كتاب الولاء والمواريث
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 9 - الصفحة: 4093
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب الولاء والمواريث (1)
باب فيمن يستحق الولاء وهل يجوز بيعه أو هبته؟ وفيمن أعتق عن غيره أو أعتق سائبة (2) أو أعتق عن عبد غيره
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِنَّمَا 3 الوَلاَءُ لمِنْ أَعْتَقَ" 4، وأنه نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ 5 فمن أعتق عبدًا كان له ولاؤه، فإن مات12
الجزء: 9 - الصفحة: 4095
ورثه، وإن قُتِلَ أخذ ديته، وإن قَتَلَ عقل عنه 6 قوم معتقه، والولاء كالنسب ليس للمعتق أن يزيل ذلك ببيع ولا هبة، ولا للعبد أن يجعل ولاءَه لغير من أعتقه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ادَّعَى 7 إِلَى غيرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله.
. ." الحديث 8. ولأن البيع 9 يتضمن وجهين:
الغَرر؛ لأن البائع 10 ما يدري ما باع قليلًا أو كثيرًا، أو لأهل يكون أم لا؟
والربا تارة إذا كان الشراء بالعين والميراث عينًا، وبيع ما يملك غيره إن مات السيد قبل موت المعتق.
وأما الهبة فلا تصح فيما يكون من الولاء بعد موت المعتق؛ لأن ذلك هبة لملك الغير.
ويختلف هل يصح فيما يكون في حياة الواهب؛ لأنه وهب ما يكون من الميراث في صحته، قياسًا على من وهب في صحته ما يرث من أبيه أو غيره؟ فقد اختلف فيه , وإن وهب ذلك في مرض المولى 11 صحت الهبة على المشهور من المذهب.
الجزء: 9 - الصفحة: 4096
فصل [في ولاء العبد إذا أعتق]
والولاء لمن أعتق بخمس شروط: وهي أن يكون العبد ملكًا للمعتِق، وأعتقه عن نفسه لا عن غيره، وأن يكون المعتِق حرًّا كامل الحرية ليس بمدبَّر ولا مكاتَب ولا معتَق إلى أَجَل، ولا معتَق بعضُهُ، ويتساوى 12 في الدِّين -السيد والعبد- فيكونا مسلمين أو نصرانيين، فإن انخرم شيء من هذه الشروط سقط أن يكون الولاء للمعتِق، وقد يثبت تارة على اختلاف فيه.
وإن كان وكيلًا على العتق 13 كان الولاء للسيد دون من يتولى 14 العتق وهو الوكيل، ومن اشترى رقبة من زكاته فأعتقها كان الولاء لجميع المسلمين دونه؛ لأن الرقبة والثمن الذي اشتريت به ليس بملك له، وإنما هو وكيل.
واختلف إذا أعتق عبده عن غيره، فقال: أنت سائبة، وهو يريد بذلك العتق عن المسلمين أو قال: أنت حر عنهم، فقال ذلك جائز، والولاء للمسلمين 15.
وقال مالك: لا يعتق أحد سائبة؛ لأن رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيع الوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ 16 17.
الجزء: 9 - الصفحة: 4097
وقال ابن القاسم: لا يعتق للحديث، فإن فعل 18 كان الولاء لهم 19. وقال ابن نافع وابن الماجشون: الولاء للمعتِق دون المسلمين 20. وعلى هذا يجري الجواب إذا أعتق رجل عبده عن رجل بعينه -حي أو ميت- فيجوز على أحد الأقوال، ويكره على قول مالك وابن القاسم في السائبة 21، فإن فعل مضى، وكان الولاء للمعتق عنه، ويمنع على قول مطرف وابن الماجشون، فإن فعل كان 22 الولاء للسيد دون المعتق عنه 23. فَحُمِلَ الحديث في القول الأول: "الوَلاَءُ لمِنْ أَعْتَقَ" 24 أن ذلك إذا أعتق عن نفسه، فإن أعتق عن غيره كان كالوكيل، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز الصوم والحج عن غيره 25، وحمله في القول الآخر على العموم، أعتق عن نفسه أو عن غيره، وفارق الوكيل؛ لأن الوكيل غير مالك = برقم (1506)، ومالك في الموطأ: 2/ 782، في باب مصير الولاء لمن أعتق، من كتاب العتق والولاء، برقم (1480).
الجزء: 9 - الصفحة: 4098
وهذا مالك، ولم يمكن المعتق عنه من ملكه (1)، ولو أراد ذلك المعتق عنه لم يعطه إياه، إلا أن يمكنه (2) منه ثم يأمره الموهوب له أن يعتقها عنه، والقول أن الولاء يكون (3) للمعتق عنه أبين (4)، وقد نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه البقر (5) بغير أمرهن (6). ومن قال: أنت حر عني وولاؤك لفلان، أو قال: أنت حر -ولم يقل: عني- كان الولاء له، وقوله: "عن فلان" باطل، وإن قال: "أنت حر عن فلان وولاؤك لي" كان الو لاء لفلان، وقوله: "وولاؤك لي" (7) باطل (8).
فصل [في الولاء لمن أعتق عن عبد غيره]
ومن أعتق عن عبد غيره كان الولاء لسيد المعتق عنه ما دام المعتق عنه عبدًا.
واختلف إذا أُعْتِق، فقال ابن القاسم: لا يعود إليه ذلك الولاء 34.2627282930313233
الجزء: 9 - الصفحة: 4099
وقال أشهب: يعود إليه، وهو أحسن؛ لأن سيده لم يكن مَلَكَه، وإذا لم يتقدم له فيه ملك كان الولاء للمعتق عنه، وهو بمنزلة من أعتق عبدًا مسلمًا عن نصراني، فولاؤه للمسلمين ما كان 35 نصرانيًّا، فإن أسلم رجع إليه ولاؤه.
الجزء: 9 - الصفحة: 4100
باب فيمن أعطى مالًا لرجل على أن يعتق عبده أو يدبره أو يكاتبه أو يتخذ الأمة أم ولد
ومن أعطى لرجل مالًا على أن يعتق عبده بتلًا جاز 36 كان المال نقدًا أو إلى أجل 37.
واختلف إذا أعطاه ذلك 38 ليعتقه إلى أجل أو ليدبره أو ليكاتبه 39 أو ليتخذ الأمة أم ولد فقال ابن القاسم: لا خير فيه؛ لأنه إن مات العبد قبل أن يصير إلى الحرية ذهب المال باطلًا 40.
قال محمد: فإن فعل رد المال، ولزم السيد ما عقد للعبد.
وقال أشهب: يمضي ذلك ويتبع السيد الرجل بما ألزم نفسه 41.
وقال سحنون: يوقف المال، فإن صار العبد إلى الحرية أخذه السيد، وإن مات العبد قبل ذلك رد المال إلى معطيه 42.
وقول أشهب أحسن؛ لأن هذا مما يراد به المعروف والتعاون على الخير، ليس المكايسة وقد قال 43 مالك فيمن أعطى لرجل فرسًا على أن يحبسه
الجزء: 9 - الصفحة: 4101
سنة 44 ويقوم عليه، ثم هو له بتلًا: لا ينبغي؛ لأنه لا يدري هل يسلم أم لا 45 فإن لم يسلم ذهبت نفقته باطلًا، ثم أمضاه إذا فات وغلب المعروف 46. وأجاز ذلك ابتداءً في مختصر ابن عبد الحكم فإذا جاز ذلك فيمن ينفق ليكون له العوض ولا يدري هل يسلم أم لا -كان من دفع مالًا على ألا يأخذ عوضًا في الجواز أبين، بخلاف من باع عبدًا على أحد هذه الشروط، فإذا قارنت البيع جرت على أحكام البياعات الفاسدة، ويختلف على هذا إذا أعطى مالًا لمن يكاتب عبده فكاتبه، فقال ابن القاسم في المدونة: الكتابة غير 47 جائزة، ولم ير عقد الكتابة فوتًا 48 كالتدبير 49، وعلى قول أشهب يجوز ذلك، وعلى قول سحنون يوقف المال، فإذا أدى صح وإن عجز رده.
الجزء: 9 - الصفحة: 4102
باب في المرأة تتزوج العبد (1) ثم تعطي لسيده (2) مالًا على أن يعتق
وإذا تزوجت الحرة عبدًا، ثم أعطت لسيده مالًا على أن يعتقه -جاز، فإن لم تقل: "عني" كان الولاء للسيد، والزوجة على حالها، وإن قالت: "عني" كان الولاء لها.
واختلف في النكاح فقال ابن القاسم: يفسخ النكاح 52 لأنها اشترته 53.
وقال أشهب: لا يفسخ 54. وهو أبين؛ لأنها لم تشتره، وإنما أعطت المال على إيقاع العتق وكذلك إذا كان العتق بغير مال، فإن قالت أعتقه ولم تقل عني ففعل كان الولاء له 55 والنكاح ثابت، وإن سألته أن يعتقه عنها كان الولاء لها، وانفسخ النكاح على قول ابن القاسم؛ لأنها استوهبته على قوله، ولم يفسخ عند أشهب، وإن كان العتق عنها بغير أمرها كان الولاء لها 56 والنكاح ثابت قولًا واحدًا.5051
الجزء: 9 - الصفحة: 4103
باب في ولاء من (1) أعتقه النصراني من نصراني أو مسلم بتلًا أو إلى أجل أو دبره أو كاتب أو أولد
وإذا أعتق النصراني عبدًا نصرانيًّا كان له ولاؤه، ويرثه ويعقل 58 عنه أهل جزيته، وإن مات السيد المعتِق قبل ثم مات العبد المعتَق 59 كان ميراثه لولد معتقه أو غيره 60 ممن له الولاء عند أهل دينه.
واختلف إذا لم يكن له قريب من أهل دينه، فقال مالك في المدونة: ميراثه لجماعة المسلمين 61، وقال في كتاب محمد: ميراثه لأهل دينه 62 وأهل جزيته 63.
وإن أسلم العبد المعتق في حياة سيده لم ينتقل عنه ولاؤه، فإن كان لسيده ولد مسلم أو أخ أو عم أو ابن عم كان ميراثه له، وعقله على قوم 64 سيده إن كان من العرب أو من غيرهم ممن لم ينسب لهم يتعاقلون به، وإن لم يكن لسيده أحد مسلم كان ميراثه لبيت المال وعقله عليه.57
الجزء: 9 - الصفحة: 4104
وإن كان له ولد مسلم أو أخ أو عم 65 أو ابن عم ولا عاقلة له كان ميراثه لمن هو مسلم ممن ذكرنا، وعقل جميعهم على بيت المال، وإن أسلم السيد بعد إسلام العبد المعتَق رجع إليه ولاؤه، وكان أحق به دون من كان يرثه لو لم يسلم، وإن أعتق النصراني عبدًا مسلمًا لم يكن له ولاؤه، ولم يجز ذلك لولده -إن كان له ولد مسلم- ولا لغيره، ولم يرجع إليه ولاؤه إن أسلم هو، وهذا قول مالك 66. والقياس أن يرجع إليه ولاؤه ويجزئه لولده؛ لأن العتق كالنسب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الوَلاءُ لمِنْ أَعْتَقَ" 67 وهذا مُعتِق، وقد قال ابن المواز 68 في مسلم له عبد نصراني وللعبد عبد مسلم فأعتقه بغير علم 69 سيده ولم يعلم حتى أعتق المسلم 70 عبده النصراني، ثم مات العبد المعتق المسلم عن مال، فقال: ميراثه للسيد المسلم 71 الأعلى 72. فإذا صح أن يجره إلى السيد الأعلى دون جميع المسلمين صحَّ أن يجره لولده المسلم ويرجع إليه إذا أسلم؛ لأنه قال في عبدٍ أعتق بغير إذن سيده فلم يعلم سيده حتى أعتق العبد الأعلى قال: ولاء العبد الأوّل للعبد الثاني 73 الذي كان
الجزء: 9 - الصفحة: 4105
أعتقه دون (1) سيده.
وإن أعتق المسلم نصرانيًّا وللسيد قرابة نصارى ورثوه إن مات؛ لأن الولاء كالنسب ووقف فيها محمد (2).
فصل (3) [فيمن يرث العبد المعتق إذا كان ذميًّا]
واختلف إذا كان للعبد المعتق قرابة نصارى فقال مالك في كتاب محمد: لا يرثه أحد من ورثته ممن هو على دينه إلا أن يسلم و 77 يسلموا، وإنما يجعل ماله في بيت المال وقال أيضًا: يرثه ولده.
وقال أيضًا: أما الولد والوالد فنعم يرثونه.
وقال مرة: يرثه إخوته، وقال ابن القاسم: يرثه قرابته كلهم، فإن لم تكن قرابة فبيت المال، وهو ظاهر قول مالك في المدونة 78.
وقال ابن سحنون: لا يرثه من رحمه إلا من أعتقه مسلم 79. يريد: ليكونا لا جزية عليهما، وإن كان ذميًّا لم يتوارثا؛ لأن هذا عليه جزية وهذا لا جزية عليه.
وقال المغيرة في العتبية: لا يرثه مولاه أبدًا 80، إن لم يكن له 81 أحد من الناس فمن 82 أخذ ميراثه من النصارى لم يعرض له، فمن أخذه وقال: إنا نتوارث 83747576
الجزء: 9 - الصفحة: 4106
وأهل ديننا هكذا -لم يُحَل بينه وبينه، فإن أسلموه (1) ولم يطلبه منهم أحد جُعِل في بيت المال معزولًا، ولا يكون فيئًا حتى يرثه الله أو يأتي طالبه (2). واختلف إذا لم تكن قرابة نصارى فقال مالك مرة (3): ميراثه للمسلمين وعليهم جنايته (4). وقال ربيعة في كتاب ابن سحنون: ميراثه لسيده وإنما يرثه بالرق، وإن كان يرثه المسلمون فيرثه الذي أعتقه قال: وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث (5).
فصل [في ولاء وميراث العبد النصراني إذا أعتقه سيده النصراني ثم أسلما]
وإذا عقد النصراني في عبده النصراني 89 عتقًا بتلًا أو إلى أجل أو تدبيرًا أو كتابة، أو إيلادًا 90 ثم أسلموا وصاروا إلى الجزية، أو صاروا إلى الحرية 91 ثم أسلموا- لم ينتقل الولاء عن سيدهم، وعاد الجواب في الميراث إلى ما تقدم، يرثه من كان مسلمًا من نسبه، فإن لم يكن فنسب سيده، فإن لم يكن فبيت المال.8485868788
الجزء: 9 - الصفحة: 4107
ويختلف إذا عقد ذلك فيهم وهم مسلمون، هل يكون الولاء للسيد ويرثهم إن أسلم أو (1) يجر ذلك إلى ورثته المسلمين؟ وقد تقدم ذلك.
فصل [في ولاء وميراث عبد نصراني كاتبه مسلم ثم كاتب المكاتبُ عبدًا له نصرانيًّا ثم أسلم الأخير]
وإذا كاتب المسلم عبدًا نصرانيًّا، ثم كاتب المكاتب عبدًا له نصرانيًّا 93، ثم أسلم المكاتب الأسفل بيعت كتابته من مسلم، فإن غفل عن ذلك حتى أدَّيَا جميعًا عَتَقا وكان ولاء 94 كل واحد منهما 95 لمن عَقَدَ له 96 الكتابة.
ويختلف الحكم في الميراث فميراث المكاتب الأعلى للمسلمين؛ لأنه كافر وسيده مسلم، وميراث الأسفل للسيد الأعلى؛ لأنهما مسلمان، وهذا مع عدم النسب من المكاتبين، فإن كان للأسفل نسب مسلم بدئ به، فإن عدم فمن كان مسلمًا من نسب سيده، فإن عدم فسيد سيده، 97 فإن لم يكن فنسبه، ويختلف في نسب المكاتب الأعلى هل يرثه 98؟ وقد تقدم 99.92
الجزء: 9 - الصفحة: 4108
باب في ولاء من أعتقه العبد أو المدبر أو أم الولد (1) والمكاتب والمعتق إلى أجل والمعتق بعضه
عتق العبد عبده 101 على ستة أوجه:
أحدها: أن يعتق بإذن سيده.
والثاني: أن يعتق بغير إذنه فيجيز.
والثالث: أن يعلم السيد بعتقه، فلا يجيز ولا يرد حتى يعتق العبد الأعلى.
والرابع: ألا يعلم حتى يعتق العبد 102 الأعلى.
والخامس: أن يعتق العبد عبده بعتق نفسه، فيقول: إن أُعْتِقْتُ أنا فأنتَ حرٌّ.
والسادس: أن يعتقه إلى أجل فلا يأتي ذلك الأجل حتى يعتق العبد المعتق.
فإن أعتق العبد عبده بإذن سيده أو بغير إذنه فأجاز السيد 103 كان الولاء لسيده، ولم يرجع إلى العبد إن أعتق.
واختلف إذا علم السيد 104 بعتقه فلم يُجز ولا يرد حتى أعتقه فقال في كتاب محمد: الولاء للعبد، وقال ابن الماجشون في المبسوطة: الولاء للسيد الأعلى 105.100
الجزء: 9 - الصفحة: 4109
ويختلف إذا لم يعلم السيد حتى قال العبد لعبده: يوم أُعْتَقُ فأنت حرٌّ، ثم 106 أعتق العبد المعتق فقال مالك في المدونة: الولاء للعبد دون سيده 107. وقد قيل في هذا الأصل إنه يكون عتيقًا من يوم كان أعتق، فيكون الولاء للسيد الأعلى.
واختلف إذا قال العبد لعبده 108: يوم أعتق فأنت حر، أو قال: اخدمني عشر سنين وأنت حر، فيعتق العبد الأعلى قبل انقضاء العشر سنين فقال ابن القاسم في العتبية: الولاء للعبد، وقال ابن نافع: الولاء للسيد 109.
فوجه القول الأول أن العتق لم يثبت للعبد الأسفل إلا بعتق معتِقه، فهما عتقان منبتٌّ 110 ومخير فيه، ولم 111 يرتفع الخيار إلا بتقدم الانبتات، ووجه القول الآخر أن عقد العتق في عبد العبد متقدم على عتق 112 سيده، وقد اختلف في هذا الأصل إذا تزوج العبد بغير إذن سيده، أو المرأة بغير إذن وليها، ثم أجاز السيد 113 أو الولي بعد دخول الزوج فقال أشهب: يُحِلُّ ويُحْصِن بتلك الإصابة التي تقدمت الإجازة، وكأنه لم يزل مجُازًا 114.
الجزء: 9 - الصفحة: 4110
فصل [في ولاء من أعتق المدبر وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل]
ولاء من أَعْتَقَ المدبرُ وأمُّ الولدِ في صحة السيد إلى السيد، ولا يرجع إليهما.
واختلف إذا كان ذلك في مرض السيد 115 فقيل: الولاء للسيد، صح أو مات.
وقيل: الولاء لهما إذا صارا إلى العتق، وقيل 116: إن صحَّ السيد كان الولاء له، وإن مات كان الولاء للمدبر وأم الولد 117 والمكاتب 118.
والأول أحسن؛ لأنهما في حن العتق على الرق حقيقة، ولم يصر إلى الحرية، وإن لم يكن للسيد انتزاع المال منهما 119، وليس بمنزلة المكاتب؛ لأن المكاتب قد اشترى نفسه، وإنما هو الآن مطالب بدين، وقد حاز نفسه عن سيده، ولو كانت أمة لم تحل للسيد بخلاف المدبرة وأم الولد.
واختلف في المعتق بعضه يعتق عبده بإذن من له فيه الرِّقُّ، ثم يموت المعتَق عن مال قبل أن يَتِمَّ عِتْق مُعْتِقِهِ أو بعد أن صار جميعه حرًّا، فقال ابن القاسم في العتبية: إذا مات المعتَق قبل أن تتم حرية معتِقِهِ فولاؤه بَيْن 120 المتمسك بالرِّقِّ وبين الذي أعتق النصف من سيده، وفي سماع يحيى بن يحيى:
الجزء: 9 - الصفحة: 4111
إنه للمتمسك بالرِّقِّ وحده، وهو أحق بميراث مواليه من الشريك المعتق، وإن أعتق بقية العبد المعتق رجع إليه ولاء معتقه (1). قال محمد: لأن المتمسك بالرق لم يكن يقدر على انتزاع ماله قال: وكذلك المكاتب والمعتق إلى أجل إذا اقترب أجله.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يرجع إليه الولاء (2) وإن استكمل عتق نفسه، والأول أحسن؛ لأن السيد لم يكن يملك انتزاع ماله.
ويختلف في عتق المعتق إلى أجل إذا قرب الأجل، وكان عتقه بإذن سيده.
وأرى: ألا يرجع إليه الولاء؛ لأن للسيد أن ينتزع ماله، وإن قرب الأجل على الصحيح من القولين.
فصل [في عتق المكاتب عبده وفي ميراثه إذا مات]
ولا يجوز للمكاتب أن يعتق بغير إذن سيده، قال ابن القاسم: وللسيد أن يرد عتقه إذا فعل 123.
ولا أرى أن يعجل برد عتقه، ويوقف فلا يمضي ولا يرد، فإن قضى كتابته مضى، وإن عجز أو خيف عليه العجز رد ليقضي من ثمنه، إلا أن يكون المكاتب قليل المال ويَضُرُّ بِهِ وَقْفُهُ في سِعايته فيرد الآن، وعتقه بإذن سيده جائز إذا كان موسرًا.
ويختلف إذا كان يخاف عليه العجز هل يمضي عتقه قياسًا على من رضي بالعجز وله مال ظاهر، وإذا صح عتقه كان ولاء معتقه مترقبًا، فإن أدَّى كان121122
الجزء: 9 - الصفحة: 4112
الولاء له 124، وإن عجز كان الولاء 125 لسيده الأعلى.
وكذلك إن مات المعتق قبل العجز وقبل الأداء كان ميراثه للسيد الأعلى ما لم يكن له نسب يوارثه، فيبدأ به قبل السيد.
ولا شيء لولد المكاتب ولا لذوي نسبه، ولا يجر إليه الولاء إلا 126 بعد أن يستكمل الحرية ويبتدئ بمن بينه وبين الميت نسب، فإن لم يكن فنسب سيده 127، فإن لم يكن فنسب سيد سيده 128.
وإن مات المكاتب وخلف أولادًا في كتابته وأولادًا أحرارًا أو موالي 129 كان ميراثه نفسه لولده الذين في كتابته للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانت بنتًا كان لها 130 النصف والباقي للسيد، وإن مات بعد أن صار إلى الحرية كان ميراثه لجميع ولده الذين كانوا في كتابته وغيرهم؛ لأنهم يرثونه بالنسب والسيد بالولاء، والنسب مقدم على الولاء.
وإن مات بعد ذلك الولد الذي كان معه 131 في الكتابة كان ميراثه لأخيه الذي كان حرًّا دون مولاه.
وإن مات الولد الحر قبل أن يصير الأب إلى الحرية كان ميراثه لبيت المال دون مولى 132 أبيه، فإن كان موته بعد أن صار الأب إلى الحرية كان ميراثه لسيد
الجزء: 9 - الصفحة: 4113
أبيه بجر الأب، وإن مات مولاه قبل أداء الكتابة كان ميراثه لسيد المكاتب.
واختلف إذا مات المكاتب وهو في الكتابة ثم أدى ولده الكتابة ثم مات المولى، فقال مالك: ميراثه لولد سيده (1). وقال عبد الملك في كتاب محمد (2): ميراثه للسيد دون الولد الذين كانوا معه (3) في كتابته (4).
وإذا مات المكاتب بعد أن أدى الكتابة ثم مات مولاه كان ميراثه للولد الذين كانوا معه في الكتابة دون السيد.
واختلف عن مالك هل يدخل معهم الأولاد الأحرار؟ فقال في كتاب المدنيين: لا يدخلون معهم مثل قوله في المدونة، ثم رجع فقال: يدخلون معهم.
فصل [في المكاتب يُعْتِق عبده على مال بيد العبد]
ولا يجوز للمكاتب أن يعتق عبده على مال بيد العبد؛ لأن له انتزاعه من غير عتق، ولا بأس إذا كان يأتيه 137 به 138 من غيره، وكان كفافًا لقيمته، وكذلك لو قال رجل 139 لعبد: أعتق عبدك على كذا 140 وهو كفاف بقيمته، والولاء لسيد133134135136
الجزء: 9 - الصفحة: 4114
العبد إلا أن يقول: "عني"، وإن كان في 141 ذلك محاباة افترق الجواب فقال محمد: إن لم يقل: "عني" كان سيد العبد بالخيار بين أن يمضي العتق بذلك المال أو يرد العتق ويرد المال، وإن قال: "عني" وكان العبد مأذونًا له أتم 142 معطي المال القيمة، وإن كان معسرًا بيع من العبد المعتق بتمام القيمة وأعتق ما بقي إلا أن يشاء السيد أن يتبع المشتري بذلك، وإن كان غير مأذون له كان السيد بالخيار بين أن يمضي البيع بما بيع 143 به وإن قل، أو يرد البيع وينقض العتق ويرد المال، وليس له أن يمضي العتق ويأخذ المحاباة 144.
وإن أعتق المكاتب عبدًا بغير إذن سيده ثم مات المعتَق عن مال، ثم علم سيد المكاتب فإن رَدَّ عتقَهُ كان ميراثه للمكاتب بالرِّقِّ.
واختلف إذا أجاز فقال محمد: يرث الميت ورثة نفسه الأحرار، فإن لم يكونوا 145 فسيد سيده 146.
وقيل: ميراثه لسيد سيده دون ورثته الأحرار؛ لأن إجازة السيد كعتق مبتدأ.
الجزء: 9 - الصفحة: 4115
باب في العبد والمدبر وأم الولد والمعتق إلى أجل والمكاتب يدبر عبده
وإذا دبر العبدُ أمتَهُ بإذن سيده أو بغير إذنه، فأجاز ذلك السيد 147 كان ذلك انتزاعًا، والولاء للسيد الأعلى، والأمة معتقة إلى أجل من رأس مال السيد الحر، والمعتق معلق 148 بحياة العبد، ولا يحل للعبد ولا لسيده أن يصيبها.
ويختلف إذا دبرها بغير إذن سيده فلم يعلم حتى أعتق العبد، فعلى القول أن الولاء للعبد تكون مدبرة معتقة من ثلثه والولاء له، ويجوز له أن يصيبها، وعلى القول أن الولاء للسيد الأعلى تكون معتقة إلى أجل.
وإن دَبَّر المدبَّرُ أمةً في صحة سيده بإذنه أو بغير إذنه، فأجاز السيد 149 كانت معتقة إلى أجل، وإن دبرها في مرض سيده، ومات من مرضه ذلك، وحملها الثلث، كانت مدبرة تعتق من ثلثه، ويجوز له أن يصيبها.
وكذلك المعتق إلى أجل إن دبر قبل أن يقرب الأجل بإذن سيده كان انتزاعًا 150، وكانت معتقة إلى أجل.
وإن قرب الأجل ومنع السيد انتزاع ماله كانت مدبرة، فإذا انقضى الأجل أعتقت بموته من ثلثه.
وإن دبرت أم الولد في صحة سيدها بإذنه كان معتقًا إلى أجل من رأس مال السيد الأعلى، والعتق معلق بحياتها، وإن دبرت في مرضه كان مدبرًا معتقًا
الجزء: 9 - الصفحة: 4116
من ثلثها.
وإذا أعتقت أم الولد بعد موت سيدها عبدًا ثم ماتت ثم مات المولى -كان ولاؤه لولدها دون ولد سيدها، فإن لم يكن لها ولد فولد سيدها 151؛ لأن ولدها يأخذ بالنسب، وولد سيدها يأخذ 152 بالولاء.
وإن دبر المكاتب أمة كان سيده بالخيار بين أن يجيز أو يرد، وهو قول ابن القاسم، فإن أجاز منع المكاتب منها، خوف أن يعجز فتكون 153 معتقة إلى أجل فلا تحل لواحد منهما، وإن أدى كتابته كانت مدبرة تعتق من ثلثه، ولم يمنع منها.
وإن دبر المعتق بعضه بإذن من له فيه الرق كانت مدبرة؛ لأنه ليس للسيد أن ينتزع ماله، ويجوز له أن يصيبها، فإن مات المعتق بعضه أعتقت من ثلثه، وأخذ المتمسك بالرق الباقي وهو الثلثان إذا مات المعتق بعضه قبل أن تتم حريته 154.
وكل موضع يصح فيه التدبير يكون الولاء للسيد الأسفل، وكل موضع لا يصح فيه التدبير ويكون معتقًا إلى أجل يكون الولاء فيه للسيد الأعلى.
الجزء: 9 - الصفحة: 4117
باب في النصراني يعتق عبدًا نصرانيًّا ثم يسلم العبد ويهرب سيده إلى أرض (1) الحرب ثم يسبى
وإذا أعتق النصراني عبدًا نصرانيًّاَ، ثم أسلم العبد ونقض سيده العهد وهرب إلى أرض 156 الحرب ثم سباه المسلمون -لم يرجع إليه ولاء ذلك العبد؛ لأن السيد عبد كافر، إلا أن يعتق ويسلم فيرجع إليه ولاؤه ويرثه، وإن أسلم ولم يعتق رجع إليه ولاؤه ولم يرثه، وإن أسلم وأعتق رجع إليه ولاؤه وورثه، ولم يجر الولاء لمن أعتقه، ولا ولاء لولد كان ولد له قبل أن يؤسر.
وفي كتاب محمد: يجرهم إلى من أعتقه فإن ولد له بعد ذلك أو أعتق كان ولاؤهم 157 لمن أعتقه 158.
وقال ابن القاسم في حربية قدمت بأمان فأسلمت: ولاؤها للمسلمين، فإن سبي ولدها بعد ذلك فأعتق وأسلم جر ولاءها 159 لمن أعتقه 160. وقال سحنون: لا يجره 161.155
الجزء: 9 - الصفحة: 4118
باب فيمن شهد بعتق فردت شهادته ثم اشتراه أو اشترى عبدًا ثم أقر أن بائعه أعتقه، أو أمة ثم أقر أنها أم ولد
ومن اشترى عبدًا ثم أقر أن البائع كان أعتقه وكذبه البائع كان حرًّا، وكان 162 ولاؤه للبائع والثمن لازم له، فإن مات العبد عن مال كان للمشتري الأقل مما ترك أو الثمن، فإن كان ما تركه أقل لم يكن له سواه، وإن كان الثمن أقل أخذه المشتري وأخذ البائع الفضل إن اعترف بالعتق، وإلا تصدق به.
وإن مات البائع ثم مات العبد كان للمشتري الأقل من ثلث ما خلف العبد أو السيد أو الثمن، فإن كان الذي خلفه المولى أقل قال 163 ورثة السيد: نحن على ما مات 164 عليه أبونا أنه لم يعتق، فإن كان الثمن أقل قالوا: نحن نصدقك فخذ ثمنها، وإن كان الذي خلفه السيد أقل كان لهم تصديقه، وإن كان ورثة البائع رجالًا ونساء كان للمشتري الأقل من ثلث ما خلفه العبد أو الثمن أو ما ينوب الذكران من الميراث 165. وقيل في هذا الأصل يأخذ 166 جميع الثمن؛ لأنهم مقرون أن الذي أخذه الأب أخذه بغير وجه، وأنه الآن دين عليه، ولا يصح ميراث إلا بعد قضاء 167 دينه، وإن كان
الجزء: 9 - الصفحة: 4119
ورثة الولاء 168 عصبة أو بنين ولم يترك البائع مالًا كان للورثة جميع ما خلفه المولى، ولا شيء للمشتري، ولا يقضى ما عليه من الدين من هذا الولاء، وإن كان ورثة السيد نساء وأحطن بجميع تركته وورثة الولاء 169 عصبة لم يكن للمشتري أيضًا شيء.
وقال ابن القاسم: وإن اشترى أمة ثم ادعى أنها أم ولد للبائع وكذبه البائع وقفت، فإن رجع البائع وادعى أنها أم ولد حلت 170 له فإن كان في يديها مال أنفقت منه في حال الإيقاف 171 وإن لم يكن وأنفق عليها أحد السيدين وقفت، فإن أبيا 172 عتقت على من منع تزويجها أو زوجت على قول 173 من أجاز ذلك.
وقال ابن القاسم فيمن أقر في عبد في يديه أن فلانًا اشتراه منه وأنه أعتقه، فإن كان موسرًا كان حرًّا؛ لأن البائع مقر أنه لا يجوز له 174 أن يبيعه في الثمن ليُسْر المشتري وإنما جحده المشتري ثمنًا 175. وقد اختلف فيمن شهد على شريكه في عبدٍ أنه أعتق نصيبه منه 176 وهو موسر، هل يعتق نصيب الشاهد؟ فقال ابن القاسم: يعتق.
وقال: لا يعتق 177.
الجزء: 9 - الصفحة: 4120
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إنما يصح العتق على القول بالسراية 178 ولا يصح على قول 179 من يقول: لا يعتق إلا بالقيمة؛ لأنه لا يعتق نصيبه إلا بعد أداء القيمة.
الجزء: 9 - الصفحة: 4121
باب في جر الولاء
وإذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فعتق عليه كان له ولاؤه، وإن اشترت امرأة أباها ثم مات ورثت 180 النصف بالنسب، والنصف بالولاء، وإن كان لها أخت لم تشتره ورثا الثلثين بالنسب والثلث الباقي للتي اشترته بالولاء، وإن ماتت بعد ذلك التي 181 لم تشتره كان للباقية في جميع تركتها النصف بالنسب، والنصف 182 يجر إليها؛ لأنها ابنة من أعتقته، فهي ابنة مولاها، وإن اشترتاه جميعًا ثم مات ورثتاه، الثلثين بالنسب، والباقي 183 بالولاء، فإن ماتت بعد ذلك إحداهما كان للباقية ثلاثة أرباع ما خلفته، النصف بالنسب، ونصف النصف 184 الباقي بالولاء؛ لأنها ابنة من أعتقت نصفه.
قال محمد: ويكون الربع الباقي لموالي أم الميتة 185، قال: فإن ماتت هذه الباقية كان ما تركت نصفه لموالي أمها ونصفه لموالي أم أختها، وإن ماتت إحدى الابنتين أولًا، ثم مات الأب، كان ميراث الابنة للأب، وكان للأخت الباقية مما خلف الأب سبعة أثمانه، النصف بالنسب، ونصف النصف بالولاء؛ لأنها أعتقت نصفه، ونصف 186 النصف بالجر عن أختها 187.
الجزء: 9 - الصفحة: 4122
قال محمد: لأن لها نصفًا ولأختها نصفًا 188، وإن كان الأب اشترى ابنًا له ثم مات الأب ورثاه، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن مات الابن بعد ذلك كان للأخت الباقية 189 من جميع ما خلفه سبعة أثمانه، النصف بالنسب، ونصف النصف بالولاء؛ لأنه ابن 190 من أعتقت نصفه، ونصف الباقي بجر أختها التي 191 توفيت قبل الأب، وإن اشترى الأب والباقية من الابنتين 192 هذا الابن فمات الأب ورثاه للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن مات الابن بعد ذلك كان للباقية جميع ما خلفه إلا نصف الثُّمُن، النصف بالنسب، ونصف النصف بالولاء؛ لأنها أعتقت نصفه، ونصف الربع الباقي بجر أبيها؛ لأنه ولد من أعتقت نصفه، ونصف الثُّمُن 193 الباقي بجر أختها 194، ولو مات الأخ كان لأختيه 195 الثلثان بالنسب ويبقى الثلث نصفه للتي باشرته 196 بالعتق؛ لأنها أعتقت نصفه، ويبقى سدس بين الأختين يأخذانه بجر أبيهما 197 إليهما 198 بالسواء 199. وقال في كتاب محمد في مملوك له ابنة وابن حران فاشتريا أباهما فخرج عليهما
الجزء: 9 - الصفحة: 4123
حرًّا فلم يهلك الأب حتى مات (1) الابن وترك بنتًا، وماتت البنت وتركت ابنًا، ثم هلك الأب بعد ذلك عن مال وموال: أن بنت الابن ترث النصف بالنسب دون الولاء والباقي يرث منه ابن البنت بالولاء دون النسب، فله نصف النصف بعتق أمه نصف الأب (2)، ونصف الربع الباقي بجر الأخت (3) والباقي لموالي أم (4) البنت إن كانت معتقة وإن لم تكن معتقة فبيت المال (5).
فصل [في ميراث موالي المرأة وعقلهم]
ميراث موالي المرأة لعصبتها وعقلهم على قومها هذا مع عدم الولد.
واختلف في ميراث ولدها منهم، وفي دخوله مع العاقلة فقال مالك: ميراثهم لولدها وعقل جريرتهم 205 على قومها.
وقال ابن بكير: النظر أن لا ميراث لولدها من مواليها، وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - 206.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وقيل يحمل ولدها مع العاقلة؛ لأن البنوة عصبة في نفسها 207.200201202203204
الجزء: 9 - الصفحة: 4124
باب في (1) انتقال الولاء، وفي ولاء ولد الحرة والمعتقة من الزوج إذا كان عبدًا، وولاء ولد الأمة من الحر (2) والأمة من العبد
قال سحنون في كتاب ابنه: قامت السنة عن الصحابة والتابعين وتابعيهم 210 أن ولاء ولد 211 الحرة المعتقة إذا كان زوجها عبدًا لموالي أمه ما دام أبوه عبدًا، فإذا أعتق جره 212 إلى مواليه 213. قال الشيخ 214: إذا تزوج العبد معتقة فولدت ولدًا كان ميراثه لموالي أمه، فإن أعتق أبوه كان ميراثه لأبيه بالنسب، فإن لم يكن أبوه 215 كان ميراثه لمعتق أبيه، فإن عدم كان لبيت المال، هذا قول ابن القاسم في المدونة 216. وظاهر قول محمد أن ميراثه عند عدم المولى 217 يرجع إلى موالي الأم حسب ما كان قبل 218 الجر.208209
الجزء: 9 - الصفحة: 4125
وإن تزوج عبد أمة ثم ولدت له 219 ثلاثة من الولد، ولدت ولدًا فأعتقه السيد، ثم حملت فأعتقها وهي حامل فولدت، ثم ولدت الثالث بعد أن عتقت -كان ميراث جميعهم لمعتِق الأم ما دام الأب عبدًا، فإن أعتق كان ميراثهم للأب بالنسب، فإن عدم النسب وورثوا بالولاء افترق الجواب، فكان ميراث الأولين لمعتق الأم، وميراث الثالث لمعتق الأب، وإن عدم من يقوم بالولاء مِن قِبَلِ الأم فلبيت المال، وإن عدم من يقوم بالولاء مِن قِبَلِ الأب كان ميراثه لموالي الأم 220 إن كان موجودًا، وعلى 221 القول الآخر لبيت المال، وكذلك الجواب في أولاد أولادهم يبتدأ بالنسب، فإن عدم النسب كان ميراث أولاد الأولين لمعتق الأم، وميراث ولد 222 الآخرين لمعتق الجد، ويجره الجد إلى مواليه، فإن أعتق الأب بعد الجد انتقل ولاء الثالث خاصة عن معتق الجد إلى معتق الأب 223. ولابن القاسم في العتبية أنَّ جر الجد إلى مواليه يصح فيمن توالد لولده العبد في حياة الجد أو مات وهو حمل في البطن، ولا يصح فيما حمل به بعد موت الجد ولا ينقلهم عن موالي الأم وانتقال الولاء عن موالي الجد إلى موالي الأب كانتقاله في ولد الملاعنة إذا اعترف به أبوه فهو قبل الاعتراف به ينسب إلى موالي أمه ويعقلون 224 عنه، فإن اعترف به الأب انتقل عنهم إلى نسب أبيه أو
الجزء: 9 - الصفحة: 4126
مواليه إن كان معتقًا 225. قال ابن القاسم في المدونة: وإن كان رجل أسلم وتزوج امرأة 226 معتقة أو امرأة من العرب فولدت أولادًا ثم مات، ومات الأولاد بعد ذلك أن ميراثهم لجميع المسلمين 227.
الجزء: 9 - الصفحة: 4127
باب في (1) الشهادة على السماع في الولاء
الشهادة في الولاء 229 على السماع على ضربين، فإن كان سماعًا فاشيًا يقع به العلم قال ابن القاسم 230: مثل نافع مولى ابن عمر صحت الشهادة 231 في المال والولاء، وإن خلف ذلك الميت ولدًا وموالي كان ولاؤهم للمشهود له 232. واختلف إذا لم يقع العلم بها 233، فقال ابن القاسم: يقضى بها في المال دون الولاء، وكذلك إذا شهد شاهد على العتق، وخالفه أشهب في الوجهين جميعًا 234، وقال في الشهادة على السماع: يقضى بها في المال وفي 235 الولاء، وفي الشاهد على العتق لا يقضى بها لا في مال ولا في ولاء 236، 237. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا تخلو الشهادة على السماع من أربعة أوجه: أن تكون 238 جماعة عن جماعة، أو اثنين عن اثنين، أو اثنين عن جماعة، أو جماعة عن اثنين،228
الجزء: 9 - الصفحة: 4128
فإن شهد الآن جماعة عن جماعة، وكلا الفريقين عدول كان القضاء بالمال والولاء أحسن، وإن كانتا غير عدول كان القضاء 239 بالمال 240 خاصة مع يمين القائم بها، فإن طرأ مال آخر حلف أيضًا، وإن مات بعد ذلك للمشهود عليه ولد أو موال، ولم يأتِ مدَّعٍ غيرُ الأول -حلف مع تلك الشهادة واستحق، وهذا استحسان؛ لأنه لا يدعي ها هنا غيره 241 ولا شبهة 242 فيه لغيره.
وإن شهد اثنان عن 243 اثنين احتيج إلى عدالة الفريقين، فإن عُدِّلا أخذ المال دون الولاء على قول ابن القاسم، إلا أن يقولا: انقلا عنا فتكون شهادة على شهادة، فيكون له المال والولاء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: لا تصح شهادة 244 السماع من أقل من أربعة عدول، وقال: وهي بمنزلة شهادة على شهادة.
الجزء: 9 - الصفحة: 4129
باب في الاستلحاق
قال محمد بن مسلمة: لا يستلحق إلا الأب وحده 245 ولا يستلحق ابن ولا جد ولا أخ.
وقال سحنون في كتاب ابنه: ما علمت بين الناس اختلافا أنه لا يجوز للرجل أن يقر بابن ابن ولا بابن ابنة ولا بشيء من ولد الولد، ذكورهم ولا من إناثهم 246، ولا يثبت نسبه مع وارث معروف ولا غير معروف 247.
وإقرار الجد بولد الولد على وجهين:
أحدهما: أن يستلحق فراش نفسه.
والثاني 248: أن يستلحق فراش ابنه، فإن قال أبٌ: "هذا ولدي" صدِّق، وإن قال: "هذا ابن ولدي" لم يصدَّق.
وقوله: "أبو هذا ولدي" مقبول؛ لأنه إنما استلحق فراش نفسه، ولو كان الطفل لا يُعرف له أبٌ، فقال: "هذا ابن ولدي فلان" لم يقبل قوله؛ لأنه إنما 249 ألحقه بفراش ابنه، وإلى هذا ذهب سحنون في كتاب ابنه، وقال: إنما يجوز لو باع عبدًا لم يجره نسب فولد للعبد عند المشتري ولد 250، ثم توفي العبد وترك مالًا عظيمًا، ثم قال البائع: إن الميت ابني 251 وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 4130
هؤلاء ولد ولدي، فإنه يلحق الولد بالجد وإنهم بنو ابنه 252 ويرث معهم، قال: وإن كان الولد من زوجة، فإن كانت حرة رجع ولاؤهم إلي أبيهم وإن كانت الزوجة أمة لقوم كانوا عبيدًا، وإن كان الولد من أمة للميت في حين كان عبدًا عند مشتريه كانت الأم بذلك حرة يجري لها من الحرية ما يجري لأم الولد إذا مات عنها سيدها.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن قال رجل لرجل: هذا أخي، فإن كان للمقر أخ ثابت النسب أو عم أو ابن عم -كان المال للثابت النسب وإن بَعُدَ، دون الأخ المقَرِّ له، وإن كان أقرب نسبًا على إقرار الميت.
واختلف إذا لم يكن له نسب ثابت يرثه، فقيل: المال لبيت المال، ولا شيء للمقَرِّ له.
وقيل: المقَرُّ له أولى.
وهو أحسن إذا أشكل الحال ولم يتبين كذبه، مثل أن يكونا طارئين، أو يكون المصْرُ الكبير وكان مثل ذلك 253 يخفى فيه، أو كانت بينة ولم تُعَدَّل 254، وهم داخلون في النسبة وما أشبه ذلك، فيكون المقَرُّ له أحق 255 من بيت المال لوجهين:
أحدهما: أن له بذلك شبهة، فهو أولى ممن لا شبهة له.
والثاني: أنه اختلف هل للميت إذا لم يكن له وارث أن يوصي بماله كله؟ فإن تبين كذبه أو كان مثل ذلك مما لا يخفى لم يُعْطَ إلا على القول بأن له 256 أن يوصي له به، وقد يستخف ذلك إذا كان المال قليلًا والمقَرُّ له فقيرًا، ولو كان
الجزء: 9 - الصفحة: 4131
الإقرار في الصحة وطالت المدة وهما على ذلك الحال 257 يقول كل واحد منهما للآخر: أخي، أو يقول: هذا عمي ويقول الآخر 258: ابن أخي، ومرت 259 على ذلك السنون، ولا أحد يدعي بطلان ذلك، لكان ذلك حوزا 260. وإذا حضرت الوفاة رجلًا 261 فأقر بأخ وله أخت ثابتة النسب، فإن الأخت تأخذ النصف، ثم يختلف في الباقي هل يكون المقر له أصلى به أو بيت المال؟
الجزء: 9 - الصفحة: 4132
باب في الإقرار بالولاء
الإقرار بالولاء يصح إذا أقر أنه هو المعتَق فقال: أعتقني فلان، وصدقه فلان، ولم يقم دليل على كذبه، فإذا كان كذلك جرى مجرى ما شهدت به البينات في الموارثة والمعاقلة.
واختلف إذا كذبه فلان فقيل: لا يثبت له ولاء، وهو المعروف من المذهب.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يكون مولاه وإن أنكره ولم يأت ببينة، ولا يكون ذلك في الولد إلا ببينة أو بإقرار الأب 262.
والأول أحسن، إلا أن يقول: إن إقراره يتضمن حقًّا له ولغيره من ولد المقر له من أخ أو عاصب، فلا يسقط حق المقر له من غير المعتق، ويصح على قوله إن صدقه ولد المقر له 263 أو أخوه أو عاصبه أن يعقلوا عنه، وإن مات المقو بعد موت المنكر فأرى 264 أن يرثه من صدقه هو من ولد أو أخ إن لم يكن للمقر 265 ولد، وإن قال: أعتقني فلان، وفلان هذا ميت وله ولد أو عصبة، فإن صدقوه ثبت ولاؤه له، وإن اعترف بحيٍّ فقال: هذا 266 أعتق أبي أو جدي، وصدقه من اعترف له -لم يثبت له بذلك ولاء؛ لأنه اعترف بالرق على غيره، فإن مات المعترِف بالولاء ولا وارث له بالنسب أخذ ميراثه المقَرُّ له بعد يمينه، وهو في هذا بمنزلة من قال: فلان أخي؛ لأنه يستلحق فراش أبيه، وهذا أقر
الجزء: 9 - الصفحة: 4133
على أبيه بالعتق.
وإن مات رجل وخلف ابنتين فأقرتا لرجل أنه أعتق أباهما لم يثبت له بذلك ولاء، فإن لم يكن للميت من يرث الباقي عن الثلثين، وكانتا عدلتين حلف معهما واستحق الفاضل بمنزلة شاهد شهد بالعتق، وعلى قول أشهب يكون بيت المال أحق به 267 من المقر، وإن ماتت واحدة منهما بعد ذلك أخذ الفاضل عن أختها، وإن ماتت الأخرى أخذ جميع ما خلفت -وإن لم تكن
عدلة- إذا حلف، وقيل: هو 268 لبيت المال، وهي بمنزلة من أقرَّ عند الموت بأن هذا أخوه، ولا وارث له أنه يأخذ ميراثه وإن لم يثبت النسب.
وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا قال عند موته: فلان مولاي وفلان أخي ولا يعرف ذلك منهما إلا من قوله قال: يرثه مولاه دون أخيه 269.
وفي العتبية لأصبغ: إذا قال: هذا مولى أبي 270 وهذا أخي -يُبَدَّى الأخُ بالميراث؛ لأن الإقرار بأن الأب المعتِق لا يُثْبِت ولاءَه، وكذلك الإخوة وهو إقرار كله، فبدَّى النسب 271.
وهو في هذا بخلاف قوله: "فلان مولاي، وفلان أخي"؛ لأن قوله: "مولاي" كالبينة، ولا يثبت النسب بقوله: فلان أخي، فيبدى الولاء لثبوته على النسب؛ لأنه لم يثبت، وإذا قال: مولى أبي 272، وفلان أخي لم يثبت واحد منهما، وهو إقرار كله، فيبدى بالنسب.
الجزء: 9 - الصفحة: 4134
باب في (1) الاختلاف في الولاء
وإذا اختلف رجلان في ولاء رجل، وقال كل واحد منهما: أنا 274 أعتقته، ولا بينة لهما، فإن أقر المدعى عليه بالولاء لأحدهما كان مولاه، وإن قال: كلاهما أعتقني كان مولاهما جميعًا، وإن أنكرهما وقال: لم يتقدم عليَّ رِقٌّ -كان القول قوله، وإن قال: أنا معتَق لغيركما -كلف الإقرار لمن أعتقه، فإن سمّاه وادعاه المقَرُّ له كان مولى له دون هذين، وإن قال المقَرُّ له 275: لم أعتقه، أو قال الآخر 276: لا أسمي من أعتقني -لم يقبل قوله، وألزم أن يقر، فإن تمادى على الإنكار كان مولى 277 لهذين بعد أيمانهما بعضهما لبعض، وإن أقام كل واحد منهما بينة أنه أعتقه، وكانت إحدى البينتين أعدل -قضي به لأعدلهما، وسواء كان مُقِرًّا للآخر أو منكرًا لهما، وإن تكافئوا في العدالة كان تكاذبًا، فإن أقر لأحدهما كان فيهما قولان 278 فقال ابن القاسم: هما بمنزلة من لا بينة له ويكون الولاء لمن أقرَّ له.
وقال: قال 279 مالك: إذا تكافأت البينتان والحق في يد أحدهما فالحق لمن هو في يديه وإقرار هذا بمنزلة من الحق في يديه 280.273
الجزء: 9 - الصفحة: 4135
وقال سحنون: لا يقبل إقراره، وهو بمنزلة الدار يدعيها رجلان ولا يد عليها لأحد منهما ويقيمان البينة، ويقر الذي هي في يديه أن الدار 281 لأحدهما فلا يقبل قوله.
وكذلك قال مالك 282 في المرأة يدعي نكاحها رجلان ويقيمان البينة 283.
قال الشيخ -رحمه الله-: كلا القولين فيه 284 نظر، وأرى: ألا يقبل قوله 285 في الولاء، ويقبل قوله 286 في الدار وقول المرأة 287 في النكاح؛ لأنَّ المعتق لا يصح أن يبقى ولاؤه لنفسه، وإذا لم يصح ذلك لم ينظر إلى قوله، ومن بيده الدار يصح بقاؤها له إذا ادَّعاها لنفسه، وإذا صحَّ أن تبقى لنفسه 288 صحَّ إقراره لغيره بها.
وأمَّا المرأة فإن أنكرتهما، وقالت: لم أتزوج واحدًا منهما، كان القول قولها، وإن قالت: تزوجت هذا دون الآخر، كان القول قولها وإن قالت: كلاهما تزوجني ولكن هذا الأول منهما.
. . 289 يكون مولى لها، قياسًا على الدار يدعيها رجلان ويقيمان البينة ويتكافآن وهي بيد الثالث فقيل: تبقى لمن هي في يديه،
الجزء: 9 - الصفحة: 4136
وقيل: تنزع من يده ويقتسمانها.
فعلى القول الأول لا يكون لواحد من هذين من ولاية شيء.
وعلى القول الآخر يكون مولى لهما، وإن قال: أنا معتق لفلان وادعاه فلان يختلف هل يكون مولى لمن أقر له أو لهما؟ وإن اعترف أنه مولى ولم يعترف لأحد بعينه كان مولى لهما 290.
الجزء: 9 - الصفحة: 4137
باب الدعوى في الولاء
وإذا أعتقت أمة وهي ذات زوج فأتت بولد بعد العتق لأقل من ستة أشهر أو ظهر بها حمل لأقل من ثلاثة أشهر -كان قد 291 مسَّه الرق وولاؤه للمعتق، وإن ولدتْ لأكثر من ستة أشهر أو ظهر بها حمل لثلاثة أشهر -حمل على أنه محدث بعد العتق، وإن اختلف السيد والزوج في تقدمه على العتق كان القول قول 292 الزوج، ولو صدق الزوج السيد لم يقبل قوله؛ لأن ذلك إقرار على غيره وهم مواليه، وأما مع وجود الزوج أو وجود عصبة فلا يقبل ذلك؛ لأن النسب مقدَّم على الولاء، والأب الوارث، تقدم العتق 293 أو تأخر، فبان بهذا أن إقرار الزوج على غيره وهم موالي الأب.
واختلف هل يوقف الزوج عنها عندما تعتق حتى يعرف أنها حامل 294 أم لا؟ فقال مالك في كتاب محمد: لا يمنع ولا يكف 295 عنها 296. يريد: ويعمل على 297 ما يتبين من الأمر 298.
الجزء: 9 - الصفحة: 4138
وقال في المختصر الكبير: يكف عنها حتى يتبين هل بها حمل أم لا 299 لمكان الولاء.
وقال أيضًا في التي لها ولد من غير زوجها فهلك ذلك الولد: يوقف عنها الزوج لمكان الميراث.
وعلى القول الأول لا يوقف 300 ويعمل على ما يتبين من الأمر 301. والوقف في السؤالين أحسن؛ لأنه لا يقطع إذا أتت به لستة أشهر فأكثر أنه محدث، والوضع لهذا القدر من النادر، والوضع المستمر تسعة أشهر فأكثر، وإنما يراعى ستة أشهر إذا تقدّمت حيضة؛ وأما إذا لم يكن استبراء فلا وجه لحمله على النادر من الحمل، وأيضًا فإنه يحتمل أن تكون إصابة في أول النهار وأعتقت في آخره، فلا يكون في مرور الستة أشهر دليل على أنَّه لم يكن قبل العتق، فكان الواجب وقفه عنها 302 لدفع هذه الشبهة.
الجزء: 9 - الصفحة: 4139
باب في مراتب (1) الأولياء في الولاء وميراث النساء من (2) الولاء
الابن أولى بولاء من أعتق أبوه، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم أبو المعتِق، ثم بنوه وهم الأخوة، ثم بنو الإخوة، ثم جد المعتِق، ثم بنوه وهم عمومة المعتِق، ثم بنو العمومة.
وقال مالك مرة: الجد مقدَّم على بني الإخوة، ثم رجع عنه 305.
واستدل ابن الجهم على أن الأخ أولى من الجد فقال: لو كان الجد أولى لكان بنوه أولى من بني الأخ، ولأن بنات الأخ محرمات وإن سفلن وليس كذلك بنات بني الجد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الولاء يؤخذ 306 بالبنوة والأبوة، والبنوة مقدمة على الأبوة، فإذا عدم بنو المعتق كان أبوه، فإذا عدم أبوه كان بنوة 307 الأب أولى من أبوته كما كان ذلك 308 في بنوة المعتق نفسه، والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب والاخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق 309 وابن الأخ أولى من العم، والعم الشقيق أولى من العم للأب، وابن العم الشقيق أولى من ابن 310 العم للأب.303304
الجزء: 9 - الصفحة: 4140
واختلف إذا كانا ابني عم أحدهما أخ للأم، فقال مالك وابن القاسم في المدونة (1): هو كرجل من العصبة لا فضل للأخ للأم (2). وقال أشهب في كتاب محمد: الأخ للأم أحق؛ لأنه أقعد بالرحم مثل ما لو ترك المعتِق أخًا لأب وأم، وأخًا لأب -كان الشقيق أولى، ومثل ما لو ترك ابني عم، أحدهما (3) لأبيه وأمه -كان أحق به (4). يريد: أن هذا أحق؛ لأنه زاد مؤنة (5).
فصل [في ميراث النساء من الولاء]
ولا يرث النساء 316 من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو 317 ولد من أعتقن من ولد الذكور خاصة 318، ذكرًا كان ولد هذا الذكر أو أنثى.
قال الشيخ: المرأة في الولاء على وجهين:
فأما ما أعتقه غيرها، أبوها أو ابنها أو أخوها فلا حق لها فيه؛ لأن الولاء بابه التعصيب، ولا تعصيب لها في ذلك.
وأما ما أعتقته فهي تجري فيه مجرى ما لو كان المعتق رجلًا، فكل موضع311312313314315
الجزء: 9 - الصفحة: 4141
يكون فيه الولاء للمعتق إذا كان رجلًا يكون لها فيه 319 الولاء، وكل موضع يسقط فيه 320 حقه يسقط حقها، فإن أعتق رجل أو امرأة عبدًا كان لهما ولاؤه وولاء ولده -ذكورهم وإناثهم- وولاء ولد ولده 321 الذكور -ذكورهم وإناثهم- ولا شيء لهما 322 في ولاء ولد الإناث، ذكرًا كان ولد البنت 323 أو أنثى، فإن أعتقا أمة كان لهما ولاؤها دون ولدها، فإن ولدت تلك الأمة ولدًا -ذكرًا كان أو أنثى- كان ولاؤهم لمعتق زوجها، فإن لم يخلف معتق الزوج من يجر الولاء أو كان زوجها حرًّا لم يتقدم عليه ولاء لأحد 324 -كان ولاؤهم على قول مالك في المدونة لبيت المال 325. وعلى قول محمد يعود الولاء لمعتق الأم، وعله هذا يعود الجواب في قوله أن لهن ولاء من أعتقن، وأن لهن ولاء المعتق الأسفل، وسواء كان المعتق الأسفل ذكرًا أو أنثى، ويفرق الجواب في ولاء 326 الأسفل، فإن أعتق رجل أو امرأة عبدًا أو أمة ثم أعتق ذلك العبد المعتَق أو الأمة عبدًا أو أمة كان ولاؤهم 327 للمعتِق الأعلى 328، يرثهم 329 الأعلى إذا عدم المعتِق
الجزء: 9 - الصفحة: 4142
الأسفل (1). فإن كان للمعتَق الأسفل أولاد نظرت، فإن كان المعتَق (2) الأسفل عبدًا جرَّ ولاء أولاده لمعتِق معتِقه -ذكورهم وإناثهم- فإن كان (3) الأسفل أمة كان ولاء ولدها لمعتق زوجها، ذكورهم وإناثهم، ولم (4) تجرهم إلى من أعتقها ولا لمن أعتق من أعتقها (5).
فصل [في ولاء ولد الزنى والملاعنة]
وإذا أعتق رجل أو امرأة أمة فأتت تلك الأمة بولد من زنى أو تزوجت فلاعنت بذلك الولد -كان ولاء هذين الولدين لمعتق الأم، وتجرهم الأم إلى مولاها ومولاتها 335، وهم في ولد الزنى واللعان بخلاف ولد الحلال الثابت النسب؛ لأنه في الحرام ينسب إلى مولى الأم 336 كما ينسب الولد الحلال إلى مولى 337 أبيه، ويعقل عنه قوم أمه كما يعقل عنه 338 في الولد 339 الحلال قوم الأب ومواليه، وإذا كان ذلك فإنه يبدأ بالنسب، وهي الأم وولدها، فترث الأم والولد الواحد أو الولدان النصف، والباقي لمواليها؛ لأن لها مع الولد330331332333334
الجزء: 9 - الصفحة: 4143
الواحد الثلث، وللولد الواحد 340 السدس؛ لأنَّه أخ للأم، ولها مع الولدين السدس، ولهما الثلث، والباقي لموالي الأم، وإن ولدت الملاعنة توءمًا أحرز الباقي منهما المال دون العصَبة؛ لأنه يرث من قِبَلِ الأب والأم، فتأخذ الأم الثلث والباقي له، وإن كان هناك ولد آخر أخذت الأم السدس، وأخذ الآخر 341 الذي لم 342 يولد مع الميت السدس، والباقي للذي ولد معه.
الجزء: 9 - الصفحة: 4144
باب في الميراث بالشك
وقال ابن القاسم في رجل ماتت زوجته وابنه منها ولا يدرى أيهما مات قبل الآخر 343: إنه لا ميراث بين الأم والابن، وميراث الابن للأب وحده، وميراث الأم للزوج والأخ بعد أيمانهما، وكذلك إذا نفست به واستهل ثم ماتا، الأم والابن، ولا يدرى أيهما مات أولًا لا ميراث بينهما 344.
قال مالك في العتبية: وإن شهد النساء أن الأم ماتت أولًا حلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء واستحقوا ميراثه من أمه لأنه مال.
قال أصبغ: ونظيرها شهادتهن أنه ذكر 345. يريد: أنه يختلف فيه؛ لأنها شهادة على غير مال والمستحق به مال 346؛ لأنَّ التاريخ في تقديم موت أحدهما على الآخر ليس بمال، والذي يستفاد بالشهادة مال، فعلى قول أشهب لا يحلف وارث الصبي معهن، ويحلف المنكر للشهادة، ويبرأ إذا ادعَى عليه العلم أو أشبه أن يكون عنده من ذلك علم، وإن لم يُدَّعَ عليه علم ولا كان عنده من ذلك شبهة لم يحلف 347 ولم يرث أحدهما الآخر.
واستحسن إذا لم تقبل شهادتهن أن يكون الزائد على ميراث أنثى بينهما نصفين؛ لأنَّ الأمر مشكل هل هو ذكر أم أنثى؟
الجزء: 9 - الصفحة: 4145
ولو مات رجل حر عن زوجته وهي أمة وأعتقت، ولم يُدْرَ هل كان العتق قبل موت الزوج أو بعده لم ترثه؛ لأنه ميراث بشك، والأصل العبودية، فإن قالت الزوجة تقدم عتقي وصدقها المعتق لم ينفعها ذلك، وإن شهد شاهد بتقديم العتق حلفت واستحقت على قول مالك وابن القاسم، ولم يكن ذلك لها على قوله أشهب، وإن كان السيد عدلًا حلفت معه على القول الأول 348؛ لأنه لا يجر بشهادته منفعة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن شُقَّ جوفُهُ أو مِعاه أو ذُبح فهو كذلك حتى مات ولده أيرثه؟ قال: أما المذبوح فلا يرث وأما المشقوق الجوف ففي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حجة في ذلك قيل له: فإن قتله رجل آخر في تلك الحال أيقتل به؟ قال: لا 349.
وقال 350 في كتاب محمد في من أنفذت مقاتله يقتل به 351 الثاني ويؤدب الأول.
وقال أشهب: يقتل الأول 352.
فعلى قول ابن القاسم إذا ذبح ورثه الابن وإن مات الابن قبله، وإذا أنفذت مقاتله ولم يذبح ورث الأب الابن.
الجزء: 9 - الصفحة: 4146
باب في ميراث الحملاء
قال مالك: كل بلاد افتتحت عَنْوة ثم سكنها المسلمون ثم أسلم أهل تلك الدار، فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية كما كانت العرب حين أسلمت، وأما كل قوم تحملوا فإن كان عددهم يسيرًا لم يتوارثوا بذلك إلا أن تكون لهم بينة عادلة على الأصل مثل الأسارى من المسلمين يكونون عندهم 353. وأجاز في كتاب السرقة 354 شهادة من دخل إليهم بتجارة 355. واختلف في العدد الذي يكتفى به إذا لم تكن عدالة فقال ابن القاسم في العتبية: العشرون إذا شهدوا يتوارثون بهم 356، وقال سحنون: لا يتوارثون بهم 357. قال الشيخ: دعوى الحملاء المناسبة على ثلاثة أوجه: أبوة، وبنوة، وأخوة وغيرها من الأقارب، فاختلف في البنوة هل يكتفى في ذلك بقول الأب: "هذا ولدي" من غير شهادة، فقول مالك أنه يقبل قوله؛ لأنه قال في كتاب أمهات الأولاد في من كان مقيمًا في بلد فيقدم بالغلام محمولًا وقد ولد في أرض الشرك مثل الصقالبة والزنج فقال: هذا ابني، وقد علم أنه دخل تلك
الجزء: 9 - الصفحة: 4147
البلاد أنَّه يقبل قوله، فإذا قبل قول من دخل إليهم كان قول من هو منهم ومقيم معهم أولى 358.
وقال أبو الحسن بن القصار والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في كتاب الفرائض من المعونة 359: لا يقبل منه 360.
والأول أحسن، والمعروف في الولد أنه يقبل ممن 361 استلحقه إذا كانا طارئين، وإذا قال: "ولد ولدي" كان على التفسير الذي تقدم في الجد.
وإن قال: "أخي أو ابن أخي أو ابن عمي" لم يقبل منه 362، وها هنا يفتقر إلى الشهادة كما قال، فإن شهد مسلمون كانوا عندهم أو اثنان ممن أسلم منهم وعدلوا- جازت شهادتهم، وإن شهد اثنان منهم عدلان 363 وشهد المشهود له 364 للشهود جرت على قولين: فإن لم تكن عدالة فالعدد الكثير كما قال ابن القاسم وجميع هذا إذا كانت الدعوى والموت بفور القدوم، وأما إن طالت المدة وهم يتناسبون على ذلك ولا أحد ممن قدم ينكر ذلك عليهم ولا ممن يقدم من الموضع الذي قدموا منه، فإن ذلك يصير حوزا ويتوارثون به، وإن لم تكن شهادة كما 365 قال في الطارئ يدعي نسبًا ويطول زمانه، وهو يزعم ذلك ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 4148
ينكره أحد: إن طول المدة تثبت له نسبه، ويحد من قطعه منه.
فصل [فى ميراث رجل مات عن ولدين مسلم ونصراني]
وإذا مات رجل عن ولدين مسلم ونصراني، وادعى كل واحد منهما أن أباه كان على مثل دينه ولا بينة لهما حلفا 366 واقتسما ميراثه نصفين، وإن أقر المسلم أن أباه كان نصرانيًّا وادَّعى أنه انتقل إلى الإِسلام عند الموت- حلف النصراني أنه لم يَزُل عن دينه وكان الميراث له دون المسلم، إلا أن يصلي عليه المسلمون ويدفن عندهم بحضرته ولا ينكر ذلك 367، فيسأل عن عذره في ذلك 368، فإن قال النصراني: كان مسلمًا ثم مات على النصرانية- كان المال للمسلم بغير يمين؛ لأنه على قوله مرتد، والمال لجماعة المسلمين على قوله، وهو مدَّعٍ لغيره، فلا يقبل قوله لأنه غير عدل، وهذا إذا قال: أسلم بعد أن كبرت، وأما إن قال: أسلم وأنا صغير كان النظر في بقائه على الكفر 369. واختلف إذا لم يعلم أصله هل يرجح بصلاة المسلمين عليه؟ فلم ير ابن القاسم في المدونة ذلك وقال: ليس الصلاة 370 شهادة 371. وقال مطرف وابن الماجشون 372 في كتاب ابن حبيب: إنه 373 إذا كان ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 4149
بحضرة النصراني كان ذلك (1) قطعًا لدعوى النصراني (2). وهو أبين إلا أن يعلم من النصراني أمر يعذر به في السكوت؛ لأنه ليس من العادة صلاة المسلمين على الكافرين ولا دفنهم عندهم، ولو صلى عليه النصارى ودفنوه عندهم بحضرة المسلم كان ميراثه للنصراني، وهو ها هنا أبين من صلاة المسلمين عليه، وإن قال كل واحد منهما: لم يَزُل عن ديني، كان المال بينهما نصفين على (3) حسب ما تقدم.
فصل [في ميراث رجل مات عن ولدين مسلم ونصراني أقام كل واحد منهما بينة على أنه مات على دينه]
واختلف إذا أقام كل واحد منهما بينة على دعواه فقال ابن القاسم: يقضى بأعدلهما فإن تكافأتا كان المال بينهما.
وقال غيره: إذا تكافأتا كان المال للمسلم 377.
قال الشيخ: لا تخلو البينة من ثلاثة أوجه: إما أن تشهد بما لم يزالوا يعرفونه من دينه، أو بما مات عليه، أو إحداهما بما لم يزل عليه والأخرى بما مات عليه، فإن كانت الشهادتان أنه لم يزل على 378 ذلك 379 حين موته ولا374375376
الجزء: 9 - الصفحة: 4150
يعرفونه انتقل عنه - كان تكاذبًا، يقضى بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا، وكان الميراث بينهما نصفين بمنزلة من لم تشهد له 380 فيه بينة.
وإن كانت الشهادتان بما مات عليه فقالت إحداهما: نشهد أنه مات على الإسلام، وقالت الأخرى: على النصرانية، ولا علم عندهما بما كان عليه، وقال كل واحد من الولدين: لم يزل دينه على ما شهدت لي البينة به- قضي بأعدلهما أيضًا، فإن تكافأتا سقطتا واقتسما المال نصفين.
وإن كان معروفًا بأحد الدينين أو أقر بذلك الولدان كان فيها قولان، فقيل: ذلك تكاذب كالأول، يقضى بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا وبقي على ما كان يعرف به من إسلام أو نصرانية.
وقيل: يقضى بشهادة من نقلته عن الحال الأوّل؛ لأنها زادت حكمًا، فإن كان قَبْلُ نصرانيًّا كان المال 381 للمسلم، وإن كان مسلمًا كان المال لبيت مال المسلمين؛ لأنه ارتداد، وإن شهدت إحداهما أنه لم يزل يعرف على كذا ولم يُدْرَ ما مات عليه، والأخرى بما مات عليه ولا يُدرَى ما كان عليه قبل ذلك- قضي بشهادة الأخيرة 382، إن كان إسلامًا للمسلم، وإن كان كفرًا فلبيت المال.
قال أصبغ ولو كان معهما أخ صغير فقال: كلاهما مقرٌّ له بالنصف- فله النصف 383 كاملًا، ويجبر على الإِسلام ولهما النصف بعد أيمانهما 384.
الجزء: 9 - الصفحة: 4151
قال سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا واقتسما ماله.
385.
قال الشيخ: أصل قولهم أن يكون المال بينهم أثلاثًا، فإن خلف الميت ستين دينارًا كان لكل واحد من الأولاد عشرون دينارًا؛ لأنَّ المسلم يقول: المال بيني وبين أخي الصغير نصفين، والنصراني غاصب لنا، والغصب عليَّ وعليه على قدر أنصبائنا من المال 386؛ فما خلص منه كنا فيه سواء.
ويقول النصراني مثل ذلك، وذلك يؤدي إلى تساويهم فيه.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد 387 كل واحد حتى يكبر الصغير، فيدعي مثل دعوى أحدهما 388، فيأخذ ما وقف له من سهمه ويرد إلى الآخر ما وقف من سهمه.
وإن مات قبل أن يبلغ الحلم 389 حلفا واقتسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يُعرفون فهم أحق بميراثه، ولا يردون شيئًا منه إذا كبر الصغير فادعى مثل دعواهم، وإن لم يكن ورثة أقر الميراث فإن بلغ الصبي فادعاه كان له 390.
الجزء: 9 - الصفحة: 4152
باب في ميراث (1) المرتد وهل يكون له ماله (2) إذا راجع الإسلام وهل تمضي أفعاله في ماله (3) في حال ارتداده
وإذا ارتد المسلم حيل بينه وبين ماله، قال ابن القاسم في كتاب محمد: وينفق عليه منه في الأيام الثلاثة التي يستتاب فيها ولا ينفق منه على عياله ولا على ولده 394.
فإن راجع الإِسلام كان له ماله 395. وقال في المبسوط: لا يرد إليه.
ورأى 396 أنه كافر قدر عليه لا عهد له فلا شيء له في ماله.
وإن لم يراجع الإِسلام كان ماله 397 لجماعة 398 المسلمين، ولا يرثه ورثته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ" 399. وإن ارتد إلى النصرانية وله ولد أو أخ نصراني لم يرثه؛ لأنه دين لا391392393
الجزء: 9 - الصفحة: 4153
يقر عليه، ولا تضرب عليه الجزية فيه 400 فيجمعه وإياهم جزية واحدة.
واختلف إذا ارتد في المرض فقال في المدونة: لا يورث 401.
وقال في كتاب ابن حبيب: لا يورث إلا أن يتهم أن يكون أراد منعهم الميراث.
وذكر ابن شعبان في ذلك 402 قولين: الميراث والمنع.
قال الشيخ: لا يخلو المرتد في المرض من ثلاثة أوجه: إما أن يقتل عليها، أو يعاجله الموت قبل ذلك، أو يرجع إلى الإِسلام ثمَّ يموت مسلمًا، فإن قتل لم يرثه ورثته، ولم يتهم أحد في مثل هذا، وإن عاجله الموت قبل أن يقتل نُظِرَ إلى ورثته، فإن كانوا ولدًا وممن يعلم منهم 403 القرب إليه لم يرثوه، وإن كانوا أباعد وممن يعلم منه 404 أنَّه بينهم وبينه عداوة وشنان- حُقَّ أن يقال: إنهم يرثونه.
وإن راجع الإِسلام ورثه على قوله في المدونة إن ملكه لا يسقط عن ماله 405، وعلى قوله: إنه لا يعود إليه 406 تقوى التهمة فيمن بينهم وبينه عداوة أن يظهر ذلك ثم يعود إلى الإِسلام، فيموت مسلمًا ويمنعهم ماله.
الجزء: 9 - الصفحة: 4154
فصل [فى هل تمضي أفعال المرتد في ماله في حال ارتداده؟]
واختلف في المرتد في الصحة هل يكون مطلق اليد في ماله وتمضي أفعاله فيه حتى يحجر عليه أو يكون محجرًا عليه بنفس الارتداد؟ وهذا إذا قتل على ردته، وإذا راجع الإِسلام مضت أفعاله التي كانت قبل الحجر.
واختلف هل تمضي إذا كانت بعد الحجر عليه 407 وذلك أن يبيع أو يشتري أو يهب أو يتزوج؟
فقال ابن القاسم في كتاب محمَّد: ما تداين به 408 قبل أن يحجر عليه يلزمه، وما تداين به 409 بعد أن حجر عليه فهو هدر إن قتل على ردته، وإن هو تاب ورجع إلى الإِسلام 410 لزمه.
ولم ير 411 ردته حجرًا حتى يحجر عليه.
قال سحنون: ما أعرف هذا وردته حجر وهو بالردة ممنوع من ماله 412.
ووافق أشهب ابن القاسم أن الردة ليست بحجر وأن أفعاله بعد الردة ساقطة إن قتل، وخالفه إن رجع إلى الإِسلام، وقال: ما أحدثه بعد الحجر من بيع أو شراء أو عتق فباطل سواء قتل أو رجع 413 إلى الإِسلام 414.
الجزء: 9 - الصفحة: 4155
وقال ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة إذا تزوج المرتد في حال ارتداده يهودية أو (1) نصرانية ثمَّ راجع الإِسلام لم يقر على نكاحها (2). وقال سحنون في كتاب ابنه نكاحه هذا (3) جائز، قال: ولو تزوج مسلمة في حال ارتداده وهي عالمة بارتداده (4) وأصابها- كان صداقها في ذمته، فإن رجع إلى الإِسلام أخذته من ماله، وإن قتل على ردته لم يكن لها شيء (5).
فصل [فى توبة الزنديق وميراثه]
وأما الزنديق فإنه لا يخلو من خمسة أوجه:
إما أن يأتي تائبًا قبل أن يظهر عليه 420، أو يظهر عليه فتشهد البينة عليه 421 ويقر ويتمادى على ما كان يعتقده، أو يتوب عندما شُهِد عليه 422، أو يتمادى على الإنكار والتكذيب بالبينة، أو شُهِد عليه بعد موته.
وأحكام هذه الوجوه ثلاثة: قبول التوبة، والقتل إن لم تقبل التوبة، والميراث.
فإن أتى تائبًا قبل أن يظهر عليه قبلت توبته، ولم يقتل.415416417418419
الجزء: 9 - الصفحة: 4156
وإن ظهر عليه فاعترف 423 ولم يرجع قتل ولا يورث.
وإن اعترف وتاب أو كذب البينة وتمادى على الجحود قتل، ولم تقبل توبة هذا، ولم ينظر إلى جحود الآخر.
واختلف في الميراث عنهما 424 على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة: يرثه ورثته من المسلمين 425.
وقال أيضًا: لا يرثونه، وميراثه فيء لجميع المسلمين، وبه قال المغيرة وأشهب وابن عبد الحكم وابن نافع وعبد الملك وسحنون، قالوا: سبيل ماله سبيل دمه 426.
وقال ابن القاسم: إن اعترف وتاب لم تقبل توبته وقتل ولم يرثه ورثته، وإن جحد فقتل أو مات قبل أن يظهر عليه ورثوه.
وفي كتاب محمَّد لمالك فيمن اعترف أن أباه مات على الزندقة أو أنه كان يعبد الشمس قال: لك أن ترثه 427. وهذا أشد ما روي في هذا, لاعتراف الابن علي الأب أن أباه 428 كان كافرًا.
وقال سحنون في منع قبول توبته إذا ظهر عليه أنه إنما يقتل الزنديق على ما يُسِرُّ، وما أظهر لا يدلّ على ما يسره؛ لأنه كذلك كان 429.
وهذا الذي قاله صحيح؛ لأنه كان يبطن الكفر وينطق بالإيمان , وما زادنا
الجزء: 9 - الصفحة: 4157
أكثر مما هو 430 عليه وهو النطق باللسان، ويدل على ذلك قول الله سبحانه في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34]، وإذا لم يقبل قول المحارب بعد القدرة عليه: إني تائب، مع أنه كان يعلن ما يوجب حده 431 إلا أن تعلم 432 توبته بالأعمال الصالحة وما يدل على نزوعه عن ذلك 433 قبل الظهور عليه وأخذه- كان الزنديق ابن أنه لا يقبل قوله: إني تائب، إلا أن يظهر نزوعه قبل أن يظهر عليه، أو يعترف، وكذلك شاهد الزور إذا ظهر عليه فقال: إني تائب لا يقبل ذلك منه بحضرة ما ظهر عليه، فلا تجوز شهادته إلا بما 434 يظهر منه مما يفعله بعد ذلك، وليس بمجرد قوله: إني تائب، وأيضًا فإن الزنديق كان 435 يرى ذلك حقًّا وهو اجتهاده، وشاهد الزور كان 436 يعتقد ذلك باطلًا، فانتقال حاله إلى الصلاح والتدين دليل على انتقاله.
فأما ميراثه فاستدل من أوجبه لورثته بالمنافقين أنهم تُرِكُوا على ما كانوا يُظهِرُونَهُ من الإِسلام وأُجْرُوا على أحكام الإِسلام 437 في المناكحة والموارثة وغيرها، واحتج للمنع بوجوه:
فقيل: لأنَّ 438 ذلك مما يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، فترك سنةً، لئلا يقضي
الجزء: 9 - الصفحة: 4158
حاكم بعلمه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي اللهُ تَعالَى عَنْ قَتْلِهِمْ" 439.
وقيل: علة ذلك لئلا ينفر الناس 440 عن الدخول في الإِسلام ويقال: إنه يقتل أصحابه، لا سيما بغير بينة وبما لم يعلمه غيره.
قال محمَّد بن المواز: ولو أظهروا نفاقهم لقتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - 441.
والاتفاق على نقل حكمهم اليوم عن الحكم الأول؛ لأنَّ الحكم فيهم اليوم القتل، ولم يكن تعرض لهم قبل ذلك بقتل، وإنما التنازع في الميراث، فإذا أجري عليه القتل بما شهد عليه من الكفر أجري على مثل ذلك في الميراث.
الجزء: 9 - الصفحة: 4159
باب في توارث أهل الملل
توارث 442 أهل الملل على وجهين: ممنوع، ومختلف فيه، فالأول الميراث بين المسلم والكافر: فهو ساقط، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ ". أخرجه البخاري ومسلم 443.
والثاني: الميراث بين أهل الكفر إذا اختلفت أديانهم كالنصراني واليهودي والمجوسي، فقال في الكتاب 444: لا يتوارثون 445. وقال أيضًا: يتوارثون؛ لأنه كفر كله.
قال أصبغ: ثم رجع ابن القاسم عنه 446.
وروى أشهب عن مالك أنَّه قال 447 في الحديث: "إِنَّهُ لا يَتَوارَثُ أَهْلُ مِلَّتينِ" 448 إنما ذلك في أهل الإسلام وأهل الكفر.
قيل: أفيرث اليهودي النصراني؟! قال: لا أدري.
الجزء: 9 - الصفحة: 4160
وقال ابن شعبان في ذلك قولان مدنيان 449 أحدهما 450 أنهما يتوارثان، لقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الإِسْلاَمُ مِلَّة والكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ 451. وهو قول الزهري وربيعة.
قال ابن المنذر: وهو قول الحكم وحماد وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأبي ثور.
الجزء: 9 - الصفحة: 4161
باب في النصراني يموت ويختلف ورثته فى ميراثه أو يسلمون أو يسلم بعضهم قبل أن يقسم ميراثه
وقال مالك في النصراني يموت عن ورثة 452 نصارى فيختلفون في ميراثهم 453 ويرتفعون إلى حاكم 454 المسلمين: إنه بالخيار بين الحكم أو الترك، وإن حكم بينهم 455 حكم بحكم المسلمين 456.
يريد: إذا بين لهم أنَّه إنما يحكم بينهم بمنزلة ما لو كانوا مسلمين، فإن رضوا بعد البيان أن يحكم بينهم بذلك حكم بينهم، وإلا تركهم.
قال: فإن أسلم بعضهم حكم بينهم ولم يردوا إلى حكم النصارى، قال: ولم ينقلوا عن مواريثهم، وإن أسلم جميعهم ثمَّ اختلفوا حكم بينهم أيضًا 457.
واختلف قوله: هل يحملهم على مواريث النصارى أو مواريث المسلمين، ففرق في الجواب في المسائل الثلاث:
فجعله بالخيار إذا كان جميعهم على الكفرة لقول الله سبحانه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
[المائدة: 42].ولم يحكم بينهم بحكمهم لإخبار الله عز
الجزء: 9 - الصفحة: 4162
وجل أنهم بذلوا ما أنزل الله سبحانه، ولأن ذلك منسوخ بشرعنا وقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما علم أنه لم يبدل.
وإذا أسلم بعضهم لم يكن له خيار، وأجراهم على حكم مواريث النصارى 458؛ لأنه لا يحسن أن يُحَكَّمَ كافر في مسلم، لما في ذلك من الإذلال له، ولأنه لا يؤمن 459 أن يميلوا أو يحيفوا عليه -لمفارقته لدينهم- إلى من هو على دينهم، فكان على حاكم المسلمين أن يكشف عن مواريثهم فيحملهم عليها، وكذلك إذا أسلم جميعهم على القول أنهم يتوارثون وراثة النصارى وأنه يحكم بينهم بذلك 460، ولا يردون إلى حكم 461 النصارى؛ لأنه إذلال لهم.
وإن اختلفوا كيف المواريث عندهم كشف عن ذلك حتى يتبين له ثم يحكم.
وقد اختلف إذا أسلم جميعهم قبل أن تقسم 462 مواريثهم على ثلاثة أقوال: فقال مالك يقتسمون 463 على قسم النصارى، وقال معنى الحديث "أَيُّمَا دَارٍ أَدرَكَهَا الإِسْلاَمُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الإِسْلاَمِ" 464 في غير أهل الكتاب 465 مثل المجوس
الجزء: 9 - الصفحة: 4163
والزنج، وأما النصارى فهم على مواريثهم، وبه أخذ ابن القاسم 466. وروى أشهب عنه: أنهم يقسمون قسم أهل 467 الإسلام إذا أسلم جميعهم، قيل له: فإن أسلم بعضهم؟ قال لا أدري 468. وقال ابن نافع في المدونة ومطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في الحديث: هو لأهل الكفر كلهم، أهل الكتاب وغيرهم 469. وقال ابن القاسم في العتبية في المجوس: إن كانوا أهل ذمة فأسلم أولادهم قبل أن يقسموا الميراث قسم على قسم الشرك، ثم قال: ألا ترى في الحديث 470: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتابِ" 471 إنما ذلك في المجوس من أهل الذمة 472. وينبغي على قول ابن القاسم أن يقول في النصراني الذي 473 لا ذمة له أنه يقسم ميراثه قسم المسلمين، وقد قال إسماعيل القاضي في 474 المرتد يموت على ردته: إنه لا يرثه من كان على دينه الذي ارتد إليه؛ لأنه لا عهد له، وإنما تركنا
الجزء: 9 - الصفحة: 4164
المعاهدين يتوارثون ولم يعرض 475 لهم لأجل العهد.
وأما كل كافر لا عهد له فماله فيء إذا قدرنا عليه، فعلى هذا إذا أسلم ورثة نصراني لا عهد له ثم قدموا علينا- قسموا على قسم الإِسلام.
الجزء: 9 - الصفحة: 4165
باب في إقرار الوارث بوارث
وقال ابن القاسم فيمن هلك وترك ابنين، فادعى أحدهما أختًا لم تحلف الأخت مع هذا الأخ ولا يحلف مع هذا الشاهد في النسب، ولكن يقسم ما في يد الأخ المقر على خمسة أسهم 476، فيكون 477 للمقر أربعة أسهم، وللأخت المقَرِّ بها 478 سهم، وإن خلف الميت ابنين فأقر أحدهما بزوجة أعطاها ثمن ما صار في يديه، وإن هلكت امرأة وتركت زوجًا وأختًا فأقر الزوج بأخ وأنكرته الأخت، فلا شيء على الزوج ولا على الأخت 479. يريد: أن الزوج له النصف في وجود الأخ وعدمه، وإنما يدفع المقِرُّ الزائد في يده قبل الإقرار إن كان في يده زائد، وإلا فلا شيء عليه ويكون نصيب من أُنْكِر عند من جحده 480، وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: نصيب 481 الذي جحد غصب على المقِرِّ والمقَرِّ له جميعًا، وليس هو على المقر 482 له وحده، فيقال ها هنا: للزوج إذا خلف الميت ستن دينارًا، نصيبك منها ثلاثون، ونصيبي عشرون، ونصيب الأخت عشرة، وفي يدها الآن بالإنكار ثلاثون فزادت 483 عشرين، وهي
الجزء: 9 - الصفحة: 4166
من نصيبي ونصيبك؛ لأنَّ مقاسمتها علي غير جائزة؛ فيقسمان الثلاثين التي في يد الزوج أخماسًا، وكذلك إذا خلف الميت ابنين فأقر أحدهما بأخت فإنَّه يعطيها عشرة، وهي ثلث الثلاثين التي في يديه؛ لأنَّ له من تركة الأب سهمين ولها سهم، فالمغصوب عليهما جميعًا.
وهذا هو كان الأصل على قول 484 ابن القاسم: أن القسمة لا تجوز على الأخ 485، وإنما جازت 486 بذلك على أصل مالك في الوارث يقر بالدين أنه ليس عليه إلا قدر نصيبه 487، وإن كان الأصل لا ميراث إلا بعد الدين؛ لأنه لو أخذ له 488 بجميع ما أقر به في نصيبه لأدى ذلك إلى ألا يقر أحد بدين، وكذلك هذا لو جعل الغصب عليهما خيف ألا يقر أحد بمثل ذلك، وإذا أخذ منه الزائد وحده لم يجحد، ومما يبين ذلك أنه لو كانت التركة ديارًا 489 أو عبيدًا وغير ذلك فاقتسما ذلك لم يكن عليه عندهما سوى الزائد إن كان لا خلاف أنه لا يصح ذلك إلا باجتماع الشركاء 490.
الجزء: 9 - الصفحة: 4167