كتاب الحج الثاني
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)
الجزء: 3 - الصفحة: 1201
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
كتاب الحج الثاني
باب في المبيت ليلة عرفة, أو ليالي منى, أو غيرها, وذكر أيام الحج، وموضع الوقوف بعرفة, وخطب الحج، ومتى يقطع التلبية
ومن المدونة قال مالك: يكره أن يدع الرجل المبيت بمنى ليلة عرفة، كما يكره أن يبيت ليلة من ليالي منى إلا بمنى، وعليه الدم إن فعل، وإن ترك المبيت ليلة عرفة لم يكن عليه دم 1. فلم يرَ في الليلة 2 الأولى دمًا؛ لأن مبيت تلك الليلة ليس لأمر يفعل فيها ولا في غدها، وإنما هي جواز لعرفة.
وأيام الحج فيما بعد؛ وهي خمسة: يوم عرفة ويوم النحر وأيام الرمي الثلاثة.
ويستحب أن يكون يوم التروية -وهو اليوم الثامن- بمنى 3 يخرج من مكة إلى منى 4 بقدر ما إذا بلغ منى صلى بها الظهر، ثم يغدو من منى بعد طلوع الشمس؛ لحديث جابر - رضي الله عنه -، قال: "لمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مِنًى وَتَوَجَّهَ النَّاسُ مَعَهُ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالعَصرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَاَلصُّبْحَ".
الجزء: 3 - الصفحة: 1203
أخرجه مسلم 5. وكره مالك أن يقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية، وإلى عرفة قبل يوم عرفة 6.
واختلف في تقدمة 7 الأثقال، وكره ذلك مالك حماية أن يتقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية بأنفسهم 8، ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب في المجموعة.
وكره مالك في البنيان الذي أحدث في منى 9، قال في كتاب محمد: لأنه يضيق على الناس 10.
وكره بنيان مسجد عرفة، قال: وإنما أحدث بعد بني هاشم بعشر سنين 11.
وقيل في يوم التروية: إنما سمي بذلك لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى لحاج العرب يسقونهم مع الزاد، فقيل: رَويَّ الحاج.
الجزء: 3 - الصفحة: 1204
فصل [في منازل الحج وحدودها وخطبة الحج]
عرفة كلها منزل وموقف، ما خلا بطن عُرَنَة 12؛ فإنها من الحرم وليست من عرفة، والمزدلفة كلها منزل ما عدا بطن مُحَسِّر، فإنه ليس من المزدلفة، ومنى كلها منزل ومنحر ما خلا ما خلف العقبة إلى مكة فإنه ليس من منى، فلا ينحر فيه، ولا يبيت فيه.
ويستحب أن ينزل الناس من عرفة بنمرة؛ لحديب جابر - رضي الله عنه -، قال: "أَمَرَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَتُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا" أخرجه مسلم 13. فإذا زالت الشمس اغتسل الناس، وجمع بهم الإمام حينئذٍ 14 الظهر والعصر.
قال ابن حبيب: ولا ينبغي لأحد أن يترك الجمع مع الإمام 15. ويبتدئ الإمام الخطبة قبل الصلاة ويخطب خطبتين.
وخطب الحج ثلاث: الأولى يوم السابع بمكة، والثانية يوم عرفة بعرفة، والثالثة أول أيام الرمي، وهو الحادي عشر.
قال ابن شهاب: كانت يوم النحر فأخرتها الأمراء للشغل.
والأولى والثالثة خطبة واحدة بعد الصلاة، والثانية خطبتان قبل الصلاة.
ولا يجلس إلا في خطبة يوم عرفة 16، وكل واحدة تتضمن ما يفعل من يوم يخطب إلى التي
الجزء: 3 - الصفحة: 1205
تليها، والأخيرة ما يفعل إلى انقضاء الحج.
قال ابن حبيب: تفتتح الخطب الثلاث بالتكبير كالأعياد، ويكبر في خلال كل خطبة 17. واختلف في وقت قطع التلبية، فقال مالك مرة: يقطع إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة.
وقال: إذا راح إلى الموقف 18. وقال في كتاب محمد: إذا وقف.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة 19.
وهذا أحسن؛ للحديث: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ - رضي الله عنه - مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنى، فَكِلاهُمَا قَالَ 20: "لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 21. ولأن التلبية إجابة إلى ما دعي إليه، وقد اتفقوا على أنه لا يكتفي من ذلك بالتلبية عند ما يعقد الإحرام ثم يقطع.
وإذا كان ذلك فينبغي أن يلبي حتى يتلبس بالفعل الذي دعي إليه.
ويوم النحر: يوم الحج الأكبر، فيه الرمي والنحر والحلاق والإفاضة.
ويقال: حتى يتلبس بالوقوف بعرفة، كما قال محمد.
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا قطع التلبية بعرفة؛ فليهلل وليكبر وليذكر الله.
وقيل: يكثر الذكر والتهليل والتكبير والتحميد والتمجيد والتعظيم والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويفعل مثل ذلك إذا دفع من عرفة، وفي مبيته
الجزء: 3 - الصفحة: 1206
بمزدلفة، وفي مقامه بمنى، كما يفعل من رفع الصوت بالتلبية؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]. وفي "الموطأ": "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خَرَجَ أَيَّامَ مِنىً بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ جِدًّا، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ جِدًّا، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ لِتكبِيرِهِ، حَتَّى بَلَغَ التَكبِيرُ للْبَيْتِ، فَعُرِفَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ لِرَمْيِ الجِمَارِ" (1).
فصل [في مكان الوقوف بعرفة]
وقال ابن حبيب: يقف بعرفة عند الهضاب من سفح الجبل، وحيث يقف الإمام أفضل 23. وفي كتاب مسلم: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ 24، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ" 25.
وقال مالك في كتاب محمد: لا أحب أن أقف على جبال عرفة، ولكن مع الناس، وليس في موضع من ذلك فضل 26 إذا وقف مع الناس.
واختلف فيمن وقف بمسجد عرفة على ثلاثة أقوال: فقال مالك في كتاب22
الجزء: 3 - الصفحة: 1207
محمد: لم يصب من وقف به.
قيل له: فإن فعل حتى دفع الإمام؟ قال: لا أدري.
فكأنه شكَّ هل هو من الحل أو من الحرم.
وقال أصبغ: لا حج له.
ورآه من غير عرفة 27. وقال محمد: ويقال إن حائط المسجد القبلي على حده، ولو سقط لسقط في عرنة 28. وعلى هذا يجزئ الوقوف فيه؛ لأنه من الحل.
وكذا عند ابن مزين: أنه يجزئ 29 الوقوف فيه.
واستحب مالك أن يقف راكبًا؛ للحديث: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ رَاكِبًا" 30. ويقف على الدواب ما لم يضر بها؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ ظهورها كراسي 31. ومن لم تكن له دابة فقائمًا، ولا يجلس إلا لعلة، أو لكلال.
الجزء: 3 - الصفحة: 1208
باب فيمن وقف بعرفة مغمى عليه، أو مر بعرفة وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولم يقف بها، ومن أخطأ العدد فوقف بعد يوم عرفة, أو أتى مفاوتًا وعليه صلاة
واختلف في وقوف عرفة لثلاثة:
أحدها: هل يجزئه إذا كان مغمى عليه؟ والثاني: إذا كان في عقله هل يجزئه كونه بها وإن لم يعرفها أو حتى يعرفها؟ وإن لم يقف أو حتى يقف؟ والثالث: هل يجزئه وقوف النهار؟
فقال مالك فيمن أُتي به إلى عرفة وهو مغمى عليه، ووقفوا 32 به على حاله تلك: أنه يجزئه 33. وروى عنه مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أغمي عليه بعرفة قبل الزوال لم يجزئه، وإن أغمي عليه بعد الزوال، فإن كان ذلك قبل أن يقف أجزأه، وإن اتصل به الإغماء حتى دفع به، وليس عليه أن يقف ثانيًا إن أفاق من بقية ليلته.
قالا: وهو كالذي يغمى عليه في رمضان قبل الفجر، فلا يجزئه.
وإن طلع الفجر وهو في عقله، ثم أغمى عليه بعد ذلك لم يضره.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إن وقف مفيقًا ثم أغمى عليه أجزأه، وإن وقف مغمى عليه فلم يفق حتى طلع الفجر لم يجزئه 34.
الجزء: 3 - الصفحة: 1209
وقال أشهب في مدونته: ووقف في المدونة فيمن مر بعرفة ولم يقف بها، فلم يقل: إنه يجزئه أو لا يجزئه 35. وعلى قوله في المغمى عليه أنه يجزئه، ولو لم يكن في عقله - يجزئ هذا وجوده من الوقوف.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن دفع إلى عرفة قبل غروب الشمس، ثم لم يخرج منها حتى غربت الشمس: أنه يجزئه 36. وإن خرج قبل أن تغرب الشمس، ولم يرجع حتى طلع الفجر لم يجزئه 37، وهذا إنما حصل منه المرور بغير نية الوقوف؛ لأنه على نية الانصراف.
وقال محمد فيمن مر بعرفة ليلًا، وشقها وهو يعرفها، ولم ينزل بها: أنه يجزئه إذا نوى به الوقوف، وذكر الله.
ولو كان مروره وهو لا يعرفها، ولم ينزل بها لم يجزئ، وبطل حجه.
يريد: بعدم النية، وهذا أحسنها، فلا يجزئه إلا أن ينوي الوقوف، ويذكر الله تعالى، عرفها أو لم يعرفها.
وإن لم ينو الوقوف، أو نواه ولم يذكر الله لم يجزئه.
وقد أوجب الله تعالى وقوف عرفة 38، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم - صفته, فعلم أن الفرض ليس بأن يمضي لذلك الوضع فيمشى فيه، أو ينام فيه ثم ينصرف.
وكذلك أرى في المغمى عليه أنه لا يجزئه إذا زالت الشمس وهو مغمى عليه، أو كان في عقله ثم أغمي عليه قبل أن يقف؛ لأن ذلك يرجع إلى أن الفرض وجود جسمه لا غير ذلك.
والمغمى عليه أبين ألا يجزئه؛ لأنه مخاطب
الجزء: 3 - الصفحة: 1210
أن يتقرب إلى الله بالوقوف، والمغمى عليه غير متقرب إلى الله.
وقوله الآخر: إذا كان في عقله ووقف أحسن.
وقوله في المغمى عليه عند ابن حبيب دليل أن الوقوف بالنهار يجزئ؛ لأنه بمنزلة الصائم في طلوع الفجر، ولو كان الفرض الليل دون النهار لقال: إذا كان في عقله بعد غروب الشمس أجزأه، وإن غربت وهو مغمى عليه لم يجزئه.
وقال يحيى بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سَنَةَ العلوي، وهروبهم من عرفة قبل أن يتموا الوقوف: أنه يجزئهم ولا دم عليهم 39، إنما يصح على القول: أن وقوف النهار دون الليل يجزئ.
وفي الترمذي: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ: يَا رسُولَ الله، جِئْتُ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ، مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، هَلْ لِى مِنْ حَجٍّ؟ فَقَاَلَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ بِهَا مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" 40. وهو حديث صحيح.
وأيضًا فلا يشبه أن يكون الفرض من غروب الشمس إلى ما بعد، ويكون ما قبله من عند الزوال إلى غروب الشمس تطوعًا، ويكلف أمته الوقوف من الزوال إلى الغروب، مع كثرة ما فيه من المشقة فيما لم يفرض عليهم، ثم يكون
الجزء: 3 - الصفحة: 1211
حظه من الفرض لما دخل بغروب الشمس الانصراف إلى ما سواه؛ لأن الأحاديث إنما جاءت: أنه لما غربت الشمس دفع ولم يقف.
ويكون الفرض المشي حتى يحل.
يخرج من الحل.
والوقوف عبادة يؤتى بها على صفة ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أتى الناس يبين لهم معالم دينهم، وقد علموا أنه فرض عليهم الوقوف بعرفة، وأتوا لامتثال ما فرض عليهم، وهو المبين لأمته.
ولو كان في تطوع والفرض من غروب الشمس لبينه؛ لأنه ليس يفهم من مجرد فعله أنه كان في تطوع، بل المفهوم أنهم كانوا في امتثال ما أمروا بمع وما أتوا إليه، وقد احتج في القول الأول: أن الفرض في الليل دون النهار بأشياء، منها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 41. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَفاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" 42. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَات بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ" 43. معلق الفوات بالليل والاحتجاج بهذا ليس بالبين؛ لأن الوقوف له أول، وهو من الزوال،
الجزء: 3 - الصفحة: 1212
وآخر وهو ما لم يطلع الفجر.
وإنما تضمنت هذه الأحاديث معرفة آخر الوقت، وقد كان وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في أول الوقت، فأخبرهم: أنه من فاته الوقوف معه لم يفته الحج، وأن الوقوف 44 باقٍ إلى طلوع الفجر، وهو مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 45. وأول العصر إذا دخلت القامة الثانية، وكذلك قوله قي: "فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 46، ولفظة الإدراك إنما يعتد بها في الغالب عما يخشى فواته، ويدل على ذلك: الإجماع على أنه لا يجوز أن يتعمد الناس باجتماعهم للوقوف قبل الفجر، ويدَعُونَ النهار.
واحتج للقول الأول في ذلك أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة بليل، ولم يأذن بذلك من عرفة 47. ولو كان النهار فرضًا لأذن لهم.
وهذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنهم استأذنوه في جمع، ولم يستأذنوه بعرفة، فمنعهم، فيعلم افتراق الحكمين.
والثاني: أنهم لو استأذنوه فمنعهم لأمكن أن يكون ذلك لأنهم في أفضل يوم وأفضل الساعات، ولما يرجى من الغفران والرحمة، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا رُئيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ
الجزء: 3 - الصفحة: 1213
عَرَفَةَ" 48. وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، وليس المبيت بالمزدلفة كذلك.
والثالث: أنه لا مضرة عليهن في الدفع من عرفة باتساع الموضع، وتدركهن 49 المضرة إذا دفعن 50 من المزدلفة؛ لازدحام الناس عند الجمرة.
ولم أرَ نصًا في القَدْرِ الذي يجزئ من الذكر، إلا ما قاله محمد: إذا ذكر الله.
ولم يزد على هذا، فظاهر قوله: أنه يجزئه من ذلك ما قل.
وقد اختلف في مثل هذا في الخطبة في الجمعة، هل يكفي من ذلك ما قل، أو لا يجزئ إلا ما له بال وقدر؟
وقال محمد بن المواز فيمن أتى عرفة مقاربًا للفجر وهو ناسٍ لصلاة، فإن صلى فاته الوقوف وطلع الفجر وبطل، فقال: إن كان قريبًا من جبال عرفة وقف ثم صلى.
وإن كان بعيدًا بدأ بالصلاة، وإن فاته الحج، قال محمد بن عبد الحكم: إن كان من أهل مكة وما حولها بدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة فوقف وصلى 51.
فغلَّبَ أحد الضررين، وأرى إن ذكر وقد دخل أول عرفة فصار إلى الحل بدأ بالصلاة، وأجزأه المرور من الوقوف على القول أنه إذا مر بها مارًا ولم يقف أنه يجزئه.
وعلى القول: أنه لا يجزئه المرور 52 من الوقوف؛ يختلف بأي ذلك يبدأ؟ وأرى أن يبدأ بالوقوف؛ لأنه قد تزاحم الفرضان، فيبتدئ بما يدركه بتأخيره
الجزء: 3 - الصفحة: 1214
ضرر، وهو الحج، ثم يؤخر الصلاة.
ولأنه قادر على أن يأتي بها بفور الوقوف من غير تراخٍ، فكان ذلك أولى من تأخير قربة لا يقدر على أن يوفي لها إلا العام.
ومثله لو ذكر الصلاة قبل أن يبلغ عرفة، وكان متى اشتغل بها فاته الوقوف، فإنه يتمادى ويقف، ثم يقضي الصلاة، وعلى القول الآخر: يتمادى فإذا فى خل أول عرفة صلى، وأجزأه عن الوقوف.
فصل [الخطأ في عرفه]
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر إذا وقف الناس يوم الجمعة، ثم تبين أن التعريف كان يوم الخميس: أنه يجزئهم الحج 53. وقاله ابن القاسم في العتبية 54. وقال أيضًا: لا يجزئهم.
واختلف فيه قول سحنون.
وألَّا يجزئ أحسن؛ للحديث: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصّبْحِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" 55. ولا خلاف أن آخر وقت الوقوف بعرفة ما لم يطلع الفجر، وإذا كان ذلك كان الوقوف بعد خروج الوقت قضاء.
وليس هذا مما يصح به القضاء في الصلاة، ولو جاز أن يقضي في اليوم الثاني لقضى في الثالث والرابع.
الجزء: 3 - الصفحة: 1215
باب في الدفع من عرفة ونزول المزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام
وإذا غربت الشمس دفع 56 الناس من عرفات، فإذا أتوا المزدلفة جمعوا بين المغرب والعشاء، ويبدؤوا بالصلاة قبل أن يحطوا رحالهم، قال مالك: إلا أن يكون الرحل الخفيف، وأما المحامل والزوامل فيبدؤوا بالصلاة 57. وفي الحديث: أنه بدأ بالمغرب، ثم حطت الرحال، ثم صليت العشاء 58. واختلف فيمن صلى المغرب قبل المزدلفة، أو جمع الصلاتين بعد مغيب الشفق وقبل المزدلفة، فقال ابن القاسم: يعيد الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ".
قال: إلا ألا يستطيع أن يمضي 59 مع الناس لعلةٍ به أو بدابته، فإنه يمهل حتى يغيب الشفق، ثم يصليها.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا إعادة عليه، إلا أن تكون صلاته قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها.
وهو أحسن؛ لأن الإتيان بالصلاة في وقتها أفضل، والتأخير إلى المزدلفة رخصة؛ لأن الناس بعرفة عند الغروب 60 بمنزلة من غربت عليه الشمس وهو على ظَهْر، فيوسع له أن يؤخر حتى يبلغ المنهل، وهذا فيمن أدرك الوقوف مع الإمام، فأما من لم يقف مع الإمام فإنه يصلي كل صلاة لوقتها.
وقال ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 1216
القاسم: إن طمع أن يقف ويرجع إلى المزدلفة في ثلث الليل رأيت أن يؤخر حتى يأتي المزدلفة، ويجمع بينهما.
ويقيم الناس بالمزدلفة حتى يصبحوا ويصلوا 61 الصبح، ثم يقفوا بالمشعر الحرام، ثم يدفعوا قبل الإسفار الثاني.
واختلف في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا دفع من عرفة إلى منى، ولم ينزل بالمزدلفة.
فقال مالك: عليه الدم 62. فإن نزل بها ثم دفع أول الليل ووسطه فلا دم عليه.
وقال عبد الملك ابن الماجشون في المبسوط: لا دم عليه إن دفع من عرفات إلى منى.
والثاني: إذا أتى بعد الفجر، ثم نزل بالمزدلفة، فقال ابن القاسم: لا دم عليه.
وقال أشهب: عليه الدم.
والثالث: إذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام، فقال مالك وابن القاسم: لا دم 63 عليه، وإن وقف بالمشعر الحرام ولم ينزل بالمزدلفة كان عليه الدم 64. وجعلوا النزول بالمزدلفة آكد من الوقوف بالمشعر الحرام.
وقال عطاء وابن شهاب وغيرهما: عليه الدم.
وقال علقمة والشعبي والنخعي: إذا لم يقف بالمشعر الحرام فقد فاته الحج.
وهذا الأمر لقول الله تعالى في الوقوف بالمشعر الحرام 65: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ شَهِدَ
الجزء: 3 - الصفحة: 1217
صَلاَتَنَا هَذِهِ, وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ، وَوَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" 66، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك جمعًا فوقف 67 مع الناس حتى يفيض فقد أدرك، ومن لم يدرك ذلك فلا حج له" 68. وفي كتاب مسلم: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ, فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِاللَّيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجمْرَةَ, وَكَانَ يَقُولُ: أَرْخَصَ لأُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -" 69. فأمر أهله بالوقوف قبل الفجر، وجعل الرخصة في تعجيل الوقوف ليس في إسقاطه، وذكر محمد بن المواز عنه مثل ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 1218
باب فيما يفعله الحاج يوم النحر من رمي ونحر وحلاق ولباس وطوف, وهل يحل له النساء والصيد؟
ومن دفع من المشعر الحرام ثم أتى منى رمى جمرة العقبة، ثم ينحر أو يذبح إن كان معه هدي، ثم يحلق، ثم يلبس المخيط، ثم يطوف طواف الإفاضة, فيحل له إذا طاف: النساء والطيب والصيد، ثم يعود إلى منى فيصلي بها الظهر.
فإذا 70 أخطأ فقدم النحر على الرمي رمى ولا شيء عليه، وإن قدم الحلاق على الرمي رمى وعليه الفدية 71.
واختلف إذا قدم الإفاضة على الرمي، فقال مالك وابن القاسم: تجزئه الإفاضة، وعليه الهدي.
وقال أيضًا: لا تجزئه، وهو كمن لم يفض 72. وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يعيد الإفاضة، وهو في يوم النحر آكد.
واختلف إذا قدم الحلاق على الذبح، فقال مالك: يذبح، ولا شيء عليه 73. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: عليه الفدية 74: لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. يريد: فينحر.
وحمل مالك الآية على بلوغه المحل وإن لم ينحر، وإن قدم الإفاضة على الذبح
الجزء: 3 - الصفحة: 1219
أجزأته الإفاضة ويذبح، ويجري فيها قول 75 آخر: أنه يعيد.
واختلف إذا قدم الإفاضة على الحلاق، فقال مالك: يجزئه.
وقال في كتاب محمد: قول ابن عمر أحب إليّ، فيحلق بمنى، ثم يعيد الإفاضة.
فإن لم يعد أجزأه، وعلى قوله هذا يعيد من قدم الإفاضة على الذبح، وقد جاءت السنة في هذه الأربعة أن الترتيب فيها حسبما تقدم في أول الباب: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلاق، ثم الإفاضة، وجاء القرآن بتقديم الذبح على الحلاق والإفاضة 76 في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وكذلك قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
فيه: تقديم الذبح، ثم الحلاق والإفاضة.
وجاءت السنة في التوسعة فيمن خالف ذلك وهو غير عالم، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان في حجة الوداع يوم النحر بمنى، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ".
وقال آخر: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ".
وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ".
قال: فما سئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ" اجتمع عليه البخاري ومسلم والموطأ 77، وبعضهم يزيد على بعض.
الجزء: 3 - الصفحة: 1220
والرمي والنحر يبيحان الحلاق دون إصابة النساء والصيد والطيب.
واختلف في اللباس والاغتسال وإماطة الأذى من قص الأظفار وغير ذلك، فقال مالك: جائز (1).
فصل [فيمن وطئ أهله في الحج]
الوطء في الحج محرم، لقول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ.
. .﴾ الآية [البقرة: 197]. ولا يحل لمن أحرم بالحج أَهْلَهُ 79 حتى يقف بعرفة، ويرمي جمرة العقبة، ويطوف ويسعى.
فإن وطئ قبل عرفة فسد حجه وأبدله.
واختلف إذا وطئ بعد الوقوف على أربعة أقوال: فقال مالك في المدونة: إن وطئ بعد الوقوف يوم النحر قبل الرمي والطواف فسد حجه وأبدله 80.
فإن وطئ يوم النحر بعد أن رمى، أو طاف للإفاضة ولم يرم، أو وطئ في اليوم الثاني ولم يرم ولم يطف، فسد حجه 81. قال أبو محمد عبد الوهاب عنه: أنه قال: إن وطئ بعد الوقوف وقبل أن يفعل شيئًا لم يفسد 82.
وذكر ابن الجهم 83 عن أبي مصعب عن مالك: أن حجه يفسد إذا وطئ قبل طواف الإفاضة، وإن كان قد رمى.
قال: وهذا أقيس؛ لقول الله تعالى:78
الجزء: 3 - الصفحة: 1221
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ.
. .﴾ الآية [البقرة: 197]، وما لم يحصل كمال تحلله فقد أرفث في الحج فيجب فساده، ولأنها حال ممنوع فيها الوطء لبقاء الإحرام، فوجب أن يفسد اعتبارًا لوقوعه قبل الرمي، ولأنها حال لو قتل فيها الصيد لوجب فيه الجزاء، ولأنها عبادة من شرطها الطواف أصلها العمرة، ولأن الوطء مع بقاء نسك من مناسك الحج يفسد أصله إذا وطئ قبل الوقوف، ولأن أول الإحرام مرتبط بآخره، فلما كان الوطء محُرَّمًا في آخره كما هو محرم في أوله فسد حجه، فسد أوله بآخره كالصلاة، والصوم.
انتهى قوله.
قال عبد الملك بن الماجشون: من وطئ قبل جمرة العقبة فسد حجه، وإن كان وطؤه بعد الطواف وبعد أن خرجت أيام منى.
واحتج من قال: ألا يفسد إذا وطئ بعد الرمي وقبل الطواف، قال: لأنه إنما أفسد طوافًا في إحرام، فإذا أحرم بعمرة كان قد وفَّى به، وهذا فاسد؛ لأن العمرة لا تنوب عن الحج، ولا يستطيع أن يأتي بطواف حج إلا أن يحرم بحج.
كما لا يجبر من أكل من جزاء الصيد إلا أن يأتي بجزاء صيد، ولو ذبح نسكًا لا يريد به جزاء صيد فأخرج قدر ذلك من لحمه لم يجزئه.
وقال ابن وهب وأشهب في كتاب محمد: وإن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة قبل الرمي أفسد؛ لأن الإفاضة قبل الرمي لا تجزئ عنه، فصار بمنزلة من وطء قبل الرمي والإفاضة.
وإن وطئ في العمرة قبل الطواف، أو قبل أن يركع، أو قبل السعي أفسد.
واختلف إذا وطئ ولم يبقَ إلا الحلاق، فقال مالك: يهدي ويجزئه.
وقال في كتاب محمد: أفسد العمرة 84. والأول أبين؛ لأنه لم يبق عليه عمل للعمرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1222
وقد قال: ينحر المعتمر هديه قبل الحلاق؛ لأنه قد حل.
فصل [في الحلق والتقصير في الحج]
الناس في الحلاق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق، وتقصير، ومخير بين الحلاق والتقصير.
فالحلاق لمن لا وفرة 85 له وللأقرع ولمن لبد أو عقص أو ضفر من الرجال.
والتقصير للنساء، ولا يجوز أن يحلقن؛ لأنه لهن مُثْلَة، إلا لمن كان برأسها أذى وفي الحلاق صلاح لها 86. وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق إلا لعذر، وإن كانت صغيرة جدًا جاز أن تحلق أوتقصر.
والخيار لمن له وفرة من الرجال ولم يلبد، ولا ضفر ولا عقص؛ لقول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27].
والحلاق أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ".
قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ.
. ." الحديث.
87 وفيه: بيان أن الحلاق والتقصير سنة، ليس إباحة بعد حظر؛ لأن حلاق من له وفرة مثلة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1223
وقال روح بن يزيد: قال لي عمر بن عبد العزيز: إياك والمثلة؛ حلاق الرأس واللحية 88. فجعله مثلة وقرنه بحلاق 89 اللحية, وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وفرات 90 فحلقوا 91. ويؤيد 92 ذلك تقصير النساء، فلو كان مباحًا لم يقصرن؛ لأن ذلك لا يقصد به إماطة الأذى.
قال مالك في تقصير الرجال: يجزئ ذلك يجز، وإن أخذ من أطرافه أخطأ ويجزئه 93.
وليس كذلك المرأة، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: يجزئهن قدر التطريف 94. قال مالك: وحلاق المعتمر أحب إليّ إلا 95 أن تتقارب أيام الحج، فيقصر أحب إليَّ 96.
الجزء: 3 - الصفحة: 1224
واختلف فيمن حلق بالنُّورة، وأرى أن يجزئه، واستحب مالك إذا حلق أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، وذكر أن ابن عمر - رضي الله عنها - كان يفعله (1).
فصل [في رمي الجمار]
الجمار ثلاثة: الأولى، وهي تلي مسجد منى، والوسطى وجمرة العقبة.
والرمي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، إلا لمن تعجل، فيرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها، ويرمي فيما بعد الثلاثة؛ يبتدئ بالتي تلي مسجد منى ثم الوسطى ثم العقبة، كل واحدة بسبع، فذلك سبعون حصاة.
واختلف فيمن تعجل، فالظاهر من المذهب أن يسقط اليوم الرابع.
وقال ابن حبيب: يرميه في الثالث.
وأظنه قاسه على رعاة الإبل.
ويرمي جمرة العقبة يوم النحر على هيئة ما يأتون عليه من المزدلفة، فلا ينزل للرمي من أتى راكبًا، ولا يركب له من أتى ماشيًا.
ويرمي الأيام الثلاثة ماشيًا؛ لأن الناس نازلون في منازلهم، فيمضون للرمي مشاة ولا يركبون؛ لأنه خارج عما يراد من التواضع لله تعالى.
والرمي متوالٍ، يكبر مع كل حصاة، ويرفع صوته بالتكبير، ويرمي جمرة العقبة يوم النحر من أسفلها لا من فوقها، وفي الأخيرتين من فوقهما، فإذا رماهما تقدم أمامهما واستقبل القبلة، ووقف للدعاء والذكر والحمد والثناء على الله تعالى.
وقال محمد في الوسطى: إذا رمى ينصرف منها ذات الشمال في بطن المسيل فيقف، ولا وقوف عند جمرة العقبة إذا رميت، لا في97
الجزء: 3 - الصفحة: 1225
أول يوم ولا فيما بعد 98.
ويجوز لرعاة الإبل إذا رموا يوم النحر أن يتأخروا عن رمي الغد؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد، أو من بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر 99.
قال مالك في الموطأ: يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم 100 الذي يليه رموا من الغد لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم 101. وذلك أنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يقضي ما 102 يجب عليه.
وقال في مسند الترمذي: يرمون يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم، فيرمونه في أحدهما.
قال مالك: ظننت أنه قال: اليوم الأول، ثم يرمون يوم النفر 103.
وقوله في الموطأ أتى به على وجه الشك أو على وجه التخيير، فلو كانت الرواية "يرمون الغد ليومين" لكانت تعجيلًا.
ولو كانت من بعد الغد ليومين
الجزء: 3 - الصفحة: 1226
لكانت تأخيرًا، فلما أشكل الأمر في الحديث لقوله: "أو من بعد الغد" أمره بالتأخير؛ ليكون قد أتى به بعد الوجوب.
وإن عجل أجزأه، ولم يكن بمنزلة من لم يرم؛ لإمكان أن يكون ذلك من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون تخييرًا.
فصل [في الحصى التي يُرمى بها]
واللقط أحب إلى مالك من الكسر 104. وفي كتاب مسلم: أنها تكون مثل حمى الخذف 105. ولا يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رمي بها، فإن فعل أجزأه عند مالك 106. وقال ابن شعبان: لا يجزئه.
لأنه قد تعبد به مرة كمن توضأ بماء قد توضأ به مرة 107. قال: ولأن المعروف أن ما يتقبل من الحصى يرفع، فيكره أن يرمي بما لم يتقبل.
وكرهه أيضًا مالك في الحصاة الواحدة 108. وهذا إذا كانت مما رمى به غيره، ولو كرر الرمي بحصاة واحدة سبع مرات لم يجزئه.
وأول وقت الرمي يوم النحر بعد الفجر، فمن رمى قبل لم يجزئه.
ويستحب أن يؤخر حتى تطلع الشمس، ثم له سعة في التأخير ما لم تزل الشمس فلا يؤخر عنه.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن زالت الشمس 109؛ فات الرمي، إلا لمريض أو ناسٍ 110. وأول وقت الرمي في أيام التشريق بعد الزوال،
الجزء: 3 - الصفحة: 1227
فمن رمى قبل ذلك لم يجزئه، ثم له سعة ما لم تصفر الشمس.
قال ابن القاسم: فإن اصفرت فقد فات الوقت إلا لمريض أو ناسٍ.
والمذهب: على ألا دم عليه حتى تغرب الشمس.
وقال ابن القاسم فيمن نسي حصاة من الجمرة الأولى، وقد رمى بعد ذلك الوسطى وجمرة العقبة: أتم على الأولى فرماها بحصاة، وأعاد رمي اللتين بعدها 111. وسواء ذكر ذلك في بقية يومه أو من ليلته أو من الغد أو في الليلة التي تليها فإنه يتم الأولى، ويعيد رمي اللتين بعدها، إلا في وجه واحد فإنه إذا ذكر بعد أن رمى اليوم الثاني قبل أن تغرب الشمس فإنه يتم الأولى، ويعيد رمي اللتين بعدها ثم يعيد رمي جميع الثلاث، فإذا غربت الشمس لم يعد رمي يومه ذلك 112. وكذلك إذا ذكر في اليوم الثالث بعد أن رمى الثلاث فيه، فإنه يتم الأولى ويعيد رمي اللتين بعدها، ثم يعيد رمي يومه.
وإن غربت الشمس لم يكن عليه شيء لا لليوم الأول الذي أسقط منه ولا لغيره؛ لأن أيام الرمي قد خرجت بغروب الشمس.
وقال فيمن نسي حصاة فلم يدرِ هل هي من الأولى أو من الثانية أو الثالثة: يتم الأولى بحصاة، ثم يعيد اللتين بعدها.
وقال أيضًا: يبتدئ رمي جميع الثلاث.
وجوابه هذا يحتمل أن يكون لأن الرمي عنده يكون متواليًا، ويستأنف الجميع في هذه وفي المسألة التي قبل.
أو يكون قال ذلك لأنه يمكن أن يكون نسي أول حصاة ثم ابتدأ الرمي ليوم ثانيه حصاة، وهو يظن أنه رمى الأولى، فإن كل 113 حصاة تحتاج إلى نية.
الجزء: 3 - الصفحة: 1228
وقال أبو مصعب: من نسي رمي جمرة من الجمار فليرمِ متى ذكر.
وإنما هو بمنزلة الصلاة يصليها متى ذكر، ولم يقل إن كانت الأولى أعاد ما بعدها.
وقال مالك: فيمن ترك حصاة أهراق دم، وإن ترك جمرة أو الجمار كلها فبدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة 114.
قال أحمد بن المعذِّل: والهدي ما سيق من الحل، وما لم يسق من الحل فلا يقع عليه اسم هدي.
يريد: أن قول مالك "يهريق دما" ليس عليه أن يجمعٍ بين حل وحرم، ولا أن يقلده.
وقال الطبري: الهدي عندي إنما سمي هديًا لأنه يتقرب به مهديه إلى الله تعالى، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربًا بها إليه 115. وعلى قوله يصح أن يسمى هديًا ما لم يجمع فيه بين حل وحرام.
ومن فرق رميه فرمى كل جمرة بحصاة، ثم كرر 116 حتى أتمّ سبعًا، احتسب بالأولى وبحصاة واحدة من الثانية، وأتمّها، واستأنف الثانية بسبع، وإن نكس رميه فرمى الأولى ثم الثالثة ثم الثانية أعاد الثالثة.
وإن ابتدأ بالثانية ثم الثالثة ثم الأولى أعاد رمي الثانية ثم الثالثة.
وكذلك إن ابتدأ بالثانية ثم الأولى ثم الثالثة احتسب بالأولى، ثم أعاد الثانية والثالثة.
وكذلك إن ابتدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى احتسب بالأولى وحدها.
وإن ابتدأ بالثالثة ثم الأولى ثم الثانية أعاد الثالثة وحدها.
الجزء: 3 - الصفحة: 1229
فصل [في رمي المريض للجمار]
ويرمي المريض إذا قدر على الرمي ووجد من يحمله، فإن لم يستطع الرمي، أو لم يجد من يحمله، أو يخشى متى حمل زيادة مرض، رُمي عنه.
قال مالك في كتاب محمد: وأحب إليّ إن طمع أن يصح أن ينتظر إلى آخر أيام التشريق (1).
واختلف في موضعين: إذا رمي عنه, هل يوقف عند حد الجمرتين؟ فقال ابن القاسم في المدونة: يوقف عنه (2). وقال في كتاب محمد: لا يوقف عنه.
وبالأول قال أشهب وهو أحسن، ولا فرق بين الرمي عنه والوقوف.
والثاني: هل يسقط عنه الدم إذا صح قبل ذهاب أيام الرمي فرمى بنفسه؟
فقال مالك: لا يسقط عنه.
وقال في كتاب محمد: لا هدي عليه.
وهو أحسن.
وإذا جاز لرعاة الإبل التأخير مع القدرة على الرمي لاشتغالهم بشيء من أمر الدنيا كان المريض أعذر، وألا دم عليه.
ويرمى عن المجنون، والمغمى عليه، واختلف في الوقوف عنهما حسبما تقدم في المريض، ويهدى عنه, إلا أن يفيق قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريق؛ فيرمي بنفسه، ويسقط عنه الدم على المستحسن من القول.
فصل [في ترتيب أعمال الحج: جمرة العقبة والحلاق والإفاضة]
تقدم القول أن رمي جمرة العقبة والحلاق والإفاضة يُؤتى بها يوم النحر، فمن أَخَّرَ الرمي عن ذلك اليوم، أو أخر رمي الثلاث عن أن يرميها في أوقاتها،117118
الجزء: 3 - الصفحة: 1230
رمى إن لم تخرج أيام التشريق، فإن خرجت فلا رمي عليه.
ومن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده، أو خرجت أيام منى، حلق وأهدى، وإن كان بمكة حلق ولا شيء عليه.
وقال في كتاب محمد فيمن نسي الحلاق: إن ذكر في أيام منى حلق ولا شيء عليه، وإن ذهبت أيام منى حلق وأهدى 119. وقال فيمن أخّر طواف 120 الإفاضة فطاف بعد أن ذهبت أيام منى: فإن قرب فلا شيء عليه، وإن تطاول فعليه الهدي.
وقد اختلف قوله في معنى قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فقال مرة: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة.
وقال مرة: شهر ذي الحجة كله 121.
فعلى هذا لا يكون عليه هدي إلا أن يؤخر الحلاق والإفاضة حتى يخرج ذو الحجة.
وعلى القول الآخر عليه الدم إذا خرجت أيام منى.
وقوله في المدونة: لا دم عليه في تأخير الطواف وإن خرجت أيام منى ما لم يطل 122 - استحسان للخلاف في الأصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 1231
باب الاشتراك في الهدي، ومواضع النحر, ومن نحر هدي غيره تعديًا، أو بوجه شبهة
ولا يشترك في هدي الواجب كجزاء الصيد والمتعة وتعدي الميقات وفدية الأذى، وسواء كانوا أهل بيت أو أجنبيين.
فإن اشترك سبعة في بدنة أو بقرة عن واجب لم يجز، واختلف في التطوع، فقال مالك في المدونة: لا يشترك فيه؛ كانوا أجنبيين أو أهل بيت 123. وقال في كتاب محمد: لا بأس أن يشترك في التطوع، وأما الواجب فلا.
قال: ومعنى حديث جابر - رضي الله عنها -: "نَحَرْنَا البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" 124 - في التطوع، وكانوا معتمرين 125. وفي كتاب مسلم: "قال جابر - رضي الله عنهما -: أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ.
قَالَ: وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ" 126.
وأجاز مالك لأهل البيت الاشتراك في الأضحية، ومنعه في الأجنبيين، وليس للعدد الذي يشترك فيه عنده 127 حد.
قال: ويجوز أن تذبح البدنة عن سبعة وأكثر.
وكذلك هدي التطوع يجوز على هذا أن يشترك في البدنة والكبش سبعة وأكثر.
ويجوز أن يشتركوا في الثمن؛ لأنه إذا جاز للأجنبين أن يتطوعوا بذبح ما هو شركة بينهم جاز أن يشتروه لمثل ذلك، وأن يخرجوا الثمن قبل
الجزء: 3 - الصفحة: 1232
الشراء، وأن تكون أجزاؤهم فيه متفقة ونحتلفة.
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وأنس - رضي الله عنهم - وعطاء ابن أبي رباح والحسن وطاووس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي: أنهم أجازوا الاشتراك في الواجب البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وهذا في المتعة دون جزاء الصيد، وهو مقصور عندهم على هذا العدد، لا يزاد على سبعة، ويجوز أن يكون عن ستة وخمسة وأقل.
ولا يجوز الاشتراك في الشاة عن الواجب، وأصلهم في ذلك حديث جابر، وقد نحا مالك إلى مثل ذلك فيمن نذر بدنة فلم يجدها أنه يهدي بقرة، فإن لم يجد فسبعة من الغنم.
فجعل بدل البدنة سبعًا من الغنم، وإذا كان ذلك وكانت الشاة تجزئ عن التمتع كان السبعة بالخيار بين أن يأتي كل واحد بشاة، أو يأتوا ببدنة.
فصل [في النحر بمنى]
النحر والذبح بمنى ومكة مختلف، فأما منى فيختص ذلك فيها بأيام معلومة؛ وهي: يوم النحر ويومان بعده، فإن ذهبت لم تكن منحرًا ولا مذبحًا إلا لمثله من قابل.
وأما مكة فكل أيام السنة منحر ومذبح.
ومن كان معه هدي في الحج، وفاته أن ينحره بمنى في تلك الأيام، نحره بمكة.
ويفترقان أيضًا في وجه آخر: أنه لا ينحر بمنى عند مالك إلا إذا وقف به بعرفة.
وأجاز ابن الماجشون أن ينحر بمنى وإن لم يوقف به، وهو أحسن؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 1233
الهدي لم يتقيد 128 بوقوف، ولا تعبد الناس فيه بذلك، وما روي من كون هدايا الناس معهم في الموقف، فلأن ذلك لأن منى لم يكن بها ساكن يحفظها فيها إن بات هناك، والناس حينئذٍ بعرفة، فلو تركت بمنى لضاعت.
واختلف بعد القول أَنَّ مِنْ شرط النحر بمنى الوقوف به في ثلاث مسائل:
أحدها: إذا ساق الهدي في حجّ فضلَّ قبل الوقوف ثم وجده في أيام منى، فنحره بمكة.
والثاني: إذا أوقفه ثم ضلّ، فوجده بعد أيام منى.
والثالث: إذا أوقفه، ثم نحره بمكة في أيام منى أو بعدها، هل يجزئه في جميع ذلك؟ فقيل: يجزئه، ولا بدل عليه.
وقيل: عليه البدل؛ لأنه لما ساقه في حج وجب نحره بمنى، فلما لم ينحر بها لم يجزئه.
وقال أشهب: إن فاته الوقوف نحره بمكة، وأجزأه، وإن كان في أيام منى، وإن وقف به لم يجزئه بمكة في أيام منى، وإن كان بعد أن ذهبت أيام منى أجزأه.
وإنما لم يجب عند البدل إذا لم يقف به أو وقف وخرجت أيام منى؛ لأن الحكم أن ينحر بمكة، وإذا وقف به ولم تخرج أيام منى كان الحكم أن ينحره بمنى، فإن ترك منى ونحره بمكة كان متعديًا وأبدله.
وأرى أن يجزئ ذلك كله؛ لأنها مواضع للذبح، وكلها يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى فيها بالذبح، ولا خلاف أن لمن أتى بجزاء الصيد في الحج 129 أن ينحره بمنى، وإن خالف نص القرآن؛
الجزء: 3 - الصفحة: 1234
لقوله تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وإذا جاز ذلك مع مخالفة النص جاز أن ينحر بمكة ما كان حكمه أن ينحر بمنى (1).
وقال مالك فيمن كان عليه جزاء صيد في عمرته، أو في شيء نقصه في عمرته، فأوقفه بعرفة، ثم نحره بمنى: أجزأه (2).
فبان بهذا أن هذه كلها منحر، ينوب بعضها عن بعض.
وتنحر الإبل قيامًا مقيدة، فتقيد لقوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]، أي: تصف أيديها بالقيود، وقائمة لقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] ووجوبها: سقوطها إلى الأرض بعد النحر، وفي البخاري: أن ابن عمر مر على رجل أناخ بدنته لينحرها، فقال: "ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً، سُنّةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -" (3).
وتضجع الغنم للذبح، وكذلك البقر إن ذبحت، وإن نحرت نحرت قيامًا.
فصل [في نحر الرجل غير هديه]
نحر الرجل هدي غيره على ثلاثة أوجه: عن صاحبه، وعن نفسه عمدًا وخطأً؛ فإن نحره عن صاحبه أجزأ صاحبه، وإن لم يوكله، حضر صاحبه أو غاب، ومن وجد هديًا ضالًا أَخَّرَ نحره إلى آخر أيام منى 133؛ رجاء أن يأتي صاحبه، ولا يؤخره بعد ذلك، وإن عجّل نحره في أول يوم أجزأ.
وإن وجده بعد أيام منى لم130131132
الجزء: 3 - الصفحة: 1235
يعجل بنحره، إلا أن يخشى ضيعته، أو يشق حفظه فينحره بمكة.
واختلف إذا نحره عن نفسه عمدًا ولم يوكله على نحره، أو وكله، أو نحره عن نفسه خطأً؟ فقيل: يجزئ صاحبه.
وقيل: لا يجزئه.
وقيل: يجزئه في الخطأ، ولا يجزئ في العمد.
قال محمد: إن نحر الضالَّ عن نفسه أجزأ صاحبه 134. قال: وقد جاء: (ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل) 135. فإذا أَجْزأَتْ صاحبه مع العمد بغير وكالة كانت أحرى أن تجزئه إذا وكله فذبح عن نفسه.
وقال في المدونة: إذا أخطأ أجزأت عن صاحبها 136. وقال أشهب: لا يجزئه.
وأرى أن يجزئ ذلك كله، وإن وكله فذبح عن نفسه أبين في الإجزاء؛ لأنه مع عدم الوكالة تعدى في الذبح والنية، وفي الوكالة تعدى في النية ليس في الذبح، والنية إذا ذبحت إلى ربها.
ولو وكّل رجل رجلًا فذبح له نسكًا ولم يسمِّهِ، والذابح يظنها شاة لحم أجزأت، فالمالك ينوي القربة، والذابح ينوي الذكاة.
ويختلف بعد القول أنها لا تجزئ عن صاحبها، هل تجزئ عن ذابحها إذا ضمن قيمتها؟ فقال أشهب: لا تجزئ عن واحد منهما.
وقال أبو قرة عن مالك في مختصر ما ليس في المختصر: من ذبح شاة صاحبه المقلدة عن نفسه خطأً أجزأته، وعليه قيمتها، ويُبْدِلُ صاحبها.
واختلف إذا ذبح كل واحد أضحية صاحبه خطأً، فقال ابن القاسم: لا يجزئ عن واحد منهما بخلاف الهدي.
وقال أشهب: تجزئ ذابحها إذا ضمن، ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 1236
تجزئ عن ربها إذا لم يضمن 137. وقال ابن القصار: في الإجزاء عن صاحبها 138 ينبغي أن يكون على روايتين.
وجعل ذلك بعد ألا يوجبها صاحبها.
قال: وكذلك إن تعمد الذابح بذبحها عن نفسه.
وأجزأ الهدي عند ابن القاسم عن صاحبه؛ لأنه وجب وخرج عن ملكه قبل الذبح 139، ولم تجزئ الأضحية 140؛ لأنها لم يجب ذبحها قبل ذلك، ولم يجزئ الهدي عند أشهب عن ذابحه إذا ضمن، وأجزأت الأضحية؛ لأنه ضمن الهدي وقت ذبح في الحرم.
ولا يجزئ إلا ما قد جمع فيه بين حلٍّ وحرم، وأجزأت الأضحية؛ لأنه يغرم قيمتها حية قبل الذبح.
ولا يصح ما روى أبو قرة عن مالك: أنها تجزئ الذابح، إلا أن يقول: إن سَوْقه من الحل استحسان، فإن لم يفعل أجزأه، كما قال في الطواف الأول والسعي: لا يأتي به إلا من أتى من الحل، فإن أحرم من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة، ثم حل وأصاب النساء أو رجع إلى بلده، أجزأه.
ويختلف في البيع إذا لم يجزئ، فأصل ابن القاسم ألا يباع؛ لأنه قال فيما عطب من الهدي قبل بلوغ المحل، وفي الأضحية إذا وجدها ربها بعد خروج الأضحى: لا تباع.
وقال عبد الملك في الهدي يعطب قبل بلوغ المحل: له أن يبيعه.
وقاله أشهب في الأضحية إذا لم يضمن الذابح.
وهو أقيس؛ لأنها لم تتم فيها قربة، والمنع أحوط؛ مراعاةً لمن يقول أنها تجزئ، وأنها قربة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1237
باب في الهدي يستحق أو يوجد به عيب, وما يجوز أن يؤكل من الهدايا, وإذا اختلط ما يؤكل منه وما لا يؤكل منه, وإذا أطعم منه غنيًا أو ذمِّيًّا, والحكم في الولد واللبن, وهل تُركَبُ البُدْنُ؟
الهدي خمسة: مضمون، ومعين منذور، ومعين مُتَطَوَّع به، ومنذور ثمنه، ومتطوع بثمنه.
فإن كان مضمونًا فاستحق أبدله.
وسواء كان لوصم 141 في حج أو عمرة أو منذورًا إذا لم يعينه، وكأنه لم يهد شيئًا 142.
وإن كان معينًا منذورًا أو متطوعًا به لم يكن عليه بدله، وكان له إذا رجع بالثمن أن يصنع به ما شاء؛ لأنه لم يوجب ثمنًا ولا تطوع به، وإنما أوجب عينًا أو تطوع بها فاستحقت، كمن أعتق عبدًا أو نذر عتقه فأعتقه، ثم استحق، فرجع بالثمن فإنه يصنع به ما أحب.
وإن أوجب الثمن أو تطوع به فاشترى به، ثم استحق الثاني 143 الذي اشترى لم يكن عليه الآن بدله.
فإن رجع بالثمن كان مخاطبًا في الثمن بما كان مخاطبًا به قبل الشراء.
فإن نذر الثمن قيل له: أوف بنذرك، واشتر به.
وإن تطوع به استحب له أن يمضيه من غير إيجاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 1238
فصل [فيمن وجد بالهدي عيبًا]
وإن وجد عيبًا لا يجزئ به في الواجب وهو مضمون - أبدله في الاستحقاق.
ويختلف هل له بيع هذا المعيب وإن قلده؟ فقال أبو مصعب فيمن أعتق عبدًا عن واجب، ثم استحق بعضه: له أن يرد عتق ما لم يستحق منه ويرجع بالثمن.
وهو في الهدي أبين؛ لأنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يتطوع بهدي المعيب.
وإن كان العيب يسيرًا أجزأه، ويستحب أن يجعل ما يرجع به عن العيب في هدي.
وإن كان الهدي معينًا استوى الكثير والقليل، فيمضي هديًا.
قال محمد: إذا رجع بالعيب صنع به ما شاء.
وإن نذر الثمن أو تطوع به كان الحكم في العيب اليسير والكثير سواءً؛ يمضي هذا هديًا، ويرجع بالعيب.
فإن كان نذر الثمن وجب أن يجعل ما رجع به في هدي، وإن تطوع بالثمن استحب ذلك له.
فصل [في تقليد الهدي وإشعاره]
الهدي يجب بالتقليد والإشعار إذا سيق عن وصم في حج أو عمرة، فإن أفلس أو مات لم يكن لغرمائه، ولا لورثته عليه سبيل يريد: لأن الدين طرأ بعد التقليد، ولو كان دينًا تقدم التقليد لَرُدَّ 144. ويختلف إذا كان نذرًا أو تطوعًا، فالمعروف من المذهب أنه كالأول يسقط ملك صاحبه عنه بالتقليد والإشعار، وقال في امرأة ساقت هديًا
الجزء: 3 - الصفحة: 1239
تطوعًا في عمرة، ثم أردفت الحج وأوقفته، ونحرته بمنى عن قرانها: يجزئها.
فلم يوجبه بالتقليد والإشعار، ولو وجب وسقط ملكها عنه ما صح أن يجزئها عن واجب.
وإذا سيق الهدي عن واجب لا تبرأ الذمة إلا ببلوغه؛ لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
فإن ضلّ أو سُرِقَ أو هلك أو عطب قبل بلوغه لم يجزئه.
واختلف إذا نزل به عيب، ثم بلغ محله، فقال مالك: ينحره ويجزئه 145.
وقال أبو بكر الأبهري: القياس ألا يجزئ 146. يريد قياسًا على موته.
والإجماع والمذهب: ألا تبرأ الذمة إلا بالتقليد والإشعار.
فإن قلّد وأشعر عن واجب وهو هزيل أو معيب، فسمَّى هديًا 147 لم يجزئ.
وكذلك إن سمن أو ذهب العيب؛ لأنه قد أوجبه بالتقليد والإشعار.
وعلى القول أن الهدي لا يجب بالتقليد والإشعار يكون له بيعه ورده.
وقال عبد الملك: إذا عطب قبل بلوغ المحل له أن يبيعه.
وتقدم قول أبي مصعب في العبد 148 يستحق بعضه: أن له أن يرد ما عتق منه، ولم يستحق؛ لأن المهدي والمعتق لم يرد التطوع، وإنما ظن أن ذلك يجزئه.
وإن انتقل إلى حالة يجوز أن يهدي فيها أجزأه.
ويختلف إذا جنى على الهدي، فقال ابن القاسم: يمضي هديًا ويجزئه.
ويرجع على الجاني بقيمة العيب، فيجعله في هدي.
وعلى قول أبي بكر الأبهري: لا يجزئ، وعليه البدل.
وله أن يُغَرِّمَ الجاني هديًا كاملًا؛
الجزء: 3 - الصفحة: 1240
لأن المجني عليه يقول: تعديك أوجب عليَّ غرم هدي كامل؛ فتغرم ما أدخلتني فيه.
كمن أكره محرمًا فحلق رأسه، أو أكره زوجته فأصابها أن على المكرِه أن يكفر عن هذا بفدية الأذى، وعلى الزوج أن يُحِجَّهَا ويهدي عنها، فإن كان معسرًا كَفَّرَ هذا، وحجت الزوجة، ورجعا على الفاعل متى أيسر.
وقال ابن القاسم في الهدي يعطب في الطريق أو ينزل به عيب لا يقدر على الوصول به: ليس له أن يبيعه (1). وقال ابن الماجشون في المبسوط: له بيعه، وليس بهدي (2). إنما أراد أن يقضي به هديًا عليه، فلم يبلغ، ولم يكن هديًا.
وقال ابن حبيب: إلا أن مالكًا كره أن يبيعه.
فصل [في الأكل من الهدي]
الهدي والأكل منه على أربعة أوجه: جائز قبل بلوغ محله وبعد، وممنوع قبل وبعد، وجائز قبل ممنوع بعد، وممنوع قبل جائز بعد.
فكل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة، من فسادٍ أو متعة أو قران أو تعدي ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارًا أو ترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي الجمار أو تأخير الحلاق - يجوز الأكل منه قبل وبعد 151.
وأما جزاء الصيد وفدية الأذى فيأكل منه قبل، ولا يأكل منه بعد 152.
والمنذور المضمون إذا لم يسمِّه للمساكين يأكل منه قبل وبعد، وإن سماه149150
الجزء: 3 - الصفحة: 1241
للمساكين وهو مضمون أكل منه قبل، ولم يأكل منه بعد.
وإن كان منذورًا معينًا 153 ولم يسمِّه للمساكين أو قلده وأشعره من غير نذر - أكل منه بعد، ولم يأكل منه قبل 154.
وإن نذره للمساكين وهو معين، أو نوى ذلك حين التقليد، لم يأكل منه قبل ولا بعد.
وذكر محمد قولًا آخر: أنه لا يأكل من هدي الفساد.
ويلزم على هذا ألا يأكل من شيء ساقه عن وصم في حج أو عمرة.
وذكر ابن نافع عن مالك في المبسوط في الجزاء والفدية، أنه قال: لا ينبغي أن يأكل.
فإن فعل فلا شيء عليه.
فمنع في القول الأول 155 من الأكل منه لما جعل للمساكين فيهما مدخلًا إذا كفّر بالإطعام، ولم يمنع في القول الآخر قياسًا على المتعة وغيرها، وأجرى الهدي على الأصل إذا سيق عن وصم، فإنه لا يمنع الأكل منه.
والقياس في الجزاء ألا يأكل؛ لأنه إنما غرم قيمة شيء أتلفه، فوجب أن يجري على الأصل في قيمة المتلفات: ألا حق له في الانتفاع من القيمة، وهو في إماطة الأذى أخفّ؛ لأنه إنما غرم عن شيء انتفع به، كالوطء والمتعة، اختلف في الأكل مما نذره للمساكين، فقال مالك مرة: لا يأكل منه.
واستحب مرة ترك الأكل منه 156، ورأى أن التقليد والإشعار والذبح إنما أوجب الالتزام.
الجزء: 3 - الصفحة: 1242
ولو أوجبه للمساكين ولم يسمه هديًا لم يجزئ على أحد القولين، ولم يجبر 157 على منع الأكل، فكذلك إذا سماه هديًا.
ومنع من الأكل من كل معين هلك قبل محله 158 للحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث هديًا، فقال المبعوث معه: يا رسول الله، كيف أصنع بما أعطيت؟ فقال: "انْحَرْهَا وَأَلْقِ قَلائِدَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا" 159. قال مالك: فإن أكل صاحبه، أو أمر من أكل منه ضمن 160.
وإن بعث به فعطب لم يأكل منه المبعوث معه، وإن أكل فلا شيء عليه، إلا أن يأكل بأمر صاحبه فيضمن صاحبُهُ.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في منع صاحبه أن يأكل منه: لأنه يتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه 161. وليس بحسن، بل ذلك عند مالك شرعٌ؛ لأنه قال: يضمن إن أمر المبعوث معه 162 بالأكل وإن لم يأكل 163، ولا تهمة في هذا أن يعطيه ليطعم غيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 1243
وقال محمد فيمن كان معه هدي جزاء صيد فضَلَّ منه، فأبدله، فعطب البدل في الطريق، فأكل منه، ثم وجد الأول: نحره عن الجزاء، وأبدل الثاني؛ لأنه يصير كالتطوع.
وهذا أبين؛ لأن البدل لم يكن لأجل التهمة.
ومن كان معه هدي متعة وجزاء صيد فاختلطا بعد الذبح لم يأكل من واحد منها 164؛ لجواز أن يكون هدي الجزاء.
وإن عطب أحدهما قبل بلوغه جاز أن يأكل منه؛ لأنهما مضمونان.
وإن كان أحدهما تطوعًا والآخر مضمونًا لم يأكل منه؛ لجواز أن يكون التطوع، ويأتي بالبدل؛ لجواز أن يكون المضمون 165. فإن كان قد بلغ المحل ثم اختلط أكل من أيهما أَحَبَّ، ما لم يكن المضمون جزاء صيد.
وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد وأبدله ثم وجد الأول نحرهما وأكل من الثاني، قال محمد: وإن أكل من الثاني بعد أن بلغ وقبل أن يجد الأول أبدله.
فإن لم يبدله حتى وجد الأول فلا شيء عليه؛ لأن الثاني يصير تطوعًا أكل منه بعد بلوغه 166.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: إذا ضلَّ الهدي الواجب فأبدله ثم وجد الأول نحره، وإن نحر الثاني فهو أفضل، وإن باع فلا شيء عليه 167. وقول ابن الماجشون "أن له أن يبيع الواجب إذا عطب قبل بلوغه" نحوٌ من هذا.
وإن كان مضمونًا أو منذورًا معينًا للمساكين فعطب أحدهما قبل محله واختلطا لم يأكل؛ لجواز أن يكون المنذور، وعليه البدل؛ لجواز أن يكون هو
الجزء: 3 - الصفحة: 1244
المضمون.
وإن بلغا أكل من الثاني خاصة، فإن كان الأول (1) الذي عطب المنذور كان هذا تطوعًا والأكل منه جائز، وإن كان الأول المضمون جاز أن يأكل من بدله.
فصل [في إطعام الغني والذمي من الهدي]
وكل هدي جاز أن يأكل منه جاز أن يطعم منه الغني والذمي، وكل هدي لم يجز أن يأكل منه فإنه يُطْعِمه مسلمًا فقيرًا لا تلزمه نفقته كالكفارة.
قال ابن القاسم: فإن أطعم منه غنيًا وهو لا يعلم، وقد اجتهد لم يُجْزئْهُ في الزكاة والجزاء والفدية 169. وفي كتاب محمد: أنه يجزئه.
وإن أطعم ذميًا وهو لا يعلم لم يجزئه على القول الأول، وأجزأه على القول الآخر.
ويختلف إذا علم أنه غني أو ذمي، وجهل الحكم هل يجزئه أم لا 170؟ فقال ابن القاسم: إن أطعم ذميًا من غير الجزاء والفدية فهو خفيف، وقد أساء.
يريد: نذر المساكين، وهو موافق لقوله: إن ترك الأكل منه استحباب 171. وعلى القول الآخر يكون كالجزاء.
واختلف إذا أكل من الجزاء والفدية بعد القول بالمنع، هل يكون عليه أن يأتي بهدي كامل، أو يكون عليه بقدر ما أكل؟ وقال في التطوع: إن أكل منه قبل بلوغه أتى بمثله.
وعلى القول الاخر يكون عليه بقدر ما أكل.
وقال فيما168
الجزء: 3 - الصفحة: 1245
نذره للمساكين: عليه قدر ما أكل (1). ولم يجعل عليه البدل؛ لأن منع الأكل عنده أضعف من التطوع.
فصل [في نتاج البدنة وهل تُركب]
وإذا أنتجت البدنة حُمِلَ ولدُها على غيرها، فإن لم تَجْهَدْ فعليها، فإذا خيف عليها إن حملته تركته إن كانت في مستعتب 173 ليكبر فيبلغه، وإن لم يكن في مستعتب ذبحه ولم يأكل منه؛ لأنه مُعَيَّنٌ لا بدل عليه فيه إن هلك، فأشبه التطوع، وإن ذبحه وهو قادر على حمله أو إبقائه في مستعتب كان عليه هديٌ كبير؛ لأنه كبعض أمه، وجرى فيه من العقد ما جرى في أمه.
ولا يشرب من لبنها قبل ري فصيلها، فإن فعل فأضرَّ به حتى مات كان بمنزلة إذا قتله.
قال مالك: وليتصدق بما فضل بعد ري فصيلها 174. وقيل: لا بأس أن يشربه 175. ولا يركبها إلا ألا يجد ما يكري 176 به، أو لا يجد ما يكتريه 177.
واختلف إذا استراح، فقال ابن القاسم: لا ينزل؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ارْكَبْهَا" 178. وقال إسماعيل القاضي: مذهب مالك يدل على أنه إذا استراح172
الجزء: 3 - الصفحة: 1246
نزل.
وفي مختصر ابن الجلاب: إذا استراح نزل 179. وهو أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ارْكبْهَا بِالمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا" أخرجه مسلم 180. ولأن ملكه سقط عنها بالتقليد والإشعار؛ فوجب ألا ينتفع بها إلا لضرورة، ولأن فيه ضربًا من العود في الصدقة.
قال مالك: ولا يركبها 181، ولا يحمل عليها زادًا، ولا شيئًا يتعبها به.
الجزء: 3 - الصفحة: 1247
باب في الهدي والصيام عن التمتع
الأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. وللمتعة أربعة شروط؛ وهي:
أن يأتي بها في أشهر الحج قبل الحج، ثم يحجّ من عامه قبل أن يرجع إلى بلده.
فإن كانت قبل أشهر الحجّ ثم حجّ من عامه، أو في أشهر الحجّ ولم يحجّ من عامه، أو حجّ من عامه بعد أن رجع إلى بلده، أو إلى مثله في المسافة، أو اعتمر بعد الحج في بقية ذي الحجة- لم يكن متمتعًا، ويجزئ من الهدي عن المتعة الشاةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
ولا يقلد هدي المتعة إلا بعد الإحرام بالحج 182، وكذلك القران.
واختلف إذا قلد أو أشعر قبل الإحرام بالحج، فقال أشهب وعبد الملك في كتاب محمد: لا يجزئه.
وقال ابن القاسم: يجزئه 183. فلم يجزئه في القول الأول لأن المتعة إنما تجب إذا أحرم بالحج، وإذا قلّده وأشعره قبل ذلك كان تطوعًا، والتطوع لا يجزئ عن الواجب، وأجزأ في القول الآخر قياسًا على تقديم الكفارة قبل الحنث، والزكاة إذا قرب الحول.
والذي تقتضيه السنة التوسعة في جميع ذلك، فقد مضى ذكر ذلك في مواضعه.
ومن أحرم بالحج وعَدِمَ الهدي كان في عدمه على ثلاثة أوجه:
على إياس من وجوده، أو على يقين أنه يجده قبل الوقوف بعرفة، أو شاك،
الجزء: 3 - الصفحة: 1248
فإن كان آيسًا صام، وصيامه موسع من حين يحرم إلى يوم عرفة، ولا يؤخره لبعد يوم عرفة.
واختلف عن مالك في صيام يوم عرفة، والاستحباب أن يستكمل الثلاث قبل يوم عرفة؛ ليقوى على الذكر والدعاء.
وإن شك استحب له أن يؤخر صومه إلى آخر الوقت؛ رجاء أن يأتي بما هو أفضل، وهو الهدي.
وإن صام ثم وجد الهدي قبل خروج وقت الصوم أجزأه.
واختلف إذا صام على يقين أنه يجده قبل خروج وقت الصوم، فعلى قول ابن القاسم يجزئه الصوم، وعلى قول ابن حبيب لا يجزئه.
وهذا قياس على قولهما فيمن كان على يقين من وجود الماء قبل خروج الوقت فصلى بالتيمم، ثم وجد الماء في الوقت.
وقد تقدم وجه قوليهما في كتاب الطهارة 184.
وآخر الوقت الذي لا يتأخر عن أن يبتدئ بالصوم فيه السابع والثامن والتاسع، وليست هذه الأيام وقتا لالتماس الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]. فإذا كان الصوم قبل يوم النحر -لأنه محرم الصوم- علم أنه مطالب بالهدي والانتقال إلى الصوم قبل يوم النحر.
واستحب مالك لمن وجد الهدي قبل أن يستكمل صيام الأيام الثلاثة أن ينتقل إلى الهدي 185، وهذا يحسن لمن قدّم الصوم عن الوقت المضيق، كالذي يصلي
الجزء: 3 - الصفحة: 1249
بالتيمم وسط الوقت، وليس كالذي يؤخر الصوم إلى الوقت المضيق.
ومن لم يصم قبل عرفة صام أيام التشريق، وإن لم يفعل صام متى ذكر، ولم يؤخر؛ لأن الصوم كان معلقًا بوقت، فمن تركه عامدًا أو ناسيًا كان القضاء على الفور؛ قياسًا على الصلاة.
وكذلك من لم يصم عن قرانه الثلاثة قبل عرفة صام أيام التشريق؛ لأنه تمتع بالعمرة في أشهر الحج 186.
واختلف قول مالك إذا كان الدم عن ترك النزول بالمزدلفة أو المبيت بمنى أو عن بعض الجمار أو غيره مما دخل عليه بعد الوقوف بعرفة، فرأى مرة: أنه يصوم أيام 187 التشريق كالمتمتع؛ لأنه مقيس 188 عليه ثلاثة وسبعة إذا رجع.
ورأى مرة: ألا يصومها، وأن الرخصة في صيامها لمن وجب عليه الدم قبل 189.
وقال 190 في كتاب محمد في فدية الأذى: لا يصومها في أيام منى 191. يريد: لأنه مخاطب بثلاثة أيام لا أكثر، بخلاف المتمتع.
ولو أحرم رجل بعمرة في أيام منى، ولم يكن أحرم بالحج فوجب عليه صوم عشرة أيام- لم يوقع الثلاثة في أيام منى، وإنما جاءت الرخصة بصيامها للحجاج.
وإن كان الدم عن فساد حجٍّ أو فوات وأتى بحجة القضاء كان = إن كان أول يوم صام ووجد ثمن الهدي؟ فقال: قال مالك: إن شاء أهدى وإن شاء تمادى في صيامه).
الجزء: 3 - الصفحة: 1250
حكمه في الهدي والانتقال إلى صيام الثلاثة قبل الوقوف حكم المتمتع.
فإن لم يصم قَبْلُ صام أيام منى على أحد قولي مالك، وسبعة إذا رجع.
وإن صام قبل أن يتلبس بحجة القضاء كان تقدمة الصوم على الخلاف في تقدمة الهدي، فقد قيل في تقدمته: جائز، ويكره، ولا يجزئ، وكذلك الصوم.
وقال مالك فيمن عجز عن المشي: أنه يركب ويهدي، فإذا رجع مشى المواضع التي ركبها (1).
فصل [في صوم السبعة أيام بعد الحج]
وقال مالك في المدونة في معنى قول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]: إذا رجعوا من منى 193. وقال في كتاب محمد: إذا رجع إلى أهله، إلا أن يقيم بمكة 194. وهذا بيّن، وليس المراد أن يصوم في الطريق؛ لأنه في سفر، وقد وضع الله تعالى عن المسافر صوم رمضان، مع أنه 195 مُفْتَرَضُ العين مُعَظَّمُ الحرمة، ولم يجعل عليه من ذلك إلا الأقل، وما الغالبُ أنه يخف، وهي الثلاثة، ولهذا جعل مالك في كُلِّ 196 صَوْمٍ وجب في الحج عدد عشرة أيام أنه يؤخر192
الجزء: 3 - الصفحة: 1251
السبعة حتى يصل إلى بلده؛ قياسًا على المتمتع 197. وكذلك المعتمر، يؤخر السبعة حتى يعود إلى أهله، إلا أن يقيم ببلد قبل ذلك 198.
وقال محمد: سألتِ امرأةٌ مالكًا، وقالت: قرنت عام أول، ولم أجد هديًا، وقد قدمت العام؟ فقال لها: صومي ثلاثة أيام في إحرامك، وسبعة إذا رجعتِ 199. فلم ير عليها صومًا في السفر، وإن كانت عادت إلى أهلها.
وعلى هذا لو أفطر رمضان في سفر، ثم قدم أهله فلم يصم حتى عاد إلى السفر، أو أفطر لمرض، ثم صح فلم يصم حتى سافر ألا شيء عليه حتى يعود إلى قرار.
والظاهر من المذهب فيمن عجل صوم السبعة قبل وقوفه بعرفة ألا يجزئه، وأرى أن يجزئه؛ لأن التأخير حتى يرجع توسعة لمكان سفره، وهو بمنزلة من صام رمضان 200 في سفره.
الجزء: 3 - الصفحة: 1252
باب في وجوب العمرة ووقتها
العمرة عند مالك سُنَّة.
وقال ابن الجهم وابن حبيب: واجبة كوجوب الحج 201.
والأول أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَحَجِّ البَيْتِ" 202. ولم يقل، ست، وفرض الحج من آخر ما نزل، ومعنى قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] أَمْرٌ لمن دخل فيهما بالإتمام.
وقيل: أمر من أتى بعمرة أن يرجع 203 إلى بلده، ثم يأتنف السفر للحج.
وكلا التأويلين لا يقتضي وجوب العمرة، ولا تدخل العمرة في عموم الأمر بالحج؛ لأن هذين قد لزم كل واحد منهما اسم يختص به، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فلم يشرك العمرة بالاسم مع الحج.
وقال مالك: العمرة في السنة مرة، ولو اعتمر لزمه 204. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا بأس بالعمرة في السنة مرارًا.
وقال محمد بن المواز: أرجو ألا يكون به بأس، وقد اعتمرت عائشة - رضي الله عنها - عمرتين في شهر 205.
الجزء: 3 - الصفحة: 1253
ولا أرى أن يمنع أحد من أن يتقرب إلى الله تعالى بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد في الخير في موضع لم يأت بالمنع منه نص.
والوقت الذي يؤتى بها فيه على وجهين، فمن لم يتقدم له حجّ، ولا يريده في ذلك العام فيعتمر من السنة أيَّ وقتٍ أحب، وفي أشهر الحج وأيامه ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ويكون الناس في الوقوف بعرفة وهو يعمل عمل العمرة.
وأما من حج فلا يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق.
قال: وإن تعجل في يومين فلا يحرم بعمرة.
وإن فعل لم تنعقد.
قال ابن القاسم: إلا أن يحرم في آخر أيام التشريق بعد الرمي فيلزمه 206 قال محمد: يلزمه الإحرام، ولا يحل في آخر أيام التشريق حتى تغرب الشمس، وإحلاله قبل ذلك باطل.
قال: وإن وطئ قبل ذلك أفسد عمرته، وقضاها، وأهدى 207. والقياس إذا انحل الإحرام للحج أن ينعقد الإحرام للعمرة، ويصح عملها 208. = الحليفة ومرة من الجحفة)، وفيه برقم (517) عن صدقة بن يسار عن القاسم بن محمد أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: اعتمرت في سنة مرتين قال صدقة فقلت هل عاب ذلك عليها أحد قال سبحان الله أم المؤمنن فاستحييت.
وفي النوادر والزيادات: 2/ 362، (وقد اعتمرت عائشةُ مرتين في عامٍ، وفعله ابنُ عمر، وابن المنكدر، والمِسورُ.
وكرهت عائشة عمرتين في شهرٍ) قلت: وعبارة النوادر هي العبارة التي نقلها المؤلف فلعلها تصحفت من الناسخ.
الجزء: 3 - الصفحة: 1254
باب فيمن أحصر بعدو أو مرض
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أحرم بعمرة، فلما بلغ الحديبية وصده المشركون حَلَّ 209.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه أحرم بعمرة، وكان نزل الحجاج بمكة لقتال ابن الزبير - رضي الله عنه - فقال: "إِنْ صُدِدْتُ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -" 210.
ولا خلاف فيمن أحصر بعدو، وهو محرم بحج أو عمرة أن له أن يحل، ولا قضاء عليه إذا لم تكن حجة الإسلام.
واختلف فيمن أحصر بمرض أو كسر أو حبس في دم أو دين، فقال مالك: لا يحله إلا البيت، وعليه قضاء ما حل منه من حج أو عمرة 211، وهو قول ابن عباس وابن عمر والشافعي 212. وقال عطاء بن أبي رباح والنَّخَعِيُّ والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور: العَدُوّ والمرض سواء 213.
وللمحصر بعَدُوٍّ خمس حالات يصح الإحلال في ثلاث، ويمنع في وجه، ويصح في وجه إذا شرط الإحلال، فإن كان العدو طارئًا بعد الإحرام، أو متقدمًا ولم يعلم، أو علم وكان يرى أنه لا يصده فصده- جاز الإحلال.
الجزء: 3 - الصفحة: 1255
وقد أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - والمشركون بمكة، وهو يرى أنهم لا يمنعونه، فلما منعوه حل 214.
وإن علم أنهم يمنعونه لم يحل، وعلى هذا الوجه يحمل ما قاله محمد بن المواز 215.
وإن شكّ فمنعوه لم يحل، إلا أن يشترط الإحلال، كما قال ابن عمر - رضي الله عنهما -.
ومن صُدَّ عن طريقه وهو قادر على الوصول من غير مضرة لم يحل، وإن كان أبعد، إلا أن يكون طريقًا مخوفًا، أو فيه مشقة بيّنة، ولا يرجو انكشاف ذلك قريبًا.
وقد قاضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة على أن يأتي من العام المقبل، ثم حلّ 216؛ لأن الصبر إلى قابل فيه مضرة.
واختلف فيمن أحصر وهو محرم بالحج في ثلاثة مواضع: في الوقت الذي يجوز أن يحل فيه، وهل عليه دم إذا حل، وهل يلزمه القضاء إذا كان محرمًا بحجة الإسلام؟ فمذهب ابن القاسم إذا كان على إياس من انكشافه حل مكانه.
وإن كان يرى أنه يذهب قبل ذلك أو شك أُمهل حتى يصير إلى وقت إن ترك لم يدرك، فيحل، وقال أشهب: لا يحل حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة 217.
يريد: لأن الحج لما كان معلمًا بوقت، وكان الإمساك عن الوطء والطيب
الجزء: 3 - الصفحة: 1256
وغيره عبادة، وقد التزم المحرم بالحج الإمساكَ عن هذه الأشياء إلى وقت، كان عليه أن يبقى على تلك الطاعة إلى ذلك الوقت.
ويلزم على قوله: إن أحرم بعمرة وهو على بعد أن لا يحل إلا في الوقت الذي كان يحل فيه من أحرم بحج لو لم يحصر، وقد كان إحلال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما مضى الوقت الذي كان يحل فيه.
ومن أحرم بالحج من موضع لا يدرك فيه الحج من عامه، ثم أحصر من ذلك العام، لم يحل إلا أن يصير إلى وقت إن حل لم يدرك الحج عامًا قابلًا 218.
وقال ابن القاسم فيمن حل ممن أحصر بعدو: لا هدي عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: عليه الهدي، وإن لم يجد صام، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] 219 قال: فهذا فيمن أحصر بعدو، وتأول ابن القاسم الآية على المرض.
والأول أحسن؛ لأن الآية نزلت بالحديبية، وقد حصرهم العدو، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ والأمن يكون من الخوف، فكان حمل الآية على الخوف الذي كانوا فيه، وعلى المعهود من هذا الاسم؛ حتى يقوم دليل أن المراد الأمن من المرض.
وقد اختلف في موجِب هذين: أُحْصِر وحُصِر، فذكر إسماعيل القاضي عن أبي عبيدة، أنه قال: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل: أُحْصِر، وما كان من حبس قيل: حُصِر.
واستشهد بقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا حصر إلا من عدو.
وقال ابن فارس في مجمل اللغة: ناس يقولون حصره المرض، وأحصره العدو.
وهذا عكس ما حكاه أبو عبيدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1257
وقال ابن فارس: الإحصار: أن يحصر الحاج عن بلوغ المناسك بمرض أو غيره.
فسوَّى بين المرض والعدو.
وقال أبو عمرو: حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273]. يريد الله تعالى أن الفقر أحصرهم، وليس المرض.
وقيل: حصره إذا ضَيَّقَ عليه، وأحصره إذا منعه شيئًا، وإن لم يضيق عليه غيره.
فمن منع من في 220 مدينة أن يخرج منها كان قد حصره؛ لأنه ضيق عليه، وإن منع من كان خارجًا منها أن يدخل إليها كان قد أحصره.
وقال مالك وابن القاسم فيمن أحصره العدو: يحل من حجة الإسلام، وكان عليه القضاء 221.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه 222. والأول أحسن؛ لأنها مضمونة.
فإذا أحصر عن هذا العام بقي الحج في الذمة على حاله.
وكذلك من نذر حجة مضمونة عليه القضاء، وإن نذر عامًا بعينه أو التزمه بالإحرام من غير نذر لم يكن عليه قضاء، وكذلك إن نذر عمرة مضمونة قضاها، وإن عينها لشهر أو وقت فانقضى ذلك الوقت لم يكن عليه شيء.
وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن انكشف الخوف قبل أن يحل فله أن يحل؛ لأن العدو بلغ به ذلك 223.
الجزء: 3 - الصفحة: 1258
يريد: إذا فاته الحج وهو على بعد من مكة، وإن كان قريبًا لم يحل إلا بعمرة، وكذلك إن كان إحرامه بعمرة فذهب الخوف وهو قريب من مكة لم يحل دون مكة.
وقال في المبسوط فيمن حل له الإحلال، فلم يفعل حتى أصاب النساء: فإن كان نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل كان قد أفسد حجه إلى قابل، ثم عليه أن يقضي حجته تلك.
قال: ومن اعتمر في أشهر الحج، ثم أهلَّ بحجةٍ من مكة، ثم أحصره العدو بعرفة حتى فاته الحج- حل، ولم يستحدث طوافًا يحل له، وعليه هدي لمتعته كما لو تم حجه.
وإن كان قارنًا فأحصر أو أفسد كان كمن لم يحصر (1) وهو في حج تام، فعليه هدي القِران وهدي الفساد في العام الثاني.
وأصل ابن القاسم في هذا: أن يسقط عنه دم المتعة؛ لأنه قد صار عمله إلى فساد (2) ولم تتم المتعة.
واختلف عنه في دم القران عن العام الذي فات.
فصل [فيمن أحصر عن الحج]
لا يخلو المحصر عن الحج أن يكون بعيدًا من مكة، أو قريبًا، أو فيها، أو بعد أن خرج منها ولم يقف، أو بعد وقوفه بعرفة.
فإن كان على بعدٍ حل مكانَهُ، وكذلك إن كان قريبًا وصُدَّ عن البيت، وإن صُدَّ عن عرفة خاصة دخل مكة، وحل بعمرة.
وكذلك إن كان بمكة وكان إحرامه من الحل فإنه يحل بعمرة مكانَهُ، وليس عليه أن يخرج إلى الحل.
وإن كان إحرامه من مكة وقدر أن يخرج224225
الجزء: 3 - الصفحة: 1259
إلى الحل فعل، ثم يدخل بعمرة.
فإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ثم أصاب النساء لم يكن عليه شيء.
وقد قال مالك فيمن أحرم من الحرم، وطاف وسعى قبل الوقوف، ثم طاف طواف الإفاضة، ثم حل وأصاب النساء: فلا شيء عليه.
وإن خرج من مكة، ثم صُدَّ عن الوقوف خاصة حل بعمرة، وإن صُدَّ عن الوقوف وعن مكة حل مكانه.
وإن وقف بعرفة ثم صد عن مكة وكانت حجته معينة حل ولا قضاء عليه، وإن كانت مضمونة، أو كانت حجة الإسلام جرت على القولين، فعلى قوله في المدونة إذا أفسد قبل الإفاضة أنه 226 يأتي بعمرة؛ يكون لهذا أن يحل، ثم يأتي بعمرة بعد ذلك، وعلى ما ذكره ابن الجهم أنه لا يجزئه الحج يكون هذا بالخيار بين أن يحل ويأتي بعد ذلك بالحج، أو يتكلف المقام على إحرامه حتى يطوف ويجزئه، ولا يستأنف الحج بعد ذلك.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن كان العدو بمكة ولم يدخلها هذا ذهب فوقف بعرفة وشهد جميع المناسك.
وإن 227 زالت أيام منى والعدو بمكة فليحل ويمضي.
يريد: ولا قضاء عليه؛ لأنه يقول في المحصر عن حجة الإسلام: لا شيء عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 1260
باب الأصل في حديث ابن عباس
الأصل في ذلك 228 حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خثعمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قًالَ: نَعَمْ.
وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ".
اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 229.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أَتَى رَجُلٌ إِلَى 230 رَسُولِ الله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، فَقَاَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَاقْضِ دَيْنَ اللهِ، فَهْوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ" 231. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" 232. يريد: إن شاء، ليس أن يجبر.
وفي مسلم: "قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ
الجزء: 3 - الصفحة: 1261
رَمَضَانَ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي.
قَالَتْ: إَنَّهَا لم تَحُجّ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا" 233. وقد تضمنت هذه الأحاديث النيابة في الحج والصلاة -وهي ركعتا الطواف- والصوم.
وفي البخاري: "أَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاَةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ: صَلِّي عَنْهَا" 234.
ولم يختلف قول مالك في العتق والصدقة عن غيره، وهو يسقط الاعتراض، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] لأنهما ليسا من سعي المعتق عنه ولا المتصدق عليه.
واختلف المذهب في حج الإنسان عن غيره وهو حي أو ميت بأمره أو بغير أمره، فأجاز مالك 235 ذلك مرة اتباعًا للحديث، ومنع مرة لما كانت أعمال أبدان، ولم ير النيابة فيها، وقال: لا يحج أحد عن أحد 236.
وقال في كتاب محمد في امرأة أوصت أن يحج عنها: إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يكن يحمل جعل في رقبة، فحمل ذلك ثلثها قال: يعتق عنها ولا يحج 237. فلم يجز ذلك وإن كان بوصية من الميت، وقال ابن وهب وأبو مصعب: لا يحج أحد عن أحد إلا الابن عن أبيه.
فخصّ الولد كان بوصية ذلك أم لا، كان الأب شيخًا كبيرًا أو غير ذلك.
وقال ابن حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا مَنْهَضَ له ولم يحج، وعمن مات ولم يحج أن يحج عنه ولده وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 1262
لم يوصِّ به، ويجزئه إن شاء الله.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن حج عن الشيخ الكبير أجزأه (1)، وقيل لمالك: إن رجلًا أمرني وهو حي أن أحج عنه، فقال: افعل ما أمرك (2)، وأرى ذلك سواء الموت والحياة، والابن والأجنبي، والشيخ والشاب، سواء كل ذلك جائز، وكلها أعمال أبدان، إلا أن يكون حيًا قادرًا على الحج فلا يصح أن يحج عنه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة والصوم إذا كان قادرًا على الأداء.
فصل [فيمن حج عن غيره]
حج الإنسان عن غيره على أربعة أوجه: تطوعًا، وعلى الإجارة، وعلى البلاغ في الثمن تكون أجرته نفقته، وعلى البلاغ في الحج إن وفَّى بالحج أخذ العوض، وإلا فلا شيء له، وقد تقدم ذكر التطوع.
وتكره الإجارة في الجملة، قال مالك في كتاب محمد: الرجل 240 لو آجر نفسه في سوق الإبل وحمل اللَّبِن لكان 241 أحب إليَّ من أن يعمل عملًا لله سبحانه وتعالى بالإجارة 242.
قال ابن القاسم: وإن آجر نفسه ثم أراد نقض الإجارة لما بلغه ألا يحج أحد عن أحد لم يكن له ذلك، وإن كانت الإجارة بنفقته جاز، وينبغي أن يبينها238239
الجزء: 3 - الصفحة: 1263
قبل العقد، فإن لم يفعل مضى، وينفق نفقة مثله.
قال محمد: ينفق ما لا بد منه مثل الكعك والزيت والخل واللحم المرة بعد المرة والثياب والوطاء واللحاف، فإن رجع رَدَّ ما فضل.
قال: وإنا لنكره ذلك 243. يريد: إلا بشيء معلوم.
والإجارة من بلد الموصي إن أوصى به منه ثم مات به.
قال ابن القاسم: وَيُحْرِمُ من ميقات الميت وإن لم يشترط ذلك عليه 244. وقال أشهب في كتاب محمد: يحج عنه من الموضع الذي أوصى.
يريد: إن كان بغير بلده.
قال محمد بن عبد الحكم: إن كان من أهل مصر فمات بخراسان وأوصى بالحج حُجَّ عنه من خراسان.
وهو أحسن، وإنما يحج من بلد الميت إذا مات به، إلا ألا يجد من يستأجر لتلك الوصية من موضع وصَّى به.
وفي السليمانية قال: لا ينبغي لمن أُجِّرَ لِحَجٍّ أن يركب من الدواب والجمال إلا ما كان الميت يركبه؛ لأنه كذلك أراد أن يوصي، ولا يقضي به دينه ويسأل الناس، وهذه خيانة، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله، والعادة اليومَ 245 خلاف ذلك، وأنه يصنع به ما أحب، ويحج ماشيًا وكيف تيسر.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أوصى أن يُمشى عنه: لا يمشي عنه ويهدي عنه هديين، فإن لم يجد فواحد يجزئه، قيل: فإن وعده ابنه بذلك، قال: أحب له أن يفعل 246، وقال ابن القاسم: ينظر إلى ما يكري به والنفقة إلى مكة فيهدي عنه به هديًا 247.
الجزء: 3 - الصفحة: 1264
فصل [فيمن استؤجر على حج فَصُدَّ عن البيت]
ومن استؤجر على حج عام بعينه فصده عدو أو مرض أو أخطأ العدد حتى فاته الحج كان له من الأجر 248 بقدر ما بلغ، وانفسخ الباقي عن الذي استأجره، ثم يرجع الأمر إلى حكمه في نفسه؛ فإن صده عدو حَلَّ مكانَهُ، وإن مرض قبل أن يحرم رجع، وإن كان قد أحرم أقام حتى يأتي مكة ويحل بعمرة ولا شيء له في تماديه، وكذلك إن فاته الحج لخطأ العدد فلا شيء له 249 في تماديه؛ لأن العام الذي استؤجر عليه ذهب أو في معنى الذاهب، وإنما تماديه لحق الله تعالى فيما يحل به 250 من الإحرام، ولو أقام على إحرامه لقابل لم يكن له شيء، وإن حل من إحرامه قضى قابلًا ولا شيء له، وإن كانت الإجارة على حجة مضمونة فصده عدو حل من إحرامه 251، ثم ينظر فإن كان لا يشق الصبر لقابل لم تفسخ إجارته، وإن كان يشق عليه كان الموصى لقابل 252 بالخيار بين أن يصبر أو يفسخ.
وكذلك إن مرض وفاته الحج قبل أن يحرم؛ هو بالخيار إذا كان على بُعد، ولا خيار له إذا لم تدركه مشقة في الصبر.
وإن كان أحرم وأقام على إحرامه لقابل وحج أجزأه واستحق جميع الأجرف وكذلك إن حل بمكة وأقام لقابل ووفى بالحج، وإن لم يقم حطَّ من الأجر بقدر الباقي من مكة إلى عرفة، وما
الجزء: 3 - الصفحة: 1265
بقي (1) من أعماله حتى ينقضي الحج.
وقال ابن حبيب: يأخذ الأجرة كلها لأنه بلغ مكة وزاد على ما استؤجر عليه مقامه محرمًا.
وهذا ضعيف؛ لأن مدة (2) ما استؤجر له قد بقي، وهي أعمال يخرج لها ويتكلفها ويقيم الأيام لأجلها.
وإن استؤجر بنفقته على عام بعينه فصده عدو حل ورجع فله نفقة رجوعه، وإن تمادى وأقام بمكة حتى حج (3) لم تكن له نفقة من الموضع الذي صُدَّ فيه حتى رجع إليه، وله النفقة من الموضع الذي صد فيه حتى رجع (4)، وكذلك إن مرض قبل أن يحرم له النفقة ما أقام مريضًا، وفي رجعته ولا شيء له في تماديه إلى مكة، قال ابن القاسم: وإن كان قد أحرم تمادى وله نفقته في تماديه وفي رجعته على الذي دفع إليه المال ليحج به؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع (5).
فصل [فيمن مات وكان الحج على الإجارة]
وإن مات وكان الحج على الإجارة كان له بقدر ما سار واستُرجع منه الباقي، وإن كانت الإجارة بنفقته كان له ما أنفق واسترجع الفاضل، وإن كانت على البلاغ على أنه إن وفَّى بالحج وإلا فلا شيء له لم يكن له فيما سار من الطريق شيء، وكل هذا إذا كانت الإجارة على شيء عيَّنه.
وإن كانت الحجة مضمونة في الذمة استؤجر من ماله من يتم بقية الطريق ويحج.253254255256257
الجزء: 3 - الصفحة: 1266
وإن سقطت نفقته والإجارة على دنانير معلومة كانت مصيبتها منه، وعليه أن يتمادى ويوفي بالحج، وكذلك إن كانت على البلاغ في الحج، وإن كانت الإجارة بنفقته ولم يحرم رجع وكانت له نفقة رجوعه، إلا أن تكون المراضاة أن نفقته من الثلث فيرجع في باقي الثلث، إلا أن يكون المدفوع جميع ثلث الميت وعليه راضوه فلا شيء عليهم.
وإن سقطت النفقة بعد ما أحرم كان عليه أن يتمادى، وكل شيء دخل عليه لم يتعمده من إغماء أو غيره في مال الميت إن كان على البلاغ فإن تعمد كان في ماله، وإن كان عمله على الإجارة كان في ماله العمد والخطأ، وإن وجب التراجع عن بعض الطريق فإن البعض بقدر كل موضع، فليس ما ينوب الطريق من إفريقية إلى مصر بمنزلة ما ينوب من مصر إلى مكة، وصعوبة الحجاز وغرره وقلة المياه وخوف الهلاك.
فصل [في مخالفة الأجير على الحج ما استؤجر عليه]
واختلف فيمن استؤجر على الحج فتمتع، فقال ابن القاسم: لا يجزئه ويحج من قابل 258. وقال في كتاب محمد فيمن أخذ مالًا ليحج عن ميت في بعض الآفاق، فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة، قال: أراه مجزئًا عنه إلا أن يشترطوا أن يحج من أفق الميت 259 أو من المواقيت، فلا يجزئه ويرجع ثانية 260. وقال محمد: إذا اعتمر عن نفسه ثم حج، فإن كان خروجه عن الميت
الجزء: 3 - الصفحة: 1267
جاز، وأما إن حج عن الميت من مكة فعليه البدل 261.
واختلف أيضًا إذا اشترطوا عليه ألا يتمتع فتمتع، فقال مالك: يجزئ عن الميت.
وقال ابن القاسم: لا يجزئه.
ثم رجع إلى قول مالك أنه يجزئه.
واختلف إذا قرن؛ فقال ابن القاسم: لا يجزئه ويرد المال، وقال في كتاب محمد: يرجع ثانية ويجزئه 262، ولا تفسخ الإجارة.
وقال ابن الجلاب عن ابن القاسم: إن استؤجر على أن يحج مفردًا لم يجزئه وعليه الإعادة 263.
وقال ابن الماجشون: يجزئه وعليه الدم.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك مثله 264. وقال ابن حبيب: إن تمتع أو قرن أو جعل ذلك كله عن الميت أجزأه، وإن جعل العمرة عن نفسه والحج عن الميت لم يجزئه، وغرم المال 265.
وأرى إن تمتع أن يجزئ؛ لأن الهدي ليس بوصم في الحج، وإنما هو لإتيانه بعمرة حينئذٍ.
وقال أشهب في مدونته في رجل حج عن رجل واعتمر عن آخر وقد أمراه بذلك: إن دم القران على المعتمر، وقد أوجب الله سبحانه حجه.
ولا خلاف فيمن قدم قبلها عمرة أنها تجزئه، وأما إن قرن فلا أرى أن يجزئ؛ لأنه أشرك في الطواف والسعي، وإنما أتى ببعض ما استؤجر عليه، ثم ينظر فإن كانت الإجارة على ذلك العام رد المال، وإن كانت مضمونة وأتى مستفتيًا أو كان أظهر ذلك لأنه ظن أن ذلك جائز، لم تفسخ الإجارة وحج من قابل، فإن كتم ذلك ثم ظهر عليه فسخت الإجارة؛ لأنه لا يؤمن أن ينوي في
الجزء: 3 - الصفحة: 1268
مثل ذلك في العام الآخر.
فصل [فيمن حج مستأجرًا وبقي معه فضلة مال]
وقال ابن القاسم فيمن قال: حُجوا عني بهذه الأربعين دينارًا، فأعطيت لمن حجّ عنه على البلاغ وفضلت عشرون 266 كانت ميراثًا 267، وكذلك إن قال: أعطوا فلانًا أربعين دينارًا يحج بها عني فاستؤجر بثلاثين؛ كان الفاضل ميراثًا، قال: لأن مالكًا قال فيمن أوصى أن يشترى عبد فلان بمائة دينار، فاشتروه بثمانين: كان 268 الفاضل ميراثا.
وقال محمد: إن سمى من يحج عنه أعطي ذلك كله إلا أن يرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية 269.
وأرى إن لم يعين من يحج عنه أن يكون الباقي ميراثًا، إلا أن يرى أنه مما يحج عنه به حجتين أو أكثر، فيصرف الباقي في حج، إلا أن يكون قصد الميت أن ينفق المستأجر ذلك المال في حجه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى أن يحج عنه بمائة دينار فاستؤجر من حج بخمسين: فإن كان أوصى لرجل بعينه أخذ الخمسين الباقية، وإن لم يكن بعينه 270 فليحج بالخمسين الأخرى 271، قال: وإن أوصى أن يحج عنه بثلثه
الجزء: 3 - الصفحة: 1269
وهو صرورة دفع جميعه في حجة واحدة، فإن لم يكن صرورة فاستحسن أن يدفع في حجة، قال 272: وإن حج به حججًا فلا بأس 273. وقال ابن القاسم: إن كان الثلث كثيرًا أعطي لرجال في حجج 274. وهذا إذا لم يعين من يحج بثلثه، فإن عين أُعطِي جميع الثلث، وحج عنه 275 حجة واحدة.
وهذا مفهوم قول ابن القاسم في الثاني من الوصايا 276.
وإن لم يبلغ ما سمى من المال ما يحج به من بلد الميت استؤجر من القرب 277 من، هذا إذا لم يسمِّ الموضع الذي يُحج عنه منه.
واختلف إذا سماه، فقال ابن القاسم: يرجع المال 278 ميراثًا.
وفرَّق بين من سمى ومن لم يسمِّ 279، وقال أشهب:
الجزء: 3 - الصفحة: 1270
يستأجر من أقرب منه 280. وقال محمد: إن كان صرورة.
وقول أشهب أحسن 281، وإن لم يكن صرورة كان ميراثًا إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من ذلك الموضع.
وقول أشهب أحسن، وليس محل قوله: إن لم يحمل أن يسقط الحج كره، وعمرة الوصية الحج بالحج، وذكر الموضع الذي يحرم منه في معنى المبالغة، وما يستحسنه.
= يحج بها عنه من بلده بعثوا بها إلى المواضع التي يجدون بها من يحج بها عنه منها.
وإن كان إفريقية أو مصر، فإن لم يجدوا ففيما وراء ذلك المدينة أو أمامها حتى ينفذوها فيما أوصى.
وأما قوله: من الأندلس فإن وجدوا من يحج بها من الأندلس كما أوصى وسمى وإلا ردت إلى الورثة ولم يخرج بها إلى ما وراء ذلك).
الجزء: 3 - الصفحة: 1271
باب تبدية الحج على التزوج
282
وقال مالك فيمن كان عزبًا صرورة، وله مال كفاف- الحجِّ أو التزويج: أنه يبدأ بالحج 283. ولم يبين: هل ذلك واجب، أو مستحب.
فعلى قوله: إن الحج على الفور 284 يكون واجبًا.
وعلى القول أن له التراخي يكون مستحبًا؛ لأن الوقت موسع.
ولا أعلمهم يختلفون بعد القول أنه على الفور أنه إن قدم التزويج أنه ماضٍ، ولا يرد المال من الزوجة.
وفي السليمانية: إن خشي العنت بدأ بالتزويج.
ولو كانت له زوجة وله من المال كفاف حجه، فإن خلف منه نفقتها لم يبلغه الباقي، وإن لم يخلف منه النفقة قامت بالطلاق- فإنه يحج.
وعلى القول الآخر: يمهل حتى يجد.
وقد قيل فيمن له أولاد: يخرج ويزكهم وإن تكففوا.
يريد: ما لم يخش عليهم الموت.
وأرى أن يقيم معهم، وفي خروجه عنهم إذا ضاعوا حرج، والحرج ساقط.
الجزء: 3 - الصفحة: 1272
باب في حج المرأة بغير ولي
285
وقال مالك في المرأة تريد الحج لا ولي لها، أو لها ولي وأبى أن يخرج معها: لا بأس أن تخرج مع جماعة رجال ونساء لا بأس بحالهم 286. وقال أيضًا: تخرج مع من يوثق به من الرجال والنساء 287.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا تخرج مع رجال ليسوا منها بمحرم.
وقال ابن حبيب بقول مالك إن كانت صرورة، ولا تخرج لغير الفريضة إلا مع ذي محرم من الرجال.
وقول ابن عبد الحكم أحسن وأحوط؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" 288. فعم جميع الأسفار؛ ولأن الفساد لا يتعذر في الليل، وإن كانت مع جماعة إذا لم يكن ولي يطِّلع عليها ويحفظها، وهذا إذا لم تنضف إلى أحد من الجماعة، فإن انضافت إليهم كان
الجزء: 3 - الصفحة: 1273
ذلك أمكن، ومخالف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء" 289. وهذا في الشابة، وأما المتجالة فلا تمنع السفر كيف شاءت في الفريضة والتطوع.
تم كتاب الحج الثاني، والحمد لله 290
الجزء: 3 - الصفحة: 1274