كتاب الصيام
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368/ 4) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)
الجزء: 2 - الصفحة: 719
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الصيام
أوجب الله تعالى الصيام بالقرآن في تسعة مواضع: صوم رمضان، وقضاؤه على من أفطره في السفر، وقضاؤه على من أفطره لمرض، والصوم على المتمتع، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد، والظِّهار، وقتل النفس، وكفارة اليمين.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه أَمَرَ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالجِمَاعِ، بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" (1).
ومنازل هذا الصوم مختلفة فمنه مأمور به ابتداء، ومنه مأمور به عند عدم القدرة على غيره، ومنه ما هو مخير بين فعله والإتيان بغيره.
باب في صوم شهر رمضان، والوقت الذي يجب صومه وما يجب منه
2 قال الله -عز وجل-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: 183]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: 185] ثم قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ1
الجزء: 2 - الصفحة: 721
فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
فأفادت الآية الأولى وجوب الصوم جملة، دون معرفة العين المأمور بصيامها، وأفادت الآية الثانية معرفة العين المأمور بصيامها، وأنه شهر رمضان، دون معرفة الزمن المأمور به منه، ودون معرفة ما أمرنا بالإمساك عنه، وأفادت الآية الثالثة معرفة الزمان المأمور بإمساكه، مبتدأه ومنتهاه، وأن مبتدأه طلوع الفجر، ومنتهاه غروب الشمس، والذي يجب الإمساك عنه ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ مِنْ سَحُورِهِ أَذَانُ بِلاَلٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْق وَطَأْطَأَ إِلَى الأرْضِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، ثُمَّ مَدَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ" 3. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 4 أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 722
فأبان في الحديث الأول أن الفجر المراد في القرآن هو الثاني، دون الأول، وأبان في الحديث الثاني أن المراد بقوله سبحانه: ﴿... إِلَى اللَّيْلِ...﴾ أن يغيب دَوْر الشمس، وأنه لا يجوز الإفطار عند مغيب بعضها، ولا يلزم الإمساك لبقاء ضيائها بعد مغيب 5 جميعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 723
باب في الصوم والإفطار بالشهادة، وخبر الواحد
الصوم والفطر يصح بثلاثة شروط: بالرؤية، فإن لم تكن رؤية فبالشهادة، فإن لم تكن 6 شهادة فبإكمال العدة ثلاثين، والأصل في ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَيهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ".
أخرجه البخاري ومسلم 7، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "... فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" 8.
والصيام بالشهادة ثلاث حالات:
فحالة يصام بشهادة رجلين، وحالة لا يكتفى بشهادة شاهدين.
وحالة يصح الاقتصار فيها على شهادة واحد، على اختلاف في هذين القسمين، فيصح الاقتصار على شهادة رجلين في الغيم وإن عظم المصر، وفي الصحو في المصر الصغير، واختلف إذا كان الصحو، والمصر كبير 9.
واختلف في مواسم الحج، هل يكتفى في ذلك بشهادة شاهدين؟ والظاهر من قول مالك وغيره من أصحابه: الجواز 10، وروى ابن وضاح عن سحنون
الجزء: 2 - الصفحة: 724
المنع، وقال: وأي ريبة أكبر من هذا؟ 11 ولم يرو عنه في العدد الذي يكتفى به في ذلك شيءٌ.
وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون في هلال الموسم مذهبًا لا ندري من أين أخذوه، إنهم لا يقبلون إلا أربعين 12 رجلًا، قال: والقياس أنه يجوز فيه شاهدان، كالفروج والدماء 13، وهذا موافق لقول سحنون في أنه لا يُكتفى بشاهدين.
فوجه الأول الحديث: "فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" 14 فعمَّ ولم يخصّ 15، ومحمل جوابه - صلى الله عليه وسلم - على ما يكون بالمدينة وما يكون بالأمصار وغيرها إلى أن تقوم الساعة من الأمصار وغيرها، ولو لم يكن إلا قصر الحديث على أهل المدينة لكان فيه كفاية، فقد كان فيها خلق عظيم.
وأما ما ذكر عن سحنون وأهل مكة فله وجهان:
أحدهما: أن الحديث مختلف في سنده.
والثانية: تقدمة القياس على خبر الواحد؛ لأن الغالب صدق العدد الكثير إذا قالوا: لم نر، ووهم الاثنين 16 يصير من باب التعارض في الشهادات، ولو كان الاختلاف عن موضع واحد، حصروا النظر إليه، وأثبتوا الموضع بجدار = إذا كانا عدلين).
الجزء: 2 - الصفحة: 725
أو شجرة أو ما أشبه ذلك مما يقتدى به لموضعه كان تكاذبًا، وكان الأخذ بقول الجم الغفير والعدد الكثير أولى، وليس كذلك الشهادة على الفروج والدماء؛ لأنها شهادة واحدة، وإخبار عن أمر لم يشهده غيرهما فيدعي تكذيب ما شهدا به، ولو نزل مثل ذلك في القتل فشهد اثنان بالقتل وشهد عدد كثير بنفيه، لم يؤخذ بقول الشاهدين، إذا كانت الشهادتان عن موطن واحد.
فصل إذا شهد شاهدان على الهلال
وإذا شهد شاهدان على الهلال فأكمل عدة ذلك الشهر ثلاثين، والسماء مصحية فلم يروا شيئًا سقطت شهادتهما، ولم يعمل بها، ولم يصم الناس إن شهدا على هلال شعبان، ولم يفطروا إن شهدا على هلال رمضان، قال مالك: هؤلاء شهود سوء 17. يريد: أنه قد تبين كذبهم؛ لأن الهلال لا يخفى مع إكمال العدة؛ لأنها ليلة إحدى وثلاثين، وإنما يخفى ويدركه بعض الناس مع نقص الأول.
وقد قال يحيى بن عمر: إذا شهد شاهد على هلال رمضان، وآخر على هلال شوال لم يفطر الناس بشهادتهما 18.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إن شهد الأول أنه رأى هلال رمضان ليلة الأحد، والآخر أنه رأى هلال شوال ليلة الاثنين لم تلفق الشهادتان؛ لأنهما لم يجتمعا على أن يوم الاثنين يوم فطر، والأول يقول: لا يكون يوم فطر إلا بنقص رمضان ولا علم عندي من نقصه، وإن شهد الثاني أنه رأى الهلال ليلة الثلاثاء وهو صحو لم يفطر الناس؛ لأن شهادة الأول سقطت وقد تبين أنه كَذب أو
الجزء: 2 - الصفحة: 726
وَهم؛ لأن ليلة الثلاثاء على شهادة الأول ليلة إحدى وثلاثين، ولا يخفى ذلك مع الصحو، وإن كان غيم ضمت الشهادتان على أحد القولين في ضم الأقوال، لاتفاق الشهادتين أنهما يوم فطر، ولم يتبين كذب الأول، والأخذ به في هذا أحسن.
فصل واختلف في الصوم بشهادة الواحد
واختلف في الصوم بشهادة الواحد إذا أخبر عن رؤية نفسه فمنع مالك أن يصام بشهادته لا على وجه الوجوب، ولا على الندب، ولا على الإباحة 19. وقال سحنون: لو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بقوله ولا أفطرت 20.
وقال أحمد بن ميسر: إذا أخبر عما ثبت في البلد، أو أخبر عن بلد آخر أنه رئي به صيم بقوله.
وأجازه ابن الماجشون في البلد نفسه إذا أخبر عن رؤية نفسه أو رؤية غيره، فقال ابن ميسر: إذا أخبرك الرجل العدل أن الهلال ثبت عند الإمام وأمر بالصيام، أو نقل ذلك عن بلد آخر، لزمك العمل على خبره 21.
قال الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد - رضي الله عنه -: كما أن الرجل ينقل إلى أهله وابنته البكر مثل ذلك، فيلزمهم الصيام بقوله 22. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ينبغي إذا كان الناس مع إمام يُضَيِّع أمر الهلال ألا يَدَعُوا ذلك من أنفسهم، فمن ثبت عنده برؤية نفسه، أو برؤية من يثق بصدقه صام
الجزء: 2 - الصفحة: 727
عليه وأفطر، وحمل عليه من يقتدي به 23.
وأجاز في هذا ثلاثة أشياء: الفطر والصوم، بقول الواحد، إذا كان أخبر عن رؤية نفسه، وأن يحمل عليه من يقتدي به 24؛ لأنه يقطع بصدق نفسه، وأن يحملهم على قول غيره إذا كان ثقة عنده 25، فإذا جاز أن يحمل من يقتدي به على الصوم بقول الواحد عند تضييع الإمام جاز للإمام أن يحمل الناس على مثل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يفعل عند عدم الإمام إلا ما يجوز للإمام أن يفعله، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" 26. فأباح الأكل بقول بلال وحده، وألزم الإمساك بقول ابن أم مكتوم وحده، والأول يخبر عن رؤية نفسه، والثاني يخبر عما يخبره به غيره، وعلى هذا يجوز أن يفطروا بقول الواحد إذا أخبر عن غروب الشمس، فإن قيل: المؤذن في هذا بخلاف غيره؛ لأن الناس أقاموه لذلك، فأشبه الوكيل، قيل: يلزم على هذا أن يجوز مثل ذلك في الهلال إذا أقاموا واحدًا لالتماسه لهم فيعملوا على ما يخبرهم به من هلال رمضان أو شوال، مع أن العمل على ما يقوله المؤذن، كان السامع له من أهل تلك المحلة أو غيرها، وفي النسائي: عن ابن عباس قال: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الهِلاَلَ اللَّيْلَةَ.
فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنّي مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" 27. وقد قيل في هذا الحديث: إنه يحتمل أن
الجزء: 2 - الصفحة: 728
تكون تقدمت شهادة للآخر (1) بمثل ذلك.
فصل وعلى من رأى الهلال أن يصوم صبيحة تلك الليلة
وعلى من رأى هلال رمضان أن يصوم صبيحة تلك الليلة وإن لم يره غيره، وإن أفطر هو كان عليه القضاء والكفارة، إلا أن يكون متأولًا ويظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته بانفراده، وإن رأى هلال شوال بَيَّتَ الفطرَ، وأفطر إن كان في سفر يقصر في مثله، وإن كان لا يقصر 29 في مثله مع جماعة أمسك عن الأكل، وإن كان وحده أفطر 30، وإن كان في حضر أمسك، وقال مالك في الموطأ: لا يأكل؛ لأن الناس يتهمون أن 31 يفطر من ليس بمأمون، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال 32، وهذا منه على وجه الاحتياط، وإن خفي له كل.
وقد اختلف في الزوجين يشهد عليهما بطلاق الثلاث وهما يعلمان أنهما شهدا بزور فقيل: لا بأس أن يصيبها إذا خفي له، فما يكون من واحد وهو الأكل أخفى مما يكون بين اثنين وهو الوطء.
قال أشهب: إذا ظهر على من يأكل ذلك اليوم وقال: رأيت الهلال، عوقب إذا كان غير مأمون، إلا أن يكون ذكر ذلك قبل، وأذاعه، وإن كان مأمونًا لم يعاقب، وقدم إليه ألا يعاود، فإن فعل عوقب، إلا أن يكون من أهل28 = باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، من كتاب الصيام، برقم (1652) والحاكم في المستدرك: 1/ 437، من كتاب صلاة العيدين، برقم (1104)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد متداول بين الفقهاء ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 729
الدين و 33 الرضا فلا يعاقب، ويغلظ عليه في الموعظة 34. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإذا رأى هلال ذي الحجة وحده كان عليه أن يقف وحده على رؤيته، وعلى من رأى الهلال أن يرفع ذلك إلى الإمام إذا كان الرائي عدلًا، واختلف في غير العدل، فقال أشهب: إن لم يكن منكشفًا، وأشبه أن تقبل شهادته، كان عليه أن يرفع، وإن كان منكشفًا، فأحب ذلك له، وليس بواجب 35. وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان فاسقًا، أو عبدًا، أو امرأة، فليس عليه أن يُعلم الإمام؛ لأنه يضع من نفسه لغير فائدة 36. والقول الأول أبن؛ لأنه قد يجتمع ممن 37 لا يحكم بقوله عدد 38 ما 39 يقع بقولهم العلم، وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ظهور الشهادة؛ لأن كثيرًا من الناس يقف عن الشهادة على الهلال خوفًا أن ترد شهادته 40 لانفراده، وقال محمد بن عبد الحكم: قد يأتي من رؤيته ما يشتهر 41 حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل إذا كان عددًا لا يمكن فيهم 42 التواطؤ على الباطل 43.
الجزء: 2 - الصفحة: 730
فصل رؤية الهلال نهارا
وقال مالك 44 في كتاب ابن حبيب، وشرح ابن مزين في الهلال يرى قبل الزوال: وهو لليلة القابلة.
45 وقال ابن وهب، وعيسى بن دينار، وابن حبيب: هو لليلة الماضية، 46 فيمسك الناس على قولهم عن الأكل، إن كان ذلك في هلال رمضان، ولا يجوز الإمساك إن كان في 47 هلال شوال، ووجه ذلك، أن الله -عز وجل- أجرى العادة في رؤية الهلال عند الغروب ولم يختلفوا أن ذلك لمقاربته من الشمس، وأن انتقاله على قدر قدره الله سبحانه، كما قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، فإذا بعدت منزلته ورئي في المنزلة التي 48 العادة أن يكون فيها في الليلة الثانية، ويستحيل أن يكون في أول ليلة، حمل على أنه في الليلة الثانية 49، وكذلك إذا خفي في أول ليلة لغيم أو ما أشبه ذلك فرئي في الليلة الثانية في المنزلة التي العادة أنه يكون فيها في الليلة الثانية، ولا يصح أن يكون فيها في أول ليلة، أنه يحمل على أنه لليلتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 731
باب في النية للصائم (1) والوقت الذي يجب أن يؤتى بها فيه ولا تؤخر عنه والوقت الذي يوسع أن يؤتى بها فيه
الصيام قربة تفتقر إلى نية كالصلاة وغيرها من القرب، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "... الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ..." 51 الحديث، فدخل في ذلك الصوم وغيره، وقوله: "وَمَنْ لَمْ يبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ" رواه النسائي 52، فلو ظل رجلٌ سائرَ يومه لم يأكل ولم يشرب بغير نية لم يكن متقربًا إلى الله سبحانه، ووقت النية موسع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
واختلف إذا قدّم النية قبل الغروب، أو أَخَّرَها حتى طلع الفجر، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يجزئ الصوم إلا بنية قبل طلوع الفجر 53، وقال أبو محمد عبد الوهاب: قبل الفجر أو معه 54. وهو أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ...﴾ [الآية].
وإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر، لم تجب النية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعد النية يأكل حتى يطلع الفجر.50
الجزء: 2 - الصفحة: 732
وقال ابن القاسم: لو كان يطأ فأقلع حين رأى الفجر صح صومه 55. وإذا كان كذلك فلا شك أن النية إنما تجب عند التلبس 56 بالطاعة، وهو وقت الإمساك، والإمساك يجب عند رؤية الفجر، وفي كتاب الصوم من البخاري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُنَادِي حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ" 57 هذا نص قوله، وهو طبق القرآن، وإذا وردت النصوص بهذا لم يعارض بقياس، فيقال: إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل، وأما تقدمة النية قبل الغروب فهو راجع إلى صفة الصوم.
والصوم على ثلاثة أقسام:
فالأول: المتتابع كرمضان، وشهري الظهار، وقتل النفس، ومن نذر شهرًا بعينه، أو نذر متابعة ما ليس بعينه.
والثاني: ما هو مخير في متابعته كرمضان في السفر، وقضاء من أفطره عن مرض، أو سفر، أو ما أشبه ذلك، وكفارة الأيمان، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد.
والثالث: ما لا تصح متابعته؛ كصوم الاثنين والخميس، وما أشبه ذلك.
فأما ما تجب متابعته فالنية في أوله لجميعه جازية 58.
وقال محمد بن عبد الحكم: وقد قال مالك: إن التبييت ليس على الناس في رمضان، قال: والناس مجمعون فيه على الصوم، قال: وقال مالك: لا صيام
الجزء: 2 - الصفحة: 733
إلا لمن يبيت 59. قال: وقوله الذي هو موافق للسنة أحب إلينا، يريد: أن عليه مبايتة كل ليلة.
واختلف فيما لا تجب متابعته وفيما لا تصح المتابعة فيه على ثلاثة أقوال:
فقيل: النية 60 في أول ذلك تجزئ، وقيل: لا تجزئ، وعليه أن يجدد النية كل ليلة، وقيل: تجزئ فيما يتابع دون غيره 61.
وما كان حكمه المتابعة- فانقطع ذلك لمرض أو سفر أو حيض، صار حكمه عند الرجوع إلى التلبس بالصوم حكم ما لا تصح متابعته- مختلف فيه: فقال مالك في المبسوط فيمن كان شأنه سرد 62 الصوم لا يدعه: فإنه لا يحتاج للتبييت؛ لما قد أجمع عليه من ذلك 63، وقال في العتبية: لا يجزئ المسافر إلا التبييت في كل ليلة من رمضان 64، وقال غيره: لما كان له أن يفطر كان عليه أن يبيت في كل ليلة، 65 وهذان قولان فيما كان متابعته بالخيار.
وقال ابن الجلاب فيمن أفطر في رمضان لمرض أو سفر أو حيض أو تعمد: وجب عليه تجديد النية 66.
وقال مالك في المختصر في ناذر يوم الخميس يصبح يظنّه الأربعاء، قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 734
يمضي على صيامه، ويكفيه من نيته ما تقدم من إيجابه 67، وقال ابن القاسم: لا يجزئه 68. وقال أشهب فيمن شأنه صوم يوم 69 الخميس فيمر به وهو لا يعلم حتى يصبح، قال: إن كان ربما أفطره لم يجزئه إلا أن يقول: أصوم كل خميس إلا ما أبيت 70 إفطاره 71. فلا يجزئه على أصل ابن القاسم بحال، والقياس أن تجزئ النية في كل صوم نوى متابعته وإن كان له ألا يتابعه، ولا فرق بينه وبين رمضان، ولا يجزئ فيما لا يتابع؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة للأعمال، وإلا كان عملًا بغير نية، لا سيما ما كان يتخلل 72 تلك الأعمال مما يضادها، فكان حمله في النية على ما كان في تلك الأيام والليالي من الفطر أولى من حمله على نية تقدمت في ليلة لصوم صامه قبل ذلك، ولا يوسع في ذلك بأكثر مما وردت به السنة، وهو تقدمتها من أول الليل، وهذا للضرورة؛ لأن الناس مضطرون إلى النوم، والغالب طلوع الفجر وهم نيام، إلا من كان له حزب، فلو كُلِّف الناس النية عند طلوع الفجر، تكلفوا الامتناع من النوم؛ لئلا يدركهم الفجر وهم نيام، وفي هذا حرج، وذلك ساقط بقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة: 185] 73 ولو جاز أن يجتزئ
الجزء: 2 - الصفحة: 735
من تقدم له نذر كل خميس بما تقدم له من النية من أول نذره وكان نذره من ستة أو عشرة عن هذا الخميس لأحزأت النية عن هذا الرمضان بالنية التي كانت من حين البلوغ؛ لأنه معتقد أن يصوم كل رمضان يأتي وهو حي، ومثله إذا أوجب صوم كل محرم أو رجب.
الجزء: 2 - الصفحة: 736
باب في صفة الصيام
الصوم الشرعي: الإمساك عن أربعة: الأكل، والشرب، والجماع وإن لم يكن إنزال، والإنزال 74 وإن لم يكن جماع، كالذي يستمتع بأهله خارج الفرج فينزل، ولا يفسد بالإنزال عن الاحتلام، وإن كان ذلك مما يوجب الغسل.
واختلف في المذي، هل يفسد الصوم، أم لا؟ والقبلة والمباشرة والملامسة 75 غير محرمات في أنفسهن، وأمرهن متعلق في الإباحة والتحريم والكراهة بما يكون عنها، فمن كان يعلم من عادته أنه لا يسلم عند ذلك من الإنزال، أو يسلم مرة ولا يسلم أخرى، كان ذلك محرمًا عليه وعلى هذا يحمل قول مالك في المدونة فيمن باشر مرة واحدة أو قبّل قبلة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة 76، وقول ابن القاسم في المبسوط فيمن باشر مرة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة، 77 ومن كان يعلم من عادته السلامة من ذلك، وأنه لا يكون عنه إنزال ولا مذي كان مباحًا، وإن كان لا يسلم من الإمذاء كان على الخلاف فمن 78 أفسد به الصوم كان الإمساك عن سببه واجبًا، ومن لم يفسد به كان الإمساك مستحبًا.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: القضاء عن المذي مستحب 79. وقال ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد فأمذى فلا
الجزء: 2 - الصفحة: 737
قضاء عليه، وفرق بين ذلك وبين أن يمني 80، فلم يرَ أن يفسد به الصوم، والذي يتذاكر به أن القضاء عليه 81 واجب.
والقول الأول أحسن، وإنما ورد القرآن بالإمساك عما ينقض الطهارة الكبرى دون الصغرى، ولو وجب القضاء بما ينقض الطهارة الصغرى لفسد الصوم بمجرد القبلة والمباشرة والملامسة وإن لم يكن مذي، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" 82، وأخرج مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة للصائم، فأفتاه بجواز ذلك 83، وعمر بن أبي سلمة حينئذٍ حديث السن، فالصوم والصلاة في هذا مختلفان، واتفق الجميع على أنه لا يجيء في عمده كفارة، ولا يقطع التتابع إذا كان صيام ظهار أو قتل نفس.
ونظرُ الرجل إلى أهله على وجه التلذذ جائز، إلا أن يديم النظر فيكون الأمر في ذلك إلى عادته، فإن كان يعلم أنه لا يحدث منه أكثر من التلذذ جاز ذلك له 84، وإن كان يحدث منه الإنزال كانت الاستدامة محرمة، وإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 738
يحدث (1) مذي فعلى الاختلاف المتقدم، وذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب أنه إذا دخل عليه إنزال ولم يكن سببه منه لم يفسد صومه (2)، وأظنه قاسه على الاحتلام.
ويدخل فيما (3) ذهب إليه من ذلك ما (4) يكون عند (5) المسابقة وغيرها.
فصل الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتاد وغير المعتاد
الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتادين وبغير المعتادين كالعقاقير، وبما ليس من المأكولات إذا كان يغذِّي كالتراب والنوى.
واختلف في وقوع الفطر بتسع: بالتافه من الطعام كفلقة الحبة، وبما فوق ذلك إذا كان مما تدعو إليه الضرورة كغبار الدقيق، وبما لا يغذِّي كالحصاة والبلغم، وبما يصل من العين، وإذا قاء ثم غلب على رجوع شيء منه، وإذا تقيأ 90 وإن لم يرجع شيء منه، وفي الحقنة بالمائعات، وفي وقوع الفطر بالنية لمن تقدم له التبييت قبل أن يصبح، فلا يفسد الصوم فلقة 91 الحبة تكون في الفم، إذا لم يتعمد وكان مغلوبًا 92 ومضت مع ريقه.8586878889
الجزء: 2 - الصفحة: 739
واختلف في غير المغلوب إذا كان ساهيًا أو جاهلًا أو عامدًا، فقال في كتاب أبي مصعب: إذا كان ساهيًا فعليه القضاء، وإن كان متعمدًا كان عليه القضاء والكفارة 93، وأجراه 94 على حكم الكثير من الطعام.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كان جاهلًا فلا شيء عليه، وقال ابن حبيب: إن كانت 95 بين أسنانه فلا شيء عليه، ساهيًا كان أو عامدًا أو جاهلًا، وإن تناولها من الأرض كانت كسائر الطعام- عليه في السهو القضاء، وفي الجهل والعمد القضاء والكفارة.
قال: من قِبَلِ الاستخفاف بصومه، وليس من قِبَلِ أنه تغذى 96، وقول أبي مصعب أحسن.
والإمساك عن حقير الطعام وغيره واجب، ولا يسقط القضاء إلا فيما لا ينفك منه وتدعو الضرورة إليه، وقال أشهب في مدونته في غبار الدقيق: عليه القضاء، وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه 97. والأول أحسن، وهو الأصل، ويلزم الصائم اجتناب ذلك، ولا شيء في غبار الطريق؛ لأنه ضرورة لا ينفك الناس منه.
واختلف في الحصاة والدرهم، فذهب ابن الماجشون في "المبسوط": أن له حكم الطعام، فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدًا فيقضي لتهاونه بصومه 98. فجعل القضاء مع العمد من باب العقوبة، والأول أشبه؛
الجزء: 2 - الصفحة: 740
لأن الحصاة تشغل المعدة إشغالًا ما، وتنقص من كلب 99 الجوع، ولا شيء في البلغم إذا نزل إلى الحلق وإن كان قادرًا على طرحه، واختلف إذا وصل اللهوات 100 ثم عاد، فقال ابن حبيب: أساء ولا شيء عليه، وقال سحنون في كتاب ابنه: عليه القضاء، وشك في الكفارة 101.
ولا شيء على من ذرعه القيء إذا لم يرجع إلى حلقه، أو رجع قبل وصوله، واختلف إذا رجع قبل وصوله مغلوبًا أو غير مغلوب وهو ناسٍ - فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده 102، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسيًا، وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب يقضي؛ يقضي 103 الناسي وهو أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي لا شيء عليه: يسقط القضاء عن المغلوب.
واختلف في المتعمد للقيء 104 فقال ابن الماجشون: عليه القضاء والكفارة 105. وقال عروة بن الزبير ويحيى بن سعيد في مدونة أشهب: من
الجزء: 2 - الصفحة: 741
استقاء فقد أفطر (1)، وقيل: لا يقع به فطر، ويستحب القضاء لإمكان أن يكون رجع شيء.
وهو أحسن، وهو الظاهر من قول ابن القاسم؛ لأنه لم يرَ ذلك في صوم الظهار قاطعًا للتتابع (2)، وهذا هو الصواب، وغيره وهم، وإنما ورد القرآن بامتناع إدخال الطعام وليس أن يخرجه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إخبارًا عن الله سبحانه: ".. يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَحلي.." (3) الحديث.
فصل الخلاف في وقوع الفطر بما يصل من العين
واختلف في وقوع الفطر بما يصل من العين إلى الحلق فقال في المدونة: عليه القضاء 109، وقال أبو مصعب: لا قضاء عليه، وهذا راجع إلى ما تقدم من فلقة الحبة، بل هذا على أصل ابن حبيب أخف ليسارة ما يصل من ذلك الموضع.
والاكتحال جائز لمن يعلم من عادته أنه لا يصل إلى حلقه، ويختلف فيه إذا كان يعلم من عادته أنه يصل، فمن أوقع به الفطر منع، ومن لم يوقع به الفطر منعه على وجه الاستحسان ليسلم من الخلاف.
وذكر أشهب عن مالك في مدونته قولين: الكراهة، والجواز 110، وقال:106107108
الجزء: 2 - الصفحة: 742
وما كان الناس يشددون في مثل هذه الأشياء هكذا، وعلى هذا يجري الجواب فيما يقطر في الأذن، فيجوز إذا كان لا يصل، ويختلف فيه إذا كان يصل، إلا أن يكون الواصل من ذلك ليس بالتافه.
ويمنع الاستعاط (1)؛ لأنه في منفذ متسع، ولا ينفك المستسعط من وصول ذلك إلى حلقه.
واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر؟ وألا يقع أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال.
فصل الخلاف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل
واختلف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل ولا غيره مما يقع به الفطر إذا كانت النية بعد انعقاد الصوم وصحته، فجعله في المدونة مفطرًا، وعليه القضاء 112، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية 113. والأول أحسن؛ لأن الإمساك لا يكون قربة لله سبحانه إلا بالنية، فإذا أحدث هذا نية أنه لا يمسك بقية يومه لله تعالى لم يكن مطيعًا ولا متقربًا لله سبحانه، وكان بمنزلة من صلى من الفريضة ركعتين ثم نوى أنه يتمها، على111
الجزء: 2 - الصفحة: 743
أنه غير متقرب لله سبحانه بما بقي من عمل تلك الصلاة وهو ذاكر غير ناسٍ لما دخل فيه، أو غسل بعض أعضائه بنية الطهارة ثم أتم ذلك على وجه التبرد، فإنه لا يجزئه شيء من ذلك، وإن كان نوى أنه يفطر بالفعل بالأكل أو الشرب أو غيره، ثم بدا له وأتم على ما كان عليه أجزأه صومه، وليس كالأكل؛ لأن الأول نوى أن يكون في إمساكه غير متقرب لله سبحانه، وهذا نوى أن يفعل شيئًا يفطر به، فلم يفعل، وبقي على نية القربة، فكان بمنزلة من كان على طهارة ثم بدا له أن ينقض ذلك بالحدث، أو بإصابة أهله، ثم لم يفعل فإنه يكون على طهارته.
وقال مالك في المجموعة في رجل كان صائمًا في رمضان في السفر فأجهده العطش فقرب إليه سفرته ليفطر فأهوى بيده فقيل له: ليس في الرحل ماء، قال: أحب إليَّ أن يصوم يومًا مكانه، فإن كان عليه قضاؤه، وإلا فقد احتاط (1)، وكان صوم يوم يسيرًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: يستحب له على هذا أن يستأنف الطهارة.
وأن لا شيء عليه في هذا كله أحسن، ولو كان على هذين أن يستأنفا الصوم والطهارة لكان على من أراد أن يصيب أهله ثم لم يفعل أن يغتسل.
فصل [في الاحتقان وغيره يصل جوف الصائم]
الاحتقان بما لا يبلع، وصب الدهن في الذكر، ووصول ما يعالج به الجائفة إلى الجوف، والحجامة، والغيبة، لا يقع بشيء من ذلك فطر، وقال الأوزاعي في الغيبة: إنها تفطر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ114
الجزء: 2 - الصفحة: 744
بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" أخرجه البخاري 115، وجميع فقهاء الأمصار وغيرهم: على أنه لا يقع بذلك فطر، وليس العمل على الحديث؛ لأن مفهوم الحديث: من لم ياع قول الزور لا 116 يدع الأكل والشرب، ولا خلاف أنه لا يجوز لمن اغتاب أن يأكل ويشرب، وإذا كان ذلك وسقط العمل بمضمون الحديث كان على صومه، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" أخرجه البخاري 117. والحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" 118 غير صحيح 119.
الجزء: 2 - الصفحة: 745
وأيضًا: فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن من أعان صائمًا على الفطر فقرب إليه طعامًا أنه لا يكون المعين بذلك مفطرًا، وكذلك إذا أكرهه على الفطر فإنه لا يكون بذلك مفطرًا.
فصل ما يقع به الفطر
الفطر يقع بالأكل والشرب، كان ذلك عن عمد، أو نسيان، أو إكراه, أو اجتهاد أو 120 يرى أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس غربت، أو غير ذلك من التأويل، ويفترق الجواب في وجوب القضاء وإمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان متعمدًا وجب عليه القضاء أي جنس كان صومه ذلك، ويفترق الجواب في إمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان معينًا كرمضان، والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس بمضمون في الذمة، كان عليه إمساك بقيته, وإن كان مضمونًا لم يكن عليه إمساك.
وإن كان فطره على غير عمد كان الجواب في الإمساك والقضاء على ثلاثة أقسام 121: فتارة يجب الإمساك والقضاء، وتارة يجب الإمساك دون القضاء، وتارة يجب القضاء دون الإمساك، على اختلاف في بعض هذه الوجوه.
فإن كان ذلك في رمضان أمسك وقضى، وإن كان في قضاء رمضان كان بالخيار في إمساكه، والاستحباب الإمساك، ويجب القضاء، وإن كان صوم تجب متابعته كالظهار وقتل النفس فأفطر أول يوم وجب عليه 122 القضاء، ويستحب له أن يمسك بقية يومه ثم يستأنف العدة شهرين، وإن كان فطره في = وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد).
الجزء: 2 - الصفحة: 746
تضاعيف صومه كان في ماضي صومه 123 ثلاثة أقوال: فقيل: يقطع حكم المتابعة وعليه استئنافه، وقيل: يمضي 124 صومه ويقضي يومًا يصله بصومه 125 ويجزئه, وقيل: إن صح منه التبييت ثم أكل ناسيًا، أو وهو يظن أن الفجر لم يطلع، أو الشمس قد غربت كان له أن يبني على ما مضى، وإن لم يصح منه التبييت وكان بيت الفطر 126 ظنًا منه أنه أتم صومه، أو لغير ذلك استأنف الصوم 127، وأما إمساك بقية ذلك اليوم فمن قال: يسقط حكم الماضي، يكون له أن يفطر، ومن قال: لم يسقط الماضي، لم يفطر إن 128 كان بيت صومه، وإن لم يبيته أفطره، وإن نسي أن يصل اليوم 129 عند انقضاء الشهرين ثم ذكر بعدما أكل ولم يكن بيت صومه لم يجزئه.
واختلف إذا ذكر قبل أن يأكل، وكانت نيته أن يقضي ذلك اليوم ويصله، هل يجزئه صوم ذلك اليوم، أم لا؟ فقال عبد الملك: يمسك عن الأكل ويجزئه 130، وقال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه 131، وإذا لم يصح صومه لأنه أكل فيه أو لعدم التبييت على قول ابن القاسم، فإنه يختلف، هل يبطل الماضي ويستأنف صومه، أو يقضي يومًا ويجزئه؟
الجزء: 2 - الصفحة: 747
وأحسن هذه الأقوال أن يجزئه صومه الماضي ولا يجب عليه أن يستأنفه قياسًا على الصلاة؛ لأن متابعتها واجبة فإن سلم من ركعتين ساهيًا ثم ذكر بقرب ذلك بنى على ما مضى ولم يكن عليه أن يستأنف الصلاة من أولها.
وفي ذكره بعد أن يطول اختلاف، وإن كان صومًا لا تجب متابعته كجزاء الصيد، وفدية الأذى، وكفارة الأيمان، وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا 132 غير معين وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا معينًا كان عليه أن يمسك دقيته، واختلف في القضاء على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم: يقضي إذا أفطره ناسيًا 133، ولا يقضي إن مرضه، وقال مالك 134 في المبسوط: يقضي إذا مرضه 135. فعلى هذا يقضي إذا نسيه، وقال سحنون: لا قضاء عليه نسي أو مرض، وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يومًا يرجو بركته فلا قضاء عليه 136، فوجه القضاء قياسًا على صوم رمضان إذا غلب على صومه بمرض أو غيره فهو معين، والقضاء واجب متى غلب عليه، ووجه سقوطه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" 137. فقرن النسيان بالاستكراه.
والناذر متطوع بالتزام صوم عين غلب
الجزء: 2 - الصفحة: 748
عليها فلم يلزمه القضاء على الأصل في التطوعات، ويفارق القضاء عن رمضان؛ لأن ذلك لم يجب بمجرد الأمر الأول وإنما وجب بقوله -عز وجل-: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهو أمر ثانٍ، وفرض ثانٍ، وإن نذر أيامًا متتابعة غير معينة كان الجواب فيها إذا أفطر في أول يوم أو 138 في تضاعيف صومه وبعد تمام العدة على ما تقدم في المظاهر، وإن نذر صوم شهر بعينه فأفطر يومًا منه أمسك 139 بقية يومه ذلك وقضاه إن كان متعمدًا، واختلف إذا أفطر جميعه عمدًا هل يقضيه متتابعًا؟ فقال ابن القاسم: يقضيه مفترقًا إن شاء، وقال أشهب في مدونته: يقضيه متتابعًا، قال: وإن صام بعضه ثم أفطر بقيته أجزأه ما صام منه وقضى ما أفطر منه متتابعًا 140. والفطر 141 في القضاء على ثلاثة أوجه: فإن بيت الصيام ثم قام من آخر الليل وقد طلع الفجر فأكل ثم تبين له أن الفجر قد طلع فإنه يمسك بقية يومه، واختلف في قضائه، فقال ابن القاسم في المدونة: لا قضاء عليه 142، وقال في العتبية: أحب إليَّ أن يقضي 143، وإن كانت نيته 144 من الليل أنه يقوم فيتسحر 145 ثم يعقد الصيام بعد سحوره، فتسحر، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، كان له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه، وكذلك إذا لم ينو الصيام
الجزء: 2 - الصفحة: 749
من أول الليل فلما استيقظ من آخره أكل وهو يرى أن الفجر لم يطلع ثم نوى الصوم ثم تبين له أن الفجر قد كان طلع، فإن له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه.
والإكراه في وجوب القضاء كالمرض، فإن أكره على الفطر في صوم يوم من رمضان، أو في صوم مضمون، وجب عليه القضاء، وإن كان منذورًا معينًا كان القضاء على ما تقدم من الخلاف إذا مرضه، وإن كان متطوعًا لم يقضه.
والإكراه لا يسقط التتابع، فإن أكره في شهري الظهار، أو قتل النفس قضى ذلك اليوم ووصله بصومه, ولم يستأنفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 750
باب فيمن يجب عليه الصيام
الصيام يجب بأربعة شروط: البلوغ، والعقل، والإقامة, والقدرة عليه من غير حرج ولا ضرر يدرك الصائم، ويسقط عن اثني عشر: عن الصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والحائض، والنفساء، والمسافر، والمريض، والصحيح الضعيف البنية العاجز عن الوفاء به، والشيخ الكبير، والحامل، والمرضع، والمتعطش، على شروط تسقط عنهم الصوم وتبيح 146 لهم الفطر.
وصفة سقوطه مختلفة، هل هو في الأداء والقضاء؟ أو في أحدهما: الأداء دون القضاء؟ أو القضاء دون الأداء؟ وإذا سقط الخطاب بالأداء دون القضاء فأحب لمن خوطب بالقضاء أن يعجل صومه في رمضان ويجعله أداء، ولم يجز ذلك للحائض ولم يجزئها، وأجزأ المسافر، والمريض، والحامل، ثم هم على منازل 147، فمنهم من يستحب له أن يجعله أداء، ومنهم من يكره له، ومنهم من لا يجوز له ويمنع منه، فإن فعل أجزأه، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، فسقط الصوم عن الصبي والمجنون والمغمى عليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ..." 148 الحديث، وسقط عن الحائض والنفساء؛ لقوله:
الجزء: 2 - الصفحة: 751
"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قالت امرأة: يا رسول الله، وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا؟ قال: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ..." (1)، ووجب القضاء؛ لقول عائشة - رضي الله عنها - وسئلت عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلاَ نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلاَةِ"، أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (2). وسقط عن المريض والمسافر الأداء ووجب القضاء، لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وسقط الأداء عن بقية من ذكرناه، لمشاركتهم المريض والمسافر في مشقة الصوم، ولقول الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29].
فصل [حكم صوم الصبية]
الصوم ساقط عن الصَّبِيَّة ما لم تبلغ, ولبلوغها ثلاث علامات: الاحتلام, والحيض, والحمل, فإن حاضت أو احتلمت في بعض يوم لم تمسك بقيته ولم تقضه، وتقضي ما سوى ذلك من أيام حيضتها؛ لأنها دخلت في الخطاب بالحيض، وإن لم يعلم بلوغها إلا بظهور الحمل نظرت، فإن تبين حملها149150 = يخرجاه، ووافقه الذهبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 752
في رمضان أمسكت باقيه، وقضت ماضيه، وإن تبين في شوال أو ذي القعدة قضت جميعه؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وإن تبين في نصف ذي الحجة قضت نصف شهر (1)، وإن تبين بعد انقضائه لم تقض شيئًا.
فصل [في صوم المجنون]
المجنون غير مخاطب بالصوم في حال جنونه ولا خلاف في ذلك، واختلف هل هو مخاطب بالقضاء على ثلاثة أقوال:
فقيل: عليه القضاء.
وسواء بلغ صحيحًا أو مجنونًا، قلَّت السنون التي جُنَّ فيها أو كثرت وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة 152.
وقيل: إن قلّت السنون كالخمس ونحوها كان عليه القضاء، وإن كثرت كالعشر وما فوق ذلك لم يكن عليه قضاء، ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين من أصحابه 153.
وقيل: إن بلغ مجنونًا فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن كان عليه القضاء، قال ابن الجلاب: وأظنه قول عبد الملك 154.
وقد اتفقت هذه الروايات على أنه إذا بلغ صحيحًا ثم جُنَّ وقلَّت السنون أن عليه القضاء، فمن أوجب القضاء على المجنون قاسه على الحائض أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ومن أوجبه فيما قلَّ قاسه على توجيه القول في151
الجزء: 2 - الصفحة: 753
الحائض أنها لم تقض الصلاة لتكررها وقضت الصوم؛ لأنه مما لا يتكرر، فإذا كثر ما لزم المجنون من الصوم لطول السنين كان (1) بمثابة الصلاة للحائض، ومن أسقطه عمن بلغ مجنونًا قاسه على الصبي؛ لأنه لم تمر به (2) حالة يتوجّه عليه الخطاب فيها بشيء من الفروض ففارق المريض والحائض؛ لوجود العقل منهما وأنهما من أهل التكليف.
فصل [أحوال المغمى عليه]
للمغمى عليه خمسُ حالاتٍ: حالة لا يجزئ معها الصوم، وحالة يجزئ، وثلاث مختلف فيهن، هل يجزئ معها الصوم، أم لا؟ فإن كان الإغماء قبل طلوع الفجر متماديًا إلى غروب الشمس لم يجزئه صوم ذلك اليوم، وإن كان الإغماء بعد طلوع الفجر وأغمي عليه أيسر النهار أجزأه، واختلف إذا كان الإغماء قبل الفجر والإفاقة بعده ولم يطل ذلك، فقال مالك في المدونة: لا يجزئه، 157 وفي سماع أشهب عنه: أنه يجزئه 158. واختلف إذا كان الإغماء بعد طلوع الفجر، والإفاقة 159 نصف النهار أو أكثره فقال مالك 160 في المدونة: يجزئه إذا أغمي عليه نصف النهار، ولا يجزئه في أكثره 161، وقال في كتاب ابن حبيب: إن أغمي عليه نصف النهار لم يجزئه، وقال155156
الجزء: 2 - الصفحة: 754
أشهب: إن أغمي عليه أكثر النهار يقضي استحسانًا, ولو اجتزأ به رجوت أن يجزئه 162، وقال ابن وهب: يجزئه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأرى أن لا يجزئه إلا أن يغمى عليه بعد الفجر أيسر النهار فيكون قد انعقد 163 له أوله وتقرب إلى الله سبحانه بإمساك معظمه، ويعفى عما أغمي عليه فيه لقلته، ولا يجزئه إذا كان الإغماء قبل الفجر؛ لأنه لم يكن حينئذٍ من أهل التكليف، وهو بمنزلة المجنون وليس بمنزلة النائم؛ لأن النائم مخاطب ويقضي الصلاة وهذا لا يقضيها؛ لسقوط الخطاب عنه، وهو بمنزلة الصبي يحتلم في بعض النهار، وقول ابن حبيب: إن للمغمى عليه أن يأكل بقية يومه 164 مما يؤيد هذا، وأن لا يجزئه إذا كان الإغماء بعد الفجر نصف النهار أو أكثره؛ لأن المراد من الصائم حبس نفسه عن الملاذ من طعام أو شراب وغير ذلك حسبة لله وابتغاء مرضاته، وهذه صفة لا توجد من المجنون ولا المغمى عليه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا عن ربه -عز وجل- في الصائم: "... يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى..." الحديث 165، وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]: إنه الصوم، ويجري الجواب في المجنون إذا جُنَّ قبل الفجر أو بعده أيسر النهار أو أكثره على ما تقدم في المغمى عليه، وإن طلع الفجر على من به سكر أذهب عقله لم يجزئه صومه ذلك اليوم ولم يجز أن يفطر بقيته وإن كان غير جاز عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 755
فصل [حالات المريض]
لا يخلو المريض من أربعة أوجه: إما أن يكون مرضه خفيفًا لا يشق معه الصوم، أو يشق ولا يخشى على صاحبه غير ما هو فيه، أو يخشى حدوث علة أخرى، أو طول المرض، فحكم الأول حكم الصحيح يجب عليه الصوم، وهو في القسم الثاني بالخيار بين الصوم والفطر، وليس له في الثالث والرابع أن يصوم، فإن هو صام أجزأه، ولم يكن عليه قضاء وعلى هذا يجري الجواب في الصحيح الضعيف البنية إن كان لا يجهده الصوم لزمه، وإن كان يجهده لا غير ذلك كان بالخيار، فإن كان يخاف حدوث علة لم يكن له أن يصوم، وإذا لم يصم لم يكن عليه قضاء مع استصحاب حاله، وإن انتقلت 166 حالته إلى القدرة على الصوم أو كان توجُّه الصوم عليه في شدة الحر ثم صار إلى زمن لا يضر به فيه كان عليه القضاء 167، فعلى هذا يجري أمر الشيخ الكبير.
فإن كان معه القدرة 168 ما لا يشق معه الصوم, أو كان في زمن لا يشق ذلك عليه فيه لزمه أن يصوم, وإن كان شدة حر ولو كان في غير لقوي على الصوم أفطر وقضى إذا صار إلى غير ذلك الوقت، فإن بلغ به الكبر إلى العجز جملة أفطر ولا شيء عليه من إطعام ولا غيره، وهذا هو الصواب من المذهب 169، والمتعطش يتوجه عليه الصوم في شدة الحر، فله أن يفطر ويقضي في غير ذلك الوقت، وإن كان لا يقدر أن يوفي بالصوم في شتاء ولا صيف لحاجته للشرب لعلة به أفطر، فإن ذهبت عنه تلك العلة قضى وإلا فلا شيء عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 756
فصل [حالات الحامل]
للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم و 170 الفطر.
فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها.
وإن كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم 171.
فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئًا من ذلك كانت بالخيار بين الصوم أو الفطر، وإذا أفطرت لشيء من هذه الوجوه التي يكون لها أن تفطر لأجلها كان عليها القضاء.
واختلف في الإطعام على أربعة أقوال: فقال في المدونة: تطعم 172، ثم قال: لا إطعام عليها 173؛ لأنها مريضة 174، وقال ابن الماجشون: إن كان خوفها متى صامت على نفسها لم تطعم؛ لأنها مريضة، وإن كانت قوية وإنما تخاف على ولدها أطعمت 175، وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي 176 ستة أشهر أطعمت، فإن دخلت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة، يريد: أن المرض يسقط الإطعام وإن شاركه الخوف على الولد.
الجزء: 2 - الصفحة: 757
فصل [حالات المُرْضِع]
وللمرضع ثماني حالات؛ يلزمها 177 الصوم في أربع، ويلزمها الإفطار في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة.
فإن كان الرضاع 178 غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضرًا بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم.
وإن كان مضرًا بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها، أو يقبل غيرها 179 ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مال يستأجر منه لزمها الإفطار.
وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار.
وإذا كان الحكم الإجارة له فإنه يبتدأ بمال الولد، فإن لم يكن له مال 180 فمال الأب، فإن لم يكن له مال 181 فمال الأم، وإنما كانت البداية بمال الولد؛ لأن الرضاع مكان الإطعام، فإذا سقط الرضاع عن الأم لمانع أقيم له ذلك من ماله كطعامه، ثم مال الأب؛ لأن نفقته عليه عند عدم مال الابن، وكان على الأم عند عدمها؛ لأنها قادرة على صيانة صيامها بشيء تبذله من مالها، إلا أن تكون الإجارة مما يجحف بها، ومتى أفطرت بشيء من هذه الوجوه التي ذكرناها كان القضاء واجبًا.
واختلف في الإطعام فقال في المدونة: تطعم 182، وفي مختصر ابن عبد
الجزء: 2 - الصفحة: 758
الحكم: لا إطعام عليها 183، وهو أحسن قياسًا على المريض والمسافر، وكل واحدة ممن أبيح لها الفطر من حامل أو مرضع أعذر 184 من المسافر، وإنما ترجح مالك في الإطعام مراعاة لقول من قال: إن المراد بقول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] إنها في الحامل والمرضع إذا لم يصوما 185، وقد اختلف في الصحيح لأن 186 الآية نزلت في الناس عامة فكانوا بالخيار بين الصوم أو الإفطار والإطعام، وأن الآية نزلت في ذلك ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 187 وهو الصحيح، ولو كانت الآية نزلت 188 في الحامل والمرضع لكانت التلاوة وعلى اللاتي يطقنه، وفي قوله -عز وجل-: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخطاب بلفظ التذكير أيضًا، ولأن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لم يجز لهما صيام معه 189، وذلك خلاف النص في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 759
باب في الصوم في السفر
ومن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة كان بالخيار بين الصوم أو الفطر، واختلف أَيُّ 190 ذلك أفضل؟ فقال مالك في المدونة: الصوم أحبُّ إليَّ 191، وقال في مختصر ابن عبد الحكم و 192 في سماع أشهب: إن صام فحسن وإن أفطر فحسن 193، ورأى أنهما سيان، ولم يقدم أحدهما على الآخر، وقال عبد الملك بن الماجشون: الفطر أحب إلي 194، وهذا ما لم يكن السفر للغزو وقرب لقاء العدو، فإن الفطر أفضل للتقوي على القتال والحرب، وقول مالك الأول أحسن، والصوم أفضل إذا لم يكن عدو 195؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن 196 صيام، فنزلنا منزلًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ..." 197 أخرجه مسلم، فيه فائدتان: تقدمة الصوم مع الأمن، وتقدمة الإفطار عند الخوف، والحاجة للتقوي على الحرب، والأحاديث في صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السفر
الجزء: 2 - الصفحة: 760
كثيرة، ولأن القرآن والآثار تظاهرت بفضل صوم 198 شهر رمضان، وأن الله سبحانه عظم حرمته فكان صوم عينه أولى من صوم غيره، ولأنه لا يختلف أن 199 الإتيان بالفرائض على وجه الأداء أولى من الإتيان بها على وجه القضاء، ولقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، فدخل في ذلك المسارعة إلى الصوم وغيره من القرب، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" أخرجه البخاري 200.
وأما ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" 201 فقد أخرج البخاري ومسلم: أن السبب كان 202 في ذلك أنه رأى رجلًا قد ظلل عليه وأجهده الصوم، وزاد مسلم: قد اجتمع عليه الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل صائم، فقال عند ذلك: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ".
فخرج الجواب على نازلة في عين، فكان مقصورًا عليها وعلى مثلها.
الجزء: 2 - الصفحة: 761
فصل واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر هل يكون بالخيار في إتمامه
واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر، هل يكون بالخيار في إتمامه؟ فمنع ذلك مالك 203 في المدونة 204، وأجازه مطرف في كتاب ابن حبيب واحتج بإفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بلغ الكُدَيْد 205.
واختلف بعد القول بمنعه؛ إن هو أفطر، هل عليه كفارة؟ فقال في المدونة: يكفِّر 206، وقال 207 في المبسوط: لا كفارة عليه، وهو قول المخزومي، وابن كنانة 208، وقال ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفَّر، وإن أفطر بالأكل والشرب لم يكفِّر؛ لأنه للتقوى أفطر 209.
والقول الأول أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] فإن أفطر كان منتهكًا لحرمة يوم من رمضان وكانت عليه الكفارة إلا أن يكون متأولًا، وأما فطر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن السبب كان فيه أن الناس شق عليهم الصوم وأجهدهم فأمرهم بالفطر فوقفوا عنه، فقيل له: "إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلى مَا فَعَلْتَ.
فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهُ" 210.
الجزء: 2 - الصفحة: 762
واختلف أيضًا إذا أصبح صائمًا في رمضان ثم سافر، هل يكون إمساك بقية ذلك اليوم واجبًا، أو مستحبًا؟ فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يستحب له ذلك من غير إيجاب 211، وهو ظاهر قوله في المدونة: لا كفارة عليه إن أفطر 212 وكأنه 213 رأى أن حلوله في السفر كحلوله في المرض، قال أشهب في مدونته في سقوط الكفارة: لأنه متأوِّل لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، قال: يقول: فكما لو أصبحت صائمًا ثم أفطرت لمرض كان جائزًا فكذلك ما قرن الله -عز وجل- بالمرض من السفر إذا أصبحت في الحضر ثم سافرت أفطرت 214، انتهى قوله.
وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب عن مالك أن الإمساك مستحب، وأوجب المخزومي وابن كنانة عليه الإمساك والكفارة إن هو أفطر 215 والقول الأول أحسن، وقد أبان أشهب الوجه في ذلك 216، ولم يختلف المذهب أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يتلبس بالسفر 217.
واختلف في الكفارة إن هو 218 فعل على أربعة أقوال: فقال أشهب في = معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم ولمن يشق عليه أن يفطر، من كتاب الصيام، برقم (1114).
الجزء: 2 - الصفحة: 763
كتاب ابن سحنون: لا كفارة عليه سافر أو لم يسافر 219، وقال سحنون: يكفّر سافر أو لم يسافر، ثم رجع فقال: إن سافر لم يكفّر، وإن لم يسافر كفّر 220، وقال ابن القاسم، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفّر سافر أو لم يسافر، وإن أكل 221 بعد أن أخذ في أهبة السفر متأولا ثم سافر لم يكفّر 222.
قال ابن الماجشون: وإن عرض له ما حبسه عن السفر كفّر 223، قال الشيخ - رضي الله عنه -: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها، ولا يوكل إلى أمانته، ولا إلى قوله، فمتى أفطر الصائم متعمدا غير ناس ثم ادعى أنه فعل ذلك على الجهل، وذكر الوجه الذي ظن 224 جواز الإفطار من أجله فإنه ينظر فيما ادعى من ذلك، فإن ادعى ما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة، وإن ادعى ما يشبه صدق ولم يلزم بها، وجميع ما وقع في هذه المسائل من الاضطراب فذلك راجع إلى ما وقع للمفتي 225، هذا يرى أنه أتى في دعواه بما لا يشبه فلم يصدقه، والآخر رأى خلاف ذلك فصدقه، وجميع هذا الاختلاف يحسن فيمن ظهر عليه.
وأرى أن ينظر إلى من عثر عليه في ذلك هل مثله يجهل تلك المنزلة أم لا؟ فمن كان مثله يجهل ذلك صدق، وإلا ألزم بالكفارة، وإن جاء مستفتيا ولم
الجزء: 2 - الصفحة: 764
يُشهد عليه صدق فيما يدعيه من ذلك ولم يلزم الكفارة (1).
فصل [لزوم نفل الصوم بالشروع والنذر]
وإن تلبس بصوم في 227 السفر متطوعًا أو نذره في السفر لم يكن له أن يفطره، فإن أفطره قضاه.
واختلف إذا ابتدأ ذلك في الحضر ثم سافر في يوم صومه، فقال في المدونة: إن كان متطوعا كان عليه القضاء 228، وقال ابن حبيب: لا قضاء عليه 229.
ويختلف إذا نذر ذلك اليوم فأصبح فيه صائمًا ثم سافر فأفطره، فعلى قول مالك في المدونة: يقضيه، وعلى قول ابن الماجشون 230: لا قضاء عليه؛ لأنه جعل ذلك السفر بمنزلة من ابتدأه صحيحًا ثم مرض، وجعل الإمساك إذا كان ذلك اليوم من رمضان ثم سافر فيه مستحبًا 231.
ويختلف إذا نذر يومًا معينًا كالاثنين والخميس ثم سافر فجعل ذلك اليوم وهو في سفره، ويختلف في إمساكه وفي قضائه إن لم يصمه، فيصح أن يقال: له أن يفطر ثم لا يكون عليه قضاء؛ لأن السفر كالمرض، ويصح أن يؤمر بصومه، وإن أفطره لزمه القضاء؛ لأن السفر من سببه، وله فيه اختيار، ولا اختيار له في226
الجزء: 2 - الصفحة: 765
المرض، وقد اختلف في هذا الأصل، ووقف مالك في مسألة المدونة، فقال في المرأة التي نذرت الاثنين والخميس فتحيض فيهما أو تمرض أو تسافر فقال: لا قضاء عليها إذا حاضت أو مرضت، وأما السفر فلا أدري 232، قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب لها القضاء 233. ولو ابتدأ رجل صيام شهري ظهاره في حضر ثم سافر لم يفطر، وهو قول مالك، وإن أفطر استأنف 234، وهو كالمتعمد لتفرقة صومه، ولم يختلفوا في ذلك لما كان السفر باختياره بخلاف المرض، وقال في المجموعة: فإن أفطر في سفره لمرض فإن كان السفر هاج ذلك ابتدأ، وإن كان لحر أو برد بنى ولم يبتدئ، وإن أشكل الأمر استحب له الابتداء 235. قال الشيخ - رضي الله عنه -: والقياس أن لا شيء عليه وإن كان السفر 236 هاج المرض، وليس يُتهم أحد أن يتعمد سفرًا ليكون عنه مرض فيفطر، وهذا أعذر ممن يفطر ناسيًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 766
باب إذا توجه الخطاب بالصوم, أو سقط في بعض يوم
وإذا احتلم الصبي في بعض يوم لم يمسك بقيته، ولم يقضه، واختلف في النصراني يسلم بعد الفجر، فقال مالك في الموطأ: يمسك بقية ذلك اليوم 237 وقال في المدونة: يستحب له القضاء 238 وقال أشهب في المجموعة: لا يمسك بقية ذلك 239 اليوم 240. وعلى قوله 241 لا يقضيه، وهو أحسن، والإسلام يجبُّ ما قبله.
واختلف في المغمى عليه يفيق بعد الفجر، فقال ابن حبيب: لا يمسك بقية يومه ذلك 242، والذي يقتضيه المذهب: أن يمسكه؛ لأنه صوم مختلف فيه، هل يجزئه، أم لا؟ وعلى هذا يجري الجواب فيمن جُنَّ ثم أفاق بعد الفجر، والقول الأول أقيس، والثاني أحوط.
وإن أصبحت امرأة طاهرًا فحاضت، أو حائضًا فطهرت، لم تمسك بقية يومها ذلك، وإن قدم زوجها من سفر مفطرًا كان له أن يصيبها إذا طهرت، وكذلك إن كانت غير بالغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 767
وإن كانت نصرانية وهو يوم طهرها كان له أن يصيبها، واختلف إذا أصبحت طاهرًا، فقيل: له أن يصيبها؛ لأنها كافرة غير مخاطبة بصيام، وقيل 243: لا يصيبها؛ لأنها متعدية بترك الإسلام والصيام.
والأول أحسن، وليس يتوجه الخطاب بالصيام إلا بعد تقدم الإسلام.
وإن أصبح مفطرًا لمرض ثم صح لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، وإن أصبح صحيحًا ثم مرض جاز له ألا يمسك بقيته، وإن أصبح مفطرًا في السفر ثم دخل إلى حضر لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، واختلف إذا أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر، هل له أن يفطر بقية يومه؟ وقد تقدم الكلام عليه.
واختلف فيمن أصبح صائمًا في رمضان ثم اضطره ظمأ فشرب، فاختلف في القدر 244 الذي يباح 245 له شربه، وفي إمساك بقية يومه، فقال عبد الملك بن حبيب 246: يصيب من الماء ما يرد به نفسه، ثم يمسك حتى يمسي، وقال سحنون في كتاب ابنه: له أن يأكل ويطأ 247.
وهو أقيس؛ لأنه أفطر بوجه مباح قياسًا على المتعطش، إذا كان يعلم أنه لا يوفي بصيامه إلا أن يشرب في نهاره مرة واحدة فإن له أن يبيت الفطر ويأكل ويصيب أهله.
ولو كان برجل مرض يحتاج من الدواء في نهاره إلى الشيء اليسير يشربه لم يؤمر بالصيام، ولا بالكف عما سوى ما يُضطر إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 768
باب في صوم الأسير
وإذا تلبست على الأسير الشهور ولم يعلم شهر صومه، فإن ترجح عنده أنه شهر بعينه صامه، وإن لم يترجح عنده شيء وتساوى الشك، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور كان فيه قولان: هل يصوم شهرًا، أي ذلك أحب، أو يصوم سنة كلها؟ قياسًا على من نذر صوم يوم من 248 الجمعة يصومه أبدًا ثم نسيه، ولم يغلب على ظنه يوم من أيام الجمعة فاختلف فيه، هل يصوم يومًا؟ أو يصوم الدهر كله 249؟ واختلف أيضًا فيمن تلبست عليه القبلة لغيم أو غيره ولم تترجح عنده ناحية، فقيل: يصلي صلاة واحدة إلى أي جهة 250 أحب، وقال ابن عبد الحكم: القياس أن يصلي إلى الجهات الأربع، وعلى هذا يصوم السَّنة كلها، فأوجب في القول الأول أن يصوم أي أيام الجمعة أحب، قياسًا على القبلة إذا عميت الدلائل لأنه 251 يتحرى جهة يصلي إليها، ولا يترك الصلاة لأجل عدم معرفتها، ومنع من ذلك في القول الثاني قياسًا على صيام أول يوم منه عند الشك، ولا فرق بين أن يشك في أول يوم منه أو في جميعه، ولأن التحري إنما يؤمر به في موضع يشك هل هو في شعبان؟ أو في رمضان؟ وما أشبه ذلك 252. وإن كان على يقين أن الشهر الذي هو فيه ليس برجب ولا شوال لصام
الجزء: 2 - الصفحة: 769
شهرين الشهر الذي هو فيه، لإمكان أن يكون هو رمضان، والذي يليه، لإمكان أن يكون الأول شعبان.
وإن كان يشك في الشهر الذي هو فيه هل هو رمضان، أو شوال؟ صام الذي هو فيه لا أكثر من ذلك، فإن كان رمضان فقد صامه، وإن كان شوال كان قضاء.
فإن كان يشك هل هو شعبان، أو رمضان، أو شوال؟ صام شهرين الذي أهلَّ عليه (1)، والذي يليه، فإن كان الذي أهلَّ عليه رمضان كان قد صامه، وإن كان شعبان كان الذي يليه رمضان، وإن كان الأول شوالًا كان له قضاء، وكان (2) قد استظهر بالثاني.
فصل في تلبس الشهور على الأسير
255 واختلف في الأسير تتلبس عليه الشهور فقال مالك وابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: يصوم بالتحري شهرًا 256. ووقع في بعض نسخ ابن الجلاب عن ابن القاسم، أنه قال: لا يصوم بالتحري حتى يعلم 257. ورأى أنه غير مخاطب بالصوم مع عدم المعرفة بعينه، ومحل ذلك عنده إذا لم يترجح دليل بذلك الشهر، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور ولو كان على يقين253254
الجزء: 2 - الصفحة: 770
أنه ليس شعبان، وشك فيما بعد ذلك من الشهور لصام شهرًا واحدًا؛ لأنه مؤدٍّ أو قاضٍ، وعليه أن يصوم الشهر الذي هو فيه لإمكان أن يكون رمضان، وقال محمد بن عبد الحكم فيمن شك في شهر فقال: لا أدري أهذا شعبان، أم رمضان؟ فقال: يصوم هذا على الشك، ثم يقضيه وإن تبين أنه رمضان، يريد: أنه يصوم الأول والثاني، وإن تبين له أن الأول رمضان قضاه ويجزئ عنه، وقول آخر: أنه لا يقضيه، قياسًا على من شك أنه أجنب فاغتسل ثم تبين له أنه كان جنبًا فاختلف فيه، هل يجزئه ذلك الغسل، أم لا؟ ولو صام الشهر الأول ثم تبين له أنه رمضان قبل دخوله في الصوم الثاني لم يجزئه (1).
فصل صوم الأسير بالتحري
وإذا صام الأسير بالتحري في أرض العدو ثم صار إلى أرض الإسلام، فإن تبين له أن صومه كان قبل رمضان قضاه، وإن علم أنه كان رمضان أو بعده مضى صومه، وإن لم يتبين له شيء ولا حدث أمر يشككه سوى ما كان عليه أجزأه صومه، وإن شك هل كان رمضان أو بعده أجزأه، وإن شك هل كان رمضان 259 أو قبله قضاه، وإن صام ثلاثة أعوام بالتحري ثم تبين له أن صومه كان شعبان لم يحتسب بالأول، وكان الثاني قضاء عن الأول، والثالث قضاء عن العام الثاني، ويقضي شهرًا عن آخر عام وهذا قول ابن الماجشون وسحنون 260، والذي يقتضيه قول مالك: أنه لا يحتسب بشيء يعني: من تلك الشهور ويقضي جميعها 261 وهو258
الجزء: 2 - الصفحة: 771
أحسن 262 بمنزلة رجل صلى الظهر في يومين قبل الزوال فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاتين، ولا تكون الثانية قضاء عن الأولى، وإن صام الأسير شهرًا تطوعًا ثم تبين له 263 أنه رمضان لم يجزئه عند ابن القاسم 264، ويجري على قول آخر: أنه يجزئ، قياسًا على قوله فيمن صام رمضان قضاء عن عام فرَّط فيه أنه يجزئه عن العام الذي هو فيه، ولا يضره ما نوى؛ لأنه استحق العين.
الجزء: 2 - الصفحة: 772
باب فيمن شكـ في الفجر, أو في طلوع (1) الشمس أو في أول يوم من رمضان
اختلف فيمن شك في الفجر فأحب أن يأكل، بالمنع والكراهة والجواز، فقال في المدونة: يكره له ذلك 266، وقيل: هو ممنوع، وحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أصبحت" 267، قال: والمعنى أي: قاربت الصبح.
وقال ابن حبيب: القياس والذي أختاره جوازَ ذلك، وأن يأكل إذا شك حتى يتبين؛ لقول الله -عز وجل- 268، وقاله ابن عباس 269.
وأرى أن يكون الإمساك واجبًا مع الغيم، ومستحبًا مع الصحو؛ لأن السحاب ساتر لما خلفه، ويمكن أن يكون الفجر قد طلع فيكون قد أكل في زمن الإمساك، وليس كذلك في الصحو؛ لأن الفجر الأول والثاني عن شعاع الشمس، وهو في الأول ضعيف لبعد منزلة الشمس، فكلما دنت منزلة الشمس زاد الضياء حتى يصير إلى حالة لا 270 يشك فيها؛ لقوته 271 عن الأول وضعفه عن الثاني حتى يتمكن فيتبين، ولهذا قال ابن عباس: يأكل مع الشك 272 كأنه يقول: هو شأن265
الجزء: 2 - الصفحة: 773
الفجر ثم يتبين، وإنما ورد 273 المنع في القرآن بالتبين 274.
ثم لا يخلو من أكل وهو على شك لأجل الغيم من ثلاثة أحوال: إما أن يتبين له أن أكله كان قبلُ فيُمضي صومه، أو بعدُ فيقضيه، أو لا يتبين له هل كان ذلك قبل أو بعد فيختلف فيه، هل يقضي واجبًا أو استحسانًا 275 أو لا شيء عليه؟ فقال في المدونة: عليه القضاء 276، وقال أشهب في مدونته: يستظهر بالقضاء، وقال ابن حبيب: يستحب له القضاء.
ويجري فيها قول ثالث: أن لا شيء عليه 277. قياسًا على من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فيجب القضاء؛ لأن الصوم في ذمته بيقين فلا يبرأ منه إلا بيقين أنه وفَّى به على وجه صحيح، ولا يجب لأنه على الأصل وهو الليل، وهو زمن أكل حتى يعلم أنه دخل في وقت محظور وهو النهار، ويستحسن لإمكان أن يكون ذلك بعد الفجر.
وقال مالك في المجموعة في رجل قال له رجل: تسحرت في الفجر، وقال له آخر: قبلُ، قال: يقضي ذلك اليوم 278، ومحمل المسألة على أنه لا علم عنده إلا ما اختلفا فيه فعاد أمره إلى الشك، ولو كان عنده علم وأنه لم يطلع لم يكن عليه قضاء بقول آخر أنه طلع.
الجزء: 2 - الصفحة: 774
فصل في صوم يوم الشكـ
اختلف في صوم يوم الشك على وجه 279 التطوع، وعلى وجه الاحتياط خوفًا أن يكون من رمضان، وفي الإجزاء به إن ثبت بعد ذلك أنه من رمضان، فأجاز مالك صومه على وجه التطوع، ومنعه على وجه الاحتياط أن يكون من رمضان 280.
وقال محمد بن مسلمة: من شاء صامه ومن شاء أفطره.
يريد: يصومه متطوعًا 281. قال: ويكره 282 أن يؤمر الناس بفطره 283 لئلا يظن أنه يجب عليه فطر قبل الصوم كما وجب بعده، وقيل: يكره صومه تطوعًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ أَو يَوْميْنِ..." 284 وحمل الحديث على عمومه.
وأجازت عائشة - رضي الله عنها - وأسماء صومه على وجه الاحتياط, قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ" 285، وأجاز ذلك عبد الله 286 بن عمر، وأحمد بن حنبل في الغيم دون الصحو.
الجزء: 2 - الصفحة: 775
وأرى أن يجوز صومه على وجه التطوع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه: "هَلْ صُمْتَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ - يعني: شعبان؟ قال: لا، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ" 287. ولا يجوز على معنى الاحتياط أن يكون من رمضان مع الصحو؛ للحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْم ولا بِيَوْمَيْنِ..." 288، ولأن ذلك من الغلو والتعمق في الدين والاحتياط في غيرً موضع شبهة، ويجوز مع الغيم بل يؤمر به على طريق 289 الوجوب أو الاستحسان، قياسًا على الشك في الفجر مع الغيم، فلم يختلف المذهب أنه لا يكره بل يؤمر به على وجه الوجوب أو الاستحسان، ولا فرق بين السؤالين؛ لأن هذا في الليل بيقين وهو في زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم؟ وهل حرم عليه الأكل؟ وهذا في شعبان بيقين، وهو زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم، وأن يكون السحاب ستر الهلال كما ستر الفجر، والمذهب كله مبني على أنه لا يكره الأخذ بالاحتياط في محرم ومباح، مع وجود الشبهة، وقد أمر مالك الحائض يتمادى بها الدم أن تستظهر بثلاث ثم تصلي وتصوم 290 قال: ورأيت أن أحتاط لها فتصلي وليست عليها، أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها 291، فرأى أن تمادي ذلك الدم مشكل هل هو حيض، أو استحاضة؟ وقد كان
الجزء: 2 - الصفحة: 776
الأصل الحيض، ومنع الصلاة والصوم فأمرها أن تأخذ بالأحوط مع إمكان أن يكون حيضًا، والحيض لا تصح معه صلاة ولا صوم 292 تطوعًا ولا غيره، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِهِ وعِرْضِهِ..." 293 وهذا يدخل فيه الصوم وغيره.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم أنه يصام بشهادة واحد ولا يفطر به؛ لأن شهادته لطخ 294 أوجبت شكًا.
ويختلف إذا شك في هلال ذي الحجة مع الغيم، فعلى قول مالك يكمل عدة الماضي ثلاثين، ولا يحتاط للوقوف، وعلى قول ابن عمر يحتاط للوقوف، فيقف يومين على النقص لذي القعدة، وعلى إكمال العدة.
وإذا صامه على وجه الاحتياط ثم تبين أنه من رمضان لم يجزئه عند مالك 295، قال أشهب في مدونته: وهو بمنزلة من صلى الظهر على شك من الوقت لغيم ستره ثم كشف الغيم فعلم أنه صلى في الوقت فلا تجزئه صلاته 296.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس السؤالان سواء؛ لأن من شك في وقت الظهر مأمور أن يؤخر حتى لا يشك، ولا يقال له: احتط بتعجيل 297 الصلاة في وقت
الجزء: 2 - الصفحة: 777
يشك فيه، ومن شك في الفجر أو في الهلال مأمور أن يعجل الإمساك، وهو بمنزلة من شك في صلاة هل هي عليه، أم لا؟ أو هل أجنب أو لا؟ فصلى أو اغتسل ثم تذكر أن ذلك عليه فإنه يجزئه (1)، وكذلك المرأة يتمادى بها الدم فتحتاط بالصلاة والصوم بعد الاستظهار بالثلاث على أحد قولي مالك (2)، لما كانت على شكٍّ هل هي حائض أم مستحاضة أنها (3) تجزئها الصلاة والصوم إن تبين بعد ذلك أنه استحاضة.
وروي عن عطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي (4)، فيمن أصبح صائمًا (5) يوم الشك غير عالم بالهلال ثم علم في أوله أو آخره أنه يجزئه، وقد قيل فيمن صام رمضان قضاء عن غيره: إنه يجزئه عن الذي هو فيه (6)؛ لأنه مستحق العين.
فصل يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور
يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" 304 أخرجه مسلم، وقوله: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ298299300301302303
الجزء: 2 - الصفحة: 778
بَرَكَةً" 305 أخرجه البخاري ومسلم.
والسحور: الأكل عند السحر، ولا خلاف أن السحور مستحب غير واجب.
واختلف في تعجيل الفطر، وفي الإمساك بعد الغروب بنية الصوم، فقيل: الإمساك غير جائز، وهو بمنزلة الإمساك يوم الفطر أو يوم النحر، وقيل: ذلك جائز، وله أجر الصائم، وروي ذلك عن ابن الزبير 306، وابن عمر: أنهما كانا يواصلان، وعن عامر بن الزبير: أنه كان يواصل ليلة سبع، وليلة سبع عشرة، وليلة سبع وعشرين 307، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السحر 308.
واحتج من منع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 309؛ أي: صار مفطرًا، وبنهيه عن الوصال.
واحتج من أباح ذلك أن النهي عن الوصال على وجه الرفق بأمته؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - واصل وواصل بهم 310، فلو كان الوصال محرمًا لم يصح أن يفعله، ولا أن يحملهم عليه 311 إذا كان ذلك معصية، ويعاقب من خالف نهيه من غير أن يدخلهم فيه،
الجزء: 2 - الصفحة: 779
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ..." 312. وروي عنه في البخاري أنه قال: "لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ..." 313، فالوصال إلى السحر جائز مباح بهذا الحديث، وإلى الليلة القابلة مكروه غير محرم؛ لحديث 314 عائشة - رضي الله عنها -، وبمواصلته بمن واصل من أصحابه، ثم قال: "لَوْ مُدَّ لِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ..." 315، وهذا يفهم منه الكراهية لا التحريم.
الجزء: 2 - الصفحة: 780
باب في قضاء رمضان والزمن الذي يقضى فيه, وهل القضاء على الفوز؟ والإطعام عمن فرط في القضاء, وهل يقضى متتابعًا؟ وإذا كان عليه صومان رمضان وظهار أو صوم تمتع بأيهما يبدأ؟
وعلى من أفطر رمضان لمرض أو سفر أو غير ذلك أن يقضي عدة ما أفطر، فإن قضى للهلال وكان الشهر الذي أفطره ثلاثين، والذي يقضيه تسعة وعشرين زاد يومًا، ولم يجزه الاقتصار على عدد الثاني، وإن كان الأول تسعة وعشرين (1) والثاني ثلاثين اقتصر منه على عدد الأول، ولم يكن عليه أن يتم الثاني، وقيل: يجتزئ بالثاني عن الأول إن كان أقل، وعليه تمامه إذا كان كثر، وهذا وهم، وخلاف لقول الله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].
فصل [في الزمن الذي يقضى فيه، وهل القضاء على الفور؟]
قضاء رمضان يصح في كل زمن يصح فيه صوم التطوع، ولا يجوز في الأيام المنهي عن صيامها، ولا في زمن وجب صومه لغير القضاء كرمضان، وشهر نذر صيامه، فإن قضاه في يوم الفطر أو يوم النحر الأول لم يجزئه.
واختلف في صيام أيام التشريق الثلاثة على ثلاثة أقوال، فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، وقيل: يجزئه الثالث خاصة، وهو الرابع من أيام منى لما316
الجزء: 2 - الصفحة: 781
كان للحاج أن يتعجل فيه، ولا يرمي 317 فيه، وتوجيه هذه الأقوال في كتاب الظهار.
واختلف إذا قضاه في رمضان آخر، فظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه 318، وعلى هذا حمل إسماعيل القاضي، وأبو الفرج المسألة عنه 319، وحمل ابن جعفر التِّلْبَانِيَّ قوله أنه يكون قضاء عن الأول الماضي 320، وقال سحنون: يجزئه عن الأول 321، ولابن القاسم في العتبية، ولأشهب في مدونته: أنه لا يجزئ عن واحد منهما 322.
فوجه الأول أن رمضان مستحق العين فلا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه؛ لأن الواجب عليه صومه وقد فعل، ونيته أن ذلك لغيره 323 لا تخرجه عن أن يكون متقربًا لله سبحانه، ووجه القول أنه يكون قضاء أن عليه أن ينوي بصومه عين الشهر الذي هو فيه، فإذا لم ينوه لم يجزئه، ووجه القول أنه لا يجزئ عن واحد منهما أن الله -عز وجل- لم يجعله محلًا للقضاء، وأوجب على من
الجزء: 2 - الصفحة: 782
أفطره 324 أن يكون القضاء في غير رمضان، فسقط أن يكون قضاء لهذا، ولم يكن أداء لعدم النية فيه له، وعلى هذا يجري الجواب إذا صامه قضاء عن ظهار أو نذر مضمون، فقال في كتاب الظهار من المدونة: لا يجزئ عن واحد منهما 325، ويجري فيها الخلاف المتقدم، هل يجزئ عن الذي هو فيه، أو عن الماضي؟ وكذلك إذا أشرك في صومه وجعله عن الصومين جميعًا عن الماضي وعن ما هو فيه إذا أشرك 326، وفرّق ابن حبيب فجعله جازيًا عن الذي هو فيه إذا أشرك، وغير جازٍ -إذا أفرد النية- عن الماضي 327، والقياس ألا فرق بينهما، ويدخله في الاشتراك أنه نوى بعض اليوم عن الماضي، وبعضه عن ما هو فيه، وذلك فاسد.
وقد اختلف إذا أشرك في الحج وأتى بحجة الإسلام ينوي بها نذره وحجة الإسلام، فقيل: تجزئ عن حجة الإسلام 328، وقيل: عن النذر 329، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما.
وإذا سلم ابن حبيب أنه لا يجزئ عن الذي هو فيه لعدم النية مع كونه مستحق العين فكذلك إذا أشرك.
ومثله إذا قضى رمضان في شهر كان نذر عينه فإنه يختلف؛ هل يجزئ عن
الجزء: 2 - الصفحة: 783
النذر، أو يكون قضاء، أو لا يجزئ عن واحد منهما؟ وإن نذر صوم الأبد صام رمضان بنية الفرض (1)، وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وقال (2) سحنون في كتاب ابنه: إذا نذر صيام الدهر ووجبت عليه كفارة يمين، وليس عنده ما يكفر به: أنه يصوم عن يمينه، ويطعم عن كل يوم مسكينًا (3).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو وجب عليه صيام عن ظهار، ولم يجد ما يشتري به رقبة، صام عن ظهاره، وذلك أوجب من النذر، ولا يجوز له أن يطعم وهو قادر على الصوم.
واختلف إذا كان في سفر في رمضان فصامه قضاء عن رمضان آخر، فقال ابن القاسم: لا يجزئه (4)، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أنه يجزئه، وهذا أخف من الأول لما كان يجوز له إفطاره (5).
فصل [من زال عذره في شعبان]
ومن أفطر لمرض أو سفر ثم قدم أو صح في شعبان كان عليه أن يعجل القضاء في شعبان ولا يؤخره إلى شوال، فإن فعل صام وكان عليه أن يطعم عن تفريطه وتأخيره عن كل يوم مسكينًا، وإن صح أو قدم في شوال كان في القضاء بالخيار بين أن يعجله الآن أو يؤخره ما بينه وبين شعبان، فإن أخره330331332333334
الجزء: 2 - الصفحة: 784
فصامه في شعبان لم يكن عليه إطعام.
والأصل في جواز تأخيره حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ للشُّغُلِ برَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -" 335 أخرجه البخاري ومسلم.
وإن صح شهرًا غير شعبان، أو أقامه بعد قدومه فلم يصمه حتى مات، كان عليه الإطعام عند مالك، وجعله مفرطًا 336، وكذلك يجب على أصله لو حدث به مرض أو أحدث سفرًا اتصل به رمضان أنه 337 يكون عليه الإطعام، وجعله مترقبًا ليس على الفور ولا على التراخي، فإن صح منه القضاء في شعبان مع القدرة على تعجيله قبل ذلك لم 338 يكن عليه إطعام ولم يعده مفرطًا، وإن مات قبل شعبان كان عليه الإطعام 339، ورآه مفرطًا إذا لم يعجله 340.
وهذا نحو قول الشافعية في الحج: إنه على التراخي، فإن مات قبل أن يحج كان مأثومًا 341.
والقياس أحد وجهين: إما أن يقال: إن القضاء على الفور، وأنه يجب عقيب زوال العذر 342، كالصلاة إذا نسيها أو نام عنها أنه يصليها عقيب الذكر وزوال ما
الجزء: 2 - الصفحة: 785
كان فيه من نوم، فيكون مفرطًا متى لم يصلِّ، ويكون عليه الإطعام لتفريطه.
أو يقال: إن القضاء على التراخي، فلا شيء عليه قبل ذلك مما صح فيه أو قدمه عاش أو مات، فسقط أن يكون على الفور؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، وأنه بخلاف الصلاة، وإذا سقط أن يكون على الفور لم يكن عليه إطعام إذا مات قبل أن يقضي.
وقد اختلف الناس في الإطعام إذا لم يقض في شعبان، فقال القاسم بن محمد، وسعيد بن جبير 343، وعطاء بن أبي رباح 344: عليه الإطعام، وبه أخذ مالك وأصحابه 345. وذكره البخاري عن أبي هريرة، وابن عباس.
346 وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليه 347.
الجزء: 2 - الصفحة: 786
فصل [في الإطعام، مقداره ووقته]
الإطعام عن ذلك مُدٌّ لكل مسكين.
واختلف في الوقت الذي يطعم فيه فقال في الكتاب: إذا أخذ في القضاء (1)، وقال أشهب في مدونته: إذا صار مفرطًا أطعم (2)، وإن مضى يوم من شعبان أطعم عن يوم؛ لأنه صار مفرطًا فيه، ويؤمر بصوم باقيه، فإن لم يفعل فكلما مضى يوم أطعم عنه، وهذا هو القياس، وأظن ابن القاسم (3) ذهب فيه مذهب الهدي عن الفوات والفساد؛ أنه يأتي به في حجة القضاء، وإن مات قبل أن يصوم ووصى بالإطعام أنفذ ذلك من ثلثه، وإن لم يوصِ به (4) لم يكن على ورثته شيء.
فصل [فيمن لزمه قضاء صومين وضاق الوقت]
وإذا كان عليه صومان؛ رمضان وصوم 352 تمتع وهو في شعبان وكان الذي بقي منه محلًا لأحد الصومين، صام عن رمضان، وإن كان محلًا للصومين كان فيها 353 قولان: فقال في الكتاب: يبدأ بالصوم عن التمتع 354، وقال أشهب: يبدأ348349350351
الجزء: 2 - الصفحة: 787
بأيهما أحب 355.
والأول أحسن؛ لأن الأوامر على الفور، إلا ما قام الدليل على جواز تأخيره، وقد ورد الدليل على جواز تأخير قضاء رمضان، ولم يرد مثل ذلك في الآخر، فوجب أن يصوم عقيب وصوله، لقوله سبحانه: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وهذا في السبعة، وأما الثلاثة فإن كان في الحج وضاق الوقت وبقي إلى الوقوف 356 ثلاثة أيام، وعليه من رمضان ثلاثة أيام صام عن التمتع؛ لأن الوقت تعين لها، وهو وقت أداء، وعن رمضان قضاء، وإن كان عليه بقية من الوقت وهو بمكة، وممن يتم الصلاة، كان بالخيار يبدأ بأيهما أحب؛ لأن الصومين موسع وقتهما، وإن كان أحدهما أداء والآخر قضاء، وإن كان ممن يقصر الصلاة كان الخطاب بصيام التمتع؛ لأن صوم رمضان وقضاءه في السفر ساقط، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع فالجواب عنها كالجواب المتقدم عن السبعة.
وإن كان الصومان أحدهما عن ظهار وقد أصاب، والآخر عن رمضان وهو قادر على 357 أن يأتي بهما قبل حلول رمضان الآخر ابتدأ بالظهار على قول مالك؛ لأنه يحمله فيه على الفور.
وقال أشهب في مدونته: يبتدئ بأيهما 358 أحب 359، وكأنه رأى أن الأمر فيهما سواء على التراخي.
الجزء: 2 - الصفحة: 788
فصل يستحب قضاء رمضان متتابعًا
يستحب أن يقضي رمضان متتابعًا عقيب صحته أو قدومه؛ لأن المبادرة إلى امتثال الطاعات أولى من التراخي عنها، وقياسًا على الصلاة يكون وقتها موسعًا والإتيان بها أول الوقت أحسن؛ لأن إبراء الذمة من الفرائض أولى، وليخرج من الخلاف لقول من يقول: القضاء على الفور، ومن قول 360 من يقول إنه يقصي متتابعًا، ولأن 361 في القضاء متفرقًا خلاف ما نُدبنا إليه من المبادرة إلى القضاء لتراخي الأول عن الآخر.
الجزء: 2 - الصفحة: 789
باب فيما تجب به الكفارة على من أفطر في رمضان
الكفارة تجب بأربعة شروط وهو: أن يفطر بأحد الوجوه التي أمر بالإمساك عنها عامدًا، غير ناسٍ، ولا جاهل، ولا متأوِّلٍ.
واختلف في الكفارة إذا كان ناسيًا في الجماع خاصة، وفي الجاهل في الأكل وغيره، وفي المتأوِّلِ تأويلًا بعيدًا، وفي المتعمد بإيصال الطعام من غير مدخل الطعام، أو من مدخل الطعام مما ليس بطعام كالحصاة والدرهم، وفي المتعمد للفطر بالنية إذا ترك التبييت ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، وفي الكفارة عن الفطر بالإكراه، وفي 362 أعيان مسائل مرجعها 363 إلى أنه هل يعد متعمدًا أم لا؟
واختلف قول مالك فيمن جامع ناسيًا فقال في المدونة: لا كفارة عليه 364، وفي كتاب ابن حبيب: عليه الكفارة 365، وفي المبسوط: يتقرب إلى الله سبحانه بما استطاع من الخير، وكل هذا مرجح لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟، فَقَالَ: أَصَبْتُ امْرَأَتِي نَهَارًا فِيَ رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالكَفَّار..." 366، فحمل الحديث مرة على العمد لقول السائل: احترقت، والأشبه أن ذلك إنما يقال عند العمد؛ لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 790
العقوبة والعذاب بالنار إنما تكون على من تعمد، وقياسًا على الأكل والشرب، وحمله مرة على عمومه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله هل تعمد، أو جهل، أو نسي؟ وكانوا حديثي عهد بالإسلام، وليس كلهم يعرف الفرق بين أحكام الخطأ (1) والعمد، ورأى مرة أن الأمر محتمل هل كان عن عمد أو جهل، فجعله منزلة بين منزلتين، فلم يوجب الكفارة ولا أسقطها.
فصل [في موجب الكفارة]
واختلف في الكفارة على من أنزل 368 عن قبلة أو مباشرة مرة من غير تكرار، فقال مالك في المدونة: إذا قبل مرة واحدة فأنزل فعليه الكفارة 369، وقال ابن القاسم في المبسوط: إذا باشر مرة فأنزل فعليه الكفارة 370، وقال أشهب وسحنون: لا كفارة عليه، إلا أن يتابع القبل والمباشرة، واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر ألا كفارة عليه إلا أن يتابع 371. والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم، وإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك، فإن كان شأنه أنه ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة، أو كانت عادته 372 مختلفة مرة ينزل، ومرة لا ينزل كانت عليه الكفارة؛ لأن فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه ومتعرض له، وإن كانت عادته السلامة فقدر أنه لا ينزل حسب367
الجزء: 2 - الصفحة: 791
عادته (1) إن كان منه خلاف العادة لم تكن عليه كفارة، فقد يبعد عهد الرجل بأهله فيحدث منه ما لم يظنه (2)، وقد يحمل قول مالك في وجوب الكفارة؛ لأن ذلك لا يجري إلا فيمن (3) يكون ذلك طبعه، فاكتفى بما ظهر منه، وحمل أشهب الأمر على (4) الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك.
فصل [في الخلاف فيمن أفطر جاهلًا هل عليه كفارة]
اختلف في الجاهل فجعله ابن حبيب كالعامد، فقال في الذي يتناول فلقة حبة: إن كان ساهيًا فلا كفارة عليه، وإن كان جاهلًا أو عامدًا كان عليه القضاء والكفارة 377.
والمعروف من المذهب أن الجاهل في حكم المتأول، ولا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد انتهاك صومه، ولو كان رجل حديث عهد بالإسلام يظن أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب دون الجماع، لم تجب عليه كفارة إن جامع.
وقد قال مالك 378 في من قدم من سفر ليلًا فأصبح مفطرًا يظن أنه لا يجزئه الصوم إلا أن يقدم نهارًا، أو في من خرج يرعى غنمًا على ثلاثة أميال فأفطر ظنًا منه أن ذلك سفر يبيح الفطر، وفي امرأة رأت الطهر ليلًا فلم تغتسل حتى أصبحت373374375376
الجزء: 2 - الصفحة: 792
فأفطرت ظنًا أنه لا يجزئها الصوم إلا أن تغتسل قبل الفجر-: لا كفارة على أحد منهم، وكل هؤلاء أفطروا على الجهل بموجب الحكم 379. واختلف إذا قالت: حيضتي اليوم، فأفطرت قبل أن تحيض، ثم حاضت في ذلك اليوم، فقال في المدونة: عليها الكفارة 380، ورآه من التأويل البعيد، وقال محمد بن عبد الحكم: لا كفارة عليها، وقال عبد الملك بن حبيب: لا كفارة على من أفطر بتأويل، إلا في التأويل البعيد كالذي يغتاب، أو يحتجم فتأول أنه أفطر، والذي يقول: اليوم تأتي حُمَّاي 381، والتي تقول: اليوم أحيض 382. وقال ابن القاسم في الذي احتجم ثم أفطر متأولًا: لا كفارة عليه 383.
الجزء: 2 - الصفحة: 793
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أصل المذهب أن 384 الكفارة إنما تجب على من قصد الفطر جرأة وانتهاكًا، وإذا كان ذلك نظر إلى من أفطر بتأويل، فإن جاء مستفتيًا، ولم يظهر عليه صدق فيما يدعيه 385، وأنه لم يفعل ذلك جرأة، فلا كفارة عليه، وإن ظهر عليه نظر فيما يدعيه، فإن كان مما يرى أن مثله يجهله صُدِّق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق وألزم الكفارة، وهذا فائدة قولهم: إن هذا ينوَّى، ولا ينوَّى الآخر، ويجبر على الكفارة، ولو كان إخراج الكفارة إليه إذا ادَّعى ما لا يشبه لم يكن للتفرقة وجه، وهذا الأصل في الحقوق التي لله سبحانه في الأموال فيمن كان لا يؤدي زكاته، أو وجبت عليه كفارة أو عتق عن ظهار، أو قتل، أو هدي، فامتنع من أداء ذلك أنه يجبر على إنفاذه، وقاله محمد بن المواز فيمن وجبت عليه كفارة فمات قبل إخراج ذلك 386: إنها تؤخذ من تركته إذا لم يفرط.
فإن قيل: الكفارات مختلف فيها، هل هي على الفور، أو على التراخي؟ فكيف يجبر على إخراجها مع القول: إنها على التراخي؟ قيل: إنما يصح أن يؤخرها إذا كان معتقدًا أنه يخرجها، فأما من عُلِم منه جحودها، وأنه يقول: لا شيء عليَّ.
فلا يؤخر بها، وهذا في الحقوق التي تجب عليه لله سبحانه، ولم يوجبها على نفسه.
واختلف فيما تطوع بإيجابه على نفسه 387، فقال: مالي صدقةٌ للمساكين في غير يمين، فقال ابن القاسم: لا يجبر على إنفاذ ذلك، وقال في كتاب الصدقة من كتاب محمد: يجبر 388، وبقية ما يتعلق بذلك مذكور في كتاب الهبات.
الجزء: 2 - الصفحة: 794
فصل [في الاختلاف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم]
واختلف إذا أفطر بما لم يدخل من الفم، فقال سحنون: لا كفارة عليه، قال: وإنما الكفارة فيما يتعمد إدخاله من الفم إلى الحلق 389، وقال أبو مصعب في السعوط وتقطير الدهن في الأذن والحقنة: إن وصل شيء من ذلك إلى الجوف عليه القضاء والكفارة، وإن وصل من العين فلا قضاء عليه.
يريد: لأنه منفذ لطيف، وهذا الخلاف إذا كان فاعل ذلك عالمًا بوصوله، وأن ذلك غير جائز له، فان كان جاهلًا يظن أن ذلك جائز لمّا لم يكن من الحلق عاد الجواب إلى ما تقدم من التأويل، فمضى أبو مصعب على الأصل في متعمد الفطر.
وذهب سحنون إلى أن الكفارة إنما وردت فيمن أتى من الجرم 390 والانتهاك أعظم من هذا وهو الوطء، وألحق به الأكل والشرب المعتاد؛ لأنه بمثابته في الانتهاك ولم يلحق به من لزوم شروط الصوم من الإمساك عن الوطء والأكل والشرب، وأتى مثل ذلك من تقطيره في أذن وما أشبهه؛ لأن جرمهما مختلف فلم يلحق بحكم الأعلى، وإلى هذا يرجع الاختلاف فيمن بيت الفطر ولم يأكل ولم يشرب حتى أمسى، فقال مالك وابن القاسم: عليه الكفارة 391، وقال أشهب: لا كفارة عليه 392، وذكر أبو الفرج عن مالك قولين: وجوب الكفارة، وسقوطها، فلزومها؛ لأنه متعمد للفطر غيرُ متأوِّلٍ،
الجزء: 2 - الصفحة: 795
وسقوطها؛ لأنه لم يجتزئ (1) بالانتهاك بالأكل والشرب.
واختلف في الكفارة إذا ابتلع حصاة أو درهمًا - مع تسليم القول أنه مفطر، فأسقطت الكفارة في أحد القولين؛ لأن جرمه دون من انتهك صومه بالأكل والشرب، وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة (2)، والشافعي.
(3) وأوجب أبو حنيفة الكفارة إذا جامع في الفرج، وأسقطها إذا أصاب دون الفرج، أو أنزل عن القبل (4) وإن تابع، أو ابتلع حصاة، وذكر عن الزهري والأوزاعي والثوري مثل ذلك (5)، وقال الشافعي: لا تجب الكفارة على من أكل متعمدًا، ولا تجب فيما سوى الجماع الذي هو الإيلاج في قبل أو دبر (6).
فصل [واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا]
واختلف في الكفارة على من أفطر مكرهًا، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: إذا أكره زوجته عليه أن يكفر عنها 399، وقال سحنون: لا كفارة عليه عنها؛ لأنها لم تجب عليها، وليس كالحج؛ لأن الحج عمده وخطؤه وإكراهه سواء 400. وقال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أكره رجلًا على الشرب: عليه393394395396397398
الجزء: 2 - الصفحة: 796
الكفارة 401، وقال فيمن جامع زوجته وهي نائمة: عليها القضاء، ولم يجعل في ذلك كفارة، خلاف الأولى؛ لأنها حينئذٍ غير مخاطبة 402، وقال الشافعي: لا قضاء عليها 403.
وقولُ سحنون: أن 404 لا كفارة على المرأة إذا أكرهت بالوطء، ولا على من أكره بالشرب - أحسنُ؛ لأن المكره أعذر من الناسي، فإذا لم يكن على الناسي في ذلك كفارة كان المكره أبين ألا كفارة عليه.
ويكفِّر المكرِهُ عن نفسه وعن اجترائه على انتهاك صوم غيره؛ لأن الإطعام والعتق إنما هو كفارة عما أتى من الذنب في إفساد الصوم، ولا فرق بين أن يفسد صوم نفسه أو صوم غيره، فعليه أن يأتي بالكفارة ليسقط عن نفسه ما أتى من ذلك، فيصح أن يكفِّر بالصوم، وإن كفَّر بالعتق كان الولاء له، فإن كره غيره على الشرب أتى بكفارة واحدة, وإن أكره زوجته على الوطء أتى بكفارتين؛ لأنه أفسد صومه وصومها.
وقد تأول بعض أهل العلم قول مالك في الكفارة في الإكراه على الوطء على قوله في كتاب ابن حبيب في لزوم الكفارة إذا وطئ ناسيًا 405. ويقوي ذلك ما في الزاهي: إذا أكره العبد زوجته, أنها جناية في رقبته، فجعل الكفارة عليها،
الجزء: 2 - الصفحة: 797
ولها أن ترجع على المكرِه بما لزمه 406، وهذا ينتقض بقوله في الكفارة: على من أكره غيره على الشرب؛ لأنه لا خلاف أن لا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا، وإذا لم تكن على الناسي كفارة مع أن معه شبهة من التفريط لم يكن على المكرَه، وذهب ابن شعبان إلى أن الكفارة عليه عنها، فإن كان معسرًا كفرت عن نفسها ورجعت عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 798
باب في أصناف الكفارات, وهل هي على الترتيب أو التخيير؟ وعقوبة من أفطر في رمضان
اختلف في الصنف الذي يكفِّر به على أربعة أقوال: فقال مالك: يكفِّر بالإطعام، قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق ولا بالصوم 407، وقال: قال الله -عز وجل-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فجعل الكفارة صنفًا واحدًا.
وذكر ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين أنه جعل الكفارة عن الأكل ثلاثة أصناف: إطعام أو صوم أو عتق، قال: واستحب البداية بالإطعام ثم بالصوم ثم بالعتق.
وقال أبو مصعب: إن أكل أو شرب فليس عليه كفارة إلا بالإطعام، وإنما العتق والصيام عن الجماع.
وقال أشهب: يكفّر بأي الأصناف الثلاثة شاء.
ولم يفرق بين أن تكون الكفارة عن أكل أو جماع 408. وقال ابن حبيب: يكفِّر بالعتق أحب إلي، فإن لم يجد فبالصيام، فإن لم يستطع فبالإطعام.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الكفارة عن الجماع فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ثلاثة أصناف: عتق، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا.
واختلف عنه هل هي على الترتيب، أو التخيير؟ فأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ.
فَقَالَ: مَا لَكَ؟.
قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً
الجزء: 2 - الصفحة: 799
فَتُعْتِقهَا؟ قَالَ: لاَ.
قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعيْنِ؟ قَالَ: لاَ.
فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟.
قَالَ: لاَ، قال: فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقٍ من تَمْرٍ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ..." الحديث 409، وقال أبو هريرة في الموطأ: "أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة, أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا" 410، فجعله في الحديث الأول على الترتيب، وظاهر قوله في الحديث الثاني التخيير، وقد يجعل 411 اللفظ في الحديث الثاني من قول أبي هريرة ليجمع بين الحديثين فيكون المعنى أنه أمره بعتق، أو صيام عند عدم العتق، أو اطعام عند عدم القدرة على الصيام؛ ليزول التعارض؛ لأنه متى كان حديثان مفسر ومجمل رُدَّ المجمل إلى المفسر.
وجعل أبو مصعب الكفارة على قدر الجرم، ورأى أن المجترئ على الانتهاك بالجماع أعظم جرمًا ممن اجزأ على ذلك بالأكل، وقد تقدم القول في هذا فيمن أفطر بالنية ولم يأكل.
وإن كفّر بالإطعام أطعم ستين مسكينًا مُدًّا مُدًّا لكل مسكين، قال ابن القاسم: فإن أطعم ثلاثين مسكينًا مدَّين مدَّين لم يجزئه 412.
ويختلف هل يكون من الصنف الذي يأكله المكفِّر، أو مما يأكله أهل البلد؟ حسبما تقدم في كفارة الأيمان.
الجزء: 2 - الصفحة: 800
فصل [في تأديب المفطر عمدًا]
ومن ظهر عليه أنه أكل أو شرب في رمضان عوقب على قدر ما يرى أن فيه ردعًا له ولغيره من الضرب أو السجن، أو يجمع عليه الوجهان جميعًا: الضرب والسجن، والكفارة ثابتة بعد ذلك، تجمع عليه العقوبة في المال والجسم.
ويختلف فيمن أتى مستفتيًا ولم يظهر عليه، فقال مالك في المبسوط: لا عقوبة عليه، قال 413: ولو عوقب خشيت ألا يأتي أحد يستفتي في مثل ذلك، وذكر الحديث، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب السائل 414، ويجري فيها قول آخر: أنه يعاقب قياسًا على شاهد الزور إذا أتى تائبًا، فقال في كتاب السرقة: يعاقب 415، وقال سحنون: لا عقوبة عليه 416. والقول الأول أحسن، ولا تسقط العقوبة خيفة أن لا يأتي أحد مستفتيًا 417 ولو كان ذلك لسقط الحد عن المعترف بالسرقة والزنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 801
وأرى أن ينظر إلى السائل، فإن كان من أهل الستر، ومن يرى أن ذلك منه فلتة، لم ترفع الشهادة عليه لما أمر بالستر، وإن كان مستهزئًا، ومن تعرف منه قلة المراعاة لدينه بلغت عليه الشهادة وعوقب.
الجزء: 2 - الصفحة: 802
باب في من نذر الصيام, وما يلزم متابعته وما يلزم من (1) نذر سنة بعينها أو بغير عينها، ومن نذر شهرًا هل يجزئه تسعة وعشرون يومًا، أو نصفَ شهر هل يجزئه أربعة عشر يومًا
ومن نذر صومًا معينًا، أو مضمونًا في الذمة، لزمه الوفاء به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" 419.
واختلف في المتابعة إذا نذر صيامًا مضمونًا أيامًا أو شهرًا أو سنة على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في كل ذلك: هو بالخيار؛ إن شاء تابع، وإن شاء فرق 420.
وقال ابن كنانة في كتاب ابن حبيب: عليه أن يأتي بذلك متتابعًا.
وقال ابن الماجشون: إن نذر أيامًا لم يكن عليه أن يتابعها، وإن نذر جزءًا من شهر، أو شهرين أو سنة، كان عليه أن يتابع 421 وهذا أحسن؛ لأن الذي418
الجزء: 2 - الصفحة: 803
عهده الناس أن الشهر عبارة عن جملة متتابعة من الهلال إلى الهلال، والسنة كذلك، وقولُ القائل في ثلاثين يومًا "شهرًا" - مجازٌ، أو إنما هو نسبة إلى ذلك الشهر الذي هو من الهلال إلى الهلال 422، وهو فيمن نذر سنة أبين.
واختلف في القدر الذي يصومه من نذر سنة مضمونة أو معينة، فقال مالك فيمن نذر سنة مضمونة بغير عينها: يصوم اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان 423، ولا يوم الفطر، ولا أيام الأضحى، ويجعل الشهر بفطره منه ثلاثين يومًا، فيقضي على قوله إذا كان شوال ناقصًا يومين، وإذا كان ذو الحجة ناقصًا أربعة أيام مكان الثلاثة التي أفطر، وقول محمد بن عبد الحكم في هذا: أنه يقضي عدد ما أفطر لا غير ذلك، ووافق أشهب ابن القاسم في هذه المسألة إذا كان نذر سنة غير معينة ولم ينوِ متابعتها، وخالفه إذا نوى متابعتها، فقال في مدونته: لا قضاء عليه عن رمضان، ولا عن يوم الفطر، ولا عن يوم النحر، ولا أيام التشريق واجبًا، واستحب له قضاء ذلك، قال: لأنه إذا نوى المتابعة فلا بد أن يدخل في تلك السنة أبدًا رمضان والأيام المنهي عن صيامها، وساوى في ذلك بين المضمون والمعين.
وأن يفطر في اليوم الرابع من أيام التشريق إذا عين أو نوى المتابعة، وكان عنده بمنزلة من قال: لله تعالى علي أن أصلي 424 يومًا بعينه، أو بغير عينه، فلا قضاء عليه في الأوقات التي تصلى فيها الصلوات الخمس، ولا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها 425. = شهاب، وبه أقولُ).
الجزء: 2 - الصفحة: 804
وعلى هذا ينبغي أن يكون الجواب على مذهب ابن كنانة وابن الماجشون؛ لأن الحكم عندهم المتابعة وإن لم ينوها (1).
فصل [فيمن نذر صيام سنة]
وإن نذر سنة بعينها صام منها ما كان يصام، وأفطر الأيام المنهي عنها، ولا قضاء عليه عن رمضان 427.
واختلف في القضاء عن الأيام المنهي عنها 428، فإن قال: لله علي أن أصوم هذه السنة، فإن سماها فقال: سنة سبعين أو ثمانين أو ما أشبه ذلك صام ما بقي منها قلّ أو كثر، ولا قضاء عليه عن الماضي، فإن قال: هذه السنة ولم يزد، فالقياس أن لا شيء عليه إلا صيام ما بقي منها كالأول.
وقال مالك في "العتبية" فيمن حلف وهو في نصف سنة: إن فعل كذا وكذا ليصومن 429 هذه السنة، قال: إن نوى باقيها فذلك له، وإن لم ينو شيئًا ائتنف من يوم حلف اثني عشر شهرًا 430.
وفي هذا نظر؛ لأن قوله: هذه السنة، يقتضي التعريف، وهو بمنزلة من قال: لله عليَّ أن أصلي هذا اليوم، فليس عليه إلا صلاة ما بقي منه، وإن قال426
الجزء: 2 - الصفحة: 805
لله عليَّ أن أصوم شهرًا، فابتدأه للهلال، فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه.
واختلف إذا ابتدأ لغير الهلال، فقال في المدونة: يصوم ثلاثين يومًا 431، وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزئه تسعة وعشرون يوما، فليس عليه إلا أقل الشهور عدة، كما لو قال: لله علي أن أصوم أيامًا 432، كان عليه أقل الأيام؛ وهي ثلاثة، قال: وكذلك لو قال: صدقة دراهم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا أحسن للسنة والقياس، وهو أيضًا أحد قولي مالك، فأما السنة فحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "آلَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَاعْتَزَلهنَّ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ، فَقِيلَ لَهُ: آلَيْتَ شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَقَمْتَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؟ فقال: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا" 433.
وأما القياس، فلأن كون الشهر تسعة وعشرين يومًا ليس بنادر، ونقصان شهور السنة متساويًا أو متقاربًا لتمامها، فلم يكن إلزامه أحدهما أولى من الآخر، وقياسًا على قول مالك فيمن قال: لله عليَّ هدي، فإن الشاة تجزئه 434، والشاة أقل الهدايا، وللهدايا أعلى وأدنى، فأعلاها البدن، وأدناها الغنم، فإن لم يلزمه أعلى الهدايا لم يلزمه أتم الشهور.
وإن قال: لله عليَّ أن أصوم نصف شهر، فإن ابتدأ أول الهلال صام خمسة
الجزء: 2 - الصفحة: 806
عشر يومًا، وإن ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يومًا منه فكان ذلك الشهر تسعة وعشرين يومًا أكمل خمسة عشر يومًا.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتابه: من أصحابنا من رأى الأربعة عشر 435 التي صامها نصفًا تامًّا 436، مثل من حلف: لاكلمتك في شهر، من قبل أن يمضي النصف منه، فكلمه بعد العصر من خمسة عشر يومًا ثم نقص الشهر، فلا حنث عليه؛ لأن العمل في النصف الأول على خمسة عشر يومًا ليس على أربعة عشر ونصف، قال: والأول أحوط.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: حقيقة نصف الشهر إذا كان ناقصًا أربعة عشر يومًا وليلة إلى طلوع الشمس، فإن لم يكلمه 437 قبل طلوعها لم 438 يحنث، هذا مقتضى اللفظ إلا أن يكون للحالف قصد فيحمل عليه؛ لأن من غروب الشمس إلى طلوعها نصف، ومن طلوعها إلى غروبها نصف، فأما الصوم فالنصف فيه أربعة عشر ونصف نهار الآخر؛ لأن قصد الحالف صيام النهار دون الليل، ففارق الحالف على الكلام، فيصوم 439 خمسة عشر يومًا؛ لأنه ليس يقصد أن يصوم بعض يوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 807
باب فيمن قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان, ومن نذرصوم يوم فنسيه, أو نذر صوم الاثنين والخميس فنسي فصمام قبله أو بعده
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم فلان ليلًا، صام صبيحة تلك الليلة، وإن قدم نهارًا فلا شيء عليه 440. وقال أشهب في مدونته وابن الماجشون وأصبغ في كتاب محمد: إن عليه القضاء وإن قدم نهارًا 441 وإن أصبح ذلك اليوم صائمًا متطوعًا، أو ينوي قضاء صوم يوم من رمضان أو ظهار أجزأه عما صامه له، وعليه قضاء النذر.
واختلف إذا كان قدومه يوم الفطر أو النحر فقال أشهب في مدونته: لا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية 442، وعلى قول عبد الملك: يقضيه؛ لأنه لم يكن قصد نذرًا في معصية، وإنما وافق قدومه ذلك اليوم، وقد قال: إذا قدم.
والناذر مريض قضى ذلك اليوم واصلًا في أول صحته، قال: لأني لم أجده أراد بركة يوم بعينه، لا يوم جمعة ولا يوم خميس ولا اثنين، وإنما أراد شكر الله تعالى بصومه، ولزمه تعجيله لما ألزم نفسه من تعجيل صومه عند قدومه، فحمل النذر على أن المراد به تعجيل الصوم لا عين ذلك اليوم، قال: وإن بيَّته وهو يعلم أنه يدخل في أول نهاره لم يجزئه؛ لأنه صامه قبل
الجزء: 2 - الصفحة: 808
وجوبه، ويصوم غد ذلك اليوم 443.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس هذا الكلام بالبيّن، بل القصد عين ذلك اليوم، وعليه يحمل نذره, وكثيرا ما يجري مثل ذلك إذا فُرِّج عن الرجل كربة في يوم، أو أمر نزل به، أو نجاة من مرض، أن يتقرب إلى الله سبحانه بصوم ذلك اليوم الذي فُرِّج عنه فيه، ويلتزم صومه فيما بعد، وقد قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك 444 قالوا: هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى بن عمران - عليه السلام -، فنحن 445 نصومه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ؛ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ".
أخرجه البخاري ومسلم 446، وسئل عن صوم الاثنين فقال: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ" أو: "أُنْزِلَ عَلَيَّ" 447.
وإذا كان القصد بالنذر عين ذلك اليوم كان الصحيح أن لا قضاء عليه، وكذلك أرى إذا قدم ليلًا أن لا شيء عليه؛ لأن الوقت الذي قدم فيه لم يعلق به نذرًا، وإنما علّق النذر باليوم شكرًا لله سبحانه، والليل لا يصام بانفراده ولا ينعقد النذر إلا أن ينذر ذلك اليوم للأبد، فيصام بعد ذلك اليوم الذي قدم فيه، إن قدم نهارًا، وإن قدم ليلًا لم يصم صبيحته.
الجزء: 2 - الصفحة: 809
واختلف إذا نذر صوم يوم فنسيه، فقال ابن القاسم في العتبية: يصوم يوم الجمعة، قال: وهو آخر أيام (1) الجمعة وأولها يوم السبت (2)، ولسحنون في ذلك ثلاثة أقوال؛ فقال: يصوم يومًا من أيام الجمعة أيها شاء، وقال أيضًا: يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، فيكون في معنى القضاء، وقال: أيضًا يصوم الدهر (3)، وهو آخر قوله، وهذا أقيسها؛ لأنه شاك في كل يوم هل هو المنذور؟ وهل يجوز له فطره، أم لا؟ وإن نذره للأبد صام يومًا واحدًا، بخلاف الأول إذا نذر صوم يوم من جمعة واحدة، فلا يؤمر هذا بصيام جميع أيام الجمعة, فيكون قد ألزم صيام الدهر، وذلك حرج، وأي يوم صام أجزأه، ولا وجه للاختصاص بيوم الجمعة؛ لأنه في الأيام التي قبل شاكٌّ هل يجوز له الفطر، أم لا؟
فصل [في نذر صوم يوم بعينه]
ومن نذر 451 صوم يوم بعينه كالاثنين والخميس أو غير ذلك لزمه الوفاء به، وكره مالك هذا الذي يقول: لله عليَّ أن أصوم يوم كذا، يؤقته 452، ويستحب لمن أحب أن يتقرب إلى الله سبحانه بصيام أو صلاة أو غيرهما من الطاعات أن يفعل ذلك من غير نذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَنْذِرُوا..." الحديث 453، ولأن النذر448449450
الجزء: 2 - الصفحة: 810
يعقب ندمًا، والغالب في الناذر أنه يأتي 454 بما نذر متثاقلًا متباطئًا لأجل ما عقد،
فكان الإتيان بذلك بغير نذر نشيطًا راغبًا إذا حضرته نية أو عزم - أولى.
ومن نذر صوم يوم الخميس ثم صام قبله وهو يظن أنه الخميس لم يجزئه، وإن صام بعده أجزأه وكان قضاء.
واختلف إذا بيَّت 455 الفطر في يوم الخميس، ثم تبين له قبل أن يأكل، فقيل: يمسكه، ولا يجزئه، وقيل: يجزئه، وقد تقدم ذلك في ذكر النية للصوم 456.
الجزء: 2 - الصفحة: 811
باب في الأيام المنهي عن صيامها وما يرغب في صيامه, وهل يصام الدهر
والأيام المنهي عن صيامها ثمانية: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، ويوم الشك، ويوم الجمعة, ويوم السبت، أن يُفْرَد أحدُهما، أو يُخَصَّ بصيام، على اختلاف في بعض هذه الأيام، فأما يوم الفطر ويوم النحر فقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن صيامهما 457 458، وأجمع أهل العلم على تحريم صيامهما 459. واختلف في أيام منى على ثلاثة أقوال، فقيل: لا يصام منها شيء، وقيل: لا بأس بصومها، وقيل: يصام الرابع وحده، فذكر أشهب في مدونته أن يفطر جميعها وإن نذرها، وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا صامها المتظاهر رجوت أن تجزئه 460، وهو قول المخزومي في السليمانية، وفي الحاوي: إذا نذر اعتكافها أنه يوفي بنذره, فيصومها ويعتكفها 461. وقال محمد: روي عن مالك إذا صامها عن كفارة
الجزء: 2 - الصفحة: 812
يمين أنه وقف، وقال: لا أدري 462، وقال في المدونة: يجزئه الرابع 463. فاما المنع فللحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث كعب بن مالك، وأوس بن الحارث وهو بمنى فناديا 464: "... أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" أخرجه مسلم 465 وفي الموطأ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنى" 466. وأما جواز صومها فلتظاهر الأخبار 467 عن صيام يومين، فقال أبو هريرة 468 وأبو سعيد الخدري 469 وعائشة - رضي الله عنها - 470: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ يَوْميْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى"، وقال عمر - رضي الله عنه -: "إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ 471 نَهَى
الجزء: 2 - الصفحة: 813
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ"، وهذه أحاديث صحاح أخرجها البخاري ومسلم 472، فاجتمعت هذه الأحاديث على اختصاص النهي عن هذين اليومين، فلو كان جميع تلك الأيام محرمًا لم يكن لاختصاص اليومين وجه، ولإجماع المذهب على جواز صومها للمتمتع، ولو كانت محرمة العين لم يجز صومها 473 للمتمتع كما لم يجز له أن يصوم يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب لمن كان بمنى خاصة لما كانوا عليه من المنع من النساء، وقد تقدم الحديث أن النداء بالنهي كان للناس بمنى، ولأن من صام امتنع من النساء، فندبهم أن لا يتكلفوا من ذلك فوق ما يقدم حتى تنقضي أيام الحج.
وأما التفرقة بين الرابع وغيره فلأنه أضعف رتبة؛ لأن المتعجل يسقطه، وقد تقدم ذكر يوم الشك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" 474، وقال: "لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلاَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ" 475، ودخل على جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - يوم جمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ فَقَالَتْ: لاَ.
قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا.
قَالَتْ: لاَ.
قَالَ: فَأَفْطِرِي" 476 انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله: "لاَ
الجزء: 2 - الصفحة: 814
تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ..." (1) واجتمعا على ما سوى ذلك.
وقال الداودي، في قول مالك في الموطأ (2): لم يبلغ مالكًا الحديث، ولو بلغه لم يحالفه، يريد.
لم يبلغه الحديثُ بالمنع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لاَ تَصُومُواُ يوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيمَا افْتُرضَ عَلَيْكُمْ..." (3) ذكره الترمذي، وهو حديث حسن السند، وقد ذُكرت هذه الأحاديث في هذه الأيام وفيما بعدها؛ لأن المنع والترغيب وتعلُّق الفضل ببعضها دون بعض موضع توقيف، ليس يؤخذ بقياس.
فصل الأشهر المرغب في صيامها
الأشهر المرغب في صيامها ثلاثة: المحرم، ورجب، وشعبان، ومن أيام السنة ستة من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، ومن أيام الجمعة الاثنين والخميس.
والأصل في هذه الجملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ" أخرجه مسلم 480،477478479
الجزء: 2 - الصفحة: 815
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" 481 اجتمع عليه الصحيحان.
وقال أبو أيوب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" 482 أخرجه مسلم، وقال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يُعْبَدَ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا صِيَام سَنهٍ، وَقِيَام كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" 483، وقال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَهَ الماضِيَةَ وَالثَّانِيَةَ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضِيَةَ" 484 أخرجه مسلم يريد: في يوم عرفة ما لم يكن في حج، فإن فطره حينئذٍ أفضل للتقوِّي على الدعاء 485، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "أَوْصَانِي خَلِيلي بِثَلاَثٍ؛ بِصِيَامِ ثَلًاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وألا أَنَامَ قَبْلَ أَنْ أُوتَرَ" 486، أخرجه البخاري ومسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 816
واختلف متى تصام الثلاثة من الشهر فقالت عائشة - رضي الله عنها - في كتاب مسلم: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
وَلا يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ" 487، وقال أبو ذر - رضي الله عنه - في الترمذي: قال لي رسول - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ: ثَلاَثَة عَشرَ وَأَرْبَعَة عَشرَ وَخَمْسَةَ عَشْرَ" 488، وقيل: يصوم من أوله؛ لأن تعجيل كل خيرٍ خيرٌ من تأخيره, وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن، قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولأنه لا يدري ما يقطعه عن ذلك من موت أو 489 مرض أو سفر أو عدم نشاط، وقيل: يبتدئ كل عشر 490 بصوم يوم، يصوم أول يوم، وأحد عشر، وأحد وعشرين، ليكون قد استفتح كل عشر بالطاعة، وفي مسلم قال أبو قتادة - رضي الله عنه -: "سُئِلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيّ فِيهِ 491، وَفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثْنَيْنَ وَالخَمِيسِ" 492، ومنه: قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: تُعْرَضُ الأَعمالُ يَوْمَ الِاثْنينِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ = استحباب صلاة الضحى، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (721).
الجزء: 2 - الصفحة: 817
أَنْ يُعْرَضَ عَمِلي وَأَنَا صَائِمٌ" (1).
فصل في الخلاف في صيام الدهر
اختلف الناس في صيام الدهر، فقال مالك وابن القاسم في المجموعة: لا بأس به.
وقال ابن حبيب: إنما النهي إذا صام فيه ما نهي عنه 494، وذهب غير واحد إلى المنع؛ لحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: "بَلَغَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فقال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لجِسْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنَيِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزوَّارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا.
قُلْتُ: إِنِّي لأقوى عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّيَامِ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، [لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" 495.
وقال أيضًا فيمن صام الأبد]: "... مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ..." 496 أخرجه البخاري ومسلم.493
الجزء: 2 - الصفحة: 818
فكان في هذا أربعة أدلة:
أحدها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالفطر، ولم يكن يأمر بالأدنى عن الأفضل.
والثاني: قوله: "... لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، فأخبر أن الفطر في ذلك أفضل من الصوم.
والثالث: دعاؤه على من صام الأبد، بقوله: "لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ...".
والرابع: أنه إذا صام في معنى من لم يكتب له أجر؛ لقوله: "مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ"، يريد: أنه ما أفطر؛ لأنه كان ممسكًا، ولا صام؛ لأنه لا يكتب له فيه أجر الصائم.
الجزء: 2 - الصفحة: 819
باب في قيام رمضان، والقنوت فيه
قيام رمضان مندوب إليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" 497، وهو في العشر الأواخر آكد؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَانَ العَشْرُ الأوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ" 498، ولأن ليلة القدر فيه، فيجتهد في العمل فيه رجاء موافقتها.
والجمع في قيام رمضان وإظهاره في المساجد حسن؛ لأن كثيرًا من الناس لا يستظهر القرآن، وقد جمع الناسَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - على ذلك في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - 499 ليدرك قيامه من كان لا يقرأ القرآن، أو كان يقرأه ويعجز عن القيام به إذا كان وحده، وإن كان ممن يقوم بذلك وهو في بيته، كان قيامه في بيته أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاَتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوَبَةَ" 500 أخرجه البخاري ومسلم.
فأجاز التنفل في المساجد، وفرق بينهما
الجزء: 2 - الصفحة: 820
في الفضل.
وكذلك القرب المتطوع بها إخفاؤها أفضل، ولا حرج في إعلانها، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]، فالإخفاء خير لما يخشى أن يدخل في ذلك من الرياء والسمعة، ولا يُعتَرَض هذا بقيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن لا يجوز ذلك عليه.
واختلف في العدد الذي يقوم به الإمام، وفي القدر الذي يقرأ به في كل ركعة، فقال مالك في المدونة: يقوم بتسع وثلاثين ركعة، يوتر منها بثلاث 501، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: الذي يأخذ بنفسي في ذلك الذي جمع عليه عمر - رضي الله عنه - الناس إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإحدى عشرة ركعة من ثلاث عشرة ركعة قريب.
وذكر مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر أبي بن كعب، وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال: "وَكَانَ القَارِئُ يَقْرَأُ بِالمِئِينَ"، وفي رواية أخرى: "بالمائتين 502 حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى العِصِيِّ مِنْ طُولِ القِيَامِ" 503، وذكر عن يزيد بن رومان أنه قال: "كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي = يعنيه, من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في صحيحه، برقم (6860)، ومسلم: 1/ 539، في باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (781).
الجزء: 2 - الصفحة: 821
رَمَضَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً" 504. وقال ابن حبيب: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر الناس أن يقوموا بإحدى عشرة ركعة، ثم رجع إلى ثلاث وعشرين 505.
وأما القدر الذي يقرأ به في كل ركعة فقيل: بالمائتين، وقيل: بالعشرين والثلاثين آية، وقيل: بالعشر آيات.
وتقدم حديث السائب أنه كان يقوم بالمائتين، وينصرف في بزوغ الفجر، وذكر مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أنه قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ فَنَسْتَعْجِلُ الخَادِمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الفَجْرِ" 506، فكان الأمر من طول القيام في زمن الصحابة على ذلك، ثم صار الأمر في زمن التابعين على دون ذلك، فذكر مالك عن ابن هرمز أنه قال: "كَانَ القَارِئُ يَقُومُ بِسُورَةِ البَقَرَةِ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ" 507، ثم صار الأمر في التخفيف إلى دون ذلك، فذكر ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القرَّاء أن يقوموا في كل ركعة بعشر آيات.
508
الجزء: 2 - الصفحة: 822
فصل [ولا باس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف عند عدم من يستظهر القراءة]
ولا بأس أن يقوم الإمام بالناس في المصحف 509 عند عدم من يستظهر القرآن، أو عند وجوده إذا كان الذي يستظهره لا تُرضى حاله، أو يكون الرجل الصالح، أو من يرجى التبرك بإمامته.
وليس لمن قام في غير المصحف إذا وقف عليه شيء أن ينظره حينئذٍ في المصحف؛ لأن في ذلك شغلًا في تصفح الورق، ويلتمس ذلك، فيكون قطعًا لما دخل فيه، وليس كذلك من استفتح في المصحف؛ لأنه متمادٍ في القراءة لا يعطل ما هو فيه 510 لغيره.
وإمامة من استكمل القرآن أحسن؛ ليتذكر المأمومون جميع ما تضمنه القرآن من القصص، والمواعظ، والفرائض، والوعد، والوعيد، ولا يؤم من لا يستكمله إلا لعدم غيره، أو لعذر، وإذا أمَّ جماعة في مسجد قرأ الثاني من حيث انتهى الأول، والثالث من حيث انتهى الثاني.
واختلف في إمامة الصبي في ذلك، ولا بأس بإمامة العبد، وأجاز مالك في العتبية للعبد أن يؤم النساء 511، ولم يرَ ذلك داخلًا في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 512؛ لأنهن جماعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 823
واختلف في صلاة الأمير مأمومًا، فأجازه مالك 513، وكرهه ربيعة، وقال: لا يصنع 514 ذلك، وليصل في بيته إلا أن يأتيه فيقوم بالناس 515 والقول الأول أحسن؛ لأن تقدمته من حقوقه، ليس حقًا لله تعالى، فإذا أسقط حقه في ذلك جاز، وقد أتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلي بالناس، فأراد أبو بكر - رضي الله عنه - أن يتأخر، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ..." 516 الحديث، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون مأمومًا، وأتى وعبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس، فصلى خلفه مأمومًا" 517 وهذا في ولاة العدل، وأما ولاة الجور فلا حق لهم في التقدمة، إلا من باب القهر.
ومن أتى المسجد ولم يصلِّ العشاء والإمام في القيام، جاز له أن يصلي فرضه ناحية ثم يدخل مع الإمام، وهو في ذلك بخلاف من أتى والإمام في الفرض.
وقال مالك فيمن دخل في الركعة الثانية من الركعتين الأوليين في القيام 518 فصلاها معه ثم سلم الإمام فلا يسلم، وليقم لقضاء الركعة التي = حاجة وكان له عذر هل يؤذن له، من كتاب الجهاد والسير في صحيحه، برقم (2844)، ومسلم: 2/ 978، في باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره, من كتاب الحج، برقم (1341).
الجزء: 2 - الصفحة: 824
بقيت، فإن قاموا معه لشفع ثانٍ (1) فليتوخَّ أن يكون قيامه معهم وركوعه، وسجوده موافقًا لسجودهم، ثم يجلس ويقومون ويتشهد ويسلم، فإن شاء قام وإن شاء قعد حتى يتموا شفعهم، وقال ابن القاسم: يدخل مع الإمام في التي هي له ثانية وهي لهم ثالثة فيتبعهم فيها (2)، وقال مالك في المبسوط فيمن قام بين الأشفاع يركع (3): إن لحقوه (4) قبل أن يركع رأيت أن يدخل معهم إن كان لا يستطيع أن يصلي ما دخل فيه ثم يلحقهم، وإن كان قد صلى ركعة شفع إليها أخرى ثم لحقهم (5).
فصل [اختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان]
واختلف في القنوت في النصف الآخر من رمضان، فقال مالك في المدونة: ليس على ذلك العمل، فلا يقنت في أوله ولا في آخره ولا في الوتر 524، وقال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر 525 وبعده في الزمن الأول، في النصف الأخير من رمضان يجهر 526 الإمام بكلامه ودعائه في القنوت،519520521522523
الجزء: 2 - الصفحة: 825
وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف 527، روى ذلك مالك بن أنس عن عمر بن الخطاب.
وأخبرني مطرف عن مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج يقول: "مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ" 528، وقال عبد الملك: فمن أخذ بهذا اليوم في النصف الآخر وفعله على سنته فحسن، ورواه ابن وهب عن مالك.
وقال مالك في المدونة في الإمام يوتر ولا يسلم من الشفع: لا تخالفه؛ إن سلم فسلم وإلا فلا تسلم 529. وذكر محمد بن عبد الحكم عن أشهب أنه قال: يسلم من خلفه من اثنتين ثم يقوم إلى الثالثة، وقال مالك: من أدرك ركعة من الوتر مع الإمام فأضاف إليها أخرى فصل إن كان إمامُهُ فَصَلَ، وإلا وصل كما وصل.
تم كتاب الصيام من التبصرة بحمد الله وحسن عونه وصدى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه 530
الجزء: 2 - الصفحة: 826