كتاب القطع في السرقة
الأصل في قطع السارق قوله الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا قطع فيما يقتضيه ظاهر الآية، إلا أن 1 يسرق نصابًا من حرزه، فأما النصاب فالأصل فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" 2. وفي بعض طرقه: 3 "لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا".
أخرجه البخاري ومسلم 4. وفي الحرز قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ، فَإِذَا آوَاهُ المُرَاحُ أَوِ الجَرِينُ فَالقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ" 5. وهذا الحديث وإن لم يكن من طريق صحيح، فقد صحبه العمل،
الجزء: 13 - الصفحة: 6053
أعني في مراعاة الحرز.
ولا يقطع السارق إلا بعد اعتبار خمسة أشياء:
أحدها: قدر السرقة وهو أن يكون نصابًا.
والثاني: معرفة صفة السرقة وهي أن تكون مما يجوز ملكها وبيعها.
والثالث: أن تؤخذ من حرز.
والرابع: صفة السارق أن يكون بالغًا عاقلًا.
والخامس: أن يسرق ممن لا شبهة له في ماله ليس ابنه ولا عبده.
ومن المدونة: وإذا شهد شاهدان على رجل بالسرقة سألهما الإمام عن السرقة ما هي؟ وكيف هي؟ ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ وإن شهد أربعة بالزنا سألهم كيف رأوه؟ وكيف صنع؟ فإن وجد ما يدرأ به الحدّ درأه 6.
قال الشيخ -رحمه الله-: فقد يظنون أن الوطء بين الفخذين 7 أو إذا رأوه عليها يحكم عليه بحكم الزنا فيكشفون هل رأوا الفرج في الفرج؟ وهل كان ذلك بآدمية؟ ويكشفون في السرقة عن الوجوه التي تقدم ذكرها من قدر السرقة، وهل هي مما يجوز بيعها، وعن الحرز وممن سرق؟ فإن غابوا قبل أن يسألوا، ولم يقولوا أنه سرق سرقة توجب القطع 8 لم يقطع لإمكان أن يكون دون نصاب، أو من غير حرز، أو غير ذلك.
وإن قالوا: إنها مما يجب فيها القطع كشفوا أيضًا؛ = (1518)، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وقال الحافظ ابن حجر: معضل، انظر: تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير: 4/ 65.
الجزء: 13 - الصفحة: 6054
لأنه يمكن أن يذهب (1) عنهم بعض (2) ما يوجب القطع فإن لم يسألوا حتى غابوا لم يقطع إلا أن يكونوا من أهل العلم، ومذهبهم مذهب الحاكم، وكذلك في الزنا إن غابوا قبل أن يسألوا لم يحد إلا أن يكونوا من أهل العلم بما يوجب الحد.
وإن غاب ثلاثة من شهود الزنا أو واحد من شاهدي السرقة، سئل الباقي.
قال محمد: وإن كانوا في الشهادة على الزنا أكثر من أربعة فغاب أربعة، لم يسأل الباقي (3). وليس هذا بالبين، بل يسأل فإن ذكر وجهًا لا يوجب الحد لم يحد، وشهادته شبهة فيما (4) لم يسألوا عنه، وكذلك السرقة إذا شهد ثلاثة، فغاب اثنان وذكر الثالث وجهًا لا يوجب القطع، فإنه لا يقطع؛ لأن الحاكم ليس على يقين من الغيب أنهم يخالفون الحاضر (5).
فصل [نصاب السرقة]
وللسرقة نصابان: فإن كانت من الذهب فربع دينار، وإن كانت من الورق فثلاثة دراهم، وإن كانت عرضًا كان فيها 14 قولان: فقيل: تقوم بالفضة 15، وقيل: تقوم بما العادة أنها تباع به من ذهب أو فضة 16 وإن كانت910111213
الجزء: 13 - الصفحة: 6055
تباع بهما جميعًا قطع إذا بلغت قيمتها نصابًا من أحدهما إلا أن يكون بيعها بأحدهما قليلًا فلا يقوم به 17. وعلى هذا حمل الشيخ أبو بكر الأبهري مسألة الكتاب في قوله: إنها تقوم بالدراهم 18؛ أن ذلك إذا كان الغالب من نقدهم الفضة، ويؤيد ذلك قول مالك إذا سرق دهنًا فدهن به لحيته، فقال: يقطع إذا كان في قيمته إن سُلِت ربع دينار، وقال إن ذبح شاة وكانت قيمتها وقت خرج بها ربع دينار: قطع 19 وهذا تسليم أن القيمة تكون بالذهب، والأصل في الذهب حديث عائشة - رضي الله عنها - وقد تقدم، وفي الورق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "وَالقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ" 20 واختلف في قيمة المجن فقال ابن عمر: "قَطَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "فِي مَجِنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ" 21. وفي النسائي عن عائشة: "ثَمَنُه رُبُعُ دِينَارٍ" 22. وفيه عن أنس: "ثَمَنُهُ دِينَارٌ" 23. وفيه عن ابن عباس: "ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ" 24.
الجزء: 13 - الصفحة: 6056
قال الشيخ -رحمه الله-: والقياس وإن كان خلاف المذهب أن يرجع في ذلك إلى نصاب الذهب؛ لأن الحديث في القطع فيما بلغ ثمن المجن ليس بصحيح.
والثاني: ما ذكر من الاختلاف في قيمة المجن الذي علق الحكم به، فينبغي أن يوقف ويرجع إلى ما لا يختلف فيه.
والثالث: أن حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن، نازلة في عين، فلا يعارض به ما أقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته ليُنتهى إليه 25 من قوله القطع في ربع دينار فصاعدًا، وفي كتاب محمد: إذا سرق ثلاثة دراهم ينقص كل درهم ثلاث حبات.
وهي تجوز بجواز الوازنة لم يقطع، قال أصبغ: وأما حبتان من كل درهم فإنه يقطع 26. قال الشيخ: دراءة القطع أحسن.
وقد اختلف في وجوب الزكاة في مثل هذا النقص، وإذا لم تجب الزكاة كان أبين ألا يجب قطع.
واختلف أيضًا إذا اختلف في قيمة السرقة فقومت بثلاثة دراهم وقومت بدون ذلك، فقال في الكتاب: يقطع 27.
وقال في مختصر الوقار: لا يقطع.
وهو أبين، ولا يقطع إلا بأمر لا شك فيه للحديث: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ".
28 والاختلاف شبهة.
وقال مالك إذا سرق شيئًا قيمته دون 29 ثلاثة دراهم وفي ناحية منه ثلاثة
الجزء: 13 - الصفحة: 6057
دراهم قال: وإن 30 كان ثوبًا وما أشبهه مما يعلم الناس أن في مثله يسترفع الذهب والورق قطع، وإن لم يعلم أن ذلك فيه حين سرقه 31؛ لأنه بما لا يسترفع فيه مثل الخشبة والعصا لم يقطع 32، وقوله في الثوب بما يعلم الناس أنه مما 33 يسترفع في مثله الذهب والفضة 34 إنما يكون في مثل المصر وما أشبهه، ولو كان قميصًا خلقًا، وقال: لم أعلم بما فيه لكانت شبهة يحلف ويدرأ عنه القطع ليلًا كان أخذه أو نهارًا، وأما العصا فإنما 35 يصدق إذا أخذها ليلًا، ولا يصدق إذا أخذها نهارًا؛ لأنه لا يخفى إلا أن يكون أخرجها من مكان مظلم، ولو كان الذهب قد نقر له في خشبة لصدق ليلًا أخرجها أو نهارًا، ولا قطع على من سرق ربع دينار من حرزين لرجل واحد إذا كانت الدار مشتركة.
ولو كانت غير مشتركة لقطع إذا أخرجها من باب الدار؛ لأن الباب حرز 36، وإن سرق ربع دينار لرجلين من حرز واحد قطع 37.
واختلف إذا سرق ربع دينار من حرز واحد في دفعات، فقال مالك في العتبية في الذي يأتي البيت وفيه القمح فيسرق منه وينقل بعضه 38 قليلًا
الجزء: 13 - الصفحة: 6058
قليلًا ما لا يجب القطع في كل نقلة إلى خارج، حتى يجتمع ما يجب فيه القطع في سرقة واحدة، فقال: أرى عليه القطع؛ لأنها سرقة واحدة، ولكن ثقل ذلك عليه 39.
وقال ابن القاسم في السارق: يدخل البيت في ليلة عشر مرات فيخرج في كل مرة بقيمة درهم أو درهمين، لا يقطع حتى يخرج في مرة واحدة بقيمة ثلاثة دراهم.
40
الجزء: 13 - الصفحة: 6059
باب في السارق يدعي أنه رسول، أو قال سرقت متاعي، أو اعترف لرجل بالسرقة وكذبه المسروق منه
وإذا شهدت البينة على رجل بالسرقة، فقال: هو أرسلني.
فإن قام دليل على كذبه؛ لأنه نقب البيت أو كسر الباب أو أتى ليلًا، قطع، صدقه صاحب البيت أو كذبه، كانت بينهما مخالطة أم لا؟ 41.
وكذلك إذا كان مثله لا يرسل لذلك؛ لأنه معروف بالسرقة فإنه يقطع، ولا فرق بين أن يقوم دليل على كذبه لصفة الأخذ؛ لأنه نقب أو بصفة حالة الآخذ، فان قام دليل على صدقه لأنه أخذ ذلك نهارًا من مأخذه، فتح وأخذ، وكان القائم بأمر صاحب البيت المتصرف له أو كان معروفًا بالدين، لم يقطع، صدقه صاحب البيت أو كذبه.
وإن أشكل الأمر؛ لأنه لا خلطة بينهما، وليس بمعروف بسرقة ولا بصلاح، فإن صدقه لم يقطع؛ لأن تصديقه مع إشكال الأمر 42 شبهة فيدرأ بها الحد للحديث، وإن كذبه قطع، وإن كان صاحب البيت غائبًا، وقام دليل على كذبه قطع ولم ينتظر قدومه؛ لأنه لو كان حاضرًا وصدقه لقطع، 43 وإن قام دليل على صدقه ترك لأنه لا يقطع لو كذبه، وإن أشكل الأمر سجن حتى يقدم فإن صدقه وإلا قطع.
الجزء: 13 - الصفحة: 6060
وقال في الذي لقي في جوف الليل ومعه المتاع، فقال: أرسلني صاحبه، فقال: إن كان يعرف له إليه انقطاع لم يقطع.
44 فدرأ عنه القطع 45، وإن كان في وقت لا يشبه لما لم تشهد عليه البينة بالأخذ.
وإن اعترف بالسرقة وقال: سرقت متاعي.
كان القول قول المسروق منه أنه ليس بمتاعه.
واختلف في ثلاثة مواضع:
أحدها: هل يحلف إذا كذبه؟
والثاني: هل يسقط عنه القطع إذا وجبت عليه اليمين، فنكل وحلف السارق واستحق السرقة؟
والثالث: هل يسقط القطع إذا صدقه؟
فقال في المدونة: يحلف المسروق منه أنه 46 ليس بمتاعه ويقطع فإن نكل عن اليمين حلف السارق ودفع إليه المتاع ولم يقطع 47. وفي بعض روايات المدونة يقطع.
وقال في العتبية: لا يمين على المسروق منه 48.
وقال أشهب: يحلف، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر واستحق المتاع ولا يسقط عنه القطع لأنه أخذ المتاع سرًّا وظهرت سرقته.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قال السارق كنت أودعته ذلك وصدقه
الجزء: 13 - الصفحة: 6061
المسروق منه لم يزل عنه القطع، وقال عيسى بن دينار أحب إليّ إذا صدقه ألا يقطع 49.
وقول ابن القاسم أحسن، ولا يسقط حكم قد وجب لأمر لا يدرى أصدق فيه أم أراد سترًا إلا أن يعلم أن بينهما قبل ذلك منازعة في ذلك المسروق فكان يدعيه والآخر ينكره، فإذا انضاف تقدم الدعوى مع التصديق أو يمينه مع نكول المسروق منه كانت 50 شبهة يسقط معها القطع، وإن نقب أو كسر الباب إلا أن يكون ذلك مما لا يشبه أن يكون من أملاكه بحال فيقطع، وإن تقدمت فيه الدعوى وكذبه المسروق منه لم أحلفه إلا أن يأتي السارق في ذلك بما يشبه، وأرى أن يسأل بأي وجه صار ذلك إليه فإن قال: أودعته، نظر هل هناك سبب يوجب أن يخرج متاعه من بيته ويجعله عند غيره؟ وإن قال: غصبني، نظر هل هو ممن تعلق به متل ذلك؟ وإن قال: اشتراه ممن سرقه مني، وهو يعلم أنه متاعي، نظر هل يشبه أن يكون عنده من ملكه لذلك علم فقد يكون البائع لذلك ظن أنه من بلد آخر؟ وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الشهادات، فإن أتى بما يشبه حلفه، فإن نكل عن اليمين حلف واستحق، وكانت شبهة يدرأ بها القطع.
واختلف في هذا الأصل إذا أصاب جارية وادعى أنه اشتراها من سيدها ونكل ربها عن اليمين وحلف الواطئ واستحق، فقال ابن القاسم: لا يحد.
وقال أشهب: يحد 51.
الجزء: 13 - الصفحة: 6062
باب إذا شهدت البينة بحق لله تعالى أو لآدمي, وحدث (1) ما يسقطها قبل أداء الشهادة أو قبل الحكم أو بعده
وإذا شهد شاهدان على رجل بالسرقة، فحبس المشهود عليه ثم فسدت حالتهم، فارتدوا بعد أداء الشهادة، أو أخذوا يشربون الخمر، أو على فاحشة، أو قذفوا رجلًا، أو قتلوا قتيلًا، كان في المسألة أربعة أقوال:
فقال ابن القاسم: إن أحدثوا ذلك قبل الحكم لم يحكم بها، وإن أحدثوا ذلك بعد الحكم وقبل أن يقام، مضى، ويقطع إن كانت الشهادة في سرقة، وإن كانت بقتل اقتص منه أو بمال أخذ منه.
وقال مطرف وأصبغ في كتاب ابن حبيب: مثل ذلك إذا كانت الشهادة بحق لآدمي 53 بمال أو قتل أو قذف، فإنه يمضى عليه ولا ترد وإن كانت بحق لله تعالى.
يريد، سرقة أو زنا أو حرابة لم يمض عليه وردت 54.
وقال محمد: إذا شهدت البينة وكتبها لتعدل أو تجرح فأحدثوا شيئًا مما يخفيه بعض 55 الناس مثل الزنا والشرب والسرقة، لم يحكم بها، وإن قذف إنسانًا فضرب قبل أن يقع الحكم بها أو قتل قتيلًا على 56 نائرة 57 أو اقتتل هو52
الجزء: 13 - الصفحة: 6063
ومن شهد عليه، لم تسقط وقضي بها؛ لأن ذلك مما لا يخفيه.
58
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لو كان قد أشهد قومًا على شهادته أو سمعوها منه قبل 59 ثم عاداه فشهد عليه بها بعد العداوة، كانت جائزة، وكذلك كل ما أحدثه مما لا يستتر به مما يجرحه مثل القذف وشبهه، فإن شهادته جائزة إذا كانت قد قيدت قبل ذلك.
60 فأجاز الشهادة وإن كان في حين الأداء لها مستجرحًا لما علمت منه قبل ذلك وهو في حال العداوة 61، وهذا خلاف المعروف من المذهب.
وأرى أن لا تمضي الشهادة إذا شهد عليهم بالزنا أو بشرب الخمر وإن كان قد حكم بها، وسواء كانت الشهادة بحق لله -عز وجل- أو بحق لآدمي؛ لأن ذلك مما يدل على تقدم مثل ذلك، ولو قيل: إنه ينقض الحكم، وإن كان قد أخذ الحق أو غيره بشهادتهم، لكان له وجه، بمنزلة ما لو علم ذلك منهم قبل الحكم، وأما الارتداد وما لا يخفيه في الغالب، فلا ترد الشهادة إذا كانت لآدمي، ولا تمضي إذا كانت حقًّ الله 62 -عز وجل-؛ لأن هناك شبهة هل ذلك لسوء اعتقاده أو لشك؟ فيدرأ الحد للشبهة.
= همز.
انظر: لسان العرب 5/ 188. وقال في موضع آخر: ويقال بينهم نائِرَةٌ أَي عداوة وشَحْناء وفي الحديث كانت بينهم نائرة أَي فتنة حادثة وعداوة ونارُ الحرب.
انظر: لسان العرب 5/ 240.
الجزء: 13 - الصفحة: 6064
باب في الجماعة يدخلون البيت للسرقة
وإذا دخل جماعة بيتًا للسرقة فإنهم لا يخلُون من سبعة 63 أوجه: إما أن يخرج كل واحد منهم بسرقة، أو يخرج أحدهم بسرقة والآخر بغير شيء، أو يخرجون بسرقة يحملونها بينهم، وهي ثقيلة لا يستطاع إخراجها إلا بجماعتهم، أو يستطيعها بعضهم ولا يستطيع إخراجها أحدهم، أو تكون خفيفة يخرج بها أحدهم لو شاء، أو تكون ثقيلة فحملوها على أحدهم فخرج بها، أو على دابة، أو على صبي، أو مجنون، أو خرج بها الصبي أو المجنون من غير أن يأمروه.
فإن خرج كل واحد بسرقة، قطع من بلغت قيمة سرقته ربع دينار، ولم يقطع من لم تبلغ سرقته ذلك، ومن خرج بغير شيء، وإن كان نصيبه فيما خرج به صاحبه وهو شريكه، وإن خرج جميعهم بسرقة يحملونها بينهم ولا يستطاع إخراجها إلا بجماعتهم، قطع جميعهم إن كانت قيمة جميعها ربع دينار.
واختلف إذا كان شيئًا خفيفًا فخرج بها جميعهم مع القدرة على أن يخرجها أحدهم، فقال مالك وابن القاسم: لا يقطعون إذا كانت قيمتها ثلاثة فى دراهم 64. وحكى ابن القصار قولًا آخر أن الخفيف بمنزلة الثقيل 65.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان شيئًا لا يستطيع أن يخرج به أحدهم، ويستطيع أن يخرجه اثنان منهم فخرج به أربعة، جرت على الخلاف في الخفيفة.
والقياس إذا كان لا يستطيع حمله إلا جميعهم، وكانوا أربعة أن لا يقطعوا
الجزء: 13 - الصفحة: 6065
إلا أن يكون قيمتها دينارًا فيكون في حظ كل واحد منهم ربع دينار؛ لأنه الذي ينوبه مما حمل منها؛ لأن القطع فرع عما يغرمه، وقول مالك أن على كل واحد ربع قيمة ذلك، وقياسًا على شهود الزنا والمشهود عليه محصن فرجع أحدهم أنه لا يغرم إلا ربع الدية، وهو لم يقدر على أن يريق دمه إلا بما انضاف إليه من شهادة أصحابه، فإن حملوها على أحدهم، وهي ثقيلة لا يستطيع أن يحملها إلا بأن 66 يحملها جميعهم عليه، قطع الخارج.
ويختلف في الذين حملوها عليه، فقال ابن القاسم: يقطعون بمنزلة ما لو حملوها على دابة 67 قال أبو مصعب: لا يقطعون، ويقطع الذي خرج بها وحده.
ووافق إذا حملوها على دابة أنهم يقطعون جميعًا.
وقد اختلف في هذا الأصل إذا قربوا المتاع إلى النقب فأدخل الخارج يده وأخذ المتاع، أو ربطوه له فجره الآخر فأخرجه، فقيل: يقطعون؛ لأنهم السبب في خروجه ولولا فعلهم لم يخرجه الآخر، وقيل: لا يقطعون؛ لأنَّ معونتهم كانت في داخل الحرز، وقد انقضت وغيرهم المخرج، وهو أشبه.
وإن حملوه على صبي أو مجنون كان بمنزلة حملهم إياه على دابة، وإن أخرجها من غير أن يأمروه، لم يقطع واحد منهم.
وقال محمد: إذا سرق أحدهما دينارًا فقضاه للآخر 68 قبل أن يخرج أو أودعه إياه، كان القطع على من خرج به.
قال: وكذلك لو باعه ثوبًا في الحرز 69.
الجزء: 13 - الصفحة: 6066
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو دخل رجل على السارق فباعه ثوبًا فخرج به المشتري ولم يعلم أنه سارق، لم يقطع واحد منهما.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أخذ السارق في البيت وقد اتزر بإزار، ثم انفلت به وهو عليه، فلا قطع عليه، علم به أهل البيت أو لم يعلموا.
وقال محمد: إذا رأى رجل السارق يسرق متاعه فتركه، وأتى بشاهدين ليعايناه يسرق فنظرا (1) إليه ورب المتاع معهما حتى خرج به (2) ولو أراد منعه لمنعه، فلا قطع عليه.
وقال أصبغ: يقطع.
(3)، وقال ابن كنانة في جماعة دخلوا حرزًا فأخرجوا سرقة ثم وجدت فزعموا أن أحدهم أخرجها وأقر بذلك: قطع وحده، وإن اختلفوا وأنكر كل واحد منهم أن يكون هو الذي أخرجها، لم يقطع واحد منهم، ويستظهر في ذلك باليمين.
يريد (4) رجاء أن يقروا (5) إلا أن يكون فيهم من يراد ستره فلا يحلف.
فصل [حكم السارق إذا دخل الحرز]
يقطع 75 السارق إذا دخل الحرز وخرج بالمتاع، واختلف في ثمان مسائل: إحداها: أن يقرب السرقة إلى النقب ويخرجها غيره ممن هو خارج عن7071727374
الجزء: 13 - الصفحة: 6067
النقب 76.
والثانية: أن يربطه لمن هو خارج.
والثالثة 77: أن يربطه لمن هو على سقف البيت.
والرابعة: أن يرمي بالمتاع ثم يؤخذ قبل أن يخرج هو.
والخامسة: أن يرمي بها فتنكسر خارجًا أو تقع في نار فلا يبقى منها ما تبلغ قيمته ربع دينار.
والسادسة: أن يسرق وهو خارج من الحرز يدخل يده فيخرجها.
والسابعة: أن يشير إلى طائر بشيء فيخرج إليه أو عبد أعجمي فيخرج لكلامه أو إشارته.
والثامنة: أن يحمل المتاع وهو في الحرز على غيره فيخرج به، فقال ابن القاسم فيمن قرب المتاع إلى النقب، فأدخل الخارج يده فأخذه قال: يقطع الخارج وحده.
وقال أشهب في كتاب محمد: يقطعان جميعًا.
وقال ابن القاسم: إذا اجتمعت أيديهما في النقب يقطعان جميعًا.
78 وهذا راجع إلى قول أشهب، وقد كان الأصل على قول ابن القاسم ألا يقطع الداخل؛ لأن معونته في الحرز والنقب من الحرز إلا أن تتمادى معونته مع الخارج حتى يخرجاه من الحرز.
واختلف قول مالك إذا ربطه الداخل وجره الخارج إلى الطريق 79، والصواب في هذين السؤالين، وفي الذي حمل على ظهر غيره وما أشبه ذلك من
الجزء: 13 - الصفحة: 6068
كل معونة كانت في داخل الحرز، أن لا قطع عليه، وأن القطع على الذي أخرجه وحده.
واختلف أيضًا إذا ناول من هو في أسفل الدار من هو في أعلاها، هل يقطع الأسفل؟ وأن لا يقطع أحسن؛ لأن الأعلى في الحرز بعد لم يخرج منه.
وقال محمد: سطح البيت مثل داخله وهو حرز واحد.
يريد، أنه إن أخذ قبل أن يبين به عن السطح، لم يقطع؛ لأنه في الحرز.
وقال مالك: إذا كانوا ثلاثة أحدهم في البيت، والآخر على ظهره، والآخر في الطريق فناول الذي في البيت من هو على ظهره والذي على ظهره من هو في الطريق قال: يقطع الذي يهيئ المتاع من 80 أسفل البيت والذي على ظهر البيت، ولا يقطع الخارج في الطريق، إلا أن يمد يده حتى يصيرها فوق ظهر البيت فيقطع الثلاثة 81.
قال الشيخ -رحمه الله-: قطع الأسفل في البيت ليس بالبين، والقطع على من أخرج من الحرز فيقطع الأعلى وحده إذا مد يده به إلى من هو في الطريق، أو من في الطريق وحده إذا صير يده فوق السقف فأخذه وما سوى ذلك فهو معونة 82 في داخل الحرز، فلا قطع على فاعلها.
وقال مالك: إذا رمى بالمتاع خارجًا، وأخذ هو قبل أن يخرج قطع، وقال: لا قطع عليه والأول أبين؛ لأنَّ القطع إنما يتعلق بالمال وبإخراجه، والقطع ذب عنه 83.
الجزء: 13 - الصفحة: 6069
واختلف إذا رمى بالسرقة من الحرز فوقعت في نار أو كان زجاجًا فهلك، هل يقطع أو يسقط عنه القطع ويكون بمنزلة ما لو هلك قبل خروجه؟ والقطع أحسن؛ لأنه خرج سالمًا والهلاك كان بعد ذلك.
وقال مالك في المختصر: إذا قرب الداخل المتاع، وأدخل الخارج يده فأخرجه لا يقطع الخارج.
ورأى أنه لا يقطع حتى يجتمع الدخول وإخراج المتاع، كما قال: إذا رمى بالمتاع وأخذ قبل أن يخرج 84.
وقال في كتاب محمد في شاة في حرز فأشار إليها رجل بعلف فخرجت إليه فسرقها: لم يقطع وهو بمنزلة من أتى بإنسان فأرسله فأخرجها له لم يقطع المرسل أو باز 85 في حرزه أو صبي 86 أو أعجمي 87 حتى خرجا إليه لم يقطع.
قال أشهب وقال ملك: في هذا كله يقطع 88. وهو أحسن؛ لأن فعله أخرج ذلك من حرزه.
وقال يحيى بن يحيى: قال ابن نافع في الأعجمي إذا راطنه بلسانه حتى خرج إليه طوعًا: لم يقطع 89. يريد؛ إذا دعاه ليخرج إليه ويذهب به فأطاع له.
ولو غره فقال: سيدك بعثني إليك لآتيه بك لقطع 90.
الجزء: 13 - الصفحة: 6070
باب في الأحراز وصفاتها، والسرقة من الديار, والفنادق، والحمام, والضيع، والمسجد، والسفينة
الأحراز على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما تأخذه الأغلاق وما شابهها كالديار والبيوت والحوانيت والأخبية وما شابه ذلك، فمن سرق من ذلك ممن لم يؤذن له في دخولها قطع.
والثاني: الإنسان، فمن سرق منه من شيء عليه أو معه وهو يقظان أو نائم أو من شيء يحرسه قطع، ولا خلاف في هذين الوجهين.
والثالث: أن يسرق من شيء موضوع في موضع لا غلق 91 عليه، ولا حارس يحرسه كالذي يجعل في الأفنية أو على الحبل 92، ففيه اضطراب.
والديار ثلاثة: دار يختص بها صاحبها، ودار مشتركة مأذون فيها، ودار مشتركة غير مأذون فيها.
فإن كانت تختص بصاحبها، لم يقطع سارقها إذا أخرج السرقة من البيت إلى قاعة الدار حتى يخرجها من الباب، أو من النقب أو عن سقف الدار، وما أدرك في النقب لم يبرزه عنه، أو على السقف، لم يقطع عند مالك، وهو في الحرز بعد 93.
وقال محمد: ولو كانت الدار فيها منازل يسكن فيها أجنبيان أو أكثر أو
الجزء: 13 - الصفحة: 6071
قرابة، وكان كل واحد في منزل من الدار على حدة، لقطع من سرق من منزل أحدهما أو من بعض تلك البيوت، وإن أخذ في الدار قبل أن يخرج من الدار؛ لأنَّ الدار ليست بحرز للبيت الذي سرق منه.
قال الشيخ -رحمه الله-: وكذلك إن كانت الدار 94 مشتركة مأذونًا فيها، وهي الفنادق 95 بالنهار فسرق إنسان من أحد مخازنه قطع إذا أخرجه عن باب المخزن، كان سارقه من أهل الفندق أو أجنبيًا والمخازن يجمعها الفندق كديار يجمعها درب لطيف، وهذا إذا سرق منها بالنهار فإن سرق منها ليلًا أو كانت دار غلة فسرق منها ليلًا أو نهارًا، فذلك سواء، فإن كان السارق أحد الساكنين، قطع إذا أبرزه عن باب المخزن أو البيت.
ويختلف إذا كان أجنبيًا، فالجواب عند محمد كالأول يقطع إذا أخرجه عن باب البيت أو المخزن وعند سحنون: لا يقطع حتى يخرجه عن باب الفندق أو الدار.
قال سحنون: لأن البيت حرز من أهل الدار والبيت، والدار حرز من غير أهل الدار.
قال الشيخ: ولو كانت دارًا ذات سقائف وأغلاق، لم يقطع حتى يخرجها عن آخرها، وهو أبين من قول محمد؛ لأنَّ السكان يقصدون التحفظ ممن معهم في الدار بباب البيت، ومن الأجنبي بباب البيت وباب الدار، فلا يقطع حتى يخرج السرقة عن آخرها.
وإن أخذ شيئًا من قاعة الفندق أو الدار المشتركة، فقال محمد: إن أخذ دابة قطع إذا خرج بها.
قال: والقياس أن يقطع إذا نحاها عن مرودها بالأمر
الجزء: 13 - الصفحة: 6072
البين، وإن أخذ رزمة، وكان ذلك موضعها مثل الشيء الثقيل والأعكام، والمتاع الكثير الذي قد أنزله وجعله موضعه فهو مثل الدابة على مرودها إن كانت الدار مشتركة، فإذا أبرزه عن موضعه قطع، وإنما ذلك بمنزلة الخشب الملقى في وسط الدار والعمد وشبهه.
قال الشيخ -رحمه الله-: فإن كان شيئًا خفيفًا، لم يقطع على قوله، وإن كان قد جعل ذلك موضعه، وكذلك التابوت يسرقه أو يسرق منه فإن كان كبيرًا قطع إذا أبرزه أو أبرز منه شيئًا عن مكانه إذا كان سارقه من أهل الدار، ويختلف فيه 96 إذا كان من غير أهل الدار، فعند محمد، الجواب سواء، وعلى قول سحنون لا يقطع حتى يبرزه عن باب الدار، فإن كان التابوت صغيرًا لم يقطع، وإن أخرجه من باب الدار إذا كان سارقه من أهل الدار، وإن لم يكن من أهلها، قطع إذا أخرجه من باب الدار.
وقد اختلف في تابوت الصيرفي إذا كان صغيرًا فسرقه سارق لما قام عنه صاحبه فقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: لا يقطع.
وقال محمد: يقطع.
وعلى هذا يقطع في كل ما جعل له موضع من الدار، وإن كان لطيفًا.
ولم يختلفوا في الدابة يكون لها موضع من الدار المشتركة أنه يقطع سارقها، والدابة مما يخف نقلها والزوال بها، وذلك يقضي على كل ما يخف نقله أنه يختلف في قطع سارقه، ولا قطع في كل ما لم يكن ذلك موضعه صغر أو كبر؛ لأنه لم يجعل ذلك المكان حرزًا له.
الجزء: 13 - الصفحة: 6073
وقال مالك في المدونة في الدار (1) المشتركة فينشر الرجل ثيابه فوق بيته وبيته (2) محجور عن الناس: أنه يقطع (3). يريد: أن ظهر بيته عليه تحجير، ولو كانت سقوف تلك الدار واحدة ولا تحجير عليها وكلهم يتصرفون عليها لم يقطع سارقه إن كان من أهل الدار وهو في ذلك كالقاعة، وإن كان سارقه من غيرهم قطع إذا أخرجه من (4) سقف بيته بخلاف أن يأخذه من القاعة؛ لأن (5) المأذون فيها يتصرف الغريب على قاعتها ولا يتصرف على ظهرها.
قال أبو محمد: والدار المباحة هي التي في طريق المارة المشتركة النافدة مثل القيساريات التي بمصر، فما أرى حرز ما فيها إلا كل من أحرز متاعه على حدة، وليس أبوابها حرزًا لها وأراها بمنزلة الدروب التي تعلق عليها بالليل وتباح بالنهار.
قال الشيخ -رحمه الله-: والقياس إذا سرق منها ليلًا أن يكون الحرز باب القيسارية؛ لأن الإذن حينئذ ارتفع، والقصد بالإغلاق التحفظ من السارق.
فصل [في السرقة من الحمام]
وإذا سرق من الحمام من لم يدخله نقب ودخل 102 فأخذ؛ قطع إذا أخرجه من النقب.
وإن دخل من مدخل الحمام فسرق متاعًا على الألواح، لم يقطع؛979899100101
الجزء: 13 - الصفحة: 6074
لأن ذلك الموضع (1) مشترك (2)، والعادة أن من أحب أن يتجرد (3) هناك فضاق عليه لكثرة الثياب وسع موضعًا لثيابه وقد يجعل رزمة ثيابه على ثياب غيره، فإذا كان له أن يمسها للتوسعة أو يجعل عليها صار بذلك كالمؤتمن وكان خائنًا، وكذلك إن سرق مما يجعل في الحصر؛ لأن له أن يجعل حصيره معها ويوسع موضعًا لثيابه (4)، وإن سرق مما يجعل في الطيقان قطع؛ لأنَّ ذلك للأول لا يشركه فيه أحد إلا أن تكون لقوم عادة في الاشتراك هناك، وإن سرق من الحارس من ليس عنده ثياب قطع إلا أن يوهمه أن له عنده ثيابًا فيأذن له في النظر في الثياب فلا يقطع، وإن كان له عنده ثياب فناوله إياها الحارس فمد يده إلى غيرها قطع، وإن أذن له في أخذها من جملة الثياب، كان خائنًا، ولم يقطع.
فصل [في سرقة الصنيع]
وقال ابن القاسم في الصنيع يحضره القوم فيسرق أحدهم مما في البيت فلا يقطع.
107 يريد؛ لأنه بعد الإذن خائن.
وقال محمد: إن طر بعضهم من كم بعض أو سرق رداءه أو نعليه، لم يقطع 108؛ لأن البيت هو الحرز ليس الكم، وليس بالبين إذا سرق من الكم وأن103104105106
الجزء: 13 - الصفحة: 6075
يقطع أحسن، ولأنَّ كل واحد حرز لما في كمه, ولأن كل واحد يأمن صاحبه على ما بين أيديهم ولا يأمنه على ما في كمه، ولا يدخل يده إلا بإذن، ومن هذا الأصل السرقة من السفينة؛ يسرق بعضهم من بعض والمسافرون ينزلون جميعًا ويتخالطون، وبيان ذلك مذكور فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فصل [الاختلاف في السرقة]
واختلف إذا سرق من المسجد شيئًا فذكر محمد عن أشهب أنه لا يقطع إن سرق من بلاطه وحصره 109 وقناديله، وقال أصبغ: تقطع في ذلك كله.
وقاسه بمن سرق بابه، ولمالك في كتاب ابن حبيب أنه يقطع في ذلك كله سرقه ليلًا أو نهارًا، كان على المسجد غلق أو لم يكن وإن لم يخرج به من المسجد قال: وحرزها مواضعها التي جعلت فيها، وروى عن ابن القاسم أنه قال: إن سرق من حصره نهارًا لم يقطع، وإن تسور على ذلك ليلًا قطع 110، وذكر عن سحنون أنه قال: إن كان قد خيط بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع 111.
فأما أشهب فإنه أسقط القطع؛ لأنه موضع مأذون فيه فأشبه سرقة الضيف من موضع أذن فيه لدخوله، ورأى مالك أن الإذن في ذلك ليس من المالك، وإنما هو شيء أوجبه الحكم وقول ابن القاسم أعدلها أنه إن سرق في حين كونه مغلقًا قطع؛ لأنه لم يؤذن له في دخوله ذلك الوقت، وإنما يغلق ويصان تحفظًا من السارق.
الجزء: 13 - الصفحة: 6076
وأما سحنون فذهب في ذلك إلى ما يخف نقله أو لا يخف لما قال: إذا سرق الضيف من تابوت في الدار.
وعلى قوله لا يقطع في القناديل ويقطع في بلاطه.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن سرق من حلي الكعبة لا يقطع قال: لأن دخوله بإذن (1). يريد: أن شأنه أن يغلق (2) فمن سرق في وقت فتحه والإذن في دخوله لم يقطع.
وقال محمد: وجعله مثل منازل الناس، ولم يجعله مثل المساجد لو سرق منه في وقت لم يؤذن ولم يفتح قطع (3). قال: وكذلك كل بيت لا يدخل إلا بإذن، وكذلك بيت القناديل ترفع فيه قناديله وحصره وزيته وزكاة الفطر، فمن دخله بإذن لم يقطع، وإن دخله بغير إذن قطع.
(4) وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: من سرق باب الكعبة قطع (5). وإن سرق شيئًا من بعض المصلين، فإن سرق من كمه أو من شيء معه أو بين يديه، قطع بخلاف الصنيع؛ لأنه لم يأذن أحدهما للآخر في الكون هناك، والأحكام أوجبت لكل واحد منهم في ذلك حقًّا، وإن سرق نعلين من جملة النعال لم يقطع؛ لأنه موضع مأذون فيه وشركة ومؤتمن أن يجعل الآخر نعليه معه وأن يميزه من جملتها فيصير خائنًا.
فصل [فيمن أدخل رجلًا حانوته]
وقال في كتاب محمد فيمن أدخل رجلًا حانوته فعرض عليه متاعًا فسرق112113114115116
الجزء: 13 - الصفحة: 6077
منه ثوبًا، لا قطع عليه 117؛ لأنه قد ائتمنه على دخوله ولا يشبه هذا الأفنية.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: إذا أدخل الرجل رجلًا داره 118 لعمله أو اشترائه فيعطيه ما يعمل أو يشتري، ثم يبسط يده سارقًا إلى غير ما أعطي أو استعمل فيه، أنه سارق 119 يقطع.
قال الشيخ -رحمه الله-: السارق من البزّاز إذا أطلعه حانوته على ثلاثة أوجه، فإن كان دفع إليه شيئًا ليقلبه أو ليختار منه أو أباح له أن يقلب صنفًا فسرق منه، لم يقطع، وإن مدّ يده إلى غيره من المتاع مما هو إلى جنبه لم يقطع عند مالك، وقطع على قول عبد الملك، والأول أشبه؛ لأنه كالمؤتمن عليه 120.
وإن سرق من تابوت المتاع لم يقطع على أحد القولين في الضيف 121 والقطع أبين، وإن سرق من الحانوت من لم يؤذن له في طلوعه ولا أن يتناول منه شيئًا قطع وإن أذن له أن يقلب منه شيئًا لم يقطع.
وإن كان لم يطلعه, وإن غاب عن حانوته وترك متاعه 122 على حاله ولا أحد معه قطع سارقه، وقال ابن القاسم في تابوت الصيرفي يقوم عنه ويتركه فسرقه أحد ليلًا أو نهارًا قال: يقطع مبنيًّا كان أو غير مبني.
قال: وإن كان ينقلب به كل ليلة فنسيه لم يقطع 123، وقال في المدونة في المتاع يوضع في أفنية الحوانيت فيبيعونه هناك
الجزء: 13 - الصفحة: 6078
بالنهار فمن سرق منه: قطع 124. يريد، إذا كان معه صاحبه وسرق منه من لم يؤذن له في تقليبه.
واختلف إذا غاب عنه وتركه أو بات عنه، فقال مالك في المدونة: يقطع.
125. قال مالك 126 في كتاب محمد: ومثل القطاني يبيعونها في القفاف، ولهم حصر يغطونها بالليل، وذلك بأفنية حوانيتهم فقام صاحبها لحاجته وتركها على حالها، فلا قطع على من سرق منها 127. ففرق ما بين ما خف نقله وينقل كما قيل 128 في التابوت يكون في قاعة الدار: فليس الصغير منه كالكبير، والقفاف وما فيها مما لا يخف نقله عندما يحتاج صاحبه إلى القيام عنه ولم يرَ مثل ذلك في تابوت الصيرفي وإن كان مبنيًّا؛ لأنَّ ما يجعل فيه مما يخف نقله، وأما إذا كان غير مبني فنسي أن ينصرف به، لم يقطع؛ لأنه لم يرض بذلك الموضع أن يكون حرزًا له في ذلك الوقت، وإنما بقي فيه على وجه النسيان.
وقال في الأمتعة التي توضع في أفنية الحوانيت للبيع فيسرق منها رجل بالنهار، وفي الأمتعة التي توضع في الموقف للبيع ولا حوانيت هناك 129 فمن سرق من ذلك المتاع قطع، وإذا وقف غنمًا للبيع فسرق منها من أذن له في تقليبها، لم يقطع، وإن كان ممن لم يؤذن له في تقليبها قطع، وإن تعامل 130 عليه
الجزء: 13 - الصفحة: 6079
رجلان فكان أحدهما يسوم ويقلب، والآخر يسرق قطع الذي يسرق وحده، وقال مالك في الشاة يسرقها السارق من سوق الغنم يوقفها صاحبها للبيع: إنه يقطع سارقها مربوطة كانت أو غير مربوطة 131، وقال أبو مصعب: من سرق شاة مربوطة من السوق فعليه القطع.
قال الشيخ -رحمه الله-: والأول أحسن إذا لم يذهب صاحبها عنها؛ لأنه حرز لها، وإن لم يكن معها لم يقطع في الشاة الواحدة؛ لأن الغالب أنها لا تثبت في موضعها، ولأنها مما يخف نقلها.
ولو كانت غنمًا كثيرة لقطع؛ لأنها لا يخف نقلها، ولأن الغالب في الكثيرة أنها يثبت بعضها مع بعض وإن كانت في الرعي، لم يقطع، وإن كان معها صاحبها وإن آواها المراح قطع وإن لم يكن معها أحد.
واختلف فيما بين هذين إذا سرق منها وهي سائرة إلى الرعي أو راجعة منه ومعها من يسوقها، هل يقطع سارقها؟ فقيل: يقطع؛ لأنها ليست في الرعي وقيل: لا يقطع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِذَا آوَاهَا المُرَاحُ فَالقَطْعُ" 132. فلم يجعل فيها قطعًا حتى تصير إلى المراح، وإن سرق دابة قطع إذا كان معها صاحبها ومن يحرزها، أو كانت في موضع لها معروف على مزودها، أو كانت على باب دار صاحبها، وليست في داخلها، وإن كانت في داره أو في غلقه قطع مربوطة كانت أو لا 133، وإن كانت في دار مشتركة، فقال محمد: يقطع إذا خرج بها.
الجزء: 13 - الصفحة: 6080
قال: والقياس أن يقطع إذا نحاها عن مزودها بالأمر البين وإن لم يخرجها من باب الدار 134.
وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كانت الدار مشتركة وكان ذلك الموضع مربطًا للدابة معروفًا قطع 135. يريد: إذا أزالها عن ذلك الموضع، وكان سارقها من أهل الدار.
ويختلف إذا لم يكن من أهلها هل يكون حرزها موضعها أو باب الدار، إذا كان سرقها ليلًا، وقال مالك في كتاب محمد في الدواب تكون في الربيع وقومها معها، مقيمون تسرق منها دابة، وهي على وتدها مربوطة، قال: هذا من ناحية الرعي وما يعجبني أن يقطع سارقها، وقال أيضًا فيمن ربط دابة في مرج فسرقت إن كان عندها أحد يحرسها: فعلى سارقها القطع 136 ليلًا كان أو نهارًا، وإن لم يكن عندها أحد يحرسها فلا قطع فيها لأنها في غير حرز.
قال محمد: وذلك ما لم تكن مطلقة ترعى إنما هي في مرج ينقل إليها العلف وعندها من يتحفظ بها 137. فلم ير فيها قطعًا إذا لم يكن معها من يحرسها، وإن كانت على وتدها بخلاف أن تكون في الحاضرة على باب صاحبها؛ لأن تلك بعيدة من العمران، وهذه يد 138 صاحبها عليها؛ لأنه متصرف وداخل ومتفقد لها 139، ويجري فيها قول آخر أنه يقطع وإن كانت
الجزء: 13 - الصفحة: 6081
بعيدة من العمران، قياسًا على المطمورة إذا كانت في فلاة.
وقال مالك في الغسال ينشر متاعًا على البحر فيسرق منه وهو يغسل آخر أنه لا قطع فيه، قال: وهو يشبه الغنم في الرعي 140. وأظن أن ذلك لما كانت العادة أن الناس يمشون ما بين ذلك المتاع فيصيرون بذلك كالأمناء على التصرف فيما بينها، فيرجع إلى الخيانة.
واختلف عن مالك فيما ينشره الصباغ والقصار على الحبل فيسرق منه هل يقطع أم لا؟ فقال في ما ينشره الصباغ على حبل ممدود على قارعة الطريق يمر الناس من تحته: لا قطع فيه 141، وروي عنه أن فيه القطع 142.
واختلف فيمن سرق ثوبًا منشورًا على الجدار بعضه في الدار وبعضه على الطريق، فقال في المدونة: لا قطع عليه 143. وفي العتبية وغيرها: أنه يقطع 144.
الجزء: 13 - الصفحة: 6082
باب في سرقة الآباء، والأبناء، والأجداد، والعبد من سيده, وأحد الزوجين والضيف، وإذا سرق اثنان أحدهما لا قطع عليه
145
ولا قطع على الأبوين إذا سرقا من مال الابن للحديث: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" 146. ولأن لهما في مال الابن شبهة متى احتاجا أنفق عليهما منه 147، ولأن من البر أن لا يحرز ماله عنهما ولا يمنعهما ما أخذا منه ما لم يكن ضرر.
واختلف في الابن إذا سرق من مال أبيه أو زنا بجاريته، فقال مالك وابن القاسم: يقطع ويحد.
148 وذكر ابن خويز منداد عن أشهب وابن وهب أنهما قالا: لا يقطع ولا يحد إذا سرق من مال أبيه أو زنا بجاريته.
وقال أبو الحسن بن القصار: يقطع إذا كان بالغًا عاقلًا صحيحًا 149 وقد سقطت نفقته عن أبيه، يريد: إذا كان ممن لم تسقط نفقته كالبكر ومن بلغ زمنًا لم يقطع وهذا صحيح؛ لأنَّ الإنفاق من المال شبهة في المال قياسًا على الأبوين إذا سرقا من مال الابن والوجه في قول ابن وهب وأشهب أنه لما كان للأب شبهة في مال الابن متى احتاج إلى الإنفاق فكذلك الابن له شبهة في مال
الجزء: 13 - الصفحة: 6083
الأب 150 متى احتاج إلى الإنفاق على قول بعض أهل العلم فيدرأ الحد للاختلاف وإن سرق من مال أبيه 151 أو زنا بجاريته 152 فإنه يحد؛ لأنه لا شبهة للابن في مالهما 153 متى احتاج إلى الإنفاق وإن سرق ولد الولد من أحد أجداده أو جداته قطع.
واختلف إذا سرق أحد الأجداد من مال ولد ولده فقال ابن القاسم: أحب إليّ أن لا يقطع؛ لأنه أب ولأنه ممن تغلظ فيه الدية وقد قال عليه السلام: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 154 وقال أشهب: يقطعون 155؛ لأنه لا شبهة لهم في ماله ولا نفقة ولايقطع 156 السيد إذا سرق من مال 157 عبده.
واختلف إذا سرق عبده 158 منه من موضع حجبه عنه، فقال مالك: لا يقطع 159. وقال أبو مصعب: يقطع 160.
الجزء: 13 - الصفحة: 6084
وفي مختصر الوقار مثل ذلك والأول أشبه؛ لأن للعبد شبهة في المال بالإنفاق عليه 161 منه ولا يلزم على هذا الزوجة؛ لأن الإنفاق بحق 162 المعاوضة والمبايعة ولا يقطع السيد إذا سرق من مال 163 مدبره وأم ولده ومعتقه إلى أجل ومكاتبه 164.
ويختلف إذا سرق أحدهم منه، وكذلك المعتق بعضه لا يقطع أحدهما للآخر، وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من موضع لم يحجر عليه، لم يقطع 165 وإن سرق من موضع محجور بائن عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في بيت واحد فسرق من تابوت معلق أو من بيت محجور والدار غير مشتركة بينهما 166 في الدار، كان في قطعه قولان: فقال ابن القاسم: يقطع.
وقال في كتاب محمد: لا يقطع 167.
ويختلف على قوله في الضيف وأن لا يقطع الزوج ولا الزوجة أحسن إذا كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرق ذلك الموضع، وإن كان لأن كل واحد يخاف الآخر ويتحفظ منه قطع، وإذا سرق الزوج من شيء شوّرها به، ولم يبن بها فيقطع على القول أنه قد وجب جميعه لها، وعلى القول أنه مترقب لا يحد إذا كانت أمة فأصابها، فيجري على الجواب في الشريكين يسرق أحدهما
الجزء: 13 - الصفحة: 6085
من مال 168 شركة بينهما، وقال مالك في المدونة في رجل أضاف رجلًا فأدخله داره وبيته فيها 169 فسرق لا يقطع 170، وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى قاعة الدار 171؛ لأن الدار عنده حرز.
الجزء: 13 - الصفحة: 6086
باب إذا اشترك في السرقة اثنان أحدهما ممن لا قطع عليه
وإذا اشترك في السرقة اثنان أحدهما ممن لا قطع عليه إذا انفرد بالسرقة، فإن المسألة على ثلاثة أوجه: فتارة يسقط القطع عن الآخر لسقوطه عَن مَّن معه.
والثاني: يختلف فيه هل يسقط عنه القطع؟
والثالث: لا يسقط، وإن سقط عن الآخر.
فإن كانت سرقته مع أحد الأبوين لم يقطع الأبوان، ولم يقطع الأجنبي؛ لأنه دخل بإذن من له في المال شبهة 172، وإن كانت سرقته مع الابن سرق من والده أو مع أحد الأجداد إذا أدخله، كان قطع الأجنبي مبنيًّا على قطع من أدخله، فمن أسقط القطع عمن أدخله أسقطه عنه، ومن لم يسقطه عن الإذن لم يسقطه عنه، وعلى مثل هذا يجري 173 الجواب إذا سرق مع الزوجة أو مع الضيف، فإنه يختلف هل يقطعان جميعًا، الزوجة والضيف ومن سرق معهما، أو لا قطع.
وإن سرق مع عبد السيد من موضع أذن للعبد في دخوله، لم يقطع الأجنبي، وإن كان من موضع لم يؤذن له فيه قطع.
174
قال محمد: يريد؛ لأن دراءة الحد عن العبد لم تكن لشبهة له في المال، وإنما
الجزء: 13 - الصفحة: 6087
درئ لأن القطع ذب عن الأموال، فإذا قطع عبده كانت مصيبته (1) زيادة عليه في مصيبته في ماله، وإن سرق مع أجير صاحب الدار من موضع أذن له فيه، لم يقطع، وإن كان من موضع لم يؤذن له فيه قطعا، وإن كان صبي وبالغ ومجنون وصحيح، قطع البالغ والصحيح (2)؛ لأن دراءة القطع عن الصبي والمجنون لم تكن لشبهة في المال، ولا لأن إذنه إذن، وإنما كانت لأنه غير مخاطب بالشرع، فكان حكم الآخر (3) حكم من سرق بانفراده، أو خرج بسرقة وحده، أو أمر الصبي أو المجنون بحملها، أو خرجا بها جميعًا وقيمتها ثلاثة دراهم؛ لأن الصبي والمجنون متصرف ولو خرج كل واحد بسرقة ولم يأمره الآخر لم يقطع البالغ الصحيح إلا أن يكون في قيمة (4) ما خرج به وحده ثلاثة دراهم، وإذا كان عبد (5) المسروق منه وأجنبي فيخرج كل واحد بسرقة، فإنه لا يقطع الأجنبي إلا أن يكون فيما خرج به ربع دينار، وكذلك إذا حملاها بينهما فلا يقطع إلا أن تكون قيمتها نصف دينار.
فصل [في سرقة أحد الشريكين]
وإذا استودع الشريكان مالًا ثم سرقه أحدهما، قطع إذا كان فيما سرق فضل عن حقه ثلاثة دراهم، قال مالك: إذا جاوز فوق حقه من جملة 180 المال175176177178179
الجزء: 13 - الصفحة: 6088
بثلاثة دراهم، وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا سرق من جملة المال ستة دراهم قطع، وقاله أشهب وأصبغ 181، وهو أبين؛ لأنه إذا 182 أخذ ستة دراهم من اثني عشر درهمًا إنما يأخذها على أن نصيبه باق في الستة الباقية، ولم يأخذها على وجه المقاسمة، وإذا كان المسروق شيئًا مما يكال أو يوزن جرت على الخلاف المتقدم، وإن كانت سلعة أو ما يقضى فيه بالقيمة نظر إلى قدر نصيبه منها خاصة، وهذا الذي أخذ به في العرض؛ لأنه ليس له قيمة قولًا واحدًا.
وإن أغلق الشريكان على مال من شركتهما وأودعا مفتاحه رجلًا ثم سرق منه أحدهما كان حكمه على ما تقدم إذا أودعا المتاع نفسه، وإن سرق منه من جعل المفتاح عنده لم يقطع فإن جعلا المفتاح عند أحدهما فسرق منه من المفتاح عنده، لم يقطع، وإن سرق منه الآخر نظرت فإن كان ذلك احترازًا من الآخر، قطع وإن كان 183 لا بدَّ أن يبين به أحدهما ليس لأن الآخر لو أراده حيل بينه وبينه، لم يقطع، ومثله لو كان المتاع في دار أحدهما فإنك تنظر مثل 184 ذلك؛ لأنه قال: أخاف منك ولا آمنك عليه 185، فإنه يقطع، وإن كان ذلك على وجه المسامحة، لم يقطع.
الجزء: 13 - الصفحة: 6089
فصل [فيمن سرق من مجنون]
ومن سرق من مجنون لم يقطع إلا أن يكون معه من العقل ما يحرز به ما معه، ويمنعه لو لم يأخذه منه سرًّا 186، ومن سرق من نائم لم يقطع 187؛ لأنه في حال من لا يحرز ما معه والمجنون أحرز منه حينئذ، وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن ربط دابته بباب الحمام أو بباب المسجد ودخل يركع، لم يقطع سارقها إلا أن يكون معها أحد غير نائم 188، وليس في حديث صفوان حين توسد رداءه فسرق أنه كان نائمًا 189، وإذا سرق مسلم من ذمي أو ذمي من مسلم، قطع السارق منهما 190. واختلف في الحربي يدخل إلى بلاد المسلمين بأمان فيسرق أو يسرق منه، فقال ابن القاسم: يقطع السارق منهما 191، وقال أشهب: لا قطع عليه إن سرق ولا على من سرق منه 192. وأن لا يقطع إذا هو سرق أبين، إلا أن يكون قد بين له في حين أعطي الأمان أنه إن سرق قطع، والقطع إن سرق منه أحسن.
الجزء: 13 - الصفحة: 6090
باب فيمن سرق من السفينة أو من المسافرين
وإذا سرق من في السفينة بعضهم من بعض، لم يقطع 193، وهم كأهل الصنيع، ولأنهم يتخالطون في الأماكن وفيما يكون لهم إلا أن يسرق من المواضع التي تغلق وتحاز كالسرير والحبير الخز وما أشبه ذلك فيقطع إذا أبرزه من حرزه، وإن لم يخرجه من السفينة ومن سرق منها من غيرهم قطع إذا أبرزه عن 194 السفينة.
ويختلف إذا سرق من أحد المواضع التي تغلق، فعلى قول محمد يقطع إذا أبرزه من حرزه، وإن لم يخرجه من السفينة، وعلى قول سحنون لا يقطع حتى يخرجه عنها.
وإن سرق السفينة نفسها وكانت مرساة في المرسى وحيث السفن قطع 195 وإن انقلبت من المرسى أو كانت مخلاة، لم يقطع 196.
الجزء: 13 - الصفحة: 6091
قال محمد: فإن كانت مرساة في غير المرسى إلا أنها قريبة حيث يصلح أن ترسى فيه، قطع 197.
واختلف إذا أرسيت في غير قرية، فقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلًا فربطوها فيه وذهبوا لحاجتهم ولم يبق منهم أحد فسرقها سارق قطع، وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع عليه، وهي بمنزلة الدابة 198.
يريد: إذا ربطت في موضع لم تعرف 199 به فإنه لا يقطع ولو كان معها من يحرسها في البر قطع سارقها، وإن كانت في غير مرسى معروف وإن كان صاحبها أو الناس فيها فأزالها في ليل قطع إذا كان مرسى معروفًا، ولا يقطع إذا لم يكن مرسى؛ لأن حرزها حينئذ الناس 200 الذين فيها ولم تزل أيديهم عنها فأشبه من سرق دابة وعليها صاحبها وقد نعس عليها فردها عن الطريق فإنه لا يقطع؛ لأن صاحبها حرزها ولم تزل يده عنها فإذا استيقظ عند إنزاله 201 عنها ثم أخذها بعد ذلك كان الحكم في صفة أخذها حينئذ، هل أخذها غصبًا أو على وجه الحرابة؟ وكذلك السفينة ينظر إلى الحال التي أخذها وقت علموا به، فإن أخذها غصبًا، عوقب ولم يقطع، وإن أخذها بحرابة، كان الأمر فيه إلى الإمام يقطعه أو يقتله.
وإذا نزل المسافرون منزلًا فسرق بعضهم من بعض مع حضور المسروق
الجزء: 13 - الصفحة: 6092
منه، ولم يكن غاب عن متاعه، قطع 202، بخلاف السفينة؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم حائز لماله، وإنما للآخر المجاورة من غير مخالطة، وأهل السفينة يخالط بعضهم بعضًا ولو لم تخالط بعض المسافرين في الطعام أو في المجالسة أو في المزاورة فسرق أحدهم 203 حينئذ، لم يقطع.
واختلف إذا لم تكن مخالطة فسرق أحدهم عندما غاب الآخر عن متاعه، أو كان السارق أجنبيًّا ليس من أهل الرفقة، فقال مالك في المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجًا من خبائه وذهب لاستقاء ماء أو لحاجته وترك متاعه قطع سارقه 204.
قال مالك والإبل تكون في مراعيها فلا يقطع سارقها، فإن آواها مراحها قطع سارقها 205. وقال سحنون: إنما الأمر في الخباء، فإن لم يكن خباء، فلا قطع.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن طرح متاعه قريبًا منه أو من خبائه أو من خباء أحد من أصحابه وكان سارقه من غير أهل الخباء، قطع سارقه، وإن طرحه بموضع ضيعه لم يقطع 206.
وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في هذا كله قطع، واتفقوا على أنه إذا لم يكن منزلًا نزله، لم يقطع مثل الذي ينزل لقضاء حاجته أو لأخذ ماء والمنهل
الجزء: 13 - الصفحة: 6093
الذي ينزل أمامه.
فراعى مالك وابن القاسم الموضع وأن يتخذه منزلًا كالجرين، فإنه يقطع سارقه، وإن لم يكن عليه غلق ولا حارس فكذلك متاع المسافر يقطع سارقه، إن كان منزلًا نزله، وإن لم يكن معه صاحبه ولا كان في خباء، ورأى سحنون أنه لما كان موضعًا لا يستقر فيه وإنما يلبث 207 فيه ليلة أو بعض ليلة 208 ويرحل عنه كان 209 كالذي يجمع من الثمار ويجعل في موضع لينقل منه إلى الجرين، فلا قطع فيه إلا أن يكون خباء، فيكون كبيت الإنسان، ورأى 210 ابن عبد الحكم في جميع ذلك على 211 أنه ليس بحرز لما كان لا يستقر فيه 212 إلا أن يكون معه صاحبه، فإن الإنسان حرز لما كان معه، وإن كان في قفر ولهذا قال ابن القاسم: إنه إن لم يكن 213 منزلًا نزله، لم يقطع 214 لأن المنهل كالمراح والجرين 215.
الجزء: 13 - الصفحة: 6094
ومن سرق من المحمل قطع كان 216 فيه صاحبه أو لم يكن وهو كالخباء 217 إلا على ما قال محمد بن عبد الحكم، فإنه لا يقطع إلا أن يكون معه صاحبه.
قال مالك: ومن سرق من إبلهم المناخة، فعليه القطع، وإن كانت غير معقلة إذا كانت بقرب صاحبها وما كان منها في الرعي، فلا قطع فيه 218، وعلى قول سحنون لا يقطع وإن كانت مناخة بقرب متاع صاحبها؛ لأنه لم يقطع فيما كان من المتاع خارجًا عن الخباء، وكذلك الإبل.
ومن سرق ما على بعير وهو في القطار، قطع، وإن سرق البعير نفسه بما عليه أو كان لا شيء عليه، قطع إذا كان في قطار، فإذا حله وصار في يديه قطع، وإن أخرج ميتًا من قبر قطع إذا كان ما عليه قيمته ربع دينار فصاعدًا 219.
الجزء: 13 - الصفحة: 6095
باب ذكر ما لا قطع فيه من المسروقات
المسروقات 220 ثلاثة أصناف:
أحدها: ما يجوز ملكه وبيعه، وهذا يجب القطع فيه 221.
والثاني: ما لا يجوز ملكه ولا بيعه كالميتة والدم ولحم 222 الخنزير والخمر 223، فهذا لا قطع فيه إلا الحر فإنه لا يجوز ملكه، واختلف في القطع فيه.
والثالث: ما يجوز ملكه دون بيعه، واختلف في قطع سارقه، فقال ابن القاسم: لا يقطع.
وقال أشهب: يقطع.
224
وأما الحر فقال مالك: يقطع سارقه إذا سرق من حرزه 225. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يقطع لأنه ليس بمال.
وأرى ألا يقطع؛ لأن الدار لا تقصد أن تكون حرزًا للحر، وإنما هي حرز للأموال إلا أن يكون بلد تخشى فيه سرقة أطفالهم ويقصد 226 بكونه في الدار حفظه من ذلك فيقطع؛ لأنه إذا كان القطع ذبًّا عن الأموال كان الذب عن الأحرار أولى، وإن سرق شيئًا مما عليه أو قرطًا من أذنه، فإن كان الصبي كبيرًا
الجزء: 13 - الصفحة: 6096
يحرز ما عليه أو كان صغيرًا ومعه من يحفظه أو 227 كان في دار أهله أو أبويه قطع، وإن كان صغيرًا لا يحفظ ما عليه ولا حافظ معه وهو خارج عن دار أبويه أو في دارهما وكان سارقه ممن أذن له في الدخول لم يقطع 228.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وإن أخذ ذلك على وجه الخديعة بمعرفة الصبي أو كابره، كان فيه الأدب.
229 يريد، إذا كان كبيرًا قال: وأما الصغير فعلمه وغير علمه واحد، فلم يقطعه في الخديعة؛ لأنه أخذه بإذن ولا إذا كابره؛ لأنه غصب وليس مكابرة الصبي كالحرابة.
ومن المدونة قال مالك: لا قطع في جلد الميتة قبل أن يدبغ 230 فإن دبغ وكانت قيمة صنعته ربع دينار قطع.
231 وأجاز في المختصر بيعه بعد الدباغ، وعلى هذا القول يقطع في جملته إلا أن 232 يترجح في القطع للاختلاف.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع فيه إذا لم يدبغ فإن دبغ قطع 233. ولم يبين كيف يقوم على أنه يجوز بيعه أو على أنه يجوز ملكه دون البيع؛ لأن أشهب يوجب 234 القطع فيما كان يجوز ملكه دون بيعه.
الجزء: 13 - الصفحة: 6097
وقال ابن القاسم في جلود السباع إذا ذكيت: قطع سارقها 235؛ لأن مالكًا أجاز بيعها.
وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع العادية والصلاة عليها حرام 236. وعلى هذا لا يقطع سارقها، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الذبائح 237.
ولا يقطع في الكلب غير المأذون في اتخاذه، واختلف في المأذون فيه، فقال مالك في المدونة: لا يقطع 238. وقال أشهب في كتاب محمد: يقطع، قال: وكذلك إن سرق سبعًا 239. وقوله في السبع ضعيف للحديث في تحريمها، وليس كذلك ما أذن له 240 في اتخاذه من الكلاب؛ لأن النهي عن ثمنه 241 على وجه الندب لمكارم الأخلاق ألا يؤخذ في مثل ذلك ثمن، وكذلك نهيه في كتاب مسلم عن ثمن السنور 242 وهو على وجه الندب.
الجزء: 13 - الصفحة: 6098
ويقطع سارق الأضحية قبل الذبح، ويختلف إذا سرقت بعد أن ذبحت، فقال أشهب في كتاب محمد: يقطع فيها وفي القديد، وقال ابن حبيب: لا يقطع فيها 243؛ لأنها لا تباع في فلس ولا تورث ولكن تورث لتؤكل، وإن سرقها 244 ممن تصدق عليه بها قطع؛ لأنها صارت مالًا للمعطى يجوز له بيعها 245. والقطع أحسن؛ لأن منع البيع لما تعلق بها من حق الله تعالى؛ لأنها قربة، فأشبه من سرق حجارة المسجد، أو ما أشبه ذلك وفارقت جلود الميتة؛ لأنها رجس.
وإن سرق بازيًا أو صقرًا 246 قطع، واختلف إذا كان معلمًا، ففي كتاب محمد: يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأن ذلك ليس من الباطل، وقال أشهب: يقوم على أنه غير معلم 247، والأول أحسن؛ إلا أن يكون قوم يريدونه للهو.
قال محمد: ولا ينظر في الحمام إلى سرعته ولا فيما 248 علم من غيرها فيجب؛ لأن ذلك من اللعب.
قال الشيخ: ولو كان القصد في الحمام ليأتي بالأخبار لا للعب، لقوم على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه وتبلغ المكاتبة إليه.
وإن سرق صليبًا أو تمثالًا من كنيسة قوم حطبه 249 منقوضًا، فإن بلغ ربع
الجزء: 13 - الصفحة: 6099
دينار قطع 250. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن سرق مزمارًا أو عودًا أو مثل الدف والكبر وغيره من الملاهي، وكان في قيمته بعد كسره ربع دينار قطع، وقال أيضًا في الكبر والدف: يقطع في قيمته صحيحًا؛ لأنه رخص في اللعب بهما 251. 252 قال مالك: ومن سرق من ذمي خمرًا أو خنزيرًا، لم يقطع ويعاقب ويغرم قيمة ذلك 253. وقال عبد الملك: لا قيمة عليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 6100
باب في السرقة من الحائط، فإذا سرق الثمار قبل الجداد أو بعده، وهي بموضع جدت، أو في حين نقلها، أو وهي (1) في الجرين
وقال مالك فيمن قطع نخلة وسرقها: لم يقطع، وإن كانت مقطوعة ووضعها صاحبها في حائطه وأحرزها فيه، قطع 255. وإن سرق ثمرة من رؤوس النخل من حائط لا غلق عليه، لم يقطع 256. واختلف إذا كان عليه غلق، فقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: إذا كان الحائط محصنًا مغلقًا على ما 257 فيه، وفيه التمر والرديء واللقط والمربد، فقال: ما 258 سرق من ثمر 259 على النخل وودي أو لقط فلا قطع فيه، ويقطع فيما كان في المربد من قبل، أن اللقط بمنزلة ما في رؤوسها؛ لأنه لا يقر حيث هو، ولا يحرس، ولا يرضى له حرزًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كثَرٍ" 260.254
الجزء: 13 - الصفحة: 6101
قال محمد بن المواز: إنما أريد بالحديث في الثمرة الحرز لا غير.
قال: ولو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق في رؤوس النخل، أو كان مجدودًا في منزله لقطعت يده إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار 261، ويلزم على هذا إذا كان النخل والكرم أو غيره من الثمار عليه غلق وعلم أنه احتيط عليه من السارق، أو كان لا غلق عليه، وعليه حارس أن يقطع؛ لأنه جعل الوجه في الحديث 262 وجود الحرز وعدمه.
واختلف في الجذع يكون مغلقًا عليه 263 مقلوعًا في الحائط، فقال مالك: لا قطع فيه إذا كان قائمًا فذهب رأسه وإن كان في حرز وإن قطعه 264 صاحبه ووضعه في حائطه وأحرزه قطع سارقه.
265
وقال محمد: ولو كانت خشبة ملقاة في الحائط كان فيها القطع.
وقال أشهب: إذا لم يزكها مطروحة فأحرزها في الجنان في موضع منه جرين 266 وكان الجنان 267 في حرز أوله حارس، فإنه يقطع 268.
والجواب في الزرع كذلك لا قطع فيه إذا كان قائمًا 269، وعلى قول عبد
الجزء: 13 - الصفحة: 6102
الملك لا قطع فيه وإن كان في حرز وأغلاق.
واختلف إذا سرق منه شيء 270 بعد حصاده وهو في موضعه لينقل منه إلى الجرين، أو سرق منه في حين نقله وقبل وصوله أو بعد وصوله 271 وكونه في الجرين إذا كان بعيدًا من العمران، فقال محمد في الزرع يحصد ويربط قتا، ويترك في الحائط ليحمل إلى الجرين 272 وقد جمع بعضه إلى بعض فلا يحمل حتى سرق منه أحد 273.
اختلف فيه عن مالك، فقال: يقطع، كان عنده حارس أو لم يكن، قال: وليس بمنزلة الزرع القائم ولا بمنزلة الثمر في رؤوس النخل.
وقال أيضًا في زرع مصر من القمح والقرط 274 يحصد ويوضع في موضعه أيامًا 275 لييبس فيسرق منه، فقال: ليس هذا بمراح ولا جرين وما هو عندي بالبين أن يكون فيه قطع.
ثم قال: وأين يدرس؟ قيل: في الجرين، فقال: هو أبين.
يريد، أن القطع في الجرين 276، قال محمد: وهو أحب إلينا؛ لأنَّ كل ما له جرين، وموضع ينقل إليه فليس موضعه ذلك بموضع له، فلا قطع 277 فيه ولو حمل فسرق في الطريق قبل بلوغه 278 الجرين لقطع، وإنما يقطع لأجل من معه 279.
الجزء: 13 - الصفحة: 6103
فصل (1) [اختلاف الشهود في السرقة]
ومن المدونة قال: وإذا شهد شاهد أنه سرق كبشًا وآخر أنه سرق نعجة، لم يقطع.
يريد، إذا اختلفا عن سرقة واحدة 281.
واختلف إذا كانا عن سرقتين، فقال أحدهما: سرق أمس 282 كبشًا، وقال آخر: سرق اليوم نعجة، فقيل: لا يقطع لأنها أفعال فلا تجمع الشهادتان 283، وقيل: تجمع ويقطع.
وقال مالك وابن القاسم: إذا قال أحدهما: سرق يوم الخميس، وقال الآخر: يوم الجمعة، لا يقطع، وهو كفعلين 284.
قال محمد: ولو شهد أحدهما أنه سرق بالمدينة، والآخر أنه سرق بمصر، لم يقطع، قال أصبغ: وهو قول مالك قال: وفيه بعض المغمز 285.280
الجزء: 13 - الصفحة: 6104
باب فيما يقطع من السارق من يد أو رجل
ومن سرق قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى 286. واختلف في خمسة مواضع:
أحدها: إذا سرق ولا يمين له؛ لأنها ذهبت بأمر من الله تعالى، أو قطعت في قصاص.
والثاني: إذا كانت شلاء.
والثالث: إذا ذهب 287 منها أصبعان.
والرابع: إذا قطعت الشمال مع وجود اليمين.
والخامس: إذا سرق بعد قطع جميع أطرافه
فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا قطعت اليمنى في قصاص أو غيره تقطع اليد 288 اليسرى 289. وقال أشهب: تقطع الرجل اليسرى 290. والأول أبين؛ لأن القرآن إنما ورد بالبداية باليد، ولأنه القياس أيضا؛ لأن اليد هي الجانية فكانت عقوبتها قطعها، ولا تقطع الرجل إلا في الموضع الذي وردت فيه
الجزء: 13 - الصفحة: 6105
السنة، وهو أن تكون اليمنى قطعت في سرقة، ولأنه لو كان الأعسر لقطعت اليسرى مع وجود اليمنى؛ لأنها التي سرقت.
واختلف قول مالك إذا كانت اليمنى شلاء، فقال: تقطع اليد اليسرى 291.
ووقف مرة، وقال ابن القاسم: تقطع الرجل اليسرى 292. وهذا اختلاف من قول ابن القاسم في المسألة الأولى إذا قطعت في قصاص 293، وقال أبو مصعب: تقطع الشلاء.
وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع إن كان ينتفع بها.
ويجيء على هذا إذا كان أعسر أن تقطع اليد اليمنى؛ لأن الأشل انتفاعه باليسرى أكثر، وقول مالك تقطع اليسرى أحسن، وقد تقدم وجه ذلك، وإن ذهبت من يمينه أصبعٌ قطعت، وإن ذهبت ثلاث، لم تقطع 294.
واختلف إذا ذهب أصبعان، فقال: لا تقطع، وتقطع رجله أو يده اليسرى، وقال في كتاب المدنيين: إن ذهب أكثرها لم تقطع، وإن بقي أكثرها قطعت 295. فعلى هذا القول 296 إذا بقيت ثلاث أصابع 297، تقطع لأنه أكثرها وأن لا تقطع أحسن؛ لأنَّ اليسير وما يعفى عنه ما كان دون الثلث.
واختلف في الثلث هل هو في حيز الكثير؟ ولا خلاف فيما جاوز الثلث أنه في حيز الكثير وأصبعان أكثر من الثلث.
الجزء: 13 - الصفحة: 6106
وقال مالك: إذا أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود اليمين أجزأ ولم تقطع يمينه 298، وقال ابن الماجشون: لا تجزئه 299، وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجبه الله فيه، وتقطع اليمين ويكون عقل الشمال في مال السلطان يختص به 300 إن كان هو الذي أخطأ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو الذي أخطأ.
قال: وإليه رجع مالك 301 قال: وإذا قطعت اليسرى في سرقة ثم سرق ثانية، فعلى قول ابن القاسم، تقطع رجله اليمنى لتكون من خلاف.
وقال ابن نافع: تقطع رجله اليسرى وقد كان قطع اليد اليسرى خطأ فلا تترك الرجل اليسرى 302 على العمد.
وفي كتاب محمد: إذا دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه 303، وعلى ما عند ابن حبيب لا يجزئه، فعلى القول أنه يجزئه تكون البداية باليمين مُسْتَحَبًّا، وعلى القول أنه لا تجزئه، هو مستحق وهو أحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ باليمنى ومحمل ذلك 304 على وجه البيان لما جاء في القرآن حتى يقوم دليل على خلافه، وقد قال مالك وغيره إذا ذهبت اليمين بعد السرقة بأمر من الله سبحانه 305 أو بعمد من
الجزء: 13 - الصفحة: 6107
الإنسان أنه لا يقطع 306 منه شيء؛ لأن القطع كان وجب فيه وقياد قوله: إن الشمال تجزئه يجب ألا يسقط القطع عنه وتقطع شماله أو رجله وكما لو أخطأ الإمام بقطع رجله اليسرى مع وجود اليد اليمنى أنه لا يجزئه وتقطع اليد اليمنى وقال: إذا سرق وقطع يمين رجل أنه يقطع للسرقة ويسقط حق الآخر وإنما يصح هذا على القول أن القطع أولا في اليمن مستحق وعلى القول أنه مستحب تقطع يمينه قصاصًا وتقطع شماله أو رجله للسرقة.
وقال مالك فيمن سرق بعد قطع يديه ورجليه يضرب ويحبس وقال أبو مصعب يقتل 307 كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعثمان بن عفان 308، وعمر بن عبد العزيز 309، وفي النسائي عن أبي بكر مثل ذلك أنه قتله 310.
الجزء: 13 - الصفحة: 6108
فصل [قطع يد السارق إلى الإمام]
قطع يد السارق إلى الإمام، فإن قطعه غيره بعد أن ثبتت البينة عمدًا، لم يقتص منه وعوقب لافتياته على الإمام 311. واختلف إذا قطعه غيره خطأ 312 هل يكون له فيها دية؟ فقال مالك في كتاب محمد: لا دية لها 313. وقال ابن القاسم في موضع آخر: له ديتها.
فعلى هذا يجب أن تقطع الأخرى.
= "اقتلوه" ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة، فقال: أمروني عليكم فأمروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه".
قال النسائي: وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم، ويحيى القطان لم يتركه، وهذا الحديث ليس بصحيح ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: السنن الكبرى: 4/ 348.
الجزء: 13 - الصفحة: 6109
باب في اتباع السارق بقيمة السرقة، ومن سرق من رجل ثم سرق من آخر كيف يدخل بعضهم على بعض؟ وهل يدخل المسروق منه على غرماء السارق؟
وإذا لم يقطع السارق اتبع بما سرق في العسر واليسر، وإذا قطع والسرقة قائمة، كان لصاحبها أن يأخذها 314.
واختلف إذا استهلكها أو تلفت من يديه، فقال مالك وابن القاسم: إذا كان موسرًا من يوم سرق إلى يوم قطع أغرم القيمة وإن أعسر بعد القطع 315 لم يسقط عنه الغرم، وإن كان موسرًا يوم سرق، ثم أعسر قبل القطع أو كان قبل القطع معسرًا فقطع وهو موسر، أو كان موسرًا يوم سرق ويوم قطع وأعسر فيما بين ذلك، لم يتبع بشيء 316.
وقال أشهب: لا يتبع 317 بشيء إلا أن يتمادى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة.
318 وقال أبو محمد عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه الغرم مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون قد قبض 319 لها ثمنًا
الجزء: 13 - الصفحة: 6110
واختلط بماله 320.
وحكى ابن شعبان قولًا رابعًا أنه يتبع مع القطع، وإن كان معسرًا قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة؛ لأنَّ القطع حق لله -عز وجل- لا يعفى عنه، وإن تاب السارق، وحسنت توبته والغرم حق لآدمي وحقوق 321 الله تعالى لا تسقط حق الآدمي، كما يجب على الزاني المحصن يريد: إذا اغتصب 322 امرأة، الصداق مع الرجم 323.
قال الشيخ -رحمه الله-: في هذه 324 المسألة نص وقياس معارض للنص 325، فالنص قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِب السَّرِقَةِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ" ذكره النسائي 326. فعلى هذا لا يغرم موسرًا كان أو معسرًا لأَنَّ الحديث 327 لم يفرق، ولا نختلف 328 أن هذه التسمية في الغرم لا تختص بالمعسر وأنه متى أخذ العوض من الموسر سمي غارمًا، ولهذا قال من ذكر عنه أبو محمد عبد الوهاب: الغرم استحسان.
وأما قولهم: إن ذلك لإمكان البيع وأنه خلط الثمن بماله، فصحيح ولا يعترض ذلك إذا وجد 329 السرقة بعينها؛ لأنه لا يقع عليه متى أخذ عين الشيء اسم غارم.
الجزء: 13 - الصفحة: 6111
وأما القياس فإنه يغرم مع العسر 330 قياسًا على المحصن يغتصب المرأة، فإنه يغرم وإن مرت به حالة هو فيها معسر؛ لأنَّ حقوق الآدميين في المتلفات والغصوب لا تسقطها حقوق الله تعالى متى أقيم عليه عقوبة ذلك الفعل، فيقدم القياس مع كون الحديث مختلفًا في سنده 331.
ويختلف في إغرامه مع العسر 332 وعدم القطع إذا كان المسروق منه مُقِرًّا أنه ممن وجب عليه القطع، وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: إذا لم تثبت السرقة إلا بشاهد.
والثانية: إذا لم تكن بينة وقال السارق: سرقت من غير حرز.
وقال المسروق منه: من حرز.
والثالثة: أن تذهب يمينه بأمر من الله سبحانه 333 فمذهب ابن القاسم في هذا الأصل أنه يتبع في الذمة وإن كان معسرًا يوم سرق أو يوم يقام عليه الحد 334.
وقال أشهب: لا يتبع؛ لأن المسروق منه يقر أن حكمه القطع، وأنه ظلم في امتناعه من القطع 335، واستشهد في ذلك أنه لو شهدت عليه بينة بالسرقة،
الجزء: 13 - الصفحة: 6112
فلم يحكم عليه بالقطع حتَّى مات، أنه لا يتبع في يسر حدث (1)، والقول الأول أحسن وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يجتمع عليه الأمران: مصيبة في عضوه، والغرم فإذا عدم القطع لأمر ما اتبع، وكذلك إذا مات فإنه يتبع على قول ابن القاسم، ولا يسقط عنه الغرم إلا مع وجود النكال بالقطع، ومثله إذا اعترف لرجل بسرقة قد أخذها من حرز ثم رجع وأتى بعذر يسقط القطع، ولا يسقط حقوق الآدمين، فإنه يتبع عند ابن القاسم، ولا يتبع عند أشهب، وأن يتبع أحسن، وإذا كانت السرقة مما لا قطع فيها؛ لأنها أقل من ربع دينار، أو ربع دينار وأخذت من غير حرز اتبع بها، وإن كان معسًرا قولًا واحدًا (2).
فصل (3) [في السرقة تباع]
وإذا باع السارق السرقة فأهلكها المشتري، فإن أجاز المسروق منه البيع، لم يتبع السارق بالثمن عند مالك 339؛ إلا أن يكون متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم قطع حسب ما تقدم، وإن لم يجز البيع، وأغرم المشتري القيمة، اتبع المشتري السارق في اليسر والعسر والمسروق منه يأخذ المشتري من وجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه، وإنما بايعه، فإن كان المشتري عديمًا، رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه، فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق، أخذ منه المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري ويتبعه336337338
الجزء: 13 - الصفحة: 6113
هو به (1) وإن كانت القيمة أكثر من الثمن أخذ منه الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده واتبع المشتري بفضل القيمة وإن كان المشتري باع السرقة أخذ المسروق منه الثمن الذي باعها به، فإن وجده عديمًا رجع على السارق بالأقل من الثمن الثاني أو الثمن الأول، ويتبع بفضل الثمن المشتري الأول.
فصل [فيمن سرق من جماعة وفي يده مال]
وقال ابن القاسم: وإذا سرق من جماعة وفي يده مال تحاص جميعهم فيه إذا كان لم يزل في يده منذ سرق من الأول 341، وإن كان يسرًا محدثًا تحاص في ذلك المال كل سرقة كانت في ذلك اليسر دون من كان سرق منه قبل ذلك اليسر 342. قال الشيخ -رحمه الله-: فعلى هذا لو كان في يده عشرة ثم سرق من ثلاثة رجال من كل واحد عشرة تحاصوا في العشرة التي كانت في يديه أثلاثًا، وإن كان في يديه عشرة فسرق عشرة ثم أفاد عشرة، ثم سرق عشرين، كان الثاني أحق بالعشرة الثانية، وتبقى العشرة يحاص فيها الأول فيقسمان العشرة الأولى نصفين، وإن سرق عشرة ثالثة كانت العشرة المحدثة بين الأوسط والآخر نصفين ثم يرجعان جميعًا على الأول فيحاصانه في العشرة، فإن ذهبت العشرة الأولى لم يدخل الأول على من بعده، وإن ذهبت العشرة الآخرة دخل الآخران على الأول كأن لم يكن عنده غير الأولى؛ لأن جميع ذلك مال 343 تقدمته340
الجزء: 13 - الصفحة: 6114
سرقاتهم، فإذا ذهب بعضه كان حقهم في الباقي، وكل هذا على قول ابن القاسم، وخلاف ما ذهب إليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب في قوله: إنه إنما يأخذ من المال الذي في يديه لإمكان أن يكون باع السرقة واختلطت بماله، وهذا مال تقدم وسرقات طرأت على ذلك المال، ولم يختلط بشيء منه فلا يكون لمن سرق منه 344 أخيرًا أن يدخل على الأول؛ لأنَّ سرقته لم تدخل فيها يقينًا ولا شكًّا.
وإذا سرق سلعة بين رجلين أحدهما غائب والآخر حاضر 345 فقام الحاضر على السارق 346 والسارق موسر بجميع قيمتها، كان على الحاكم أن يخرج من ذمته جميع القيمة فيعطي الحاضر نصيبه ويوقف نصيب الغائب؛ لأنَّ الغائب لم يرضَ أن يكون ماله في ذمة السارق، وكذلك الغصب، ولو كانا باعا منه تلك السلعة فقام الحاضر والغريم موسر لقضي للحاضر بنصيبه خاصة؛ لأنَّ الغائبَ رضي بمعاملته وأن يكون ماله في ذمته، فإن قضى السلطانُ في السرقة للحاضر خاصة 347 وأخطأ في الحكم، ثم قدم الغائبُ وقد أعدم السارق، رجع على صاحبه في نصف ما أخذ، ثم اتبعا السارق متى أيسر، وعلى ظاهر قول مالك في كتاب محمد 348، يمضي لهذا ما قبض 349؛ لأنَّ الخطأ إنما وقع في نصيب الغائب إذا أبقاه ولم يخطئ فيما قضى به للحاضر، فليس خطؤه على الغائب مما
الجزء: 13 - الصفحة: 6115
يرد به ما عدل فيه للآخر ولو علم أنه قضى لهذا بحقه لتوقف نصيب الآخر،- ثم لم يفعل لم يكن على الحاضر شيء وكل هذا ما لم يكن عليه دين من غير السرقة، فإن كان عليه دين بدأ به فإن فضل عنه شيء كان لمن سرق منه، وإلى هذا ذهب محمد: أن الدين أحق ممن سرق منه 350.
الجزء: 13 - الصفحة: 6116
باب هل يقام الحد على السكران، والمجنون، والمرتد؟
ولا يجلد 351 السكران في حال سكره عن حد، لا لزنا، ولا لشرب، ولا لفرية 352، وإن أخطأ الإمام فضربه في حال سكره، وكان طافحًا، لم يجزئه، وإن كان سكره خفيفًا أجزأه، وإن كان طافحًا فأذهب ذلك عنه بعض الضرب احتسب بما ضرب من وقت ذهب عنه إلا أن يكون ضربه في الفرية برضا المفترى عليه فيجزئه، ولا يعادُ له ضربُه ولا يقطعه للسرقة في حال سكره، فإن فعل أجزأه، ولو قيل: إنه يقطعه 353 في حال سكره لكان له وجه، وليس القطع كالضرب؛ لأنَّ المراد من الضرب وجود الألم، وذلك ذاهب عن السكران.
والمراد من القطع النكال به بزوال ذلك العضو وليس الألم عند قطعه، وهو بعد أن يصحو كأنه موجود وعظة لغيره 354، فمنفعته لا 355 تعود وألمه مرد وحسرته باقية عند عدم ما يتناول ربه ففارق بذلك الضرب.
الجزء: 13 - الصفحة: 6117
باب في إقامة الحد بالبلوغ
الحد يقام بالبلوغ وهو: الاحتلام في الذكران أو الإنبات البين، وفي النساء الاحتلام أو الحيض أو الحمل 356، فإن اعترف الصبي بالاحتلام جرت عليه الحدود وإن أنكر 357.
الجزء: 13 - الصفحة: 6118
باب فيمن اعترف بالسرقة طوعًا أو بعد التهديد
وإذا أقر الحر أنه سرق من حرز ربع دينار فصاعدًا قطع إذا تمادى على إقراره، فإن رجع وأتى بعذر لم يقطع 358. واختلف إذا لم يأت بعذر، هل يقال لحديث ماعز، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لماعز: "هَلَّا تركتُمُوهُ" 359. أو لا يقال؛ لأنَّ الأصل في الإقرارات ألا يقبل الرجوع عنها، ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم - محتمل أن يريد بتركه ليسأله هل له عذر، والأول أبين؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَلا تَرَكتُمُوهُ".
ولم يزد على ذلك، ولأنه وقت الحاجة إلى بيان الحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وهذا إذا لم يعين السرقة ولا المسروق منه أو عينه ولم يعين السرقة.
واختلف إذا عينها، فظاهر قوله في المدونة أنه يقال 360؛ لأنه لم يفرق بين أن يكون عين أو لا، وقد قال ابن القاسم في العتبية: لا يقبل رجوعه إذا عين 361. 362 ولم يفرق بين عرض ولا عين، وروي عن ابن القاسم أنه قال: ليس في الدنانير تعيين.
يريد، أن التعيين إنما يثبت القطع فيما تعرف عينه وهو المتاع
الجزء: 13 - الصفحة: 6119
وما أشبهه دون العين والمكيل والموزون، والقياس أن لا فرق بين أن يعين، أو يقول: استهلكت ذلك، إلا أن تشهد البينة على عين المتاع أنه للمسروق منه، فإن لم تشهد بذلك بينة كان الجواب عن الجميع واحدًا، فإن قيل: إنه إذا أقر أخذ المتاع بإقراره، ولم يصح رجوعه عنه، لم يصح أن يسقط القطع؛ لأنه حكم واحد فلا يتبعض، فيكون صادقًا في أخذ المتاع كاذبًا فلا يقطع (1). قيل: وكذلك إذا عين الدنانير وقال: استهلكت المتاع، تؤخذ منه الدنانير، ويغرم قيمة المتاع إذا كان موسًرا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه لا يصح رجوعه في حق المقر له فلا يتبعض إذًا الحكم، فيغرم ويسقط القطع.
فصل [في حدّ العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب إذا سرقوا]
وقال مالك في العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب يقرون بالسرقة: تقطع أيديهم إذا عينوا وإن كذبهم السيد، وقال: بل ذلك متاعي، كان القول قول السيد 364. يريد: في غير المكاتب.
قال الشيخ -رحمه الله-: إقرار المكاتب ومن فيه بعض حرية على وجهين: فإن أقر أنه سرق من غير حرز أو كانت السرقة دون ربع دينار 365 - لم يقبل قوله 366، عين أو لم يعين، وإن كانت مما يقطع فيها، ولم يرجع فالمعروف من المذهب أنه يقام عليه ذلك الحق لله في كل ما يكون في بدنه قطعًا كان أو قتلًا.363
الجزء: 13 - الصفحة: 6120
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا أقر العبد بالقتل وعينه وقال: ها هو ذا وأنا قتلته، أنه لا يقبل قوله إلا أن يكون معه، أو يرى وهو يتبعه أو نحو ذلك 367. وهذا قول ثالث أنه لا يقبل قوله، وإن عين إلا أن يقوم لذلك دليل.
يريد؛ لأن إقراره وإن كان مما يتضمن تلف نفسه فهو إقرار على سيده، واستحسن أن يصدق في السرقة وما أشبهها مما الحق فيه لله؛ لأن للعبد موليين ولكل واحد منهما عليه حق، فإذا أقر لله بحقه أخذ به ثم يعود المقال بين المقر له بالسرقة والسيد، فإن كان العبد مأذونًا له في التجارة 368 صدق وأغرم ما أقر به 369، وإن كان غير مأذون له لم يصدق على السيد إلا أن يقول السيد: لا أعلم لي فيها حَقًّا، وكان مثل المقر به لا يشبه أن يكون من ملك عبده، وإن قطع وقد كان استهلكها لم يتبع مع العدم، وإن أقر العبد الحجور عليه بالسرقة لم تؤخذ منه السرقة، إلا أن يكون مما لا يشبه أن يكون من كسبه 370.
واختلف فيمن أقر بعد التهديد على خمسة أقوال: فقال مالك: لا يؤاخذ بذلك.
قال ابن القاسم: وإن أخرج المتاع أو القتيل فإنه يقال، إلا أن يقر بعد أمن من عقوبة، ويعرف 371 ذلك أو يقر ويخبر بأمر يعرف به وجه ما أقر به وعن الشيء 372. فكأنه يريد أن إخراج المتاع أو القتيل بانفراده لا يؤخذ به حتى 373 ينضاف إلى ذلك من إخباره ما يدل على صحة ذلك مثل أن يقول:
الجزء: 13 - الصفحة: 6121
اجترأت ففعلت كذا، أو على صفة كذا، فيذكر من بساط الأمر ومبتدئه ومنتهاه ما يعلم أنه خارج عن إقرار المكره وما يكون كذبًا، وإذا لم يكن ما يدل على ذلك كان له في التعيين مندوحة، وقال مالك في كتاب محمد: إذا عين السرقة، قطع إلا أن يقول: دفعها إليّ وإنما أقررت لما أصابني فلا يقطع، قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا تعرف، وقال أشهب: لا يقطع وإن ثبت على إقراره؛ لأن ثبوته خوف أن يعاد إليه بمثل الذي كان، إلا أن يعين السرقة، ويعرف أنها للمسروق منه 374. يريد، أنه يخرج متاع نفسه ويعترف به لينجو مما هو فيه فلا يقطع إلا أن يثبت أنه للمسروق منه 375. وقال جبلة: كان سحنون يذهب إلى أن الرجل إذا أقر في الحبس أو حبسه سلطان في حق، وكان يعدل أنه يلزمه إقراره.
ويقول: ليس من حبس في حق وباطل سواء.
ويقول: كيف ينبغي إذا حبس أهل الظنة ومن يستوجب 376 الحبس إذا أقر في حبسه ألا يلزمه.
ويقول: إنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء 377، فحمل ابن القاسم إقراره على أن ذلك لأجل الإكراه وإن عين، إلا أن ينضاف إلى الإقرار ما يدل على صحة قوله، وعلى صحة التعيين، وحمله مالك على الصحة إلا أن يدعي أن ذلك لأجل الإكراه، فيقول: دفع ذلك إليَّ فلان 378. وكذلك يقول في إذا عين القتيل
الجزء: 13 - الصفحة: 6122
محمله 379 على الصحة حتى 380 يدعي عذرًا، وحمله أشهب على أنه على الإكراه، إلا أن يثبت أن المقر به لمن أقر له بذلك، ولم يرَ ذلك ابن القاسم، وإن ثبت الملك؛ لأنه قال: إذا أخرج القتيل لا يؤخذ به والقتيل كثبوت 381 المتاع، وحمله سحنون على الصحة وإن لم يعين.
الجزء: 13 - الصفحة: 6123
باب (1) في السارق والزاني البكر والقاذف يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحد
وإذا وجب حد ما دون القتل لسرقة أو قصاص أو ضرب بكر في الزنى أو جلد لشرب الخمر أو قذف في شدة حر أو برد وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك أُخِّرَ لوقت آخر وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان أقيم عليه افترق الجواب فأما القطع عن السرقة فيسقط ويعاقب ولا يحد وإن كان القطع عن قصاص رجع إلى الدية فيه واختلف هل يكون في مال الجاني أو على العاقلة وإن كان ضرب بقذفٍ كان من حق المقذوف أن يفرق عليه الضرب وقتا بعد وقت حتى يستكمل حقه وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يستكمل ما وجب عليه منه وإن اجتمع على رجل حدان لله -عز وجل- جميعًا أو لآدمي أو أحدهما لله سبحانه والآخر لآدمي فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه وإن كان فيه محمل لأحدهما وهما جميعًا لله سبحانه بدئ بأكثرهما كالحد عن الزنى وشرب الخمر فيجلد في الزنى إلا أن يخاف عليه في المائة ولا يخاف عليه في الثمانين وإن كان الخوف لضعف بنية ابتدئ بالحد عن الزنى فأقيم عليه ما يؤمن عليه منه ثم يستكمل وقتا بعد وقت فإذا أكملت المائة ضرب لشرب الخمر وإن كان الحقان لآدمي لأنه قطع هذا وقذف هذا.
اقترعا أجهما يبتدأ بإقامة حقه من غير مراعاة الأكثر وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأول دون الآخر من غير قرعة وإن كان أحدهمالله تعالى والآخر لآدمي بدئ بما هو لله سبحانه إلا أن يكون فيه محمل382
الجزء: 13 - الصفحة: 6124
لما هو لآدمي وحده فيقام عليه ويؤخر ما هو لله سبحانه لوقت لا يخاف عليه.
وان كان الخوف في أي وقت وكان الحق لله سبحانه جلد ابتداء مفترقا ثم حق الآدمي (1).
فصل (2) [في حكم المختلس]
قال مالك: ولا يقطع المختلس.
385 قال الشيخ -رحمه الله-: أخذ الأموال بغير رضا أربابها على ثمانية أوجه: السرقة، والحرابة، والاختلاس، والغصب، والتعدي 386، والغيلة والخديعة، والخيانة.
والعقوبة فيها على ثلاثة أوجه: فعقوبة السارق القطع، وعقوبة 387 المحارب أحد الأربعة التي ذكر الله تعالى في كتابه، 388 وعقوبة من سواهما الضرب والسجن من غير قطع، وقد جعل القطع في غير سرقة، فقال مالك: قطع الذهب والفضة من الفساد في الأرض 389، وأول من قطع قاطعهما 390 عبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.383384
الجزء: 13 - الصفحة: 6125
وقال ابن وهب: من قال يد الله أو عين الله وأشار إلى يد نفسه أو عين نفسه، قطع ذلك العضو منه.
وقال أشهب في كتاب محمد في المصلوب: تقطع يده.
قال مالك: ولقد كان مروان ينزع ثنيتي الرجل يقبل المرأة، ثم ينزع ثنيتيه لذلك.
391.
والسرقة: ما أخذ من صاحبه سرًّا ولم يعلم، أو أخذه من موضع مغلق عليه أو ما أشبه ذلك.
والاختلاس: ما أخذ علانية ثم فر به وصاحبه يراه.
والحرابة: ما أخذ عن قتال بسلاح أو حجر أو عن خوف إن امتنع أن يفعل ذلك به.
والغصب: ما أخذ بالقهر من غير حاجة لقتال ولا عن خوف، فقد يأخذه بفضل قوته على صاحبه، والمأخوذ منه لا يخاف منه إن امتنع يقاتله عليه.
والتعدي بغير غصب: ما يؤخذ على وجه القهر، أخذه في غيبة صاحبه ليس على وجه الاستمرار أو بحضرته وهو يراه من غير إذنه فأفسده.
والخديعة: أن يخدعه بكلام حتى يعطيه إياه.
والخيانة: الأخذ عن أمانة كانت في ذلك المال يودعه إياه فيجحده.
قال أشهب في كتاب محمد في السارق: هو المستسير المتخفي، والمختلس هو المعلن بغير سلاح، والمحارب هو المكابر بسلاح.
قال الشيخ -رحمه الله-: المختلس يبتدئ 392 أمره عن غفلة بما يكسر ذلك 393
الجزء: 13 - الصفحة: 6126
علانية، ولو اغتفله فأخذه سرًّا فلما صار بيده فر به علانية لقطع؛ لأن أصل مصيره إلى يده سرًّا، وهي السرقة فلا يراعى صفة مسيره بها.
قال مالك: والغيلة: أن يخدع الصبي أو الرجل فيدخله بيته فيقتله على مال يأخذه منه 394.
كمل كتاب القطع في السرقة
والحمد لله
الجزء: 13 - الصفحة: 6127