التبصرة للخميكتاب الصرف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)

الجزء: 6 - الصفحة: 2763

وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب الصرف الرِّبا محرم بالقرآن، والسُّنَّة، والإجماع، فأما القرآن: فقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39].
وأخبر سبحانه أنه كان محرمًا على من كان قبلنا كتحريمه علينا، فقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161]. وأما السُّنَّة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ" أخرجه مسلم في صحيحه 1. والأحاديث في ذلك كثيرة، ولا خلاف بين الأُمَّة في تحريم الربا في الجملة.
واختُلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] على ثلاثة أقوال: فقيل: المراد به ما كانت عليه أهل 2 الجاهلية من فسخ الدَّيْن بالدَّيْن،

الجزء: 6 - الصفحة: 2765

يقول المطلوب للطالب 3: أخرني وأزيدك، فقالوا: سواء علينا أزدنا في أول البيع أو عند محلِ الأجل، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وهو قول عطاء ومجاهد وغيرهما، وجعلوا الألف واللام تعريفًا للعهد.
ويؤيد هذا القولَ 4 قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المْطَّلِبِ، فِإِنَّهُ مَوْضُوع كُلُّهُ" أخرجه البخاري ومسلم 5. ولم يُختلف أن اسم الربا يقع على فسخ الدَّيْن بالدَّيْن، وقيل: المراد به كلُّ بيع حرُم التفاضل فيه؛ لأن الربا في اللسان الزيادة، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بَالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلا بِمِثْل، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذَهِ الأَصَنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".
أخرجه مسلم في صحيحه من طريق عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - 6. فسمَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزيادة التي تقع في هذه الأصناف ربًا، فبيَّنت السُّنَّة المراد من القرآن، وحَمْلُ قائل هذه المقالة الألف واللام في الربا لتعريف الجنس ليس للعهد.
ويدخل في ذلك السلف بزيادة، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
وقيل: المراد به كلُ بيع محرَّم كان تحريمه من جهة الزيادة أو غيرها، وهو قول عائشة - رضي الله عنها -، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

الجزء: 6 - الصفحة: 2766

قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَطِيبًا، وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ".
أخرجه البخاري 7. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الكتاب: إنَّ من الربا أن تُباعَ الثمارُ وهي مُغْضِفَةٌ 8 لم تطِبْ 9. ويشهد لقوله روايته عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الذَّهبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، والتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا إلا هَاءَ وَهَاءَ" وهذا حديث صحيح اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 10، فأوقع - صلى الله عليه وسلم - اسم الربا على ما يجوز فيه التفاضل، لعدم المناجزة، فأبان هذا الحديث أن الربا لا يختص بالزيادة، وأن المراد به ما حرُم من البياعات.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39].
فقال بعض أهل العلم: نزلت في الهدايا يهديها الرجل للرجل ليأخذ أكثر من ذلك، ولم يزد على هذا، فيقول هذا حلال أو حرام، وقال بعضهم: ذلك جائز ولا أجر له، ولا وزر عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2767

قال الشيخ - رضي الله عنه -: قد أوقع الله -عز وجل- على هذا الفعل اسم الربا، وأخبر في غير موضع من كتابه بتحريمه، والهدايا التي يقصد بها العوض والثواب مخرجها مخرج المعاوضات.
وقد اختلف قول مالك في هبة الثواب، هل مخرجها مخرج البيع، أو مخرج المعروف؟ والمشهور من قوله: إن مخرجها مخرج البيع 11. فإذا عوَّض عن الهبة بعد الافتراق من جنسها أكثر لم يجز ذلك، كانت الهبة طعامًا مما يحرم التفاضل فيه أو لا يحرم، عرضًا أو عينًا، فيدخل 12 فيما يحرم فيه التفاضل من الطعام والعين الربا من وجهين: التفاضل والنَّساء 13، وفيما يجوز فيه التفاضل من الطعام 14 النَّساء، وفي العروض سلف جر منفعة، وذلك ربًا.
ويؤيد ذلك وجميع هذه الوجوه ما ورد في الآية من إطلاق اسم الرِّبَا.
وعلى قوله الآخر ذلك من ناحية المعروف، يجوز جميع ما قدمنا ذكره، وقد أجاز في كتاب محمد أن يثيب عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهبًا 15، وذَهَبَ في ذلك إلى ما أجيز من الدينار بأوزن منه، وقرض مائة دينار بمثلها، والحوالة وإن كانت فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، والعرية، فجميع هذا أجيز على وجه المعروف، ولا يجوز على وجه المكايسة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2768

باب ذكر الرِّبا في الصرف والوجه الذي يجوز عليه الصرف

الرِّبا يدخل في الصرف إذا كان من جنس واحد -ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة- من وجهين التفاضل والنَّساء، ولا يجوز إلا مِثلًا بمثل، يدًا بيد.
ويدخل في الجنسين، وهو بيع الذهب بالورق من وجه، وهو النَّساء، فيجوز متفاضلًا يدًا بيد، والحكم في المصارفة بالتبر الذي لم يعمل والمسكوك، والحلي والذهب المكسور، والآنية تباع لتكسر أو لتبقى على قول من أجاز اتخاذها للجمال ولغير الاستعمال، والعين تكون دينًا في الذمة فيباع بعين من جنسه أو من غير جنسه، سواءٌ فيما يطلب من المناجزة والمماثلة.
ومن المدونة 16 قال ابن القاسم فيمن اشترى حليًا مصوغًا، فنقَد بعض ثمنه ولم ينقد بعضًا: تفسد الصفقة كلها 17. وقال فيمن له قِبَلَ رجل مائة دينار فباعها منه بألف درهم، فنقَده تسعمائة، ثم فارقه عله أن يدفع إليه المائة الباقية، قال: تُرد الدراهم، وتكون له الدنانير بحالها 18. فأفسد جميع المصارفة؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا.
وذكر ابن القصّار في ذلك قو لًا آخر أنه يمضي الحلال وَيَبطل الحرام.
وهو أبين إذا كان الحلال نصف الصفقة فأكثر؛ لأنه لم يشتر أحدهما للآخر، فإن كان الحرام أكثر فسخ جميع العقد؛ لأنه لم يرضَ بصرف ما

الجزء: 6 - الصفحة: 2769

يتناجزان فيه إلا بمكان ما تأخر قبضه، وهو جُلُّ الصفقة، وهذا إذا عقد على تأخير بعض الصفقة، فإن عقد على المناجزة في الجميع فوجد معه 19 البعض، ثم افترقا على أن يأتي بما عجز، نظرت فإن كان العاجز أقل الصفقة لم يفسخ إلا بقدر ما لم يتناجزا فيه، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى.
واختلف إذا عثر عليها في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يفسخ جميع العقد 20. وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إلا بقدر ما 21 عجز 22. وهذا هو الأصل؛ لأنه إذا عجز أقل الصفقة كان الصرف منعقدًا في الحاضر، ولا خيار فيه لواحد منهما، وإذا كان ذلك، كان التراضي بالبقاء على المصارفة في العاجز، كصرف مبتدأ منفصل من الأول، والفسخ حماية، لئلا يتذرع الناس إلى الصرف المتأخر.
واختُلف فيمن صرف مائة دينار بألف درهم، فوجد معه خمسين دينارًا، ففي كتاب محمد يكون مشتري الدنانير فيما حضر بالخيار بين أن يتمسك به أو يرده، كالطعام يستحق بعضه 23. وخالف أشهب في الطعام، وجعل الجواب فيه كالجواب في العروض، ألا خيار له في رد ما لم يستحق، وعلى هذا لا يكون لهذا خيارٌ في الصرف.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة، فإن قالوا: إن شراء

الجزء: 6 - الصفحة: 2770

النصف والجميع على سعر سواء- لم يكن خيار في الحاضر، وإن قالوا: ذلك يختلف وشراء الجملة أغلى أو أرخص- كان له أن يرد؛ لأنه يقول: إذا كانت الجملة أغلى لم أشتر على سعر غالٍ إلا رغبة في شراء مائة، ولو علمت أنها قليلة لم أشتر إلا بدون ذلك.
وإن كان أرخص قال: حاجتي إلى مائة، فإن تكلفت شراء الخمسين التي عجزت اشتريتها غالية.
وعلى هذا يجري الجواب إذا استحق بعض الدنانير بعد المناجزة، فإن كان المستحق يسيرًا كان الصرف منعقدًا فيما لم يستحق، ولا خيار لواحد منهما، وإن كان أكثر الصفقة كان الخيار للمشتري يرد إن شاء، وإن كان النصف كان له أن يرد على قول محمد، وليس ذلك له على قول أشهب، وقد تقدم وجه ذلك.
وإن كانت الدنانير سككًا مختلفة والدراهم سَكَّة واحدة، فاستحق سكة من الدنانير انتقض ما ينوبها، وإن استحق بعض الدراهم، وكان المستحق النصف- انتقض من كل سكة نصفها 24، ولا تخص بذلك سكة دون الأخرى.
وإن بيعت خلاخل 25 فضة بدنانير، فاستحق بعض الخلاخل 26، فإن كانت جملة عدد استحق زوج منها- انتقض الصرف في المستحق وحده؛ لأن الدراهم سكة واحدة، فإن استُحِقَّ فَرْدٌ رَدَّ المشتري صاحبَهُ معه؛ لأن استحقاق الفرد عيب على المشتري في الباقي، وإن استحق نصف الدراهم انتقض فردٌ من كل زوج من الخلاخيل، ثم كان كل واحد من المتبايعين بالخيار في الباقي بين أن يمسك بها أو يردها، فإن أحب المشتري التمسك كان للبائع أن يقوم بردِّه؛

الجزء: 6 - الصفحة: 2771

لأن الاسترجاع لفرد عيب على البائع في المردود، بمنزلة لو اطلع على عيب في أحدهما، لم يكن له أن يرده إلا وأخوه معه.

فصل [في أحكام الدراهم والدنانير الزائفة في الصرف]

فإن وجد أحدها 27 زائفًا، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يرضى به، أو يقوم ليردَّه فيرضيه الآخرُ بشيء يدفعه إليه على ألَّا يرده عليه، أو لا يرضيه فيرده ويريد أن يبدله له، أو ينقض الصرف.
فإن أحب التمسك به جاز ذلك.
واختلف إذا قام ليرده فأرضاه البائع وتمسك به، وفي البدل فأُجِيزَ ومُنِعَ.
ولا يخلو المتصارفان من ثلاثة أوجه: إما أن يتصارفا على معيَّنين، فيقول: أصارفك هذه الدنانير بهذه الدراهم، أو على غير معيَّنين، فيقول: أصارفك عشرة دنانير بمائة درهم، أو يكون أحدهما معينًا والآخر غير معين.
فإن كانا معيَّنين، فوجد العيب بدنانير أو بدراهم؛ قُدِّر دينار ورُدَّ، وانتقض الصرف 28، ويجوز أن يتراضيا على البدل، ولا خلاف في 29 هذين أن الصرف منتقض بنفس الردِّ، وأن التراضي بالبدل جائز؛ لأنه لما كان معينًا لم يلزم المردود عليه أن يأتي ببدله، فانتقض الصرف 30، وإذا انتقض الصرف كان

الجزء: 6 - الصفحة: 2772

ما تراضيا عليه الآن صرفًا مبتدأً، ولم يجز إذا لم يكن معينًا؛ لأنه يأخذ الآن ما كان عليهما أن يتناجزا فيه اليوم الأول.
وإن كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال: أصارفك هذا الدينار بعشرين درهمًا، فوجد العيب بالدينار 31، فرده- انتقض الصرف، وجاز البدل.
وإن كان العيب بالدراهم لم يجز البدل عند مالك وابن القاسم 32، وأجازه ابن شهاب، والليث، وابن وهب 33. وهو أقيس، إذا كانا قد اختبرا 34 ما تصارفا عليه، وقلَّباه، فما وُجد بعد ذلك فهو من باب الغلبة في الصرف إذا لم يكن دافع الزائف مدلسًا، وأما ما يُحمل الناس عليه اليوم فالمنع والفسخ؛ لأن كثيرًا منهم يعمل على الفساد، ويعطي على غير التغليب؛ ليبدل له بعد ذلك ما وجده زائفًا، فكان حماية هذا الباب أولى.
وإن كان الحكم ألَّا يبدل؛ لأن الصرف على معين ولم يتراضيا بالبدل 35 في فى ينار واحد، ووجد الآخر درهمًا زائفًا- انتقض جميع الصرف إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض ما ينوب الزائف خاصة، وإن كان الصرف دنانير انتقض صرف دينار.
وعلى القول الآخر ينتقض بقدر ما يرد، وإن عاد شريكًا في دينار.

الجزء: 6 - الصفحة: 2773

ويجري فيها قول ثالث: أنه ينتقض جميع الصرف؛ لأنهما لو عقدا الصرف على تسعة وتسعين دينارًا ونصف على أن يسلم المائة ويكون شريكًا بالنصف- لم يجز.
وإن كان يقابل الزائفُ دينارًا واحدًا، ووجد العيب بدينار- انتقض صرف دينار قولًا واحدًا، ويكون حكم ما قابل الزائف حكم الزائد يجده أحدهما عنده؛ لأن الحكم لو علم به قبل الافتراق أن يسقط من الصرف ما يقابله فقط ويرد الزائف، بخلاف غير المعين، فإن كان ذلك قائمًا انصرف أحدهما بزائد معه.

فصل [في أحكام الصلح والبدل في الصرف]

وإن كان الصرف على غير معين، ولم يصح البدل على قول من منعه، فإنه يختلف فيما ينتقض من الصرف إذا كان ينوب الزائف بعض دينار، على أربعة أقوال: فقيل: ينتقض صرف دينار، وهو قول مالك وابن القاسم 36. وقيل: ما قابل الزائف خاصة، وهذا بناء على القول بجواز صرف بعض دينار.
وقال ابن القاسم في العتبية: ينتقض الصرف كله 37. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إن كانا سمَّيا لكل دينار دراهم

الجزء: 6 - الصفحة: 2774

انتقض صرف دينار، وإن لم يسميا انتقض جميع ذلك الصرف ورأى أنهما إذا سميا لكل دينار دراهم أن لكل دينار عقدًا لا يتعلق بالآخر، فلا يفسد ما تناجزا فيه ببطلان غيره 38 ويلزم على هذا أن يقال: إذا كانت صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، وسميا لكل واحد من الثمن ما ينوبه أن يمضي الحلال، ويفسخ الحرام وحده.
وإن لم يرد وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد، ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا، ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسألة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال: فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه نقدًا ولا يرد، وأجاز أشهب نقدًا وإلى أجل، ومنعه سحنون إذا افترقا لا نقدًا ولا إلى أجل 39. وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز إذا كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا نقدًا ولا إلى أجل.
وأن يجوز أحسن، وقد مضى بيان ذلك في كتاب الصلح.
وإن وجد أحدهما عنده زائدًا على ما عقدا عليه الصرف، مثل أن يصارفه على مائة دينار فيجد مائةً ودينارًا، فإنه يرد الزائد؛ لأنه لم ينعقد عليه صرف، ويمضي ما سواه.
ولو تصارفا سوار ذهب بفضة وقبضه بوزن، ثم تبين أنهما غلطا في ذلك، وأن أحدهما أكثر، فإن كانت الزيادة في الدراهم رد الزائد، وصح الصرف فيما

الجزء: 6 - الصفحة: 2775

سواه، وإن كان الزائد في السوار قيل لبائعه: إن تركت الفضل صح صرفكما، ولم يفسخ؛ لأن المناجزة تقدمت على أن جميعه مبيع، فإن قمت فسد الصرف، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فيجيزه ويكون شريكًا بذلك الزائد، ثم يكون كل واحد منهما بالخيار في إمضاء الصرف بعيب الشركة؛ لأنهما لم يدخلا عليها.

فصل [في أحكام المناجزة في الصرف]

المناجزة في الصرف شرط في صحته مع القدرة عليها، ويُختلف إذا غلبا جميعًا أو أحدهما على المناجزة في جميع الصرف أو بعضه، على أربعة أقوال: هل يكون صحيحًا أو فاسدًا، أو يكون الحكم إذا غلبا جميعًا بخلافه إذا كان بغلبة من أحدهما، وهل يفسد جميع الصرف إذا غلبا على بعضه أو ما غلبا عليه؟ فقال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة ذهبٍ ولؤلؤٍ بدراهم نقدًا، وقالوا: هو ذا، نَزِنُ 40 لك، ففَصَلُوا القلادة وباعوا الذهب، وتقاوموا اللؤلؤ، فوضعوا فيها، فلما جاءت 41 الوضيعة وثبوا على صاحبهم وأرادوا فسخ البيع لاستئخار النقد، فقال مالك: لا يرد البيع لاستئخار النقد 42. قال ابن القاسم: وذلك أنهم اشتروا على النقد، ولم يرضَ البائع بتأخيرهم، إنما هو رجل مغلوب، فأمضى مالك وابن القاسم الصرف وإن كانت الغلبة من أحدهما 43.

الجزء: 6 - الصفحة: 2776

ويجري فيها 44 قول آخر: أنه يفسخ الصرف فيه 45؛ قياسًا على قولهم في الزيوف: إنه لا يجوز البدل، ويفسخ جميع العقد؛ لأن كليهما مغلوب.
فإن دلَّس أحدهما بالزائف كان كغلبة المشتري للقلادة 46، فيجوز له أن يبدل كما لم يفسخ ذلك، ويفسخ الصرف في القلادة كما لم يبدل، هذا وإن كانا غلبا جميعًا على المناجزة لمانع منعهما من ذلك فُسخ، كما لو توسط بينهما في الزائف مَن قلَّب لهما، وأنصرفا على المناجزة، ثم تبين غير ذلك.
ويختلف إذا غلبا على المناجزة في بعض الصرف، هل ينتقض جميع الصرف أو ما يقابل ما غلبا عليه؟ وإذا قلنا: إن الصرف منعقد مع فرار أحدهما أو غلبته، فإن ثباته من قِبَل من غلب عليه دون من اختار تأخيره، فإن دعا من غُلب إلى فسخه كان ذلك له، وإن كره الآخر.
وإن افترقا قبل تمام المناجزة لليل غشيهم فسد الصرف، وليس هذا بغلبة؛ لأنهما تعديا 47 في العقد في ضيق من الوقت لا يسعهما للمناجزة، إلا أن يكونا عقدا في اتساع من الوقت ثم طرأ ما منع من المناجزة حتى غشيهم الليل.
والذي آخذ به في الغلبة أنه يمضي، والمعروف من القرآن والسُّنَّة أن الضرورات تنقل الأحكام.
وإن عقدا صرفًا على ما يكثُر وتطولُ مناجزته جاز، وهذه ضرورة ما لم يكن مما لا يتناجزان فيه في بقية يومهم فلا يجوز، وإذا دخل الافتراق فسد.

الجزء: 6 - الصفحة: 2777

فصل [في صرف الدَّين المؤجل]

ومن المدونة قال مالك فيمن عقد سَلَمًا في سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فلما وجب البيع دفع المشتري إلى البائع دينارًا وأخذ دراهم صرفًا عن بقية الدينار، ولم يكن ذلك شرطًا بينهما، قال: لا خير فيه.
قال ابن القاسم: رآه صرفًا وسلعة إلى أجل 48. وقال في كتاب محمد: ومن كان يسأل رجلًا نصف دينار، فأتاه بدينار، فقضى نصفه، وجعل نصفه 49 في سلعة إلى أجل، قال: لا بأس به، قاله ابن القاسم بعد أن وقف عنه.
قال محمد: ما لم يكن النصف الأول دراهم أسلفها إياه 50، ولا نصف دينار مضروب، وأما ثمن سلعة فلا بأس، قال -وقاله ابن القاسم-: إن حل الأجل أو كان حالًّا، فإن لم يحل فلا خير فيه، وكان سلفًا وبيعًا، وضع وتعجل.
انتهى قوله 51. ففرق مالك بين السؤالين، ومنع الأول واتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، لما كانت البيعة الأولى إلى أجل وأجراها على التهم، كبياعات الآجال، ولو سلما عنده من التهمة لجاز؛ لأنه إنما دفع النصف قضاءً، وصارف في نصف، ولا شيء عليهما فيما بينهما وبين الله سبحانه، ولو حمل النصف الذي في الذمة على أنه دراهم لما كان إنما يحكم فيه بدراهم- لم يمتنع أيضًا إذا لم يُتهما أن يكونا

الجزء: 6 - الصفحة: 2778

عملا على ذلك؛ لأنه بمنزلة رجل عليه عشرة دراهم فاشتراها من ذمته، وعشرة أخرى يقبضها بدينار دفعه نقدًا، وذلك جائز، وجاز ذلك في المسألة الأخرى؛ لأنه لا يدخلها صرف، وإنما أخذ دينارًا وأخذ سلعة 52 تقدمت، ويأخذ سلعة بعد ذلك، ووقف ابن القاسم فيه مرة، مراعاةً لمن حمل النصف المتقدم على الورق، لما كان لا يحكم الآن فيه إلا بورق، فيدخله ما دخل المسألة الأولى من أنه ورق وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا، وإذا كان النصف دراهم لم يجز عنده بحال؛ لأن دافع الدينار الآن اشترى به الدراهم التي في ذمته وسلعة مؤجلة بدينار نقدًا.
وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس أن يجوز ذلك، فيجوز أن يعقدا صرفًا وبيعًا في دينار، ويدفع الدينار ويقبض الدراهم، وتبقى السلعة إلى أجل، وأجرى كل واحد منهما على حكمه في المناجزة في الصرف خاصة، وأجاز التراخي في البيع.
قال: ولا يلزم أن يتناجزا في البيع وُيردَّا فيه إلى حكم الصرف، كما لا يجوز أن يردَّ الصرف إلى حكم البيع، لمَّا جمعهما عقد، ولم يجزه محمد إذا كان النصف دينارًا مضروبًا مجموعًا أو تبرًا، والدينار الذي يدفع الآن قائم؛ لأنه يدخله التفاضل والنَّساء، وهو ذَهَبٌ بذَهَبٍ من غير جنسه، وسلعة إلى أجل 53. ولو باع سلعة بنصف دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل دفع إليه المشتري 54 دينارًا وأخذ بقيَّته دراهم- لم يجز على قول مالك؛ لأن الأول بيعة إلى 55 أجل،

الجزء: 6 - الصفحة: 2779

فيُتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون سلعة نقدًا ودراهم إلى أجل بدينار مؤجل، ولا فرق في بياعات الآجال فيما يعودان إليه من ذلك عند عقد البيع أو بعد حلول الأجل، وعند دفع الثمن.
وقد اختُلف فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير إلى أجل، فلما حلَّ الأجل، قضاه عشرة، فوجد في وزنها فضلًا، فأعطاه بذلك ورقًا.
فأجازه في المدونة 56، وكرهه مالك في كتاب محمد في الوَرِق، قال أشهب: فإن نزل لم أفسخه 57، واستخف ذلك مرة، لقلته في جملة العشرة الدنانير 58، ولا يُجيزه في مثل ثمن المبيع الأول، وهو نصف دينار، وأجازه ابن القاسم في القرض، فقال فيمن استقرض نصف دينار دراهم، فقضاه دينارًا وأخذ فضله دراهم: إنه لا بأس به 59. وضعفت التهمة عنده هنا لما كان أصله معروفًا، بخلاف ما خرج على وجه المبايعة، وقد اختُلف فيه أيضًا، وإن كان 60 قرضًا.
وإن اشترى سلعة بعينها بنصف دينار كل ذلك نقدًا، فنقد دينارًا وأخذ فضله دراهم، جاز ذلك إذا كان قد قبض السلعة، ولا يجوز أن يتأخر دفعها عن وقت المصارفة في بقية الدينار، وأجازوا ذلك وإن لم تكن المصارفة، ودفع الدينار بحضرة عقد البيع، وإن دفع الدينار وترك النصف عنده على وجه السلف ولم يصارفه فيه جاز ذلك، كانت السلعة الأولى نقدًا أو إلى أجل.

الجزء: 6 - الصفحة: 2780

باب في بيع الفلوس بالفلوس وبالعين

الربا محرم في العين بالذهب والفضة، واختُلف في الفلوس إذا كانت ببلد يُتبايَع بها فيه، وتجري بينهم كالعين، فأجاز مالك مرة التفاضل فيها، وأن تسلم في العين الذهب والفضة 61، وكره ذلك مرة 62. ورأى مرة أن ذلك حرام التفاضل فيها والنَّساء إذا بيعت بالعين 63. وهذا راجع إلى تحريم الربا في العين، هل هو شرع معلل أو غير معلل؟ فرأى مرة أنه معلل، وأن العلة أنها أثمان السلع وقيم المتلفات، وأجرى الفلوس عليها في التحريم والتفاضل 64. وأشكل عنده ذلك مرة، فلم يحرمه ولم يبحه، فكرهه.
ولم يختلف قوله في الأربع التي جمعها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع العين، وهي: القمح والشعير والتمر والملح 65، أنها معللة، وأن التحريم ليس بمقصور عليها، وقاس عليها غيرها، وأجراها على حكمها في التحريم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2781

باب فيمن عقد صرفًا على ما في ملك غيره، وفيما يكره من التراخي في الصرف ولا يحرم، وفي المواعدة في الصرف والخيار والصرف على التصديق

ولا يعقد المتصارفان صرفًا إلا على ما هو حاضر معهما، ثم يتناجزان بفور العقد، ولا يؤخران ذلك وإن لم يفترقا، ولا يقومان إلى موضع آخر ليتناجزا فيه.
وقال ابن القاسم: إذا عقدا الصرف على ما ليس معهما، عقدا صرف دينار بعشرين درهمًا، ثم التفت أحدهما إلى إنسان إلى جانبه فاستقرض منه دينارًا، والتفت الآخر إلى من بجنبه 66 فاستقرض منه عشرين درهمًا، ثم تناجزا، فلا خير فيه 67. واختلف إذا صارف أحدهما على ما معه، واستقرض الآخر، فقال ابن القاسم: إذا كان ذلك متصلًا بمنزلة النفقة يحملها من كُمه، ولا يبعث رسولًا يأتي بها، فلا بأس به 68. وقال أشهب: لا خير فيه؛ لأنكما عقدتما على ما لا يجوز من غيبة الدينار 69.

الجزء: 6 - الصفحة: 2782

واستثقل ابن القاسم ذلك إذا استقرضا جميعًا، وقال: لا خير فيه 70؛ حماية لئلا يتذرع 71 الناس إلى التأخير في الصرف.
واستخف ذلك 72 إذا استقرض أحدهما؛ لأنه لا يتقى من ذلك مثله إذا استقرضا جميعًا.
ولم يمنع ذلك؛ لأنه صرف على الذمم، وإنما الممنوع أن يعقدا على ما تتراخى مناجزته قبل الافتراق أو بعده.
ولو أن هذين عقدا الصرف ابتداءً على ما يقرضانهما هذان، وقد رضيا لهما بذلك قبل عقد الصرف أو بعده، وقالا: إن أقرضانا أمضينا ذلك وتناجزنا في الصرف، وإن لم يقرضانا فلا صرف بيننا، لم يحرم 73 ذلك، ويكره حماية.
وإن طال ما بين العقد والمناجزة بين المتصارفين إما لغيبة العينين 74 أو لأحدهما، أو قصد التأخير مع بقاء المجلس، أو افترقا أو قاما جميعًا إلى موضع غير الذي عقدا فيه الصرف- فَسَدَ متى وقع الطول بشيء من هذه الوجوه.
واختلف إذا كان التراخي يسيرًا ولم يطل، فكرهه مالك مرة، واستخفه أخرى، فقال في كتاب محمد فيمن صرف دراهم بدنانير، فقال: اذهب بها إلى الصراف فأرى وأزن، قال: أما الشيء اليسير 75 القريب فأرجو ألا يكون به

الجزء: 6 - الصفحة: 2783

بأس 76، قال: وهو يشبه ما لو قاما إليه جميعًا.
فأجاز القيام عن المجلس إذا كان يسيرًا، وعلى هذا يجوز العقد على ما هو غائب عنهما على مثل ذلك القرب 77 إذا كان في ملكه.
وقال مالك في المدونة فيمن يصرف دينارًا من الصراف ويزنه منه، فيدخله الصراف تابوته: لا يعجبني، وليترك الدينار على حاله حتى يخرج دراهمه فيزنها ثم يأخذ الدينار ويعطي الدراهم 78. قال محمد: وليرد ديناره إليه، ثم يتناجزان 79. وكل هذا حماية، ولا يفسد به الصرف.
وقال ذلك ابن وهب في كتاب محمد.
وقال مالك في الحلي يباع في الميراث، ثم يقوم معه صاحبه -يريد: إلى الصراف ليعطيه ثمنه- قال: لا يفارقه 80. قال مالك: ألا تسمع إلى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: وإن استنظرك إلى أن

الجزء: 6 - الصفحة: 2784

يلج بيته، فلا تنظره (1)، قال: قلت: قول عمر يغيب عنه حتى (2) يلج بيته، وهذا معه لا يفارقه، فقال: أرأيت لو سار معه ميلين؟ لا أرى ذلك حتى يعطيه مكانه، وقال: يحمل معه كيسه حتى يعطيه.
ولا يجوز اليوم لمن صرف دينارًا بدراهم أن يودعها بعد المناجزة عند الصراف؛ لأن القصد بتركها أن يبرأ من نقصها ونحاسها، وقد عُلم ذلك منهم، ومحمل قول مالك في الذي قبض من دين له طوق ذهب (3)، فافترقا قبل قبضه الطوق: "لا خير فيه"، على أنه بقي فيه وجه (4) من التوفية وزن أو غير ذلك، ولو لم يبق فيه شيء من التوفية لكانت مصيبته من مشتريه، وإيداعه جائز، بخلاف إيداع الدنانير والدراهم.

فصل [في المواعدة والخيار في الصرف، والصرف على التصديق]

واختلف في المواعدة في الصرف وفي الخيار في الصرف، وفي الصرف على التصديق في الوزن أو الجودة.
فأما المواعدة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فقال مالك وابن القاسم: يكره ذلك 85. وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: يفسخ، ورآه صرفًا فاسدًا، وقاسه على81828384

الجزء: 6 - الصفحة: 2785

المواعدة في العدة؛ لأن كليهما مبايعة.
وقال ابن نافع في السليمانية: لا بأس به، ما سمعت أن أحدًا كرهه.
وفرق بينه وبين المواعدة في العدة، وهو أحسن؛ لأن الوجه في منع المعتدة من النكاح خيفة أن تكون حاملًا، حفظًا للأنساب فمنعت من المواعدة خوف أن تسرع بالعقد في العدة، فيؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب، مع ما عُلم ممن تكون له رغبة في ذلك، ويخشى أن يُسبق إليها، وقلة تثبت النساء في ذلك أن يوقعا العقد في العدة، فحُمي باب المواعدة لذلك، وليس الصرف كذلك؛ لأنهما قادران على العقد في الحال.
ويجري الخلاف المتقدم في المواعدة في الصرف في بيع الطعام قبل قبضه، هل يجوز أو يكره أو يكون فاسدًا؟ واختلف أيضًا في الخيار في الصرف: فقال مالك: هو فاسد 86. وقال في كتاب محمد في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال: أرجو أن يكون خفيفًا، قال محمد: وغير هذا من قول مالك أحب إلينا 87. وفي الزاهي عن مالك في الخيار في الصرف قولان: الجواز، والمنع.
وقد اختلف في هذا الأصل فيما عقد على خيار ثم أجيز، فقيل: يصير كأنه لم يزل منعقدًا من يوم عقداه، وعلى هذا يكون الصرف فاسدًا، وقيل: هو بمنزلة ما لم يتقدم فيه عقد إلا وقت أجيز؛ لأنه قبل ذلك على ملك بائعه

الجزء: 6 - الصفحة: 2786

مصيبته منه، وغلاته له، وعلى هذا يكون الصرف جائزًا.
واختلف في الصرف على التصديق إذا قال: بائع الدراهم هي جياد ووزنها كذا، فأراد مشتريها أن يقبلها على ذلك، فمنعه مالك في كتاب محمد، وأجازه أشهب 88. وكذلك لو باع سوارين، فقال: وزنهما كذا، وأراد مشتريهما أن يقبلهما على ما قاله من غير وزن، فاختلف فيه حسبما تقدم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: والمنع أحسن إذا كان بائع الدراهم أو السوارين غيرَ مأمون، فإن كان ثقة ومن أهل الصرف جاز؛ لأنه يتقي أن يوجد الأمر على خلاف ما قال، ولا يُطلع من مثل ذلك على الرجل الصادق إلا أن يكون نادرًا، والنادر لا حكم له.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن افترقا على التصديق، فوجد زيادة أو نقصًا، فترك صاحب الفضل ما له فيه جاز ذلك 89.

الجزء: 6 - الصفحة: 2787

باب فيمن بادل رجلًا دنانير بدنانير، ثم صرفها منه بدراهم، أو صارفه دنانير بدراهم، ثم باعها منه بدنانير

ومن المدونة قال مالك فيمن بادل رجلًا بدنانير تنقص خروبة خروبة بدنانير قائمة، فلما أخذ وأعطى أراد أحدهما أن يصرف منه دينارًا مما أخذ، قال: لا خير فيه 90. فمنع ذلك خشية أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيدخله دنانير ودراهم بدنانير.
ولو ردَّ جميع ما أخذ من الدنانير بالحضرة، وأخذ دراهم- لجاز؛ لأن حكم المراطلة يسقط، وكان صرفًا صحيحًا.
ولو ردَّ جميعها بعد أن فارقه ولم يطل ما بين ذلك لكره، لإمكان أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون صرفًا مستأخرًا، وإن طال ذلك جاز.
وعكسه أن يكون الأول صرف دنانير بدراهم، ثم يرد الدنانير ويأخذ الدراهم من غير سكة دراهمه؟ فقال ابن القاسم: كره مالك ذلك، فإن كان بعد يوم أو يومين كرهه أيضًا.
قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك فلا بأس به 91. قال الشيخ: أما إن رجع إليه أدنى سكة والوزن سواء، أو أدنى سكة وأقل وزنًا 92 جاز، ولا تهمة في هذا.
وإن رجع إليه أجود سكة والوزن سواء، أو أجود سكة وأكثر وزنًا 93 - جاز أيضًا؛ لأنه ليس فيه تهمة على صرف، والتهمة

الجزء: 6 - الصفحة: 2788

فيه من باب سلف بزيادة، وهذا الوجه تدخل التهمة فيه في بياعات الأجل، وهذه بيعة نقد، وإنما تدخل التهمة في بيع النقد لو رجع أمرهما إلى تفاضل في الجنس الواحد أو صرف مستأخر.
فإن كانت إحداهما أجود فضة، والأخرى أجود سكة نظرت، فإن اختلف الوزن لم يجز ذلك في الحضرة ولا بعد يوم أو يومين، وهو ربًا، وإن استوى الوزن جاز ذلك إذا لم يفترقا؛ لأن أمرهما عاد إلى المراطلة، وهما لو اعترفا أنهما عَمِلا على ذلك لجاز، وإن افترقا ولم يطل منع وفسخ، وإن طال مضى.
وقال مالك: لو أن رجلًا كان يسأل رجلًا ذهبًا فأتاه بها فقضاه فردها إليه مكانه في طعام، أو كان لرجل على رجل ذهب، فأسلم إليه مثلها في طعام، ثم ردها إليه قضاءً من دينه: إنه لا خير فيه، وهو يشبه الصرف 94. يريد: أنه تدخله التهمة كما تدخل الصرف، إلا أن التهمة ها هنا في فسخ الدَّيْن في الدَّيْن؛ لأن المعاملة الثانية بيع أجل، وإن نزل ذلك رُدَّ ما فعلاه أخيرًا، فإن كان الأول قضاء فرده في سلم- فسخ السَّلَم، وإن كان الأول سَلَمًا ثم قضاه- رُدَّ القضاء ومضى السَّلَم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2789

باب فيمن اشترى سيفًا مُحَلَّى نصله تبعٌ لحليته

ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اشترى سيفًا مُحَلًّى نصله تبع لفضته 95 فقبضه وافترقا قبل أن يدفع ثمنه، ثم باعه مشتريه: كان بيعه فوتًا، وعليه للأول قيمته من الذهب، وإن كان بيده ولم يتغير رد البيع فيه، وإن حال سوقه فليس ذلك بفوت، وإن انقطع السيف أو انكسر الجفن كان فوتًا، وعليه قيمة حليته 96. قال الشيخ: إذا كان نصل السيف تبعًا لحليته جرى في البيع على حكم الصرف، فيباع بخلاف حليته يدًا بيد، ولا يباع بجنس حليته يدًا بيد ولا مؤجلًا، فإن فعل أو اشتراه بخلاف حليته فافترقا قبل أن ينقده- اشتراه بمثل حليته يدًا بيد أو مؤجلًا- فسخ ذلك إن كان قائمًا.
واختلف فيه إذا فات، وفيما يفيته: فرأى ابن القاسم أن الذي يفيته البيعُ، أو تغيره في نفسه، بأن ينقطع السيف أو ينكسر الجفن، ولا يفيته حوالةُ الأسواق 97. وقد خولف في هذه الوجوه الثلاثة، فقال محمد: القياس في حوالة الأسواق أنها فوت.
وذكر عن ابن القاسم أنه قال في الحلي يباع جزافًا بيعًا فاسدًا: أن حوالة الأسواق فيه فوت 98.

الجزء: 6 - الصفحة: 2790

وهذا اختلاف قول من 99 ابن القاسم؛ لأنه إذا كان ذلك فوتًا في الحلي، وهو ذهب بغير عرض- كان في السيف أحرى؛ لأنه عرض وذهب، أو فضة جزاف.
وخالف سحنون فيما إذا باعه أو انكسر عنده، وقال: إذا باعه تُرَدُّ فيه البياعاتُ كلُّها حتى يُرَدَّ إلى ربِّه؛ لأنه من باب الربا إلا أن يتلف البتة ويذهب، فيكون على مشتريه قيمةُ الجفن والسيف 100 ووزنُ ما فيه من الفضة.
قال: وكذلك إذا انقطع السيف أو انكسر الجفن فإنما عليه قيمة النصل والجفن ووزن الفضة 101. وهذا أصل سحنون في كل بيع حرام مجمع على تحريمه أنه لا ينعقد فيه بيع، وأنه إن هلك بيد مشتريه من غير سببه، وله بذلك بينة- كانت مصيبته من بائعه، ولذلك 102 لم يرَ البيع الثاني فيه فوتًا؛ لأنه عنده بمنزلة من باع ملك غيره؛ لأنه في ضمان الأول، فيكون له أن يرد البياعات كلها، وله أن يجيز البيع في أيها أحب، ويأخذ الثمن.
وإن بان به مشتريه لم يكن على المشتري الأول الذي اشتراه شراءً فاسدًا إلا الثمن الذي باعه به، كالمستحق يبيعه مشتريه فإنه ليس عليه سوى الثمن الذي باعه به، وإن لم يوجد بيد المشتري الأول وادَّعى ضياعه ولا بينة له على ذلك-

الجزء: 6 - الصفحة: 2791

ضمن قيمة النصل والجفن، ووزن الحلية مصوغًا؛ لأنها صياغة عُملت بوجه جائز، وهذا هو أحد قولي مالك أنه يقضى في الصياغة بالمثل، ولو كانت الحلية موجودة وعلم أن فساد الصياغة من غير سببه سلمها بحالها، ولا شيء عليه في ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2792

باب في الوكالة والحمالة والحوالة في الصرف

وإذا عقد الرجلان صرفًا لم يكن لأحدهما أن يُدخل في ذلك وكالة ولا حمالة ولا حوالة.
قال مالك في المدونة فيمن صرف دينارًا بعشرين درهمًا، فقبض عشرة، وقال له: ادفع العشرة الأخرى إلى هذا الرجل: قال لا يعجبني ذلك حتى يقبضها هو منه، ثم يدفعها إلى من أحب 103. وقال فيمن صارف رجلًا، ثم وكل أحدهما من يدفع عنه ويقبض له، وقام هو وذهب: لا خير فيه، قال: ولا أحب لرجل أن يصرف ويوكل من يقبض له، ولكن يوكل من يصرف له ويقبض 104. وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عن مالك: لا يجوز.
وقال في كتاب محمد: لا أحب ذلك، ولا يعجبني 105. وقال ابن القاسم 106 في كتاب محمد: ولو أن رجلين أتيا بدينار أو بدراهم 107 فصرفاها بدينار واحد بينهما، فوكل أحدهما صاحبه بقبضه وانقلب - كان ذلك جائزًا، والحلي كذلك لا بأس أن يوكل أحدهما صاحبه أن يشتري نقرة فضة بذهب بينهما، وينقلب بها أحدهما 108.

الجزء: 6 - الصفحة: 2793

ومحمل قوله: "لا أحب ذلك، ولا يعجبني" أنه على الكراهة، وليس على الوجوب، ولا يفسد به الصرف؛ لأن الوكالة فيمن يقوم مقامه في الدفع والقبض مع حضوره لا يفسد به 109 الصرف.
وإذا لم يفسد قبل الافتراق لم يفسد بعده 110؛ لأنه لا يخلو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" 111 أن يكون المراد به أن يكون 112 المُصرِف هو الدافع وهو القابض، فيكون فعل الوكيل قبل الافتراق فاسدًا.
أو يكون المراد: أن يكون التقابض معًا، كانت اليد المصرفة هي الدافعة أو غيرها، فتجوز الوكالة إذا فعل الوكيل بالحضرة ما كان يفعله الموكل قبل الافتراق.
وأما الحوالة بما يقع عليه الصرف ففاسدة؛ لأن معنى الحوالة أن تبرئني 113 من دَيْنك بما لي قِبَلَ الصيرفي.
وأما الحمالة فهي على ثلاثة أوجه: فإن كانت بما يحضره أحدهما كان الصرف فاسدًا، وإن كانت بما يستحق مما يتناجزان فيه الآن، فيغرم الحميل 114 العوض عن المستحق- جاز ذلك، وإن كان ليغرم مثل المستحق جرى على الخلاف في البدل.

الجزء: 6 - الصفحة: 2794

باب فيمن له على رجل دراهم فوكله على أن يصرفها له بدنانير، وكيف إن وكل الذي عليه الدَّيْن الذي له الدَّيْن فدفع إليه عرضًا أو دنانير ليبيعها وليصرفها، ويأخذ دراهمه منها

ومن المدونة قال مالك فيمن له على رجل دراهم، فقال له: صَرِّفها لي بدنانير وجئني بها: أنه 115 لا خير فيه.
قال ابن القاسم: كره ذلك؛ لأنه يتهم أنه إنما ترك له الدراهم يومًا أو يومين على أن يعطيه كذا وكذا دينارًا، أو يكون تأخيره 116 ليشتري بها فيَدْخُلُهُ فسخُ الدَّيْن في الدَّيْن، والصرف المستأخر، فإن فعل وصرفها ببينة كان ما صرفت به للآمر 117. ويختلف إذا لم تكن له 118 بينة، فعلى قول ابن القاسم يكون ما صرفت به للمأمور، وعلى قول أشهب يكون للآمر 119. وقد اختلفا فيمن كان له على رجل دَيْن فقال له: اعمل به قراضًا، فأتى بعد ذلك بربح، فقال ابن القاسم: الربح للعامل، وقال أشهب: الربح بينهما على ما اشترطا 120.

الجزء: 6 - الصفحة: 2795

وأرى أن تكون الدنانير للآمر؛ لأن التهمة في ذلك ليست بالبينة، والمنع في ذلك ابتداء حماية، فإن فعل وأتى بدنانير لم أَحُلْ بين المقر له بها وبينها 121 من غير دليل تهمة.
وإن كانت الوكالة من المطلوب ودفع إلى الطالب عرضًا ليبيعه له بدارهم ويستوفيها لنفسه- جاز إذا كان العرض الثاني من غير جنس المبيع أولًا، وإن كان من جنسه وهو أدنى صفة أو أقل عددًا جاز، وإن كان أجود أو أكثر عددًا لم يجز، ويتهمان على سلف بزيادة إذا كانت البيعة الأولى بيعة أجل، ولو كان البيع الأول نقدًا لجاز على المستحسن من المذهب.
واختُلف إذا أعطاه دنانير ليصرفها له، ويستوفي دراهمه من ثمنها، فقال مالك: لا يعجبني ذلك، وأخاف أن يحبس الدنانير لنفسه.
قال ابن القاسم: استثقله مالك وكرهه 122. وقال مالك في سماع أبي قرة: لا بأس أن يدفع الرجل إلى الرجل الدنانير ويقول له: صَرِّفها وخذ حقك منها لدراهم يسأله إياها.
وقال في كتاب محمد فيمن كان له على رجل نصف دينار فأعطاه دينارًا، فقال له: صَرِّفه واستوفِ نصفه وجئني بنصفه: لا بأس به، وقد كان قال: لا خير فيه 123. فأجاز ذلك في هذه المسألة؛ لأن له ذهبًا، فإذا أعطاه دينارًا كانا شريكين فيه من الآن، ومنعه 124 لما قيل إن النصف الذي في الذمة دراهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2796

والقول: إنه ذَهَبٌ أحسن.
ولو أَسْلَم رجل لرجل 125 في طعام، فلما حلَّ الأجل قال له: بعه وجئني بثمنه، فإن فعل وكاله وباعه ببينة كان الثمن الذي أتى به للآمر، وإن كان الذي أتى به أكثر من الأول، وإن لم يكن على ذلك بينة وأتى بدراهم أو بدنانير هي أكثر من رأس المال- لم يجز ذلك؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله في الدراهم الصرف المستأخر، وفي الدنانير السلف بزيادة، ووافق أشهب على هذا؛ لأن التهمة عادت إلى ما كان في أصل العقد، وهي بيعة أجل 126. ويختلف إذا أتاه بمثل رأس المال أو أقل، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدَّيْن في الدَّيْن 127. ويجوز على أصل أشهب؛ لأن ما يفعلانه الآن يجري عنده على بياعات النقود؛ لأن العقد قد سلم من التهمة.
وإذا منعا من قبض ما أتى به؛ لأن التهمة كانت في أصل العقد كانت الدنانير والدراهم للمأمور.
واستحسن أن يشتريا بها مثل الطعام الذي كان في الذمة، فإن فضل بعد ذلك فضل تصدَّق به، ولم يُترك للمُسْلَم إليه؛ لأنه مقر أنه لا شيء له فيه، وإن لم يوفِ لم يكن عليه غير ما اشترى به قياسًا على قول ابن القاسم في العتبية فيمن

الجزء: 6 - الصفحة: 2797

كان له على رجل دَيْنٌ، فقال له: اشترِ لي به سلعة، فقال: اشتريتها وضاعت، فقال: القول قوله 128. وإذا برئت ذمة هذا بقوله: اشتريت، برئ الآخر من النقص.
وإن كانت الوكالة من المُسْلَم إليه، فإن اشترى ذلك ببينة كان المُشتَرَى لمن له السَّلَم، وإن لم تكن له بينة، وكان الذي أخذه من الغريم ليشتري به أكثر من رأس المال- لم يجز، وكان على القابض أن يرد مثل ما أخذ من الدنانير، ويكون الطعام مشترى له.
وإن كان الذي أخذ مثل رأس المال جازت الوكالة، ولم يكن ها هنا تهمة؛ لأنهما لو شاءا لجعلا ذلك إقالة، وأخذها لنفسه، بخلاف أن تكون الوكالة من الذي له الدين، فيأتيه المُسْلَم إليه بمثل رأس المال، فإنه يمنع، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة مستأخرة.
واختُلف إذا كان الذي أخذ الطالب بدون رأس المال: فمنعه ابن القاسم؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فتكون إقالة على أقل من رأس المال 129. وأجازه أشهب في كتاب محمد؛ لأن التهمة ليست في أصل العقد، وإنما هي فيما يفعلانه الآن، فيرده إلى بياعات النقود 130.

الجزء: 6 - الصفحة: 2798

ومثله لو أعطاه مثل رأس المال فرد الطالب بعضه، وقال: فضل هذا بعد ما اشتريت، لم يجز على قول ابن القاسم.
وجاز على قول أشهب، وإن قال: بقيتْ عليك بقية لم يجز على قوليهما جميعًا.

فصل [في الصرف والمقاصة فيه]

وقال ابن القاسم في المدونة في صيرفي له على رجل دينار فأتاه المطلوب بعشرين درهمًا صرف بها منه دينارًا، فلما وجب الصرف أحب الصيرفي أن يحبس الدينار عن ديناره وأبى الآخر، قال: إذا تناكرا لم يكن ذلك له، وكان عليه أن يدفع الدينار، ثم يتبعه 131. وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك للصيرفي أن يحبسه عن ديناره على ما أحب الآخر أو كره.
فجعل له أن يحبسه عن ديناره؛ لأنه الحُكْم لو رفع ذلك إلى حاكم أن يجعل له أن يحبسه عن ديناره.
وكذلك لو كان على المطلوب غرماء لكان له أن يحبسه إذا كان قائم الوجه لم يفلس؛ لأنه لو قام به إلى الحاكم لقضى له بحقه إذا لم يقم بقية الغرماء بتفليسه، وليس في كلام ابن القاسم ما يرد قول أشهب، وقد يحمل قوله: "إذا تناكرا" أن المطلوب أنكر أن يكون له عليه دينار.
واختُلف إذا صارفه على أن لا يستوفي ديناره هذا منه، فقيل: ذلك جائز،

الجزء: 6 - الصفحة: 2799

وله حبسه وشرطه باطل.
وقيل: ليس له أن يحبسه من ديناره، ويدفعه، ثم يقوم بحقه حسبما شرط.
وقيل: ذلك فاسد؛ لأنه صرف على تأخير حق.
وليس هذا القول بالبين؛ لأنه لم يشترط أن يؤخره بالحق الأول، وإنما شرط أنه لا يقبض دينه من هذا الدينار، فيقال له: ادفعه وقم بحقك.

فصل [فيما يجوز من صرف الدَّيْن أو شراء عرض به]

ومن استقرض من رجل دراهم على الحلول، ثم صرفها منه بدنانير- لم يصلح ذلك؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عملا على ذلك وجعلا ذكر هذا القرض محلًا 132. فإن اشترى منه بها سلعة معينة أو أسلمها في عرض جاز ذلك، ولا يؤخر قضاء القرض إذا أعادها إليه في سلم، فيدخلهُ تأخير رأس مال السَّلَم والدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض إلى أجل، ثم اشترى منه به سلعة نقدًا جاز ذلك، ويكون بمنزلة من اشترى سلعة بعينها بثمن إلى أجل، فإن أعادها إليه في سلم لم يجز، وكان الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض عوضًا إلى أجل فباعه منه بثمن نقدًا جاز، ولا يجوز إلى أجل، فيدخله الدَّيْن بالدَّيْن، وإن كان القرض على الحلول، فباعه منه بثمن نقدًا أو إلى أجل لم يجز إلا على قول 133 من أجاز السَّلَم على الحلول.

الجزء: 6 - الصفحة: 2800

باب في الصرف من النصراني والسَّيِّد من عبده

ومن المدونة قلت 134: أرأيت عبْدًا لي صيرفيًّا نصرانيًّا، أيجوز لي أن أصارفه؟ قال: نعم، وعبدك وغيره من الناس سواء 135. قال الشيخ: الرِّبا بين المسلم والنصراني محرم، كما يحرم بين المسلمين، وكذلك إذا كان المسلم غير بالغ والكافر بالغًا فذلك حرام؛ لأن الإجازة إلى ولي الصغير فكان العقد منه، ولو لم يكن له ولي ولم ينظر في ذلك حتى بلغ وصار الأمر إليه لفسخ، وفيه نظر.
وقال مالك: أكره أن يكون النصراني في أسواق المسلمين، لاستحلالهم الربا وعملهم به 136، وأرى أن يقاموا من أسواق المسلمين 137. قال الشيخ: قد تغير أمر الناس اليوم، وكثر العمل بالرِّبا من غير النصارى 138، وإذا كان ذلك، وكان 139 رجلان يعملان بالربا أحدهما مسلم والآخر نصراني- كان الصرف من النصراني أحسن؛ لأنه غير مخاطب بتحريم الربا على الصحيح من المذهب، ولأنه لو 140 أسلم لحل له ما في يديه كان ذلك عن ربًا أو ثمن خمر 141، ولو تاب المسلم لم يحل له إمساك ما في يديه من ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2801

فصل [حكم الربا بين السيد وعبده]

اختُلف في الربا بين السيد وعبده، فمنعه ابن القاسم ها هنا 142. وقال ابن وهب: لا بأس به.
والاختلاف في ذلك راجع إلى مبايعته إياه، هل هي مبايعة في الحقيقة، أو انتزاع مال 143 من السيد، ويكون العِوَض 144 المأخوذ عن ذلك البيع كالهبة؟ وقال ابن القاسم فيمن أعتق عبده على عبد في يديه: إن ذلك 145 انتزاع، ولا رجوع للسيد على العبد متى استحق ذلك من يده أو اطلع فيه على عيب 146. وقال في العبد يكاتب سيده على رهن: إنه ليس برهن، ولا مقال للعبد فيه متى فلس أو مات، قال: وإنما هو انتزاع من السيد بمنزلة ما لو أنه كاتبه على أن يسلفه العبد دنانير 147. ولم ير أن ذلك ربًا إذا كانت الكتابة على سلف.
وقال غيره: ليس ذلك بانتزاع.
على هذا يجري 148 الجواب إذا أخذ منه دينارًا ليدفع إليه عنه دراهم بعد

الجزء: 6 - الصفحة: 2802

شهر، أو باعه دينارًا بدينارين، فعلى القول: إنه انتزاع يجوز ذلك، ولا شيء للعبد متى فلس السيد، وعلى القول الثاني: إنه ليس بانتزاع، فيحرم جميع ذلك.
وهو أحسن؛ لأن العبد عندنا مالك، وإذا كان مالكًا فقال السيد: أبايعك في هذا ولا أنتزعه منك كانت مبايعة حقيقة.
وإن كان على العبد دَيْنٌ امتنع الانتزاع، وجرى في جميع ذلك على حكم 149 البياعات، ويحرم فيما بينه وبين السيد ما يحرم بينه وبين غيره ممن ليس هو له بعبد.

الجزء: 6 - الصفحة: 2803

باب [فيمن اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا، وأخذ بقيته فضة، أو اشترى سلعة ببعض دينار فدفع دينارًا وأخذ بقيته ذهبًا]

ومن اشترى من اللحَّام أو الحنَّاط، أو السقَّاط ببعض درهم، أو اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا واحدًا 150 وأخذ بقيته دراهم صغارًا، جاز ذلك له 151 إذا كان الذي يرجع إليه الثلث فأقل، ولا يجوز إذا كان الذي يرجع إليه 152 الأكثر الثلثين أو نحوهما.
واختُلف في النصف، فأجازه مالك وابن القاسم في المدونة 153، ومنعه ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد 154. وقال مالك: وكنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق.
وقد كان الأصل ألا يجوز إلا في الثلث فأقل، كما قال في الثمار في اكتراء 155 الدار 156. ولم يجزه أبو محمد عبد الوهاب إلا فيما قلَّ وكان تافهًا، فقال: لا يجوز صرفٌ وبيعٌ إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز

الجزء: 6 - الصفحة: 2804

الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقيمته، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة، فلم يجز ذلك في الدرهم إلا في اليسير إذا كان الدرهم لا يجوز كسره 157. وذكر أشهب عن مالك في كتاب محمد: أنه كان يكرهه جملة في القليل والكثير، قال: كنا نحن نكرهه، ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم خففناه؛ لأن الناس لا يطلبون به صرفًا 158. وقال في المدونة: لأنها نفقات لا تكاد 159 تنقطع، ولما للناس في ذلك من المرفق وقلة غناهم عنها 160. وقال أشهب: إنما يجوز ذلك عندي بالمدينة، وأما كل بلد يتعامل فيه بالفلوس، فلا يجوز 161. وقول مالك أحسن؛ لأنهم أجازوا ذلك وإن كانت تجوز في أيديهم الدراهم الصغار المقطعة، ويلزم أشهب ألا يجيز 162 ذلك وإن لم تجز 163 عندهم الفلوس؛ لأن صاحب الدرهم قادر على أن يصرفه بصغار، ثم يشتري بالصغار إن أحب، وإذا أجاز 164 ذلك مع القدرة على أن يأخذ فيه صغارًا، جاز

الجزء: 6 - الصفحة: 2805

وإن كانوا يتبايعون بالفلوس- ولو كان الذي يرجع إليه فضة غير مسكوكة لم يجز.
وقال محمد فيمن اشترى قمْحًا بثلثي دينار فدفع دينارًا، وأخذ قطعة ذهب منقوشة: أكره ذلك 165. وفرق بين أن يرجع ثلث الدرهم فضة وثلث الدينار ذهبًا؛ لأن السعر في الدراهم الصحاح والصغار سواء، وسعر ثلث الدينار الصحيح بخلاف سعره إذا كان قطعة، فاتقى أن يكونا عملا على ذلك، فيكون دينارًا صحيحًا بقمح وقطعة ذهب، وذلك ربًا، ولا شيء عليهما في ذلك فيما بينهم وبين الله سبحانه إذا لم يعملا على ذلك؛ لأن الثلثين قضاء، والثلث مراطلة بوزنه.
وقال مالك في المدونة فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير مجموعة، فوزنها ليقضيها، فكان في وزنها فضل، فأخذ في ذلك عرْضًا أو وَرِقًا: فلا بأس به 166. وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إن أخذ في الفضلة ذهبًا لم يصلح، ولو كان ذلك خروبة واحدة كان ذلك من بيع أو سلف، قالا: ويدخله في البيع سلعة وذهب بذهب، وفي السلف ذهب أقامت عنده شهرًا وذهب يدفعها الآن بذهب يأخذها منه.
قال أشهب: وهو في السلف أخف، ولا بأس به في السلف ولا خير فيه من بيع 167. وقال مالك: لا يعجبني أن يعطيه في الزيادة وَرِقًا، كما لم يعجبه أن يعطيه ذهبًا 168.

الجزء: 6 - الصفحة: 2806

قال أشهب: وإن نزل لم أفسخه 169. قال مالك: وأما النقصان فلا بأس أن يعطيه فيه 170 ما تراضيا عليه من شيء من الأشياء، وأن يترك النقصان على حاله 171. وأجازه مالك في موضع آخر في الذهب كان من بيع أو غيره، فقال فيمن كان له دينار ناقص على رجل، فأعطاه دينارًا تامًا فجعل معه قطعة ذهب حتى تم العدل: لا بأس به 172. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن أتى بدنانير جعفرية بعيونها فضل، فصارف بها دنانير صحاحًا نقصًا، وجعل مع الجعفرية قراضة حتى اعتدل الميزان، مثل الثلث والسدس: لا بأس به إذا لم يعين فضل عيون الجعفرية، وإن كانت القراضة قدر الدينار فلا خير فيه 173. فاستخفا ذلك إذا كان يسيرًا في جملة الدنانير، بخلاف الدينار الواحد 174. والاقتضاء ها هنا أخف من مسألة ابن القاسم في المراطلة 175؛ لأنهما لا يتهمان أن يكونا عملا على ذلك في الاقتضاء لقلته، ويتهمان في المراطلة أن يكونا شرطا ذلك في أصل البيع.

الجزء: 6 - الصفحة: 2807

باب [فيمن غصب دنانير أو خلاخل، ثم صارف المغصوب منه فيها بدراهم، أوغصب جارية، تم اشتراها من صاحبها]

ومن غصب دنانير وغاب 176 عليها فإنه يجوز له أن يصارف 177 المغصوب منه فيها بدراهم إذا انتقدها وإن لم تحضر الدنانير؛ لأنها في ذمته بالغيبة عليها، وصرف ما في الذمة جائز.
وإن غصب خلاخل فضة لم يجز أن يصارف المغصوب منه فيها إلا أن يحضرها، لئلا يكون أتلفها فتلزمه قيمتها.
والقيمة فيها بالذهب والبيع بالذهب، فإن باعها بأكثر من القيمة أو أقل دخله الرِّبا وبيع الذهب بأكثر منه.
واختلف إذا غصب جارية ثم اشتراها من صاحبها، فقال ابن القاسم: أرى ذلك جائزًا إذا وصفها؛ لأنه ضامن لما أصاب الجارية قبل وجوب البيع وبعده 178. وقال محمد: يجوز إذا انتقد القيمة ووقف الزائد.
وقال سحنون: لا يجوز بيعها؛ لأنه لا يدري ما باع، القيمة أو الجارية؛ لأنه بالخيار، فإما أغرمه القيمة، وإما أتبعها حيث كانت، فإذا اختار إغرامه القيمة وعرفوها 179 جاز أن يبيع منه

الجزء: 6 - الصفحة: 2808

تلك القيمة ويتعجل 180. قال الشيخ: لا يخلو أن يبيع منه الجارية بدنانير أو بدراهم أو بعرض، فإن باعها بدنانير من السكة التي الشأن أنها تباع بها بمثل القيمة فأقل- جاز، وإن شرط النقد.
فإن باع بأكثر من القيمة، قيل له: الأمر متردد في الجارية بين ثلاث: بين أن تكون سالمة، أو هالكة، أو حدث فيها عيب، فإن بيعت على أنها إن كانت هلكت أو حدث فيها عيب ضمنته جاز البيع إذا انتقدتَ القيمة، فإن تبين أنها كانت هلكت أو حدث بها عيب لم يكن لك سوى ما انتقدت، وإن كانت سالمة أخذت الفاضل، وإن بعت على أنها إن كانت هلكت ضمنت، وإن حدث فيها 181 عيب كنت على ما تراه من التضمين أو أخذها، لم يجز البيع وإن لم تنتقد إلا القيمة؛ لأنها تكون تارة بيعًا إن اختار إجازة البيع، وتارة سلفًا إن اختار الرَّدَّ.
وإن باع بدراهم لم يجز على أن ينتقد شيئًا؛ لأنها من غير جنس القيمة، فهو بائع حقيقة، ويجوز ذلك على غير النقد، فإن سلمت انتقدت الدراهم، وإن هلكت أغرمه القيمة من الدنانير، وإن حدث عيب كان بالخيار بين أن يضمن ويأخذ القيمة دنانير أو يأخذها معيبة، إلا أن يرضى بها المشتري معيبة، فيكون ذلك له، ولو أحب بيعها بدنانير على أن يرفع حكم الغصب عنه، والقيمة عشرة والبيع بخمسة عشر- لم يجز وذلك غرر؛ لأنه إنما أسقط عنه عشرة لمكان الخمسة التي زاده، فإن سلمت كان البائع قد أخذ الخمسة بالباطل، ولو علم

الجزء: 6 - الصفحة: 2809

الغاصب بسلامتها لم يشترها بأكثر من عشرة، وإن هلكت كان الغاصب قد انتفع بسقوط الضمان لما أطمعه من الخمسة عند رجاء السلامة.
وعلى هذا يجري الجواب إذا باعها بعرض، وعليه تكلم سحنون إذا بيعت بغير الصنف الذي تُقَوَّمُ به.
وقال ابن القاسم: هو ضامن لما أصاب الجارية بعد البيع 182. ولم يبين هل يضمنها بالثمن، أو بالقيمة التي كانت يوم الغصب؟ والذي يقتضيه أصله أنه يضمنها بالقيمة؛ لأنه يقول في الغائب يُشترى: مصيبته من البائع.
فمن حق الغاصب على البائع التوفية، فإن هلكت قبل وصوله إليها 183 كانت عليه بالقيمة المتقدمة، وعلى القول إن مصيبة الغائب بعد العقد من المشتري تكون هذه مضمونة بالثمن.

الجزء: 6 - الصفحة: 2810

باب [فيمن أودِع دراهم أو رهنها، ثم صارف صاحبَها فيها، أو صرفها من غيره لنفسه أو لصاحبها

184] وقال ابن القاسم فيمن أُودِعَ دراهم أو رهنَها ثم لقي صاحبها فصرفها منه: لم يجز ذلك إلا أن يحضرها 185. قال في كتاب محمد: أرأيت لو قامت البينة على هلاكها أكانت تكون في ضمانه؟ إنما تكون من صاحبها 186. فمن ها هنا كرهه مالك، فرأى أنه بقي فيها حق التوفية حتى يصل إليها المودع ويقبضها من نفسه.
وقال أشهب في كتاب محمد: ذلك جائز في الوديعة والرهن 187. ورأى أنها مقبوضة ولا يحتاج إلى توفية، لما كانت تحت يده، وهو في الرهن على أصله أبين؛ لأنه يقول: هو ضامن له وإن قامت البينة على ضياعه.
وكذلك قال ابن القاسم فيمن كانت عنده وديعة فيتصدق صاحبها عليه بها، فقال: قد قبلت أن ذلك قبض، بخلاف أن تكون تحت يد غيره 188. وهذالخلاف إذا صرفها ولم يذكرا 189 رفع الضمان ولا بقاءه، فأما

الجزء: 6 - الصفحة: 2811

إن شرطا 190 أنها في ضمان بائعها حتى يصل إليها المودع ويقبضها كان فاسدًا قولًا واحدًا.
وإن شرطا رفع الضمان وأنها من المودع بنفس الصرف كان جائزًا، ولا خلاف في هذين الوجهين، وإنما الاختلاف إذا أطلقا 191 الأمر.
وإن صرفها المودع عنده لنفسه وهي دنانير بدراهم، ثم أتى صاحبُها فأَحبَّ أن يأخذ الدراهم التي صرفت بها لم يكن ذلك له، وإنما له مثل دنانيره.
واختُلف إذا صرفها المودعَ لصاحبها فأراد صاحبها أن يجيز ذلك، فقال محمد: لا يحل ذلك وتباع الدراهم حتى يستوفي منها 192 دنانيره، فإن كانت أكثر فله، وإن كانت أقل فعلى المتعدي 193. وقال ابن القاسم في المنتخبة فيمن وكَّل من يقبض له دنانير فصارفه بها، أو أخذ بها 194 عرضًا، فقال: إن رضي رب المال جاز، وإلا فُسِخَ 195. وقد اختُلف في هذا الأصل في المدونة فيمن تحمل بدنانير فدفع عنها 196 دراهم بغير أمر المتحمل عنه، فقيل: ذلك جائز، لما كان القصد من الحميل المعروف والتخفيف عن الغريم 197.

الجزء: 6 - الصفحة: 2812

وهو أحسن في مسألة الوديعة؛ لأن المصرف منه لم يدخل على خيار، ولا يجوز في مسألة الوكيل؛ لأنهما جميعًا -الوكيل والمصرف منه- دخلا 198 على خيار صاحب الدنانير.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن استودع حنطة فاشترى بها تمرًا 199، فأجاز ذلك المودِع وأراد أن يأخذ الثمن: إن ذلك له 200. وفرق بين الطعام والدنانير، ورأى أن الطعام تختلف فيه الأغراض، وقوله في كتاب الوديعة إذا تسلف الطعام المودَع أو خلطه بطعامه خلاف قوله ها هنا، وأجراه في كتاب الوديعة مجرى الدنانير إذا صرفها لنفسه 201. فعلى هذا يكون التمر للمودع، وعليه مثل القمح.
ويختلف أيضًا إذا باعه لصاحبه بتمر فأحب أن يجيز، فعلى قول محمد: يباع التمر ويُشترى به قمح، فإن فضل شيء كان لصاحب الوديعة، وإن عجز كان على المتعدي التمام.
وعلى قول ابن القاسم يجوز له 202 أن يأخذ التمر 203.

الجزء: 6 - الصفحة: 2813

باب [في الصرف والبيع في عقد واحد]

قال مالك: لا يجوز صرف وبيع، ولا نكاح وبيع، وكذلك المساقاة والجُعل والقراض والشركة، لا يجمع 204 عنده شيء من ذلك إلى البيع 205. وقد اختلف في جميع ذلك، وقد تقدم في كتاب النكاح الثاني ذكر الاختلاف في النكاح والبيع، وفي كتاب الجُعْل ذكر الاختلاف في البيع والجُعْل، وفي كتاب البَيْعَتَيْن بالخيار الاختلاف في بيع بَتٍّ وخيار في عقد واحد.
ويختلف في البيع والمساقاة على مثل ذلك، فأما الصرف والبيع فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يجوز ذلك في دينار واحد، وسواء كان البيع والدراهم متكافئين ينوب كلَّ واحدٍ منهما نصفُ الدينار، أو كان أحدهما تبعًا للآخر، ولا يجوز في دينارين إذا كان الذي ينوب الصرف دينارًا، والذي ينوب البيع دينارًا، وإذا كان الصرف الأكثر أو البيع الاكثر جاز؛ لأن الصرف والبيع في دينار وما سواه صرف محض، أو بيع محض، وكذلك إذا كثرت الدنانير، وإن كان الصرف والبيع في دينار وما سواه بيع كلُّه أو صرف 206 كلُّه جاز، مثل أن يكون مائة دينار والصرف والبيع في دينار، والذي ينوب التسعة والتسعين الباقية بيع؛ لأنها عروض، أو صرف؛ لأنها دراهم، فذلك جائز، فإن كان على غير ذلك لم يجز، وهذا قول مالك وابن القاسم 207.

الجزء: 6 - الصفحة: 2814

وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إنما يجوز ذلك في أقل الدينار، مثل أن يشتري الثوب بثلثين أو بثلاثة أرباع دينار، فيدفع دينارًا ويأخذ فضله وَرِقًا، ولو كان الوَرِق أكثر الدينار لم يكن فيه خير 208. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا يجوز البيع والصرف في دينار إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقدره، أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فها هنا يجوز للضرورة؛ لأنه يعلم أن البيع غير مقصود مع ذلك في دينار 209. إلا أن يكون أحدهما يسيرًا 210 مما لا تدعو الضرورة إليه.
وأجاز أشهب في مدونته الصرف والبيع 211. ولمالك في كتاب محمد مثله في رجل باع مائة ثوب أو مائة جلد، كل ثوب أو جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم: لا بأس به إذا كان كل ذلك نقدًا 212. فأجاز في هذه المسألة بيعًا وصرفًا؛ لأن جملة الدراهم ثلاثمائة درهم.
ولو كان من عند أحدهما دنانير وعرض، ومن عند الآخر دراهم وعرض، فإن كان العرضان يسيرين ينوبهما أقل من صرف دينار- جاز، وإن كان ينوبهما 213 صرف دينار فأكثر لم يجز على قوله في منع صرف وبيع.
وكذلك إذا كانت العروض كثيرة، فإن كان الذهب والفضة أقل من

الجزء: 6 - الصفحة: 2815

صرف دينار جاز، وإن كان من عند أحدهما دراهم كثيرة وعروض كثيرة، ومن عند الآخر دنانير كثيرة وعروض (1) -لم يجز ذلك- كانت العروض التي مع الدنانير كثيرة أو قليلة- فإن كانت العروض كثيرة ومعها ذهب أقل من صرف دينار جاز.

فصل [فيمن صرف دينارًا وأخذ بالدراهم سلعة فوجد عيبًا]

وإذا كان البيع والصرف في دينار واحد، وأصاب عيبًا بالدينار أو بالدراهم أو بالعرض 215 - انتقض جميع الصفقة، ولا يفترق ذلك إلا فيما يفيت العرض 216، فإن كان العيب بالدينار أو بالدراهم فات العرض بحوالة الأسواق، إلا أن يكون يسيرًا، فلا تفيته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالعرض لم تفته حوالة الأسواق، وإن كان العيب بالدينار 217 أو بالدراهم؛ لأن الدراهم جل الصفقة، فإذا ردت من يده كانت عيبًا في بقية الصفقة، والعيب لا تفيته حوالة الأسواق 218. فإن اشترى ثوبًا بنصف دينار، فدفع دينارًا وأخذ من صاحب الثوب دراهم بالحضرة، ثم وجد عيبًا بالدينار، انتقض الصرف وبقي البيع 219 الأول214

الجزء: 6 - الصفحة: 2816

منعقدًا بنصف دينار على حاله، وكأنه لم ينقده شيئًا.
وإن كان العيب ببعض 220 الدراهم انتقض الصرف في نصف الدينار، وبقي نصفه قصاصًا من الدَّيْن، وإن كان العيب بالسلعة انتقض جميع ذلك البيع والصرف على قول من لم يُجوِّز صرف بعض دينار.
ومن اشترى ثوبًا ودراهم بدينارين فأصاب بأحدهما عيبًا، فإن كانت السلعة الأقل، وكان العيب بها أو ببعض الدراهم، انتقض من الدراهم صرف دينار، وإن كان العيب بها ردها ورد معها من الدراهم تمام صرف دينار، وإن كان العيب ببعض الدراهم ردَّه وردَّ معه تمام صرف دينار، وبقي ما سوى ذلك منعقدًا على حاله.
وإن كانت السلعة الأكثر انتقض جميع الصفقة، وسواء كان العيب بها أو ببعض الدراهم، وإن كان العيب بأحد الدينارين انتقض جميع الصفقة؛ لأن الذي يقابل الدينار نصف السلعة ونصف الدراهم، إلا على قول من أجاز صرف بعض دينار، فينتقض نصف الصفقة ويرجع في نصف الدراهم ونصف السلعة، وينقلب الخيار لمشتري السلعة؛ لأنه لم يدخل على عيب الشركة، وليس حوالة الأسواق فوتًا في السلعة 221 إذا كان العيب بالسلعة، وذلك فوت فيها إذا كان العيب ببعض الدراهم أو بأحد الدينارين.
قال محمد: إذا كان العيب بالثوب، وفات بتلف أو بقطع، لم يكن له أن يرجع بقيمة العيب، ولكنه يرد قيمته ويرد مع القيمة تمام صرف دينار إن كانت السلعة

الجزء: 6 - الصفحة: 2817

الأقل، وإن كانت الأكثر (1) ردَّ قيمتها والدراهم، ورجع بديناره (2).

فصل [فيمن ابتاع سلعة ودراهم بدينار، وحصل تأخير أو تقدم في السلعة والدراهم، أو استثنى في الدراهم]

واختلف إذا بيعت سلعة ودرهم أو درهمان بدينار، فتأخَّرت السلعة والدرهمان أو أحدهما على أربعة أقوال: فروى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز ذلك إذا عُجِّلت السلعة وتأخر الدرهمان، ومنعه إذا عُجِّل الدرهمان 224 وتأخرت السلعة 225. وروى أشهب عنه أنه أجاز ذلك وإن عُجل الدرهمان 226 وأخرت السلعة، ومنعه إذا افترق الدرهمان 227 وعُجلت السلعة والدرهم وتأخر الدينار، أو عُجل الدينار وأخرت السلعة والدرهم 228. وروى عنه ابن عبد الحكم في كتاب محمد أنه أجاز ذلك 229. ومنعه محمد بن عبد الحكم إذا عجلت السلعة وتأخر العينان 230، وقال:222223

الجزء: 6 - الصفحة: 2818

هذا حرام؛ لأنه الصرف إلى أجل والدَّيْن بالدَّيْن.
قال الشيخ: الجواب عن جميع هذه الأسئلة واحد، إما أن نقول: إن ذلك يسير ومما تدعو الضرورة إليه لتمام البيع لما كانت السلعة لا تبلغ دينارًا، فجائز وإن أُخر الدرهمان أو قُدِّما أو فُرِّقا فقُدِّم أحدهما وأُخِّر الآخر، أو يقال إن ذلك مما لا تدعو الضرورة إليه؛ لأنهما قادران على أن يجعلا مكان الدرهمين أو الدراهم طعامًا أو غيره مما يخف وجوده، فيمنع جميع ذلك.
وإذا عجلت السلعة وأُخِّر الدرهمان 231 كان أبْيَن في الفساد منه إذا عُجل الدرهمان 232 وأخرت السلعة؛ لأن ما يقابل الدرهم من الدينار صرف، وقد عجلاه وتناجزا فيه، وما يقابل السلعة من الدينار بيعٌ يجوز تأخيره، وقد تقدم ذلك وأنه قد قيل: إن ذلك جائز وإن كثرت الدراهم إذا تناجزا في الصرف وتأخرت السلعة.
قال مالك: وإذا وجد أحد الدرهمين رديئًا أبدله ولم ينتقض الصرف.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: هذا بيع منتقض كله 233. واختلف إذا كانت سلعة وثلاثة دراهم، هل يكون الجواب فيه كالدرهمين؟ فقال في المدونة: لا خير في ذلك 234. وأجازه في كتاب محمد 235. وأما الخمسة والستة فلم يختلفوا أنها مراعاة، فلا يجوز تأخير العينين 236

الجزء: 6 - الصفحة: 2819

ولا افتراقهما 237. وقال مالك فيمن اشترى سلعة بخمسة دنانير إلا ثلاثة دراهم فدفع أربعة دنانير وأَخَّرَ الدينار حتى يأخذ الدراهم ويدفع دينارًا، أو أخذ الدراهم وأَخَّرَ الأربعة: لا خير فيه، وهو عندي 238 بخلاف الجزء من الدينار 239. ولو اشترى سلعة بخمسة دنانير إلا خُمُسًا أو إلا رُبُع الدينار، فدفع أربعة دنانير وأخَّر الدينار حتى يأتيه بخُمُس أو بربع، أو عجل الدينار وأخذ مصارفة الخمس، وتأخرت الأربعة- لجاز؛ لأن البيع في هذه المسألة إنما وقع على ذهب خاصة، وليس في ذمته غير ذهب.
ولو أتى المشتري بخمسة دنانير، وقال: أكون شريكًا معك 240 بخُمس دينار أو رُبعه، جاز ذلك، وأجبر الآخر على قبولها، ولم يكن على المشتري غير ذلك، والذي اشترى بخمسة دنانير إلا ثلاثة دراهم في ذمة أحدهما ذهب، وفي ذمة الآخر فضة فافترقا، فأجاز في هذه المسألة أن يصارفه في دينار، وإن تأخرت الأربعة.
ومنع مثل ذلك إذا كان البيع إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فدفع دينارًا وصارفه في بقيته؛ لأن المنع من باب التهمة أن يكونا عَمِلا على ذلك فقويت التهمة عنده إذا كان البيع بنصف دينار، فصارفه في بقيته، وضعفت في خُمس من عشرة دنانير.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير مجموعة،

الجزء: 6 - الصفحة: 2820

فقضاه إياها، فكان في وزنها فضل، فأعطاه فيه ورقًا أنه لا بأس به 241. وكرهه مالك في كتاب محمد، وعلى قوله ذلك يكرهه في هذه.
وسئل سعيد بن المسيب عن رجل ابتاع طعامًا بدينار ونصف درهم، فأراد أن يعطي بنصف درهم طعامًا، فقال: لا، ولكن أعط درهمًا وخذ بقيته طعامًا، قال مالك: كره أن يعطي دينارًا وطعامًا بطعام 242. قال الشيخ: يجوز أن يعطيه بالنصف درهم من القمح بعينه بمثل ما ينوبه من الثمن لا أقل ولا أكثر، وتكون إقالة، فإن قبضه جاز أن يعطيه منه بمثل ما ينوبه وأرخص وأغلى إذا لم يفترقا أو فترقا ولم يغب عليه، فإن غاب عليه كره له ذلك.
ويكره أن يعطيه به شعيرًا، وسواء كان ذلك قبل قبض القمح أو بعده، افترقا أم لم يفترقا.
ويجوز أن يعطيه به قِطْنِيَّة أو تمرًا قبل القبض وبعده ما لم يفترقا، فإن افترقا كره له 243 ذلك، فإن نزل ذلك لم يفسخ في أي هذه الوجوه كان؛ لأن الكراهية في ذلك من باب التهمة خيفة أن يكونا عملا على ذلك، والتهمة تضعف لقلة ما ينوب نصف درهم في جنب الدينار.
وقد أجاز مالك في أحد قوليه لمن اشترى سلعة بدينار إلا درهمين مفارقة الدراهم 244 الدينار، وإن كان ذلك يسيرًا فهو في هذه المسألة في التهمة في نصف

الجزء: 6 - الصفحة: 2821

درهم أضعف منها في درهمين، وأجاز في المسألة المتقدمة فيمن اشترى سلعة بعشرة دنانير فقضاه إياها، فكان في وزنها فضل أن يأخذ فيه دراهم بعد الافتراق، ولم يتهمهما 245 أن يكونا عملا على ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2822

باب [في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ومعهما أو مع أحدهما عرض]

ولا يجوز للرجل أن يشتري دينارين بدينار وعرض؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل فيما بين الذهبين، فإن كان قيمة العرض أكثر من دينار كان الذي ينوبه مما أخرج الآخر أكثر من دينار، وإن كانت قيمته أقل كان الذي ينوبه أقل من دينار.
وكذلك دينار وعرض بدينار وعرض، أو دراهم بدراهم ومع أحدهما عرض، أو مع كل واحد منهما 246 عرض، أو دنانير ودراهم بدنانير ودراهم، كل ذلك حرام وربًا، ويدخله التفاضل بين الذهبين والفضتين؛ لأنه لا بد أن يكون على أحدهما غبنٌ ما 247، وذلك الغبن لا 248 يختص بما يقابله من الدنانير، بل ذلك شائع؛ لأنها صفقة واحدة، وعقد واحد.
وإن كان من عند أحدهما حلي وعرض، ومن عند الآخر دنانير بانفرادها أو دنانير وعرض- كان ذلك أبين في الفساد ودخول الربا؛ لأن الحلي مما تختلف فيه الأغراض، وليس تحصره القيمة كالدنانير.

الجزء: 6 - الصفحة: 2823

باب [في بيع السيف المحلَّي وغيره من آلة الحرب والحلي والمصحف]

تقدم ذكر السيف يكون نصله تبعًا لحليته أنه يجري في البيع على أحكام الصرف.
واختلف إذا كانت الحلية تبعًا للنصل وهي فضة هل تباع بفضة نقدًا أو تباع بفضة أو ذهب إلى أجل؟ أو كانت ذهبًا، هل تباع بذهب نقدًا، أو تباع بذهب أو فضة إلى أجل؟ على أربعة أقوال: فأجاز مالك وابن القاسم أن يباع بجنس حليته نقدًا، ومنعا أن يباع بفضة أو ذهب إلى أجل، فإن نزل ذلك فُسِخ ورُدَّ، إلا أن يفوت بأن تنقض حليته وتفرق فيمضى ولا يرد 249. وقال أشهب في كتاب محمد: يكره، فإن نزل مضى ولا يرد 250. وأجاز ذلك ربيعة وسحنون ابتداءً أن يباع بجنس حليته وبغيرها نقدًا وإلى أجل 251. قال سحنون: ولو استحقت الحلية ما كان له أن يرجع عنها بشيء؛ لأنه لا حصة لها، وهي كمال العبد 252. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز عندي أن يباع سيف فيه فضة بفضة

الجزء: 6 - الصفحة: 2824

نقدًا، وإن كانت تبعًا 253، وهو قول عمر وابن عمر - رضي الله عنهما -. قال أنس - رضي الله عنه -: "أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - وَنَحْنُ بَأَرْضِ فَارِسَ أَلَّا تبيعُوا السُّيُوفَ فِيهَا حِلْيَةُ فِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ" 254. وقال نافع: كان ابن عمر لا يبيع سيفًا ولا سرجًا فيه فضة حتى ينزعها ثم يبيعها وزنًا بوزن 255. ولم يختلفوا إذا كانت الحلية منقوضة، وهي تبع أنه لا يجوز أن يباع السيف وحليته بجنسها نقدًا ولا إلى أجل.
وأرى إذا كانت الحلية قائمة بنفسها صيغت 256 ثم ركبت وسمرت- أن يكون لها حكم المنقوض؛ لأنه ليس في ذلك أكثر من أنها سُمِّرت بمسمار، ولا كبير مضرة في نزعها وردها، وإن كان شيء مُوِّه به في السيف أو شيء أُنْزِل في قائم السيف ويَشُقُّ نزعُهُ: أن يجوز نقدًا وإلى أجل إذا كانت تبعًا.
واختلف في حلية الرمح والسكين والترس والفاتخة 257، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، قال مالك: وإنما يفعل الناس ذلك على وجه السرف فلا يجوز أن يُعمل، فإن عُمل وكان تبعًا لم يجز أن يباع بما فيه 258، وإن كان نقدًا 259.

الجزء: 6 - الصفحة: 2825

وقال مالك 260 في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بالحلي في المنطقة.
وقال عبد الملك بن حبيب: كل مفضض من المناطق والأسلحة فهو كالسيف، إن كانت فضته تبعًا لثمن الجميع بِيع بفضة نقدًا، وإن لم يكن تبعًا بِيع بذهب نقدًا 261. وهذا أشبه؛ لأن ذلك ليس من السرف، كما قال في السيف وغيره.
وإنما أجيز ذلك في السيف لما كان من آلة الجهاد؛ لأن فيه إرهابًا على العدو.
وكذلك الرمح والترس والفاتخة والسرج واللجام، كل ذلك مما يرهب به على العدو، وقد يُرَى أن ذلك لأنه رجل كبير في قومه، وأن له شجاعة وفضلًا على غيره، ولأن ذلك مما يزيد في قوة نفسه، وألا يُنزِلَ نفسه في القتال منزلة من لا يؤبه له.
وأجاز مالك حلية 262 المصحف.
قال ابن القاسم: ورأيت لمالك مصحفًا محلًى بفضة 263. وأجاز مالك في كتاب محمد أن يحلَّى السيف والمصحف والخاتم بالذهب 264. وأجازه في المدونة في السيف، فقال: ولا يجوز أن يبيعه بذهب ولا بفضة نسيئة إذا كان فيه شيء من الذهب والفضة قليلًا كان أو كثيرًا 265. وقد قيل: إنه لا يحلى بذهب.

الجزء: 6 - الصفحة: 2826

والأول أحسن؛ لأن الفضة لم تجز إلا لم تقدم ذكره من الترهيب، فهو في الذهب أبين.
وجاز ذلك في المصحف إعظامًا لكتاب الله عز وجل، وإجلالًا لحرمته.
وأجازه مالك في كتاب محمد في الخاتم كان الذهب أقل من الثلث أو أكثر (1). فإن كان الذهب أكثر بيع بالفضة، وإن كانت الفضة أكثر بيع بالذهب، فإذا كان الذهب الأكثر لم يجز استعماله إلا للنساء دون الرجال.
ولا يجوز أن تحلَّى الأواني بذهب ولا بفضة ولا الأقداح ولا غير ذلك.

فصل [في بيع المحلَّى بأحد النقدين بجنس الآخر، والمقدار المعتبر للتبعية في ذلك]

واختُلف في الحلي يكون ذهبًا وفضة، أحدهما الثلثان والآخر الثلث، هل يباع بأقل ذلك؟ فمنعه مالك في المدونة 267، وأجازه أشهب 268. وهو أقيس، ولا فرق في ذلك بين الحلي والسيف؛ لأن كليهما فُعل بوجه جائز، فإذا رأى أن التبع من ذلك في السيف كاللغو كان في الحلي مثله.
ولم 269 يختلف في الحلي يكون فيه ذهب وفضة ولؤلؤ وجوهر والذهب والفضة الثلث فأقل، واللؤلؤ والجوهر الثلثان فأكثر- أنه يباع بأقل ذلك كالسيف.266

الجزء: 6 - الصفحة: 2827

وأرى أن يحتاط فيما يُقدَّر من ذلك كله أنه الثلث؛ لأن كل ذلك على التقدير ليس على التحقيق.
وثياب النساء المعلَّمة -بالذهب كالمعتَّق وما أشبهه- في ذلك كالسيف، فإن كان علمه الثلث فأقل جاز بيعه بالذهب، وإن كان أكثر بيع بالفضة يدًا بيد، وهذا في المعتَّقات العراقية؛ لأن ذهبها غير مستهلك 270 العين.
والشأن فيما قدم منه أن تحرق أعلامه، فيخرج منها الذهب.
فأرى أن يباع شيئًا من ذلك بالعراق وأن يسأل أهل المعرفة بصنعة ذلك عما يكون في مثل ذلك من الذهب، فإن قيل: خمسة دنانير، قيل: كم قيمة ذلك الثوب على هيئته بعلمه وصناعته؟ فإن قيل: خمسة عشر دينارًا، بيع بالذهب؛ لأن الزائد للثوب ولصنعة العلم، ولا ينظر إلى قدر الذهب وقيمة الثوب بغير علم؛ لأن الصنعة إن قومت على ذلك لم تدخل في القيمة وأبطل حكمها، وفي ذلك ظلم على المتبايعين، وهي في هذا الموضع كالخياطة.
وإن 271 بيع شيء من ذلك بموضع لا يعمل فيه ولا يعلم كم قَدْر ما فيه، قيل: بكم يباع لو كان بغير علم، وإذا بيع وفيه ذلك العلم؟ فإن كان يزيد ذلك العلم الثلث فأقل، جاز بيعه بالذهب، وإن كان أكثرة بيع بالفضة، وكل ذلك يدًا بيد.
وإنما رُجِعَ في ذلك إلى ما تزيد القيمة؛ لأنها ضرورة لا يقدر على أكثر من ذلك، وإنما يباع بالفضة أحوط، لإمكان أن يكون الذي فيه من الذهب أكثر مما زادت 272 القيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2828

وأما الذي يعمل بالمغرب فهو سمنطر 273 لا يخرج منه شيء عند الحرق، وقد يقال: هو في معنى المستهلك من هذا الوجه فيباع بما فيه نقدًا وإلى أجل، ولا يعتبر قدر الذهب، ويصح أن يقال: يعتبر ذلك لأنه الآن موجود قائم العين.
وإذا كان الوجه اعتبار ما فيه فإنه يسأل أهل المعرفة بعمله كم يدخل فيه من مثقال ذهب مغزول، ثم يسأل الذين يعملون السمنطر 274 كم يدخل في ذلك المثقال من الذهب؟ فإذا علم ذلك نظر إلى ذلك الذهب كم هو، وهل هو الثلث أو أكثر.
وهذا أحسن؛ لأنه لو كانت جلودًا بحالها 275 لم تغزل بعدُ لم يجز بيعها بالذهب نقدًا، ولا بالفضة إلى أجل؛ لأن المشترَى الذهب الموجود، وهو قائم العين.
وكذلك كل ما يعمل في المحاجر، فإنه يعتبر ما فيه من الذهب كما تقدم في الثياب.
وأما أزرار جيوبهن فحكمه حكم حلية السيف إذا كانت منقوضة؛ لأنه ليس في ربطه ونزعه كبير أمر، وما كان مما يعملن 276 في المرايا والأقفال والصناديق، فحكمها حكم المنزوع؛ لأنه مما لا يجوز استعماله، وكذلك كل ما عمل مما لا يجوز استعماله، فإن حكمه حكم المنزوع.

الجزء: 6 - الصفحة: 2829

باب [في الاستحقاق في الصرف]

وقال ابن القاسم فيمن اشترى إبريق فضة بدراهم أو بدنانير فاستحقت الدراهم أو الدنانير: إن الصرف منتقض 277. قال الشيخ: وكذلك إذا استحق الإبريق ينتقض الصرف أيضًا، فإن رضيا جميعًا على مثل ذلك الإبريق أو على فضة أو دراهم جاز ذلك؛ لأن البيع كان على شيء بعينه، وقد انفسخ الصرف باستحقاقه، وما تراضيا عليه الآن فهو صرف حادث.
وكذلك إذا استحقت الدنانير أو الدراهم، وكان البيع على أعيانها، فالصرف منتقض باستحقاقهما 278، والتراضي على مثلها جائز؛ لأنه صرف حادث.
وإن لم تكن بأعيانها كان أخذ العوض عنها على القولين في البدل، فمن أجاز البدل أجاز هذا أن يعطي عوضها بالحضرة 279، ويجبر الآخر على قبولها، ومن لم يجز البدل لم يجز هذا أن يعطي عوضها، وإن رضي الآخر بذلك لم يجز.
وإن كان الصرف دنانير بأعيانها بدراهم بأعيانها فاستحق أحدهما، انفسخ الصرف، وسواء كان الاستحقاق قبل الافتراق أو بعده.
وإن دعي 280 من استحق ذلك من يده إلى خلفه لم يجبر الآخر على ذلك،

الجزء: 6 - الصفحة: 2830

وإن رضي بائع المستحق أن يخلفه لم يجبر الآخر على قبوله، وإن رضيا جميعًا هذا بخلفه، وقبِل الآخر جاز ذلك، وسواء كان ذلك الاستحقاق قبل الافتراق أو بعده.
فإن كان الصرف على غير معين، والاستحقاق قبل الافتراق، والمثل حاضر مع بائع المستحق- أُجبِر على أن يعطي مثل ما استحق، وإن استحق ذلك بعد الافتراق انفسخ الصرف، ولا يجوز أن يتراضيا على مثل المستحق؛ لأنه إنما يدفع الآن ما كان حقه أن يدفعه يوم كان الصرف بذلك فاسدًا إلا على قول (1) من أجاز البدل فيجوز.
وإن دُعي إلى ذلك أحدهما، وكره الآخر، أُجبر من أبى على أن يتم الصرف.

فصل [في استحقاق المصوغ في عقد الصرف]

وقال ابن القاسم فيمن صارف خلخالين فضة بدراهم أو بدنانير فاستحقَّا، فأراد المستحق أن يجيز الصرف فيهما، ويأخذ الثمن الذي بيعا به: إنه يجوز ذلك إذا لم يفترقا البائع لهما والمشتري، ولم تغب الخلخالان، فإن افترقا فلقي البائع، فأراد أن يأخذ منه الثمن- لم يجز ذلك لغيبة الخلخالين، وإن لقي مشتريهما فأراد أن يجيز ويدعهما، ويتبع البائع بالثمن- لم يجز لأجل غيبة الثمن، وإن رضي المشتري أن يدفع ثمنًا آخر من عنده ويتبع هو من كان باع منه بالثمن الذي دفع إليه- جاز 282.281

الجزء: 6 - الصفحة: 2831

فجعل إجازة المستحق كابتداء صرف منه، فيجوز إذا لم يفترقا ويمنعان 283 بعد الافتراق.
وقد اختلف في هذا الأصل فيما كان فيه خيار فأجيز الآن: فقيل: يكون كأنه أجيز يوم كان عقد.
فعلى هذا يجوز للمستحق إذا أجاز أن يأخذ الثمن وإن غاب الخلخالان، ويجوز إذا غابا أن يدعهما ويتبع بالثمن قابضهما.
وقال أشهب في الإجازة قبل الافتراق ذلك استحسان، قال: والقياس أنه مفسوخ؛ لأنه صرفٌ فيه خيار 284. والمعروف من قوله خلاف هذا؛ لأنه قال في العبد يتزوج حرة 285 بغير إذن سيده ويدخل بزوجته ثم تزني تلك الزوجة: إنَّ رجمَها موقوفٌ على إجازة السيد، فإن أجاز نكاحَه الآن 286 كانت محصنة ورُجِمَت، وإن لم يجزه لم تُرجم وحُدَّت حدَّ البِكر.
ورأى أنه إذا أجيز الآن، فإنه لم يزل منعقدًا من يوم عقد.
فعلى هذا يجوز أن يجوَّز 287 الصرف إذا أجازه المستحق، وإن افترقا وغاب الخلخالان؛ لأنه 288 لا يراه كالمبتدئ من الآن، ولأن الخيار في النكاح غير جائز، فإذا أجاز أن يجاز بعد طول المدة والدخول لما كان الخيار مما لم يدخلا عليه، فإنما أوجبته الأحكام لحق السيد- جاز مثل ذلك في الصرف؛ لأنهما في الاستحقاق لم يدخلا على خيار.

الجزء: 6 - الصفحة: 2832

باب [في البيع على تسمية دنانير أو دراهم]

وإذا صارف رجل رجلًا دراهم بدنانير كل عشرين درهمًا بدينار، أو باعه سلعة بدنانير والدنانير التي يتصرف بها في البلد بين الناس مختلفة السكك- كان ذلك فاسدًا، إلا أن يكون الثمن فيما يباع به ذلك، أو الغالب فيما يتصرفون به سكة منها وغيره قليل ونادر، فيجوز ويحملان على الغالب من ذلك 289.

الجزء: 6 - الصفحة: 2833

باب [فيمن صرف بعضًا من دينار أو نقرة أو دراهم]

وقال مالك فيمن صرف من رجل نصف دينار جميعه له، وسلم الدينار إلى مشتري نصفه منه 290: لم يجز؛ لأن يد المصرف لم ترتفع عن الدينار الذي دفع فيه الصرف.
وإن صرف جميع الدينار من رجلين وسلمه إليهما جاز 291؛ لأن يد المصرف ارتفعت، وإنما بقيت الشركة بين المشترين.
ومثله إذا كان دينار شركة بين رجلين فصرف أحدهما نصفه من غير شريكه جاز ذلك؛ لأن يد المصرف ارتفعت عن نصيبه منه، وإنما الشركة الآن بين المشتري والشريك.
وقد اختلف في هذه المسائل الثلاث: فقال أشهب في كتاب محمد: يجوز أن يشتري نصف خلخال فضة بوزنه فضة إذا سلم جميع الخلخال.
قال محمد: ورآه قبْضًا.
قال: وروي لنا عن أشهب عن مالك خلافه في النقرة 292. فأجاز أشهب صرف بعض الخلخال.
وعلى هذا يجوز صرف بعض الدينار.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأن يجوز أحسن في الدينار والخلخال؛ لأن الذي وقعت عليه المصارفة قد قبض وقبض ثمنه وتناجزا فيه، وهو صرف 293 نصف الدينار، وإنما بقي بينهما ما لم تقع فيه مصارفة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2834

ولو صرف رجل خمسمائة درهم من كيس فيه ألف درهم، وهو حاضر لوزنه، فسلم جميعه، ولم يقبض نصيبه منه بالحضرة- جاز؛ لأنهما قادران على قسمته بالحضرة قبل الافتراق، فتركه المقاسمة رضًا بالشركة بعد صحة المصارفة.
ولو صرف نصف نقرة جميعها له من رجل وسلمها إليه لم يجز ذلك عند مالك 294، والنقرة بخلاف الدراهم، وهي كالدينار؛ لأنه لا يقدر على أن يقبض نصيبه منها بالحضرة، إلا أن يقوما إلى من يقسمها بينهما، وقيامهما لذلك كقيامهما إلى قسمة الدينار بالصرف.
وأجاز في المدونة أن يصرف الرجل الدينار من رجلين وإن بقيا فيه على الشركة 295. ومنعه محمد إلا أن يكونا شريكين في الدراهم 296. وأما إن صرف رجلان دينارًا من رجل جاز قولًا واحدًا؛ لأنهما يقدران على قسمته بالحضرة إن أحبَّا، وهي الدراهم.
وقال مالك في كتاب محمد: لا بأس أن يبيع النقرة من رجلين، وينقلب بها أحدهما دون صاحبه 297. ولا يصلح أن يبيع نصف نقرة، وإن سلمها كلها وأجراها على حكم الدينار لما كان لا يقدر على أخذ نصيبه منها بالحضرة، ومنع إذا كان له فيها

الجزء: 6 - الصفحة: 2835

نصيب أن يبيع نصيبه من غير شريكه، ورأى أن المناجزة لم تصح، وأجازه أشهب 298. وهو أحسن في هذه وفي الذي صرف الدينار من رجلين؛ لأن يد المصرف قد ارتفعت، ولم يبق بينه وبين من صرف منه معاملة.
ولو كان رجلان شريكين في دينار أو حلي أو دراهم أو نقرة فباع أحدهما نصيبه من ذلك من شريكه بمثل وزنه- جاز في الدينار والحلي، وهي كالمرطلة.
واختلف في النقرة، فروى ابن القاسم عن مالك الجواز 299. وروى عنه أشهب المنع وأن تقسم 300. وقيل: الوجه في ذلك لأنها إذا قسمت نقصت، فكان الذي يأخذ الآن فوق الوزن الذي يصح فيها بعد المقاسمة.
والأول أحسن؛ لأن النقص لم يكن بعد وهو يسلم النصف على وفائه في الوزن لم ينقص منه شيء، ويجوز ذلك في الدراهم إذا كانت وزنت بالحضرة، وأعطى وزنها بتلك الصنجة وإن كان تقدم بصنجة ثم وزنها بغيرها، لإمكان الاختلاف ما بين الوزنين، وهو معنى قول أشهب في الدراهم.
وإن باع نصيبه من غير شريكه بمثل وزنه مُنع في كل ما لا ينقسم من الدينار والحلي والنقرة، لأجل المناجزة ليس لأن في ذلك تفاضلًا، وعلى القول المتقدم في جواز صرف بعض خلخال بوزنه- يجوز جميع ذلك مثل ما لو بيع

الجزء: 6 - الصفحة: 2836

بغير جنسه، ويجوز ذلك في الدراهم؛ لأنها تنقسم.
وفي كتاب محمد في رجل دفع دينارًا إلى رجلين صارف أحدهما في فصفه، ودفع نصفه إلى الآخر هبة أو قضاء من دَيْنٍ، لم يجز ذلك 301. ومثله إذا دفع ثلثيه قضاءً من دَيْنٍ، ثلثًا لكل واحد، وصارف أحدهما في ثلثه لم يجز ذلك، قال: ولو صرف ذلك الثلث منهما جميعًا جاز ذلك 302. قال الشيخ: المنع في هذين السؤالين على أحد القولين في منع صرف دينار من رجلين، وعلى القول الآخر يجوز ذلك كله؛ لأنه لم يبق لدافع الدينار عليه يد ولا بينه وبين من صرف منه معاملة، وإنما بقيت الشركة بين المشتري لنصف الدينار وبين من قبض النصف الآخر هبة أو قضاء.
وعكسه أن يكون لرجل على رجلين دَيْنٌ ثلثا دينار، ثلث على كل واحد منهما، فأخذ منهما 303 دينارًا وصرف الثلث الباقي، فإن كان الدينار شركة بين الغريمين، أو كان لأحدهما ثلثاه فصرف منه الثلث والباقي قضاء جاز ذلك 304. واختلف إذا كان جميع الدينار لأحد الغريمين، فدفع ثلثيه قضاءً عن نفسه وعن صاحبه، وصارف في الثلث الآخر، فقال: ذلك جائز، بمنزلة أن لو كان على رجل نصف دينار فدفع إليك غيره دينارًا، وأخذ منك بقيته دراهم، كان ذلك جائزًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 2837

قال محمد: لا يعجبني قوله في الغريمين إذا صارف 305 في الثلث أو دفع فيه عرضًا؛ لأن دافع الثلث يمكن أن يزيده الآخر في الصرف ليضمن له عن صاحبه الثلث الباقي، فيدخله ضمان بجُعْل 306. قال الشيخ: القول الأول أحسن، إلا أن يكون الذي قضى عنه الثلث فقيرًا أو مليًا، وتبين أنه زاده في الصرف، وكذلك الذي قضى عن غيره نصف دينار وصارف في الدراهم- ذلك جائز إذا لم يزده في الصرف، وإن دفع عن الثلث أو النصف عرضًا لم يجز، ودخله البيع والسلف؛ لأن العرض يدخله في القيمة 307 الزيادة والنقص، وليس كذلك الصرف؛ لأنه معروف لا يختلف وقت دفع ذلك، فإن وجدت المصارفة ولا زيادة فيها حمل على أنه قصد المعروف.
قال: ولو كان لك على رجل نصف دينار فدفع إليك دينارًا على أن تحيله على فلان بنصف دينار لك عليه- لجاز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه 308. قال الشيخ: وقد اختلف في هذا فيمن أسلف دنانير 309 أو دراهم ليحال بمثلها.

الجزء: 6 - الصفحة: 2838

باب في المتصارفين يزيد أحدهما الآخر بعد انعقاد الصرف شيئًا نقدًا أو إلى أجل

وإذا صرف رجل دينارًا بدراهم ثم قال قابض الدراهم: استرخصت فزدني، فزاده درهمًا أو عرضًا نقدًا أو إلى أجل، جاز ذلك، وسواء أعطاه ذلك هبة أو قرضًا، ولا يتهمان على أيهما عملا على ذلك 310. فإن زاده درهمًا ثم وجده زائفًا، فإن كان معينًا، فقال: أزيدك هذا، لم يكن عليه أن يبدله، وإن التزم ذلك ولم يعيِّنه كان عليه أن يبدله، فإذا انتقض الصرف لفساد في العقد أو تقايلا فيه بالطَّوع رُدَّت تلك الزيادة قائمة أو فائتة، وحكمها حكم الثمن 311. ولو قال: هذا هبة لمكان الصرف، لم يرجع في تلك الهبة إذا تقايلا فيه، ورجع فيه إذا وجد الصرف فاسدًا 312. والفرق بين السؤالين أن قوله: استرخصت فزدني، أي: فزدني في الثمن، فألحقها بالثمن، فجرى مجراه، والثاني لم يلحقه بالثمن، وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الثاني إذا زاد المرأة في صداقها أو وهبها ولم يزد في الصداق ثم طلق، أو وجد النكاح فاسدًا والهبة فائتة أو قائمة العين ولم تتغير أو تغيرت.

الجزء: 6 - الصفحة: 2839

باب في المصطرفين يجد أحدهما نقصًا في الوزن أو العدد

النقص في الصرف على وجهين في العدد وفي الوزن، وهو في الوزن على وجهين: أحدهما: أن تكون الدنانير مجموعة.
والثاني: أن تكون عددًا كالقائمة والفرادى، فيجد كل دينار ناقصًا عن الوزن المعتاد.
فإن انعقد الصرف على مائة دينار عددًا أو على الوزن إلا أنها غير معينة، فوجد تسعة وتسعين، كان فيها ثلاثة أقوال: فقيل: الصرف ينتقض، قام بحقه في ذلك النقص أو لم يقم، وهو المشهور من المذهب.
وقيل: إن لم يقم بحقه في ذلك النقص ثبت الصرف، وإن قام به فسد كالزائف، قاله أشهب في كتاب محمد إذا وجد الدراهم دون ما وقع عليه الصرف، وحكاه عن مالك 313. وهو أيضًا ظاهر ما قاله في المدونة، قال: قال مالك: إذا وجد في الدراهم نقصًا فرضيها فذلك جائز، وهي مثل الزيوف 314. ويجري فيها قول ثالث: أن يقوم بحقه في النقص، ويبطل من الصرف ما

الجزء: 6 - الصفحة: 2840

يقابل ما بقي عند الصراف من عدد أو وزن.
وقاله محمد فيمن اشترى مائة دينار فنقصت دينارًا فافترقا على أنه يأتيه به، قال: لا ينتقض إلا صرف دينار 315. وكذلك لو انعقد الصرف على مائة بعينها فقبض تسعة وتسعين وبقي منها دينار عند بائعها، فالجواب على ما تقدم، ولو لم يبق عند بائعها منها شيء، وإنما قال: أبيعك هذه المائة وهي قائمة فعداها، أو مجموعة فوزناها وانصرفا على أنها مائة، فتبين لهما أنهما غلطا في العدد أو في الوزن بدينار لم يبطل من الصرف إلا بقدر ذلك الدينار.
وحكم النقص في معنى حكم الزائد؛ لأنهما لو علما قبل الافتراق لصح الصرف في الوجود من غير خيار لواحد منهما في ذلك، وردَّ من الدراهم بقدر ما قابل الدينار، وإذا كان ذلك قائمًا انصرف قابض الدراهم بزائد على حقه.
وإن كان الصرف على قائمة أو فرادى أو ما أشبه ذلك مما الصرف فيه على العدد، فوجد بعضها تنقص عن الوزن المعتاد- كان كالزائف، إن تمسك به ولم يقم صح الصرف، وإن رده دخل الخلاف المتقدم: هل ينفسخ ما ينوبه أو جميع الصرف؟ ولو كانت المصارفة دنانير أو دراهم بفلوس فوجد زائفًا في شيء من الدنانير أو الدراهم أو الفلوس أو تأخر شيء من العدد- لم ينتقض الصرف، ورجع بقدر الزائف 316 ويقبض 317 ما تأخر من العدد، لقوة الخلاف في الفلوس

الجزء: 6 - الصفحة: 2841

هل يجري على حكم الصرف أو لا (1)؟

فصل [في مبادلة أنواع الذهب وبيع بعضها ببعض، ووجود العيب فيها]

وقال ابن القاسم فيمن اشترى دنانير منقوشة مضروبة ذهبًا أو إبريزًا أحمر بتبر أصفر، ثم أصاب من صارت إليه الدنانير عيبًا: لم يكن له أن يردَّ؛ لأن الذي في يديه من الدنانير أفضل مما خرج منها، وإن أصاب الآخر بالتبر عيبًا كان له أن يردَّ، وإن كان ذَهَبُ الدنانير أدنى كان لكل من أصاب منهما عيبًا أن يرد به 319؛ لأن هذا فضل ذهب وللآخر فضل سكَّة 320. وكذلك الحلي بالتبر، فإن كان التبر أجود كان لكل من أصاب منهما عيبًا أن يرد به، وإن كان ذَهَبُ الحلي مثل ذهب التبر أو أجود، لم يكن لمن الحلي في يده أن يردَّ، ولمن التبر في يديه الردُّ.
وإن كان الصرف دنانير بحلي كان لكل من وجد منهما عيبًا أن يرد به، وسواء كان الذهبان سواء أو مختلفين؛ لأن الغرض في السكة من الصنعة مختلف.318

الجزء: 6 - الصفحة: 2842

باب فيما يقضى به لمن باع ببعض دينار

وإذا باع سلعة بنصف دينار أو بدينار، فوهب له نصفه لم يحكم على الغريم فيه إلا بدراهم بصرف يوم القضاء، إلا أن يشاء الغريم أن يأتي بدينار ويكونان شريكين فيه، فلا يكون للطالب في ذلك مقال؛ لأن دفع الدراهم من حق الغريم لا عليه لتغليب أحد الضررين؛ لأنه لو كُلِّفَ أن يأتي بدينار فأحضره، ثم دعا الغريم إلى المفاصلة فيه بشركته، كان ذلك له وصرفاه بالحضرة، فلم يحصل له من الدراهم سوى ما قضي له به.
وقال محمد فيمن له على رجل نصفا دينار من شيئين كل دَيْنٍ نصف دينار، فإنه يحكم للطالب بدينار صحيح 321. وهذا مما يبين ما تقدم، أن الأول إنما أغرم دراهم؛ لأنه لا فائدة في إغرامه النصف ذهبًا فلما كان له نصفان أخذه صحيحًا.
وقال محمد فيمن له ثلاثة أرباع دينار أو عشرون قيراطًا ذهبًا: حكم له بدراهم، وإن كان دينارًا إلا قيراطًا أو إلا قيراطين حكم له بدينار 322. يريد: ويعطي الغريم ما ينوب القيراطين، ليس له أن يأخذ دينارًا ينقص قيراطًا، إلا أن يكون ذلك 323 النقص ليس بعيب، فإنه يعطيه بوزن ما له عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2843

باب في بيع الذهب والفضة جزافًا

بيع الذهب والفضة جزافًا جائز إذا كان تبرًا أو نقارًا أو حليًا مصوغًا، ولا يجوز إذا كان دنانير أو دراهم يتبايع عددًا بغير وزن 324. واختلف إذا كانت تباع على الوزن بالمنع والكراهية: فقال أبو الحسن ابن القصَّار: كره مالك بيع الدنانير والدراهم جزافًا 325. وقال في موضع آخر: قول مالك على طريق الكراهية.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا بيعت جزافًا لم أرَ أحدًا من أصحابنا يجترئ على فسخ البيع فيها.
وهذا هو الصحيح، أن لا فرق بين التبر والنقار والمسكوك، فإن لم تكن العادة في بيع شيء من ذلك جزافًا- لم يجز، وإن كانت لهم عادة حتى صاروا يعرفون حَزْر ذلك ولا يخطئوا الحزْر فيه عن الوزن إلا يسيرًا جاز، وإن كان يتفاوت لم يجز في تبر ولا مسكوك.
فأجاز محمد أن يباع الحلي المحشو جزافًا ما لم يعلم البائع وزنه فيكتمه 326. يريد: إذا كان هناك دليل يدلُّ على ما فيه، إما لأنهم قطعوا طرفًا منه ليستدل به على كثافته من رقته أو بغير ذلك وإلا لم يجز؛ لأن الغرر فيه يعظم، وقد يستخف ذلك في الخاتم إذا كان ذهبه أو فضته تبعًا للفص؛ لأن

الجزء: 6 - الصفحة: 2844

الغرر فيه يخف.
وهذا في بيع أحد الذهبين بغير جنسه، الذهب بالفضة، أو أحدهما بعرض، فإن كان جنسًا واحدًا -ذهبين أو فضتين- لم يجز أن يباع أحدهما بالآخر جزافين 327 ولا جزافًا بوزن.

الجزء: 6 - الصفحة: 2845

باب [فيمن استقرض دنانير أو دراهم أفضل أو أوزن أو أكثر]

ويجوز لمن استقرض دراهم أن يقضي أفضل عينًا وأفضل فضة إذا كان الوزن سواء، وإن كان الفضل في الوزن أو العدد كان على ثلاثة أوجه: فإن كان القرض مائة درهم عدد، أو وزن كل درهم نصف درهم فقضي مائة وازنة- جاز.
وإن كان زاده في العدد فقضى مائة درهم ودرهمًا أو أكثر من ذلك كره، وإن كانت الأولى بميزان جاز الرجحان إذا كان يسيرًا، ويكره ما أكثر من ذلك، وهذا قوله في المدونة 328. وأجاز عيسى بن دينار عند ابن مزين ذلك في العدد والوزن من غير مراعاة لقلة ولا غيرها.
قال: وأخبرني ابن وهب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في السلف أكثر عددًا.
وأجاز أبو محمد عبد الوهاب مثل ذلك أن يقضي أفضل صفة 329 وأكثر عددًا 330. وهذا هو الصحيح 331، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا، فقضي جملًا خيارًا رَبَاعِيًّا، ثم قال: "إنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً" 332، فبان

الجزء: 6 - الصفحة: 2846

بهذا أن النهي عن سلف جر منفعة فيما كان بشرط، وأنه لا بأس به إذا لم يشترط على أي وجه كان، قياسًا على فعله، ولعموم قوله: "فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" فمن زاد في العدد أو في الوزن فيما كان أخذه على الوزن فقد أحسن القضاء.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا قضى أكثر عددًا فلا خير فيه وإن صح؛ لأنه ذريعة للحرام (1). فأخبر أن ذلك ليس بحرام إنما هو حماية، والحماية في العدد والوزن واحد إذا كان القرض مائة ووزن كل درهم منها نصف، فقضى كل درهم وازنًا.

فصل [في اختلاف القرض والقضاء]

وإذا اختلف القرض والقضاء، وكان الفضل من أحدهما من المقرض أو المستقرض- جاز ذلك، وإن كان من 334 كل واحد منهما فضل واختلف الوزن لم يجز، وإن اتفق الوزن كان على القولين في القضاء، هل هو كالمراطلة؟ مثال ذلك: أن يستقرض مائة وزنها نصف نصف 335، ويقضيه مائة وازنة، فإن كانت الفضة والسكة سواء، أو كانت الفضة 336 أجود أو السكة- جاز ذلك.333
= برقم (2182)، ومسلم: 3/ 1224، في باب من استلف شيئًا فقضى خيرًا منه، من كتاب المساقاة، برقم (18/ 1600)، واللفظ لمسلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2847

وإن كانت إحداهما أدنى -الفضة أو السَّكَّة- والأخرى أجود لم يجز، ودخله الرِّبا والتفاضل في الوزن؛ لأن المقرض حينئذٍ ترك فضل فضته أو سكَّته لمكان فضل وزن دراهم 337 الآخر.
وإن قضاه خمسين درهمًا وازنة وهي أجود فضة أو سكة جاز على أحد القولين؛ لأن الوزن واحد، فصار كالمراطلة.
وإن كانت الخمسون منها 338 وزن كل درهم منها نصف أو ربع جاز ذلك؛ لأن المقرض يأخذ دون حقه، والتفاضل من ناحيةٍ واحدة، إلا أن تكون هذه الخمسون أطيب فضة وأنفق سكة فلا يجوز، ويدخله الرِّبا؛ لأن المقرض ترك فضل العدد لموضع ما أخذ من جودة الفضة والسكة.
وإن كان وزن كل درهم أكثر من درهم لم يجز؛ لأن فضل الوزن لموضع فضل العدد، وعلى هذا يجري الجواب في الذهب.
وأما الطعام -القمح والشعير وما أشبه ذلك- فالفضل فيه في القضاء من وجهين: الصفة والكيل، فإن قضى أفضل صفة جاز، وإن قضى أكثر كيلًا جاز إذا كان يسيرًا على قول ابن القاسم 339، وعلى القول الآخر يجوز وإن أكثر.

الجزء: 6 - الصفحة: 2848

فصل [في قضاء المحمدية من اليزيدية، واليزيدية من المحمدية، وقضاء المحمولة من السمراء، والسمراء من المحمولة]

ومن اقترض 340 مائة درهم يزيدية فقضاه مائة محمدية جاز ذلك قبل الأجل وبعده، فإن قضاه تسعين محمدية لم يجز قبل الأجل ولا بعده؛ لأن المحمدية أفضل فكان القابض قد ترك وزن اليزيدية لموضع فضل عيون المحمدية وذلك ربًا.
وإن كان القرض مائة محمدية فقضاه مائة يزيدية جاز ذلك بعد الأجل ولم يجز قبله، ويدخله "ضع وتعجل".
فإن قضاه مائة وعشرة يزيدية، لم يجز قبل الأجل ولا بعده.
ومن أقرض رجلًا مائة إردب سمراء، فقضاه مائة محمولة، جاز بعد الأجل، ولم يجز قبله.
وإذا كان القرض مائة محمولة فقضاه مائة سمراء جاز ذلك بعد الأجل، واختلف فيه إذا لم يحل الأجل، فقيل 341: ذلك جائز؛ لأن السمراء أجود وقد تعجل ما هو أفضل 342. وقيل: لا يجوز؛ لأنها مما تختلف فيه الأغراض، والمحمولة قمح مصر

الجزء: 6 - الصفحة: 2849

وزريعته، فقد يفضل 343 للحاجة إلى ذلك عند 344 الزريعة.
والأول أحسن؛ لأن السمراء أفضل وأغلى إلا أن يكون دفع السمراء عندما احتيج إلى المحمولة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2850

باب في الدنانير القائمة والأفراد والمجموعة والحلي والتبر والقمح والدقيق يقتضى بعضه من بعض

الدنانير القائمة والأفراد والمجموعة في القضاء على ثلاثة أقسام: فتجوز القائمة والأفراد والمجموعة 345 أن يقتضى 346 بعضها من بعض من غير مراعاة لأيهما تقدمت في الذمة.
ولا يجوز في الأفراد والمجموعة أن يقتضى بعضها من بعض على كل 347 حال.
ويجوز أن تقتضى القائمة من المجموعة، ولا تقتضى المجموعة من القائمة، هذا قوله في الكتاب 348. والصواب أن تقتضى المجموعة من القائمة، كما يجوز أن تقتضى القائمة منها، والقائمة يزيد كل دينار منها حبة على الوازن، والأفراد ينقص كل دينار منها حبة عن 349 الوازن 350، فجاز أن تقتضى إحداهما من الأخرى 351؛ لأن

الجزء: 6 - الصفحة: 2851

الفضل من ناحية صاحب القائمة وهو أحسن القضاء، إن أخذت من 352 الأفراد، ومسامحة من المقتضي إن تركها وأخذ الأفراد إلا أن تكون القائمة أقل عددًا فتدخله مبايعة؛ لأنه ترك فضل أعداد الأفراد لموضع فضل 353 عيون القائمة وذلك ربًا.
والمجموعة مختلفة الوزن، منها ما ينقص قيراطًا وأقل وأكثر، ويدخل فيها ما وزنه نصف وثلث إلا أن الوزن يجمعها، فمن كانت له مائة مجموعة أخذ مائة بالصنجة فيدخلها مع الأفراد المبايعة؛ لأن للأفراد فضل عين وللمجموعة فضل وزن، فجعلا فضل العين لموضع فضل الوزن وذلك ربًا، إلا أن يسقط فضل وزن المجموعة ويأخذ الأفراد بوزن المجموعة سواءً فيجوز، ويصير الفضل من ناحية واحدة وهو من صاحب الأفراد، إلا أن يكون لكثرة العدد عندهم فضل فيجوز على القول أن الاقتضاء كالمراطلة.
وأما القائمة والمجموعة فيجوز أخذ بعضها عن بعض إذا لم يكن لكثرة العدد عندهم فضل؛ لأن الفضل لصاحب القائمة، فإن أخذت عن المجموعة كان حُسنُ قضاءٍ من الغريم، وإن أخذت المجموعة عنها كانت تجاوزًا من القابض؛ لأنه أخذ ما هو أدنى في الوزن والعين، وإن كان للعدد عندهم فضل 354 لم يجز أيهما تقدم في الذمة أو تأخر؛ لأن في مقابلة فضل وزن القائمة وفضل عينها فضل عدد المجموعة، وذلك ربًا لأنها مبايعة، وليست بمعروف إلا أن يتساويا في الوزن.

الجزء: 6 - الصفحة: 2852

وأجاز ابن القاسم إذا أسلف قائمة بمعيار، أو باع بقائمة وزنها كذا وكذا أن يقضي مجموعة بمثل ذلك الوزن، وإن كانت المجموعة أكثر عددًا 355، وهذا هو أحد القولين أن الاقتضاء كالمراطلة.
ومدار هذه المسائل وما بعدها على ثلاث 356: فمتى كان الفضل من جنبة 357 واحدة جاز؛ لأن ذلك تفضل من الدافع أو القابض، وإن كان لكل واحد منهما فضل سَكَّة أو ذهب واختلف الوزن، حرم.
وإن استوى الوزن كان على قولين في الاقتضاء هل هو كالمراطلة؟ وعلى هذا يجري الجواب في الدنانير و 358 التبر إذا اقتضى التبر عن الدنانير أو الدنانير عن التبر.
فإن كان التبر أفضل وزنًا حرم؛ لأن فضل الوزن لموضع فضل السكة، وإن استوى الوزن وجودة الذهب أو كان ذهب التبر أدنى أو كان التبر أقل وزنًا وأدنى جودة- جاز؛ لأن الفضل من صاحب الدنانير وحده.
وإن كان التبر أجود نظرت إلى الوزن، فإن كان سواءً جاز على أحد القولين 359 إنه كالمراطلة، وإن كان التبر أقل وزنًا لم يجز، وكان ربًا؛ لأن فضل وزن الدنانير وفضل السكة في مقابلة جودة الذهب.
ومثله الحلي والتبر، فإن كان التبر أكثر لم يجز، وسواء كان في الجودة مثل ذهب الدنانير أو أجود أو أدنى.
وإن استوى الوزن والجودة، أو كان التبر أدنى أو أقل وزنًا جاز؛ لأن

الجزء: 6 - الصفحة: 2853

الفضل من ناحية صاحب الدنانير، وإن كان ذهب التبر أجود وهو أقل وزنًا لم يجز، وإن كان مثل وزن الدنانير جاز على أحد القولين إنه كالمراطلة.
وإن كان دنانير أو حليًّا واختلف الوزن لم يجز بحال؛ لأن السكة والصياغة كالعرضين وهما مما تختلف فيهما الأغراض، ولا يقال: إن أحدهما أفضل من الآخر؛ لأن هذه تراد لما لا يراد له الآخر.
وإن استوى الوزن كان فيهما قولان: الجواز والمنع، وسواء استوى الذهبان في الجودة أو اختلفا.
فمنع ذلك مالك مرة 360 في كتاب محمد، وقال: يفسخ إذا فعلاه.
وأجازه في مختصر ابن عبد الحكم فيمن أصدق امرأة دنانير أن يعطي عنها حليًّا مثلًا بمثل 361. وأجازه في الكتاب إذا كانت له دنانير قائمة بوزن أن يأخذ مجموعة بوزنها 362. وأجاز ذلك أيضًا فيمن كان 363 له قمح أن يأخذ عنه دقيقًا بكيله، وإن كان قد ترك الريع لمكان 364 الطحين، وكل هذا مختلف فيه إذا كان اقتضاءً، وأجيز في المراطلة.
ولا فرق بين المسألتين، فإما أن يجوز ذلك فيهما جميعًا في الاقتضاء

الجزء: 6 - الصفحة: 2854

والمراطلة وتكون السَّكَّة والصياغة في معنى اللغو، أو يمنع فيهما جميعًا ويُقَدَّر بمنزلة سلعة وذهب بسلعة وذهب.

فصل [في اقتضاء الدقيق عن القمح، والقمح عن الدقيق]

واقتضاء الدقيق من القمح على ثلاثة أوجه: إما أن يكونا سواء في الكيل، أو يكون الدقيق أكثر كيلًا، أو أقل كيلًا: فإن كان في مثل كيله جاز.
وقال ابن القاسم: وإن كان قد ترك ريع القمح لموضع طحن الدقيق 365. قال الشيخ: أخذ الدقيق من القمح تدخله المبايعة، فإن كانت الجودة سواء، كان ريع القمح لمكان الطحين، وإن كان الدقيق أجود، كان الريع لمكان الطحين والجودة، وإن كان الدقيق أدنى، كان ريع القمح وجودته لمكان الطحين، فالمبايعة 366 لا تفارقه بحال، وهذا على أصله في جواز بيع القمح بالدقيق 367. وأما على ما ذكره عبد الوهاب فيمنع هذا كله 368. وإن كان الدقيق أكثر كيلًا وأقل من ريع القمح لم يجز، وإن كان مثل ريع القمح بأمر لا شك فيه والجودة سواء جاز؛ لأن الفضل من الغريم وحده، وهو حُسنُ قضاءٍ.
وإن كان الدقيق أدنى في الجودة لم يجز.

الجزء: 6 - الصفحة: 2855

واختلف إذا كان أقل كيلًا، فمنعه ابن القاسم 369. وأجازه أشهب إذا كانت الجودة سواء 370. وهو أحسن إذا كان أقل بالشيء الكثير مما يرى أنه معروف من القابض، وأن مثل ذلك لا يترك لوضع الطحين.
ومثله إذا كان أقل كيلًا وأدنى جودة فذلك جائز، وإن كان أقل وأجود لم يجز قولًا واحدًا، وهذا في القرض، وكرهه ابن القاسم في البيع، وذلك كله مع حلول الأجل، وأما إذا لم يحل الأجل وأخذ دقيقًا مثل كيل قمحه لم يجز؛ لأنها مبايعة، وإذا كانت مبايعة كان طعامًا بطعام ليس يدًا بيد إلا على القول ببراءة الذمم فيجوز.
وإن كان الدقيق أقل كيلًا لم يجز، ويدخله "ضع وتعجل" إذا كانا في الجودة سواء، أو الدقيق أدنى، وإن كان الدقيق أجود 371 كان ربًا، وإن تعجل الدقيق على القمح قبل الأجل لم يجز عند أشهب، ويدخله على قوله "ضع وتعجل" 372.

الجزء: 6 - الصفحة: 2856

باب في مبادلة الدينار بأوزن منه أو أكثر

التفاضل بين الذهبين محرم إذا كان على وجه المبايعة، ويفترق الجواب إذا كان على وجه المعروف، وهو على ثلاثة أوجه: فيجوز بدل دينار بأوزن منه إذا كان بغير ميزان، ويمنع إذا كان بميزان هذا في كفة وهذا في كفة، وفضلا بينهما في الوزن.
واختلف في بدل دينار بدينارين من سكة واحدة، فمنعه أشهب، وأجازه المخزومي وإن كان أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل.
وكذلك النَّسَاء بين الذهبين محرم على وجه البيع، ويجوز على وجه المكارمة والمعروف، وهو القرض، فبيع مائة دينار بمثلها إلى أجل ربا وحرام، وسلف مائة دينار ليرد مثلها إلى سنة جائز، ولا فرق بينهما إلا أن هذا على وجه المعروف والآخر على وجه المكايسة.
وإذا كان ذلك وجاز التفاضل في بدل دينار من الأفراد بدينار 373 من القائمة 374 بغير ميزان- جاز ذلك في مجموع بقائم، وإن فضلا بينهما في الوزن فقد يقول صاحب القائم: لا أرضى بدفعه إلا أن يكون نقص الآخر قيراطًا أو قيراطين، فإن كان أكثر لم أفعل، ويقول الآخر: هذا دينار ينقص قيراطًا وحاجتي إلى وازن، فيزن له الآخر ليعطيه الوزن الذي أحب.

الجزء: 6 - الصفحة: 2857

فصل [في مبادلة الدينار بأوزن منه]

ويجوز عند مالك بدل الدنانير بأوزن منها، وذلك بثلاثة شروط: أن تكون سكتها واحدة وذهبهما واحد سواء، أو يكون ذهب الأوزن أجود، فإن كانت سكة أقلهما وزنًا أفضل أو كان ذهبه أجود لم يجز 375. واختلف إذا كان سكة الأوزن أجود، فكرهه ربيعة ومالك، وقال ابن القاسم: لا بأس به عندي.
وقد كان شيخنا أبو الطيب 376 يقول في قول مالك: إن ذلك لأن السكك يختلف نفاقها في البلدان، فتكون في بلد بخيسة وفي آخر نافقة.
وقد كان ذلك في الدينار المستنصري والتجاري، مضى لهما وقت والمستنصري أفضل في الصرف بنحو ربع الثمن وعيارهما واحد، فخشي مالك أن تكون المبادلة لأن السكة الأدنى أحسن 377 وزنًا من النافقة 378 في بلد آخر، فتدخله مبايعة.
ويجوز بدل دينار طيب بدينار مغشوش بنحاس أو فضة إذا كانت السكة واحدة؛ لأن ذلك مكارمة من صاحب الجيد، وكذلك دينار صحيح طيب

الجزء: 6 - الصفحة: 2858

بدينار من هذه الرباعية وإن كانت محمولة بفضة؛ لأن ذلك مكارمة من صاحب الدينار الطيب (1). وقال أشهب في المدونة في بيع درهم مغشوش بدرهم طيب: لا بأس به، قال: وإنما يشبه هذا البدل (2). وقد مضى في كتاب القسم بدل قمح جيد بطعام غلث (3) أو مسوس (4).

فصل [فيما يسمح به في إبدال الناقص بالوازرن]

يجوز عند مالك بدل الدينارين والثلاثة بأوزن منها 383. واختلف عنه في الستة.
وكره ما كان أكثر 384 من ذلك.
وأجيز النَّسَاء في القرض وإن كثر.
وأجيز أيضًا ما أكثر في 385 الجيد والرديء 386 إذا استوى الوزن.379380381382

الجزء: 6 - الصفحة: 2859

باب في بيع الذهب بالذهب مراطلة

ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن صارف رجلًا بدنانير سكة مضروبة ذهبًا أصفر بتبر مكسور إبريز أحمر وزنًا بوزن: لا بأس به 387. وكذلك بدل الدنانير بالدنانير أحدهما أجود سكة والآخر أجود ذهبًا، والدنانير بالحلي أحدهما أنفق سكة أو صنعة والآخر أجود ذهبًا، فلا بأس بذلك كله عنده إذا استوى الميزان.
وقال الشيخ أبو الحسن ابن القصار - رضي الله عنه -: لا يجوز أن يتراطلا بخلخالين من فضة أو ذهب بمثلهما 388 مسكوكًا حتى تستوي الجودة، جودة الحلي وجودة الدنانير، فإذا استوى الذهبان جاز، ولم يراع نفاق السكة والصياغة عند الناس؛ لأن السكة عين، والصياغة زيادة جودة، فزيادة الجودة خلاف العين، وقد قيل: إنه يراعى ذلك فيهما، قال: الأول أحسن.
قال الشيخ: ولا فرق بين السكة والصياغة، فإما أن يقال 389 يلغى حكمهما جميعًا، فيجوز وإن اختلف الذهبان ويكون بمنزلة تبر بتبر، أو يراعيان جميعًا فيمنعان، فيكون بمنزلة ذهب وعرض بذهب وعرض.
وإن كان من عند أحدهما دنانير سكة واحدة ومن عند الآخر سكتان، فإن كانت السكة المنفردة أجود من السكتين أو أدنى منهما جازت المراطلة؛ لأنا لا نجد في فعلهما ذلك مبايعة، وإنما هو معروف من صاحب الجيدة

الجزء: 6 - الصفحة: 2860

لصاحب الدنيئة.
وإن كانت المنفردة أجود من إحدى السكتين وأدنى من الأخرى لم يجز؛ لأن هذه مبايعة ترك فضل الجيدة 390 لمكان ما معهما من الدنية، فلو فُضَّت المنفردة على قيم السكتين كان الذي ينوب الجيدة أكثر من خمسين والأخرى دون ذلك، وكذلك إن ظهر في أحدهما على عيب لم يرجع في نصف الدنانير 391؛ لأن الذي ينوبهما مختلف.
واختلف إذا كانت المنفردة مثل إحدى السكتين والأخرى أجود أو أدنى، فأجازه ابن القاسم، ومنعه سحنون.
مثال ذلك أن يخرج أحدهما مائة دينار عتقًا، والآخر خمسين عتقًا وخمسين هاشمية، فرأى 392 ابن القاسم أن الخمسين العتق تقابل الخمسين العتق، وتكون المراطلة في خمسين عتق بخمسين هاشمية 393. وقول سحنون أحسن؛ لأني لا أجده جعل المراطلة مائة بمائة إلا لغرض لهما في ذلك، ولو كان القصد من صاحب المائة العتق مكارمة لصاحب الهاشمية لراطله 394 خمسين عتقًا بخمسين هاشمية، وأبقى الخمسين التي يأخذ مثلها لنفسه، ولم يدخلها في المراطلة، إذ لا فائدة له في ذلك، فلما امتنع أن يتطول عليه بخمسين إلا بشرط أن يعاوضه بخمسين أخرى علمنا أن ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 2861

لغرض لهما في ذلك، فكان المنع أولى.
وكذلك إن كان من ناحية دنانير 395 مسكوكة ومن ناحية تبران، فإن كانت المسكوكة أجود من التبرين أو أدنى منهما فذلك جائز، وإن كانت أجود من إحداهما، وأدنى من الأخرى فهو فاسد.
وكذلك إن كانت من ناحية دنانير مسكوكة ومن ناحية دنانير وتبر، فإن كانت السكة المنفردة أجود من الدنانير والتبر أو أدنى فذلك جائز.
وإنما يراعى في الدنانير المسكوكة نفاقها على هيئتها ولا يراعى صفة ذهبها؛ لأنها إذا كانت مسكوكة كانت غير مراعاة، وإنما تراعى على ما ذهب إليه الشيخ أبو الحسن الجودة في الذهوب والتبر وذهبها 396، وعلى القول الآخر يراعى الذهب والسكة.
فإن كانت الدنانير المنفردة أنفق من الدنانير والتبر وذهبها أدنى لم يجز؛ لأنها إن أجريت على حكم البياعات في القبض وفيما ينوب كل واحد منهما كان في العين متفاضلًا.
وإن كانت السكة المنفردة أنفق من الدنانير ودون التبر، أو أنفق من التبر ودون الدنانير، لم يجز، وإن كانت الدنانير المنفردة مثل الدنانير الأخرى والتبر أجود أو أدنى- جاز ذلك على قول ابن القاسم، ولم يجز على قول سحنون.
وكذلك إذا كانت أربع ذهوب، من ناحية دنانير وتبر، ومن 397 الناحية الأخرى مثل ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2862

وإن كان الفضل في النفاق والجودة سواء 398 جاز ذلك وإن تساوت السكتان واختلف التبران، وإن 399 اتفق التبران واختلفت السكتان 400، جاز على قول ابن القاسم، ولم يجز على قول سحنون.
وقد تقدم على 401 قول ابن القاسم إذا كان من عند أحدهما دنانير ذهب أصفر، ومن عند 402 الآخر ذهب إبريز أحمر- أن ذلك جائز 403. ومحمل قوله في الأصفر أن ذلك من أصل الخلقة في المعدن.
وكذلك بعض الذهوب أصفر خلقة، فإن كان ذلك لغش في الدنيء لم يجز، قاله مالك في مختصر ما ليس في المختصر، قال: إذا كانت الدنانير مغشوشة، فلا أظن تجوز المراطلة بها.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى دنانير منقوشة مضروبة ذهبا إبريز أحمر بتبر 404 أصفر، ثم أصاب بالدنانير ما لا يجوز في السوق، قال: لا يرد إلا أن يكون مغشوشًا، فينتقض من الصرف بقدر ما أصاب 405. ولم يبين هل ذلك إذا قام 406 مشتريها بالعيب أم لا، وعلى قول مالك

الجزء: 6 - الصفحة: 2863

ينتقض جبرًا؛ لأن الرضا بذلك لا يحل؛ لأنه تفاضل.
ولا يجوز على هذا بيع التبر بالتبر إذا كان في أحدهما غش، وإن دخلا (1) على السلامة، ثم تبين أن في أحدهما غشًا- أجبرا على نقضه إذا كان الذي فيه الغش أجود ذهبًا متى أزيل غشه، وإن (2) كان متساويًا أو أدنى جاز؛ لأن ذلك تفضل من أحدهما ولا تدخله مبايعة.

فصل [في إسلام الدراهم والدنانير في اللحم]

ومن أسلم دراهم في رطل لحم على صفة فقضاه بعد الأجل رطلًا أجود من صفته أو أدنى، ولم يزد أحدهم الآخر شيئًا- جاز ذلك، وإن أخذ الذي له السَّلَم أجود، وزاد لمكان الجودة شيئًا لم يجز، ودخله التفاضل وبيع الطعام قبل قبضه.
ومثله إذا أخذ أدنى وزيادة عرض.
وإن كانت الزيادة دراهم أو ذهبًا لم يجز أيضًا؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك فيدخله إذا كانت الزيادة دراهم بيع وسلف، وإذا كان ذهبًا التفاضل بين الذهبين، ويدخله التفاضل بين الطعامين وبيع الطعام قبل قبضه إذا لم يحمل على أنهما عملا على ذلك.
وإن أخذ رطلين على صفة سلمه جاز، ويدفع ثمن الرطل الزائد نقدًا أو إلى أجل، وإن كانا أجود جاز أن يتطول المسلم إليه بالزائد إذا لم يأخذ عنه 409 ثمنًا، فإذا أخذ عنه عوضًا فسد، وكان قد باع رطلًا رديئًا ودراهم برطلين407408

الجزء: 6 - الصفحة: 2864

جيدين، فيدخله التفاضل وبيع الطعام قبل قبضه، وإن أخذ رطلًا قبل محل الأجل لم يجز، إلا أن يكون مثل صفة سلمه سواء.
وإن أخذه أجود دخله: حُطَّ عني الضمان وأزيدك، وإن كان أدنى دخله: "ضع وتعجل"، ولا يجوز أن يأخذ قبل الأجل أكثر وزنًا ولا أقل، وسواء كانت الصفة سواء أو مختلفة بجودة أو دناءة، ويدخله: التفاضل والطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وبيع الطعام قبل قبضه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2865

باب فيمن له على رجل دينار هل يصارفه في بعضه؟ وفيمن اقترض نصف دينار أو اشترى بنصف دينار أو بدانق، بماذا يقضى عليه؟ وفيمن أقرض فلوسًا أواشترى بها ففسدت أو انقطعت

وأجاز مالك وابن القاسم لمن له على رجل دينار أن يصارفه في بعضه في سدسه أو نصفه أو ما أحب؛ لأن الباقي بعد الصارفة ذهب، ولأنه لو صرف منه نصفه 410 وأحب الغريم أن يخرج دينارًا فيكونا فيه شريكن نصفين، لأُجْبِرَ الآخر على قبوله، ولو باعه بعد ذلك سلعة بنصف دينار لأجبر على أن يقضيه دينارًا صحيحًا، ولو كان يمتنع 411 من صرف بعضه لأجل أنه لا يحكم في الباقي إلا بفضة لمُنِعَ أن يهبه نصفه؛ لأنه يكون بمنزلة من وهب هبة على أن يصارفه بعد ذلك، فيكون على قوله هبة فاسدة.
وإن صارفه في نصفه بدراهم جاز أن يأخذ في بقيته وَرِقًا أو عرضًا، وكذلك لو ابتدأ بأخذ عرض عن نصفه، ثم أراد أن يأخذ بقيته عرضًا 412 أو ورِقًا- جاز.
واختلف إذا صارفه في نصفه 413 أو أخذ عرضًا، هل يجوز أن يأخذ في

الجزء: 6 - الصفحة: 2866

بقيته ذهبًا؟ فمنع ذلك مالك وابن القاسم، وقال ابن القاسم: لأنه يصير ذهبًا وَوَرِقًا بذهب، أو ذهبًا وعرضًا بذهب 414. يريد: أنهما يتَّهمان أن يكونا عملا على ذلك.
وقال محمد: وأجاز أشهب أن يأخذ بالباقي ذهبًا إذا كان مثل ذهبه ومثل وزنه، لا أقل ولا أكثر 415. وهو أحسن؛ لأنه إذا أخذ قطعة مثل ذهبه ومثل وزنه كان قد ترك فضل السكة، وذلك معروف منه، ولا يدخله مبايعة، ويجوز أن يأخذ دون ذهبه ودون وزنه، ويمنع أن يأخذ أقل وزنًا وأجود ذهبًا.
ويختلف إذا أخذ أجود من ذهبه مثل وزنه، فيمنع على 416 من جعل الاقتضاء خلاف المراطلة، ويجوز على من سوى بينهما.
وقال محمد: كره ابن القاسم أن يأخذ في ابتداء أخذه في أول ما يأخذ قطعة ذهب ثلثًا أو نصفًا 417. وذلك؛ لأنه إن أخذ في الباقي ورقًا أو عرضًا دخله على أصله ذهب بذهب وورق أو عرض، ويجوز ذلك على قول أشهب حسبما تقدم.
ومن قال لرجل: أقرضني نصف دينار والصرف عشرة دراهم بدينار، فأعطاه خمسة دراهم، لم يقض له إلا بخمسة دراهم مثل ما أعطى، ولو مضى معه إلى الصراف فصرف دينارًا فأعطاه نصفه، فكذلك ليس له إلا مثل ما أخذ

الجزء: 6 - الصفحة: 2867

من الدراهم.
قال مالك وابن القاسم: ولو أعطاه دينارًا فصرفه المستسلف، فأخذ نصفه ورد نصفه، كان عليه نصف دينار غلا الصرف أو رخُص (1). وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن قال لرجل: أسلفني نصف دينار، فدفع إليه دينارًا، فقال: اذهب فصَرِّفه فخذ نصفه وائتني بنصفه، فقال: أخشى ألا يكون عليه إلا مثل ما أخذ من الدراهم.
ولو قال له: خذ هذا الدينار، فخذ نصفه وجئني بنصفه، كان يجب له عليه عين (2). وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أعطاه دينارًا وقال له: صرفه فخذ نصفه وجئني بنصفه أن عليه نصف دينار (3) ذهبًا (4). وهو أحسن؛ لأنه إنما قال له "خذ نصفه وجئني بنصفه" إنما يأخذه ليصرفه ويأتيه بنصفه دراهم، فلا فرق بين قوله: "خذه وجئني بنصفه" وبين قوله: "صرفه وجئني بنصفه"، وينبغي أن يكون عليه نصف دينار ذهبًا.

فصل فيمن ابتاع سلعة ببعض درهم أو بدانق وشبه ذلك

ومن اشترى شيئًا بدانق أو دانقين أو ثلاثة جاز، ومحمل بيعها على الفضة، والدانق سدس درهم.
فمن باع بدانق كان له سدس درهم، أو دانقين كان له418419420421

الجزء: 6 - الصفحة: 2868

ثلث درهم، أو ثلاثة كان له نصف درهم.
فإن كان عندهم الدراهم الصغار قضي له بذلك منها، وإن كانت كبارًا لا يحوز عندهم غيرها، وكسرها فساد؛ قضي له بصرفها فلوسًا إذا كانوا يتبايعون بالفلوس، والقضاء بالفلوس إذا باع بجزء من درهم كالقضاء بالدراهم إذا باع بجزء من دينار.
وإن لم يكونوا يتبايعون بالفلوس قضي له بما العادة 422 أنه يقضى عن ذلك من طعام أو غيره، وإن لم تكن لهم في ذلك عادة أخرج درهمًا فكانا فيه شريكين، ثم يتبايعانه بما ينقسم.
وقال ابن القاسم فيمن باع بدانق فلوسًا نقدًا: فلا بأس به إذا كان الدانق معروفًا كم هو من عدد الفلوس، قال: وإن باع بدانق فلوسًا إلى أجل فلا بأس به، إذا سَمَّيا ما له من الفلوس أو كانا عارفين بعدة الفلوس 423. ففرق بين النقد والأجل، فأجازه في النقد إذا كانا عارفين بما يجب للدانق من الفلوس، ولم يجزه في الأجل إلا إذا سمَّيا ما يأخذ من الفلوس، ولو لم يسمِّيا لم يجز؛ لأن الحكم على ما يكون من الصرف يوم يحل الأجل.
وقال مالك فيمن باع سلعة بنصف دينار إلى أجل على أن يأخذ به دراهم: لا خير فيه 424؛ لأن البيع وقع على الدراهم وهي لا تعرف، وإنما وقع على ما يكون من صرف الدينار يوم يحل الأجل، فهذا لا يعرف بما باع به سلعته، فلم يجزه في الأجل إلا أن يسميا؛ لأن إطلاق الأمر عنده على ما يكون من الصرف

الجزء: 6 - الصفحة: 2869

يوم يحل الأجل.
وقال أيضًا فيمن باع سلعة بنصف دينار نقدًا على أن يأخذ به دراهم، قال: (1) قال مالك: إذا كان الصرف معروفًا يعرفانه، فلا بأس به إذا اشترطا كم الدراهم من الدينار (2). والقول الأول أحسن، إذا كان البيع بالنقد أن تجزئ (3) معرفتهما للصرف وعليه يحملان.

فصل [فيمن له دينار أو بعضه مؤجلًا، فأراد أن يقضي الغريم قبل الأجل دراهم ونحوها]

ومن كان له نصف دينار إلى أجل فعجل عنه 428 الغريم دراهم قبل الأجل لم يجز، ويدخله الوَرِق بالذهب إلى أجل، إلا على قول 429 من قال ببراءة الذمم، ولو عجلا دينارًا فكانا فيه شريكين لجاز.
وقال ابن القاسم فيمن كان له على رجل كراء سدس دينار في كل شهر فتدارك 430 عليه ستة أشهر، فإنه يحكم عليه بدينار يجمع ذلك كله عليه، قال: وإن كان معسرًا فأراد أن ينجِّمه عليه كسورًا فلا يفعل، ولكن يتركه على حاله425426427

الجزء: 6 - الصفحة: 2870

فيقبض منه ما وجد 431. واختلف فيمن عليه دينار منجم ثلثه في كل نجم، فأراد أن يعجل دينارًا قبل الأجل، فقال مالك: لا بأس بذلك 432. وقال أحمد بن مُيَسِّر: لا خير فيه؛ لأنه يعجل له ما يحكم به دراهم إلى الأجل.
وقول مالك أحسن؛ لأن الذي عليه 433 ذهب ولو كان ذلك لم يحكم في مسألة ابن القاسم فيمن له سدس دينار في كل شهر أن عليه دينارًا 434، وإن تداركت عليه ستة أشهر.
ولا خلاف فيمن له نصف دينار حالٌّ ونصف إلى أجل؛ أنه لا يجوز له أن يؤخره بالنصف الحالِّ ليأخذ دينارًا صحيحًا؛ لأن التأخر سلف، فلا يجوز إلا أن يريد به المعروف للمطلوب.

الجزء: 6 - الصفحة: 2871

فصل [أثر قطع التعامل بالفلوس في القرض والبيع]

وقال مالك في القرض والبيع بالفلوس: إذا فسدت فليس له إلا الفلوس 435، قال في كتاب الرهن: لو كانت مائة فلس بدرهم، ثم صارت ألف فلس بدرهم- لم ينظر إلى ذلك، وليس له إلا مثل فلوسه 436. قال الشيخ: ولو انقطعت فلم توجد كان له قيمتها يوم انقطعت إذا كان الدَّيْن حالًّا، وإن كان إلى أجل وانقطعت قبل الأجل كان له قيمتها يوم يحل الأجل، ولم ينظر إلى قيمتها يوم انقطعت؛ لأنه لم يكن توجه له قبل الأجل طلب، وإن أخره بعد الأجل أجلًا ثانيًا كان عليه قيمتها يوم حلَّ الأجل الأول؛ لأن بالقيمة وقع التأخير.

الجزء: 6 - الصفحة: 2872

باب [في المبايعة بالدراهم الزيوف]

قد تقدم القول في جواز المراطلة بالزيوف، وكره مالك المبايعة بها، قال: لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش على المسلمين 437. وقال أشهب: تكسر إلا أن يخاف أن تسبك فتجعل دراهم فتباع على وجه الفضة، فلتصف حتى تباع فضتها ناحية ونحاسها ناحية 438. واختلف في اللبن يغش، فقال مالك: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يطرحه في الأرض أدبًا لصاحبه 439. وقال مالك: الأحسن أن 440 يتصدق به، قال: وكذلك الزعفران والمسك إذا غشه بنفسه، وإن اشتراه مغشوشًا لم أر ذلك عليه.
وقال ابن القاسم: إن ذلك فيما كان يسيرًا، وأما الكثير فلا أرى ذلك، وليؤدب بالضرب الوجيع 441. يريد: ولا يتصدق به عليه.
قال مالك: من الغش بَلُّ الخُمُر التي 442 تعمل من القز بماء الخبز لتتصفق بذلك وتشتد 443.

الجزء: 6 - الصفحة: 2873

قال: ومن الغش أن يخلط الذهب الجيد بِدَنيِّه 444 فيسبكهما 445، ونفخ اللحم غش، وهو يغير طعمه 446، ويجوز على قوله الصدقة بذلك كله، وعلى قول ابن القاسم، تغسل الخُمُر حتى يذهب ذلك منها، ولا يتصدق بها عليه، ويعاقب.
والخلاف في القليل: هل يطرح أو يتصدق به؟ والخلاف في الكثير: هل يتصدق به، أو يترك لصاحبه ويعاقب؟ ولو اشترى رجل شيئًا من ذلك كله، وهو عالم بغشه ليبيعه من الناس ولا يبين، كان حكمه حكم من غش، يتصدق به عليه أو يعاقب على قول ابن القاسم، والأصل في العقوبة في المال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقُدور التي أُغْلِيت بلحوم الغنم قبل أن تقسم أن تُكْفَأَ 447. والعتاق 448 على مَن مَثَّل 449 بعبده.
كمل كتاب الصرف، والحمد لله حق حمده 450

الجزء: 6 - الصفحة: 2874

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرف
باب ذكر الرِّبا في الصرف والوجه الذي يجوز عليه الصرففصل [في أحكام الدراهم والدنانير الزائفة في الصرف]فصل [في أحكام الصلح والبدل في الصرف]فصل [في أحكام المناجزة في الصرف]فصل [في صرف الدَّين المؤجل]باب في بيع الفلوس بالفلوس وبالعينباب فيمن عقد صرفًا على ما في ملك غيره، وفيما يكره من التراخي في الصرف ولا يحرم، وفي المواعدة في الصرف والخيار والصرف على التصديقفصل [في المواعدة والخيار في الصرف، والصرف على التصديق]باب فيمن بادل رجلًا دنانير بدنانير، ثم صرفها منه بدراهم، أو صارفه دنانير بدراهم، ثم باعها منه بدنانيرباب فيمن اشترى سيفًا مُحَلَّى نصله تبعٌ لحليتهباب في الوكالة والحمالة والحوالة في الصرفباب فيمن له على رجل دراهم فوكله على أن يصرفها له بدنانير، وكيف إن وكل الذي عليه الدَّيْن الذي له الدَّيْن فدفع إليه عرضًا أو دنانير ليبيعها وليصرفها، ويأخذ دراهمه منهافصل [في الصرف والمقاصة فيه]فصل [فيما يجوز من صرف الدَّيْن أو شراء عرض به]باب في الصرف من النصراني والسَّيِّد من عبدهفصل [حكم الربا بين السيد وعبده]باب [فيمن اشترى فلوسًا ببعض درهم فدفع درهمًا، وأخذ بقيته فضة، أو اشترى سلعة ببعض دينار فدفع دينارًا وأخذ بقيته ذهبًا]باب [فيمن غصب دنانير أو خلاخل، ثم صارف المغصوب منه فيها بدراهم، أوغصب جارية، تم اشتراها من صاحبها]باب [فيمن أودِع دراهم أو رهنها، ثم صارف صاحبَها فيها، أو صرفها من غيره لنفسه أو لصاحبهاباب [في الصرف والبيع في عقد واحد]فصل [فيمن صرف دينارًا وأخذ بالدراهم سلعة فوجد عيبًا]فصل [فيمن ابتاع سلعة ودراهم بدينار، وحصل تأخير أو تقدم في السلعة والدراهم، أو استثنى في الدراهم]باب [في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ومعهما أو مع أحدهما عرض]باب [في بيع السيف المحلَّي وغيره من آلة الحرب والحلي والمصحف]فصل [في بيع المحلَّى بأحد النقدين بجنس الآخر، والمقدار المعتبر للتبعية في ذلك]باب [في الاستحقاق في الصرف]فصل [في استحقاق المصوغ في عقد الصرف]باب [في البيع على تسمية دنانير أو دراهم]باب [فيمن صرف بعضًا من دينار أو نقرة أو دراهم]باب في المتصارفين يزيد أحدهما الآخر بعد انعقاد الصرف شيئًا نقدًا أو إلى أجلباب في المصطرفين يجد أحدهما نقصًا في الوزن أو العددفصل [في مبادلة أنواع الذهب وبيع بعضها ببعض، ووجود العيب فيها]باب فيما يقضى به لمن باع ببعض دينارباب في بيع الذهب والفضة جزافًاباب [فيمن استقرض دنانير أو دراهم أفضل أو أوزن أو أكثر]فصل [في اختلاف القرض والقضاء]فصل [في قضاء المحمدية من اليزيدية، واليزيدية من المحمدية، وقضاء المحمولة من السمراء، والسمراء من المحمولة]باب في الدنانير القائمة والأفراد والمجموعة والحلي والتبر والقمح والدقيق يقتضى بعضه من بعضفصل [في اقتضاء الدقيق عن القمح، والقمح عن الدقيق]باب في مبادلة الدينار بأوزن منه أو أكثرفصل [في مبادلة الدينار بأوزن منه]فصل [فيما يسمح به في إبدال الناقص بالوازرن]باب في بيع الذهب بالذهب مراطلةفصل [في إسلام الدراهم والدنانير في اللحم]باب فيمن له على رجل دينار هل يصارفه في بعضه؟ وفيمن اقترض نصف دينار أو اشترى بنصف دينار أو بدانق، بماذا يقضى عليه؟ وفيمن أقرض فلوسًا أواشترى بها ففسدت أو انقطعتفصل فيمن ابتاع سلعة ببعض درهم أو بدانق وشبه ذلكفصل [فيمن له دينار أو بعضه مؤجلًا، فأراد أن يقضي الغريم قبل الأجل دراهم ونحوها]فصل [أثر قطع التعامل بالفلوس في القرض والبيع]باب [في المبايعة بالدراهم الزيوف]
كتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل