِنَذْرِهِ إيَّاهُ.
(وَ) الِاعْتِكَافُ (بِهِ) أَيْ: الصَّوْمُ (أَفْضَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(فَيَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (فِي لَيْلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ) عَنْ يَوْمِهَا لِحَدِيثِ عُمَرَ.
(وَ) يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ (فِي بَعْضِ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا) لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِيهِ.
(وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الصَّوْمَ فِي نَذْرِهِ فَصَامَ) وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِصِحَّةِ اعْتِكَافِهِ بِغَيْرِ صَوْمٍ.
(وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) أَوْ يَصُومَ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَصُومَ مُعْتَكِفًا أَوْ بِاعْتِكَافٍ أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا أَوْ) أَنْ (يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا لَزِمَهُ الْجَمْعُ) بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ أَوْ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ؛ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ كَالتَّتَابُعِ وَكَنَذْرِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَ (كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الْقُرْآنِ (لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ) يَوْمًا مَثَلًا (مُصَلِّيًا، وَالْمُرَادُ) يَكْفِيهِ (رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ) بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِإِخْلَالِهِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عُشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرَ فَنَقَصَ) الْعُشْرُ (أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِالْعُشْرِ الْأَخِيرِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا (بِخِلَافِ نَذْرِهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَنَقَصَ) الشَّهْرُ (فَيَقْضِي يَوْمًا) عِوَضَ النَّقْصِ قُلْت: وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ.
(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ) اعْتِكَافُ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) اعْتِكَافُ (شَهْرٍ غَيْرِهِ) لِيَفِيَ بِنَذْرِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ) فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْتَكِفُهُ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ.
(وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهَا وَالِاعْتِكَافُ يَفُوتُهَا وَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالشَّرْعِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ مَالِك الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ (فَإِنْ شَرَعَا) أَيْ: الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الِاعْتِكَافِ (بِغَيْرِ إذْنِ) الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) مِنْهُ، (وَلَوْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (نَذْرًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَضَرَرُ
الِاعْتِكَافِ أَعْظَمُ؛ وَلِأَنَّ إقَامَتَهُمَا عَلَى ذَلِكَ تَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْمَنْعُ مِنْهُ كَرَبِّ الْحَقِّ مَعَ غَاصِبِهِ (فَإِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا) مِنْ الِاعْتِكَافِ (صَحَّ وَأَجْزَأَ) عَنْهُمَا، (وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (بِإِذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إنْ كَانَ تَطَوُّعًا) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ؛ " وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَاجِبٌ وَالتَّطَوُّعُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ؛ وَلِأَنَّ لَهُمَا الْمَنْعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً فَكَانَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ دَوَامًا كَالْعَارِيَّةِ وَيُخَالِفُ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ الَّذِي شَرَعَتْ فِيهِ الزَّوْجَةُ أَوْ الْقِنُّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ (نَذْرًا وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا) يُحَلِّلَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَيَجِبُ إتْمَامُهُ كَالْحَجِّ، (وَلَوْ رَجَعَا) أَيْ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ (بَعْد الْإِذْنِ لِلزَّوْجَةِ) وَالْقِنِّ فِي الِاعْتِكَافِ (قَبْلَ الشُّرُوعِ) فِي الِاعْتِكَافِ (جَازَ) الرُّجُوعُ كَعَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ.
(وَالْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ إنْ نَذَرَا) أَيْ الزَّوْجَةُ وَالْقِنُّ (زَمَنًا مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ) كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُمَا الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَكُونُ إذْنًا فِي فِعْلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ (فَلَا) يَكُونُ الْإِذْنُ فِي النَّذْرِ إذْنًا فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ السَّابِقُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَعَبْدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُمْ مُسْتَحَقَّةٌ لِلسَّيِّدِ.
(وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ فَهُوَ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ كَحُرٍّ مَدِينٍ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ نَجَّمَ أَوْ لَا (وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُكَاتَبِ (أَنْ يَحُجَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ (مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمٌ) مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمُهُ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمٌ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَيَأْتِي فِي الْكِتَابَةِ: لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، كَحُرٍّ مَدِينٍ (وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ) مِنْ إنْفَاقِ الْمَالِ فِي الْحَجِّ كَتَرْكِ التَّكَسُّبِ، (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) وَبَاقِيهِ رَقِيقٌ (إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ) فِي نَوْبَتِهِ.
(وَ) أَنْ (يَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ إذَنْ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ بَلْ هِيَ لَهُ كَالْحُرِّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ (فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ) مِنْ الِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ
لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فَتَجْوِيزُهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ.
(وَإِذَا اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِخِبَاءٍ وَنَحْوِهِ) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَتَجْعَلَهُ فِي مَكَان لَا يُصَلِّي فِيهِ الرِّجَالُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا، نَقَلَ أَبُو دَاوُد «يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمُ» (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرِّجَالُ أَيْضًا) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ: لَا إلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ.
(وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِنِيَّةٍ) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّوْمِ، (فَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (فَرْضًا) أَيْ: مَنْذُورًا (لَزِمَهُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ) لِيَتَمَيَّزَ الْمَنْذُورُ عَنْ التَّطَوُّعِ (وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الِاعْتِكَافِ (أَيْ نَوَى إبْطَالَهُ بَطَلَ إلْحَاقًا لَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
(وَلَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِغْمَاءٍ) كَمَا لَا يَبْطُلُ بِنَوْمٍ بِجَامِعِ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ.
(وَلَا يَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (مِنْ رَجُلٍ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ) الْجَمَاعَةُ فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ إذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُدْخِلُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ.
وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ حَذَرًا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (مُعْتَكِفَيْنِ) لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا فَيُخْرَجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ (إنْ أَتَى عَلَيْهِ) أَيْ: الرَّجُلِ الَّذِي تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً (فِعْلُ الصَّلَاةِ زَمَنَ اعْتِكَافِهِ وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً بِأَنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَعْذُورًا أَوْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ زَمَنَ اعْتِكَافِهِ فِعْلُ صَلَاةٍ كَمَا لَوْ اعْتَكَفَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ (صَحَّ) اعْتِكَافًا (فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) .
لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْجَمَاعَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إذَنْ وَمَا رَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا
فَقَالَ بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ فَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ " أَيْ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تُقَامَ فِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجَمَاعَةُ (تُقَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ) دُونَ بَعْضٍ (جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ) مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ (فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ) الَّذِي تُقَامُ فِيهِ (فَقَطْ) دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَا يَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ دُونَ الْجَمَاعَةِ) إذَا كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ لِمَا مَرَّ (وَظَهْرُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ مِنْهُ (وَرَحَبَتُهُ الْمَحُوطَةُ وَعَلَيْهَا بَابٌ نَصًّا) مِنْهُ.
(وَمَنَارَتُهُ الَّتِي بَابُهَا فِيهِ: مِنْهُ) بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمَنَارَةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَابُهَا فِيهِ (وَكَذَا مَا زِيدَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ مِنْهُ (حَتَّى فِي الثَّوَابِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مَا زِيدَ فِيهِ: حُكْمُهُ حُكْمُهُ حَتَّى فِي الثَّوَابِ (عِنْدَ الشَّيْخِ وَابْنِ رَجَبٍ وَجَمْعٍ وَحُكِيَ عَنْ السَّلَفِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» وَقَالَ عُمَرُ لَمَّا زَادَ الْمَسْجِدُ: لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ كَانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ عَنْ السَّلَفِ خِلَافٌ فِي الْمُضَاعَفَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ عَقِيلٍ.
(وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمْعٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ) وَقَالَ فِي الْآدَابِ: وَهَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ غَيْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، أَيْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فِي مَسْجِدِي هَذَا لِأَجْلِ الْإِشَارَةِ.
(وَلَوْ اعْتَكَفَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ) كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ (فِي مَسْجِدٍ لَا تُصَلَّى فِيهِ) الْجُمُعَةُ (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ (بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) الْخُرُوجَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
(وَالْأَفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا فَيَتْرُكُ الِاعْتِكَافَ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَلِلْمَرْأَةِ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ كَالْمَرِيضِ وَالْمَعْذُورِ) بِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمَنْ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ (إلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا وَهُوَ مَا اتَّخَذَتْهُ لِصَلَاتِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ.
(وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ) الْمَسَاجِدِ
(الثَّلَاثَةِ، فَلَهُ فِعْلُهُ) أَيْ: الْمَنْذُورِ مِنْ اعْتِكَافٍ أَوْ صَلَاةٍ (فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ وَلَوْ تَعَيَّنَ لَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ: وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا كَفَّارَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ (فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهَا) لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ (وَلَهُ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ.
(وَأَفْضَلُهَا: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) ، وَهُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُهُ، وَزَادَ «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا» .
، وَكَوْنُ مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُفْرَضْ إتْيَانُهَا شَرْعًا بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مُوجِبٌ لِمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِهَا مُمْتَنِعٌ لِثُبُوتِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِالنَّصِّ.
(فَإِنْ عَيَّنَ الْأَفْضَلَ مِنْهَا) وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (فِي نَذْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) الِاعْتِكَافُ وَلَا الصَّلَاةُ (فِيمَا دُونَهُ) لِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِ لَهُ (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) أَيْ: إنْ عَيَّنَ الْمَفْضُولَ مَعَهَا أَجْزَأَهُ فِيمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَمَنْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَهُ فِيهِ، فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ وَإِنْ عَيَّنَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: شَأْنُكَ إذَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد رَوَيَا أَيْضًا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هَاهُنَا لَقَضَى عَنْك ذَلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
(وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ (فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ) الثَّلَاثَةِ (وَأَرَادَ الذَّهَابَ إلَى مَا عَيَّنَهُ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ خُيِّرَ (عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ) الْمُوَفَّقُ فِي الْقَصْرِ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَدِّ رَحْلٍ فَفِي الْمُبْدِعِ فَالْمَذْهَبُ يُخَيَّرُ وَفِي الْوَاضِحِ: الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ.
(وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي مُعْتَكَفِهِ (ثُمَّ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ الْقِيَامُ فِيهِ لَزِمَ إتْمَامُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ إنْ كَانَ مَنْذُورًا (فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَبْطُلْ) اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
(وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ) بِعَيْنِهِ كَرَمَضَانَ (أَوْ نَذَرَ) اعْتِكَافَ عَشْرٍ بِعَيْنِهِ كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى) أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ إذْ الشَّهْرُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلَةِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِهِ: مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِينَ بِهِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَاعْتِكَافُهُ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ يَشْرَعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً، (وَخَرَجَ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بَعْدَ آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ مَا عَيَّنَهُ بِأَنْ تَغْرُبَ شَمْسُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ نَذَرَ) أَنْ يَعْتَكِفَ (يَوْمًا مُعَيَّنًا) كَيَوْمِ الْخَمِيسِ (أَوْ) نَذَرَ يَوْمًا (مُطْلَقًا) بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَأَطْلَقَ (دَخَلَ) مُعْتَكَفَهُ (قَبْلَ فَجْرِهِ الثَّانِي وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَلَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ.
(فَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا لَزِمَهُ) الِاعْتِكَافُ (مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ) ؛ لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ) فِي نَذْرِهِ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْيَوْمِ (وَكُلُّ زَمَانٍ مُعَيَّنٍ) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (يَدْخُلُ) مُعْتَكَفَهُ قَبْلَهُ وَيَخْرُجُ بَعْدَهُ (لِمَا تَقَدَّمَ) .
(وَإِنْ اعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ) لِيُحْيِيَ لَيْلَةَ الْعِيدِ (وَيَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ لِمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْمَسْجِدِ اهـ وَيَكُونُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مَعْنًى يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِذَا أَطْلَقَهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ كَقَوْلِهِ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا شَهْرًا كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ وَالْعِدَّةِ، (وَحُكْمُهُ فِي دُخُولِ مُعْتَكَفِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ) فَيَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِهِ، (وَيَكْفِي شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيِهِ أَوْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا) ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا، (وَإِنْ ابْتَدَأَ) اعْتِكَافَهُ (الثَّلَاثِينَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَتَمَامُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَإِنْ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ تَمَّ) اعْتِكَافُهُ (فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا) مَعْدُودَةً (أَوْ) نَذَرَ (لَيَالِيَ مَعْدُودَةً فَلَهُ تَفْرِيقُهَا إنْ لَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ) ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ الْمُطْلَقَةَ تُوجَدُ بِدُونِ التَّتَابُعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَنَذْرِ صَوْمِهَا، وَاحْتِجَاجُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَا تَدْخُلُ لَيْلَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ (وَكَذَا عَكْسُهُ) إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَا يَدْخُلُ يَوْمُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا) يَعْنِي نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مُتَفَرِّقًا (فَلَهُ تَتَابُعُهُ) وَلَا يَلْزَمُهُ.
(وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا) مُتَتَابِعَةً (أَوْ) نَذَرَ (لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ) إذَا نَذَرَ الْأَيَّامَ (أَوْ نَهَارًا) إذَا نَذَرَ اللَّيَالِيَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ وَاللَّيْلُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا بَيْنَهُمَا خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَتَابِعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَخَلَّلَهَا مِنْ ذَلِكَ.
(وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ) مِنْ الْيَوْمِ قَبْلَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَجِبْ (كَ نَذْرِ اعْتِكَافِ زَمَنٍ مَاضٍ) لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ، (وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ لَا لَيْلَةَ يَقْدَمُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَنْوِ النَّهَارَ، (فَإِنْ كَانَ لِلنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الِاعْتِكَافَ عِنْدَ قُدُومِ فُلَانٍ مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ قَضَى وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ) الَّذِي قَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ (فَقَطْ) دُونَ مَا مَضَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَابِعٌ لِلْأَدَاءِ.
[فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ تَتَابُعُ اعْتِكَافٍ]
(فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ تَتَابُعُ اعْتِكَافٍ كَ مَنْ نَذَرَ شَهْرًا أَوْ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً وَنَحْوَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاج إلَى فِعْلِهِمَا.
(وَ) كَ (قَيْءٍ بَغْتَةً وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، (وَالطَّهَارَةِ عَنْ حَدَثٍ) كَغُسْلٍ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ (وَلَا) يَخْرُجُ لِطَهَارَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَ (التَّجْدِيدِ وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ (لِيُصَلِّيَ بِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ) وَيَغْتَسِلَ فِيهِ (بِلَا ضَرَرٍ) أَيْ: إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِمَا، (فَإِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) فَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهَا مَشَقَّةٌ وَ (لَهُ قَصْدُ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ) أَيْ مِيضَأَةٍ، (لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ) فِي دُخُولِهَا.
قَالُوا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ) لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَبْعَدِ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) قَبُولُهُ (لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ) مِنْهُ.
(وَيَخْرُجُ) الْمُعْتَكِفُ (لِيَأْتِيَ بِمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ يَحْتَاجُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ؛ (وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لِأَجْلِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي بَيْتِهِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ، وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ) ، (وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (فِي إنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) كَغَسْلِ يَدَيْهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فِي إنَاءٍ (لِيَفْرُغَ خَارِجِ الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُصَلِّينَ بِذَلِكَ، (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِهِمَا) مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا.
(وَيَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ، (أَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ إلَيْهَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لِلشَّرْطِ، (وَلَهُ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ جَائِزٌ فَجَازَ تَعْجِيلُهُ كَالْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ.
(وَ) لَهُ (إطَالَةُ الْمُقَامِ بَعْدَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَّةِ الْمَوْضِعِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ (سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ) ، بَلْ لَهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِمَا، وَذُكِرَ قَبْلَهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي الْمَنْذُورِ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سُرْعَةُ الرُّجُوعِ بَعْدَ) صَلَاتِهِ (الْجُمُعَةَ) إلَى مُعْتَكَفِهِ لِيُتِمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (وَكَذَا) لَهُ الْخُرُوجُ (إنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ (وَلِنَفِيرٍ مُتَعَيَّنٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) ؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ (وَلِشَهَادَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ) لِذَلِكَ لِظَاهِرِ الْآيَاتِ وَالتَّحَمُّلِ كَالْأَدَاءِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَلِخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ: أَوْ مَالِهِ نَهْبًا أَوْ حَرِيقًا وَنَحْوِهِ) كَالْغَرَقِ؛ لِأَنَّهُ عُذِرَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ فَهَهُنَا أَوْلَى، (وَلِمَرَضٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ) كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ (أَوْ لَا يُمْكِنُهُ) الْمُقَامُ مَعَهُ (إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ) فَلَهُ الْخُرُوجُ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ) بِخُرُوجِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ: لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ (إنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ) وَوَجَعِ ضِرْسٍ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَشْبَهَ الْمَبِيتَ بِبَيْتِهِ.
(وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بِأَنْ حُمِلَ وَأُخْرِجَ أَوْ هَدَّدَهُ قَادِرٌ) بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ (فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَعِدَّةَ الْوَفَاةِ بِالْمَنْزِلِ فَمَا أَوْجَبَهُ بِنَذْرِهِ أَوْلَى (كَحَائِضٍ وَمَرِيضٍ وَخَائِفٍ أَنْ يَأْخُذَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَخَرَجَ وَاخْتَفَى) فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ لِلْعُذْرِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَهُ) سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ (لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ (بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ (فَلَا) يَبْطُلُ
اعْتِكَافُهُ (لِوُجُوبِ الْخُرُوجِ) عَلَيْهِ.
(وَإِنْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (مِنْ الْمَسْجِدِ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ) اعْتِكَافُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيَبْنِي) عَلَى اعْتِكَافِهِ (إذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَبْطُلُ فِيهِ.
(فَإِنْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الِاعْتِكَافِ (مَعَ إمْكَانِهِ بَطَلَ مَا مَضَى) ، كَمَا لَوْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ) زَالَا وَأَخَّرَ الرُّجُوعَ بَعْدَ زَوَالِهِمَا فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ يَبْطُلُ بِذَلِكَ.
(وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ) الْمُعْتَكِفَةُ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِوُجُودِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، فَتَرْجِعُ إلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ) مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ رَحَبَةٌ "، (وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحَبَةٌ غَيْرُ مُحَوَّطَةٍ) قَيَّدَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَوَّطَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَحُكْمُهَا حُكْمُهُ (يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ) هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ وَجَمْعُهُ: أَخْبِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ مِثْلُ: كِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ وَيَكُونُ عَلَى عُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ سُنَّ) لَهَا ضَرْبُ الْخِبَاءِ بِهَا وَأَنْ تَجْلِسَ بِهَا (إنْ لَمْ تَخَفْ تَلْوِيثًا، فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ) لِتُتِمَّ اعْتِكَافَهَا لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ.
(وَ) تَخْرُجُ الْمُعْتَكِفَةُ (لِعِدَّةِ وَفَاةٍ) فِي مَنْزِلِهَا لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إذْ تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ (وَنَحْوِهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (مِمَّا يَجِبُ الْخُرُوجُ لَهُ) كَمَا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ وَدَفْنُ مَيِّتٍ.
(وَلَا تُمْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ الِاعْتِكَافَ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ «اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَفَّظَ وَتَتَلَجَّمَ لِئَلَّا تُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِيَانَتُهُ مِنْهَا خَرَجَتْ مِنْهُ) لِوُجُوبِ صِيَانَتِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
(وَلَا يَعُودُ) الْمُعْتَكِفُ (مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَلَا يُجَهِّزُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ اعْتِكَافِهِ (أَوْ وُجُوبٍ) بِأَنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ إذَنْ (وَكَذَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ) عَلَيْهِ (كَزِيَارَةِ)
رَحِمٍ أَوْ صَدِيقٍ (وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا) إذَا لَمْ يَتَعَيَّنَا عَلَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِشَرْطٍ (وَتَغْسِيلِ مَيِّتٍ وَغَيْرِهِ) لَا يَخْرُجُ إلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ مَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ كَالْعَشَاءِ فِي مَنْزِلِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوُقُوفِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَذَرَ مَا أَقَامَهُ وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَ (لَا) يَصِحُّ الشَّرْطُ (إنْ شَرَطَ) الْمُعْتَكِفُ (الْوَطْءَ أَوْ) شَرَطَ الْخُرُوجَ لِأَجْلِ (الْفُرْجَةِ أَوْ النُّزْهَةِ أَوْ الْخُرُوجِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ) شَرَطَ (التَّكَسُّبَ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ) وَالْخُرُوجَ لِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الِاعْتِكَافَ صُورَةً وَمَعْنًى كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ بِالْمَسْجِدِ وَكَالْوَقْفِ لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ مَا يُنَافِيهِ.
(وَإِنْ قَالَ: مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْت فَلَهُ شَرْطُهُ) كَالشَّرْطِ فِي الْإِحْرَامِ، وَإِفَادَتِهِ: جَوَازُ التَّحَلُّلِ إذَا حَدَثَ عَائِقٌ عَنْ الْمُضِيِّ، (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنْ الْمَرِيضِ) مَا لَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِمَسْأَلَتِهِ، (وَ) لَهُ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي طَرِيقِهِ إذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِمَسْأَلَتِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ " وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ اللُّبْثِ الْمُسْتَحَقِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ أَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي مُرُورِهِ، (وَلَهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ إذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (الدُّخُولُ إلَى مَسْجِدٍ) آخَرَ (يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ إنْ كَانَ) ذَلِكَ الْمَسْجِدُ (أَقْرَبَ إلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنْ) الْمَسْجِدِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِصَرِيحِ النَّذْرِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِشُرُوعِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ فَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِ (أَبْعَدَ) مِنْ مَحَلِّ حَاجَتِهِ الْأَوَّلِ، (أَوْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ إلَيْهِ أَيْ: إلَى الْمَسْجِدِ الثَّانِي ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا.
(فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدَانِ مُتَلَاصِقَيْنِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَصِيرُ فِي الْآخَرِ فَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُمَا كَمَسْجِدٍ وَاحِدٍ انْتَقَلَ مِنْ إحْدَى زَاوِيَتَيْهِ إلَى الْأُخْرَى (وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ (فِي غَيْرِهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ قَرُبَ) مَا بَيْنَهُمَا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِمَشْيِهِ بَيْنَهُمَا لِتَرْكِهِ اللُّبْثَ الْمُسْتَحَقَّ إذَنْ.
(وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا) يَعْنِي لِعُذْرٍ مُعْتَادٍ (كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) أَيْ: الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (وَطَهَارَةٍ مِنْ الْحَدَثِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجُمُعَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: لَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنَى لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا وَلَا كَفَّارَةَ إذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْ الِاعْتِكَافِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ وَلَمْ تَنْقُصْ بِهِ مُدَّتُهُ، (وَإِنْ خَرَجَ لِ) عُذْرٍ (غَيْرِ مُعْتَادٍ كَنَفِيرٍ وَشَهَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَقَيْءٍ بَغْتَةً وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، (وَلَمْ يَتَطَاوَلْ فَهُوَ عَلَى اعْتِكَافِهِ وَلَا يَقْضِي الْوَقْتَ الْفَائِتَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا) مُبَاحًا أَشْبَهَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ، (وَإِنْ تَطَاوَلَ) غَيْرُ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، (فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا خُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (وَاجِبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى مُعْتَكَفِهِ) لِأَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(ثُمَّ لَا يَخْلُو) النَّذْرُ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدِهَا: نَذْرُ اعْتِكَافِ أَيَّامٍ غَيْرِ مُتَتَابِعَةٍ وَلَا مُعَيَّنَةٍ) كَنَذْرِهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَعَ الْإِطْلَاقِ (فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَيَّامِ مُحْتَسِبًا بِمَا مَضَى، (لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ) لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ، وَيُكَفِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (الثَّانِي: نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ) بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ فَاعْتَكَفَ بَعْضَهَا ثُمَّ خَرَجَ لِمَا تَقَدَّمَ وَطَالَ (فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى بِأَنْ يَقْضِيَ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) جَبْرًا لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ.
(وَبَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ بِلَا كَفَّارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ (الثَّالِثُ: نَذَرَ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً كَالْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ) لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ، (وَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ.
(وَإِنْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (جَمِيعُهُ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ مُخْتَارًا عَمْدًا أَوْ مُكْرَهًا بِحَقٍّ) ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَأُخْرِجَ لَهُ، (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ.
(وَإِنْ قَلَّ) زَمَنُ خُرُوجِهِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا لَوْ طَالَ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعِهِ: أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بَعْضُ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَيَّ فَأُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي) نَذْرٍ (مُتَتَابِعٍ) بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ بِأَنْ كَانَ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ نَوَاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ لِذَلِكَ (اسْتَأْنَفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إلَّا بِهِ، (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِإِتْيَانِهِ
بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ (مُكْرَهًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ تَقَدَّمَ) حُكْمُهُ قَرِيبًا، (وَإِنْ كَانَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ مُتَتَابِعٍ كَنَذْرِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا أَوْ فِي) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ) كَشَعْبَانَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ (بِالتَّتَابُعِ اسْتَأْنَفَ) لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ، (وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ (وَيَكُونُ الْقَضَاءُ) فِي الْكُلِّ.
(وَالِاسْتِئْنَافُ عَلَى الْكُلِّ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ فِيمَا يُمْكِنُ) ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْرُوطًا فِيهِ الصَّوْمُ أَوْ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُسْتَأْنَفَ يَكُونُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ زَمَنًا وَمَضَى فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لُزُومُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى؛؛ لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَعَلَى هَذَا: فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَشَرَعَ فِي اعْتِكَافِهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ مِنْ قَابِلٍ؛ لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ عَنْ نَذْرِهِ فَإِذَا أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (الْوَطْءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] (فَإِنْ وَطِئَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي فَرْجٍ وَلَوْ نَاسِيًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) لِمَا رَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَ الِاعْتِكَافَ "؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَفْسُدُ بِالْوَطْءِ عَمْدًا فَكَذَلِكَ سَهْوًا كَالْحَجِّ.
(وَلَا كَفَّارَةَ لِلْوَطْءِ) لِعَدَمِ النَّصِّ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، (بَلْ) عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ) إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (وَإِنْ بَاشَرَ) الْمُعْتَكِفُ (دُونَ الْفَرْجِ) أَوْ قَبَّلَ (لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ) كَغَسْلِ رَأْسِهِ وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
(وَ) إنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبَّلَ (لِشَهْوَةٍ حَرُمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] .
(فَإِنْ أَنْزَلَ فَكَوَطْءٍ فَيَفْسُدُ) اعْتِكَافُهُ وَلَا كَفَّارَةَ لَهُ بَلْ لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ (فَلَا) إفْسَادَ كَالصَّوْمِ.
(وَإِنْ سَكِرَ) الْمُعْتَكِفُ (وَلَوْ لَيْلًا) بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ كَالْمَرْأَةِ تَحِيضُ
(أَوْ ارْتَدَّ) الْمُعْتَكِفُ (بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] ؛ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ.
(وَلَا يَبْنِي إذَا زَالَ سُكْرُهُ أَوَعَادَ إلَى الْإِسْلَام؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ) بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ (وَإِنْ شَرِبَ الْمُعْتَكِفُ مُسْكِرًا وَلَمْ يُسْكِرْهُ أَوْ أَتَى كَبِيرَةً لَمْ يَفْسُدْ) اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ) أَيْ: كُلِّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: يُهِمُّهُ مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الِاعْتِكَافِ (فَفِيهِ أَوْلَى) رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابِ اللَّهِ: أَنْ تَقْرَأَهُ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ تَنْطِقَ فِي مَعِيشَتِك بِمَا لَا بُدَّ لَك مِنْهُ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ تَزُورَهُ) فِي الْمَسْجِدِ (زَوْجَتُهُ) وَتَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتُصْلِحَ رَأْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ (مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْهَا وَلَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ) «؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ زَارَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَدَّثَ مَعَهَا، وَرَجَّلَتْ عَائِشَةُ رَأْسَهُ» ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا) بِحَيْثُ (لَا يَشْغَلُهُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " أَيُّ رَجُلٍ اعْتَكَفَ فَلَا يُسَابَّ وَلَا يَرْفُثْ فِي الْحَدِيثِ وَيَأْمُرْ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: وَهُوَ يَمْشِي وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَلَا يَبِيعُ) الْمُعْتَكِفُ (وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ طَعَامٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ أَوْ يُعَرِّجَ لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إلَى اللَّيْلِ) وَ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَالتَّحْقِيقِ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إنْ طَالَ حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلَامِ الْوَاجِبِ صَارَ حَرَامًا، كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ: وَكَذَا أَنْ تَعْتَدَّ بِالصَّمْتِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ وَفُضُولُ الْكَلَامِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الصَّمْتَ (لَمْ يَفِ بِهِ)
لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَظِلُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَأَنْ يَصُومَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد.
" وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالُوا: حَجَّتْ مُصْمَتَةً فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الصِّدِّيقِ هَذَا وَقَوْلِهِ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» بِأَنَّ قَوْلَهُ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] .
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ فَأَشْبَهَ اسْتِعْمَالَ الْمُصْحَفِ فِي التَّوَسُّدِ وَنَحْوِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الشَّيْخُ إنْ قَرَأَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ أَوْ) قَرَأَ (مَا يُنَاسِبُهُ فَحَسَنٌ كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ لِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: 16] وَقَوْلُهُ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُعْتَكِفِ (إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةُ الْفُقَهَاءِ وَمَجَالِسُهُمْ وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ
الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا ذَلِكَ كَالطَّوَافِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ اسْتِحْبَابَهُ إذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ لَا الْمُبَاهَاةَ، (لَكِنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ) .
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ طَاعَةٌ وَحُضُورُهُ قُرْبَةٌ، وَمُدَّتُهُ لَا تَتَطَاوَلُ فَهُوَ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ.
(وَ) لَا بَأْسَ أَنْ (يُصْلِحَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَيُهِنِّي وَيُعَزِّي وَيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ كُلَّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُعْتَكِفِ (تَرْكُ لُبْسٍ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ وَ) أَنْ (لَا يَنَامَ إلَّا عَنْ غَلَبَةٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ وَأَنْ لَا يَنَامَ مُضْطَجِعًا بَلْ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَ) لَا بَأْسَ (أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَضَعَ سُفْرَةً) وَشِبْهَهَا (يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ عَنْهُ لِئَلَّا يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ) .
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ) الْمُعْتَكِفُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا فَكَانَ تَرْكُ الطِّيبِ فِيهَا مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]
ِ (يَجِبُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْمَحَالِّ) جَمْعُ مَحِلَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَنَحْوِهَا حَسَبَ الْحَاجَةِ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا: الْجُسُورُ وَالْقَنَاطِرُ وَأَرَاهُ ذَكَرَ الْمَصَانِعَ وَالْمَسَاجِدَ انْتَهَى، وَفِي الْحَثِّ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَتَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ «وَأَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، (وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا قَالَ بُكَيْر: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةُ أَبْنِيَتِهَا مُسْتَحَبَّةٌ) لِلْأَخْبَارِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ وَقَذَرٍ وَقَذَاةِ) عَيْنٍ (وَمُخَاطٍ وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ وَقَصِّ شَارِبٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَنَتْفِ إبْطٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ ". (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُصَانَ (عَنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَنَحْوِهِمْ) كَفُجْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، (فَإِنْ دَخَلَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدَ (آكِلٌ ذَلِكَ) أَيْ: مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَنَحْوِهِمَا، (أَوْ) دَخَلَهُ (مَنْ لَهُ صُنَانٌ أَوْ بَخْرٌ، قَوِيَ إخْرَاجُهُ) أَيْ اسْتِحْبَابُ إخْرَاجِهِ إزَالَةً لِلْأَذَى، (وَعَلَى قِيَاسِهِ: إخْرَاجُ الرِّيحِ مِنْ دُبُرِهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ بِجَامِعِ الْإِيذَاءِ بِالرَّائِحَةِ فَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ مِنْهُ لِأَجْلِهِ.
(وَ) يُصَانُ الْمَسْجِدُ (مِنْ بُزَاقٍ وَلَوْ فِي هَوَائِهِ) أَيْ: هَوَاءِ الْمَسْجِدِ كَسَطْحِهِ؛ لِأَنَّهُ كَقَرَارِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْبُزَاقُ (فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (خَطِيئَةٌ) لِلْخَبَرِ، (فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا) كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ (فَكَفَّارَتُهَا: دَفْنُهَا) لِلْخَبَرِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا، بَلْ كَانَتْ بَلَاطًا أَوْ رُخَامًا (مَسَحَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَتُهَا.
(وَلَا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا إزَالَةَ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يُزِلْهَا) أَيْ: الْبَصْقَةَ أَوْ النُّخَامَةَ وَنَحْوَهَا (فَاعِلُهَا لَزِمَ غَيْرَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهَا إزَالَتُهَا بِدَفْنٍ) إنْ كَانَتْ أَرْضُهُ حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَسْحٍ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ كَذَلِكَ، (فَإِنْ بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) فِي الْمَسْجِدِ (أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَحَكَّهُ) أَيْ: الثَّوْبَ (بِبَعْضِهِ) لِيَذْهَبَ (وَإِنْ كَانَ) الْبُزَاقُ وَنَحْوُهُ (عَلَى حَائِطٍ وَجَبَ أَيْضًا إزَالَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، (وَيُسَنُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهِ) أَيْ مَوْضِعِ الْبُزَاقِ مِنْ الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْسَنَ هَذَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ) إنْ تَحَصَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مُوَضَّحًا وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ: الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدَ (بِنَقْشٍ وَصِبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ) فَعَلَ ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ) فِعْلُهُ.
(وَوَجَبَ الضَّمَانُ) أَيْ: ضَمَانُ مَالِ الْوَقْفِ الَّذِي صَرَفَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ.
(وَفِي الْغُنْيَةِ: لَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ انْتَهَى أَيْ: يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ أَيْ: تَبْيِيضُهَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ وَلَمْ يَرَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَقَالَ: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْأَوَّلِ.
(وَيُصَانُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ) فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ.
(قَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلِّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَلَمْ يُكْرَه أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ أَوْ نَحْوُهُ.
(وَيَحْرُمُ فِيهِ أَيْ الْمَسْجِدِ) الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ؛ (لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ) لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ قَلَّ الْمَبِيعُ أَوْ كَثُرَ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ لَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَرَأَى عِمْرَانُ الْقَصِيرُ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسَاجِدِ فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّ هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ فَإِنْ أَرَدْتَ الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا " (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ (فَبَاطِلٌ) قَالَ أَحْمَدُ، وَإِنَّمَا هَذِهِ بُيُوتُ اللَّهِ لَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَطَعَ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ.
وَفِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ (وَيُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك) رَدْعًا لَهُ، (وَلَا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (بِالصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا قَلِيلًا كَانَ) ذَلِكَ (أَوْ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ.
سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ أَوْ رَشٍّ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ
بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، (وَلَا يَبْطُلُ بِهِنَّ) أَيْ: بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ (الِاعْتِكَافُ) كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِلْمَعَايِشِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ (وَقُعُودُ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُكْرِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَشْتَرِيهَا وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ) كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، (وَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الصُّنَّاعُ وَالْفَعَلَةُ (خَارِجَ أَبْوَابِهِ) يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُكْرِيهِمْ (فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ.
قَالَ (الْإِمَامُ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: (لَا أَرَى لِرَجُلٍ) وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى وَالْمَرْأَةُ (إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10] .
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يُصَانَ) الْمَسْجِدُ عَنْ عَمَلِ صَنْعَةٍ لِتَحْرِيمِهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُكْرَهُ الْيَسِيرُ) مِنْ الْعَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نَعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي) أَنْ يَتَعَهَّدَ (الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَنَحْوِهِ) كَرَشٍّ (أَوْ لَمْ يَكُنْ) كَذَلِكَ (وَيَحْرُمُ) فِعْلُ ذَلِكَ (لِلتَّكَسُّبِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا الْكِتَابَةَ، فَإِنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ سَهَّلَ فِيهَا وَلَمْ يُسَهِّلْ فِي وَضْعِ النَّعْشِ فِيهِ، قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ) ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّقَيُّدَ بِمَا لَا يَكُونُ تَكَسُّبًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَارِثِيِّ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ: التَّسْهِيلُ فِي الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَكْثِيرِ كُتُبِهِ.
(وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ الْكِتَابَةَ فِيهِ) بِالْأَجْرِ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ضَرَرٌ بِحِبْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) الْمَسْجِدُ (عَنْ صَغِيرٍ لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ) (وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ.
(وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ لَغَطٍ وَخُصُومَةٍ وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لَاغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا) ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
(وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّعِبِ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ: مِنْ الْغِنَاءِ وَالتَّصْفِيقِ وَالضَّرْبِ بِالدُّفُوفِ، وَيُمْنَعُ فِيهِ اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ
مِنْ الْمَفَاسِدِ.
(وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (إيذَاءُ الْمُصَلِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) لِحَدِيثِ: «مَا أَنْصَفَ الْقَارِئُ الْمُصَلِّيَ» وَحَدِيثِ «أَلَا كُلُّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ» .
وَيُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ دُخُولِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ بِلَا تَيَمُّمٍ هَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْغُسْلِ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَمَفْهُومُهُ: لَا يُمْنَعُ مِنْهُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا تَتَعَدَّى.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَلَ فِي حَيِّزِ الْمُلَاحَاةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى.
وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَالْقَضَاءُ وَاللِّعَانُ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَفِيهِ قَالَ: «فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ لِحَدِيثِ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «شَهِدْتُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَيُبَاحُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَكُونَ فِي خَيْمَةٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُبَاحُ (إدْخَالُ الْبَعِيرِ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» .
(وَيُصَانُ عَنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ مُطْلَقًا) خِيفَ تَلْوِيثُهُ أَوْ لَا، (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ جُلُوسِهِمَا فِيهِ) قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُمَا فِيهِ مُحَرَّمٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) الْمَسْجِدُ (عَنْ الْمُرُورِ فِيهِ بِأَنْ لَا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ وَكَوْنُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (طَرِيقًا قَرِيبًا حَاجَةٌ) فَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ.
(وَكَذَا الْجُنُبُ بِلَا وُضُوءٍ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجِبُ أَنْ يُصَانَ عَنْهُ (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) عَنْ مُرُورِهِ فِيهِ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ جَازَ لَهُ اللُّبْثُ وَالنَّوْمُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ.
(وَيُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ النَّوْمُ فِيهِ) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَأَنْكَرَ الضِّجْعَةَ وَلَمْ يُنْكِرْ نَوْمَهُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ يَنَامُونَ فِي الْمَسْجِدِ
(قَالَ) الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ (الْحَارِثِيُّ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ أَيْ النَّوْمِ لِلْمُعْتَكِفِ (وَكَذَا مَا لَا يُسْتَدَامُ كَبَيْتُوتَةِ الصَّيْفِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَقَيْلُولَةِ الْمُجْتَازِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ، عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ كَمَا مَرَّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي دَاوُد، وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَارِثِيِّ (لَكِنْ لَا يَنَامُ قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي اسْتِقْبَالُ نَائِمٍ قُلْت وَعَلَى هَذَا فَلَهُمْ إقَامَتُهُ.
(وَيُسَنُّ صَوْنُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ) ، قُلْتُ: بَلْ يَجِبُ.
(وَ) عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ (قَبِيحٍ) وَعَمَلِ سَمَاعٍ وَإِنْشَادِ ضَالَّةٍ أَيْ: تَعْرِيفِهَا (وَنِشْدَانُهَا) أَيْ: طَلَبُهَا (وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ) أَيْ: سَامِعِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ (أَنْ يَقُولَ: لَا وَجَدْتهَا وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) يُسَنُّ صَوْنُهُ (عَنْ إقَامَةِ) حَدٍّ نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ الرِّعَايَةِ قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَ) عَنْ (سَلِّ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَنْوَاعِ السِّلَاحِ احْتِرَامًا لَهُ.
(وَيُكْرَهُ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (الْخَوْضُ وَالْفُضُولُ) مِنْ الْكَلَامِ (وَحَدِيثُ الدُّنْيَا وَالِارْتِفَاقُ بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ (وَإِخْرَاجُ حَصَاهُ وَتُرَابُهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَغَيْرُهُ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: كَذَا قَالُوا وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إمَّا مُرَادُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ، وَإِمَّا مُرَادُهُمْ إخْرَاجُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ لَا الْكَثِيرِ انْتَهَى وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْحَجِّ.
(وَلَا يَسْتَعْمِلُ النَّاسَ حُصْرَهُ وَقَنَادِيلَهُ) وَسَائِرَ مَا وُقِفَ لِمَصْلَحَةٍ (فِي مَصَالِحِهِمْ كَالْأَعْرَاسِ وَالْأَعْزِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوقَفْ لِذَلِكَ وَيَجِبُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ.
(وَمَنْ لَهُ الْأَكْلُ فِيهِ فَلَا يُلَوِّثُ حُصْرَهُ وَلَا يُلْقِي الْعِظَامَ وَنَحْوَهَا) كَقُشُورِ الْبِطِّيخِ وَنَوَى التَّمْرِ وَنَحْوِهِ (فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ (تَقْذِيرٌ) لَهُ، (فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ تَنْظِيفُ ذَلِكَ) وَعَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُصَاقِ: إنْ لَمْ يُزِلْهُ فَاعِلُهُ، وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ غَيْرُهُ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيُقْلَعُ مَا غُرِسَ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ إيقَافِهِ) أَيْ: الْمَغْرُوسِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (حَفْرُ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ
فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا قُلْت فَإِنْ حُفِرَتْ تَرَى أَنْ يُؤْخَذَ الْمُغْتَسَلُ فَيُغَطَّى بِهِ الْبِئْرُ؟ قَالَ إنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُتَوَفَّى (وَيَأْتِي آخِرَ الْوَقْفِ) مُفَصَّلًا.
(وَيَحْرُمُ الْجِمَاعُ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يُكْرَهُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: أَكْرَهُ لِمَنْ بَالَ أَنْ يَمْسَحَ ذَكَرُهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَظْرُ.
(وَجَوَّزَ فِي الرِّعَايَةِ الْوَطْءَ فِيهِ وَعَلَى سَطْحِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِد فِي الْغُسْلِ.
(وَيَحْرُم بَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (وَلَوْ فِي إنَاءٍ) ؛؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ.
(وَ) يَحْرُمُ فِيهِ (فَصْدٌ وَحِجَامَةٌ وَقَيْءٌ وَنَحْوُهُ) كَبَطِّ سِلْعَةٍ وَلَوْ فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لَهَذَا فَوَجَبَ صَوْنُهُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الْفَصْدِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَبِيرَةٌ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَفَعَلَهُ) كَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَى مُعْتَكَفِهِ.
(وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ) كَالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْحُمَّى الْيَسِيرَةِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ.
(وَكَذَا حُكْمُ نَجَاسَةٍ فِي هَوَائِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (كَالْقَتْلِ عَلَى نِطْعٍ وَدَمٍ وَنَحْوِهِ) كَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ (فِي إنَاءٍ) فَيَحْرُمُ لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ.
(وَإِنْ بَالَ خَارِجَهُ) أَيْ: خَارِجَ الْمَسْجِدِ (وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ.
(وَيُبَاحُ الْوُضُوءُ فِيهِ وَالْغُسْلُ بِلَا ضَرَرٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ " وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ بُصَاقٌ أَوْ مُخَاطٌ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ وَبَعْضُهُ فِي آخِرِ الْوُضُوءِ.
وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ كَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ وَطِفْلٍ لَا يُمَيِّزُ.
(وَ) يُبَاحُ (قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ فِيهِ إنْ أَخْرَجَهُ، وَإِلَّا حَرُمَ إلْقَاؤُهُ فِيهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَلَعَلَّهُ بُنِيَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ قِشْرِهِمَا وَإِلَّا فَصَرَّحُوا بِجَوَازِ الدَّفْنِ وَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ إنْ دَفَنَهَا، وَقَرَارُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ.
(وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] .
(وَلَا) يُمْنَعُ الْكَافِرُ دُخُولَ (حَرَمِ الْمَدِينَةَ) ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ فَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ لِكَافِرٍ
(دُخُولُ مَسْجِدِ الْحِلِّ وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 18] .
(وَيَجُوزُ دُخُولُهَا) أَيْ: مَسَاجِدِ الْحِلِّ (لِلذِّمِّيِّ) وَمِثْلُهُ الْمُعَاهِدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا.
(وَلَا بَأْسَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ) خُصُوصًا لِمُذَاكَرَةٍ لَا لِمَكْرُوهٍ وَمَعْصِيَةٍ.
(وَ) لَا بَأْسَ (بِالْأَكْلِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) لَا بَأْسَ (بِالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ لِمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ) وَكَذَا لَوْ احْتَاطَ بِحَيْثُ يَأْمَنُ كَشْفَ عَوْرَتِهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِذَا دَخَلَهُ وَقْتُ السَّحَرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى صَدْرِهِ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ) قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّقَدُّمِ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ السَّحَرِ.
(وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ) أَيْ: سُؤَالُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ (وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَ (لَا) يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ (عَلَى غَيْرِ السَّائِلِ) وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَ لَهُ الْخَطِيبُ وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ: " صَلَّيْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقْرُبُ مِنِّي فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ إلَى ذَلِكَ السَّائِلِ وَقَالَ: أَعْطِنِي تِلْكَ الْقِطْعَةَ فَأَبَى فَقَالَ: أَعْطِنِي وَأُعْطِيك دِرْهَمًا فَلَمْ يَفْعَلْ فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُو أَنْتَ.
(وَيُقَدِّمُ دَاخِلُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (يُمْنَاهُ فِي دُخُولِهِ عَكْسُ خُرُوجِهِ) فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ يُسْرَاهُ (وَيَقُولُ) عِنْدَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ (مَا وَرَدَ وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَوْفًى.
(وَإِذَا لَمْ يُصَلِّ فِي نَعْلِهِ وَضَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَرْمِ بِهِمَا عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَاظُمِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ.
(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَذَى أَحَدٍ لَمْ يَجُزْ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ) ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ رَمْيُ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ فَرْوٍ (وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ) بَلْ يَضَعَهُ وَضْعًا.
وَتَقَدَّمَ حُكْمُ رَمْيِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ بِالْأَرْضِ فِي آخِرِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
(وَيُسَنُّ كَنْسُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ (وَتَجْمِيرُهُ فِي الْجُمَعِ) وَمِثْلُهَا الْأَعْيَادُ.
(وَيُسْتَحَبُّ شَعْلُ الْقَنَادِيلِ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَقَطْ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، وَكَانَتْ الْبِلَادُ إذْ ذَاكَ خَرَابًا قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَكَثْرَةُ إيقَادِهَا زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ يُمْنَعُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ: (الْمَوْقُوفُ عَلَى الِاسْتِصْبَاحِ فِي الْمَسَاجِدِ يُسْتَعْمَلُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُعْتَادِ) كَ (لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَلَا كَلَيْلَةِ الْخَتْمِ) فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ.
(وَلَا اللَّيْلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالرَّغَائِبِ) أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ (فَإِنْ زَادَ) عَلَى الْمُعْتَادِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي وَشَبَهِهَا ضَمِنَ؛ (لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِدْعَةٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا وَنَفْعِ الْآخِرَةِ وَيُؤَدِّي عَادَةً إلَى كَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّهْوِ وَشَغْلِ قُلُوبِ الْمُصَلِّينَ وَيُوهِمُ كَوْنَهَا قُرْبَةً وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ انْتَهَى) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ بَعْضِ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إيقَادُ الْمَآذِن لَكِنَّهُ فِي رَمَضَانَ صَارَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ عَلَامَةً عَلَى بَقَاءِ اللَّيْلِ.
(وَيَنْبَغِي إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَسْجِدِ مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ أَنْ لَا يُلْقِيَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ خَلَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ فَإِذَا أَلْقَى فِيهِ وَكَكُنَاسَةٍ وَنَحْوِهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي هَذَا (بِخِلَافِ حَصْبَاءَ وَنَحْوِهَا) مِنْ أَجْزَاءِ تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَطِينِهِ وَطِيبِهِ (لَوْ أَخَذَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَمَى بِهِ فِيهِ) لِأَنَّ اسْتِبْقَاءَ ذَلِكَ فِيهِ مَطْلُوبٌ.
(وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ) صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْبِئْرِ وَالْفَرَسِ وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ» فَأَمَّا الْبِئْرُ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَارَ عَلَيْهِ بِرَسَنِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ " وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْنَادُهُ جَيِّدٌ
وَهُوَ مُرْسَلٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ (وَيُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ) ؛ لِأَنَّهَا لِذَلِكَ بُنِيَتْ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْنِدَ ظَهْرَهُ إلَيْهَا) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَيْهَا.
(وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ وَلَا حَالَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى خِلَافِ صِفَةِ مَا شَبَّكَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّشْبِيكِ حِينَ ذَكَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
(وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (وَ) يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ (فِي الْمَنْزِلِ) وَكَذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ.
(وَيُضْمَنُ الْمَسْجِدُ بِالْإِتْلَافِ إجْمَاعًا وَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا.
(قَالَ الشَّيْخُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَ) أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ) وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ عَلَى سَابَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةِ جِسْرٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ وَعَنْهُ: يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِلَا إذْنِهِ وَحَيْثُ جَازَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَتَصِحُّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ إلَى جَانِبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ فِتْنَةٍ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ الْمُضَارَّةُ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَيَحْرُمُ بِنَاءُ مَسْجِدٍ يُرَادُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ.
(وَيُكْرَهُ تَطْيِينُهُ) (بِنَجَسٍ وَ) يُكْرَهُ (بِنَاؤُهُ بِنَجَسٍ) مِنْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَا تَطْبِيقُهُ بِطَوَابِقَ نَجِسَةٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَقِيَاسُهُ: تَجْصِيصُهُ بِجِصٍّ نَجِسٍ قُلْتُ: وَالتَّحْرِيمُ فِي الْكُلِّ أَظْهَرُ.
(وَ) إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْقَرْيَةِ أَحَدٌ بَلْ مَاتُوا أَوْ أَسْلَمُوا جَازَ أَنْ (تُتَّخَذَ الْبِيعَةُ مَسْجِدًا) وَمِثْلُهَا الْكَنِيسَةُ وَالدُّيُورَةُ وَصَوَامِعُ الرُّهْبَانِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ بِبَرِّ الشَّامِ فَإِنَّهُ فُتِحَ عَنْوَةً قَالَهُ الشَّيْخُ وَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ ضَرْبُ الْخِبَاءِ وَاحْتِجَازُ الْحَصِيرِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
(وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ مُدَاوَمَةُ مَوْضِعٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَسْجِدِ (لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّحْجِيرَ، (فَإِنْ دَاوَمَ) عَلَى الصَّلَاةِ بِمَوْضِعٍ (فَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا قَامَ مِنْهُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ) لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ» .
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا) وَلَوْ
وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ (وَيَجْلِسُ مَكَانَهُ أَوْ يُجْلِسُ غَيْرَهُ مَكَانَهُ) لِمَا سَبَقَ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ التَّنْقِيحِ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ (إلَّا الصَّبِيَّ فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَ) تَقَدَّمَ أَيْضًا (آخِرَ الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحًا.
(وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ تَرْكَ إعْرَاضٍ وَهُوَ السَّابِقُ إلَيْهِ، (وَإِنْ كَانَ) قَامَ مِنْهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ بِقِيَامِهِ) مِنْهُ (لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا وَنَحْوَهُ) فِي مَكَانِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ رَفْعُهُ.
(وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا) قُلْتُ: إلَّا لِإِقْرَاءِ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ قُلْنَا: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ (أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ) بِالْمَسْجِدِ تَحْصِيلًا لِثَوَابِ الِاعْتِكَافِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا) ؛ إذْ الْحَسَنَاتُ تَتَضَاعَفُ بِالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ.
(وَإِنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ) مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِعُلُوِّهِ (أَوْ) (جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِالْآخَرِ) فِيمَا شَاءَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ وَإِنْ جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِسُفْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُفْلٍ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ الْمَسْجِدُ وَيُجَدَّدَ بِنَاؤُهُ لِمَصْلَحَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ تَارَةً فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ غَيْرُ حَصِينٍ وَلَهُ مَنَارَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكِلَابُ وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ.
(قَالَ الْقَاضِي حَرِيمُ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ إنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهَا مُضِرًّا بِأَهْلِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ: مُنِعُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا
دَفْعًا لِلضَّرَرِ
(وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ بِهَا أَحَقُّ) مِنْ غَيْرِهِمْ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا (ضَرَرٌ جَازَ الِارْتِفَاقُ بِحَرِيمِهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ) وَلَا نَائِبِهِ لِلْحَرَجِ.
(وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ) مُوَضَّحًا.
(قَالَ الشَّيْخُ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ) وَتَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَيَجُوزُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَإِذَا سَرَّحَ شَعْرَهُ فِيهِ وَجَمَعَهُ أَيْ: السَّاقِطَ مِنْ شَعْرِهِ (فَلَمْ يَتْرُكْهُ) بِالْمَسْجِدِ (فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ أَوْ نَجَاسَتِهِ) لِإِخْلَاءِ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، (وَأَمَّا إذَا تَرَكَ شَعْرَهُ فِيهِ فَهَذَا يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا) ، بَلْ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ يَحْرُمُ وَكَالدَّمِ، (فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ) قُلْتُ: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ إذَا دَفَنَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا كَرَاهَةَ وَكَذَا تَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ.
[كِتَابِ الْحَجِّ]
بَابٌ كِتَابِ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ وَعَكْسُهُ: شَهْرُ الْحِجَّةِ وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] وَنَحْوُ: «فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَتُرْجِمَ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنَاسِكِ، وَهِيَ جَمْعُ مَنْسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ وَقَدْ غَلَبَ إطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا وَلِمَا تَتَضَمَّنُهُ كَثْرَةَ الذَّبَائِحِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا (وَهُوَ) أَيْ: الْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ، (وَشَرْعًا قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَتَقَدَّمَ.
(وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ الرِّعَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ لِلْوَالِدِ وَالْأُمِّ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَالتَّطَوُّعَاتُ أَوْلَى اهـ يَعْنِي عَلَى كَلَامِ الرِّعَايَةِ: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ الْحَجُّ نَفْلًا إلَّا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ رَقِيقٍ بَلْ إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَقَدْ تَبِعَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى.
(وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَقِيلَ: سِتٍّ وَقِيلَ: خَمْسٍ وَالْأَصْلُ فِي فَرِيضَتِهِ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] (وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَعْدَ هِجْرَتِهِ (إلَى الْمَدِينَةِ) سِوَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (قَالَ الْقَاضِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا) . وَقَالَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَكَّةَ بَعْدَهَا (وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ) مِنْ الْهِجْرَةِ (وَكَانَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَارِنًا نَصًّا) .
قَالَ أَحْمَدُ لَا أَشُكَّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ اهـ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا رَوَى أَنَسٌ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ «وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ» قَالَ أَنَسٌ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ حِينَ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَجَّةً وَمَا هُوَ ثَبْتٌ عِنْدِي وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
(وَالْعُمْرَةُ) لُغَةً الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ إذَا زَارَهُ، وَشَرْعًا (زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَتَجِبُ) الْعُمْرَةُ (عَلَى الْمَكِّيِّ كَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَكِّيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ، وَأَمَّا بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمَسْكُوتِ فِيهَا عَنْهَا فَلِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُهَا، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ «إنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، (وَنَصُّهُ: لَا) تَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَنَصُّ مَا فِي الْمُغْنِي: أَنَّ رُكْنَ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمَهَا: الطَّوَافُ قَالَ أَحْمَدُ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ " وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمْ دَمَ التَّمَتُّعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ.
وَفِي الشَّرْحِ: وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْحَجِّ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ عَمَّا تَقَدَّمَ: بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَطُفْ، وَمَنْ طَافَ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ عَنْهَا كَالْآفَاقِيِّ.
(وَيَجِبَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلُّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا: فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ (عَلَى الْفَوْرِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَصَّ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْثَمُ إنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْفَوْرِ وَيُؤَيِّدُهُ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِط يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ وَلَا سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوَحَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»