التبصرة للخميكتاب الاستبراء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

الجزء: 10 - الصفحة: 4484

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

كتاب الاستبراء

باب في استبراء الأمة

1 أوجب الله سبحانه العدة على المطلقات المدخول بهنَّ ومنعهن الأزواج حتى يعلم 2 براءة أرحامهن، إما بالحيض وإما بمدة يعلم فيها أنها ليست بحامل، وهي ثلاثة أشهر، فإن لم تر حيضًا، أو تضع الحمل إن كانت حاملًا 3، وكان يمنع من لم يظهر منها 4 حمل، حفظًا 5 للأنساب وحماية أن تأتي بولد فلا تعلم 6 حقيقة من ينسب إليه منهما، أو يكونا فيه شريكين، ومنعت الحامل وإن كان النسب ثابتًا من الأول؛ لأنَّ فيه ضربًا من الاشتراك، ولا فرق بين ذلك في 7 حفظ الأنساب، ومنع الاشتراك في الولد بين الحرائر والإماء، فلا يجوز لأحد أن يطأ أمة تقدم فيها وطء لغيره إلا بعد استبراء رحمها من الأول، وبعد

الجزء: 10 - الصفحة: 4487

وضع حملها إن كانت حاملًا، قياسًا على المعتدات لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُوَطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" 8. ولحديث أنس قال: صارت صفية للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما بلغت سد الروحاء حلت ثم بنى بها.
أخرجه البخاري 9. ولحديث أبي الدرداء قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة مُجِح على باب فسطاط، فقال: "لَعَلَّهُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا" فقالوا: نعم.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَه".
أخرجه مسلم 10. وفي النسائي عن ابن عباس قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وطء الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن 11. وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي أمية: أنه قال في امرأة توفي عنها زوجها فاعتدت، ثم تزوجت، ثم أتت بولد تام لأربعة أشهر، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك 12، فقال 13 نسوة من أهل المدينة: هذه امرأة هلك عنها زوجها حين حملت فأهريقت دمًا فحبس 14 ولدها في بطنها، فلما أصابها الثاني وأصاب الماء الولد تحرك في بطنها وكبر،

الجزء: 10 - الصفحة: 4488

فصدقهن عمر وفرق 15 بينهما 16. فكان منع وطء الحامل؛ لأن فيه ضربًا من الاشتراك.
وقد اختلف فيمن وطئ أمته وهي حامل من غيره، هل يعتق عليه ذلك الولد 17؟ فذكر ابن حبيب عن الليث بن سعد وغيره أنهم قالوا 18: يعتق عليه.
وقال، قال 19 ابن لهيعة: لم يزل الخلفاء يقضون بذلك.
وروى مطرف عن مالك أنه قال: يعتق بغير حكم، ولو كان ذلك الحمل جارية، لم يجز لابن السيد أن يطأ تلك الجاوية إذا وطئ الأب 20 أمها وهي حامل بها 21.

الجزء: 10 - الصفحة: 4489

باب في صفة الاستبراء

ومن المدونة قال مالك في المستحاضة: تستبرأ بثلاثة أشهر إلا أن تشك فيرفع بها إلى تسعة أشهر 22، قال: وكذلك 23 التي رفعت حيضتها بمنزلة واحدة 24. قال ابن القاسم: لأن استبراءها عنده إنما كانت حيضة، فلما رفعت هذه حيضتها أو استحيضت هذه، كانت بمنزلة واحدة لا حيض لها 25، إلا أن مالكًا قال في المستحاضة تكون في عدة من طلاق أو موت: إذا جاءها دم لا تشك فيه أنه دم حيض للونه وتغيره يعرف النساء رائحته 26 تكف عن الصلاة، فهذه الأمة المستبرأة 27 المستحاضة كذلك، إن جاءها دم لا تشك فيه 28 أنه دم حيضة، رأيت ذلك استبراء 29. قال الشيخ -رحمه الله-: اختلف في الأمة المستحاضة في ثلاثة مواضع 30: أحدها: هل تستبرئ بثلاثة أشهر أو تسعة أشهر؟ 31

الجزء: 10 - الصفحة: 4490

والثاني: إذا كانت ممن ترى الحيض هل تبرئها حيضة أو ثلاثة أشهر؟ والثالث: إذا كانت غير مستحاضة استبرئت بحيضة ثم تمادت 32 استحاضة، فقال في المدونة: تستبرأ المستحاضة بثلاثة أشهر 33، وقال في كتاب محمد: تستبرأ بتسعة أشهر 34. والأول أصوب؛ لأن الله -عز وجل- جعل الثلاثة الأشهر دليلًا على البراءة، والتسعة أمدًا للوضع، فإذا تبين عند انقضاء أمد 35 الطهور 36 أنه لا حمل بها، لم يجب أن تنتظر أمد الوضع، فإذا استرابت بحس بطن، لم تبرأ بالثلاثة أشهر قولًا واحدًا وانتظرت أمد الوضع، وهي تسعة أشهر 37 إلا أن تذهب الريبة قبل ذلك، أو تتحقق فتنتظر الوضع وإن بعد سنين.
ومن 38 اشترى أمة مستحاضة وهي من العلي، كانت في المواضعة تلك الأشهر الثلاث، وكانت 39 نفقتها هي 40 على بائعها، فإن ظهر حمل 41 رد به 42؛ لأن المشتري دخل على عيب الاستحاضة ولم يدخل على عيب الحمل،

الجزء: 10 - الصفحة: 4491

وكذلك إذا استرابت بحس بطن 43 ورفعت إلى تسعة أشهر، فإن له أن يردها 44 ولا يلزمه الصبر إلى أمد الوضع وهو تسعة أشهر 45. واختلف في المستحاضة ترى الحيض، فقال في المدونة: تجزئها الحيضة في الاستبراء، وكذلك المعتدة ترى الحيض 46 تبرأ بثلاث حيض ولا تنتظر السنة.
وروى عنه ابن وهب: أن ذلك الدم لا تعتد به من العدة ولا من الاستبراء في أقرائها، إلا أنها لا تصلي 47. والأول أحسن؛ لأن ذلك 48 حيضة حقيقة, فيسقط به 49 الضمان عن البائع وتحل به 50 المعتدة؛ لأن الاستحاضة لا حكم لها في براءة الرحم، وقد كان استبراؤها إذا لم تر حيضًا بثلاثة أشهر على غير 51 حكم المستحاضة إذا عدمت الدم، فإذا رأت الحيض كان دليلًا على براءتها من الحمل.
وكذلك الحرة تكون في عدة من طلاق وهي مستحاضة فترى الحيض، أنها تبرأ بالثلاث حيض، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة: "إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ" 52. فسلم أن ذلك حيض وأن

الجزء: 10 - الصفحة: 4492

له (1) أحكام الحيض وللاتفاق من قول مالك وأصحابه أنها تدع الصلاة، ولا يصح معه صوم وتحرم فيه على زوجها، ويجبر على رجعتها إذا طلق فيه.
واختلف إذا حاضت ثم استحيضت، فقال أشهب: هي من المشتري ولا ترد به، وقال في الواضحة: إن للمشتري أن يرد به (2)، وموضع الخلاف إذا كانت في يد البائع أو في يد غيره وهي (3) محبوسة بالثمن؛ لأنها تصير بعد بانقضاء الحيضة كالعبد، أو الثوب يحبس بالثمن.
فعلى القول أن مصيبته من البائع، تكون (4) مصيبة هذه (5) من بائعها حتى يقبضها المشتري.
وعلى القول أن مصيبةَ العبدِ أو الثوب من المشتري بالعقد تكون مصيبة هذه إذا خرجت من الحيضة من المشتري، إلا أن تكون استحاضتها في أول ما رأت الدم وقبل أن يمضي لها قدر حيضة, فتكون من البائع، أو تشك في أول ذلك هل ذلك (6) حيض أو استحاضة؟

فصل [في ارتياب الأمة في الحيض]

ارتياب الأمة هو 59 على وجهين: بتأخر الحيض، وبحس بطن 60 تشك 61 هل هو حملٌ أم لا؟ فإن كانت الريبة بتأخر الحيض كان فيها قولان: فروى ابن535455565758

الجزء: 10 - الصفحة: 4493

القاسم وابن وهب عن مالك أنه قال: تستبرأ (1) تسعة أشهر، وروى أشهب وابن غانم عنه: أنها تستبرأ (2) بثلاثة أشهر ثم يدعى إليه (3) القوابل، فإن قلن أنه لا حمل بها حلت، وبه قال أشهب (4). وهو أحسن، وقد تقدم وجه ذلك في ذكر المستحاضة، وإن كانت الريبة بحس بطن انتظرت أمد الوضع، وهو تسعة أشهر، إلا أن تذهب الريبة قبل ذلك فتحل، أو يتحقق الحمل فتنتظر الوضع.

فصل [في وجوه استبراء الأمة]

الأمة المستبرأة 66 على عشرة أوجه: ذات حيض، وذات حمل، ومن لا تحيض لصغر أو كبر، ومرتابة، ومستحاضة، ومريضة، ومرضع، ومعتدة من طلاق أو وفاة، وقد تقدم ذكر المستحاضة والمرتابة، وإن كانت ذات حيض استبرئت بحيضة واحدة، ولا خلاف في الذهب في ذلك، وعليه فقهاء الأمصار؛ مالك 67 والشافعي 68 وأبي حنيفة 69 وغيرهم، وحكي عن ابن المسيب أنه قال: تستبرأ بحيضتين، وجعلها كالأمة المعتدة من طلاق.
وعن ابن سيرين أنه قال: تستبرأ بثلاث حيض، والأول أصح؛ لحديث62636465

الجزء: 10 - الصفحة: 4494

أنس في صفية 70: أنها حلت لما بلغت سد الروحاء 71. ومعلوم أنه لم يكن بين مصيرها إليه 72 وإتيانه بها ما تحيض فيه أكثر من حيضة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُوَطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" 73. فأحلها بوجود الحيض ولم يشترط ثلاثًا.
وقال ابن عباس: كانت المرأة من أهل الحرب إذا هاجرت لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حلت للأزواج.
أخرجه البخاري 74. واختلف في قدر الحيضة التي تبرئها على أربعة أقوال، فقيل: أقل ذلك خمسة أيام، وهو قول عبد الملك بن الماجشون وسحنون، وقال محمد بن مسلمة: أقله ثلاثة أيام 75. وقال مالك في كتاب محمد 76، في امرأة رأت الدم يومًا أو يومين: تترك له 77 الصلاة ولا يكون حيضة يومًا 78، وأرى أن يسأل عنه النساء ولا تكون حيضة يومين 79. يريد: أن يسأل النساء فيما زاد على اليومين.
وقال في المدونة: إذا رأت الدم يومًا أو بعض يوم يسأل عنه النساء، فإن قلن: إن الدم 80 يكون يومًا أو بعض يوم، كان استبراء.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: إلا أن تكون حيضتها قبل ذلك أكثر من هذا فلا أراه

الجزء: 10 - الصفحة: 4495

استبراء 81. قال الشيخ: وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله النساء، فإن قلن إن الحيضة تكون يومًا أو بعض يوم، قُبل قولهن وبرئ البائع في ذلك وحلت للمشتري، وهذا إذا علم أن ذلك عادة هذه الأمة، وإن لم يعلم لم يبرأ البائع بذلك 82 ولم تحل للمشتري؛ لأن مثل ذلك لا يكون حيضة إلا نادرًا، ولا يدرى هل هذا بقية حيضة تقدمت ومما يضاف إلى الأول، أو هو حيض مستأنف؟ وإذا أشكل الأمر لم يبرأ الأول بالشك ولم تبح لهذا، وإن كانت في الإيقاف من أول طهرها فأقامت طهرًا كاملًا، برئ البائع به وحلت للمشتري؛ لأنها لا تخلو من أحد أمرين: إما أن يعاودها الدم بقرب ذلك، فهو مضاف إلى الأول، أو بعد أمد يكون طهرًا، فالأول حيضة كاملة، إلا على ما روى ابن وهب عن مالك: أنها لا تبرأ بدخولها في الدم حتى يعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة، فلا يبرأ البائع بهذا القدر إذا لم يعلم أنها تقدمت لها عادة.

الجزء: 10 - الصفحة: 4496

فصل [في استبراء الأمة الحائض]

واختلف في الأمة تكون حيضتها من (1) ستة أشهر إلى ستة أشهر فقال ابن القاسم في العتبية: تبرئها ثلاثة أشهر (2). وقال أيضًا: لا تبرئها إلا الحيضة، فإن استرابت فأقصى ما تستبرأ (3) به تسعة أشهر (4). والأول أصوب؛ لأن المطلوب علم براءتها من الحمل، وذلك يعلم من طريقين بالحيضة, وبمضي ثلاثة أشهر، فإذا علم براءتها بدليل مضي الأشهر، لم يجب انتظار الدليل الآخر الذي هو الحيض، وكما لو تقدم الحيض لم يجب انتظار الأشهر؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما دليل بانفراده.

فصل [في استبراء الأمة الحامل]

وإن كانت حاملًا لم تكن فيها مواضعة، كانت من الوخش أو من العلي، ولا يحل وطؤها للمشتري حتى تضع.
ويفترق الجواب في القبلة 87 والمباشرة والمضاجعة، فإن كان ذلك الحمل 88 من زوج طلق أو مات، لم يحل ذلك له 89 منها 90 لأنها معتدة.83848586

الجزء: 10 - الصفحة: 4497

واختلف إذا كان ذلك (1) من زنا (2) أو كانت مسبية، فمنع ذلك مالك (3) في المدونة (4) قياسًا على المعتدة وحماية؛ لأن ذلك ذريعة إلى الإصابة (5). وأجازه ابن حبيب (6). والأول أبين.
وإن وضعت ولدًا وبقي في بطنها آخر، لم تحل حتى تضع آخر ما في بطنها.
وإن وضعت علقة أو مُضغة حلت.
واختلف في الدم المتجمع، فقال مالك: إن استوقن أنه ولد حلت (7)، وقال أشهب: لا تحل.

فصل [في استبراء الأمة التي لا تحيض]

وإذا كانت الأمة ممن لا تحيض، فإنها لا تخلو من خمسة أوجه: إما أن تكون في سن من لا تطيق الرجال 98، أو ممن تطيقهم 99 ولم تقارب المحيض، أو قاربت المحيض 100، أو جاوزت ذلك ولم تبلغ اليأس، أو قد يئست وقعدت عن المحيض، فإن كانت صغيرة 101 في سن من لا تطيق الوطء وهي ثيب؛ لأنه91929394959697

الجزء: 10 - الصفحة: 4498

عنف عليها، مثل بنت ست سنين وسبع، لم يكن فيها استبراء، ولا مواضعة على بائعها، وإن كانت فوق ذلك مثل بنت 102 تسع سنين أو عشر، كان فيها عن مالك قولان: وجوب الاستبراء، وهي رواية ابن القاسم عنه 103. ونفيه، وهي رواية ابن عبد الحكم عنه، فوجه الأول أن من كانت في مثل ذلك السن قد يخشى منها الحمل وإن لم يكن غالبًا.
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه رأى جدة بنت إحدى وعشرين سنة.
وقال محمد بن عبد الحكم: عرفني رجل أنه رأى باليمن جواري كثيرة يحملن لتسع سنين، فكان الاحتياط للأنساب لهذا الوجه أولى.
وقياسًا على الحرة المعتدة في قول الله -عز وجل-: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] ووجه القول الثاني أنه وإن كان يصح وجود الحمل فيمن كانت في ذلك السن، فهو 104 نادر والنادر لا حكم له، والمراعى في الأحكام ما يكون غالبًا إلا في مثل تلك البلدان التي يكون ذلك فيها كثيرًا مثل اليمن، وعرفت أنه في بادية مكة مثل ذلك كثيرًا.
وإن قاربت المحيض مثل ابنة ثلاث 105 عشرة سنة، أو أربعة عشر، كان الاستبراء فيها واجبًا، وكذلك إذا جاوزت سن 106 المحيض ولم تبلغ اليأس، مثل ابنة ثلاثين أو أربعين أو خمسين، فإن الاستبراء فيها واجب.
واختلف عن مالك إذا يئست وقعدت عن المحيض، فروى ابن القاسم عنه: أن فيها الاستبراء 107. وروى ابن عبد الحكم أنه: لا استبراء فيها، فأما

الجزء: 10 - الصفحة: 4499

الاستبراء فحماية لئلا يتذرع الناس بذلك إلى إصابة من يخشى منها الحمل ولم تدخل في سن اليأس، وقياسًا على المعتدة من طلاق في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4] فأوجب الله -عز وجل- العدة على اليائسة حمايةً، لئلا يتذرع إلى إصابة من يخشى منها الحمل، وأما سقوطه فإن منع الإصابة في الاستبراء خوفًا من اختلاط الأنساب، فإذا أمن ذلك وقطع بأنها بريئة وأنه لا حمل بها، لم يكن فيها استبراء ولم يقسها على المعتدة، لما كان الاستبراء أخفض رتبة، وإن في العدة ما هو تعبد وزيادات على الاستبراء.

فصل [في استبراء المريضة والمرضع]

واستبراء المريضة والمرضع يتأخر عنهما الحيض بثلاثة أشهر؛ لأنها المدة التي يظهر فيها الحمل، وهما في ذلك كالمرتابة يتأخر عنها الحيض، إلا أن تحس في نفسها ريبة فتسعة أشهر.

فصل [في بيع الأمة وهي في عدة الطلاق]

وإن بيعت الأمة وهي في عدة من طلاق وهي ممن تحيض، استبرئت بحيضتين إذا كان استبراؤها بعد الطلاق وقبل أن تحيض، والعهدة على البائع في الحيضة الأولى، فإذا حاضت حيضة استحق البائع قبض الثمن وبقيت في المواضعة حتى تحيض الثانية حيث كانت تعتد فيه قبل البيع، وإن بيعت بعد أن حاضت حيضة، لم يستحق الثمن إلا بعد أن تحيض الأخرى، وإن بيعت وهي في آخر الثانية، كانت فيها المواضعة إلى أن تحيض أخرى قولًا واحدًا، وعليه الاستبراء إن أسقط المواضعة إذا كانت عند سيدها، وإن كانت معتدة في بيت

الجزء: 10 - الصفحة: 4500

زوجها كان فيها قولان، فقول ابن القاسم: له المواضعة وعليه الاستبراء (1). وفي كتاب محمد: لا مواضعة له ولا استبراء عليه، وهذا قياس على التي أقال منها وهي في الإيداع ولم يغب عليها المشتري، وكذلك الجواب إذا اشتراها زوجها وهي في عدة منه.
فإن لم يصبها بعد الشراء جرت على حكم المعتدة، وإن أصابها بعد الشراء سقط حكم العدة، وجرت على حكم الأمة غير المعتدة، ولو اشتراها زوجها وهي زوجة انفسخ النكاح بالشراء، فإن باعها قبل أن يصيبها وقبل أن تحيض، كان فيها قولان، فقيل: هي كالمعتدة تستبرأ بحيضتين.
وقيل: بحيضة؛ لأن الحيضة الثانية في الطلاق تعبد وهذا فسخ، ورأى في القول الأول أن الزائد على الواحدة في الطلاق احتياط واستظهار لحرمة الزوجية، فاستوى في ذلك الفسخ والطلاق، فإن وطئ قبل البيع استبرئت بحيضة وارتفع الخلاف، وإن كان استبراؤه إياها قبل الدخول استبرئت بحيضة، وسواء اشتراها قبل الطلاق أو بعده، أصابها بعد الشراء أم لا.

فصل [في استبراء المعتدة التي لا تحيض لصغر أو كبر]

وإن كانت معتدة لا تحيض لصغر أو كبر، فثلاثة أشهر مثل غير المعتدة، وإن كانت مرتابة أو مستحاضة فسنة، ينتقد البائع الثمن بعد مضي ثلاثة أشهر إذا لم يظهر حمل، وإن ظهر حمل كان بالخيار بين الرد أو التمسك، وينقد الثمن وتبقى في الموضع الذي تعتد فيه حتى تضع، وإن كانت في عدة من وفاة فشهران وخمس ليال مع حيضة، وإذا حاضت انتقد البائع الثمن وكان المشتري108

الجزء: 10 - الصفحة: 4501

ممنوعًا منها ومن نقلها إلى تمام العدة، وإن كانت لا تحيض لصغر وهي في سن من لا تطيق الرجل، فشهران وخمس ليال، وللبائع أن ينتقد الثمن بنفس البيع؛ لأن العدة ها هنا تعبد.
وإن كانت في سن من تطيق الرجل أو يائسة فثلاثة أشهر، ولا ينتقد البائع الثمن حتى تمضي الثلاث إن كان يخشى منها الحمل، وإن كان لم يخش وجب النقد، وإن مضى بعض العدة قبل الشراء استأنف ثلاثة أشهر.
والقياس إذا انقضت العدة وهي في بيت الزوج ولم يغب عليها السيد؛ أن تكون المواضعة من حق المشتري، وله أن يسقطها ويصيب من غير استبراء؛ لأن المعتدة كالمؤتمنة على نفسها في ذلك الوقت، وبقية ما يتعلق بهذا المعنى يذكر فيما بعد إن شاء الله.

الجزء: 10 - الصفحة: 4502

باب في استبراء المغتصبة والمكاتبة والمسبية وغيرهن

ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اغتصب أمة فردت عليه: إن عليه الاستبراء.
وقال أيضا: أحب إلي أن يستبرئها 109. وقال ابن القاسم في الأمة تصير إلى الرجل بشراء أو هبة أو صدقة أو ميراث أو مغنم أو غير ذلك: فإن فيها الاستبراء 110. قال الشيخ: الأمة في الاستبراء على ثلاثة أحوال، فحالة يجوز له أن يصيبها من غير استبراء، وحالة لا يجوز له إلا من بعد الاستبراء، وحالة يختلف هل يكون عليه فيها استبراء أم لا؟ فإن كانت الأمة قد تيقن أنها لم تصب، أو أنها في طهر لم تصب فيه، لم يكن استبراء، وإن كان معلومًا أنها أصيبت، كان فيها الاستبراء، وإن لم تعلم حقيقة ذلك وأشكل أمرها؛ فإن كان الغالب أنها أصيبت أو شك فيها أو ترجح الوجهان -الإصابة وعدمها- وجب الاستبراء أيضًا، وإن كان الغالب عدم الوطء، أو كانت التهمة بوطء حرام حاضت خيفة أن تكون قد زنت؛ كان فيها ثلاثة أقوال، فقيل: الاستبراء فيها واجب.
وقيل: مستحب.
وقيل: ساقط.
وهذه أصول هذه المسائل.

الجزء: 10 - الصفحة: 4503

فصل [فيما يجب مراعاته في استبراء الأمة]

ويراعى في استبراء الأمة ثلاثة أوجه، أحدها: صفتها هل هي رائعة أو من الوخش؟ والثاني: سنها هل هي في سن من يخشى منها الحمل أم لا؟ والثالث: البائع هل هو رجل أو امرأة؟ وإذا كان رجلًا هل هو ممن يجوز له وطؤها ويخشى منه الحمل، أو ممن لا يخشى ذلك منه لأنه حصور أو مجبوب أو خصي، أو ممن لا يجوز له وطؤها كالعم والخال وابن الأخ وابن الأخت، فإن كانت الجارية رائعة وهي في سن من يخشى منها الحمل والبائع لها رجل وهو ممن يحل له وطؤها ويخشى من إصابته الحمل، كان على من صارت إليه الاستبراء فيها واجبًا إذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة؛ لأن الغالب الوطء والحمل مترقب، فإن انخرم شيء من هذه الشروط، فكانت الأمة من الوخش أو من العلي وهي في سن من لا يخشى منها لصغر أو كبر، أو في سن من يخشى منها الحمل والبائع ممن لا يخشى ذلك منه، كالصبي والحصور والصغير والخصي والمجبوب والمرأة، أو ممن لا يحل له وطؤها كالعمِّ والخال وابن الأخ وابن الأخت، كان الاستبراء مختلفًا فيه، فإن كانت من الوخش كان في استبرائها قولان؛ فقيل: واجب.
وقيل: مستحب، فوجه الأول أن الأمر فيها مشكل، هل أصيبت أم لا؟ فلا يستبيحها بالشك، ووجه الثاني أن الغالب في أمثالها عدم الوطء وغيره نادر والنادر لا حكم له، وهذا إذا كان البائع لها رجلًا، فإن كانت امرأة كان استحسانًا، وإن كانت أمة سوداء وهي من عليِّ ذلك الصنف كان الاستبراء واجبًا، وإن لم تكن من عليٍّ كانت على الخلاف المتقدم، إلا أن 111

الجزء: 10 - الصفحة: 4504

يعلم من البائع ميله لذلك الصنف فيكون واجبًا، أو تكون متجالة فلا يكون فيها استبراء.
وإن كانت الجارية من عليِّ الرقيق والبائع لها صبي أو امرأة، كان فيها ثلاثة أقوال، فقال مالك في المدونة: استبراؤها واجب (1). وكذلك إذا كانت لخصي أو حصور أو مجبوب فالاستبراء فيها واجب على قوله (2). وقال في الحاوي: إذا كان البائع امرأة أو صبيًّا أو خصيًّا فلا استبراء فيها.
ويجري فيها قول ثالث: أن الاستبراء مستحب؛ لأن الاستبراء خيفة أن تكون قد زنت، وهذا الوجه تساوى فيه العلي والوخش، والذي ذهب إليه أشهب في هذا الأصل في كتاب محمد قال: ولا يكون (3) الاستبراء من سوء الظن (4)، إذ يدخل ذلك المماليك والحرائر (5). يريد أنه يلزم من ألزم الاستبراء في مثل ذلك، أن يقول متى طلق الرجل زوجته وأمته تتصرف أن لا يصيبها إلا بعد الاستبراء، وهذا إلزام صحيح وهو موافق لما حكاه أبو الفرج عن مالك.

فصل [في استبراء البكر]

واختلف في استبراء البكر، والمذهب على أن الاستبراء فيها واجب كالثيب، وذكر البخاري عن ابن عمر أنه قال: ليس فيها استبراء 117. وفي112113114115116

الجزء: 10 - الصفحة: 4505

مسلم، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَأْتِيَنَّ الرَّجُلُ ثَيِّبًا 118 مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا" 119. ففي هذا دليل على أن البكر بخلافها؛ لأن الثيب وطئت، وأرى الاستبراء فيها استحسانًا 120 على وجه الاحتياط، ولا يجب 121؛ لأن الغالب في بقاء البكارة عدم الوطء، ويستحسن ذلك لإمكان أن تكون أصيبت خارج الفرج، وقد تحمل المرأة على 122 بقاء البكارة، وهذه الجملة عمدة لما يحتاج إليه في استبراء الإماء، فإن غصبت أمة ثم عادت إلى ربها وكانت من العليِّ والغاصب رجل وهو ممن 123 يخشى منه الحمل، وجب على سيدها فيها الاستبراء.
ويختلف إذا كانت من الوخش، إلا أن يعترف الغاصب أنه أصابها فيجب فيها الاستبراء، وإن ضمن الغاصب قيمتها، لم يكن له أن يصيبها إلا بعد الاستبراء، فإن حاضت عنده ولم يصبها حتى ضمن، لم يكن عليه أن يستبرئها ثانية، وإن استبرأها ثم أصابها ثم ضمن قيمتها، كان عليه أن يستبرئها ثانية ولا يصب ماءه على الماء الفاسد.
وإن كان قد أصابها قبل أن يستبرئها ثم ضمن، لم يصبها إلا بعد = البيوع، قبل حديث رقم (2120).

الجزء: 10 - الصفحة: 4506

الاستبراء؛ لأنه لا يدري هل كانت حاملًا قبل ذلك؟ ومن كاتب أمة ثم عجزت، فإن كانت غير متصرفة وإنما تؤدي كتابتها من صنعة تعملها عنده، أو كانت متصرفة ثم تأوي إليه وهو الذابُّ عنها، لم يكن عليه فيها استبراء.
وإن كانت منقطعة عنه كان فيها قولان، الاستبراء وهو قول ابن القاسم، ونفيه وهو قول أشهب (1). والاستبراء في هذا (2) حسن وليس بواجب، إلا أن تكون مغموصًا (3) عليها في مثل ذلك فيجب فيها الاستبراء؛ لأنه قد اجتمع فيها وجهان، الظنة في ذلك، وانقطاعها عنه، ولو كانت أمة لرجل متصرفة في صناعة أو غيرها ثم تأوي إليه، لم يكن عليه أن يستبرئها (4) إن أرادها، إلا أن يكون مغموصًا عليها في طرائقها (5) فيستحب له (6) الاستبراء، أو تكون معروفة بالفساد فيجب الاستبراء.
ومن صارت إليه أمة من السبي وجب فيها الاستبراء إن كانت من العلي، ويختلف فيه إن كانت من الوخش.

فصل [في استبراء الأمة المرهونة والموهوبة]

ومن رهن أمة ثم افتكها، فإن كان المرتهن مأمونًا وله أهل، لم يكن على سيدها فيها استبراء.
وإن كان مأمونًا ولا أهل له، كان الاستبراء فيها مستحبًّا.124125126127128129

الجزء: 10 - الصفحة: 4507

وإن كان غير مأمون في مثل ذلك، كان الاستبراء فيها 130 واجبًا.
وسواء كان له أهل أم لا، إلا أن تكون من الوخش.
وكذلك إذا وهبها وكان الواهب قد أصابها وقبضها الموهوب له على وجه الأمانة ثم عادت إلى الواهب 131 قبل أن تحيض، جرت على أحكام الوديعة، فينظر إلى الموهوب له، فإن كان مأمونًا وله أهل، لم يجب فيها استبراء، وإن كان لا أهل له، كان الاستبراء فيها 132 استحسانًا، وإن كان غير مأمون وجب الاستبراء 133، كان له أهل أم لا.
وإن عادت إليه بعد أن حاضت، وجب فيها الاستبراء على كل حال، وإن كان مأمونًا وله أهل، وإن قال الواهب: لم أهب، وقبضها الموهوب له على وجه الحوز 134 لنفسه ثم رجعت إلى الواهب قبل أن تمفي لها حيضة، لم تحل له 135 إلا من بعد الاستبراء.
وسواء كان الموهوب له مأمونًا أو غير مأمون؛ لأنه قد يحمل الواهب في قوله: (لم أهب) 136 على الصدق، ويعتقد أنه لا استبراء فيها.
وإن وهب الأب ولده الصغير أمة ثم اعتصرها، فإن كانت لا تتصرف لم يكن فيها استبراء.
ويختلف إذا كانت تتصرف 137، فقال ابن القاسم: عليه الاستبراء 138. وعلى أصل أشهب لا يكون فيها استبراء؛ لأن الاستبراء ها هنا

الجزء: 10 - الصفحة: 4508

من سوء الظن خيفة أن تكون زنت وهو أحسن، إلا أن يكون قبلها في مثل ذلك ظنة، وكذلك إذا وهبها لولده الكبير ولم يغب عليها، وإن غاب عليها واعترف الولد أنه لم يصبها، كان للأب 139 أن يعتصرها.
قال ابن القاسم: وعليه أن يستبرئها 140. يريد 141: إذا كانت عنده تخرج خيفة أن تكون زنت، وليس ذلك عليه على قول أشهب.
وهذا إذا كان الابن مأمونًا، فإن كان غير مأمون لم يصبها الأب وإن استبرأ، لإمكان أن يكون الابن قد أصابها.

الجزء: 10 - الصفحة: 4509

باب فيمن اشترى أمة فاحتبسها البائع بالثمن فحاضت عنده, هل تسقط بذلك المواضعة؟ أو استقال منها المشتري بعد القبض لها هل تكون (1) فيها (2) مواضعة؟

ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اشترى أمة فاحتبسها البائع بالثمن فحاضت عنده ثم دفع المشتري الثمن وقبض الجارية، قال: إن أخذها في أول حيضتها 144 أجزأه ذلك، وإن كانت في آخر حيضتها أو بعد أن طهرت، لم يجزئه حتى تحيض حيضة مستقبلة وعلى البائع المواضعة، قال: وإن لم يمنعه البائع من 145 القبض حتى طهرت 146 عنده وكانت من علي الرقيق، تواضعاها أيضًا، وإن أمكنه منها وتركها عنده، كانت 147 حيضتها استبراءً للمشتري؛ لأن ضمانها منه؛ لأنه استودعه إياها، وهو بمنزلة ما لو وضعها عند غيره 148. قال الشيخ -رحمه الله-: قوله إذا علم أنها حاضت بعد العقد أن فيها المواضعة، هو على أحد قوليه في المحبوسة بالثمن أنها من البائع حتى يقبضها المشتري، فإن ثبت أن هذه أحدثت أمرًا بعد تلك الحيضة كانت من البائع؛ لأنها في ضمانه.142143

الجزء: 10 - الصفحة: 4510

وأمَّا على (1) قوله في المحتبسة (2) بالثمن، أنها في ضمان (3) المشتري بالعقد، يكون البائع بريئًا بتلك الحيضة ولا مواضعة عليه؛ لأنها إن أحدثت ما يوجب الحمل بعد تلك الحيضة كانت قد أحدثته في ملك المشتري، ثم يكون حكم المشتري فيما يجب عليه من الاستبراء، أو يستحب له أن يسقط وجوب ذلك عنه على حكم المودعة، وجعل الجواب إذا لم يمنع من قبضها كالتي منع منها (4)؛ لأنَّ مِنْ حقِّ البائع الحبس لها (5) حتى يقبض الثمن، إلا أن تكون العادة عندهم التسليم ثم يتبع بالثمن، فإن البائع يبرأ بتلك الحيضة.

فصل [فيمن باع أمة ثم استقال منها]

ومن باع أمة ثم استقال منها وهي في يديه ولم تبن عنه ولم تكن حاضت بعد البيع، أو حاضت واستقاله في أول دمها، لم يكن فيها مواضعة, وإن استقاله بعد أن خرجت من الحيضة وانتقل الضمان عن البائع، فإن اعترف البائع أنها لم تخرج من 154 عنده، لم يكن عليه 155 استبراء ولا له مواضعة، وإن قال: إنها كانت تخرج، كان له المواضعة على المشتري.
ويختلف إذا أسقط حقه في المواضعة، هل يكون عليه الاستبراء؟ وكذلك149150151152153

الجزء: 10 - الصفحة: 4511

إذا كانت على يد امرأة، فإن استقال قبل أن تحيض، لم تكن فيها مواضعة، وإن كانت الإقالة بعد أن حاضت وطهرت، أو كانت في آخر دمها وكانت المواضعة 156 على يديها: لم تخرج، وصدقها البائع الأول، لم يكن في ذلك 157 استبراء ولا مواضعة، وإن لم يصدقها كانت له المواضعة.
واختلف إذا أسقط حقه في المواضعة هل عليه الاستبراء؟ فقال ابن القاسم في المدونة: عليه أن يستبرئها.
وقال محمد: لا باس أن يأخذها البائع ويطأها 158 مكانه إن أحب، قال: وكذلك الأجنبي إذا تولاها مثل ذلك سواء، فإن خرجت من يد المرأة الموضوعة على يديها إلى مشتريها 159 وغاب عليها 160، لم يكن بد من الاستبراء.
وعلى هذا يجري الجواب فيمن كانت في يده أمة بإيداع ثم اشتراها من سيدها، فإن كانت حاضت 161 عنده قبل الشراء ولم تكن تخرج، لم يكن فيها مواضعة ولا عليه فيها استبراء.
وإن كانت تخرج وتتصرف كانت له المواضعة.
ويختلف إذا أسقط حقه في المواضعة، هل يكون عليه الاستبراء؟ وكذلك إذا كانت لزوجته أو لولده الصغير، ينظر هل كانت عنده على وجه الصيانة، أو كانت تخرج و 162 تتصرف؟

الجزء: 10 - الصفحة: 4512

فصل [في استبراء الأمة بين شريكين]

وإن كانت أمة بين شريكين فاشترى أحدهما نصيب شريكه، فإن كان المشتري هو الحائز لها 163 قبل الشراء 164 ولم تكن تتصرف عنه، لم يكن له على شريكه مواضعة ولا عليه هو 165 استبراء فيها.
وإن كانت تتصرف كانت له 166 المواضعة.
ويختلف في وجوب الاستبراء، وإن كانت قبل الشراء عند البائع لنصيبه، كان للمشتري فيها المواضعة وعليه الاستبراء، وكل هذا إذا كانت من العلي، ويختلف إذا كانت من الوخش، هل يكون عليه فيها استبراء؟ واختلف فيمن أبضع في شراء جارية وبعث إليه 167 بها، فقال مالك في المدونة: لا يصيبها حتى يستبرئها 168. وقال أشهب في كتاب محمد: لا استبراء عليه، وسواء حاضت عند الذي كان اشتراها أو في الطريق، ولا يكون الاستبراء من سوء الظن، إذ يدخل في الحرائر والمماليك.
يريد: أنه يلزم مثل 169 ذلك في زوجته أو سريته إذا كانت تتصرف.
والمسألة على ثلاثة أوجه: فإن كان متولي الشراء أو المبعوثة معه غير

الجزء: 10 - الصفحة: 4513

مأمون، كان الاستبراء فيها واجبًا، وإن كانا مأمونين ولم يغب الأول عليها، أو غاب عليها وله أهل وأتى بها الآخر في رفقة وجماعة ولم يغب عليها 170، لم يكن فيها استبراء، وإن كان الأول لا أهل له وغاب عليها أو أتى بها الآخر وحده، استحب له الاستبراء وإن كانا مأمونين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَة لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 171. ولقوله: "لَا تُسَافِر المَرْأَةُ مَسِيرَةَ 172 يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا" 173، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشَّيْطَانُ يَهِمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ، وَهُوَ مِنَ الثَّلاَثَةِ أَبْعَدُ" 174. ولم يفرق فيها 175 بين مأمون وغيره، فيستحب له الاستبراء لمخالفة الأحاديث ولما تخوفه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، إلا أن يعلم أنها حاضت بعد خروجها من يد الأول، فيسقط اعتبار حال الأول ويعتبر حال الثاني.
والحكم فيمن اشترى جارية من عبده أو انتزعها منه على مثل ذلك، فإن كانت في حوز العبد لم تحل للسيد 176 إلا من بعد الاستبراء، وإن كانت في حوز السيد نظرت، هل كانت مصونة عن العبد وعن التصرف أم لا؟

الجزء: 10 - الصفحة: 4514

فصل [في استبراء الجارية التى تباع على خيار البائع أو المشتري]

وإذا بيعت جارية على خيار البائع أو المشتري، فإن غاب عليها المشتري 177 ثم ردها في أيام الخيار، جرت على ما تقدم في المودعة، فقال في المدونة: ليس على البائع استبراء، وان استبرأها 178 إذا كان الخيار للمشتري فحسن 179. وقال أبو الفرج: القياس أن عليه الاستبراء.
قال الشيخ: وهذا أبين 180 إلا أن يثبت أمانة المشتري، فيستحسن الاستبراء ولا يجب، وإن قبلها المشتري بعد أن حاضت عنده، لم تكن له مواضعة ولا عليه استبراء، إلا أن تكون تتصرف عنه فتكون له المواضعة، ويختلف في الاستبراء إذا أسقط حقه في المواضعة، إلا أن يكون تصرفها إلى سيدها، فيجب فيها الاستبراء قولًا واحدًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 4515

باب فيمن باع أم ولده أو مدبرته ثم نقض البيع فيها بعد أن غاب عليها المشتري

ومن باع أم ولده أو مدبرته وقبضها المشتري ثم نقض البيع، لم تحل لسيدها البائع إلا بعد الاستبراء، فإن لم يعترف المشتري بالإصابة، وجب الاستبراء دون المواضعة، إذ لا يصح فيها بيع 181، وهذا قول ابن القاسم 182. وأرى أن توضع 183 ويحال بين البائع وبينها لحق 184 الله سبحانه، وإن ادعى الإصابة كان فيها المواضعة ولم يمكن البائع من الغيبة عليها، وسواء دعا إلى ذلك المشتري 185 أم لا، والمواضعة ها هنا لحق المشتري في الولد، ولحق الولد في النسب.
ويختلف في المدبرة هل توقف لحق البائع؟ فعلى القول أنه لا ينعقد فيها بيع وأن مصيبتها من البائع؛ لا يكون للبائع فيها 186 حق في المواضعة إذا لم يقر المشتري بالإصابة، وعلى القول أن المصيبة إن ماتت والعيوب الحادثة من المشتري، يكون للبائع المطالبة بالمواضعة، فإن تبين أنها حامل أغرمه قيمة عيب الحمل.

الجزء: 10 - الصفحة: 4516

باب في استبراء الأمة ترد بالعيب

وإذا ردت الأمة بعيب بعد أن انتقل 187 الضمان وغاب عليها المشتري، لم تحل للبائع إلا بعد الاستبراء.
واختلف هل له المواضعة على المشتري؟ فقال ابن القاسم: ذلك له 188. وقال مالك 189 في كتاب محمد: توضع ليعلم هل بها حمل أم لا 190؟ فإن ماتت 191 قبل أن يعرف ذلك، كانت 192 من البائع.
قال 193: وسواء كان المشتري وطئها أم لا، ضمانها من البائع المردودة عليه 194. والقول الأول أحسن؛ لأنَّ الرد بالعيب وإن كان 195 نقض بيع، فإن المشتري قبضها بريئة 196 فعليه أن يردها بريئة، ولأنَّ الذي من أجله 197 يمنع البائع إذا رجعت إليه من الوطء هو الوجه الذي يوجب له الواضعة.

الجزء: 10 - الصفحة: 4517

باب فيمن توقف (1) الأمة على يده (2) للمواضعة

المواضعة تجوز على يد أهل الأمانة من النساء والرجال 200، والمرأة 201 الواحدة تجزئ في الائتمان عليها، ويختلف هل يقبل قولها أنها حاضت؟ فالمشهور من المذهب أن قولها في ذلك 202 يجزئ، وقد قيل في هذا الأصل: إنه لا يكتفى في ذلك إلا بقول امرأتين في الحيض والحمل وعيوب الفرج، ولا بأس أن توضع على يدي رجل إذا كان مأمونا وله أهل، ولا يجوز أن تكون على يدي رجل غير مأمون، كان له أهل أم لا.
ويختلف إذا كان مأمونا لا أهل له، فأجاز ذلك في كتاب محمد على كراهية فيه؛ لأنه قال: إذا تراضيا أن توقف على يدي رجل ثم اختلفا كان القول قول من دعا إلى نزعها منه، ولو كان له أهل لم يصح إذا تراضيا أن تنزع منه، وإنما تنزع إذا لم يكن له أهل، وهذا مثل قوله في الأمة يستحقها رجل ويقيم شاهدًا ويضع قيمتها، أنه أجاز له أن يمضي بها إذا كان مأمونًا.
ومنع ذلك أصبغ وهو أصوب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَة لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 203. والمنع في المستحقة 204 آكد؛ لأنَّ المستحق لها يقول:198199

الجزء: 10 - الصفحة: 4518

هي أمتي وحلال لي، فقد يتناول ذلك فيها، وعلى هذا يجري الجواب إذا وضعها على يدي البائع أو المشتري، فقال في المدونة: يكره أن توضع على يدي المشتري وغيره أحب إلي، وإن فعلا أجزأهما 205. وفي كتاب محمد مثل ذلك إذا وضعت على يدي البائع 206. وعلى أصل أصبغ: يمنع الوجهان جميعًا، فلا يؤمن المشتري عليها؛ لأنه لم يتقرر انتقال الملك ولا انتقال الضمان، وقد يتساهل فيها ويرى أن له فيها عقد بيع فيصيبها قبل الاستبراء، ولا يؤمن البائع عليها فقد يتأول فيها 207 لما كانت في ضمانه وتدعوهما النفس إلى ما تعوداه، وهذا في المأمونين بائع أو مشتر، وأما غير مأمون فلا يجوز بحال.

الجزء: 10 - الصفحة: 4519

باب فيمن باع أمة على إسقاط المواضعة أو على (1) البراءة من الحمل

ولا يجوز بيع الأمة العلي على إسقاط المواضعة ولا على البراءة من الحمل.
واختلف في ذلك 209 إذا نزل؛ فقال ابن القاسم في المدونة: إذا بيعت على إسقاط المواضعة، فالبيع جائز والشرط باطل والمواضعة بينهما، وإن بيعت على البراءة من الحمل كان بيعًا فاسدًا 210. وقال مالك في كتاب محمد: ما بيع على البت مثل أهل مصر لا يبيعون على المواضعة وإنما يبيعون على النقد وعلى الدفع، فهو بيع لازم ولا يفسخ ويكون 211 عليهما المواضعة، شاءا أو أبيا ويمنعان من القبض 212. قال الشيخ: أما البيع على إسقاط المواضعة، فهو راجع إلى الشروط الفاسدة؛ لأنه شرط يتضمن غررًا فقبض المبيع، وينفذ كما ينفذ في الوخش 213 فإن ظهر حمل رد به وهو غرر، تارة بيعًا إن لم يظهر حمل، وتارة سلفًا إن ظهر ورد به 214.208

الجزء: 10 - الصفحة: 4520

وقد اختلف في الشروط الفاسدة، هل يمضي البيع ويسقط الشرط؟ أو يفسخ البيع إلا أن يسقط الشرط، أو يفسخ وإن أسقط الشرط.
والذي آخذ به أن يكون البائع بالخيار بين أن يسقط الشرط ويرد إلى المواضعة أو يفسخ البيع.
وأما إن 215 شرط البراءة من الحمل، فهو بيع فاسد؛ لأن 216 المشتري دخل إن كانت 217 سالمة من العيب -وهو الحمل- كانت له، وإن كانت حاملًا لم يقم بذلك العيب، وإذا كان البيع فاسدًا انتقض إن أدرك ولم يفت، وإن فات رجع فيها 218 إلى القيمة، ويفيته حوالة الأسواق فما فوق.
واختلف متى تنتقل إلى ضمان المشتري على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم في المدونة: إن كان البائع منكرًا للوطء، ضمنها المشتري بنفس القبض إن هلكت كالبيع الفاسد 219 ويفيتها على هذا حوالة الأسواق فما فوق، وإن أقر بالوطء كانت في ضمان البائع ولم تنتقل إلى ضمان المشتري إلا بعد حيضة، أو يمضي من الأمد ما يكون فيها استبراء 220. قال محمد: وذلك قدر الشهر.
وقال محمد: إذا كانت من المرتفعات فسواء وطئ البائع أو لم يطأ فضمانها من البائع أبدًا، وفي كل 221 ما حدث فيها، وإن قبضها المشتري حتى تقيم قدر ما يكون فيه استبراء.
وقال أيضًا: الضمان من

الجزء: 10 - الصفحة: 4521

المشتري، وإن أقرَّ البائع بالوطء 222 إن هلكت فيما 223 يكون فيه استبراء 224. وقول ابن القاسم في المدونة أحسن، فإن كان البائع منكرًا للوطء 225، كانت في ضمان المشتري بالقبض، وهو بمنزلة من اشترى ثوبًا على ألا ينشره، ولا يقوم فيه بعيب إن ظهر عليه، فهو ضامن بالقبض، ولا يشبه هذا البيع على المواضعة؛ لأنه في البيع 226 على المواضعة دخل على أن 227 المبيع يكون على الوقف والاختيار، فإن كان سالمًا أخذه، وإن كان معيبًا لم يقبله، وهذا دخل على أنه على 228 غير وقف، وعلى أنلى في ضمانه من الآن.
وأما إن اعترف البائع بالوطء، فلا تكون في ضمان المشتري 229 بالقبض، لإمكان أن تكون حاملًا فيكون بائعًا لولده ولأم ولده، ومثل هذا لا 230 ينعقد فيه بيع ولا ينتقل به ضمان حتى تعلم سلامتها من الحمل، فحينئذ تدخل في ضمان الشتري.
وأما القول أنها تنتقل عن ضمان البائع إذا مضى قدر شهر ثم 231 هلكت، وأن لا 232 يصدق المشتري إن قال: إنها هلكت قبل أن تحيض، فليس هذا 233 بالبين؛ لأن مضي الشهر

الجزء: 10 - الصفحة: 4522

ليس فيه دليل على البراءة ويمكن أن تكون ماتت وهي حامل، وإنما يدل على براءتها أن تمضي لها ثلاثة أشهر ولا يظهر بها حمل، ولأن المشتري يدعي الوجه الذي لأجله لم يجز البيع ولم يجز النقد، ولو كان محملها على الحيض والبراءة لكان البيع جائزًا.
وأرى أن يصدق المشتري إن قال: إنها لم تحض، أو قال: لا علم لي هل حاضت أم لا؟ وقال عبد الملك بن حبيب: إن لم تمت وجاء بها بعد الشهر والشهرين والثلاثة وقد حدث بها عيب، فقال: لم تحض، فهو مصدق ويردها بالعيب الذي حدث 234. قال الشيخ: وإذا صدق مع وجود عيبها أنها لم تحض مع إمكان أن تكون حاضت ثم دخلت في الطهر، صدق إذا ماتت وقال: إنها لم تحض.

الجزء: 10 - الصفحة: 4523

باب فيمن وطئ (1) أمة ولده ثم ضمنها (2) هل يستبرئها

237؟ وإن تعدى الأب فوطئ أمة ولده، ضمن قيمتها، فإن كان أصابها قبل أن يستبرئها 238، لم يصبها بعد التقويم إلا بعد الاستبراء؛ لأنه يمكن أن تكون مشغولة الرحم من غيره 239. واختلف إذا كان استبرأها 240 قبل الإصابة ثم ضمن القيمة، فقال ابن القاسم في المدونة 241: ليس عليه استبراء 242. وقال غيره: عليه أن يستبرئها.
والقول الأول أبين؛ لأن الأب بأول الملاقاة ضمن قيمتها وصارت ملكًا له 243، فما كان منه بعد ذلك فهو في ملكه.
ومحمل القول بالاستبراء على القول أن الابن بالخيار وأن له أن يأخذها بعد إصابة الأب؛ لأن الأمة على قوله في حين أصابها 244 الأب على ملك الابن حتى تقوَّم عليه وقد لا يغرمه 245.235236

الجزء: 10 - الصفحة: 4524

باب فيمن أرأد أن يزوج أمته وقد كان أصابها أو لم يصبها

ولا يجوز لمن كانت له أمة فأصابها أن يزوجها حتى يستبرئها، فإن زوجها قبل أن يستبرئها كان نكاحًا فاسدًا يفسخ قبل الدخول وبعده، ولا تحرم على الزوج ولا يكون بمنزلة من أصاب أمة في الاستبراء عند انتقال الملك، وهو بمنزلة من تزوج امرأة وهي زوجة لرجل فأصابها؛ فإنها لا تحرم عليه 246 بعد ذلك إن طلقها زوجها، فكذلك الأمة كانت فراشًا لسيدها فزوجها 247 قبل أن يستبرئها والملك على حاله.
فإن لم يكن أصابها جاز 248 له أن يزوجها.
وأرى إن كانت غير مصونة وممن يغمص 249 عليها أن لا يزوجها حتى يستبرئها.
واختلف إذا باعها ولم يكن أصابها فأحب المشتري أن يزوجها، فقال ابن القاسم: له أن يزوجها؛ لأنها لو كانت عند البائع جاز له أن يزوجها ولا يستبرئها 250 فكذلك المشتري 251. ومنع ذلك سحنون وقال: كيف يزوج من لا يحل له أن يطأها؟ وهو أحسن، وليس البائع في هذا كالمشتري؛ لأن البائع يقطع بعلم ذلك أنه لم يصب والمشتري يتهمه أن يكون كذب وأن يكون قال

الجزء: 10 - الصفحة: 4525

ذلك ليتعجل الثمن، أو ليبرأ من الولد.
ولهذا لم يجز للمشتري أن يصدقه ويطأها، إلا أن يكون لامرأة أو لصبي، فيجوز للمشتري أن يزوجها من غير استبراء؛ لأنا نقطع أنها بريئة الرحم ممن كانت له.
وقال ابن القاسم: إذا قال البائع أصبتها 252، وقال المشتري: أنا 253 أقبلها بعيبها إن ظهر بها حمل، فذلك له، وله أن يزوجها، ومنع ذلك سحنون.
قال الشيخ: إن رضي المشتري بإسقاط المواضعة على أنه لا يغيب عليها ولا يزوجها حتى يستبرئها، جاز ذلك وإلا لم يجز.

الجزء: 10 - الصفحة: 4526

باب فيمن لامواضعة فيه على البائع من الإماء ولا عهدة إن ظهر حمل (1) والاختلاف في ذلك

ولا مواضعة للمشتري على البائع في ست: ذات زوج، والحامل 255، والمعتدة من طلاق، أو وفاة، والمستبرأة من غصب، أو زنا على اختلاف في المعتدة فيما بعدها، ولم تكن مواضعة في ذات الزوج؛ لأن المواضعة خيفة أن تكون حاملًا، ومشتري من لها 256 زوج يدخل على أن الزوج 257 مرسل عليها، أو أنها حامل، أو ستحمل حملًا بعد حمل، وليس للمشتري أن يمنع الزوج منها لتستبرئ، وإن كان لم يدخل بها الزوج، فإنما اشترى على أن سيدخل ويكون له 258 الولد.
واختلف إذا طلقها الزوج قبل الدخول وبعد الشراء، هل تحل للمشتري من غير استبراء 259؟ فمنعه ابن القاسم وأجازه سحنون.
فوجه الأول لأنه لا يدرَى هل أحدثت في حين الزوجية شيئًا، أو أصابها زوجها أم لا؟ لأنه لو ظهر بها حمل ثم استلحقه الزوج للحق به.
ووجه الجواز، أن الزوجة قبل الدخول على الأمانة في نفسها كالحرة؛254

الجزء: 10 - الصفحة: 4527

لقوله سبحانه: ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] ولا خلاف أن لسيدها أن يزوجها من غير استبراء، وإذا كان ذلك (1) وحملت على البراءة، جاز له أن يصيبها.

فصل [في بيع الأمة وهي في عدة من طلاق أو وفاة أو قبل أن تستبرأ من زنا أو اغتصاب]

وإن بيعت الأمة وهي في عدة من طلاق أو وفاة، أو قبل أن تستبرأ من زنا أو اغتصاب، لم تكن فيها مواضعة عند سحنون 261. وقد قيل: محملها على الحمل 262. وقيل: فيها المواضعة.
وهو أحسن؛ لأن كل واحدة منهن أمرها مشكل، هل هي حامل أم لا؟ وليس محملها على الحمل فتسقط المواضعة، وإذا أشكل أمرهن في الحمل، لم يجز البيع على البراءة؛ لأنَّ ذلك غرر.
فإن كانت غير حامل ذهب المشتري ببعض الثمن باطلًا، وإن كانت حاملًا ذهب البائع ببعض الثمن باطلًا 263. وإن اشتراها الزوج الذي طلقها وهي 264 في عدة منه، لم تكن فيها مواضعة، وإن ظهر بها حمل كانت أم ولد على أحد القولين، ولا غرر 265 في هذه بسبب الحمل؛ لأن 266 المعلوم من الناس الرغبة في ذلك، ولا260

الجزء: 10 - الصفحة: 4528

يرق ولده إلا أن يشترط الشراء إن كانت بريئة، وإلا فلا بيع بيننا.
وإن باعها بعد ذلك الزوج 267 كانت فيها المواضعة واجبة, وإن كانت عند البائع الأول ولم يغب عليها الزوج لحق به الولد.

الجزء: 10 - الصفحة: 4529

باب في المشتري يطأ الجارية وهي في المواضعة

ومن اشترى أمة فوقفت للمواضعة، لم يحل للمشتري أن يلتذ منها بشيء، لا بقبلة ولا بجس ولا بمباشرة، ولا ينظر على وجه التلذذ؛ لأن انتقال الملك لا يصح إلا بعد الاستبراء وأمرها الآن 268 مترقب.
فإن كانت في 269 المواضعة من وطء السيد 270، هل هي حامل فتكون أم ولد، فلا ينعقد فيها بيع؟ وإن كانت في 271 المواضعة من غير وطء 272، كان له أن يردها إن ظهر حمل، وإن تعدى ووطئ عوقب إلا أن يعذر بجهالة.
وقال ابن القاسم: إن كانت بكرًا فوطئها المشتري وهي في المواضعة فأصابها 273 عيب بعد ذلك، ذهاب عين أو ذهاب 274 يد أو حمى فأراد المشتري أن يردها، ردها وما نقصها الوطء 275. ولم يجعل وطؤه رضًا بإسقاط المواضعة، والقياس أن ذلك رضا، بمنزلة من اشترى أمة بالخيار فوطئها، فإن ذلك رضا، فكذلك إذا كانت في المواضعة 276، فلا يردها بالعيب الحادث بعد وطئه ويرد

الجزء: 10 - الصفحة: 4530

بالعيب القديم وما نقصها الوطء 277. فإن قيل: إن ذلك مما تحمل عليه الشهوة من غير رضا.
قيل: وكذلك إذا اشتراها بالخيار لا يعد ذلك رضا ويردها.
وعلى قوله في الاستبراء ذلك 278 ليس برضا، بإسقاط المواضعة يكون مشتري الخيار على حقه في المواضعة ولا يعد أن ذلك رضا بالقبول بإسقاط 279 المواضعة.
تمَّ كتابُ الاستبراء والحمد لله رب العالمين 280

الجزء: 10 - الصفحة: 4531

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراء
باب في استبراء الأمةباب في صفة الاستبراءفصل [في ارتياب الأمة في الحيض]فصل [في وجوه استبراء الأمة]فصل [في استبراء الأمة الحائض]فصل [في استبراء الأمة الحامل]فصل [في استبراء الأمة التي لا تحيض]فصل [في استبراء المريضة والمرضع]فصل [في بيع الأمة وهي في عدة الطلاق]فصل [في استبراء المعتدة التي لا تحيض لصغر أو كبر]باب في استبراء المغتصبة والمكاتبة والمسبية وغيرهنفصل [فيما يجب مراعاته في استبراء الأمة]فصل [في استبراء البكر]فصل [في استبراء الأمة المرهونة والموهوبة]باب فيمن اشترى أمة فاحتبسها البائع بالثمن فحاضت عنده, هل تسقط بذلك المواضعة؟ أو استقال منها المشتري بعد القبض لها هل تكون (1) فيها (2) مواضعة؟فصل [فيمن باع أمة ثم استقال منها]فصل [في استبراء الأمة بين شريكين]فصل [في استبراء الجارية التى تباع على خيار البائع أو المشتري]باب فيمن باع أم ولده أو مدبرته ثم نقض البيع فيها بعد أن غاب عليها المشتريباب في استبراء الأمة ترد بالعيبباب فيمن توقف (1) الأمة على يده (2) للمواضعةباب فيمن باع أمة على إسقاط المواضعة أو على (1) البراءة من الحملباب فيمن وطئ (1) أمة ولده ثم ضمنها (2) هل يستبرئهاباب فيمن أرأد أن يزوج أمته وقد كان أصابها أو لم يصبهاباب فيمن لامواضعة فيه على البائع من الإماء ولا عهدة إن ظهر حمل (1) والاختلاف في ذلكفصل [في بيع الأمة وهي في عدة من طلاق أو وفاة أو قبل أن تستبرأ من زنا أو اغتصاب]باب في المشتري يطأ الجارية وهي في المواضعة
كتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل