صفحات 48-87
التَّبْيِيتِ (مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَغَيْرِهِمَا) كَمَجْنُونٍ وَشَيْخٍ فَانٍ، إذَا لَمْ يُقْصَدُوا لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَكَذَا قَتْلُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (فِي مَطْمُورَةٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُمْ) أَيْ: النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَنَحْوَهُمْ.
(وَ) يَجُوزُ أَيْضًا (رَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا وَنَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِهِ مُعْتَادٌ كَالسِّهَامِ، وَسَوَاءٌ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.
(وَ) يَجُوزُ (قَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَ) قَطْعُ (السَّابِلَةِ) عَنْهُمْ (وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَتْلَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ السَّابِقِ فِيهِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ.
(وَ) يَجُوزُ (الْإِغَارَةُ عَلَى عَلَّافِيهِمْ وَحَطَّابِيهِمْ وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِمَّا فِيهِ إضْعَافٌ وَإِرْهَابٌ لَهُمْ.
(وَلَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلِهِمْ) بِالْمُهْمَلَةِ (وَلَا تَغْرِيقُهُ) لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِأَشْيَاءَ قَالَ: «إذَا غَزَوْت، فَلَا تُحَرِّقْ نَحْلًا، وَلَا تُغْرِقْهُ» وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَحْوَهُ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَهُ فَسَادٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ فَلَمْ يَجُزْ إهْلَاكُهُ لِيَغِيظَهُمْ، كَنِسَائِهِمْ.
(وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعَسَلِ وَأَكْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ (وَ) يَجُوزُ (أَخْذُ شَهْدِهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ لِلنَّحْلِ شَيْئًا فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّهْدَ مِنْ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ، وَهَلَاكُ النَّحْلِ بِأَخْذِ جَمِيعِهِ يَحْصُلُ ضِمْنًا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَأَشْبَهَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ فِي الْبَيَاتِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُ) أَيْ: لِلنَّحْلِ (شَيْئًا) مِنْ الشَّهْدِ لِيَبْقَى بِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، وَلَوْ شَاةً) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي وَصِيَّتِهِ: " وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَأْكَلَةٍ " (أَوْ مِنْ دَوَابِّ قِتَالِهِمْ) ، فَلَا يَجُوزُ عَقْرُهَا لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا حَالَ قِتَالِهِمْ) ، فَيَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ،؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ إذْ قَتْلُ بَهَائِمِهِمْ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ) فَيُبَاحُ قَتْلُهَا لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الصِّدِّيقِ " إلَّا لِمَأْكَلَةٍ "؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ
فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
(وَيُرَدُّ الْجِلْدُ فِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهِ وَكَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ كَالْخَيْلِ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ، كَالدَّجَاجِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ وَالصُّيُودِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ) فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
(وَيَجُوزُ حَرْقُ شَجَرِهِمْ، وَزَرْعِهِمْ، وَقَطْعُهُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ لَوْ كَانَ) كَائِنٌ (لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (إلَّا بِهِ) كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ (أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ) أَيْ: حَرْقَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ وَقَطْعَهُمَا (مِنَّا) أَيْ: مَعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ (فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَنْتَهُوا) عَنْهُ، وَيَنْزَجِرُوا.
(وَمَا تَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ) مِنْ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ (لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعُلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا) بِقَطْعِهِ (حَرُمَ قَطْعُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَا (وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَفْعَ لَهُمْ) بِهِ (سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: 5] الْآيَةَ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَة مُسْتَطِيرُ
» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَكَذَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (بِالنَّارِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ فِي كِفَّاتِ الْمَجَانِيقِ، وَيَجُوزُ تَدْخِينُهُمْ فِي الْمَطَامِيرِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِغَرَقِهِمْ، وَفَتْحُ حُصُونِهِمْ وَعَامِرِهِمْ) أَيْ: هَدْمِهَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ (فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ) لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ وَفَعَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ.
(وَيَجُوزُ إتْلَافُ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ) وَفِي الْمُنْتَهَى يَجِبُ (وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا وَوَرَقِهَا) أَيْ:، فَيَجُوزُ إتْلَافُهَا تَبَعًا.
(وَإِذَا ظُفِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِهِمْ) أَيْ: بِأَهْلِ الْحَرْبِ (حَرُمَ قَتْلُ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ
بِنَفْسِ السَّبْيِ، فَفِي قَتْلِهِمْ إتْلَافُ الْمَالِ فَإِنْ شُكَّ فِي بُلُوغِ الصَّبِيِّ عُوِّلَ عَلَى شَعْرِ الْعَانَةِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ.
(وَخُنْثَى) لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (وَرَاهِبٌ، وَلَوْ خَالَطَ النَّاسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ " سَتَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ فِي صَوَامِعَ لَهُمْ، احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يَبْعَثَهُمْ اللَّهُ عَلَى ضَلَالِهِمْ ".
(وَشَيْخٌ فَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " نَهَى عَنْ قَتْلِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] بِقَوْلِهِ: " لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ "؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ قَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ وَخَبَرُنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
(وَزَمِنٌ وَأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا نِكَايَةٌ فَأَشْبَهَا الشَّيْخَ الْفَانِيَ (وَفِي الْمُغْنِي) وَالشَّرْحِ (وَعَبْدٌ وَفَلَّاحٌ) لَا يُقَاتِلُ لِقَوْلِ " عُمَرَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ "؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، أَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ.
وَفِي الْإِرْشَادِ: وَحَبْرٌ (لَا رَأْيَ لَهُمْ) فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَا رَأْيٍ - وَخَصَّهُ فِي الشَّرْحِ بِالرِّجَالِ - وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ - جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، لِأَجْلِ اسْتِعَانَتِهِمْ بِرَأْيِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ عَلَى الْحَرْبِ وَرُبَّمَا كَانَ أَبْلَغَ فِي الْقِتَالِ قَالَ الْمُتَنَبِّي:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلُ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسِ مَرَّةً ... بَلَغَتْ مِنْ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الْفَتَى أَقْرَانَهُ ... بِالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الْفُرْسَانِ
(إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ» .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي، فَسَكَتَ» (أَوْ يُحَرِّضُوا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقِتَالِ فَإِنْ حَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُهُ فَإِنَّ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ أَبْلَغُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ الْقِتَالَ بِأَنْفُسِهِمْ.
(وَلَا يُقْتَلُ مَعْتُوهٌ) أَيْ: مُخْتَلُّ الْعَقْلِ (مِثْلُهُ لَا يُقَاتَلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَايَةَ فِيهِ أَشْبَهَ الصَّبِيَّ (وَيَأْتِي مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ) فِي الْحَجْرِ (وَيُقْتَلُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ، كَالْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ حَيًّا ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
وَتَقْوِيَةً لِلْكُفَّارِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَرِيضُ (مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَكَزَمِنٍ) لِعَدَمِ النِّكَايَةِ بِقَتْلِهِ (فَإِنْ تَتَرَّسُوا) أَيْ: الْكُفَّارُ (بِهِمْ) أَيْ: بِالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ (جَازَ رَمْيُهُمْ) ؛ لِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً أَوْ لَا.
(وَيَقْصِدُ) الرَّامِي لَهُمْ (الْمُقَاتِلَةَ) ؛ لِأَنَّهُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالذَّاتِ (وَلَوْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ فِي صَفٍّ الْكُفَّارِ أَوْ عَلَى حِصْنِهِمْ فَشَتَمَتْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَكَشَّفَتْ لَهُمْ جَازَ رَمْيُهَا وَالنَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا لِلْحَاجَةِ إلَى رَمْيِهَا) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ: خِلَافُهُ،، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهَا مِمَّنْ مَنَعْنَا قَتْلَهُ كَهِيَ (وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمْ رَمْيُهَا إذَا كَانَتْ تَلْتَقِطُ لَهُمْ السِّهَامَ، أَوْ تَسْقِيهِمْ الْمَاءَ) كَاَلَّتِي تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَإِنْ تَتَرَّسُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحَرْبِ (بِمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّ لَهُمْ مَنْدُوحَةً عَنْهُ (فَإِنْ رَمَاهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) لِعُدْوَانِهِ (إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْنَا) مِنْ تَرْكِ رَمْيِهِمْ (فَقَطْ، فَيَرْمِيهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ (وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) بِالرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالذَّاتِ فَلَوْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالرَّمْيِ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: 25] الْآيَةَ، قَالَ اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ عَلَى فَتْحِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
[فَصْلٌ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ]
(فَصْلٌ وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ) ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ:؛ لِأَنَّ الْخِيرَةَ فِي أَمْرِ الْأَسِيرِ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) الْأَسِيرُ (مِنْ الْمَسِيرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إكْرَاهُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَهْرُبُ مِنْهُ أَوْ يَخَافُ هَرَبَهُ، أَوْ يَخَافُ مِنْهُ أَوْ يُقَاتِلُهُ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَرِضَ مَعَهُ) أَوْ كَانَ جَرِيحًا فَلَهُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ أَسِيرِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ) لِيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ (إلَّا أَنْ يَصِيرَ) الْأَسِيرُ (فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا قَتْلُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ) بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْمَسِيرِ، وَلَا يُمْكِنُ إكْرَاهُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِهَرَبٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَرَّ (فَإِنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ، أَوْ) قَتَلَ (أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا قَتْلُهُ وَكَانَ الْأَسِيرُ (الْمَقْتُولُ رَجُلًا فَقَدْ أَسَاءَ) الْقَاتِلُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَسَرَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَآهُمَا بِلَالٌ فَاسْتَصْرَخَ الْأَنْصَارَ عَلَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلُوهُمَا، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا؛ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
(وَإِنْ كَانَ) الْأَسِيرُ (صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً) ، وَلَوْ رَاهِبَةً (عَاقَبَهُ) أَيْ: الْقَاتِلَ (الْأَمِيرُ) لِافْتِيَاتِهِ (وَغَرَّمَهُ قِيمَةَ غَنِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ) بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُقَاتِلِ.
(وَمَنْ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنْ شَهِدَ لَهُ) أَيْ: لِلْأَسِيرِ رَجُلٌ.
(وَاحِدٌ وَحَلَفَ مَعَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ) فَيَثْبُتُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ كَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يَفْدِيَ أَوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فَقَبِلَ شَهَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ» قُلْت: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَهِلَالِ رَمَضَانَ فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ عَدْلٍ وَاحِدٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ تَحْلِيفٌ.
(قَالَ جَمَاعَةٌ وَيَقْتُلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَنَحْوَهُمَا مِنْ ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْمُعْتَرَكِ) ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَ أَبَاهُ فِي الْجِهَادِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ.
(وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ) فِي الْأَصْلَحِ (لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ فِي الْأَسْرَى الْأَحْرَارِ الْمُقَاتِلِينَ وَالْجَاسُوسِ -، وَيَأْتِي - بَيْنَ قَتْلٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ رِجَالَ قُرَيْظَةَ وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ» وَ «قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَفِيهِ تَقُولُ أُخْتُهُ
مَا كَانَ ضَرُّك لَوْ مَنَنْت فَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنِقُ
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ سَمِعْته مَا قَتَلْته» (وَاسْتِرْقَاقٍ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْته يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا، قَالَ وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، فَبِالرِّقِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صِغَارِهِمْ (وَمَنٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] ؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ، يَوْمَ بَدْرٍ وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ» .
(وَفِدَاءٍ بِمُسْلِمٍ) لِلْآيَةِ وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (أَوْ) فِدَاءٍ (بِمَالٍ) لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ» (فَمَا فَعَلَهُ) الْأَمِيرُ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ تَعَيَّنَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ نَخْوَةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ يُرْجَى إسْلَامُهُ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَمَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، اسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ (فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ لَمْ يَجُزْ اخْتِيَارُ غَيْرِهَا) لِمَا سَبَقَ.
(وَمَتَى رَأَى قَتْلَهُ ضَرَبَ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] (وَلَا يَجُوزُ التَّمْثِيلُ بِهِ، وَلَا التَّعْذِيبُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ «وَلَا تُعَذِّبُوا وَلَا تُمَثِّلُوا» (وَإِنْ تَرَدَّدَ رَأْيُهُ وَنَظَرُهُ) فِي الْأَسْرَى (فَالْقَتْلُ أَوْلَى) لِكِفَايَةِ الشَّرِّ.
(وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ: يُعَاقَبُ، وَيَأْتِي) حُكْمُ الْجَاسُوسِ (الذِّمِّيِّ) فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ.
(وَمَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (أَوْ فُدِيَ بِمَالٍ، كَالرَّقِيقِ وَالْمَالُ لِلْغَانِمِينَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَسَمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ» .
(وَإِنْ سَأَلَ الْأُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أَوْ الْمَجُوسِ (تَخْلِيَتَهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ (فِي نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ.
(وَيَجُوزُ فِي الرِّجَالِ) وَلَا تَجِبُ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ (وَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ الثَّابِتُ فِيهِمْ) بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ قَبْلَ إجَابَتِهِمْ لِعَدَمِ لُزُومِهَا لِمَا سَبَقَ.
(وَلَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوَدٍ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ، كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ.
وَفِي الْبُلْغَةِ: يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، إلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إرْقَاقِهِ، فَيَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنَهُ، فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ وَإِنْ غَنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ.
(وَالصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ وَالنِّسَاءُ وَمَنْ فِيهِ نَفْعٌ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ كَأَعْمَى، وَنَحْوِهِ: رَقِيقٌ بِنَفْسِ السَّبْيِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ.
(وَيَضْمَنُهُمْ قَاتِلُهُمْ بَعْدَ السَّبْيِ) بِالْقِيمَةِ، وَتَكُونُ غَنِيمَةً وَ (لَا) يَضْمَنُهُمْ قَاتِلُهُمْ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ السَّبْيِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا مَالًا (وَقِنُّ) أَهْلِ الْحَرْبِ (غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كُفَّارٍ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلْغَانِمِينَ كَالْبَهِيمَةِ (وَلَهُ) أَيْ: الْأَمِيرِ (قَتْلُهُ) أَيْ: الْقِنِّ (لِمَصْلَحَةٍ) كَالْمُرْتَدِّ.
(وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ) وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَبَنِي تَغْلِبَ وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ كَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَسْلَمُوا) أَيْ: الْأَسْرَى الْأَحْرَارُ الْمُقَاتِلُونَ (تَعَيَّنَ رِقُّهُمْ فِي الْحَالِ، وَزَالَ التَّخْيِيرُ) فِيهِمْ (وَصَارَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ النِّسَاءِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» وَهَذَا مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ.
(وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْقَتْلُ وَيُخَيَّرُ) فِيهِمْ الْأَمِيرُ (بَيْنَ رِقٍّ، وَمَنٍّ، وَفِدَاءٍ، صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْبُلْغَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ؛ لِأَنَّهُ جَازَ ذَلِكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَفِي إسْلَامِهِ أَوْلَى (فَيَجُوزُ الْفِدَاءُ لِيَخْلُصَ مِنْ الرِّقِّ) وَلَهُ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ.
(وَيَحْرُمُ رَدُّهُ) أَيْ: الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ (إلَى الْكُفَّارِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ: الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ (مَنْ يَمْنَعُهُ) مِنْ الْكُفَّارِ (مِنْ عَشِيرَةٍ وَنَحْوِهَا) ، فَلَا يُمْنَعُ رَدُّهُ لِأَمْنِهِ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ أَسْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَهُوَ كَمُسْلِمٍ أَصْلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصَّلْ
فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ.
(وَمَتَى صَارَ لَنَا رَقِيقًا مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وَخُنْثَى (وَبَالِغٍ وَصَغِيرٍ) مُمَيِّزٍ أَوْ دُونَهُ (حَرُمَ مُفَادَاتُهُ بِمَالٍ وَبَيْعُهُ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ وَ) كَافِرٍ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرِ ذِمِّيٍّ كَمُسْتَأْمَنٍ وَمُعَاهَدٍ (وَلَمْ يَصِحَّ) بَيْعُهُ لَهُمْ قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ قَالَ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ هَكَذَا حَكَى أَهْلُ الشَّامِ اهـ وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِلْإِسْلَامِ الَّذِي يُظْهِرُ وُجُودَهُ إذَا بَقِيَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا لِكَافِرٍ.
(وَتَجُوزُ مُفَادَاتُهُ) أَيْ: الْمُسْتَرَقِّ مِنْهُمْ (بِمُسْلِمٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ لِتَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ (وَيُفْدَى الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ أَهَمِّهَا.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ) فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَمِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِحَدِيثِ «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» .
(وَلَا يُرَدُّ) الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ (إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ بِحَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ لَهُمْ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُفْدَى) الْأَسِيرُ (بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاحٍ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْنَا (وَلَا بِمُكَاتَبٍ وَأُمِّ وَلَدٍ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا (بَلْ) يُفَادَى (بِثِيَابٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْعُرُوضِ، وَالنُّقُودِ.
(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِرِقِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الرِّقِّ وَفِيهِ إتْلَافُ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ وَكَمَا لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِرِقِّ إنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ بَعْدُ.
(وَلَا رِقُّ مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ) أَيْ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ رِقُّ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْ بَقَائِهِ النِّكَايَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَدُخُولُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ (وَلَا رِقُّ وَلَا قَتْلُ مَنْ حَكَمَ بِفِدَائِهِ) أَيْ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّ، وَلَا أَنْ يَقْتُلَ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِفِدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَنْ حَكَمَ هُوَ بِفِدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالرِّقَّ أَشَدُّ مِنْ الْفِدَاءِ، وَيَكُونُ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ لُزُومِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْمَنُّ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ) أَيْ: مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ وَرِقِّهِ وَمُفَادَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَّ أَخَفُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا رَآهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً جَازَ لَهُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَمُّ نَظَرًا، وَكَمَا لَوْ رَآهُ ابْتِدَاءً (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ (قَبُولُ الْفِدَاءِ مِمَّنْ حَكَمَ) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (بِقَتْلِهِ أَوْ رِقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِرِضَا الْمَحْكُومِ لَهُ؛ وَلِأَنَّهُمَا حَقُّ الْإِمَامِ فَإِذَا رَضِيَ بِتَرْكِهِمَا إلَى غَيْرِهِمَا جَازَ.
(وَمَتَى حَكَمَ) إمَامٌ وَغَيْرُهُ (بِرِقٍّ أَوْ فِدَاءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ) مَحْكُومٌ عَلَيْهِ (فَحُكْمُهُ بِحَالِهِ لَا يُنْقَضُ) لِوُقُوعِهِ لَازِمًا.
(وَلَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ: الْأَسِيرَ (أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ) أَيْ: بِبَدَلِهِ، إنْ كَانَ دَفْعُهُ عَنْهُ (بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) عَلَى الْأَسِيرِ (إذَا كَانَ) الْأَسِيرُ (حُرًّا أَذِنَ) الْأَسِيرُ (فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ " أَغَارَ أَهْلُ مَاهَ وَأَهْلُ جَلُولَاءَ عَلَى الْعَرَبِ فَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ سَبَايَا الْعَرَبِ فَكَتَبَ السَّائِبُ إلَى عُمَرَ فِي سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَرَقِيقِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَ مَا انْقَسَمَ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى "؛ وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ فَإِذَا أَنَابَ عَنْهُ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْهُ دَيْنًا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .
(وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (أَوْ مُمَيَّزِيهِمْ مُنْفَرِدًا) عَنْ أَبَوَيْهِ فَمُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ انْقَطَعَتْ، فَيَصِيرُ تَابِعًا لِسَابِيهِ الْمُسْلِمِ فِي دَيْنِهِ (أَوْ) سُبِيَ (مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَمُسْلِمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَجَعَلَ التَّبَعِيَّةَ لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ، وَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْفِطْرَةِ قَالَ أَحْمَدُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ مَعْنَى الْفِطْرَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ حِينَ أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْت بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى وَبِأَنَّ لَهُ صَانِعًا وَمُدَبِّرًا وَإِنْ عَبَدَ شَيْئًا غَيْرَهُ وَسَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ يَرِثُهُ وَلَدُهُ الطِّفْلُ إجْمَاعًا.
(وَإِنْ كَانَ السَّابِي) لِغَيْرِ الْبَالِغِ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ (ذِمِّيًّا تَبِعَهُ) الْمَسْبِيُّ عَلَى دِينِهِ (كَ) مَسْبِيٍّ (مُسْلِمٍ) لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ (وَإِنْ سُبِيَ) غَيْرُ الْبَالِغِ (مَعَ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا) لِبَقَاءِ التَّبَعِيَّةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ أَبُو حَمْلٍ أَوْ طِفْلٍ أَوْ مُمَيِّزٍ) فَمُسْلِمٌ (لَا) إنْ أَسْلَمَ (جَدٌّ وَجَدَّةٌ) ، فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ السَّابِقِ (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدِ أَبَوَيْ الْحَمْلِ أَوْ الطِّفْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ فَمُسْلِمٌ (أَوْ مَاتَا) أَيْ: أَبَوَيْ غَيْرِ بَالِغٍ (أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا أَوْ عُدِمَا) أَيْ: الْأَبَوَانِ (أَوْ) عُدِمَ (أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ، وَلَوْ بِكَافِرٍ، أَوْ اشْتَبَهَ، وَلَوْ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ، فَمُسْلِمٌ فِي الْجَمِيعِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَلَا يُقْرَعُ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ، خَشْيَةَ أَنْ
يَقَعَ وَلَدُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ.
(وَكَذَا إنْ بَلَغَ) وَلَدُ الْكَافِرِ (مَجْنُونًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) فِي الْحَالِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِإِسْلَامِ غَيْرِ الْبَالِغِ كَإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ بِدَارِنَا، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ قَوْلُهُمْ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمَسْبِيَّ الْمَجْنُونَ رَقِيقٌ بِالسَّبْيِ وَقَوْلُهُمْ فِي بَابِ الذِّمَّةِ: لَا تُؤْخَذُ مِنْ مَجْنُونٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَإِنْ بَلَغَ) مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ بِدَارِنَا (عَاقِلًا مُمْسِكًا عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ قُتِلَ قَاتِلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَيَرِثُ مِمَّنْ جَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا بِمَوْتِهِ حَتَّى، وَلَوْ تُصُوِّرَ مَوْتُهُمَا) أَيْ: أَبَوَيْهِ (مَعًا لَوَرِثَهُمَا) إذْ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ يَعْقُبُ الْمَوْتَ، فَحَالَ الْمَوْتِ كَانَ عَلَى دِينِ مُوَرِّثِهِ لَكِنْ الْحَمْلُ لَا يَرِثُ أَبَاهُ إذَا مَاتَ بِدَارِنَا كَمَا يَأْتِي فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ (وَإِنْ مَاتَا) أَيْ: أَبَوْا غَيْرِ الْبَالِغِ (بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يُجْعَلْ مُسْلِمًا بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا دَارُ كُفْرٍ لَا إسْلَامٍ.
(وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَوْ سَبَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ) ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ كَالْعِتْقِ.
(وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (فِي الْقِسْمَةِ، وَ) لَا فِي (الْبَيْعِ) لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ (وَإِنْ سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا) أَيْ: دُونَ زَوْجِهَا (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ: وَالْمُحْصَنَاتُ الْآيَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْمُرَادُ: تَحِلُّ لِسَابِيهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
(وَإِنْ سُبِيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ) نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ.
(وَلَيْسَ بَيْعُ الزَّوْجَيْنِ الْقِنَّيْنِ وَ) بَيْعُ (أَحَدِهِمَا طَلَاقًا لِقِيَامِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (مَقَامَ الْبَائِعِ) وَكَذَا هِبَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَنَحْوُهَا.
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ]
فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ) مِنْ قِسْمَةٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَلَوْ رَضُوا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْضَوْنَ بِمَا فِيهِ ضَرَرُهُمْ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُهُمْ، فَيَنْدَمُونَ (أَوْ كَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ) لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ سَمِعَتْ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا فَعَلَ غُلَامُكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رُدَّهُ رُدَّهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ (إلَّا بِعِتْقٍ) ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ (أَوْ افْتِدَاءِ أَسِيرٍ) مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ (أَوْ بَيْعٍ فِيمَا إذَا مَلَكَ أُخْتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا عَلَى مَا يَأْتِي) فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ، فَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ، أَوْ الْهِبَةِ، وَنَحْوِهِمَا لِلضَّرُورَةِ.
(وَلَوْ بَاعَهُمْ) أَيْ: بَاعَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ السَّبَايَا (عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمْ نَسَبًا يَمْنَعُ التَّفْرِيقَ) مِنْ أُخُوَّةٍ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ بَانَ عَدَمُهُ) أَيْ: النَّسَبِ الْمُحَرِّمِ لِلتَّفْرِيقِ (فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ) أَيْ: فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُهُمْ لِيَبِيعَهُمْ بِثَمَنِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ إنْ كَانُوا بَاقِينَ، فَإِنْ فَاتُوا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْفَضْلَ الَّذِي فِيهِمْ بِالتَّفْرِيقِ وَيُرَدُّ إلَى الْمَغْنَمِ إنْ كَانُوا غَنِيمَةً (وَإِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا) لِلْكُفَّارِ (لَزِمَهُ عَمَلُ الْأَصْلَحِ) لِلْمُسْلِمِينَ (مِنْ مُصَابَرَتِهِ، وَهِيَ مُلَازَمَتُهُ) مَهْمَا أَمْكَنَ (أَوْ انْصِرَافُهُ) لِانْصِرَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حِصْنِ الطَّائِفَ قَبْلَ فَتْحِهِ (فَإِنْ أَسْلَمُوا) قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ أَحْرَزُوا مَا لَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ (أَوْ) أَحْرَزَ (مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) أَحْرَزَ مَالَهُ وَدَمَهُ (أَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَلَوْ مَنْفَعَةُ إجَازَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» . (وَ) أَحْرَزَ (أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ وَالْمَجَانِينَ، وَلَوْ حَمْلًا فِي السَّبْيِ كَانُوا أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ) لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَعْصِمُ أَوْلَادَهُ الْكِبَارَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَّبِعُونَهُ (وَلَا يُحْرِزُ امْرَأَتَهُ إذَا لَمْ تُسْلِمْ) لِعَدَمِ تَبَعِيَّتِهَا لَهُ (فَإِنْ سُبِيَتْ صَارَتْ رَقِيقَةً) كَغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ (وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ بِرِقِّهَا) ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ النِّكَاحِ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا (وَيَتَوَقَّفُ) بَقَاءُ النِّكَاحِ (عَلَى إسْلَامِهَا فِي الْعِدَّةِ) إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَلَوْ كِتَابِيَّة؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ كَمَا يَأْتِي.
(وَإِنْ دَخَلَ) كَافِرٌ (دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ) أَوْ حَمْلٌ (صَارُوا مُسْلِمِينَ) تَبَعًا لَهُ.
(وَلَمْ يَجُزْ سَبْيُهُمْ) لِعِصْمَتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ (وَإِنْ سَأَلُوا الْمُوَادَعَةَ) أَيْ: الْمُهَادَنَةَ (بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ) أَنْ يُجِيبَهُمْ (إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ سَوَاءٌ أَعْطُوهُ) أَيْ: الْمَالَ (جُمْلَةً، أَوْ جَعَلُوهَا خَرَاجًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمْ كُلَّ عَامٍ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَصِغَارُ الْكَفَرَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْمُوَادَعَةِ، فَيَجِبُ كَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ وَشَرَطَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي عَقْدِهَا بِغَيْرِ مَالٍ عَجْزَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ اسْتِضْرَارَهُمْ بِالْمُقَامِ لَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الِانْصِرَافِ (فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، وَكَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ) الْجِزْيَةُ (لَزِمَ) الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (قَبُولُهَا، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ) كَغَيْرِ الْمُحَاصَرِينَ (وَإِنْ بَذَلُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ، (مَالًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ فَرَأَى) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ قَبِلَهُ) مِنْهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ حَرْبِيٍّ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَهِيَ غَنِيمَةٌ) كَسَائِرِ أَرَاضِي الْحَرْبِ (وَمَنَافِعِهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ) إلَى قَضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمِ مَعْصُومٌ.
(وَإِذَا أَسْلَمَ رَقِيقُ الْحَرْبِيِّ وَخَرَجَ إلَيْنَا) أَيْ: إلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ (فَهُوَ حُرٌّ) لِحَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إذَا جَاءُوا مَوَالِيهِمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي الْعِتْقِ.
(وَإِنْ أَسَرَ) عَبْدٌ خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا (سَيِّدَهُ) الْكَافِرَ (أَوْ غَيْرَهُ) لَا مِنْ الْكُفَّارِ (وَأَوْلَادِهِ) أَيْ: أَوْلَادِ سَيِّدِهِ (وَخَرَجَ إلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ وَلِهَذَا لَا نَرُدُّهُ فِي هُدْنَةٍ) قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ «سَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرَةَ وَكَانَ عَبْدًا لَنَا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا فَأَسْلَمَ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا.
وَقَالَ: هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ، فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا» (وَالْمَالُ لَهُ وَالسَّبْيُ) مِنْ سَيِّدِهِ وَأَوْلَادِهِ وَغَيْرِهِمْ (رَقِيقه) لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) عَبْدٌ (وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ) مُسْلِمًا (فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ وَلَوْ) لَحِقَ الْعَبْدُ بِنَا، ثُمَّ (جَاءَ مَوْلَاهُ بَعْدَهُ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا لِلُحُوقِهِ بِنَا (وَلَوْ جَاءَ) السَّيِّدُ (قَبْلَهُ مُسْلِمًا ثُمَّ جَاءَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْسَمِ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ قَضِيَّتَيْنِ قَضَى: أَنَّ الْعَبْدَ إذَا خَرَجَ مَنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَيِّدِهِ: أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنْ خَرَجَ سَيِّدُهُ بَعْدُ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ وَقَضَى أَنَّ السَّيِّدَ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْعَبْدِ، ثُمَّ خَرَجَ الْعَبْدُ رُدَّ عَلَى سَيِّدِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّهُ بِإِسْلَامِهِ عَصَمَ مَالَهُ وَالْعَبْدُ مِنْ جُمْلَتِهِ.
(وَإِنْ خَرَجَ إلَيْنَا عَبْدٌ بِأَمَانٍ) فَهُوَ حُرٌّ (أَوْ نَزَلَ) إلَيْنَا عَبْدٌ مِنْ حِصْنٍ فَهُوَ حُرٌّ نَصَّ
عَلَيْهِ.
(وَإِنْ نَزَلُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ عَيَّنُوهُ، وَرَضِيَهُ الْإِمَامُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (إذَا كَانَ) الَّذِي نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ (مُسْلِمًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا ذَكَرًا عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الْجِهَادِ) ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَشْبَهَ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا فِي الْجِهَادِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إذَنْ (وَلَوْ أَعْمَى) ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْقَاضِي لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَيُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ الْفِقْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ) لَدَى الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَا) أَيْ: اللَّذَانِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِمَا (اثْنَيْنِ جَازَ) ذَلِكَ (وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا (وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْتَارُ الْأَصْلَحَ.
(وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ) لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ (أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا غَيْرَ الْأَصْلَحَ (وَإِنْ مَاتَ مَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ قَامَ مَقَامَهُ) كَمَا لَوْ عَيَّنُوهُ ابْتِدَاءً.
(وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا) مَعَ الْإِمَامِ (وَطَلَبُوا حَكَمًا لَا يَصْلُحُ رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا) مَعَ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ (وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ) يَنْزِلُونَ عَلَى حُكْمِهِمَا (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ جَازَ) حَيْثُ كَانَ أَهْلًا (وَإِلَّا رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ) حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ.
(وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَا تَجْتَمِعُ الشَّرَائِطُ فِيهِ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ (ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ) لِفَقْدِ شَيْءٍ مِنْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ (لَمْ يُحَكَّمْ، وَيُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا) حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَصْلُحُ.
(وَلَا يَحْكُمُ) مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ (إلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ، فَقَامَ مُقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ كَهُوَ فِي الْأَسْرَى، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ لَازِمٌ (مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْي) ؛ لِأَنَّ سَعْدًا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» (وَالْفِدَاءُ) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ حَكَمُ بِالْمَنِّ عَلَى غَيْرِ الذُّرِّيَّةِ لَزِمَ قَبُولُهُ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ كَهُوَ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَبَاهُ الْإِمَامُ.
(وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ لَزِمَ قَبُولُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَضَاءِ سَعْدٍ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
(فَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ) بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ (عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ) لِخَبَرِ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» (وَإِنْ كَانَ) إسْلَامُهُمْ (بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ وَلَا يَعْصِمُونَ مَالَهُمْ وَلَا ذُرِّيَّتَهُمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ (وَلَا يُسْتَرَقُّونَ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ (وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حَكَمَ فِيهِ) كَالْأَنْفُسِ.
(وَإِنْ حَكَمَ بِأَنَّهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ) الْمَالُ (غَنِيمَةً) لِلْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَم حُكْمُهُ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي.
(وَإِنْ سَأَلُوهُ) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (أَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ) تَعَالَى (لَزِمَهُ أَنْ يُنْزِلَهُمْ وَيُخَيَّرُ فِيهِمْ كَالْأَسْرَى) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ لَهُمْ لَكِنْ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مَرْفُوعًا وَغَيْرهمَا «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ أَمْ لَا» وَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَنْزِلَ وَحْيٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ مُنْتَفٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَاضِحِ: يُكْرَهُ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: لَا يُنْزِلهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَإِنْزَالِهِمْ بِحُكْمِنَا وَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَيُخَيَّرُ (بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالرِّقِّ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِمَامِ (وَيُكْرَهُ نَقْلُ رَأْسِ) كَافِرٍ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
(وَرَمْيهِ بِمَنْجَنِيقٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ) لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِرَأْسِ بَنَانِ الْبِطْرِيقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا قَالَ فَأَذَّنَ بِفَارِسَ وَالرُّومِ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ " قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ فِي التَّمْثِيلِ بِهِمْ زِيَادَةٌ فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَكُونُ نَكَالًا لَهُمْ عَنْ نَظِيرِهَا فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي التَّمْثِيلِ السَّائِغِ دُعَاءٌ لَهُمْ إلَى الْإِيمَانِ أَوْ زَجْرٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ وَلَمْ تَكُنْ الْقِصَّةُ فِي أُحُدٍ كَذَلِكَ فَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ أَفْضَلَ.
(وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ) أَيْ: الْأَمِيرِ (مَالًا لِيَدْفَعَهُ) أَيْ: الرَّأْسَ (إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَى الْكُفَّارِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَهُمْ» وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ الْقَطَّانِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ «ادْفَعُوا إلَيْهِمْ جِيفَتَهُ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، خَبِيثُ الدِّيَةِ» فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا وَلَهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ " فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ".
[بَابٌ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ]
بَابٌ (بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ يَلْزَمُ) كُلَّ أَحَدٍ إخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الطَّاعَاتِ، وَيَجْتَهِد فِي ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا بِحُضُورِ قَلْبِ لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا غَزَا قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي، وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أُصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَقُولُهُ عِنْدَ قَصْدِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ.
وَ (يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَوْ الْأَمِيرَ إذَا أَرَادَ الْغَزْوَ أَنْ يَعْرِضَ جَيْشَهُ جَيْشُهُ وَيَتَعَاهَدَ الْخَيْلَ وَالرِّجَالَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْجَيْشِ فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ، كَبَقِيَّةِ الْمَصَالِحِ، فَيَخْتَارُ مِنْ الرِّجَالِ مَا فِيهِ غِنًى وَمَنْفَعَةٌ لِلْحَرْبِ وَمُنَاصَحَةٌ، وَمِنْ الْخَيْلِ مَا فِيهِ قُوَّةٌ وَصَبْرٌ عَلَى الْحَرْبِ، وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الرُّكُوبِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ (فَيَمْنَعُ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، كَفَرَسٍ حَطِيمٍ وَهُوَ الْكَسِيرُ، وَ) كَفَرَسٍ (قُحْمٍ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَالْفَرَسُ الْمَهْزُولُ الْهَرِمُ وَضَرِعٌ وَهُوَ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ وَالنَّحِيفُ وَنَحْو ذَلِكَ) كَالْفَرَسِ الصَّغِيرِ وَكُلُّ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ (مِنْ دُخُولِ أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِئَلَّا يَنْقَطِعُ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ كَلًّا عَلَى الْجَيْشِ وَمُضَيِّقًا عَلَيْهِمْ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْهَزِيمَةِ.
(وَيَمْنَعُ مُخَذِّلًا لِلْهَزِيمَةِ مَثَلًا فَلَا يَصْحَبُهُمْ، يَصْحَبُهُمْ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ وَهُوَ الَّذِي يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنْ الْغَزْوِ) وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ (وَ) يَمْنَعُ (مُرْجِفًا، وَهُوَ مَنْ يُحَدِّثُ بِقُوَّةِ الْكُفَّارِ وَبِضَعْفِنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: 47] الْآيَةَ (وَ) يَمْنَعُ (صَبِيًّا لَمْ يَشْتَدَّ، وَمَجْنُونًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا.
(وَ) يَمْنَعُ (مُكَاتِبًا بِأَخْبَارِنَا وَرَامِيًا بَيْنَنَا الْعَدَاوَةَ، وَسَاعِيًا بِالْفَسَادِ، وَمَعْرُوفًا بِنِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ) ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَزِمَ مَنْعُهُمْ إزَالَةً لِلضَّرَرِ (وَ) يَمْنَعُ (نِسَاءٌ) لِلِافْتِتَانِ بِهِنَّ، مَعَ أَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، لِاسْتِيلَاءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْضُهُمْ: (إلَّا
امْرَأَةَ الْأَمِيرِ لِحَاجَتِهِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) إلَّا امْرَأَةً (طَاعِنَةً فِي السِّنِّ لِمَصْلَحَةٍ فَقَطْ كَسَقْيِ الْمَاءِ وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى) لِقَوْلِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسْقِي الْمَاءَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى، وَالْقَتْلَى إلَى الْمَدِينَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ الرِّجَالَ يَشْتَغِلُونَ بِالْحَرْبِ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَوْفِيرًا فِي الْمُقَاتَلَةِ.
(الْمُقَاتَلَةُ وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِكُفَّارٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُ: تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ لَا قَالَ فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَغَائِلَتُهُ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ وَالْحَرْبُ يَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلُهَا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي حَرْبِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَى أَيْضًا «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَبِهَذَا حَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالضَّرُورَةُ مِثْلُ كَوْنِ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ يُخَافُ مِنْهُمْ وَحَيْثُ جَازَ اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ حَسَنَ الرَّأْي فِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ كَالْمُرْجِفِ وَأَوْلَى.
(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يُعِينَهُمْ) الْمُسْلِمُ (عَلَى عَدُوِّهِمْ إلَّا خَوْفًا) مِنْ شَرِّهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] .
(قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْكُفَّارِ (دِيوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ) إنْ كَانَ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ) مُسْلِمٌ (بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ) كَالرَّافِضَةِ (فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَزْوٍ، وَعِمَالَةٍ، وَكِتَابَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ ضَرَرًا، لِكَوْنِهِمْ دُعَاةً، بِخِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (وَيُسَنُّ أَنْ يَخْرُجَ) الْإِمَامُ (بِهِمْ) أَيْ: بِالْجَيْشِ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ فِي السَّفَرِ إلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِي السَّيْرِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ
الضَّعِيفُ وَلَا يَشُقُّ عَلَى الْقَوِيِّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمِيرُ الْقَوْمِ أَقْطَعُهُمْ» أَيْ: أَقَلُّهُمْ سَيْرًا وَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَوْ يُشَقَّ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْجَدِّ فِي السَّيْرِ جَازَ) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدَّ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ لِيَشْتَغِلَ النَّاسُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ» .
(وَيَعُدُّ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ (لَهُمْ) أَيْ: لِجَيْشِهِ (الزَّادَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ قُوَاهُمْ وَرُبَّمَا طَالَ سَفَرُهُمْ، فَيَهْلَكُونَ حَيْثُ لَا زَادَ لَهُمْ (وَيُقَوِّي نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيِّلُ إلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ) ، فَيَقُولُ مَثَلًا: أَنْتُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَعُدَدًا، وَأَشَدُّ أَبْدَانًا، وَأَقْوَى قُلُوبًا وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَسْتَعِينُ بِهِ النُّفُوسُ عَلَى الْمُصَابَرَةِ، وَيَبْعَثُهَا عَلَى الْقِتَالِ، لِطَمَعِهَا فِي الْعَدُوِّ (وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمْ الْعُرَفَاءَ) جَمْعُ عَرِيفٍ (وَهُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْقَبِيلَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاسِ كَالْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ، وَيَتَفَقَّدُهُمْ، وَيَتَعَرَّفُ الْأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّفَ عَامَ خَيْبَرَ عَلَى كُلِّ عَشْرَةٍ عَرِيفًا «؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ أَيْضًا لِجَمْعِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ» الْعَرَافَةُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةً النَّاسِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ» فَتَحْذِيرٌ لِلتَّعَرُّضِ لِلرِّيَاسَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ بِأَمْرِهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ الْأَمِيرِ (عَقْدُ الْأَلْوِيَةِ الْبِيضِ وَهِيَ الْعَصَائِبُ تُعْقَدُ عَلَى قَنَاةٍ وَنَحْوِهَا) قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: اللِّوَاءُ رَايَةٌ لَا يَحْمِلُهَا إلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْحَرْبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ اهـ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ «كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ الْمُقْنِعِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهَا تَكُونُ بِأَيِّ لَوْنٍ شَاءَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ.
(وَ) يَعْقِدُ لَهُمْ (الرَّايَاتِ، وَهِيَ أَعْلَامٌ مُرَبَّعَةٌ وَيُغَايِرُ أَلْوَانَهَا لِيَعْرِفَ كُلُّ قَوْمٍ رَأَيْتَهُمْ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ حِينَ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ احْبِسْهُ عَلَى الْوَادِي حَتَّى تَمَرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَرَاهَا قَالَ: فَحَبَسْتُهُ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَرَّتْ بِهِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا» ؛ وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ إذَا نَزَلَتْ بِالنَّصْرِ نَزَلَتْ مُسَوَّمَةً بِهَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
(وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعُونَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ) لِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ «غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ شِعَارُنَا: أَمِتْ أَمِتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا " حم لَا يُنْصَرُونَ "؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى نُصْرَةِ صَاحِبِهِ وَرُبَّمَا
تَهْتَدِي بِهَا إذَا ضَلَّ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلِئَلَّا يَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وَيَتَخَيَّرُ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ (لَهُمْ الْمَنَازِلَ) أَيْ: (أَصْلَحَهَا لَهُمْ) كَالْخِصْبَةِ (وَأَكْثَرُهَا مَاءً وَمَرْعًى) ؛ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِمْ (وَيَتَّبِعُ مَكَامِنَهَا، فَيَحْفَظُهَا) جَمْعُ مَكْمَنٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَحْفَظُهَا (لِيَأْمَنُوا) هُجُومَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
(وَلَا يَغْفُلُ الْحَرَسُ وَالطَّلَائِعُ) لِئَلَّا يَأْخُذُهُمْ الْعَدُوُّ بَغْتَةً وَالطَّلَائِعُ جَمْعُ طَلِيعَةٍ، وَهِيَ مَنْ يُبْعَثُ لِيَطَّلِعَ طَلْعَ الْعَدُوِّ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ وَالطِّلْعُ بِالْكَسْرِ: الِاسْمُ مِنْ الِاطِّلَاعِ، تَقُولُ مِنْهُ اطَّلِعْ طِلْعَ الْعَدُوِّ (وَيَبْعَثُ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْفِجَاجِ) أَيْ: الطُّرُقِ (حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ) أَيْ: أَمْرُ أَعْدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَدِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ فِي أُخْرَى» .
(وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنْ الْفَسَادِ وَالْمَعَاصِي) ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْخِذْلَانِ، وَتَرْكُهَا دَاعٍ لِلنَّصْرِ، وَسَبَبٌ لِلظَّفَرِ (وَ) يَمْنَعُ جَيْشَهُ أَيْضًا مِنْ (التَّشَاغُلِ بِالتِّجَارَةِ الْمَانِعَةِ لَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ (وَيَعِدُ) الْأَمِيرُ (ذَا الصَّبْرِ بِالْأَجْرِ وَالنَّفَلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى سَهْمِهِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى بَذْلِ جُهْدِهِ وَزِيَادَةِ صَبْرِهِ.
(وَيُشَاوِرُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ وَالْمُسْلِمِينَ ذَا الرَّأْيِ وَالدِّينِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ.
(وَيُخْفِي مِنْ أَمْرِهِ مَا أَمْكَنَ إخْفَاؤُهُ، وَإِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا (؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (وَيَصُفُّ جَيْشَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4] الْآيَةَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَوِّي الصُّفُوفَ يَوْمَ بَدْرٍ» ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ رَبْطَ الْجَيْشِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَسَدًّا لِثُغُورِهِمْ، فَيَصِيرُونَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ.
(الْوَاحِدُ وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنْبَةٍ كُفْئًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَعَلَ خَالِدًا عَلَى إحْدَى الْجَنْبَتَيْنِ وَالزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى السَّاقَةِ» ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْحَرْبِ، وَأَبْلَغُ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ وَ (لَا يَمِيلُ) الْأَمِيرُ (مَعَ قَرَابَتِهِ وَذِي مَذْهَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِئَلَّا تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمْ) أَيْ: قُلُوبُ
الَّذِينَ مَالَ مَعَ غَيْرِهِمْ (فَيَخْذُلُوهُ) عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْقُلُوبَ وَيُشَتِّتْ الْكَلِمَةَ (وَيُرَاعِي أَصْحَابَهُ، وَيَرْزُقُ كُلَّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) وَحَاجَةِ مَنْ مَعَهُ.
[فَصْلٌ يُقَاتِلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ]
فَصْلٌ وَيُقَاتِلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (وَلَا يَقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا الْإِسْلَامَ) وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا (وَيَجُوزُ أَنْ يَبْذُلَ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ (جَعْلًا لِمَنْ يَعْمَلُ مَا فِيهِ غَنَاءٌ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ، أَيْ: كِفَايَةٌ أَوْ نَفْعٌ (كَمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَطَرِيقٍ سَهْلٍ أَوْ مَا فِيهِ مَفَازَةٌ أَوْ قَلْعَةٌ يَفْتَحُهَا أَوْ مَالٌ يَأْخُذُهُ، أَوْ عَدُوٌّ يُغِيرُ عَلَيْهِ، أَوْ ثُغْرَةٌ يَدْخُلُ مِنْهَا، وَ) يَجْعَلُهُ (لِمَنْ يَنْقِبُ نَقَبًا أَوْ يَصْعَدُ هَذَا الْمَكَانَ، أَوْ) يَجْعَلُ (لِمَنْ جَاءَ بِكَذَا مِنْ الْغَنِيمَةِ) شَيْئًا (مِنْ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ «اسْتَأْجَرَا فِي الْهِجْرَةِ مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ» ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِح أَشْبَهَ أُجْرَةَ الْوَكِيلِ.
(وَيَسْتَحِقُّ الْجَعْلَ بِفِعْلِ مَا جُعِلَ لَهُ) الْجَعْلُ (فِيهِ) كَسَائِرِ الْجِعَالَاتِ (مُسْلِمًا كَانَ) الْمُجَاعَلُ (أَوْ كَافِرًا، مِنْ الْجَيْشِ أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ) الْجَعْلُ (ثُلُثَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمْسِ، فِي هَذَا وَفِي النَّفَلِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا جَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسَّرِيَّةِ (، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَلَهُ) أَيْ: الْأَمِيرِ (إعْطَاءُ ذَلِكَ) الْعَطَاءِ لِمَنْ عَمِلَ مَا فِيهِ غَنَاءً (وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ) تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ عَلَى فِعْلِ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَعْلُ مَعْلُومًا إنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) كَالْجُعْلِ فِي الْمُسَابَقَةِ وَالضَّالَّةِ وَغَيْرِهِمَا (وَإِنْ كَانَ) الْجُعْلُ (مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ جَازَ) أَنْ يَكُونَ (مَجْهُولًا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَعَلَ لِلسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ مِمَّا غَنِمُوا وَلِلْقَاتِلِ سَلْبُ الْمَقْتُولِ» وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كُلَّهَا مَجْهُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْجَعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُجَاعَلِ (إذَا فُتِحَ) الْحِصْنُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَنِيمَتِهِ (فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى) جَعْلٍ (أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لِمَصْلَحَةٍ، مِثْلُ أَنْ لَا تَنْهَضَ السَّرِيَّةُ وَلَا تَرْضَى بِدُونِ النِّصْفِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا، جَعَلَهُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ) أَيْ: مِنْ مَالِ الْفَيْءِ الْمُعَدِّ لِلْمَصَالِحِ لِيَحْصُلَ الْغَرَضُ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ النَّصِّ.
(وَإِنْ جَعَلَ لَهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ) مُعَيَّنَةً (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (رَجُلًا) مِنْهُمْ مُعَيَّنًا (مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِنْتُ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ أَوْ الْقَلْعَةِ) لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى تُفْتَحَ الْقَلْعَةُ فَإِنْ فُتِحَتْ عَنْوَةً سُلِّمَتْ إلَيْهِ (فَ) إنْ (مَاتَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يُفْتَحْ) مَا ذَكَرَ مِنْ الْحِصْنِ أَوْ الْقَلْعَةِ (أَوْ فُتِحَ وَلَمْ تُوجَدْ) الْجَارِيَةُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ، إنْ مَاتَتْ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا، فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ عَنْوَةً وَهِيَ حُرَّةٌ فَلَهُ قِيمَتُهَا) ؛ لِأَنَّهَا عَصَمَتْ نَفْسَهَا بِإِسْلَامِهَا فَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا إلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ.
(وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْفَتْحِ عَنْوَةً سُلِّمَتْ إلَيْهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً إذَا كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ فَكَانَ وَاجِبًا؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْأَسْرِ، فَكَانَتْ رَقِيقَةً (أَوْ) أَسْلَمَتْ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْفَتْحِ (وَهِيَ أَمَةٌ سُلِّمَتْ إلَيْهِ) وَفَاءً بِشَرْطِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَلَهُ قِيمَتُهَا) لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ لِكُفْرِهِ ثُمَّ إنْ أَسْلَمَ فَفِي أَخْذِهَا احْتِمَالَانِ.
(فَإِنْ فُتِّحَتْ صُلْحًا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ فَلَهُ قِيمَتُهَا) إنْ رَضِيَ بِهَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا مُتَعَذِّرٌ لِدُخُولِهَا تَحْتَ الصُّلْحِ، وَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهَا فَإِنْ شَرَطَ فِي الصُّلْحِ تُسْلِمَهُمْ عَيْنَهَا لَزِمَ تَسْلِيمُ عَيْنِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ (فَإِنْ أَبَى إلَّا الْجَارِيَةَ وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا فُسِخَ الصُّلْحُ) لِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْجَعْلِ سَابِقٌ وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَعَلَى هَذَا: لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَنْ يُحَصِّنَهَا كَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهَا لَهُ لِسَبْقِ حَقِّهِ وَلِرَبِّ الْحِصْنِ الْقِيمَةُ (وَإِنْ بَذَلُوهَا) أَيْ: الْجَارِيَةَ (مَجَّانًا لَزِمَ أَخْذُهَا وَدَفْعُهَا إلَيْهِ وَكَذَا لَوْ بَذَلُوهَا بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إيصَالُ حَقِّهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ غَيْرُ حُرَّةِ الْأَصْلِ وَإِلَّا) وَجَبَتْ (قِيمَتُهَا) ؛ لِأَنَّ حُرَّةَ الْأَصْلِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ جَرَى عَلَيْهَا، فَلَا تُمْلَكُ كَالذِّمِّيَّةِ، وَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهَا كَالْمُسْلِمَةِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ، فَيَأْخُذُهَا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ كَمَا لَوْ شَرَطَ دَابَّةً أَوْ مَتَاعًا هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْمَجْدِ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ لَوْلَا عَقْدُ الصُّلْحِ، لَكَانَتْ أَمَةً وَجَازَ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ فَإِذَا رَضِيَ أَهْلُ الْحِصْنِ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ الصُّلْحِ بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ فَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَصِيرُ رَقِيقَةً.
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَوْجَبْنَا الْقِيمَةَ وَلَمْ يَغْنَمْ) الْجَيْشُ (شَيْئًا) فَإِنَّهَا تُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمَصَالِحِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَمِيرِ (أَنْ يَنْفُلَ) مِنْ النَّفَلِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ (فِي الْبُدَاءَةِ: الرُّبُعُ، فَأَقَلُّ بَعْدَ الْخُمْسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ: الثُّلُثُ فَأَقَلُّ بَعْدَهُ) لِحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ قَالَ «شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ الرُّبُعَ فِي الْبُدَاءَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَإِنَّمَا زِيدَ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبُدَاءَةِ لِمَشَقَّةِ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي الْبُدَاءَةِ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إلَى أَهْلَيْهِمْ، فَهَذَا أَكْثَرُ مَشَقَّةً وَلَا يَعْدِلُ شَيْءٌ عِنْدَ أَحْمَدَ الْخُرُوجُ فِي السَّرِيَّةِ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوِّ.
(وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا غَزَا غَزَاةً أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً أَمَامَهُ تُغِيرُ، وَإِذَا رَجَعَتْ بَعَثَ) سَرِيَّةً (أُخْرَى خَلْفَهُ) تُغِيرُ (فَمَا أَتَتْ بِهِ) السَّرِيَّةُ (أَخْرَجَ خُمْسَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَلِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا «لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا) مِنْ رُبُعٍ فَأَقَلَّ، أَوْ ثُلُثٍ فَأَقَلَّ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ فِي الْجَيْشِ، وَالسَّرِيَّةِ مَعًا) ؛ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ إلَى ذَلِكَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ (وَلَا تَسْتَحِقُّهُ السَّرِيَّةُ إلَّا بِشَرْطٍ) فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهَا شَيْئًا لَمْ تَسْتَحِقَّ سِوَى الْمُقَاسَمَة كَأَحَادِ الْجَيْشِ، لَكِنْ لِلْأَمِيرِ إعْطَاؤُهَا ذَلِكَ بِلَا شَرْطٍ (فَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ الثُّلُثِ فِي الرَّجْعَةِ أَوْ الرُّبْعِ فِي الْبُدَاءَةِ (رُدُّوا إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ، وَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الزَّائِدَ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ]
فَصْلٌ وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَ) يَلْزَمُهُمْ (النُّصْحُ لَهُ) لِحَدِيثِ " الدِّينُ النَّصِيحَةُ " وَلِأَنَّ نُصْحَهُ نُصْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، فَإِذَا نَصَحُوهُ كَثُرَ دَفْعُهُ، وَفِي الْأَثَرِ " إنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ " وَمَعْنَاهُ: يَكُفُّ.
(وَ) يَلْزَمُهُمْ (الصَّبْرُ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ وَأَرْضِ الْعَدُوِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]
وَلِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ.
(وَ) يَلْزَمُ (اتِّبَاعُ رَايَةٍ وَالرِّضَا بِقِسْمَتِهِ لِلْغَنِيمَةِ وَبِتَعْدِيلِهِ لَهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ طَاعَتِهِ (وَإِنْ خَفِيَ عَنْهُ صَوَابٌ عَرَّفُوهُ وَنَصَحُوهُ) (فَلَوْ أَمُرَهُمْ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَقْتَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَأَبَوْا عَصَوْا) قَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَوْ قَالَ سِيرُوا وَقْتَ كَذَا دَفَعُوا مَعَهُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " الْخِلَافُ شَرٌّ " ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ كَانَ يُقَالُ " لَا خَيْرَ مَعَ الْخِلَافِ وَلَا شَرَّ مَعَ الِائْتِلَافِ " وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا يُخَالِفُوهُ، يَتَشَعَّثُ أَمْرُهُمْ (وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ) وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَلَفِ لِلدَّوَابِّ (وَلَا يَتَحَطَّبُ) وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَطَبِ.
(وَلَا يُبَارِزُ) عَلَجًا (وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثُ حَدَثًا إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ، وَحَالِ الْعَدُوِّ، وَمَكَامِنِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إنْسَانٌ أَوْ بَارَزَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصَادِفَ كَمِينًا لِلْعَدُوِّ، فَيَأْخُذُوهُ، أَوْ يَرْحَلَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيَتْرُكُهُ، فَيَهْلَكُ، أَوْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يَقْوَى عَلَى الْمُبَارَزَةِ، فَيَظْفَرُ بِهِ الْعَدُوُّ، فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ انْتِفَاءِ الْمَفَاسِدِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْذَنَ فِي مَوْضِعِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَخُوفٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِهِمْ.
(وَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إلَى الْبِرَازِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ: عِبَارَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ الْعَدُوِّ، وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ (اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) لِمُبَارَزَةِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ قَالَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعْت أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ نَزَلَتْ فِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الدَّارَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا؛ وَلِأَنَّ فِي الْإِجَابَةِ إلَيْهَا إظْهَارًا لِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَلَدِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ (فَإِنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ) الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ (كُرِهَ) لَهُ أَنْ يُجِيبَ
لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا (فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ لَا رَأْيَ لَهُ فُعِلَتْ الْمُبَارَزَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ذَكَرَهُ) مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ الْحَرَّانِيُّ (فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ) لِنِكَايَةِ الْعَدُوِّ (وَالْمُبَارَزَةُ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا إذْنُ الْإِمَامِ: أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ) بِخِلَافِ الِانْغِمَاسِ فِي الْكُفَّارِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ وَلَا يُتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ، بِخِلَافِ الْمُبَارَزَةِ، فَإِنَّ قُلُوبَ الْجَيْشِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَتَرْتَقِبُ ظَفَرَهُ.
(وَيُبَاحُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الشُّجَاعِ طَلَبُهَا ابْتِدَاءً) ؛ لِأَنَّهُ غَالِبٌ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ (وَلَا يُسْتَحَبُّ) لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُقْتَلَ فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ شَرَطَ الْكَافِرُ) الْمُبَارِزُ (أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إلَيْهِ أَوْ كَانَ هُوَ الْعَادَةُ لَزِمَهُ) الشَّرْطُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَالْعَادَةُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ (وَيَجُوزُ رَمْيهُ وَقَتْلُهُ قَبْلَ الْمُبَارَزَةِ) ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ) أَيْ: بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (أَنَّ مَنْ يَخْرُجُ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُعَرَّضُ لَهُ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ) وَيُعْمَلُ بِالْعَادَةِ.
(وَإِنْ انْهَزَمَ الْمُسْلِم) تَارِكًا لِلْقِتَالِ (أَوْ أُثْخِنَ) الْمُسْلِمُ (بِالْجِرَاحِ جَازَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ الدَّفْعُ عَنْهُ وَالرَّمْيُ) أَيْ: رَمْيُ الْكَافِرِ وَقَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا صَارَ إلَى هَذَا الْحَالِ، فَقَدْ انْقَضَى قِتَالُهُ، وَزَالَ الْأَمَانُ، وَزَالَ الْقِتَالُ؛ لِأَنَّ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا أَعَانَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى قَتْلِ شَيْبَةَ حِينَ أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ وَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوا صَاحِبَهُمْ وَيُقَاتِلُوا مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ، لَا الْمُبَارَز؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ.
(وَتَجُوزُ الْخُدْعَةُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ الِاسْمُ مِنْ الْخِدَاعِ أَيْ: إرَادَةُ الْمَكْرُوهِ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَالْخَدِيعَةِ (فِي الْحَرْبِ لِلْمُبَارِزِ وَغَيْرِهِ) لِحَدِيثِ «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا بَارَزَ عَلِيًّا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ مَا بَرَزْتُ لِأُقَاتِلَ اثْنَيْنِ، فَالْتَفَتَ عَمْرٌو فَوَثَبَ عَلِيٌّ فَضَرَبَهُ فَقَالَ عَمْرٌو خَدَعْتَنِي فَقَالَ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ: الْكَافِرَ الْمُبَارِزَ (الْمُسْلِمُ أَوْ أَثْخَنَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَسَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «وَلَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتْ الْمُبَارَزَةُ بِغَيْرِ إذْنٍ
وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَفِي الْإِرْشَادِ:.
وَإِنْ بَارَزَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ (غَيْر مَخْمُوسٍ) لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَهُوَ) أَيْ: السَّلَبُ (مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، لَا مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ احْتَسَبَهُ مِنْ الْخُمْسِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ كَسَهْمِ الْفَارِسِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْقَاتِلُ لِلْكَافِرِ (عَبْدًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً أَوْ كَافِرًا بِإِذْنِ) الْإِمَامِ (أَوْ صَبِيًّا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ،.
وَ (لَا) يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ إنْ كَانَ (مُخَذِّلًا، وَلَا مُرْجِفًا، وَمُعِينًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ عَاصٍ) بِسَفَرِهِ (كَمَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ) الْأَمِيرِ (أَوْ مَنَعَ مِنْهُ) الْأَمِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَيَسْتَحِقُّ السَّلَبَ الْقَاتِلُ بِشَرْطِهِ.
(وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً وَنَحْوَهُمَا) كَالْخُنْثَى وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ (إذَا قَاتَلُوا) لِلْعُمُومَاتِ (وَكَذَا كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَوْ أَثْخَنَهُ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمَقْتُولِ فَلَهُ سَلَبُهُ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ) كَالرَّجُلِ الْحُرِّ (أَوْ الرَّضْخِ) كَالْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَافِرِ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، وَالصَّبِيِّ (كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ) أَيْ: سَوَاءٌ قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ (أَوْ لَمْ يَقُلْهُ) الْإِمَامُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
(إذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) «؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ذَفَّفَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ» (مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ، أَيْ: مُجِدًّا فِيهِ مُقْبِلًا عَلَيْهِ) فَإِنْ كَانَ مُنْهَزِمًا، فَلَا سَلَبَ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ (وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ، كَأَنْ بَارَزَهُ) أَوْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَلَا سَلَبَ لَهُ (لَا إنْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتَلَهُ مُشْتَغِلًا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ) لِعَدَمِ التَّغْرِيرِ وَكَذَا إنْ أَغْرَى عَلَيْهِ كَلْبًا عَقُورًا فَقَتَلَهُ وَإِنْ عَانَقَ رَجُلٌ رَجُلًا فَقَتَلَهُ آخَرُ أَوْ كَانَ الْكَافِرُ مُقْبِلًا عَلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُهُ، فَجَاءَ آخَرُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَاسْتَدَلَّ لَهُ (أَوْ) قَتَلَهُ (مُنْهَزِمًا مِثْلُ أَنْ يَنْهَزِمَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ، فَيُدْرِكُ إنْسَانًا مُنْهَزِمًا، فَيَقْتُلُهُ) ، فَلَا سَلَبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَانْهَزَمَ أَحَدُهُمْ مُتَحَيِّزًا) إلَى فِئَةٍ، أَوْ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ (فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) ذَكَرَهُ فِي الْبُلْغَةِ وَالتَّرْغِيبِ (وَيُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ) أَيْ: الْمَقْتُولِ (أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُثْخَنٍ، أَيْ: مُوهَنٍ بِالْجِرَاحِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ
(وَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعَةَ) إنْسَانٍ (ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ أَوْ ضَرَبَهُ اثْنَانِ وَكَانَتْ ضَرْبَةُ أَحَدِهِمَا أَبْلَغَ فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ) لَا رُبْعَتِهِ (وَلِلَّذِي ضَرْبَتُهُ أَبْلَغُ) ؛ لِأَنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُشْرِكْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالتَّغْرِيرِ فِي قَتْلِهِ وَلَا يَحْصُلُ بِالِاشْتِرَاكِ.
(وَإِنْ أَسَرَهُ فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ اسْتَحْيَاهُ) أَيْ: أَبْقَاهُ حَيًّا رَقِيقًا، أَوْ بِفِدَاءٍ أَوْ مَنٍّ (فَسَلَبُهُ وَرِقُّهُ إنْ رُقَّ وَفِدَاؤُهُ إنْ فُدِيَ: غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَسَرَهُ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسْرَى، فَقَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ وَاسْتَبْقَى مِنْهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَعْطَى أَحَدًا مِمَّنْ أَسَرَهُمْ سَلَبًا وَلَا فِدَاءً.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ فَسَلَبُهُ لِلْقَاتِلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَ لَمْ يُثْخِنْهُ.
(وَإِنْ قَطَعَ) وَاحِدٌ (يَدَهُ وَرِجْلَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَتْلِ) لِأَخْذِ السَّلَبِ (إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ، وَإِطْلَاقُهَا يَنْصَرِفُ إلَى شَاهِدَيْنِ، وَكَالْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَيَأْتِي فِي أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ، يُقْبَلُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَرَجُلٌ، وَيَمِينٌ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ (وَالسَّلَبُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْكَافِرِ (مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَعِمَامَةٍ، وَقَلَنْسُوَةٍ، وَمِنْطَقَةٍ، وَلَوْ مُذَهَّبَةٌ، وَدِرْع، وَمِغْفَر، وَبَيْضَة، وَتَاجٍ، وَأَسْوِرَةٍ، وَرَانٍ، وَخُفٍّ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ وَ) مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ (سِلَاحٍ مِنْ سَيْفٍ، وَرُمْحٍ، وَلَتٍّ، وَقَوْسٍ، وَنُشَّابٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنْ الثِّيَابِ، وَسَوَاءٌ (قَلَّ) السَّلَبُ (أَوْ كَثُرَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَخْذِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ سَلَبَ مَرْزُبَانَ الدَّارَةِ وَإِنَّهُ بَلَغَ الثَّلَاثِينَ أَلْفًا (وَدَابَّتُهُ الَّتِي قَاتَلَ عَلَيْهَا بِآلَتِهَا مِنْ السَّلَبِ إذَا قُتِلَ وَهُوَ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ؛ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ كَالسِّلَاحِ، وَآلَتهَا كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ تَبَعٌ لَهَا (وَنَفَقَتُهُ وَرَحْلُهُ، وَخَيْمَتُهُ، وَجَنِيبَتُهُ غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ اللُّبُوسِ، وَلَا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْأَمْوَالِ.
(وَيَجُوزُ سَلْبُ الْقَتْلَى وَتَرْكُهُمْ عُرَاةً غَيْرَ مَسْتُورِي الْعَوْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ.
(وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهِ، فَيُهَانُ (وَتَقَدَّمَ فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ) .
(وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْحَرْبِ وَأَمْرُهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجُزْ الْمُبَارَزَةُ إلَّا
بِإِذْنِهِ فَالْغَزْوُ أَوْلَى (إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ) أَيْ: يَطْلُعَ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً (عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلَبَهُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ، أَيْ: شَرَّهُ، وَأَذَاهُ (بِالتَّوَقُّفِ عَلَى الْإِذْنِ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ الضَّرَرِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ لَأَحَدٍ إلَّا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ، لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ، وَالْمَالِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْإِمَامُ (أَوْ) يَجِدُونَ (فُرْصَةً يَخَافُونَ فَوْتَهَا) إنْ تَرَكُوهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا الْأَمِيرَ فَإِنَّ لَهُمْ الْخُرُوجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْعَدُوُّ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ تَبِعَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَالَ خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ» وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ، وَرَاجِلٍ.
(وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ لِرَجُلٍ أَخْرُجُ عَلَيْك أَنْ لَا تَصْحَبَنِي، فَنَادَى) الْإِمَامُ (بِالنَّفِيرِ لَمْ يَكُنْ) النَّفِيرُ (إذْنًا لَهُ) فِي الْخُرُوجِ لِتَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (وَلَا بَأْسَ بِالنِّهْدَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ، وَهُوَ الْمُنَاهَدَةُ (فِي السَّفَرِ) فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ كَانَ الْحَسَنُ إذَا سَافَرَ أَلْقَى مَعَهُمْ، وَيَزِيدُ أَيْضًا بَعْدَ مَا يُلْقِي، وَفِيهِ أَيْضًا رِفْقٌ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ: النِّهْدُ (أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّفْقَةِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ يَدْفَعُونَهُ إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَيَأْكُلُونَ مِنْهُ جَمِيعًا، وَلَوْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ) بِفَتْحِ الْأَحْرُفِ الثَّلَاثِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ النُّونُ، أَيْ: الْقُوَّةَ وَالدَّفْعَ (لَهُمْ، أَوْ لَهُمْ مَنَعَةٌ أَوْ) دَخَلَ وَاحِدٌ، وَلَوْ عَبْدًا ظَاهِرًا (كَانَ) الدُّخُولُ (أَوْ خُفْيَةً دَارَ حَرْبٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ لِعِصْيَانِهِمْ) بِافْتِيَاتِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ فَنَاسَبَ حِرْمَانَهُمْ كَقَتْلِ الْمَوْرُوثِ.
(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى الْمَأْخُوذِ (وَلَا إذْنِ) الْأَمِيرِ (طَعَامًا مِمَّا يُقْتَاتُ أَوْ يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ مِنْ الْأُدْمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ سُكَّرًا أَوْ مَعَاجِينَ وَعَقَاقِيرَ وَنَحْوَهُ، أَوْ عَلَفًا فَلَهُ أَكْلُهُ وَإِطْعَامُ سَبْيٍ اشْتَرَاهُ، وَعَلَفُ دَابَّتِهِ، وَلَوْ كَانَا) أَيْ: السَّبْيُ وَالدَّابَّةُ (لِتِجَارَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ، وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْهُ «أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ الْخُمْسَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ إذْ الْحَمْلُ فِيهِ مَشَقَّةٌ فَأُبِيحَ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسَ (مَا لَمْ يُحْرَزْ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ (أَوْ يُوَكِّلُ الْإِمَامُ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَلَا يَجُوزُ إذَنْ)
أَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يُعْلِفَهُ دَابَّتَهُ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَثَمَّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الطَّعَامِ، وَإِنْ لَمْ يُحْرَزْ (فَهْدًا، وَ) لَا (كَلْبًا، وَ) لَا (جَارِحًا فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَطْعَمَ ذَلِكَ (غَرِمَ قِيمَتَهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرَدُّ لِلتَّفَرُّجِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ (وَلَا يَبِيعَهُ) أَيْ: الطَّعَامَ وَالْعَلَفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ (فَإِنْ) كَانَ (بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمَغْنَمِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ " أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ إنَّا أَصَبْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْغَلَّةِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ دَعْ النَّاسَ يَعْلِفُونَ، وَيَأْكُلُونَ، فَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَفِيهِ خُمْسُ اللَّهِ وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ " قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَفِي رَدِّ الثَّمَنِ تَحْصِيلٌ لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا.
وَفَرَّقَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ أَيْ: الْمُوَفَّقُ فِي الْكَافِي: إنْ بَاعَهُ لِغَيْرِ غَازٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ كَبَيْعِهِ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ إذَنْ، فَيَرُدُّ الْمَبِيعُ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ قِيمَتُهُ أَوْ ثَمَنُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَإِنْ بَاعَهُ لِغَازٍ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بَيْعًا فِي الْحَقِيقَةِ، إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ مُبَاحًا، وَأَخَذَ مِثْلَهُ، وَيَبْقَى أَحَقُّ بِهِ لِثُبُوتِ يَده عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ، جَازَ إذْ لَا بَيْعَ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ وَفَاهُ أَوْ رَدَّ إلَيْهِ عَادَتْ يَدُهُ كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهِ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَا ثَمَنَ عَلَيْهِ، وَيَتَعَيَّنُ رَدُّهُ إلَيْهِ (وَالدُّهْنُ الْمَأْكُولُ كَسَائِرِ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ أَشْبَهَ الْبُرَّ (وَلَهُ دَهْنُ بَدَنِهِ وَدَابَّتِهِ مِنْهُ) لِحَاجَةٍ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد دُهْنَهُ بِزَيْتٍ لِلتَّزَيُّنِ لَا يُعْجِبُنِي (وَ) لَهُ دَهْنُ بَدَنِهِ وَدَابَّتِهِ (مِنْ دُهْنٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ) ظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَجِسًا وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ.
(وَ) لَهُ (أَكْلُ مَا يَتَدَاوَى بِهِ، وَشُرْبُ جُلَّابٍ، وَسَكَنْجَبِينَ، وَنَحْوِهِمَا لِحَاجَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الطَّعَامِ (وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ بِالصَّابُونِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ فِي الْمَغْنَمِ (وَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّ الْمَغْنَمِ) لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
؛ وَلِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلْعَطَبِ غَالِبًا وَقِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ
بِخِلَافِ السِّلَاحِ (وَلَا يَتَّخِذْ النَّعْلَ وَالْجُرُبَ) جَمْعُ جِرَابٍ (مِنْ جُلُودِهِمْ، وَلَا الْخُيُوطَ، وَالْحِبَالَ) بَلْ تُرَدُّ عَلَى الْمَغْنَمِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ (وَكُتُبِهِمْ الْمُنْتَفَعِ بِهَا كَ) كُتُبِ (الطِّبِّ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ وَنَحْوِهَا) كَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ (غَنِيمَة) لِاشْتِمَالِهَا عَلَى نَفْعٍ مُبَاحٍ (وَإِنْ كَانَتْ) كُتُبُهُمْ (مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، كَكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا أَوْ وَرِقِهَا بَعْدَ غَسْلِهِ غَسْلَ) إزَالَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ (وَهُوَ غَنِيمَةٌ) كَسَائِرِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا (فَلَا) تَكُونُ غَنِيمَةً بَلْ يُتْلِفُهَا (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا) ، وَلَوْ لِإِتْلَافِهَا كَكُتُبِ الزَّنْدَقَةِ وَنَحْوِهَا.
(وَجَوَارِحُ الصَّيْدِ كَالْفُهُودِ وَالْبُزَاةِ: غَنِيمَةٌ تُقَسَّمُ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ يُنْتَفَعُ بِهِ كَبَاقِي الْأَمْوَالِ.
(وَإِنْ كَانَتْ كِلَابًا مُبَاحَةً لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ (فَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا أَحَدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ جَازَ إرْسَالُهَا، وَ) جَازَ (إعْطَاؤُهَا غَيْرَهُمْ) أَيْ: غَيْرَ الْغَانِمِينَ.
(وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا بَعْضُ الْغَانِمِينَ دُونَ بَعْضٍ دُفِعَتْ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِ الْغَانِمِينَ (وَلَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ) مِنْ سَهْمِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ (وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا) أَيْ: الْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ (الْجَمِيعُ) أَيْ: جَمِيعُ الْغَانِمِينَ (أَوْ) رَغِبَ فِيهَا (نَاسٌ كَثِيرٌ) مِنْ الْغَانِمِينَ (وَأَمْكَنَ قِسْمَتُهَا) عَدَدًا (قُسِمَتْ عَدَدًا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) أَيْ: قِسْمَتُهَا بِالْعَدَدِ (أَوْ تَنَازَعُوا فِي الْجَيِّدِ مِنْهَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُ الْقُرْعَةِ.
(وَيُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ، وَيُكْسَرُ الصَّلِيبُ، وَيُرَاقُ الْخَمْرُ، وَتُكْسَرُ أَوْعِيَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ) وَإِلَّا أُبْقِيَتْ.
(وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ) كَالْعَلَفِ (شَيْءٌ، وَلَوْ يَسِيرًا، فَأَدْخَلَهُ بَلَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ رَدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَمَا بَقِيَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
(وَ) إنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ (قَبْلَ دُخُولِهَا) أَيْ: دُخُولِ بَلَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (يَرُدُّ مَا فَضَلَ مَعَهُ) وَفِي نُسَخٍ مِنْهُ (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) مِنْ طَعَامٍ وَعَلَفٍ (جَازَ لَهُ أَخْذُهُ، وَصَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ أَخَذَهُ هُوَ ابْتِدَاءً.
(وَلَهُ أَخْذُ سِلَاحٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ يُقَاتِلُ بِهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ " انْتَهَيْتُ إلَى أَبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ الطَّعَامِ، وَضَرَرُ اسْتِعْمَالِهِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ أَكْلِ الطَّعَامِ، لِعَدَمِ زَوَالِ عَيْنِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
(وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ النُّشَّابَ ثُمَّ يَرْمِيَ بِهِ الْعَدُوَّ)
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِتَالِ بِالسَّيْفِ (وَلَيْسَ لَهُ الْقِتَالُ عَلَى فَرَسٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي رُكُوبِ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّهَا (وَلَا لُبْسُ ثَوْبٍ) مِنْ الْغَنِيمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ لِأَجِيرٍ لِحِفْظِ غَنِيمَةٍ رَكُوبُ دَابَّةٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهَا بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ (إلَّا بِشَرْطٍ) " بِأَنْ شَرَطَ لَهُ الْأَمِيرُ رَكُوبَهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَعُيِّنَتْ الْمَسَافَةُ، بَلْ ظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنَا.
(وَلَا) لِأَجِيرٍ لِحِفْظِ الْغَنِيمَةِ (رَكُوبُ دَابَّةٍ حَبِيسٍ) أَيْ: مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْغَزَاةِ، لِوُجُوبِ صَرْفِ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا (وَلَوْ بِشَرْطٍ) أَيْ: وَلَوْ شَرَطَ الْأَمِيرُ لِلْأَجِيرِ رَكُوبَ الْحَبِيسِ، فَلَا يَسْتَبِيحُهُ بِذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: رَكِبَ الْأَجِيرُ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَةُ مِثْلِهَا) لِتَعَدِّيهِ بِإِتْلَافِ الْمَنْفَعَةِ فَيُرَدُّ فِي الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَتْ مِنْهَا، وَتُصْرَفُ فِي نَفَقَةِ الْحَبِيسِ، إنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ حَبِيسًا.
(وَمَنْ أَخَذَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْفَاضِلُ) مِنْهُ (لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ فَكَانَ الْفَاضِلُ لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حَجَّةً بِأَلْفٍ يُصْرَفُ فِي حَجَّةٍ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الزَّكَاةِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (أَنْفَقَهُ فِي الْغَزْوِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهُ، لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ فَلَزِمَهُ إنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَنْفَدَ.
(وَإِنْ أُعْطِيَهُ) أَيْ: الْمَالُ (لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ لَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ لِأَهْلِهِ شَيْئًا) قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَلَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ (إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ) ، فَيَكُونُ كَهَيْئَةِ مَالِهِ (فَيَبْعَثُ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ حَوَائِجِهِ.
(وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا أُعْطِيَهُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ (عِنْدَ الْخُرُوجِ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْ الْغَزْوِ) ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلَاحًا وَآلَةَ الْغَزْوِ) كَالتُّرْسِ وَالْفَرَسِ.
(وَمَنْ أُعْطِيَ دَابَّةً لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا غَيْرَ عَارِيَّةٍ وَلَا حَبِيسٍ فَغَزَا عَلَيْهَا مَلَكَهَا) بِالْغَزْوِ عَلَيْهَا لِقَوْلِ عُمَرَ " حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ مَا بَاعَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَهُ مِنْ عُمَرَ ثُمَّ يُقِيمَهُ لِلْبَيْعِ فِي الْحَالِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ
عَلَيْهِ.
ذَكَرَ أَحْمَدُ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ وَسُئِلَ: مَتَى تَطِيبُ لَهُ الْفَرَسُ قَالَ إذَا غَزَا عَلَيْهَا، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ الْعَدُوَّ جَاءَنَا فَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فِي الطَّلَبِ إلَى خَمْسِ فَرَاسِخَ، ثُمَّ رَجَعَ؟ قَالَ لَا، حَتَّى يَكُونَ غَزْوًا (وَمِثْلُهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ الَّتِي أُعْطِيَهَا لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا (سِلَاحٌ وَنَفَقَةٌ) أُعْطِيَهُ لِيَغْزُوَ بِهِ، فَيَمْلِكُهُ بِالْغَزْوِ (فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَشْتَرِيهِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) مِمَّا تَقَدَّمَ (وَلَا يَرْكَبُ دَوَابَّ السَّبِيلِ فِي حَاجَةِ) نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُسَبَّلُ لِذَلِكَ (وَيَرْكَبُهَا، وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا سُبِّلَتْ لِذَلِكَ (وَلَا تُرْكَبُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى) لِزِينَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَهَا، وَيَعْلِفَهَا) أَيْ: لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهَا (وَسَهْمُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ: لِمَنْ غَزَا عَلَيْهِ) يُعْطَى مِنْهُ نَفَقَتَهُ وَالْبَاقِي لَهُ.
[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ]
يُقَالُ: غَنِمَ فُلَانٌ الْغَنِيمَةَ يَغْنَمُهَا وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْغُنْمِ وَأَصْلُهَا الرِّبْحُ وَالْفَضْلُ وَالْمَغْنَمُ مُرَادِفٌ لِلْغَنِيمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] وَقَدْ اشْتَهَرَ، وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ الْغَنَائِمَ " وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ، ثُمَّ صَارَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَخُمْسُهَا لِغَيْرِهِمْ (وَهِيَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ) خَرَجَ بِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ، وَنَحْوِهِ (قَهْرًا بِقِتَالٍ) خَرَجَ بِهِ مَا جَلُوا، وَتَرَكُوهُ فَزَعًا، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ الْعُشْرِ إذَا اتَّجَرُوا إلَيْنَا، وَنَحْوِهِ.
(وَمَا أُلْحِقَ بِهِ) أَيْ: بِالْمَأْخُوذِ بِالْقِتَالِ (كَهَارِبٍ) اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ (وَهَدِيَّةِ الْأَمِيرِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْمَأْخُوذِ فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى، وَمَا يُهْدَى لِبَعْضِ قُوَّادِ الْأَمِيرِ بِدَارِ
حَرْبٍ (وَلَمْ تَحِلَّ) الْغَنَائِمُ (لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرِكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ) مَالُ (مُعَاهَدٍ) ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ (فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، لَمْ يُقَسَّمْ، وَرُدَّ إلَى صَاحِبِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ غُلَامًا لَهُ أَبَقَ إلَى الْعَدُوِّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ» وَذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
(فَإِنْ قُسِّمَ) مَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ (بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ لَمْ تَصِحَّ قِسْمَتُهُ وَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ) ؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُقَسَّمْ (ثُمَّ إنْ كَانَ) مَالُ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهَدِ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ (أُمَّ وَلَدٍ لَزِمَ السَّيِّدُ أَخْذُهَا) قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا.
(وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالثَّمَنِ) وَلَا يَدَعُهَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ (وَمَا سِوَاهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ (لِرَبِّهِ أَخْذُهُ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا وَبَعْدَهَا بِالثَّمَنِ.
(وَ) لَهُ (تَرْكُهُ غَنِيمَةً) لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ (فَإِنْ أَخَذَهُ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ (أَخَذَهُ مَجَّانًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَبَى أَخْذَهُ) قُسِّمَ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ سَقَطَ مِنْ التَّقْدِيمِ.
(أَوْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَرَاكِبَ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ قُسِّمَ، وَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ مَلَكُوهُ، فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَإِنَّمَا لِرَبِّهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ إذَا عُرِفَ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْكُفَّارِ (جَارِيَةً لِمُسْلِمٍ، أَوْلَدَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ فَلِسَيِّدِهَا أَخَذُهَا إذَا أَدْرَكَهَا كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ أَوْلَادِهَا وَمَهْرِهَا) لِلُحُوقِ النَّسَبِ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ كَسَائِرِ أَمْوَالِنَا.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ: أَدْرَكَ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُعَاهَدُ مَالَهُ الْمَأْخُوذَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (مَقْسُومًا) فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ هُوَ لَكَ، وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» وَإِنَّمَا امْتَنَعَ أَخْذُهُ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِئَلَّا يُفْضِي إلَى حِرْمَانِ آخِذِهِ بِالْغَنِيمَةِ، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَأَدَّى إلَى ضَيَاعِ حَقِّهِ فَالرُّجُوعُ بِشَرْطِ وَزْنِ الْقِيمَةِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (أَوْ) أَدْرَكَهُ رَبُّهُ (بَعْدَ بَيْعِهِ وَ) بَعْدَ (قَسْمِ ثَمَنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ كَأَخْذِهِ)
أَيْ: كَمَا أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ (مِنْ مُشْتَرِيهِ مِنْ الْعَدُوِّ) بِثَمَنِهِ، لِئَلَّا يَضِيعَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَحَقُّهُ يَنْجَبِرُ بِالثَّمَنِ، فَرُجُوعُ صَاحِبِ الْمَالِ فِي عَيْنِهِ كَأَخْذِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ.
(وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ: وَجَدَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ (بِيَدِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (وَقَدْ جَاءَنَا بِأَمَانٍ، أَوْ) جَاءَنَا (مُسْلِمًا، فَلَا حَقَّ لَهُ) أَيْ: لِرَبِّهِ (فِيهِ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِذَا أَسْلَمُوا وَفِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ لَهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ كُلَّ مَا قَبَضَهُ الْكُفَّارُ مِنْ الْأَمْوَالِ قَبْضًا يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى، وَإِنْ كَانَ أَخْذُهُ مِنْ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ هِبَةً أَوْ سَرِقَةً أَوْ شِرَاءً فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِقَهْرِهِ الْمُسْلِمَ.
(وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ سَرَقَهُ أَحَدٌ مِنْ الرَّعِيَّةِ مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ أَخَذَهُ) أَحَدٌ (هِبَةً فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا عَلَى سَرْحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذُوا جَارِيَةً وَنَاقَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَرَكِبَتْ النَّاقَةَ، وَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَتَهُ فَأَخْبَرَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَذْرِهَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، بِئْسَ مَا جَزَيْتِيهَا نَذَرْتِ لِلَّهِ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (صَحَّ تَصَرُّفُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ مَالِكٍ فَصَحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْكُفَّارِ (مِثْلُ أَنْ بَاعَهُ الْمُغْتَنَمَ، أَوْ رَهَنَهُ، وَيَمْلِكُ رَبُّهُ انْتِزَاعَهُ مِنْ الثَّانِي) كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِ الْأَوَّل وَإِنْ أَوْقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ لَزِمَ، وَفَاتَ عَلَى رَبِّهِ.
(وَتَمْنَعُ الْمُطَالَبَةُ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَالشُّفْعَةِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الطَّلَبَ بِالشُّفْعَةِ يَمْنَعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (وَتُرَدُّ مُسْلِمَةٌ سَبَاهَا الْعَدُوُّ إلَى زَوْجِهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ (وَوَلَدُهَا) أَيْ: الْحُرَّةِ (مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (كَ) وَلَدِ (مُلَاعَنَةٍ، وَ) وَلَدِ (زِنًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً، وَأَبَى وَالِدُهَا الْإِسْلَامَ حُبِسَ، وَضُرِبَ حَتَّى يُسْلِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الْكُفْرِ.
(وَمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ) كَالْوَقْفِ (فَلَا يُغْنَمُ بِحَالٍ، وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ إنْ وَجَدَهُ مَجَّانًا، وَلَوْ بَعْدَ إسْلَامِ مَنْ هُوَ مَعَهُ، أَوْ) بَعْدَ (قَسْمِهِ أَوْ شِرَائِهِ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ لَهُمْ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ رَبِّهِ عَنْهُ.
(وَإِنْ جُهِلَ رَبُّهُ) أَيْ: رُبُّ مَا لَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ أَمْوَالِنَا (وُقِفَ) حَتَّى يُعْلَمَ رَبُّهُ، وَلَا يُقَسَّمُ:؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ غَنِيمَةً (وَيَمْلِكُ أَهْلُ الْحَرْبِ مَالَ مُسْلِمٍ بِأَخْذِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ فَكَذَا عَكْسُهُ كَالْبَيْعِ، وَكَمَا يَمْلِكُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَسَوَاءٌ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ.
(وَلَوْ قَبْلَ حِيَازَتِهِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ) قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ أَثْبَتَهُ حَيْثُ وُجِدَ كَالْبَيْعِ (وَلَوْ) كَانَ أَخْذُهُمْ مَالَ مُسْلِمٍ (بِغَيْرِ قَهْرٍ، كَأَنْ أَبِقَ أَوْ شَرَدَ إلَيْهِمْ) مَالُ مُسْلِمٍ فَأَخَذُوهُ كَعَكْسِهِ (حَتَّى أُمَّ وَلَد، وَمُكَاتَبًا) ؛ لِأَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ بِقِيمَتِهِمَا عَلَى مُتْلِفِهِمَا فَمَلِكُوهُمَا كَالْقِنِّ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهَا كَوَقْفٍ (وَ) مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مِلْكِهِمْ مَالَ الْمُسْلِمِ بِأَخْذِهِ.
(لَوْ بَقِيَ مَالُ مُسْلِمٍ مَعَهُمْ) أَيْ: الْحَرْبِيِّينَ (حَوْلًا أَوْ أَحْوَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِ.
(وَ) مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ (إنْ كَانَ) مَا أَخَذُوهُ (عَبْدًا) أَوْ أَمَةً (فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُعْتَقْ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُهُ (وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً مُزَوَّجَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ انْفِسَاخُ نِكَاحِهَا) إذَا سَبَوْهَا وَحْدَهَا كَعَكْسِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ: إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أُخْتَانِ أَمَتَانِ، وَاسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى إحْدَاهُمَا، وَكَانَ وَطِئَهَا فَلَهُ وَطْءُ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْ أُخْتِهَا.
(قَالَ الشَّيْخُ: الصَّوَابُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ مِلْكًا مُقَيَّدًا لَا يُسَاوِي أَمْلَاكَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ رَبَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ أَخَذَهُ إمَّا مَجَّانًا أَوْ بِالثَّمَنِ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ (وَلَا يَمْلِكُونَ حَبِيسًا، وَوَقْفًا) لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْمِلْكِ فِيهِمَا، فَلَمْ يُمْلَكَا بِالِاسْتِيلَاءِ كَالْحُرِّ.
(وَ) لَا يَمْلِكُونَ (ذِمِّيًّا) حُرًّا (وَ) لَا (حُرًّا) مُسْلِمًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، فَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِحَالٍ فَإِذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى ذِمَّتِهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ بَاقِيَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ نَقْضَهَا.
(وَمَنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ: الْأَسِيرَ الْحُرَّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (مِنْهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (وَأَطْلَقَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ رَجَعَ بِثَمَنِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، وَلَا يُرَدُّ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ بِحَالٍ وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بِدَلِيلِهِ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُشْتَرِي وَالْأَسِيرُ (فِي) قَدْرِ (ثَمَنِهِ، فَقَوْلُ أَسِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا (وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ عَبْدٍ مَيْسُورٍ أَنَّهُ لِفُلَانٍ) قِيلَ لِأَحْمَدَ: أُصِيبَ غُلَامٌ فِي بِلَادِ الرُّومِ فَقَالَ: أَنَا لِفُلَانٍ رَجُلٌ بِمِصْرَ قَالَ إذَا عُرِفَ الرَّجُلُ لَمْ يُقَسَّمْ، وَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَصَبْنَا مَرْكَبًا فِي بِلَادِ الرُّومِ فِيهَا النَّوَاتِيَّةُ قَالُوا هَذَا لِفُلَانٍ قَالَ هَذَا قَدْ عُرِفَ
صَاحِبُهُ لَا يُقَسَّمُ.
(وَ) يُعْمَلُ (بِوَسْمٍ عَلَى حَبِيسٍ) وَنَظِيرِهِ كَمَا يَأْتِي فِي أَخِرِ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ: الْعَمَلُ بِمَا عَلَى أَسْكُفَّةِ مَدْرَسَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَكُتُبِ عِلْمٍ بِخِزَانَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا.
(وَمَا أَخَذَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ) فَاعِلٍ أَخَذَ (هُوَ مَعَ الْجَيْشِ وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَأْخُوذِ (بِدُونِهِمْ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ فِي مَكَانِهِ كَالدَّارَصِينِيِّ، وَسَائِرِ الْأَخْشَابِ، وَالْأَحْجَارِ، وَالصُّمُوغِ، وَالصُّيُودِ، وَلُقَطَةِ حَرْبِيٍّ، وَالْعَسَلِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ، وَنَحْوِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ قَهْرًا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَكَانَ غَنِيمَةً كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ (فِي الْأَكْلِ مِنْهُ) إذَا كَانَ طَعَامًا.
(وَغَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ الْأَكْلِ فَثَبَتَتْ لَهُ أَحْكَامُ الْغَنِيمَةِ كُلِّهَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَخْذُ لِذَلِكَ (مَعَ الْجَيْشِ، كَالْمُتَلَصِّصِ، وَنَحْوِهِ، فَالرِّكَازُ لِوَاجِدِهِ) كَمَا وُجِدَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ (وَفِيهِ) أَيْ: الرِّكَازِ (الْخُمْسُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَلِّهِ وَمَا عَدَا الرِّكَاز مِنْ الْمُبَاحَاتِ يَكُونُ أَيْضًا لِوَاجِدِهِ غَيْرُ مَخْمُوسٍ، حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
(الْمُبَاحَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: لِلْمَأْخُوذِ مِنْ مُبَاحِ دَارِ الْحَرْبِ (قِيمَةٌ بِنَقْلِهِ كَالْأَقْلَامِ وَالْمِسَنِّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (الْمِيمِ وَالْأَدْوِيَةِ، فَهُوَ لِأَخِذِهِ) ، وَلَوْ وَصَلَ إلَيْهِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ " (وَلَوْ صَارَ لَهُ قِيمَةٌ بِنَقْلِهِ، وَمُعَالَجَتِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ طَارِئٌ.
(وَإِنْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَكَمَا لَوْ وَجَدَهَا فِي غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ) يُعَرِّفُهَا حَوْلًا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهَا مَلَكَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ فَهِيَ غَنِيمَةٌ.
(وَإِنْ شَكَّ هَلْ هِيَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ) مِنْ مَتَاعِ (الْمُشْرِكِينَ عَرَّفَهَا حَوْلًا) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ) إنْ لَمْ تُعْرَفْ (جَعَلَهَا فِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُبْدِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا، وَمَحَلُّهُ: إذَا وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ (وَيُعَرِّفُهَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ) نَصَّ عَلَيْهِ، أَيْ: يُتِمُّ تَعْرِيفَهَا فِي بِلَادِنَا، وَأَمَّا الشُّرُوعُ فَمِنْ حِينِ الْوِجْدَانِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي.
(وَإِنْ تَرَكَ صَاحِبُ الْقَسْمِ) أَيْ: الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ أَمْرُهُ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ أَوْ نَائِبُهُ (شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ عَجْزًا عَنْ حَمْلِهِ حَمْلِهِ وَلَمْ يَشْتَرِ) ذَلِكَ الْمَتْرُوكَ (فَقَالَ) صَاحِبُ الْقَسْمِ (مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مَلَكَهُ) كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
(وَلِلْأَمِيرِ إحْرَاقُهُ) حَتَّى لَا يَعُودُ إلَيْهِ الْكُفَّارُ، فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ (وَ) لِلْأَمِيرِ (أَخَذُهُ لِنَفْسِهِ كَغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْأَمِيرِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذَهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ أَرَادَ الْأَمِيرُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَوَكَّلَ مَنْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ صَحَّ الْبَيْعُ) لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمُحَابَاةُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ بَعْضَ الْغَانِمِينَ لِحِصَّتِهِ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ الْأَمِيرَ أَوْ
وَكِيلَهُ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الْوِكَالَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَغْنَمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يُحَابِي؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ فِي غَزْوَةِ جَلُولَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَابِي احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلِأَنَّهُ هُوَ الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَكَأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِ نَفْسِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ اشْتَرَى بِنَفْسِهِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ جَلُولَاءَ لِلْمُحَابَاةِ، وَظَاهِرُهُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ.
(وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ) ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُبَاحٌ فَمُلِكَتْ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ: أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُمْ فِي رَقِيقِهِمْ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ وَلَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ صَارَ حُرًّا.
وَفِي الِانْتِصَارِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ بِاسْتِيلَاءٍ تَامٍّ لَا فِي فَوْرِ الْهَزِيمَةِ لِلَبْسِ الْأَمْرِ، هَلْ هُوَ حِيلَةٌ أَوْ ضَعْفٌ؟ وَفِي الْبُلْغَةِ كَذَلِكَ وَإِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِيلَاءِ، وَإِزَالَةَ أَيْدِي الْكُفَّارِ عَنْهَا كَافٍ.
(وَيَجُوزُ قَسْمُهَا وَتَبَايُعُهَا) فِي دَارِ الْحَرْبِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ لِلْأَوْزَاعِيِّ هَلْ قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فِي الْمَدِينَةِ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ وَقَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنَائِمَ بَنِي الْمُصْطَلَقِ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَغَنَائِمَ حَنِينٍ بِأَوْطَاسٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فَجَازَ قِسْمَتُهَا فِيهَا وَبَيْعُهَا كَمَا لَوْ أُحْرِزَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الْغَنِيمَةُ (لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " (مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ إذَا كَانَ قَصْدُهُ الْجِهَادَ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مِنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ، وَأُجَرَاءِ التُّجَّارِ، وَلَوْ) كَانَ الْأَجِيرُ (لِلْخِدْمَةِ وَلِمُسْتَأْجَرٍ مَعَ جُنْدِيٍّ كَرِكَابِيٍّ وَسَايِسٍ، وَالْمُكَارِي وَالْبَيْطَارِ وَالْحَدَّادِ وَالْإِسْكَافِ وَالْخَيَّاطِ وَالصُّنَّاعِ) أَيْ: أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ (الَّذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ وَمَعَهُمْ السِّلَاحُ) ؛ لِأَنَّهُ رِدْءٌ لِلْمُقَاتِلِ لِاسْتِعْدَادِهِ أَشْبَهَ الْمُقَاتِلَ وَحَمَلَ الْمَجْدُ إسْهَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَسْلَمَةَ وَكَانَ أَجِيرًا لِطَلْحَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَلَى أَجِيرٍ قَصَدَ مَعَ الْخِدْمَةِ الْجِهَادَ (حَتَّى مَنْ مُنِعَ لِدَيْنِهِ) أَيْ: مَنَعَهُ الشَّرْعُ الْجِهَادَ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ (أَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ) مِنْ الْجِهَادِ، فَيُسْهَمُ لَهُ (لِتَعَيُّنِهِ) أَيْ: الْجِهَادِ (بِحُضُورِهِ) أَيْ: لِصَيْرُورَةِ الْجِهَادِ فَرْضَ عَيْنٍ بِحُضُورِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ إذَنْ عَلَى الْإِذْنِ.
(وَ) يُعْطَى أَيْضًا (لِمَنْ بَعَثَهُمْ الْأَمِيرُ لِمَصْلَحَةٍ كَرَسُولٍ) مُخَوَّفٍ وَغَزَا (وَ) يُعْطَى أَيْضًا (لِمَنْ بَعَثَهُمْ الْأَمِيرُ لِمَصْلَحَةٍ كَرَسُولٍ وَجَاسُوسٍ وَدَلِيلٍ، وَشِبْهِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا، وَلِمَنْ خَلَفَهُ الْأَمِيرُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، وَلَوْ مَرِضَ بِمَوْضِعٍ مَخُوفٍ وَغَزَا) الْأَمِيرُ (وَلَمْ يَمُرَّ بِهِمْ فَرَجَعُوا نَصًّا فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُسْهَمُ لَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ أَوْ خَلَفَهُمْ الْأَمِيرُ وَهُمْ أَوْلَى بِالْإِسْهَامِ مِمَّنْ شَهِدَ وَلَمْ يُقَاتِلْ، وَ.
(لَا) يُسْهَمُ (لِمَرِيضٍ عَاجِزٍ عَنْ الْقِتَالِ كَالزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالْأَشَلِّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمْ (لَا) إنْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يَمْنَعُ الْقِتَالَ كَ (الْمَحْمُومِ وَمَنْ بِهِ صُدَاعٌ وَنَحْوُهُ) كَوَجَعِ ضِرْسٍ فَيُسْهَمُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ (وَلَا) يُسْهَمُ (لَكَافِرٍ وَعَبْدٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا) لِعِصْيَانِهِمَا فَإِنْ أُذِنَ لَهُمَا أُسْهِمَ لِلْكَافِرِ وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ (وَلَا) يُسْهَمُ (لِمَنْ لَمْ يَسْتَعِدّ لِلْقِتَالِ مِنْ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ) كَالْخَدَمِ وَالصُّنَّاعِ (؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمْ) لِلْقِتَالِ (وَلَا) يُسْهَمُ (لِمَنْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ حُضُورِهِ) الْقِتَالَ (أَوْ) غَزَا (بِلَا إذْنِهِ) لِعِصْيَانِهِ (وَلَا لِطِفْلٍ وَمَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ.
(وَ) لَا (فَرَسٍ عَجِيفٍ وَنَحْوِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ (وَلَا لِمُخَذِّلٍ، وَمُرْجِفٍ، وَلَوْ تَرَكَا ذَلِكَ وَقَاتَلَا) وَكَذَا رَامٍ بَيْنَنَا بِفِتَنٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ وَكَذَا مَنْ هَرَبَ مِنْ كَافِرِينَ) لَا يُسْهَمُ وَلَا يُرْضَخُ لَهُ لِعِصْيَانِهِ (وَ) لَا يُسْهَمُ وَلَا يُرْضَخُ (لِخَيْلِهِمْ) تَبَعًا لَهُمْ.
(وَإِذَا لَحِقَ الْمُسْلِمِينَ مَدَدٌ) هُوَ مَا مَدَدْتُ بِهِ قَوْمًا فِي الْحَرْبِ (أَوْ هَرَبَ مِنْ الْكُفَّارِ إلَيْنَا أَسِيرٌ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ أَوْ صَارَ الْفَارِسُ رَاجِلًا أَوْ عَكْسُهُ: قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، أُسْهِمَ لَهُمْ وَجُعِلُوا كَمَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ كُلَّهَا) لِقَوْلِ عُمَرَ؛ وَلِأَنَّهُمْ شَارَكُوا الْغَانِمِينَ فِي السَّبَبِ، فَشَارَكُوهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَرْبِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا.
(وَإِنْ كَانَ) لُحُوقُ الْمَدَدِ أَوْ الْأَسِيرِ أَوْ إسْلَامُ الْكَافِرِ أَوْ بُلُوغُ الصَّبِيِّ أَوْ عِتْقُ الْعَبْدِ (بَعْدَ التَّقَضِّي) لِلْحَرْبِ (وَلَوْ لَمْ تُحْرَزْ) الْغَنِيمَةُ، فَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَصْحَابَهُ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا فَقَالَ أَبَانُ اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اجْلِسْ يَا أَبَانُ وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
؛ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكُوا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَلَوْ لَحِقَهُمْ عَدُوٌّ وَقَاتَلَ الْمَدَدُ مَعَهُمْ حَتَّى سَلَّمُوا الْغَنِيمَةَ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِيهَا لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَاتَلُوا عَنْ أَصْحَابِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ فِي أَيْدِيهِمْ وَحَوْزِهِمْ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَقَالَ قِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْمِصِّيصَةِ غَنِمُوا ثُمَّ اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ الْعَدُوُّ، فَجَاءَ أَهْلُ طَرَطُوسَ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى اسْتَنْقَذُوهُمْ؟ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصْطَلِحُوا أَيْ: لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ إذَا
مَلَكُوهَا بِالْحِيَازَةِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْكُفَّارِ بِأَخْذِهَا.
(أَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ الْعَسْكَرِ أَوْ انْصَرَفَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ) لِلْغَنِيمَةِ (فَلَا) شَيْءَ لَهُ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَنَصَرَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَهُ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ أُحْرِزَتْ الْغَنِيمَةِ أَوْ لَا، وَيَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْقَاضِي قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي (وَكَذَا لَوْ أُسِرَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: أَثْنَاءِ الْوَقْعَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ.
[فَصْلٌ إذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ بَدَأَ بِالْأَسْلَابِ]
فَصْلٌ وَإِذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ بَدَأَ بِالْأَسْلَابِ فَدَفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّهَا غَيْرَ مَخْمُوسَةٍ (فَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَالٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ دُفِعَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَيَّنٌ (ثُمَّ) يَبْدَأُ (بِمُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ مِنْ أُجْرَةِ نَقَّالٍ، وَحَمَّالٍ، وَحَافِظٍ، وَمُخَزِّنٍ، وَحَاسِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْغَنِيمَةِ.
(وَإِعْطَاءِ جَعْلِ مَنْ دَلَّهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ) كَطَرِيقٍ أَوْ قَلْعَةٍ (إنْ شَرَطَهُ مِنْ) مَالِ (الْعَدُوِّ) قَالَ فِي الشَّرْحِ:؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَبِ لَكِنْ يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ بَعْدَ الْخُمْسِ (ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِي) ، فَيَجْعَلُهُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ (فَيُقَسِّمُ خُمُسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41]- الْآيَةَ وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] وَأَنَّ الْجِهَةَ جِهَةُ مَصْلَحَةِ (سَهْمِ اللَّهِ) تَعَالَى.
(وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَذِكْرُ اسْمِهِ تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةَ لَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " يَصْنَعُ بِهَذَا السَّهْمِ مَا شَاءَ " ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ (وَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ هُوَ بَاقٍ (يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ) لِلْمَصَالِحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِي مِنْ الْفَيْءِ إلَّا الْخُمُسُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلَا يَكُونُ مَرْدُودًا عَلَيْنَا إلَّا إذَا صُرِفَ فِي مَصَالِحِنَا، وَفِي الِانْتِصَارِ: هُوَ لِمَنْ يَلِي الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ.
(وَخُصَّ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَيْضًا مِنْ الْمَغْنَمِ
بِالصَّفِيِّ، وَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَجَارِيَةٍ، وَعَبْدٍ، وَثَوْبٍ، وَسَيْفٍ، وَنَحْوِهِ) ، وَمِنْهُ كَانَتْ صَفِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَانْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ بَاقٍ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ.
(وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى) لِلْآيَةِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَاسِخٌ، وَلَا مُغَيِّرٌ (وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ) لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ «قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
وَقَالَ: إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إسْلَامٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فَرَعَى لَهُمْ نُصْرَتَهُمْ، وَمُوَافَقَتَهُمْ لِبَنِي هَاشِمٍ (وَيَجِبُ تَعْمِيمُهُمْ، وَتَفْرِقَتُهُ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، حَيْثُ كَانُوا حَسْبَ الْإِمْكَانِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ فَوَجَبَ فِيهِ ذَلِكَ كَالتَّرِكَةِ؛ وَلِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الْأَبِ، فَفَضَّلَ فِيهِ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى كَالْمِيرَاثِ، وَيُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ (غَنِيُّهُمْ، وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُصَّ فُقَرَاءَ قَرَابَتِهِ، بَلْ أَعْطَى الْغَنِيَّ كَالْعَبَّاسِ، وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْفَقْرِ يُنَافِي ظَاهِرَ الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْقَرَابَةِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالْمِيرَاثِ (جَاهَدُوا أَوْ لَا) لِعُمُومِ الْآيَةِ (فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ إلَى عُمَّالِهِ فِي الْأَقَالِيمِ يَنْظُرُوا مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، الْمُتَعَلِّقِ بِذَوِي الْقُرْبَى (فَإِنْ اسْتَوَتْ الْأَخْمَاسُ) الْمُتَحَصِّلَةُ مِنْ الْأَقَالِيمِ (فَرَّقَ كُلَّ خُمْسٍ فِيمَا قَارَبَهُ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ الْحَاصِلِ مِنْهُ، وَمَا قَارَبَهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَتْ) الْأَخْمَاسُ (أَمَرَ بِحَمْلِ الْفَاضِلِ لِيَدْفَعَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ.
(فَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا) أَيْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ سَهْمَهُمْ (رُدَّ فِي سِلَاحٍ، وَكُرَاعٍ) أَيْ: خَيْلِ عُدَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَلَا شَيْءَ لِمَوَالِيهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ (وَلَا) شَيْءَ (لِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْفَعْ إلَى أَقَارِبِ أُمِّهِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَلَا إلَى بَنِي عَمَّاتِهِ كَالزُّبَيْرِ.
(وَلَا) شَيْءَ (لِغَيْرِهِمْ) أَيْ: غَيْرِ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ (مِنْ قُرَيْشٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(مَثَلًا وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى) لِلْآيَةِ (الْفُقَرَاءِ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَتِيمِ فِي الْعُرْفِ لِلرَّحْمَةِ، وَمَنْ أُعْطِيَ لِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ (وَالْيَتِيمُ مَنْ لَا أَبَ لَهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الزِّنَا» ، وَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا (وَلَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى) لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
(وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ) لِلْآيَةِ، وَهُمْ مَنْ لَا يَجِدُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ (فَيَدْخُلُ فِيهِمْ
الْفُقَرَاءُ، فَهُمَا صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) لِلْآيَةِ.
(لِلْآيَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي ذَوِي قُرْبَى وَيَتَامَى وَمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ سَبِيلٍ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّ الْخُمْسَ عَطِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ لِكَافِرٍ فِيهَا حَقٌّ كَالزَّكَاةِ.
(وَ) يَجِبُ (أَنْ يُعْطَوْا كَالزَّكَاةِ) أَيْ: يُعْطَى هَؤُلَاءِ الْخُمْسَ كَمَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ فَيُعْطَى الْمِسْكِينُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَكَذَا الْيَتِيمُ، وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ (وَيَعُمُّ بِسِهَامِهِمْ جَمِيعَ الْبِلَادِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ سَهْمٍ مِنْهَا مُسْتَحَقٌّ بِوَصْفٍ مُوجِبٍ دَفْعَةً إلَى كُلِّ مُسْتَحِقِّيهِ كَالْمِيرَاثِ، فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ إلَى عُمَّالِهِ بِالْأَقَالِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذَوِي الْقُرْبَى.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ أَسْبَابٌ كَالْمِسْكِينِ الْيَتِيمِ ابْنِ السَّبِيلِ اسْتَحَقَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَثْبُتَ أَحْكَامُهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ كَالِانْفِرَادِ (لَكِنْ لَوْ أَعْطَاهُ لِيُتْمِهِ فَزَالَ فَقْرُهُ) بِأَنْ اسْتَغْنَى بِمَا أُعْطِيَهُ لِيُتْمِهِ (لَمْ يُعْطَ لِفَقْرِهِ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا (وَلَا حَقَّ فِي الْخُمْسِ لِكَافِرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا لِقِنٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ لَكَانَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْقِنَّ لَا يَمْلِكُ.
(وَإِنْ أَسْقَطَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ وَلَوْ مُفْلِسًا حَقَّهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ (فَهُوَ لِلْبَاقِينَ) مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ فَإِذَا أَسْقَطَ أَحَدُهُمْ حَقَّهُ كَانَ لِلْبَاقِينَ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ لِقُوتِهِ.
(وَإِنْ أَسْقَطَ الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ الْغَانِمِينَ حَقَّهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ (فَ) هِيَ (فَيْءٌ) أَيْ: صَارَتْ فَيْئًا، فَتُصْرَفُ مَصْرِفَهُ.
(ثُمَّ يُعْطِي) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ (النَّفَلَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ الْخُمْسِ، لِمَا رَوَى مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ مَرْفُوعًا «لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ اُسْتُحِقَّ بِالتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ، فَكَانَ (مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ) ، وَقُدِّمَ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الْغَانِمِينَ، فَأَشْبَهَ الْأَسْلَابَ (وَهُوَ) أَيْ: النَّفَلُ (الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ الْمَجْعُولُ لِمَنْ عَمِلَ عَمَلًا، كَتَنَفُّلِ السَّرَايَا الثُّلُثَ، وَالرُّبْعَ، وَنَحْوَهُ، وَقَوْلِ الْأَمِيرِ مَنْ طَلَعَ حِصْنًا أَوْ نَقَبَهُ) فَلَهُ كَذَا.
(وَ) قَوْلِهِ (مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ، وَنَحْوِهِ فَلَهُ كَذَا) ، وَكَذَا مَنْ دَلَّ عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ مَا فِيهِ غَنَاءٌ (وَيَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ فَكَانَ بَعْدَ الْخُمْسِ كَسِهَامِ الْغَانِمِينَ (وَهُمْ الْعُبَيْدُ) لِحَدِيثِ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ
وُجُوبِ الْقِتَالِ كَالصَّبِيِّ.
(كَالصَّبِيٍّ وَلِمُعْتَقٍ بَعْضُهُ بِحِسَابٍ مِنْ رَضْخٍ وَسِهَامٍ) كَالْحَدِّ (كَالْحَدِّ وَالنِّسَاءِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِامْرَأَةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِي سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا (وَالصِّبْيَانُ الْمُمَيِّزُونَ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ " كَانَ الصِّبْيَانُ يَحْذُونَ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا حَضَرُوا الْغَزْوَ "، وَيَكُونُ الرَّضْخُ لِلْمَذْكُورِينَ (عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ، وَالْفَضْلُ عَلَى قَدْرِ غِنَائِهِمْ، وَنَفْعِهِمْ) بِخِلَافِ السَّهْمِ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَوْكُولٍ إلَى اجْتِهَادِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ كَالْحُدُودِ بِخِلَافِ الرَّضْخِ (وَمُدَبَّرٌ، وَمُكَاتَبٌ كَقِنٍّ، وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَامْرَأَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقِّنُ (فَإِنْ انْكَشَفَ حَالُهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ مَثَلًا وَالْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهُمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَتَمَّ لَهُ سَهْمَ رَجُلٍ) كَغَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ.
(وَيُسْهَمُ لَكَافِرٍ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فَأَسْهَمَ لَهُمْ» ؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ نَقْصٌ فِي الدِّينِ فَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ كَالْفِسْقِ، بِخِلَافِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ نَقْصٌ فِي الدُّنْيَا، وَالْأَحْكَامِ (وَلَا يَبْلُغُ بِرَضْخِ الرَّاجِلِ سَهْمَ) رَاجِلٍ، وَلَا بِرَضْخِ (الْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ) ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ أَكْمَلُ مِنْ الرَّضْخِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ إلَيْهِ كَمَا لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ، وَلَا بِالْحُكُومَةِ دِيَةَ الْعُضْوِ، وَيَكُونُ الرَّضْخُ لَهُ، وَلِفَرَسِهِ (فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إنْ غَزَا الصَّبِيُّ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، وَالْمَرْأَةُ عَلَى فَرَسٍ لَهَا، رَضَخَ لِلْفَرَسِ، وَلِرَاكِبِهَا مِنْ غَيْرِ إسْهَامٍ لِلْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ كَانَ سَهْمًا لِمَالِكِهَا فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مَالِكُهَا السَّهْمَ بِحُضُورِهِ لِلْقِتَالِ فَبِفَرَسِهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا غَزَا عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ سَهْمهَا لِغَيْرِ رَاكِبهَا، وَهُوَ سَيِّدُهُ.
(فَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُرْضَخْ لَهُ مَثَلًا وَلَا لِفَرَسِهِ) لِعِصْيَانِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) غَزْوُ الْعَبْدِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ) رَضَخَ لِلْعَبْدِ، وَأَسْهَمَ لِلْفَرَسِ (فَيُؤْخَذُ لِلْفَرَسِ) الْعَرَبِيِّ (سَهْمَانِ) كَفَرَسِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ فَرَسٌ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَقُوتِلَ عَلَيْهِ، فَأَسْهَمَ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّيِّدُ رَاكِبَهُ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ فَرَسِ الصَّبِيِّ، وَنَحْوِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ فَرَسٌ غَيْرُ فَرَسِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ) مَعَ السَّيِّدِ فَرَسٌ غَيْرُ فَرَسِ الْعَبْدِ (لَمْ يُسْهَمْ لِفَرَسِ الْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْسَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ فَرَسَانِ قَسَمَ لَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ غَيْرُهُمَا، وَرَضَخَ لِلْعَبْدِ، وَسَهْمُ الْفَرَسَيْنِ لِمَالِكِهِمَا، وَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ، وَالسَّهْمَ.
(وَإِنْ انْفَرَدَ بِالْغَنِيمَةِ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، كَعَبِيدٍ، وَصِبْيَانٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ) بِالْإِذْنِ (فَغَنِمُوا أَخَذَ) الْإِمَامُ (خُمُسَهُ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ)