كتاب الصدقة والهبة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 8) = نسخة القرويين رقم (369) 4 - (ق 9) = نسخة القرويين رقم (369)
الجزء: 8 - الصفحة: 3480
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وسلم تسليما
كتاب الصدقة والهبة (1)
باب ما جاء في الصدقة والهبة
2 نقل 3 الملك بغير عوض كالصدقة والهبة جائز 4، والصدقة ما أريد به وجه الله -عز وجل-، والهبة ما أريد به وجه المعطى، وكلاهما مندوب إليه وغير داخل في قول الله -عز وجل- 5: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. والأصل في الصدقة قول الله -عز وجل-: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، وفي الهبة قول الله -عز وجل-: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، فحض سبحانه على مكارم الأخلاق بتنزيله فمدحه 6 فأخبر أنه أقرب للتقوى، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو1
الجزء: 8 - الصفحة: 3483
الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى.
. .} [النور: 22].
وكان النبي - صلي الله عليه وسلم - يهب ويقبل الهبة (1). ووهب بعيرًا لجابر اشتراه منه (2) (3)، ولعبد الله بن عمر بعيرًا (4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ" (5). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (6).
فصل [ما يراعى في الصدقه]
ويراعى في ذلك ثلاث أحوال 13: حال المعطي، وقدر العطية 14، وفي من توضع، فأفضل ذلك حال 15 الصحة، لقول النبي - صلي الله عليه وسلم - وقد سئل: أي الصدقة789101112
الجزء: 8 - الصفحة: 3484
أفضل؟ فقال: "أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى 16 الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلفُلَانٍ كَذَا.
أَلا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ" 17.
وأما القدر فأفضله ما خلف غنى، لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]، قال محمد 18 ابن جرير الطبري: العفو الفاضل 19.
فأرشدنا الله -عز وجل- عندما سئل نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن القدر الذي يتصدق به أن يكون الفاضل عما يحتاجون إليه، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ.
. .﴾، وفي البخاري ومسلم 20 قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" 21.
وقال كعب بن مالك: إن 22 من توبتي أن أنخلع من مالي.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 8 - الصفحة: 3485
"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" 23. وقال سحنون في العتبية: إن تصدق بجل ماله ولم يبق 24 ما يكفيه ردت صدقته 25. وقال مالك في كتاب محمد: يجوز أن يتصدق بجميع ماله 26، وقد فعله أبو بكر الصديق 27. والأول أحسن، للقرآن وللأحاديث المروية في ذلك 28، وأما صدقة أبي بكر - رضي الله عنه - فقد كانت لاستئلاف الناس واستنقاذهم من الكفر، وذلك حِيِنئذٍ واجب, ويستحب أن يتصدق من أنفس ماله، لقول الله -عز وجل-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وقياسًا على العتق 29، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل 30: أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عَنْدَ أَهْلِهَا" 31.
الجزء: 8 - الصفحة: 3486
ويستحب أن يجعل ذلك في أقاربه ثم جيرانه وفي من يستصلح به نفسه، ويرفع به الشحناء، فأما 32 الأقارب فلحديث أبي طلحة، وقد تقدم 33، وقال النبي - صلي الله عليه وسلم - لميمونة وقد أعتقت خادمًا لها: "لَوْ أَعْطَيْيهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ" 34. فقدم العطية للأقارب على العتق، وقال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" 35. وقال مالك في كتاب محمد في من أحب أن يعتق عبدًا أو يتصدق به على ابني عمه وهما يتيمان فقال: يتصدق 36 به عليهما 37. وأما الجار فلقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - وقالت: يا رسول الله إن لي جارين،
الجزء: 8 - الصفحة: 3487
فإلى أيهما أهدي؟ قال: "لِأَقْرَبِهِما مِنْكِ بَابًا" 38. وقال: "لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لجِارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنِ شَاةٍ" 39. وجميع هذه الأحاديث أخرجها البخاري.
الجزء: 8 - الصفحة: 3488
باب في هبة المجهول والغرر
هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويستحب ألا يفعل إلا بعد المعرفة بقدره وصفته خوف الندم بعد معرفته به، فكره مالك في كتاب محمد أن يقول الرجل للرجل 40: اشترِ هذا الفرس وأحملك عليه.
ولا يدري كم يبلغ من الثمن، حتى يوقتا له وقتًا 41.
واختلف إن هو فعل ثم تبين أنه 42 على خلاف ما كان 43 يظن، فقال ابن القاسم في العتبية في من تصدق بميراثه من رجل 44 ثم تبين أنه خلاف ذلك إن له أن يرد عطيته، وكذلك 45 في كتاب ابن حبيب له رد عطيته 46. وقال محمد بن عبد الحكم: لا رجوع له 47.
وأرى أن يكون 48 له في ذلك مقال، فيرد الجميع تارة والبعض تارة من غير شرك، وتارة يكون شريكًا، فإن كان الوارث يرى أن الموروث دارا 49
الجزء: 8 - الصفحة: 3489
يعرفها في ملكه فأبدلها الميت في غيبته بأفضل كان له أن يرد (1) جميع العطية إذا قال: كان قصدي تلك الدار.
وإن خلف مالًا حاضرًا ثم طرأ له مال لم يعلم به مضت العطية فيما علم خاصة (2)، وإن كان جميع (3) ماله حاضرًا وكان يرى أن قدره كذا فتبين أنه أكثر كان شريكًا بالزائد.
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك نصيبًا من داري، فليقر بما شاء مما يكون نصيبًا (4).
وهذا صحيح على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد فإن أقر بما لا يشبه أن يهبه مثله لمثله (5) لم يصدق ويعد نادمًا، فإن رجع إلى ما يشبه وإلا أعطاه الحاكم ما يشبه، وهذا مع دعوى المعطي النية (6)؛ فإن لم تكن له نية أعطي ما يشبه أن يعطيه لمثله.
فصل [في من قال: لكـ في مالي مائة دينار وليس في ماله وفاء]
ومن قال: لك في مالي مائة دينار، فلم يكن في ماله وفاء سقط الزائد، وإن قال: لك في ذمتي مائة دينار.
أُتبع بالباقي.505152535455
الجزء: 8 - الصفحة: 3490
وقال ابن القاسم فيمن قال: وهبتك عشرة أقساط من دهن جلجلان.
جاز وعليه عصره، فإن قال: أنا أعطيك 56 من غيره عشرة أقساط.
لم يعجبني 57.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يجبر على عصره.
والأول أصوب؛ لأنه وهب دهنًا لا جلجلانًا ودفعه دهنًا من غيره على 58 ثلاثة أوجه، فيجوز أن يعطيه مثل مكيلته 59 على وجه القرض ليعصر ويستوفي ذلك 60.
فإن ضاع 61 قبل العصر أو بعد العصر وقبل الكيل رجع على الموهوب له، ويجوز أن يدفع ذلك على وجه البيع ليبقي 62 له الجلجلان ليس أن يعصره ويستوفي؛ لأنها مناجزة من الآن، ولا يجوز ذلك 63 على وجه المبايعة ليقبض 64 ذلك بعد العصر.
ومن كان له على ميت دين فقال لورثته: وهبت ديني للميت.
أو أسقطته عنه.
اقتسم ذلك الدين الورثة على سهامهم، وإن قال: وهبت ديني 65 لكم.
الجزء: 8 - الصفحة: 3491
اقتَسَموه بالسواء، الذكر والأنثى والزوجة، إلا أن يقول: أردت أن 66 يكون بينهم على سهامهم.
وقال محمد في رجل مات عن ولد وزوجة فاقتسما تركته ثم طرأت زوجة أخرى فقالت: قد صار إلي ميراثي.
أو 67: تركته لكما.
فذلك سواء يقتسمانه على المواريث 68، وينبغي إذا قالت: تركته لكما.
أن يقتسماه بالسواء 69.
وإن طرأ غريم آخر فإن كان الأول قال: وهبت ديني لكم، كان للورثة أن يضربوا بدين الأول ويأخذوا ما ينوبه، وقال محمد بن عبد الحكم: إن قال: أسقطت ديني عن الميت، لم يحاص الورثة بدينه، يريد 70 إذا كان الميت معروفًا بالدين، وإن لم يكن معروفًا بالدين 71 وكان الورثة فقراء حمل تركته 72 على الرفق بالورثة فيتحاصون به 73.
الجزء: 8 - الصفحة: 3492
باب في الصدقة بالمشاع
ومن المدونة قال مالك في من تصدق بنصيبه من دار أو وهبه: ذلك جائز.
قال ابن القاسم: والحوز أن يحل محل الواهب يحوز 74، ويمنع مع شركائه، وكذلك إن وهب نصيبه من عبد 75 76.
واختلف إذا كان جميع الدار أو العبد للواهب فوهب نصف ذلك هل تصح العطية مع بقاء يد الواهب على 77 الموهوب له؟
واختلف أيضًا إذا وهب بعض ذلك لولده الصغير هل يحوز جميعه 78 لنفسه ولولده؟ فأجاز في كتاب محمد إذا تصدق بنصف عبده أو داره أن تبقى يده مع 79 المتصدق عليه، قال: ويكون العبد إن كان للخدمة يخدمهما جميعا 80 يومًا بيوم وعشرة أيام بعشرة أيام، وأجاز في موضع آخر شهرًا بشهر، قال: وإن كان من عبيد الغلة آجراه واقتسما إجارته 81.
وعلى هذا إن كانت الصدقة دارًا للسكنى سكناها شهرًا بشهر وسنة بسنة؛ لأنها مأمونة، وإن كانت دار غلة أو حانوتًا أو حمامًا آجراه واقتسما الإجارة.
الجزء: 8 - الصفحة: 3493
وقال سحنون في كتاب ابنه: الصدقة باطلة، ولا تتم مع بقاء أيديهما عليها 82. وقد تقدم الاختلاف 83 في الرهن إذا رهن بعض ملكه، هل يصح أن يكون تحت أيديهما؟ والأول أحسن؛ لأن المتصدق عليه والموهوب له قد حاز نصيبه بالسكنى والكراء.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن تصدق على ولده الصغير، أو على يتيم يلي عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها حتى مات، فذلك جائز 84، ويكون شريكًا فيها، وله حظه فيها من النماء والنقصان.
وقال أيضًا: إن لم يفرزها بأعيانها أو يسميها 85 لم يجز.
قال 86: وأهل الإبل 87 يسمون الإبل والغنم كما يسمي أهل مصر الخيل لمشتريها 88.
قال ابن القاسم: فإن سماها جازت إذا عرفت بذلك، وإن كانت غائبة عن الشهود إذا كان في حجره 89.
وقال ابن القاسم أيضًا: يجوز إذا تصدق بعدة من خيله أو غنمه ويكون شريكا 90.
الجزء: 8 - الصفحة: 3494
واختلف إذا وهب أو حبس على ولده الصغير وعلى أجنبي بعبد أو حائط، فلم يحز الأجنبي حتى مات المعطي، فقال مالك في المدونة 91: الحبس باطل قال: 92 ولا يعرف إنفاذ الحبس للأصاغر إلا بحيازة الأكابر، وقاله ابن القاسم.
وقال ابن القاسم 93: وكذلك إن وهب لولده الصغير ولأجنبي كبير، فلم يحز الكبير حتى مات الأب فالهبة باطل، وروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن نصيب الصغير جائز في الهبة والصدقة، وباطل في الحبس، قال: من قِبَلِ أن الصدقة تقسم، وقد قبض عليه من هو جائز القبض له، وأن الحبس إن أسلم إلى من يقبضه له أو للكبير لم تجز فيه قسمة 94.
وقال مالك في كتاب محمد 95: إن حاز ذلك الأب من العبد 96 لابنه وعرف أنه أفرزه 97 ومنع 98 نفسه من منافعه جاز نصيب الابن.
قال: والحبس والصدقة في ذلك سواء 99.
ولا خلاف في نصيب الكبير أو الأجنبي أنه باطل إذا لم يحز ذلك وبقي في يد الأب، وإنما الاختلاف في نصيب الصغيرة فأجيز وأبطل، وأجيز مرة في الصدقة وأبطل في الحبس.
الجزء: 8 - الصفحة: 3495
وكل هذا راجع إلى الاختلاف في هبة المشاع، هل يصح أن تبقى في 100 يد المتصدق والمتصدق عليه جميعًا؟
وعلى 101 القول بجواز ذلك يصح نصيب الصغير؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز كانت يد الأب معه على تلك الهبة أو الحبس فهو حائز لولده، وبطل نصيب الأجنبي، لعدم الحوز، وعلى القول ألا يصح في هبة المشاع بقاء يد المعطي مع المعطى يبطل الجميع؛ لأنه لو قام الأجنبي بالحوز لرفعت يد الأب عن الجميع، وجعل جميع ذلك على يد الأجنبي، أو يجعل معه من يحوز للصغير فكان بمنزلة من تصدق على صغير ولده على أن لا يحوز 102 له وأن يكون الحائز له فلانًا فلم يحز فلان حتى مات الأب، فإن الحبس يرجع ميراثًا بخلاف الصدقة؛ لأن الأجنبي لو قام بالحوز في الصدقة لقال له الأب: أنا أقاسمك أو أبيع معك لولدي، ولا ترفع 103 يدي؛ لأنه أمر لا يتأخر.
وألحق مرة الصدقة بالحبس ورأى أن من حق الأجنبي أن يكون جميعها 104 على يديه، أو على يدي أجنبي يقاسمه.
الجزء: 8 - الصفحة: 3496
باب فيمن باع عبدًا (1) بيعًا فاسدًا ثم وهبه
قال ابن القاسم في من باع عبدًا بيعًا فاسدًا ثم وهبه: فإن لم يفت أخذه الموهوب له ورد البائعُ الثمنَ 106، وإن فات لم تجز الهبة فيه 107.
قال مالك: وإن أعتقه البائع جاز عتقه، إلا أن يموت البائع فلا يكون للموهوب له فيه 108 شيء وإن لم يتغير سوقه 109. يريد 110 وإن لم يعتق.
وقال محمد: هو أحق به، وإن مات الواهب إذا قام به قبل أن يفوت، وإن لم يقم حتى فات بيد المشتري فلا شيء له فيه 111.
وأرى 112 إذا وهبه قبل الفوت ورضي المشتري أن تمضي الهبة فيه 113 جاز وانتقض 114 البيع، وصار وديعة في يد المشتري، ولا ضمان عليه فيه 115 إن هلك أو حدث فيه عيب، فإن قال الموهوب له: أنا أحوزه لك، كان حوزًا ولم يبطله فلس ولا موت، وإن لم يقل ذلك جرت على القولين 116 في هبة الوديعة،105
الجزء: 8 - الصفحة: 3497
فقيل: تبطل، وقيل: تصح؛ لأنه لا يد للواهب عليها 117، وإن تمسك المشتري ببيعه ولم يرضَ 118 بِنِقْضِهِ ولا بإمضاء الهبة حتى فات مضى على حكم البيع إذا كان مختلفًا في فساده، وإن كان مجمعًا على فساده مضت الهبة؛ لأن البيع لم ينقل الملك، وإنما نقل الضمان على أحد القولين.
وإن وهبه بعد أن فات ولم يعلم البائع بفوته، أو علم وجهل أن 119 ذلك يمنع الرد، لم تصح الصدقة 120، وإن علم فوت العبد أو 121 أن الحكم ألا يُرد حمل على أنه واهب للقيمة، وإن مات العبد قبل الهبة أخذ القيمة؛ لأنه لا يجهل أحد أن ذلك فوت، وإن كان ذلك فالقصد هبة قيمته، فيصح وإن لم يقبض كهبة الدين.
الجزء: 8 - الصفحة: 3498
باب فيمن وهب (1) عبدًا بعد أن رهنه (2) أو أجره أو أعاره أو أودعه أو غصب منه
قال ابن القاسم في من ارتهن عبدًا ثم وهبه: يجبر الواهب على أن يفتكه ويأخذه الموهوب له 124.
وقد قيل في هذا الأصل: ليس عليه أن يعجل الدين إذا حلف أنه لم يرد التعجيل، ويكون المرتهن بالخيار بين أن يرضى بخروجه من الرهن ويمضي هبته أو يبقيه إلى الأجل، فإن حل والواهب موسر قضى الدين وأخذه الموهوب له، وإن كان ممن يجهل أن الهبة لا تصح إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك ولم يجبر على تعجيل الدين 125 قولًا واحدًا.
قال محمد: ولو وهبه قبل أن يحوزه المرتهن وقبضه الموهوب له 126 كان أحق به إن كان الواهب موسرًا ولم يعجل للمرتهن حقه؛ لأنه فرط في حيازته، وإن كان معسرًا كان المرتهن أولى 127 به، إلا أن يكون وهبه لثواب، وإن وهبه ثم قاما 128 قبل أن يحوزه واحد منهما، فإن كان موسرًا جازت الهبة وكان أحق به من المرتهن، وحكم للمرتهن بتعجيل حقه، فإن 129 أعسر بعد ذلك أتبعه بحقه122123
الجزء: 8 - الصفحة: 3499
ورآه بمنزلة من وهب ثم وهب فحاز الثاني أنه أحق من الأول (1). وقال ابن القاسم في هذا الأصل: الأول أحق، وإن كان الرهن شرطًا في أصل عقد البيع (2) أو القرض، فذلك أبين أن يقوم بحقه فيه ويقبضه.
فصل [في الرجل يؤاجر الرجل دابته أو يعيره إياها ثم يهبها لغيره]
وان أخدم عبده أو آجره ثم 132 وهبه مضت الخدمة والإجارة 133 على ما هي عليه ولم يدخلا في الهبة، بخلاف الرهن؛ لأن حق 134 المرتهن في الرقبة، وهي التي وهبت، فعليه أن يفتديها 135 ليتم هبته، وحق المخدم والمستأجر في الخدمة دون الرقاب، فإنما وهب ما لا حق فيه للآخر.
واختلف هل تصح هبة الرقاب مع تعلق حق المخدم والمستأجر؟ فقال مالك في المدونة: إذا أخدم الجارية سنين ثم قال بعد قبضها: هي لفلان بتلًا، فإن قبض المخدم قبض للموهوب له 136، وهي من رأس المال.
قال ابن القاسم: وكذا إذا أعار عبده ثم وهبه، قال: ولا يكون ما في الإجارة قبضًا إلا أن يسلم الإجارة معه، وفرق ما 137 بين السؤالين130131
الجزء: 8 - الصفحة: 3500
لأن 138 المخدم محوز عن ربه والمستأجر محوز له 139.
وخالف عبد الملك في المخدم وقال: لا يكون حوزًا إذا كانت الهبة بعد الإخدام، وإن أخدمه وتصدق به في فور واحد كانت العطية محوزة، وإن قتل كانت القيمة 140 لمن وهبت 141 له الرقبة.
وخالفه 142 أشهب في الإجارة، فقال 143 في كتاب محمد: هو حائز وإن لم يسلم الإجارة معه.
قال: وهو بمنزلة ما لو وهبه لمن هو 144 في يديه 145.
قال الشيخ -رحمه الله- 146: المخدم على وجهين، فإن وهب المرجع بعد انقضاء الخدمة ليس من 147 الآن لم يكن محوزًا؛ لأن المخدم يحوزه الآن لنفسه، وإن قتل 148 كانت القيمة لصاحبه 149 الأول، وإن جعل له الرقبة من الآن فإن كانت نفقة العبد على سيده لم تصح الهبة؛ لأنه إذا كانت النفقة على الواهب لم يكن محوزًا، وإن شرطها على الموهوب له كانت فاسدة؛ لأنه لا يدري هل يسلم لانقضائها 150، وإن كانت
الجزء: 8 - الصفحة: 3501
نفقته قبل الهبة على المخدم صار كالعبد المغصوب؛ لأن الواهب رفع يده عنه، إلا أن يرضى المخدم أن يحوز له 151 فيجوز، بخلاف ارتهان فضلة المرتهن؛ لأن المرتهن حقه في الرهن وفي ثمنه، والمخدم حقه في منافعه 152 ليس في رقبته، فإذا حاز الرقبة للموهوب له جاز.
وإن كان العبد في الإجارة لم يكن محوزًا؛ لأن نفقة العبد على صاحبه، فإن أبقاها على نفسه لم يكن حوزًا، وإن شرطها على الموهوب له كانت هبة فاسدة؛ لأنه لا يدري هل تسلم لانقضاء الأجل، وإن كانت نفقته قبل الهبة على المخدم صار كالعبد المغصوب؛ لأن الواهب فليحذف رفع يديه عنه، إلا أن يسلم الواهب النفقة إلى الموهوب له ويكون هو 153 المتولي للإنفاق عليه، وإليه يأوي العبد فتصح الهبة.
وإن كانت الهبة دارًا أو ثوبًا أو ما لا يحتاج إلى نفقة فرضي الساكن أن يحوزها للموهوب له جاز، وإن لم يرض وقال: لا أحوزها 154. لم تصح الهبة، قال محمد: وإن قال المخدِم بعد أن أخدمه وحازه 155: إن مت فهي صدقة على فلان المخدم أو غيره جاز وكان من الثلث، قال مالك: وإن قال بعد الخدمة في مرضه: هو لفلان 156. كان من الثلث 157؛ قال: ومن حبس على رجل حياته، ثم قال: هو في سبيل الله.
وأسلمه إليه كان من الثلث 158، قال محمد: وأصل أشهب أنه من
الجزء: 8 - الصفحة: 3502
رأس المال؛ لأنه مما لا يرجع إليه ولا إلي ورثته منه شيء.
ومن أودع عبدًا ثم وهبه ولم يعلم المودعَ لم يكن محوزًا، بخلاف المخدم؛ لأن المودعَ قبل العلم يحوزه لربه، والمخدم يحوزه لنفسه، وإن علم بالهبة وقال: أحوزه للموهوب له كان حوزًا، وإن قال: أُبقي على حوزه للواهب.
لم يكن محوزًا، وإن قال: لا أحوزه للأول؛ لأنه وهبه، ولا أرضى أن أحوزه للثاني، ولا أكون أمينًا له.
كان على القولين في المغصوب.
واختلف إذا وهب نصفه ورضي المودعَ أن محوز له نصفه، فقيل: ذلك حوز.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: ليس بحوزة لأن يده باقية عليه للأول، والقول الأول أحسن؛ لأنه أمين لهما، وقد رضي أن يمنع الواهب أو يمكنه من نصفه.
وإن وهبه وهو في يد غاصب كانت الهبة جائزة، بخلاف البيع، فإن انتزعه الموهوب له 159 في حياة الواهب صحت الهبة.
واختلف إذا لم ياخذه حتى فلس الواهب أو مات، فقال ابن القاسم: الهبة ساقطة.
وقال أشهب ومحمد: هي ماضية 160. واختلفا 161 في تعليل 162 ذلك، فقال أشهب 163: لأنه ليس فيها حوز غير هذا.
يريد أنه 164 لا يقدر على أكثر من هذا.
الجزء: 8 - الصفحة: 3503
وقال محمد: لأن 165 الغاصب ضامن، فهذا كالدين 166. وقول أشهب في هذا إنَّ الهبة ماضية أحسن؛ لأن الواهب رفع يده عنها ولا يقدر على أكثر من هذا، وليس كالدين؛ لأنه إنما وهبه عين المغصوب ولم يهبه قيمته 167.
الجزء: 8 - الصفحة: 3504
باب في من وهب صوف غنمه أو لبنها، أو ما في بطنها، أو ما في بطن أمته أو ما تحمل به بعد
الهبة في جميع ذلك جائزة، ويراعى أربعة 168: صفة 169 الحوز، ومتى يجبر 170 الواهب على التحويز، وعلى من الرعي، وهل 171 تحمل الهبة على هبة عام، فإن وهب صوف غنمه وسلم الرقاب 172 كان حوزًا، وإن كانت الهبة بإثر الجزاز؛ لأن الصوف موجود الآن، فإن كان يتزيد إليه شيء آخر، فإن نما وتم أخذ ذلك الموجود يوم الهبة مع ما انضاف إليه، وان وهب لبن غنمه وفيها لبن فحاز الرقاب كان حوزًا لما فيها ولما يأتي بعد.
واختلف إذا لم يكن فيها لبن، فقيل: يجزئ حوز الرقاب؛ لأن الواهب قد رفع يده عن تلك الرقاب، وهو أكثر ما يقدر عليه الآن.
وقيل: ليس بحوز؛ لأن الموهوب غير موجود.
وقال ابن القاسم: إن وهب ما في بطن جاريته أو شاته فحوز الأمهات حوز للولد 173.
وقال أشهب: لا يكون حوزًا إلا أن يقبض الولد بعد الخروج.
قال 174: ألا ترى
الجزء: 8 - الصفحة: 3505
أن العتق فيه 175 ليس 176 بحوز وقد تباع أمه في دين يستحدثه 177.
والأول أحسن؛ لأن الولد مقبوض، ولو استحدث دينًا بعد قبض الأمهات لم يبع 178 في دينه، ولأنه أكثر ما يقدر عليه.
وقد قال أشهب في العبد المغصوب: يوهب إنه حوز بالقبول 179 لما كان أكثر ما يقدر عليه.
ويختلف أيضًا إذا وهب ما تحمل أمته أو شاته في المستقبل، قياسًا على من وهب ثمارًا أو لبنًا لم يكن، محاز 180 الأصول، فإن وهب كل ولد تلده فقبض الأصول وفيها ولد كان حوزا لذلك الحمل وما تحمل به بعد ذلك، وكذلك إن قبضها فحملت بعد القبض ثم مات الواهب كان قبضه قبضًا لذلك الولد ولكل ولد تلده فيما بعد، قياسا على هبة الثمار والألبان إذا وهبت 181 سنين أن ذلك حوز للموجود ولما يأتي بعد، ويجبر على التحويز إذا كان الحمل أو اللبن موجودًا وظهرت الثمرة.
قاله ابن القاسم في الثمرة والزرع، وقاله في كتاب محمد في هبة حمل 182 الجواري والغنم، فيجبر في هبة اللبن على أن يسلم الغنم للموهوب له وفي هبة 183 ما في بطون الجواري والغنم على أن يجعلها على يد ثقة
الجزء: 8 - الصفحة: 3506
حتى تضع (1)، وليس للموهوب له أن يقول: تكون على يدي.
لأن حاجته إليها مرة في وقت واحد، وهو في الإماء آكد لأنه لا يخلو (2) بهن، واللبن يحتاج إليه كل يوم، وكذلك الثمار، توضع الأصول على يدي ثقة، فإذا جاء وقت الانتفاع بها أخذ هبته (3).
وله أن يأخذ ما سقط منها من بلح أو غيره، وإن لم يكن حمل ولا لبن ولا ظهرت الثمرة لم يجبر الواهب على تحويز الرقاب.
فصل [في سقي النخل والنفقة على الأمة الموهوبين]
ويختلف في السقي والعلاج في النخل وفي النفقة على الأمة، فقال ابن القاسم في كتاب العرايا في من وهب ثمرة حائطه قبل طيبها: نفقتها 187 وعلاجها وزكاتها على الموهوب له 188.
وقال ابن حبيب: كل ذلك على الواهب 189. ويختلف في الرعي وفي النفقة على الأمة، قياسًا على النخل.
وقد اختلف في نفقة المخدم: هل تكون على المخدِم أو المخدَم، وقال محمد في من أوصى لرجل بصوف غنمه أو لبنها أو سمنها، ولآخر برقابها: كان رعيها184185186
الجزء: 8 - الصفحة: 3507
ومؤنتها على الذي أوصي له برسلها 190 من اللبن أو السمن أو الصوف 191.
وأرى إن وهب في مرة واحدة لثلاثة نفر لأحدهم صوفها ولآخر لبنها ولآخر ما في بطونها، أن تكون النفقة والرعي 192 على جميعهم، ثم يختلف، هل يفض على عددهم أو على قيمة هبة كل واحد 193، فيصح أن يقال: على قدر ما لكل واحد.
قياسًا على القراضين إذا اختلف قدرهما 194، ويصح أن يقال 195: هم في ذلك 196 على السواء.
لأن كل واحد منهم لو انفرد كان عليه جميع تلك النفقة.
وإن كانت الهبة 197 واحدة بعد أخرى كان 198 القيام بها على الأول دون الآخرين على قول محمد؛ لأنه عنده إذا أعطاه 199 الصوف أو اللبن بانفراده وأبقى ما سوى ذلك لنفسه كان القيام به على المعطى له ولا شيء على الواهب وإن بقيت له تلك المنافع، فكذلك إذا أعطاها لقوم آخرين بعد الأول، والقياس أن يكون على الواهب إذا أبقى شيئًا من ذلك على نفسه بقدر ما يبقى.
وكذلك الرقاب تدخل في القبض، وليس كذلك العبد توهب خدمته؛ لأن منفعة العبد شيء واحدة وهي الخدمة، والغنم يراد منها الولد واللبن والصوف.
الجزء: 8 - الصفحة: 3508
فصل [في محمل الهبة إذا كانت حاملا أو ذات لبن]
ومحمل 200 الهبة إذا كانت حاملًا أو ذات لبن على ما هو موجود، ويختلف إذا لم يكن شيء من ذلك فقال: وهبت لك لبنها أو صوفها أو ما تحمل، فهل تكون هبة على ما تكون حياة الغنم والجواري أو حياة المعطي؟
وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في هذا الأصل في كتاب الوصايا الثاني 201، وقال محمد فيمن أوصى لرجل بصوف غنمه أو لبنها أو سمنها، ولآخر برقابها فللموصى له ما 202 على ظهورها يوم مات الموصي، وما بقي في ضروعها وما في بطونها ما عاش المعطَى، فإن مات رجعت إلى من أوصى له بها، قال: وذلك إذا لم تكن حاملًا يوم أوصى، فإن كانت حاملًا فليس له إلا حملها ذلك 203.
وعلى هذا محمل قوله في الصوف واللبن على أنه حدث بعد الوصية.
وإن مات وهو موجود، ولو كان وقت الوصية وفيها 204 لبن أو عليها صوف قد تم، كان محمل الوصية على ما هو موجود.
الجزء: 8 - الصفحة: 3509
باب فيمن وهب أرضًا حاضرة أو غائبة أو دينًا على حاضر أو غائب
قال مالك -رحمه الله- 205: ومن وهب أرضًا حاضرةً في غير وقت حرثها كان قول الموهوب له قد قبلت- كافيًا في الحوز.
وقال ابن القاسم: إن كان إبان حرثها فلم يحزها بطلت 206، والقياس أن تمضي ولا تبطل، إلا أن تعود يد الواهب عليها بحرث أو غيره.
وإن كانت الهبة بستانًا يغلق عليه أجزأه معاينة إغلاقه، ثم لا يضره إن لم يعمره، وتركه حتى درس، وهو بمنزلة من وهب دارًا فأغلقها الموهوب له ثم لم يسكنها؛ لأن الغلق حائل بين الواهب وبينها.
وقال ابن القاسم في من وهب أرضًا بإفريقية، والواهب والموهوب له بالفسطاط فقال: قد قبلت.
لم يكن حوزًا، وإن لم يفرط في الخروج 207. وقال أشهب: إن لم يفرط في الخروج فلم يخرج حتى مات فهو حوز.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك فيمن تصدق على ابنه البالغ بدار غائبة وجعل من يحوزها له فمات الأب قبل أن تحاز: فهي جائزة للابن 208.
ومحمل 209 قول ابن القاسم في الأرض على أنه لو خرج لأدرك حراثتها،
الجزء: 8 - الصفحة: 3510
ولو كان يكون وصوله قبل إبان حرثها لم يضر إن لم يخرج الآن إذا خرج بعد ذلك في وقت يصل قبل حرثها 210؛ لأنها لو كانت حاضرة لكان حوزها بالقول "قد قبلت" بخلاف الدار.
ولو وهب رجل دينًا على رجل بإفريقية، والواهب والموهوب له بالفسطاط فقال: قد قبلت.
كان حوزًا.
قال: لأن الديون هكذا تقبض 211. يريد أنه لو كان الغريم حاضرًا لجاز بقبول الموهوب له، وإن لم يقبض الدين.
وإن كانت الأرض أو الدار على يدي رجل فوهبها لمن هي في يديه وهو حاضر فقبلها، أو لأجنبي فقال من 212 هي على يديه: أنا أحوزها له.
جاز، ولم يضر غيبة الأرض ولا الدار.
قال ابن القاسم: ولو استودع الرجل وديعة أو آجره دارًا أو أعاره عبدًا 213 وكل ذلك غائب فوهب ذلك المالك لمن هي في يديه، وكلاهما بالفسطاط، فقال الموهوب له: قد قبلت.
كان حوزًا 214.
وقال مالك فيمن وهب دارًا غائبة لابن له صغير في حجره جاز 215.
وقال ابن القاسم فيمن وهب لرجل دينًا له عليه فقال: قد قبلت.
فذلك قبض، وقد سقط الدين 216.
الجزء: 8 - الصفحة: 3511
واختلف إذا افترقا ولم يقل: قبلت.
فقال ابن القاسم: الهبة ساقطة.
وقال أشهب في كتاب محمد: الدين لمن هو عليه إذا أسقطه عنه.
وإن لم يعلم بذلك حتى مات الواهب؛ لأنها وضيعة، قال: وقد قال مالك فيمن بعث بثوب صدقة إلى غائب وأشهد إنّ ذلك حوز 217، وإن لم يبلغ حتى مات، وإن وهب الدين لغير من هو عليه وأشهد له أو جمع بينه وبينه ودفع إليه ذكْرَ الحق فهو قبض، وإن لم يكن ذكر حق فالإشهاد يجزئ.
الجزء: 8 - الصفحة: 3512
باب في حوز الأب صدقته لولده الصغير والوصي ليتيمه والأم لولدها
يصح حوز الأب في عطيته إذا كان صغيرًا أو كبيرًا سفيهًا ولابنته البكر أو الثيب السفيهة، وذلك في عطية العقار والعروض والعبيد وما أشبه ذلك 218.
واختلف في الدنانير والدراهم، فقال مالك: لا يجوز له إلا أن يضعها على يدي غيره 219.
قال محمد: وإن أشهد على طائفة عليها ثم كانت بيد الأب حتى مات لم يجز 220.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يجوز وإن بقيت عنده حتى مات إذا أشهد عليها 221 وكتب عليها، ختم عليها أو لم يختم، وإن ختم كان أقوى وأحسن، وهذا ما دامت عينًا، فإن اشترى له بها عقارًا أو تجارة وأشهد جازت للولد وسقط حكم العين، وإن كانت الصدقة عرضًا وأشهد الأب بها، ثم باعها فَصَارَتْ عينًا مضت لما كان الأصل ليس بعين.
وقال محمد: إن وهبه دينًا له على رجل فمات الأب قبل أن يقبضه لولده فهو نافذ، ولو قبضه ثم مات وهو في يده أو تسلفه بعد قبضه فهو نافذ 222. وجعل هبة الدين بمنزلة هبة
الجزء: 8 - الصفحة: 3513
العرض، يصح الحوز قبل قبضه، وهو بعد القبض بمنزلة لو كان عرضًا فبيع بغبن، والقبض كالنضوض بالبيع.
وقال مالك فيمن تصدق على ولده الصغير بمائة دينار وأفرزها له ثم مات الأب كانت ميراثًا له، فإن أنفذها له الورثة ثم رجعوا وادعوا الجهل حلفوا على ذلك إن عرفوا بالجهل، ثم تكون ميراثًا.
قال ابن القاسم: يريد أفرزها (1) على يدي غيره (2).
وقال مالك: يحوز الأب هبته لولده الصغير إذا كانت كالطوق والسوارين، وهو كالعروض، وأما التبر ونقر (3) الفضة فكالعين تجري على الخلاف، وكذلك اللؤلؤ والزبرجد والحديد والنحاس والكتان وكل ما يكال من الطعام والزيت يختلف (4) فيه، كالعين، والجواز في جميع ذلك أحسن.
فصل [في حوز الأم هبتها لابنها]
ولا يصح حوز الأم ما وهبت لولدها من دار أو حائط أو غير ذلك مما يستقل 227. واختلف إن وهبته غلامًا فكان يخدمه، أو ثوبًا أو حليًّا، فكان يلبسه، فقال مالك في كتاب محمد في امرأة وهبت لولدها الصغير غلامًا 228 وهو معها223224225226
الجزء: 8 - الصفحة: 3514
وللابن مال في يدي أبيه أو وصيه، قال: إن كان الغلام للخراج فليس بحوز، وإن كان يخدم الصبي وهو في ذلك مع أمه فأراه جائزًا.
وقال ابن القاسم وأشهب: ليس بحوز إلا أن تكون الأم وصية 229.
والأول أحسن؛ لأن إصراف منافع العبد في خدمة الصبي كإصراف خدمته في السبيل، وكالفرس يحبس في السبيل، فتنفذ منافعه في الوجه الذي حبس عليه أنه جائز، وإن كان يعود إلى يده، بخلاف النخل وما تنفذ غلاته وتبقى الأصول، فالعبد يخدم الولد والثوب والحلي يلبسه، فهو حوز، بخلاف الغنم والجواري، ويصح للوصي أن يحوز ما وهبه ليتيمه مما لو كانت الهبة فيه من الأب لصح حوزه له، وهو في ذلك بمنزلة الأب.
الجزء: 8 - الصفحة: 3515
باب في الشروط في الهبات وما يجوز منها وما لا تصح الهبة لأجله
اختلف في الواهب يشترط على الموهوب له ألا يبيع ولا يهب أو يقول: إن بعتها فهي لي بغير شئ, أو الثمن بيع به، فقال مالك فيمن وهب هبة علي ألا يبيعها ولا يهبها: فالهبة غير جائزة 230.
وقال ابن القاسم في العتبية: أكرهه، فإن نزل مضى على 231 شرطه 232، وقال في كتاب محمد: يخير الواهب، فإن قبلها وإلا نقضت، وقال أشهب: ذلك جائز، وهو 233 كالحبس 234.
وأرى أن تجوز على ما شرط، فإن مات الموهوب له ورثت عنه؛ لأنها معروف، فيجوز أن يعطي الرقاب ينتفع بها من الآن، أو يعطي المنافع خاصة حياته ثم يعود إليه، أو يعطي المنافع حياته ثم يكون له المرجع بعد موته يقضي منه دينه، أو يأخذه ورثته.
واختلف إذا قال: إن بعتها فهي رد علي.
فقال مالك في العتبية: الهبة جائزة.
قال: لأنه ليس ببيع.
وقال ابن القاسم: ليست هذه الهبة بشيء.
وكذلك إن قال: إن بعتها، فأنا
الجزء: 8 - الصفحة: 3516
أحق بها بالثمن 235. فعلى قول مالك تجوز الهبة والشرط لازم 236، وعلى قول ابن القاسم الهبة فاسدة.
وإن قال: إن مت أنت رجع العبد إلي، وإن مت أنا قبل كان لك.
فإنه يمضي على ما شرط، وكانت العطية قد تضمنت عُمرى ووصية، فإن مات المعطى قبل ردت إلى المعطي؛ لأنها عُمرى، وإن مات المعطي قبل 237 كانت في ثلثه.
قال ابن القاسم في العتبية: وسواء حيزت العطية 238 أو لم تحز؛ لأن الوصايا وما يرجع إلى الثلث لا يحتاج إلى حوز.
وقال أصبغ: ليس له أن يحولها عن حالها 239.
يريد أنه أوجب الوصية كالمدبر، ولو قال: أهبك على إن مت أنا قبل رجع العبد إلي، وإن مت أنت قبل كان لورثتك.
كان على ما شرط.
وقال المغيرة في كتاب 240 المدنيين فيمن وهب أمة واشترط لنفسه كل ولد تلده فهو حلال جائز، وقد يهب الرجل الحائط ويشترط ثمرته، يريد اشتراط الثمرة السنة والسنتين، ولا يجوز فيما كثر 241، ويجوز 242 في الولد وإن طالت السنون؛ لأن المقصود منها المنافع والخدمة، وهي للموهوب له، والولد تبع
الجزء: 8 - الصفحة: 3517
وليس بمقصود، وقد يكون أو لا يكون.
واختلف في من وهب أمة على أن يتخذها أم ولد، قال ابن القاسم: لا يحل وطؤها 243 على ذلك؛ فإن أدركها قبل أن يطأها الموهوب له كان الواهب بالخيار بين أن يمضيها بغير شرط أو يردها، فإن وطئها مضت للموهوب له وإن لم تحمل؛ لأنه على الوطء وطلب الولد أُعطيها، وقد طلب الولد للوطء، وكذلك إن حملت مضت له ولا قيمة عليه حملت أو لم تحمل، وليس كالتحليل في القيمة؛ لأنه لم يعط الرقبة، والموهوب له أعطي الرقبة 244.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إن علم بذلك بعد الوطء وقبل الحمل خير المعطي، فإن أمضاها بغير شرط وإلا ردها، ولو أفاتها المعطي 245 بعتق أو تدبير أو بيع 246 لزمته قيمتها؛ لأنها فاتت في غير ما أعطيت له.
وقال محمد بن عبد الحكم: الهبة جائزة، ويؤمر الموهوب له أن يفي بالوعد، وإن قال: لا أعطيها الولد.
أمر بذلك ولم ينتزع منه.
الجزء: 8 - الصفحة: 3518
باب في صدقة أحد الزوجين على الآخر وفي صدقة الزوجه (1) على غير زوجها
وإذا تصدق الزوج 248 على زوجته بحلي أو بشيء مما يصلح للمرأة من الثياب وغيرها فحازته، أو تصدقت 249 عليه بعبد أو بشيء من لباسه فحازه، كان ذلك لمن تصدق به عليه 250.
واختلف إذا تصدق أحدهما على الآخر بشيء مما يشتركان في منفعته، كالخادم والفرس، وبقي تحت أيديهما ينتفعان به، فقال مالك: ذلك إلى الضعف ما هو 251. وقال ابن القاسم وأشهب: ذلك ماضٍ لمن تصدق به عليه 252.
وهو أبين 253؛ لأن كل واحد منهما لو اشترى ذلك من ماله لأبقاه على مثل 254 هذا ولم يختص بمنفعته.
وقال ابن القاسم 255: وإن تصدق عليها بدار فسكناها لم يكن حوزًا؛ لأن247
الجزء: 8 - الصفحة: 3519
السكنى عليه، وإن مات فيها كانت ميراثًا، وإن تصدقت عليه (1) بها هي (2) كان حوزًا (3).
فصل [فيما يجوز من هبة المرأة وما لا يجوز]
هبة المرأة لغير زوجها بثلثها جائزة، واختلف إذا كانت بأكثر 259 من الثلث، فقال ابن القاسم: يرد جميع عطيتها إلا أن يكون الزائد الدينار والشيء الخفيف فيعلم أنها لم ترد الضرر.
وقال المخزومي: يرد الزائد على الثلث وحده 260. وهو أحسن، ومحملها على أنها فعلت ذلك لغير 261 ضرر، حتى يعلم أنها أرادت الضرر، وقد تفعل ذلك رجاء أن يمضيه الزوج، وكثير من النساء يجهل أن فعلها مقصور على الثلث.
واختلف إذا وهبت ثلثها إرادة الضرر، فقال مالك في كتاب ابن حبيب 262: يرد.
وقال ابن القاسم وأصبغ: يمضي 263. وهو أبين؛ لأنه مالها.
وقد اختلف في الوصية بالثلث على وجه الضرر، فقيل: ترد.
لقوله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12].
وقيل: تمضي.
والضرر ما زاد على الثلث.256257258
الجزء: 8 - الصفحة: 3520
فصل [في ما إذا تصدقت بثلث مالها ثم بثلث الباقي]
واختلف إذا تصدقت بثلث ثم بثلث الباقي وَبَعُدَ ما بين الصدقتين، هل تمضي الثانية؟ فقال محمد 264: تمضي الصدقتان، ولها أيضا أن توصي بثلثها 265.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: ليس لها بعد ذلك في ذلك المال عطية إلا أن تفيد مالًا آخر 266. وهو أحسن، وقول 267 محمد يؤدي إلى أنها تنفذ جميع مالها بالعطايا مرة بعد أخرى.
واختلف إذا قرب ما بين الصدقتين، هل تمضي الأولى أو تردان جميعًا؟
وجعل أصبغ في كتاب ابن حبيب 268 المسألة على ثلاثة أوجه، فإن قرب ما بينهما مثل اليوم واليومين كان محمله محمل العقد الواحد، فيبطل الجميع، وإن كان بينهما 269 مثل ستة أشهر مضى الجميع، وإن كان مثل الشهر والشهرين مضى الأول دون الثاني، وهذا قوله: إذا أعتقت ثم أعتقت.
والعتق والصدقة سواء، وأرى أن تمضي الصدقة الأولى وإن قرب ما
الجزء: 8 - الصفحة: 3521
بينهما؛ لأن 270 العطية الثانية على شك هل ذلك 271 لرأي حدث، أو لأنه كان المراد من الأول؟ على أن الصواب في العطية الواحدة إذا جاوزت الثلث أن يرد 272 الزائد، إلا أن تفيد مالًا فلا تمنع من إحداث العطية، ولو قيل لها أن تعطي جميع الفائدة كان صوابًا؛ لأنها إنما منعت من أكثر من الثلث فيما كان قبل التزويج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تتزوج المرأة لأربع لمالها.
. ." 273 الحديث، والفائدة لم تتزوج لأجلها، ولا زيد في الصداق لأجلها، وقد يكون له في ذلك مقال: إذا كانت الفائدة بميراث عن أبيها، وزيد 274 في الصداق، ليسار الأب لما يرجى منه، وإن تزوجها بصداق فقيرة، أو صار لها ذلك بصدقة أو هبة 275 من أجنبي، أو بميراث عن أخ، أو ولد لم يكن له فيه مقال.
واختلف في حمالتها بأكثر 276 من الثلث، فقيل: لا يجوز 277؛ لأنها هبة.
وقال عبد الملك في كتاب محمد 278: تجوز.
الجزء: 8 - الصفحة: 3522
وهو أحسن إذا كان المتحمل به موسرًا، فإن توجه الغرم عليها لعدم الناض أو لغيبة مال رجعت متى تيسر القضاء من المتحمل به، وإن كان فقيرًا جاز ذلك من الثلث، وسقط الزائد 279.
الجزء: 8 - الصفحة: 3523
باب في ما (1) يعتصر من الهبات
الاعتصار يصح في الهبات دون الصدقات، ويراعى في الاعتصار أربعة أوجه 281:
أحدها: من له الاعتصار من أب أو أم 282 أو جَدِّ 283.
والثاني: هل يعتصر بعد فوتها؟
والثالث: ما يتعلق بها من حق لغير الموهوب له من 284 غريم أو زوج أو زوجة؟
والرابع: الوقت الذي يعتصر فيه من الصحة والمرض، فإن كانت الهبة من الأب، والابن غني وهي قائمة، ولم يتعلق بها حق لغريم أو زوج أو زوجة والمعطي والمعطى صحيحان، جاز الاعتصار، فهذه جملة متفق عليها.
والاعتصار يصح من الأب، واختلف في الأم والجد والجدة، فقال مالك وابن القاسم: للأم أن تعتصر 285.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن حازها الأب لم تعتصر؛ لأنها لا تعتصر ما ولايته إلى غيرها 286.280
الجزء: 8 - الصفحة: 3524
وكذلك إن لم يكن له أب ولم يكن في ولايتها، وإنما يرى ذلك لها إذا لم تخرج العطية عن يدها والولد 287 في ولايتها.
والأول أحسن؛ لأن الأب يعتصر ما وهب لولده 288 الكبير بعد قبضه منه، وأما الجد والجدة فروى ابن القاسم عن مالك أنهما لا يعتصران، وروى عنه أشهب في كتاب محمد أن ذلك لهما؛ قال: لأنه يقع عليهما اسم أب ويدخل في مجمل الحديث 289. ووجه الأول أن الهبة انتقلت إلى ملك الموهوب له بالقبض، فلا يُزال ذلك إلا بنص لا شك فيه أو إجماع.
الجزء: 8 - الصفحة: 3525
فصل [في حدوث العيب في الهبة هل يمنع الاعتصار أم لا؟]
تعتصر الهبة وإن تغير سوقها بزيادة أو نقص، واختلف إن حدث بها عيب، هل يمنع الاعتصار؟
والقول: إنَّ ذلك له 290. أحسن؛ لأن مضرة ذلك العيب 291 على الواهب، وإن زاد فكان صغيرًا فكبر أو هزيلًا فسمن كان فوتًا، إلا أن يكون الأب هو المنفق على العبد وبماله نَمَا، فلا يكون فوتًا، وهو قول محمد.
وكذلك إن كانت أمة فزوجها فله أن يعتصرها على أحد القولين؛ لأن التزويج عيب، وإن ولدت كان له أن يأخذ الأمة دون ولدها والزوجة بحالها؛ لأن الزوجية عيب، فلا تفيت، والولد إنما بمال السيد؛ لأن الزوج المنفق على الزوجة والسيد المنفق على الولد، إلا أن يعتصره بفور الولادة.
وقال مالك في كتاب المدنيين في من وهب جارية فولدت: له أن يعتصرها 292، ولم يبين 293، هل ذلك من زوج أو زنا.
واختلف إذا وطئها الابن فقال مالك وابن القاسم: ذلك فوت.
وقال يحيى بن عمر: إن غاب عليها وادعى أنه وطئ كان فوتًا 294. وقال المخزومي في كتاب محمد: له أن يعتصر، وإن وطئها 295.
الجزء: 8 - الصفحة: 3526
يريد: لأن الوطء ليس بزيادة ولا نقص، ولم يتهمهما أن يكونا عملا على ذلك، فأشبه لو قبض منافع العبد، والأول أحسن إن كانت من العلي لأنها لمثل ذلك توهب إلا أن تكون من الوخش فهو أخف 296. ولو كانت أرضًا فغرسها أو بناها كان فوتًا، وإن كانت دارًا فانهدمت لم يكن فوتًا 297، ولو هدمها الابن لأشبه 298 أن يكون فوتًا؛ لأنه أخرج في ذلك ثمنًا، إلا أن يعتصر العرصة وحدها.
وذكر سحنون عن ابن القاسم في من وهب لولده الصغير دنانير فصاغها له حليًّا، فليس له أن يعتصر؛ لأنه أحالها عن حالها، قال: بمنزلة ما 299 لو اشترى له 300 بها جارية، ثم أراد اعتصارها 301، وليس السؤالان 302 سواء إذا كانت الإجارة على الصياغة منها؛ لأن عين الهبة موجود ولم ينمِّها الولد 303 بماله، فإذا اشترى له بها جارية كانت هبته 304 وهي الدنانير صارت لبائع الجارية، والذي في يديه غير الهبة فذلك فوت.
الجزء: 8 - الصفحة: 3527
فصل [في ذكر بعض موانع الاعتصار]
وإن دُويِنَ الابن أو تزوجت الابنة 305 لأجل تلك الهبة أو مرض الأب أو الابن امتنع الاعتصار.
وقال محمد: يمنع الاعتصار إذا داينه الناس لأجلها 306. يريد: وإن لم يداين لأجلها لقلتها أو لأن الابن موسر 307 فإنها تعتصر.
وأرى أن يعتصر إذا استدان وعنده وفاء بدينه؛ لأن الولد لو أراد أن يهب تلك الهبة لم يكن للغريم مقال، وإنما يمنع الاعتصار إذا تعلق للغريم بها حق، وكذلك إن لم يكن عنده سوى الهبة، ثم اشترى سلعة للتجارة؛ لأن الابن موسر بالقضاء، وإن كانت المداينة لطعام يأكله أو ثياب يلبسها امتنع الاعتصار؛ لأن المداينة لأجل الهبة، وليكون القضاء منها، وكذلك الصداق إن لم يتزوج لتلك 308 الهبة؛ لأنها قليلة أو كثيرة وهو بين اليسار، كان له أن يعتصر، إلا أن تكون كثيرة 309، ولولا هي لم يُتَزَوَّجْ إليه، وإن كان يُرغب فيه 310 لأجلها ولو لم تكن له لم 311 يمتنع التزويج فإن له أن يعتصرها 312.
الجزء: 8 - الصفحة: 3528
وقال ابن دينار في كتاب ابن حبيب: له أن يعتصر من الابن بعد التزويج ولا يعتصر من الابنة.
قال من قبل أن الابنة دخلت فيما لا مخرج لها منه ولا إليها 313 والابن له مخرج إن قامت قال لها: إن شئت قطعت اللسان الذي تكلميني به ففارقتك 314.
قال الشيخ -رحمه الله- 315: وهذا صحيح؛ لأن تزويج الابن لمكان الهبة بخلاف الابنة 316؛ لأن للابن إذا كان موسرًا بالصداق، أن يتصدق بتلك الهبة، فلا حق لها 317 فيها، وليس كذلك الابنة 318؛ لأن للزوج أن يمنعها من مثل ذلك، وإن كانت الهبة قدر ثلث مالها كان له أن يعتصر.
قال محمد: إن مرض الأب أو الابن امتنع الاعتصار 319. وروى أشهب في كتاب محمد 320 عنه 321 أن للأب أن يعتصر وإن كان مريضًا.
وقال أيضًا: لا يعتصر؛ لأنه حينئذٍ يعتصر لغيره، وإن كان الابن هو المريض فلا أدري.
وقال ابن نافع: للسيد أن يعتصر 322 مال مدبره وأم ولده في مرضه، وإن
الجزء: 8 - الصفحة: 3529
كان الانتزاع حينئذٍ لغيره، وعلى هذا يكون للأب أن يعتصر في مرضه 323، وإذا امتنع الاعتصار لدين فقضي أو لنكاح فطلق الابن أو طلقت الابنة لم يعد الاعتصار.
واختلف إذا امتنع الاعتصار لمرض الأب أو الابن ثم برئ، فذكر ابن حبيب عن مالك أنها لا تعتصر، وقال المغيرة وابن دينار وابن القاسم وابن الماجشون: يعتصر 324.
وهو أبين؛ لأن المنع إنما كان لأن الظاهر أنه 325 مرض موت، فإذا صح تبين لهم أنهم أخطأوا وأنه مرض لا يموت منه، ولو اعتصر في ذلك المرض ثم صح، ثبت وقد تبين أنه كان اعتصارًا صحيحًا 326، وقد قيل: إذا طلب الاعتصار في المرض، فمنع منه 327 ثم صح لم يعد الاعتصار.
وليس بحسن، والوجه ما تقدم، وأرى أن يكون اعتصاره موقوفًا، فإن 328 مات سقط, وإن صح ثبت، وقد تبين أنه كان اعتصارًا صحيحًا 329.
الجزء: 8 - الصفحة: 3530
وإن كانت الهبة بعد التزويج أو بعد المرض أو بعد ما (1) داين الناس كان له أن يعتصر، وقال ابن الماجشون: ليس ذلك له (2). وليس بحسن، وقد يحسن مثل (3) هذا في المداينة خاصة إذا كان قصده أن يقضي منها دينه؛ فيكون للابن أن يمنعه من (4) ذلك.
فصل [في اعتصار الصدقة والصلة]
وقال عبد الملك وسحنون: إذا كانت العطية لصلة رحم لم تعتصر 334.
يريد: أن المراد بمثل ذلك 335 وجه الله تعالى وامتثال ما أمر به من صلة الرحم، فعاد الأمر فيها إلى الصدقة؛ لأنه 336 إذا 337 أراد وجه الله -عز وجل- والثواب منه فهي صدقة.
واختلف في اعتصار الأب إذا كان الولد كبيرًا فقيرًا 338، فقيل: للأب أن يعتصر.
ومنع ذلك سحنون إذا كان الابن أو الابنة محتاجين، فقال: قد يكون الولد صغيرًا فيهبه لما يخاف عليه من الخصاصة، قال: وإنما يعتصر إذا كان330331332333
الجزء: 8 - الصفحة: 3531
الولد في حجره أو بائنًا (1) عنه وله مال كثير (2). يريد (3): إذا كان في حجره يعتصر، وإن كان الابن فقيرًا؛ لأنه القائم به والمنفق عليه، فهو في معنى الموسر، إلا أن يخاف الأب أن يموت بغتة (4) فتلحقه خصاصة، أو يكون الولد قد قارب البلوغ، ويرى أن نفقته تزول عنه، فيقصد سد (5) ما يصير إليه، لئلا يلحقه عند زوال النفقة خصاصة.
فصل [في اعتصار الأم]
يصح الاعتصار من الأم 344 إذا كان للولد أب، وسواء كان الأب موسرًا أو معسرًا، أو الابن موسرًا 345، ويختلف إذا كانا فقيرين الأب والابن، قياسًا على اعتصار الأب من ولده إذا كان فقيرًا، ويصح اعتصارها مع عدم الأب إذا كان الابن موسرًا.
قاله أشهب في كتاب محمد، ولا يصح إذا كان صغيرًا فقيرًا؛ لأنها حينئذٍ على وجه الصدقة، ويختلف إذا كان كبيرًا فقيرًا، فعلى قول سحنون لا تعتصر، والمعروف من الذهب أنها تعتصر، وإن كان صغيرًا فقيرًا ثم أيسر قبل البلوغ أو بعدُ لم تعتصر؛ لأن المراعى حين العطية: هل كانت على وجه339340341342343
الجزء: 8 - الصفحة: 3532
الهبة أو على وجه 346 الصدقة 347.
وإن كان له أب يوم العطية فلم تعتصر الأم حتى مات الأب كان لها أن تعتصر؛ لأنها لم تكن على وجه الصدقة، وفي كتاب محمد أنها 348 لا تعتصر 349. والأول أحسن؛ لأن المراعى وقت العطية 350 هل كانت هبة أو صدقة.
تم كتاب الصدقة والهبة
والحمد لله حق حمده 351
الجزء: 8 - الصفحة: 3533