التبصرة للخميكتاب الإيلاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370) 4 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 5 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)

الجزء: 5 - الصفحة: 2367

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وعلى آله

كتاب الإيلاء

باب في الإيلاء وصفته ومن حلف ألا يغتسل من امرأته من جنابة أو حلف ألا يكلمها أو لا يبيت عندها

1 الأصل في تعلق حق الزوجة في الإصابة، وأن لها أن تقوم بالطلاق عند امتناع الزوج من ذلك قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227]، والإيلاء: الحلف، ولا يختص بشيء بعينه، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ...﴾ الآية [النور: 22]، والمراد به في الآية 2 الأولى اليمين على ترك وطء الزوجة، وقال مالك فيمن حلف ألا يطأ زوجته أربعة أشهر ليس بمولٍ، فإن زاد على ذلك بيومين 3 فهو مولٍ 4. قال الشيخ -رحمه الله-: ترك الرجل وطء زوجته على ثلاثة أوجه: بيمين مطلقة غير مقيدة بوقت، ومقيدة 5, وبغير يمين 6. فإن كان بيمين مطلقة 7 كان لها وقْفُه عند 8 انقضاء الأربعة

الجزء: 5 - الصفحة: 2369

أشهر 9، وإن كان مقيدًا بأجل، وكان ذلك الأجل أربعة أشهر، كان حكمه حكم من ترك الوطء بغير يمين 10. واختلف إذا زاد على أربعة أشهر 11 زيادة يسيرة، اليوم واليومين.
وقال آخرون: حتى تنقضي 12 هذه 13 الزيادة، ولا أحنث أو كانت الزيادة كثيرة، وقال: أنا أفيء 14 فهل تطلق عليه عند الأربعة الأشهر 15 إذا لم يصب الآن أو يؤخر؟ واختلف أيضًا إذا ترك ذلك بغير يمين هل توقفه 16 عنه الأربعة أشهر؟ وبيان ذلك مذكور فيما بعد.
وقال ابن القاسم فيمن حلف ألا يغتسل من امرأته من جنابة: هو مولٍ، قال: 17 لأنه لا يقدر على الجماع إلا بكفارة 18. وقوله هذا محتمل أن يريد 19: أنه يحنث بنفس الإصابة؛ لأن القصد باليمين ألا يصيب، أو لا يحنث إلا بالغسل؛ لأنه الوجه الذي علق الحنث به، فيكون قبل الإصابة بمنزلة من وقف خوف أن يصيب، فتنعقد 20 عليه يمين، فيختلف فيه هل

الجزء: 5 - الصفحة: 2370

يكون موليًا قبل الإصابة أم لا؟

فصل [فيمن آلى بحج أو عمرة أو صوم]

وقال ابن القاسم فيمن آلى بحج أو عمرة أو صوم: هو مولٍ 21. يريد: إذا كانت 22 اليمين بمضمون من ذلك، وأما إن عين فآلى 23 بحج هذا العام، وكان من أهل مكة أو المدينة، وكان 24 بينه وبين الوقفة أربعة أشهر فأقل فليس بمولٍ، وإن كان أكثر كان موليًا.
وإن كان من غير أهل 25 هذين الموضعين، وكان بينه وبين خروج الناس أربعة أشهر فأقل فليس بمولٍ وإن كان أكثر كان موليًا 26، فإن لم يخرج حينئذ 27 لأنه لم يجد رفقة يخرج فيها، فليس بمولٍ، وسواء كانت مسافة الوصول أربعة أشهر أو أكثر؛ لأنه إذا فاته خروج الناس سقط الوفاء بالحج في ذلك العام 28، وصار بمنزلة من حلف بحج في عام ذاهب، ولأنه لو حلف بعد خروج الناس بحج ذلك العام لم يكن موليًا، وإن كان حين يمينه بينه وبين خروج الناس أكثر من أربعة أشهر كان موليًا، وإن لم تقم به الزوجة إلا بعد خروج الناس لم يكن موليًا، وإن آلى بعمرة في شهر بعينه وهو بمكة وبينه وبين انقضاء ذلك الشهر أربعة أشهر لم يكن موليًا، وإن كان 29 أكثر كان موليًا، وإن

الجزء: 5 - الصفحة: 2371

كان بغير مكة تراعى 30 المدة التي بينه وبين الخروج، وأن يدرك إيقاع العمرة في الوقت الذي وَقَّتَهُ، وإن 31 كان بينه وبين الخروج وأن يدرك العمرة أكثر من 32 أربعة أشهر- كان موليًا، وإن كان دون ذلك لم يكن موليًا.
وكذلك الصوم، فإن آلى أن يصوم 33 الشهر الذي هو 34 فيه، أو الثاني أو الثالث أو الرابع، أو أيامًا من الخامس ما يكون تمام أربعة 35 أشهر، لم يكن موليًا، وإن زاد على ذلك، كان موليًا 36. وقال ابن القاسم: كل من حلف ألا يطأ امرأته حتى يفعل فعلًا يقدر عليه أو لا يقدر عليه 37 - فهو مولٍ، فإن قال لزوجته: والله لا أطأك 38 حتى أمس السماء، فهو مولٍ، وإن قال: أنت طالق إن قربتك حتى أمس السماء، فهو مولٍ، وله أن يُصْبَرَ 39 عليه إلى أجل الإيلاء؛ لأن له أن يصيب فتنحل 40 عنه اليمين ثم يرتجع 41. ويختلف إذا قال: أنت طالق البتة إن قربتك حتى أمس السماء، وهو بمنزلة من 42 قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة.
واختلف هل يُمَكَّنُ من الإصابة؟ فمن قال: إنه يُمَكَّنُ، كان له أجل المولي.
ومن قال: لا يُمَكَّنُ، كان في الصبر إلى أجل المولي 43 قولان، وبيان

الجزء: 5 - الصفحة: 2372

ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
وقال ابن القاسم فيمن قال: لا ألتقي أنا وأنت سنة، سمعت مالكًا يقول: كل يمين لا يقدر فيها صاحبها (1) على الجماع، لمكان يمينه، فهو مولٍ، فإن كان هذا لا يقدر على الجماع لمكان يمينه، فهو مولٍ (2). قال الشيخ -رحمه الله-: هذا مولٍ لا شك فيه؛ لأنه لا يخلو أن يكون أراد (3) ألا يلتقيا في الفراش أو في بيت أو في (4) دار، أو تحت سقف (5)، وأي ذلك كانت نيته كان به موليًا؛ لأن عدم الالتقاء عدم للجماع.

فصل [فيمن حلف ألا يكلم زوجته أو ليهجرنها وهو يصيبها]

ومن حلف ألا يكلم زوجته أو ليهجرنها وهو يصيبها- لم يكن بذلك عند مالك موليًا 49، فتطلق عليه عند انقضاء أجل 50 الإيلاء، وهو من الضرر، ومما للزوجة أن تقوم بالطلاق لأجله، إلا أنه يفارق الإيلاء في الأجل، فتطلق على هذا إذا تبين الضرر، كان ذلك قبل أجل الإيلاء أو بعده.
والنكاح يتضمن حقوقًا للزوجة وهي: الإصابة والنفقة والكسوة وحسن العشرة، ولها أن تقوم بالفراق إذا لم يوف بأحد هذه الوجوه بعد الإعذار إليه إذا كان ممن يرجى ذلك منه، وإذا لم يرج طلق عليه إلا أن تكون4445464748

الجزء: 5 - الصفحة: 2373

الزوجة عالمة به 51 حين العقد بعجزه عن الإصابة أو النفقة أو الكسوة، فلا يكون لها أن تقوم بالفراق، وقد تقدم ذكر الطلاق بعدم النفقة والكسوة 52 في كتاب النكاح الثاني 53. وأما حسن 54 العشرة فالأصل في مطالبته بها ورفع الضرر 55 جملة قول الله سبحانه 56: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، وإن كانت الآية في المعتدّة فإنه مع بقاء الزوجية آكد، ومن حسن العشرة ألا يهجرها ولا يقطع مَبِيته عنها ولا يضربها لغير وجه يوجب ذلك له عليها، ولا يزيد في عقوبتها فوق ما توجبه الجناية 57، ولا يدخل عليها من لا تؤمن ناحيته, وإذا أضر بها وترك المبيت أو هجرها قدم إليه في ذلك، فإن انتهى وإلا طلق عليه، وقال مالك ويحيى بن سعيد وابن شهاب: ليس في الهجران إيلاء 58. أي: ليس هو في الأجل كالإيلاء، ردًا إلى ما 59 ذهب إليه ابن المسيب وابراهيم والشعبي والحكم 60 أن كل يمين حلف بها الزوج في مساءة زوجته في جماع أو غيره فهو إيلاء وسواء بَيَّنَ الأجل 61 في الإصابة وغيرها 62. وقول مالك أحسن؛ لأن الإيلاء وإن كان الأجل فيه بالقرآن- فإنه المدة

الجزء: 5 - الصفحة: 2374

التي 63 تلحقها فيها المضرة للزوجة 64، وقد ذكر أبو الحسن ابن القصار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشد: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ 65 جَانِبُهُ... وَأَرَّقَنِي ألَّا خَلِيلَ أُلَاعِبُه فَوَاللهِ لَوْلَا اللهُ أَخشَى عِقَابَهُ 66... لَزُلْزِلَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ مَخَافَةَ رَبِّي، وَالحيَاءُ يَكُفُّنِي... وَأُكْرِمُ زَوْجِي أَنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهُ ولكن تقوى الله عن ذا يصدنى... وحفظا لزوجي أن تنال مراتبه 67 فدعاها عمر فقال لها: وَأَيْنَ زَوْجُكِ؟ فقالت: بَعَثْتَهُ 68 إِلَى الْغَزْوِ، فدعا نسوة فقال: فِي 69 كَمْ تَشْتَاقُ المُرْأَة إِلَى زَوْجِهَا؟ فقلن: في شهرين، ويقل الصبر في ثلاثة، وعدم 70 الصبر في أربعة، فجعل مغازي الناس في 71 أربعة أشهر 72. فعلم أن هذه المدة هي التي 73 تعظم فيها المضرة على المرأة، وإذا كان ذلك لم يلحق به غيره من الإيلاء إذا اختلفت المضرة، فقد تلحق المضرة في الهجران في شهرين فلا يؤخر 74 إلى أربعة، ولا يلحقها إلى 75 سنة, فلا يعجل في أربعة، وقال ابن القاسم في العتبية فيمن حلف أن 76 لا يدخل لامرأته نهارًا: لم تطلق

الجزء: 5 - الصفحة: 2375

عليه 77. يريد: لأن الغالب من الأزواج التصرف بالنهار، فلا مضرة عليها في ذلك، واختلف قوله إذا حلف ألا يبيت عندها، هل تطلق عليه بذلك أم لا؟ 78 وأن تطلق عليه 79 أحسن، والمضرة تدخل عليها في ذلك من وجهين: أحدهما 80: ما يدركها من الوحشة.
والثاني: مخالفة العادة, وكونها على غير ما هو عليه غيرها من النساء من جيرانها 81 وغيرهن 82، يأوي إليهن أزواجهن، فإذا بلغ من ذلك مضرتها طُلِّق عليه، كان ذلك قبل 83 أجل الإيلاء أو بعد 84، فإن حلف ألا يبيت معها في فراش وهو معها 85 في بيت أو في دار- لم تطلق عليه، وليس ذلك من حقها.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: أنت طالق إن وطئتك، إلا أن تأتيني، هو مولٍ، وليس عليها أن تأتيه، وعليه أن يأتيها 86. يريد: لظاهر الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدور على نسائه 87. وأرى إذا قال: إلا أن تأتيني إذا دعوتك- ألا يكون موليًا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِه 88، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الملاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِح" 89............

الجزء: 5 - الصفحة: 2376

لا يعارض هذا بالحديث 90 الأول؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان له في بيت كل واحدة منهن فراش، وفراشهما 91 واحد.
ولو قال: إلا أن تأتيني من غير أن أدعوكِ- كان موليًا.
وفي كتاب ابن سحنون فيمن قال: والله لا أطأك إلا أن تسأليني قولان 92، فقيل: هو مولٍ، ولها أن تقوم به إلى السلطان، وليس ذلك سؤالًا، وقال سحنون 93: ليس بمولٍ؛ لأن الامتناع من قبلها.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا كان قيامها لأَنْ يصيبها فقول سحنون صواب.
وإن كان قيامها بالطلاق وليس لطلب 94 الإصابة، وإنما تقول: لي حق، وعلي معرة 95 في طلبه، وعليه أن يوفي به من غير طلب، فأنا 96 أقوم بالطلاق إذا لم يفعل، فالقول أنه مولٍ أحسن.
وقال مالك فيمن قال: والله إن وطئتك إن شاء الله- هو مولٍ، وقال أشهب: ليس بمولٍ 97. فرأى مالك أن قوله: (إن شاء الله) محتمل أن يكون أراد به رفع اليمين الأول 98، وما 99 في القرآن ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ = إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، من كتاب بدء الخلق، في صحيحه, برقم (3065)، ومسلم: 2/ 1059، في باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، من كتاب النكاح، برقم (1436).

الجزء: 5 - الصفحة: 2377

[الكهف: 23، 24] فلا يكون استثناء 100، وقوله ووقوفه عنها ريبة في أنه لم يرد رفع اليمين، والقول الآخر أبين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ الله، فَقَدِ اسْتَثْنَى" 101 فجعل هذا كافيًا في الاستثناء ولم يفرق، ومعلوم أنه إنما ردهم في ذلك إلى ما في كتاب الله عز وجل، وهو الذي يعقلون.
وإن قال عليَّ نذر إن قربتك: كان موليًا، وإن قال عليَّ نذر إن لم أقربك لم يكن موليًا؛ لأن هذا حلف ليفعلن، والأول حلف على ترك الفعل.
قال ابن القاسم: وإن قال عليّ نذر أن لا أقربك- هو مولٍ 102، وقال يحيى ابن عمر: ليس بمولٍ، وهو بمنزلة قوله: عليَّ نذر ألا أكلمك، وهو نذر في معصية، وهذا هو الأصل؛ لأن "أن" مع الفعل المستقبل بمعنى المصدر، فكأنه قال: علي ترك قربك ولا قربة في ذلك، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الناس لا يقصدون في هذا موجب اللسان، والذي يسبق إليه من ذلك إن قربتك، وهو الذي يقصد بقوله ذلك.
وقال ابن القاسم: إن حلف ليغيظنها أو ليسوءنها، فتركها أربعة أشهر؛

الجزء: 5 - الصفحة: 2378

فليس بمولٍ 103. قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كانت نيته أن يغيظها بترك إصابتها لم يكن موليًا؛ لأنه إذا أمسك عنها إلى مدة لم تتقدم العادة لتأخره إليها بالأمر البين كان قد بر في يمينه، وكان فيما بقي 104 من إمساكه عنها إلى الأربعة الأشهر في غير يمين، وليس الحلف على ترك إصابتها كالحلف إن أصابها؛ لأن الأول حلف ليوجَدَنَّ منه الترك، فإذا مضت مدة لم تكن العادة التأخر 105 عنها كان قد وجد منه الترك، والآخر حلف ألا يوجد منه وطء، فمتى وجد ذلك منه -قَرُبَ أو بَعُدَ- حنث.
وكذلك الحالف ليهجرن فلانًا أو لا يكلمه، فالحالف على الهجر بر في ترك 106 كلامه ثلاثة أيام، والحالف ألا يكلمه يحنث في أي زمان وجد منه الكلام، غير أنه يستحسن إذا حلف ليغيظنها أن يوقف عند الأربعة أشهر 107، لإمكان أن يكون قصده 108 اليمين ألا يصيبها، ومراعاة لأحد قولي مالك فيمن ترك إصابة زوجته أربعة أشهر 109 بغير يمين أنه يوقف 110، وإن 111 قال: والله لا أطؤك، ثم قال: أردت أن لا أطأها بقدمي لم يقبل منه 112، وهو مولٍ 113؛ لأن هذا اللفظ مع الزوجة هو بمعنى معهود.
قال ابن القاسم: ولو قال لا أجامعك في هذه الدار، وهو فيها ساكن؛

الجزء: 5 - الصفحة: 2379

فليس بمولٍ، ويأمره السلطان أن يخرجها فيصيبها 114؛ لأني أخاف أن يكون مضارًا 115. ومحمل 116 جوابه فيمن يخفِّ عليه أن يمضي بأهله بمثل ذلك لغير مسكنه، ومن لا يحسن ذلك منه يكون موليًا، وأيضًا فإنَّ على الزوجة معرّة في خروجها معه لمثل هذا، وقد قال فيمن حلف ألا يصيب زوجته في هذا البلد: إنه مولٍ إذا كان يتكلف فيه المؤونة 117. وكذلك هذا يتكلف في مثل ذلك المؤونة ولا شك في ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 2380

باب فيمن آلى بعتق ما يملكه فى بلد أو إلى أجل أو بصدقة ذلك

118 قال ابن القاسم فيمن قال لزوجته: إن أصبتك 119 فكل مملوك أشتريه 120 من الفسطاط حر: ليس بمولٍ إلا أن يشتري ذلك فيقع عليه الإيلاء من يوم يشتريه، وقال أيضًا: هو مولٍ، وبه قال غيره 121. وقد اختلف في هذا الأصل في كل من حلف بيمين- إن أصاب لم يلزمه 122 كفارة، وإنما تنعقد عليه اليمن- فقيل 123: لا يكون موليًا؛ لأن له أن يصيب، ثم لا تلزمه كفارة.
وقيل: هو مولٍ؛ لأنه يوقف 124 عنها بسبب اليمين.
وهو أحسن، ولا فرق بين أن يقف خوف وجوب كفارة أو خوف ما هو سبب في وجوبها 125. ولا يختلف أنه إن أصاب 126 قبل الشراء، ثم اشترى- أنه حرٌّ بما تقدم من الإصابة، قال: وإنما الاختلاف في حكمه قبل الشراء أو قبل الإصابة, فعلى القول الأول لا وقف عليه إلا أن يشتري فسيتأنف الأجل من يوم الشراء، وعلى القول الآخر لها وقفه إذا مرت أربعة أشهر من يوم الحلف، وكذلك فيما يملك من مال هل يكون موليًا من يوم الحلف 127 أو من يوم 128 يملك بالفسطاط حسب ما

الجزء: 5 - الصفحة: 2381

تقدم، أو لا يكون عليه شيء فيما يملك بخلاف العتق.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا شيء عليه فيما يملك، قال: وإنما الصدقة اللازمة فيمن حلف على ما يملك يوم حلف 129. وقال ابن الماجشون وأصبغ في كتاب ابن حبيب: لا شيء عليه من الصدقة فيما يكسب، وإن سمى أجلًا أو بلدًا، قالا 130: ولا يشبه الصدقة في هذا الطلاق ولا الحرية 131، ولم يروا عليه في ذلك إيلاء.
وأرى أن يوقف إن لم يصب، وتطلق 132 عليه لإمكان أن يكون وقوفه؛ لأنه معتقد للقول الآخر اجتهادًا أو تقليدًا، ومن هذا الأصل أن يقول: والله لا أجامعك في هذه السنة إلا يومًا، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يكون موليًا لما كان له أن يصيب، ثم لا يكون 133 عليه كفارة إلا أن يطأها، ويبقى من 134 السنة أكثر من أربعة أشهر 135. وقال في كتاب محمد: هو مولٍ، قال 136: لأن ترك وطئه لليمين، قال محمد: فإن وقعت 137 بعد أن بقي من السنة أربعة أشهر فلا شيء عليه 138، وإن لم يكن وطئها 139 يريد؛ لأنه لو وقف حينئذٍ فأصاب لم يلزمه 140 كفارة لأنه استثنى

الجزء: 5 - الصفحة: 2382

مدة، ويصير بمنزلة من أمسك بغير يمين.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأن يؤمر بالإصابة أحسن؛ لأنه الوجه الذي كان له الأجل.
واختلف أيضًا إذا حلف ألا يصيبها 141 في هذه السنة إلا مرتين فقال ابن القاسم: ليس بمولٍ لأنه إذا أصابها بعد أربعة أشهر مرة، ثم بعد أربعة أشهر مرة أخرى، فلا إيلاء عليه، وقال أصبغ: هو مولٍ؛ لأنه يمتنع من أجل اليمين، وقال محمد: قول أصبغ غلط 142. قال الشيخ -رحمه الله-: وأرى أن يكون لها حق في الوقف؛ لأن امتناع هذا ألا 143 يصيب إلا من بعد أربعة أشهر من الضرر، ومحمل القرآن على من لا يتكرر ذلك منه.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن قال: إن وطئتك كذا وكذا مرة فأنت طالق: هو مولٍ، ويوقف إذا مضت أربعة أشهر من يوم قال ذلك 144. يريد: لأن وقوفه الآن خوف أن ينقضي ذلك العدد الذي سماه فينعقد اليمين عليه، وعلى القول الآخر لا يكون موليًا إلا أن يبقى من تلك التسمية مرة، ومن هذا الأصل إذا قال: إن وطئتك فوالله لا أطؤك، فقال في كتاب محمد: ليس بمولٍ 145. يريد: لأنه لا تجب 146 عليه كفارة إذا أصاب، وإنما ينعقد 147 عليه يمين 148، وعلى القول الآخر أنه 149 مولٍ لأنه يقف عنها الآن

الجزء: 5 - الصفحة: 2383

خوف أن ينعقد عليه يمين.
وقال فيمن حلف لامرأتيه، فقال: والله لا أطأ إحداكما سنةً، ولا نية له في إحداهما، ليس بمولٍ إلا أن يصيب إحداهما فيكون في الأخرى موليًا (1)، وعلى القول الآخر يكون موليًا من الآن؛ لأنه يمسك خوف أن تنعقد عليه اليمين متى أصاب إحداهما.

فصل [فيمن قال إن وطئتك فأنت طالق هل يكون موليًا؟]

وإن 151 قال: إن وطئتك فأنت طالق كان موليًا، ولها أن توقفه عند الأربعة الأشهر، فإن أصاب وإلا طلق عليه 152. واختلف في صفة ما يباح له منها، وهل ذلك بشرط أن ينوي رجعة؟ فقيل: له أن يصيب 153 وينزل؛ لأنه الوطء المعتاد، وبه 154 يحنث.
وقيل: يصيب ما دون الإنزال، ولا ينزل إلا أن ينوي مراجعة؛ لأن الإنزال زائد على الوطء، وقد حنث بما كان قبل أن ينزل.
وقيل: له مغيب الحشفة لأنه يحنث بأقل 155 ما يقع عليه اسم الوطء، ولم يرَ النزوع منها 156 وطأ.
وقيل: يمنع منها ابتداء؛ لأنه يحنث بمغيب الحشفة، والنزوع منها وطء يلتذ به 157. وهو أحسن على تسليم القول أنه يحنث بالأقل.
ثم يختلف هل يسقط عنه بذلك حكم الإيلاء؟ فعلى قول ابن القاسم150

الجزء: 5 - الصفحة: 2384

يسقط؛ لأنه قد حنث.
وعلى قول عبد الملك لا يسقط عنه نوى الرجعة أم لا؛ لأنه يقول: لا يسقط الإيلاء إلا بالمصاب، وإذا كان ذلك فمن حقها الوطء التام، والإنزال لحقها في الولد، ولأنه لو حلف بالله وأصاب ذلك القدر لم يسقط حقها في الإيلاء، وهو يحنث بالأقل ولا يبرئه 158، فالحنث يقع بمغيب الحشفة، وحقها في الإيلاء 159 في الوطء، فإن أصاب وهي في العدة بعد أن ينوي الرجعة، وإلا طلق عليه 160. واختلف إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة كالاختلاف 161 الأول، قيل 162: يمنع الوطء جملة؛ لأنه يحنث بأول الملاقاة، وتبين منه، والنزوع وطء لمن حرمت عليه، وهو قول مالك 163، وقال ابن الماجشون: له مثل 164 ذلك مما يوجب الغسل لا أكثر منه.
وقال ابن القاسم: له ذلك حتى ينزل، وقال أصبغ 165: له أن يصيب ولا ينزل فيها، قال: وأخاف إن أنزل أن يكون الولد لزنا 166. ولم يختلفوا أنه لو نزع قبل تمام ذلك أنه يمنع من المعاودة 167، وينبغي على

الجزء: 5 - الصفحة: 2385

أصل مالك أن يمنع من الإصابة المعتادة، قياسًا على قولهم بوقوع الطلاق إلى أجل؛ لأنه عالم أن بتمام الوطء يقع الطلاق.
واختلف بعد القول أنه لا (1) يمكَّن من الإصابة، هل يعجل الطلاق الآن؟ فقيل: لا يعجل قبل أجل الإيلاء؛ لأنها قد ترضى بالمقام من غير (2) إصابة وقيل: يعجل بالطلاق (3)؛ لأن الأجل إنما كان ليفيء بالإصابة، وهذا (4) ممنوع منها (5). وأرى أن يعجل الطلاق وإن لم تقم بذلك إذا كان لا تؤمن ناحيته في بقائه معها.
ويختلف إذا حلف أنه لا يطأها (6) فأصاب بين الفخذين، فقال ابن القاسم: يحنث ولا يسقط الإيلاء (7). فأحنثه لأن القصد اجتنابها، ولا يسقط الإيلاء لأن من (8) حقها الإصابة في الفرج (9)، ولإمكان (10) أن تكون نيته باليمين أن يعتزلها في الفرج فيكون وقوفه عنها لئلا يحنث.
وعلى القول أن محمل الأيمان على العادة لا يحنث، ولا يختلف أنه لو (11) حلف ليصيبنها لم يبر إلا بالإصابة في الفرج.

فصل (12) [فيمن قال لزوجته والله لا أطؤك حتى تفطمي ولدك هل يكون موليًا؟]

وقال مالك فيمن قال لزوجته: والله لا أطؤك حتى تفطمي168169170171172173174175176177178179

الجزء: 5 - الصفحة: 2386

ولدك 180، ليس بمولٍ، قال ابن القاسم: لأن هذا أراد إصلاح 181 ولده، وليس على وجه الضرر 182. وذكر عن أصبغ أن لها الفراق إذا لم يفِئ، وهو أقيس؛ لأن لها حقًا في الوطء، ولا حق للولد في تركه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّهُ لاَ يَضُرُّ" 183 فلا يترك حق وجب بالقرآن لمن لم يجعل له النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًا.
وللمرأة القيام بالطلاق لعدم الإصابة في حضور 184 الزوج وغيبته، فأما في حضوره فهو على ستة أقسام: أحدها: أن يحلف على ترك الإصابة.
والثاني: أن يحلف بطلاقها ليفعلن فعلا فيمتنع 185 الوطء لأجل يمينه حتى يبره 186. والثالث: أن يترك الوطء من غير يمين وهو قادر.
والرابع: أن ينزل به أمر يقطع ذلك عنه.
والخامس: أن يحبسه سلطان 187. والسادس: أن يشهد عليه شاهد بالطلاق، ويمتنع من اليمين.
وكل قسم من هذه الستة 188 الأقسام يتصرف على وجوه: فإن حلف على ترك الوطء قصدًا للضرر- كان لها 189 الفراق عند انقضاء الأربعة الأشهر 190 إذا لم يفئ حسب ما ورد به القرآن 191. وإن كان 192 اليمين إرادة الإصلاح ليس للضرر، كالذي يحلف على ترك

الجزء: 5 - الصفحة: 2387

الوطء حتى يفطم ولدها- كان الجواب فيه على ما تقدم.
وإن قال أردت بذلك صلاح جسدي ولضرر ذلك لي 193، فإن كان صحيح البنية لم يكن ذلك له، وإن كان ضعيف البنية وضرب أجلًا، ويرى 194 أن فيه صلاحه- لم تطلق عليه، وإن جاوز الأربعة أشهر 195، وإن طول في الأجل فوق ذلك كان لها أن تقوم بالفراق، وكذلك إذا لم يضرب أجلًا كان لها أن تقوم بالفراق إذا لم يفئ، فإن كان الأجل 196 الذي يكون فيه صلاحه قبل الأربعة أشهر لم يقع عليه عند الأربعة أشهر، وإن كان فوق ذلك لم يعجل عليه 197 بالطلاق حتى يبلغ الأمد 198 الذي لا يضر به.
وإن حلف بالطلاق ليفعلن فعلًا فمنع من الإصابة لأجل يمينه وأمكنه فعل ما حلف عليه، فلم يفعل- كان لها أن تقوم بالفراق إذا انقضى الأجل الذي ضرب له، وإن لم يمكنه فعل ما حلف عليه وهو عالم أن يمينه تمنع من الإصابة- كان لها الفراق.
وإن كان ممن يجهل ذلك لم تطلق عليه؛ لأنه لم يقصد ضررًا 199 على القول أن الطلاق لا يوقع إلا على من قصد الضرر، وإن ترك الإصابة من غير يمين اختيارًا أو قصدًا للضرر- كان لها أن تقوم بالفراق من غير أن يضرب له 200 أجل، وقال أيضًا: لا يفرق إلا بعد مضي أربعة 201 أشهر كالمولي، وهو أحسن؛ لأنها المدة التي يلحق فيها الضرر، فلا تطلق عليه دونها، ولا يزاد عليها.

الجزء: 5 - الصفحة: 2388

وإن ترك ذلك بغير يمين لصلاح جسمه جرى على 202 الجواب على ما تقدم إذا كان بيمين.
وإن كان لاشتغاله بعبادة كان لها الفراق، وأن تقوم بحقها في ذلك وهو قول مالك.
وقوله في هذه المسألة أصل في كل من ترك الإصابة غير مضار أن ذلك لا يسقط حقها في ذلك من القيام بالفراق.
وإن كان غير قادر على الإصابة لأنه قطع ذكره أو لعلة نزلت به- كان في المسألة قولان، فقال مرة: لا مقال لها 203، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لها القيام بالفراق، وإن قطع ذكره.
ولو فعل ذلك بنفسه خطأً كان على الخلاف، وقد جرى ذلك لبعض الناس، أراد الاستحداد فنزلت يده فقطع ذكره.
وإن تعمد ذلك كان لها الفراق قولًا واحدًا، وإن شرب دواءً ليقطع منه شهوة النساء، كان لها الفراق، وكذلك إن 204 شربه لعلاج علة به وهو عالم أنه يذهب ذلك أو شاك كان لها الفراق.
وإن كان الامتناع لحبس سلطان، وقصد بحبسه، ليحول بينه وبين زوجته أو ليغرمه مالًا وهو غير قادر عليه أو قادر، وذلك مما يجحف به- لم يفرق بينهما، وإن طال سجنه 205 ولو كان ذلك المال يسيرًا لكان لها مقال.
وإن شهد عليه شاهد بالطلاق ولم يحلف كان لها أن تقوم بالفراق 206، ويضرب له أجل الإيلاء إذا لم يكن عندها علم من صحة شهادة الشاهد، فإن كانت عالمة بصحة شهادته لأنها كانت حاضرة لطلاقه أو ليمينه وحنثه أو اعترف عندها بذلك- لم تكن لها مطالبة بالوطء إذا كان الطلاق ثلاثًا، أو

الجزء: 5 - الصفحة: 2389

واحدة وانقضت العدة؛ لأنها معترفة أنها عليه حرام، ولو أراد ذلك لم يحل لها أن تُمَكِّنَهُ من نفسها.

فصل [قيام المرأة بالفراق لعدم الإصابة لفقدان الزوج]

ولها القيام بالفراق بعدم 207 الإصابة إذا كان فقيدًا 208. قال الشيخ أبو بكر الأبهري في الطلاق على المفقود: لأن الضرر فيه أكثر من ضرر المولي إذ كأن المفقود عدم منه 209 الوطء.
يريد: لما كان الفراق، وإن كان 210 المال موقوفًا لا يقسم إلى التعمير علم أن ذلك لحقها في الوطء.
ويختلف في الأسير، فقال مالك: لا تطلق عليه ما دام حيًا 211. ويجري فيها قول آخر أنها تطلق عليه، قياسًا على أحد قولي مالك فيمن قطع ذكره بعد البناء أن لها أن تقوم بالفراق، فإن لم يكن أسيرًا وكان في موضع تبلغه المكاتبة، وطالت إقامته كتب إليه: إما أن يقدم وإما أن يفارق أو تطلق عليه.
قال مالك: وإن كان يبعث بالنفقة فالسنة قريب، وإن كان بموضع لا تبلغه مكاتبة أو تبلغه ويتعذر إتيانها أو معرفته أو معرفة من ينقل الشهادة عنه كان لها أن تقوم بالفراق؛ لأن محمله في مقامه على أنه مختار لذلك إلا أن يثبت أنه ممنوع فيكون له حكم الأسير, وإن فسدت الطريق 212 وحيل بين الناس وبين السفر من هنالك كان له حكم الأسير إلا أن يعلم أنه غير راغب في القدوم، فلها أن تقوم بالفراق.

الجزء: 5 - الصفحة: 2390

فصل [فيمن آلى من امرأته إلى ثمانية أشهر فأوقفته عند الأربعة أشهر فطلق ثم ارتجع]

وقال مالك فيمن آلى من امرأته إلى ثمانية أشهر، فوقفته عند الأربعة أشهر فلم يفئ فطلق عليه ثم ارتجع، فإن انقضت الأربعة الأشهر الباقية، قبل تمام العدة، كانت رجعته ثانية 213. قال الشيخ -رحمه الله-: الرجعة تثبت بما كان يسقط به الإيلاء لو لم يحكم بالطلاق، وذلك بأحد 214 ثلاث: بالإصابة، وبانقضاء بقية الأجل، وبالكفارة وإن لم يصب، وعلى قول عبد الملك وهو أحد قولي مالك لا تصح رجعته إلا بالمسيس 215، فإن انقضى الأجل ولم يمس لم تصح رجعته، كما لا تصح فيه 216 قبل الطلاق، ولا يسقط الإيلاء بالكفارة.
واختلف إذا آلى ولم يضرب أجلًا، ولم يفئ عند انقضاء الأربعة أشهر، وطلق عليه ثم ارتجع، ولم يصب ورضيت الزوجة بذلك، فأجاز ذلك ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب فيمن حلف بطلاق زوجته أنه لا يصيبها إلى سنة فطلق عليه بالإيلاء أن له أن يرتجعها؛ لأن لها أن تقيم معه بغير وطء إلى انقضاء السنة.
فأجازوا رجعتها وإن لم يصب إذا رضيت بذلك.
وقال سحنون في السليمانية: لا تصح رجعته إلا بالوطء، قال 217: لأن الرجعة حد من حدود الله تعالى، قال: وكذلك الذي يطلق عليه لعدم النفقة،

الجزء: 5 - الصفحة: 2391

ثم ارتجع ولم ييسر في النفقة 218، ورضيت بذلك- لم تكن رجعة، قال: ولا تهدم 219 عدة تثبت 220 بطلاق إلا بزوال المعنى الذي كان له الطلاق.
والأول أحسن؛ لأن الطلاق لعدم المسيس ولعدم النفقة من حقها 221، وليس ذلك حق 222 لله تعالى، فإذا أسقطت حقها في ذلك كله 223 جاز، كما كان 224 لها ذلك قبل الطلاق.
واختلف إذا رضيت زوجة المولي عند انقضاء الأجل بتركه، وقالت: لا حاجة لي بتوقيفه ثم قامت به، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك لها، ويوقف مكانه من غير استئناف أجل 225. وقال أصبغ: تحلف بالله ما كان تركها للأبد، وإنما كان للنظر فيه 226 ثم يوقف ثانية، فإن فاء وإلا طلق عليه 227. وقول مالك أحسن؛ لأنها تركت ما لا تُقدر 228 على الوفاء به، ولا الصبر عليه 229 مع كون الزوج معها مضاجعًا أو مخليًا، وليمست كامرأة المجبوب؛ لأن اليأس منه لعدم ذلك، وهي في تركها بمنزلة من تركت يومها قي القسم لضرتها فلها القيام؛ لأنها لا تستطيع الصبر.
واختلف في الجذام يحدث بالزوج، فقال أشهب: إن تفاحش ولم يُحْتَمَلِ 230 النظر إليه، وتُغَضُّ الأبصار دونه كان لها الخيار في الفراق، فإن

الجزء: 5 - الصفحة: 2392

رضيت بالمقام، ثم بدا لها كان ذلك لها 231. قال ابن القاسم: لها أن تقوم بالفراق، يريد 232: لأنها تقول: ظننت أنه لا يزيد 233. وإذا كانت الزوجة أمة وأرادت أن تترك القيام وقام 234 السيد، قال محمد بن المواز: ذلك له ولأصبغ في ثمانية أبي زيد مثله، فقال: إن تركت كان للسيد القيام، وإن ترك السيد وقامت هي 235 كان القول قولها؛ لأنه حق جعله الله لها، وهي من الأزواج، قال: ولو فقد زوجها وأرادت أن يضرب لها أجل المفقود 236 لتحل إذا مضى ذلك 237 الأجل، وأبى ذلك السيد- كان ذلك لها؛ لأنها ترجو العتق، ولو رضيت بالمقام، وقام السيد كان ذلك له.
قال الشيخ -رحمه الله-: وإن تبين أنه مجبوب فرضيته وكره السيد، أو رضي السيد وكرهته- كان القول قول من كره 238 منهما، وإن تبين أنه خصي كان الرضا أو الكراهية 239 والرد للسيد دونها؛ لأن للسيد أن يزوجها خصيًا، وإن كرهت.

الجزء: 5 - الصفحة: 2393

فصل [فيمن آلى بالله تعالى ثم بعد شهر آلى بحج]

وإن آلى الرجل من زوجته بالله تعالى، ثم بعد شهر آلى منها بحج، فلما مضت أربعة أشهر من يوم آلى 240 بالله وقفته، فإن فاء بالوطء سقط حكم الإيلاءين جميعًا؛ لأنه بالوطء حانث في اليمينين جميعًا 241، وإن فاء عن الأول بالكفارة كان لها أن توقفه إذا تم إيلاء الحج فيصيب أو يطلق عليه، وإن لم يفئ عن الإيلاء الأول بوطء ولا بكفارة فطلق عليه ثم حل الإيلاء بالحج لم يكن لها قيام؛ لأن الطلاق بالأول يجزئ عن الثاني؛ لأنها به أقرب إلى خروجها من عصمته، فإن ارتجع لمَا طلق عليه بالأول، وأصاب صَحَّتْ رجعته، وحنث باليمين، وإن لم يصب حتى انقضت العدة بطلت رجعته وبانت بانقضاء العدة، وإن كفر عن الأول لما ارتجع صحت رجعته، فإذا تم الإيلاء بالحج وقفته أيضًا، وكل هذا فعلى أحد قولي مالك أن الفيئة 242 تصح بإسقاط اليمينين، وإن لم يصب.

الجزء: 5 - الصفحة: 2394

باب في دخول الإيلاء على من حلف بالطلاق ليفعلن

وقال ابن القاسم فيمن حلف بطلاق امرأته ليجلدن غلامه جلدًا يجوز له، ثم باع الغلام قبل أن يجلده: يوقف عن امرأته, ويضرب له أجل المولي، فإن لم يرجع إليه العبد، طلق عليه, فإن ارتجع كانت رجعته موقوفة, فإن ملكه وضربه، صَحَّتْ رجعته, وإن لم يملكه حتى انقضت العدة بانت وبطلت رجعته 243، فإن تزوجها عاد عليه الوقف 244، فإن ملكه وجلده برت يمينه 245. والخلاف في هذه المسألة في أربعة مواضع: أحدها: هل تطلق عليه بنفس بيع العبد.
والثاني: هل يبر بضربه 246 وهو في ملك المشتري.
والثالث: هل تصح رجعته إذا رضيت الزوجة ولم يملك العبد.
والرابع: هل يجوز ترويجه امرأته تلك أو يكون فاسدًا.
فقال ابن دينار هو 247 حانث ساعة باع العبد، وقد وقع عليه الطلاق وجعل 248 يمينه على ذلك الملك، وحمل ابن القاسم اليمين على مجرد اللفظ في

الجزء: 5 - الصفحة: 2395

قوله: لأضربنه، ولم يفرق بين ذلك الملك ولا غيره 249. ولو جنى عند المشتري جناية فمكنه المشتري من عقوبته لبر على قول من حمل الأيمان على موجب اللفظ؛ لأنه ضربه ضربًا يجوز له، ولو ارتجع زوجة 250 وهي في العدة ولم يملك العبد فرضيت بالرجعة كانت رجعة 251 صحيحة عند ابن القاسم، وليست برجعة عند سحنون 252. وأجاز ها هنا أن يتزوجها بعد انقضاء العدة، وإن كان نكاحًا يمنع فيه من الإصابة، وهو موقوف عن الزوجة إلى أن يملك العبد وهو لا يدري هل يملكه 253 أم لا؟ وقال ابن القاسم فيمن تزوج صغيرة على أنه 254 إن تزوج عليها، فأمْرُ التي يتزوج بيدها، فتزوج عليها وهي صغيرة لا تعقل، قال 255: نكاحه فاسد 256 257. يريد: لما كان ممنوعًا من الوطء إلى أن تكبر الصغيرة، وهذا أحسن.
ولو حلف بالطلاق ليحجن ولم يوقت عامًا بعينه- كان له أن يصيب زوجته ما بينه وبين خروج الناس، فإذا أمكنه الخروج منع 258. وقال أيضًا: إذا جاء وقت إن خرج لم يدرك الحج منع 259، وإن جاء وقت خروج الناس فكان خوف من اللصوص أو أعسر الحالف لم يمنع من زوجته 260. وإذا لم يكن مانع ورفعت أمرها

الجزء: 5 - الصفحة: 2396

إلى السلطان وقامت بقرب فوت الحج كان لها أن تطلق عليه من غير أجل؛ لأنه لا يقدر على أن يفي بالحج في أجل الإيلاء 261، وقيل: يضرب له الأجل رجاء أن تصبر 262. وإن كان قيامها بعد أن مضت مدة, وكان يقدر على أن يأتي بالحج في أجل الإيلاء- لم يعجل عليه 263 بالطلاق، وكذلك إذا كان لا يأتي به في الأجل، ولكنه يأتي به في العدة، فإنه لا يعجل عليه بالطلاق.
وقال في العتبية: لا يصيب زوجته من أول حلفه حتى يحج، فإن قال: بيني وبين ذلك زمان، قلنا له: فأحرم واخرج وأَهِلَّ، فإنها إن رفعت ذلك ضُرِبَ له أجل المولي 264. وهذا هو الصواب 265، ولا يكون أعلى رتبة ممن ضَرب لبره أجلًا، فقد قيل: إنه لا يصيب إذا لم يمكن من الإصابة كان لها أن تقوم به من الآن، ويعتبر أمره في أول مرة على ما تقدم في العام الثاني أنه ينظر فيه، فإن ضرب له أجل المولي عندما رفعته هل يقدر على الإتيان بالحج في الأجل أو في العدة إن طلق عليه بعد أجل الإيلاء؟ فإن كان يقدر على ذلك لم يعجل بالطلاق، وإلا عجل.
واختلف في كتاب محمد أنه 266 إذا كانت له إصابة في أول عام ثم فاته حج ذلك العام، هل يعود إلى الإصابة؟ ومثله إذا حلف ليخرجن إلى بلد سماه في وقت لا يمكنه الخروج.
قال محمد: للصوص، أو لأنه لا يجد كراءً، فإنه لا يمنع من زوجته، فإن أمكنه الخروج حِيلَ بينه وبينها، فإن عاد امتناع الطريق قبل الخروج، عاد إلى الإصابة على أحد القولين.
وقال محمد: إن قال: امرأتي طالق إن حج فلان أو إن سافر فلا شيء عليه،

الجزء: 5 - الصفحة: 2397

ولا يمنع حتى يحج أو يسافر فيحنث- يريد: لأنه على بِرٍّ -، قال: ولو قال: امرأته طالق إن لم يحج فلان لم يمنع من امرأته حتى يأتي إبَّانُ الحج، فإن حج فلان وإلا طلق عليه، وإن خرج وقت الحج ولم يخرج طلق عليه مكانه، وليس بمنزلة الذي حلف على نفسه ليحجن فيذهب وقت الحج، فهو مولٍ (1). فحمل يمين الحالف على غيره ليحجن أنه إنما يريد: هذا العام، وليس القصد أن يتأخر حتى يموت المحلوف عليه، كان الحالف حيًا أو ميتًا.
ولو حلف بالطلاق أنه لا يصيب زوجته حتى يحج أو يخرج إلى بلد كذا- كان موليًا، وليس كالأول؛ لأن ذلك حلف ليحجن، ولم يحلف على ترك الوطء، وهذا حلف على ترك الوطء حتى يحج، وإن حلف بالطلاق ليخرجن إلى بلد كذا- كان ممنوعًا من الوطء حتى يأتي ذلك البلد، ويصل إليه، ولا يبر بنفس الخروج إليه.
وقال محمد: إن خرج من فوره لم يمنع من زوجته (2) كما لو قال: أنت طالق إن لم أهجر فلانًا شهرًا فمضى في هجرته لم يمنع المصاب؛ لأنه على بر، والأول أحسن؛ لأنه إنما غر في الماضي، وهو على حنث في الباقي حتى يوفي به.

فصل [فيمن حلف ليكلمن فلانا وفلان غائب]

واختلف إذا حلف ليكلمن فلانًا وفلان غائب، فقال محمد: لا يوقف على 269 الوطء حتى يقدم فلان ولو أقام أبدًا أو مات قبل أن يقدم لم يكن عليه شيء 270. وقال أيضًا: لو حلف بطلاق امرأته ليكلمن فلانًا أو ليقضينه حقه وبينه وبينه أكثر من أربعة أشهر فليس بمولٍ، ولا يضرب له أجل المولي إذا لم يفرط267268

الجزء: 5 - الصفحة: 2398

في الخروج؛ لأنه لا يمنع من الوطء 271. فجعل عليه أن يخرج إليه، فإن فرط 272 لم يصب، ومرة لم ير ذلك ورآه في سعة حتى يقدم فلان.
وأرى إذا كانت اليمين ليكلمنه وكانت غيبة المحلوف عليه على وجه السفر ليعود- ألا يكون عليه أن يخرج إليه، وهو على يمينه حتى يقدم 273، فإن كان هناك مسكنه، ومقامه 274 بذلك الموضع أن يخرج إليه ليبر، وأما القضاء فإن كان الحق عينًا حيل بينه وبين زوجته حتى يرفع إلى السلطان أمره 275، ويقضي ذلك الحق، ويبرئه منه.
وكذلك إذا حلف ليكلمنّ فلانًا أو لا يركبنّ هذه الدابة وإذا 276 كان الدين عرضًا يجب قضاؤه ببلد الحالف، فإن كان القضاء ببلد المحلوف عليه كان عليه أن يخرج أو يوكل من يقضي عنه، ويمنع من أهله حتى يقضي، أو يخرج وكيله بفور يمينه 277 فيجوز له أن يصيب أهله 278 على أحد القولين 279. وقد اختلف في هذا الأصل فيمن حلف بالطلاق ليكلمن فلانًا أو ليركبن هذه الدابة أو ليدخلن هذه الدار أو ليتزوجن، فقيل: يحال بينه وبين زوجته على أي وجه كان يمينه، وسواء ضرب أجل 280 أم لا.
وقيل: إن ضرب أجلًا لم يمنع وإن لم يضرب أجلًا منع.

الجزء: 5 - الصفحة: 2399

وفي كتاب محمد: لا يمنع إذا حلف ليكلمن فلانًا أو ليركبن هذه الدابة، وإن لم يضرب أجلًا لأن حياتهما كالأجل ويمنع فميا سوى ذلك إذا لم يضرب أجلًا 281. ولابن كنانة عند ابن حبيب عكس ذلك: أنه يمنع في الكلام والركوب، ولا يمنع في التزويج ودخول الدار؛ لأن ذلك مما لا يفوت فعله إلا بموته، فأشبه من قال: أنت طالق بعد موتي.
والقول الرابع أنه إذا لم يتمكن 282 له فعل ما حلف عليه كالذي حلف ليخرجن إلى بلد فحيل بينه وبين الخروج أو كانت يمينه ليتزوجن فلانة فلم يزوجوه- لم يحل بينه وبين زوجته.
وأرى المنع في جميع هذه الوجوه على وجه الاستحسان لما ضَارَعَ 283 الطلاقَ إلى أجل، لإمكان ألا يبر في يمينه فيقع عليه الحنث بعقد 284 اليمين المتقدم ولا يجب ذلك؛ لأن حل العقد بيده إن شاء فعل وبر في يمينه، وإن شاء لم يفعل، ويكون كالذي اختار إيقاع الطلاق لما كان له أن يفعل، فلا يحنث، وفارق بهذا الطلاق إلى أجل؛ لأن ذلك لا وجه له في رفعه.
وقد قال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن حلف بالطلاق إلى أجل 285 ليفعلن: إن ترك الوطء محدث، وليس من الأمر 286 القديم.
يريد: أنه لم تكن الفتيا تمنع من ذلك، وهذا على أن الطلاق إلى أجل مختلف فيه، وقول ابن كنانة في هذا أحسن؛ لأنه إنما يؤمر بالكف من كان يترقب من الحنث في الحياة، وسواء ضرب أجلًا أو لم يضرب، ولا يؤمر بذلك من كان لا يحنث إلا بموت نفسه أو موت زوجته.

الجزء: 5 - الصفحة: 2400

فصل [إذا منع الزوج من أهله كان للمرأة أن تقوم بحقها]

وإذا منع الزوج من أهله كان للمرأة 287 أن تقوم بحقها في ذلك، وتطلق عليه كما تطلق على المولي إذا مضت أربعة أشهر.
واختلف في مبدأ الأجل فقال مالك وابن القاسم: الأجل من يوم ترفع له 288 ذلك ويضرب له السلطان 289 الأجل 290. وقال ربيعة فيمن حلف بطلاق امرأته ليخرجن إلى إفريقية: إنه يكف عنها، ولا يكون منها بسبيل 291، فإن مرت أربعة أشهر نزل بمنزلة المولي 292. فجعل الأجل من يوم الحلف، وهذا هو قياد القول بالمنع، والقول إنه يفتقر إلى حاكم أصوب 293؛ لأن الوجه الذي منع به مختلف فيه، فهذا يمنع وإن كان الحالف قد ضرب أجلًا، والآخر يبيح له مع الأجل ويمنعه مع عدمه، والآخر يمنعه إذا كان الحنث مما يقع في حياته ولا يمنعه إذا كان لا يكشفه الحنث إلا بموته، وكل هذا يفتقر إلى حاكم مجتهد، فإن ترجح عنده الإباحة لم يدخل عليه إيلاء 294، وإن ترجح عنده المنع حكم بذلك ودخل عليه الإيلاء.
وقال محمد: إذا رفعت ذلك إلى السلطان وضرب له أجلًا، فتعدى بعد ذلك ووطئ قبل أن يفعل ما حلف عليه، إنه باق على ذلك الأجل.
وليس ببين؛ لأن حقها في الإصابة قد سقط، ولا فرق بين أن يصل لذلك منه 295 بوجه جائز أو بوجه عداء.

الجزء: 5 - الصفحة: 2401

وفي كتاب محمد فيمن قال: أنت طالق إن لم أتزوج عليك إذا استغنى ولدك عنكِ (1) وذلك (2) في الحولين، فإنه يكف عنها، وليس في ذلك وقف (3) إلا أن ينويه (4). وقال محمد: لا يكف عنها إلا بعد الحولين وبعد الحولين يكون موليًا، متى رفعت أمرها ضرب الأجل مستأنفًا إن لم يتزوج (5). فلم يمنعه منها؛ لأنه لم يأت وقت يفعل فيه ما حلف عليه، فمنعه في القول الأول كما منع من ضرب لفعله أجلًا.
وقال فيمن كان بينه وبين رجل شر فقال: امرأتي (6) طالق إن عفوت عنه.
إنه يكف عن زوجته، قال: وليس هذا من باب إن فعلت، وإنما هو من باب (7) إن لم أفعل، أي: إن لم أستعدِ (8) عليه (9).

فصل [فيمن قال لرجل امرأتي طالق إن لم تهب لي دينارًا]

وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: امرأتي طالق إن لم تهب لي دينارًا: إنه يحال بينه وبين امرأته، ولا يدخل عليه في هذا إيلاء، ولكن يتلوم له السلطان على قدر ما يرى أنه أراد فيما حلف عليه، فإن وهب له 305 وإلا فرق السلطان بينهما 306. واختلف هل يقع الطلاق بمضي الوقت الذي يرى أن الحالف أراده من غير حكم، فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إذا مضى 307 قدر ما كان يتلوم السلطان له وقع عليه الحنث، وإن ماتت بعد ذلك لم يرثها، وإن مات296297298299300301302303304

الجزء: 5 - الصفحة: 2402

ورثته.
ما لم يفرق السلطان بينهما.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقع الطلاق عليه (1)، وإن مضى قدر ما كان يتلوم الإمام (2) فيه، وإن طال ذلك، ويتوارثان حتى يحكم بالفراق.
والقياس أنه إذا مضى القدر الذي أراده وقع الفراق، (3) وسواء كان يرفع (4) إلى السلطان أم لا، ولا ميراث بينهما إذا كانت يمينه بالثلاث، مات أو ماتت، وكذلك إذا كانت له زوجة نصرانية فقال لها: إن لم تسلمي فأنت طالق، فإنها (5) يتلوم له قدر ما يرى أنه أراده، ثم تطلق عليه (6). قال محمد: وليس من حلف على امرأته إن لم تسلم بمنزلة من حلف عليها ألا تخالفه في الوطء (7) فأبت وخرجت ثم رجعت (8) من يومها أو ليلتها فمكنته (9) من ساعتها، فهذا قد حنث ولا وقت له إلا إمكانه (10).

فصل [فيمن حلف لا يطأ امرأة ثم تزوجها ومن آلى بعتق عبد تم أعتقه واشتراه]

ومن قال لامرأته 318: والله لا أطؤك ثم تزوجها كان في حكم المولي من يوم تزوجها، فإن أصابها حنث 319، ولو قال: أنت علي كظهر أمي ثم تزوجها- لم يلزمه308309310311312313314315316317

الجزء: 5 - الصفحة: 2403

ظهار، ولزمه الإيلاء 320؛ لأنه حلف ألا يوجد منه فعل، ولم يعلق يمينه بوقت، فوجب أن يكون حانثًا متى وجد منه فعل ذلك 321، ألا ترى أنه لو أصابها حرامًا بغير تزويج حنث، ولم يلزمه ظهار؛ لأنها حين يمينه عليه كظهر أمه، وهو بمنزلة من قال لها 322: وطؤك عليّ حرام، وأيضًا فإنه كان الطلاق في الجاهلية.
ولو قال لها: أنت طالق، ثم تزوجها- لم يلزمه شيء إلا أن يريد: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي، وإن قال: إن تزوجتك فأنت طالق، ووالله لا أقربك 323 وتزوجها- وقع عليها الطلاق، فإن تزوجها بعد ذلك كان على حكم المولي 324. وقد تقدم في كتاب الظهار إذا قال: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي، ووالله لا أقربك وإذا آلى بعتق عبده، ثم باعه- سقط عنه حكم الإيلاء، فإن عاد إليه بميراث لم تعد عليه يمين.
واختلف إذا عاد إليه 325 بالشراء هل تعود عليه اليمين؟ ولا أرى عليه شيئًا إذا عاد إليه بعد أن تداولته الأملاك أو كان الحالف والمشتري من أهل الدين والفضل أو أحدهما، ولا تعود اليمين مع صحة البيع، وإنما تعود إذا لم يكن 326 بيعًا، واتهما أن يكونا جعلاه ذريعة 327 وأظهر البيع، فإذا كان البائع والمشتري من أهل التهم على مثل ذلك ولم تتداوله 328 الأملاك- صح أن تعود اليمين.
واختلف إذا فلس الحالف أو مشتري العبد منه فباعه السلطان عليه 329، وألا

الجزء: 5 - الصفحة: 2404

تعود اليمين أصوب، وبيع 330 السلطان يرفع التهمة 331، وإن آلى بطلاق امرأته ألا يصيب امرأة له أخرى، فإن آلى بطلاق الثلاث ثم طلق التي آلى منها ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج عادت عليه اليمين فإن طلق التي آلى بها ثلاثًا سقطت عنه اليمين إن تزوجها بعد ذلك، وإن طلقها واحدة لم تسقط، فإن وطئ التي آلى منها والأخرى في العدة حنث 332 ببقية طلاقها، وإن أصابها بعد أن بانت منه وقد عادت 333 إليه بنكاح- عادت عليه اليمين، ووقع عليه بقية طلاقها، وإن آلى من أربع نسوة بيمين واحدة فأصاب إحداهن - سقط الإيلاء عن بقيتهن 334، وإن أفرد كل واحدة منهن بيمين فحنث في واحدة كانت اليمين منعقدة في البواقي، فلو قال لواحدة: والله لا أطؤك، ثم عطف على البواقي فقال: ولا أنتِ ولا أنتِ 335، فإن أراد إدخالهن في اليمين الأولى 336 - كانت يمينًا واحدة، وإن نوى استئناف اليمين على كل واحدة فأصاب الأولى لم يحنث في البواقي.
وإن قال: والله لا أقرب 337 واحدة منكن كان إيلاء واحدا، وإن قال: أيتكن قربتها.
فعليه كفارة يمين، أو عليه فيها يمين 338 لأنه 339 قد أفرد.

الجزء: 5 - الصفحة: 2405

باب فيما يسقط الإيلاء وفي صفة الفيئة

اختلف في المولي هل هو مطالب بالفيئة قبل انقضاء أجل الإيلاء، أو عند انقضائه، أو له زيادة بعد ذلك؟ وذكر ابن الماجشون في كتابه عن مالك أنه كان يقول: يقع الطلاق بمضي الأربعة الأشهر 340. فجعل المطالبة بالفيئة في الأربعة الأشهر، ويلزم على هذا إذا كان أجل الإيلاء أربعة أشهر أن يكون على حكم المولي، فإن أصاب في الأربعة، وإلا وقع السلطان 341 الطلاق بمضيها.
وقال أشهب: قول مالك في وقوع الطلاق على المولي وهي حائض إن ذلك إذا 342 كان يرى الطلاق بمرور الأجل 343. وقال مالك في كتاب المدنيين: إذا تم 344 الأجل وقفه الإمام ساعة ترفعه 345، قال وذلك إن كان الأجل الذي جعل له قد انقضى وفرغ إليه منه.
ولم ير أن يزاد على الأجل شيئًا 346، وقال ابن القاسم عنه: يؤخر المدة بعد المدة، فإن فاء وإلا طلق عليه، وقد يكون 347 ذلك قريبًا بعضه من بعض 348.

الجزء: 5 - الصفحة: 2406

وروى عنه 349 ابن وهب في كتاب محمد أنه قال: يؤخر، وإن أقام في الاختيار حتى تحيض ثلاث حيض أو أكثر فإنه يوقف أيضًا، فإن قال: أنا أفي خُلِّيَ بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه 350. وروى عنه أشهب أنه قال: يخلى بينه وبينها، فإن لم يفيء حتى انقضت عدتها من يوم قال: إني أفيء طلقت عليه طلقة بائنة 351 352. فجعل المعنى للقول الأول في التربص ليصيب في الأربعة، وذلك غاية التربص، وفي القول الثاني أنه مخاطب بالإصابة عند تمامها، وليس فيها، وهذا أحسن، ولا وجه للقول بوقوع الطلاق لمرور الأجل من غير وقف؛ لأن الإصابة حق لها، فوجب ألا يقضى بذلك الحق إلا بعد قيام صاحبه به، فإذا قام بحقه أمر مَنْ قِبَلَهُ 353 ذلك الحق بالوفاء به، فإن لم يفيء حكم عليه إذا طلبت الطلاق عند لَدَدِهِ، فإن تركت 354 القيام بالطلاق بعد لدده لم تطلق، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يوقفون المولي 355. وهو رأي عثمان وعلي وعائشة - رضي الله عنهم - 356. وأرى ألا يمهل بعد تمام الأجل الذي جعله الله سبحانه عدلًا بينهما وحكمًا عليهما.
وقوله في كتاب محمد: إذا لم يفئ حتى انقضت عدتها راجع إلى هذا؛ لأنه لم

الجزء: 5 - الصفحة: 2407

يزد في الأجل شيئًا إلا أنه يدخله الاعتراض من وجهين: أحدهما: أنه جعل الطلاق والعدة مترقبًا، فإن وطئ كانت على الزوجية من غير طلاق، وإن لم يصب كان الطلاق واقعًا من يوم انقضاء الأجل.
والوجه الثاني: أنه يخلو بها لمثل ذلك، وتبقى العدة على حكمها، ولا يكون عليها لتلك الخلوة عدة، وهذا خلاف المعروف من قوله في الخلوة، وقد قال ابن القاسم في المولي تطلق عليه امرأته ثم يرتجع 357 ولا يطأ حتى تنقضي العدة: إنه إن خلا بها كانت عليها عدة أخرى 358، وإن حل الأجل وهي حائض وسأل الصبر حتى تطهر ليصيب 359 - أمهل، وإن كان في ذلك زيادة في الأجل؛ لأن الامتناع من سببها.
يريد: الحيض 360. واختلف إذا قال: لا أفيء هل تطلق عليه الآن، وهي حائض؟ فقيل: لا تطلق للنهي عن الطلاق في الحيض.
وقيل: تطلق عليه بالقرآن 361، ويجبر على الرجعة بالسنة، والأول أحسن؛ لأن الطلاق حينئذ ضرر عليه من غير منفعة للزوجة؛ لأنه يجبر على الرجعة، فتبقى زوجة 362، ثم تطهر فتطلق عليه أخرى من غير منفعة في الأولى.
ويختلف إذا تعدى فوطئها وهي حائض أو صائمة هل يسقط حكم الإيلاء، قياسًا على وقوع الإحلال به والإحصان؟ والقياس أن يسقط حقها في الإصابة؛ لأنها 363 نَالت من ذلك ما كانت تجد قبل 364 لو كانت طاهرة أو مفطرة.

الجزء: 5 - الصفحة: 2408

فصل [هل يسقط الإيلاء إذا كفَّر المولي ولم يصب أم لا؟]

اختلف هل يسقط الإيلاء إذا كفّر المولي ولم يصب، فقال مالك مرة: يسقط الإيلاء عنه إذا كفَّر 365. وسواء كانت اليمين بالله أو بعتق غير معين أو بصدقة شيء مضمون، وإن لم يصب 366. وقيل: إن كانت اليمين بالله لا يجزئه إلا الإصابة 367، لإمكان أن تكون كفارته عن يمين غير هذه، وإن آلى بعتق أو طلاق فأعتق أو طلق أجزأه.
وقال مالك في مختصر 368 ابن عبد الحكم: لا فيئة لمولٍ إلا بإصابة.
ولم يراع 369 بأي شيء كانت اليمين.
وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يسقط الإيلاء إلا بالوطء كانت اليمين بمعين أو مضمون 370، قال: وهو تأويل قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾: يعني: الإصابة 371، وهذا هو الحق والصواب؛ لأن اليمين إنما كانت على ترك حقها أو حق هو لها، وهو الوطء، فجعل الله سبحانه للزوجة في ذلك مقالًا وقيامًا، وجعل له أن يتربص له مدة سماها ليفيء فيها، والفيئة: الرجوع إلى ما كان عليه من الحق، وهو الوطء، ومعلوم أن الكفارة ليست بفيئة، وإنما هي إسقاط يمين، وحق الزوجة في الإصابة ليس في الكفارة.

الجزء: 5 - الصفحة: 2409

فصل [فيمن ضرب لإيلائه أجلا أكثر من أربعة أشهر بالشيء القريب]

واختلف فيمن ضرب لإيلائه أجلًا أكثر من أربعة أشهر بالشيء القريب، فلما تمت الأربعة الأشهر 372 قال: دعوني حتى ينقضي 373 الأجل، فأصيب من غير حنث ولا كفارة، فقال محمد: إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر ولو يومًا واحدًا فهو مولٍ 374. فعلى هذا لا يؤخر إن قال: أخروني حتى يمضي 375 ذلك اليوم وأصيب بغير حنث ولا كفارة، وهذا موافق لرواية ابن دينار أنه يوقف عند تمام الأربعة الأشهر 376 بغير زيادة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا زاد على يمينه على الأربعة الأشهر مدة مؤثرة فهو مولٍ 377. يريد: إذا كانت الزيادة يسيرة أخر إليها ولم يكن موليًا.
وقال في المدونة فيمن قال: والله لا أطؤك حتى أقضي فلانًا حقه، وفلان غائب، وقال: دعوني أخرج إليه، قال: إن كان البلد قريبًا مثل ما يختبر بالفيئة كان ذلك له 378 بمنزلة من قال: إن وطئتك حتى أكلم فلانا فأنت طالق فمضت أربعة أشهر، فقال: أنا أفيء والمحلوف عليه غائب 379 قريب الغيبة، فإنه يترك 380. فساوى بين فيئته بالوطء وبالكفارة إن كفر، وبإسقاط اليمن بغير كفارة ولا

الجزء: 5 - الصفحة: 2410

وطء، والأول أحسن، ولا يزاد في الأجل الذي جعل الله له (1) شيئًا (2).

فصل [فيما إذا حل أجل الإيلاء وهو مريض أو مسجون هل تسقط المطالبة بالفيء؟]

وإذا حل أجل الإيلاء وهو مريض أو مسجون سقطت المطالبة بالفيء 383 بالوطء للعذر الذي له، فإن كانت اليمين في شيء 384 بعينه- عتق أو صدقة أو طلاق- كانت الفيئة بإسقاط اليمين، فإن أبى طلق عليه 385. واختلف إذا كانت اليمين بغير معين هل يلزم بإسقاط اليمين، أو يؤخر حتى يصح، أو يخلى من السجن؟ وهو أحسن 386؛ لأنه مطالب بعد ذلك بالإصابة على الصحيح من المذهب، فإن أبى طلق عليه، فإن قال وهو مريض أو مسجون: لا أفيء فطلق 387 عليه، ثم ارتجع- كانت رجعته رجعة 388 ثابتة، وإن لم يطأ حتى خرجت من العدة، فإذا صح أو أطلق أمكن منها، فإن لم يصب فرق بينهما ولا عدة عليها، قال ابن القاسم: إلا أن يخلو بها فيكون 389 عليها العدة، فإن اختلفا فقال: أصبت وأنكرت كان القول قوله مع يمينه.381382

الجزء: 5 - الصفحة: 2411

قال الشيخ -رحمه الله-: فإن نكل حلفت وكانت (1) مثل ما إذا (2) اختلفا في الوطء، وادعى (3) الفيئة فنكل، أنها تحلف وتطلق عليه.

فصل [فيما إذا أرأد المولي أن يسافر هل ذلك له؟]

وإذا أراد المولي أن يسافر كان 393 ذلك له، وليس لزوجته أن تقول: أمهل حتى يتم الأجل فتصيب.
قال ابن القاسم في العتبية: ويوكل من يفي عنه بالكفارة أو تطلق 394 عليه 395، وقال ابن كنانة: إذا كان مقرًا بالإيلاء ترك، فإذا حل الأجل طلق عليه، وإن كان منكرًا والمرأة تدعي ذلك حبس حتى يتحاكما 396. واختلف إذا سافر قبل أن ترفع زوجته أمرها 397 ولم يوكل، فقال في المدونة: لا تطلق عليه حتى يكتب إليه 398. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: تطلق عليه، بخلاف المريض والمسجون، وفي السليمانية تطلق عليه، وإن خرج حاجًا أو غازيًا، وأرى إذا كان خروجه لحجة الفريضة أو لغير ذلك مما يعلم أنه اضطر إلى السفر إليه- أن يؤخر حتى يقدم، ولا يطلق عليه الآن 399؛ لأن ذلك عذر كالمرض، وإن كان390391392

الجزء: 5 - الصفحة: 2412

يرى أنه 400 فعل ذلك لددًا أو فرارًا طلق عليه، وسواء كان وكل من يكفر عنه أم لا؛ لأن حقها في الإصابة، وقد قصد الضرر بها في ذلك، وإذا لم يكن سفره فرارًا وكانت يمينه بمعين -طلاق أو عتق- أُمِرَ بأن يوكل من يسقط عنه اليمين أو يطلق عليه، وإن لم ينظر في الوكيل حتى غاب 401 لم يطلق عليه.
ويختلف إذا كانت اليمين بالله، فعلى القول أنه لا يجزئه لو كان حاضرًا إلا 402 الإصابة: لا يطلب بوكيل، وقال محمد: إذا آلى وهو غائب فرفعت زوجته أمرها- لم تطلق عليه وإن طالت غيبته 403. قال مالك: ويكتب إليه فيوقف في موضعه، فإما فاء وإما طلق عليه كما يفعل بالمسجون 404، والمريض 405. يريد: إذا كانت اليمين بمعين.
واختلف إذا كانت بمضمون، وظاهر المذهب إذا قدم بعد مضى أربعة أشهر أنه يوقف بالحضرة، والقياس أن يستأنف الأجل من يوم قدومه؛ لأنها 406 لم يكن لها حق ولا مطالبة في الوطء في حين غيبته.
ولو قال: والله لا أقرب زوجتي في غيبتي لم يكن بمولٍ؛ لأنه يستحيل وجود ذلك منه في غيبته، وأن يتصور حقها، والأجل 407 في الموضع الذي يصح فيه منه الوطء.
وقد وردت أسئلة جعل للزوجة فيها أن يوقف 408 الزوج على الفيئة أو

الجزء: 5 - الصفحة: 2413

الطلاق، والقياس أن لا مقال لها فيها.
فمن ذلك: المولي يطلق قبل تمام أجل الإيلاء أو يولي بعد الطلاق أو يعقد الإيلاء وهو مريض، أو غائب، فقال ابن القاسم: إذا طلقها قبل أجل الإيلاء، ثم 409 تم الأجل وهي في العدة لها أن توقفه 410. والصواب أن لا وقف لها في ذلك؛ لأن الزوج يقول: إنما حقك عند تمام الأجل إذا لم أصب أن أطلق 411، فقد عجلت ذلك لك قبل الوقت الذي جعله 412 الله لي، ولا أفعل الآن لو وقفت 413 أكثر من الذي تقدم وهو الطلاق، وإنما مطالبتك أن أطلق 414 لتتزوج أو لتحكم على نفسك، وقد جعلت لك إلى ذلك السبيل الذي جعله الله لك.
وقال أيضًا إذا آلى بعد الطلاق الرجعي فمضت أربعة أشهر قبل انقضاء العدة: لها أن توقفه بوقف 415 الإيلاء، والوقف في هذا أبعد؛ لأن الوقف إنما يكون لمن حلف على ترك ما لها فيه حق، والمطلقة لا حق لها في الوطء لو لم يحلف، ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه، إن شاء ارتجع وأصاب وإن شاء لم يرتجع، فكيف يجبر على أن يرتجع ليصيب أو يطلق عليه مرة أخرى؟! قال محمد: لو قال لها: والله لا أطؤك 416: إنه مولٍ، وهو مثل الأول؛ لأنه حلف على ما ليس لها عليه 417 فيه حق.
وقال فيمن آلى وهو مريض لا يقدر على

الجزء: 5 - الصفحة: 2414

الوطء: لها إيقافه 418 عند تمام الأربعة الأشهر 419. وفي كتاب محمد مثل ذلك إذا آلى وهو غائب.
ولا أرى أن يتوجه لها وقف، ولا حق في موضع لو لم يحلف لم يكن عليه فيه حق، ولا يوجب لها اليمين حقًا لم يكن قبل يمينه، فإذا صح أو قدم كان لها الحق، واستؤنف الأجل من حينئذ، ولأنه لو لم يحلف إلا عند صحته أو قدومه لكان لها 420 الأجل من حين حلف، ولا يكون لها أن تقول: إنه قد أضربي ما كان من الصبر في غيبته ومرضه، وكذلك إذا آلى وهو مسجون ينبغي أن يستأنف الأجل بعد خروجه 421.

الجزء: 5 - الصفحة: 2415

باب في إيلاء من لا (1) يصح منه الوطء (2) كالحصور والعنين والمجبوب (3) والشيخ الكبير

اختلف في إيلاء هؤلاء، فقال مالك وابن القاسم: ليس ذلك إيلاء 425، ولا وقف للزوجة فيه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في الخصي.
يريد: المجبوب هو مولٍ 426؛ لأن للزوجة فيما آلى منه منفعة من المضاجعة والمباشرة والاستمتاع به، فإذا قطع ذلك عنها وهو الذي تزوجته له، كان لها أن توقفه عند انقضاء أجل الإيلاء، قال: وأما الشيخ فلا إذا كان قد أقعده 427 الكبر وقطع منه ما فيه التمتع 428. قال الشيخ -رحمه الله-: قوله في المجبوب حسن؛ لأنها 429 تستمتع به ويفعل معها ما لا يجوز للمرأة أن تفعله مع المرأة، وكذلك العنين والحصور لها أن تقوم بالفراق، وليس عند الأربعة الأشهر 430، ولكن عندما تدرك منه 431 المضرة، وقد يكون الأجل في هذا أوسع ممن يوجد منه الوطء.422423424

الجزء: 5 - الصفحة: 2416

باب في الإيلاء من الصغيرة ومن آلى قبل البناء

ومن آلى من صغيرة لم تبلغ الوطء 432 لم يكن لها وقفه 433 عند انقضاء الأربعة الأشهر 434، وإن كان قد دخل بها وضمها إليه، فذلك سواء 435، وإذا بلغت الوطء كان لها وقفه إذا مضت أربعة أشهر من يوم بلغت ذلك إذا كان ضمها إليه، وإن لم 436 يكن بنى بها حتى مضت 437 أربعة أشهر من بعد بلوغها حد الوطء 438، وادعى أن البناء بعد انقضاء جهازها وجهازه.
وكذلك الإيلاء من الكبيرة قبل البناء فلا يراعى ما مضى من الأمد قبل أن يدعى إلى الدخول، وقبل أن يمضي ما يتجهزا فيه، فإذا انقضى شأنهما فيما يريدان من ذلك ودعي إلى البناء فأبى كان الأجل من حينئذ؛ لأنه الوقت الذي يوجب 439 لها الحق في الإصابة.

الجزء: 5 - الصفحة: 2417

باب في المولي يُجن

وقال أصبغ في العتبية فيمن آلى وهو صحيح ثم حل أجل الإيلاء وهو مجنون؛ فإن 440 السلطان يوكل من ينظر في أمره فيفي عنه بالكفارة إذا كانت يمينه تمنعه الوطء أو يطلق عليه، قال: وإن وطئها في حال جنونه كان وطؤه فيئة ويكفر عنه وليه 441. قال الشيخ -رحمه الله-: وطؤه في 442 حال جنونه يسقط حقها في الوقف 443، ولا يوجب عليه حنثًا كما لو طلق حينئذ؛ لأنه غير مخاطب بالشرع لعدم العقل 444، ولو لم يطأ لم يكن لها في ذلك وقف؛ لأن ذلك عذر كالمرض إذا كان يعفيها من نفسه على القول أنه لا يطلق على المجنون إذا لم يكن آلى، وكان يعفيها من نفسه 445 والمجنون يخلو معها، فإن أصاب فذلك 446، وإن لم يصب لم يطلق عليه؛ لأن ذلك ليس امتناعًا منه لأجل اليمين، وكما لم يكن لها مقال إذا قطع ذكره، وهو في المجنون أبين؛ لأنه إن لم يصب الآن أصاب بعد، وإن أصاب في حال جنونه ثم صح استؤنف الأجل من يوم صح؛ لأن مقالها في ذلك الأجل سقط بالإصابة، ثم يوقف بعد صحته لأجل اليمين؛ لأنها باقية بعد 447 لم تحل.

الجزء: 5 - الصفحة: 2418

باب في إيلاء العبد والسفيه

إيلاء العبد بالله لازم، ولا مقال للسيد في ذلك، وإيلاؤه بالعتق، والصدقة موقوف على إجازة السيد ورده 448، فإن أجازه لزمه، وكان العبد حينئذ كالحر، فإن وطئ وأحنث نفسه، وإلا طلق عليه، وإن رد سيده عقده 449 وكانت اليمين بعتق عبد بعينه أو صدقة شيء بعينه سقط إيلاؤه، وإن كان بغير معين كان للسيد إسقاط عقده عند ابن القاسم، ويسقط عنه حكم الإيلاء، وليس ذلك له عند أشهب، وحكم الإيلاء قائم عليه، وإن كان 450 السيد غائبًا كان على حكم المولي، لإمكان أن يجيز سيده عقده، ولا يؤخر إذا حل أجل الإيلاء لأجل غيبة السيد، وإيلاء السفيه بالله وبالطلاق لازم، وقال عبد الملك بن الماجشون: وإيلاؤه بالعتق والصدقة غير لازم؛ لأنه ليس لوليه أن يجيز ذلك، وإن آلى بصيام أو صلاة أو ما أشبه ذلك كان موليًا؛ لأن ذلك مما لا ولاء عليه فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 2419

فصل [في أمد إيلاء العبد]

اختلف في أمد 451 إيلاء العبد، فقال مالك في المدونة 452: شهران 453. وفي مختصر ابن شعبان أنه أربعة أشهر كالحر 454؛ لأنها المدة التي يلحق فيها 455 الزوجة الضرر بالصبر إليها، فلم يفترق رفع المضرة عنها إذا كان الزوج حرًا أو عبدًا، فلا يجوز أن يطلق على الزوج إذا كان عبدًا في موضع لم يلحق الزوجة فيه ضرر، ولو كان ذلك مبنيًا على الحرية لفرق بين الأمد الذي يطلق فيه على الحر إذا كانت زوجته حرة، وبينه إذا كانت أمة، وقال ابن القاسم في العبد يولي فيكون أجل إيلائه شهرين ثم يعتق بعد شهر: إنه يبني على أجل العبد، فإن مضى شهر آخر وقفته 456. قال محمد: ولو حلف بالطلاق ليفعلن، فقامت بعد 457 أن أعتق، فإن أجله أربعة أشهر.
يريد: لأن العتق سبق الأجل، ولو رفعته قبل العتق، وضرب له أجل شهران ثم أعتق- وقفته عند تمام الشهرين، ولم يرد إلى أجل الحر.

الجزء: 5 - الصفحة: 2420

فصل [في الرجل يكبر وتكون عنده أم الولد أو الشابة]

وقال مالك في الرجل يكون 458 له أم ولد فيكبر 459 ويذهب ذلك منه ويتركها فلا شيء عليه، وقد كان رجال صالحون تكون عندهم الشابة فيخيرها في أن يحبسها أو يبيعها 460. قال: وبلغني أن رجلًا من صالح الناس خير امرأته، قيل له: أفتستحسن هذا؟، قال: ما أحب أن أضيق على الناس 461، وإني لأراه حسنًا، قال: ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن الأمة إذا كانت زوجة إلا بإذن سيدها 462. يريد: لحقه 463 في الولد ما لم تكن حاملًا، أو في سن من لا تحمل لصغر أو كبر.
تم كتاب الإيلاء والحمد لله

الجزء: 5 - الصفحة: 2421

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاء
باب في الإيلاء وصفته ومن حلف ألا يغتسل من امرأته من جنابة أو حلف ألا يكلمها أو لا يبيت عندهافصل [فيمن آلى بحج أو عمرة أو صوم]فصل [فيمن حلف ألا يكلم زوجته أو ليهجرنها وهو يصيبها]باب فيمن آلى بعتق ما يملكه فى بلد أو إلى أجل أو بصدقة ذلكفصل [فيمن قال إن وطئتك فأنت طالق هل يكون موليًا؟]فصل (12) [فيمن قال لزوجته والله لا أطؤك حتى تفطمي ولدك هل يكون موليًا؟]فصل [قيام المرأة بالفراق لعدم الإصابة لفقدان الزوج]فصل [فيمن آلى من امرأته إلى ثمانية أشهر فأوقفته عند الأربعة أشهر فطلق ثم ارتجع]فصل [فيمن آلى بالله تعالى ثم بعد شهر آلى بحج]باب في دخول الإيلاء على من حلف بالطلاق ليفعلنفصل [فيمن حلف ليكلمن فلانا وفلان غائب]فصل [إذا منع الزوج من أهله كان للمرأة أن تقوم بحقها]فصل [فيمن قال لرجل امرأتي طالق إن لم تهب لي دينارًا]فصل [فيمن حلف لا يطأ امرأة ثم تزوجها ومن آلى بعتق عبد تم أعتقه واشتراه]باب فيما يسقط الإيلاء وفي صفة الفيئةفصل [هل يسقط الإيلاء إذا كفَّر المولي ولم يصب أم لا؟]فصل [فيمن ضرب لإيلائه أجلا أكثر من أربعة أشهر بالشيء القريب]فصل [فيما إذا حل أجل الإيلاء وهو مريض أو مسجون هل تسقط المطالبة بالفيء؟]فصل [فيما إذا أرأد المولي أن يسافر هل ذلك له؟]باب في إيلاء من لا (1) يصح منه الوطء (2) كالحصور والعنين والمجبوب (3) والشيخ الكبيرباب في الإيلاء من الصغيرة ومن آلى قبل البناءباب في المولي يُجنباب في إيلاء العبد والسفيهفصل [في أمد إيلاء العبد]فصل [في الرجل يكبر وتكون عنده أم الولد أو الشابة]
كتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل