التبصرة للخميكتاب الأيمان بالطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان بالطلاق

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172) 4 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082)

الجزء: 6 - الصفحة: 2595

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

كتاب الأيمان بالطلاق

ما جاء في الأيمان بالطلاق

قال الشيخ - رضي الله عنه - 2: الطلاق على أربعة أوجه: مكروه ومباح ومستحب وواجب، وكل 3 ذلك راجع إلى حال الزوجين في العشرة وحال الزوجة في نفسها من الصيانة والفساد.
فإن كان الزوجان على الإنصاف وكل واحد مؤد 4 لحق صاحبه استحب له ألا يفارق، وإن كانت غير مؤدية لحقه ناشزًا أو غير ذلك، كان مباحًا غير مكروه.
وإن كانت غير صيِّنة لنفسها استحب له فراقها من غير قضاء إلا أن تعلقها نفسه.
وإن فسد ما بينهما ولا يكاد يسلم له دينه معها وجب الفراق.
واستحب الإمساك في القسم الأول، لقول الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] فندب إلى إمساكها لإمكان أن يجعل الله في ذلك خيرًا، وروي أن1

الجزء: 6 - الصفحة: 2597

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَبغَضُ الحلاَلِ إِلَى اللهِ الطَّلاَقُ" 5، ولأنَّ الطلاق سبب 6 لاطلاع غيره عليها، واطلاعها على غيره، ومن مروءة الرجل حفظ هذا المعنى وصونه، وقد أكرم الله تعالى نبيه صلوات الله عليه بحماية ذلك، فحرّم أزواجه على غيره تكرمةً له 7. واستحب له فراق من كانت غير صيِّنة لنفسها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي قال: إن زوجته 8 لا ترد يد لامس: "فَارِقْهَا"، قال: فإني أحبها، قال "فَأَمْسِكْهَا" 9، ولأنه لا يأمن أن يلحق به غير ولده، ووجب الفراق إذا فسد ما بينهما وتفاقم فلم يرج صلاح، لقول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] وقد مضى الكلام على هذا أن ذلك من الواجب على الحكم، وإن لم يتحاكما إليه في باب الحكمين 10.

الجزء: 6 - الصفحة: 2598

والأيمان بالطلاق ممنوعة، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق، فإنهما من أيمان الفساق" (1)، ولأن الغالب فيمن يحلف بالطلاق أنه لا يبر في يمينه، وقد يحنث وهي حائض، وقد قيل في أحد التأويلات في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية [البقرة: 224] أي: لا تكثروا الأيمان بالله عزَّ وجلَّ، فإن فاعل ذلك لا يبر ولا يتقي.
وقال مطرف وابن الماجشون فيمن اعتاد اليمين بالطلاق إنها جرحة، ولا يحلف بذلك سلطان ولا غيره، وَلْيَنْهَ الناس عن ذلك، ويؤدب من اعتاد اليمين بذلك.

فصل [فيمن جرى الطلاق على لسانه حكاية]

ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم فيمن طلق زوجته فقال له رجل: ما صنعت؟ قال: هي طالق، هل يُنوَّى إن قال: أردت أن أخبره أنها طالق بالتطليقة التي كنت طلقتها؟ قال: نعم 12.11

الجزء: 6 - الصفحة: 2599

قلت: فلو عدم النية لم يكن عليه سوى تلك التطليقة (1)؛ لأن بساط جوابه عن السؤال الذي يسأل عنه ما صنع فيه، فأخبر عنه ولا يحمل على أنه أضرب عن السؤال، وابتدأ طلاقًا، ولأن قول الرجل: طالق، يصح أن يراد به الإخبار عن حالها والصفة التي هي عليها، والمراد بطالق: التسمية أنها ذات طلاق، كما يقال: لابن وتامر (2)، وليس هو اسم فاعل، واسم الفاعل منه مُطلِّق، وما ذكر في الدونة أنه يُنوَّى وأن ذلك في السؤال ليس شرطًا في الجواب، وسُئل مالك عمن طلق زوجته تطليقة، فسئل عنها، فقال: ما بيني وبينها عمل فلا شيء عليه، وليحلف ما أراد به طلاقًا ولا شيء عليه غير ذلك.

فصل [في تعليق الطلاق]

وقال ابن القاسم فيمن قال: إن دخلت هذه 15 الدار أو أكلت أو شربت أو لبست أو قمت أو قعدت أو ركبت فأنت طالقٌ، إنها أيمان 16. قال الشيخ -رحمه الله-: هي أيمان كما قال، والحكم فيها مختلف، فأما قوله: إن دخلت الدار فهي يمين لا يحنث إلا بالدخول، وأما قوله: إن أكلت أو شربت ولم يضرب أجلًا، فإنه يحنث الآن؛ لأنه لا يصح أن لا تأكل ولا تشرب، وكذلك إذا ضرب أجلًا لا يمكنه الصبر إليه، وإن كان مما يمكن الصبر إليه لم يحنث، وكذلك يمينه: إن لبست أو قمت أو قعدت يحنث إذا لم يضرب أجلًا،1314

الجزء: 6 - الصفحة: 2600

أو ضرب أجلًا لا يمكنه الصبر إليه، وأما قوله: إن ركبت فكقوله: إن دخلت الدار.
واختلف إذا قال: إذا حضت فأنت طالق، فقال مالك وابن القاسم: يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك 17 فأوقع الطلاق بنفس اللفظ من غير حكم.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا شيء عليه حتى تحيض وهو قول المخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم 18. وقيل في هذا الأصل: لا يقع عليه الحنث بنفس اللفظ إلا أن يرفع ذلك إلى حاكم فيحكم عليه بالطلاق، وهو أحسن؛ لأنه أمرٌ مختلف فيه، والحكم يرفع الاختلاف، وقد اختلف أهلُ العلم في الطلاق إلى أجلٍ هل يعجل؟ واختلف عن مالك فيمن حلف الطلاق بالحيض 19، وإن كانت يائسة أو شابة وهي ممن لا ترى حيضًا لم يعجل الطلاق على حال.
واختلف إذا قال: أنت طالق كلما حضت حيضة، فقال ابن القاسم: هي طالق الساعة ثلاثًا 20. وقال سحنون: يقع عليها طلقتان؛ لأنَّه طلَّق بأول الحيضة فهو يتعجل الآن، وهي طاهر، ثم تعتد بأول حيضة، وتعجل الطلقة الثانية أيضًا، وتسقط الثالثة لأنها بأول ما ترى من الدم بائن، فإنما أوقعها على غير زوجة، قال: ولو

الجزء: 6 - الصفحة: 2601

قال: أنت طالق لأول حيضة، فإذا حاضت الثالثة لزمه طلقة لأنها بأول رؤية الدم الثالث 21 بائن.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق كلما حضت حيضة 22 لا شيء عليه حتى تحيض فيقع عليها طلقة ويرتجع، فإذا حاضت الثانية وقعت الثانية وارتجع، وإذا حاضت الثالثة بانت، ولو 23 لم يرتجع لم يقع عليه سوى تطليقتين.
واختلف إذا قال: أنت طالق كلما جاء شهر أو سنة، فقال ابن القاسم: هي طالق ثلاثًا ساعة تكلم بذلك 24. وقال عبد الملك وسحنون: لا يقع عليه إلا ما كانت فيه في العدة، فإن قال وهي في شعبان: أنت طالق كلما جاء شهر كان قد علق الأولى باستهلال رمضان، والثانية: باستهلال شوال، والثالثة: باستهلال ذي القعدة فتعجل الآن الطلقة الأولى، فإن انقضت العدة، قبل أن يستهل شوال لزمه طلقة، وإن لم تنقض العدة حتى استهل شوال لزمه طلقتان، وإن تأخرت إلى ذي القعدة لزمه الثلاث، وإن ارتجعها في رمضان ويقف عنها حتى ينظر ما كان يقع عليه من الطلاق لو لم يرتجع، فإن حاضت الثالثة قبل استهلال شوال صحت رجعته على طلقةٍ مضت، وإن حاضت الثالثة في شوال صحت رجعته على طلقتين مضتا، وإن حاضت الثالثة في ذي القعدة لم تصح رجعته.

الجزء: 6 - الصفحة: 2602

وقال عبد الملك في المبسوط: إذا قال أنت طالق إلى شهر، وأنت طالق إلى سنتين، وأنت طالق إلى ست سنين وقع عليه الآن طلقة وينتظر إلى سنتين، فإن بقيت عدتها وقعت الثانية 25، وأما ما وراء الخمس فإنه طلق غير زوجة، ولو ارتجعها من ساعته كان له أن يصيبها لأنها رجعة مستقيمة من طلقة أو اثنتين، قال: ولو قال: أنت طالق الساعة، وطالق إلى سنة، وطالق إلى أربع فإنها تطلق الآن واحدة 26، وينتظر عند 27 السنين، فإن ارتجع لم يصب لعل عدتها أن تمتد إلى أربع سنين، فتقع الثالثة، ولكن يرتجع لعل العدة تنقضي قبل السنين، وتحبس زوجته عليه رجعتها، فإن قامت عليه ضرب له أجل الإيلاء، فإن انقضت عدتها إلى ذلك فهي زوجة، وإلا طلق عليه بالإيلاء؛ لأنه لا يقدر على أن يفي؛ لأنه لا يدري لعلها تحرم بالثلاث، ولو قال: أنت طالق كلما حاضت فلانة لامرأته الأخرى، لزمه الثلاث 28، ولا يراعى ها هنا عدة بخلاف أن يعلق الطلاق بحيض زوجته، وإن قال لزوجته وهي حائض: أنت طالق إذا طهرت، وقع عليه الطلاق الآن 29؛ لأن الطهر لا بدَّ منه، وإن لم ينقطع الدم وصارت مستحاضة كانت طاهرًا، وقال أشهب: لا يعجل بالطلاق حتى تطهر 30. والأول أحسن.

الجزء: 6 - الصفحة: 2603

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقكـ]

واختلف إذا قال: أنت طالق إن لم أطلقك، فقال مالك: هي طالق حين تكلم بذلك، وقال أيضًا: لا يقع عليها طلاق حتى ترفعه ويوقفه السلطان 31. واختلف إذا رفعته: هل تطلق عليه بالحضرة, إذ لا فائدة في الصبر أو بعد أن يضرب أجل المولي رجاء أن ينثني عزمها عن القيام بالطلاق.
واختلف أيضًا إذا ضرب أجلًا، فقال: أنت طالق واحدة 32 إن لم أطلقك رأس الهلال 33 واحدة 34، أو 35 أنت طالق ثلاثًا إن لم أطلقك رأس الهلال ثلاثا 36 أو أنت طالق ثلاثا إن لم أطلقك رأس الهلال واحدة، أو أنت طالق واحدة إن لم أطلقك رأس الهلال ثلاثًا فقيل: لا شيء عليه الآن، وهي أيمان، فتبقى 37 حتى يبر بفعله 38 الطلاق الذي حلف أن يفعله، أو يأتي الأجل بحنثه إن لم يفعل، فيقع عليه الطلاق الذي ألزم نفسه إن لم يطلقها، وقيل: يعجل عليه الطلاق الآن، فإن قال: أنت طالق إن لم أطلقك عجلت الآن عليه طلقة 39. وكذلك إذا جعل بره بطلقة وحنثه بثلاث أو بره بثلاث وحنثه

الجزء: 6 - الصفحة: 2604

واحدة، فإنه يعجل عليها إحدى الطلقتين وهي طلقة؛ لأنه طلق إلى أجل لما كان لا بد له من إحدى الطلقتين بر في يمينه أو حنث وأرى إن قال: أنت طالق واحدة إن لم أطلقك رأس الشهر ثلاثًا عجل طلقة الحنث، وهي واحدة، فإن هو أراد البر فيطلق ثلاثًا بانت، وإن لم يطلق كان حانثًا بواحدة، وقد عجلت، وإن انقضت العدة قبل وقت الحنث بانت بواحدة، وإن قال: أنت طالق ثلاثًا إن لم أطلق رأس الهلال واحدة لم يعجل بطلقة البر لأنه لم ينوها، وإن عجلت طلقة من الثلاث التي يحنث بهن، فإن قال: أنا أحب أن أبر في يميني بطلقة أوقعها فتصير مع الأولى طلقتين، فكان الوقف أحسن فإن أوقع هو واحدة قبل الهلال برَّ في يمينه، وإلا وقع عليه الحنث بالثلاث إذا أتى الهلال ولم يطلق.
وقال ابن القاسم فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ليطلقنها رأس الهلال واحدة، ثم أراد تعجيل تلك الطلقة فلم يجب فيهما بشيء، وقال أصبغ: لا يجزئه، فإن فعل ثم فاته 40 رأس الشهر فلم يطلق واحدة لزمته البتة 41. وقال محمد: إذا سألته أو سأله أهلها أن يطلقها فحلف لهم ليطلقنها رأس الشهر ثم عجل الطلقة لم ينفعه، وإن كان ذلك ابتدأ ليغمها 42 أجزأه.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو حلف عند سؤالهم أنه لا يؤخر الطلاق عن رأس الهلال فجاز له أن يعجلها، وهذا إذا كانت يمينه ليطلقها رأس الشهر، وأمَّا إن قال: إلى رأس الشهر فله أن يعجل الطلقة؛ لأنَّ "إلى" غاية، وإن حلف بالثلاث إن لم يطلقها قبل الهلال ثلاثًا لم يعجل إحدى الطلقتين، قال محمد:

الجزء: 6 - الصفحة: 2605

لأن له أن يصالح قبل الأجل، فلا يلزمه سوى واحدة 43. وقال مالك فيمن له امرأتان، فقال لإحداهما: أنت طالق إن لم أطلق فلانة إلى سنة، يريد: الأخرى، قال: يوقف الساعة فيطلق إحداهما 44 لأنه أوقع طلاقًا لا بد منه، فلا يترك يستمتع بواحدة منهما.
وقال أصبغ فيمن قال لامرأته: أنت طالق البتة لأعتقن جاريتي فلانة إلى سنة، فلا تحرم عليه واحدة منهما، وعلى قول مالك في الزوجتين: تحرم زوجته وجاريته حتى يطلق أو يعتق 45 46، وعلى قول أصبغ: لا يوقف عن واحدة من زوجتيه وهو أبين، ويختلف في الذي قال: أنت طالق إن لم أطلقك ولم يضرب أجلًا، فعلى قول مالك: يمنع منها، وقول ابن كنانة أنه لا يمنع لأنه لا يحنث إلا بالموت 47، وكل طلاق 48 عنده لا يكشفه إلا الموت لا يمنع فيه من الزوجة.
واختلف أيضًا إذا ضرب أجلًا هل يمنع منهما لأنه حلف ليفعلن أو لا يمنع لأنه على بر لما ضرب أجلًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 2606

فصل [فيمن قال لامرأته: إذا حملت فأنت طالق]

ومن قال: إن كنت حاملًا فأنت طالق، أو إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، فإن كانت في طهرٍ لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة من الحمل، فإن قال: إن كنت حاملًا لم تطلق، وإن قال: إن لم تكوني حاملًا طلقت، وكذلك أرى إذا كان يعزل؛ لأنَّ الحمل على ذلك نادر.
واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقوال، فقال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها 49، وسواء قال: إن كنت حاملًا 50 أو إن لم تكوني حاملًا.
وقال مطرف 51 في كتاب ابن حبيب في هذا: الأصل لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم 52، وقول أشهب: لا شيء عليه الآن 53، ويؤخر أمرها حتى ينظر هل هي حامل أم لا؟ وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو على حنث، فإن قال: إن كنت حاملًا، لم يقع عليها 54 طلاق؛ لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، فإن قال: إن لم تكوني حاملًا عجل الطلاق لأنه على حنث، وأرى أن يوقف أمرها في الوجهين جميعًا، ويوقف عنها حتى يستبين أمرها، وليس من كل الماء يكون الولد، وقد سأل بعض الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العزل

الجزء: 6 - الصفحة: 2607

لرغبتهم في الفداء، فقال: "لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا" 55، فلو كان محمل الإنزال على الحمل لم يقل ذلك، فإذا أشكل الأمر لم يعجل بالطلاق ولم ترتفع عصمته بالشك، ولأن في مقابلة طلاقها بالشك إباحتها لآخر بالشك فكان بقاؤها أولى من إباحتها بالشك، واختلف في الموارثة هل يتوارثان؛ لأن الأصل الزوجية، فلا تسقط بالشك أو لا يتوارثان؛ لأنها وارثة بالشك، وفرق سحنون فقال: إن ماتت لم يرثها وإن مات ورثته، يريد: إذا تبين أنه كان بارًّا، وإن تبين أنه حانث لم ترثه لأنها الباقية بعده فيعلم هل هي حامل أم لا؟ 56 وهذا إذا كانت يمينه بالثلاث، وعليه يحمل قول مالك في المدونة، ولو كانت يمينه بطلقة توارثا قولًا واحدًا؛ لأنه وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعي، فإن مات الزوج قبل أن يظهر هل هي حامل أم لا؟ كان موته في العدة، وكذلك إن كانت هي الميتة فإنها ماتت وهي في عدة منه؛ لأنها على أحد أمرين: إما أن تكون حاملًا فالعدة وضع الحمل، وإما أن تكون 57 غير حامل فالعدة بالحيض، فإن مات ثم حاضت انتقلت إلى عدة الوفاة، فالموارثة بينهما على كل حال.
واختلف إذا قال: إذا حملت فأنت طالق، وهي غير ظاهرة الحمل، فظهر لها 58 بعد ذلك حمل، هل يحنث به أو لا يحنث إلا بما يكون عن إصابة بعد قوله ذلك، فقال ابن القاسم: لا يمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة وقع عليها

الجزء: 6 - الصفحة: 2608

الطلاق، وقال أيضًا فيمن قال 59: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، قال: إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها، فحنثه بما تقدم من الوطء 60. وقال ابن الماجشون: له أن يصيبها في كل طهر مرة، ولم ير أن يطلق عليه إذا أصابها بعد قوله ذلك لأنه على شك من حملها، إذا كانت في طهر قد مس فيه إلا أن يعجل بالطلاق لإمكان أن لا تحمل، فإن ظهر حمل حنث به لأنَّ العادة أنه إذا ظهر حمل قالوا: حملت، ولا يعتبر 61 ما كان قبل ذلك، وأمَّا مع عدم العادة فإنه ينظر إلى الوقت الذي أصابها فيه، فإن كان دون الأربعين يوما حنث بما يظهر بعد، وإن كان فوق ذلك لم يحنث لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِنَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ" 62، الحديث، وإن كانت حين قوله ظاهرة الحمل لم تطلق 63 إلا بحمل مستأنف.
واختلف إذا قال لزوجته: إذا وضدت فأنت طالق، فقال مالك في المدونة: هي طالق حين تكلم بذلك 64. وقال في كتاب محمد: لا شيء عليه حتى تضعه 65. وهو أحسن للاختلاف في الطلاق إلى أجلٍ، ولإمكان أن يكون ريحًا أو يموت قبل الوضع.

الجزء: 6 - الصفحة: 2609

وقال مالك في كتاب محمد: إن وضعت ولدًا وبقي في بطنها آخر لم يقع عليها طلاق حتى تضع آخر ما في بطنها 66. والمعروف من قوله خلاف هذا، وأنه يحنث بالأول، وهذا موافق للقول فيمن حلف ألا يصيب امرأته 67 أنه لا يحنث بأول الملاقاة ولا يحنث إلا بالوطء التام.
واختلف فيمن قال: إن ولدت جارية فأنت طالق، أو إن لم تلدي غلامًا فأنت طالق 68، نحو الاختلاف المتقدم في قوله: إن كنت حاملًا وإن لم تكوني حاملًا، وقول مالك أنها طالق مكانها في الوجهين جميعًا، وأصل أشهب في هذا أنه لا يعجل الطلاق 69 حتى تضع فينظر هل تلك جارية أو غلام؟ وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا يكون طلاقًا إلا أن يطلق عليه الحاكم لأنه مما اختلف فيه، وقال أصبغ: إن قال: إن ولدت جارية فأنت طالق- لم تطلق عليه، وإن قال 70 إن لم تلدي غلامًا طلقت الآن؛ لأن الأول عنده على بر وهذا عنده على حنث، والوقف في جميع ذلك حتى تضع فينتظر أحسن، وإن قال: أنت طالق إن مطرت السماء كانت طالقًا الساعة؛ لأن السماء لا بدَّ أن تمطر 71، وإن قال: إن لم تمطر فأنت طالق فلا شيء عليه سواء عمَّ أو سمى بلدًا لأنه لا بدَّ أن تمطر في زمنٍ ما، وكذلك إذا ضرب أجلًا عشر سنين أو خمس سنين، وإن قال: في هذا الشهر أو الشهر الفلاني أو شهر كذا عاد الخلاف المتقدم هل تكون

الجزء: 6 - الصفحة: 2610

طالقًا الآن، أو حتى يحكم له، أو يوقف حتى ينظر هل تمطر فيه أم لا، وقال أصبغ: إن قال: إن أمطرت غدًا فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة قوله: إن قدم فلان غدًا فأنت طالق.
يريد: لأنَّه على بر، وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غدًا تطلق الآن؛ لأنه على حنث.
وقال مالك: إذا قال: إن لم تمطر في هذا الشهر فأنت طالق، قال: هي طالق ساعة تكلم بذلك 72. وقال أشهب: يوقف، فإن أمطرت لم تطلق عليه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن قال: لتمطرن في هذا الشهر طلق عليه 73 الآن لأنه رجمٌ بالغيب، وهذا هو المعروف في هذا الأصل، وقيل: لا يحنث حتى ينظر ما يكون، وقد يحمل قول مالك في قوله إن لم تمطر في هذا الشهر أنه أراد: لتمطرن، ولذا فرق بينه وبين الكتاب، ولو جعل ذلك شرطًا لم يقع عليه الآن الطلاق.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: كل من حلف بطلاق على شيء لا يدري أحق هو أم باطل مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة الإسكندرية وهو بالفسطاط، أو إن لم تمطر غدًا، أو إلى نصف الشهر 74 أو إلى رأس الشهر قرب استخبار ذلك، أو بعد، فإنه إن رفع أمره إلى السلطان طلق عليه ولم يؤخره، وإن لم يطلق عليه حتى وجد ذلك الشيء حقًا لم يكن عليه في يمينه شيء وهو وجه قول مالك 75.

الجزء: 6 - الصفحة: 2611

فصل [في تعليق الطلاق بقدوم المسافر ونحوه]

ومن قال: أنت طالق إن قدم أبي، أو إذا قدم أبي أو إن لم يقدم، لم يعجل بالطلاق الآن 76. إلا أن يريد بقوله "إذا" الوقت الذي يقدم فيه ليس لغرض في قدومه فيعجل الطلاق 77 الآن؛ لأنه طلاق إلى أجل، وإن قال: إن لم يقدم، فأتت الرفقة التي كان يرى أن يقدم فيها ولم يقدم طلقت عليه، وإن حبسه مرض أو عدو 78 أو عذر أو مات حنث على القول بمراعاة الألفاظ، ولم يحنث إذا كان قصده إن آثر المقام على القدوم.
وقال مالك فيمن قال: إن لم يقدم أبي إلى يوم كذا فامرأته طالق، فلا يشبه هذا المطر لأنه يدعي أن الخبر 79 جاءه والكتاب بأن سيقدم 80. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أمَّا إذا كان قصده ليقدمن فهو على شك من قدومه، وإن جاءه بذلك خبر أو كتاب، وينبغي أن يجري على الخلاف المتقدم فيمن كان على شكٍّ.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم أخوك من سفره فمات أخوها 81 قبل أن يقدم، قال: إن كانت له نية في ذلك فأراد مثل ما يقدم من الحج وشبهه ولم يرد في ذلك الموت، وإنما

الجزء: 6 - الصفحة: 2612

أراد في ذلك (1) الأجل فلتقم إلى مثل ذلك وتدخل ولا شيء عليه، وإن لم تكن تلك نيته حنث (2).

فصل [في تعليق الطلاق على ما لا يصادف معه محلا]

وإن قال: أنت طالق إن مت أنا أو مت أنت فلا شيء عليه 84. إلا أن يريد نفي الموت.
واختلف إذا قال: إذا مت فلا شيء عليه، وروى ابن وهب أنها تطلق 85، ورأى أن الطلاق يسبق الموت ويلزم مثل ذلك إن قال: إن مت.
وقد اختلف فيمن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، أو لزوجته: إن خالعتك فأنت طالق البتة، فباع أو خالع، فقيل: يحنث فيهما فيعتق العبد 86 ويرد ما أخذه في الخلع، والعتق والحنث يَسْبِقُ 87 البيع والخلع، وقيل: لا شيء عليه 88؛ لأن البيع والخلع قبل العتق والحنث وهو أحسن، وإن قال: أنت طالق قبل موتك بشهر، كانت طالقًا الآن 89، وقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه، قال: بمنزلة من قال لعبده: أنت حر قبل موتك بشهر، ورأى أنه طلاق8283

الجزء: 6 - الصفحة: 2613

لا يكشفه إلا الموت (1)، وإن قال: أنت طالق يوم أموت، كانت طالقًا الآن؛ لأن لليوم أولًا وآخرًا (2)، وقد كان الحنث قبل يوم الوت، إلا أن يكون القصد: إذا مت، وعلى قول أشهب: لا شيء عليه (3)، وإن قال: إذا مات فلان أو إن مات فلان (4)، كانت طالقًا الآن (5).

فصل (6) [هل يتكرر الطلاق بالتعليق على أمرين أحدهما أهم من الثاني]

وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال: كل امرأة أتزوجها من هذه القرية فهي طالق، وتلك المرأة منها ثم تزوجها، لوقع عليها طلقتان، ولا يُنوَّى وهو بمنزلة من قال: إن تزوجتك فأنت طالق ثم قال لجماعة نساء هي فيهن: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فتزوجها أنها تطلق عليه تطليقتين 96. قال محمد: وكذلك إن قال: إن كلمت إنسانًا، ثم قال: إن كلمت فلانًا فامرأته طالق، فكلمه فإنه يقع عليه تطليقتان، ولا ينوّى.
وقال أشهب: إن كلَّم فلانًا لم يلزمه إلا طلقة ثم إن كلم إنسانًا غيره لزمته أخرى، قال: وهو بين أنه يلزمه تطليقتان إن كلم فلانًا، إلا أن يكون حاشا909192939495

الجزء: 6 - الصفحة: 2614

فلانًا فحملهما مع عدم النية فيها على طلقة (1). وقول ابن القاسم في هذا أحسن، ومحمل قوله أنه لا ينوّى على أن عليه بينة.

فصل [فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق]

وقال مالك فيمن نازع امرأته ثم قال: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق، فقالت: فإني أحب فراقك، ثم قالت: كنت لاعبةً، وما أحبُّ فراقك، قال: أرى ألا يقيم عليها تصدقه مرة وتكذبه أخرى 98. فحمل جوابها بما يوجب الفراق على الصدق؛ لأن قصده كان ما تجاوبه به، وإن قالت: أنا أحبك، لم يجبر على فراقها، وقد قيل في هذا: إنه يجبر على الطلاق، وقد تقدم ذلك في كتاب العتق.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن قال: امرأته طالق إن فلانًا فعل كذا وكذا، فقيل له: وكيف علمت ذلك؟ فقال: أخبرني فلان، قال: هو حانث إلا أن يكون له شاهدان عدلان.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في رجلٍ قال لرجلٍ: بلغني أنك رفعت عليَّ إلى السلطان أن عندي صدقة، امرأتي طالق لأرفعن عليك، فحلف له ما فعلت فترك أن يرفع عليه حتى عزل الساعي فلا شيء عليه 99؛ لأن مراده: إن كان فعل، فلما حلف 100 علم أن ذلك لم يكن فلا شيء عليه.97

الجزء: 6 - الصفحة: 2615

وقال ابن الماجشون: قد حنث لأنه حلف على تصديق من أخبره، ولا ينفعه أن يرفع عليه عند ساع آخر 101 ويمين المدعى عليه لا يبر بها الحالف؛ لأنه يتهم في يمينه أن يدفع بها عن نفسه أن يستعدي عليه الآخر، وعلى قول أشهب: لا يَبَرُّ إلا أن يخبره شاهدان أن الأمر كان على خلاف ما بلغه.
وقال مالك فيمن كان بينه وبين رجل شرٌ، وكان 102 لأحد الرجلين أخ فلقيه أخوه الذي كان نازع أخاه، فقال: قد بلغني الذي كان بينك وبين أخي أمس، امرأته طالق لو كنت حاضرًا لفقأت عينيك، فقال: أراه حانثًا لأنه حلف على شيءٍ لا يبر فيه ولا في مثله 103. وقال في العتبية في رجلٍ كان بينه وبين رجل منازعة فجبذه بثوبه فقال له: لا تشقه عليَّ، فامرأته طالق لو شققته لشققت بطنك، وقال الثاني: امرأته طالق لو شققته لشققت كبدك إلا أن لا أقدر، فقال له مالك: استغفر الله لا شيء عليك، فقيل لمالك: كأنك لم تر عليه شيئًا إلا أن يشق الثوب، قال: نعم 104. والقول الأول أصوب لأنه شاك: هل كان يبر في يمينه أم لا؟ إذ لا 105 يقدر على ذلك إلا أن يعلم أن له قوة على الآخر، وأنه كان يقدر أن يمتثل ذلك لأنه على أحد أمرين: إما أن يفعل أو يحال بينه وبينه فيصير كالمكره، إلا أن يقصد المبالغة 106 كالذي حلف ألا يفارق غريمه ففرَّ منه أو يعلم أنه لا يفعل ذلك لأنه يخاف القصاص فيحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 2616

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ثلاث مرات]

وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق 107، هي ثلاث 108 إلا أن ينوي واحدة 109. واختلف إذا قال: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، هل يُنَوَّى إن قال: أردت واحدة؟ فقال مالك: فيها إشكال، ووقف فيها، وقال ابن القاسم: لا ينوى، وأرى أنه لا يعطف الشيء على نفسه، وأرى أن ينوى إذا أتى مستفتيًا، وليس قبح ذلك في أنه لا يعطف الشيء على نفسه مما يوجب عليه طلاقًا؛ لأنه 110 لم ينوه؛ لأنه يقول: نويت بالثانية والثالثة 111 الأولى، وألا يكون ثانية ولا ثالثة، فهو طلاق بغير نية، وقد ذكر ابن شعبان فيمن قال: قد سرحتك، وقد سرحتك، وقد سرحتك- قولين: أحدهما: أنها طالق ثلاثًا.
والثاني: أن القول قوله إن قال: أردت بالثاني تأخير الأول، ويحلف على ذلك، وهو إقراره، فقوله الأول: سرحتك إيقاع الطلاق، ثم قبل قوله في الثاني والثالث أنه لم يُرِدْ إحداث طلاقٍ 112، وكذلك قوله: طلقتك وطلقتك وطلقتك، هو ثلاث، فإن قال: أردت بالثاني والثالث التأكيد- قُبِلَ قوله،

الجزء: 6 - الصفحة: 2617

وكذلك قوله: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق؛ لأن طالقًا لفظ يراد به إيقاع الطلاق ويراد به الإخبار عن الماضي، كما قال في الذي طلق زوجته فقيل له: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، وقال: أردت الإخبار عما كنت فعلت- إنه يصدق، وقد تقدَّم القولُ أن طالقًا ليس باسم للفاعل (1)، وإنما يراد به النسبة أنها ذات طلاق، وإذا قال: لم أرد بالثاني والثالث الطلاق- لم يكن عليه شيء، وإن قال: أنت طالق فأنت طالق، فأنت طالق- بانت بالثلاث.
ولو قال: أردت بالثنتين توكيد الأول، ولا بينة عليه، لرأيت أن يصدق الوجه الذي تقدم أنه لفظ بغير نية، وانظر قوله عزَّ وجلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: 74] هل جاءت الفاء ها هنا لمعنى أو زائدة؛ لأنها لو سقطت لكان الكلام مستقلًا بنفسه؟

فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن دَخَلْتُ هذه الدار, ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها إجمال واحتمال]

فإن قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، فطلقها ثم دخل، فإن دخل في العدة -والطلاق رجعي- حنث بطلقة أخرى، وإن دخل بعد انقضاء العدة، ثم تزوجها لم يحنث بذلك الدخول، إلا أن يدخل بعد أن عادت زوجة، فإن عادت إليه بعد أن تزوجت زوجًا ثم دخل، فإن كان الطلاق الأول ثلاثًا لم يحنث الآن بدخوله، وإن طلقها واحدة، ثم دخل- حنث بما بقي من طلاق ذلك الملك، وإن حلف ألا يدخل هذه الدار، فأدخل يده أو رأسه لم يحنث.113

الجزء: 6 - الصفحة: 2618

واختلف إذا أدخل رجله، فقال مالك: يحنث 114، كمن حلف لا آكل رغيفين، فأكل أحدهما أنه يحنث، 115 قال: وكذلك لو حلف على زوجته لا خرجت، فأخرجت رجلها، ثم ردتها حنث 116، وروى ابن وهب مثل ذلك عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، 117 وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا أدخل رِجْلًا واحدة، فإن كان وقوفه عليهما- لم يحنث، وإن كان وقوفه على الداخلة 118، وقد أقل الخارجة ليدخل ثم ذكر فخرج حنث، فإن أدخل رأسه وصدره وهو قائم- لم يحنث، وإن كان مضطجعًا حنث؛ لأن هذا جل البدن، وإن أدخل رجليه إلى وسطه حنث 119. وقال ابن القاسم وابن وهب وأصبغ: إن وضع رجله من وراء الباب أو في موضع من العتبة فمنع الغلق- فقد حنث 120. فأحنثه مالك إذا أدخل رِجلًا لأن القصد اجتناب الدار، وعلى مراعاة الألفاظ لا يحنث، ولا يقال: دخل فلان دار فلان إذا أدخل رجله، ولا يسمى داخلًا إلا أن يدخل بجسمه، وكذلك الخروج، لا يحنث بإخراج رجل، ومن قال: امرأته طالق ليلة أدخل دار فلان، فدخلها نهارًا، أو قال: يوم أدخل، فدخلها ليلًا- لم يحنث 121، أو

الجزء: 6 - الصفحة: 2619

قال: يوم أدخل دار فلان فدخلها ليلًا لم يحنث 122، وإن قال: أنت طالق إن دخلتُها ليلًا، فدخلها نهارًا، أو حلف إن دخلها نهارًا، فدخلها ليلًا لم يحنث على مراعاة الألفاظ 123.

الجزء: 6 - الصفحة: 2620

باب فيمن شكَّ هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟ أو هل طلق أو لا؟ أو هل حلف بالطلاق، أو تيقن الحلف (1) وشكـ في الحنث، أو تيقن الحلف وشكـ بماذا حلف؟

125 ومن المدونة قال مالك فيمن طلق زوجته ولم يدر هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا: فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره 126. وقال في كتاب ابن حبيب: يؤمر بالفراق من غير قضاء 127، فإن تزوجها بعد زوج ثم طلقها أمر ألا يرتجعها 128 الآن، وألا يتزوجها إلا بعد زوج، لإمكان أن يكون الأول ثنتين 129، وقد أوقع بعد الطلاق الأول ثلاثًا.
ويختلف في أمره في جميع ذلك هل هو على الوجوب أو يندب إلى ذلك من غير قضاء، ولا يختلف أنه يؤمر في أول مرة بالإمساك عن رجعتها ويتركها حتى تنقضي عدتها، ثم يتزوجها بعد زوج إن أحب، فإن هو ارتجع أمر ألا يصيب؛ لأنه لا يدري حلالًا أو حرامًا، ويؤمر أن يوقع عليها طلقة أخرى، لإمكان أن يكون طلقة واحدة فتكون الرجعة صحيحة، فلا تحل لغيره من غير طلاق؛ لأن الأول إنما منع لإمكان أن يكون ثلاثًا، ليس على وجه القطع أنها ثلاثًا، وإذا124

الجزء: 6 - الصفحة: 2621

امتنع الأول مع 130 الشك مع كونها حلالًا في الأول- كان الثاني أولى بالمنع؛ لأنه في شك من زوال عصمة الأول، فكان بقاؤها مع الأول بالشك أولى من إباحتها للآخر بالشك، إلا أن يوقع الأول عليها طلاقًا، فإن لم يفعل جبر على ذلك على قوله في المدونة، ولم يجبر على قوله في كتاب ابن حبيب، فإن لم يجبر وقف عنها، فرفعت أمرها إلى السلطان لأجل وقوفه عنها، وقالت: عليَّ في ذلك ضرر- طلق عليه الحاكم.
فحرمها مالك في القول الأول؛ لأنه شاك في نفس المتناول هل هو حلال أو حرام؟ فأشبه من شك في الذكاة.
ولم يحرمها في القول الآخر؛ لأنها في الأصل حلال بالزوجية، ففارق ما يفتقر إلى الذكاة؛ لأن الأصل فيها التحريم وعدم الذكاة حتى يثبت 131 أنه ذكي.
واختلف عنه في المتوضئ يشك في انتقاض طهارته، فقال مرة: يجب عليه الوضوء ولا يستفتح الصلاة إلا بطهارة متيقنة 132، وقال مرة: يستحب ذلك؛ لأنه على طهارة فلا يسقط حكمها بشك.
واختلفت ألفاظ حديث النعمان في المشتبهات، فجعله مرة كالراعي حول الحمى وقال: "يوشك أن يقع فيه" 133، فلم يجعله كالراعي في الحمى فيكون محرمًا، ومنع الرعي 134 حوله حِمَاهُ خوف أن يقع في الحرام، وهو الحمى، فيكون

الجزء: 6 - الصفحة: 2622

الترك على وجه الاستحسان، ويختلف على هذا إذا شك هل طلق أم لم يطلق؛ لأنه كالذي أيقن بالوضوء وشك في الحدث، فمن أوجب الوضوء هناك حرمها ها هنا، ومن أبقاه هناك على الطهارة وجعل الوضوء استحسانًا أمر هذا بالفراق على وجه الاستحباب، ولم يجبر، وكذلك إذا حلف بالطلاق وشك هل حنث أم لا؟ فقال ابن القاسم: يؤمر بالفراق 135. ويختلف هل يجبر على ذلك أو يستحب، والمعروف من المذهب في هذين القسمين أنه على وجه الاستحباب.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب في الشك في الطلاق: يختلف، فمنه ما يقضى عليه به، ومنه ما لا يؤمر به ولا يقضى عليه، ومنه ما يؤمر به ولا يجبر عليه 136، فأما من شك في طلاق امرأته ابتداءً يقول: لا أدري حلفت فحنثت أو لم أحلف، فإنه لا يؤمر بطلاقها بفتوى ولا بقضاء 137، ومثل أن يحلف على امرأته بطلاقها ألا تخرج، ثم يشك هل خرجت أو لا؟ أو لا أكلم فلانًا، ثم شك هل كلمه؟ فهذا لا يؤمر بالفراق بقضاء ولا بفتوى، فإن تسبب له في ذلك سبب أو تريب 138 منها أن تكون فعلت لخبر قد بلغه لم يتحققه- أمر بالحوطة من غير قضاء 139، وأما إن حلف على أمر إن كان وهو مما قد مضى مثل أن يقول: امرأته طالق إن كنت تبغضيني 140، أو كتمت عني خبر كذا، فتقول: إني أحبك، أو قد صدقتك، أو حلف بذلك على رجل بطلاق امرأته إن كتمه

الجزء: 6 - الصفحة: 2623

أمرًا سأله عنه، فهذا كله وأشباهه مما الشك فيه قائم، وهو غيب من علمه وعمى من يقينه، فهذا الشك الذي يفرق بينه وبين امرأته في الفتوى والقضاء.
وقال أصبغ: ومثله الذي شك هل حلف بواحدة أو ثلاثة، فإنه يفرف بينهما بالقضاء.
ومنه أن يحلف فيحنث فلا يدري بأي يمين حلف، بطلاق أو عتاق أو بالله أو بمشي أو بظهار، فإنه يلزمه هذه الأيمان كلها في الفتوى 141 والقضاء، إلا ما كان منها ليس من أيمانه، ولا يجري على لسانه.
وقال ابن القاسم في المدونة: لا يجبر على طلاق ولا عتق ولا صدقة ولا شيء من ذلك 142، وإنما يؤمر بذلك في الفتوى 143، قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما قول أصبغ أنه يجبر على الصدقة والمشي، فخلاف المعروف من المذهب؛ لأنه في الصدقة على غير معين في يمين، وهو في المشي أبين ألا يجبر؛ لأنه حق لله تعالى لا يتعلق به حق لآدمي، وهو بمنزلة لو قال: إن كلمت فلانًا فعلي صلاة أو صوم، فإنه لا يجبر، وإن شك هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟ أُمِرَ ألا يرتجع الآن ولا يقربها حتى تنكح رجلًا غيره، فإن تزوجها بعد زوج ثم طلقها- كان له أن يرتجع قولًا واحدًا، فإن كان طلاقه الأول ثلاثًا فقد أحلها الزوج الآخر وبقيت عنده الآن 144 على تطليقتين، وإن كان الأول واحدة كانت هذه الطلقة ثانية، وبقيت عنده على واحدة، وإن طلقها طلقة أخرى- لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن

الجزء: 6 - الصفحة: 2624

يكون طلاقه الأول واحدة، فتكون هذه الثالثة، وإن شك هل طلق واحدة أو اثنتين- كان له أن يرتجع الآن، فإن ارتجع (1) ثم طلق- لم يرتجعها ولا يقربها (2) حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن يكون الأول طلاقًا (3) اثنتين، وإن شك هل طلق اثنتين أو ثلاثًا، ولم يشك في واحدة أنه أوقعها- لم يقربها إلا بعد زوج، لإمكان أن يكون ثلاثًا (4)، وإن تزوجها بعد زوج (5) ثم طلقها أمسك عنها أيضًا حتى تنكح زوجًا غيره، لإمكان أن يكون الأول اثنتين، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج ثم طلقها- كان له أن يرتجع، فإن كان الأول ثلاثًا فقد بقي له فيها طلقة، وإن كان الأول اثنتين فقد بقي له فيها اثنتين.

فصل [فيمن قال لامرأته طلقتكـ وأنا صبي أو طلقتكـ وأنا مجنون]

وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: طلقتك وأنا صبي، فلا شيء عليه، وإن قال: طلقتك وأنا مجنون؛ فلا شيء عليه إذا كان يعرف بالجنون 150. وفي كتاب الإقرار من كتاب محمد فيمن أقر لرجل بدار وقال: كنت يوم أقررت لك سفيهًا مولى عليَّ، أو صغيرًا أو ضرب على يدي في فلس، أو145146147148149

الجزء: 6 - الصفحة: 2625

موسوسًا أو حربيًا أو خارجيًا، قال: إن كان ثبت أنه كان كذلك- لم يلزمه إقراره الآن إذا حلف (1)، وأما قوله: وأنا صبي، فلا شيء عليه؛ لأنه معلوم أنه كان صغيرًا إذا حلف أنه لم يقر إلا بما كان (2) في ذلك الوقت.
وقال محمد: إذا كان قوله قولًا متصلًا فهو مصدق؛ لأنه إقرار بلا بينة عليه, وهذا أصل أشهب: أنه لا يؤخذ بغير ما أقر به، وأصل ابن القاسم أنه مقر مدَّعٍ، وهو قوله في مسألة الدم (3)، وفي الذينِ وجدا في بيت فأقرا بالوطء، وقالا: نحن زوجين، ويلزم على قوله ألا يقبل قوله إذا قال: طلقتك وأنا صغير أو مجنون، وهو معروف أنه كان يجن؛ إلا أن يعلم أنها كانت زوجة في الصغر، وفي حال كونه مجنونًا إلا أن يقول: كنت قلت: إن تزوجتك فأنت طالق، وقول أشهب في هذا كله حسن.

فصل [فيمن قال لزوجته أصبعكـ طالق أو رجلكـ أو يدك أو شعرك أو كلامكـ أو قال أنت طالق نصف تطليقة]

وإن قال: أصبعك طالق أو رجلك أو يدك- كانت طالقًا 154، واختلف إذا قال شعرك أو كلامك 155، وقد مضى ذلك في كتاب التمليك، وإن قال: أنت طالق نصف تطليقة- لزمه طلقة 156، وإن قال: طلقة ونصف- كانت طلقتين،151152153

الجزء: 6 - الصفحة: 2626

وإن قال: طلقتين ونصف- بانت بثلاثٍ 157، وإن كُنَّ أربع نسوة، فقال: بينكن طلقة، وقع على كل واحدة طلقة 158، وكذلك إذا قال: اثنتين 159 أو ثلاث، وإن قال: خمس إلى سبع- كان على كل واحدة اثنتان، وإن قال: تسع- بانت كل واحدة بثلاث، وإن قال لواحدة: أنت طالق، ثم قال للأخرى أنت شريكتها- كان على الثانية طلقة.
وإن قال للأولى: أنت طالق ثلاثًا وللأخرى: أنت شريكتها- كان على الأخرى اثنان، تَكْمُلُ النصف طلقةً، وإن كن ثلاث نسوة فقال لواحدة: أنت طالق ثلاثًا، وللأخرى: أنت شريكتها، وللثالثة: أنت شريكة الثانية على الثالثة 160 - كان على الثالثة طلقة؛ لأنه إنما على الثانية طلقتان، وإن قال للثالثة: أنت شريكتهما- بانت بثلاث لأنها شاركت 161 الأولى في ثلاث، فيقع عليها طلقتان والأخرى طلقة 162.

الجزء: 6 - الصفحة: 2627

باب فيمن قال لزوجتيه: إحداكما طالق، وهو ينوي إحداهما أو لا نية له

ومن قال لزوجتيه إحداكن 163 طالق، وقال: نويت هذه- صدق.
واختلف في يمينه هل يحلف أنه نواها، ولا أرى أن يحلف إذا نسق قوله، وإن لم يكن نسقًا، وكانت منازعته 164 معها، فإن قال: نويت الشابة أو الحسنة منهما، أو من يعلم منه الميل إليها- لم يحلف، وإن قال: نويت الأخرى حلف.
إلا أن تكون المنازعة معها، فلا يحلف.
وإن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال.
وإن نوى واحدة ثم أنسيها - حرمتا عليه.
فإن كان الطلاق رجعيًا فارتجعا في العدة ونوى بالرجعة المطلقة- حلتا جميعًا.
وإن لم يرتجع حتى انقضت العدة لم تحلا إلا أن يستأنف النكاح لهما.
وإن كان الطلاق ثلاثًا لم تحلا إلا بعد زوج، ولا يوجب نفس التحريم طلاقًا.
وإن انقضت العدة يُنَوَّى 165 الطلاق الأول إلا في واحدة، والأخرى في العصمة إلا أن يقوما بحقهما في الوطء.
ويختلف هل يطلق 166 عليه إذا قامتا، إذ لا فائدة في الصبر، أو يتربص 167 حتى ينقضي أجل الإيلاء، رجاء أن تصبر 168 بعد أو يحدث لها رأي، والصبر ها هنا أحسن؛ لأنه يرجو أن يتذكر، فإن هو طلق ونوى التي لم يكن طلق- حلتا للأزواج، وإلا

الجزء: 6 - الصفحة: 2628

طلق عليه السلطان ونُوِّيَ التي لم يكن 169 طلق، ولو رضيت واحدة بالمقام كان للأخرى القيام؛ لأنها تقول: إن كنت المطلقة فلا حق له علي، وإن كنت التي لم تطلق 170 فلي حق في الإصابة، فإذا حيل بينه وبين ذلك كان إمساكي ضررًا عليَّ من غير منفعة له، وإن مات قبل أن تقوما- ورثاه الربع، إن لم يكن له ولد، والثُّمن إن كان له ولدة لأنه مات عن زوجة بيقين، ثم يقسمان ذلك بينهما بالسواء، وإن لم يكن دخل- كان عليه صداق ونصف يقتسمانه جميعًا، وإن ماتا قبله لم يرثهما على أحد القولين؛ لأنه في مال كل واحدة يجب على شك 171 أن يتناول منه شيئًا هل له فيها أم لا؟ وقيل: يرث من كل واحدة نصف ميراثه، وإن ماتت إحداهما قبله والأخرى بعده- كان له من التي ماتت قبله نصف ميراثه على أحد القولين، وعلى القول الآخر لا شيء له، وكذلك التي بقيت بعده يختلف هل ترث منه نصف ميراثها أم لا؟ لأنه يمكن أن تكون هي المطلقة، وليس هذا بمنزلة إذا مات عنهما؛ لأنه مات عن زوجة بيقين، وإنما التنازع بينهما، والعدة إذا طلقتا من يوم يحكم بالطلاق، وكذلك إذا قامت إحداهما أن 172 عدتها من يوم يطلق، لإمكان أن تكون هي التي لم يتقدم فيها طلاق وإن مات عنهما اعتدت كل واحدة أربعة أشهر وعشرا؛ لأن كل واحدة تشك هل هي زوجة إلا أن يكون الموت عقيب الطلاق الأول وقبل أن يحكم عليه 173 بالطلاق فتعتد كل واحدة أقصى العدتين، وإن كان الطلاق ثلاثًا، وإن

الجزء: 6 - الصفحة: 2629

كان رجعيًا فأربعة أشهر وعشرا، وإن ادعى الزوج أنه تذكر في التي طلق صدق، وسواء قال ذلك في العدة أو بعد انقضائها، وكل من ادعى النسيان والشك قبل قوله، إذا قال: تذكرت، وإن قال ذلك بعد موت إحداهما، فإن ادعى أن الحية هي التي لم تطلق صدق، وإن ادعى أنه طلق الحية ليرث الميتة لم يصدق.

فصل [فيمن قال لزوجتيه إحداكما طالق ولا نية له]

واختلف إذا قال: لم تكن لي نية، فقال مالك مرة: تطلقان عليه جميعًا.
يريد: إذا قامتا بالطلاق قال محمد: وهذه رواية ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وروى المدنيون عنه أنه قال: يخير فيمن شاء منهما، فيوقع الطلاق عليها كالعتق 174، وقال محمد: لا خيار في ذلك بخلاف العتق؛ لأنَّ العتق ربما تبعض في الأمة ولا يتبعض الطلاق، وقد يقع في العتق السهم، قال الشيخ -رحمه الله-: وهذه تفرقة في غير موضع الحاجة لأنه إذا قال: أحدكما حر، لم يتبعض العتق، وإنما أعتق واحدًا 175 وطلق واحدة، ولو حمل على التبعيض لأعتق نصف كل واحد 176 منهما وهو لم يقل ذلك، وإنما قال هو بالخيار، يعتق أحدهما وإذا لم يجعل في ذلك خيارًا كان العتق والطلاق في هذا الموضع واحدًا، ويعود الجواب إلى ما تقدَّم إذا عَّين واحدة ثم نسيها، أن له أن يرتجع في العدة، وينوى من لم يقع عليها طلاق، وتحلان له، وإن انقضت العدة استأنف النكاح،

الجزء: 6 - الصفحة: 2630

ولا تحلان لغيره إلا أن يوقع الطلاق أو يوقعه الحاكم على الباقية منهما، فإن مات ورثاه.

فصل [في عطف طلاق الزوجات بما فيه إبهام أو إضراب]

وإن قال: أنت طالق، أو أنت، كان بالخيار بين أن يطلق أيهما أحب 177، ولو قال: أو 178 أنت بنية إحداهما بعد تمام قوله: أنت طالق، طلقت الأولى؛ لأنه لا يصح رفع الطلاق عنها بعد وقوعه، ولا تطلق الثانية لأنه جعل طلاقها على خيار، وهو لا يختار طلاقها لما طلقت الأولى، وإن قال: أنت طالق ثم قال لأخرى: بل أنت، طلقتا جميعًا 179 لأنه أوجب الطلاق في الثانية وإضرابه عن الأولى لا يرفع عنها طلاقًا، وإن قال: أنت طالق لا أنت، طلقت الأولى خاصة، لأنه نفى الطلاق عن الثانية إلا أن يريد بقوله "لا" النفي عن الأولى، ثم التفت إلى الثانية فقال: أنت، أي أنت التي تكون طالقًا، فتطلقان جميعًا 180، وإن كن ثلاثًا فقال لاثنتين منهما: أنت طالق أو أنت، ثم التفت إلى الثالثة فقال: أو أنت، فإن طلق الأولى كان بالخيار بين الوسطى والآخرة، وإن طلق الثالثة كان بالخيار بين الأولى والوسطى، وإن طلق الوسطى لم يقع على الأولى والثالثة طلاق، وإن اختار إمساك الوسطى طلقت الأولى، وإن أمسك الأولى طلقت الوسطى خاصة، وإن أمسك الآخرة طلقت الوسطى؛ لأنه بإمساك الأولى والآخرة مختارًا لطلاق الوسطى، واختياره لطلاق الوسطى اختيار لإمساك

الجزء: 6 - الصفحة: 2631

الأولى والآخرة، وإن قال لثلاث أيضًا: أنت طالق، أو أنت، بل أنت، فإن أراد بقوله: بل أنت الإضراب عن الثانية أي: أنت فيك الخيار بينك وبين الأولى، سقط الخيار فيها وكانت زوجة وطلقت الأولى، وكان بالخيار في الثالثة، وإن أراد بقوله: بل أنت أن يكون الخيار بينها وبن الثانية وتبقى الأولى زوجة كانت زوجة كما قال وطلقت الثانية، وكان بالخيار في الثالثة، وان قال: أنت طالق بل أنت أو 181 أنت 182، طلقت الأولى وكان بالخيار بين الوسطى والثالثة، وإن قال: أنت طالق لا أنت بل أنت، طلقت الأولى والآخرة، إلا أن يريد بقوله: "لا" رفع الطلاق عن الأولى، واثبات الطلاق عن الثانية 183 طلق جميعهن، وفي كتاب ابن سحنون فيمن له أربع نسوة فقال لواحدة: أنت طالق، ثم قال 184 للثانية: لا أنت، ثم للثالثة: أو أنت، ثم للرابعة: بل أنت، وذلك نسق 185 قال: تطلق الأولى ولا شيء عليه 186 في الثانية، ويحلف 187 في الثالثة وتطلق الرابعة، قال: وقال بعض أصحابنا: يخير بين الأولى والثالثة، ولا شيء له 188 في الثانية، وتطلق الرابعة، قال 189: ولو قال لثلاث نسوة: أنت طالق بل أنت أو أنت، ففي قول سحنون تطلق الأولى والثانية، ويخير 190 في الثالثة، وفي القول الآخر

الجزء: 6 - الصفحة: 2632

يخير 191 في الأولى والثالثة وتطلق الثانية، ولو قال: أنت طالق وللثانية: لا أنت، وللثالثة: بل أنت، وللرابعة: أو أنت، لخير في الأولى والرابعة ولم تطلق الثانية وطلقت الثالثة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2633

باب في الاستثناء في الطلاق

ومن طلق زوجته وعلق ذلك بمشيئة فلا يخلو من اربعة اوجه: إمَّا أن يعلق ذلك بمشيئة الله تعالي 192 , أو بمشيئة آدمي حي أو ميت أو جماد 193 , وقد تقدم في كتاب النذور ذكرُ الاستثناء بمشيئة الله عزَّ وجلَّ، فإن قال: أنت طالق إن شئتُ أو شئت أنت أو شاء فلان 194، لم يقع الطلاق إلا أن يوقعه هو أو هي أو فلان، فإن مات فلان 195 قبل أن يعلم أو بعد أن علم، وقبل أن يقضي أو لم يعلم هل قضى بشيء أم لا؟ بقيت زوجة، وكذلك إن كان 196 فلان ميتًا، ولم يعلم الزوج بموته فلا شيء عليه، واختلف إذا كان عالمًا بموته فقيل: لا شيء عليه، وقيل: يقع عليه الطلاق، ويعد نادمًا في قوله: إن شاء فلان.
وإن قال: أنت طالق إن كلمت فلانًا، إلا أن يشاء فلان، وفلان ميت، كانت اليمين منعقدة، فإن كلمه طلقت عليه وإن قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر أو لا كلمت فلانًا إلا أن يشاء هذا الحجر، أو إن شاء هذا الحجر افترق الجواب، واختلف 197 إن قال: إن شاء هذا الحجر، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال سحنون: يقع عليه الطلاق ويعد نادمًا، وكذلك قوله: إن شاء هذا الحجر على

الجزء: 6 - الصفحة: 2634

قول ابن القاسم لا شيء عليه 198، وقال أصبغ في كتاب محمد فيمن نازع امرأته فغضب فقال: أنت طالق إن شاء هذا العمود، إنها طالق، إذا لم تكن المنازعة في العمود أنه عمود، ويحمل على أنه نادم 199، وأرى أن يحلف في جميع ذلك وينوى 200 إن كانت عليه بينة، وإن جاء مستفتيًا لم يحلف إلا أن تقوم الزوجة وتدعي أنه نادم وتريد يمينه فيحلف لأنه أتى بذلك نسقًا، فكان حمله على أنه أراد ذلك أولى لأن أدنى منازله أن يشك هل أراد ذلك أم لا، ولا يقطع أنه نادم، فلا تخرج من عصمته بالشك، قال أشهب في المجموعة: إن قال: والله لا أكلمك حتى يشاء هذا الحجر، فلا يكلمه أبدًا لأنه استثنى مشيئة من لا يشاء، واختلف إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق ثلاثًا إن فعلت كذا وكذا، قال مالك: يلزمه الطلاق بقوله الأول والثاني ندم 201. وقال ابن القاسم: يحلف ما كان ذلك منه، إلا تكرارًا، ثم هو على يمينه وهذا أبين.
واختلف إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء فلان، فقيل: الطلاق لازم، ولا ينفعه استثناء؛ لأن الطلاق لا يرتفع بعد وقوعه؛ بخلاف قوله: إن شاء فلان، فإن الطلاق غير واقع حتى يوقعه فلان.
وقال أصبغ في المنتخبة: إذا قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فمنعه أبوه، فلا شيء عليه إذا منعه، فردَّ عليه وهو بمنزلة من قال: إلا أن يشاء أبي، فلم يشأ أبوه 202، قال: وأصل ذلك قوله: أنت طالق إن شاء أبي، يريد أن قوله: إلا أن لا يشاء أبي 203 يبين أنه لم يرد أن يكون

الجزء: 6 - الصفحة: 2635

وقوع الطلاق منه، وإنما أراد أن يكون موقوفًا (1) على ما يشاء أبوه، فإن كره لم يكن طلاقًا.

فصل [فيمن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو قال إلا اثنتين]

فإن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة 205، لزمه تطليقتان 206 واختلف إذا قال: إلا اثنتين، فقال محمد: يصح استثناؤه، ويلزمه طلقة 207. وقيل: لا يصح ويلزمه الثلاث، وذكر أبو محمد عبد الوهاب في مقدمة الأصول منعه، قال: وأجازه الجمهور من أصحابنا، قال: ودليلنا أن موضع الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لانتظمه، وهذا حاصل في الكثير كحصوله في القليل، ولأنه ليس يتعلق في منعه إلا بقبحه وأنه قليل في الاستعمال، أو معدوم، وهذا لا يؤثر لأن الكلام في الصحة لا في القبح ولا في الحسن، قال الشيخ - رضي الله عنه -: الاستثناء بالطلاق يصح فيما كانت النية فيه قبل أو حدثت قبل تمام الطلاق وانعقاده، وإذا كان كذلك فلا يخلو المستثني أن يكون مستفتيًا أو عليه بينة، فإن كان مستفتيًا صح استثاء الأكثر والجميع، ولو قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة لم يلزمه شيء 208 إذا قال: نويت ذلك قبل النطق بالطلاق أو بعد في موضع لو سكت لم يكن طلاقًا؛ لأنه طلاق بنطق من غير نية ويختلف إذا كانت عليه بينة؛ لأن قبحه يصيره في معنى من أتى بما لا يشبه، وبمنزلة من قال: أنت204

الجزء: 6 - الصفحة: 2636

طالق إن شاء هذا الحجر، فقد اختلف هل يعد نادمًا، ويختلف أيضًا إذا طلق اثنتين إلا واحدة 209 لأن واحدة من اثنتين ليست الأقل وهو بمنزلة من قال: ألف إلا خمسمائة، وأما الإقرار بالدين فإن استثنى الأقل 210 صدق، ويختلف إذا استثنى الأكثر فعلى أصل قول 211 أشهب لا يؤخذ بغير ما أقر به، وعلى القول الآخر لا يصدق؛ لأنه أتى بما لا يشبه ويعد نادمًا إلا أن يُشْهِد قبل أن يقر أنه يستثني الأكثر فيكون ذلك له قولًا واحدًا، ولأنه لو أشهد أن لا شيء له عندي، وإنما أُقِرُّ بذلك لأستخرج به شيئًا كتمنيه، أو لأتوصل بذلك لشيء لا 212 أني أدفع ما أقر به لم يكن عليه شيء، فهو إذا استثنى الأكثر أبين ألا يؤخذ بغير ما أقر به، والمستقبح من هذا أن يستثني عددًا من عدد فيقول: ألف إلا تسعمائة، أو قال: عبيدي أحرارٌ إلا الصقالبة أو الحمران، وهم الأكثر، أو عقاري حبس إلا الضياع الفلانية، وهي الأكثر والأجود، لكان ذلك له؛ لأنه مطلق الأول لم يتضمنه حقيقة ويمكن أن يريد البعض 213 وبخاصة على من لم يقل بالعموم، وليس كذلك مطلق قوله: ألف.

الجزء: 6 - الصفحة: 2637

باب في الطلاق قبل النكاح والعتق والصدقة قبل الملكـ

الطلاق قبل النكاح على وجهين: أحدهما 214 عام والآخر 215 خاص، فيسقط إذا عم، ويختلف فيه إذا خص، الأول قول الحالف: كل امرأة أتزوجها فهي 216 طالق، فيمينه ساقطة؛ لأن يمينه تقتضي عموم النساء، والأزمنة والبلدان، وذلك حرج، والحرج ساقط بالقرآن 217. واختلف إذا عم ملك اليمين فقال: كل أمة أتسراها حرة، فقيل: لا شيء عليه كعموم الطلاق.
وقيل: يلزمه؛ لأنه أبقى النكاح.
وهو أحسن؛ لأن العمدة التزويج، وعليه معظم الناس، والتسري في جنب النكاح يسير، ولا تلحق المضرة بالاقتصار على النكاح، وتلحق بالاقتصار على التسري، وللناس رغبة في التناسل، ورغبة عن ذلك من الإماء، وإن قال: كل أمة أتزوجها طالق - لزمه؛ لأنه أبقى الحرائر، واختلف إذا قال: كل حرة أتزوجها طالق، وأرى أن لا شيء عليه، وسواء كان ذا طول أم لا؛ لأن الاقتصار على الإماء مما يدرك به الحرج، قياسًا على عموم النكاح إذا أبقى التسري، ولأن المعرة تدرك بتزويج الإماء، ولا تدرك بتسريهن، فكان النكاح في ذلك أشد، وتدركه المعرة أيضًا بإرقاق ولده.
واختلف إذا خص في النكاح فسمى امرأةً أو جنسًا أو قبيلةً أو بلدًا أو

الجزء: 6 - الصفحة: 2638

زمنًا يبلغه عمره، هل يلزمه ذلك؟ وإن قال: كل بكر أتزوجها أو كل ثيب فهي طالق- لزمه على القول أنه إذا خص يلزمه اليمين، واختلف إذا قال: كل بكر ثم قال: كل ثيب، أو كل ثيب ثم قال: كل بكر 218، هل تلزمه اليمين الثانية؟ وأن لا شيء عليه أحسن؛ لأنه قد عم جميع النساء، ولم يبق من يتزوج، وإن قال: أول امرأة أتزوجها 219 طالق - لزمه 220؛ لأنه أبقى ما بعد الأولى، فلا يحنث إلا في امرأة واحدة، واختلف إذا قال: آخر امرأة أتزوج طالق، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا شيء عليه، وقال في العتبية: وهو مثل من حرم جميع النساء؛ لأنه كلما تزوج امرأة فرق بينه وبينها، قال 221: ولعل تلك المرأة آخر امرأة يتزوجها، فلا تستقر معه امرأة، وقال محمد وسحنون: يلزمه ذلك، ويوقف عنها، خوف ألا يتزوج غيرها، فإن تزوج غيرها حلت الأولى، ويوقف عن 222 الثانية، فإن تزوج ثالثة، وقف عنها، وحلت الثانية 223، وإن تزوج رابعة وقف عنها، وحلت الثالثة 224، والصواب أن لا شيء عليه في أول امرأة يتزوج؛ لأنه لم يعقد فيها يمينًا، إذا قال: آخر امرأة، علمنا أنه جعل لنكحه أولًا ولم يرده باليمين وأخرى علق به اليمين 225 وإذا قال: أول امرأة أتزوج طالق ثم قال بعد

الجزء: 6 - الصفحة: 2639

ذلك: آخر امرأة أتزوج 226 - انعقد اليمين فيهما جميعًا، بخلاف من قال: كل بكر ثم قال: كل ثيبٍ؛ لأن هذا قادر على أن يصيب بغير حنث، فإن تزوج بامرأة- طلقت؛ لأنها أول، وإن تزوج ثانية كانت اليمين منعقدة فيها؛ لأنه قادر على أن يتزوج أخرى وتحل الثانية.
واختلف إذا قال لزوجته 227: كل امرأة أتزوجها عليك في حياتك وبعد وفاتك طالق، فقال ابن القاسم في الدمياطية: يلزمه فيما تزوج في حياتها، ولا يلزمه فيما تزوج بعد وفاتها.
وقال أشهب: لا يلزمه 228 شيء، وهو بمنزلة من قال: لا أتزوج أبدًا، وهو أبين؛ لأن المفهوم والقصد ألا يتزوج أبدًا، هذا في حق الله تعالى، وأما في حق الزوجة فإن لها أن تقوم بطلاق ما يتزوج في حياتها؛ لأنها تقول: جعلت ذلك لئلا يدخل عليَّ ما يسوءني في حياتي، فزدت على 229 ذلك بعد وفاتي على أن أقوم بما يكون في حياتي؛ لأنه مما يقدر على الوفاء به، ويسقط ما بعد ذلك.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها غيرك طالق: لزمه ذلك، قال: وهو بمنزلة قوله: كل امرأة أتزوجها عليك طالق، وقال محمد: لا شيء عليه 230، وإنما تكلم ابن القاسم على ما يجب من حق المرأة؛ لأن القصد في مثل ذلك ألا يسوءها بضرة في حياتها، يتزوجها عليها، ولا يتزوج بعدها، وأوجب ذلك لها عليه، فوجب أن يوفي لها

الجزء: 6 - الصفحة: 2640

بما يكون في حياتها، وقبل أن يطلقها؛ لأن ذلك لا حرج عليها فيه (1)، فكانت في هذا الوجه بمنزلة من قال: لا أتزوج عليك، ولا بعد وفاتك.

فصل [فيمن حلف ألا يتزوج إلى أجل]

وقال مالك فيمن حلف ألا يتزوج إلى أجل كذا مما يرى أنه يعيش إليه- لزمه، وإلا لم يلزمه 232. وقال في غلام له عشرون سنة حلف في سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق، إن اليمين لازمة له 233، والقياس في هذا أن لا شيء عليه؛ لأنه قد عم المعترك من العمر، وزمن الشبيبة الوقت الذي يحتاج إليه في مثل ذلك، ويشق عليه الصبر فيه، ولم يبق إلا الموت أو قلة حراك 234، وأرى: أنه لو قال: كل امرأة أتزوجها بعد ثلاثين سنة أو أربعين سنة، وهو ابن عشرين سنة، أنه يلزمه؛ لأنه أبقى لنفسه الزمن الذي يحتاج إليه لذلك، وعم زمنًا لا يلحقه في مثله 235 مشقة، والمضرة التي تلحقه إذا حلف أنه لا يتزوج إلى أربعين سنة أعظم من المضرة التي تلحقه إذا أبقى لنفسه هذه السنن، وعلق المنع بما بعدها، واختلف إذا كان الأجل حياة فلان، فقال: كل امرأة أتزوجها ما عاش فلان طالق، فقيل: يلزمه لإمكان أن يموت 236 فلان قبله، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه.
يريد: 237 لإمكان231

الجزء: 6 - الصفحة: 2641

أن يموت هو قبل فلان، فيكون بمنزلة من عم جميع الأزمنة، وإن قال: كل امرأة أتزوجها من قبيل كذا- لزمه.
وإن قال: إلا من قبيل كذا، فإن كان ذلك القبيل واسعًا لزمه، وإن كان قليلًا لم يلزمه.
وإن قال: كل امرأة أتزوجها من مدينة كذا- فيلزمه 238. وإن قال: إلا من مدينة كذا، فإن كانت كبيرة لزمه، وإن كان فيها النفر اليسير لم يلزمه، وهذا قول ابن القاسم، وإن قال: كل 239 امرأة أتزوجها فنوى فلانة لم يلزمه.
قال محمد: ولو قالت له تلك المرأة: أنا أسهل عليك وأتزوجك- لم يلزمه.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: الذي سمعنا من مالك وغيره من علماء المدينة إذا قال: كل امرأة أتزوجها إلا فلانة طالق- أن ذلك يلزمه 240. قال ابن الماجشون، وإن كان التي استثنى متزوجة أو أيِّمًا ثم تزوجت 241 كانت اليمين لازمة 242، وينتظر رجوعها، وكذلك لو تزوجها ثم طلقها ألبتة، فإنه ينتظرها 243؛ لأنها قد تتزوج فيبرأ أو يموت عنها فترجع حلالًا، ولو كانت صغيرة وتبلغ مبلغ النكاح في حياته وقبل انتهاء تعميره- لزمه، ولو تزوجها وهي في عدة من غيره ودخل بها خرج من يمينه؛ لأنها لا تحل له أبدًا.
وقال مطرف: إذا كانت التي استثنى متزوجة أو أيمًا فتزوجت فقد خرج من يمينه 244. فرأى مالك علي هذا القول أن الأصل: انعقاد اليمين إذا علقها بمن تتزوج، إلا أن يعم النساء، فيسقط للحرج، فإذا

الجزء: 6 - الصفحة: 2642

استثنى ما يرفع الحرج والتضييق عنه- لزمه، فإن قال: كل امرأة أتزوجها إلا الزوجة التي معي أو إلا فلانة، فرضيت بتزويجه- لزمه؛ لأن الواحدة تحصن وتعف، ويمنع من أخرى إذا كان على طريق التوسع، ولا يمنع إذا كان للضرورة، ولا إذا لم ترض فلانة بتزويجه، ويلزم على هذا إذا قال: كل امرأة أتزوجها طالق- أن يباح له واحدة، ويمنع ما سواها إلا أن تكون ضرورة إلي أخرى.

فصل [فيمن قال إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق]

وقال ابن القاسم فيمن قال: إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق، قال: أرى ألا يتزوج إلا من الفسطاط وإلا لزمه الحنث 245، وقال سحنون: لا يحنث فيما يتزوج من غير الفسطاط، ويوقف عنها وتكون بمنزلة من قال: إن لم أتزوج من الفسطاط فامرأتي طالق، وقول ابن القاسم أشبه؛ لأن قصد الحالف في مثل هذا أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق، وقال محمد فيمن حلف ألا يتزوج بمصر فله أن يتزوج بغير مصر حضرية مقيمة بمصر إلا أن يقول مصرية، أو كانت تلك نيته، ولا يتزوج مصرية كانت بمصر أو بغيره، وإن حلف ألا يتزوج مصرية فلا بأس أن يتزوج بمصر غير مصرية، يريد: ما لم يطل مقامها وتصير على طباعهم وسيرتهم، واختلف فيمن حلف ألا يتزوج بمصر في الموضع الذي يجوز أن يعقد فيه النكاح إذا خرج عن مصر، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا لم تكن له نية

الجزء: 6 - الصفحة: 2643

فالقياس إذا خرج إلى حيث يبتدئ فيه القصر إذا خرج 246، ولا يتم فيه إذا قدم ألا يلزمه يمين، والاستحسان أن يتجاوز القدر الذي يجب فيه إتيان الجمعة، وهو أحب إليَّ، وإن تزوج في دون ذلك في موضع تقصر فيه الصلاة إذا خرج لم أفسخه، وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إذا كانت قرية يجمع أهلها ألا يقصر حتى يجاوز الثلاثة أميال ورآه 247 قرارًا واحدًا، وعلى هذا لا يتزوج حتى يجاوز ثلاثة أميال، وإن تزوج دون ذلك حنث، وقال ابن حبيب فيمن حلف ألا يتزوج بقرطبة، فإن نوى الحاضرة لزمه على ثلاثة أميال، وإن لم يكن له نية لزمه حتى يجاوز يومًا وليلة أربعين ميلًا فأكثر 248.

الجزء: 6 - الصفحة: 2644

باب ما لا يتكرر من الطلاق أو يتكرر

اليمين بالطلاق على ثلاثة أوجه، امرأة معينة أو جماعة معينين أو جماعة مجهولين، فإن كانت امرأة معينة فقال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو إذا تزوجت أو متى تزوجتها فتزوجها كانت طالقًا، فإن تزوجها بعد ذلك فلا شيء عليه، ولا يحنث فيها إلا مرة واحدة 249، وإن قال: كلما تزوجتها تكرر عليه الطلاق كلما تزوجها 250، وإن قال: متى ما تزوجتها حنث بتزويجها مرة، ولم يتكرر إلا أن يريد بقوله "متى ما" "كلما" 251، وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: إن تزوجت فلانة أبدًا فهي طالق، فإن تزوجها طلقت عليه، فإن تزوجها بعد ذلك فلا شيء عليه 252 فلم ير لقوله "أبدًا" تأثيرًا في تكرار الطلاق؛ لأنَّ إطلاق قوله: إن تزوجتك فأنت طالق على الأبد ما كان حيًا، فكان ذكره الأبد وسكوته عنه سواء، واختلف إذا عين امرأة وضرب أجلًا أو سمى بلدًا، أو قال لزوجته: إن تزوجتها عليك، فقال محمد فيمن قال لامرأة بعينها: إن تزوجتك عشر سنين فأنت طالق، فتزوجها فطلقت عليه، فله أن يتزوجها في العشر سنين 253؛ لأنه سمى امرأة وكذلك إن قال: إن تزوجت فلانة بمصر أبدًا فهي طالق، يريد: أنه يَبَرُّ فيها بمرة واحدة، ولا يتكرر عليه بعد ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 2645

الطلاق، وإن تزوجها بمصر، وقال عبد الملك: إن قال: إن تزوجت فلانة على امرأتي فهي طالق، قال: هذا يلزمه فيها كلما تزوجها عليها؛ لأنه أراد ألا يجمع بينهما، وفرق بينه وبين قوله: إن تزوجتك عشر سنين أو بمصر، قال محمد: ولم يعجبنا هذا 254، ولا يلزمه فيها حنث بعد إذ قَدْ 255 فرغ من الحنث، وقال ابن القاسم في العتبية: إن قال: إن تزوجت فلانة على امرأتي هو بمنزلة من قال: إن تزوجت فلانة بمصر فهي طالق، فكلما تزوجها بمصر طلقت عليه، وإن حنث فيها مرارًا، أو تزوجت أزواجًا فإن يمينه يلزمه أبدًا 256، قال: وهو بمنزلة من قال: إن تزوجت فلانة في 257 هذه السنة فهي طالق، فتزوجها فحنث ثم تزوجها في السنة حنث فيها أيضًا، والأول أقيس لاتفاقهم إذا لم يسم أجلًا أو بلدًا، أو كانت اليمين معلقة بجميع الأزمنة حياته أو البلدان أن اليمين لا يتكرر عليه، فكذلك لا يتكرر عليه اليمين إذا ضرب أجلًا أو سمى بلدًا، وفائدة يمينه في قصره على الأجل أو على البلد أن اليمين ساقطة عنه فيما بعد ذلك الأجل أو بغير ذلك البلد الذي يلزمه في المرة الواحدة التي خص يمينه بها فهو الذي يلزمه إذا عم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2646

فصل [فيمن قال لنساء معينات أيتكن تزوجت فهي طالق]

وإذا كانت اليمين على جماعة معينين، فقال: إن تزوجتكن، أو من أتزوج منكن، أو أيتكن تزوجت فهي طالق، كانت اليمين على جميعهن، فإن تزوج واحدة كانت طالقًا وبقيت اليمين منعقدة في البواقي، فمن تزوج منهن بعد ذلك فهي طالق أيضًا، وإن تزوج بمن طلقت عليه جاز له إمساكها، ولم يتكرر عليه فيها الطلاق إلا أن يضرب فيهن أجلًا أو يسمي بلدًا، فيعود الخلاف المتقدم هل يتكرر الطلاق 258 فيمن تزوجها ثانية بعد أن طلقت عليه إلا أن يقول كلما يتكرر الطلاق فيمن يتزوج، وإن كانت اليمين على مجهول فسمى قبيلًا أو فخذا أو بلدًا أو قال: من الموالي، فيتكرر عليه 259، فإن تزوج امرأة منهن فطلقت عليه عادت في مجهول من حلف عليه، فإن تزوجها ثانية طلقت عليه، وسواء أطلق ذلك أو ضرب أجلًا، وقال: إن تزوجت أو متى أتزوج، ومن كتاب ابن سحنون فيمن قال: إن تزوجت من بني فلان أو من بنات فلان فهي طالق، فإن كانوا معروفين بحصر أو بعدد 260 فهم كامرأة واحدة فلا يتكرر الحنث، فإن تزوج منهن فطلقت ثم تزوجها ثانية فلا شيء عليه، قال: وقيل: إن قال من بني فلان فلا تكون إلا مجهولة، وإن قال: من بنات فلان فلا تكون إلا في القليل، يحاط بهن إلا أن يقول: من بنات تميم أو عدي أو بني زهرة 261.

الجزء: 6 - الصفحة: 2647

قال الشيخ رحمه الله: وكذا إن سمى بنات قرية صغيرة فهي كالمعينات أو قبيلة من مِصْرٍ كبيرة وهن فيه قليل فلا يتكرر، وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قال بنات فلان أو أخواته ولم ينص أسماءهن فاليمين يعود عليه فيهنَّ أبدًا، والأول أصوب ولا فرق بين أن يسميهن أو لا (1) يسمى.

فصل [فيمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق]

وقال مالك فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق إنها طالق بنفس العقد، ولها نصف المسمى، وإن دخل بها كان لها صداق واحد 263 ويفرق بينهما وإن ماتا لم يتوارثا، وعدتها منه إن هو مات ثلاث حيض، وقال ابن القاسم في العتبية: إن دخل بها لم يفرق بينهما، وبلغني عن ابن المسيب أن رجلًا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، قال: يتزوجها وإثمه 264 في عنقي، وزعم المخزومي أنه 265 ممن حلف على أمه بمثل ذلك 266. وقال أبو مصعب فيمن حلف بطلاق كل 267 امرأة ينكحها إلى أجل يبلغه عمره، أو سمى بلدًا ألا ينكح فيه أو قبيلة من الناس أو صنفًا من الأصناف، فتمامه أحب إليَّ، ومن وجدته قد نكح بعد يمينه هذه لم أفسخه، وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: وسأل نافع مولى ابن عاصم مالكًا فقال: إني حلفت262

الجزء: 6 - الصفحة: 2648

بطلاق كل امرأة أنكحها ما دامت أمي حية، فأمره مالك أن يتزوج واحدة 268، فأخذ 269 مالك مرة بالحديث: "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ" 270، ومرة قدم القياس لأنه إنما أوقع الطلاق بشرط وجود النكاح، واختلف إذا ضرب أجلًا ثم خشي العنت، فقال ابن وهب وأشهب: لا يحل له ذلك وإن خشي الزنى، وقال ابن القاسم: له أن يتزوج 271، قال في كتاب محمد: وقد اختلف الناس في هذا النكاح، فأجازه سعيد بن المسيب، قال: وإن قال: كل جارية أملكها إلى أجل كذا 272 أو خاف العنت فلا سبيل له إلى ذلك، فإن فعل حنث، قال أصبغ: وهما عندي في القياس سواء، وإن قول ابن القاسم أحب إليَّ لتأكيد العتق وضيقه وسعة الناس في النكاح، واختلف إذا قال: كل مال أفدته إلى أجل كذا صدقة.
وقال مالك وابن القاسم: يلزمه.
وقال ابن القاسم أيضًا في العتبية: لا شيء عليه، قال: وإنما الصدقة فيمن حلف على ما يملك يوم حلف.
وقال ابن الماجشون وأصبغ في كتاب ابن حبيب: لا شيء عليه، وإن ضرب أجلًا أو سمى بلدًا، ولا يلزم إلا فيما كان يملك، قال: ولا يشبهه الطلاق ولا العتق 273.

الجزء: 6 - الصفحة: 2649

قال الشيخ - رضي الله عنه -: الحديث ورد في الطلاق والعتق والصدقة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ" 274، قال الترمذي: وهذا قول أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، ولا فرق بين الطلاق والعتق والصدقة لأنه في جميعهم عقد قبل الملك، فإما أن يسقط الجميع أو يثبت ويفترق الجواب بعد القول بلزوم ذلك في الصحة والفساد، فيكون النكاح فاسدًا والعتق والصدقة جائزين 275؛ لأن النكاح يبقي المبيع على 276 صاحبه، ولو قالت: أتزوجك على أني طالق لم يجز، ولم تستحق صداقًا إن تزوجته، ولا فرق بين أن يكون ذلك شرطا منه أو منها، وهي بمنزلة من قال: أبيعك هذه السلعة على أن تبقى لي وأقبض الثمن بالثمن هبة يبطله الفلس والموت، وإن تزوجت حنث في يمينه ولا شيء عليه إن تزوجها بعد ذلك إذا كانت اليمين على امرأة بعينها، ولا تستحق صداقًا لأنه فاسد فسخ قبل الدخول، وقال مالك: النكاح جائز ولها نصف الصداق، وإن دخل كان لها صداق واحد.
وقال ابن نافع في كتاب المدنيين: القياس أن لها صداقًا ونصفًا 277، وإن شرط لامرأته 278 أن كل امرأة: أتزوجها عليك طالق لزمه ذلك،

الجزء: 6 - الصفحة: 2650

وهذا بخلاف الأول؛ لأن الوفاء بهذا من حق الزوجة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" 279. وقال ابن القاسم فيمن قال: كل امرأة أتزوجها من الفسطاط طالق، فوكل رجلًا يزوجه فزوجه من الفسطاط وبنى بها، قال: تطلق عليه ولا شيء على الوكيل إن لم يكن نهاه عن ذلك 280، قال الشيخ رحمه الله: ولو علم الوكيل بيمينه فزوجه كان متعديًا، وإن لم ينهه، وكذلك إن لم يعلمه بيمينه وقدم إليه ألا يزوجه من الفسطاط، ولا شيء للزوجة على الزوج إذا ثبت ذلك وكان الوكيل موسرًا، وإن كان معسرًا غرم الزوج ورجع على الوكيل متى أيسر، وإن تقارر الزوج والوكيل قبل الدخول أن اليمين تقدمت ولم تصدقهما المرأة، فرق بينهما لإقرار الزوج على نفسه وغرم الزوج ورجع على الوكيل.

الجزء: 6 - الصفحة: 2651

باب فيمن حلف ليتزوجن على زوجته هل يبر بتزويج غير الأكفاء أو بالأمة أو بالعقد دون الدخول

ومن حلف ليتزوجن على زوجته فتزوج حرة مثلها من مناكحة تزويجا صحيحًا وبنى بها قبل أن يطلقها- بر في يمينه قولًا واحدًا، واختلف إذا انخرم أحد هذه الشروط الأربعة فتزوج من غير الأكفاء أو أمة أو نكاحًا فاسدًا، فدخل أو نكح 281 نكاحًا صحيحًا وطلق قبل البناء، فقال ابن القاسم: إذا كان النكاح فاسدًا لم يبر به 282. يريد: وإن دخل إذا كان مما يفسخ بعد الدخول، وإن كان مما يثبت بعد بر به، والقياس أن يبر، وإن فسخ بعد لأنه إنما حلف ليتزوجن فقد تزوج، ولأن القصد أن يسوءها بمباشرة غيرها، وقد فعل ولا فرق عند الأولى 283 أن يكون ذلك 284 عن صحة أو فساد، وأيضًا فإن الحالف لا يعرف صحيح ذلك من فاسده، والوجه الذي فعله هو الذي أراد بيمينه، ولو أصاب في النكاح الصحيح مرة ثم طلق لبر بذلك، وقد اختلف في هذا الأصل، فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن حلف ليصيبن زوجته اليوم فوجدها حائضًا فأصابها في ذلك لبر بذلك 285، وقال في العتبية: لا يبر ولو حلف أنه لا يصيبها فأصابها في الحيض حنث قولًا واحدًا، واختلف إذا حلف بعتق أمة ليبيعها فوجدها حاملًا منه، فقال مالك: تعتق عليه، وقال محمد وسحنون: لا شيء عليه كمسألة الحمامات 286، فحمل مالك اليمين على مراعاة

الجزء: 6 - الصفحة: 2652

الألفاظ؛ لأنه حلف ليوجدن منه فعل فلم يوجد ولم يحنث في القول الآخر، لأن القصد إذا كان البيع يصح ولو كان عالمًا أنها حامل لبر بالعقد، وإن نقض لأنه المقصود بيمينه ويحنث إن لم يفعل حتى خرج اليوم الذي حلف ليبيعها فيه، واختلف إذا تزوج امرأة ليست من مناكحه فقال مالك: لا يبر، قال محمد: وسهل فيها ابن القاسم، وإن تزوج أمة لم يبر على قول مالك.
وقال ابن القاسم: يبر إذا كان لا يجد طولًا للحرة، وإن كان واحدًا عاد الخلاف المتقدم هل يبر بالنكاح الفاسد، وقول ابن القاسم في هذا أحسن؛ لأن المراد نكايتها بذلك، وذلك يَحْصُلُ بالشريفة والوضيعة، ولأن العادة جارية عند اليمين بمثل ذلك تزويج الدنية ومن لا رغبة في المقام معها ويقول: أفعل ذلك لأبر في يميني، واختلف هل يبر بالعقد، فقال مالك وابن القاسم: لا يبر.
وقال أشهب: يبر.
وإن طلق قبل البناء، يريد: لأن التزويج يقع على العقد حقيقة، ورأى مالك أن القصد بالتزويج الدخول، واختلف إذا حلف ليتزوجن في هذا الشهر فتزوج فيه ودخل في غيره، ففي كتاب محمد أنه حانث، وقاله مالك في العتبية، والأمر في هذا أشكل ممن طلق، ولم يدخل لأن الشأن التراخي بالدخول عن العقد، ولو حلف ليتزوجن اليوم فتزوج وأخر الدخول فهو أبين، وليس المراد أن يكون العقد والدخول في يوم واحد، ويختلف إذا حلف لينكحن على زوجته فمن قال: إن النكاح لا 287 يقع إلا 288 على الدخول لم يَبَرّ بالعقد، ومن قال: إنه يقع على العقد حقيقة عاد الجواب إلى ما تقدم إذا حلف ليتزوجن، ولو حلف أنه لا يتزوج على زوجته أو لا ينكح عليها، فإنه يحنث بالعقد لأن القصد اجتناب ذلك جملة، وألا يسوءها بشيء منه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2653

باب فيمن تزوج امرأة على أنه (1) إن تزوج عليها كان أمرها أو أمر تلك بيدها أو هي أو تلك طالق أو تسرى عليها فهي حرة أو أمرها بيدها

وقال مالك فيمن تزوج امرأة على إن تزوج عليها كان أمر نفسها بيدها، فتزوج عليها كان لها أن تطلق نفسها بالثلاث دخل بها أو لم يدخل 290، وليس له أن يناكرها، فإن طلقت نفسها واحدة لزمته، فإن لم يدخل بها بانت، وإن دخل كانت له الرجعة، وقال الشيخ أبو محمد عبد الله 291 بن أبي زيد: أعرف لسحنون وغيره أن الطلقة بائنة لأنها شرط في أصل النكاح.
قال الشيخ رحمه الله: إنما شرطت رفع الضرر وألا تكون مع ضرة، ولا يشترط عددًا، فمن قال إنه تصح البينونة بواحدة حمل اختيارها على واحدة، ومن قال: لا تبين إلا بالثلاث حمل اختيارها على الثلاث؛ لأن المطلوب أن تبين، وأرى أن يحمل اختيارها قبل البناء على واحدة، وقول ابن القاسم أنها إن طلقت بعد الدخول بواحدة جاز، وكانت رجعية بخلاف المعروف من المذهب، والمعروف أنه متى كان التمليك بالثلاث، فإنه لا يقبل قوله، وإن ادعى واحدة فقضت بواحدة لم يصح قضاؤها، ويسقط ما بيدها، وإن شرط إن هو تزوج عليها فأمر الثانية بيدها كان مضمون التمليك القضاء بواحدة بخلاف المسألة الأولى؛ لأنه ها هنا ليس له أن يدخل حتى يسقط ما بيدها فلا قضاء لها قبل الدخول، فإن دخل قبل أن289

الجزء: 6 - الصفحة: 2654

يعلمها كان متعديًا، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولها أن تطلق بالثلاث إن أحبت (1)، وليس ذلك بدخول، يريد: أنه دخول فاسد، قال: وإن طلقت واحدة كان له الرجعة، وقال ابن القاسم في العتبية فيمن دخل بزوجته وهي حائض ثم طلقها لم يكن له رجعة، فعلى هذا لا يكون لها أن تقضى إلا بواحدة، وهذا اختلاف قول، والأول أبين، وكذلك إذا قال: إن تزوجت عليك فأنت طالق أو التي أتزوج، فإن جعل الطلاق في الثانية بانت بواحدة لأنها بنفس التزويج طالق قبل الدخول، واختلف إذا جعل الطلاق في الأولى، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هي طالق ألبتة (2)، وليس له أن يقول: أردت واحدة، وقاله ابن وهب، وقال أشهب: هي واحدة، وله أن يرتجعها لأنها إنما اشترطت طلاقًا، والطلاق واحدة، وعلى قول سحنون تكون واحدة بائنة، وإن كان ذلك الشرط بعد عقد النكاح، فقال: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، فتزوج عليها فقضت بالثلاث، وناكرها كان القول قوله لأنه متطوع وله الرجعة إذا كان قد دخل بها، إلا أن تكون أعطته على ذلك مالًا فيكون فداء، فإن اشترطت طلاقًا بانت بواحدة، وإن شرطت تمليكًا لم يكن لها أن تقضي قضاء إلا بواحدة، وتكون بائنة.

فصل [في أن الشرط المعلق على المستقبل لا يشمل الزوجة السابقة]

وقال مالك فيمن تزوج امرأة على أنه إن تزوج عليها، فالتي يتزوج طالق فتبين أنه قد كانت له زوجة قبل ذلك فلا شيء عليه، وله أن يصيبها، قال: ولو292293

الجزء: 6 - الصفحة: 2655

شرط أنه لا يتسرى عليها فظهر أن له أم ولد لم يكن له أن يقربها، قال ابن القاسم: وسواء كانت عالمة بها أو لم تعلم ولها أن يعتقها إن هو وطئها (1)، قال أصبغ: وكذلك غير أم ولد من الإماء، فجعل تمادي التسري كالابتداء، وهذا بخلاف قوله: إن تزوجت فليس التمادي تزويجًا، ويختلف إذا قال: إن نكحت عليك فمن حمله على العقد لم يجعل عليه شيئًا، ومن حمله على الوطء يكون كالتسري (2). وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول في الرجل تكون له امرأتان فيحلف لكل واحدة (3) منهما أن كل امرأة أنكحها عليك طالق ألبتة، أنه إن نكحها عليها فالتي ينكح عليها طالق ألبتة، فجعل التمادي على النكاح نكاحًا.

فصل (4) [في رجوع الزوجة عن شرطها عليه ألا يتزوج ولا يتسرى وما يَعْرُض لها في ذلك]

واختلف فيمن تزوج امرأة على إن تزوج عليها أو تسرى أو خرج بها من بلدها كان أمرها بيدها، فأذنت له في ذلك ثم رجعت قبل أن يتزوج أو يتسرى، فقال مالك وابن القاسم: لا رجوع لها في ذلك، وقال أيضًا: إن رضيت عندما أراد التزويج أو التسري أو السفر لزمها، وإن كان على بعد لم294295296297

الجزء: 6 - الصفحة: 2656

يلزمها، وقال أشهب: لا يلزمها ذلك قرب أو بعد، ولها أن تقوم بحقها في ذلك إن تزوج أو تسرى أو سافر، ورأى أن تركها ذلك كان قبل الوجوب، وإن رضيت بذلك بعد أن تزوج لم يكن لها رجوع 298، وإن طلق التي تزوج كان له أن يرتجعها في العدف وإن انقضت العدة لم يكن له أن يتزوجها إلا برضاها.
واختلف في السفر والتسري هل لها أن ترجع، وإن كان رضاؤها بعد أن تسرى أو سافر ثم رجعت عن ذلك ومنعته التمادي على التسري أو السفر 299 فذكر محمد في ذلك قولين، وألا مقال لها في ذلك أحسن إلا أن يريد في مقامه في السفر على عادته أو على ما يرى أنه يقيم إذا لم تكن له عادة، وكذلك التسري لا مقال لها إلا أن يكون قد تقدمت له عادة في مقام الجواري عنده، فخرج عن العادة، وإذنها على ثلاثة أوجه، فإذا أذنت له في امرأة بعينها أو جارية بعينها أو سفر بعينه، فإن عينت كانت على شرطها فيما سوى ذلك المعين، ولا يمين عليها، فإن طلق تلك الزوجة أو باع الجارية عادت عليه فيها اليمين ودخل في مجهول من حلف عليه، وإن لم تعين وأذنت أن يتزوج أو يتسرى أو يسافر كان محمله على مرة، قال محمد: وتحلف أنها لم تأذن إلا على مرة، وإن أسقطت ذلك جملة لم يكن بها قيام إلا على قول أشهب، وقال في المدونة: إذا تزوج عليها فلم تقض شيئًا ثم تزوج أخرى كان لها أن تقضي وتحلف 300، وقول محمد في هذا ألا يمين عليها أحسن؛ لأنها إنما رضيت بمعينة، واختلف إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق أو أمرها بيدك، فطلق زوجته ثلاثا ثم تزوجها بعد، هل

الجزء: 6 - الصفحة: 2657

تعود اليمين عليه؟ وإذا طلقها واحدة وانقضت عدتها ثم تزوج امرأة، ثم تزوج الأولى على الثانية أو قال: إن تزوجت عليك فأمر التي أتزوج عليك بيدك، فتزوج عليها فلم تقض حتى طلق الأولى، واختلف في هذه الثلاث مسائل، فقال مالك في المدونة: إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق أو أمرها بيدك فطلق الأولى ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج فلا شيء عليه 301، قال محمد: إنما ذلك إذا كان اليمين بطلاق الأولى 302، وكل شرط كان لها في أصل النكاح أو بعده أو بغير شرط بتمليكها نفسها، وأما ما كان من طلاق غيرها فقال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق، أو إن تزوجت عليك فلانة أو من ولد فلان فهي طالق، فطلق زوجته ألبتة، ثم تزوجها بعد زوج ثم تزوج عليها، فذلك لازم لأن اليمين بالطلاق لم تكن فيها، قاله مالك، وهذا الخلاف راجع إلى هل تحمل الأيمان على موجب اللفظ أو على ما يقصده الحالف، فأما على مراعاة الألفاظ، فاليمين باقية لأنه حلف ألا يتزوج عليها، فقد تزوج عليها، وعلى مراعاة المقاصد لا يحنث؛ لأنه إنما حلف لها في عصمة ملكها 303 عليها ألا يدخل عليها فيها مضرة.
واختلف إذا طلق واحدة فانقضت عدتها ثم تزوج امرأة، ثم تزوجها هي هل 304 هو حانث؟ فقال أشهب: لا شيء عليه 305؛ لأنه لم ينكح عليها إنما

الجزء: 6 - الصفحة: 2658

ينكحها هي على غيرها، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن كان ذلك شرطًا في أصل النكاح فاليمين له لازمة 306؛ لأنه إنما أراد ألا يجمع معها غيرها، قال: وقال مالك: وإن كان ذلك طوعًا من بعد عقد 307 النكاح فلا شيء عليه، إنما زعم أنه لم يرد ألا يجمعها مع غيرها أو لم يرد ألا يدخل عليها امرأة قال: وكذلك قال مالك في الذي يشترط 308 لامرأته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك أو كان ذلك طوعًا بعد عقد النكاح إن النية له في الطوع ولا نية له في الشرط 309. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك فأمرها بيدك، فتزوج عليها، ثم لم تعلم حتى طلق الأولى، فعلمت وأرادت أن تطلق عليه الثانية، قال: فلا شيء لها 310. وقال أصبغ: لها أن تطلقها عليه 311، وهذا أشبه لأنها قد ملكت طلاقها وصار ذلك حقًا بيدها فلا يزيله 312 طلاقه إيَّاها.
وقال محمد فيمن قال: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، فتزوج عليها فلم تعلم حتى ماتت الثانية أو فارقها، قال: ذلك بيدها تطلق نفسها إن شاءت 313، وعلى قول عبد الملك: ليس لها أن تطلق نفسها.

الجزء: 6 - الصفحة: 2659

فصل [فيمن قال لزوجته كل امرأة أتزوجها عليك طالق ثم تزوج امرأة على أن كل امرأة له طالق]

وقال محمد فيمن قال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق، ثم تزوج امرأة على أن كل امرأة له طالق، قال: تطلقان جميعًا، وقال ابن القاسم: لا طلاق في الثانية 314 والأول أصوب؛ لأن تزويج الثانية كان والأولى في عصمته فهي طالق بشرطه الأول، وتزويج الثانية يوجب طلاق الأولى لأنه تزوجها، والأولى في عصمته، ولو قال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق ألبتة، ثم قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ألبتة أو واحدة، ولم يضرب أجلا، فلا يقرب زوجته، قال محمد: ولا يخلو بها ولا يتلذذ حتى يتزوج، وله أن يحنث نفسه مكانه بتلك الطلقة إن شاء، ولا يقدر أن يطأ زوجته لموضع الشرط لأن الثانية طالق بنفس العقد بشرط الأولى، فهو يكف عن امرأته ويكون بذلك موليا، فإن رفعت أمرها ضرب له أجل المولي 315 أربعة أشهر قال 316: ولا يبر إلا بالوطء التام، يريد أنه لا يجوز له الوطء لأنها طالق بنفس العقد، فإن تعدى وفعل بر في يمينه بمنزلة من حلف: ليبيعن 317 فلانا الحر؛ لأن هذا يعلم أن يمينه الأولى تمنعه أن يصيب غير امرأته.
قال محمد: وهذا قول مالك وأصحابه: ابن القاسم وابن وهب وعبد الملك

الجزء: 6 - الصفحة: 2660

وأصبغ 318، كلهم يقول 319: لا يبر إلا بالمسيس ولو كان حراما؛ لأنه يطأ غير امرأته لأنه بالعقد تحرم عليه، وإن ضرب أجلا كان أخف لأنه يصيب، فإذا قرب الأجل صالحها، فإذا انقضى الأجل راجعها بنكاح جديد، وقد اختلف فيمن ضرب أجلا وكان على حنث، هل له أن يصيب في ذلك الأجل أم لا؟ 320.

الجزء: 6 - الصفحة: 2661

باب في الطلاق بالكتاب

اختلف في الصفة التي يكتب بها الغائب إذا أحب الطلاق على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم: يكتب إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك 321، فإن كانت طاهرا وقع الطلاق، وإن كانت حائضا بقيت زوجة، وإن كانت حاملا كتب: إن كنت حاملا أو طاهرا بعد أن وضعت فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك، فإن كانت على ما شرط وقع الطلاق، وإن كانت نفساء بقيت، وأجاز أشهب في كتاب محمد أن يقول: إن كنت حائضا فأنت طالق إذا طهرت 322، وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يقول: من قال لزوجته وهي حائض: أنت طالق إذا طهرت لم تطلق حتى تطهر، وقال أحمد بن المعذل في المبسوط: يكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب، ولا يكتب: إذا طهرت من حيضتك بعد وصول كتابي إليك فأنت طالق، فأما من قال: إن منع الطلاق في الحيض شرع غير معلل، فإنه يكتب على ما ذهب إليه ابن القاسم ومن قال إنه معلل لئلا يطول عليها العدة 323 فإنه يجيز أن يوقع عليها 324 الطلاق الآن، وقد لا يصل الكتاب إلا وقد انقضت عدتها، وقد يجوز ذلك مع 325 تسليم القول أنه شرع للضرورة؛ لأن المنع يؤدي إلى بقاء عصمة من يكره، وقد تبعد المسافة ويجب إسقاط النفقة، وإن كانت الزوجة صغيرة أو يائسة جاز أن يكتب بإيقاع الطلاق

الجزء: 6 - الصفحة: 2662

الآن، وإذا كتب وهو عازم على الطلاق وقع الطلاق، وإن لم يخرج الكتاب عن يده، وإن كتب وهو غير عازم لم يقع طلاق، وإن خرج عن يده إذا علم أنه أخرجه لينظر في ذلك.
واختلف إذا خرج الكتاب عن يده، ولم يعلم هل كان عازما أم لا، فقال ابن القاسم في المدونة: ذلك له وله أن يرده ما لم يبلغها الكتاب 326، وقال محمد: ذلك له ما لم يخرجه 327 عن يده ويحلف، فإن خرج عن يده كان كالناطق به وكالإشهاد، قاله مالك 328، وسواء كان في خط 329 الكتاب: أنت طالق، أو: إذا جاءك كتابي فأنت طالق، فلا يُنَوَّى إذا خرج الكتاب من يده، وإن لم يصل إليها، وقال 330 مالك فيمن قال: خدعتني امرأتي حتى كتبت لأبيها بطلاقها ليقدم، صدق إن 331 كان مأمونا 332 ولم يحلف 333، وفرق بين الكتاب لأبيها بذلك أو إليها 334 لأنه يتصور في الكتاب إلى أبيها ما ادعاه، ولا يتصور مثل ذلك في الكتاب إليها.

الجزء: 6 - الصفحة: 2663

باب في طلاق المجنون والسكران والسفيه والمكره (1) والصبي والنصراني

طلاق المجنون غير لازم إذا كان مطبقا، كان لم يكن مطبقا وإنما هو كالاختلاط والناقص العقل لزمه 336، وطلاق السكران على وجهين، فإن كان سكره بغير خمر لم يلزمه، قال ابن المواز: ومن 337 أُسْقِي سيكرانًا 338 فحلف بطلاق أو عتق لم يلزمه إذا شربه وهو لا يعلمه 339. قال: وقد قيل إذا شربه وهو عالم لدواء أو نحوه، فلا شيء عليه بخلاف الخمر 340، واختلف إذا كان سكره بخمر فقال مالك مرة: يجوز طلاقه وعتقه، ويقتص منه إن قتل، ويقطع إن سرق، ويحد إن افترى أو زنا، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا هبته ولا نكاحه، قال سحنون: وعليه أكثر الرواة 341، وذكر أبو الفرج في كتابه الحاوي أنه لا يجوز طلاقه، وعلى هذا لا يجوز عتقه، ولا يحد إن زنا أو افترى، ولا يقطع إن سرق، ولا يقتص منه إن قتل، وتكون فيه الدية كالخطأ؛ لأنه حينئذ كالمجنون، وقال ابن نافع: يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره 342 يريد النكاح والهبات وغيرها.335

الجزء: 6 - الصفحة: 2664

وروى ابن نافع وأشهب عن مالك أنه قال: إن استوقن أنه سكران لم يجز بيعه، قال: وأخاف إن ربح قال كنت صحيحا، وإن خسر قال كنت سكرانا، قيل له: أترى نكاحه مثل ذلك، قال: نعم، ومن يعلم أنه سكران إذا يقتل، ويقع في الحدود وشرق، ويقول كنت سكران لا أدري ما هذا (1)، فوقف في الجواب لإمكان أن يكون لم يستغرقه السكر، وأرى إذا صح اختلاطه أن يجرى في أفعاله على أحكام المجنون، ولا فرق بين أن يكون سكرانا (2) بخمر أو بغيره (3) ولا يجوز أن يشرب شيئا مما يصده عن ذكر الله وعن الصلاة سيكرانا كان أو غيره.

فصل [في طلاق المكره]

وقال مالك: طلاق المكره غير لازم 346، وذكر ابن وهب في كتاب ابن سحنون عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعطاء ابن أبي رباح وعبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود 347 ومجاهد وطاوس وعمر ابن عبد العزيز وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والحسن البصري وشريح أن طلاق المكره غير لازم 348، وذكر غيره مثل ذلك عن ابن عون وأيوب السختياني والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وأجازه النخعي343344345

الجزء: 6 - الصفحة: 2665

والشعبي وأبو قلابة والزهري وقتادة وأبو حنيفة وصاحباه 349، واحتج من نصر القول الأول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "حُمِلَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" أخرجه البخاري ومسلم 350، وروي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لاَ طَلاَقَ فِي إِغْلاَقٍ" 351، قيل: معناه في إكراه، فطلاق المكره على ثلاثة أوجه يسقط في وجهين ويثبت في ثالث، فإن جعله نطقا بغير نية لم يلزمه، والصحيح من المذهب فيمن وقع منه الطلاق بغير نية أن لا يلزمه، وإن لم يكن مكرها فهو في المكره أبين، وإن نوى الطلاق وهو عالم ذاكر بأن يجعله لفظا 352 بغير نية لزمه؛ لأن النية لا تدخل تحت الإكراه وهو طائع بالنية، وإن لم تكن مهلة عند الإكراه فيجعله نطقا بغير نية، أو كان يجهل إخراج النية لم يلزمه على الظاهر من المذهب، وقد يحمل الاختلاف، وقول من ألزمه الطلاق على هذا القسم.
والإكراه على وجوه وهو أن يكره على إيقاع الطلاق، أو على أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل شيئا، ثم يفعله طوعا أو على أن يحلف ليفعلن فلا يفعل، وكذلك إن 353 حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئا، فأكره على فعله مثل أن يحلف أن لا يدخل دار فلان فحمل حتى أدخلها، أو أكره حتى دخلها بنفسه أو حلف ليدخلنها في وقت كذا، فحيل بينه وبين ذلك حتى ذهب الوقت فهو في جميع

الجزء: 6 - الصفحة: 2666

ذلك غير حانث، فأما إن حمل حتى أدخل لم يحنث لأن ذلك الفعل لا ينسب إليه، ولا يقال: فلان دخل الدار، ويختلف إذا أكره حتى دخل بنفسه أو حيل بينه وبين الدخول إذا حلف ليدخلن، فمن حمل الأيمان على المقاصد لم يحنثه، ومن حملها على مجرد اللفظ حَنَّث لأن هذا دخل ووجد منه الفعل وينسب إليه، والآخر حلف ليحلفن فلم يوجد منه ذلك الفعل، وقد اختلف فيمن حلف ليذبحن حمام يتيمه (1) فوجدها قد ماتت، وقال في المدونة فيمن حلف بعتق أمته ليبيعنها فوجدها حاملا منه، قال: تعتق عليه، ولا فرق إذا لم يوجد منه ذلك الفعل بين أن يكون ذلك بموت أو لحمل أو لإنسان منعه منه.

فصل [في معنى الإكراه]

والإكراه هو ما ينزل بجسم المكره من مثلة أو ضرب أو تضييق بقيد أو سجن أو يتقي أن ينزل به مثل أن يهدده بقتل أو بقطع أو بضرب أو تقييد 355 واختلف في التهديد بالسجن وأراه إكراها في ذوي الأقدار وليس بإكراه في غيرهم إلا أن يسجن أو يهدد بطول المقام فيه واختلف إذا كانت اليمين ليدفع عن ماله خاصة فإن لم يحلف أخذ منه أو ليدفع عن غيره أذى في جسم أو مال فقيل: هو مكره، وقال أصبغ: إن قال له السلطان احلف لي على كذا وإلا أغرمتك مالا كذا أو عاقبتك في غير بدنك عقوبة توجعك فيحلف دراءة 356 عن ماله فهو حانث، وكذلك إن قال له احلف لي على كذا وإلا عاقبت ولدك أو354

الجزء: 6 - الصفحة: 2667

بعض من يلزمه أمره فيحلف له كاذبا فهو حانث وإنما يعذر بالدراءة عن نفسه، وقال ابن الماجشون تسعه الدراءة عن ماله بيمينه ولا يحنث وقال أيضا: ما كان من المال فإذا 357 جاء 358 مثل السلطان يجتاح مال 359 الرجل والقوم يتعرضون لماله فلا تلزم اليمين 360 ولا يلزم على قوله اليمين إذا كان دراءة لئلا يعاقب ولده، ويختلف 361 على هذا إذا مر على عاشر بجارية، فقال: معي حرة لئلا يغرمه عليها، فأبى أن يتركه إلا أن يقول: إن كانت أمة فهي حرة فعلى قول أصبغ: تعتق، وعلى قول ابن الماجشون: لا تعتق، وقال ابن القاسم في المدونة: لا شيء عليه إذا قال ذلك وهو لا يريد حريتها 362. قال الشيخ رحمه الله: ولو نوى الحرية وهو عالم أن له أن لا ينوي لزمه العتق، وإنما الاختلاف إذا كان عاميا يجهل ذلك، أو لم تكن مهلة ليخرج النية ويجعله لفظا بغير نية، ولو مر على من يغرم على 363 الزوجة ولا يغرم على الأمة، فقال في زوجته: هي أمة، فأبى أن يتركه إلا أن يقول: إن كانت زوجة فهي طالق لاختلف في وقوع الطلاق حسبما تقدم في وقوع العتق.
قال محمد: قلت: فأخذ بعض مالي إذا أنا لم أحلف أخذه، قال: هو مما وصفت لك من خوف الضرر لأنك إن لم تدفع إليه ضربك وحبسك على 364 مالك حتى ينتزعه منك حتى تدفعه أنت إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2668

قال الشيخ: وهذا مخالف لمسألة أصبغ ومسألة المعاشر؛ لأنَّ المال في الأولى ظاهر، فإن لم يحلف أخذه لا غير ذلك، وفي هذا المال غائب، فإن لم يحلف له ألا شيء عنده عاقبه حتى يظهره، واليمين ها هنا يدرأ بها عن نفسه وماله، وقال مطرف في الساعي يحلف الرجل على عدة غنمه ليأخذ منها الصدقة أو في غير الغنم مما يأخذ منه الزكاة من العين والحبوب والثمار، فإن كان الوالي لا يتعدى فيما يأخذ وإنما يتعدى في وضعها غير موضعها، فاليمين لازمة له وإن أكرهه بضربٍ أو وَعيدٍ، وإن كان يتعدى فيما يأخذ فيزيد على ما افترض أو يأخذ في غير أوان الأخذ 365، فقال الآخر: لم أزرع، أو ما في 366 ماشية، فإن كان لا يعاقبه إن لم يحلف 367، يريد: وإنما يغرمه مالًا لزمته اليمين، فإن كان يعاقبه لم تلزمه 368، وأحب إليَّ ألا يعجل باليمين حتى يرى مواضع الشدة، وكلما اشتد عليه الأمر اتسعت عليه اليمين، وقال ابن الماجشون: لا يحنث، وإن درأ بيمينه عن ماله 369. يريد: إذا كان يغرمه ولا يعاقبه، وعلى القول الآخر ينظر إلى قدر ما يغرمه، فإن كان قليلًا حنث، واختلف إذا حلف قبل أن يُحَلَّفَ، فقال مالك: إن دَرأ باليمين قبل أن يُسْأَلَها ليذب عما خاف عليه من بدنه أو ماله لزمته.
وقال ابن الماجشون: إذا حلف بالطلاق ثلاثًا من غير أن يحلفه فصدقه وتركه، وكانت اليمين خوفًا من قتله أو ضربه أو أخذ ماله، فتبرع باليمن فلا شيء عليه، وإن كان إن لم يحلف رجاء النجاة لزمته اليمين 370، وقال مالك ومطرف وابن الماجشون فيمن

الجزء: 6 - الصفحة: 2669

استخفى عنده رجل من سلطان جاء يريد ماله أو دمه أو عقوبته في بدنه فسأله السلطان عنه فجحده أن يكون عنده فحلف على ذلك: إنه إن كان يخاف على نفسه إن اعترف أنه عنده فلا يحنث، وإن كان لو اعترف به لم يعاقبه حنث؛ لأن اليمين (1) ليست ليذب عن نفسه، وإنما هي ذب عن نفس غيره أو ماله (2)، وقال مالك في اللصوص يستحلفون الرجل بالطلاق أو بالحرية ألا يخبر عنهم، فأخبر، فليس عليه في يمينه شيء.
يريد: إذا كان ينزل به في جسمه إن لم يحلف ضرب أو قتل، ويختلف إذا كانوا يأخذون ماله ولا يضربونه، واختلف في الإكراه على اليمين فيما هو طاعة لله تعالى (3)، فقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يلزم اليمين.
وقال مطرف: تلزمه اليمين مثل أن يأخذ الوالي رجلًا شاربًا خمرًا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب الخمر أو لا يفسق أو لا يغش في عمله أو لا يتلقى الركبان، أو يحلف الوالد ولده مكرهًا في أشباه ذلك من تأديبه، فاليمين لازمة، وإن كان قد تكلف منه المحلوف ما ليس عليه وما هو منه خطأ (4).

فصل [في طلاق السفيه وطلاق من لم يحتلم]

طلاق السفيه لازم 375، واختلف في طلاق من لم يحتلم، فقال مالك: لا يلزمه 376. وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن ناهز الحلم 377، قال: إن371372373374

الجزء: 6 - الصفحة: 2670

تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها يفرق بينهما 378، وقال أبو إسحاق: وروي عن ابن المسيب 379 والحسن في طلاق من لم يحتلم أنه لازم، وبه 380 قال ابن حنبل: إذا أطاق صيام شهر 381 رمضان وأحصى الصلاة.
وقال عطاء: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقُه.
قال أبو إسحاق: لأنه أول سن الاحتلام، قال: وروى مالك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أجاز شهادة غلام يفاع، والأول أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: فذكر 382 الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" 383 فجعل الاحتلام فاصلًا بين الصغير والكبير إلا أن يتأخر عن الوقت المعتاد.

الجزء: 6 - الصفحة: 2671

فصل [في طلاق النصراني]

واختلف في طلاق النصراني: فقال مالك وغيره من أصحابه: لا يلزمه وليس طلاقه بشيء 384. وقال المغيرة: يلزمه الطلاق، ويحكم به عليه الآن، وإن أسلم بعد ذلك احتسب به.
وقال ابن القاسم: إذا طلق النصراني زوجته بعد أن أسلمت وهي في عدتها لم يقع طلاقه عليها.
يريد: إذا لم تقم الزوجة بالطلاق، فإن قامت حكم لها بما أوقع عليها من واحدة أو ثلاث، فإن طلقها ثلاثًا ثم أسلم في العدة كان لها أن تمنعه من الرجعة؛ لأنَّ الطلاق يتضمن حقًّا لله سبحانه وحقًّا للزوجة؛ لأنه أعطاها نفسها، فإن لم تقم بحقها لم يُقَمْ عليه بحق الله سبحانه لأنه كافر، فإن قامت بحقها حكم عليه بالطلاق لأنه حكم بين نصراني ومسلم، وهو بمنزلة ما لو قال: وهبت لك نفسك، أو وهبها دينارا أو أعتق عبده المسلم، فإنه يحكم عليه في جميع ذلك بالوفاء بما جعل لها وللعبد، وإن طلقها واحدة فقالت: قد قبلت ثم أسلم وارتجعها ثم طلقها تطليقتين لم يكن له عليها رجعة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2672

باب في خيار (1) الأمة تعتق ولها زوج حر أو عبد

الأصل في تخيير الأمة في فراق زوجها إذا أعتقت، حديث بريرة أعتقت فخيرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاختارت نفسها، ثم قال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ رَاجَعْتِيهِ" قالت: يا رسول الله، بأمر منك؟ قال: "لاَ إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ"، فقالت: لا حاجة لي به.
اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم، والبخاري 386 أتمهم حديثًا 387. وقال ابن عباس: وكان زوجها عبدًا أسود يقال له: مغيث، وقال الأسود 388: كان حرًّا، قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس أصح 389.385

الجزء: 6 - الصفحة: 2673

ولا خلاف أن لها الخيار إذا كان عبدًا (1)، واختلف في الوجه الذي أوجب الخيار، فذهب مالك إلى أن ذلك لنقص حرمة الزوج (2)؛ لأنه عبد وليس بكفء، وليس لأنها كانت مجبورة على النكاح، فقال في كتاب محمد: إن طلبت الأمة سيدها أن يزوجها من هذا العبد ثم عتقت كان لها الخيار (3)، وكذلك المعتق بعضها يزوجها سيدها بإذنها ثم تعتق بقيتها، وهي تحت عبد فلها الخيار (4)، وقيل: لأنها كانت مجبرة على النكاح فلها الخيار، وإن كان حرًا ورأى أن ما تقدم من نكاح السيد بمنزلة بيعها منافعها، وعقده الإجارة عليها فلما لم يصح تمام العتق مع بقاء الإجارة وتمام عقده فيها لم يصح بقاء عقده عليها (5) في منافع بضعها (6) وكانت بالخيار في ذلك.

فصل [في شروط خيار المعتقة وهل هو طلاق أو فسخ؟]

الكلام على المسألة من ستة أوجه: أحدها: الوجه الذي يوجب لها الخيار.
والثاني: إذا ثبت لها الخيار فاختارت نفسها هل يكون طلاقًا أو فسخًا؟ والثالث: إذا كان طلاقًا هل لها أن تختار الثلاث؟.390391392393394395

الجزء: 6 - الصفحة: 2674

والرابع: إذا كانت طلقة هل تكون بائنة أو رجعية إن أعتق الزوج في العدة؟ والخامس: الوقت الذي تختار فيه.
والسادس: ما يسقط خيارها بعد ثبوته.
فالذي يوجب الخيار عتق جميعها، وإن أعتق بعضها بتلًا أو جميعها إلى أجل، أو دبرت، أو كوتبت، أو صارت أم ولد، لم يكن لها خيار، وإذا وجب الخيار بعتق جميعها لم يسقط إلا بعتق جميع الزوج، فإن أعتق بعضه بتلًا أو جميعه إلى أجل، أو كوتب، أو دبر لم يسقط خيارها، وإذا وجب الخيار فاختارت نفسها كان طلاقًا لا فسخًا، وهذا هو الأصل في كل فراق كان من قبل المرأة هي فيه بالخيار كالتي تقوم بعيب يطرأ بعد العقد: جذام أو برص أو جنون أو عدم نفقة، وقيام الأمة بعد العتق نوع من القيام بالعيب، وهو طلاق بخلاف ملك 396 أحد الزوجين الآخر أو ارتداد أحدهما، ومحمل اختيارها على طلقة، واختلف عن مالك إذا قضت باثنتين هل يلزمانه 397 أو تكون طلقة ويسقط الزائد، وهو أصوب 398؛ لأن مقالها في رفع يده عنها، وذلك تناله بواحدة، وإيقاعها طلقتين مضرة على الزوج من غير منفعة له، واختلف بعد القول أنها طلقة هل تكون بائنة أو رجعية؟ قال في المدونة: هي بائنة 399، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: له الرجعة إن أعتق في العدة 400. وقال ابن القاسم في كتاب

الجزء: 6 - الصفحة: 2675

محمد: إن أعتقت وزوجها غائب أمرها وأمر النصرانية التي تسلم وزوجها غائب 401، سواء إن تزوجت فأدركها قبل أن يدخل بها كان أحق بها إذا أسلم أو أعتق قبل وفاء عدتها 402، وهذا هو القياس أن له الرجعة بزوال الرق، وهو في هذا كالتي تطلق عليه بسبب عيب فيزول في العدة عليه، وقال محمد: إذا طلَّق في العدة عليه بجنون أو جذام أو برص 403 أو عدم نفقة، ثم ذهب العيب أو أيسر الزوج فله الرجعة 404، وإن أعتق بعد عتقها وقبل اختيارها فلا خيار لها 405. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا وقفت عن الخيار حتى تطهر من الحيضة ثم أعتق زوجها فهي على خيارها 406، وفي هذا نظر، والصواب ألا خيار لها لأنها زوجة بعد حين أعتق، وإن اختارت- وهي حائض بانت على قوله في المدونة، وأمَّا على القول الآخر أنها واحدة رجعية ففيه إشكال؛ لأنَّ الرجعة ليست بيدها ولا بيد الزوج؛ لأن ذلك حق عليه، فإن ارتجع السلطان وعادت زوجة كان في ذلك بطلان لحقها ولم يفدها الخيار، وليس لها أن تطلق أخرى؛ لأن الطلقة التي كانت بيدها قد أوقعتها، وأرى إن أجبرها السلطان وعادت زوجة أن يكون لها أن توقع أخرى، وهذه ضرورة، وإن أعتقت وهي في عدة من طلاق رجعي كان لها أن تختار لترفع رجعته عنها، ولو قيل إنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: أنا لا أرتجع لرأيته حسنًا، وإن كانت صغيرة كان النظر في ذلك إلى السلطان فيما يراه حُسْنَ نظرٍ لها، وكذلك إن كانت سفيهة، إلا أن

الجزء: 6 - الصفحة: 2676

تبادر باختيارها نفسها، ولو رضيت بالمقام لم يلزمها ذلك على قول ابن القاسم إذا لم يكن فيه حسن نظر، ولزمه ذلك على قول أشهب، وإن أوقفها الزوج بحضرة العتق، وقال: إما أن تختاريني أو الطلاق، فقالت: إذًا أنظر وأستشير، كان القولُ قولها، واستحسن أن يؤخر ثلاثة أيام، وقد اختلف في الأخذ بالشفعة هل يوقف على الأخذ أو الترك بالحضرة أو يؤخر ثلاثة أيام، وإن لم يوقفها الزوج وطال ذلك ثم طلبته بالنفقة علا الماضي لم يكن لها؛ لأنها منعت نفسها، والنفقة في مقابل الاستمتاع، وقال في المدونة: إذا أوقفت (1) عنه سنة ولم تقل: رضيت، وقالت: وقفت لأختار كان القول قولها، ولا يمين عليها؛ لأن النساء لا يحلفن في التمليك، وقوله في هذا أصوب؛ لأن لها دليلًا على قولها وهو منعها نفسها طول تلك المدة.

فصل [في سقوط خيار الزوجة المعتقة بعد ثبوته]

ويسقط خيارها بعد ثبوته بوجهين: أحدهما: 408 أن تختاره بالقول أو تمكنه من نفسها بعد علمها بعتقها وعلمها أن لها الخيار، فيصيبها أو يُقبِّل أو يباشر، وكذلك إذا مكنته ثم لم يفعل، وإن اختلفا فقال: علمت بالعتق، وقالت: إني لم أعلم؛ صدقت 409. واختلف إن قالت: علمت بالعتق وجهلت أن لي الخيار، فقال في المدونة: لا تصدق.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: تصدق، وهو أحسن، ولعل حديث بريرة مشهور407

الجزء: 6 - الصفحة: 2677

عندهم بالمدينة، ولا يحكم الآن بأنها علمت، ولا يعرف ذلك إلا أهل العلم، ولا يعرفه العوام من الرجال، وقد قال في الذي يطلق زوجته ثلاثًا ثم يصيبها ويدعي الجهل أو يعتق أم ولده ثم يصيبها ويدعي الجهل إنه يعذر بذلك، ولا حد عليه، فإذا عذر من ادعى جهل ذلك مع اشتهار الثلاث كانت الأمة أعذر، وإن كانت عالمة، واختلفا في المسيس، فإن أقرت 410 بالخلوة كان القول قوله مع يمينه، وإن أنكرت الخلوة كان القول قولها مع يمينها، وإن تصادقا على المسيس، واختلفا هل كان بطوعها أو مكرهة كان القول قوله، وإن تصادقا على المسيس والطوع، واختلفا هل علمت بالعتق كان القول قولها، قال محمد: بغير يمين، وإن اختارت نفسها بعد دخوله بها لم يسقط شيء من صداقها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن لها شيء، وإن لم يعلم حتى بنى بها كان لها الأكثر من المسمى أو صداق المثل على أنها حرة، وإن كان العقد فاسدًا كان لها صداق حرة قولًا واحدًا، وإن كان العقد صحيحًا وعلمت بالعتق وبالحكم ثم بنى بها لم يكن لها إلا المسمى، وإن أعتقت وزوجها غائب واختارت نفسها، ثم ثبت أنه أعتق قبلها كان أحق بها ما لم تتزوج، واختلف إذا تزوجت فقيل: قد فاتت، وقيل: هو أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وقيل: هو أحق 411، وإن دخل بخلاف من طلق وارتجع؛ لأن المطلق مرت به حالة كان في عقده وصمٌ، وهذا عقده صحيح على الأصل، واختلف إذا أعتق في عدتها على القول أنه رجعي هل يكون عقد الثاني فوتًا 412؟

الجزء: 6 - الصفحة: 2678

باب [في طلاق المريض وراكب البحر وحاضر الزحف ومن قرب للقتل]

المرض ثلاثة: غير مخوف، ومخوف غير متطاول، ومخوف متطاول كالسل والاستسقاء، فحكم الأول إذا طلق فيه حكم الصحيح، فإن كان الطلاق بائنًا واحدة قبل البناء أو ثلاثًا بعد البناء، أو واحدة فانقضت العدة قبل موت الزوج من ذلك المرض لم ترثه، وإن كان مخوفًا غير متطاول قد ألزمه الفراش أو متصرفًا يرى أنه قد أشرف على الموت كأصحاب السل والاستسقاء فطلقها حينئذ طلاقًا بائنًا أو غير بائن فانقضت العدة قبل موته ورثته، والشهر والشهران عند مالك في مثل هذا قريب؛ لأنه قال في الطلاق الرجعي: ترثه، وإن انقضت العدة قبل موته والغالب من النساء أنهن يطهرن ويحضن في شهر، فيكون انقضاء العدة في شهرين أو أكثر؛ لأنها تبين بأول الدم الثالث، وإن كان المرض متطاولًا فطلق في آخره أو في أوله وأعقبه الموت قبل المطاولة ورثته، واختلف إذا طال مرضه بعد الطلاق ثم مات، فالذي يقتضيه قول مالك في المدونة أنها ترثه لأنه قال: إذا تزوجت بعد الأول أزواجًا كلهم يطلقها وهو مريض ثم تزوجت آخر، والذين تزوجوها أحياء إنها ترث جميعهم 413، قال أبو محمد عبد الوهاب: السل مرض من الأمراض المخوفة وأفعاله في الثلث، ولم يعرف هل طال الأمر بعد فعله أم لا؟ وإذا كانت أفعاله في الثلث ورثته الزوجة، وكذلك الاستسقاء إذا دخلت أمارات الخوف وإن طاوله.

الجزء: 6 - الصفحة: 2679

وقال ابن الماجشون في المبسوط: الأمراض المتطاولة كالسل والربع والطحال والبواسير ما تطاول منها يجري بعد تطاوله مجرى الصحة، وإن كان الموت قبل المطاولة ورثته زوجته وكان فعله في الثلث، وهذا أحسن، وكذلك الجذام إذا لم يدخل قليل الخوف وكان على أحكام الصحة، ومن طلق زوجته في الصحة طلاقًا رجعيًّا ثم ارتجع في المرض ثم طلقها في مرضه ورثته؛ لأن الرجعة هدمت حكم الطلاق الأول، وإن لم يرتجع وأوقع عليها في المرض بقية الثلاث ثم مات قبل خروجها من العدة ورثته؛ لأنه بان بالطلاق الثاني، وإن انقضت العدة لم ترثه، وإن طلق في المرض ثم صحَّ صحة بينة ثم مرض (1) سقط أن يكون حكم ذلك الطلاق حكم ما أوقع في المرض إلا أن يرتجع في المرض ثم يحدث طلاقًا فترثه.

فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها في مرضه]

الميراث يثبت للزوجة إذا طلقت في المرض، وكان يرى أنه فار أو أشكل الأمر هل هو فار أم لا؟ ويفترق الجواب إذا كان هناك دليل على أنه لم يقصد الفرار، فيثبت الميراث في وجه ويسقط في وجه.
واختلف في الثالث، فإن كان الدليل صلاح الزوج وفضله وأن مثله لا يتهم على ذلك ورثته، وقد طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته في مرضه فوَرَّثها عثمان - رضي الله عنه - منه 415، وقال: خفت أن414

الجزء: 6 - الصفحة: 2680

يستن به، ولأن ذلك يؤدي لو لم ترث منه إلى سقوط الميراث ممن يتهم، فيقال: هذا لا يتهم وهذا قريب منه في الحال، ومثل هذا لا يتحصل، وقد أحكم الله تعالى في كتابه مثل ذلك في المعتدة من وفاة وهي صغيرة أو يائسة 416، فأجرى جميعهنَّ على حكم واحد، لئلا يقال: هذه في سن من يخشى منها الحمل، وهذه لا يخشى ذلك منها، وهذه قريبة في السن من هذه، والقائم لنفسه بالنسب معدوم، فحمل الباب بها جميعهن، ولأن الطلاق في المرض مختلف فيه بعد أن يقصد الفرار، فقد يكون الزوج صالحًا وهو ممن يعتقد ذلك أو ممن يقلد من يراه، فكان منع ذلك في جميع الأزواج أحسن، وقد استدل من أوجب الميراث إذا قصد الفرار بهباته وصدقاته أن للورثة شبهة وتعلقًا بالمال حينئذ فيمنعوه من أن يتصرف في ماله إلا على وجه التنمية، وما كان على غير ذلك من الهبات والصدقات والعطايا لم يكن له تنفيذها إلا من رأس المال، وكان فعله موقوفًا فينفذ بعد موته من ثلثه والزوجة وغيرها من الورثة سواء، وإذا تعلق للزوجة شبهة ومنع حسب ما تقدم له لم يصح 417 أن يخرج من الميراث من له منعه من التصرف في ذلك المال إلا على وجه التنمية لا بطلاق ولا بغيره، ويؤيد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" 418، وإذا منع هذا أن يفر بزكاته بجمع أو تفرقة، وإن لم تكن وجبت حينئذ لما شارف الحول، ووجوب حق المساكين- منع هذا لما شارف الموت من وجوب

الجزء: 6 - الصفحة: 2681

حقها فيه، وقد مر مالك على أصله في الموضعين فحمل الحديث على الوجوب، وفي الزوجة إذا فر أن يؤخذ بما فر منه، وذهب بعض الناس في السؤالين في ذلك على الندب، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن باع إبلًا فرارًا من الزكاة، قد قيل إنه 419 يزكي زكاة الذهب بمنزلة من لم يفر، واختلف إذا كان الدليل أنه لم يبتدِ طلاقًا، وإنما ذلك العقد تقدم في الصحة، فقال في المدونة فيمن قال وهو صحيح: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم في مرض الزوج ورثته، وقال مالك فيمن حلف لامرأته وهو صحيح بطلاقها: إن دخلت بيتًا، فدخلته وهو مريض إنها ترثه.
وقال في كتاب المدنيين إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق أو صنعت كذا وكذا فأنت طالق، فصنعت ذلك وهو مريض معصية وخلافًا، وقع الطلاق ولم ترثه، وإن حلف وهو مريض ورثته.
وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون فيمن حلف: ليقضين فلانًا حقه، فمرض الحالف فلم يقض فحنث في مرضه 420، فإن كان مليًّا ورثته، وإن كان فقيرًا أو طرأ له مال فلم يعلم به حتى مات حنث ولم ترثه.
وقول مالك والمغيرة في هذا أحسن.
واختلف إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية فطلقها في المرض ثم أعتقت هذه وأسلمت الأخرى بعد انقضاء العدة، فقال محمد: يرثانه.
قال ابن الماجشون في المبسوط: لا ميراث لها، وعلى هذا لا ترث الأمة إن أعتقت، وهو قول سحنون في العتبية 421.

الجزء: 6 - الصفحة: 2682

فصل [في ميراث المرتد في المرض] وقال مالك وابن القاسم في المدونة في مريض ارتد وثبت على ردته حتى قُتل- لم ترثه زوجته ولا أحد من قرابته 422. والمرتدُّ في المرض على ثلاثة أوجه: فإمَّا أن يقتل على ردته، أو يموت على كفره قبل أن يوقف ليسلم أو يقتل، أو يراجع الإسلام ثم يموت مسلما، فإن قتل على ردته أو مات على كفره قبل أن يقتل لم يرثه ورثته، والصحةُ والمرضُ في ذلك سواء، وإن راجع الإسلام ورثه ورثته دون زوجته 423 على مذهب ابن القاسم؛ لأن الردة عنده طلاق بائن، وهو على مذهب عبد الملك وأشهب ترثه؛ لأنهما يريان أنه إذا عاد إلى الإسلام عادت زوجته على الأصل من غير طلاق.
واختلف إذا راجع 424 الإسلام ثم مات بقرب ذلك أو قتل على قول عبد العزيز بن أبي سلمة، فعلى قول مالك في المبسوط في المرتد يرجع إلى الإسلام أنه لا يرد إليه ماله ويكون لبيت المال لا يكون له ها هنا شيء، واختلف بعد القول أن ماله يعاد إليه إذا رجع إلى الإسلام إذا ارتد في مرضه ومات على = أو الأمة في حال الحجر ألبتة، ثم أسلمت أو أعتقت الأمة في العدو، ثم مات فلا ميراث لهما؛ لأنه لا يتهم فيهما؛ لأنهما ليستا مما كان الحجر لهما فإن كان طلاقه لهما واحدة فأسلمت أو أعتقت في العدة، فله الرجعة؛ لأن الرجعة ليست بنكاح الملك ألا ترى أن المحرم يرتجع ولا يتزوج؟ وإن أسلمت أو أعتقت في العدة ثم مات في العدة ولم يرتجع فلها ميراث).

الجزء: 6 - الصفحة: 2683

كفره، فقال ابن شعبان في ذلك قولين، هل يرثه ورثته (1) أم لا؟ وقال مالك في كتاب ابن حبيب: لا يرثه ورثته (2) إلا أن يتهم أنه أراد أن يمنعهم من الميراث.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن ارتد في مرضه: يقتل ولا ينتظر موته ولا يرثه ورثته إلا أن يتوب فيرثه ورثته المسلمون إلا امرأته (3)، وكذلك في ردة المرأة المريضة، وإن تابت لم يرثها زوجها، ولو طلق مريض زوجته ثلاثًا ثم ارتدت ثم تابت ثم مات هو في مرضه فإنها لا ترثه، وكذلك ردته هو في مرضه إن تاب ثم مات لم ترثه، قال الشيخ رحمه الله: ارتدادها في مرضه أبين في منع ميراثها منه إذا ارتد هو في مرضه؛ لأنها هي التي عمدت إلى ما يسقط ميراثها منه.

فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها طلاقا بائنًا في صحته]

ويصح أن ترث الزوجة مع كون الطلاق بائنًا في الصحة، وذلك في ثلاث مسائل: إذا قرب للقتل، أو حضر الزحف، أو ركب البحر على اختلاف في هذا لأنه حينئذ فار لما أشرف على الموت، وكذلك المحارب يقرب لتقطع يده ورجله في حين يخاف عليه الموت فمات لم ترثه، وإن كان يخاف عليه وكان رأي الحاكم القطع، وإن خيف أو كان 428 فعل ذلك جهلًا بوجه الحكم لم ترثه.
ويختلف في حاضر الزحف قياسًا على راكب البحر إذا أخذه الهول فقد اختلف قول مالك فيه 429 فقال مالك في المدونة: إن أعتق وقد أخذه425426427

الجزء: 6 - الصفحة: 2684

النوء (1) والريح الشديدة وخاف الغرق كان من رأس المال، وقال أيضًا: إنه من الثلث.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: حكم راكب البحر إذا حصل في اللجة حكم المريض (2)، قال: وفيه اختلاف، وأما راكب النيل والدجلة والبحر الميت أو الحي إذا لم يلجج فإن أفعاله من رأس المال، وإن طلق زوجته لم ترثه، وقد قال مالك في الحامل: تتصدق، فإن كان ذلك قبل الشهر السادس كان فعلها من رأس المال، وإن كان فعلها في السادس إلى ما بعده كان في الثلث (3)، وقال في الموطأ: قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ﴾ [الأحقاف: 15] يريد: أنه أول الوضع (4)، وهذا على مراعاة النادر في الوضع في السادس، وعلى مراعاة الغالب في وضع النساء يراعى الشهر التاسع.
ويختلف أيضًا إذا ضربها الطَّلق قياسًا على راكب البحر إذا أخذه الهول، بل الحامل أبين لأن الغالب من الحمل السلامة، والقياس في راكب البحر إذا أخذه الهول أنه إذا طلق أنها ترثه؛ لأن القصد حينئذ الفرار، وأن يكون العتق من الثلث لأنه لا يقصد حينئذ إلا القربة إلى الله سبحانه بما ينجو به.

فصل [في عدة وصداق وميراث امرأتين لرجل دخل بواحدة ثم طلق إحداهما طلقة ومات قبل أن تنقضي العدة ولم يدر أيهما طلق]

ومن المدونة قال ابن القاسم في رجل له امرأتان دخل بواحدة ثم طلق إحداهما طلقة ومات قبل أن تنقضي العدة ولم يدر أيهما طلق قال: فللمدخول430431432

الجزء: 6 - الصفحة: 2685

بها صداقها كاملًا وثلاثة أرباع الميراث، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث 433، فأما المدخول بها فقد استحقت جميع الصداق بالدخول، ولا تأثير للطلاق في ذلك إن كانت هي المطلقة.
وأما غير المدخول بها فهي تستحق النصف إن كانت هي المطلقة وجميع الصداق إن لم تكن هي المطلقة، فقسم النصف المشكوك بينها وبين الورثة فصار لها ثلاثة أرباع صداقها، وأما الميراث فالمنازعة فيه مع صاحبتها لا مع الورثة، فكان للمدخول بها ثلاثة أرباعه لأنها تقول: إن ثبت أني المطلقة كان لي النصف، وإن كنت أنت المطلقة كان لي جميعه فيقسم النصف بينهما، ولو مات بعد انقضاء العدة أو كان الطلاق ثلاثًا كان الميراث بينهما نصفين، وهذا إذا علمت المدخول بها ولم تعلم المطلقة، وإن لم تعلم المدخول بها وعلمت المطلقة فللتي لم تطلق جميع الصداق وثلاثة أرباع الميراث، وللتي طلقت ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث؛ لأن التي لم تطلق تقول للورثة: أنا أستحق جميع الصداق، وإن لم يدخل بي، والتي طلقت تستحق النصف تارة إن كانت التي لم يدخل بها، والجميع إن كانت المدخول بها، فقسم النصف المشكوك بينهما وبين الورثة وأما الميراث فللتي لم تطلق نصفه لا منازعة لصاحبتها فيه، ويتنازعان في النصف الآخر، فهي تقول: أنا المدخول بي فلي جميعه، والأخرى تقول: أنا المدخول بي فلي نصفه فيتحالفان ويقتسمانه، فإن حلفت المطلقة ونكلت الأخرى كان لها ذلك النصف، وإن نكلت وحلفت المدخول بها كان لها جميع الميراث ولم يكن للمطلقة سوى نصف الصداق، ولا ميراث، وإن لم تعلم المطلقة ولا المدخول بها كان لهما صداقان إلا ربع 434 يقتسمان ذلك نصفين، والميراث الربع أو الثمن بينهما

الجزء: 6 - الصفحة: 2686

نصفين، وأما العدة فعلى كل واحدة أربعة أشهر وعشرا، وسواء علمت المطلقة ولم تعلم المدخول بها أو علمت المدخول بها ولم تعلم المطلقة إذا كان الطلاق واحدة، ولم تنقض العدة، وإن انقضت العدة افترق الجواب، فإن علمت المطلقة لم يكن عليها عدة؛ لأن عدتها قد انقضت، وإن لم تعلم المطلقة كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا؛ لأنه مات عن زوجة واحدة ولم يعلم أيتهما هي، فإن كان الطلاق ثلاثًا وعلمت المطلقة كان عليها ثلاث حيض من يوم وقع الطلاق، والأخرى أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يعلم المطلقة ومات قبل مضي ثلاث حيض كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا (1) لإمكان أن تكون هي الزوجة، وثلاث حيض من يوم الطلاق لإمكان أن تكون هي المطلقة.

فصل [في عدة وصداق وميراث امرأة وابنتها تزوجتا رجل في عقدين ثم مات ولم يعلم الأولى منهما]

وقال ابن القاسم فيمن تزوج امرأة وابنتها في عقدين ثم مات ولم يعلم الأولى منهما، فإن دخل بهما 436 كان لكل واحدة صداقها ولا ميراث لهما، والعدة ثلاث حيض على كل واحدة منهما، وإن لم يدخل بواحدة منهما كان لكل واحدة نصف صداقها والميراث بينهما نصفين، والعدة أربعة أشهر وعشرا، وإن دخل بواحدة وعلمت ولم يعلم هل هي الأولى أو الآخرة وإن لها صداقها المسمى، واختلف في الميراث فقيل: لا شيء لها لأنه ميراث بشك، وقيل: لها435

الجزء: 6 - الصفحة: 2687

نصف الميراث 437 لإمكان أن تكون هي الأولى فلها جميعه أو الآخرة فلا يكون لها شيء، فيقسم بينها وبين الورثة، والعدة أقصى الأجلين أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون الأولى، وثلاث حيض لإمكان أن تكون الآخرة، ولا صداق للتي لم يدخل بها ولا ميراث ولا عدة عليها؛ لأنها إن كانت الآخرة فهو نكاح فاسد لم يدخل فيه، وإن كانت الأولى فإن الدخول بالآخرة يفسخه، وإن علمت الأولى ولم تعلم المدخول بها كان لهما صداق واحد بينهما نصفين بعد يمينهما 438، فإن نكلت إحداهما كان للتي حلفت، ويختلف في ميراث الأولى هل لها نصفه أو لا شيء لها لأنه ميراث بشك، والقضاء ها هنا بالنصف أبين لأنها وارثة حقيقة مشكوك هل طرأ عليها ما يبطله، والعدة أربعة أشهر وعشرا، وعلى الأخرى ثلاث حيض لأنه فاسد وهي 439 معترفة على نفسها بالدخول، وإن لم تعلم الأولى ولا المدخول بها كان لهما صداق واحد يقتسمانه نصفين بعد يمينهما، ونصف ميراث على أحد القولين يقتسمانه أيضًا، والعدة أقصى الأجلين لأن كل واحدة تقر على نفسها بالدخول، ولا يدرى 440 هل هي أولى أو آخرة 441، ولو تزوج الثانية في الصحة أو في المرض ودخل بها في المرض لورثت الأولى؛ لأنه يعد فارًّا عنها بدخوله بالثانية في المرض.

الجزء: 6 - الصفحة: 2688

فصل [في عدة وصداق وميراث خمس نسوة توفي عنهن زوجهن ولا يدرى أيتهن الخامسة]

وإذا توفي عن خمس نسوة ولا يدرى أيتهن الخامسة 442، فإنه لا يخلو أن يكون دخل بهنَّ أو لم يدخل بواحدة منهن أو دخل ببعضهن، وأي ذلك كان فإن الحكم في الميراث سواء لا يتغير؛ لهن الثمن مع الولد، والربع مع عدمه بينهن أخماسًا وإنما يفترق الجواب في الصداق والعدة، فإن دخل بهن كان لكل واحدة صداقها المسمى، وإن لم يدخل بواحدة منهن كان لهن أربع صدُقات يقسمنها أخماسًا إن اعتدلت، وإن اختلعت 443 كان لكل واحدة أربعة أخماس صداقها، وإن دخل ببعضهن كان لمن دخل بها صداقها كاملًا كانت واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، ثم ينظر إلى من لم يدخل بها، فإن كانت واحدة كان لها نصف صداقها؛ لأنه يمكن أن تكون هي أحد الأربعة فيكون لها جميع المسمى أو تكون الخامسة فلا يكون لها شيء، فلما أشكل الأمر هل لها جميعه أو لا شيء لها جعل لها نصفه، وإن لم يدخل باثنتين كان لهما صداق ونصف يقسمانه نصفين، وإن كن ثلاثًا كان لهن صداقان ونصف بينهن أثلاثًا، وإن كن أربعًا كان لهن ثلاث صدقات ونصف بينهن أرباعًا، وإن شهد الورثة أن هذه الخامسة جازت شهادتهم لأنهم لا يجرُّون بتلك الشهادة منفعة، وأما العدة فإن دخل بهن كان على كل واحدة أقصى الأجلين أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون إحدى الأربع، وثلاث حيض لإمكان أن تكون الخامسة، وإن لم يدخل بواحدة كان على كل واحدة أربعة أشهر وعشرا لإمكان أن تكون هي إحدى الأربع، وإن دخل ببعضهن كان على المدخول بها أقصى الأجلين، والتي لم

الجزء: 6 - الصفحة: 2689

يدخل بها أربعة أشهر وعشرا.
وقال ابن سحنون 444 في رجل مات عن ست نسوة تزوج واحدة منهن بانفرادها، واثنتين في عقد، وثلاثًا في عقد فمات قبل أن يدخل بهن ولم تعلم الأولى منهن، كان للتي تزوج بانفرادها 445 صداقها كاملًا؛ لأن نكاحها لا يكون إلا صحيحًا، وسواء كانت أولًا أو بعد الاثنتين أو بعد الثلاث أو بعد الخمس؛ لأنه إن كان تزوج الاثنتين ثم الثلاث كان عقد الثلاث فاسدا، وتصير النفردة ثالثة.
وإن تزوج الثلاثة ثم الاثنتين كان نكاح الاثنتين 446 فاسدًا، وكأنه تزوجها بعد ثلاث فهي رابعة، وأما الميراث فإن للمنفردة سبعة أسهم من أربعة وعشرين سهمًا، وللاثنتين ثمانية أسهم لكل واحدة أربعة أسهم، وللثلاث تسعة أسهم، ثلاثة لكل واحدة؛ لأن للمنفردة إن كانت بعد الثلاث الربع، وإن كانت بعد الاثنتين الثلاث.
والثلث والربع يقوم من اثني عشر سهمًا فلها من الاثني عشر الربع لا تنازع فيه، ويبقى سهم وهو تمام الثلث مشكوكًا فيه تارة تستحقه إن كانت ثالثة 447، وتارة لا تستحقه إن كانت رابعة، فيكون لها نصفه فيضرب الاثنا عشر في اثنين فتبلغ أربعة وعشرين لها ثلاثة أسهم ونصف مضروبة في اثنين بسبعة ويبقى لثلاث منهن سهم لا ينازعهن الاثنتان فيه، ويبقى ستة عشر يقسمنها نصفين لأن كل طائفة تقول يمكن أن يكون جميع ذلك لنا، فإذا أخذ الثلاث ثمانية أسهم أضيف إليها السهم الواحد فكانت تسعة فيقتسمنها أثلاثا لكل واحدة ثلاثة أسهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2690

باب في نسيان البينة أو شكهم أو اختلافهم

وقال ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنه طلق إحدى نسائه الأربع، وقالا نسيناها، فلا تجوز شهادتهما، ويحلف الزوج ما طلق واحدة منهن، وقال محمد: لا يمين عليه، وقال ابن القاسم في شك الشهود ونسيانهم لمن سمى في العتق يجوز بعد الموت، وقال أصبغ: رجع عنه فلا يجوز في الحياة ولا بعد الموت 448 فأسقط الشهادة لأن كل واحدة منهن لا تدري أهي المطلقة أم لا، ولأنها لو علمت لم يصح أن يحلف أنها المطلقة، وأرى أن يحال بينه ويسجن حتى يقر بالمطلقة لأن البينة قطعت بأن واحدة عليه حرام، واختلف إذا نسيت البينة والشهادة بمال فقيل: الشهادة باطلة.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب في بينة شهدت لرجل أنه له في هذه الدار حق، ولا نعرف كم هو لتقادمه وتناسخ المواريث فيه، والمطلوب ينكر، قال: يقال له إن علمت حقك ما هو فاحلف عليه وخذه، وإن جهله وقال: كنت أسمع أبي يقول له فيها حق فلا أعرف، حيل بين المشهود عليه وبين الدار حتى يقر فيها بحق الطالب، ويوقف جميعها، ولا حجة للمطلوب إن قال: لم يشهد علي بجميعها 449، وإن قال حق الطالب منها الربع وأبى أن يحلف على ما سواه أخذ الربع بإقراره ووقف باقي الدار حتى يحلف أن لا شيء له غيره، ولو أقر بعد ذلك بشيء أخذ منه، ووقف عن بقيته حتى يحلف، وإن قال المشهود له أعرف حقي منها، وأبى أن يحلف لم يبطل حقه لأن البينة أثبتت له حقا، قال

الجزء: 6 - الصفحة: 2691

مطرف: وقد كنا نحن نقول إن الشهادة تبطل إذا لم يسم الحق حتى قال مالك هذا، وقضى ابه، وقال مالك أيضا: إذا شهدت بينة للرجل بحق وقالت لا نعرف عدده إلا أنا نشهد أنه قد بقي له عليه حق فإنه يقال للمطلوب أقر له بحقه، فما أقر به حلف عليه ولا شيء عليه غيره، وإن جحده قيل للطالب إن عرفته فاحلف عليه وخذه، وإن قال: لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فليسجن المطلوب حتى يقر بشيء ما، ويحلف عليه، فإن أقر بشيء، ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف 450، واختلف أيضا إذا شكت البينة، فقيل: الشهادة باطلة 451، وقال ابن كنانة في المجموعة: إذا شهدا بمال فقيل للبينة أتعلمان أنه مائة، فإن قالا: لا، قيل: فخمسون، فينزلان حتى يقفا على ما لا يشكان فيه 452، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن أقر المطلوب بالحق وجاء بشاهد أنه قبض منه شيئا سماه لي ونسيته، قال: ينزل حتى يقدر على ما لا يشك فيه، ثم يحلف المشهود عليه على ما وقف عليه الشاهد ويبرأ، وقال ابن الماجشون: الشهادة ساقطة 453، والأول أحسن، ولا يسقط ما استوقن لزائد مشكوك فيه، وإن أقر بثوب أو بعبد لم تعينه البينة ولا وصفته لم تبطل الشهادة لأن إبهام المشهود به ها هنا من قبل المقر ليس من قبل الشهود، واختلف بماذا يقضى له به عليه، فقيل بالوسط من العبيد والثياب، وقيل: بما يدعيه المقر له مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وهو أحسن.
وقال محمد: أقر بدنانير قضي عليه بثلاثة بعد يمين الطالب ما هي أقل،

الجزء: 6 - الصفحة: 2692

ويمين المطلوب ما هي أكثر (1)، وقوله في يمين الطالب ضعيف، وإنما أراد يمينه للاختلاف في أقل الجمع أنه اثنان، وليس هذا مما يقصدونه اليوم ولا يفهمونه إذا قال: دنانير، وإن نكل المطلوب أو أنكر الإقرار جملة، كان القول قول المقر له فيما يدعيه إذا أتى بما يشبه.

فصل [تلفيق الشهادتين إذا اختلفتا وقتا أو مكانا أو مضمونا واتفقا جملة]

واختلف في ضم الشهادتين إذا كانت عن موطنين وكانا على قول أو فعل أو أحدهما على قول والأخرى على فعل، فقيل: يضمان ويقضى بهما، وقيل: لا يضمان، وقيل: إن كانت على قول ضمتا، وإن كانا على فعل لم يضما، وقيل: يضمان، وإن كانتا على فعل وإن كان إحداهما على فعل والأخرى على قول لم يضما، قال مالك: إن شهد أحدهما أنه طلق يوم الخميس بمصر في رمضان والآخر أنه طلق يوم الجمعة بمكة في ذي الحجة طلقت عليه، فإن شهد عليه أنه حلف يوم الخميس أن لا يدخل دار فلان، ثم شهد الآخر أنه حلف يوم الجمعة أن لا يدخلها، ثم شهدا هما أو غيرهما أنه دخل يوم السبت طلقت عليه وضم القولان، وإن شهد عليه أنه حلف يوم الخميس أن لا يدخلها ثم شهد أحدهما أو غيرهما أنه دخلها يوم الجمعة، والآخر أنه دخلها يوم السبت ضمت الشهادتان على الفعلين وطلقت عليه، ولو شهد أحدهما أنه حلف ألا يدخلها وأنه دخلها، وشهد آخر أنه اعترف عنده باليمين والدخول ضمت الشهادة454

الجزء: 6 - الصفحة: 2693

وطلقت عليه، وقال في كتاب القذف: إذا شهد أحدهما أنه شجه موضحة وشهد الآخر أنه أقر أنه شجه موضحة ضمت الشهادتان وقضى بهما 455، وكل هذا فهو أحد القولين، وقد مضى في كتاب الشهادات اختلاف ابن القاسم ومحمد في ضم الشهادتين في المال، وأرى أن يضما في الطلاق إذا شهد كل واحد بثلاث أو شهد كل واحد بطلقة وكانت هي آخر طلقة، فإن لم يكن تقدم له فيها طلاق لم يضم الشهادتان وحلف على تكذيب كل واحد منهما وبرئ، وليست الشهادتان بالثلاث كالشهادة بالواحدة؛ لأن الشهادة إذا كانت على الثلاث كانت على شيء واحد، والذي شهد به الأول هو الذي شهد به الثاني وهو بمنزلة ما لو شهد على عتق عبد بعينه، وإذا شهد كل واحد بطلقة تضمنت أنه ذهبت منه طلقة من ثلاث وبقيت طلقتان وتضمنت شهادة الثاني على القول الأول طلقة ثانية، غير الأولى، وأن يكون بقيت له فيها واحدة، وإذا قال الأول: أوقع عليها أمس طلقة، وقال الاخر: أوقع عليها اليوم طلقة أيضا كانت على قولهما طلقتان فلا يصح أن تجمع الطلقتان وتجعل طلقة واحدة وقد يكون بين الطلقتين ما ينقضي فيه العدة فعلى شهادة الأول لا تقع الثانية لأنها على غير زوجته، وإذا كان الحكم لو سمع كل طلقة شاهدان أن يقع عليه طلقتان لم يصح إذا انفرد كل بسماع كل طلقة شاهدان تجعل واحدة، وإن شهد شاهد بطلقة وآخر بثلاث ضمت الشهادتان وقضى بواحدة وحلف على الباقي، واختلف إذا شهد أحدهما بواحدة والآخر بالبتة، فقيل: لا يضمان؛ لأن البتة لا تتبعض، وقيل: يضمان لأن البتة عبارة عن الثلاث 456.

الجزء: 6 - الصفحة: 2694

وقال ابن القاسم: إذا شهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر يوم الجمعة لم يقطع 457، وقال محمد: إذا شهد أحدهما أنه شرب أمس، والآخر اليوم لم يحد، واختلف أيضا في الشهادة في الزنى إذا كانت عن موطنين هل يجمع.
وإن شهد شاهد أنه حلف ألا يدخل دار فلان وأنه دخلها وشهد الآخر أنه حلف ألا يكلم فلانا وكلمه، لم تضم الشهادتان ولم يطلق عليه 458، واختلف في يمينه فقيل: يحلف لأن هذه الشهادة لطخ، وقيل: لا يحلف إلا أن يثبت أحد الطرفين إما شاهدان على اليمين وواحد على الدخول، أو واحد على اليمين، واثنان على الدخول، وقد تقدم هذا الأصل في كتاب أمهات الأولاد إذا شهد واحد على إقرار السيد بالوطء، وامرأة على الولادة هل يحلف والاختلاف في ذلك 459، وقال ربيعة في ثلاثة نفر شهدوا على رجل كل واحد على طلقة ليس معه صاحبه فأمر أن يحلف أو يفارق، فنكل قال: يفرق بينه وبينها وتعتد من يوم يفرق بينهما لأني لا أدري عن أي شهادات النفر نكل 460 فلم يجمع شيئا من هذه الشهادة، وعلى أصل مالك وابن القاسم يلزمه طلقة بشهادة الأول والثاني، ويحلف على شهادة الثالث، وإذا لم يجمع الشهادة فيختلف إذا نكل هل يقع عليه ثلاث تطليقات لأن شهادة كل واحد بانفرادها توجب عليه إذا نكل طلقة، وعلى القول الآخر يسجن حتى يحلف.
وقال ابن شهاب في رجل شهد عليه ثلاثة رجال مفترقون شهد أحدهم بطلقة وآخر باثنتين وآخر بثلاث، قال: ذهبت منه زوجته بطلقتين وهذا يصح

الجزء: 6 - الصفحة: 2695

في بعض وجوه المسألة، فإن علمت التواريخ فشهد واحد أنه طلقها قبل أمس واحدة، والثاني أنه طلقها أمس اثنتين والثالث أنه طلقها اليوم ثلاثا ذهبت منه بطلقتين لأن شهادة الأوسط تضم إلى شهادة الأول، فتلزمه طلقة، وبقي من شهادته طلقة فإن شهد الآخر أنه طلقها اليوم ثلاثا فيضم إلى الباقي شهادة الأوسط فيلزمه أخرى، وكذلك إذا شهد الأول باثنتين والأوسط بواحدة والآخر بثلاث يلزمه طلقتان، فتضم شهادة الأوسط إلى الأول، فتلزمه طلقة ويبقى من شهادة الأول واحدة فتضاف إليها شهادة الآخر، فتلزمه طلقة أخرى، ويحلف على الباقي من شهادة الآخر، ولو شهد الأول بثلاث والثاني باثنتين والآخر بواحدة لزمه ثلاث لأن شهادة الثاني إذا ضمت إلى شهادة الأول لزمه طلقتان قبل أن يسمعه الثالث يوقع الأخرى فلما سمعه الثالث ضمت شهادته إلى الباقي من شهادة الأول وهي واحدة فتمت الثلاث، وكذلك إذا شهد الأول بثلاث والثاني بواحدة والثالث باثنين لزمه ثلاث لأن شهادة الأول تضم إلى الثاني فتلزمه طلقة ويبقى من شهادته طلقتان فلما سمع الثالث طلقها اثنتين ضمت إلى الباقي من شهادة الأول ولزمته أخرى فتمت الثلاث، وكذلك لو شهد الأول أنه أوقع عليها طلقتين والثاني ثلاثا، والآخر واحدة لزمه الثلاث؛ لأنه لما سمعه الثاني لزمه طلقتان قبل أن يسمعه الثالث ويبقى من شهادة الأوسط طلقة، فلما طلق الأخرى أضيفت إلى الباقي من شهادة الأوسط فتمت الثلاث، ويختلف إذا عدمت التواريخ هل يلزمه طلقتان أو ثلاث لأن الزائد عن الاثنتين من باب الطلاق بالشك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2696

فصل [فيمن أقر أنه فعل شيئا ثم حلف بالطلاق أنه لم يفعله]

وقال مالك فيمن أقر أنه فعل شيئا ثم حلف بالطلاق أنه لم يفعله، وقال كنت كاذبا صدق وأحلف وإن شهدت عليه بينة أنه أقر بأنه فعله، فإن كان إقراره قبل يمينه فلا شيء عليه، وإن كان بعد يمينه حنث (1)، وإن قال امرأته طالق ما دخل دار فلان فشهدت عليه بينة أنه دخلها طلقت عليه، وقال في كتاب محمد إن شهد عليه رجلان بحق فحلف بالطلاق لقد شهدا بباطل دين في يمينه وقضي عليه بالحق، وإن شهد عليه غيرهما بذلك الحق طلقت عليه، وإن حلف قبل أن يشهد عليه ولا علم له بشهادتهما ثم شهد أحنث (2)، وإن علم أنهما يشهدان عليه، فقيل له: إن فلانا وفلانا يشهدان عليك بكذا فحلف بالطلاق أن لا شيء عنده من ذلك، ثم شهدا عليه لم يحنث، وقال مالك فيمن وجد عليه ريح شراب فشهد عليه شاهدان عند الإمام أنه ريح شراب فحلف المشهود عليه بالطلاق إن كان شرب خمرا، قال يقام عليه الحد في يمينه ولا تطلق عليه.

فصل [في شهادة الأعمى]

قال مالك: وتجوز شهادة الأعمى إذا عرف الصوت وقد حاجني رجل مرة عند بعض الولاة في ذلك فقلت كيف حفظ الناس ما حفظوا عن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - 463، وإنما كان كلامهن للناس من وراء حجاب.461462

الجزء: 6 - الصفحة: 2697

قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد أمرهن الله -عز وجل- بالحجاب فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] وأمرهن بالبلاع فقال -عز وجل-: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34] ما سمعن منه من السنة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" 464 فأجاز لمن كان في بيته أن يقتدي بما يقع له من التفرقة بكان الصوتين وأن هذا نداء بلال فيأكل وهذا نداء ابن أم مكتوم 465 فيمسك، ولولا معرفة الصوت لم يجز له أن يأكل بما يقع له أنه أذان بلال؛ لأنه يمكن أن يكون أذان بلال تقدم وهو نائم، وهذا الثاني نداء محرم، ونادى النبي - صلى الله عليه وسلم - مخرمة، فعرف صوته، فخرج وعلى يده قباء، وقال: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ" 466، قال سحنون: وكما يعرف صوت امرأته فيصيبها 467، يريد: وإن كان في ليل ومعه بناته أو غيرهم، وقال ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: لا تجوز شهادته على الزنى لأنه إنما يشهد على الرؤية 468.

الجزء: 6 - الصفحة: 2698

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاق
ما جاء في الأيمان بالطلاقفصل [فيمن جرى الطلاق على لسانه حكاية]فصل [في تعليق الطلاق]فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقكـ]فصل [فيمن قال لامرأته: إذا حملت فأنت طالق]فصل [في تعليق الطلاق بقدوم المسافر ونحوه]فصل [في تعليق الطلاق على ما لا يصادف معه محلا]فصل (6) [هل يتكرر الطلاق بالتعليق على أمرين أحدهما أهم من الثاني]فصل [فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق]فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ثلاث مرات]فصل [فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن دَخَلْتُ هذه الدار, ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها إجمال واحتمال]باب فيمن شكَّ هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟ أو هل طلق أو لا؟ أو هل حلف بالطلاق، أو تيقن الحلف (1) وشكـ في الحنث، أو تيقن الحلف وشكـ بماذا حلف؟فصل [فيمن قال لامرأته طلقتكـ وأنا صبي أو طلقتكـ وأنا مجنون]فصل [فيمن قال لزوجته أصبعكـ طالق أو رجلكـ أو يدك أو شعرك أو كلامكـ أو قال أنت طالق نصف تطليقة]باب فيمن قال لزوجتيه: إحداكما طالق، وهو ينوي إحداهما أو لا نية لهفصل [فيمن قال لزوجتيه إحداكما طالق ولا نية له]فصل [في عطف طلاق الزوجات بما فيه إبهام أو إضراب]باب في الاستثناء في الطلاقفصل [فيمن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو قال إلا اثنتين]باب في الطلاق قبل النكاح والعتق والصدقة قبل الملكـفصل [فيمن حلف ألا يتزوج إلى أجل]فصل [فيمن قال إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق]باب ما لا يتكرر من الطلاق أو يتكررفصل [فيمن قال لنساء معينات أيتكن تزوجت فهي طالق]فصل [فيمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق]باب فيمن حلف ليتزوجن على زوجته هل يبر بتزويج غير الأكفاء أو بالأمة أو بالعقد دون الدخولباب فيمن تزوج امرأة على أنه (1) إن تزوج عليها كان أمرها أو أمر تلك بيدها أو هي أو تلك طالق أو تسرى عليها فهي حرة أو أمرها بيدهافصل [في أن الشرط المعلق على المستقبل لا يشمل الزوجة السابقة]فصل (4) [في رجوع الزوجة عن شرطها عليه ألا يتزوج ولا يتسرى وما يَعْرُض لها في ذلك]فصل [فيمن قال لزوجته كل امرأة أتزوجها عليك طالق ثم تزوج امرأة على أن كل امرأة له طالق]باب في الطلاق بالكتابباب في طلاق المجنون والسكران والسفيه والمكره (1) والصبي والنصرانيفصل [في طلاق المكره]فصل [في معنى الإكراه]فصل [في طلاق السفيه وطلاق من لم يحتلم]فصل [في طلاق النصراني]باب في خيار (1) الأمة تعتق ولها زوج حر أو عبدفصل [في شروط خيار المعتقة وهل هو طلاق أو فسخ؟]فصل [في سقوط خيار الزوجة المعتقة بعد ثبوته]باب [في طلاق المريض وراكب البحر وحاضر الزحف ومن قرب للقتل]فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها في مرضه]فصل [في ميراث الزوجة إذا طلقها زوجها طلاقا بائنًا في صحته]فصل [في عدة وصداق وميراث امرأتين لرجل دخل بواحدة ثم طلق إحداهما طلقة ومات قبل أن تنقضي العدة ولم يدر أيهما طلق]فصل [في عدة وصداق وميراث امرأة وابنتها تزوجتا رجل في عقدين ثم مات ولم يعلم الأولى منهما]فصل [في عدة وصداق وميراث خمس نسوة توفي عنهن زوجهن ولا يدرى أيتهن الخامسة]باب في نسيان البينة أو شكهم أو اختلافهمفصل [تلفيق الشهادتين إذا اختلفتا وقتا أو مكانا أو مضمونا واتفقا جملة]فصل [فيمن أقر أنه فعل شيئا ثم حلف بالطلاق أنه لم يفعله]فصل [في شهادة الأعمى]
كتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل