التبصرة للخميكتاب السلم الثاني
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172)

الجزء: 7 - الصفحة: 2955

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

كتاب السلم الثاني

باب فيمن أسلم فى دنانير في طعام سلمًا فاسدًا وأخد طعامًا غير ما أسلم فيه أو مثل ما أسلم فيه وأخذ دراهم

وقال ابن القاسم فيمن أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا: أن له أن يأخذ برأس ماله تمرًا أو طعامًا غير الحنطة إذا قبض ذلك ولم يؤخره، وأن يأخذ بعض رأس ماله ويحط بعضًا، ويجوز أن يؤخره برأس ماله 1. وقال محمد: ولا خير أن يرتجع إلا ما يَصْلُح 2 أن يسلم 3 رأس ماله فيه إلى أجل إذا لم يكن من النوع الذي فسخ عنه 4.

الجزء: 7 - الصفحة: 2957

قال أشهب: وذلك فيما كان من السَّلَم 5 الحرام، فأما المكروه الذي لعله أن يجاز، فلا يصلح حتى يفسخه السلطان أو يتفاسخانه ويشهدان على ذلك 6. وقال محمد: كل 7 ما كان فيه اختلاف، لم يجز إلا بعد حكومة السلطان 8. قال الشيخ -رحمه الله-: الذي له السلم فيما يأخذه على ثلاثة أوجه: فإما أن يأخذ غير الصنف الذي أسلم فيه، أو ما أسلم فيه، أو ما لا يجوز له أن يسلم رأس ماله فيه، مثل: أن يسلم ذهبًا فيأخذ ورِقًا، أو يسلم طعامًا في عرض فيأخذ طعامًا 9 من غير جنسه.
فأجاز ابن القاسم إذا أسلم في طعام 10 أن يأخذ طعامًا غير الحنطة نقْدًا، وأن يأخذ بعض رأس ماله، وأن يؤخره بالجميع 11، ولم يفرّق بين أن يكون ذلك مجمعًا على فساده أو مختلفًا فيه، وهذا جواب من قلد مذهب نفسه، ولم يراع الخلاف.
وأما إن كان فاسدًا عنده وجائزًا عند المخالف، فإنهما يؤمران بردِّ رأس المال نقْدًا ولا يؤخرانه، ولا يأخذ طعامًا ولا غيره، مراعاة لقول من ذهب إلى

الجزء: 7 - الصفحة: 2958

أنه صحيح.
فإن لم يفعلا وأخذ طعامًا غير الصنف المُسْلَم فيه، أو أخذ عَرْضًا أو بعض رأس ماله، أو أخره 12 به، فإنه يمضي ولا يرد، ولا يصلح 13 أن يفسخه وهو عنده فاسد فينتقض مذهبه ليردهما إلى مذهب غيره.
ومنع محمد أن يأخذ النوع المسلم فيه 14، خيفة أن يكونا لم ينتقلا عن ذلك العقد الأول، وأن يكونا فعلا ذلك تتمة لما كانا عليه، وسواء في هذا القسم كان الأول مجمعًا على تحريمه أو مختلفًا فيه، وأجازه ابن حبيب.
ومنع 15 محمد أيضًا إذا كان رأس المال ذهبًا أن يأخذ ورِقًا 16، وأجازه مالك في كتاب محمد، وقال في من أعطى صاحب مائة دينار في رطب أو عنب فنفد 17 ذلك وذهب زمانه: فلا بأس أن يأخذ بما بقي من ديناره ورِقًا قبل أن يفارقه 18. وذكر ابن نافع عن مالك في الحاوي مثل ذلك، فقال في من أسلم ذهبًا في عرض: فلا بأس أن يأخذ عند محل الأجل ورِقًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 2959

قال الشيخ: أما ما كان السلم فيه صحيحًا ثم تعمد 19 إلى مثل ذلك، فيأخذ ورِقًا عن ذهب فليس بحسن، ولا بأس به في البيع الفاسد، ولا يتهم أحد على أن يعقدا على سَلَمٍ فاسد فيعثر عليهما فيه ليفسخ 20 ويرجعا فيه إلى صرف مستأخر.
وأما ما ذهب إليه في منع أخذ المثل، فإنه لا يصح أن يكونا متممين للعقد الأول إلا أن يأخذ مثل المُسْلَم فيه سواء في الجودة والكيل بعد محل الأجل.
فإن اختلفت الصفة فأخذ أجود أو أدنى أو أكثر كيلًا أو أقل جاز؛ لأن كل ذلك ليس بتتمة للعقد الأول.
ولو وجب أن يمنع 21 من مثل ذلك، لمنع من اشترى 22 سلعة شراء فاسدًا 23 أن يشتريها منه أبدًا، أو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا ففسخ أن يتزوجها بعد ذلك، وفي فسخ ذلك بيان لفساد القول بمنع ذلك 24. وأجاز مالك وابن القاسم وأشهب في كتاب محمد أن يأخذ مثل الأول سواء، فقال مالك في من سلف 25 في طعام فأقال منه ولم يأخذ الثمن أيامًا: فليرجع إلى الطعام إلا أن يقيله منه مرة أخرى 26.

الجزء: 7 - الصفحة: 2960

فأفسد الإقالة الأولى لموضع التأخير، ولم ير أن الإقالة الثانية تتمة للأولى.
وقال ابن القاسم في من أخذ مائة دينار قراضًا على أن يوصل مائة أخرى إلى بلد، لم يجز، فإن نزل كان أجيرًا في المائتين إلا أن يسوغه (1) الربح الذي دخل عليه (2). وقال أشهب في من صرف دراهم بدنانير فافترقا ثم وجد الدراهم تنقص: انتقض الصرف، ثم ليصرفها منه إن شاء، قال: فإن صرفها منه قبل أن يقبض الدنانير فلا بأس به (3).

فصل [فيمن باع دارًا واشترط على مشتريها النفقة عليه حياته]

وقال مالك في من باع دارًا على أن ينفق المشتري على البائع حياته: يرد البيع إذا كان قائمًا والغلة للمشتري، وإن كان فائتًا كانت فيه القيمة، قال: ويرجع المشتري بقيمة ما أنفق 30، يريد: أنه كان يطعمه أو يعطيه ذلك مصنوعًا، أو يكون مما لا يتحصل فيه المثل؛ لأن الإدام في الأيام يختلف، ولو كان يعطيه ثمن ذلك دراهم لرجع بمثلها.272829

الجزء: 7 - الصفحة: 2961

وكذلك إن أعطاه مكيلة، فإنه يرجع بمثلها، وسواء كان يدفع ذلك من طعامه أو يشتريه له؛ لأن البائع باع على أن نفقته في ذمة المشتري، فإن كان في النفقة سرف لم يرجع به؛ لأنَّ البائع لم يصوّن به ماله، وقد كان في مندوحة منه، ففارق بذلك من أثاب من صدقة.
وقال أشهب في من باع على أن ينفق المشتري على البائع حياته: البيع جائز 31. وهذا منافٍ للأصول، وقد يحمل قوله على مثل ما يقع من الأبوين أنه يعطي لولده الدار المثمنة 32 لينفق عليه حياته، وأن القصد بذلك مكارمة ولده، ويرى أن نفقته فيما بقي من عمره لا يبلغ إلا بعض ثمنها، وقد يفعل ذلك القريب والصديق.

الجزء: 7 - الصفحة: 2962

باب فيمن باع عبدًا بطعام موصوف أو أسلمه في طعام، وفي تأخير رأس مال السَّلَم، ومن أَسْلَم (1) بغير المكيال المعروف

وقال ابن القاسم في من اشترى دابة أو بعيرًا بطعام موصوف ولم يضرب أجلًا: أنه حرام 34. قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا قال: أشتري منك هذه الدابة أو أبيعها منك بطعام على صفة كذا، فهو جائز، وهو بخلاف قوله: أسلمها إليك، فإنه فاسد؛ لأن محمول السَّلَم على الأجل.
وإذا قال: أبيعكها ولم يقل: أسلم، كان على الأصل في البياعات أنها على النقود، فيقبض البعير ويسلم الثمن نقْدًا، إلا على قول 35 من منع أن يكون الموصوف على الحلول.
وقال مالك في من أسلم مائة دينار في مائة إردب طعامًا فنقد خمسين وأجَّلَه بخمسين: إن جميع السَّلَم فاسد 36. وقال ابن القاسم في من أسلم في طعام ولم يضرب لرأس المال أجلًا،33

الجزء: 7 - الصفحة: 2963

فافترقا قبل أن يقبض رأس المال، قال: هذا حرام إلا أن يكون على النقد (1). وقال مالك: لا بأس بذلك وإن افترقا قبل أن يقبض رأس المال إذا قبضه بعد يوم أو يومين أو نحو ذلك (2). قال الشيخ -رحمه الله-: يراعى في السَّلَم أربعة: رأس المال، والمُسْلَم فيه، والأجل، والموضع الذي يقبض فيه: فأما رأس المال فمن شرطه أن يكون معجلًا إذا كان مضمونًا، وإن كان معينًا لم يضر تأخيره.
وأما المُسْلَم فيه، فمن شرطه أن يكون مؤجلًا، واختلف إذا كان حالًا.
وأن يكون معلوم الصفة (3)، معلوم القدر، لا يتعذر الوفاء به عند محل الأجل، معلوم الأجل إذا كان مؤجلًا، معلوم الموضع الذي يقبض فيه.

فصل [في أحكام رأس مال السَّلَم المضمون]

نفوذ 40 رأس المال المُسْلَم على وجهين 41: مضمون، ومعين.
فإن كان مضمونًا أُمر أن يكون النقد حين العقد، ليخرجا من الخلاف، فإن نَقَد بعد يوم أو يومين بغير شرط لم يفسد.
واختلف إذا تأخر المدة البعيدة، أو حتى حلَّ الأجل وذلك في373839

الجزء: 7 - الصفحة: 2964

الكتاب الثالث 42. وإن تأخر المدة البعيدة أو حتى حلَّ الأجل بشرط، فإن شرط 43 فسد السَّلَم.
واختلف إن شرط التأخير المدة اليسيرة، كاليوم واليومين، أو اشترط تأخير الشيء اليسير من رأس المال المدة البعيدة، هل يصح السَّلَم، أو يفسد جميعه، أو يفسد منه بقدر ما تأخر؟.
وإن شرط تأخير ما له قدر فسد من السَّلَم بقدر ما تأخر.
ويختلف هل يصح قدرما نقد منه؟ فأجاز مالك وابن القاسم تأخير جميع رأس المال بشرط اليومين والثلاثة 44. وحكى ابن سحنون وغيره من البغداديين أن ذلك فاسد، للحديث أنه - صلى الله عليه وسلم -: "نَهَى عَنِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ" 45، فإذا افترقا على أن الذمتين عامرتان يقضى أحدهما إلى أمَدٍ قليل والآخر إلى أمَدٍ كثير كان الكالئ بالكالئ.
وأجيز في القول الآخر؛ لأن 46 التأخير اليسير في جنب 47 الكثير في معنى

الجزء: 7 - الصفحة: 2965

النقد، ولو كان أجل السَّلَم اليومين والثلاثة على القول بإجازة ذلك لم يجز أن يتأخر رأس المال 48 ذلك القدر وكان دَيْنًا بدَيْن.
وأجاز مالك في كتاب محمد في الكراء المضمون إذا نقد الثلثين وتأخر الثلث 49. فيجوز على هذا مثل ذلك في السَّلَم.
وأجاز أشهب في كتاب محمد إذا تأخر الشيء اليسير بشرط 50. وكل هذا عند ابن القاسم فاسد، ينقض جميعه 51؛ لأنه يرى أن الأتباع مراعاة في نفسها، والقياس بعد تسليم القول أن الأتباع مراعاة في نفسها ألا يبطل إلا القدر الذي تأخر، وأما إذا تأخر الشيء الكثير النصف ونحوه، فسدت جميع الصفقة، وهذا هو المعروف من المذهب.
وحكى ابن القصار قولًا آخر أنه يمضي ما تناجزا فيه.
ويجري فيها قول ثالث: أنه إن سَمَّيَا لكل قفيز ثمنًا صح ما تناجزا فيه، وإن لم يُسمِّ فسد الجميع، ذكره أبو محمد عبد الوهاب، وحكى ابن القصار قولًا آخر 52 في الصرف إذا سَمَّيَا لكل دينار ثمنًا صح ما تناجزا فيه، وقد تقدم ذلك في كتاب الصرف 53.

الجزء: 7 - الصفحة: 2966

وأرى أن يفسد ما لم ينقده وحده؛ لأنا نعلم إنما هذه صفقة لم ينعقد أحدهما بسبب الآخر.

فصل [في أحكام رأس مال السلم المعين]

ويجوز تأخير رأس المال السَّلَم 54 إذا كان معينًا، ولا يدخله الدَّيْن بالدَّيْن.
وقال ابن القاسم في كتاب بيع الغرر: إنما الدَّيْن بالدَّيْن في المضمونين، قال: وإن كان أحدهما بعينه في موضع غائب لا يصلح النقد فيه، والآخر مضمونًا إلى أجل - جاز، ولا يصلح النقد فيه بشرط حتى يقبض الغائب 55. يريد إذا حل السَّلَم أو الدَّيْن إذا كان عينًا 56 قبل قبض السلعة الغائبة أخرج من الذمة ووقف حتى يقبض الغائب إلا أن يتطوع بتعجيله، ولا يجوز بشرط قبض السَّلَم متى حلَّ قبل قبض الغائب.
وقال مالك في من أسلم عبْدًا بعينه فتأخر قبضه شهرًا بغير شرط: لا بأس به، وكره ذلك إذا كان ثوبًا أو طعامًا بعينه، فتأخر بغير شرط، قال ابن القاسم: ولا يفسخ لذلك السَّلَم 57. فأجيز في العبد؛ لأنه مما لا يغاب عليه، والقول قوله في ضياعه، وكرهه في الثوب والطعام؛ لأنه مما يغاب عليه.
ولو ادعى ضياعه بعد ذلك لم يصدق، وهو في الطعام أثقل؛ لأنه لا يعرف

الجزء: 7 - الصفحة: 2967

عينه بعد الغيبة عليه، ولم يؤدِّ (1) ذلك إلى فساد؛ لأنه لو خالفه فيه المشتري بعد الفراق، فقال: ليس هو الذي اشتريت منك - كان القول قول البائع أنه هو، وإنما كره الثوب والطعام خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون معينًا يُقْبَض إلى أجل، وليس خوف الدَّيْن بالدَّيْن؛ لأنهما معينان، وهذا على القول أن المصيبة مع قيام البينة من المشتري، فيفترق الجواب بين العبد وغيره.
وأما على القول إن المصيبة من الباع، فيكره في العبد، كما يكره في الثوب، ومحمل كلام مالك على أن بقاء ذلك كان للإشهاد أو ما أشبه.
ولو مكن البائعُ المشتري من العبد والثوب والطعام بعد كيله، لم تكن في ذلك كراهية؛ لأنه وديعة، فإذا كان الطعام محبوسًا قبل كيله فتغير طعم الزيت، أو تسوس القمح، كان للمشتري أن يَرُدَّ إلا أن يكون التراخي عن قبضه بتعمد من المشتري، فلا يكون له رد؛ لأنه سبب ذلك.

فصل [في السَّلَم في الطعام بمكيال غير معروف]

وقال مالك في من أسلم في طعام بمكيال غير معروف أو بقصعة، أو بقدح: لم يجز ذلك 59، قال: وإنما يجوز ذلك لمن يشتري من الأعراب حيث ليس ثَمَّ مكيال معروف، مثل: التبن والخَبَط 60. يريد: إنما يباع الطعام من الأعراب بالقصعة، لعدم المكيال، مثل: العادة58

الجزء: 7 - الصفحة: 2968

في التبن والخَبَط في الحاضرة.
وقال أشهب: يكره، فإن نزل مضى ولم يفسخ (1). فعلى قوله إن عقد سَلَمًا على مثل ذلك المكيال (2) أخذ ذلك المكيال فكيل بالمكيال المعروف وكتب في وثيقة الدَّيْن المكيال المعروف، لئلا تضيع تلك القصعة، فلا يعرفان إلى ما يرجعان إليه.
وقول مالك أحسن؛ لأنَّ عدولهم في الحاضرة عن المكيال المعروف قصْد للغرر، وجاز ذلك في البادية للضرورة، وهذا في الطارئ عليهم، وأما فيما بينهم فهو الكيال المعروف بينهم، ولو كان مع الطارئ مكيال من الحاضرة، لم يجز أن يبايعوه به؛ لأنهم لا يعلمون قدره من المكيال المعتاد عندهم إلا أن يُعَيِّروه بالذي عندهم، فيعلمون قدره، وكذلك البادي يقدم الحاضرة، فيجوز أن يبيع بمكيال الحاضرة، وإن كان لا يعلم قدره من مكيالهم، ولو قدم بمكيال، لم يجز للحضري أن يبيعه به؛ لأنَّ الحضري لا يدري قدره من مكياله، ولا ضرورة بالحضري إلى ذلك.

فصل [في شروط المسلم فيه واختلاف المسلم والمسلم إليه في قدر السّلم]

فأما المُسْلَمُ فيه، فمن شرطه أربعة: أن يكون مضمونًا غير معين، معلوم الصفة، معلوم القدر، لا يتعذر وجوده عند حلول الأجل.
ولا يجوز أن يكون معينًا إلى أجل 63؛ لأنه يزيد في الثمن لمكان الضمان، إلا6162

الجزء: 7 - الصفحة: 2969

أن يكون المعين ثمرة تؤخر لتنضج، أو صوفًا ليتغسل، أو غائبًا مضمونًا.
وقد تقدم في الكتاب الأول ذكر الصفة في الطعام والثياب، وهل يُسْلِمُ في ثياب الحرير بوزن 64. وقال: لا يجوز سَلَمُ الدنانير والدراهم جزافًا، إذا 65 كانت العادة بيعها عددًا 66، فإن نزل فسخ، وإن اختلفا بعد الفسخ في المقبوض، فقال القابض: وجدت فيه مائة، وقال الدافع 67: كان مائتين أو قدر ذلك ولم أزنه، كان القول قول المُسْلَمِ إليه إذا أتى بما يشبه، وإلا كان القول قول المُسْلِم 68 إذا أتى بما يشبه، فإن أتيا جميعًا بما لا يشبه رُدَّ إلى الوسط مما يشبه.
وإن اختلفا في الكيل والثمن، فقال: أسلمت إليَّ في عشرة، ووجدت في الثمن مائة، وقال الآخر: في عشرين وكان الثمن أربعمائة، كان القول قول المُسْلَم إليه أنه كان في عشرة، ثم ينظر، هل أتى فيها بما يشبه؟ فإن أتى فيها بما يشبه حلف يمينًا واحدة أن السَّلَم لم يكن إلا مائة في عشرة، وإن نكل حلف الآخر أنه كان أربع مائة في عشرين وأخذ ما حلف عليه، وإن أتى المُسْلَم إليه بما لا يشبه كان بالخيار، فإن أحب حلف أنه لم يكن السَّلَم إلا في عشرة، ولا يذكر الثمن، 69، وحلف الآخر أن الثمن كان في العشرة مائتين، وقبض مائتين، فإذا نكل، حلف المُسْلَم إليه يمينًا ثانية أن الثمن كان مائة وغرمها.

الجزء: 7 - الصفحة: 2970

وإن أحب حلف أنه لم يسلم إليه إلا مائة في عشرة، فإن نكل بعد ذلك المُسْلَم إليه عن المائتين غرم هذا مائة باليمين التي تقدمت، وكذلك لو بدأ باليمين المسلم، كان بالخيار بين أن يحلف أنه أسلم مائتين في عشرة، فإن نكل حلف الآخر أنه لم يسلم إلا مائة في عشرة، وإن أحبَّ المسلم أن يحلف أنه أَسْلَم أربعمائة في عشرين وأخذ مائتين، وحلف المُسْلَم إليه أنه لم يُسْلِم إليه إلا في عشرة ولا يذكر ثمنها؛ لأن ذلك لا يفيده شيئًا، فإن نكل غرم أربعمائة.
وإن اختلفا في من يبدأ باليمين اقترعا؛ لأن كل واحد منهما يحب أن يؤخر يمينه لينظر هل ينكل صاحبه، فيحلف يمينًا واحدة على الفصلين.

فصل [في مكان القبض في المُسْلَم فيه]

ومن أسْلَمَ في طعام أو غيره ولم يسميا موضع القبض، قُبِضَ في البلد الذي وقع فيه السَّلَم.
قال ابن القاسم: يقبض في سوقه، وإن لم تكن له 70 سوق فحيث ما أعطاه لزم 71. وقال سحنون: إن لم تكن له 72 سوق وفَّاه ذلك بداره 73. وهذا يحسن اليوم إذا كانا حضريين، وإن أسلم حضري إلى بدوي كان القضاء في قرية المسلم إليه هذه العادة اليوم، إلا أن يشترط المُسْلِمُ أنه موصل،

الجزء: 7 - الصفحة: 2971

فإنه يوصله إلى دار المُسْلِم، وهذا إذا اتفقا أنه لم يكن بينهما شرط.
واختلف، إذا اختلفا في الموضع الذي شرط القبض فيه: فقال ابن القاسم: القول قول من ادَّعى القضاء في موضع عقد فيه السَّلَم، وإن لم يدعه واحد منهما كان القول قول المُسْلَم إليه إذا أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان القول قول المُسْلِم إن أتى بما يشبه، فإن تباعدت المواضع ولم يأتيا بما يشبه تحالفا وتفاسخا 74. وخالف سحنون في القول 75 الأول، وقال: القول قول المُسْلَم إليه وإن ادَّعى الآخر أنه شرط القبض حيث وقع السَّلَم.
وخالف أبو الفرج في الوجه الآخر وقال: إن لم يدع واحد منهما موضع دفع الدراهم تحالفا وتفاسخا.
وأرى إن كانا من بلد واحد أن القول قول من ادَّعى موضعًا انعقد فيه السَّلَم، وإن كان حضريًّا وبدويًّا كان القول قول البدوي إذا ادَّعى شرط القضاء بقريته؛ لأنَّ الاختلاف في ذلك إنما هو لمكان ما يتكلف من الكراء في نقله، فكان القول قول الغارم، وإن لم يدع أحد موضع السَّلَم، وكان المعنى في اختلافهما في القريتين لمكان ما يتكلف من الأجرة على نقله من القرب والبعد، كان القول قول البائع، وإن اختلفا في ناحيتين، ليس الشأن أن ينقل أحد 76 منهما إلى المدينة تحالفا وتفاسخا.

الجزء: 7 - الصفحة: 2972

فصل [في تسليم المُسْلَم فيه في غير البلد المتفق عليه]

وإن لقي المُسْلِم المُسْلَم إليه في غير البلد، فأراد أن يأخذ مثل طعامه وكراء حمله، لم يجز، ويدخله التفاضل والنساء، وبيع الطعام قبل قبضه، فإن فعلا رَدَّ ما قبض، وقبض سلمه في بلده.
قال محمد: ولو لم يزده شيئًا إلا أنه سأله أن يقبضه طعامه بغير البلد على (1) أن يقدمه أو يؤخره عن وقته، لم يكن فيه (2) خير (3). وقال سحنون (4):.
. . (5) ولأشهب عند محمد: ما يؤخذ منه إذا كان سعر البلدين سواء، أو هو في البلد الذي لقيه فيه أرخص يجبر المُسْلَم إليه على القضاء في البلد الذي لقيه فيه (6).

فصل [في قول البائع أو المسلم إليه: إنه اكتال طعاما بعينه هل يصدقه المشتري أو المسلم]

وقال مالك في من اشترى أقفزة من طعام بعينه ثم أخبره البائع أنه اكتالها،777879808182

الجزء: 7 - الصفحة: 2973

أو أسلمها في طعام، فأراد أن يقبض ذلك على تصديق البائع أو المُسْلَم إليه: فلا بأس به (1). ومنع في كتاب محمد أن يأخذ من غريمه طعامًا على تصديق الغريم، وكذلك إن حضر كيله، فلا يأخذه على تصديقه بكيله ذلك (2). ولا أرى اليوم أن يقبض أحد طعامًا على تصديق البائع لفساد الناس وقلة أمانتهم، ولأن ذلك يؤدي إلى التنازع والأيمان، وهو في السَّلَم أبين؛ لأنَّ الغالب أنه لا يوفي الكيل، وقد أمر الله سبحانه في المداينة إلى أجل بالإشهاد لدفع التنازع والأيمان، إلا أن يكون الدافع من أهل الدِّين والفضل، أو يكون حضر كيله ولم يغب عنه.
وكره مالك أن يشتري الرجل الطعام بثمن إلى أجل على تصديق البائع أو يستقرضه للغرر (3)؛ لأنَّ المشتري إذا لم يكن معه ثمن فاطلع على نقص يغتفره ولا يقوم به، ويخشى إن قام به أن يسترده منه وهو محتاج إليه، أو يؤدي ذلك إلى المفاسدة بالخصومة فيسيء اقتضاءه، ويدخل القرض مثل ذلك.

فصل [فيمن اشترى طعامًا أو أسلم على التصديق فوجده ناقصًا]

وإذا قبض السَّلَم 86، أو ما يبيع بعينه على النقد على تصديق الدافع 87، ثم838485

الجزء: 7 - الصفحة: 2974

قال: وجدته ناقصًا، لم يقبل قوله، وحلف الدافع وبرئ، فإن نكل عن اليمين حلف القابض ورجع ببقية كيله إن كان سَلَمًا، أو بعض صُبْرَة 88. وإن كان المبيع جميع الصبرة رجع بالباقي ثمنًا إلا أن تشهد بينة حضرت كيل البائع له، وأنه كان على ما قاله المشتري، أو كانت معه حتى كاله فلا يحلف.
وإن قدم عليه طعام 89 من بلد فباعه على ما كتب إليه فيه، ثم قال القابض: وجدته دون ذلك، فإن كان بيَّن له ذلك حلف أنه صدق فيما كتب إليه فيه وأنه لم يمسك منه شيئًا وبرئ، فإن نكل حلف الآخر على ما يقول أنه أصاب فيه ورجع بالباقي ثمنًا، وإن لم يبين كان القول قول القابض؛ لأنه لم يرض أمانة الباعث.
وقال في من له طعام على رجل، فقال له بعد محل الأجل: كله في غرائري 90 وأتركه عندك: لا يعجبني 91. وقال ابن القاسم: فإن كاله ببينة أو صدقه على كيله صُدق في ضياعه، وإلا لم يقبل قوله، فلم تبرأ ذمة المسلم إليه بقوله: إنه كاله؛ لأن الأمانة لا تصح فيه إلا بعد ثبات خروجه من ذمته 92. وقال ابن القاسم في العتبية في من كان له على رجل دَيْنٌ فأمره أن يشتري

الجزء: 7 - الصفحة: 2975

له به سلعة، فقال: اشتريتها وضاعت - أن القول قوله 93. وفرق بين السؤالين أن هذا أمين على الشراء، والأمانة على الشراء تصح قبل إخراج ما في الذمة، فكان القول قوله: أنه اشترى، وإذا اشترى صُدِّق على إخراج ما في الذمة، ولم يحمل عليه أنه ظلم البائع وهرب له بالثمن، ومسألة السَّلَم إنما تصح الأمانة بعد إخراج ما في الذمة.
وقال مالك: ولا تطلب غريمك أن يكتال 94 طعامك ويبيعه لك، فإن فعل وأشهد على كيله وعزله، فجائز، وإن كان أمره ببيعه؛ فلا أحبه، فإن نزل لم أفسخه 95. وقال أشهب: وإن قال: وَكِّلْ فلانًا على قبضة منك، فإذا قبضه فبعه أنت، فهذا أخفه وتركه أحب إليَّ، فإن قال: وكلت أنا فلانًا فأعلمه، فإذا قبضه فأمره ببيعه أو بعه أنت، فذلك جائز، وإن لم يكن على ذلك إشهاد، قال محمد: يريد في القبض والبيع، والإشهاد أحب إلينا 96. وكل هذا ماض إذا أشهد على إخراجه من الذمة، وإن لم يشهد وكان هو المتولي للبيع وأتى بأكثر من الثمن، لم يجز.
واختلف إذا أتى بمثل رأس المال فأقل: فمنعه ابن القاسم، واتهمهما على بيع الطعام قبل قبضه.
وأجازه أشهب 97.

الجزء: 7 - الصفحة: 2976

باب في الاختلاف في السَّلَم وغيره من بيوع الآجال والنقد

الاختلاف في السَّلَم على ثمانية أوجه: في الكيل، وفي الجودة، وفي الصنفين هل هو قمح أو شعير، وفي الجنسين، هل هو قمح أو تمر، وفي المكيلة التي يقبض بها، وفي الأجل 98، وفي الموضع الذي يقبض فيه، وفي الصحة والفساد، وفي الثمن، يقول: أسلمت هذا الثوب إليك 99، ويقول الآخر: هذا الثوب والعبد.
فقال مالك: إذا اختلفا في الكيل 100، فقال: أسلمت إليك في عشرة، وقال 101 الآخر: في خمسة، كان القول قول المُسْلَم إليه أنه في خمسة، فإن أتى بما لا يشبه، كان القول قول المُسْلَم أنه في عشرة ويأخذها 102؛ لأنهما اتفقا أنها صفة 103 واحدة في الذمة.
بخلاف اللذين اختلفا في الكراء، فقال المكري: إلى برقة، وأتى بما لا يشبه، وقال الآخر: إلى إفريقية، وأتى بما يشبه، وبلغا برقة أنهما يتحالفان ويتفاسخان فيما لم يقر ببيعه 104؛ لأن اختلافهما في العبد في 105 سلعة معينة، فأشبه

الجزء: 7 - الصفحة: 2977

من قال: بعتك خمسة أقفزة، وأتى بما لا يشبه، وقال الآخر: خمسة وهذا العبد، وأتى بما يشبه أن يكون كثرة ذلك الثمن يكون لهما جميعًا، فلا يُقْبل قول المشتري على البائع في العبد أنه باعه منه.
وإن اختلفا في الكيل بعد الطول أو حلول الأجل كان القول قول المُسْلَم إليه.
واختلف إذا كلان اختلافهما في القرب: فقيل: القول قول المُسْلَم إليه بنفس قبض الدنانير.
وقال 106 غير ابن القاسم في كتاب الرواحل: إن قال: بعتك بهذه المائة التي قبضت منك مائة إردب إلى سنة، كان القول قوله 107. يريد؛ لأنه بالقبض مؤتمن على العِوَض، وقيل: حتى يبين بها.
وقيل: حتى يطول الأمر، فإن لم يطل تحالفا وتفاسخا 108. وقيل: وإن طال الأمر تحالفا وتفاسخا، ويرجع إلى الوسط من سلم الناس 109. وأرى أن يتحالفا ويتفاسخا إذا لم يطل، فإن طال كان من حق دافعها أن لا ترد إليه؛ لأن القصد من المُسْلَم إليه تعجيل الانتفاع بها 110، ولهذا يسلم في الشيء أقل مما يباع به بالنقد، والانتفاع بها من يوم قبضها إلى يوم اختلفا، كشيء قبضه ليدفع عنه عوضًا، فلم يكن له أن يقبض تلك المنفعة،

الجزء: 7 - الصفحة: 2978

ثم يرد إلا من غير شيء.
وكذلك القرض إلى أجل إنما يهب المنافع إلى تلك المدة، فإن قام المسلم بحقه في الانتفاع بماله لم يمكن الآخر من التحالف وردَّه، وإن قال المُسْلِم: أنا أسقط حقي في الانتفاع بها ونتحالف ونتفاسخ، كان ذلك له.
وقد اختلف في هذا الأصل، فقال في من اشترى سلعة ثم وجد بها عيبًا بعد أن حدث عنده بها عيب، فقال البائع: أنا أسقط مقالتي في العيب، فإن شئت قبلت ولا شيء لك، أو رددت ولا شيء عليك -: كان ذلك له 111. قال عيسى: ليس ذلك له، وكذلك السَّلَم.
وإن كان رأس مال السَّلَم مكيلًا أو موزونًا، فإن لم يطل، ولم يفت ولم تتغير سوقه، تحالفا وتفاسخا، وإن استهلكه المشتري وانتفع به وطال، كان القول قول المُسْلَم إليه إلا أن يسقط المُسْلِم مقالته فيه، وإن تغير سوقه، كان فوتًا وكان القول قول المُسْلَم إليه.
وإن أسلم ثوبًا في طعام ثم اختلفا في الكيل، فإن لم يفت الثوب ولا تغير سوقه تحالفا وتفاسخا، سواء طال ذلك أو حلَّ الأجل أو لم يحل؛ لأنه لم ينتفع به، ولو انتفع به لتغير في نفسه.
وإن تغير أو حال سوقه، كان القول قول المُسْلَم إليه إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه كان القول قول المُسْلِم، وإن أتى بما لا يشبه رُدَّ إلى الوسط مما يشبه أن يسلم فيه.
وكذلك من باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اختلفا فيه 112، وأتيا بما لا يشبه رُدَّ

الجزء: 7 - الصفحة: 2979

إلى ما يشبه - أن يباع به إلى ذلك الأجل؛ لأنه بيع صحيح، بخلاف الفاسد؛ لأنَّ الفاسد يسقط من الذمة ما تراضيا عليه، ويرجع إلى القيمة نقْدًا.
وإذا كان السَّلَم صحيحًا فالذمة عامرة بمكيلة تقبض إلى أجل اختلفا في قدرها، فيردا (1) إلى ما يشبه أن يكون اشتغلت به تلك الذمة.

فصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم في الجودة]

واختلافهما في الجودة، كاختلافهما في الكيل.
واختلف إذا قال: هذا قمح، وقال الآخر: شعير، قال مالك: يتحالفان ويتفاسخان 114. وقال عبد الملك في كتاب أبي الفرج: لا يتحالفان؛ لأنهما اتفقا في الجنس، وجعلهما كاللذين اختلفا في الجَوْدة، والأول أبين.
فإن استوى الكيل تحالفا وتفاسخا.
وإن اختلفا، فقال أحدهما 115: أسلمت إليك في عشرة أرادب 116 قمْحًا، وقال الآخر: في عشرين من شعير 117، واستوى الثمن - بيع الشعير واشتري به قمح، ولم أحلفهما؛ لأن أحدهما كاذب آثم، فلا أدخله في الإثم مع القدرة على السلامة من ذلك.113

الجزء: 7 - الصفحة: 2980

وإن كان ثمن الشعير أقل تحَالفَا، فإن حلف المُسْلَم إليه ونكل الآخر سلم 118 الشعير واشتُري به قمح، وكان العاجز خسارة على المُسْلِم؛ لأنه لا يجوز على إقراره أن يأخذ عشرين شعيرًا عن عشرة قمْحًا، وكذلك إن نكل المُسْلَم إليه وحلف المُسْلِم، بيع الشعير واشترى بثمنه قمح، فما عجز أتمه المُسْلَم إليه؛ لأنه لا يجوز له أن يمسك على قوله عشرين شعيرًا ويدفع عشرة قمْحًا، وإن نكلا رُدَّ رأس المال ولم يشْتر به شيء 119. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إذا نكلا كان القول قول البائع، وهو كمطلوب ردَّ اليمين، فنكل الطالب 120. وهذا يصح 121 على قول أبي الفرج؛ لأنه يقول: يبدأ البائع باليمين ويُسْلِمُ الشعير.
وأما على القول الآخر، فإنما يبدأ باليمين ليسقط دعوى المسلِم في القمح، ويحلف الآخر لئلا يؤخذ بقبض الشعير، فإن نكلا كان كل واحد على ما بديء به لو حلف.
وإن 122 قال: أسلمت إليك في قمح، وقال الآخر: في تمر، تحالفا وتفاسخا، وإن طال أو حلَّ الأجل، واستحسن إذا كان يوفي التمر بثمن القمح أن يُقبض ويباع ويُشترى به قمح ولا يحلفا.

الجزء: 7 - الصفحة: 2981

وإن قال: أسلمت إليك في فرس على صفة كيت (1)، وقال الآخر: دونها، كان كالاختلاف في الكيل إذا اتفقا على الصفة.
وإن قال أحدهما: ذكر، وقال (2) الآخر: أنثى، تحالفا وتفاسخا؛ لأن كل واحد منهما يراد لما لا يراد له الآخر.
ولو اختلفا في بغل، فقال أحدهما: ذكر، وقال الآخر: أنثى، كان القول قول المسلم إليه؛ لأن الأنثى لا يراد منها نسل، وإنما يرجع الاختلاف إلى جيد ودنيء.
وقد تقدم (3) القول إذا اختلفا في موضع القبض.
وقال (4) ابن حبيب: إذا اختلفا في الكيل، وقال المسلم (5): أسلفتك على قفيز بلدي، وقال المسلم إليه: بل على قفيز بلدي، ولا بينة لهما كان القول قول البائع مع يمينه، وإن تقارّا أنهما لم يسميا قفيز بلد، فهو على قفيز البلد الذي أسلفت فيه الدراهم (6). وأرى أن يكون القول قولَ من ادَّعى مكيال البلد الذي يقبض فيه السَّلَم.

فصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم إليه في الأجل والصحة والفساد في السَّلَم]

وإذا اتفقا في الأجل أنه سَنَة، واختلفا في حلوله، كان القول قول المُسْلَم إليه،123124125126127128

الجزء: 7 - الصفحة: 2982

لأن الأصل براءة الذمة، فكان القول قوله أنه لم يعقد السَّلَم إلا من وقت كذا.
وإن اتفقا في مبتدئه أنه كان من ستة أشهر، واختلفا في قدره، فقال المُسْلَم إليه: سَنَة، وقال المسلم: ستة أشهر، وقد حلَّ الأجل فاقضِ لي 129، كان القول قول المُسْلَم إليه؛ لأنه غارم إلا أن يأتي بما لا يشبه أن يسلم ذلك الثمن في مثل 130 تلك السلعة بمثل ذلك الثمن إلى سنة، ويشبه أن يكون إلى ستة أشهر فيكون القول قول المسلِم وإن أتيا بما لا يشبه رُدَّا إلى الوسط مما يشبه في ذلك الأجل.
وإن كان أسلم في زيت وكان الوقت الذي اختلفا فيه وقت العصر، أو في حنطة وكان ذلك وقت الدراس، كان القول قول المُسْلِم ولا يصدق المُسْلَم إليه؛ لأنه أتى بما لا يشبه، والعادة في مثل ذلك القبض في وقت العصر والدراس.
وإن اختلفا 131 في الصحة والفساد: فقال أحدهما: ضربنا أجلًا للسَّلَم، وقال الآخر: لم نضربه، كان القول قولَ مدعي الصحة مع يمينه 132. وإن قال المُسْلِم: شرطت تعجيل الثمن، وقال الآخر: شرطنا تأخيره، كان القولُ قولَ المُسْلِم؛ لأنه ادعى الصحة وأقر بأكثر، وإن قال المُسْلِم: شرطت تأخير النقد إلى أجل، وقال الآخر: حالًّا، كان اختلافهما 133 اختلافًا في الثمن، فيختلف هل يحلف مدعي الصحة، ويثبت البيع أو مدعي الفساد ويفسخ،

الجزء: 7 - الصفحة: 2983

وهما بمنزلة الاختلاف في الثمن مع قيام المبيع فأتى (1) أحدهما بما يشبه دون الآخر؛ لأن مدعي الفساد ادَّعى بما لا يشبه.
وأرى أن يكون القولُ قولَ مدعي الفساد إذا تضمن ذلك اختلافًا في الثمن؛ لأن الذي يدعي اليوم عن الفساد في المبيع قليل إلا أن يكون المُسْلَم إليه من أهل الدِّين والفضل، فيكون القول قوله.
وإن فاتت السلعة لم يقبل قول البائع في الفساد إن كانت القيمة أكثر، ولا قول المشتري إن كانت القيمة أقل.
وإن اختلفا في الثمن بعد الفسخ كان القول قول المُسْلَم إليه ما لم يأت بما لا يشبه، وإن أقال من سلم صحيح، ثم اختلفا في الثمن تحالفا وفسخت الإقالة، ويبقى السَّلَم على حاله، وعلى القول: إن القول قول المشتري إذا قبض السلعة يكون القول قول المُسْلَم إليه وحده وتمضي الإقالة.

فصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم إليه في مقدار المُسْلَم فيه]

وإن قال: أسلمت إليك هذا الثوب في عشرة أقفزة، وقال الآخر: بل هذين بغير الأول في عشرة تحالفا وتفاسخا، والمُسْلِم مُبَدَّى باليمين في الثوبين أنه لم يسلمهما.
والمُسْلَم إليه مُبدَّى باليمين في الثوب المنفرد أنه لم يشتره، وكل واحد منهما بالخيار بين أن يحلف على سقوط دعوى صاحبه فقط، فيحلف المُسْلِم ما134

الجزء: 7 - الصفحة: 2984

أسلمت إليك هذين الثوبين، ويحلف الآخر: ما أسْلَم إليه ذلك الثوب ولا يزيدان على ذلك وقد انفسخ ما بينهما، وبين أن يثبت دعواه على صاحبه فيحلف ما أسلمت إليك إلا هذا الثوب المنفرد، فإن نكل الآخر استحق الحالف قبله ما حلف عليه وسلم الثوب وحده.
وإن ابتدئ بيمين المُسْلَم إليه فأحب أن يحلف أنه لم يسلم إليه ذلك الثوب، ولقد أسلم إليه الثوبين أو ما أسلم إليه إلا الثوبين، فإن حلف على ذلك ونكل المُسْلِم استحق الثوبين في ماله وبقي المنفرد لصاحبه.
واختلف إذا أقام كل واحد منهما بينة على دعواه وكانا قد اختلفا في مجلس واحد، فقيل: يقضى بالبينتين وتكون الأثواب الثلاثة سلما في عشرين؛ لأن كل واحدة أثبتت حكما، وقيل: يقضى بأعدلهما 135؛ لأنه تكاذب، وإن كانت الشهادتان عن مجلسين 136 قضى بهما في عشرين 137 قولًا واحدًا.
وإن قال: أسلمت إليك هذا العبد في عشرة أقفزة، وقال الآخر: وهذا الثوب معه، وأقام كل واحد منهما بينة، فهل يقضى بالشهادة بالعبد والثوب؛ لأنها زادت، أو بأعدلهما؛ لأنه تكاذب؟.
وسواء ها هنا كانت الشهادة عن مجلس أو مجلسين؛ لأن المُسْلِم والمُسْلَم إليه اتفقا على أنه تكاذب، وأن العبد لم يعقد عليه السَّلَم 138 إلا مرة واحدة، فهذا يقول عقدنا فيه السَّلَم أمس وصار مِلْكًا للمُسْلَم إليه، ثم لم يكن عقد

الجزء: 7 - الصفحة: 2985

غيره، والآخر يقول: كذبت بينتك لم يعقد فيه إلا اليوم، فالتكاذب يقوم من قول من قام بهما.
وكذلك إن قالت بينته: قال كذا، وقالت الأخرى: لم يقله بل كان ساكتًا، فهو تكاذب، بخلاف أن يقول: يمكن أن يكون قال ذلك ولم أسمعه.

فصل [في اختلاف المتبايعين في الثمن قبل قبض المبيع]

وإذا اختلف المتبايعان في الثمن قبل قبض المبيع؛ تحالفا وتفاسخا.
واختلف في ستة مواضع: أحدها: من يبدأ باليمين؟ والثماني: هل ينفسخ البيع بنفس أيمانهما، أو حتى يتفاسخا، أو حتى يحكم بالفسخ؟ والثالث: إذا نكلا هل ذلك كأيمانهما؟ والرابع: هل يحلف كل واحد منهما على إثبات دعواه أو على نفي دعوى صاحبه؟ والخامس: إذا أتى أحدهما بما لا يشبه هل يكون القول قول الآخر، أو الحُكْم التحالف؟ والسادس: إذا تغير سوقها، أو تغيرت في نفسها، هل ذلك فوت يوجب قَبُول قول المشتري، أو ليس بفوت فيتحالفان ويتفاسخان؟ فقال مالك: يبدأ البائع باليمين 139. وقال في العتبية: يبدأ المشتري 140. فوجه الأول 141: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا اخْتَلَفَ المتبايِعَانِ فَالقَوْلُ مَا قَالَ

الجزء: 7 - الصفحة: 2986

البَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ" 142. ولأنه في سلعته أقوى سببًا، ولأنه المبدأ إذا أنكر البيع، وكذلك إذا أنكر أن يكون باع إلا بكذا.
ووجه القول الآخر: أن البيع نقل الملك والاختلاف الآن في الثمن لا في المبيع، فكان المبدأ الغارم وهو المشتري، فإذا حلف أنه لا يستحق قبله الثمن الذي ادعاه عاد المقال إلى البائع، فقال: لا تأخذ مني سلعتي بما لم أقر به.
واستحسن أن يقترعا على أيهما يبدى؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فالبائع مبدى في ملكه وهي السلعة، والمشتري مبدى في ملكه وهو الثمن، وكل واحد يحب أن يؤخر يمينه لموضع ينتفع بها.
وإن كان الباقي منهما المشتري، حلف واستحق المبيع بخمسين، وإن كان البائع حلف واستحق مائة، وإنما يكره أن يحلف عند يمين الأول؛ لأن اليمين لا يفيده حينئذ إلا الفسخ.
وإذا تحالفا لم يفسخ البيع بنفس التحالف، وهذا قول ابن القاسم 143، فإن رضى البائع بعد أيمانهما أن يمضي البيع بخمسين لزم المشتري، وإن رضي المشتري أن يقبلها بمائة لزم البائع.
وقال سحنون: بتمام التحالف ينفسخ البيع كاللعان 144.

الجزء: 7 - الصفحة: 2987

وقال محمد بن عبد الحكم: لا ينفسخ بنفس التحالف، وكل واحد منهما بالخيار، فإن لم يرضيا فسخاه بغير حكم 145. وهو أحسن؛ لأن قصد 146 كل واحد منهما 147 بيمينه إثبات دعواه، وألا يؤخذ منه ما لم يقر به إلا أن يكونا عقدا أن تلك الأيمان فسخ، فيكون على ما تراضيا عليه.
وقد تقدم الاختلاف إذا تناكلا هل يفسخ البيع أو يكون القول قول من يبدأ باليمين؟ والأول أصوب؛ لأنَّ كل يمين بدي بها أحد فنكل عنها ثم ردت اليمين فنكل عنه من ردت عليه، فإن الحكم يعود إلى ما كان يجب لو حلف المبدى.
فالحكم إذا بدي البائع فيحلف أنه لم يبع إلا بمائة أن تبقى السلعة بيده ليس يستحق المائة، فكذلك إذا نكل المشتري بعد نكوله تبقى سلعته له حسبما كان لو حلف، ولو كانت التبدية ليستحق المائة لم يحلف المشتري بعد يمينه، وكذلك لو بدي المشتري ثم نكلا لم يكن له أن يأخذ السلعة بخمسين؛ لأنه لم يبدَّ ليأخذها بذلك، وإنما بدي، لئلا يأخذ من ماله ما ادعاه الآخر.
واختلف هل يحلف كل واحد منهما على إثبات دعواه، أو على تكذيب دعوى صاحبه؟ وأرى أن كل واحد منهما بالخيار، فإن أحب البائع حلف أنه لم يبع إلا بمائة احتياطًا، فإن نكل المشتري استحق المائة بتلك اليمين، وإن أحب حلف

الجزء: 7 - الصفحة: 2988

أنه لم يبع بخمسين، فإن نكل المشتري بعد ذلك، حلف البائع يمينًا أخرى أنه باع بمائة 148 واستحقها؛ لأن يمينه ما باع بخمسين، لا تفيد أكثر من أنه لا تؤخذ منه سلعته بها.
وإن بدي المشتري كان بالخيار بين أن يحلف أنه اشترى بخمسين، فإن نكل البائع، غرم خمسين، أو يحلف أنه أن لم يشتر بمائة؛ لأنه يقول: يميني الآن أني اشتريت بخمسين لا تفيد أكثر من أن لا ألزم بالمائة، فإن نكل بعد ذلك البائع لم يستحقها إلا بيمين ثانية.
واختلف إذا أتى أحدهما بما لا يشبه: فقال ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان 149. وقال عبد الملك: القول قول من أتى بما يشبه، فإن كان البائع حلف وأخذ مائة، وإن كان المشتري حلف ودفع خمسين 150، واختلف فيها قول 151 مالك حسبما تقدم 152. وأرى أن يكون القول قول من أتى بما يشبه؛ لأنه دليل كشاهد يحلف معه.
وهذا إذا أتى الآخر بما لا يشبه في الغالب إلا أنه مما يمكن أن يباع به، فأما إن قال: بعتني بعشرة ما ثمنه مائة، أو يقول الآخر: اشتريت بمائة ما ثمنه عشرة، وهما من أهل البصر بتلك السلعة، فإن القول قول من أتى بما يشبه؛

الجزء: 7 - الصفحة: 2989

لأن قول الآخر في معنى المستحيل، وهو بمنزلة من أقر بالبيع أو بالشراء وكتم الثمن، فإن القول قول من ادَّعى معرفته.
واختلف هل تكون مع ذلك يمين؟ ويختلف إذا تغيرت سوق السلعة، أو تغيرت في نفسها، وهي محبوسة بالثمن، فعلى القول أن المصيبة من البائع، يكون التحالف إذا تغيرت سوقها، وإن حدث بها 153 عيب رُدَّ به من غير يمين إلا أن يرضى المشتري بذلك العيب، فيعود الأمر في الأيمان إلى ما تقدم لو لم يحدث العيب.
وعلى القول إن المصيبة من المشتري يكون مصيبة ذلك القدر من المشتري، فإن كان يحط ربع الثمن غرم المشتري ربع الثمن على ما أقر به، ويتحالفان ويتفاسخان في الباقي، وإلى هذا ذهب ابن عبدوس في هذه المسألة؛ لأن المبيع كالرهن لما كان محبوسًا بالثمن فما هلك خرج من الرهن، وكان القول قولَ الغارم عنه، وما بقي لم يخرج من يد مرتهنه بغير ما يقول، والرهن شاهد على نفسه.
واختلف إذا كان الاختلاف في جارية فصارت إلى البائع بعد أيمانهما، أو بعد نكوله ويمين المشتري، أو صارت إلى المشتري بعد نكوله ويمين البائع، هل تحل لمن صارت إليه أن يصيبها؟ وأرى أن ذلك جائز من جهة من رفع يده عنها، وجائز لمن صارت إليه إذا قبلها؛ لأنَّ الآخر رضي أن تكون ملكًا لمن صارت إليه، وإن لم يرضَ بها من صارت إليه، وقال: إنما غصبني الآخر مالي، وسلمها إليه لم تحلَّ له، وكان بالخيار بين أن تبقى في يده ولا يخلو بها، أو يبيعها، فإن عجز عن ما بيعت به

الجزء: 7 - الصفحة: 2990

أتبع به صاحبه في الآخرة، وإن فضل فضلٌ وقفه، فإن رجع الآخر أخذه.

فصل [في اختلاف المتبايعين بعد قبض المبيع]

واختلف إذا اختلفا بعد قبض المبيع، على أربعة أقوال: فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إذا قبضه كان القول قوله في الثمن 154. وقال في كتاب المكاتب: إذا قبضها وبان بها، وقال أيضًا: إذا فات بعد القبض بحوالة الأسواق فما فوق 155. وقال أشهب: يتحالفان وإن فات، وتردّ القيمة ما لم تكن أكثر مما ادعاه البائع، أو أقل مما اعترف به المشتري 156. ورأى أنه لما كان الحكم مع القيام الردَّ، كان رَدُّ القيمة مع الفوت بدلًا من العين، ولا يلزم على هذا السَّلَم بعد الطول؛ لأنه لو رَدَّ القيمة نقدًا كان فيه ظلم على المُسلم، ويكون قد انتفع بماله باطلًا؛ لأنَّ الانتفاع الذي كان السَّلَم لأجله لا يغرم عنه قيمة.
ووجه القول الأول: أنه بنفس القبض ضامن فلم يردَّ، كما قال: إذا تبايع رجلان سلعة وقبضها الآخر لم تُرَدَّ لما كان ضامنًا لها إن هلكت، وكل هذا فهو 157 إذا أتيا بما يشبه، فإن أتى أحدهما بما لا يشبه حلف الآخر، وكان الأمر على ما حلف عليه، ولا خلاف في ذلك مع الفوت، بخلاف إذا كانت قائمة.

الجزء: 7 - الصفحة: 2991

فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض الثمن قبل قبض المبيع أو بعده قبل الافتراق]

وإن اختلفا في دفع الثمن قبل قبض المبيع كان القول قولَ البائع مع يمينه، وكذلك بعد القبض وقبل الافتراق إذا كانت العادة أنه يُسْلِم 158 ثم يقبض الثمن أو مختلفة.
وإن كانت العادة أنه لا يُسْلِم المبيع إلا بعد قبض الثمن، كان القولُ قولَ المشتري مع يمينه، كالصرف.
فلو قال الصراف: دفعت إليك قبل أن أقبض، لم يقبل 159 قوله، وإن افترقا كان القولُ قولَ المشتري في الفواكه واللحم والخبز وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الشأن أنه لا يبين به مشتريه إلا بعد دفع الثمن، فإن قال: بِنت بغير علمي، لم يقبل قوله.
وقال مالك في العبيد والدواب والثياب: القول قول البائع مع يمينه، وإن افترقا 160. يريد ما لم يقم دليل للمشتري أنه لا يدفع إليه ذلك إلا بعد دفع الثمن، مثل أن يكون المشتري بدويًّا، أو غريبًا لا يُعرف، أو فقيرًا، ومن الشأن أنه لا يؤمن إليه، ومثل هذا يُعرف عند النزول.

الجزء: 7 - الصفحة: 2992

فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض السلعة]

وإن اختلفا في قبض السلعة قبل قبض الثمن كان القولُ قولَ المشتري، وسواء اختلفا قبل أن يفترقا أو بعده.
وكذلك إن نقد الثمن ولم يفترقا، إلا أن تكون العادة في مثله ألا يدفع الثمن إلا بعد قبض المبيع، وإن اختلفت العادة كان القول قول المشتري، وإن افترقا بعد دفع الثمن كان القول قول البائع.
وقال ابن القاسم في العتبية في من باع سلعة بثمن إلى أجل، فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وكذَّبَه البائع، قال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة 161. قال أصبغ: ويحلف البائع إن كان بفور 162 البيع والإشهاد، فأما إن كف حتى إذا حلَّ الأجل وشبهه قال لم أقبض السلعة، فلا قول له ولا يمين 163. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد شاهدان على رجل أن لفلان عليه مائة دينار ثمن سلعة اشتراها منه، لم أقبل 164 ذلك منه، ولا ألزمه الثمن 165 حتى يقولا: وقبض 166 السلعة، وكذلك لو قالا: باعه سلعة بمائة دينار،

الجزء: 7 - الصفحة: 2993

لم أقضِ 167 بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب قبض السلعة 168. وقال مالك في البائع يدعي أنه اشترط الوازنة، وادَّعى المشتري 169 أنه اشترط الناقص 170، قال: يحملان على نقد تلك السلعة 171. قال محمد: ولو كان إلى أن تحالفا وتفاسخا 172. وهو أبين؛ لأنه اختلاف في الثمن، ومن الناس من يشترط الوازنة وإن كانت العادة النقص، ويشترط النقص بحبة أو حبتين، وإن كانت العادة الوازنة.
وكل من ادَّعى ذلك، فلم يأت إلا 173 بما يشبه.
وإن كانت العادة أن الدينار ينقص 174 عن الوازن بحبتين، وقال البائع: أنا 175 لم أعلم العادة، فإن كان من أهل البلد لم يصدق، وإن كان طارئًا صُدِّق، وإن شك في معرفته أُحلف أنه لم يعلم ذلك، وكان المشتري 176 بالخيار بين أن يقبلها عن الوازن أو يَرُدَّ.
وكذلك إن كان البيع على قنطار، وعادة البلد أنهم يطرحون للقنطار عشرة أرطال 177 أو خمسة، والبائع طارئ، وقال: لم أعلم فإنه يصدق، فإن كره

الجزء: 7 - الصفحة: 2994

كان المشتري بالخيار بين أن يرضى بإسقاط ذلك الزائد أو يَرُدَّ.
وكذلك إذا كان القنطار مختلفًا، فالقنطار بالقيروان، وصقلية، والإسكندرية، والشام مختلف، فمن قدم بشيء يبيعه إلى بلد قنطاره أكبر من قنطار البلد الذي قدم منه وقال: لم أعلم ما بينهما ولم يتقدم له سفر قبل ذلك صُدق، فقنطار أهل الشام أربعة بالمصري.

فصل [في اختلاف المتبايعين في الاستثناء واشتراط الخيار]

ومن باع حائطًا واستثنى منه نخلات وقال: اشترطت الخيار، وقال المشتري: بل اشترطت هؤلاء، تحالفا وتفاسخا 178، فإن نكل البائع وحلف المشتري سلم المعينات وكان له ما سواهن بذلك الثمن، فإن نكل المشتري وحلف البائع كان له أن يختار، وإن فات ذلك الحائط بتغير تحالفا، وسلم المشتري المعينات وإن نزل بها عيب؛ لأنه يقول: لم أشترها، وكان للآخر أن يختار ولزم المشتري ما سوى هذين وقبض الثمن على أن التي اختيرت كانت في البيع.
وقال محمد في من باع طعامًا ثم اختلفا في الكيل والثمن، فقال البائع: بعتك صاعين بدينار، وقال المشتري 179. . . 180.

الجزء: 7 - الصفحة: 2995

باب في الوكالة على السَّلَم

ومن قال لرجل: بعثني فلان لآخذ له سَلَمًا على طعام، فأعطاه ذلك جاز، ولزم الأمر إن أقر بالوكالة.
قال مالك: وإن اشترط المشتري على المأمور أنه إن لم يرضَ الآمر فأنت لبيعي ضامن جاز، قال: وذلك مثل الرجل يقول للرجل: ابتع لي غلام فلان، فيقول: إن فلانًا أرسلني فبيعوه، فقد عرفتموه، فيقولون: نحن نبيعه فإن أقر لنا بالثمن، وإلا فالثمن لنا عليك، توفيناه نقدًا أو إلى أجل، فذلك جائز 181. قال محمد: ولقد غمزه بعض الناس وقال: هي ذمم ولا يدري على أيهما وقعت مبايعته.
قال سحنون: وقال أشهب: هو دَيْنٌ بِدَيْن.
قال الشيخ -رحمه الله-: إن كان أحدهما غنيًّا والآخر فقيرًا، فهو غررٌ؛ لأنه لا يدري أي الذمتين له، بخلاف الحميل؛ لأن له ذمة غريمه، وذمة الحميل تقوية له، أو له الذمتان على القول إن له أن يأخذ أيهما أحبَّ 182. فإن قيل للوكيل: إن اعترف الآمر فادفع الثمن إليه وأَشْهِدْ عليه وإلا فلا تدفع إليه لم يدخله الدَّيْن بالدَّيْن، وإن قيل له: ادفع إليه، فإن اعترف لنا أخذنا منه، وإن أنكر أتبعناك، لكان دينًا بدين، فمن قال: إنه شرع غير معلل، كان فاسدًا، ومن قال: إنه معلل بما كانت عليه الجاهلية أن يقول للغريم: تقضي أو تُرْبي لم يفسد؛ لأنه شرط في أصل العقد.

الجزء: 7 - الصفحة: 2996

والوكالة على السَّلَم مخالفة للوكالة على الشراء والبيع 183؛ لأن قوله: بعثني لآخذ له سَلَمًا أُمِرَ يقتضي ثمن 184 المسلم والقضاء على الآمر بمجرد الوكالة، وهذا قول مالك؛ لأنه جعله بمنزلة من قال: بعثني فلان فبيعوه، فإن دفع الثمن على الباعث، فإذا قبض الرسول الثمن غرم الآمر السَّلَم، فإن أنكر أنه يكون وكله، حلف وسقط السَّلَم 185 عنهما جميعًا.
واختلف هل يغرم 186 الرسول رأس المال؟ فقال محمد: يغرمه.
وقيل: لا شيء عليه إلا يمينه.
وأرى أن يغرم إن كان غير مأمون، وإن كان مأمونًا حلف لقد أرسلني ووصلت إليه وبرئ، وتكون مصيبة ذلك من المُسْلِم.
إن قال: وكلني أن أُسْلِم له كان عليه أن يدفع رأس المال وليس له قبض السَّلَم؛ لأنَّ قوله أَسْلَم له 187، أي أَسْلَم له وأدفع رأس المال، فإذا دفعه انقضت وكالته، وإن قال: وكلني أن أعقد له سَلَمًا، لم يكن عليه من رأس المال شيء.
واختلف إذا وكله على الشراء، هل يلزم الوكيل دفع الثمن؟ فقال محمد: عليه ذلك، وإن قال: بعثني لأشتري له منك، قال: لأن البائع يقول: أنت تشتريها، فلا أبالي لنفسك أو لغيرك 188.

الجزء: 7 - الصفحة: 2997

وقال مالك في المبسوط في من وكل على شراء سلعة فوجد البائع بالثمن زيوفًا: فإن كان أعلمه أنه وكيل لغيره فلا شيء عليه، وإذا لم يجعل عليه البدل لم يكن عليه أن يدفع الثمن.
فرأى أن العقد بيع فإذا فعل انتقضت وكالته وكان دفع الثمن وقبض المبيع من الموكل، ورأى مرة أن الأول عقد بيع (1) وأن البيع التقابض أن تعطيني ملكك وأعطيك ملكي، ولهذا قال: إن مصيبة الحيوان إذا حبس بالثمن من البائع (2). وقوله: المصيبة من المشتري، فعلى القول: إن العقد بيع، وإن قال: بعثني لأشتري منك، أو بعثني إليك لأشتري منك، ولم يقل: لأشتري له، كان محمل الشراء على أنه للمبعوث، وإنما دلَّه على من يعامله، إلا أن يقول: بعثني إليك لتبيعه، فأما إن قال: لتبيعني أو لأشتري منك، فمحمل قوله على أن الشراء لنفسه، فإن قال: لتبيعه، كان الثمن على الآمر، وإن قال: لأشتري له، كان الثمن على القولين، هل هو على الباعث، أو على المبعوث؟ وإن قال: لأشتري منك، أو لأشتري، ولم يقل: له ولا منك، كان محمل الشراء على أنه لمن باشر الشراء.

فصل [في مسائل في الوكالة في السَّلَم والبيع وخشية المحاباة في ذلكـ]

واختلف في من وَكَّل رجلًا على أن يشتري له جارية أو ثوبًا ولم يصف له ذلك، فاشترى ما لا يشبه أن يكون من جواريه ولا من لباسه: فقال ابن189190

الجزء: 7 - الصفحة: 2998

القاسم: لا يلزمه ذلك 191. وقال أشهب: يلزمه إلا أن يقول للباسي أو لخدمتي 192. وقاله سحنون.
ورأيا أن أمره مُشكل هل أراد القنية أو التجارة؟ فلا يحمل عليه التعدي، ولا يضمن بالشك.
وقال ابن القاسم في من وكل رجلًا ليُسْلِم له في طعام، فأسلم ذلك إلى نفسه، أو إلى ابنه الصغير، أو إلى من يليه من يتيم أو سفيه: لم يجز، وإن أسلمه إلى زوجته أو ابنه الكبير، أو عبده المأذون له في التجارة، أو مكاتبه، أو إلى شريك غير مفاوض، جاز ما لم يكن فيه محاباة 193. قال سحنون: سَلَمُه إلى ابنه الذي في حجره أو إلى يتيمه جائز؛ لأن العهدة في أموالهم.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن اشترى الوكيل ما أمر ببيعه بثمن مثله جاز 194. قال: وكذلك عندنا الوصي والأب.
وقال مالك في من اشترى سلعة، ثم أخذ من رجل مالًا قراضًا وأراد أن يدفعه في ثمن السلعة: أخاف أن يكون قد استغلاها فيدخل مال هذا فيها 195. فجعل المنع لأجل المحاباة ليس؛ لأنه معزول عن شرائها.

الجزء: 7 - الصفحة: 2999

وأرى إذا نزل ذلك أن يمضي البيع إذا علم أنه استقصى وبالغ، أو ذكر من الثمن ما يرى أنه غاية ما يباع به، وإن لم تكن بينة على إشهارها، ولا أتى من الثمن بما ذكرت لك نقض البيع إن كان قائمًا ومضى بعد الفوت بالأكثر من القيمة أو الثمن، وهذا إذا كان فواته بذهاب عينه.
واختلف إذا حالت سوقه أو تغير في نفسه: فقال محمد في من أمر ببيع 196 سلعة فباعها من نفسه: كان صاحبها بالخيار في ردِّها ما لم تفت بغلاء سوق أو في بدنها، فتلزمه قيمتها 197. وذكر يحيى بن عمر فيها قولين: أحدهما: مثل هذا، والآخر: أنه لا يفيتها النماء ولا النقص.
وقال غير ابن القاسم في كتاب القراض: كل من أطلقت يده في بيع فباعه من نفسه وأعتقه، كان الآمر بالخيار بين أن يجيز فعله أو يردَّ عتقه ويأخذه، إلا في المقارض، فإنه إذا كان في العتق فَضْلٌ نفذ عتقه للشرك الذي له فيه 198. وقال ابن حبيب في العاشر من البيوع: إن باعه من نفسه ثم باعه من آخر بربح، كان الربح للأول إلا أن تكون القيمة أكثر، فيلزمه الذي هو أكثر، قال: وكذلك الوصي يشتري من تركة من أوصى إليه فالخيار عليه فيه للسلطان، وإن باعه بربح كان الربح للأيتام أو الثلث إلا أن تكون القيمة أكثر، فجعلاه كالمتعدي، فلا يفيته العتق ولا انتقاله بالبيع.
وهو أحسن إذا علم أنه حابى نفسه 199 في الثمن.

الجزء: 7 - الصفحة: 3000

ومن وكّل عبدًا فأسلم له في طعام مضى والسلم للآمر، فإن كان العبد محجورًا عليه كان لسيده إجارته في ذلك، وإن كان مأذونًا له وفعل ذلك معروفًا ليصلح وجهه في تجارته لم يكن لسيده شيء؛ لأن الغالب في إجارة ذلك يسيرة 200. ومن وُكِّل على أن يُسْلِم فوّكَّل غيره كان متعديًا، وللآمر أن يغرمه رأس المال، وله أن يجيز إن لم يكن أَسْلَم الثمن أو أسلمه وكان قائمًا وشهدت البينة أنها دنانيره.
ويختلف إذا فاتت أو لم تشهد البينة بذلك، فقيل: ليس له أن يجيز؛ لأنه فسخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ لما ملك أن يغرم المأمور رأس ماله، وهذا قول ابن القاسم في المدونة 201. وروي عن مالك في كتاب ابن حبيب أنه أجاز ذلك، وهو أحسن.
وأرى أن يوكل ذلك إلى أمانة الآمر، ويعلم أنه لا يجوز له متى اختار التضمين أن ينتقل إلى الإجازة ولا يحمل عليه أنه اختار التضمين ثم انتقل، فيكون قد منع ملكه بالظن وملك لغيره.

الجزء: 7 - الصفحة: 3001

باب في تعدي الوكيل في البيع والسَّلَم

وقال ابن القاسم في من وكل رجلًا يبيع له سلعة أو طعامًا فباعها بطعام أو عرض نقدًا: كان المأمور ضامنًا إذا باع بغير العين، إلا إن يشاء أن يقبض ثمن ما بيع به إذا كان عرضًا أو طعامًا 202. قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا باع العرض بطعام أو الطعام بعرض، وكل ذلك نقدًا ولم يكن الآمر سمى ثمنًا، كان الآمر بالخيار في القيام بين الإجازة أو الردِّ.
وفي الفوت إذا غاب بذلك مشتريه بين الإجازة وأخذ الثمن الذي بيع به، أو تضمينه قيمة سلعته، أو مثل الطعام إذا وكله على بيع طعام، ويُسْلم الثمن للمأمور بفضله إن كان فيه فضل.
وقيل: يباع إذا كان فيه فضل ويكون الفضل للآمر، وهذا عقوبة للمأمور لئلا يربح الغاصب والمتعدي.
واختلف إذا باع الطعام بطعام: فأجاز ابن القاسم للآمر أن يأخذ الطعام الثاني 203. ومنعه أشهب وقال: ليس للآمر إلا مثل طعامه، ويباع له الثاني إن كان فيه فضل 204، كان ذلك الفضل للآمرة وهذا لئلا يربح الغاصب والمتعدي.
وقد اختلف قوله في هذا الأصل، فقال في العبد يتزوج حرة بغير إذن سيده، ودخل بها ثم زنت قبل أن يجيز السيد، فقال: إن أجاز رجمت، وإن رُدَّ لم

الجزء: 7 - الصفحة: 3002

ترجم (1). وجعله إذا أجاز كأنه منعقد من الأول، فعلى هذا يجوز للآمر (2) أن يأخذ الطعام الثاني.
ومن وكل على أن يبيع سلعة فباعها بعرض أو بحنطة أو بشيء مما يكال أو يوزن مما سوى الدنانير والدراهم، كان للآمر أن لا يجيز ويردَّ البيع مع القيام، ويأخذه بالقيمة مع الفوت.
ثم يختلف هل يباع العرض الثاني إن كان فيه فضل؟ قال ابن القاسم: وإن باع بالفلوس أو اشترى بها كان بمنزلة العروض، إلا أن تكون السلعة خفيفة الثمن مما تباع بالفلوس (3). ويختلف إذا أمره أن يبيع بدنانير فباع بدراهم أو بدراهم فباع بدنانير وهي في القيمة مثل ما سمى له.
فأرى أن يمضي؛ لأنَّ كل واحد منهما يسد مسدَّ صاحبه، إلا أن يعلم أن ذلك كان لغرض للآمر، فيردُّ البيع إذا كان قائهًا، فإن فات وغاب المشتري، كان الآمر بالخيار بين أن يجيز أو يباع الثمن ويشتري له به مثل ما أمر به.

فصل [في مسائل يخالف فيها الوكيل في السَّلَم والبيع ما أُمر به]

وقال ابن القاسم في من دفع لرجل دراهم ليسلمها له في ثوب فأسلمها له205206207

الجزء: 7 - الصفحة: 3003

في بساط: كان للآمر أن يُغرم المأمور مثل دراهمه، وليس له أن يأخذ المُسْلم إليه بمثل دراهمه، ولا أن يجيز السَّلَم ويأخذ البساط؛ لأنه يصير دينًا في دَيْنٍ 208. وعلى قول مالك في كتاب ابن حبيب له أن يجيز ويأخذ البساط.
وإن لم ينظر في ذلك حتى حلَّ الأجل كان له أن يأخذه قولًا واحدًا 209. وهذا إذا لم يبين أنه وكيل، فإن شهدت بينة أن المدفوع دنانير الآمر وكانت قائمة، كان له أن يجيز ويكون له البساط، وأن لا يجيز ويأخذ دنانيره، ويكون على المأمور خلفها ولا يفسخ السَّلَم، وإن تبين أنه وكيل لغيره وقال: أسلم إليك دنانيره هذه، فإن كانت قائمة كان الآمر بالخيار بين أن يأخذ دنانيره، فينفسخ السَّلَم، أو يجيز ويكون له البساط إلى أجله، وإن فاتت الدنانير كان له أن يغرمه مثلها وينفسخ السَّلَم.
ويختلف هل له أن يجيز وله أن يأخذ المأمور بمثل الدنانير ويمضي السَّلَم إذا كان المأمور مكذبًا للبينة، ويقول: لم أتعدَّ، وإذا لم يكن للآمر أن يجيز وقال: يباع لي البساط لآخذ الفضل، لم يكن ذلك له إن كان قد أجاز؛ لأنه يصير متهمًا للربا، وإنما يباع حينئذ على ذمته، وإن لم يجز كان له أن يباع لئلا يربح المتعدي.
وإن وكل على أن يُسْلِم في ثوب ويكون الثمن سلفًا من عند المأمور ليردَّه إليه إلى أجل فأسلم له في طعام كان للآمر أن يجيز ويكون له الثمن إذا دفع رأس المال بالحضرة، ويكون كالتولية.
ويختلف إذا أجاز على أن يقضي السلف إذا حلَّ الأجل، هل يمنع؛ لأنه فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، أو يجوز إذا قال: لم أختر إلا الإجازة؟

الجزء: 7 - الصفحة: 3004

وإن وُكِّل في سلعة ليبيعها بالنقد فأسلمها في طعام، كان الآمر بالخيار في قيام سلعته بين الإجازة، ويكون له الطعام إلى أجله، أو يأخذ سلعته وينفسخ السَّلَم، وإن أفاته المُسْلِم إليه بلباس، كان للآمر أن يغرمه قيمته وينفسخ السَّلَم.
ويختلف إذا أحب أن يجيز ويكون له الطعام، وكذلك إذا فات بعيب مفسد من سبب المُسْلَم إليه.
وإن كان بأمر من الله تعالى، كان له أن يأخذ سلعته معيبة 210 وينفسخ السَّلَم ولا شيء له على المُسْلَم إليه من العيب، وله أن يغرم الوكيل قيمة ذلك العيب؛ لأنه متعدٍ في تسليمه، فله أن يغرمه ما أحدث في حال التعدي، وإن كان العيب بأمر من الله سبحانه.
ويختلف هل له أن يجيز؛ لأنه وإن كان قائمًا فيما بين الآمر والمُسْلَم إليه وأن له أن يأخذ عينه 211، فإنه في معنى الفائت لما ملك أن يتركه ويغرم المأمور قيمته، فيصير إذا انتقل من القيمة ويأخذ الطعام فسخ دَيْن في دَيْن.
وإن لم ينظر في ذلك حتى حلَّ الأجل، لم يكن له أن يأخذ الطعام على هذا القول ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، وله أن يباع له إذا كان فيه فضل ليأخذ الفضل.
يريد إذا لم يجز فيباع على ملك المتعدي، لئلا ينال بتعديه ما أراد من الربح، وليس ذلك له إذا أجاز ليباع على ملكه، ولو جاز ذلك لكان له أن يأخذ عينه.
وقال مالك في من أمر أن يبيع سلعة بدراهم سماها نقدًا فباعها بعرض إلى أجل: يباع ذلك العرض بنقد فإن كان فيه وفاء بالمسمى أو فضل كان للآمر،

الجزء: 7 - الصفحة: 3005

وإن كان نقصانًا كان على المأمور 212. وقد اختلف في ثلاثة مواضع.
أحدها: إذا سمى ما يباع به من العين 213 فباع بخلافه أو بأقل، هل يحمل على أنه التزم تلك التسيمة؟ والثاني: إذا باع بتلك التسمية من غير نداء ولا إشهار، هل يلزم البيع؟ والثالث: إذا ملك الإجازة والردَّ، هل يحمل على أنه لم يجز إلا ما يعترف أنه اختاره، أو أنه اختار الآخر ثم انتقل إلى هذا؟ فعلى قوله أنه ملتزم التسمية وأن له أن يبيع بتلك التسمية من غير نداء، فيكون قيام السلعة وفوتها سواء، وليس لصاحبها أن يأخذها، وإنما له الأكثر من التسمية أو القيمة نقدًا أو ما يباع به الدَّيْن على النقد، فيأخذه بالتسمية؛ لأنه ملتزم لها أو القيمة إن كانت أكثر 214؛ لأنه مقر أنه تعدَّى ولم يلتزم ما يباع به الدَّيْن، لئلا ينال بتعديه الربح.
ويختلف هل له أن يجيز ويكون له 215 الدَّيْن إلى أجله؛ لأنه وإن كانت السلعة قائمة فقد ملك أن يأخذ التسمية أو القيمة نقدًا أو ما يباع به الدَّيْن على النقد 216 فيكون ذلك فسخ دَيْن في دَيْن، وعلى القول ألا يلزم البيع بتلك التسمية من غير نداء، يكون للامر أن يأخذ سلعته وينقض البيع أو يأخذ التسمية، وليس له أن يجيز ليأخذ الدَّيْن؛ لأنه ملك أن يأخذ التسمية.

الجزء: 7 - الصفحة: 3006

وأرى أن يكون القول قول الوكيل أنه لم يلتزم تلك 217 التسمية، ويكون الآمر بالخيار مع القيام بين أن يجيز بالثمن إلى أجل أو يرد.
وإن فاتت بلباس كان بالخيار بين أن يجيز ويكون له الثمن إلى الأجل، أو يأخذ القيمة من اللابس يوم لبس ويسقط عنه الثمن، أو يأخذ من المأمور القيمة يوم باع؛ لأنه يوم تعدى، ويمضي بالثمن إلى الأجل.
فإن هلكت بيد المشتري، كان بالخيار بين أن يجيز البيع إلى الأجل، أو يأخذ القيمة من المأمور يوم باع ويمضي للمشتري بالثمن، وليس على المشتري ها هنا إلا الثمن إلى الأجل؛ لأن من اشترى شيئًا بوجه شبهة فهلك في يده لم يضمنه بالقيمة، وإنما يضمنه بالثمن، والثمن ها هنا مؤجل فليس عليه غيره، وكذلك إن هلكت والثمن عرض، فليس للمستحق على المشتري إلا ذلك العرض.
وقال في من أُمر أن يبيع سلعة بعشرين دينارًا نقْدًا، فباعها بثلاثين إلى أجل، قال: يباع الدَّيْن بعَرَضٍ نقْدًا، ثم يباع العرض بعين، فإن كان فيه وفاء بالعشرين أو فضل كان للآمر، وإن كان نقصٌ فعلى المأمور 218. وليس للآمر عنده أن يجيز البيع ويأخذ الثلاثين، لإمكان أن يكون اختار التسمية 219، فيكون قد فسخ عشرين في ثلاثين.
ولا أن يختار التسمية، لإمكان أن يكون اختار الإجازة 220 إلى الأجل،

الجزء: 7 - الصفحة: 3007

فيكون أخذ عشرين نقْدًا عن ثلاثين مؤجلة، فيدخله ضع وتعجل، وعلى القول الآخر: له أي ذلك أحب ويترك الآخر للمأمور.
وقد اختلف إذا أمره أن يبيع بعشرة نقدًا، فباع بخمسة عشر إلى شهر، وكان إن بِيع الدينُ ساوى ثمانية، فرضي المأمور أن يدفع عشرة، فإذا حلَّ الأجل أخذها، وكانت الخمسة الفاضلة للآمر.
وأن يجوز أصوب ولا وجه للمنع؛ لأنه إن قدّر أن الآمر لم يختر إلا الإجازة، فله الخمسة عشر إلى الأجل، وهذه قرض من المأمور يدفع عشرة فتعود إليه ولا يربح شيئًا، وإن قدّر أنه اختار التسمية، فله أن يغرمه العشرة، وقد أخذها ولا شيء له في الفضل في الخمسة الزائدة، وتكون كالهبة من المأمور، فلا يدخل فساد على أي الوجهين أجريت المسألة، وكذلك إذا كانت قيمة الدَّين بالنقد اثني عشر.
واختلف أيضًا إذا قبض الآمر عشرة ليردّها عند الأجل وتكون له الخمسة عشر، وأن تجوز أحسن؛ لأنه إن قدّر أن الآمر لم يختر إلا الإجازة، فله الخمسة عشر، وهذه العشرة قرض، فإن قدر أنه اختار التسمية فقد قبضها، والخمسة هبة من المأمور.
وما ذكر من أن الأمور يدفع العشرة لئلا يخسر دينارين فغير صحيح؛ لأن النازعة في الأصل في أن لا يباع وأن البيع لا يلزم إلا أن يتفقا عليه؛ لأنه مال مترجح بين آدميين، فلا يباع عليهما إلا باتفاقهما، والمأمور يقول: إن قدرتم أنه اختار أن لا يمضي 221 فهو لي وأنا لا 222 أبيعه وأغرم له العشرة، والخمسة بعد الأجل هبة مني، وإن قدَّرتم أنه اختار

الجزء: 7 - الصفحة: 3008

الإجازة كانت الخمسة عشر له، وهو لم يرضَ بيعها وأنا أسلفه على أن لا أرجع عليه إن هلك الدين.
وقال ابن القاسم في من أمر رجلًا أن يبيع له سلعة بتسمية إلى أجل فباع بالنقد، قال: عليه الأكثر من الثمن الذي باع به أو القيمة نقْدًا، ولم يلزمه تلك التسمية إلى أجل 223. ولم ير في العتبية أن التسمية تلزم إلا في وجهين: أن يكون المأمور يبيعه عرضًا وليس مما يكال أو يوزن 224. وأن تكون التسمية عينًا نقدًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن نقدًا.
قال أشهب: فإن خالف في العرض وقد سمى له ما يبيعه به من العين أو مما يكال أو يوزن نقْدًا، فباع بدون التسمية أو بجنس آخر أو بثمن مؤجل أو وهب أو تصدق، ولم يبع لزمته التسمية.
وإن سمى له أن يبيع بعين مؤجل أو بعرض نقْدًا، أو كان المأمور يبيعه شيئًا مما يكال أو يوزن، فسمى له ما يباع به من العين نقْدًا، لم يلزمه شيء 225 من تلك المسميات.
وأجري على حكم المتعدي إذا لم يسمَّ له، وكل هذا سواء إلا أن تفرق بينهما سُنَّةٌ أو إجماع، وذلك معدوم.
وأرى أن يكون القول قول المأمور أنه غير ملتزم في جميع ذلك حتى يثبت غيره.

الجزء: 7 - الصفحة: 3009

ومن أمر أن يبيع بعشرة إلى شهر، فباع بعشرة نقْدًا لزمه؛ لأن التعجيل زيادة، وهو بمنزلة من باع بأكثر إلا أن يقول الآمر: اطلب عشرة فأكثر، ولا تَبع بأقل، فينظر إلى ما يباع به إلى شهر، فإن كان يباع بأكثر كان للآمر أن يرد البيع، وإن فات بها المشتري كان على المأمور الأكثر مما يباع به نقدًا أو قيمتها نقدًا.
وإن أمره أن يسلمها في عشرة أقفزة قمح إلى أجل فكذلك؛ لأن العادة اليوم أن الناس لا يقصدون بالأجل التضمين 226 إلى ذلك الأجل، ومعلوم أنه على التعجيل أحرص، وإن كان علم أنه قصد أن يضمن له، صح أن يفسخ البيع وتعاد إليه سلعته.
وقال ابن القاسم في من دفع إلى رجل دنانير ليسلمها له في طعام فصرفها بدراهم وأسلمها له: فإن فعل ذلك نظرًا للآمر جاز، وإن كان تعديًا لم يجز للآمر أن يرضى بالطعام، إلا أن يكون المأمور قد قبض الطعام 227. وهو قول أشهب في هذا الأصل 228؛ لأن هذا 229 المأمور فعل ذلك على وجه البت وليأتي بطعام ولا يعلم الآمر ما فعل، والأحكام ها هنا أوجبت الخيار، ففارق مسألة من أودع دنانير فصرفها له بدراهم؛ لأنه دخل على خيار صاحبه، ولم يرد أن يجحده ويقول هذه الدراهم هي 230 التي أودعتني.

الجزء: 7 - الصفحة: 3010

فصل [في قبض ما أسلف فيه الوكيل بغير حضرته]

ومن أمر رجلًا يُسْلِم له في طعام ففعل، ثم غاب المأمور وطلب الآمر قبض طعامه، كان ذلك له إن أثبت أن السَّلَم له، وإن لم تكن بينة وأقر المُسْلَم إليه أن المسْلم اعترف له به بعد انعقاد السَّلَم له 231، لم يلزمه أن يدفعه للطالب؛ لأنه يقول: أخاف أن يجحدني، وإنما دخلت على أن الطعام له والقبض إليه، إلا أن يعلم من المسلَم إليه أنه من أهل الدّين والفضل، وممن لا يجحد، فلا يظلم المُقر له ولا يمنع منه طعامه.
وإن كان اعترافه في حين السلَم فقال: أَسْلِم لفلان، كان عليه أن يدفع ذلك الطعام الآن، وإن كان المأمور يتخوف جحوده؛ لأنه دخل على أن الطعام لهذا، فلا يمنع قبض متاعه خيفة أن يجحده الآخر، وليس له أن يقول: احبسه ليقضيك 232 الغائب فيه.

الجزء: 7 - الصفحة: 3011

باب في السَّلَم يؤخذ به رهن وهو (1) مما يغاب عليه فيدعي ضياعه فيريد (2) المسلم والمسلم إليه أن (3) يقاصه الرهن بالدَّيْن

ومن أَسْلَم دنانير في عرض وارتهن بالعرض دراهم وطبع عليها، ثم ادعى ضياعها، فإن كان دفع الدنانير والدراهم معًا وبحضرة عقد السَّلَم، جازت المقاصة؛ لأنه لا تهمة فيما رجعا إليه؛ لأنهما لو شاءا أن يظهرا ذلك وقت السَّلَم جاز 236؛ لأنه صرف على مناجزة، فإن تأخر قبض الدراهم لم تجز المقاصة؛ لأنه صرف مستأخر.
وإن كان رأس مال السَّلَم والرهن دنانير وأحدهما أجود ذهبًا وأدنى سكة، لم تجز المقاصة إذا اختلف الوزن، وسواء كان القبضان معًا أو مفترقين.
وإن تساويا في الوزن وكان القبضان بحضرة عقد 237 السَّلَم جازت المقاصة، وليس ها هنا تهمة؛ لأنهما لو أرادا أن لا يظهراه سَلَمًا ويجعلاه مراطلة جاز، وإن لم يكن الدفع معًا لم تجز المقاصة؛ لأنها مراطلة ليست يدًا بيد.
وإن كان الرهن أدنى سكة أو وزنًا أو عددًا، جازت المقاصة، وسواء كان قبض الرهن معًا أو مفترقًا، ولا يتهمان أن يظهرا سَلَمًا ليعود إلى يده أقل، وإن233234235

الجزء: 7 - الصفحة: 3012

كان الرهن أجود سكة أو أكثر عددًا، لم يجز إذا كان القبض مفترقًا، وإن كان معًا جاز.

فصل [في من أَسْلَم في عروض وأخذ عليه رهنًا فهلكـ والمراعى في ذلكـ]

وإن أَسْلَم دنانير في ثوب كتان وأخذ ثوب صوف رهنًا جازت المقاصة؛ لأنه إنما يراعي رأس مال السَّلَم في عين الرهن لا في قيمته، وعينه وقيمته في السَّلَم.
وقد قيل: يراعى رأس مال السلم وقيمة الرهن، وليس بحسن؛ لأن بياعات الآجال إنما يراعى فيها ما خرج من اليد وما عاد إليها، فإذا خرج من يده دنانير جاز أن يعود إليها عنها عروض، ولم ينظر إلى قيمتها مع رأس المال؛ لأنه لم تعد إلى يده قيمة.
وقول المرتهن في قوله 238 قد ضاع الرهن، متردد بين أمرين: إما أن يكون صادقًا، فلا شيء عليه، أو كاذبًا، فإنما أمسك عرضًا.
ثم المقاصة بعين الرهن والسَّلَم جائزة؛ لأن بيع ثوب كتان نقْدًا بثوب صوف إلى أجل جائز، وكذلك قيمته إذا كان يقوَّم بالدنانير والدراهم فجائز أن يباع السَّلَم بها.
وكذلك إذا أَسْلَم دنانير في ثوب كتان وأخذ رهنًا ثوب كتان من غير جنسه مما يُسْلَم أحدهما في الآخر، وإن كان جنسًا واحدًا وأحدهما أجود، فإن

الجزء: 7 - الصفحة: 3013

كان الرهن أدنى ولم يحِلَّ الأجلُ، لم تجز المقاصة ويدخله ضع وتعجل، وإن كان أجود دخله ضمان بجُعْل.
وإن ادَّعى ضياعه بعد محل الأجل جازت المقاصة إن كان الرهن شرطًا (1) في أصل العقد، وإن كان بعد ذلك لم يجز؛ لأنهما يتهمان أن يكونا أظهرا أنه رهن والقصد أن يأخذه من الدَّيْن وقت دفعه إليه.

فصل [في من باع عرضًا بدنانير مؤجلة وارتهن دراهم، أو مما يكال أو يوزن، أو عرضًا وادعى ضياعه، تم أرأد المقاصة قبل الأجل]

وإن باع ثوب كتان بدنانير إلى أجل 240 شهر وارتهن دراهم، ثم أراد المقاصة بها قبل الأجل، لم يجز وهو صرف مستأخر إلا على القول ببراءة الذمم.
وإن كان الرهن دنانير من سكة الدَّيْن وهي أقل عددًا فقاصه عن قدرها من الدَّيْن، جاز، وإن أخذها عن جميع حقه، لم يجز ويدخله ضع وتعجل، فإن كانت سكة الرهن أجود والوزن سواء، جاز، وإن كانت أدنى سكة، لم يجز.
وإن كان المبيع ثوبًا بدنانير والرهن مما يكال أو يوزن جازت المقاصة؛ لأن أخذ ذلك 241 الرهن 242 عن رأس مال السَّلَم جائز، وأخذ عينه أو مثله عن الدَّيْن جائز.239

الجزء: 7 - الصفحة: 3014

وإن كان المبيع ثوب كتان والرهن ثوب صوف وادَّعى ضياعه، وهو مما يقوَّم بالدراهم - لم تجز المقاصة إلا على القول ببراءة الذمم، أو تكون دعواه الضياع بعد محل الأجل، فيجوز؛ لأنها مصارفة يدًا بيد.
وإن كان مما يقوَّم بالدنانير، كان الجواب على ما تقدم إذا كان الرهن دنانير، فتعتبر السكتان، هل هما سواء أو مختلفتان؟ وهل العددان سواء أو مختلفان؟ وهل قوله ذلك قبل محل الأجل أو بعده؟ ولا يعتبر ها هنا رأس المال؛ لأن إسلام ثوب كتان في ثوب صوف جائز.
وإن كان المبيع ثوب كتان بدنانير إلى أجل والرهن ثوب كتان من صنفه، ثم ادَّعى ضياعه، فإن كان الرهن معينًا مشترطًا في أصل البيع، فلا فساد في المقاصة من هذا الوجه، أعني: إذا اعتبر أصل المداينة، وكذلك لا فساد فيه إذا اعتبر أخذ عينه عن الدَّيْن، وإنما يعتبر قيمته على نحو ما تقدم في السؤال الذي قبل هذا، هل يقوَّم بدنانير أو بدراهم؟ وهل ذلك قبل الأجل أو بعده؟ وهل العدد والسكة سواء أو مختلفة؟ فإن لم يكن الرهن في أصل العقد ولا قبضه بالحضرة، جازت المقاصة إذا كان الرهن مثل الأول فأقل، فلا فساد من هذا الوجه، وإذا كان الرهن أجود، لم تجز المقاصة.

الجزء: 7 - الصفحة: 3015

فصل [فيمن باع حديدًا أو طعامًا بدنانير إلى أجل وارتهن ثوبًا أو طعامًا ثم ادَّعى ضياعه وأراد المقاصة]

فإن باع حديدًا بدنانير إلى أجل وارتهن كتانًا أو غيره مما يقضى فيه بالمثل ثم ادَّعى ضياعه، جازت عنه المقاصة؛ لأنَّ إسلامَ الحديد في عين 243 الرهن جائز، وأخذ عين 244 الرهن أو مثله عن هذا الدَّيْن جائز.
وإن كان الرهن ثوب كتان أو غيره مما يقضى فيه بالقيمة، كان الوجه فيما يدخل من الفساد اعتبار قيمته لا عين الرهن.
وإن باع قمحًا بدنانير إلى أجل وارتهن ثمرًا، ثم ادَّعى ضياعه، فإن كان قبضه للرهن بحضرة دفع القمح، جازت المقاصة، وإن كان عن تراخٍ، لم يجز، إلا أن يكون الثمن أقل من قيمة القمح بالشيء البيِّن فيجوز.
وإن كان الرهن شعيرًا، واستوى الكيل أو كان كيل الشعير أقل، وكان القبض معًا، جازت المقاصة؛ لأنهما لا يتهمان أن يظهرا بيعًا صحيحًا ليتوصلا إلى بيع قمح بشعير أدنى منه، وكذلك إذا كان الشعير أدنى كيلًا وقبضه متراخٍ عن قبض القمح، وإن كان الشعير أكثر كيلًا، لم تجز المقاصة بحال، وسواء كان القبض بالحضرة أو بعد المفارقة، وإنما 245 يعتبر الفساد في هذا

الجزء: 7 - الصفحة: 3016

الأصل في أصل العقد، وأما (1) أخذ عين (2) بعض (3) الرهن أو مثله عن الدَّيْن، فجائز لا فساد فيه.

فصل [فيمن أسْلَم في طعام وأخد عليه رهنًا فهلكـ]

وقال ابن القاسم 249 في من أَسْلَم في طعام وارتهن ثوبًا، وادَّعى ضياعه: لم تصلح المقاصة 250. يريد: إذا كانت قيمته ورأس المال سواء، لم تجز الإقالة 251؛ لأنهما يتهمان أن يجعلا الإقالة على عين الرهن، ويظهرا تلفه.
ولو علم أنه أحرقه لجازت الإقالة إذا كانت قيمته ورأس المال سواء، وإذا كان رأس المال عشرة وقيمته ثمانية، جازت الإقالة بقدر ما ينوبه؛ لأنه لم يسترجع من مثل رأس المال، فيدخله بيع وسلف، وإنما منع ذلك في الدنانير خيفة أن يكونا عملا على ذلك، ولا يتهمان أن يعملا على أن يرهنه ليفسده.
قال: وإن ارتهن تمرًا في رؤوس النخل، أو زرْعًا فادَّعى هلاكه لم يضمنه؛ لأنه لم يغب عليه 252.246247248

الجزء: 7 - الصفحة: 3017

وكذلك لو كان الرهن تمرًا في جرينه، أو زرْعًا في أندره، أو سفينة أو شيئًا من آلاتها، مثل أرجلها أو صواريها أو مراسيها، وما العادة أنه يكون على ساحل البحر ودخل على بقائه في موضعه، فإن القول قول المرتهن أنه ضاع من مكانه؛ لأن الراهن دخل على أن لا يغيب عنه المرتهن ويبقى إلى أمانات الناس.
وقال ابن القاسم في من أَسْلَم في طعام وارتهن فيه طعامًا مثله وختم عليه: فلا بأس 253. قوله محتمل أنه أَسْلَم في سمراء وأخذ محمولة وما أشبه ذلك، وإن أراد أنه أخذ مثل الصفة والجودة كان ذلك أثقل ولا يفسخ، وليس بمنزلة من اشترى شيئًا بعينه يقبضه إلى أجل؛ لأن وجه المنع إذا اشترى على ألا يقبض إلا إلى أجل أنه يزيده في الثمن لمكان الضمان، وهذا في الرهن ضمانه من المرتهن بنفس الغيبة عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 3018

باب فى من أَسْلَم في ثياب أو غيرها أو باع ثيابًا بعين أو أقرض عينًا أو ثيابًا، وأخذ (1) في جميع ذلكـ كفيلًا، وأراد الكفيل أن يصالح من له ذلكـ الحق

وقال ابن القاسم في من أَسْلَم مائة دينار في ثياب إلى أجل وأخذ منه بها كفيلًا، ثم صالح الكفيل الطالب قبل الأجل على ثياب أو طعام أو دنانير أو دراهم، قال: إن باع الكفيل إياها بيعًا والذي عليه الدَّيْن حاضر مقر حتى لا يكون للكفيل إلا ما على الغريم - فلا بأس به إذا باعها بما يحل، وإن صالحه عن الغريم بأمر، يكون فيه الغريم بالخيار إن شاء أجاز الصلح، وإن شاء أعطاه ما عليه فلا خير فيه 255. قال محمد: ولا يشتريه الحميل إلا بمثل الثمن الذي نقده فيه مشتريه 256. فيراعى فيما يصالح به الكفيل أربعة: الصنف الذي يدفعه الحميل هل 257 يجوز أن يؤخذ عن رأس المال وعن المسلَم فيه؟ وهل دفع ذلك عن نفسه أو عن الغريم؟ وهل حل الأجل وقت الدفع أم لا؟ وهل الصلح قبل أن يؤخذ بالقضاء عن الغريم أو بعده؟ وأما حضور الغريم ومعرفة ذمته فإنما يحتاج لذلك إذا اشترى ما على254

الجزء: 7 - الصفحة: 3019

الغريم لنفسه، ولا يراعى ذلك إذا كان الدفع عن الغريم.
وقال محمد في من باع دَيْنًا له 258 على غائب، قال: إن عرف أنه حي قريب، وعُلِم ملاؤه من عدمه - فلا بأس.
فإن لم يكن عليه بينة، لم يجز حتى يحضر ويقر 259، قال: ولا يجوز بيع ما على الميت وإن كان مقرًا وعلم ما ترك؛ لأنه لا يدري ما يلحقه من دينٍ لم يعلم به، فلم يجز بيع ما على الغائب 260 البعيد الغيبة؛ لأنه لا يدري ما طرأ على ماله 261. ولا أرى أن يجوز إذا قربت الغيبة وإن كانت عليه بينة، إلا أن يشهد أنه كان مُقرًا حين غيبته، فإن كان منكرًا لم يجز -وإن كان عليه بينة- لأنه بيع ما فيه خصومة، وقد يكون للغائب بينة على القضاء أو يخرج شهود الدين.
ويجوز شراء ما على الميت إذا كان ظاهر اليسار، وليس هو معروفًا بمداينة الناس، وقد فرق ابن القاسم في قسمة ماله بين الغرماء، بين من هو معروف بالدَّيْن، وغير معروف به.
وأما قول ابن القاسم في الحميل أنه لا يشتري إلا أن يكون الغريم مُقِرًّا بالدين، فيراعى الإنكار مع كون الحميل غارمًا، لإمكان أن يثبت الغريم أنه قضى أو يدعي ذلك، فلا يستحق الدّين إلا بعد يمين الطالب، فإن نكل حلف الغريم وسَقَط الدَّيْن، فلم يصح ما اشتراه، وإن جحد الغريم أن يكون عليه دين أصلًا حلف وغرم الحميل، لم يجز للحميل أن يشتري قبل يمين الغريم؛

الجزء: 7 - الصفحة: 3020

لأن الثمن يختلف، فإذا نكل الغريم وحلف الطالب ثبت الدّين على الغريم فاشتراه بأكثر، وإن حلف وسقط الدين نظر كيف يشتريه بأرخص؛ لأنه يغرم ما لا يرجع له به وهو يخسر ما يشتريه به.
ومحمل قول محمد أنه لا يشتريه إلا بمثل الثمن الأول، على أن الحمالة كانت شرطًا في أصل العقد.
وقد قال ابن القاسم في من أسلم إلى رجلين وبعضهما حميل عن بعض: لم يجز أن يقيل أحدهما (1)، فجُعِلت إقالة أحدهما سلفًا.
فأما إذا كانت الحمالة بعد العقد، فتضعف التهمة ويجوز أن يشتريه بمثل ما يشتريه به الأجنبي.

فصل [فيمن أسلم مائة دينار, ثم صالح الكفيل عن دنانير أكثر منها أو أقل، أو على دراهم قبل الأجل وبعده]

وإن أسلم مائة دينار في ثياب ثم صالح الكفيل على دنانير أكثر من رأس المال - لم يجز الصلح عن نفسه ولا عن الغريم، وإن كان صالح على مائة فأقل، جاز إذا كان الصلح لتكون له الثياب، حلَّ الأجل أو لم يَحل.
واختلف إذا كان الصلح عن الغريم، هل يمنع للغرر؟ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه فيكون بيعًا، أو مثل ما دفع الحميل فيكون سلفًا، أو يجوز؛ لأنه معروف من الكفيل، وأن القصد بمثل هذا التخفيف عن الغريم، وأن262

الجزء: 7 - الصفحة: 3021

يخيره فيما هو أخف عليه فيقضيه، وليس القصد المكايسة ولا المبايعة، كما أجيزت العرايا وغيرها.
وإن صالح على دراهم لم يجز، سواء دفعها عن نفسه أو عن الغريم، قبل الأجل أو بعده؛ لأن الطالب خرج من يده دنانير، فلا تعود إليه دراهم.
وأرى إن كانت الحمالة بعد العقد ودفع الدراهم على وجه الشراء لنفسه أن يجوز.
وإن صالحه على شيء مما يكال أو يوزن لتكون له الثياب، جاز قبل الأجل أو بعده.
ويختلف إذا دفع ذلك عن الغريم؛ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه فيكون بيعًا، أو مثل ما عليه فيكون سلفًا.

فصل [في صلح الكفيل بالعُرُوض قبل الأجل وبعده، والأوجه في ذلكـ]

وإذا دفع عروضًا من غير جنس العروض المُسْلَم فيها، فإن دفعها ليكون له ما على الغريم، جاز.
ويختلف إذا دفعها عن الغريم، هل يجوز أو يفسد؟ لما كان الغريم بالخيار وإن كانت هذه العروض من صنف العروض التي في الذمة ومثلها في الجودة والعدد - جاز قبل الأجل وبعده؛ لأنها قضاء.
وإن كانت أدنى صفة أو أقل عددًا لم يجز قبل الأجل؛ لأنه إن دفعها عن الغريم كان الآخذ 263 قد وضع وتعجل، وإن دفعها عن نفسه كان سلفًا بزيادة،

الجزء: 7 - الصفحة: 3022

وإن دفعها بعد الأجل عن الغريم جاز، وإن كان ليكون له ما على الغريم ولم يجبر على القضاء لم يجز، وإن كان قد جبر على القضاء وقصد الطالب بالوضيعة غريمه رجع الحميل بما قضى عنه، وإن قصد هبة الحميل رجع بجميع الدَّيْن.
وإن كانت العروض التي دفع الحميل أجود صفة أو أكثر عددًا، فإن دفعها قبل الأجل لم تجز عن الغريم؛ لأن ذلك لما حط عنه من الضمان، وإن كان ليكون له الدَّيْن كان ضمانًا بجُعْل، وإن حلَّ الأجل جاز، وسواء دفع عن نفسه أو عن الغريم؛ لأنه قضى أفضل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً" (1).

فصل [فى من أقرض رجلًا دنانير، وتكفل بها رجل، فدفع الكفيل قبل الأجل أو بعده دنانير أكثر أو أقل أو دراهم]

وإن أقرض رجلٌ رجلًا دنانير وتكفل بها رجل فدفع الكفيل قبل الأجل أكثر عددًا أو أجود صفة - جاز، وإن كانت أقل عددًا أو أقل صفة لم يجز ذلك عن الغريم؛ لأنَّ الطالب وضع عن الغريم 265 على أن تعجل، وإن 266 دفعها ليكون له ما على الغريم لم يجز؛ لأنه سلف بزيادة، وإن دفعها ليكون له الدين، لم يجز، إلا أن يكون قد جُبِر على القضاء، ورضي الطالب أن يأخذ خمسين ويفديه بمائة؛ لأنها هبة منه.264

الجزء: 7 - الصفحة: 3023

وإن دفع الحميل دراهم عن الغريم، لم يجز قبل الأجل؛ لأنه صرف مستأخر.
ويختلف إذا حلَّ الأجل؛ لأن الغريم بالخيار بين أن يدفع ما عليه أو مثل ما قضى عنه، وإن دفع عن نفسه، لم يجز قبل الأجل ولا بعده، إلا أن يكون قد جُبِر على القضاء فتكون مصارفة عما في ذمته.
وقال محمد: إذا كان دفعه بعد الأجل وبعد أن لزمت الحميل جاز ذلك بين الحميل وصاحب الحق، ويخرج الغريم ما عليه من الدنانير فيشتري بها دراهم حتى يرجع للحميل عدة ما دفع أو وزنه، فإن لم يوجد بالدنانير إلا أقل لم يكن للحميل غير ذلك، وإن كانت أكثر لم يكن له الفضل عليه (1). والأول أبين.
وإن دفع الكفيل شيئًا مما يكال أو يوزن لتكون له الدنانير التي على الغريم - جاز قبل الأجل وبعده.
ويختلف إذا دفع ذلك عن الغريم، وإن دفع عروضًا عن الذي عليه الحق، جاز قبل الأجل وبعده، ورجع بالأقل من قيمة العروض أو الدَّيْن، وإن دفعها ليكون له الدَّيْن، جاز، ورجع بالدَّيْن قل أو كثر.

فصل [فيما يجوز أخذه من الكفيل، وما لا يجوز]

وقال ابن القاسم في من أسلم في سمراء: فلا يأخذ من الكفيل محمولة ولا شعيرًا، وكذلك إذا كان أسلم في محمولة، لم يأخذ منه سمراء ولا شعيرًا -وإن استوى الكيل حلَّ الأجل أو لم يحل- لأنه إن رجع بمثل ما أعطى كان بيع267

الجزء: 7 - الصفحة: 3024

الطعام بالطعام متأخرًا وبيع الطعام قبل قبضه، وإن دفع مثل ما قضى كان سلفًا 268. قال الشيخ: أما إن دفع محمولة أو شعيرًا ليرجع بالسمراء فهو سلف بزيادة، ولا يجوز قبل الأجل ولا بعده، ولو حلَّ الأجل وجبر على القضاء، جاز ذلك، فإن قصد الطالب بذلك التخفيف عن غريمه رجع بمثل ما دفع؛ لأنه أدنى، وإن قصد مبايعة الحميل عما توجه له قبضه بالحضرة، جاز؛ لأنها مبايعة حاضرة، ولأن الشعير أدنى على كل حال، ولا يختار الغريم أن يغرم إلا شعيرًا؛ لأنه أدنى.
ويختلف إذا دفع محمولة والذي على الغريم سمراء، فعلى القول إنها أدنى يجوز، والقول إنها مما تختلف الأغراض فيها مع السمراء يجري فيها قولان على الأصل المتقدم، إذا دفع ما يكون الغريم فيه بالخيار.
وقال في كتاب الحمالة: لا يعطي 269 عن السمراء سمراء أجود ولا أدنى، إذا كان الدَّيْن الذي على الغريم من بيع وإن استوى الكيل، قال: لأن الذي عليه الدَّيْن بالخيار إن شاء أعطاه مثل ما أعطى وإن شاء أعطى مثل ما عليه، فكان بيعًا، قال: ولا بأس بذلك في القرض إذا حلَّ الأجل 270. وأرى السَّلَم والقَرْض في ذلك سواء في الغرر؛ لأنَّ الغريم في جميع ذلك بالخيار بين أن يدفع ما عليه أو مثل ما قضى عنه، وإنما يفترقان في التعليل ببيع الطعام قبل قبضه، فإن ذلك يجوز في القرض، وأرى أن يجوز إذا دفع أجود بعد

الجزء: 7 - الصفحة: 3025

الأجل؛ لأن الغريم لا يدفع إلا مثل ما عليه وإنما ذلك من الحميل حسن قضاء.
وكذلك إذا دفع أدنى صفة أو أدنى كيلًا ليرجع بمثل ما دفع فيجوز؛ لأن الغريم لا يختار أن يدفع إلا مثل ما قضى عنه، وإن دفع ذلك ليرجع بمثل ما في الذمة لم يجز؛ لأنه سلف بزيادة ولم يجز ذلك قبل الأجل في قرض ولا بيع، فلم يجز أن يدفع أدنى عن الغريم قبل الأجل ويدخله ضع وتعجل، ولا يكون له ما على الغريم؛ لأنه سلف بزيادة، وإن دفع أجود قبل الأجل لم يجز (1) في البيع؛ لأنه ضمان بجُعل من الطالب، أو حُطَّ عني الضمان وأزيدك إذا كان برضا الغريم.

فصل [في ما يضمنه الكفيل وما لا يضمنه في القبض من الغريم]

وقال ابن القاسم: إذا قبض الحميل ما على الغريم فضاع عنده، فإن أخذه على وجه الرسالة لم يضمنه، وإن أخذه على وجه الاقتضاء ضمنه 272. قال في كتاب محمد: لأنَّ ذلك من السلطان إن قضى به السلطان خطأ 273. يريد: إذا قال الحميل للغريم: أنا أخاف أن أطلب بما عليك؛ لأني أخاف أن تغيب أو تعسر، فلا يجوز للحاكم أن يقضي بذلك للحميل، وإنما للحميل أن يقوم بالبراءة من الحمالة، فيلزمه أن يقضي ذلك للطالب إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا أخرج ذلك الحاكم من ذمة الغريم، ثم يوقفه على يد عدل،271

الجزء: 7 - الصفحة: 3026

ويبرئ ذمة الغريم، وتسقط الحمالة.
وإن قبض الكفيل الطعام من المُسْلَم إليه ثم باعه، فإن كان قبضه بوكالة من الطالب - برئ الغريم، وكان مقال الطالب مع الحميل، وهو بالخيار بين أن يغرمه مثل الطعام أو مثل الثمن الذي باعه به، وإن كان قبضه بغير وكالة من الطالب، كان مقال الطالب والمطلوب على (1) الكفيل في المثل ليس في الثمن.
فإن غرم المثل للطالب سقط ذلك الحكم وبرئ المطلوب، وإن أغرم المثل المطلوب للطالب (2) رجع به على الكفيل.
وإن كان قبض الكفيل من الغريم على وجه الرسالة، كان للطالب أن يأخذه بالمثل وليس بالثمن (3)، وكان للمطلوب أن يأخذه بالمثل أو بالثمن.
فإن أغرمه الطالب المثل، كان للمطلوب أن يغرم له مثل ذلك الذي غرمه ويأخذه بمثل ذلك الثمن.
وإن ابتدأ المطلوب بالكفيل، فأغرمه المثل أو الثمن، ثم لقيه الطالب، كان له أن يغرمه المثل؛ لأنه يقول: أُرْسِلَ لي معك شيء، فتعديت عليه، ثم يرجع على المطلوب (4)، فيغرمه المثل.

فصل [في الكفالة برأس المال]

وإن كانت الكفالة برأس المال على أنه 278 إن أعسر المُسْلَم إليه اشترى به274275276277

الجزء: 7 - الصفحة: 3027

مثل المُسْلَم فيه، جاز ذلك، وسواء كانت الكفالة 279 في أصل العقد أو بعده.
فإن كانت الكفالة برأس المال على أنه إن عجز المطلوب عن الأداء رد إلى المُسْلَم رأس 280 ماله - لم يجز، سواء كانت الكفالة في أصل العقد أو بعده، فإن كانت في أصل العقد كان السَّلَم فاسدًا إن كانت برضى المُسْلَم إليه، وإن كانت بغير رضاه لم يفسد السَّلَم وكانت الكفالة ساقطة، وإن كانت بعد العقد صح السَّلَم وسقطت الكفالة، وسواء كانت برضى المُسْلَم إليه أو بغير رضاه.
وقد كان بعض أهل العلم يذهب إلى فساد الكفالة برأس المال، وإن كانت ليشتري بها مثل المُسْلَم فيه، قال: لأنه لا يدري ما يشتري به ولا هل يوفي بالدَّيْن أم لا؟ وهذا غير صحيح؛ لأن الكفالة شيء معلوم لا غرر فيه، ولو كان هذا فاسدًا، لم يجز اشتراط رهن الثوب والعبد؛ لأنه لا يدري ما يوفي من الدين بل هو أشد غررًا؛ لأنَّ الغرر في الثوب والعبد من وجهين: تغيره في نفسه، ونزول أسواقه وزيادتها، وأنه لا يدري ما يشترى به، والغرر في رأس المال من وجه واحد، وهو أنه لا يدري ما يشترى به.
وهذا غير مراعى، ولو روعي ذلك لم يصح رهن، وإنما الاختلاف في الغرر في العبد الآبق والبعير الشارد، والثمر الذي لم يبدُ صلاحه، أو يقول الحميل: لا أقضيك حتى يموت المحتمل به، أو حتى يقضيك فلان.

الجزء: 7 - الصفحة: 3028

باب فيمن أسلم في ثوب، ثم زاد المسلم إليه دراهم أو غيرها قبل الأجل، ليأخذ إذا حلَّ الأجل غير تلكـ الصفة أو تلكـ الصفة ليكون أطول

ومن أسلم في ثوب ثم زاد المسلم المسلم إليه دراهم ليعطيه إذا حلَّ الأجل أصفق أو أرق أو أعرض - لم يجز، وهو فسخ دين في دين، ويجوز ذلك إذا حلَّ الأجل 281 وكان العرض الثاني حاضرًا، أو يقوما ليقبضه قبل الافتراق، وإن زاده قبل الأجل ليأخذ أطول وهو على الصفة في الجودة، جاز ذلك عند ابن القاسم 282. وقال سحنون: هو فسخ دين في دينٍ 283. والأول أصوب إذا كانت تلك الزيادة لا يرتفع لها ثمن الأول، ولا يزيد في ثمنه إلا على حساب ما زادت الأذرع التي أسلم فيها أخيرًا، وإن كان ذلك مما يرتفع له ثمن الأول، لم يجز.
ويجوز مثل ذلك في الإجارة أن يزيده 284 ليجعله أطول، وإن كان في ذلك زيادة في الثمن؛ لأنَّ ثمن المنافع لا تتغير لذلك.
ولو تغيرت الصفة وكانت الإجارة ليعمل له ثوبًا فنقله إلى عمل عمامة أو رداء - لم يجز، إذا كان العمل مضمونًا، ويختلف فيه إذا كان معينًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 3029

فصل [فيمن أقال من السَّلَم بعد أن زاد فيه]

وإن أخذ بعد الأجل من السَّلَم 285 أدنى صفة واسترجع شيئًا من رأس ماله، جاز إذا كان رأس مال السَّلَم مما تعرف عينه، أو مما لا تعرف عينه ولم يغب عليه وشهدت البيِّنَة أنه عين ماله، وإلا لم يجز ودخله بيع وسلف.
قال محمد: وإن نقد بعض الثمن، جاز أن يقيل مما نقد لا من بعضه، وأن يقيله مما لم ينقد ومن بعضه، ومما نقد ومما لم ينقد 286. وأرى إذا نقد نصف رأس المال أن تجوز الإقالة منه؛ لأنه يقبضه 287 ما لم ينقد ولا يعود إليه شيء، وإنما 288 يكون قصاصًا بما لم يقبض، ويجوز أن يقيله من نصف المقبوض فيقاصه به مما لم ينقد ويقبض الباقي، وإن كان الذي نقد أكثر من النصف باليسير، جاز، ولم يتهم.
قال 289 ابن القاسم في كتاب محمد في بيع وسلف: إذا كان الذي يرجع الشيء اليسير، قاله في الذي باع نصف سلعة بطعام على أن يبيع له النصف الآخر، وضرب أجلًا فباع في بعض الأجل.

الجزء: 7 - الصفحة: 3030

فصل [فيمن أسْلَم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه ونحو ذلكـ]

وقال ابن القاسم في من أَسْلَم في ثوب بذراع رجل بعينه إلى أجل: لا بأس به إذا أراه الذراع، ويأخذ قياس ذراعه عنده، وقال مالك في من أَسْلَم في ويبة 290 وحفْنة بدرهم 291: لا بأس به إذا أراه الحفنة 292. يريد إذا كان البيع ويبة أو ويبتين وما قلَّ فإن كثر لم يجز؛ لأن الغرر يكثر ولا ضرورة بهما إلى 293 أن يجعلا كيل ذلك بالحفنة، وليجعلا جميع ذلك ويبة أو جزءًا من الويبة.
وقال في من أسلم في ثوب حرير لم يكن عليه أن يشترط وزنه 294. وقال ابن حبيب: إن اشترط الوزن مع الصفة والذَّرْع 295 فجائز، وإن لم يفعل فجائز، وإن أراه المثل الذي يأخذ عليه فلا بأس.

الجزء: 7 - الصفحة: 3031

باب في الإقالة في الطعام والثياب والعبيد

إقالة الطعام تجوز قبل قبضه على عين رأس المال وعلى مثله إذا كان رأس المال عينًا دنانير أو دراهم، وإن كان رأس المال 296 عَرْضًا أو عبدًا، أو ما يقضى فيه بالقيمة، جازت الإقالة على عينه إذا لم يتغير في نقصه، ولم يجز على مثله ولا على قيمته.
واختلف إذا كان رأس المال شيئًا 297 مما يكال أو يوزن: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا 298 تجوز الإقالة على مثله ولا تولية 299 بمثله.
وأجازه أشهب في المجموعة 300. وهو أحسن، إذا كان المثل مما لا تختلف فيه الأغراض في الغالب، كالحديد والنحاس والرصاص وما أشبهها.
وإن كان مما يتحصل فيه المثل كالكتان وما أشبهه، لم يجز.
وإن كان رأس المال تبرًا أو ذهبًا مكسورًا أو نقرة 301 فضة، فيسأل عنه أهل المعرفة، فإن قيل: إنه يقطع، أن هذا مثل الأول، جازت الإقالة، وإن قيل: إنه

الجزء: 7 - الصفحة: 3032

لا يحاط بمعرفة ذلك، لم يجز.
وقال مالك في كتاب محمد: ولا تقيل 302 من طعام غائب عنك 303 ويدخله الدَّيْن بالدَّيْن، ولا توليه 304 لأحد، وفي الواضحة: ولا يشرك فيه 305. وأما الإقالة فيستوي فيها الطعام والعُرُوض، وقد منع مالك ذلك في العروض إذا اشترى سلعة غائبة أن يقيل منها، وقال: أراه من الدَّيْن بالدَّيْن 306. وأجازه أشهب 307، وقاله يحيى بن عمر قال: لأن ذمم هذين تبرأ ولا تنعقد.
وعلى هذا تجوز الإقالة من الطعام وإن كان غائبًا.
ويختلف في الشركة والتولية إذا كان الثمن الأول مؤخرًا إلى أن يقبض الطعام؛ لأن الذمم تختلف فيها الأغراض كالعُرُوض.
وقد اختلف في من اشترى طعامًا حاضرًا بثمن مؤجل ثم أشرك فيه عبده 308 أو ولاه قبل الأجل، فأجاز ذلك ابن القاسم في المدونة 309. ومنعه ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد 310.

الجزء: 7 - الصفحة: 3033

وقال أشهب: لا يصلح فيه إلا الإقالة وحدها، قال: وهو بمنزلة من وجب له طعام من إجارة أو اشتراه بعَرْض، فإنه لا (1) تصلح فيه إلا (2) الإقالة ما لم يفت العَرْض أو يعمل الأجير (3). قال ابن حبيب: لأن الذمم تختلف، فليس ذمته وذمة الذي أشركه أو ولاه سواء، ولا بد أن يكون أحدهما أملى أو أعدم.
قال: ولو بيع الغائب بالنقد؛ لأنه قريب الغيبة (4) لجازت التولية فيه والشرك، ولا يدخله فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، ولا بيع الطعام قبل قبضه (5).

فصل [في ما يمنع من الإقالة في السَّلَم]

حوالة الأسواق في رأس المال إذا كان رأس المال ثوبًا أو عبْدًا لا يمنع الإقالة، وإن تغير في نفسه بزيادة أو نقص، لم يجز.
والسَّمَانة بعد الهزال والهزال بعد السَّمَانة في الدواب فوت يمنع الإقالة، واختلف في مثل ذلك في الجواري، فلم يره في المدونة فوتًا 316. وقال ابن حبيب: الهزال البَيِّن بعد السَّمَانة، والسَّمَانة البَيِّنَة بعد الهزال البين في الجواري فوت، إذا ظهر على عيب يوجب له الرجوع بقيمة العيب 317.311312313314315

الجزء: 7 - الصفحة: 3034

فعلى هذا يكون ها هنا فوتًا ويمنع الإقالة.
وأرى أن ينظر إلى ما يقوله أهل المعرفة بقيمة الرقيق، فإن قالوا: إنما انتقل إليه من سِمَن 318 أو هزال ينتقل ثمنه لم تجز الإقالة، وإن لم ينقل ثمنه لم تمنع الإقالة.
واختلف في الحيوان إذا طالت مدته الشهرين والثلاثة: فقال ها هنا: ليس بفوت 319. وقال في كتاب البيوع الفاسدة: ذلك فوت وحمله على التغيير 320. والأول أحسن؛ لأنه يصح أن تمضي له مثل هذه المدة ولا يتغير، فكان حمله على ما كان عليه حتى يعلم غيره أو لا.
واختلف في من أسلم عشرة دنانير في طعام، ثم زاد المُسْلِم المُسْلَم إليه دينارًا، ثم ولي ذلك الطعام، فقال محمد مرة: يوليه على أحد عشر دينارًا، ومرة قال: لا تجوز فيه تولية بحال 321. والأول أحسن؛ لأنَّ الدينار ألحقه بالثمن، ولو كان ذلك في سلعة ثم استحقت لرجع بأحد عشر.
وقال في من أسلم في طعام بحميل أو رهن فولاه رجلًا على إن أسقط الحمالة، لم يجز، وإن أسقط ذلك قبل ثم ولاه، جاز، إذا تبين أنه أسقط ذلك عن بائعه 322.

الجزء: 7 - الصفحة: 3035

بخلاف الزيادة إذا أسقطت؛ لأنَّ الثمن ها هنا على حاله، وإنما أسقط ما كان من التوثق وليس ذلك بثمن.
وقال مالك في كتاب محمد في من أسلم في أصناف تمر: فلا بأس أن يولي صنفًا منها بما ينوبه 323. ويجوز على قوله الإقالة والشرك في كل صنف بما ينوبه.
وأجاز في المجموعة لمن أَسْلَم في طعام: قمح وشعير وعدس أن يولي صنفًا منها بما ينوبه 324. واختلف في من أسلم ثوبين في طعام فأقال من أحدهما بما ينوبه: فأجازه ابن القاسم في العتبية 325. ومنعه سحنون في المجموعة، وقال: أخاف أن يكون بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنَّ الغلط يدخل في التقويم 326، وقد كره ابن القاسم بيع أحدهما مرابحة إذا اُشتريا في صفقة واحدة 327. فعلى هذا لا تجوز الإقالة ولا التولية في أحد أصناف الطعام.
وإن أقال من نصف الطعام جاز قولًا واحدًا، ويسقط من السَّلَم من كل صنف نصفه، ويكون كل ثوب بينهما نصفين، بخلاف الإقالة على أحد الثوبين.
وأجاز مالك لمن أسلم عبْدًا أو ثوبًا في طعام أن يقيل من نصفه، وليس

الجزء: 7 - الصفحة: 3036

بالبَيِّن؛ لأنَّ الشرك (1) عيب.

فصل [في مسائل في السَّلَم والإقالة منه والتولية]

وقال مالك: إن أسلم رجلان إلى رجل في طعام، جاز لأحدهما أن يقيل من نصيبه، أو يوليه، قال: 329 وليس للشريك على شريكه في ذلك حجة، وإنما الحجة فيما بين الشريك والبائع 330. وقال سحنون: لا يجوز إلا بإذن شريكه في ذلك 331؛ لأنه لا يجوز أن يتقاضى دون شريكه 332. والأول أحسن؛ لأنَّ الشركة تضمنت عنده ألا يقتضي أحدهما دون الآخر، ولم يتضمن ألا يقيل؛ لأنها حل بيع.
وأجاز التولية ولم يرَ للشريك حجة في ذلك.
وقال مالك 333: إذا باع أحد الشريكين كان لشريكه أن يدخل في الثمن 334. والأول أحسن؛ لأنه إنما باع نصيبًا شائعًا هو له.
وإن أسلم رجل إلى رجلين جاز أن يقيل أحدهما، إلا أن يكون أحدهما328

الجزء: 7 - الصفحة: 3037

حميلًا بما على صاحبه، وله أن يولي وإن كان حميلين.
وقال أشهب في المجموعة في من أسلم إلى رجل في طعام فولَّى نصفه، جاز لكل واحد منهما أن يقيل من جميع نصفه لا من بعضه، أو يقيلاه، قال: 335 وإن أَسْلَم رجلان إلى رجل فولى أحدهما رجلين أو وهبهما أو ورثاه، جاز لكل واحد أن يقيل البائع من جميع ما صار له لا من بعضه، أو يقيلاه 336. والقياس في هذين الموضعين الجواز؛ لأنَّ المولي لم يكن بينه وبين المسلم إليه معاملة، وقد حمله على البراءة من التهمة؛ لأنه أجاز أن يقيله من جميع نصيبه، فلو حملهما على التهمة، لم تجز الإقالة؛ لأنَّ المسلم إليه قبض دينارين 337 ثم رد أحدهما بعد أن انتفع به، فإذا جاز أن يرد دينارًا جاز أن يرد نصف دينار، وكذلك إذا أَسْلَم رجلان إلى رجل فولَّى أحدهما من بعض نصيبه فينبغي أن يكون جائزًا، ولو كانت الإقالة من البعض بين الأول والثاني لم يصح؛ لأنه دفع شيئًا ثم استرجع بعضه.
وإن أسلم رجل إلى رجل في طعام ثم مات المسلم، جاز على قوله 338 إقالة بعض الورثة من جميع نصيبه لا من بعضه.
والقياس أن تجوز إقالة الوارث من البعض؛ لأن التهمة في بيع وسلف فيما بين المسلم إليه والميت دون ورثته، ولو كان ورثته في ذلك بمثابته، لم يجز أن يقيل أحد الورثة من جميع نصيبه.

الجزء: 7 - الصفحة: 3038

وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن حلَّ الأجل ثم قبض المسلم بعض الطعام، لم يجز أن يولي ما قبض وما لم يقبض، ولا مما يقبض وحده.
وأجاز في العتبية التولية مما لم يقبض، وقاله ابن حبيب (1). وهو أصوب ولا وجه للمنع؛ لأنه موصوف مضمون في الذمة، فالذي ينوب المقبوض والباقي سواء، وكذلك الشريك إن أشرك فيما قبض، وما لم يقبض، لم يجز.
ويختلف (2) إذا أشرك فيما لم يقبض وحده، ولا يصلح أن يقيل مما قبض ويدخله بيع وسلف، إلا أن يكون رأس المال شيئًا معينًا، ولا يصلح أن يقيل من الجميع مما قبض ومما لم يقبض.
قال مالك: إلا أن يكون المقبوض يسيرًا كالخمسة والعشرة من المائة (3).

فصل [في الإقالة في بيع العبيد بعد وجود عيب فيهم]

ومن باع عبْدًا بثوب فأصاب العبدَ عيبٌ ثم تقايلا، فإن علم بالعيب صحت الإقالة، وإن لم يعلم كان بالخيار بين القبول والرد.
وإن هلك العبد ثم تقايلا ولم يعلم بائع العبد بهلاكه، لم تلزم الإقالة، وإن علم وأقاله على قيمته، لم يجز، إلا أن يكونا قد علما القيمة.
وإن أقاله على مثله، جازت الإقالة إذا كان المثل موجودًا في ملك مشتري339340341

الجزء: 7 - الصفحة: 3039

العبد، وسواء كان المثل حاضرًا أو غائبًا عن البلد، فإن لم يكن في ملكه جاز على أحد القولين في مسألة المرابحة إذا اشترى بعَرْض فباع على مثله، وعلى القول بجواز السَّلَم على الحلول أو إلى يوم أو يومين.
ولو أقاله على أن يأخذ المثل إلى مئل آجال السَّلَم، جاز؛ لأن البيع كان على معينين فلا يدخله فسخ الدَّيْن في الدَّيْن، وإن حدث العيب بالعبد أو هلك بعد الإقالة كانت مصيبته من بائعه على القول أن الإقالة حلُّ بيع.
ويختلف على القول إنها ابتداء بيع، هل تكون مصيبته ممن هو في يده أو ممن يرجع إليه قياسًا على الاختلاف في المحبوسة بالثمن؛ لأن لمن بيده العبد أن يحبسه حتى يقبض الثوب، ولو كان ذلك سَلَمًا أسلم عبْدًا في ثوب جرى الجواب على ما تقدم، إلا أنه إن كانت الإقالة على المثل لم تجز، إلا أن يكون المثل في ملكه حاضرًا بين أيديهم أو يقوما لقبضه، وإلا كان دينًا بدَيْن.
ومن أسلَم في بلده وأقال بغيره جازت الإقالة، على أن يأخذ المثل في البلد الذي أقال فيه بالحضرة، وإن أقاله على أن يؤخر قبض المثل إلى البلد الذي أَسلَم فيه لم يجز، وكان دَيْنًا بدَيْن، ولو كان السَّلَم في طعام أسلم شيئًا مما يقضى فيه بالمثل فلقيه بغير بلد السَّلَم، لم تجز الإقالة بحال؛ لأن الإقالة على أن يتعجل المثل بموضع لقيه يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن ثمن ذلك في البلد أن يختلف، والإقالة على أن يؤخر القبض للبلد الذي كان أَسلَم فيه يدخله دَيْن بِدَيْن.

الجزء: 7 - الصفحة: 3040

فصل [في ضمان الطعام المقال منه بعد قبضه أو توليته أو الإشراك فيه]

ومن أقال من طعام ابتاعه بعد قبضه أو ولاه أو أشرك فيه، وكل ذلك قبل أن يغيب عليه لم يكن على كل 342 من كان في يده أن يكيله، وإن غاب عليه كان عليه أن يكيله في الإقالة والتولية.
واختلف في الشركة: فلم ير مالك عليه أن يكيله، فقال في من اشترى طعامًا واكتاله في سفينة، ثم أتاه رجل فقال: أشركني فيه ففعل فغرقت السفينة قبل أن يقاسمه، قال: هلاكه منهما جميعًا 343. وقال فضل بن سلمة: ينبغي أن تكون المصيبة من المشرك كالتولية، قال: ووجدت في بعض الكتب لسحنون قال: هذه مسألة سوء.
وقول مالك أصوب؛ لأن الشرك 344 يقتضي أن يكون له جزء: نصفٌ أو ثلثٌ أو ربعٌ، فهو بنفس القبول يكون شريكًا، إلا أن يدعو إلى المقاسمة.
وقال ابن حبيب في من أقال من طعام باعه فضاع بعد الإقالة: فضمانه من المقيل بائع الطعام إذا لم يغب عليه مشتريه، وإن كان قد اكتاله وغاب عليه كان ضمانه من المبتاع، حتى يكيله للبائع، وإن ولى الطعام كان ضمانه من المُولي حتى يكتاله المولى غاب عليه أو لم يغب حتى ضاع، إذا كان المولى قد اكتاله من البائع

الجزء: 7 - الصفحة: 3041

الأول، إلا أن يوليه ذلك على التصديق، وجعل الجواب في الشركة مثل ما في المدونة؛ لأنه لا يحتاج إلى كيل.
وأرى ألا يكون على الولى كيل إذا لم يغب عليه مشتريه؛ لأن المشتري يقول أنت قد عاينت كيله، فإن كان على الوفاء فهو حقي على البائع مني، وإن كان فيه بخس فقد رضيته لنفسي ودخلت عليه أنت، بمنزلة لو اشتريت سلعة فاطلعت فيها على عيب، ثم وليتها وأنت عالم بالعيب.
وقال ابن القاسم في من أسلم دنانير ثم أقال عنها وهي حاضرة بيد المُسْلَم إليه، فأراد المُسْلَم إليه أن يعطى غيرها، فقال المُسْلِم: لا أجد غيرها - كان القول قول المُسْلَم إليه، وله أن يعطى غيرها 345. وقال سحنون: ليس له أن يحبسها ويعطى غيرها وهو أقيس؛ لأنها بنفس الإقالة ملك للأول، فلا يجبر على أن يأخذ غيرها، وتكون مصيبتها على قوله من الأول.
وعلى قول ابن القاسم تكون مصيبتها ممن هي في يده حتى يسلمها.
تم كتاب السلم الثاني من التبصرة 346، والحمد لله حق حمده

الجزء: 7 - الصفحة: 3042

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثاني
باب فيمن أسلم فى دنانير في طعام سلمًا فاسدًا وأخد طعامًا غير ما أسلم فيه أو مثل ما أسلم فيه وأخذ دراهمفصل [فيمن باع دارًا واشترط على مشتريها النفقة عليه حياته]باب فيمن باع عبدًا بطعام موصوف أو أسلمه في طعام، وفي تأخير رأس مال السَّلَم، ومن أَسْلَم (1) بغير المكيال المعروففصل [في أحكام رأس مال السَّلَم المضمون]فصل [في أحكام رأس مال السلم المعين]فصل [في السَّلَم في الطعام بمكيال غير معروف]فصل [في شروط المسلم فيه واختلاف المسلم والمسلم إليه في قدر السّلم]فصل [في مكان القبض في المُسْلَم فيه]فصل [في تسليم المُسْلَم فيه في غير البلد المتفق عليه]فصل [في قول البائع أو المسلم إليه: إنه اكتال طعاما بعينه هل يصدقه المشتري أو المسلم]فصل [فيمن اشترى طعامًا أو أسلم على التصديق فوجده ناقصًا]باب في الاختلاف في السَّلَم وغيره من بيوع الآجال والنقدفصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم في الجودة]فصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم إليه في الأجل والصحة والفساد في السَّلَم]فصل [في اختلاف المُسْلِم والمُسْلَم إليه في مقدار المُسْلَم فيه]فصل [في اختلاف المتبايعين في الثمن قبل قبض المبيع]فصل [في اختلاف المتبايعين بعد قبض المبيع]فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض الثمن قبل قبض المبيع أو بعده قبل الافتراق]فصل [في اختلاف المتبايعين في قبض السلعة]فصل [في اختلاف المتبايعين في الاستثناء واشتراط الخيار]باب في الوكالة على السَّلَمفصل [في مسائل في الوكالة في السَّلَم والبيع وخشية المحاباة في ذلكـ]باب في تعدي الوكيل في البيع والسَّلَمفصل [في مسائل يخالف فيها الوكيل في السَّلَم والبيع ما أُمر به]فصل [في قبض ما أسلف فيه الوكيل بغير حضرته]باب في السَّلَم يؤخذ به رهن وهو (1) مما يغاب عليه فيدعي ضياعه فيريد (2) المسلم والمسلم إليه أن (3) يقاصه الرهن بالدَّيْنفصل [في من أَسْلَم في عروض وأخذ عليه رهنًا فهلكـ والمراعى في ذلكـ]فصل [في من باع عرضًا بدنانير مؤجلة وارتهن دراهم، أو مما يكال أو يوزن، أو عرضًا وادعى ضياعه، تم أرأد المقاصة قبل الأجل]فصل [فيمن باع حديدًا أو طعامًا بدنانير إلى أجل وارتهن ثوبًا أو طعامًا ثم ادَّعى ضياعه وأراد المقاصة]فصل [فيمن أسْلَم في طعام وأخد عليه رهنًا فهلكـ]باب فى من أَسْلَم في ثياب أو غيرها أو باع ثيابًا بعين أو أقرض عينًا أو ثيابًا، وأخذ (1) في جميع ذلكـ كفيلًا، وأراد الكفيل أن يصالح من له ذلكـ الحقفصل [فيمن أسلم مائة دينار, ثم صالح الكفيل عن دنانير أكثر منها أو أقل، أو على دراهم قبل الأجل وبعده]فصل [في صلح الكفيل بالعُرُوض قبل الأجل وبعده، والأوجه في ذلكـ]فصل [فى من أقرض رجلًا دنانير، وتكفل بها رجل، فدفع الكفيل قبل الأجل أو بعده دنانير أكثر أو أقل أو دراهم]فصل [فيما يجوز أخذه من الكفيل، وما لا يجوز]فصل [في ما يضمنه الكفيل وما لا يضمنه في القبض من الغريم]فصل [في الكفالة برأس المال]باب فيمن أسلم في ثوب، ثم زاد المسلم إليه دراهم أو غيرها قبل الأجل، ليأخذ إذا حلَّ الأجل غير تلكـ الصفة أو تلكـ الصفة ليكون أطولفصل [فيمن أقال من السَّلَم بعد أن زاد فيه]فصل [فيمن أسْلَم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه ونحو ذلكـ]باب في الإقالة في الطعام والثياب والعبيدفصل [في ما يمنع من الإقالة في السَّلَم]فصل [في مسائل في السَّلَم والإقالة منه والتولية]فصل [في الإقالة في بيع العبيد بعد وجود عيب فيهم]فصل [في ضمان الطعام المقال منه بعد قبضه أو توليته أو الإشراك فيه]
كتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل