التبصرة للخميكتاب النكاح الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة (235 & 243)

الجزء: 4 - الصفحة: 1773

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب النكاح الأول

باب في الترغيب في النكاح وأنه من سنن المرسلين

1 قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ"، وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي 2. وسَأَلَ ثلاثُ نفرٍ عن عَمَلِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، فتقالوه، فقالوا: وأين نحن من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - غَفَرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه وما تَأَخَّرَ؟ ثم قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنّي أَصُومُ وَأفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتْزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" أخرجه البخاري ومسلم 3، فأخبر أنه من

الجزء: 4 - الصفحة: 1775

سنته، وذم من رغب عن ذلك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَأَغَضُّ لِلطَّرْفِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فِإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" أخرجه البخاري ومسلم 4. وفي الحديث مجاز، والمعنى: من استطاع ذلك منكم بالمال ليس بالوطء، ولو كان ذلك المراد لم يأمر 5 من عجز عنه بالصوم.
وقد جاء هذا الحديث 6 في النسائي مفسرًا، فقال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ" 7، فأتى بالحديث.
وقال: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ , فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ" 8. وقال: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهَ" 9. فالنكاحُ يتضمن خمسَ خصالٍ: يُعِفُّ الطرف، ويحصن الفرج، ويكثر

الجزء: 4 - الصفحة: 1776

النسل، ويبقي الذِّكْر، والأجر.

فصل [في أقسام النكاح]

النِّكاح على أربعة أقسام: مباح، ومندوب إليه 10، وواجب وجوبًا غير موسع، وواجب وجوبًا موسعًا.
فإن كان الرجل ممن لا إِرْبَ 11 له في النِّسَاءِ ولا يرجو نَسْلًا؛ لأنَّه حَصُوْرٌ 12 لا يأتي النساء، أو خصيٌّ، أو مجبوبٌ 13، أو شيخٌ فانٍ، أو عقيمٌ قد عَلِمَ ذلك من نفسه - كان مباحًا.
وإن كان له إِرْبٌ في النساء، إلا أنه يقدر على التعفف، أو لا إرب له ويصح منه النسل - كان مندوبًا.
وإن كان لا يقدر على التعفف، ويخشى على نفسه الزنى، ولا يقدر على التسري ولا يُذْهِب ذلك عنه الصومُ - كان واجبًا وجوبًا غير موسع؛ لأن حفظ دينه عليه واجب.
فإن كان لا يقدر على حفظه إلا بالتزويج كان ذلك واجبًا.
وإن كان يقدر على التسري كان وجوبه وجوبًا موسعًا، وكان مخيرًا بين

الجزء: 4 - الصفحة: 1777

وجهين لابد له من التلبس بأحدهما؛ وهو النكاح أو التسري.
وإن كان يذهبه الصوم ويقدر على التسري كان مخيرًا بين ثلاثة أوجه: النكاح، أو التسري (1)، أو الصوم، وهو مجبور على امتثال أحدهم، والبداية بالنكاح أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ"، الحديث، فيبدأ به، وقد يبدأ بالصوم على النكاح إذا كان لا يقدر على التسري ويذهب ذلك عنه الصوم، ولا يجد طَوْلًا لنكاح حرة؛ لأنّ في تزوُّجه الأمة إرقاقًا لولده.

فصل [في المرأة ليس لها حاجة في الرجال]

وإن كانت امرأة لا إرب لها في الرجال، وهي عقيم قد علمت ذلك من نفسها - كان النكاح لها مباحًا، وإن كان لها رغبة، وهي قادرة على التعفف، وكانت غير عقيم - كان مندوبًا، وإن كانت تخشى على نفسها الزنى، ولا يُذْهِبه الصوم - كان واجبًا وجوبًا غير موسع، وإن كان يُذْهِبه الصوم كان موسعًا، وكانت بالخيار بين النكاح أو الصوم، ولا بد لها 15 من التلبس بأحدهما، كانت ذات مال أم لا؛ لأنه لا يصح منها التسري، وتزويجها الحرَّ والعبد سواء؛ لأن ولدها تبع لها في الحرية وإن كان تزويجها للحرِّ أولى، وندب الله سبحانه السادات إلى إنكاح 16 من في رقهم من العبيد والإماء؛ لأنهم يحتاجون من ذلك إلى مثل ما يحتاج إليه 17 الأحرار، فقال -عز وجل-: {وَأَنْكِحُوا14

الجزء: 4 - الصفحة: 1778

الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32].

فصل [في شروط النكاح]

النِّكاح يصح بثلاثة شروط: وَلِيٍّ، وصَدَاق، وشاهِدي عدل.
فأما الولي فمن شرطه أن يكون في أصل العقد، فإن عري العقد من ولي، وباشرت العقد بنفسها - كان فاسدًا (1)، ولم يصح بإجازة الولي (2). وأما الصداق فلا بأس أن يفرض بعد العقد إذا نكحها على تفويض (3)، وإنما يفسد إذا شرط إسقاطه (4). وأما الشاهدان، فمن شرطهما أن يشهدا قبل الدخول، فإن عقدا بغير بينة، ثم أشهدا بعد ذلك وقبل الدخول -جاز، فإن وقع الدخول قبل الإشهاد، ثم ادعيا لما ظهر عليها (5) أن ذلك عن نكاح- لم يُصدَّقا وفسخ وحُدَّا، إلا أن يأتيا على ذلك بشبهة.

فصل [لزوم الولي للنكاح]

الأصل في الولي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 221] فهذا خطاب1819202122

الجزء: 4 - الصفحة: 1779

للرجال أن لا يزوجوا المسلمات من المشركين، ولم يرد الخطاب للنساء أن لا يتزوجن المشركين، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] نزلت في معقل بن يسار لما منع أخته أن تراجع زوجها (1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: 32] الآية، وقد استدل في هذا بقوله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْر إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا ولِيَّ لَهُ".
قال الشيخ -رحمه الله-: هذا ليس بالبين، والظاهر يقتضي أنه إذا أذن السيد أو الولي أن يتزوجن جاز ذلك ليس أن يكونا عاقدين.

[فصل] ذكر صفة الولي

ومن شرط الولي أن يكون ذكرًا، عاقلًا، بالغًا، حرًّا، مسلمًا.
واختلف هل من شرطه أن يكون عدلًا رشيدًا؟ فأجاز القاضي أبو الحسن علي بن القصار أن يكون فاسقًا، وكرهه القاضي أبو محمد عبد الوهاب مع وجود عدل 24 وإن عَقَد جاز 25. وقال أشهب في العتبية: لا 26 يُزَوِّج إذا كان سفيهًا مولًّى عليه 27. وفي كتاب ابن أشرس عن مالك في المرأة لا يكون لها ولي إلا وليًا مولًّى عليه: ليس له أن يستخلف من يزوجها وإن رضيت؛ لأنه لا نكاح لسفيه.23

الجزء: 4 - الصفحة: 1780

وقال أبو مصعب: النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده.
وساوى بينه وبين ما كان العاقد له عبدًا أو امرأة، وقد يحتمل قوله: إنه فاسد إذا كان ذلك 28 بغير رضا من وليه ولا مطالعته؛ لأنه لا ينبغي أن يعقد 29 السفيه من غير 30 وليه، فقد تضع نفسها في دناءة وفيمن تلحق منه مضرة فيكون له رده، فكل نكاح انعقد بغير مطالعته كان على الوقف والاختيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 1781

باب في تقاسم الأولياء ومنازلهم ومن المقدم منهم قبل

ُ والولاية تنصرف إلى ثمانية 31 أقسام: ولاية نسب، وولاية إسلام، ومولى أعلى، ومولى أسفل، ووصي، وحاكم، ومن له بالمتزوجة تربية وقيام، والمالك بالرق.
ثم هم على منازل: فولاية النسب مقدمة على جميع من ذكرنا إلا الوصي والمالك.
ثم ولاية النسب هم على منازل 32: فأولاهم الأب، ثم الأخ، وابن الأخ وإن سفل، ثم الجد، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل.
والبِكْر والثيب في هذا سواء إلا أن يكون للثيب ولد أو ولد ولد، فيقدَّم على الأب ولا حق للأخ للأم ولا للعم للأم في ذلك إلا من باب ولاية الإسلام.
واختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب فقال في "الكتاب": هما سواء 33. وقال مالك وابن القاسم وغيرهما في "كتاب ابن حبيب": الشقيق أولى 34. ويجري الجواب في أبنائهما، وفي العمين أحدهما شقيق والآخر للأب، وفي أبنائهما على نحو ذلك، ويختلف فيه كالاختلاف في الأخوين.
وقوله في "كتاب ابن حبيب" أحسن.
والشقيق أحق بأخته؛ لأنه يدلي بزيادة رحم يستحق بها الميراث، والصلاة،

الجزء: 4 - الصفحة: 1782

والولاء دون من يشاركه بالأبوة بانفرادها.
وذكر القاضي أبو الحسن علي 35 بن القصار عن مالك، أنه قال: "يجوز للأخ أن يزوج أخته الثيب مع وجود الأب" 36، وهو قول مرغوب عنه.
والمعروف من قول مالك في ذلك أن عقد الأخ يمضي إذا نزل، ليس أنه يجعل له ذلك ابتداء 37. وإذا لم يكن عمٌّ ولا ابن عم، فالرجل من العصبة، ثم من البطن، ثم من العشيرة، ثم ولاية الإسلام.
والمولى الأعلى مقدَّم على المولى الأسفل، والمولى الأعلى والأسفل مقدمان على ولاية الإسلام، وتُقدَّم عليهما ولاية النسب.
ويستحب للمرأة إذا لم يكن لها ولي نسب أن تُوكِّل من المسلمين رجلًا دَيِّنًا فاضلًا ولا تُوكِّل غير عدل، ويختلف إذا وكَّلت سفيهًا على ما تقدم في ولاية النسب، ورُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "يزوج المرأةَ وليُّها أو ذو 38 الرأي من أهلها أو السلطان" 39.

الجزء: 4 - الصفحة: 1783

واختلف في معنى قوله: (ذو 40 الرأي من أهلها).
فقيل: هو الرجل له الصلاح والفضل.
وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور 41. وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد.
واختلف أيضًا في معنى قوله: (من أهلها).
فقال ابن نافع عن مالك: هو الرجل من العَصَبة 42. وقال ابن القاسم عنه: هو الرجل من العشيرة 43. وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": هو الرجل من البطن 44. وعصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، ثم البطن، وهو أوسع من العصبة، ثم الفخذ، بإسكان الخاء، ثم القبيل.
واختُلف في الولي ووصي الأب، أيهما أحق بالعقد؟ فقال مالك وابن القاسم: الوصي أحق ويشاور الولي 45. وقال عبد الملك بن الماجشون في "مختصر ما ليس في المختصر"، ومحمد بن عبد الحكم: لا يزوِّج الوصي إلا أن يكون وليًّا، وقال سحنون في "السليمانية": قال غير ابن القاسم من أصحابنا: الأولياء أولى بالعقد من الوصي 46. وهذا القول أحسن؛ لأن الوصي أجنبي من الناس، وإنما هو وكيل على النظر في المال.
فإن قيل: إن الأب استخلفه وأقامه مقامه، قيل: ولاية الأب في

الجزء: 4 - الصفحة: 1784

البضع قد انقطعت بموته.
وإنما ولايته في ذلك ما كان حيًّا، ولو كان حقه في الولاية باقيًا بعد موته لكان له أن يستخلف من يزوج الثيب من بناته متى أحبت التزويج وإن بعد عشرين سنة، ويستخلف من يزوج المزوجة منهن متى طلقت وأحبت التزويج.
والوصي أولى بالعقد من السلطان؛ لأنهما متساويان في أن لا نسب لهما.
وللوصي مزية لما جعل له من النظر والقيام، إلا أن يكون مقامًا من قبل السلطان فيكون السلطان أولى بذلك منه، إلا أن يكون جعل له الإنكاح فيعقد من غير مطالعة له.
وإن كان ولي نسب وسلطان كان ولي النسب أولى إذا كان قريب النسب، كابن العم والرجل من العصبة، إذا كان ممن يستحق الميراث عند عدم من يحجبه كالقيام (1) بالدم.
واختلف إذا كان بعيد النسب؛ فالظاهر من المذهب: أن ولي النسب أحق.
وقال عبد الملك بن الماجشون: السلطان أولى من الرجل من البطن (2).

فصل [في أولياء المرأة يختلفون في تولي العقد]

وإذا كان للمرأة أولياء، وهم في المنزلة سواء: إخوة أو بنو إخوة أو أعمام أو بنو أعمام، فاختلفوا أيهم يتولى العقد؟ فقال في "الكتاب": ينظر السلطان في ذلك 49. وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإن استووا في الفضل4748

الجزء: 4 - الصفحة: 1785

فأسنهم، فإن استووا في الفضل والسن فذلك إلى جميعهم يجتمعون على العقد عليها 50. قال الشيخ -رحمه الله-: ولو قيل: إن ذلك إلى جميعهم من غير مراعاة الفضل ولا السن لكان حسنًا؛ لأن إدخاله في الجماعة لا يؤدي إلى وصم في النكاح، ولا على من معه ممن ليس مثله في المنزلة معرة.
وفي إخراجه وصم عليه وفساد لنفسه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك.
واخْتُلف إذا اختَلفت منزلتهم فعقده الأبعد، على أربعة أقوال: فقال مالك في "المدونة" 51: النكاح باطل 52، ولا مقال للأقرب فيه 53. قاله إذا زَوَّج الأخ مع وجود الأب وكانت ثيبًا كان جائزًا 54. وقال ابن القاسم: يجوز تزويج ذي الرأي من أهلها مع وجود الأخ، وابن الأخ والجد 55 وقال سحنون: قال بعض الرواة ينظر السلطان في ذلك، وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد إلا أن يتطاول الأمر أو تلد الأولاد 56. وقال عبد الملك بن حبيب: للأقرب أن يفسخه أو يمضيه ما لم يبنِ بها، فإن بنى بها واطلع على عورتها لم يفسخ.
وجملة هذا الاختلاف راجع إلى قولين: هل تقدمة الأقرب من باب أولى،

الجزء: 4 - الصفحة: 1786

أو ذلك حق له كالقيام بالدم؟ ولم يختلفوا: أن النكاح جائز لا يتعلق به فساد، وإنما الاختلاف: هل يتعلق به حق لآدمي أم لا؟ فجعله مالك، وابن القاسم من باب أولى (1). وكذلك من قال: ينظر السلطان في ذلك، فيحمل الجواب على أن الأقرب ادعى أنها (2) وضعت نفسها في دناءة أو فيما يدركها منه معرة أو مضرة، فينظر السلطان فيما يقوله، ولو اعترف (3) أنها لم تضع نفسها في دناءة ولا حيث تدركها منه معرة يمضي النكاح ولم يفتقر فيه (4) إلى نظر السلطان.
ومن قال: له فسخه، جعل التقدمة حفًا له يفسخه وإن كان النكاح سدادًا، ما (5) لم يتعلق بذلك وجه يدركها في الفسخ مضرة، وهو اطلاعه عليها أو كشفه إياها، وقد يجعل له فسخه وإن طال الأمد إذا كان ذلك الزوج ممن تدرك الأولياء منه معرة أو مضرة.
وإن كانت المرأة ممن لا قدر لها مضى النكاح ولم يفسخ (6) العقد قولًا واحدًا.

فصل [في زواج المرأة بولاية الإسلام]

واختلف إذا تزوجت المرأة بولاية الإسلام مع وجود ولاية النسب على خمسة أقوال: فذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه قال: النِّكاح575859606162

الجزء: 4 - الصفحة: 1787

ماضٍ بالعقد 63. وقال في "الكتاب": الولي بالخيار بين أن يمضيه أو يرده 64. وبه 65 قال ابن القاسم 66. وروي عنه: أنه وقف في إجازته إذا أجازه الولي 67. وقال غير ابن القاسم: يفسخ وإن أجازه الولي 68. وقال إسماعيل القاضي: يشبه على مذهب 69 مالك أن يصير الدخول فوتًا.
وقال سحنون في "السليمانية": يفسخ أبدًا.
يريد: وإن تطاول وولدت الأولاد.
وجميع هذا الاختلاف راجع إلى ثلاثة أقوال: هل تقدمة ولاية النسب على ولاية الإسلام من باب أولى، أو ذلك حق لآدمي 70، أو حق لله سبحانه؟ فعلى ما ذكره أبو محمد 71 عبد الوهاب، ولي النسب مُقدَّم من باب أولى، فأمضاه له، ومرة رآه حقًّا له، فيقوم بحقه في ذلك، فيفسخه أو يسقط حقه فيمضي النكاح، وهو في هذين القولين بمنزلة الوليين: أحدهما أقرب من الآخر.
ورأى مرة أن ذلك حق لله سبحانه، فإن عقد على غير ذلك كان فاسدًا،

الجزء: 4 - الصفحة: 1788

وترجحت عنده الدلائل مرة 72: هل ذلك حق له، أو حق لله سبحانه؟ فوقف عند إجازة الولي إياه.
واختلف عنه في المرأة الدنيئة ليست ذات منصب، والمعتقة، فرأى مرة أن كل الناس لها ولي، 73 ورأى مرة أن ولايتها تختص بمن له نسب مثل غيرها ممن له قدر، وإن كانت المرأة من الموالي وهي ذات شرف كانت بمنزلة غيرها ممن له المنصب من غير الموالي.
فقال في "الكتاب" في امرأة من الموالي ذات شرف تزوجت رجلًا من قريش 74 ذا شرف ودين ومال، واستخلفت رجلًا فزوجها، قال: للولي فسخه إن شاء.
فجعل للولي فسخه، وإن كانت لم تضع نفسها في دناءة 75. قال الشيخ -رحمه الله-: لم يختلف المذهب أن ولاية الإسلام في النكاح ولاية صحيحة تطالب بها المرأة عند عدم ولاية النسب.
فيصح النكاح 76 بوجوده ويفسد بعدمه إذا باشرت العقد بنفسها ولم تستخلف رجلًا.
ولم يختلف المذهب أيضًا أن لولي النسب أن يمنع وليته من أن تضع نفسها فيمن تدركه منه معرة أو مضرة، وأن ليس لها أن تزوج نفسها من غير مطالعته؛ لما يتعلق له 77 في ذلك من الحق من هذا الوجه، وإذا كان ذلك بطل أن يقال: إنه نكاح انعقد بغير ولاية، فكان الصحيح: أنه نكاح صحيح انعقد بولاية

الجزء: 4 - الصفحة: 1789

وفيه حق لولي آخر، ومما يؤكد (1) ذلك تفرقة مالك على المشهور من قوله بين الدنيئة وغيرها، فثبت بهذا أن ذلك في ذات المنصب من حق الولي لا لحق الله سبحانه، فإن وضعت نفسها فيما يدركه منه ضرر كان له فسخه، وإن دخل بها، وإن وضعت نفسها في كفاية (2) ومن هو كفؤ لمثلها مضى نكاحها (3)، ولو مُكِّن من فسخه لم يجعل ذلك له بعد الدخول.

فصل [فيما للأب في ابنته والسيد في أمته من حق فيما إذا تزوجت بغير وكالة منهما]

وهذا فيما سوى رجلين: الأب في ابنته البكر.
والسيد في أمَتِه.
فإنه لا خلاف أن لهما فسخ ما عقداه بغير وكالة منهما، وإن وقع الدخول وطال الأمد.
واختلف فيه: هل يصح النكاح ويمضي إذا أجازه الأب أو السيد؟ فمنع ذلك في الكتاب ورآه فاسدًا 81. وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه أجاز ذلك في الأَمَة إذا أجازه السيد 82، وعلى هذا يجوز في البكر إذا أجازه الأب.
وقال في "الكتاب": إذا زوَّج الأخ أخته البكر بغير رضى الأب، فأجازه الأب، قال: لا يجوز إلا أن يكون ابنًا قد فوض إليه أبوه جميع 83 أمره فهو787980

الجزء: 4 - الصفحة: 1790

الناظر له والقائم بأمره في ماله ومصلحته فيجوز إذا رضي الأب (1).

فصل [في غيبة الولي]

واختلف إذا كان الولي غائبًا، هل يقوم السلطان مقامه في النظر في ذلك أم لا؟ فقال في "المدونة" 85: إذا كان الولي بعيد الغيبة، نظر السلطان فيه 86 فيفرق إن كانت الفرقة خيرًا، أو يتركهما إذا كان الترك خيرًا 87. وعلى قوله هذا إذا كان الولي قريبًا وقف الزوج عنها حتى يكتب إلى الولي.
وقال في "كتاب محمد": لا ينظر في ذلك فيما بعد منه، أو قرب، حتى يقدم الولي.
وإن قدم الولي 88 وخاصم فيه وكانت المرأة ممن لها العشيرة، وأهل البيوت 89 لم يجز ذلك، إلا في شيء قد فاته، وتزوجها كفؤ.
وقال أيضًا: إذا كان الولي غائبًا، أو الولي ضعيفًا، فإنها تأمر رجلًا يزوجها؛ فيجوز 90 ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة، قيل له: ولا ترفع 91 إلى السلطان؟ قال: ليس كل امرأة تقدر أن ترفع إلى 92 السلطان 93. فرأى في القول الأول أن يقوم السلطان في ذلك للغائب، فإن لم تكن من84

الجزء: 4 - الصفحة: 1791

الغائب وكالة على القيام بذلك كان من التعدي عليه، والتعدي والغصوب يقام لأهلها (1) بها (2)، وإن لم يكن من المتعدى عليه في ذلك وكالة.
ولم يرَ ذلك في القول الآخر حتى يقوم لنفسه في ذلك، للاختلاف في الولاية ابتداء، وأن للمرأة أن تزوج نفسها، فكان ذلك أضعف من الحقوق المتفق على أنه متعدٍّ فيها.
وأجاز لها في القول الثالث أن تزوج نفسها ابتداء من غير حاكم؛ لأن ولاية الإسلام (3) ولاية في الحقيقة, ومقال الأقرب من باب أولى، ولئلا تضع نفسها فيما يلحقه منه ضرر، فإذا اجتهدت لنفسها في السلامة من ذلك جاز.
وهذه الرواية تؤيد ما ذكره القاضي (4) أبو محمد عبد الوهاب، إذا تزوجت بولاية الإسلام مع وجود ولاية النسب أنه ماضٍ.

فصل [في المرأة لها وليان أقربهما غائب]

واخْتُلف إذا كان للمرأة وليان حاضر وغائب، والغائب أقرب من الحاضر، فقيل: حق الغائب قائم بخلاف الميت، فينظر السلطان للغائب، وقيل: التزويج للحاضر.
ويختلف إذا تزوجت بولاية الإسلام فأجازه الأبعد الحاضر.
فقال في "الكتاب": ينظر السلطان للغائب فإن كان مما يجيزه الغائب94959697

الجزء: 4 - الصفحة: 1792

لو كان حاضرًا أجازه وإلا ردَّه (1). والقول الآخر: تكون (2) إجازة الحاضر إجازة ولا ينظر إلى ما سوى ذلك إن شاء الله (3).

فصل [في البكر يغيب عنها أبوها]

للبكر يغيب عنها أبوها أربع حالات: حالة تمنع معها من النكاح دعت إليه 101 أو لم تدع.
وحالة تجبر فيها على النكاح في الوجهين جميعًا.
وحالة إذا دعت إلى النكاح زُوِّجَت، وإن لم تدع لم تُزَوَّج.
وحالة يختلف في تزويجها إذا دعت إليه.
وكل 102 ذلك راجع إلى صفة الغيبة، وحالتها من الصيانة لنفسها، ووجود 103 النفقة.
فإن كان السفر قريبًا لم تزوج، وكذلك الزوج إذا كان بعيدًا لا تزوج 104، أو كان أسيرًا أو فقيرًا وهي في حال صيانة ولم تدع إلى التزويج - فإنها لا تُزَوَّج.
وإن 105 دعت إليه ولم تكن منه نفقة وهي تحت حاجة زُوِّجت، وإن كانت9899100

الجزء: 4 - الصفحة: 1793

نفقته جارية عليها وكان أسيرًا أو فقيرًا -زُوِّجت.
واختلف إذا عُلِمت حياته ولم يكن أسيرًا، فظاهر قوله في "الكتاب": أنها تزوج (1). وقال في "كتاب محمد": لا تزوج (2). وإن خشي عليها الفساد زُوِّجت ولم تترك، دعت إلى ذلك أم لا.
والتزويج إذا كانت النفقة جارية عليها وهي في حال الصيانة، إنما يصح بعد البلوغ، وإذا عدمت النفقة وكانت بحال الحاجة، أو خشي عليها الفساد -يصح وإن لم تبلغ.
واختلف لمن يكون العقد عليها؟ فقال في "الكتاب": يرفع أمرها إلى السلطان فينظر لها ويزوجها (3). وقال في "كتاب محمد": للأخ أن يزوجها برضاها.
فجعل ذلك في القول الأول إلى السلطان؛ لأن ذلك من حقوقه، والسلطان ينظر للغيّب (4) فيما يكون لهم من حقوقهم، ورأى في القول الثاني أن ذلك للأخ؛ لأنه في معنى الميت عند عدم النظر في ذلك.
وهو أولى.

فصل [فيمن للأب إجبارها وعليه استئمارها من النساء]

النساء على ضربين: بكر وثيِّب.
والبِكْر على ثلاثة أوجه: غير بالغ، وبالغ غير معنسة، ومعنسة.
فإن كانت غير بالغ كان للأب أن يجبرها على النكاح من106107108109

الجزء: 4 - الصفحة: 1794

غير مؤامرة 110. واختلف إذا كانت بالغًا غير معنسة، فقال في "الكتاب" أن له أن يجبرها 111. وقال في "كتاب محمد": إن شاورها فذلك أحسن 112. قال الشيخ -رحمه الله-: وهو أحوط للخروج من الخلاف، ويكون العقد على صفة مجتمع عليها، ولما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وَالبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا" أخرجه مسلم 113. اختلف عنه في المعنسة هل تجبر، أو لا تجبر 114 وتكون في هذا كحكم الثيِّب 115؟ وأن لا تجبر أحسن؛ لأن المعنسة يخلص إليها من العلم فيما يراد من ذلك مثل ما يخلص إلى الثيِّب 116 تصاب مرة 117 ثم تطلق، بل يتقرر في نفسها أكثر.
وإذا كان كذلك كان الأمر إليها، فإن كرهت التزويج جملة لم تجبر عليه، وإن رغبت في غير من رغب فيه الأب زوجت منه إذا لم تدع إلى غير صواب.
والثيّب على ثلاثة أوجه 118: بالغ تأيمت بعد البلوغ.

الجزء: 4 - الصفحة: 1795

وغير بالغ دخل بها قبل البلوغ 119، وأراد أبوها أن يزوجها قبل أن تبلغ.
وغير بالغ ثم بلغت بعد الطلاق.
فإن كانت مدخولًا بها ثم طلقت لم تجبر ولم يزوجها إلا برضاها.
واختلف فيمن دخل بها وطلقت قبل البلوغ على ثلاثة أقوال: فقال سحنون: للأب أن يزوجها 120 بلغت بعد الطلاق أو لم تبلغ 121. وقال أشهب في "كتاب محمد": تجبر قبل البلوغ ولا تجبر بعده 122. قال أبو تمام 123: لا تجبر بحال 124 بلغت أو لم تبلغ.
وقول أشهب في هذا أحسن؛ لأن المرأة قبل البلوغ كارهة في ملاقاة الرجل، وإنما هي 125 تميل إليه بعد البلوغ 126، فهي الآن في معنى من يجهل الرغبة ومعرفة ذلك، فتكون قد اجتمع لها المباشرة قبل البلوغ، وما تجده الآن في نفسها، وكثير من النساء من تكون غير راغبة في الرجل بعد البلوغ، كما يوجد في بعض الرجال من يكون ضعيف الشهوة، ويقيم عزبًا مع وجود

الجزء: 4 - الصفحة: 1796

الطَّوْل، وإذا كان ذلك وجب أن يرجع إلى ما تدعو إليه من ذلك ولا تجبر، وإذا كانت الثيوبة بملاقاة (1) بعد البلوغ لم تجبر قولًا واحدًا.

فصل [في الثيوبة التي تسقط الإجبار]

الثيوبة التي تسقط الإجبار ما كانت عن نكاح، صحيحًا كان أو فاسدًا، مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه 128، أو على وجه الملك، كان ذلك الملك 129 على وجه صحيح أو فاسد، إذا أعتقت أو استحقت بحرية أصيبت في طهر أو حيض؛ لأن المعنى الذي يراد منها معرفته في المستقبل قد وصل إليها في الماضي.
واختلف إذا كانت الإصابة عن زنى أو غصب: فقال في "الكتاب": إذا زنت فحُدَّت يزوجها كما يزوج البكر 130. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: الغصْب والتطوع في ذلك سواء- تجبر 131. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: الثيِّب بنكاح أو زنا 132 سواء -لا تجبر 133. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن تكون كالثيب 134 بنكاح، وأن يكون إذنها صماتها كالبكر؛ فلا تجبر لوصول العلم إليها بما يراد 135 من ذلك، ولمباشرتها127

الجزء: 4 - الصفحة: 1797

فهي من هذا الوجه كالثيب، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وكالبكر في صفة الإذن؛ لأنها تستحي أن تقول: نعم، وعليها من الحياء لما سبق لها (1) ما تعذر به في النطق.

فصل [في حدِّ إجبار الأب]

ويصح ارتفاع الجبر مع 137 الأب مع بقاء البكارة وعدم التعنيس، ووجود الإجبار مع الثيوبة لما كان من الإصابة بعد البلوغ.
فإذا طال بقاء 138 البكر عند الزوج مدة يخلص فيها 139 إليها العلم بحال الرجال مع النساء، ثم وقع الفراق، وهي بحال البكارة- ارتفع الإجبار 140. واختلف هل لذلك حَدٌّ أم لا؟ فقيل: له حَدٌّ وهو سَنَة.
وقيل: لا حَدَّ له إلا ما يرى أن تلك الإقامة تعلم منها ما تعلمه الثيِّب 141. وهو أحسن.
وتجبر الثيب إذا ظهر منها الفساد، ولم يقدر وليها على صيانتها، أو لم يكن لها ولي يصونها، واستحسن أن يُرفع ذلك مع عدم الأب إلى حاكم فيجتهد فيمن يزوجها منه، فإن زوجها ولي من غير حاكم مضى فعله عليها.
وإن طُلِّقت بالقرب وادعت البكارة، وخالفها الأب، كان القول قوله، ولا تلزمه نفقتها.136

الجزء: 4 - الصفحة: 1798

فصل [فيمن له الجبر في الإنكاح]

الجبر يختص بالآباء، وبمن أقامه الأب في حياته، أو بعد وفاته، وإذا عين الأب الزوجَ الذي يزوج ابنته منه.
واختلف إذا لم يعينه الأب، وجعل ذلك إلى اجتهاد من أقامه لذلك، فقيل: للمُقام إجبارها، ويُنكحها ممن يراه حسن نظر لها قبل البلوغ وبعده.
وهذا هو المعروف من قول مالك 142. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ليس له إجبارها، قال: لأن الأب، إنما ملك ذلك لأمر يرجع إليه لا يوجد في غيره 143. يريد: ما جعل سبحانه في الآباء من الحنان والشفقة والرأفة على الولد، فكان ما خصوا به 144 من ذلك، يبلغ بهم من الاجتهاد لبناتهم ما لا يبلغه غيرهم.
وهو أحسن، وأتبع للحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُزَوَّجُ اليَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ" 145. وفي "كتاب ابن أشرس" 146 عن مالك أنه إذا عين الأبُّ للوصي، ولم يجعل

الجزء: 4 - الصفحة: 1799

التزويج بقرب موته- أنه لا يجبر، فقال: إذا قال الأب: إذا بلغت ابنتي فزوجها من فلان، لم يجز ذلك عليها إذا بلغت فكرهت (1).

فصل [في الوصيِّ والوليِّ ليس له الإجبار]

وليس للأوصياء إذا لم يجعل لهم الإجبار، ولا للأولياء أن يزوجوا الإناث إلا بعد البلوغ والاستئذان.
واختلف في البكر تشارف المحيض: فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليها المواسي أن تزوج برضاها 148. وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ، وإن زوجت قبل ذلك فسخ نكاحها 149. وقال محمد: لا يفسخ إذا زوجت 150. وقال الشيخ -رحمه الله-: وهذا أبين، وقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة فيمن أنبت بالقتل 151، وأخرجهم بالإنبات من حكم الذرية إلى حكم من بلغ.
وقال مالك في "كتاب محمد" في صبية بنت عشر سنين في حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها.
قال وإن كانت صغيرة لم تنبت 152.147 = أبو سعيد بن يونس.
وقال اسمه عبد الرحمن.
. . انتهى.
وكذلك قال ابن فهر، رجح المالكي اسمه العباس، قال: وهو ثقة فاضل.
سمع من مالك بن أنس ومن ابن القاسم، روى عن مالك، وروى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي جعفر وعمران بن هارون بمصر.
انظر: ترتيب المدارك: 187، 188.

الجزء: 4 - الصفحة: 1800

فأباح أن تزوج (1) وإن لم تنبت لمكان ما هي به من الخصاصة والكشفة، وهذا أحسن؛ لتغليب أحد الضررين.
فأجاز ذلك إذا كانت بنت عشر سنين برضاها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُزَوَّجُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" (2). فرأى أن بنت عشر سنيئ (3) عندها من التمييز ما تؤمر له بالصلاة، وتعاقب عليها إن لم تفعل (4) مع الضرورة التي بها، وإن كانت صغيرة لم تعرف ما تستأذن فيه إن استؤذنت، وإن أسقط استئذانها- كان قد خالف الحديث.

فصل [في تزويج الوصي أو الولي للصغيرة]

وإذا زوَّج الوصي أو الولي صغيرةً من غير حاجة تدعو إلى ذلك لم يجزْ وفسخ النكاح الآن 157. واختلف إذا لم ينظر فيه حتى بلغت، فقيل: النكاح فاسد 158، يفرق بينهما وإن رضيت به، وإن أدرك ذلك قبل الدخول طال ذلك أو لم يطل وإن أدرك بعد الدخول ولم يطل جاز إن رضيت 159، وإن طال الأمر بعد الدخول مضى.153154155156

الجزء: 4 - الصفحة: 1801

يريد: وإن كرهت.
وقيل: النكاح جائز يتعلق به حق لآدمي، وهي الزوجة.
فإن رضيت ثبت، وإن كرهت فسخ.
يريد 160 ما لم يطل ذلك بعد الدخول، أو يكون بعد 161 دخوله بها وهي عالمة أن لها الخيار، فيسقط خيارها بنفس الدخول.
قال ابن القاسم في "العتبية": يكره أن يزوج الصغيرة أحدٌ إلا أبوها حتى تبلغ.
قال: ولا أعلم مالكًا كان يبلغ بها أن يقطع الميراث بينهما 162. وأرى 163 أن يتوارثا، فإنه أمر عليه جل الناس قد أجازوه.
وقد زوَّج عروةُ بن الزبير أخته صغيرة 164 والناس يومئذٍ متوافرون.
ففسخه في القول 165 الأول؛ لأنه نكاح فيه خيار، وأجازه في القول الثاني؛ لأن الولي والزوج دخلا على البنت، والخيار أمر أوجبته الأحكام لا سيما إن كانا يجهلان 166 موجب الحكم في ذلك، فأشبه 167 تزويج العبد بغير إذن سيده، فلا خلاف أن لسيده فسخه، وإجازته 168 بعد ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 1802

وترجح فيه قول (1) ابن القاسم لقوة الخلاف فيه، وأشبه عنده أن يحمل الحديث في الاستئنذان على من يصح إذنه، وهي البالغ ويكون الأمر في غير البالغ مسألة اجتهاد، وكأنه لم يرد فيها حديث.

فصل [في زواج الابن أو البنت الثيب بغير أمرهما]

واختلف إذا زوج الأب ابنه البالغ الرشيد أو ابنته الثيب بغير أمرهما، فأجازا ذلك لمَّا بلغهما، فأجاز مالك ذلك مرة إذا كانت الإجازة بقرب العقد، ومنعه إذا بعد ما بينهما لغيبة، أو لتأخير الإعلام 170. وقال أصبغ في "كتاب محمد": اختلف قول مالك في ذلك: فقال: لا 171 أحب المقام عليه إذا رضي.
وقال أيضًا: إذا رضي به جاز.
ولم يفرق بين ذلك قرب أو بعد 172. وقال سحنون في القرب مثل ما بين مصر والقلزم، وإن كان مثل مصر والإسكندرية أو أسوان لم يجُز 173. واختلف بعد القول بمنع الإجازة في صفة الفسخ: فقال ابن القاسم: يفسخ قبل الدخول 174، ويثبت إذا دخل؛ لأن جل الناس على إجازته.
وقال أصبغ: يفسخ قبل الدخول وبعده.
وقال أيضًا: يؤمرون بالترك والفسخ من169

الجزء: 4 - الصفحة: 1803

غير حكم؛ لاختلاف العلماء فيه (1). فأما تفرقته بين القلزم والإسكندرية فمنع؛ لأنه نكاح فيه خيار، إلا أن تكون الإجازة بقرب المجلس، وأجازه في القول الآخر؛ لأن نكاح الخيار ما عقد عليه الزوجان، وهذا بلا عقد؛ إذ لم تكن من الآخر فيه وكالة، ولا عقد على خيار، ولا غيره، ولا أعلم لقول سحنون في تفرقته بين القلزم والإسكندرية وجهًا، إلا أن يقول إن الخيار إلى يوم أو يومين جائز والفسخ بعد الإجازة بطلاق، ولا ميراث (2) بينهما وتقع به الحرمة، وفسخه قبل الإجازة، إذا لم يرض به الغائب، بغير طلاق ولا ميراث بينهما فيه.
واختلف في وقوع الحرمة به، والصواب أن لا تقع به حرمة؛ لأنه غير منعقد وعلى الرد حتى يتم ويرضى به من عقد بغير رضاه.

فصل [في إجبار الولد إذا كان صغيرًا]

وأما الذكر 177 فللأب أن يجبر 178 ولده إذا كان صغيرًا، ويختلف فيه إذا كان بالغًا سفيهًا 179، واختلف في إجبار الوصي من في ولايته من صغير أو كبير، وليس ذلك للولي في صغير أو كبير.
فأجاز في "الكتاب" أن يزوِّج من في ولايته من صغير أو كبير 180. وقال في175176

الجزء: 4 - الصفحة: 1804

"كتاب محمد": ليس في هذا نظر ولا يعجبني 181. وقال المغيرة في "كتاب المدنيين" إن كانت امرأة ذات شرف ومال أو ابنة عم جاز 182. وأجاز ابن القاسم إجبار البالغ السفيه، ومنعه عبد الملك بن الماجشون إلا برضاه 183. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": أعجب إليَّ أن لا يزوج المغلوب على عقله، وما رأينا أحدًا زوج مثل هذا.
قال في "المختصر": وفي المصابة لا تزوج؛ لأنه لا 184 أمر لها.
قياسًا على هذا، فوجه إجازة تزويج الصغير بخلاف الصغيرة 185؛ لأنه مشترٍ 186 له ما يرى فيه الصلاح، وله أن يحل ذلك عن نفسه إذا بلغ وكره ذلك، وليس للصبية حل ذلك عن نفسها.
ووجه المنع أنه يشتري له شيئًا لا يصح منه قبض المشترى الآن، وإنما يصح منه الانتفاع به بعد البلوغ في وقتٍ الغالب منه إيناس الرشد منه 187؛ لأن الغالب من بني آدم الرشد وحسن النظر في الدنيا والكَلب 188 عليها.
وإذا كان كذلك كان من الصواب أن يؤخر ذلك ليكون هو الناظر لنفسه فيه، وليس

الجزء: 4 - الصفحة: 1805

كذلك ما يشترى له من السلع؛ لأن السلع يصح منها الانتفاع بالربح أو بالاغتلال أو باللباس إذا كان ذلك للباسه، ويلزم على هذا الأب ألا يزوج ولده في حال صغره.
وقول المغيرة عدل بين هذه الأقوال 189؛ ألا يزوج إلا أن يرى غبطة، أو ما يخشى فواته، ولا يتيسر في الغالب مثله، وإن كان على غير ذلك لم يزوج.
وإن بلغ رشيدًا نظر حينئذٍ إما أن يتزوج أو يرى غير ذلك، وإن بلغ سفيهًا كان له اجتهاد غير ما يراه الآن.
وأما السفيه فلإجباره وجه؛ لأنه يشتري له ما يصح منه الانتفاع به الآن.
ونكاحه على أربعة أوجه: واجب، وجائز، وممنوع، ومستحسن.
فإن كان يخشى عليه فساد إن لم يزوج، ولا يخاف منه المبادرة إلى الطلاق كان تزويجه واجبًا، دعا إلى ذلك أو لم يدع إذا لم يكن لتسرره 190 عنده وجه.
وإن كان لا يخاف منه فساد ولا مبادرة إلى الطلاق كان واسعًا: إن شاء فعل ذلك 191 وإن شاء ترك ما لم يدع إلى ذلك، فإن دعا إلى ذلك كان عليه أن يزوجه.
وإن كان ممن 192 يخاف منه المبادرة إلى الطلاق لما علمه من خفته وطيشه وقلة تثبته، ولا يخاف منه فسادًا- منع من تزويجه، دعا إلى ذلك أو لم يَدْع إلا أن يكون الصداق تافهًا 193 يسيرًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 1806

وإن كان لا يُؤمن فساده، وكان يقدر على حفظه من ذلك وصيانته فعل ولم يزوجه، وإن لم يقدر على ذلك زوَّجه بعد التربص.
وأما المجنون فإن كان لا يُفيق لا يصح طلاقه، وسقط اعتبار هذا الوجه 194، فإن كان لا يخشى منه فسادًا لم يزوجه، وإن كان يخشى ذلك منه 195 زوجه؛ لأنه وإن كان لا يتعلق بزناه في نفسه حدٌّ؛ فليس مما يعان عليه؛ ولأن فساده مع من يتعلق بها الحدُّ، فتركه معونة على ما لا يحل.
واختلف في السفيه تكون له الابنة: هل له أن يزوجها 196، أو المشورة دون العقد، أو لا يكون له في ذلك عقد ولا إذن؟ وذلك راجع إلى حال الأب، فإن كان له عقل ومَيْز ودين إلا أنه غير ممسك لماله، فرب سفيه تجوز شهادته- كان هو الناظر لابنته، فمن حسن عنده زوجها منه قبل البلوغ، وكان له أن يجبرها على ذلك.
ويستحسن مطالعة الوصي، وإنما كان التزويج إليه؛ لأن الحاجة التي 197 حجر عليه غير الوجه الذي بطلت 198 منه الآن.
وإن كان ناقص التمييز كان النظر في عين الزوج ومن يحسن لابنته- إلى الوصي، فمن حسن عنده زوج منه وإن لم يرضه الأب، ولا تزوج إلا بعد البلوغ، والاستئذان منها كاليتيمة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1807

ثم يختلف فيمن يتولى العقد حسب ما تقدم في ولاية الفاسق والسفيه، فمن منع منهم (1) ولايتهم جعل النظر إلى الوصي والعقد إلى الأب، فإن كان الأب فقيد العقد لم يكن له نظر ولا عقد، وقد وقع في "كتاب محمد" في هذه المسألة اضطراب.
والفقه فيها ينحصر إلى هذه الوجوه.
وإن بادر الأب بالعقد في الموضع الذي يمنع منه لنقص تمييزه لم يعجل في ذلك بطلاق حتى يختبر ذلك، فإن كان إمضاؤه من حسن النظر أمضاه، وإلا فرق.
وكذلك إذا كان سفيهًا لم يضرب على يده، وليس في ولائه، فإنه (2) ينظر في عقده ذلك إذا كان عقده بالإجبار، فإن كان فيه حسن النظر أمضاه (3) وإلا رده ولا يمضي فعله، وذلك بخلاف أفعاله في ماله؛ لأن عقد الأب على ابنته فيه معنى الوكالة لغيره، ولا يصح أن يكون وكيلًا لغيره من لا يحسن النظر لنفسه.

فصل [في تزويج الوصي عبيده وإجبارهم]

وللوصي أن يزوج عبيدَ مَنْ في ولايته 202 وإماءَهم، يُزوِّج بعضهم من بعض ومن الأجنبيين.
وللسيد 203 إجبار عبده وأمته على النكاح ما لم يقصد بذلك الضرر فيمنع.
قال مالك في "كتاب محمد": مثل الجارية المرتفعة لها الحال يزوجها من199200201

الجزء: 4 - الصفحة: 1808

عبد له أسود، وعلى غير 204 وجه الصلاح- فهذا لا يجوز وهو ضرر.
قال: وليس ينظر إلى الوغد في المنظرة فرب وغد له المخبرة.
وإنما يرد من ذلك ما كان على وجه الضرر 205. وليس للسيد إجبار من أعتق بعضه من عبد أو أمة.
واختلف: هل له أن يجبر من فيه عقد حرية من تدبير أو كتابة أو عتق إلى أجل؟ على أربعة أقوال: فقيل: له إجبارهم؛ لأنهم الآن على الرق ولم يصيروا إلى حرية بعد.
وقيل: ليس له إجبارهم للشبهة التي لهم من الحرية بالعقد الذي عقد لهم.
وقيل: ذلك له في كل من له أن ينتزع ماله دون من ليس له أن ينتزع ماله، فيمنع من إجبار المكاتب والمكاتبة ومن إجبار أم الولد والمدبر والمدبرة إذا مرض السيد، ومن إجبار العتق والمعتقة إلى أجل إذا قرب الأجل؛ لأنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله فأحرى أن لا يعقد عليه فيما يتعلق بالجسم لا بالمال.
وقيل: له إجبار الذكران دون الإناث؛ لأن الذكران بأيديهم الطلاق فيحلوا عن أنفسهم إذا صاروا إلى العتق ما عقد عليهم.
وأصوب من ذلك أن يمنع من إجبار المكاتب والمكاتبة؛ لأنهما اشتريا أنفسهما من السيد، وليس له 206 عليهما اليوم مطالبة إلا بمال إلا أن يعجزوا، ولا يمنع من إجبار المدبر والمعتق إلى أجل؛ لأنهما اليوم على حال الرق، وهو يُدخِل عليهما بذلك منفعةً من غير مضرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1809

والطلاق بأيديهما إذا صارا إلى الحرية، إلا أن يمرض السيد، أو يفوت 207 الأجل؛ فيمنع من ذلك لأنهما أشرفا على العتق، أو يجعل عليهما من الصداق ما يضر بهما في المطالبة به بعد العتق.
ويمنع من جبر الإناث كأم الولد والمدَبَّرة والمعتقة إلى أجل؛ لأن حق السيد إنما هو ما لم يصر إلى الحرية، ولا حق له فيما بعد العتق؛ فليس له أن يبيع منافع ليس له فيها حق، وعقد النكاح عليهن بيع منه لما يكون من الاستمتاع الآن وما يكون بعد العتق، والذي بعد العتق لا حق له فيه.
وليس لهن حل ذلك العقد إذا صرن إلى الحرية، وقد يستخف ذلك إذا زوجهن لعبد؛ لأن إليهن حل ذلك بعد تمام العتق فيخترن أنفسهن؛ لما جاء في حديث بَرِيرة، على أنه قد يقع العتق من سيد العبد 208 فيسقط الخيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 1810

باب إذا كان الزوج وليًّا هل توكله فيزوجها من نفسه؟

اختلف فيه: فأجازه مالك وغيره من أصحابه فيكون زوجًا وليًّا 209. وذكر ابن القصار عن المغيرة وأحمد: أن ذلك جائز إذا وكَّل غيره يزوجها منه.
وكذلك إذا كانت المرأة لا ولي لها وصار الأمر إلى ولاية المسلمين 210، أو كانت دنيئة لا قدر لها، يجوز أن توكل من يزوجها على العقد، فيعقد ذلك من نفسه وإن لم يكن من أوليائها، ويمنع ذلك على قول المغيرة وغيره، إلا أن يوكل 211 غيره بعقدها منه، والأحوط أن توكل غيره، فإن وكلته مضى وجاز.

الجزء: 4 - الصفحة: 1811

باب في وكالة الرجل أو المرأة على النكاح

الوكالة على النكاح من أحد الزوجين الرجل أو المرأة جائزة، فيوكل الرجل من يزوجه امرأة معينة، أو غير معينة يجعل ذلك إلى اجتهاده، وكذلك المرأة لا ولي لها 212 توكل من يزوجها من رجل تعينه له.
واختلف إذا لم تعينه له وجعلت ذلك إلى اجتهاده، فألزمها ذلك في "الكتاب" مرة، ومرة لم يلزمها 213، والأول أحسن؛ لأنها وكالة على غير 214 ما يجوز بيعه فأشبه الوكالة على غير ذلك من البياعات، وقياسًا على توكيل الزوج إذا لم يعين المرأة، فإنه لا أعلمهم يختلفون أن ذلك يلزمه، إلا أن يعلم أنه قصر في الاجتهاد لها 215؛ فيكون لها 216 رد ذلك.
واختلف إذا زوَّجها من نفسه فكرهت: فقال في "الكتاب": لها ذلك، ولم يلزمها إياه 217. وذكر أبو الحسن قولًا آخر أن ذلك لازم لها.
وقد اختلف في هذا الأصل: إذا وَكَّل رجلٌ رجلًا 218 على البيع والشراء فباع واشترى من نفسه، فالقول الأول أحسن؛ لأنه معزول عن العقد من نفسه، ومفهوم الوكالة

الجزء: 4 - الصفحة: 1812

العقد 219 من غيره، ومعلوم أن المرأة إذا كان لها غرض في رجل جعلت سفيرًا لذلك، ولا توكله ليبصر غيره.
ويختلف على هذا إذا وَكَّل رجل امرأة لتزوجه فزوجته من نفسها وعقد ذلك ولدها 220، وأن لا يلزم أحسن.
ويختلف إذا وكلت المرأة من يزوجها فزوجها من ولده أو من يتيمه، أو وَكَّل الرجل من يزوجه فزوجه من ابنته أو يتيمته، هل يلزم ذلك النكاح أم لا؟ قياسًا إذا وكله على أن يسلم له فأسلم ذلك إلى من هو في ولائه من ولد أو يتيم.
فمنع ذلك ابن القاسم وإن لم تكن فيه محاباة، ورأى 221 أن الوكالة تقتضي أن يتولى المعاملة مع من ليس له عليه حكم، ومعزول عن من له عليه عقد، وأجاز ذلك سحنون.
فكذلك النكاح لا يمضي على قول ابن القاسم، ويمضي 222 على قول سحنون.
ولو كان وصيًّا، فزوج يتيمه من ابنته، أو يتيمته من ابنه، أو نفسه 223 مضى النكاح، ولم يرد على كراهية في ذلك إلا 224 في الابتداء أن لا يفعل، إلا بعد مطالعة السلطان؛ لأن الوصي وكيل مفوض إليه، والأول غير مفوض إليه.
فإذا زوج الوصي وكان بعضهم كفؤًا لبعض، وأسقط في الصداق- جاز ذلك.
وإن كان فعل الوصي على غير صواب من الصداق خاصة- زاد على يتيمه أو

الجزء: 4 - الصفحة: 1813

حط عن يتيمته 225، قيل له: إن أنت حططت الزائد على هذا وأكملت صداق المثل عن هذه 226 مضى النكاح، وإلا فسخ ما لم يقع الدخول.
فيحط الزائد عن الصبي، ويكمل النقص حكمًا من غير خيار.
وإن لم يكن ولده كفؤًا ليتيمته ولا ابنته كفؤًا 227 ليتيمه- فسخ، إلا أن ينزل بمن في ولائه من ذكر أو أنثى عيب، أو ذهاب مال، أو ما أشبه ذلك، مما يرى أن بقاءهما من حسن النظر فيتركانه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1814

باب في المرأة توكل ولييها فيزوجها كل واحد من رجل

وإذا وكلت المرأة رجلين يزوجانها فزوجها كل واحد من رجل، كان الأول أحق بها ما لم يكن دخول.
واختلف إذا دخل بها الثاني وهو لا يعلم بالأول؛ فقال مالك وابن القاسم: الآخر أحق بها 228. وقال محمد بن عبد الحكم: الأول أحق بها، وتنزع من الآخر.
والاختلاف في هذا راجع إلى الخلاف في الفسخ والعزلة: هل ذلك من الآن أو من بعد البلوغ؟ فمن قال: إن ذلك لا يصح إلا بعد البلوغ ثبتت 229 للثاني؛ لأنه نكاح بوكالة.
ومن قال: إن الفسخ والعزلة يصح من الآن وإن لم تبلغ فسخ الثاني، وكان الأول أحق بها؛ لأنه يقول: عقد الأول فسخ لوكالة من لم يعقد، فصار الثاني عقدًا بغير وكيل 230. وإن لم يُعلم أيهما عقد أولًا فُسخ النكاحان جميعًا، إن أدرك ذلك 231 قبل الدخول.
فإن دخل أحدهما كان أحق بها، هذا قول مالك.
وعلى قول ابن عبد الحكم يكون حكمه حكم من لم يدخل؛ لأنه على شك فقد يكون الآخر فلا يصح له المقام عليها؛ إذ لو عقد الوليان في مجلس واحد من رجلين 232 معًا لم يتقدم أحدهما الآخر- لفسخ النكاحان جميعًا دخل بها أحدهما أو لم يدخل؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1815

لأن العقدين فاسدان لعلم كل واحد منهما بعقد الآخر.
قال محمد: إذا علم أولهما فطلق أو مات قبل أن يدخل الآخر، ثم دخل بها 233 بعد طلاق الأول أو موته، وكان تزويجه قبل موت الأول، وقبل طلاقه، ولم يعلم الآخر حتى دخل- فقد ثبت وفاتَ موضعُ النظر، كما لو دخل بها والأول حي لم يمت، ولم يطلق، ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه، وإن علم قبل الدخول، يريد ثم دخل- فسخ نكاح الآخر، واعتدت من الأول، وورثته، وكذلك إن طلق، فإنه يفسخ وترد إلى الأول.
وإن كان عقد الآخر بعد موت الأول أو طلاقه افترق الجواب فيفسخ إذا مات؛ لأنه ناكح في عدة، ولا يفسخ إذا طلق الأول؛ لأنها في غير عدة 234. قال محمد: وقال عبد الملك فيما أظن: إذا كان العاقد أخيرًا بعد طلاق الأول- ثبت نكاحه وإن لم يدخل 235، وإن كان آخرهما عقدًا الوكيل فسخ ما لم يدخل 236. قال محمد: وإن دخل الآخر والأول قائم و 237 لم يطلق ولم يمت، فأقر المزوج أخيرًا، وهو الأب أو الوكيل، أنه كان عالمًا بتزويج الأول- لم يصدق الوكيل 238 على الزوج، إلا أن تشهد بينة على إقراره بالعلم قبل العقد من الثاني، فيفسخ فسخًا بغير طلاق.

الجزء: 4 - الصفحة: 1816

ولو أقر الزوج الآخر على نفسه بعد الدخول أنه كان عالمًا بتزويج الأول قبل أن 239 يدخل- لقبل إقراره من غير بينة، وفسخ نكاحه، وكان لها الصداق كاملًا من غير طلاق 240. قال محمد: لم يعجبنا 241، يريد: أنه يكون بطلاق.
ولو اعترفت الزوجة في أحدهما أنه الأول لم تصدق، وقد اختلف في تصديقها إذا لم يدخل بها واحد منهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 1817

باب في عَضْلِ الأب ابنته البكر عن النكاح (1)، وفيمن يؤمر أن يزوجها منه وإذا اختلف الأب وابنته فيمن أحب تزويجها

اختلف في عضل الأب ابنته البكر عن النكاح.
فقال في "الكتاب" ليس له، ويزوجها السلطان، وليس للأب 243 إذا كان الذي رضيت به كفؤًا في دينه منعُها 244. وقال عبد الملك بن حبيب: له منعها، وليس للسلطان أن يتسور عليه في ابنته وإن طلبت ذلك منه 245. وقد منع مالك بناته من النكاح وقد رغب فيهن خيار الرجال، وفعل ذلك أهل العلم قبله وبعده 246. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أرى أن ينظر في ذلك إلى حال الأب، فإن كان رجلًا صالحًا أو عالمًا أن ذلك لا يجوز لغير عذر لم يعترض في ابنته، فقد يطلع على عيب يعلم أنها متى تزوجت لم تلبث أن تطلَّق، أو يكون فيها تأخر وغفلة زائدة على ما تعارفه الأزواج أو تكون خليعة، فإن خرجت عن قهره فتكت ولم يضبط أمرها الزوج، وهو أعلم بوليته، ولا يتهم في هذا، وإن كان الأب على غير ذلك لم يسلم ذلك إليه، وكشف عن ذلك الجيران، وهل عندهم علم من شيء يعذر به، وإن لم يوجد لذلك وجه زوجت.242

الجزء: 4 - الصفحة: 1818

فصل [فيمن يؤمر أن يزوجها منه]

يؤمر الأب في الزوج بأربع: أن يكون كفؤًا في دينه، وحاله، وحسبه، سالمًا من العيوب التي يجتنبها النساء.
فأما الدِّين؛ فإن كان كسبه (1) حرامًا، أو كثير الأَيْمان بالطلاق- لم يكن له أن يزوجها منه؛ لأن مَن ذلك شأْنُه فالزوجة معه في زنى فيمنع.
فإن فعل فرق الحاكم بينهما إن طال (2) ذلك؛ لأن الأب وكيل لابنته، وإذا فعل الوكيل ما يرى أنه لم يحسن النظر فيه (3) أو ما ليس بصواب رُدَّ فعله.
ويمنع من تزويجها لمن يشرب الخمر؛ لأنه يدعوها لمثل ذلك، وإن كان ممن يغبن (4) عليه، ولم يبين لمثل ذلك- كان وقوف الأب عن إنكاحه ابنته (5) من باب أولى، فإن فعل مضى نكاحه.

فصل [فيمن يمنع أن يزوجها منه]

وأما المال؛ فإن كان عاجزًا عن السعي، وما يرى أنها تكون معه تحت ضيعة، أو يسعى من وجه يدركها منه معرة، كالذي يتكفف الناس- فهذا247248249250251

الجزء: 4 - الصفحة: 1819

الذي يمنع الأب من (1) تزويجها منه (2)، ويفسخ نكاحه، وإن علم أنه لا حرفة له، وله مال يرى أنه يذهب عن قرب- لم يكن ذلك من حسن النظر.
وإن كانت لا تضيع معه، ولا يدركها من سعيه معرة لم تمنع منه وإن كان دونها في المال.

فصل [في اعتبار الحسب]

والحسب على ثلاثة أوجه: فإن كانت من العرب فدعت أو دعا أبوها إلى تزويجها من عربي- كان القول قول من دعا إليه، وإن كانت أشرف نسبًا منه، وإن كانت من بيت الشرف؛ لأن تفاضل ما بينهما من باب أولى وليس تلحق منه 254 معرة.
وأما تزويجها من البربري والمولى: فإن كانت صغيرة زوجت منه؛ لأن حرمة النسب مع الفقر ساقطة عند الناس، وإن كانت موسرة نظر إلى عادة ذلك الموضع الذي هم فيه، فإن كانوا لا يرون في ذلك معرة، وإنما يجرونه مجرى ما غيره أحسن منه- زوجت، وإن كان ذلك عندهم معرة كان القول قول من أَبَى 255 من أب أو ابنة.
وأما تزويجها من العبد فيمنع على كل حال؛ لأن في ذلك نقصًا ومعرة، فإن اجتمعا عليه- الأب والابنة وهي رشيدة ولا عَصَب لها- زُوِّجت منه،252253

الجزء: 4 - الصفحة: 1820

وإن كانت بكرًا أو ثيِّبًا سفيهة، ولها عَصَبة قريبة- مُنعت، وللعصبة منعها من ذلك.
وأجاز مالك نكاح الموالي في العرب وتلا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] 256. وسئل ابن القاسم عن نكاح العبد العربيةَ فقال: قال مالك: "أهل الإسلام بعضهم لبعض أكفاء لقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 257. وقال غيره: ليس العبد ومثله كفؤًا لذات المنصب والقدر؛ لأن للناس مناكح قد عرفت لهم وعرفوا بها 258. واحتج من نَصَر القول الأول بأسامة بن زيد، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وموالٍ 259 تزوجوا في العرب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الآية فلا مدخل لها ها هنا؛ لأن متضمنها الحال عند الله، وعلى ما يكونون عليه في الآخرة ومنازل الدنيا، وما يلحق منه معرة عند 260 ذلك.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه 261 خيَّر بريرة في زوجها حين أعتقت 262.

الجزء: 4 - الصفحة: 1821

ولم يختلف المذهب أن ذلك لنقصه عنها (1)؛ لأنه ليس بكفؤٍ لها، وأنه لا خيار لها إذا كان حرًّا، فبان بهذا أن العبد ليس بكفؤٍ للحرة، عربية كانت أو بربرية أو مولاة؛ لأن بريرة حديثة عهد بعتق، وهي في عداد الدنيَّات، ولأنه لا خلاف أيضًا في العبد يتزوج الحرة وهي لا تعلم أن ذلك عيب يوجب لها الرد وإن كانت دنية، وأما ما ذكر من نكاح أسامة وغيره؛ فقد يكون ذلك في أول الإسلام.
وقد رفضوا ما كان من الافتخار في الجاهلية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ بِالإِسْلَامِ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بالآبَاءِ" (2)، وعبيتها فخرها.
والمقدَّم عندهم حينئذٍ من كانت له سابقة في الإسلام، وقدَّم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلالًا على أبي سفيان بن حرب لسابقة بلال.
وإنما ينظر في كل زمان إلى ما أهله عليه، وكل بلد وموضع فيحملون عليه.

فصل [في أقسام العيوب]

العيوب على ثلاثة أقسام، أحدها 265: يجتنب على وجه الاستحباب، وإن عقد عليه الأب مضى ولم يرد، وهو: القبح والعمى والشلل، وما أشبه ذلك.263264 = مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا".
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو راجعته".
قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع".
قالت: لا حاجة لي فيه).

الجزء: 4 - الصفحة: 1822

وقد كره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يزوِّج الرجلُ وليته للرجل القبيح وقال: "يعمد أحدكم فيزوجهن القبيح، والذميم، إنهن يحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم" 266. يريد: إلا أن يكون ذلك برضاها.
والثاني: يجب اجتنابه وهو: الجنون والجذام البيِّن، فإن لم يفعل وزَوج من مثل هؤلاء رُدَّ نكاحه.
واختلف فيما سوى ذلك: فقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: إن زوَّجها من خَصيٍّ، أو مجبوب أو عِنِّين على وجه النظر لزمها ذلك 267. وقد قيل: لا مقال للجذام إذا لم يكن متفاحشًا.
وقال سحنون في "السليمانية": إذا أراد أن يزوجها مجبوبًا أو مجذومًا أو أبرص أو أسود، أو من ليس لها بكفؤ، وأَبتِ الابنةُ ذلك 268 - كان للسلطان منعه؛ لأن ذلك ضرر.
قال: ولو كانت مجنونة فأراد أن يزوِّجها لأحد ممن ذكر، وقال: أغتفر عيبه 269 لعيبها- لم يُمكَّن من ذلك؛ لأنها قد تفيق.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول سحنون في هذا أحسن، فيمنع من تزويجها الأسود؛ لما يلحقها في ذلك من المعرة، ومن تزويجها من المجنون والأجذم والأبرص؛ لاجتماع الضرر والمعرة، وعليها في ذلك نقص عند أقاربها وجيرانها وإن لم يبلغ به الجذام والبرص؛ لأن ذلك مما يتنامى 270 فلا يكون لها بعد ذلك مقال في

الجزء: 4 - الصفحة: 1823

كثيره إذا رضيت به أولًا قبل أن يتنامى 271. وكذلك الحصور والعِنِّين والمجبوب يمنع من تزويجها إياه، ويرد إن فعل؛ لأن المتزوجة لمثل هذا كالأيِّم، وهي تحتاج إلى مثل ما يحتاجه الرجل.
وإن كان ذاهب الأنثيين خاصة مضى نكاحه ولا مقال لها في عدم النسل، كما لو زوَّجها عقيمًا.
وأما قول سحنون: إذا كانت مجنونة فلا تزوج من أحد ممن ذكر ففيه نظر؛ لأن ذهاب ذلك ليس بغالب، ولا يتزوجها في الغالب من يرغب في مثله؛ فلا يكره له أن يزوجها من أحد ممن ذكرنا سوى المجنون، فإن مجنونين لا يجتمعان، وإنما يكون عاقلًا يسوس مجنونة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1824

باب فيمن لا حقّ له في النكاح، والمرأة تزوّج نفسها

أربعة لا حق بهم في الولاية: المرأة، والصبي، والعبد، والكافر، فإن زوجت امرأةٌ امرأةً 272 كان النكاح فاسدًا 273، وسواء كان إنكاحها إياها بوكالة من المرأة أو بوصية من الأب.
ولها إذا كانت وصية أن تستخلف رجلًا يتولى العقد، وكذلك إذا كان العاقد صبيًّا فالنكاح فاسد، وإن كان قد أنبت صح عقده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة أمر بقتل من جرتْ عليه المواسي، وأجرى عليهم أحكام الرجال 274. ولو قيل فيمن ناهز الحلم: إن عقده ماضٍ - لم يبعد ذلك 275 للاختلاف في أفعاله حينئذٍ.
فقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إذا قال من ناهز الحلم: فلانة طالق إن تزوجتها، فتزوجها- فُرِّق بينهما 276. وقال في "كتاب 277 المدنيين": إذا زنى وقد ناهز وأنبت ولم يحتلم فعليه الحد.
وإن كان العاقد عبدًا أو من فيه عقد حرية ولم يفض إليها كالمعتق والمُدَبَّر إلى أجل والمكاتب- كان النكاح فاسدًا، وإن كان العاقد رجلًا حرًّا

الجزء: 4 - الصفحة: 1825

بالغًا عقد بوكالة من أحد ممن ذكرنا- كان جائزًا إذا كان قد جعل ذلك إليهم من له الأمر.
وأجازه إذا لم تكن منه وكالة: وقال في "الكتاب" في المكاتب يأمر من يزوج إماءه: إن ذلك جائز إذا كان على ابتغاء الفضل، وإلا لم يجز إذا رد ذلك السيد (1). قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان ذلك في أحد بناته وهن في الكتابة لم يجز، وإن كان على ابتغاء الفضل، إلا أن يجيز السيد، وليس ذلك كأمته.

فصل [في عدم جواز عقد الكافر للمسلمة]

وأما الكافر فلا يجوز أن يعقد نكاح المسلمة، وإن كانت ابنتَه أو أختَه، وإن فعل كان نكاحًا فاسدًا 279، وله أن يعقد نكاح ابنته النصرانية من مسلم، ولا يعقد المسلم نكاح ابنته الكافرة من كافر، فإن فعل مضى؛ لأنا لا نعترض مناكحَ الكفار.
ويفترق إذا عقد نكاحها من مسلم إذا كانت ذمية أو حربية أو أَمَة أو معتقة؛ فمنعه مالك إذا كانت حرة من نساء أهل الجزية دون غيرها، فقيل له، في النصرانية لها أخ مسلم: هل يزوجها من مسلم؟ فقال: أَمِنْ نساء أهل الجزية؟ قيل: نعم.
قال: لا يجوز له أن يعقد نكاحها.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ 280.278

الجزء: 4 - الصفحة: 1826

وقال أصبغ: إذا زوج 281 لم أفسخه؛ لأن النصراني لا يعقد نكاحًا إلا كان المسلم أصح منه وأفضل، وإنما ولايتها من النصراني أولى من المسلم في الحكم 282. فإن لم يتنازعوا وولت مسلمًا عقد نكاحها جاز، وهو أحب إليّ من وليها الكافر.
وقال محمد: هذا غلط، ووليها النصراني أحب إليَّ من الأب المسلم، ولو زوج المسلم كان نكاحًا باطلًا 283. وليس ذلك من وجه الحقوق، وإنما كرهه مالك وابن القاسم وأشهب 284، ولم يجيزوه؛ لأنه ليس بولي.
وقال ابن وهب: الأب المسلم يعقد نكاحها من مسلم، وأهل دينها يعقدونه من كافر 285. وهذا قول أصبغ 286. وهو أحسن؛ لتفرقة مالك بين نساء أهل الجزية وغيرهم، ولتسليم محمد ذلك في المعتقة.
فإن كان المنع عنده لافتراق الدينين فلا يجوز ذلك في الكافر على حال، والمعتقة والأمة وغيرها في ذلك سواء.
فإن قيل: إنما جاز ذلك في الأَمَة؛ لأنها ماله، قيل: النكاح يفتقر إلى ولاية بدليل أنها لو كانت لامرأة أو لعبد ما جاز أن يعقد نكاحها من مسلم على قول من أجاز نكاح الأمة الكتابية، وأيضًا فإن المخاطب بالولاية المرأة، وإذا كانت كافرة لم تكن مخاطبة بالولاية.

الجزء: 4 - الصفحة: 1827

فصل (1) [في تزويج السيد المسلم للأمة والمعتقة]

واختُلف في الأَمَة يزوجها سيدها المسلم، وفي المعتقة هل (2) يزوجها سيدها المسلم الذي أعتقها.
فأجاز ذلك ابن القاسم، ومحمد، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في قوله: أَمِن نساء أهل الجزية (3). لأن هاتين ليستا من نساء أهل الجزية.
وقال أبو مصعب وهو في "السليمانية": إنه ليس للمسلم أن يزوج أمته النصرانية.
وعلى هذا لا يجوز أن يزوج معتقته النصرانية.
وهذا هو القياس لا فرق بينها وبين الكافرة تكون من نساء (4) أهل الحرب، وقد تقدم وجه ذلك.

فصل [في إنكاح المرأة والعبد والصبي الذَّكر]

إنكاح المرأة والعبد والصبي الذَّكر جائز إذا كانوا أوصياء أو كان ذلك بوكالة من إليه العقد عليهم من أب أو وصي 291. وقد قيل: ليس ذلك إليهم.
والأول أحسن.
ولا يفتقر عقد الذكر إلى ولي، ولما جاز أن يعقد العبد لنفسه، ولا يفتقر إلى أن يعقد له حر- جاز أن يعقد على غيره، وكذلك الصبي يعقد نكاح نفسه287288289290

الجزء: 4 - الصفحة: 1828

فيرى وليه في (1) ذلك صوابًا، فيجوز له أن يجيزه ويمضيه على ذلك العقد، ولا يقال إنه عقد فاسد لأجل أن العاقد صبي، ولو تولى عقد المرأة لم يجز ذلك.

فصل [في مباشرة المرأة العقد بنفسها]

وإذا باشرت المرأة العقد بنفسها بغير رجل تولى ذلك- كان نكاحًا فاسدًا، يفسخ قبل الدخول وبعده وإن طال ذلك وولدت الأولاد 293، وكذلك إذا كان الوكيل لها عبدًا أو امرأة أو صبيًّا أو نصرانيًّا- حكمه حكم من باشرت فيها 294 العقد.
ويعاقب عند مالك الرجل والمرأة إذا دخلا، إلا أن يكونا ممن يجهلا ذلك 295. وقال أيضًا: إذا وكلت رجلًا يزوجها وليس بولي يعاقب الرجل والمرأة والشهود إن علموا 296. وأرى أن لا عقوبة على الزوجين إذا كانا من أهل الاجتهاد وذلك مذهبهما، أو كانا يريان تقليد من يرى ذلك، أو كانا يجهلان ويظنان أن ذلك جائز، وإن كانا ممن يعتقد فساد ذلك فتحسن العقوبة، وكذلك البينة إذا علمت أنها تزوجت بولاية الإمام 297؛ فإنه ينظر إلى مذهبهما في ذلك أو من يقلدانه.292

الجزء: 4 - الصفحة: 1829

فصل [في تزويج الأب ابنه، والابن ساكت]

وقال ابن القاسم: إذا زوَّج الأب ابنه، والابن ساكت، ثم أنكر بعد فراغ الأب من العقد، وقال: لم آمره ولم أرض، وإنما سكتُّ لأني علمت أن ذلك لا يلزمني- أنه يحلف على ذلك ويبرأ 298. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا يخلو إنكار الابن من ثلاثة أوجه؛ إما أن يكون أنكر 299 عندما فهم أنه يعقد عليه، أو بعد علمه وسكوته لتمام العقد، أو بعد تمام العقد وتهنئة من حضره، وانصرافه على ذلك.
فإن كان إنكاره عندما فهم أن العقد عليه كان القول قوله من غير يمين عليه؛ لأن الأب لم يدّع أن ذلك فعله بوكالة، ولا أتى من الأمر ما يدل على الرضا.
وإن كان بعد علمه أنه نكاح يعقد عليه، وسكت، ثم أنكر بعد فراغ العاقد- حلف، كما قال في الكتاب: إنه لم يكن سكوته على الرضا بذلك 300. واختلف إذا نكل عن اليمين: فقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: لا شيء عليه.
وقال غيره: يغرم نصف الصداق.
والأول أحسن.
واليمين ها هنا استحسان؛ لاحتمال أن يكون سكوته على الرضا بذلك، ورجاء أن يقر، وليست التهمة في ذلك بالأمر البين لقرب ما بين علمه وإنكاره.

الجزء: 4 - الصفحة: 1830

وإن كان إنكاره بعد تمام العقد، وانصرافه بعد ذلك على ذلك، والدعاء له حسب عادات الناس- لم يقبل قوله، وغرم نصف الصداق؛ لأن الظاهر منه الرضا، ولا يمكن منها؛ لإقراره أنه غير راضٍ، وأنه لا عصمة له عليها.
وإن أقر وأحب الزوج في هذه الثلاثة أوجه بعد إنكاره أن يقيم على النكاح، فإن لم يكن منه سوى الإنكار، ولم يقل: رددت ذلك، ولا فسخته عن نفسي، وكان رضاه بالمقام بقرب العقد- كان ذلك له؛ لأن إنكاره الرضا لا يقتضي الرد، وإنما نفى عن نفسه أنه تقدم منه رضا.
ومن لم يرضَ مخير بين الرد والرضا بالقرب، وله مهلة النظر والارتياء والمشورة فيما يراه.
واستحسن أن يستظهر باليمين أنه لم يرد بإنكاره الفسخ، فإن نكل لم يفرق بينهما، ولم أبحها لغيره بالشك، فكان بقاؤها مع من يدعي أنها 301 زوجة بيقين 302. وإن كان رضاه بعد أن طال الأمد وقوله: رددت العقد- لم يكن ذلك له إلا بعد مطالعة الزوجة ورضاها أن يستأنف العقد.
واختلف فيمن ادعى الوكالة على رجل أنه وكَّله على تزويج امرأة، فزوَّجه إياها، وضمن الصداق، وأنكر الزوج، فاختلف في لزوم الصداق: فقال مالك: لا شيء عليه 303. وقال علي بن زياد: الصداق لازم له 304.

الجزء: 4 - الصفحة: 1831

والقول الأول أصوب؛ لأنه لا يخلو أن يكون القصد بالضمان خوف جحود الوكالة، والتزويج، أو خوف فقر الزوج أو لدده، وأي ذلك كان لم يلزم الضمان.
فلا يصح الضمان إذا كان القصد جحود الوكالة، وهو بمنزلة من ادعى الوكالة على شراء سلعة على أنه إن أنكر المشترى له كانت السلعة والثمن (1) للبائع وهذا غرر، وكذلك الزوجة يقول لها: إن جحد فالمبيع يبقى لك والثمن لك.
وهذا أيضًا (2) غرر؛ لأنها دخلت على أنها تارة تأخذ الصداق عن الاستمتاع بها إن اعترف، وتارة تأخذه مع عدم الاستمتاع وبقاء المبيع لها.
وإن شرط الضمان بوجود الفقر (3) لم يلزم؛ لأنه جحد ولم يفتقر (4)، وإن شرط ذلك إذا لَدَّ فإن القصد إن ادعى القضاء وهو مقر بالنكاح في موضع- يكون له المرجع إذا قضى عنه، وإذا جحد الأصل لم يكن له مرجع.

فصل [في الخلاف في التسمية التي وكله ليزوجه بها]

وإن اعترف بالوكالة وخالف في التسمية التي وكله ليزوجه بها، فقال الوكيل: بمائتين وبها زوج.
وقال الزوج: بمائة.
فذلك 309 على أربعة أوجه: إما أن يكون لكل واحد منهما بينة، أو لا بينة سوى دعوى الزوج ودعواها وإقرار305306307308

الجزء: 4 - الصفحة: 1832

الوكيل، أو تكون له بينة دونها أو لها دونه.
فإن كانت لها بينة أن العقد بمائتين، وله بينة أن الوكالة كانت بمائة، وكان ذلك قبل الدخول فرضي الزوج- يمضي النكاح على مائتين، أو رضيت أن تسقط عنه مائة ثبت النكاح، فإن لم يرضيا تفاسخا.
واختلف: إذا لم يعلم الزوج إلا بعد الدخول على ثلاثة أقوال: فقيل: للمرأة أن تأخذ المائتين؛ مائة من الزوج، ومائة من الرسول لتعديه.
وإلى هذا يرجع قوله 310 في الكتاب: إن الرسول ضامن إذا أقر بالتعدي وقيام البينة عليه بالتعدي كإقراره 311. وقال في "مختصر ما ليس في المختصر": ليس لها إلا مائة واحدة.
ولم يجعل على الرسول شيئًا.
وقال عبد الملك في "كتاب محمد" و"ابن حبيب ": يلزم الزوج صداق مثلها، وما سوى ذلك فعلى الرسول 312، فإن كان صداق مثلها مائة وخمسين غرم ذلك الزوج مائة وخمسين 313، وغرم الرسول خمسين، وإن كان صداق المثل مائتين غرمها الزوج ولا شيء على الرسول.
وأحسن ذلك أن يكون على الزوج صداق مثلها لما 314 قال عبد الملك، ويسقط ما سوى ذلك على الرسول، كما قال في "مختصر ما ليس في المختصر" هذا إذا كانت الوكالة على تزويج امرأة بعينها فتكون الخمسون الزائدة على

الجزء: 4 - الصفحة: 1833

المائة على الزوج؛ لأنه يقال: أنت قبضت المبيع وأهلكته فعليك قيمته.
ولا تراعى المائة؛ لأن المالك لم يرض البيع بها.
ولا مقال للمرأة في الخمسين التي هي تمام المائتين؛ لأن ذلك الوكيل دخل على 315 أن المشترى له قبض المبيع 316، وهو الذي تولى 317 الثمن وعلى أنه لا وزن عليه، ومقالها مع الوكيل من باب الغرور، وأنه غرها حتى سلمت.
وأعلى مراتب من غَرَّ إنسانًا حتى أتلف عليه سلعته أن يكون عليه قيمتها، وهذه قد وصل إليها قيمة سلعتها والزائد على ذلك لم يلتزمه الوكيل ولا وكل عليه الزوج ففارق من أهلك سلعته، وقد وقفت على ثمن؛ لأن المائتين ها هنا لم يلتزمها أحد ولا ثبتت على أحد، وإنما أظهر لها أن هناك من رضي بها، ألا ترى أنه لو علم قبل الدخول لم يختلف أنه لا شيء على الوكيل وإنما المقال بين الزوجين.
وإن كانت المرأة غير معينة وكان صداق مثلها مائة وخمسين كانت الخمسون الزائدة على المائة على الرسول؛ لأن الزوج كان في مندوحة عن ذلك؛ لأنه قادر على أن يزوجه بمائة إلا أن يكون الرسول معسرًا فترجع بها على الزوج؛ لأنه الذي أهلك المبيع، ويرجع بها الزوج على الرسول متى أيسر.
وعلى هذا يجري الجواب إذا كانت معينة وشهدت البينة بالوكالة على مائة، وأقر لها الرسول أنه عقد على مائتين، وإن أدرك قبل الدخول ورضي الزوج بمائتين أو رضيت بمائة وإلا فرق بينهما، ولا يمين للزوج عليها؛ لأنه لا

الجزء: 4 - الصفحة: 1834

علم عنده من باطن قولهما، وإن لم يعلم بذلك حتى دخل نظر إلى صداق مثلها هل هو مائة أو مائتان أو مائة وخمسون، حسب ما تقدم.

فصل [في ادعاء الزوجة خلاف ما قال الوكيل]

وإن ادعت الزوجة مائتين، وقال: الوكيل مائة مثلما شهدت به بينة الزوج - حلفت على ما قالت، وكان الزوج بالخيار بين أن يغرم مائتين أو يفارق.
فإن نكلت وحلف الرسول كان لها مائة، فإن نكل فرق بينهما، إلا أن يرضى الزوج بمائتين.
وإن لم يعلم حتى دخل وكان صداق مثلها مائة لم يكن لها على الزوج مقال، ولا على الرسول على المستحسن من القول.
وإن كان صداق مثلها مائتين حلفت واستحقت؛ لأن الرسول قد أتى بما لا يشبه، ثم يختلف ممن تستحق المائة الزائدة: فعلى قول ابن القاسم تستحقها من الرسول، وعلى قول عبد الملك تستحقها من الزوج.
وإن نكلت عن اليمين سقط مقالها مع الزوج؛ لأن يمينها مع الزوج يمين تهمة لا ترجع، ورجع مقالها مع الرسول؛ لأنها تدعي عليه التحقيق، فإن حلف برئ، وإن نكل غرم المائة الزائدة.

فصل [في تصديق البينة للزوجة]

وإن شهدت البينة للزوجة بمائتين، وقال الرسول: على ذلك وكَّلَنِي.
وقال الزوج: مائة.
ولا بينة له، حلف الزوج، وكانت بالخيار بين أن ترضى بالمائة أو تفارق، فإن نكل لزمته المائتان.
هذا فيما بينه وبين الزوجة؛ لأن يمينه لها يمين

الجزء: 4 - الصفحة: 1835

تهمة لا ترجع.
ويختلف: هل له أن يحلف الرسول؟ فقال أصبغ: يحلف الرسول، فإن نكل غرم المائة الثانية 318. وقال محمد: لا يمين عليه؛ لأنه لو أقر أنه تعدى أو افتأت عليه في الزائد ما كان على الرسول؛ لأنه لابد أن يحلف فيبرأ من كل شيء.
فإن رضي ونكل ألزم نفسه كل شيء مما على الرسول، قال: ولو كنت ألزم الرسول فنكل لكان له أن يرد اليمن على الزوج فقد نكل من أول 319. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما يمينه قبل الدخول فإنما يحلف أنه ما أمر بمائتين لا غير.
ويختلف في صفة يمينه بعد الدخول: فقال ابن القاسم في "كتاب محمد": يحلف أنه ما أمره إلا بمائة، ولا علم بما افتأت عليه إلا بعد الدخول.
فعلى هذا يصح أن يقال: لا يضر الرسولَ إقرارُهُ بالتعدي لما كان على الزوج أن يحلف أنه لم يعلم قبل الدخول 320. وإذا نكل سقط المقال عن الرسول؛ لأن يمين الزوج يمين تهمة فلا ترجع، ويصح أن يقال: لا يحلف أنه ما علم؛ لأنها يمين تهمة 321، ولا علم عند الزوجة من علمه ولا تدعي أنها بلغها ذلك عنه.
ولو اعترف الرسول بالتعدي قبل الدخول لغرم المائة الزائدة؛ لأن الزوج يقول: أنت أوجبت عليَّ يمينًا تعديًا منك، واليمين مما يشق على الناس فعليك غرم ما أدخلتني فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1836

وإذا أنكر الرسول قبل الدخول غرم الزوج لأجل نكوله ورجع المقال بينه وبين الرسول- لم يكن على الرسول يمين، كما قال محمد؛ لأنه يقول للزوج: أنت إنما بدأت باليمين (1) للزوجة، وإذا صار المقال بيني وبينك كنت أنا المبدَّى أني لم أتعدَّ، فإن نكلت رددت عليك اليمين، فإن نكلت لم يكن لك علي شيء وأنت قد نكلت.
ويصح قول أصبغ على أحد قولي ابن القاسم، إذا أمره مالك (2) أن يشتري له بدنانير فقال الآمر: قمحًا، وقال المأمور: تمرًا.
فقال ابن القاسم وغيره في "كتاب محمد": القول قول الآمر: أنه تعدى عليه ويغرمه (3). ولمالك في "المبسوط" في هذا الأصل مثل ذلك وقد مضى بسط ذلك في "كتاب الوكالات".

فصل [في علم الزوجة قبل الدخول بما عليه وكالة الزوج]

وإن علمت الزوجة قبل الدخول أن وكالة الزوج كانت بمائة ثم دخلت- لم يكن لها سوى مائة.
وإن لم تعلم وعلم الزوج أنها لم ترضَ إلا بمائتين كان لها مائتان.
وإن علما جميعًا وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه كان لها مائتان أيضًا؛ لأن الزوجة تقول: إني قد علمت ولم أرض أن أبيع سلعتي إلا بمائتين، وقد علم الزوج بما بعت 325 ورضي ودخل.
وإن علمت بعلمه ولم يعلم بعلمها كان322323324

الجزء: 4 - الصفحة: 1837

لها مائتان أيضًا؛ لأنها تقول: قد علمت أنه علم أني لم أرضَ إلا بمائتين.
وإن علم بعلمها ولم تعلم بعلمه فإن لها مائة؛ لأنها لما (1) علمت أنه افتُئِتَ عليه أباحت نفسها، ولا علم عندها من علمه لم يكن لها سوى ما رضيت به، ولا يضر الزوج علمه؛ لأنه يقول: قد علمت أنها لم تعلم بعلمي، كانت قد أباحت نفسها بمائة، فسكت لذلك.
وإن لم يعلم واحد منهما بعلم الآخر كان لها مائتان، هذا ظاهر الكتاب والقياس أن يكون لها مائة وخمسون؛ لأن علمها بانفرادها إذا لم تعلم بعلمه يوجب لها مائة، وعلمه بانفراده إذا لم يعلم بعلمها يوجب لها مائتين، فهي تقول: إنما رضيت بمائة ولا علم لي برضاه بمائتين ولو علمت ذلك لم أرضَ بمائة.
وهو يقول: رضيت بمائتين، ولا علم عندي برضاها بمائة.
ولو علمت ذلك لم أرض بمائتين، فيتساوى بثبوتها وبسقوطها، فوجب أن تقسم بينهما.

فصل [في رضا الرسول قبل الدخول أن يدفع الزيادة]

وإذا رضي الرسول قبل الدخول أن يدفع المائة الزائدة، وكره ذلك الزوج، وقال: إني أرد النكاح؛ لأني أكره مِنَّتَهَ- كان ذلك له، إلا أن يقول الرسول: لا أقصد بذلك منة عليه، وإنما أفعل ذلك لأن عليَّ وصمًا في فسخ عقدي، وأنا أفعل ذلك لنفسي.
أو يقول: إنما أفعل ذلك رغبة في الزوجة لما يدخل عليها من الفراق، أو حفظًا لما بيني وبين أبيها، وما أشبه ذلك- فيكون القول قوله، ولا يكون في ذلك للزوج مقال.326

الجزء: 4 - الصفحة: 1838

وهذا إذا كانت الوكالة على تزويج امرأة بعينها، أو غير معينة، وكان صداق مثلها مائة.
وإن كان صداق مثلها مائتين كان له أن يأبى من النكاح؛ لأنه يقول: مثل هذه المرأة تطلبني بلوازم مثلها، وفي ذلك ضرر لي.
فقد تكون ذات يسار وشرف وقدر، فليس نفقتها كنفقة غيرها.
ومثله لو رضيت الزوجة أن يحط الزائد.
فإن كانت الوكالة على نكاح امرأة بعينها لزمه، أو كانت بغير عينها وهي من مناكحه، وعلى مثلها وكل، لزمته، وإن كان على غير ذلك لم يلزمه.
قال مالك: وأما إذا قال المخاطب: هو أمرني أن أزوجه، أو هي أمرتني أن أزوجها، ثم قال الزوج منهما الحاضر 327: لا حاجة لي بنكاح من إذا قدم كان عليه بالخيار لم يكن ذلك له حتى يقدم الغائب، أو يقدم عليه.
فإن أقر لزمه، وإن أنكر لم يقبل منه إنكاره للوكيل بتوكيل من زوجه، حتى يحلف أنه ما أمره بعقد النكاح 328 ولا بعثه.
فإن حلف سقط عنه النكاح، قال: وإن أقر لهم الرسول بأن ذلك بغير أمره بعد النكاح لم يقبل قوله 329 حتى يثبت ذلك بأمر لاشك فيه، أو يقدم الغائب فيحلف.
قال ابن القاسم: وقال مالك: في امرأة زوَّجها وليها، وزعم أنها امرأته، ثم إن المرأة أنكرت ذلك لما بلغها، قال مالك: عليها اليمين.
فإن حلفت سقط عنها النكاح 330.

الجزء: 4 - الصفحة: 1839

قال عبد الملك بن حبيب: وقد كاشفت عن ذلك أصحاب مالك فقالوا: لا يمين عليها.
لأنها لو نكلت عن اليمين لم يلزمها نكاح، وإنما يلزم اليمين في كل شيء ممن إذا نكل عنها حلف الطالب وكان القول قوله، وهذا مما لا يرجع اليمين فيه؛ إذ يصير نكاحه إنما يثبت بدعواه.
وقال أشهب: قال مالك في امرأة أنكحها أخوها، ثم مات زوجها قبل أن يدخل بها، فزعم أخوها أنها لم تكن رضيت بالتزويج، فقال مالك: تسأل المرأة الآن أكانت راضية أم لا.
فإن قالت: نعم، فذلك لها 331.

الجزء: 4 - الصفحة: 1840

باب فيما تكون الفرقة فيه بفسخ أو طلاق

النكاح على خمسة: صحيح لا خيار فيه، وصحيح فيه خيار، وصحيح فيه خيار مختلف فيه، وفاسد مجمع على فساده، وفاسد مختلف فيه.
والفراق في الأول بطلاق حسب ما ورد به القرآن، ويفترق الجواب فيما فيه خيار، والخيار على ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان الخيار فيه قبل تمام العقد.
والثاني: بعد انعقاده لحق تقدم العقد.
والثالث: لحق حدث بعد العقد.
فإن زوج رجل بغير أمره، أو زوجت امرأة بغير أمرها، وعلم المعتدى عليه بقرب العقد- كان بالخيار بين الإجازة أو الرد، والرد ها هنا فسخ بغير طلاق؛ لأن النكاح لم يكن انعقد.
وإن انعقد النكاح، ثم ظهر لأحد الزوجين من الآخر عيب تَقَدَّمَ العَقْدَ يوجب الردَّ فرُدَّ- كان الفراق على قولين: فقال ابن القاسم: ذلك بطلاق.
وقال أبو جعفر الأبهري: إذا وجد الزوج المرأة مجنونة أو مجذومة فالرد يكون بغير طلاق.
وعلى هذا إذا كان العيب بالزوج، فاختارت الزوجة الفراق- أنه يكون فسخًا بغير طلاق؛ لأنه عيب تقدم العقد، فإنما يرد منهما بحق تقدم العقد، ولا يحتاج إلى إيقاع طلاق، ولا أن ينطق به.
فإذا قال أو قالت "رددت بالعيب" وقعت الفرقة، ولو قال الزوج: رددت بالعيب هي طالق.
لم يقع طلاق؛ لأنها بقوله: رددت في غير عصمة، ولو قال إذا رد بالعيب: هي طالق.
لوقع عليها الطلاق.

الجزء: 4 - الصفحة: 1841

ومن هذا الأصل ما اختلف فيه في الذي يوكل من يزوجه بألف، فزوجه بألفين، فلم يرضَ، ورد النكاح، فقال ابن القاسم: تكون فرقتهما طلاقًا 332. وذكر سحنون 333 عن غيره أنه قال: هو فسخ بغير طلاق، قال: وهو الذي أخذ به 334. ومن هذا عقد العبد بغير إذن سيده فيرد ذلك السيد، هل يكون برده بمنزلة من لم يعقد، أو يكون بمنزلة أمر طرأ على العقد؟ فاختلف في إحرامه بالحج إذا ترك ذلك سيده 335: فقال ابن القاسم: عليه القضاء متى أعتق، أو أذن له سيده 336. وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه 337. وهو أحسن؛ لأنه راد لحق تقدم العقد ففارق من فاته الحج؛ لأنه أمر طرأ على العقد بعد صحته.
ويختلف على هذا في نكاحه إذا رده سيده: فقال مالك وابن القاسم: يكون طلاقًا 338. وعلى قول الأبهري وغيره لا يكون طلاقًا 339. والقسم الثالث: أن يحدث العيب بالزوج بعد العقد، فيقوم بالفراق، فذلك طلاق بخلاف الأول؛ لأن هذا أمر حدث بعد العقد 340 وصحته، وكذلك

الجزء: 4 - الصفحة: 1842

الجواب إذا قامت بالفراق لعدم النفقة، أو لأنه أضر بها، أو اعتقت الأمة فاختارت الفراق، فالفرقة في جميع ذلك بطلاق؛ لأنه حدث بعد العقد.

فصل [في اختلاف خيار الولي]

وإذا كان الخيار يُختلف فيه كالتي تزوجت بغير إذن وليها، وكان الولي بالخيار في إجازته أو رده فرده- فإنه يكون بطلاق، لاختلاف قول مالك في ذلك.
فقال مرة: إن النكاح جائز، ولا مقال للولي فيه 341. ويصح أن تكون الفرقة في النكاح الصحيح، وإن كان بأمر طارئ كان فسخًا، إذا لم يكن ذلك بإيقاع من الزوجين 342، كملك أحد الزوجين الآخر، والرضاع ونكاح الأم على البت 343، وما أشبه ذلك.
واختلف في ارتداد أحد الزوجين: هل هو فسخ أو طلاق؟ ويلزم على القول أنه طلاق أن يكون 344 ملكُ أحد الزوجين الآخر طلاقًا.
وأرى أن يكون ارتداده فسخًا، وارتدادها طلاقًا؛ لأن الطلاق للرجال، فإذا ارتد كان كافرًا، والكافر لا يقع عليه طلاق، وإذا ارتدت وقع عليه الطلاق؛ لأنه مسلم.
واختلف في اللعان، فقيل: فسخ، وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يلاعن في الحيض؛ لأنه طلاق.

الجزء: 4 - الصفحة: 1843

قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا إنما يحتاج إليه على من قال إنه إذا أكذب نفسه بعد اللعان، أنه له أن يتزوجها، فترجع إليه على نكاح مبتدأ على قول من قال: إنه فسخ.
وعلى القول: إنه طلاق ترجع إليه (1) على طلقتين بقيتا له فيها.

فصل [في النكاح الفاسد]

وإذا كان النكاح فاسدًا مجتمعًا عليه 346، كانت الفرقة فسخًا، وسواء طلق بنفسه أو طلق عليه 347. وإن كان مختلفًا في فساده كان فيه قولان، فقال مالك مرة: يكون فسخا؛ لأنهما مغلوبان على فسخه 348. ومرة جعله 349 طلاقًا مراعاة لقول من أجازه 350، وسواء كان الفساد من قِبَل العقد أو الصداق، أو منهما جميعًا، فالمجمع عليه: النكاح في العدة، ونكاح الأخت على الأخت، والمرأة على عمتها أو على خالتها، ونكاح البنت على الأم قبل أن يدخل بالأم، فإن فارق الأم تزوج البنت على نكاح مبتدأ، فكل هذه الفرقة فيه فسخ.
ومن الفاسد من قبل عقده: المرأة يزوجها غير ولي أو تزوج نفسها، ونكاح المحرم.
ومن المختلف فيه: ومن أيده فساده من قبل الصداق أن يتزوج بتمر 351 لم يبدُ صلاحه، أو بعبد آبق، أو نكاح الشغار.345

الجزء: 4 - الصفحة: 1844

ونكاح المريض مختلف فيه ومن يفسده، فجعل الفساد من قبل العقد لأنه لا ميراث فيه، ومن قبل الصداق؛ لأنه يصح تارة فيكون من رأس المال، أو يموت فيكون في الثلث، ولا يدري ما يحمل الثلث منه.

فصل [في الصداق]

وأما الصداق: فإن فسخ قبل الدخول أو طلق قبل الفسخ فلا شيء عليه 352، وإن دخل كان لها صداق المثل، وإن كان فساده من قبل صداقه، أو من قبل عقده وصداقه.
واختلف إذا كان الفساد في العقد وحده؛ هل يكون لها المسمى، أو صداق المثل؟ وشرح ذلك في الكتاب الثاني.
وذكر العدة في 353 النكاح الفاسد في الحياة، وبعد الموت مذكور في كتاب العدة.
وقال ابن القاسم: إن تزوجت بغير ولي، ثم طلق الزوج قبل أن يجيز الولي وقع طلاقه عليها.
فإن مات أحدهما كان بينهما الميراث، وقال: وإن اختلعت منه على مال دفعته إليه، ثم أتى الولي، فقال: لا أجيز عقده، كان الخلع جائزًا ولم يرد؛ لأن طلاقه وقع عليها بما أعطته 354. وقد اختُلف في المرأة تزوجت بولاية الإسلام مع وجود ولاية النسب، فقال مالك مرة: النكاح باطل 355، ولا مقال للولي.
وقال مرة 356: النكاح

الجزء: 4 - الصفحة: 1845

صحيح، وفيه حق لآدمي، وهو الولي، فيجيز، أو يرد 357. وقيل: النكاح 358 فاسد لحق الله تعالى.
فعلى القول الأول يرث بعضهم بعضًا.
واختلف في القول الثاني أن له أن يرده، فقال ابن القاسم: يرث بعضهم بعضًا 359. يريد: لأن حق الولي يسقط بموتها؛ لأنه لم يبق بيده ما ينظر فيه.
وإن مات الزوج لم يكن له أن يمنعها الصداق والميراث؛ لأن ذلك ضرر عليها.
وقال محمد: إن مات الزوج ورثته، وإن ماتت هي كان للولي أن يمنعه الميراث؛ لأنه يقول لم أكن أجيز.
وهذا يصح على من قال: إن للولي رد النكاح وإن كان صوابًا.
كما قال في التي من الموالي تزوجها 360 رجل قرشي.
وفي كتاب ابن المواز: أن الولي إنما يرد إذا لم يكن إمضاؤه من حسن النظر.
فعلى هذا ينظر فيه إن ماتت؛ فإن كان ممن ليس للولي أن يرده؛ لأنه صواب- كان الميراث بينهما، وإن لم يكن صوابًا كان له أن يفسخ في الحياة، وإن ماتت قيل له: هل كنت تجيز أم لا؟ ومن قال: إن فيه حقًّا لله -عز وجل-، وإنه فاسد- لا يكون بينهما ميراث إلا على مراعاة الخلاف.
وقال ابن القاسم: إذا كان النكاح مغلوبين 361 على فسخه فقذفها لاعَن 362. وإن ظاهر منها لم يلزمه إلا أن يريد أن يتزوجها بعد ذلك.
وإن آلى منها لزمه؛ لأنه

الجزء: 4 - الصفحة: 1846

لو آلى من أجنبية لزمه.
فالإيلاء واللعان يستوي فيهما ما أجمع على فساده واختلف فيه، ولا يلزم الظهار إلا في المجمع عليهما (1)، ويختلف في المختلف فيه، فمن ألزم الطلاق ألزمه الظهار، ومن لم يلزم الطلاق لم يلزمه الظهار.

فصل [زواج العبد بغير إذن السيد]

وإن تزوج عبد بغير إذن سيده كان للسيد أن يفسخه أو يجيزه.
وقال أبو الفرج: القياس أن يفسخه؛ لأنه نكاح انعقد على خيار.
وقال ابن القاسم: فيمن صرف خلخالين فاستحقَّا، فأجاز المستحق الصرف فيهما- جاز 364، وقال أشهب: القياس أنه مفسوخ؛ لأنه صرفٌ فيه خيار 365. والأول أبين في السؤالين جميعًا؛ لأنهما دخلا على البتِّ.
وأختلف إذا رد النكاح: فقال مالك: يكون رده طلاقًا 366. وعلى ما قال أبو جعفر الأبهري يكون فسخًا؛ لأنه يرده لحق تقدم العقد.
وإذا كان طلاقًا كان حمله عند مالك إن لم ينو عددًا على واحدة.
واختلف قوله إذا طلقها طلقتين: فقال مرة: ذلك له، وقال مرة: لا يلزمه إلا واحدة؛ لأن الواحدة تبينها ويفرغ له عبده 367. وهو أحسن؛ لأن مقال363

الجزء: 4 - الصفحة: 1847

السيد في دفع الضرر والواحدة تدفع الضرر.
واستحسن أن تكون له الرجعة إن أعتق في العدة.
وقد قال مالك: مرة في الأمة تعتق وزوجها عبد، فتختار نفسها، ثم يعتق زوجها في العدة: أنه له الرجعة، وكذلك إن مكَّنه السيد من الرجعة، ولم يعتق فله أن يرتجع 368. وإن لم يَرُدَّ السيد نكاحه حتى أعتقه مضى نكاحه، فإن مات السيد كان ورثته بالخيار في الإجازة أو الرد، وإن باعه كان للمشتري أن يجيز، وليس له أن يرد النكاح، وله رد البيع عن نفسه.
قال ابن القاسم: وإن رجع العبد إلى البائع كان له رد النكاح 369. وأرى إن أراد البائع رد النكاح قبل أن يرد عليه - أن يكون ذلك له، وللمشتري أن يرد البيع، وأن يسقط النكاح؛ لأن تزويجه بغير إذن سيده عيب يخشى أن يعاود مثل ذلك.
وقد حمل بعض أهل العلم قول ابن القاسم في "المدونة" أن ليس للبائع أن يرد النكاح وهو في ملك المشتري، وقوله في 370 ذلك محتمل، والقياس أن ذلك له إذا رضي المشتري بعيب تعديه في النكاح خاصة.
ولو كانت أمة تزوجت بغير إذن سيدها فسخ النكاح وإن أجازه السيد، وكذلك إن أعتقت، أو صارت إلى ورثة السيد فأجازوا، أو بيعت فأجاز المشتري؛ لأنه نكاح فاسد، فإن رضي المشتري بعيب تعديها في النكاح لزمه الشراء؛ لأن النكاح يفسخ لحق الله تعالى.

الجزء: 4 - الصفحة: 1848

وكذلك الأَمَةُ بين الشريكين يزوجها أحدهما بغير وكالة الشريك فهو فاسد يفسخ وإن أجازه الآخر، وأما الصداقُ فإن دخل بها وأجاز الآخر النكاح كان لها المسمى.
واختلف إذا لم يجز، وكانت تزوجت بعشرين، وصداق مثلها ثلاثون.
فقال ابن القاسم: يكمل للغائب نصف صداق المثل 371. وقال فضل بن سلمة: يكمل لها صداق المثل؛ لأنه مال من مالها لا يقسم إلا بالتراضي.
وقول أشهب: لا يزاد على المسمى.
وإذا أكمل الصداق على أحد الأقوال نظرت؛ فإن كان الزوج عالمًا أن فيها شركًا لغير من زَوَّجه لم يكن له 372 على الذي زوجه مقال في العشرة التي أكمل بها الصداق؛ لأن خمسة منها للغائب، وخمسة أكملت لحق الغائب؛ لأنه لا يقسَّم إلا بالتراضي.
فإن عتقت بعد ذلك تبعها مالها، ولم يرجع الزوج عليها، ولا على الشريك بشيء.
وإن بيعت بغير مالها أخذ الزوج خمسة، وهي التي تنوب الحاضر، وإن بيعت بمالها كان له الأقل من خمسة، أو نصف 373 ما زاد المال في ثمنها.
وإن ماتت أخذ خمسة من نصف الحاضر إلا أن ينقص المال.
فإن وجد لها عشرون كان له ثلاثة وثلث، وهو ثلث العشرة التي تنوب الحاضر؛ لأن الخمسة العاجزة مفضوضة عليها.
وكل هذا إذا كان الزوج عالمًا بالشريك، فإن لم يعلم كان له أن يرجع على من زوجه بجميع المسمى إن أجاز الغائب، وبجميع صداق المثل إن لم يجز.

الجزء: 4 - الصفحة: 1849

وقيل: يرجع بما غرم إلا نصف ربع دينار.
والأول أحسن؛ لأن الأصل أنه متى كان الغرور من غير الزوجة، وكان من الولي أن يرجع الزوج بجميع 374 ما غرم؛ لأن الصداق بيد الزوج، وإنما يترك ربع دينار إذا كان الغرر منها، وانتزع منها ما قبضت فيترك لها ربع دينار.
وقول ابن القاسم في قسمته إذا دعا إلى ذلك أحدهما 375 أحسن لوجهين: أحدهما: أن الصحيح من القول 376 في الصداق أنه ليس بمالها إلا 377 لحق الزوج في أن يجهز به، فإذا سقط مقال الزوج؛ لأن النكاح فسخ - كان مالًا للسيد؛ لأن الصداق إما أن يكون ثمنًا للمنافع أو ثمنًا للرقاب، وأي ذلك كان فإنه حق للسيد بخلاف مالها.
والوجه الآخر أن هذا في معنى الجناية عليها، لما زوجت بغير رضا الغائب.
وإن كان عبدًا بين شريكين زوَّجه أحدهما بغير وكالة من الآخر، فإن أجاز ثبت النكاح بخلاف الأَمَة، وإن فسخ أخذ من الزوجة جميع ما أصدقها العبد.
قال مالك: إلا قدر ما تستحل به 378. وقد قيل: لا يترك لها شيء؛ لأنه من باب الاستحقاق.
فإن علمت الزوجة بالشريك لم ترجع على 379 زوجها منه بشيء، ويترك الصداق بيد العبد، فإن اقتسماه رجعت الزوجة على الحاضر بنصيبه من الصداق، وإن غرها ولم يعلمها أن فيه شركًا لغيره رجعت على الذي غرها بجميع الصداق.
وإن كان عديمًا بيع له 380 نصيبه من العبد، ولها أن تتبع العبد

الجزء: 4 - الصفحة: 1850

في ذمته متى عتق، إلا أن تسقط من ذمة (1) السيد الآخر.

فصل [في زواج السفيه بغير إذن وليه]

وإذا تزوج سفيه بغير إذن وليه وابتنى 382 نظر فيه وليه؛ فإن كان حُسْنَ نظرٍ أمضاه، وإلا ردَّه 383. واختلف إذا رده في الصداق على أربعة أقوال: فقال مالك: يترك لها ربع دينار.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": لا يترك لها شيئًا 384. وقال ابن القاسم في "كتاب محمد": يجتهد في الزيادة لذات القدر 385. وقال أصبغ: يزاد ما يرى ولا يبلغ بها 386 صداق مثلها، ولا مذهب 387 صداق 388. يريد: إذا غرها فهو غرور شاركه إِذْنٌ منها 389. واختلف هل تكون جناية، فيكون لها المسمى ما لم يكن أكثر من صداق المثل، أو لا تكون جناية لما شاركه إِذْنٌ منها؟ فيكون لها ربع دينار، فلما ترجح عندها الأمر: هل هي جناية أم لا؟ جعلا الأمر فيه شبيهًا بالقسمة.
وإن علمت أنه سفيه كان لها ربع دينار لا أكثر.381

الجزء: 4 - الصفحة: 1851

واختلف إذا لم يعلم الولي حتى مات السفيه أو ماتت الزوجة.
فقال ابن القاسم في "كتاب محمد": إن ماتت الزوجة كان النظر إلى الولي على حاله؛ فإن رأى أن يثبت النكاح ويأخذ الميراث كان ذلك له، وإن رأى أن يرد ويترك الميراث ردَّ 390. وإن مات الزوج فلا ميراث 391 لها 392. يريد لأن نظر الولي 393 زال بموت اليتيم.
وقال أصبغ: إن مات 394 نظر، فإن كان تزويجه غبطة كان لها الصداق والميراث، وإن لم يكن كذلك فلا صداق لها 395 ولا ميراث، وإن مات الزوج كان لها الميراث، وينظر في الصداق؛ فإن كان النكاح نظرًا كان لها الصداق مع الميراث، وإن كان مما يرد فلا صداق لها ولها الميراث.
وإن كان قد مس كان لها ربع دينار 396. وجوابه حسن إلا قوله: إن مات الزوج ولم تكن غبطة أن لها الميراث.
فقول ابن القاسم فيه أحسن: ألا ميراث ولا صداق إن لم يكن دخل، فإن دخل كان لها ربع دينار.
وإن تزوج الصبي بغير إذن وليه أو وصيه كان الأمر فيه إلى من ينظر له من أب أو وصي؛ فإن كان صوابًا أمضاه، وإلا رده.
قال ابن القاسم: ولا شيء لها من الصداق، وإن دخل 397. يريد: لأن إصابته كلا شيء.

الجزء: 4 - الصفحة: 1852

باب فيمن قال: إن مت من مرضي فقد زوجت ابنتي من فلان، أو قال: زوجوها من فلان أو قال ذلك في صحته وفي المرأة توكِّل من يزوجها ثم تعزله

وإن قال: إن مت من مرضي فقد زوجت ابنتي من فلان - جاز، ويوقف فلان على القبول أو الرد، وإن كان صغيرًا وقف وليه.
وقال سحنون: إنما يجوز ذلك إذا ابتدأ 398 النكاح بالقرب.
وقال فيمن زوج بغير أمره وكان غائبًا على مثل القلزم، فقيل: جائز، وإن كان على مثل الإسكندرية لم يجز.
وقيل: يجوز وإن بعد، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك 399. وإن قال: إن مت فزوجوا ابنتي من فلان، جاز قَرُب ذلك أو بَعُد؛ لأن النكاح في المسألة الأولى من الميت بقوله فقد زوجت، وفي هذه النكاح من الوكيل على التزويج.
وقال أصبغ في "كتاب محمد": إذا قال: إذا مت فزوجوا ابنتي من فلان بعد عشر سنين - فذلك جائز لازم لها، وكذلك إن قال بعد بلوغها: إذا فرض فلان صداق مثلها، وليس لها ولا للوصي أن يأبيا ذلك إذا طلبها من سماه الأب ويحكم له به 400 الحاكم 401. واختلف إذا قال في صحته: إن مت فقد زوجت ابنتي من فلان،

الجزء: 4 - الصفحة: 1853

فأجازه أشهب 402. وقال ابن القاسم: لا يجوز إلا أن يوصي 403 به في المرض 404. قال محمد: وهو أصوب؛ لأنه 405 إذا كان في الصحة فكأنه إلى أجل، ولعل ذلك يطول كالذي يقول إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان 406. والأول أحسن؛ لأن محمل الوصية بذلك بعد 407 الموت على أحكام الوصايا، فالموصي بالخيار، وله أن يغير وصيته، وليس كالذي يقول إذا مضت سنة فقد زوجت؛ لأن محمله على البت وذلك فاسد.
وقال ابن القاسم فيمن قال: إذا مضى هذا الشهر فأنا أتزوجك، ورضي وليها: فالنكاح باطل 408. يريد إذا التزمت 409 ذلك إذا مضى الأجل؛ لأنه نكاح فيه خيار للزوج؛ لأن قوله: أنا أتزوج إذا مضى الشهر- ليس بالتزام له.
فإن قال: أنا أتزوجك، وقالت هي أو وليها: وأنا أتزوجك - كانت مواعدة، ومواعدة من ليست في عدة جائزة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1854

فصل [في توكيل المرأة للرجل يزوجها]

وقال ابن القاسم في امرأة وكلت رجلًا يزوجها، فقال بعد ذلك: قد زوجتك.
وقالت: لم تزوجني، فالقول قول الوكيل إذا صدَّقه الزوج 410. يريد: إذا قالت لم تزوجني ولم تعزله، وكذلك إن قال: زوجتك.
فقالت عند ذلك: قد عزلتك.
ويختلف إذا تقدم قولها: عزلتك.
فقال عند ذلك: كنت زوجتك.
هل يسقط قوله لتقدم عزله إلا أن يثبت قوله 411 ببينة، أو يكون القول قوله؟ وهو أحسن؛ لأنها جعلت ذلك إليه ومضى ليعقد 412 ولا تعلم هل فعل أم لا إلا من قوله.
وإن وكلته على أن يزوجها ففعل لم يكن له قبض الصداق؛ لأن الوكالة على التزويج تتضمن العقد خاصة، فهو بالعقد مزوج والزوجة تقبض الصداق، وتسلِّم العوض.
وكذلك من وُكِّل على بيع سلعة، ولم يسلمها للوكيل، فهي وكالة على العقد، وصاحبها يقبض الثمن، ويسلم السلعة.
وإن وكلته على التزويج وقبض الصداق فقال: قبضته 413 وضاع - لم يصدق إلا أن يقيم بينة على القبض، فيقبل قوله في الضياع؛ لأنها وكالة على شيئين؛ على عقد وعلى قبض دين 414، لما كانت الوكالة على التزويج لا تتضمن

الجزء: 4 - الصفحة: 1855

قبض الصداق.
وقال ابن وهب وأشهب في "كتاب محمد": إن قال الأب في صداق البكر: ضاع مني؛ قُبِلَ قوله إن قبضه ببينة، وكذلك الوصي، ويدخل بها الزوج، وإن كان القبض بغير بينة فلا دخول له إلا بدفعه.
قال ابن وهب: ولا ضمان على الأب.
قال ابن القاسم: وإن قال 415: جهزتها به حلف وبرئ، إلا أن يتبين كذبه.
وإن قال: دفعته إليها عينًا 416 ضمن؛ لأن البكر لا يدفع إليها العين 417.

الجزء: 4 - الصفحة: 1856

باب في نكاح المتعة، والنّهارية، ومن أحل أمته، والنكاح على خيار، وفي هزل النكاح

نكاح المتعة محرم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ 418، وَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا".
أخرجه مسلم 419. وقال سلمة بن الأكوع: "رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها" 420. وقد تضمن هذان الحديثان تقدم الإباحة ثم النسخ.
وقال عمر - رضي الله عنه -: لو كنت تقدمت في ذلك لرجمت 421. وثبت عن ابن عباس رجوعه عنها 422.

الجزء: 4 - الصفحة: 1857

وقال عروة: هو الزنا الصراح 423. وقيل: ليس بزنا وما أحل النبي - صلى الله عليه وسلم - الزنا 424 بحال.
ونكاح المتعة: ما وُقِّت بأجلٍ؛ يومٍ أو شهرٍ أو سَنَةٍ، بشرط من المرأة أو الرجل يفسخ قبل الدخول وبعده بغير طلاق.
ويختلف في الصداق هل لها المسمى أو صداق المثل.
والمسمى أحسن؛ لأن الفساد في العقد لا في الصداق.
ولو قيل: صداق المثل إلى المدة التي ضرباها؛ لكان وجهًا، فيقوم على الوجه الفاسد كما 425 لو كان يجوز كما تُقَوَّم الثمرة والزرع على مستهلكه، ولا تعطى صداق المثل كالمؤبد، وإنما يقوم المبيع على قدر ما بيع منه، فليس بائع بعض منافعه 426 كمن باع جملة منافعه.
وإن تزوج المسافر امرأة ليستمتع بها ويفارقها إذا سافر كان نكاحه على ثلاثة أوجه: فإن شرطا 427 ذلك كان فاسدًا، وهو نكاح متعة.
واختلف إذا فهمت ذلك ولم يشترطا 428. قال محمد: النكاح باطل وهو متعة.
وروى ابن وهب عن مالك جوازه، فقال: إنما يكره الذي ينكحها على ألا يقيم، وعلى ذلك يأتيها.
وروى عنه أشهب أنه قال: إن أخبرها قبل أن = نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المتعة آخرا، من كتاب النكاح برقم (4825).

الجزء: 4 - الصفحة: 1858

ينكح، ثم أراد إمساكها فلا يقيم عليها، وليفارقها فالأول شرط، والثاني فهمت عنه، والثالث أخبرها، فهو شبيه بالشرط.
وقال مالك: إن تزوج من تزوج 429 لعزبة، أو هوى ليقضي إربه ويفارق فلا بأس، ولا أحسب إلا أن من النساء من لو علمت بذلك ما رضيت 430. فأجرى الأول مجرى المتعة وإن كانا دخلا على أن فيه طلاقًا بيد الزوج؛ لأن 431 من حق المرأة إذا أتى سفره أو ذهب قدره وأراد 432 الإقامة - أنها تقوم بالفراق؛ لأنها تقول: لم أبع إلا منافع مدة معلومة؛ فلا حق عليّ في غيرها.
وليس كذلك إذا فهمت ذلك من غير شرط؛ لأن المرأة ترجو أن تحسن عنده وتوافقه، فلا يفارقها، وكذلك الزوج يقول: إن اطلعت على ما يغتبط به أمسكت.
وكذلك إن تزوجها لهوى فإن شرط وأعلمها أنه يقصد وقتًا، ثم يفارق فسد، وإن فهمت، أو كتمها جاز.
قال مالك: وبالعراق النهارية تتزوج على أن لا تأتيه، أو لا يأتيها إلا نهارًا، أو لا تأتيه إلا ليلًا، فلا خير فيه.
وقال ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل، فإن دخل ثبت ولها صداق المثل، ويسقط الشرط، وعليه أن يأتيها ليلًا ونهارًا 433. وفارق عنده نكاح المتعة وإن دخل على أنه يصيب في أحد الزمنين؛ لأنه دخل على أن ذلك بيده حتى يموت، أو تموت، أو يطلق.

الجزء: 4 - الصفحة: 1859

فصل [في عدم إحلال رجل جاريته لرجل]

ولا يحل لرجل أن يحل جاريته لرجل.
واختلف إذا فات ووطئ، فقال مالك: يدرأ فيه الحد، وتقوم عليه الجارية يوم (1) وطئ، حملت أو لم تحمل (2). وقال ابن كنانة في "كتاب المدنيين": ترد إن لم تحمل.
وقال عيسى بن دينار: وهو أحب إليّ.
يريد: لأنه إنما وهب (3) منافع، وأبقى الرقبة على ملكه، ولم يخرجها عن ملكه، لا على وجه الهبة، ولا على وجه البيع.

فصل [نكاح خيار المجلس]

النكاح على خيار المجلس وَبَعْدَ الافتراق فيما قرب - جائزٌ، وهو في هذا أوسع من الصرف.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد": إن شرط مشورة فلان الشيء القليل وهو حاضر البلد يأتيانه 437 من فورهما - جاز 438. ويختلف إذا كان الخيار لهما، أو لأحدهما اليوم واليومين والثلاثة، فمنعه في المدونة وقال: لأنهما لو ماتا قبل أن يختار 439 لم يتوارثا 440.434435436

الجزء: 4 - الصفحة: 1860

وعلى القول بإجازة الخيار في الصرف يجوز في 441 هذا، والنكاح في هذا أوسع من الصرف؛ لأن المنع عنده خوف الموت، ومراعاة الموت في خيار الثلاثة الأيام من النادر، والنادر لا حكم له، وأيضًا فإن النكاح غير منعقد حتى يمضي؛ فلم يضر عدم الميراث.
ويجوز على تعليله بالخيار إذا كان الزوج عبدًا أو كانت هي أَمَة؛ لأنه لا ميراث بينهما لو كان منعقدًا وإن كان الخيار في الصداق، فقالت: أتزوجك على أحد هذين العبدين إن شئت أو أردهما 442؛ لم يجز وعاد الأمر إلى ما تقدم من نكاح الخيار.
وإن كان قد وجب أحدهما ويرد الآخر جاز إذا كان الخيار للمرأة.
واختلف إذا كان الخيار للزوج؛ فمنعه ابن القاسم، وأجازه سحنون في النكاح والبيع.
وأرى أن يجوز في النكاح؛ لأنه مما أَصْلُهُ المُكَارَمَةُ، ويجوز فيه من الغرر في الصداق ما لا يجوز في البيع، وإن أوجب الصداق، وشرطا 443 إن لم يأت به لوقت كذا فلا نكاح بينهما - كان فاسدًا؛ يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده وهذا، إذا عقد على أنها ليست بزوجة إلا بإحضار الصداق، وهو نكاح خيار انعقد عليها دونه، فإن أحب أتاها بالصداق وطالبها بالتمام، وإن كره لم يُحضِره.
ويختلف إذا عقد على أنهما زوجان من الآن فإن لم يأت بالصداق، ذهبت بنفسها: هل يسقط العقد، أو يثبت ويسقط الشرط؟ والخيار يفسد 444 النكاح إذا دخلا عليه.
واختلف إذا دخلا على البت، وكانت الأحكام توجب الخيار، كنكاح

الجزء: 4 - الصفحة: 1861

العبد بغير إذن سيده، وقد تقدم.
ومن نكح على خيار فُسِخَ قَبْلُ.
واختلف قوله إذا دخل هل يثبت أو يفسخ؟ وأرى أن يمضي.
ويُختلف في الصداق هل يكون المسمى أو المثل؟ والمسمى أحسن؛ لأن الفساد في العقد ليس في الصداق (1).

فصل [في هزل النكاح والطلاق]

وقال ابن القاسم: هزل النكاح والطلاق لازم، فلو خطب رجل امرأة، ووليها حاضر وكانت فوضت ذلك إليه فقال: قد فعلت، أو كانت بكرًا، وخطبت إلى أبيها فقال: قد أنكحت، فقال: لا أرضى لزمه النكاح، بخلاف البيع؛ لأن سعيد بن المسيب قال: ثلاثة هزلهن جد: النكاح، والطلاق، والعتق 446. وقد روى علي بن زياد عن مالك في "السليمانية" أنه قال: نكاح الهزل لا يجوز.
وقال سليمان: إذا علم الهزل لم يلزم عتق، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق 447 وإن لم يعلم فهو جائز.
وهو أبين لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
. ." 448. فإن قام دليل الهزل - لم يلزم العتق، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق.
وإن لم يقم دليل لذلك لزمه نصف الصداق ولم يمكَّن 449 منها لإقراره على نفسه ألا نكاح بينهما.445

الجزء: 4 - الصفحة: 1862

باب ما يستحب من إعلان النكاح وحكم من أسرَّه

إعلان النكاح مندوب إليه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي المَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ" 450. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ" 451. اجتمع على 452 هذين الحديثين الترمذي والنسائي 453. وإعلان النكاح يكون بالذكر واللعب والوليمة.
وقال مالك في "كتاب محمد": لا بأس بالدُّفِّ والكَبَرِ 454. وقال أصبغ: لا يعجبني المزهر 455 وهو المربع، وإن كان وحده، فهو أحب إليّ، وإن كان معه الكَبَرُ، فلا يكون معهما غيرهما.
وقال ابن حبيب: أرخِّص في العرس: إظهار الدف والكبر والمزهر، وكره أصبغ الغناء إلا بما قالته الأنصار، وكره جميع ذلك في غير العرس 456.

الجزء: 4 - الصفحة: 1863

فصل [في استحباب الوليمة قبل البناء]

وتستحب الوليمة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" 457. والوليمة قبل البناء، وبعده واسع، وقد أَوْلَم النبي - صلى الله عليه وسلم - على زينب وصفية بعد البناء 458. محمد: قال مالك: وكان ربيعة يقول: إنما تستحب الوليمة لإثبات النكاح، وإظهاره؛ لأن الشهود يهلكون 459. وإتيان الدعوة على ثلاثة أوجه: واجب، ومستحب، ومباح.
فإن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا ومن يعلم أنه يحدث لتأخره عداوة وتقاطع - كان واجبًا.
وإن كان على غير ذلك، ولم يأت من الناس ما يقع به إشهار النكاح كان مندوبًا، وإن كان قد أتى ما وقع به إظهار النكاح كان ما بعد ذلك مباحًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 1864

وإن لم يعينه من له الوليمة كان أبين.
قال مالك في "كتاب محمد": لا بأس أن يقول الرجل للرجل: ادع لي من لقيت ولا بأس على من دُعي على مثل ذلك أن لا يأتيها؛ لأنه لا يعرفه، ولم يتعمده بنفسه 460. يريد: لأن يأخذ من لا يعرف لا يقع منه شنآن ولا تقاطع.
قال مالك 461: ويكره لأهل الفضل أن يجيبوا إلى الطعام يُدْعَوْن إليه.
قال محمد: يريد في غير العرس 462. وأرى إن كان الداعي من أهل الفضل أيضًا، كالفقيهين تكون لأحدهما وليمة، والعابدين، والفقيه والعابد؛ فيستحسن ألا 463 يأتيه، إلا أن يخاف في تخلفه التقاطع والشنآن، فلا يسعه التخلف.
وقال مالك في الحديث: "وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" 464، وذلك في العرس خاصة؛ لإفشاء النكاح، فيجيب وإن لم يأكل، ويجيب وإن كان صائمًا.
وأرى إن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا؛ فإن العرس وغيره سواء.
وإن كان على غير ذلك افترق العرس عن غيره؛ لما ندب إليه من إعلان العرس ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَليمَةِ" ثم قال: "فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ

الجزء: 4 - الصفحة: 1865

فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" (1). والوليمة عند العرب: طعام العرس، وطعام الختان: إعذار.
وطعام القادم من سفره: النقيعة.
وطعام النفساء: الخُرسُ، وكل طعام صنع لدعوة فهو (2) مَأْدُبَة.
وأما قوله: إذا أتى وهو مفطر لا يطعم، فالذي في الحديث أن يطعم.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "فَلْيَأْتِ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ" (3). ولو جعل ذلك على صفة المدعو كان حسنًا.
فأما الرجل الجليل فلا بأس ألا يطعم؛ لأن المراد منه (4) أن يتشرف بمجيئه.
وإن لم يكن بتلك المنزلة، وكان ممن يرغب في أكله، ويحدث الوحشة في النفوس إن لم يفعل- فاتباع الحديث أولى.

فصل [في نكاح السر]

روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن نكاح السر 469، واختلف في صفته.
فقيل: هو ما أمر الشهود بكتمانه، وإن كثروا، فإن قيل لهم: اكتموه يومين، أو ثلاثة أو اكتموه في منزل الذي نكح، وأظهروه في غيره، أو أظهروه في منزله 470 واكتموه في غيره، أو اكتموه من امرأة له أخرى - فهو نكاح سر.
وقيل: هو ما عقد بغير465466467468

الجزء: 4 - الصفحة: 1866

بينة، أو شهادة 471 امرأة أو رجل وامرأة.
قال يحيى بن يحيى في "كتاب ابن مزين": لا يكون السر إلا في مثل هذا، وهو الذي وقع في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 472 قال: فأما إذا شهد فيه رجلان عدلان فهو حلال وإن استكتم الشهود؛ لأنه إذا علمه عدلان فصاعدًا - لم يسر، وإن أمر الشهود بالكتمان بعد العقد فهو صحيح، ويؤمروا ألا يكتموه.
واختلف بعد القول بمنع ما عقد بشاهدين على الإسرار إذا نزل 473. فقال ابن الجلاب: يعلن في ثاني حال ولا يفسخ 474. وقال ابن حبيب: يفسخ بطلقة، إلا أن يتطاول فلا يفسخ، قال: وهو قول مالك وأصحابه.
وقال مالك في "المبسوط": يفرق بينهما بطلقة، ولها صداقها إن كان أصابها، ففسخه بعد الدخول.
وأرى أن يمضي بالعقد، ومحمل الحديث على الندب، كالأمر بالوليمة والضرب 475 بالدف، فإنما لم 476 يفسد إذا أخل بهذين، فكذلك لا يفسد إذا أخل بهذا، والاتفاق على أنه إذا عقد بشاهدين ولم يأمر 477 بالكتمان؛ أنه جائز مع كونه خارجًا عن الإعلان المندوب إليه، ومفهوم الحديث: "أَعْلِنُوهُ وَاجْعَلُوهُ فِي المَسَاجِدِ" 478 ألا يقتصر على شاهدين، وهو بعد ذلك صحيح بغير خلاف.

الجزء: 4 - الصفحة: 1867

باب الشروط في النكاح وما يكره منها

الشروط في النكاح على أربعة أوجه: جائز، ومكروه، وفاسد، ومختلف فيه.
فالأول: أن تشترط ألا يضر بها في نفسها ولا في نفقة، ولا كسوة، ولا عشرة، فكل ذلك جائز وداخل في قوله -عز وجل-: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229]. والثاني: أن تشترط 479 أن يسقط ما تقتضيه له حقوق الزوجية: أن لا يخرجها من بلدها 480، ولا يتزوج عليها، ولا يَتَسَرَّى، ولا يذكر في ذلك عتقًا ولا طلاقًا - فهذا مكروه؛ لأن فيه ضربًا من التحجير عليه، فإن نزل ذلك - جاز النكاح.
اختلف في الوفاء بالشرط؛ فقال مالك: الشرط باطل؛ وله أن يخرجها، ويتزوج ويتسرى عليها.
ويستحب أن يفي بذلك من غير شرط.
وقال ابن شهاب في كتاب محمد 481 ذلك واجب، وإن لم يكن فيه عهد 482، قال: وكان من أدركته من العلماء يقضون بذلك، ويوجبون كل شرط كان عند النكاح لم يحرم، ويقضون به.
وهو أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَقَّ الشَّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهَا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" أخرجه البخاري ومسلم 483.

الجزء: 4 - الصفحة: 1868

والثالث: أن تشترط طلاقًا أو عتقًا، أو تمليكًا فتقول: إن تزوجت عليَّ أو تسررت عليَّ فأنا طالق، أو تلك طالق، أو السرية عتيقة، أو أمري بيدي، أو أمر التي تتزوج، أو تتسرى 484 عتقها بيدي؛ فهذا شرط لازم، فيقع الطلاق، والعتق، ويلزم التمليك، وهذا في كل شرط علق به الطلاق أو التمليك، وكان ذلك الشرط بيد الزوج: إن شاء فعل وإن شاء ترك.
واختلف في جواز ذلك الشرط ابتداءً فقال مالك في هذا الأصل: لا يحل الشرط ابتداء، فإن وقع جاز النكاح ولزم الشرط، وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" فيمن تزوج امرأة على أنه إن ضَرَبَهَا، أو شرب خمرًا، أو غاب عنها- فأمرها بيدها؛ فذلك يكره أن يعقد عليه، فإن وقع الدخول رأيته جائزًا.
وأجازه سحنون ابتداءً وزوَّج غلامه أمته على ألا يسرق زيتونة فإن فعل فأمر امرأته بيده.
قال عبد الملك: وكذلك إن شرط إن أبق فأمر زوجته بيده، فذلك لازم.
قال: وكل ما وقع به التمليك أبدًا من شيء فِعْلُهُ بيد الزوج إن شاء فعله 485 وإن شاء لم يفعله، فذلك ثابت.
والرابع: أن يكون الشرط لا سبب للزوج فيه، مثل أن يقول السيد: إن بعتك أو بعتها فذلك فاسد.
واختلف إذا نزل فقال عبد الملك: يمضي النكاح؛ دخل أو لم يدخل، والشرط والتمليك ساقط.
وقال محمد: كل ما كان فعله بغير يد الزوج فهو كالمتعة؛ يفسخ قبل وبعد.
وروى علي بن زياد عن مالك في مثل هذا: أن النكاح = النكاح، برقم (1418).

الجزء: 4 - الصفحة: 1869

ماضٍ والشرط لازم، فإن أسقطه مشترطه، وإلا فرق بينهما قبل وبعد.
والخامس: أن يكون سببه من الزوج، وتشترط الزوجة أنها مصدقة إن فعل ذلك، فقال مالك في "كتاب محمد": فيمن زوَّج أجيره جاريته على أنه إن رأى منه أمرًا يكرهه، فأمرها بيدها.
قال: فلا يحل أن ينكح عليه، فإن وقع النكاح رأيته جائزًا.
قال محمد: ولا أفسخه، وهو مثل التي تشترط إن هو ضربها أو شرب خمرًا، أو غاب عنها، فأمرها بيدها؛ فذلك يكره أن يعقد، فإن فى دخل رأيته جائزًا، قال: وإن شرطت إن جاءت وبها آثار ضرب، فادعت أنه منه 486، فهي مصدقة، وأمرها بيد سيدها، فإن جاءت وبها آثار ذلك، فزعمت أنه فعله بها.
قال مالك: الطلاق لازم، ولا قول له إن زعم أنها كاذبة 487. قال الشيخ - رضي الله عنه -: السؤالان مفترقان؛ لأنها إن شرطت إن ضربها كان الأمر بيدها، ولا تصدق عليه، وإن شرطت أنها مصدقة كان قد دخل على غرر في بقاء العصمة، فقد تكرهه فتدَّعِي عليه ما لم يفعله، إلا أنه إن فات بالدخول صدقت؛ لأنه جعل ذلك إليها فلا يسقط قولها بالشك، ولا ترد في العصمة بالشك إن اختارت الطلاق.
والسادس: أن يتزوجها على ألا يأتيها إلا نهارًا، أو على أن يؤثرها على غيرها، أو على ألا يعطيها الولد، أو لا نفقة لها أو لا ميراث بينهما، أو على أن أمرها بيدها.
فهذه شروط لا يصح الوفاء بها.
واختلف في النكاح، فقيل: يفسخ قبل وبعد.
وقيل: يفسخ قبل ويثبت بعد، ويمضي على سنة النكاح، ويسقط الشرط.
وقال علي بن زياد عن

الجزء: 4 - الصفحة: 1870

مالك (1): إن تزوجت على ألا ميراث لها (2)، أو لا (3) يعطيها الولد، أو على أن أمرها بيدها، فعلم بذلك قبل الدخول أو بعده - قيل للمرأة: أمرك بيدك الآن.
فإن اختارت فراقه كان ذلك لها، وإن لم تختر فلا شيء لها، ويقيمان على نكاحهما.
وإن مسها بعد أن جعل الأمر إليها فلا خيار لها، وهذا هو أحد الأقوال في الشروط الفاسدة أن مشترطها بالخيار بين أن يسقطها فيمضي البيع (4)، أو يتمسك به فيفسخ.

فصل [فيمن اشترط العتق أو الطلاق في زواج ابنه]

وقال ابن وهب في "العتبية" في رجل زوَّج ابنه صغيرًا بشروط فيها عتق، أو طلاق: ذلك لازم للابن وإن كبر؛ دخل أو لم يدخل 492. وفي كتاب "محمد": لا تلزمه تلك الشروط إلا أن يلزمها نفسه بعد البلوغ.
وإن علم قبل أن يدخل ثم دخل على ذلك 493 لزمته.
وإن بنى قبل أن يعلم لم تلزمه.
قال ابن القاسم: وإن لم يرضَ قبل البناء فطلق كان عليه نصف الصداق.
وقال أصبغ: لا شيء عليه، ولا على ابنه إذا لم يدخل.
ولو كان يوم زوَّجه لا مال له.488489490491

الجزء: 4 - الصفحة: 1871

ويختلف بعد القول "أن له أن يرد، ولا شيء عليه، فطلق قبل أن يعلم" فقيل: لا شيء عليه؛ لأنه كان بالخيار بين أن يرد ولا شيء عليه، وقال محمد: يلزمه نصف الصداق ولا شيء عليه 494. والأول أحسن.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن علم عيبًا يوجب الرد بعد الطلاق فلم يرد حتى طلق، وكذلك من اشترى سلعة ثم باعها من بائعها بأقل من الثمن، أن له أن يرجع عليه بتمام الثمن.
قال: لأنه يقول: كان لي أن أردها عليك، وها هي في يدك، فكذلك هذا إذا كبر كان له أن يرد نفسها عليها.
وقول محمد في أول السؤال: ألا تلزم الصبي تلك الشروط بعد البلوغ - أحسن؛ لأنه يشترط الآن ما يوجب الفراق بعد رشده، وبعد أن يصير ذلك بيد الزوج.

الجزء: 4 - الصفحة: 1872

باب في نكاح الخَصي، وكم يتزوج العبد، وذكر ما يتفق فيه أحكام الحُرِّ والعبد ويختلف، وفي دخول العبد والخصي على النساء

قال ابن القاسم: نكاح الخصي جائز 495. وقد تقدم في أول "الكتاب" ذكر ذلك، وما يكون منه مباحًا ومندوبًا إليه.
وقال مالك: للعبد أن يتزوج أربع نسوة 496. وروى عنه ابن وهب في "كتاب محمد": ألا يتزوج إلا اثنتين على النصف من الحُرِّ 497. قياسًا على الحد.
والعبد في أحكامه من الحُرِّ على أربعة أوجه: على النصف، وعلى المساواة، ومختلف فيه، هل هو على النصف أو المساواة؟ ومخالف للحر يجب على الحر، ولا يجب على العبد، فالأول حد الزنا: هو فيه على النصف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
والآية وإن كانت في الإماء، فلا خلاف أن العبد مساوٍ لهن في ذلك.
وقاس مالك على الحدِّ الطلاقَ والعدةَ، فجعل طلاق العبد، وعدة الأمة على النصف، فأتم الطلاق اثنتين، والعدة طهرين، لما كانت الطلقة والطهر لا يتبعضان.
واختلف في عدد من يتزوج العبد وقد تقدم، وفي الأجل إذا آلى أو اعترض عن زوجته أو فقد، وفي عدد 498 حده إذا قذف حرًّا: فحمله مالك في

الجزء: 4 - الصفحة: 1873

جميع ذلك على النصف؛ أجلُه شهران، وإن اعترض ستة أشهر، وإن فقد سنتين، وإن قَذَفَ حرًّا حُدَّ أربعين، وقيل: هو في ذلك كالحر؛ أجل إيلائه أربعة أشهر وفي العنة سنة وفي الفقد أربع سنين ويحد في القذف ثمانين وهو أحسن، وليس هذا مما يرد فيه العبد إلى النصف فأما الإيلاء فإن الأربعة الأشهر مدة لا 499 يشق فيها الصبر على الزوجة ولا يختلف حالها في ذلك إذا كان الزوج حرًا أو عبدًا وكان من حقه ألا يطلق عليه قبل الوقت الذي يلحقها الضرر فيه وقيل السنة في العنة ليتعالج بالفصول الأربعة لإمكان أن يكون أحد الفصول أوفق له في العلاج والعبد والحر فيما يحتاج إليه من ذلك سواء وأربع سنين في الفقد 500 لأنها مدة يبلى فيها عذر الزوج فكان من حقه إذا كان عبدًا ألا يقصر به عن ذلك ويحد إذا قذف ثمانين؛ لأن ذلك من حق المقذوف الحر حماية وأدبًا له، وليس كذلك إذا كان المقذوف عبدًا والحد مَبنِيٌّ على حرمة المقذوف، وليس على حرمة القاذف، فإذا كان حكم الحر إذا قذف أن يُحَد ثمانين - لم ينقص العبد من ذلك إذا تجرأ على حر، وانتهك حرمته.
وذكر قائل هذه الأقوال في مواضعها في "كتاب الإيلاء" وغيره.
وهو في الصلوات الخمس والصوم كالحر، وفي الزكاة والحج بخلاف ذلك، ساقط عنه بخلاف الحر.
واختلف في وجوب الجمعة عليه وقد مضى ذلك في "الصلاة الثاني".
وهو في يمينه كالحر في انعقاد اليمن، وفي وجوب الصوم ثلاثة أيام لا ينقص منها شيء 501. وتسقط عنه الكسوة والإطعام؛ لأنه فقير، والعتق مثل ذلك،

الجزء: 4 - الصفحة: 1874

ولأن الولاء ليس له، وإن أذن له السيد في العتق.
ومن أذن لعبده في النكاح كان الصداق على العبد.
واختلف إذا زوّجه السيد.
فقال ابن القاسم: الصداق على العبد، وقال ربيعة: على السيد بمنزلة الأب يزوج ولده الصغير.

فصل [في أحوال المكاتب والخصيِّ]

وقال مالك: في المكاتب: لا بأس أن يرى شعر رأس 502 سيدته إن كان وغدًا، وكذلك العبد، وإن كان لها فيه شرك لم يرَ شعرها وإن كان وغدًا 503. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يرى شعر سيدته وإن كان وغدًا، ولا يخلو معها في بيت.
واختلف في عَبدِ زَوجِهَا وعبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها؟ واختلف أيضًا في العبد الخصي.
قال مالك: لا بأس أن يرى الخصي الوغد شعر سيدته وغيرها، وإن كانت له منظرة فلا أحبه، وأما الحر فلا، وإن كان وغدًا 504. وقال مالك في "العتبية": لا بأس أن يدخل على المرأة خَصيُّها، وأرجو أن يكون خصي زوجها خفيفًا، وأكره 505 خصيان غيره 506. وقال أيضًا: لا بأس

الجزء: 4 - الصفحة: 1875

بالخصي والعبد أن يدخل على النساء، ويرى شعورهن إن لم تكن له منظرة، فأما الحر فلا.
507 فجعل الخصي في القول الأول كغيره ممن لم يخص فمنعه إلا أن يكون مِلكًا لها ولا منظرة له، وأباحه في القول الأول 508 إذا كان لزوجها وإن لم يكن وغدًا، ثم أجازه وإن كان لأجنبي.
وأجاز دخول الخصي عليهن وإن كان حرًّا.
والأصل في دخول عبد المرأة عليها قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31]، وفي دخول عبد الزوج قوله سبحانه: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
. .﴾ [النور: 58]: فتضمنت كون ملك اليمين ذكرانًا لقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58]، ولو كنَّ أَماءً لقال: اللاتي ملكت أيمانكم 509، وكونه ملكًا للأزواج لقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، وهذا خطاب للمذكر، وهم الأزواج، ويصح دخول ملك الزوجة، وقد قيل في قوله -عز وجل-: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أن ذلك في الإماء ليس في الذكران، ذكره ابن سلام في "كتاب التفسير".
والأول أحسن للآية الأخرى في قوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وقد كان يدخل على عائشة - رضي الله عنها - المكاتب حتى يقضي كتابته، ولو كان دخول العبد ممنوعًا؛ ما أجازت ذلك، وهي أعلم بذلك.
وأما تفرقة مالك بين الوغد وغيره فحماية، وأما قول ابن عبد الحكم فيحتمل أن يكون حمل الآية على الإماء، أو لأن الحال عنده فسد؛ فنقل الحكم.
والصواب اليوم المنع فيمن لا زوج لها، وإن كان لها زوج فلا بأس في حين

الجزء: 4 - الصفحة: 1876

حضوره، ويمنع عبد الأجنبي جملة؛ لأنه لا فرق فيما يخشى منه بين الحر والعبد وإنما أبيح عبدها وعبد زوجها؛ لأن الضرورة تدعو إلى تصرفه عليهم ودخوله إليهم.
وأما الخصي فإن كان يريد الذاهب الخصيين فهو بمنزلة السالم، وأما الممسوح فهو داخل في عموم 510 قوله -عز وجل-: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: 31].
فقد قيل: هو الخصي، والخنثى، والشيخ الهَرِم.
وفي الصحيحين: أن مخنثًا كان يدخل على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لعبد الله بن أبي أمية: يَا عَبْدَ اللهِ إِنْ فَتَحَ اللهُ الطَّائِفَ عَلَيْكُمْ غَدًا، فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سمع ذلك: "لا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ" 511. فلم ينكر دخوله قبل أن يسمع ذلك منه، وإن كان حرًّا.
ومحمل النهي بعد ما سمع منه على الكراهية؛ لأنه لم يسمع منه ما يدل على أنه أراد ذلك لنفسه، وإنما كُره دخوله بالكلام في مثل ذلك.
وكرهه مالك إذا كان حرًّا لما لم يكن ضرورة تدعو إلى ذلك وليس بالبيَّن؛ لأنه أباح الخصي وإن لم يكن لها، وليس مما تدعوها إليه ضرورة، ودخول الخصي الحر أخف من دخول العبد الفحل.

الجزء: 4 - الصفحة: 1877

باب في نكاح الأَمَة وما يمنع منه

نكاح الأمة المسلمة جائز ومختلف فيه، والجائز على ثلاثة أوجه: أحدها: نكاح الحُرِّ كل أمة يكون ولدها من ذلك النكاح حُرًّا، مثل نكاح أمة الأب أو الأم أو الأجداد والجدات كانوا من قبل الأب أو الأم.
وأجاز عبد الله بن عبد الحكم أن يتزوج الأب أمة الابن.
فعلى قوله يجوز نكاحها على الإطلاق ومن غير شرط؛ لأن الولد معتق على أبيه 512، ويجوز نكاح الجد أمة ابن الابن من غير شرط، وكل هذا إذا كان المالك لها حرًّا.
وإن كان أحد ممن ذكر عبدًا، أو المتزوج حرًّا - لم يجز؛ لأن ولده عبد للسيد الأعلى.
والثاني: نكاح من لا يخشى منه حمل، كالحصور والخصي والمجبوب والشيخ الفاني.
والثالث: نكاح العبد؛ فهو جائز على الإطلاق، وإن لم يخشَ عنتًا.
واختلف عن مالك، وابن القاسم في نكاح الحُرِّ الأمة؛ يكون ولده منها رقيقًا، فمنع ذلك مرة، إلا بوجود شرطين: عدم الطول لحرة، وخشيان العنت 513 إن لم يتزوج 514 لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ.
.﴾ الآية 515. وأجازه مرة من غير شرط لقوله سبحانه: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى

الجزء: 4 - الصفحة: 1878

مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 516. وأكثر قول مالك المنع 517. وابن القاسم الإجازة 518. والأول أحسن؛ لأن إباحة 519 نكاح الأَمَة ورد على شرطين فلا يجوز مع عدمهما، وأيضًا فإن المفهوم من القرآن أن 520 المَنَاكِحَ ليست على الإباحة في الجملة؛ لأن الله سبحانه جعل للمشركة حكمًا، وللنصرانية الحرة حكمًا، وللأمة حكمًا وشرط في الأمة ما تقدم؛ فعلم أنها إنما تتأول 521 على الوجه الذي أباحه، والنظر يوجب -لو لم يرد النص- 522 ألا يتزوج الأَمَة إلا عند الضرورة؛ لأن نكاحها يتضمن وجهين: إرقاق الولد، وعدم حفظ النسب؛ لأن الرجل يتزوج الأمة، وتبقى عند سيدها، وقد يكون غير مأمون.
وقد عَهِدَتْ ذلك منه، فلا يدري الزوج ما يلحق به النسب مما 523 علم من قلة صيانتهن.
وأما آية النور فإن محملها على الندب للسيد أن يزوج عبده الصالح وأمته الصالحة؛ لأن كل واحد منهما لا يقدر على شيء وقد جبلا 524 من ذلك على ما

الجزء: 4 - الصفحة: 1879

جبل 525 عليه الأحرار، فتزويجهم معونة على صلاحهم.
وأما من يتزوج هذه الأَمَة وهذا العبد فشيء آخر خارج عن المقصود بالآية، فلم تتضمن الآية أن يتزوجها حرٌّ، كما لم تتضمن أن يتزوج العبد حرة.
واختلف بعد القول بالمنع في أربع مسائل: أحدها: إذا وجد طولًا لما 526 يتزوج به حرة دون النفقة عليها.
والثانية: إذا خشي العنت 527 في أمة بعينها.
والثالثة: إذا كانت تحته حرة هل يكون كالطول يمنع من تزويج أَمَة؟ والرابعة: إذا تزوج أَمَة بوجه جائز، ثم وجد طولًا، أو تزوج 528 حرة، هل يفارق الأَمَة؟ فقال مالك في "كتاب محمد 529 ": إن وجد صداقًا لحرة، ولم يقدر على نفقتها؛ لم يتزوج أمة.
وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب": يتزوجها؛ لأن نفقتها على أهلها إذا لم يضمها إليه 530. وهو أبين؛ لأن القدرة على الصداق دون النفقة لا تفيده؛ لأن من حق الزوجة الحرة أن تقوم بالطلاق إذا لم تعلم أنه عاجز عن النفقة، إلا أن يجد من تتزوجه بعد علمها بذلك فيمنع من نكاح الأمة؛ لأنه لا قيام للحرة، إذا دخلت على علم بذلك، ومنعه في "كتاب محمد" إذا خشي العنت 531 في أمة بعينها، وأجازه في "كتاب ابن حبيب".

الجزء: 4 - الصفحة: 1880

وأرى إن كان خلوًا من النساء أن يتزوج حرة، فقد يذهب التزويج ما في نفسه.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المَرْأَةُ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلْكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ" أخرجه مسلم 532. فإن لم يذهبه إلا التزويج تزوَّجها.
وإن علقها وهو ذو زوجة، فإن علم من نفسه أن الزوجة لم تَكْفِهِ أُمِرَ بتزويج أخرى، وإن كانت غير كافية له تزوجها.
واختلف قول مالك في الحرة 533 تكون عند رجل هل تكون طَولًا يمنعه من تزويج الأَمَة وإن خشي العنت؟ فلم يره في "المدونة" طولًا، وأجاز له أن يتزوج الأمة 534، وقال في "كتاب محمد": لا يتزوجها، وهو الظاهر من القرآن أنه منع تزويج الأَمَة مع القدرة على الحرة، فإذا تقدمت القدرة عليها، وكان تزوجها - منع من الأمة 535. والإجازة أبين؛ لأن الوجه في الإباحة أن يخشى العنت 536، فلا فرق بين الأولى، والثانية إذا وجدت العلة التي لأجلها كانت الإباحة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1881

فصل [فيمن عدم الطَّول وخشي العنت]

ومن تزوج أَمَة لأنه عَدِم الطَّوْلَ وخشي العنت 537، ثم ذهب عنه بعد الدخول ما كان يخشاه - لم يؤمر بفراق تلك الأمة، لوجهين: أحدهما: أنه لم يذهب حقيقة؛ لأن ذلك يعاوده إذا عاد إلى العزبة.
والآخر: أن ذلك يؤدي إلى حرج؛ يؤمر الآن بالفراق، وعن قليل يخشى العنت فيتزوج؟! فإذا ابتنى وذهب عنه ذلك - أمر بالفراق فلا يكلف ذلك.
واختلف إذا وجد طولًا للحرة، هل يفارق الأَمَة التي تحته؟ على ثلاثة أقوال: فقال مالك: يجوز له البقاء عليها، وسواء تزوج حرة أم لا 538. وقال ابن حبيب: يجوز له البقاء، وإن أفاد طولًا، إلا أن يتزوج حرة فتحرم عليه الأمة التي تحته، وذكره عن عمر وابن عباس 539. وقال ابن القاسم في "كتاب محمد": لو كان يفرق بين الرجل وبين الأمة إذا تزوجها على الحرة؛ لانْبَغَى أن يفرق بينه وبين الأمة تكون تحته ثم يتزوج عليها الحرة قال: والحجة فيهما سواء.
يريد: أن نكاح الأَمَة جائز من غير شرط، وأنه لو كان الأمر على ما في سورة النساء لوجب أن يفارق الأمة إذا تزوج عليها حرة؛ لأن الضرورة

الجزء: 4 - الصفحة: 1882

ارتفعت بتزويج الحرة، والتمادي على الأمة كالابتداء، وهذا مثل قول ابن حبيب إلا أنه أجاب على أحد قوليه أنه يجوز تزويج الأمة من غير شرط، وعلى قوله أن ذلك ممنوع إلا أن يخشى العنت، ولا يجد طَولًا: يفارق الأولى إذا تزوج حرة، كما قال ابن حبيب؛ لأنه يسلم أن القياس فيهما سواء.
وقال مسروق والمزني: إذا وجد طَوْلًا انفسخ نكاح الأمة وإن لم يتزوج الحرة؛ لأن علة المنع عندهما إرقاق الولد، فإذا زالت الضرورة المبيحة منع من التمادي؛ لئلا يرق ولده.
وما أظن من ذهب بلى جواز البقاء إلا للاختلاف في الأصل أن ذلك يجوز اختيارًا، فعلى قول عبد الملك لا يصح أن يجتمع قي عصمة الرجل حرة وأمة؛ لأن الحرة طول؛ تقدمت أو تأخرت؛ وعلى أحد قولي مالك يصح اجتماعهما إن تقدمت الأمة، ولا يصح إن تأخرت، وعلى القول الآخر يصح تقدم نكاحها أو تأخر.
فصل [في العبد يتزوج أمة على حرة عنده] واختُلف إذا كانت تحته أَمَة بوجه جائز لا يتعلق به حق الله سبحانه، هل يتعلق به حق للحرة إن تقدم نكاح الحرة، أو تأخر ولم تعلم أن تحته أَمَة للمعرة التي تلحقها في كون ضرتها أمة؟ فإن تزوج عليها الأمة كان لها مقال في دفع المضرة 540. واختلف قوله هل لها الخيار في طلاق نفسها أو في طلاق الأمة؟ وأرى ألا خيار لها في طلاق 541 نفسها ولا في الأمة، وإنما تخير هل ترضى بمقام الأمة

الجزء: 4 - الصفحة: 1883

معها؟ وإن لم ترضَ كان الخيار إلى الزوج، يطلق أيهما أحب.
واستحسن إذا كان يؤثر الأمة وأراد أن يطلق الحرة، أن يعلمها بذلك، فقد تختار البقاء إذا علمت أنه يؤثر الأمة ويطلقها.
واختُلف عنه إذا نكح الحرة على الأمة.
فقال: لا خيار للحرة، ثم رجع إلى أن لها الخيار 542. وقيل: إنما لم يثبت لها خيار؛ لأنها فرطت، إذا لم يكشف هل تحته أمة 543. وليس هذا التعليل بالبين؛ لأن تزويج الحر الأمة نادر، والنادر لا حكم له.
ويحتمل أن يكون قوله ذلك لاختلاف من تقدم.
وقد قال: لولا ما قالته العلماء قبلي 544. يريد: سعيد بن المسيب وغيره، لرأيته حلالًا 545. يريد: ألا مقال للحرة في ذلك.
فقال ابن القاسم: وإن كانت تحته أمتان علمت بواحدة؛ كان لها الخيار في التي لم تعلم بها 546. واختُلف في العبد يتزوج أمة على حرة عنده، فقال في "المدونة": لا خيار لها؛ لأن الإماء من نسائه 547. وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب ": لها الخيار 548. والأول أحسن، والمعرة في كون الزوج عبدًا أشد 549 من المعرة في كون ضرتها أَمَة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1884

باب في الأَمَة والمدبَّرة والمكاتَبة وأم الولد والمعتقة إلى أجل يأذن لها السيد في التزويج فتتزوج وتظهر أنها حرة بعد ذلكـ

550 وإذا غَرَّتِ الأَمَة من نفسها وتزوجت على أنها حرة، وكان السيد أذن لها في النكاح، فإن علم الزوج أنها أَمَة قبل الدخول - كان الزوج بالخيار بين أن يتمسك على المسمى، أو يرد ولا شيء عليه.
وإن لم يعلم حتى دخل فقال ابن القاسم: الزوج بالخيار إن شاء ثبت على نكاحه ولها المسمى، أو يفارق ولها صداق المثل 551. يريد: إذا كان المثل أقل من المسمى.
واختلف إذا أراد الزوج 552 الردَّ وكان صداق المثل أقل من المسمى، فقال ابن القاسم: لها صداق المثل 553. وقال محمد في كتاب الغَصْب: قد قيل إنه له أن يأخذ كل ما أصدقها، إلا ربع دينار 554. والثاني: 555 إذا كان صداق 556 المثل أكثر من المسمى، فقال ابن القاسم: يكمل لها صداق المثل.
وقال أشهب في "كتاب محمد": ليس لها سوى المسمى كما لو زنى جها طائعة.
ولابن القاسم في "العتبية" مثله.
وعلى القول الآخر؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1885

يكون لها ربع دينار (1). وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن بيعها تلك المنافع كبيعها لخدمتها.
فإن حابت كان للسيد أن يرد محاباتها في الخدمة وفي النكاح، ويتم لها صداق المثل، وليس كزناها؛ لأنه لو اغتصبها رجل لم يكن لها صداق المثل.
وكذلك إذا زنت، فإصابته على وجه النكاح، مفارق للزنا وإنما في ذلك ما نقصها؛ فإن لم ينقصها فلا شيء عليه.
ولو كان الزنا والنكاح سواء؛ لكان السيد بالخيار بين أن يأخذ ما نقصها الوطء أو صداق المثل، بمنزلة إذا وهبت خدمتها فنقصت لذلك، كان للسيد أن يأخذ إجارة المثل أو ما نقصتها الخدمة، فثمن المنافع إجارة المثل، وصداق المثل.
وأما من قال لها ربع دينار فرأى أن غررها جناية منها، وإذا كان فيه إذن من المجني عليه - وضع عنه الصداق.
وفي كتاب محمد مثل ذلك في العبد يدفع إليه شيء ليصنعه فيتعدى عليه، فجعله جناية في رقبته.
وأرى إذا دخل الزوج، ورضي بألا يرد - أن يحط عن الزوج ما زاد في الصداق؛ لمكان الحرية.

فصل [في جامع القول في ولد المغرور بالشراء أو بالنكاح، وكيف إن شرط حرية ولده في أمة تزوجها فاستحقت]

وقال ابن القاسم: إن غرت أمةُ الابنِ الأبَ، أو أمةُ الأبِ الابنَ؛ فتزوجته وولدت منه - كانت الأَمَة لسيدها، والولد عتيق على أخيه، إن كانت للابن،557

الجزء: 4 - الصفحة: 1886

وعلى جده إن كانت للأب 558. وقال سحنون: إذا كانت الأمة للأب كان على الابن صداق مثلها، كالأجنبي.
وإن كانت للابن، كان عليه قيمة الأَمَة بمنزلة ما لو وطئها بملك اليمين 559. واختلف في أم الولد إذا تزوجت على أنها حرة وولدت، فقال مالك في المدونة: لسيدها قيمة الولد على الرجاء والخوف؛ لأنهم يُعْتَقون بموت سيد أمهم 560. يريد: أنه يُقَوَّمُ على أنه إن مات سيد الأم كان حرًّا لو كان يجوز البيع على هذه الصفة.
وقال ابن الماجشون: يقوم 561 قيمة عبد لا عتق فيه؛ بمنزلة أمة 562 لو قتلت.
وقال المغيرة: قيمته قيمة عبد 563 يوم ولد 564. وقال مالك في "ثمانية أبي زيد": إن كان صغيرًا لا خدمة 565 فيه فلا شيء على الأب، وإن أطاق الخدمة غرم أجرته كل يوم، وكلما كبر زاد 566 الأب أجرته، فإن فات 567 قبل أن يبلغ ذلك فلا شيء عليه، وإن استحق بعد أن صار رجلًا - كان عليه من الأجرة من يوم يستحق.
قال مطرف: وإن مرض - لم يكن عليه شيء حتى يصح، وإن صار ذا

الجزء: 4 - الصفحة: 1887

صنعة من البنيان أو غيره - كان عليه الأجرة على أن لا عمل بيده.
ومذهب ربيعة ألا شيء على الأب؛ لأنه يقول فيمن زوج أم ولده فولدت من الزوج: فهو حر.
وقاس ولدها على الأم: ألا يكون في الولد من الخدمة إلا مثل ما في أمه.
وإذا كان ذلك وجب عتقه؛ لأن أم الولد إذا بطل منها الوطء أعتقت، ولم توقف لأجل ما للسيد فيها من الخدمة، فكذلك الولد إذا لم يكن فيه إلا ذلك القدر من الخدمة فإنه يعتق، أو لا يعتق؛ فيغرم ذلك القدر من الخدمة، وإن لم يستحق الأم حتى مات السيد - فلا شيء على الأب.
وتتفق الأقوال إذا مات السيد إلا قول المغيرة أن القيمة يوم ولد؛ فلا تسقط بموت السيد، ولا بموت الولد، وإن غرت مدَبَّرة كانت للسيد؛ لأنها أصيبت على وجه التزويج، لا على وجه الملك، وله قيمة الولد.
واختلف في صفة القيمة فقال مالك: يقوم على الرجاء والخوف 568؛ خوف الرق إن مات في حياة السيد، أو مات السيد وعليه دين يرقه، ورجاء العتق إن حمله الثلث.
وقال محمد: قيمة عبد لا عتق فيه، كمن ابتاع مدبَّرًا فأعتقه.
وهذا مثل قول عبد الملك في ولد 569 أم الولد.
وإن لم ينظر فيه حتى مات السيد، وحمل الثلث قيمته وقيمتها - فلا شيء على الأب.
وإن كان عليه دين يرقهما - كانت القيمة عبدًا لا عتق فيه.
وإن لم يخلف مالًا سواهما، ولا دين عليه - كان عليه قيمة ثلثيه، وسقطت قيمة الثلث.
وإن كانت معتقة إلى أجل - كان عليه قيمتها 570 على رجاء العتق

الجزء: 4 - الصفحة: 1888

إن حيي إلى انقضاء الأجل، وخوف الرق إن مات قبل انقضائه.
وهذا على قوله في "المدونة"، وعلى قوله في "ثمانية أبي زيد": تقوم الخدمة وقال ابن الماجشون في الثمانية: تقوم قيمة عبد لا عتق فيه بمنزلة ما لو قتلت أمه.
واختلف في المكاتب 571، فقال ابن القاسم: توقف قيمة الولد الآن، فإن أدت؛ رد المال إلى الأب، وإن عجزت كانت القيمة للسيد.
وقال محمد: لا معنى لوقف القيمة؛ بل تدخل قيمته 572 في الكتابة ويتعجلها السيد، فإن وفت، أعتقت وولدها وإلا حسبت 573 من آخر الكتابة.
وأرى إذا كان غرم الواطئ مترقبًا يسقط إن أدت، ويثبت إن عجزت ألا يعجل بإغرامه بالشك، ولم يخرج ذلك من ذمته إذا كان مأمونًا ولا يخاف غيبته أو أتى بحميل.
وإن خيف ناحيته ولم يأت بحميل وكان السيد مأمونًا غير مُلِد متى كان الحكم برجوع القيمة دفعت 574 القيمة إليه.
وإن خيف ناحيتهما وقفت، فإن أدت ردت القيمة إلى الأب.
وإن خيف عجزها وكان في بعض القيمة وفاء بها في الكتابة؛ أخذ تمام الكتابة، وكان الفضل للأب.
وإن لم يوفِّ 575 بباقي الكتاب إلا جميع القيمة؛ أخذها السيد.
وإن لم توف القيمة بباقي الكتابة؛ أخذها السيد، وكانت الأم رقيقًا.
وهذا الجواب في الولد.
وأما الصداق فيرجع فيه إلى ما تقدم في الأمة.
هل يكون 576 لها صداق

الجزء: 4 - الصفحة: 1889

المثل أو ربع دينار؟ وقال ابن القاسم، فيمن خطب امرأة فقال له رجل هي حرة وهو يعلم أنها أمة ثم استحقت: فإن لم يزوجها منه لم يكن عليه شيء، وإن زوَّجها منه، وزعم أنه وليها، غرم الصداق.
وإن قال لست لها بولي؛ لم يكن عليه شيء.
يريد: لأن الزوج دخل على أنه يفسخ النكاح 577؛ لأن المزوج 578 غير ولي، وهذا إذا كان صداقها، لو علم أنها أمة مثل ما تزوجت به.
وإن كان صداقها لو علم أقل غرم المزوج ما زاد صداقها، إذا كانت حرة، أو أمة، ولم يلزمه شيء إذا لم يزوجه؛ لأنه غرور 579 بقول، وقد اختلف فيه، وإذا كان هو المزوج، كان قد باع سلعة، فاستحقت.

الجزء: 4 - الصفحة: 1890

باب في عيوب النساء وما يرددن به

قال مالك: ترد المرأة من أربعة: من الجنون والجذام والبرص، وداء الفرج 580. ويختلف في أربع: السواد والقرع والبخر والخشم، وهو نتن الأنف، فالظاهر من قول مالك ألا ترد بها 581. وقال ابن حبيب: ترد من السواد إذا كانت من أهل بيت لا سواد فيهم، وهو كالشرط، قال: وترد بالقرع؛ لأنه مما يستر باللفافة والخمار 582. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وفي "كتاب ابن الجلاب": تُرد من نتن الفرج 583. فعلى هذا ترد من البخر والخشم؛ لأن نتن الأعلى 584 أولى بالرد لقرب مضرته، وبُعد الآخر.
وقد قيل: يرد الرجل بالبرص يحدث إذا انتشرت رائحته، فمضرة الرائحة من المرأة أولى بالرد؛ لأنه 585 يستخف منه ما لا يستخف منها، ولا ترد عند مالك من العمى والقعد والشلل والعرج 586. فاختلف في وجه ذلك، فقيل: ذلك لقول عمر - رضي الله عنه -: ترد المرأة من الجنون

الجزء: 4 - الصفحة: 1891

والجذام والبرص والقرن 587، ولقول علي - رضي الله عنه -: ترد المرأة من أربع: الجذام والجنون والبرص والقرن، ولهذا قال مالك: ليس على الولي أن يخبر أنها مقعدة، ولا عمياء، ولا عرجاء، وأجاز أن يكتم ذلك 588. وقيل: لأن ذلك مما لا يخفى فقيل لمالك في "كتاب محمد" أترد المرأة من السواد والعمى وما أشبه ذلك؟ فقال: هذا أمر ظاهر فكيف ترد منه.
وقال في موضع آخر: هذا من العيوب الظاهرة فلا ترد له.
وقال ابن حبيب: ترد من القرع؛ لأنه مما يستر باللفافة والخمار، ولا ترد من العمى والقعد، والشلل، والعرج؛ لأنه ظاهر، والخبر عنه يفشو 589. وهذا منهما تسليم 590 أن للزوج أن يرد بهذه العيوب إذا تبين أنه لم يعلم؛ لأنه إنما منع الرد؛ لأنه لم يصدقه أنه لم يعلم به.
فإن كان الزوج طارئًا، وتزوج بقرب قدومه، أو لم يسمع بذلك من الجيران 591، أو اعترفت الزوجة أنه لم يعلم، وكانت ممن يصح اعزافها لأنها ثيب، أو بكر معنسة - كان له أن يرد، وإن قام دليل على علمه - لم يرد، وهذا مع عدم الشرط، فإن اشترط السلامة - رد متى وجد عيبًا، قولًا واحدًا.
واختلف إذا قال الولي: إنها سالمة، ولم يشترط هل ذلك كالشرط.
فقال في "كتاب محمد": إذا قال الخاطب: قيل لي إن ابنتك سوداء، فقال: كذب من قال

الجزء: 4 - الصفحة: 1892

ذلك، بل هي بيضاء، فوجدها سوداء، أو قال: ليس هي عمياء، ولا عرجاء، فوجدها كذلك - فله ردها؛ لأنه غره 592. وقال أصبغ: هو كالشرط.
وقال ابن القاسم في "الكتاب الأول" من "كتاب محمد": إذا رفع الولي في الصداق، فأنكر سَوْمه، فقال: لأن لها كذا، فسمى رقيقًا وعروضًا فيصدقها ما سأل، ثم لا يجد لها شيئًا.
قال: فالصداق لازم له، ولا حجة له، مثل ما لو قال: بيضاء جميلة شابة، فوجدها سوداء، أو عرجاء 593، فلا كلام له ما لم يشترط، فيقول أنكحها على أن لها كذا، أو على أنها جميلة بيضاء أو شابة 594. فجعله ابن القاسم من ناحيته 595 الغرور فألزمه ذلك مرة، ومرة لم يلزمه.
قال الشيخ 596: وأراه كالشرط؛ لأنه أمر قارن العقد.
ولو قال ذلك أجنبي بحضرة الولي فلم ينكر عليه كان غرورًا.
وأرى أن يرد إذا تبين أنها صغيرة مثل ابنة أربع سنين وخمس وما أشبه ذلك؛ لأن الوطء ممتنع، فهي في ذلك كالرتقاء، وعليه في الصبر إلى أن تبلغ الوطء مضرة، وإن كان الوقت الذي تصلح فيه لذلك لا يدرك في الصبر إليه مضرة ولم يرد، وقد تكون لهم عادة في الصبر ما بين العقد والابتناء كالسنتين والثلاث؛ مما يرى أن 597 هذه تصلح حينئذ للابتناء، أو تزيد الأمر اليسير، فلا ترد.

الجزء: 4 - الصفحة: 1893

وفي "كتاب محمد": لا ترد إذا وجدها عجوزًا، وهذا مبني على ما تقدم، هل ذلك لأنه مما لا يخفى، أو لأنه زائد على ما قاله عمر - رضي الله عنه -، وإن بلغت في العمر (1)، وقام للزوج دليل على عدم العلم - رد؛ لأن العادة فيمن بلغت ذلك ألا تتزوج، وهو كالشرط.

فصل [فى عيوب النساء من أمر قديم أو محدث]

ترد المرأة من الجنون وإن كان صرعًا في بعض الأوقات.
ومن قليل الجذام.
واختلف في البرص فقال مالك: ترد لقول عمر - رضي الله عنه - 599. لأنه لم يفرق بين قليل ولا غيره.
وقال ابن القاسم في "العتبية": لو علمنا فيما خف أنه لا يتزايد لم يرد لكنه لا يعلم ذلك 600. فرآه مالك عيبًا في نفسه يوجب الرد، ولم يره ابن القاسم إلا بما يتنامى إليه، ويلزم على قوله إذا كانت بها بداية ذبول أن ترد به؛ لأنه معلوم أنه يتنامى إلى الموت.
وفي "مختصر ما ليس في المختصر": يرد النكاح في الجذام والبرص؛ لأنه يخشى أن يحدث ذلك بالآخر، ولأنه لا تطيب نفس الواطئ والموطوءة، وقلما يسلم ولدهما، فإن سلم كان في نسله.
انتهى قوله 601. ويلزم على هذا أن يرد النكاح إذا اطلع أن أحد الأبوين كان كذلك؛ لأنه يخشى أن يظهر في ولد المتزوج الآن، أو في ولد ولده، ورأيت ذلك في امرأة598

الجزء: 4 - الصفحة: 1894

كان أبوها أجذم، ولم يظهر فيها، وظهر في عدد من ولدها.
ويصح أن تطلق على الزوج وإن كان الجنون بها؛ لأنه إذا كان متى أصابها الزوج جنت، ولم يقف الزوج عنها.
فقال مالك في "المبسوط": إذا كانت تجن عند ذلك - حال السلطان بينه وبينها.
قال ابن شعبان: ولا يلزمه طلاق إن أحب المقام.
يريد: ولم يصب، فإن لم يقف عنها طلق عليه.

فصل [في عيوب المرأة التي ترد بها]

ترد المرأة بعيب الفرج، كان مما يمنع الجماع كالرتق والقرن، أو لا يمنع كالعفل والنتن والاستحاضة والإفاضة وحرق النار، وقال الخليل: العفل شيء يخرج في حياء الناقة كالأدرة 602. واختلف إذا كان شيء من هذه العيوب خفيفًا.
فقال مالك: ترد به؛ لأن المجنونة والجذماء والبرصاء يقدر على جماعها، وهي ترد به 603. قال ابن حبيب: لا ترد به إلا أن يكون عيبًا يمنع اللذة.
والأول أحسن.
وقد أبان مالك الحجة في ذلك.
والقرن، والرتق على أربعة أوجه: فإن كان لا ضرر عليها في قطعه، ولا عيب في الإصابة بعد القطع - كان القول قول من دعا منهما إلى قطعه، فإن دعا الزوج إلى ذلك وكرهت - جبرت 604، وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 1895

دعت هي إلى ذلك جبر (1) هو على القبول.
وإن طلق بعد رِضَاها وقبل القطع - لزمه نصف الصداق، وإن كرهت القطع، فطلق الزوج لأجل ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه لأجل العيب طَلَّقَ.
وإن كان في القطع ضرر عليها، ولا عيب بعد ذلك في الإصابة - كان الخيار لها دونه.
وإن رضيت بالقطع سقط مقاله.
وإن كرهت فارق، ولا شيء عليه.
وإن كان لا ضرر عليها في القطع وفي الإصابة بعد القطع عيب كان المقال له دونها فإن أحب ألزمها القطع وإن أحب (2) فارق ولا شيء عليه وإن كان عليها ضرر، وفي الإصابة بعد ذلك عيب - كان لكل واحد منهما مقال ولها أن تأبى إن دعا إليه وله ألا يرضى إن رضيت لأجل بقاء العيب وللزوج أن يرد إذا وجدها عِذْيَوْطَة - وهي التي يكون منها عند الجماع حدث - لأن ذلك عيب في الوطء وإن لم يكن من داء الفرج ولها أن ترده بمثل ذلك.
وقد كان نزل مثل ذلك في زمن أحمد بن نصر، واختلف الزوجان ونفى كل واحد منهما ذلك عن نفسه.
فقال أحمد: "يطعم أحدهما تينًا والآخر فقوسًا، فيعلم ممن هو منهما".
وأحمد هذا سمع من محمد بن سحنون وليس بمتأخر.

فصل [فيمن غر من الزوجين والتداعي فى ذلكـ]

وإذا ردت الزوجة بشيء من العيوب المتقدم ذكرها - رجع الزوج بجميع الصداق، وسواء دخل أو لم يدخل.
فإن كان الغرور من الولي - رجع عليه.
وإن كان الغرور منها -رجع عليها، ويترك لها ربع دينار.
وإن غَرَّاهُ جميعًا -الولي والمرأة - كان بالخيار بين أن يرجع على المرأة -ولا رجوع لها على الولي-605606

الجزء: 4 - الصفحة: 1896

أو يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها.
وحمل مالك الأب والابن والأخ على المعرفة به، وجعل الرجوع عليه دونها.
قال في "كتاب محمد": ولا يرجع الزوج عليها؛ لأنه ليس عليها أن تخرج فتخبر بعيبها، ولا أن ترسل إليه لأن لها وليًّا.
قال: والبكر والثيب في ذلك سواء 607. يقول إن كانت بكرًا: فالأمر إلى الأب، وعليه أن يخبر 608، وإن كانت ثيِّبًا: فإنما وكلته على أن تتبرأ منه.
وإن كان العاقد عمًّا أو ابن عم أو من العشيرة أو من الموالي أو السلطان - كان الرجوع عليها، وحمل على الولي أنه غير عالم، حتى يثبت أنه عالم.
والولي والمرأة في العيوب على ثلاثة أقسام: قسم يحمل جميعهم فيه على العلم به، وقسم يحمل الأب فيه على العلم دونهم، وقسم يحمل جميعهم على الجهل به.
فالأول: الجنون والجذام، وهما عيوب من العيوب الظاهرة التي لا تخفى على الأقارب، بل لا تخفى في الغالب على الجيران.
والثاني: البرص، وإن كان في الوجه والذراع والساق - كان كالأول، محملهم 609 فيه على العلم؛ لأن الحديث عنه من نساء الأقارب فيكثر وإن كان مما يواريه الثياب كان محمل الأب والأخ فيه على العلم دون الأقارب.
وأما عيب الفرج فإن كان مما لا يخفى على الأم في حين التربية، ومثل ذلك

الجزء: 4 - الصفحة: 1897

الأب لأنه ممن 610 يطلع عليه، ويخبر به - كان محمله على العلم، فإن كان مما يخفى على 611 الأم مثل أن يكون بذلك الموضع غلظ لا يتميز إلا عند حاجة الرجل إليها، أو تكون الأم ماتت من نفاسها، أو تكون ربتها ثم ماتت، وثبت أن ذلك حدث بَعْدُ كالعفل، أو يكون الأب ممن له القدر، ولا يحب أن يذكر 612 ما يكون بابنته من ذلك - حمل على الجهل به، ورجع عليها دونه.
وأما الأخ فيبعد أن يحمل على المعرفة بعيب الفرج، أو يتحدث معه بمثل ذلك.
وقد قال مالك في "كتاب محمد" في الأب والابن والأخ: إن علم به 613 أنه لم يعلم؛ فلا شيء عليه 614. وقوله هذا يتصور في مثل ما تقدم ذكره.
واختلف إذا كان الولي عديمًا هل يرجع عليها؟ فمنع ذلك مالك وقال: لم يكن عليها أن تخرج، فتخبر بعيبها، ولا ترسل إليه.
وقال ابن حبيب: إن وجب الرجوع على الولي، وكان عديمًا، والمرأة موسرة؛ رجع الزوج عليها، ولم ترجع هي به".
615 واختلف أيضًا إذا كان الولي عمًّا، أو ابن عم، أو من العشيرة، أو السلطان، وادعى الزوج أنه علم، وغره، وأنكر الولي.
فقال محمد: يحلف.
فإن نكل حلف الزوج أنه علم، وغره، فيما يستقر 616 عنده.
فإن نكل؛ فلا شيء له على الولي، ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 1898

على الزوجة، وقد سقطت تباعته عن المرأة بدعواه على الولي 617. وقال ابن حبيب: إن حلف الولي - رجع على المرأة 618. وهو أصوب في السؤالين جميعًا.
وليس الأمر اليوم على ما قاله محمد، أنها توكله على أن يخبر بعيبها، بل هي أحرص ألا يذكر ذلك، وهما مدلسان جميعًا؛ فللزوج أن يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها؛ لأن سلعتها المبيعة، قد ردت بالعيب، وهي مدلسة معه.
وإن تقدمت إليه في أن يعلم بعيبها فلم يفعل - رأيت أن يرجع عليها بما بين الصحة والداء، وليس لها 619 أن تبيع معيبًا، وتأخذ الثمن سالمًا وفي ذلك ظلم على الولي، إلا أن تكون لهم عادة أنهم لا ينزلون عن صدقات اعتادوها لعيب وإن كانت هي غرت 620، ولم يعلم الولي؛ رجع عليها، وإن علم كان بالخيار يبدأ بأيهما أحب؛ لأن ذلك غرور منهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 1899

باب في عيوب الرجال وإذا تبين أن أحد الزوجين عبد، أو أن الزوجة نصرانية، وإذا ظهر بكل واحد من الزوجين عيب (1)، وإذا ادَّعى ذلكـ أحدهما على الآخر فأنكره، وكان مما يخفى

يُردُّ الزوج بالجنون والجذام وداء الفرج، واختلف في البرص.
فأما الجنون فيرد من قليله وكثيره، كان مطبقًا أو يغيب 622 رأس كل هلال ويسلم فيما بين ذلك، وكذلك إذا حدث بعد العقد وقبل الدخول.
واختلف إذا حدث بعد الدخول، فقال مالك: إن كان يعفيها من نفسه، ولا يرهقها بسوء، ولا تخاف منه في خلواته، فلا خيار لها 623. وقال أشهب: إن لم تخف منه فلا خيار لها، وإن كان لا يفيق 624 ء يريد: إذا كان يحتاج إليها، وإلا فُرِّقَ بينهما؛ لأن في بقائها ضررًا عليها من غير منفعة له 625. وكذلك الجذام يُرَدُّ من قديمه و 626 قليله وكثيره.
وقال ابن وهب في "العتبية": "إذا كان جذامًا لا شك فيه رُدَّ، وإن لم يكن فاحشًا، ولا مؤذيًا؛ لأنه لا يؤمن من زيادته.
وإن شك فيه؛ لم يفرق بينهما 627، وكذلك إذا حدث بعد621

الجزء: 4 - الصفحة: 1900

العقد، وقبل الدخول، يفرق من قليله، بمنزلة ما لو كان قبل العقد.
وإن حدث بعد الدخول؛ فرق من كثيره، ولم يفرق من قليله، حتى يتنامى، ويتفاحش؛ لأنه قد اطلع عليها، فلا يعجل بالفراق.
وإذا لم يدخل ولم يطلع عليها - لم يمكن من كشفها في شيء مآلُهُ إلى الفراق.
واختلف في البرص قديمه وحديثه.
فروى ابن القاسم عن مالك: أنه قال: يرد به، إذا كان قبل التزويج.
628 يريد قليلًا كان أو كثيرًا.
وذكر عن أشهب في الثالث من "كتاب محمد": لا يفرق بينهما، وإن غرها.
629 وقال ابن حبيب: ما كان به قبل العقد؛ يرد به وإن لم يكن فاحشًا، وما حدث به بعد العقد؛ فلا خيار لها فيه إلا أن يكون فاحشًا مؤذيًا.
وقاله مالك وأصحابه، وقال في "كتاب بيع الخيار": لا يفرق بينهما، إذا حدث بعد الدخول.
قال ابن القاسم في "كتاب محمد": وإن كان شديدًا.
وروى عنه عيسى أنه قال: يرد إذا كان ضررًا لا يصبر عليه، وإن كان خفيفًا؛ لم يرد به.
630 وهو أحسن.
فيرد بما كان قبل وإن كان يسيرًا؛ لأنه يتنامى، فلا يمكن من الاطلاع عليها، فيما مآله إلى الفراق.
وقد تقدم القول أنه يرد بالجذام والبرص؛ لأنه يخشى أن يحدث ذلك بالآخر؛ لأنه لا تطيب نفس الواطئ والموطوءة، وقلَّ ما يسلم ولدهما، فساوى بين الرجل في الرد والمرأة بقوله في الموطوءة، وتعليله فيما يخاف حدوثه في الآخر، وفي الولد.
وهذا هو الصحيح وقبل الدخول وبعده سواء.

الجزء: 4 - الصفحة: 1901

وأما الجنون، فإن كان صرعًا، وكان مثل ذلك ترتاع له المرأة، وينزل بها ما يشق مشاهدته، كان لها أن تقوم بالفراق، وإن لم يكن يؤذيها.

فصل [في عيوب الرجل]

والزوج في عيب الفرج على أوجه: فإن كان مجبوبًا، أو حصورًا أو عنينًا، أو مقطوع الحشفة؛ رد به.
واختلف في الخصي القائم الذكر، فقال مالك: يرد به.
631 وقال سحنون: لا يرد به؛ لأنه بمنزلة من كان عقيمًا.
وهو أبين؛ لأن ذلك لا ينقص من جماعه.
وقال ابن حبيب: الحصور: الذي لا ذكر له، أو له مثل الزر.
632 وقال ابن فارس في مجمل اللغة، وابن قتبية في "تفسير غريب القرآن": هو الذي لا يأتي النساء: قال ابن فارس: كأنه أحجم 633 عنهن، كما يقال رجل حصور إذا حبس رفده، ولم يخرج ما يخرج الندامى.
634 وقال ابن قتيبة: هو فعول، بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي مأخوذ محبوس عنهن، وأصل الحصر الحبس، مثل: ركوب بمعنى مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى مهيب.
واختلف في العنين، فقال مالك في "المدونة": إنه الذي لا ينتشر، ولا يستطيع الجماع لذلك 635 وقال أبو محمد عبد الوهاب: هو من له ما لا يستطيع

الجزء: 4 - الصفحة: 1902

به الجماع لصغره.
(1) واختلف ما يقع عليه ذلك الاسم من صفة الرجل، فإنه لا يختلف في مضمونه من الفقه في أن من له مثل الزر، أو الأصبع أو لا ينتشر؛ أنه يردّ بذلك.

فصل [فيما إذا تبيّن أنَّ أحدَ الزوجين عبدٌ]

الرق عيب، فإن تزوجت امرأة رجلًا، ثم علمت أنه عبد، أو فيه عقد حرية، ولم تتم حريته، أو تزوج رجل امرأة، ثم علم أنها أمة، أو فيها عقد حرية، ولم تتم عتقها 637 - كان له أن يردَّ، والقول قول من ادعى عدم المعرفة منهما، إلا أن يكونا من محلة واحدة، ومما لا يخفى ذلك على المنكر، فلا يصدق، أو يقوم دليل لمن ادعى معرفة ذلك، مثل أن يكون من هو في الرق أسود، وقد رآها وقت العقد، أو رأته.
قال ابن القاسم في "كتاب محمد"، في حرة تزوجها مكاتب، وأقامت معه سنين، ثم قالت لم أعلم، وغرني قال 638: تحلف على ذلك وترد.
639 قال: ومن العبيد من يكون في حاله ومنظره وتجارته على مثل الحر.
وقوله في المكاتب أحسن 640، أنها تصدق بعد الدخول، والإقامة؛ لكونه متصرفًا لنفسه منقطعًا عن سيده.
وأما العبد، والأمة؛ فلا يحسن ذلك فيهما بعد الدخول والطول،636

الجزء: 4 - الصفحة: 1903

لأنه لا يخفى تصرفه لمواليه، ويصح ذلك في الآبق.

فصل [فيما إذا تبيّن أنَّ الزوجة نصرانية]

ولم ير مالك الكفر عيبًا.
فقال في "كتاب محمد"، في مسلم تزوج امرأة، ثم تبين أنها نصرانية: فلا قيام للزوج إن لم يعلم، ولا قيام لها 641 إن لم تعلم، وقالت ظننت أنه نصراني.
واختُلف إذا قال لها الزوج أنا على دينك فتزوجته، فقال مالك: لها الخيار؛ لأنه غرها، ومنعها من كثير 642 شرب خمر، وغيره".
وقال ربيعة: لا خيار لها، وليس الإسلام بعيب.
643 والأول أبْيَن وليس هذا من جهة أن الإسلام ليس بعيب، وإنما ذلك، لما دخلت عليه، وقد تقدم قول أصبغ في مثل هذا أنه كالشرط.
وقال مالك في "المدونة" فيمن تزوج امرأة فإذا هي لغية؛ فلا قيام له إلا أن يزوجوه على نسب.
644 ومحمل النكاح عنده على أنه لازم، حتى يشترط.
وكذلك إن تبين أن الزوج لغية، فالنكاح لازم، إلا أن تكون قد اشترطت.
وقيل لابن القاسم، فيمن تزوج امرأة، وانتسب إلى غير أبيه، وتسمى بغير اسمه.
فقال مالك، فيمن تزوج امرأة، فأصابها لزنية، فإن كانوا زوجوه على نسب؛ فله الخيار.
645 وقال مالك في "المبسوط": ذلك يختلف، فأما إن انتمى

الجزء: 4 - الصفحة: 1904

إلى ذي الحال والهيئة في موضعه، ونسبه، وأتى إلى قوم لهم هيئة في أنفسهم، وأحسابهم (1) - فيرد نكاحه ويعاقب.
وأرى إن كان من تزوج إليهم في مثل ما تبين من حاله وموضعه، ألا (2) يرد نكاحه؛ لأن ما ذكر من الموضع الذي انتسب إليه زيادة في الاغتباط به، فإذا كان لو علم بما تبين من موضعه، لم يمنع من نكاحه؛ لأنه من أكفائه لم يرد.

فصل [فيما إذا اطلع أحد الزوجين على عيب مخالف لعيبه]

وإن اطلع كل واحد من الزوجين من صاحبه على عيب مخالف لعيبه، فتبين أن به جنونًا، وبها جذامًا، أو داء فرج - كان لكل واحد منهما القيام، وكذلك إن كان من جنس واحد، جذام أو برص، أو جنون يصرع، ثم يذهب؛ كان له في أحد الأقوال (3) القيام دونها؛ لأنه بذل صداقًا لسالمة، فوجد ما يكون صداقها دون ذلك.

فصل [فيما إذا ادَّعى أحد الزوجين العيب على صاحبه فأنكره, وكان مما يخفى]

واختُلف إذا اختلف الزوجان في عيب الفرج فادعى ذلك، أو ادعته، وأنكر الآخر.
فقال ابن القاسم: إن ادعى ذلك عليها؛ لم ينظر إليها النساء.
يريد أنها تُدَيَّنُ في ذلك، ويكون القول قولها، وأنكر ذلك سحنون وقال: قد646647648

الجزء: 4 - الصفحة: 1905

جاء أنها ترد بعيب الفرج، فكيف يعرف ذلك إلا بالنساء ونظرهن.
649 وكذلك إن ادعت ذلك عليه، وأنكره، فقال مالك وابن القاسم: يدين.
650 وعلى قول سحنون، ينظر إليه.
وروى الواقدي عن مالك نحو ذلك، وذلك مذكور في "الكتاب الثاني".
وفرق ابن حبيب فقال: إن ادعى الزوج أنها رتقاء، أو غير ذلك من عيوب الفرج؛ صدقت، ولم ينظر إليها النساء، وإن هو فارق وشهدت امرأتان، ولم يكن ذلك النظر عن أمر المرأة 651؛ جازت شهادتهما 652؛ لأن الطلاق بيده لم توجبه شهادتهما، ولم تبطل الشهادة؛ لأنهما يعذران 653 بالجهالة، وإن ادعى هو المسيس وقالت: أنا عذراء، وشهد لها النساء بذلك؛ لم تقبل شهادتهما؛ لأنها تؤول إلى الفراق.
654 واختلف إذا ادعت أنه حصور، أو مجبوب، وأنكرها، هل يختبر بالجس من فوق الثوب؟ فروى الواقدي عن مالك في المعترض أنه قال: تجعل معها امرأة، فإذا غشيها نظرت إليها 655. وروي عنه أيضًا أنه قال: إن كانت بكرًا، وقالت: أصابني، وقال: لم أصب، أنه ينظر إليها النساء.
فعلى هذا؛ لا يدين واحد منهما فيما يدعيه على الآخر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1906

ويختلف إذا كان العيب بغير الفرج هل ينظر إليها النساء، ويخبرن عنه، أو يشق الثوب عن ذلك الموضع وينظر إليه الرجال؟ فالظاهر من المذهب أن النساء يخبرن عنه.
وقال سحنون: إن جرحت بغير الفرج بقر عن ذلك الموضع حتى ينظر إليه الأطباء 656. قال: ولو أصابتها علة في موضع يحتاج فيه إلى طبيب، بقر عن ذلك الموضع لينظر إليه الأطباء، وعلى هذا لو ادعى الزوج أن بذلك الموضع برصًا، وأنكرت شق 657 الثوب عنه، ونظر إليه الرجال.
تم كتاب النكاح الأول بحمد الله وحسن عونه

الجزء: 4 - الصفحة: 1907

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأول
باب في الترغيب في النكاح وأنه من سنن المرسلينفصل [في أقسام النكاح]فصل [في المرأة ليس لها حاجة في الرجال]فصل [في شروط النكاح]فصل [لزوم الولي للنكاح][فصل] ذكر صفة الوليباب في تقاسم الأولياء ومنازلهم ومن المقدم منهم قبلفصل [في أولياء المرأة يختلفون في تولي العقد]فصل [في زواج المرأة بولاية الإسلام]فصل [فيما للأب في ابنته والسيد في أمته من حق فيما إذا تزوجت بغير وكالة منهما]فصل [في غيبة الولي]فصل [في المرأة لها وليان أقربهما غائب]فصل [في البكر يغيب عنها أبوها]فصل [فيمن للأب إجبارها وعليه استئمارها من النساء]فصل [في الثيوبة التي تسقط الإجبار]فصل [في حدِّ إجبار الأب]فصل [فيمن له الجبر في الإنكاح]فصل [في الوصيِّ والوليِّ ليس له الإجبار]فصل [في تزويج الوصي أو الولي للصغيرة]فصل [في زواج الابن أو البنت الثيب بغير أمرهما]فصل [في إجبار الولد إذا كان صغيرًا]فصل [في تزويج الوصي عبيده وإجبارهم]باب إذا كان الزوج وليًّا هل توكله فيزوجها من نفسه؟باب في وكالة الرجل أو المرأة على النكاحباب في المرأة توكل ولييها فيزوجها كل واحد من رجلباب في عَضْلِ الأب ابنته البكر عن النكاح (1)، وفيمن يؤمر أن يزوجها منه وإذا اختلف الأب وابنته فيمن أحب تزويجهافصل [فيمن يؤمر أن يزوجها منه]فصل [فيمن يمنع أن يزوجها منه]فصل [في اعتبار الحسب]فصل [في أقسام العيوب]باب فيمن لا حقّ له في النكاح، والمرأة تزوّج نفسهافصل [في عدم جواز عقد الكافر للمسلمة]فصل (1) [في تزويج السيد المسلم للأمة والمعتقة]فصل [في إنكاح المرأة والعبد والصبي الذَّكر]فصل [في مباشرة المرأة العقد بنفسها]فصل [في تزويج الأب ابنه، والابن ساكت]فصل [في الخلاف في التسمية التي وكله ليزوجه بها]فصل [في ادعاء الزوجة خلاف ما قال الوكيل]فصل [في تصديق البينة للزوجة]فصل [في علم الزوجة قبل الدخول بما عليه وكالة الزوج]فصل [في رضا الرسول قبل الدخول أن يدفع الزيادة]باب فيما تكون الفرقة فيه بفسخ أو طلاقفصل [في اختلاف خيار الولي]فصل [في النكاح الفاسد]فصل [في الصداق]فصل [زواج العبد بغير إذن السيد]فصل [في زواج السفيه بغير إذن وليه]باب فيمن قال: إن مت من مرضي فقد زوجت ابنتي من فلان، أو قال: زوجوها من فلان أو قال ذلك في صحته وفي المرأة توكِّل من يزوجها ثم تعزلهفصل [في توكيل المرأة للرجل يزوجها]باب في نكاح المتعة، والنّهارية، ومن أحل أمته، والنكاح على خيار، وفي هزل النكاحفصل [في عدم إحلال رجل جاريته لرجل]فصل [نكاح خيار المجلس]فصل [في هزل النكاح والطلاق]باب ما يستحب من إعلان النكاح وحكم من أسرَّهفصل [في استحباب الوليمة قبل البناء]فصل [في نكاح السر]باب الشروط في النكاح وما يكره منهافصل [فيمن اشترط العتق أو الطلاق في زواج ابنه]باب في نكاح الخَصي، وكم يتزوج العبد، وذكر ما يتفق فيه أحكام الحُرِّ والعبد ويختلف، وفي دخول العبد والخصي على النساءفصل [في أحوال المكاتب والخصيِّ]باب في نكاح الأَمَة وما يمنع منهفصل [فيمن عدم الطَّول وخشي العنت]باب في الأَمَة والمدبَّرة والمكاتَبة وأم الولد والمعتقة إلى أجل يأذن لها السيد في التزويج فتتزوج وتظهر أنها حرة بعد ذلكـفصل [في جامع القول في ولد المغرور بالشراء أو بالنكاح، وكيف إن شرط حرية ولده في أمة تزوجها فاستحقت]باب في عيوب النساء وما يرددن بهفصل [فى عيوب النساء من أمر قديم أو محدث]فصل [في عيوب المرأة التي ترد بها]فصل [فيمن غر من الزوجين والتداعي فى ذلكـ]باب في عيوب الرجال وإذا تبين أن أحد الزوجين عبد، أو أن الزوجة نصرانية، وإذا ظهر بكل واحد من الزوجين عيب (1)، وإذا ادَّعى ذلكـ أحدهما على الآخر فأنكره، وكان مما يخفىفصل [في عيوب الرجل]فصل [فيما إذا تبيّن أنَّ أحدَ الزوجين عبدٌ]فصل [فيما إذا تبيّن أنَّ الزوجة نصرانية]فصل [فيما إذا اطلع أحد الزوجين على عيب مخالف لعيبه]فصل [فيما إذا ادَّعى أحد الزوجين العيب على صاحبه فأنكره, وكان مما يخفى]
كتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل