كتاب المفقود
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)
الجزء: 5 - الصفحة: 2229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب المفقود
باب في امرأةِ المفقودِ تتزوجُ بعدَ ضربِ الأجلِ مِنَ السُّلطانِ ثم يَقْدَمُ زوجها، والمطلقة تتزوج بعد انقضاء العدة ثم يثبت (1) أنَّ زَوْجَها كان ارتجعها في العدة
اختلف عن مالك في ذلك فقال مرة: عقدُ الثاني عليها فوتٌ 2، وبه قال المغيرة وغيره من أصحاب مالك، ثم رجع وقال: الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني 3، وبه قال ابن القاسم وأشهب، ولم يختلف قول مالك أن الدخولَ فيهما 4 فوتٌ، وأنَّ انقضاءَ العدةِ في زوجة المفقود لا يفيتها 5. وأرى أن يكون العقدُ في امرأة المفقودِ فوتًا؛ لأنَّ الحاكمَ أباح لها الأزواجَ مع إمكانِ حياتِه، وما كشف الغيبُ شيئا 6 أكثرَ منَ الذي كان يظن، وقد قال الأبهريُّ وغيره من البغدادين: إن الطلاق عليه للضرر الذي يدركها في عدم1
الجزء: 5 - الصفحة: 2231
الوطء 7. وعلى هذا لا يكون أحق بها وإن لم تتزوج فيها 8.
وليس كذلك امرأة المرتجع؛ لأنه لم يكن فيها أمر ولا قضية من حاكم، فوجب أن يكون أحق بها وإن تزوجت.
ويجري فيها قول ثالث أنه 9 أحق بها وإن دخل الآخر، قياسًا على أحد الأقوال في النصرانية تُسْلِم وزوجها غائب 10، وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن ابن الماجشون أنه قال: إن ثبت أنه أسلم قبلها أو بعدها في العدة كان أحق.
بها 11، وإن وَلَدَتْ من الثاني 12.
وهذا أحسن؛ لأن الإسلام والرجعة هدما حكم الطلاق، وألا تباح للأزواج، فصارت بمنزلة امرأة ذات زوج تزوجت ولها زوج.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا كان الزوج الذي ارتجعها حاضرًا فلم يعلمها برجعته حتى تزوجت، ودخل بها أنها تمضي زوجة للثاني والحاضر أعظم ظلمًا 13. وليس هذا أيضًا بالبَيِّن.
ولو رأى رجلٌ زوجته تتزوج ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقًا، ولو عُدَّ ذلك من المرتجع طلاقًا 14 لاحتسب 15 بطلقة أخرى، وفرق بينها وبين الثاني،
الجزء: 5 - الصفحة: 2232
واستأنفت العدة من الأول.
قال محمد: ولو قدم المفقود بعد أن خلا بها الثاني فقال للأول: ما قربتها، لحرمت على الثاني، ولم تحل للأول 16 إلا أن يخطبها بعد ثلاث حيض 17. وجعل اعترافه كالطلاق، وإن لم يطلق فتحل لذلك الزوج 18، ولا تحل لغيره إن اعترفت أن الثاني لم يصبها 19؛ لأنها مقرة أنها زوجة الأول.
وإن ادعت أنه أصابها حلت له ولغيره؛ لأنه يعد ذلك منه طلاقًا، فإن أنكرت أن يكون أصابها، ولم يصدقها الأول ولا راجعها، كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان فتطلق على الأول؛ لأنها تقول: لا أبقى بغير نفقة، ولو أنفق عليها، لكان لها أن تقوم بعدم الإصابة؛ لأنَّ إنكار الأول أن تكون صدقت و 20 قوله: لا علم عندي لا يعد طلاقًا 21.
واخْتُلِفَ إذا دخل بها الثاني، ثم طلقها وانقضت العدة، ثم قدم الأول وقد كان طلقها قبل غيبته تطليقتين هل يحلها الثاني للأول؟ فقال مالك في المبسوط وأشهب في السليمانية: تحل 22. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا تحل.
الجزء: 5 - الصفحة: 2233
والأول أحسن؛ لأن بدخول الثاني يتبين أنه قد وقع على الأول طلقة من وقت ابتدأت (1) العدة، ولو كانت الطلقة إنما تقع بدخول الثاني، لكان الثاني نكاحًا فاسدًا، ويفرق بينها وبينه.
فصل [في أحوال زوجة المفقود بعد انقضاء عدتها]
زوجة المفقود بعد انقضاء العدة على أربعة 24 أوجه:
إما أن يأتي زوجُها، أو العلمُ بحياته، أو يثبت موته، أو لا يتبين حياته ولا موته حتى يمضي التعمير.
فإذا أتى بنفسه، أو أتى العلم بحياته، منعت الأزواج ورجعت بالنفقة من يوم قطعت عنها، وذلك من يوم أخذت في العدة، وإن كانت تزوجت ودخل بها مضت زوجة للثاني، وإن تزوجت ولم يدخل بها كان موضع الخلاف هل تمضي زوجة للثاني أم ترد إلى الأول؟ وترجع 25 بالنفقة 26.23 = على تطليقتين إذا هي رجعت إليه بعد زوج.
قلت: أرأيت المفقود إذا ضرب السلطان لامرأته أربع سنين، ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرا أيكون هذا الفراق تطليقة أم لا؟ قال: إن تزوجت ودخل بها فهي تطليقة) وفي موضع آخر: 2/ 30: (قال: وقال مالك في امرأة المفقود إذا ضرب لها أجل أربع سنين ثم تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر ودخل بها ثم مات زوجها هذا الذي تزوجها ودخل بها، ثم قدم المفقود فأراد أن يتزوجها بعد ذلك أنها عنده على تطليقتين إلا أن يكون طلقها قبل ذلك).
الجزء: 5 - الصفحة: 2234
وإن ثبت موته كانت 27 في موته على تسعة 28 أوجه: فإما أن يثبت أن الموت وانقضاء العدة كان قبل تزويج الثاني، أو 29 أن الموت كان قبل التزويج 30، أو أن الموت كان بعد التزويج والدخول، أو بعد التزويج وقبل الدخول، أو دخل الزوج في العدة، أو بعد انقضاء العدة، أو أن التزويج والدخول كانا في العدة، أو كان التزويج للعدة والدخول بعد 31، أو تعدم التواريخ فلا يدرى متى كان موته، فإن علم أن موته وانقضاء العدة منه كان قبل أن تتزوج الثاني 32 ورثته وبقيت زوجة للثاني.
وكذلك إن علم أن موته كان قبل تزويج الثاني، فإنها ترثه ويفسخ نكاح الثاني، ثم ينظر إلى دخوله، فإن دخل قبل انقضاء العدة حرمت عليه، وإن دخل بعدُ فعلى الخلاف المتقدم.
وإن كان موته بعد التزويج وبعد 33 الدخول لم ترثه، وبقيت زوجة للثاني، وإن كان موته بعد التزويج وقبل الدخول فعلى القول أن عقد الثاني فوتٌ، تبقى زوجة له، ولا ميراث لها من الأول، وعلى القول أن العقد ليس بفوت، ترث الأول ويفرق بينها وبين الثاني، ثم ينظر هل حرمت على الثاني؟ فإن فسخ قبل الدخول لم تحرم، وإن دخل في العدة حرمت، وإن دخل بعد انقضاء العدة
الجزء: 5 - الصفحة: 2235
لم تحرم؛ لأن العقد 34 كان في الحياة، والدخول تأخر عن العدة، والعدة قد سلمت من أن يكون فيها عقد أو دخول.
وإن عدمت التواريخ وقد دخل الثاني لم ترث الأول، ولم يفرق بينها وبين الثاني، ولا يفرق بشك ولا ترث بشك.
وإن لم تعلم له حياة ولا موت حتى يموت 35 بالتعمير نظرت 36: فإن لم تكن زوجته تزوجت ورثته، وإن كانت تزوجت ودخل بها لم ترثه وبقيت زوجة للثاني، فإن لم يدخل بها 37 ورِثَتْه، وهذا ظاهر قول أصبغ؛ لأنه قال: ترثه امرأته ما لم تتزوج ويدخل بها، قال 38: فإن تزوجت قبل وقت 39 التعمير ودخل بها، فلا ميراث لها 40. وأجراها على أحد القولين إذا أتى العلم بحياته ولم يدخل، وعلى هذا يفسخ الثاني.
قال الشيخ: 41 وأرى أن يمضي النكاح للثاني 42، وليس تمويته 43 بالتعمير مما 44 يحمل على أنه كان حيًّا في الحقيقة إلى ذلك الوقت، وإنما هذا في ظاهر 45
الجزء: 5 - الصفحة: 2236
الحكم، وإلا فيحتمل (1) أن يكون مات قبل ذلك، ولا يفرق بينها وبين الآخر بالشك، ولا ترث الأول.
فصل [في تزوج امرأة المفقود]
وإن تزوجت في الأربع سنين كان نكاحًا فاسدًا يفسخ قبل الدخول وبعده، ولا تحرم عليه أن 47 يتزوجها بعد ذلك 48، وإن ثبت أنه حي أمسكت عن الأزواج، وإن ثبت أنه كان مات ورثته وبقيت زوجة للثاني إذا كان تزوَّجها 49 بعد انقضاء عدة الأول، ولم يفسخ نكاحها 50؛ لأنه قد ثبت أنه كان على وجه صحيح، وإن علم ذلك بعد أن فرق بينهما ردت إليه؛ لأن الفراقَ وقع في غير موضعه 51، وإن تزوجت في الأربعة الأشهر وعشر كان فاسدًا، يفسخ قبل الدخول وبعده إلا أن يثبت أنه حي فلا تحرم عليه.
وقال محمد: لأنها صارت زوجة للمفقود على حالها 52 بغير طلاق ولا وفاة.46
الجزء: 5 - الصفحة: 2237
ولو لم يعلم حاله من الحياة والموت 53 فَفُرِّقَ بينهما وتزوجت غيره ودخل بها، ثم علمت حياة الأول كان الأوسط متزوجًا في عدة، وإن لم يدخل بها الآخر جرت على القولين، فعلى القول إنها تقر تحت الأخير 54، يكون الأوسط متزوجًا في عدة، وعلى القول إنها ترد إلى الأول وأن العقد لا يُفيتها، لا يكون متزوجًا في عدة؛ لأنها عادت إلى الأول على الزوجية التي كانت.
الجزء: 5 - الصفحة: 2238
باب في ضربِ الأجَلِ لامرأةِ المفقودِ والنفقةِ على زوجتِه وولدِه (1) وما يحلُّ من ديونِه ومهورِ نسائِه ومتى يوَّرث
وقال مالك: لا تعتد امرأة المفقود، وإن أقامت أربع 56 سنين بغير أمر السلطان وإن أقامت عشرين سنة ثم رفعت أمرها إلى السلطان نظر في ذلك، وكتب إلى الموضع الذي خرج إليه، فإن يئس 57 منه 58 ضرب لها 59 أربع سنين، ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا من غير أن يأمرها السلطان بذلك 60.
يريد: ما لم تكمل عشرين سنة تمام التعمير، فإنه يموت ولا يستأنف الأجل.
ولا يخلو المفقود من أن يكون فَقْدُهُ ببلده أو بعد خروجه عنه، أو في البلد الذي توجه إليه، فإن فُقِدَ ببلده كشف عن خبره 61 زوجتُه وأقاربه، وإخوانه وأهل محلته وسوقه، فإن كان عندهم منه عِلْم أنه كان يريد بلدًا كتب إليه، وإن لم يكن عندهم عِلْم كشف عنه في المواضع التي يشبه أن يتوجه إليها أو إلى 62 ما55
الجزء: 5 - الصفحة: 2239
قاربها 63، وإن فقد بعد خروجه كشف عنه في البلد الذي توجه إليه وفيما قاربه، وإن فقد بعد وصوله كشف عنه 64 في الموضع الذي وصل إليه، وفيما قاربه مما يتصرف مثل هذا إليه، ويكتب بحليته وصفته 65 وصنعته إن لم يكن مشهور العين 66، وإن كان له بذلك الموضع إخوان سألهم عنه، وإن كان المفقود مطلوبًا بدم أو كان عبدًا أبق من سيده لم يقتصر في الكشف عنه على الناحية التي يقصدها 67 الخارج للتجارة؛ لأن هذا يتنقل من بلد إلى بلد خوفًا من 68 أن يُظهر عليه، فإن لم يعلم له حياة ولا موت كان لزوجته أن تقوم بالفراق.
وقد اختلف في أربعة مواضع:
أحدها: فيمن يتولى الكشف عن خبره، هل ذلك إلى سلطان بلد المفقود، أو إلى أمير المؤمنين؟
والثاني: في 69 مبتدأ الأربع سنين، أهو من يوم الرفع، أو من يوم 70 اليأس والثالث: في تعليل الاقتصار على أربع سنين.
والرابع: هل عليها إحدادٌ في العدة؟
الجزء: 5 - الصفحة: 2240
والمعروف من المذهب: أن الكشف عن خبره إلى سلطان بلده، وإن تولى 71 ذلك بعض ولاة المياه، وكان المفقود منهم، أجزأ 72.
قال أبو مصعب: لا يجوز في ذلك حكم سلطان غير الخليفة الذي تمضي كتبه في الدماء 73. وقال مالك: يضرب الأجل أربع سنين من يوم اليأس 74. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: من يوم الرفع 75.
وأما الاقتصار على أربع سنين، فقيل: لأنها غاية مدة الحمل 76. وقيل: المدة التي تبلغها المكاتبة في بُلدان 77 الإسلام سيرًا أو رجوعًا.
وقيل: لا علة لذلك إلا الاتباع، لقول عمر 78 - رضي الله عنه - 79، وهو أحسن.
الجزء: 5 - الصفحة: 2241
ويفسد 80 التعليل بمدة الحمل بقوله: لو أقامت عشرين سنة، ثم رفعت أمرها 81 إنها تستأنف الأجل 82، وبقولهم: إذا كانت الزوجة صغيرة أو الزوج صغيرًا إنه يضرب الأجل أربع سنين، وإن لم يكن هناك موضع يخشى منه الحمل، وكذلك إذا كانت يائسة.
ويبطل التعليل بأنه مدة الكشف على قول مالك إنها تستأنف الأربع سنين 83 من بعد اليأس، وعلى قوله أيضًا: إن الأربعة من يوم الرفع؛ لأنه لو رجع الكشف ورفع 84 بعد سنة لانتظرت 85 تمام الأربع سنين 86، ولو كانت العلة لأنها أمد الكشف لم تنتظر تمام الأربع.
وقال محمد في العبد يهرب من سيده فتطول إقامته، ومن يهرب من دم وهو حر أو عبد: إنه كالمفقود.
وقال مالك: وكذلك من أخذ متاع زوجته وهرب به من جوف الليل؛ يُضرب له أجلُ المفقود.
وأرى أن يطلق على هؤلاء عند رجوع الكشف بعدم العلم، بخلاف المفقود؛ لأنهم فروا اختيارًا، ومعلوم أنهم قاصدون للتخلف عن الرجوع، هذا = 7/ 85، باب التي لا تعلم مهلك زوجها، من كتاب الطلاق، برقم: (12317).
الجزء: 5 - الصفحة: 2242
بالإباق، وهذا لئلا يؤخذ بالدم، والآخر 87 لئلا يظهر عليه.
وكذلك من فرَّ من دَينٍ 88 كثير أعسر به، يُطلق عليه بالضرر، وليس بمنزلة من لم يكن خروجُه من بلده لمثل هذا؛ لأنّ الغالب رغبته في الرجوع إلى أهله، فهو بين ميت وممنوع من الرجوع، وهؤلاء مختارون للإقامة.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: إنما قال مالك يفرق بين المفقود وبين امرأته إذا طالت المدة؛ لأن الضرر فيه أكثر من ضرر المولي 89 إذ كأن المفقود عُدِم منه 90 الوطء.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا يلزم على هذا الأسير 91؛ لأن المنع في الأسير من غيره.
وقال محمد: إن كانت الزوجة صغيرة فلم تبلغ الوطء وهو صغير أو كبير فذلك سواء، وهو مفقود مثل غيره في الأجل والعدة، ويقوم للصغيرة أبوها 92. ويلزم على قول الأبهري ألا يطلق على الصغير وإن كانت كبيرة، ولا على الكبير إذا كانت صغيرة؛ لأنه لم يأت 93 القيام بالضرر بعدم الوطء، وقد تقدم ذكر الاختلاف في الإحداد.
الجزء: 5 - الصفحة: 2243
فصل [في المفقود، والحكم في ماله، وتعميره والنفقةِ على زوجتِه وولدِه]
وقال مالك: ينفق على زوجة 94 المفقود في الأربع سنين، ولا ينفق عليها في الأربعة الأشهر وعشر؛ لأنها معتدة، وينفق على بنيه الصغار حتى يحتلموا، وعلى بناته حتى يتزوجن، ويُدخل بهن 95.
والمفقود ثلاثة: فقيد في أرض الإسلام، وفقيد في أرض الحرب، وفقيد فيما 96 بين الصفين في أرض الحرب، أو في أرض الإسلام 97.
واختلف أهل العلم في فقيد أرض الإسلام، فقال مالك: هو على الحياة، ولا يقسم ماله إلا بالتعمير 98، وينفق على بنيه وبناته حسب ما تقدم، فإن ثبت أنه مات قبل ذلك رجع عليهم 99، وزوجته بالخيار بين أن تقيم على الزوجية وتنفق من ماله حتى يموت بالتعمير وترث حينئذٍ، أو تقوم بالطلاق لما لحقها من الضرر في عدم 100 الإصابة.
واختلف في مهور نسائه وفي الديون التي عليه إلى أجل، فقال مالك في
الجزء: 5 - الصفحة: 2244
كتاب محمد: تؤخر إلى أجلها (1). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: تعجل إذا انقضت الأربع سنين (2). والأول أحسن؛ لأن محمله على الحياة، وإنما قضي للزوجة بالطلاق لحقها في الإصابة، وقال بعض أهل العلم: الزوجةُ والمالُ سواءٌ، لا يفرق بينه وبين زوجته حتى يبلغ التعمير، وقال بعضهم: يفرق بينه وبين زوجته، ويقسم ماله بعد انقضاء الأربع سنين.
فصل [في ميراث المفقود]
وينظر السلطانُ فيما يخلفه المفقود من رباعٍ 103 وأموالٍ ومتاجرَ، وديونٍ، وقراضٍ، وودائعَ وعوارٍ 104، فأما الرِّبَاعُ فإن كانت مما تصلحُ للكراءِ أكراها 105، فإن كان فيها شيءٌ يحتاج إلى إصلاح ولا يبقى على انهدامه أصلح له، وإن كان يبقى عليه وكانت 106 النفقة تعظم والبيع أحسن، بيعت، وأما متاجره فما كان يخشى فساده مثل ما كان يسوّس أو يدوّد، باعه، وإلا لم يعرض له، إلا أن يأتي على شيء من ذلك نفاق وغلاء، وما يعلم أنه لو كان صاحبه حاضرًا لم يؤخر بيعه؛ فإنه يباع، وأما رقيقه فإن كان لا يخشى عليهم الإباق وفي خراجهم ما يقوم بمؤنتهم وكسوتهم، لم يباعوا، وإلا بيعوا.101102
الجزء: 5 - الصفحة: 2245
وكذلك الدواب إذا كان في غلتها ما يقوم بعلوفاتها (1) ولم يبلغوا من السن ما يخشى عليهم، لم يباعوا، ويقتضي (2) ديونه بعد حلول أجلها وقراضه بعد نضوضه، ويوقف كل (3) ذلك على يد أمن (4)، وكذلك عواريه إذا كان لها أجل فانقضى وإن لم يكن لها أُجِّلَ بانقضاء (5) (6) ما يعار لمثله.
وإن أعار أرضًا فبنى فيها المستعير أَمَره بنقضه إذا مضى ما يعار لمثله إلا أن يكون له مال (7) فيأخذ له بقيمته منقوضًا.
فأمَّا ودائعه فإن كانت على يد مأمون تركت، وإلا نزعت وإن كان المفقود قد رضي بأمانته؛ لأنه قد تعلق بها حق الورثة وشبهة، لإمكان أن يكون قد مات، وإن كان الورثة مأمونين كان وَقْف جميع ذلك على أيديهم أولى من الأجنبيين للشبهة التي كانت (8) لهم فيه، ولإمكان أن يكون قد مات اليوم، وأنه مالهم اليوم، ومراعاةً للخلاف لمن قال: إنه يورث عند انقضاء أربع سنين.
فصل [في زوجة المفقود التي لم يدخل بها]
واختُلِف في إكمال الصداق للزوجة إذا لم يدخل بها، وفرق بينهما قبل107108109110111112113114
الجزء: 5 - الصفحة: 2246
الدخول فتزوجت أو لم تتزوج حتى مُوِّت بالتعمير، فقال مالك: إذا فرق بينهما 115 بعد أربع سنين تعطى جميع الصداق 116، وقال عبد الملك: تعطى نصف صداقها، وإن كانت قبضت الجميع لم ينزع منها 117.
وهي بعد ذلك على ثلاثة أوجه: فإما أن يعلم حياته أو موته، أو لا يعلم له حياة أو موت، ومُوِّت بالتعمير.
فإن عُلِمت حياتُه بعد أن تزوجت ودخل بها الثاني: لم يكن لها إلا نصف الصداق على 118 قول عبد الملك، فإن كانت قبضت الجميع ردت النصف، واختُلِف عن مالك إذا عُلِمت حياتُهُ فقال مرةً تردُّ النصفَ؛ لأنه طلاقٌ قبلَ الدخولِ، وقال مرةً: لا تردُّ شيئًا؛ لأنه طال أمرها ويتلوم له كما يتلوم للمعترض 119.
والأول أحسن؛ لأنه طلاق قبل الدخول، وليس كالمعترض؛ لأنه استمتعبها وأخْلَقَ جهازَها، وإن علم أن موته كان في موضعٍ يئوب 120 منه أكمل لها الصداق، فإن كان في موضع لا يئوب 121 منه لم يكمل لها.
واختلف إذا لم يعلم له حياة ولا موت حتى مُوِّت بالتعمير، وقد دخل الثاني بها، فقال عبد الملك: يُكمَّلُ لها الصداقُ، وقال ابن دينار: لها النصفُ، ولا يكمل لها 122، وهو أقيس، ولو أكمل لها وجهل ما تقدم من الفراق أنه كان بعد وفاته
الجزء: 5 - الصفحة: 2247
لورثت، وإن لم تتزوج حتى مُوِّت بالتعمير ورثت، وأكمل لها الصداق، وإن عُلم الموت والتزويج ولم يُدرَ أيّ ذلك كان قبل، لم ترث ولم يكمل الصداق.
فصل [في ميراث المفقود]
وقال مالك في المفقود: إذا بلغ من الزمان ما لا يُحيا إلى مثله قُسِّم ماله يوم يموت 123.
وإن مات له الآن 124 ولدٌ وقفَ للمفقودِ ميراثه منه حتى ينظر ما يثبت من ذلك، وإن ثبت أن الأب مات قبل الابن ورثه الابن، وإن ثبت أن موت الابن كان قبل 125 كان الموقوف 126 مضافًا إلى مال الأب، وموروثًا عنه.
واختلف إذا مُوِّت بالتعمير، فقال مالك: لا ميراث للأب منه 127 ويكون ميراث الابن لمن كان يرثه يوم مات سوى أبيه، وميراث الأب لمن يرثه يوم موته دون ولده 128.
وحكى ابن شعبان قولًا آخرَ: أن ميراثَ الابنِ للأب، ويرثه الآن من كان يرث الأب بالتعمير.
وقولًا ثالثًا: أنه إذا ورث الأب بالتعمير يوقف من ماله ميراث ولده الذي كان مات، ويكون الميراثان موقوفين حتى ينكشف من يرث منهما صاحبه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2248
والأول أصوب، ولا يرث الابن الأب، (1) لإمكان أن يكون موته (2) قبل، ولا يرث الأب الابن (3) لإمكان أن لا (4) يكون (5) حيًّا يوم مات.
فصل (6) [في حد التعمير في المفقود]
واخْتُلِف في حد التعمير، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: سبعون سنةً، وقال ابن القاسم أيضًا: 135 في المختصر: تسعون 136 سنة 137، وقال 138: أو ثمانون، وقال أشهب: مائة من يوم ولد، وقال ابن الماجشون: تسعون سنة، وقيل عنه: مائة، وقال ابن القاسم: سبعون سنة 139 في المفقود والموصى له، وقيل عنه: أحب إلي أن يزاد في المفقود وروي عنه فيه ثمانون 140، وقال أشهب أيضًا وعبد الملك: مائة سنة 141. والسبعون في ذلك أحسن 142 إذا فُقِدَ وهو شاب أو كهل، وإن فقد وهو129130131132133134
الجزء: 5 - الصفحة: 2249
ابن سبعين زِيدَ (1) في ذلك قدر (2) ما يرى من حاله يوم فُقد، فقد يرى أن السبعين أتت عليه وهو صحيح البِنْية مجتمع (3) القوى، وآخر (4) أتى عليه الضعف (5) فليس أمرهما سواءٌ، وإن فُقد وهو ابن ثمانين سنة أو تسعين أو مائة زِيد (6) في تعميره (7)، ويعتبر في الزيادة حسب ما تقدم من حاله يوم فُقد، فإن قسم ماله وكانت زوجته لم تتزوج بعد الفراق كان لها الميراث.
فصل [فيمن توجه نحو أرض الحرب؛ ففقد]
واختُلف فيمن توجه 150 إلى أرض الحرب فَفُقِدَ في توجهه أو بعد وصوله، وكان سفره في البر أو في البحر فقيل: هو بمنزلة الفقيد يتوجه إلى 151 أرض الإسلام.
وقيل: هو كالأسير 152. وقيل: 153 إن فقد قبل وصوله كان على حكم143144145146147148149 = ما بين الستين كان إلى السبعين، فأقلهم من يجاوز ذلك، وهذا إخبار عما يتعلق به الحكم من الأعمار، وما زاد على ذلك فليس فيه دليل يتحرر لكل قول، وإنما هو على حسب ما يتغلب في الظن من طول المدة وقصرها).
الجزء: 5 - الصفحة: 2250
المفقود، وإن كان فقد بعد وصوله كان كالأسير.
وقيل: إن كان سفره في البحر ففقد قبل الوصول كان على حكم المفقود، وإن كان سفره في البر كان على حكم الأسير.
وأرى إذا فقد قبل وصوله أن يكون على حكم المفقود، وسواء كان سفره في البر أو في البحر، وإن فقد بعد الوصول أن يكون على حكم الأسير، إلا أن يكون دخل غازيًا للقتال.
فصل [فيمن فُقِدَ في معتركٍ بين المسلمين]
واختلف في فقيد المعترك بين المسلمين، فقال مالك: ليس في ذلك أجل، وتعتد زوجته من يوم التقاء الصفين 154 قال: وكان أشباه ذلك فيما مضى يوم صفين، ويوم الحَرَّة وقُديْد وليس كلهم عرف مصرعه، ولم ينزل أمر من فقد منهم إلا على الموت 155، وقال ابن القاسم مرة مثل ذلك، وقال أيضًا: تتربص زوجته سنة ثم تعتد، وقال أيضًا: العدةُ داخلةٌ في السَّنة 156، فلم يفرق في هذه الأقوال بين قرب القتال من الديار وبعده، ولا أنه 157 يحتاج في ذلك إلى سلطان.
وقال في العتبية فيما قرب من الديار: يتلوم الإمام لزوجته باجتهاده بقدر
الجزء: 5 - الصفحة: 2251
انصراف من انصرف وانهزام من انهزم، ثم تعتد وتتزوج، وفيما بعد مثل إفريقية ونحوها تنتظر سنة 158.
فأدخل نظر الإمام في ذلك، وفرق بين القرب والبعد، وقال في كتاب محمد: ما بَعُدَ هو على حكم المفقود؛ تتربص أربع سنين 159. وقال أصبغ: يضرب لامرأته بقدر ما يستقصى أمره، ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم 160.
وهذا الجواب في زوجته، وأما ماله فهو على ثلاثة أوجه: فمن قال العدة من يوم التقاء الصفين؛ ورثت منه حينئذٍ، ومن جعل الزوجة تتربص أربع سنين، وقف ماله إلى التعمير.
واختلف على القول أن زوجته تتربص سنة، فقيل: يقسم ماله ذلك الوقت، وقيل: يوقف إلى التعمير 161.
وأرى أن يكون الأمر فيه إلى الإمام في القريب والبعيد، فيجتهد ويكشف عن خبره، فإن لم يتبين له حياة حكم أن موته كان عن ذلك القتال، وإن كان القتال أيامًا أو شهرًا فعند انقضاء آخر يوم، الحكم في الزوجة والمال سواء؛ لأن الخوف إنما كان من ذلك الالتقاء، ولو علمت سلامته منه 162 لم تطلق عليه عند انقضاء السنة 163 على حكم المفقود.
الجزء: 5 - الصفحة: 2252
فصل (1) [فيمن فُقِدَ في معترك المشركين، وكان القتال بأرضهم]
واختلف في فقيد معترك المشركين إذا كان القتال بأرضهم 165، فقال مالك في العتبية: هو 166 كالأسير 167. وروى عنه أشهب أنه قال فيمن فقد بين الصفين في أرض الإسلام أو في أرض الحرب: تتربص زوجته سنة من يوم ينظر السلطان في أمره، ثم تعتد 168، وقال 169 في كتاب محمد: إنه كفقيد أرض الإسلام ينتظر أربع سنين 170. وأرى إذا كان الالتقاء في أرض الإسلام أن تكون العِدة، واقتسام 171 المال من يوم افتراق الجيشين 172 بعد التربص والكشف عن أمره، إلا أن يعلم أنه صار إليهم فيكون كالأسير، فوجه القول أنه كالأسير؛ لأن أمره مترددٌ بين الأسر أو القتل، والأصل الحياة، ووجه القول أنه ينتظر سنة فلأن الغالب من القتال القتل وغيره نادر، فكان تعلق الحكم بالغالب أولى 173، ووجه القول أنه كالمفقود أنه لما أشكل أمره بين الأسر أو القتل جعل الحكم منزلة164
الجزء: 5 - الصفحة: 2253
بين منزلتين.
ومحمل من فُقِدَ في بلده في زمن الطاعون أو في بلدٍ توجَّه إليه وفيه طاعون على الموت، وذكر بعضُ أصحابِ مالك أن الناس أصابهم سنةً بطريق مكةَ سعالٌ وكان الرجل لا يسعل إلا يسيىرًا حتى يموت، فمات في 174 ذلك عالَمٌ، ففقد ناس 175 ممن خرج إلى الحج فلم يأت لهم خبر حياة ولا موت، فرأى مالكٌ أن تُقَسَّم أموالهُم 176، ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره، للذي بلغه من موت الناس من ذلك السعال.
وكذلك الشأن في أهل البوادي في الشدائد ينتجعون من ديارهم إلى غيرها من البوادي، ثم يُفقدون- أنهم على الموت، وقد علم ذلك من حالهم إذا توجهوا 177 إلى البلد الذي يمضون إليه أنه 178 تلحقهم الضيعة والموت 179، وقال ابن القاسم في عبد فُقِد فأعتقه سيده ثم مات ابنٌ له حرٌّ من امرأةٍ له حرةٍ فلا يوقف ميراثه ولكن يعطى لورثته الأحرار حميل 180. وقال في كتاب محمد: والقياس أنه مثل الحر المفقود 181.
وقوله: أن يدفع لورثته بحميل 182 أحسن؛ لأنهم الورثة في الأصل،
الجزء: 5 - الصفحة: 2254
وإخراجهم عن الميراث مشكوك فيه، وقد غاب الأب وليس بوارث، فهو على ذلك حتى يعلم أنه وارث.
وقال محمد فيمن حُبست عليه غلةُ دارٍ فَفُقِد: تحبس عليه تلك الغلة، والغلة له إلى الوقت الذي يورث فيه 183.
يريد 184: التعمير 185، فجعل له الغلة لأنه غاب، وهي له، فلا تسقط عنه بالشك.
وقال فيمن فُقد ثم مات له ولدٌ فَوقفَ: له ميراثُه منه، ولا ينفق على زوجته من ذلك الميراث؛ لأنها على شك هل لها فيه حق أم لا 186؟
الجزء: 5 - الصفحة: 2255
باب في سكنى المعتدات
سكنى المعتدة تجب 187 في الموضع الذي كانت تكون فيه في حال الزوجية 188، وسواء كانت العدة عن 189 طلاق رجعي أو بائن أو وفاة، وذلك حق للزوج، لحفظ النسب، وحقٌّ لها؛ لأنها ممنوعة من الأزواج من أجل مائِهِ، وحقٌّ لله سبحانه عليها 190. والأصل في السكنى لها في الطلاق الرجعي قول الله سبحانه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وفي وجوبه عليها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، ووجب لها في الطلاق البائن بقوله -عز وجل-: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فبان بهذا 191 أن هذه العدة عن 192 طلاق بائن؛ لأنه لم يجعل لها نفقة إلا بوجود الحمل، ولو كان رجعيًا لكانت 193 لها النفقة وإن لم تكن حاملًا.
وقد اختُلف في معنى سقوط السكنى لفاطمة بنت قيس، فأخرج مسلم:
الجزء: 5 - الصفحة: 2256
"أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَليَّ.
فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ" 194، وذكر البخاري: "أنه كان بينهم شر فانتقلت 195 لذلك، وقالت عائشة: لا خير في ذكر ذلك" 196.
فبان بهذا أن السُّكنى بذلك الموضع حقٌّ لله تعالى؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها الانتقال إلا بعذر، وفي إنكار عائشة عليها 197 دليل على أنها كانت ترى أن ذلك واجبٌ عليها، وقال عمر 198 - رضي الله عنه -: لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، أخرجه مسلم 199.
ووجب السُّكنى في الوفاة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للفريعة، وقد توفي زوجها فقالت: يا رسول الله، إن زوجي توفي ولم يتركني في منزل يملكه 200، أتأذن لي أن أنتقل إلى أهلي؟ فقال لها: "امْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ" 201. فإذا منعها
الجزء: 5 - الصفحة: 2257
من أن تعتد في غير الموضع الذي كانت فيه، وإن كان ليس بملك للزوج كانت فيما يملكه أولى بالمنع.
فصل [في صفة سُكنَى المعتدة]
وصفة السُّكنى أن تلزم ذلك المسكن بالليل، ولا بأس أن تنصرف بالنهار، وقال مالك: ولا بأس أن تخرج قبل الفجر، وتأتي بعد المغرب ما بينها وبين العشاء 202 203.
وأرى أن يحتاط للأنساب فتؤخر الخروج لطلوع الشمس وتأتي عند غروبها، وهذا في بعض الأوقات وعند الحاجة تَعْرُضُ، وليس أن تجعل هذا عادة تكون سائر النهار في غير 204 الموضع الذي تعتد فيه.
قال مالك في كتاب محمد: ولا أحب أن تكون عند أمها 205 النهار كله 206.
وتصيف وتشتّي 207 حيث شاءت مما يجمعه غلقها، وإن كان الموضع مشتركًا لم يكن لها أن تعدو المواضع التي 208 كانت تكون مع زوجها فيها 209 في = بيتها حتى تحل، من كتاب الطلاق، برقم (3528)، وابن ماجه: 1/ 654 في باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، من كتاب الطلاق، برقم: (2031).
الجزء: 5 - الصفحة: 2258
شتاء أو صيف.
وقد تأتي أعذار تبيح الانتقال وهي على وجوه:
فإن خافت سقوط 210 بيتها أو لصوصًا أو جارَ سوءٍ تخافه على نفسها أو وحشةً لانتقال من حولها أو خشيت الانفراد من جيرانها 211 212 - كان لها أن تنتقل 213.
وإن حدث 214 شر بينها وبين من يسكن 215 معها، وكان الشر منها أخرجت عنهم، وفي مثل هذا جاء الحديث في فاطمة بنت قيس 216، وإن كان الشر من غيرها أخرجوا عنها، وإن أشكل الأمر أقرع بينهم على أيهم يخرج.
ولصاحب البيت 217 أن يخرجها إذا انقضى أجل الكراء أو العارية، ثم عليها من اللزوم في الموضع الذي تنتقل إليه مثل ما كان 218 في الأول 219.
وعلى الزوج أن يكتري لها حتى تنقضي عدتها، وإذا كانت العدة عن
الجزء: 5 - الصفحة: 2259
طلاق بائن 220 فإن اختلفا فدعا الزوج إلى مسكن ودعت الزوجة 221 إلى غيره كان القول قولها إذا دعت إلى موضع مأمون واستوى الكراءان 222، أَوْ كان الموضع الذي دعتْ إليه أقل كراء 223 أو أكثر وتحملت الزيادة، وإن دعا الزوج إلى مسكن يملكه كان القول قوله وليس عليه أن يكتري لها 224 ويدع منزله خاليًا، إلا أن تشاء هي أن تكتري مثل 225 منزل الزوج، ويكون عليها أجرة ما تكتري به لنفسها 226. فإن خرجت من غير 227 عذر ثم طلبت كراء المسكن الذي انتقلت إليه لم يكن لها ذلك إن خرجت عن مسكن يملكه الزوج أو اكتراه وجيبة 228 ولم يُكْرِهِ بعد خروجها، فإن اكتراه 229 رجعت بالأقل مما اكترت أو ما اكترى به 230
الجزء: 5 - الصفحة: 2260
الأول، ولها أن تطلبه بالنفقة إذا كان الطلاق رجعيًا، وإن خرجت بغير رضاه، والكراء في هذا بخلاف النفقة؛ لأن المطلقة لا منفعة (1) له فيها (2)، فإن ارتجعها فامتنعت من الرجوع سقطت نفقتها من حين ارتجعها لحقه في الوطء، وثبت ما كان لها من النفقة قبل أن يرتجع (3).
فصل [في أقسام مسكن المعتدة]
لا يخلو المسكن 234 الذي تعتد فيه من ثمانية أقسام: إما أن يكون: مسكنًا 235 للزوج، أو بإجارة، أو عارية، أو حبس، أو ملكًا للزوجة، أو استأجرته، أو يكون الزوج أميرًا أو قاضيًا سكن من أجل 236 ما كان يقوم به من أمور المسلمين ثم عُزل أو مات.
فإن كانت في موضع يملكه الزوج كانت أحق به حتى تنقضي عدتها، وسواء كانت العدة من 237 طلاق أو وفاة، وإن كان على الزوج دين بيع للغرماء، واستُثني مدة العدة، وكذلك إن لم يكن دين وأحب الورثة البيع.
وإن كانت عارية أو حبسًا وضرب فيها أجلًا، كانت أحق بذلك المسكن حتى تنقضي العدة أو الأجل، وإن انقضى الأجل قبل العدة كان لصاحب231232233
الجزء: 5 - الصفحة: 2261
المسكن أن يخرجها، وإن كانت العدة عن طلاق كان على الزوج أن يكتري لها بقية العدة 238، وسواء كانت العدة عن طلاق رجعي أو بائن أو كان موسرًا، وإن كان معسرًا لم يكن عليه شيءٌ إن أيسر بعد ذلك، وإن كانت العدة عن وفاة فأخرجها أهل المسكن، لم يكن لها في ذمة الميت شيء، موسرًا كان أو معسرًا.
وإن كان المسكن بإجارة ونقد الزوج الكراء كانت أحق بذلك 239 في الفلس والموت، وإن لم يكن نقد الكراء 240، افترق الجواب، فإن كانت العدة من طلاق وهو موسر، كان عليه أن ينقد وتسكن.
واختلف إذا كانت العدة من وفاةٍ، فقال مالك: لا شيء 241 لها في مال الميت، وإن كان موسرًا، ولكن 242 تكتري من مالها، قال: وإن كانت في عدة من طلاق بائن ثم مات الزوج قبل أن ينقد؛ نقد 243 من ماله و 244 كانت أحق به، قال: وهذه مخالفة للمتوفى عنها زوجها؛ لأنه حق واجب 245 لها عليه في حياته فلا يضعه عنه موته، والمتوفى عنها وهي زوجته 246 إنما وجب لها الحق في مال الميت بعد موته وهي وارثته 247، وروى ابن نافع عنه أنه قال: هما سواء، طلق
الجزء: 5 - الصفحة: 2262
ثم مات أو مات ولم يطلق 248.
وقال أبو الحسن ابن القصار: والقياس عندي أن سكنى المتوفى عنها في ذلك لا تجب؛ لأنه بالموت يزول ملكه، وبعد الموت تجب العدة.
قال: وقد روى ابن نافع عن مالك في المطلقة يكون لها السكنى ثم يموت الزوج في العدة أن السكنى تسقط بموته كما تسقط نفقة الحمل بموته 249. وهذه الرواية تؤيد 250 ما ذهب إليه أن لا سكنى للمتوفى عنها 251 جملة؛ لأنه إذا سقطت 252 السكنى بالوفاة مع تقدم الطلاق كان إذا وجبت العدة بالوفاة من غير طلاق أولى ألا يكون لها شيء، وقد ذكر ابن خويزمنداد ذلك عن مالك أنه قال مرة: لا سكنى للمتوفى عنها.
والأول أولى، لحديث الفُرَيْعة 253، وذلك إذا تقدم الطلاق ولم ينقد، أو وجبت العدة 254 بالوفاة 255 ولم ينقد فإنها أحق بجميع ذلك 256؛ لأن المسكن للمتوفى بنفس عقد الكراء، وإنما مات وفي ذمته مال فليس السكنى من باب الوصايا فتسقط بالموت.
الجزء: 5 - الصفحة: 2263
وإن كانت في عدة من طلاق رجعي ثم مات قبل أن ينقد سقطت عدة الطلاق، وانتقلت إلى عدة الوفاة، ثم يختلف (1) هل تكون أحق بذلك المسكن.
وإذا قام عليه الغرماء (2) وكان المسكن ملكًا له بيع واستثني مدة (3) العدة، وسواء كانت في عدة من طلاق أو موت، وإن كان المسكن بكراء أو نقد كانت أحق بذلك الكراء بقدر العدة، وبيع الباقي للغرماء، وإن لم يكن نقد، وكانت في (4) عدة من طلاق كان المكري بالخيار بين أن يأخذ مسكنه، أو يسلمه فتكون الزوجة أحق به، ويضرب المكري مع الغرماء فيما سواه، وإن كانت في (5) عدة من وفاة لم يكن المكري أحق به ولا الزوجة (6)، وبِيعَ للغرماء، والمكري أحدهم، وإن لم يكن له (7) غرماء (8) بيع له، ولم يكن له أن يأخذه.
فصل [في الكراء للمعتدة]
وإن كان الكراء غير وجيبة 265، أو 266 العارية غير مؤجلة كان للمكري والمعير 267 أن يخرجاها متى أحبا، والطلاق والموت في ذلك سواء ولا خلاف257258259260261262263264
الجزء: 5 - الصفحة: 2264
في ذلك 268 أن العدة لا توجب على المكري والمعير 269 إذا ضرب 270 الأجل مدة سوى المدة التي ملكها الزوج فكذلك إذا لم يضربا أجلًا لا يلزم المكري والمعير 271 ما لم يعقده على نفسه.
قال ابن القاسم في المستخرجة في رجلٍ أسكنَ أخاه منزلًا فطلَّق المُسْكَنُ 272 زوجتَه، فقال لها 273 رب المسكن 274: اخرُجي إنما أسكنتُ أخي، قال: لا تخرج حتى تنقضي العدة 275 276.
يريد: لأن الأخوين يتهمان 277 أن يكونا قصدا 278 إخراج الزوجة خاصة ليس أن ينتزع العارية من أخيه، ولا يخرجه لو لم يطلق.
وقال مالك في كتاب محمد في رجل اكترى منزلًا وانتقل إليه، فلما سكنَه طلق زوجته فقال: ترجع إلى المسكن الذي كانت فيه 279، وحمل الزوج على التهمة أنه قصد بالكراء ليخرجها من المسكن الأول، ولا تعتد فيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2265
وإن كان المسكنُ حبسًا على الزوجة حياته فطلق أو مات، اعتدت فيه، فأما الطلاق فإن (1) حقَّ المحبسِ عليه (2) قائمٌ لوجودِ حياتِه، وهو بعد الموت استحسانٌ؛ لأن الأجل الذي أعطي إليه هو (3) حياة المحبس عليه، وقد انقضى، كالكراء إذا انقضى الأجل إلا أن تكون هناك عادة، وقال محمد: تعتد فيه، وإن تأخرت العدة لريبته خمس سنين (4)، وفي هذا ضرر على المحبِّس، و (5) لأنه لم يرد هذا، وأما دار الإمارة فالأمر فيها (6) أوسع من الحبس (7)؛ لأنها ليست لأحد (8).
فصل [في حكم أجرة سكنى الزوجة في منزلها في العدة]
وإذا كان سكنى الزوج في مسكن الزوجة بملك أو كراء ولم تكن طلبته في حال الزوجية بكرائه مكارمة، ثم طلق أو مات كان لها أن تطلبه بالكراء280281282283284285286287
الجزء: 5 - الصفحة: 2266
للعدة إذا طلق 288؛ لأنهما بالطلاق خرجا عن المكارمة، فلا يلزمها أن تكارمه في المستقبل، ولا شيء لها إن كانت في عدة من وفاة كما لو كان في مسكن اكتراه غير وجيبة 289، فإنه لا شيء لها، وإن مات موسرًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 2267
باب في سكنى البدوية والأمة والصغيرة والنصرانية وأم الولد
عدة البدويات (1) وهن أهل العمود كبيوت الشعر والخصوص في البيوت التي (2) كُنَّ فيها قبل الطلاق والوفاة (3)، وإن انتوى أهلها انتوت معهم (4)، وهذا للضرورة؛ لأنها (5) لو كلفت أن تبقى في بيتها وتنتوي مع أهل زوجها كان عليها مشقة وضرورة باللحاق بأهلها عند انقضاء العدة، وقد يبعد ما بينهما إلا أن (6) ينتقل أحدهما إلى الموضع القريب.
وإن انتوى أهل زوجها خاصة لم تنتو معهم إن كان معها أهلها، وإن لم يكن معها أهلها انتوت معهم، واعتدت في ذلك البيت حسبما كانت قبل أن تنتوي.
فصل [في سكنى الأَمَة المتوفى عنها زوجها]
الأمة المتوفى عنها كالحرة تعتد في الموضع الذي كانت فيه عند الزوج قبل الطلاق والوفاة 296.290291292293294295
الجزء: 5 - الصفحة: 2268
قال ابن القاسم في كتاب محمد: وليس لأهلها أن يرتحلوا بها إذا كانت مبوأة 297 حتى تنقضي عدتها، وإن كانت غير مبوأة 298 انتقلت مع سيدها حيث انتقل، و 299 حكمها قبل العدة وبعد سواء 300. وقد كان الحكم 301 قبل العدة أن ينتوي بها 302 سيدها أو يبيعها 303، وإن بيعت 304 على ألا يسافر بها المشتري حتى تنقضي العدة 305 وتستوي في البيع المبوأة 306 وغيرها، فإنها تعتد 307 في البيت الذي كانت تكون فيه عند السيد أو الزوج، وانتقال السيد الأول بها، وانتقال المشتري مختلف، ولا يسقط حكم المسكن الذي كانت تكون فيه عند السيد إلا 308 بانتقال السيد نفسه، فإن انتقلا جميعًا 309 البائع والمشتري إلى بلد واحد، جاز نقلها إلى الموضع الذي انتقلا إليه، فإذا وصلا لم يأخذها المشتري إليه، وإن كانت مبوأة في عدة من وفاة، ولا مسكن للميت؛ لأنه كان في كراء وقد انقضت الوجيبة، فكان الحكم رجوعها إلى السيد، وكان للمشتري أن ينتقل بها.
الجزء: 5 - الصفحة: 2269
فصل [في سكنى الصبية الصغيرة]
عدة الصغيرة في الوفاة في الموضع الذي كانت فيه عند أبويها قبل الوفاة 310، وليس لهما أن ينتقلا بها وهي في هذا بخلاف الأَمَة ينتقل بها سيدها 311؛ لأن العقد في الحرة يتضمن لو لم تكن وفاة إلا أن يرتحلا بها، وأن يتركاها بالموضع حتى تصلح للبناء، وليس للأب إن زوجها بالمغرب أن ينتقل بها إلى المشرق، ويكلف الزوج أن يطلبها هناك عند الدخول، فإذا لم يكن ذلك 312 لأهلها مع بقاء العصمة لم يكن ذلك لهم بعد الوفاة.
ولو انتقل الأبوان إلى موضع قريب مما لا يمنعان منه قبل الوفاة لم يمنعها منه بعد الوفاة، فإن ضمها الزوج إلى نفسه؛ لتبقى عنده إلى أن تصلح للابتناء؛ اعتدت هناك، ولو كان لتقيم عنده ثم تعود إلى أبويها اعتدت عندهما 313.
ويختلف إذا طالت إقامتها عنده قبل أن تعود: هل تنتقل إلى أبويها، أو تعتد في بيت زوجها، قياسًا على ما تقدم فيمن خرج بزوجته إلى موضع فأقام فيه الأشهر ثم مات هناك؟
وقال أصبغ في كتاب محمد: إن اكترى لها موضعًا فجعلها فيه ونقد الكراء، أو كانت الدار لنفسه كانت أحق بها، وإن لم يبن بها 314.
الجزء: 5 - الصفحة: 2270
وليس هذا أصل المذهب (1) إلا أن يكون موته بعد أن صارت إلى ذلك المسكن (2).
فصل [في سكنى النصرانية وأمِّ الولد يموتُ عنها سيدُها أو يعتقها]
واختلف في النصرانية، فعلى قوله: إنها مخاطبة بالعدة تجري على ما تقدم في الحرة المسلمة 317، وعلى قوله لا عدة عليها، وأن عليها الاستبراء بحيضة أو بثلاث حِيَض لا تراعى حيث 318 كانت كالأَمَة، تستبرئ من وطء الميت 319 والأول أحسن.
واختلف في أمِّ الولد يموت عنها سيدها أو يعتقها هل لها سكنى؟ فقال ابن القاسم في المدونة: لها السُّكنى 320. وقال في كتاب محمد: لا سكنى لها ولا 321 عليها، ورأى أشهب أن 322 ذلك لها وعليها من غير إيجاب 323.315316 = فلها السكنى في عدتها".
الجزء: 5 - الصفحة: 2271
وكان رأي أصبغ أشدَّ 324، يرى ذلك عليها ولها 325. وقال ابن القاسم أيضًا: إن كانت حاملًا فلها السكنى إن أعتقها، وإن لم تكن حاملًا فلا سكنى لها 326.
الجزء: 5 - الصفحة: 2272
وأرى أن الحامل وغيرها سواء، وأن يكون 327 ذلك عليها في الوفاة 328 للاختلاف هل تعتد عدة 329 الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، أو ثلاث حيض، وهو في العتق 330 أخف؟.
الجزء: 5 - الصفحة: 2273
باب فيمن سافر بزوجته ثم طلقها أو سافرت دونه
سفر الرجل بزوجته على أربعة أوجه:
فإما أن يكون لحاجة له 331 ثم يعود، وإما أن يكون لحاجة لها، أو على وجه الانتقال، أو الحج.
فإن خرج لتجارة أو لحاجة ثم يعود، أو لغزو، أو ما أشبه ذلك ولم يبعد عن وطنه، أو بعُد وكانت إن رجعت أدركت من العدة ما له قَدْرٌ كان عليها أن ترجع، وإن كانت تنقضي العدة 332 قبل وصولها، أو يبقى ما لا قدر له، لم ترجع واعتدت في موضعها إن كانت في مستعتب، أو تنتقل إلى أقرب المواضع إليها 333.
وإن كانت في غير مستعتب أو 334 لا مستعتب دون الموضع الذي خرجت إليه 335 فيكون لها 336 أن تبلغه، وإن كان انقضاء العدة قبله، فإذا كان الحكم أن ترجع إلى الموضع الذي خرجت منه 337 وهو مسيرة يوم وليلة لم ترجع إلا مع ولي أو جماعة ناس، ولا بأس بحالهم، وإلا أقامت في موضعها حتى تجد 338،
الجزء: 5 - الصفحة: 2274
وإن لم تكن في مستعتب تمادت مع الرفقة التي هي فيها، فإن بلغت مستعتبًا أقامت إن كانت ترجو من يأتي فترجع معهم قبل انقضاء العدة وإلا تمادت 339.
وقال مالك 340 في كتاب محمد فيمن خرج إلى المَصِّيصَة بعياله ليقيم الأشهر أو السنة أن امرأته تعتد بها، قال 341: والأول من قول مالك أحب إلينا 342.
فرأى مرة أن لطول الإقامة تأثيرًا، وهذا أحسن، والسنة وما قاربها انقطاع عن الأول، ولا تخرج عن مسكن هي فيه مقيمة هذه المدة، وترجع لتعتد في غيره 343.
ولو كان لرجل داران وسُكْنَاه بإحداهما فانتقل إلى الأخرى، ليقيم فيها سنة أو ما قاربها فمات في التي انتقل إليها لاعتدت زوجته بها، وسواء كان موته في أول سكناه أو في آخره.
وإن خرج من بلده على وجه الانتقال ثم مات بالطريق لم يكن عليها أن ترجع إلى الأول؛ لأن الميت رفضه، ولها أن تعتد بموضع مات فيه إن مات في
الجزء: 5 - الصفحة: 2275
مستعتب أو تنتقل إلى غيره (1) إذا كان مأمونًا ولا تبعد (2)؛ لأنها وإن كانت لم تتعين عليها العدة في مسكن فإنه لا يسقط أن تكون مخاطبة بما تخاطب به المعتدة من أنها (3) مأخوذة بالتحفظ، وألا تبيت عن المسكن الذي تكون فيه، فإذا كان ذلك لم يكن لها أن تجعل عدتها في أسفار ومناهل وقفار، فإن مات الزوج بعد وصوله البلد الذي أراد سكناه ثم مات قبل أن يتخذ فيه مسكنًا كانت الزوجة كالتي لا سكنى لها، وكانت بالخيار بين أن تعتد بالمسكن الذي مات فيه أو بغيره من تلك المدينة أو بغيرها إذا كان قريبًا (4). ولو اكترى منزلًا فلم ينتقل إليه حتى مات كانت بالخيار أيضًا حسبما تقدم لو لم يكتر، فإن انتقل إليه تعين عليها حينئذ العدة فيه (5).
فصل [في سكنى زوج المحرم بالحج]
وإن كان سفره في سفر الحج 349 فمات بعد أن أحرمت تمادت، وسواء كان موته قريبًا من بلده أو هو به لم يخرج بعد ذلك، وكذلك إن لم تحرم وكانت أبعدت فإنها تتمادى.
قال مالك: وإن لم تحرم ولم تبعد رجعت 350 ولم يجعل الحج على الفور،344345346347348
الجزء: 5 - الصفحة: 2276
وعلى قولهم 351 إن الحج على الفور يكون عليها أن تنفذ لما 352 خرجت إليه، وإن لم تكن أبعدت عن بلدها، وكذلك لو لم تكن خرجت لكان عليها أن تخرج 353. وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - 354 وابن عباس 355 والحسن البصري 356 وأحمد وإسحاق أن للمعتدة أن تحج في عدتها من الطلاق.
الجزء: 5 - الصفحة: 2277
باب في نفقة المعتدة من طلاق أو وفاة
النفقةُ تجبُ للمعتدة من الطلاق في موضعين: في الطلاق الرجعي 357، وفي البائن إذا كانت حاملًا، وإن كان الطلاق بائنًا واحدة بخلع، أو الثلاث، أو واحدة هي آخر طلقة، لم يكن لها نفقة، فوجبت النفقة في الطلاق الرجعي 358؛ لأن العصمة لم تنقطع لبقاء المواريث وللرجعة 359، ولأن أختها محرمة عليه، والخامسة لأن الرجعة لما كانت بيده أشبه من هو ممكن من الوطء.
وقال ابن المنذر: أجمع مَن أحفظ عنه من علماء الأمصار أن للمعتدة التي تُملك 360 رجعتها: السكنى والنفقة 361، إذْ أحكامها أحكام الأزواج في عامة أمورها.
ووجبت النفقة للحامل لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فلم يجعل لها مع عدم الحمل إلا السكنى، وإذا كان الحمل من غير الزوج لأنه من زنا، ونفاه 362 بلعان، أو كانت 363 نعي لها زوجها فتزوجت، فقدم الأول وهي حامل من الثاني فطلقها ثلاثًا- لم يكن عليه نفقة، ويصح سقوط النفقة مع بقاء الزوجية، ومع كون الطلاق رجعيًا،
الجزء: 5 - الصفحة: 2278
فإن قدم الأول ولم يطلق أو طلق واحدة وكانت له الرجعة وهي حامل من الثاني، فإنه يحال بينها وبين الزوجين حتى تضع، ونفقة الحمل على الثاني، فسقطت النفقة عن الأول لكون الحمل من غيره (1)، وثبتت على الثاني؛ لأن نفقة الحمل ليس من شرطها بقاء (2) العصمة؛ لأن نفقة المطلقة ثلاثًا ساقطة لسقوط العصمة، فإن كان منه حمل أنفق لأجله (3)، وكذلك إذا كانت غير حامل وفسخ نكاح (4) الثاني لم يكن على الأول نفقة، وإن لم يطلقها (5) لأنها فعلت فعلًا (6) منعت به نفسها.
فصل [في النفقة التي تجب للحامل]
النفقة تجب للحامل 370 على زوجها إذا كانا حُرَّين، فإن كان عبدًا وهي حرة لم تلزمه نفقة الحمل في الطلاق البائن، وكذلك لو كانت أمة والزوج حر 371؛ لأن الولد ملك لسيد الأمة، فلا يلزمه أن ينفق على ملك غيره، وإن أعتق السيد الأمة لزمته النفقة 372؛ لأن الحمل عُتِقَ بعتق أمه.364365366367368369
الجزء: 5 - الصفحة: 2279
ويختلف إذا أعتق 373 الحمل وحده، فعلى القول إنه لا يكون عتيقًا إلا بالوضع تبقى 374 النفقة على السيد وعلى القول إنه حرٌّ الآن، وفيه الغرة إن طرح تكون النفقة على الأب.
فأرى أن يرفع ذلك إلى حاكم من أهل الاجتهاد، فبأي القولين 375 حكم كان الأمر في النفقة على ما حكم به 376.
الجزء: 5 - الصفحة: 2280
باب في (1) سكنى المرتدة والنفقة عليها إن كانت حاملًا
وإذا ارتدت الزوجة وهي حامل أُخِّرَ قتلها لمكان الحمل، والنفقة على زوجها حتى تضع، وإن كانت غير حامل وهي في أول دمها، وقال الزوج: حاضت قبل ذلك ولم أصبها، استتيبت بثلاثة أيام 378، فإن لم تتب 379 وإلا 380 قتلت، وإن قال الزوج: لم تحض بعد أن أصبتها وأشكل أمرها هل هي حامل أم لا؟ كان من حق الزوج أن تؤخَّر حتى تحيض أو يمر لها ثلاثة أشهر من يوم أصاب، فإن لم يظهر حمل قتلت، وهذا لحق الزوج في الماء الذي له فيها، فإن أسقط حقه في ذلك ولم يمض لإصابته أربعون يومًا قُتلت ولم تؤخر؛ لأن الماء حينئذ لم يخلق منه ولد، وإن مضى أربعون يومًا لم يعجل برجمها؛ لإمكان أن يكون الولد قد صار عَلَقة؛ فلا يجوز قتلها حينئذ، كما لا يجوز للأم أن تشرب ما يسقطه.
ولو زنت ولا زوج لها، رجمت إذا لم يمض لها أربعون يومًا ولم تؤخر، وإن مضى لها أربعون يومًا أُخِّرت حتى ينظر أمرها، وإذا أخرت الزوجة لينظر هل بها حمل أم لا 381 لم يكن على الزوج في ذلك نفقة عند ابن القاسم؛ لأن ارتدادها طلقة بائنة، ولا عند أشهب وعبد الملك، وإن كانا يريان أن الطلاق مترقب، فإن أسلمت كانت على الزوجية من غير طلاق؛ لأنها فعلت فعلًا منعت به377
الجزء: 5 - الصفحة: 2281
نفسها، فإن تبين حملها (1) أنفق في المستقبل، واتبعته بالماضي وثبتت في بيتها على القول إن الارتداد طلاق، ويتحفظ بها هنالك، وعلى القول إنه فسخ أو إنه ترقب (2)، فإن رجعت (3) إلى الإسلام كانت على الزوجية؛ فيستحب نقلها إلى موضع تعتد (4) فيه.
فصل [في سكنى امرأة العنين]
وقال ابن القاسم 386 في زوجة العنين إذا لم يستطع الإصابة ففرق السلطان بينهما: عليها العِدَّةُ، ولها السكنى حيث كانت معه، ولا نفقة لها 387، فأُثبت العدة للخلوة والسكنى، ولإمكان أن يكون وصل من مائه إليها، وتسقط النفقة؛ لأن الطلاق بائن ليس برجعي لإقرارهما 388 أنه طلاق 389 قبل الدخول، فإن ظهر حمل واعترف به الزوج لحق به؛ لأن البكر يصح منها الحمل بما 390 يصل من الماء إذا كان الإنزال في موضع يصل منه، وترجع عليه بالنفقة، وإن أنكره وادعت 391 أنه منه تلاعنا، وسقط نسبه، وإن نكل لحق به الولد وأتبعته382383384385
الجزء: 5 - الصفحة: 2282
بالنفقة، وإن التعنا ونكلت سقط النسب والنفقة، وجلدت حد (1) البكر؛ لأنها إنما اعترفت بوصول الماء لها (2) من خارج.
فصل [في نفقة المعتدة من وفاةٍ]
ولا نفقة للمعتدة من وفاةٍ حاملًا كانت أو غير حاملٍ، ولها السكنى خاصة 394، فسقطت النفقة قياسًا على المطلقة ثلاثًا 395؛ لأن النفقة تجب مع بقاء العصمة، والموت يرفع أحكام العصمة كما رفعت 396 الثلاث 397، وسقطت النفقة مع وجود الحمل؛ لأنه في الحياة من باب النفقة على الولد، والموت أسقط 398 نفقة الولد عن الأب.
تم الكتاب والحمد لله حق حمده392393
الجزء: 5 - الصفحة: 2283