التبصرة للخميكتاب الأقضية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

الجزء: 11 - الصفحة: 5317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

كتاب الأقضية

باب في القضاء ومنزلة من يعدل، وما يجوز من القضاء ويخشى من عاقبته؟ وهل يجب أن يقام للناس قاض؟ ومن يولى القضاء ومن (1) يمنعه؟

الأصل في القضاء قول الله -عز وجلّ-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26]، وفي شرعنا قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]، وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، وأعظم الله تعالى قدر من قام فيه بالحق وبشر به وأدنى منزلته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله يوم القيامة عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" أخرجه مسلم 2. وقال: "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ1

الجزء: 11 - الصفحة: 5319

ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ.
. ." 3 فبدأ به وحض على القيام فيه بالحق، النبيين والمؤمنين فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]، وفي شرعنا ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. وإن كانوا معصومين 4 من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: 58]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150]. وعظم أمر القضاء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ وَلِيَ لقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" 5، وهذا تنبيه منه على 6 جسيم ما يدخل 7 فيه؛ لأن الغالب عدم السلامة، وإنه بلية إلا من عصم الله.
وقال - عليه السلام -: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ" 8. وقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ".
أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 9.

الجزء: 11 - الصفحة: 5320

ولا يولى القضاء من علم منه الرغبة فيه، والحرص عليه؛ لأنه غير مؤيد ولا مُعان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّا لاَ نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ (1). يريد أنه لم يجعل الله عز وجل له (2) أن يوليه من حرص عليه.
وقال لعبد الرحمن بن سمرة: "لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا".
أخرجهما الصحيحان (3). وقال: "مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلكًا يُسَدِّدُهُ".
ذكره الترمذي (4).

فصل [في وجوب القضاء وصفة القاضي]

إقامة الحكم للناس واجب؛ لأنه من مصالح الناس، وفيه رفع التهارج وردّ المظالم، ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلى من كان واليًا على بلد أن ينظر في أحكامهم 14 إن كان 15 لذلك أهلا، فإن لم يفعل أو لم يجد إلى ذلك سبيلا 16، أو لم يكن أهلا له، كان عليه أن يقيم للناس من ينظر في10111213

الجزء: 11 - الصفحة: 5321

ذلك، فإن لم يكن في الموضع والٍ، كان ذلك إلى ذوي الرأي والثقة، فمن 17 اجتمع رأيهم عليه أنه يصلح لذلك أقاموه، والقضاء من فروض الكفاية، إذا كان بذلك البلد عدد يصلحون لذلك 18، فإن ولي أحدهم 19 سقط عن الباقين، وإن لم يكن من يصلح لذلك إلا واحد تعين عليه، وأجبر على الدخول فيه.
ويولى القضاء من اجتمع فيه الدين والعلم، بما يحتاج إليه في 20 ذلك من الكتاب والسنة والفروع، قوي البدن 21 قوي الدين 22 مطلعا على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مطالعة من معه من أهل العلم، ورعا نزها عن ما في أيدي الناس، مستخفا بالأئمة غير هيوب، ذاغنى وأناة حليما على 23 الخصم، فإن نقص عن 24 شيء من ذلك كان وصمًا فيه.
قال مالك -في كتاب ابن حبيب-: ولا أرى خصال القضاء 25 تجتمع اليوم في واحد، فإن اجتمع منها خصلتان ولي: العلم والورع، قال ابن حبيب: فإن لم يكن، فالعقل والورع، فإنه بالعقل يسأل وبالورع يعف 26، قال سحنون: فإن كان فقيرا أغني 27.

الجزء: 11 - الصفحة: 5322

قال الشيخ: ولا يولى غير عدل؛ لأن من لا تجوز شهادته لا يجوز قضاؤه.
قال أصبغ -في كتاب ابن حبيب، في رجلين أحدهما عدل لا علم عنده، والآخر 28 عالم ليس مثل الآخر 29 في العدالة-: فليولًّ العالم إذا كان لا بأس بحاله، وإن كان غير مرضي ولي العدل وأمر أن يجتهد ويستشير 30. يريد أنه يستشير أهل العلم 31 وإن كان عدلا.

الجزء: 11 - الصفحة: 5323

باب في منزل القاضي من المصر والموضع الذي يجلس فيه للقضاء، وهل يختص بوقت أو يجالسه (1) أهل العلم وذوو العدل

33 قال ابن شعبان: من العدل أن يكون منزل القاضي متوسط المصر 34، ويستحب أن يستقبل القبلة وهذا في المصر الكبير؛ لأنه إذا كان في طرف المصر أضر بالناس، لتجشم الترداد إليه، وإن كان صغيرًا فذلك أخف.
واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم 35. وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا، إما عند موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاء 36. قال مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق، ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض والضعيف، وهو 37 أقرب إلى التواضع إلى الله سبحانه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو 38 جائز 39. وقال أشهب: لا32

الجزء: 11 - الصفحة: 5324

بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب (1). قال الشيخ: قوله أنه يقضي في الرحاب خارجًا عن (2) المسجد أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ" (3). ولا يعترض هذا باللعان؛ لأنها أيمان، ويراد بها الترهيب؛ ليرتجع المبطل عن الباطل.

فصل [في تعيين وقت للقضاء يَعْلَمَة أهل الخصومات]

ويلتزم 43 وقتًا من النهار يجلس فيه للناس 44، ليَعْلَمَهُ أهل الخصومات فيأتون حينئذ؛ لأنه إذا كان مختلفًا تارة أوله وتارة وسطه وتارة آخره- أضر بالناس في تعطيل ما يحتاجون إليه من معايشهم 45. ولا يجلس إليهم 46 في الخصومة بين العشاءين ولا بالأسحار 47، إلا في مثل ما يخاف 48 فواته ودخول المضرة إن أخر لوقت الخصومات، أو يمين404142

الجزء: 11 - الصفحة: 5325

يخاف حنث صاحبها، ولا يجلس للقضاء في أيام الأعياد.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا قبل ذلك مثل يوم التروية ويوم عرفة يريد: وإن لم يكونوا في حج- ولا يوم خروج الحاج بمصر لكثرة من يشتغل يومئذ (1) بمن يسافر، وكذلك إذا كان الطين (2) والوحل (3). وكل هذا ما لم تكن ضرورة بمن ينزل به الأمر، فإن على القاضي أن يبعث وراء الخصم، وينظر في المسألة (4).

فصل [شروط الجلوس للقضاء وما يتحلى القاضي من الآداب]

ولا يجلس القاضي 53 للقضاء 54 وهو على صفة يخاف ألا يأتي بالقضية على وجهها، وكذلك إذا حدث بعد أخذه في القضاء مثل ذلك، فإنه يقوم ويدع القضاء 55، وذلك كالغضب والضجر والهم والجوع والعطش والحقن، وإن أخذ 56 من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، والأصل في هذه الجملة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" أخرجه البخاري 57.49505152

الجزء: 11 - الصفحة: 5326

واختلف إذا دخله ضجر، فقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا ملَّ، يروِّح قلبه، ثم يعود إلى الحكم 58. وقال ابن حبيب: يقوم 59. والأول أحسن، وهو أخف من 60 قيامه وصرف الناس.
ولا يحكم متكئًا؛ لأن فيه استخفافًا بالحاضرين، وللعلم حرمة.
ولا بأس أن يحكم وهو ماش، في مسألة نص أو ما خف من مسائل الاجتهاد، ولا يجوز له ذلك فيما غمض وكان يحتاج إلى روية 61. واختلف في جلوس أهل العلم معه، فقال محمد بن المواز: لا أحب له أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم معه 62 ومشاورتهم، وهو قول أشهب قال: 63 وكان عثمان - رضي الله عنه - إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
ومنع ذلك مطرف وابن الماجشون، قالا: ولكن إذا ارتفع عن مجلس القضاء شاور 64. قال الشيخ -رحمه الله-: ذلك على قدر حالة القاضي، فإن كان لا يدركه انحصار لحضورهم كان حضورهم أحسن، ولا يزيده ذلك إلا خيرًا وبصيرة، = من كتاب الأحكام، برقم (6739)، ومسلم: 3/ 1342، في باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، من كتاب الأقضية، برقم (1717).

الجزء: 11 - الصفحة: 5327

وإن كان يدركه انحصار 65 لذلك لم يحضرهم، إلا أن يكون القاضي مقلدًا فلا يسعه القضاء إلا بحضورهم.
قال محمد: ولا يدع مشاورة أهل الفقه عندما يتوجه الحكم، ولا يجلس للقضاء إلا بمحضر عدول، ليحفظوا إقرار الخصوم، خوف رجوع بعضهم عما يقر به 66. وإن كان ممن يقضي بعلمه، فإن أخذه بما لا خلف فيه أحسن.
ويقدم 67 الخصوم 68 الأول فالأول، إلا أن يكون مثل المسافر أو ما يخشى فواته، وإن تعذر معرفة الأول- كتب أسماءهم في بطائق وخلطت، فمن خرج سهمه بدئ به، وذلك كالقرعة بينهم 69. ويفرد النساء عن الرجال بالخصومة إذا كانت الخصومة بينهن، ويجعل لهن وقتًا لا يخالطهن فيه الرجال 70. وإن اختلفت خصوماتهن، فكان بعضها بينهن وبعضها مع الرجال- جحل الخصومات ثلاث مراتب: للرجال فيما بينهم وقت، ولمن كانت خصومتهم مع النساء وقت 71، وللنساء فيما بينهن وقت.
وإن تعذر ذلك عليه أو عجز عنه 72، عزل النساء وأبعد مجلسهن عن الرجال 73، وتمنع المرأة ذات

الجزء: 11 - الصفحة: 5328

الجمال أو المنطق 74 الرخيم أن تباشر الخصومة، وكره مالك الخصومة 75 لذوي الهيئات من الرجال.
وإذا جلس الخصمان سوى بينهما في المجلس والنظر والكلام، ولا يقرب أحدهما إليه، ولا يقبل عليه دون خصمه؛ لأن ذلك يوهن الآخر ويوقع الظنة 76. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يسوي بينهما 77 وإن كان أحدهما ذميًا.
78 وقيل: لا يسوي بينهما لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُسَاوُوهُمْ فِي المَجْلِسِ" 79. وأرى أن يجلسا جميعًا بين يديه مجلس الحكومة، ويتقدمه المسلم بالشيء اليسير.
ومن المجموعة: وإذا جلس الخصمان بين يدي الحاكم فلا بأس أن يقول لهما مالكما، أو ما خصومتكما، أو يتركهما حتى يبتدئانه، فإذا تكلم المدعي أسكت 80 المدعى عليه، واستمع من 81 المدعي، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر، ولا يفرد أحدهما بالسؤال، فيقول: مالك؟ أو تكلم، إلا أن يكون علم 82 أنه المدعي، ولا بأس إذا لم يعلم أن يقول 83: أيكما المدعي؟ فإن قال

الجزء: 11 - الصفحة: 5329

أحدهما: أنا، وسكت الآخر ولم ينكر، فلا بأس أن يسأله، وأحب إلي 84 ألا يسأله حتى يقر له الآخر بدعواه، وإن قال أحدهما: هذا المدعي، فلا بأس أن يسأله، فإن قال له: تكلم، فقال له 85: لست بمدعٍ 86، فأقام على ذلك كل واحد منهما 87، يقول لصاحبه 88: هذا المدعي.
فللقاضي أن يقيمهما عنه حتى يأتي أحدهما 89 إلى الخصومة 90. قال الشيخ: فإن اختلفا فقال كل واحد منهما 91 أنا الطالب، وقال: إنما أحدث الآخر الدعوى عندما طلبته، فإن علم أن أحدهما أشخص 92 الآخر، وأنه كان يطالبه بدأ به وإلا صرفهما، فإن أبى 93 أحدهما إلا 94 الخصومة بدأ به، وإن بقي كل واحد منهما متعلقا بالآخر أقرع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما طلب على الآخر، وتشاحا فيمن يبتدأ به 95 أقرع بينهما.
وقيل: الحاكم بالخيار.
واستحب محمد بن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما 96.

الجزء: 11 - الصفحة: 5330

واختلف إذا ادعى أحدهما على الآخر دعوى، فلم يقر المدعى عليه 97 ولم ينكر، فقال محمد 98: قال مالك -فيمن كانت بيده دار ادعى رجل أنها لأبيه أو لجده، فسئل من هي بيده فلم يقر ولم ينكر-: أنه يجبر على أن يقر أو ينكر، قال محمد: فإن لم يرجع فيقر أو ينكر حكمت عليه للمدعي بلا يمين 99. وقال أصبغ -في كتاب ابن حبيب-: أن القاضي يقول له: إما أن تخاصم وإما أحلفت 100 هذا المدعي وحكمت له عليك، إن كانت الدعوى يستحق بها مع نكول المطلوب عن اليمين، إذا أثبت لطخا لأن نكوله عن الكلام نكول عن اليمين وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعاهم بها ولا يسجنه 101 حتى يتكلم 102. قال الشيخ: المدعي بالخيار بين ثلاث، بين أن يأخذ ذلك بغير يمين، على أنه متى عاد الدعى عليه إلى الإنكار والخصومة، كان ذلك له، وبين أن يحلفه الآن ويحكم له به ملكا، بعد أن يعلم المدعى عليه، أنه إن لم يقر أو ينكر حكم عليه، كما يحكم على الناكل، ولا ينقض له الحكم بعد ذلك إن أتى بحجة، ولكن إن أتى ببينة لم يكن علم بها، كما لا ينقض حكم 103 من خاصم 104 بالاحتجاج وينقض بالبينات، وإن أحب سجن له حتى يقر أو ينكر؛ لأنه

الجزء: 11 - الصفحة: 5331

يقول: هو يعلم أن حقي حق، وقد يقر إذا سجن فلا أحلف (1). وهذا كما قالوا في الشفيع يكتمه المشتري الثمن، فقد اختلف فيه هل يسجن له الآن حتى يقر أو ينكر؟ (2) أو يقال له خذ الآن (3) ولا وزن عليك حتى يثبت الثمن؟ وهذا إذا كانت الدعوى في معين، دار أو عبد.
وإن كانت في شيء (4) في الذمة فأقام لطخا، فكذلك وإن لم يقم لطخا لم تسمع دعواه، وإن ادعت الزوجة الطلاق فلم يقر الزوج ولم ينكر، سجن حتى يقر أو ينكر، ويحال بينه وبينها، وتطلق عليه إذا طال الأمر لحقها في الوطء، وإن ادعت عليه النكاح سجن حتى يقر أو ينكر، ولو ادعى هو (5) عليها نكاحا فلم تقر ولم تنكر، حيل بينها وبين الأزواج حتى تقر أو تنكر، وكذلك السيد (6) يدعي عليه عبده (7) العتق فإنه يسجن حتى يقر أو ينكر.

فصل [التنازع في الدعوى وحال القاضي مع الخصمين]

وإذا أنكر المدعى عليه ثم تنازعا الكلام، فكان من لفظ أحدهما ما تتعلق به منفعة للآخر وأغفل منفعته فيه، فإن على القاضي أن يبين ذلك ويقول للآخر: يلزمك 112 على قوله كذا وكذا، ولا يقول لمن له فيه منفعة قل له كذا105106107108109110111

الجزء: 11 - الصفحة: 5332

وكذا؛ لأن تقويل أحد الخصمين يوهن الآخر، وليس كقوله قد قلت كذا فيلزمك عليه كذا، ولا حجة لك في قولك كذا لوجه كذا وكذا.
وقال أشهب: للقاضي أن يشد على عضد أحدهما، إذا رأى منه ضعفا عن صاحبه وخوفا منه، ليسقط له أمله في الإنصاف ورجاؤه في العدل، ويلقنه حجة عمي عنها، وإنما يمنع تلقين أحدهما الفجور 113. وإذا تقررت الدعاوى وتوجه الحكم ولم يبق للآخر حجة أنفده 114، وإن قال بقيت في حجة لم يعجل بالقضاء، قال محمد: فإن كان في طريق اللدد 115 ضرب له أجلا ليس بالبعيد ثم يحكم عليه، وقال -فيمن قامت عليه بينة في دار في يديه 116، فسئل عن حجته فذكر حجة قوية-: فإنه يضرب له أجل، الشهران والثلاثة، ومن حق الطالب إذا توجه له الحق، أن يكتب له قضيته بما ثبت له، ويذكر الوجه الذي كان عنه 117 الثبت، من بينات أو نكول أو يمين، أو سقوط بينات إن جرحت 118؛ لأنه يخشى أن يقوم عليه بعد ذلك 119 بها 120. واختلف في المدعى عليه إذا لم يثبت عليه بتلك الدعوى شيء، هل يكتب له بذلك حكم؟ فقال عبد الملك -فيمن ادعى دارا أو عبدا، وأقام

الجزء: 11 - الصفحة: 5333

بينة وعجز عن تزكيتها، فقال المطلوب للإمام 121: احكم لي بعجزه عن ذلك، لئلا يقوم عليَّ بهم 122 ثانية-: قال: ليس ذلك على القاضي 123، وقال مطرف: على القاضي أن يكتب له ويشهد له 124 بذلك، ليكون براءة من تردد الخصوم في ذلك 125. واختلف أيضا إذا أتى بعد ذلك بمن يزكيها، أو أتى بشاهدين عدلين يشهدان في ذلك 126 الحق، فأصل مالك وابن القاسم أنه يقبل.
وقال مطرف: لا يقبل إلا في ثلاث، العتق والطلاق والنسب 127. يريد لأن هذه الأشياء يتعلق بها حق لغير من انحصر عنها، فالطلاق والعتق يتعلق بهما حق لله -سبحانه-، وفي العتق حق لولاة 128 المعتق ولولاء المعتق، وكذلك النسب يتعلق به حق لمن يلحق 129 نسبه منهم أو قطع، فلم يكن عجز 130 هذا يقطع 131 حق هؤلاء، فمتى وجد أحد منهم 132 حقًّا 133 جاز القيام به لكل أحد.

الجزء: 11 - الصفحة: 5334

باب هل يوقف القاضي الحكم فيما أشكل الأمر فيه، أو يدعو إلى الصلح؟ وفي الحكم بين الأقارب

ويبتدئ القاضي في النازلة بما ورد فيها، من نص القرآن أو السنة أو الإجماع 134، فإن لم يجد 135 اجتهد رأيه على ما يرى أنه أصل لتلك النازلة، من القرآن أو السنة أو الإجماع، فإنه لم يتبين له 136 ذلك وأشكل عليه الحكم، وقف ولم يحكم بإسقاط ولا وجوب، وحسن أن يدعوهما إلى الصلح.
قال سحنون -في كتاب ابنه إذا كانت شبهة وأشكل الأمر-: فلا بأس أن يأمرهما بالصلح 137. وقال مالك -في كتاب محمد في بعض المسائل-: لو اصطلحا.
واختلف إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد؟ وأشكل عليه الحكم في نازلة، هل يقلد غيره ممن هو من أهل الاجتهاد؟ وأن يقلده أحسن؛ لأنه يصير فيها كالعامي 138 المقلد 139، بعد أن يسأل الآخر عن الأدلة التي تبين له بها ذلك القول، فإن أشكل عنده الأمر بعد ذلك جاز له أن يقلده، وإن تبين له أن 140 ذلك لا يوجب ترجيحا لم يقلده، والإشكال يتصور من ثلاثة أوجه:

الجزء: 11 - الصفحة: 5335

أحدها: ألا يعلم لتلك النازلة أصلا في كتاب ولا سنة ولا غير ذلك.
والثاني: أن يشك هل هي من أصل كذا أم لا؟ والثالث: أن يجد لها أصلين ولا يترجح أحدهما.
ويختلف في هذا القسم هل يكون حكمه حكم 141 الوقف أو يكون بالخيار فيحكم بأيهما شاء 142، قياسا على الحديثين يتعارضان ويعدم التواريخ 143؟ فقيل: الحكم الوقف.
وقيل: المفتي بالخيار يفتي 144 بأيهما شاء، وقيل: غير ذلك، والوقف في جميع ذلك أحسن، ولا يدعو إلى الصلح إن تبين الحق لأحدهما، إلا أن يرى لذلك وجها، وأنه متى ما 145 أوقع الحكم، تفاقم ما بين المتنازعين، وعظم الأمر وخشيت الفتنة، ويندب أهل الفضل والصلاح إلى ترك الخصومات.
وتخاصم إلى سحنون رجلان من أصحابه صالحان فأقامهما، وقال: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني على أمركما 146. وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "رُدُّوا الحُكْمَ بينَ ذَوِي الأرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ القَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ" 147. وهذا بين الأقارب حسن وإن تبين الحق لأحدهما أو لهما.

الجزء: 11 - الصفحة: 5336

باب في الخصمين يحكمان رجلا، أو يحكم أحدهما الآخر (1)، وفي تحكيم المرأة والعبد والمسخوط والصبي والنصراني

وقال مالك -في رجلين حكما رجلًا-: حكمه ماض، وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يقول جورا بينا.
وقال سحنون: يمضيه القاضي إذا وافق الحق عنده، وإن كان مما اختلف فيه الفقهاء، وليس من رأي القاضي لم يعرض له، إلا أن يكون خطأ بينا فيرده 149. قال الشيخ: إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكم عدلا من أهل الاجتهاد، أو عاميا واسترشد العلماء فإن حكم ولم يسترشد لم يجز ورد، وإن وافق قول قائل؛ لأن ذلك التحكيم تخاطر 150 منهما وغرر، ولا فرق بين التخاطر في البيع والحكم، بل هو في الحكم أشد؛ لأن التخاطر في البيع قد يكون في بعض صفاته، والبيع 151 ثابت للمشتري على كل حال، والتخاطر في الحكم في جميع الحق يثبته أو يسقطه، وإذا كان المحكم من أهل الاجتهاد ومالكيا، ولم يخرج باجتهاده عن مذهب مالك لزمه حكمه، وإن خرج عن ذلك لم يلزم إذا كان الخصمان مالكيين؛ لأنهما لم يحكماه على أن يخرج عن قول مالك وأصحابه، وكذلك إذا كانا شافعيين أو حنفيين، وحكماه على مثل ذلك، لم يلزم إن حكم بغير ذلك.148

الجزء: 11 - الصفحة: 5337

فصل [فيما يصح فيه التحكيم]

والتحكيم يصح في الأموال وما في معناها، قال سحنون: ولا ينبغي التحكيم في لعان ولا في إقامة حد، وإنما ذلك لقضاة الأمصار العظام 152. وقال أصبغ -في كتابه-: ولا يحكم في قصاص ولا قذف ولا طلاق، ولا عتاق ولا نسب ولا ولاء؛ لأن هذه الأشياء إلى الإمام، ولو مكن من نفسه فقال اضربني حدك، أو خذ 153 قوَدك لم يصلح إلا بالإمام وكذلك النفس، وأما الجراح فلا بأس أن يستقيد منه 154، إذا أقاد الآخر من نفسه وكان بائنا 155 عن السلطان، قال: فإن حكماه فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه بحكم، فإنه ينفذ له 156 حكمه، ويأخذ له السلطان بقوله، أو يقيم حدا وينهاه عن العودة لمثل هذا، فإن أقام ذلك بنفسه، فقتل أو اقتص أو ضرب الحدود، ثم رفع إلى السلطان أو 157 الحاكم، أمضى ما كان صوابا، وكان المحدود بالقذف محدودا والتلاعن ماضيا 158. قال الشيخ: منع التحكيم في هذه الأشياء ابتداءً أحسن 159 لأن منها ما

الجزء: 11 - الصفحة: 5338

يتعلق فيه 160 حق لغير الخصمين 161 إما حق لله عز وجل وهو الطلاق والعتق، أو 162 لآدمي وهو الولد، إذا كان التلاعن بنفي الحمل، والولاء والنسب لأن فيه حقا لمن يأتي بعد، فإن حكما في طلاق أو عتق، منع من الحكم لإمكان أن يحكم ببقاء الزوجية أو العبدية، ولو رفع ذلك إلى من أقيم للناس فرأى الطلاق والعتق، ورفع يد الزوج والسيد لأنه 163 حق من حقوق الله -تعالى-، ولا يجوز رضى الزوجة بالبقاء معه ولا 164 العبد بالرق، أو يكون 165 الأمر من 166 عند الأول الفراق والعتق، والأمر من 167 عند الآخر البقاء، فلا يجوز إباحة الزوجة لغير ذلك الزوج، ولا يجري 168 العبد على أحكام الحرية من الموارثة والشهادات، وذلك حق لله -تعالى-، وإن شركه حق لآدمي، وكذلك اللعان لنفي الحمل للولد 169، حق في الكشف عفا يوجب إسقاط نسبه، والنسب والولاء فيه حق لمن يصير ذلك إليه، من غير أن يحكم إن قطع، وحق لهم 170 إن لحق بهم من ليس منهم.

الجزء: 11 - الصفحة: 5339

وأرى إذا فات ذلك بالقضية (1) ممن حكم، أن يرفع الأمر إلى من أقيم للناس إذا كان عدلا.
فإن كان فعل الأول حقا أمضاه وإلا رده، ولا يكون تراضي هذين فيما يترامى (2) إلى غيرهما، أو يتعلق به حق لغيرهما على المضي من غير كشف.
وإن حكم أحد الخصمين الآخر (3)، جاز أيضا إذا كان المحكم عدلا ومن أهل الاجتهاد، أو عاميا واسترشد العلماء، وهو ها هنا أشد تخاطرا، إذا دخلا على الحكم بالجهل بموجب العلم، أو كان غير عدل منه (4) إذا كان المحكم أجنبيا.

فصل [في التقاضي أو التحاكم إلى العبد والمرأة والصبي والمسخوط وغير العدل]

ولا يستقضى عبد ولا امرأة ولا مسخوط، ولا صبي 175 ولا غير عدل ولا يتحاكم إليه 176. واختلف إذا حكم أحد هؤلاء الخصمان 177 على أربعة أقوال: فقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا يجوز حكم أحد من هؤلاء ولا يجوز إلا العدل في حالة171172173174

الجزء: 11 - الصفحة: 5340

العارف بوجه الحكم، وإن حكم 178 أحدهم 179 بصواب لم يلزم 180. قال: ونرى التحكيم في مثل هؤلاء كالمتخاطرين حين حكما من لا علم عنده ولا يؤمن حيفه، ووافقه عبد الملك بن الماجشون في المسخوط 181 والصبي وخالفه في المرأة والعبد وقال: إذا كانا بصيرين عارفين مأمونين جاز تحكيمهما 182. وقال ابن حبيب: وقاله أصبغ وأجازه أشهب في كتاب ابن سحنون في جميعهم إلا الصبي وأجازه أصبغ في كتابه في جميعهم إلا 183 المرأة والعبد والمسخوط والصبي إذا كان يعقل قال: فرب غلام لم يبلغ 184 له علم بالقضاء والسنة 185. وقوله في الصبي إذا كان له علم بالقضاء، يبين أنه إنما يجوز من ذكر معه من امرأة أو عبد أو مسخوط، إذا كان عالما بالقضاء أيضا 186. وقد اتفقت هذه الأقاويل على أنه 187 لا يحكم من 188 يكون جاهلا بالحكم، وإن ذلك تخاطر وتخمين وحدس، وأرى أن تمضي أقضيتهم إذا كانوا عالمين بوجه الحكم في تلك النازلة، ولا يجوز تحكيم النصراني ولا المجنون ولا الموسوس.

الجزء: 11 - الصفحة: 5341

باب في حكم القاضي لنفسه ولزوجته ولولده، ولغيرهم من الأقارب وهل يقضي بعلمه؟

قال محمد: كل من لا تجوز الشهادة له، لا يجوز 189 أن يحكم له، وقاله مطرف في كتاب ابن حبيب 190. وقال ابن الماجشون: لا يجوز لثلاث، الزوجة وابنه الصغير ويتيمه، ويجوز للآباء والأبناء الكبار 191. وقال أصبغ مثل 192 قول مطرف.
قال أصبغ: وأما من سواهم، فإن حضر الشهود وكانت الشهادة الظاهرة بحق ظاهر جاز، ما عدا زوجته وولده الصغير وبتيمه الذي يلي ماله؛ لأن هؤلاء كنفسه 193، وإن لم يكن إلا قوله: ثبت عندي وشبهه- 194 لم يجز.
وقال أصبغ أيضا -في كتابه-: يجوز حكمه لكل من ذكر من زوجة أو ولد أو أخ أو مدبر أو مكاتب، ولمن يلي عليه، وهذا إذا صح الحكم وكان من أهل القيام بالحق وليس من أهل التهم، وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وهو يتهم فيه لتوليته إياه 195.

الجزء: 11 - الصفحة: 5342

والقول الأول أحسن، أن لا يجوز حكمه لأحد من هؤلاء؛ لأن الظنة تلحق في ذلك 196، ولا فرق بين الشهادة والحكم.
وإن كانت القضية بغير مال، وكانت مما يتضمن أن تدرك فيه الحمية، أو ترفع به 197 المعرة لم يجز بحال.
وإذا لم يجز أن 198 يحكم لأحد ممن ذكرنا، لم يجز أن تدفع الشهادة بما اعترف عنده لمن هو فوقه.
وإن كان مما تجوز فيه شهادته رفع إلى من هو فوقه، فالناظر يرفع إلى القاضي، والقاضي يرفع إلى الأمير إذا كان عدلا.
واختلف هل يرفع ذلك لمن هو 199 دونه في ولايته، كالقاضي يرفع إلى ناظره، والأمير يرفع إلى قاضيه 200. فقيل: لا يجوز 201. وهو أصل 202 قول مالك في المدونة.
وقيل: يجوز 203. وقال أصبغ: لا ينبغي أن يحكم إن طلب بحق، أو طلب هو حقا أو أحد من عشيرته، أن يحكم من دونه وإن رضي 204 الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي 205. واستشهد من أجاز ذلك بحكم عمر أنه حكم في خصومة كانت له، ولا أرى أن يقتدي بهذا، وليس حال الناس اليوم في الصلابة في الحق، والغضب لله والرضى له كحال من 206 تقدم.

الجزء: 11 - الصفحة: 5343

وقد قال مالك: تحدث للناس أقضية، بقدر ما أحدثوا من الفجور (1). وأيضا فليس تحكيمه لمن ولاه النظر بين الناس، كتحكيمه لمن لم يوله؛ لأن الأول يتقي أن يعزله.

فصل [فيما إذا اجتمع في القضية حق للقاضي وحق لله سبحانه]

وإن اجتمع في القضية حق للقاضي وحق لله سبحانه لم يجز أن يقضي بما تضمنته من حق نفسه.
واختلف هل يقضي بما تضمنته من حق الله سبحانه؟ فقال محمد: إذا شهد عنده عدلان أنه سرق للقاضي قطعه 208، ورفع الشهادة إلى غيره في حقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه وليرفعه 209 إلى من فوقه 210. وإن شهد القاضي وآخر معه على أنه سرق القاضي، رفعه إلى من فوقه فقطعه بشهادتهما، وأغرمه بشهادة الأجنبي مع يمين القاضي.
وقيل في هذا الأصل: لا يقطع بشهادتهما؛ لأن شهادة القاضي ترد عنه من باب التهمة، وأنه يجر إلى نفسه، فلا 211 تتبعض الشهادة 212 في مثل هذا، وإنما تتبعض 213 إذا كانت ترد من جهة الشرع لا من جهة التهمة.207

الجزء: 11 - الصفحة: 5344

فصل [هل يحكم القاضي بعلمه؟]

ولا يقضي القاضي بما كان 214 عنده من العلم، قبل أن يلي القضاء أو بعد أن ولي ولم يكن في مجلس القضاء، أو كان في مجلس القضاء، وقبل أن يتحاكما إليه 215 ويجلسا للحكومة، مثل أن يسمعهما أو أحدهما يقر للآخر، فلما تقدما للحكومة أنكر وهو في ذلك شاهد.
وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه 216. وقال عبد الملك وسحنون: يحكم 217. ورأيا أنهما إذا جلسا للمحاكمة 218 فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه ولذلك قصداه 219. فإن لم ينكر حتى حكم ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت بشيء، لم ينظر إلى إنكاره، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال الشيخ أبو القاسم 220 ابن الجلاب: إذا ذكر الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور، وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة 221، وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم.
وإذا لم يكن له أن يحكم بعلمه، كان في قبول

الجزء: 11 - الصفحة: 5345

شهادته عند غيره على وجهين: فأما ما كان عنده من العلم، قبل أن يجلسا للحكومة، جاز أن يرفع شهادته فيه.
واختلف في قبول شهادته فيما أقر به عنده في حين 222 المحاكمة، فقال محمد: تقبل شهادته فيه، وقال أيضا: لا تقبل لما لم يمض حكمه فيه 223. وأرى أن تقبل 224 إذا لم يكن حكم، كما قيل في العبد يشهد بشهادة فلم ترد حتى عتق، أنه يعيدها وتقبل منه.
فإن حكم بعلمه ثم رد حكمه، حسن ألا تقبل وإذا صح قبولها رفعها إلى من فوقه.
واختلف هل يرفعها 225 لمن تحته وقد تقدم ذلك.
وأرى أن تقبل إذا كان طارئا، وكان 226 القاضي عدلا مبرزا في العدالة، ممن لا يمكن التجريح في مثله، وإن كان القاضي غير عدل 227، لم يقبل قوله وسواء رفعها لمن دونه أو فوقه؛ لأن تجريحه يتعذر، ولا يقدم أحد على تجريح القاضى وإسقاط عدالته، وكذلك إذا كان الشاهد ممن يتقى، ولا يستطاع سماع الشافع 228 فيه، فلا تقبل شهادته إذا لم يكن مبرزا.

الجزء: 11 - الصفحة: 5346

باب في كتاب القاضي ومكشفه ووكلائه (1) ورسله وجلسائه

ولا يستكتب القاضي إلا حرا مسلما عدلا 230، قال محمد: ويكتب بين يديه وينظر فيما يكتب 231. ولا يكون ذميا؛ لأن الله -عز وجل- قد أغنى بالمسلمين عنهم، ولا عبدا ولا غير عدل؛ لأنه قد يحتاج إلى شهادته، ولأنه يأمن 232 إذا كان عدلا، أن لا يُدْخِل على المسلمين في محضرهم وأحكامهم، وإن اضطر إلى غير عدل كتب بين يديه وينظر فيما يكتب، ولم يجز أن يكل ذلك إليه.
ولا يبعد أن يحمل 233 قول محمد أن القاضي ينظر فيما كتب على الوجوب، وإن كان الكاتب عدلا، فيكون قد حمل الخصمين على المكتوب من باب القطع، وإذا لم ينظر فيما كتب كان قد حمل الخصم على أمانة الكاتب، وحكم بغلبة الظن من غير ضرورة إلى ذلك، وليس كالمكشف لأنه مضطر إلى ائتمانهم، في مضيه إلى محلات الشهود وللكشف عنهم سرا.
وقال محمد: إذا وجد القاضي في قمطره 234 من كتب فيه شهادة لرجل، أو أقضية ولا يذكر ذلك، قال: أما إن عرف أن خطه بيده، أو خط كاتبه وعرف229

الجزء: 11 - الصفحة: 5347

خاتمة، وعرف الرجل نفسه وصفته حتى لا يشك، وكانت من قبله ليس من قاض غيره، فينبغي أن يجيزها، هذا قول محمد 235. ولا بأس أن يكون للقاضي مكشفا عن البينات، ويقبل القاضي قوله وحده فيما يأتيه به 236؛ لأنه وكيل له، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَاغْدُ يَا أُنيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" 237. فاعترفت فرجمها 238، وينبغي أن يكون المكشف فهما فطنا غير مغفل، وينبغي أن لا يعرف مكشف القاضي؛ لأن في ذلك فسادا على الخصمين، ويكشف عنهم 239 سرا وإن كشف علانية قبل الجرح.
واختلف في قبول التعديل علانية 240، وأن لا يقبل أحسن؛ لأن الإنسان يذكر في العلانية غير ما 241 يعلمه، وإذا سئل سرا 242 أخبر بغير ذلك، ولا يكون وكلاؤه وحجابه إلا عدولا، ذوو رفق وأناة، والعدالة فيهم أحوج منها في غيرهم، لتؤمن ناحيتهم، وأن لا يتجاعلوا في الخصومات، وفيما يكون من خصومة النساء؛ لأنهم أمناء على محادثتهن 243،

الجزء: 11 - الصفحة: 5348

وقد يطلعون على أسرار القاضي فيما يريد من حكومة، فيؤمن أن لا ينقلوا لأحد الخصمين، وكذلك جلساؤه ينبغي أن يكونوا أهل دين وأمانة ونصيحة، ويجتنب مجالسة من كان على غير ذلك.

الجزء: 11 - الصفحة: 5349

باب في نقض القاضي أقضيته وأقضية غيره من القضاة

وإذا قضى القاضي بقضية، ثم تعرض المقضي عليه لنقضها، فذلك على خمسة أوجه: أحدهما: أن يأتي بحجج يقول كنت أغفلتها.
والثاني: أن يأتي ببينة ولم يكن أحضرها ولا شهدت له.
والثالث: أن يجرح البينة التي شهدت عليه، أو يأتي فيها بمنفعة من عبودية أو غيرها، أو تعديل من كان وقف عليه تعديله.
والرابع: أن ينكر الحكم ويقول لم أكن خاصمت عندك.
والخامس: أن يقر بالخصومة وينكر أن تكون شهدت عليه بينة.
فإن تعرض نقضه بحجة يأتي بها، ويقول كنت أنسيت ذكرها، أو يقول استنطق خصمي عن كذا، لم يقبل قوله ولا يمكن أحد من هذا، عند ذلك القاضي ولا غيره، ولو مكن الناس من ذلك لم تنقطع مشاغبة ولا منازعة.
وإن تعرض نقضه ببينة أحضرها، لم تكن شهدت ولا علمها، كان فيها ثلاثة أقوال؛ فقال ابن القاسم في المدونة 244: تسمع بينته فإن شهدت بما يوجب نقض الحكم نقضه 245. وقال سحنون: ليس له نقضه ولا تسمع بينته.
وقال محمد بن المواز: إن كان هو القاضي نقضه، وإن ولي غيره لم ينقضه 246.

الجزء: 11 - الصفحة: 5350

والأول أحسن إذا تصادق الخصمان أن هذه البينة لم تكن شهدت أو 247 علم ذلك 248، ويرجع إلى ما شهدت به البينة، والقاضي الأول وغيره 249 في ذلك سواء.
وإن اختلفا فقال القائم بها لم تكن شهدت، وقال الآخر شهدت ولم تقدح شهادتهما، أو جرحتهما أو كنت أنت أسقطتها، حلف القائم بها أنها لم تكن شهدت، وقام بموجبها لأن محملها على أنها لم تشهد، حتى يعلم أنها شهدت، فإن نكل حلف الآخر ومضى الحكم.
وإن كان في الحكم ما يدل على أنها لم تكن شهدت، سمعت الآن من غير يمين، مثل أن يذكر في الحكم صفة خصومتهما، وهو ما أدلى به كل واحد من حجته، وما يرى 250 أنها كانت دعوى بانفرادها، أو يقول دعوته ببينته فلم يأت بها، وكذلك إذا أحضر بينة كانت له 251 غائبة، وقد كان القاضي ذكر في حكمه أنه حكم لبعد البينة، ووقفه على حقه فيها سمعت منه، ونقضه القاضي الأول وغيره، وكذلك إذا ثبت أن البينة كانت غائبة في حين الحكم، فإنها تسمع الآن وإن لم يكن شرط غيبة البينة.

الجزء: 11 - الصفحة: 5351

فصل [في تجريح البينة وما يوجب سقوطها]

وإن كان الحكم انعقد ببينة شهدت عنده، فأراد المحكوم عليه تجريحها، أو ما يوجب سقوطها كان ذلك له 252، وذلك على ستة أوجه: إما أن يجرحها 253، أو 254 يثبت أن بينها وبين المشهود له قرابة أو زوجية أو مصاهرة، أو بينها وبين المشهود عليه مصارمة 255 أو عداوة، أو أن أحد البينة عبد أو نصراني أو مولى عليه، فإن أثبت تقدم جرحتهما 256 كان فيها قولان: فقال مالك -في كتاب الشهادات: أن ينقض الحكم.
وقال -في كتاب الحدود-: يمضي، وبه أخذ سحنون 257. وعلى هذا يجري الجواب إذا أثبت أن بينه وبينها عداوة، أو بينها وبين المشهود له، قرابة مما ترد الشهادة فيه من أجل التهمة، فإن أثبت أنهما أو أحدهما عبد نقض الحكم، وهذا قول مالك وأصحابه 258، ولو قيل أنه يمضي لكان له وجه، بل هو أولى من إمضائه إذا أثبت الجرحة؛ لأن شهادة الفاسق غير جائزة باتفاق، وشهادة العبد مختلف فيها.
وحكي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إجازتها، وأجازها أنس وشريح

الجزء: 11 - الصفحة: 5352

وزرارة بن أبي 259 أوفى وابن سيرين، وأجازها الحسن وإبراهيم في الشيء اليسير.
وحكى القاضي أبو الحسن علي 260 بن القصار، عن أحمد وإسحاق وأبي ثور وداود: أنها تقبل 261 في جميع الأشياء كالحر 262. وإمضاء 263 الحكم بشهادة العبد العدل، للاختلاف في جوازها ابتداء أولى من إمضائها 264 بالمسخوط، مع ورود القرآن والإجماع بمنع قبولها ابتداء.
وقد قال مالك في مسائل من النكاح والبيوع ينزل الأمر فيها على خلف رأيه وموافقا لقول غيره أنه يمضي ولا يرد.
ويختلف إذا ثبت أنهما أو أحدهما مولى عليه، هل ينقض الحكم؟ ففي كتاب ابن سحنون أنه ينقض، والنقض في هذا أبعد منه في العبد 265، وقد 266 قال مالك وغيره من أصحابه: أن شهادة المولى عليه تجوز ابتداء 267 وهو أحسن؛ لأنه حر مسلم عدل، فوجب أن تمضي شهادته ولا ترد، لجهله بتدبير ماله، وإن أثبت أنه نصراني رد الحكم، وقال عبد الملك -في المجموعة في رجل قذف رجلا، فحد القاذف بعد الإعذار، ثم أتى بأربعة عدول يشهدون على المقذوف، أنهم رأوه يزني قبل القذف-: قال يحد الزاني ويسقط الحكم عن

الجزء: 11 - الصفحة: 5353

القاذف.
يعني تسقط جرحته، قال: ولو كان حقا غير الزنا وقام به المقضى عليه، لم يقبل منه بعد الحكم؛ لأن الزنا حق لله -تعالى- لابد أن يقام به على المشهود عليه، فإذا حد سقط عن القاذف حكم القذف، ولو كانت الشهادة أن حاكما جلده مائة جلدة 268، لم تسمع 269 منه 270 بينته؛ لأنها لا توجب الآن على المشهود عليه حدا 271. يريد أنه لا يتعلق بشهادتهما بعد الحكم 272 الأول عليه شيء 273، ومثله لو شهدت بينة أن البينة المحكوم بها سرقت فلم تقطع، أو شربت ولم تحد، أو حاربت ولم تنف، أو ما أشبه ذلك مما يتعلق به الآن حق لله -سبحانه- نقض الحكم قولا واحدا.
وإن كان قد أقيم عليه الحد لم ينقض على أحد القولين.
واختلف أيضا 274 إذا كانت القضية على غائب، ثم قدم فطلب أن يجرح تلك 275 البينة بالإسفاه، أو شرب خمر أو غيره، فقيل: ذلك له، وقال ابن الماجشون: ليس له ذلك إلا أن يثبت أنهم على غير الإسلام، أو أنهم عبيد أو مولى عليهم 276. والأول أحسن، والغائب موقوف على حجته، في كل ما لو كان

الجزء: 11 - الصفحة: 5354

حاضرا فأثبته لم يحكم عليه فيه.
وقد اختلف عن مالك في الحكم على الحاضر، وإن كان بعد الإعذار إليه فكيف بالغائب؟

فصل (1) [في إنكار المحكوم عليه أنه خاصم عند ذلك القاضي]

وإن أنكر المحكوم عليه أن يكون قد خاصم عند ذلك القاضي، وقال القاضي: كنت خاصمت وأعذرت إليك، ولم تأت بحجة فحكمت عليك، كان فيها قولان: فقال أصبغ -في كتاب ابن حبيب-: القول قول القاضي (2). وفي مختصر ابن الجلاب أنه (3): لا يقبل قول الحاكم إلا ببينة (4). قال الشيخ (5): وهذا أشبه في قضاة الوقت، وإن كان مضمون الحكم وقفا على رجل، وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول القاضي، إلا ببينة على اعتراف المحكوم عليه؛ لأن القاضي في هذا دافع عن نفسه، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفرق بين هذا وبين الأول، إذا كان مضمون القضية حكومة بين المتنازعين.

فصل (6) [فيما اذا أنكرت البينةُ الشهادة]

وإن أنكرت البينة أن تكون شهدت بتلك الشهادة، كان فيها قولان: هل277278279280281282

الجزء: 11 - الصفحة: 5355

يقبل قولها وينقض الحكم، أو يمضي ويعد ذلك منها رجوعا بعد الحكم؟ 283 فقال ابن القاسم -في المجموعة-: يرفع الأمر إلى السلطان، فإن كان القاضي عدلا لم ينقض قضاؤه، وقال سحنون: لا يرجع على الشهود بشيء 284. وقال محمد -في كتاب الرجوع عن الشهادة-: قال 285: إذا حكم القاضي بشهادة رجلين، على رجل بمائة دينار، ثم أنكر الشاهدان وقالا: إنما شهدنا بالمائة للآخر المحكوم عليه، والقاضي على يقين أن الشهادة كانت على ما حكم به 286، قال: فعلى القاضي أن يغرم المائة للمحكوم عليه؛ لأن الشهود شهدوا عليه بخلاف قوله، ولا يجوز للقاضي أن يرجع على المحكوم 287 له؛ لأنه يقول حكمت بحق 288. وهذا خلاف قول ابن القاسم؛ لأنه نقض الحكم فيما بين الحاكم والمحكوم عليه، وأغرمه المال برجوع البينة، وينبغي على أصله إذا كان الحاكم فقيرا، أن ينتزع المال من المحكوم له ويرده إلى المحكوم عليه، إذا رفع ذلك إلى حاكم غير الأول.
وقال محمد: وإن قال القاضي أنا أشك أو وهمت، نقض الحكم فيما بين المحكوم له والمحكوم عليه، ويرجع الأمر إلى ما تقوله البينة التي شهدت 289

الجزء: 11 - الصفحة: 5356

الآن، ويكون على المحكوم له أن يغرم مائتين (1)، المائة التي قبض والمائة (2) التي شهدت بها الآن البينة (3). وإن أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم (4) وقال: ما حكمت بهذا فشهدت البينة للمحكوم له أنه كان حكم له به، فإن الحكم يمضي، وعلى الحاكم أن ينفذ ما تضمنه الحكم ولا يرده بقوله.

فصل (5) [فيما إذا تبين أنه حكم بخلاف النص أو الإجماع]

وإذا حكم القاضي في نازلة باجتهاده، ثم تبين أنها مسألة نص بالقرآن أو السنة، أو أنها مسألة إجماع، وأنه حكم بخلاف ذلك نقض الحكم 295، وهو وغيره من القضاة في تلك النازلة 296 في نقض الحكم سواء.
واختلف إذا أراد ذلك القاضي، أن ينتقل عن ذلك الاجتهاد إلى اجتهاد آخر، على أربعة أقوال: فقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: له نقضه 297. وهو ظاهر قول مالك في المدونة 298. وقال ابن عبد الحكم: لا290291292293294

الجزء: 11 - الصفحة: 5357

ينقضه كان القضاء بمال أو غيره.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: إن كان القضاء بمال نقضه، وإن كان بإثبات نكاح أو فسخه لم ينقضه 299. وعلى هذا لا ينقضه إذا كان بإنفاذ 300 حكم 301 عتق أو ردة أو بحد أو قتل أثبته أو أبطله.
وقيل: أما ما كان من باب المتروكات فليس بحكم بخلاف غيره، من أن يحكم للإنسان بمال أو ما أشبه ذلك، فإن حكم بإثبات نكاح أو إثبات عتق، ثم تبين له غير ذلك، كان له أن ينقضه، ورأى أن الأول ليس بحكم؛ لأنه إنما وجدهما على شيء فتركهما عليه.
والقول الأول أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ كَانَ له أَجْرَانِ، وإنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطأَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ" أخرجه البخاري ومسلم 302. فأطلق عليه مع وجود الاجتهاد الخطأ، وإذا كان ذلك لم يجز البقاء عليه.
وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية وقال لأميرها: "وإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلاَ تُنْزِلُهمْ عَلَى حُكْمِ الله، وَأَنْزِلُهمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أتصِيبُ حُكمَ الله فِيهِمْ أَمْ لاَ؟ " 303. وهَذا إذا تبين أن الاجتهاد الأول وهم، وأنه خارج عن الأصل الذي كان ظنه منه وقاسه عليه.

الجزء: 11 - الصفحة: 5358

وأما إذا كان للأول وجه، والذي تبين له الآن أشبه، لم ينقضه 304. وقال سحنون: إذا كان ذلك رأيه يوم حكم لم ينقضه، وإن لم 305 يكن ذلك رأيه وإنما وهم أو نسي ورأيه خلف نقضه.
306 وهذا راجع إلى قول ابن عبد الحكم، وقال مطرف -في كتاب ابن حبيب-: إذا شهد الحاكم على فسخ حكمه الأول، ولم يذكر أنه رجع عن الأول إلى ما رآه أحسن، ولا فسر أمرا فسخه به، قال: فلا أراه فسخا يفسخ به الأول إذا كان صوابا غير نحتلف فيه، حتى يخلص 307 ما يوجب فسخ الأول، أو يرجع إلى ما هو أحسن، إلا أن يقول تبين في أن الشهود شهدوا بزور 308. وقال ابن الماجشون: إشهادهم 309 على الفسخ يكفيه 310، إذا كان مأمونا ولم يقل إلا أني رجعت عن الأول، ثم هما على رأس أمرهما، ولو قال مع الفسخ وقضيت للآخر، لم يجز قضاؤه ومضى الفسخ؛ لأنه لا يقضي حتى يضرب 311 المقضي عليه الآجال والحجج 312.

الجزء: 11 - الصفحة: 5359

فصل [في الحكم بشهادة البينة على شهادة غيرها]

واختلف إذا حكم القاضي بشهادة بينة، شهدت على شهادة غيرها، ثم أتى المنقول عنهم ذلك فأنكروا وقالوا: ما أشهدناهم بشيء.
هل يكون ذلك رجوعا منهم وينقض الحكم، ويكونون أحق بشهادتهم أو لا يكونون ولا 313 يعد رجوعا، ولا ينقض الحكم؟ قال محمد -في رجلين نقلا عن أربعة أنهم أشهدوهم 314 على فلان بالزنا فلم يحد الناقلان 315، حتى قدم 316 الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم- قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف، ويسلم الاثنان؛ لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف 317. فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعا.
وقال مالك -في كتاب ابن حبيب، في رجلين نقلا عن غائب، فحكم بشهادتهما مع يمين صاحب الحق، ثم قدم الغائب فأنكر الشهادة-: فإن الحكم ينقض ويرد 318، ورآه أحق بشهادته من اللذين نقلا عنه ونقض الحكم، وقال مطرف وابن القاسم: الحكم ماض ولا غرم عليه ولا على الناقين، قال: ولو قدم قبل الحكم بها، كان أحق بشهادته 319. فرأيا أن الأمر فيه بعد الحكم

الجزء: 11 - الصفحة: 5360

مشكل، هل يرجعا أو كان الوهم من قبل الناقلن فلم ينقض الحكم، ولا 320 أغرم الناقلين 321، فعلى قولهما وقول مالك لا يحد الأربعة، ولا يعد قولهما 322 الآن رجوعا، وعلى قول محمد يغرم المنقول عنه الشهادة المال.
وأرى أن يرد الحكم؛ لأنه أولى بشهادته، ولا يغرم الناقلان؛ لأن الأمر مشكل، هل صدق أو كذب؟ فلا يغرمان بالشك، والأمر في المنقول عنهم 323 في الزنا، أبين أن لا حد عليهم؛ لأن قولهم وقول الناقلن في معنى التكاذب، فقول الأربعة أقوى 324 من قول الاثنين.

الجزء: 11 - الصفحة: 5361

باب في القاضي يقضي بقضية ثم يقرأنه تعمد فيها جورًا أو أنه أخطأ

وقيل لابن القاسم -في القاضي يقول بعد الحكم بالرجم والقطع والضرب-: حكمت بجور.
قال: قال مالك: ما تعمد الإمام من جور على الناس، فإنه يقاد منه 325. يريد لأنه كالجائر لمن أمره، وإن لم يباشر ذلك بنفسه، ويقتص من المأمور أيضا 326، إذا علم أنه حكم بجور، أو كان معروفا بذلك ولم يكشف عن صحة حكمه.
وقال أصبغ: إن كانت القضية بمال، غرم الحاكم للمحكوم عليه 327 ما أهْلَكَ، وهو 328 كإقرار الشاهد بعد الحكم بالزور، ويعاقب فيما أقر به من جور، ويعزل ولا يولى أبدًا، ولا تقبل شهادته أبدًا، وإن أحدث توبة كشاهد الزور 329. وأرى إن كان الحاكم معدما، أن لا شيء للمحكوم عليه على المحكوم له؛ لأنه لا يصدق الحاكم أنه تعمد الجور، إلا أن يكون معروفا بذلك.
ويختلف إذا أقر بالعمد بعد الحكم وقبل القصاص، أو قبل أن يؤخذ المال، إن كانت القضية بمال.

الجزء: 11 - الصفحة: 5362

فقال ابن الماجشون -في المجموعة-: إن أقر بجور وهو حاكم فله (1) أن يرجع ما لم يفت (2). يريد ما لم يفت القصاص ولا أخذ المال.
وقد اختلف في هذا الأصل فقال ابن القاسم وأشهب -في البينة ترجع بعد الحكم وقبل القصاص، وقبل إقامة الحد-: ترد (3) ولا يقتص لحرمة القتل والقطع، وسواء كان القطع في سرقة أو قصاص (4). قال محمد: وإن كان بكرا أقيم عليه حد الزنا بخلاف الرجم (5)، وعلى هذا يجري الجواب إذا رجع الحاكم.
واختلف هل من حق المحكوم له أن يتم له الحكم بذلك؟ يريد (6) فإن كان القضاء بمال أمضى ولم يرد، بخلاف القتل والقطع، وهذا إذا كان ظاهره العدالة، وإن كان غير عدل لم يمض (7) شيء من ذلك.

فصل [في القاضي يقرأنه أخطأ]

واختلف إذا قال بعد القصاص: أخطأت، فقال ابن القاسم وأشهب: ذلك على عاقلة الإمام، إذا كان الثلث فصاعدا 337. وقال سحنون: ذلك في ماله330331332333334335336

الجزء: 11 - الصفحة: 5363

ولا تحمل العاقلة الإقرار، قال: وقد قيل: لا شيء عليه 338. يريد أنه هدر، وقد تقدم ذلك في كتاب الرجم.
ويختلف إذا أقر بالخطأ بعد القضاء، وقبل أخذ المال، هل يمضي الحكم ويغرم هو أو عاقلته أو لا يمضيه وكذلك إن كانت قضية بمال وأقر بالخطأ بعد أن قبض المقضي له بالمال.
يختلف هل يغرم الحاكم؟ وإن أقر بعد الحكم وقبل أخذ المال يختلف هل يأخذ المحكوم له بالمال أم لا؟

الجزء: 11 - الصفحة: 5364

باب في نظر القاضي في أقضية من كان قبله ونقضها

القضاة ثلاثة: عدل عالم، وعدل مقلد، وغير عدل.
فإن كان عدلًا عالمًا، كانت أحكامه على المضي.
قال ابن حبيب: ولا يعترض فيها إلا على وجه التجوز، كان عرض عارض فيها بخصومة، وأما على وجه الكشف والتعقب فلا، وإن مسألة الخصم ذلك، إلا أن يظهر له خطأ بين لم يختلف فيه، فقد يذكر الوجه الذي بنى عليه الحكم، فيوجد قد خالف نصًا، من آية أو سنة أو إجماع، قال: وإن كان عدلا جاهلا فإن أقضيته تكشف، فما كان صوابا أمضى، وما كان خطأ لم يختلف فيه 339. يريد أنه تتعقب من وجه الفقه، إلا أن يعلم أنه لا يحكم، إلا بعد مشاورة أهل العلم.
وأرى إذا كان يحكم برأيه، من غير مطالعة لأهل العلم، أن يرد من أحكامه ما كان مختلفا فيه؛ لأن ذلك كان منه تخمين وحدس، والقضاء بمثل ذلك كله 340 باطل.
قال: وإن كان جائرًا في أحكامه- لم تجز أقضيته كلها، وعلى من ولي بعده أن يردها كلها 341 صوابًا كانت أو خطئًا؛ لأنه لا يؤمن أن يُظْهِرَ العَدلَ والصَّوابَ، وباطن أمره الجور، إلا ما عرف أن باطن أمره كان صحيحًا 342.

الجزء: 11 - الصفحة: 5365

وقال أصبغ: إذا كان ممزوجًا فيه هذا وهذا فأرى أن يجوز من أقضيته 343 ما عدل فيه ولم يسترب، وينقض منها ما تبين فيه جور أو استريب، ويعمل فيها بالكشف كما يصنع 344 بأقضية الجاهل، وإلا لم تنفذ الأحكام اليوم.
345 وقال مالك: إذا قضى القاضي بما اختلف الناس فيه، ثم تبين له أن الحق في خلافه - كان له أن ينقضه، وليس لمن ولي بعده نقضه 346. قال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ليس ذلك في كل ما اختلف فيه من الآثار والرأي، فإن كان في ذلك في سنة 347 قائمة- كان للثاني نقضه، وإن كان الحديث مختلفًا فيه و 348 في معناه مثل حديث العُمْرَى، فحكم بحديث ابن شهاب لا ترجع للذي أعطاها، فإنه يمضي، ولا أرى أن يحكم به ابتداء، لحديث القاسم: ما أدركت الناس يقضون 349، إلا وهم 350 على شروطهم.
قال: وما كان من باب الترك لما فعل الفاعل، أو إمساك عن الحكم لغيره 351، مثل ما جاء من الحنث بالطلاق 352 قبل النكاح، والعتق قبل الملك، ونكاح المحرم، والحكم بالقسامة، فحكم حاكم بإمضاء النكاح والعتق 353، وأقر

الجزء: 11 - الصفحة: 5366

العبد 354 وأقر نكاح المحرم، ثم رفع إلى من يرى خلف ذلك، فإنه يحكم به، ولا يمنعه من ذلك ترك الأول، ورأى أن الترك ليس بحكم 355. وقول ابن القاسم في كتاب النكاح: أن ذلك حكم، قال: ولو فسخه 356 الثاني لكان خطئًا 357 في قضائه.
وهو أحسن؛ لأن الأول حكم على الزوجة أنها في عصمة الأول، وأنها حلال له، وأثبت ملك السيد للعبد، وأسقط مقال العبد، وأباح له إن كانت أمة أن يصيبها.
وقال محمد: إذا حكم القاضي بالشاهد مع اليمين في حق 358، ثم ولي بعده قاض، ففسخه -كان للثالث أن ينقض فسخ 359 الثاني.
قال: وهذا عظيم أن يرد ما حكم به 360 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلي ومن مضى من التابعين والأخيار، قال: وإن قال الأول: لا أحكم بشاهد ويمين، ثم ولي آخر ممن يرى الحكم 361 بالشاهد واليمين- كان ذلك له.
قال: وليس حكم الثاني يفسخ كحكم الأول 362. يريد: أن الأول من باب الترك، وقد تقدم قول ابن القاسم أن الترك حكم، إلا أن الأول ها هنا حكم بخلاف النص، قياسًا على من تبين يقين

الجزء: 11 - الصفحة: 5367

الخطأ، وكذلك إذا صلى قبل الوقت، أو توضأ بماء نجس 363، ثم علم بعد ذلك، تلزمه الإعادة، وقياسًا أيضًا على القبلة إذا أخطأها 364. وإن كان حلف المدعى عليه على تكذيب الشاهد -كان حكمًا لا شك فيه، إلا أنه حكم بخلاف النص، فللثاني أن ينقضه.
قال ابن القاسم: وإن وجد الطالب شاهدًا آخر- ضم إلى الأول وحكم 365 بهما 366. وهذا أحسن، وسواء كان الأول حلف المطلوب على تكذيب الشاهد أو لا؛ لأن المشهود له لم يمكن من اليمين مع الأول، ويصير الآن بمنزلة شاهد على طلاق أو عتق، فحلف الزوج أو السيد ثم وجد شاهدًا آخر، فلم يختلف أنه يضم إلى الأول، ويحكم بالطلاق والعتق؛ لأن الزوجة والعبد لم ينكلا عن اليمين مع الأول إن حكم القاضي بما عنده من العلم، قبل أن يلي أو بعد أن ولي، ولم يكن في مجلس الحكومة، أو كان 367 في مجلس الحكومة 368 فأقر أحدهما بشيء 369 قبل أن يتقدما إلى الحكومة، كان للثاني أن ينقضه.
واختلف إذا أقر بعد أن جلسا للحكومة ثم أنكر، فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم به 370. وقال ابن الماجشون وسحنون: يحكم به 371، ورأيا أنهما

الجزء: 11 - الصفحة: 5368

حكماه فيما يكون من إقرار أو جحود، فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع، لا يقبل ما رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود، لم يحكم عليه بما يوجب الجحود عند مالك، وله ذلك على قول ابن الماجشون وسحنون، والأول أحسن، ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة.
واختلف إذا حكم فقال محمد: أرى أن ينقض حكمه بذلك 372. يريد 373 ما كان هو قاضيا لم يعزل، فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه 374. ومعنى قوله ينقضه هو إذا تبين له خلاف رأيه الأول 375. وقيل: لا ينقضه ولا ينتقل من رأي إلى رأي، ولو كان ليس من أهل الاجتهاد، ولم يكن حكمة الأول شيئا، وينظر إلى من يقلده الآن، فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينضه، وإن كان ممن لا يرى ذلك نقضه.
وأما إن كان من أهل الاجتهاد، ولم يتبين له رأي غير الأول لم ينقضه 376، إلا أن يتبين له أن ذلك يؤدي مع فساد قضاة اليوم، إلى القضاء بالباطل؛ لأن كلهم يدعي العدالة.
ويقول: اعترف عندي بكذا، فيجب عليه أن يرجع في قضائه، لما في ذلك من الذريعة إلى تلف أموال الناس والقضاء بالباطل، فيكون هذا ضربا من اجتهاد ثان غير التي حكم بها، وقال سحنون: إذا أتى القاضي كتاب قاض بما اختلف فيه الفقهاء،

الجزء: 11 - الصفحة: 5369

وليس من رأي الذي أتاه الكتاب من عنده 377 - لم ينبغ له 378 أن يجيزه ولا ينفذه 379؛ لأن الأول لم ينفذ شيئًا، فلا ينفذ ما ليس 380 هو عنده بمعتدل.
وقال أشهب في المجموعة: إن كان 381 كتب للأول أنه حكم بما في كتابه- جاز لهذا أن ينفذه، وإن كتب بما ثبت عنده- لم يعمل هذا برأي الذي كتبه 382. ولا يختلف فيما ذكره إذا لم ينفذ الأول الحكم 383، وإنما الاختلاف إذا حكم الأول، وكتب إلى هذا أن يستخرج له 384 المال ممن حكم عليه، أو يمكن الزوجة من القادم بكتابه، فلم ير ذلك سحنون؛ لأنه يجبرهما على ما لا يراه 385 صوابًا.
ورأى أشهب أنه لما حكم الأول بذلك، ولم يجز لهذا أن ينقضه، ووجب للمحكوم له قبض المال، وأن يمكن الزوجة ولا يقدر على ذلك إلا بقاض، وفي وقوف هذا بطلان لحقه وجب عليه أن يقضي له 386.

الجزء: 11 - الصفحة: 5370

باب (1) في الشهادة على الخط

الشهادة على الخط على أربعة أوجه: شهادة الرجل على خط نفسه.
وشهادته على خط غيره 388، عند غيبته أو بعد موته، أو كتاب 389 قاض وشهادته على خط غيره، بما تضمن إقراره واعترافه على نفسه بدين أو طلاق.
فأما شهادته على خط نفسه، إذا تضمنت شهادته على رجل بدين أو طلاق، فلمالك فيها ثلاثة أقوال: فقال -في المدونة-: إذا ذكر أنه خطه ولم يذكر الموطن 390، يؤديها كما علم ولا تنفع المشهود له 391. وقال -في كتاب محمد-: لا يؤديها، وروى عنه مطرف -في كتاب ابن حبيب أنه قال 392: إذا كان الرق نقيا لا محو فيه ولا تهمة ولا خيفة شيء فليؤدها 393 وبه أخذ مطرف قال: وعليه جماعة الناس قديما.
قال: ولو ترك الناس الشهادة على خطهم، إذا لم يستنكروا شيئا من الكتاب، ما قام لأحد حق 394. قال ابن الماجشون: وهو الذي عليه أصحابنا كلهم، المغيرة وابن أبي حازم وابن دينار، قال: ولا يعلم السلطان أنه لم يعلم غير خطه، ويشهد بها تامة أن ما فيها حق 395، فمنع من أدائها خيفة أن387

الجزء: 11 - الصفحة: 5371

يقضى بها، فيكون قد أعان على ما لا يراه صوابا.
وقال مرة: يوقفها 396، للاختلاف فيها 397؛ ولأنه لا يجوز أن يحكم بذلك، على من لم يحكمه وهو المشهود له؛ لأن المسألة تتضمن ثلاثة: شاهد ومشهود له ومشهود عليه، وإن أتاه الشاهد أو المشهود له 398 والمشهود عليه، فسألاه عن أدائها فقال: لا أؤديها، لكان حكما على المشهود له 399، وهو لم يستفته ولا حكمه، ومثله الرجل يحلف بالطلاق، ثم يكون 400 حنثه مختلفا فيه، فسأل الزوج المفتي 401 فكان الجواب عند المفتي: أن لا حنث عليه، جاز له على القول الأول، أن يفتيه بالبقاء وجواز الإصابة، وعلى القول الآخر لا يجوز له ذلك، إلا أن يجتمع الزوجان على تقليده وإلا كان حكمًا على الزوجة وهي لم تقلده، وكذلك لو استفتت الزوجة من يرى أنه حانث، فعلى القول الأول يجوز له أن يفتيها بالهروب والامتناع منه، ولا يجوز له 402 ذلك على القول الآخر، إلا بالاجتماع 403 من الزوجين، إلا أن يكون الاختلاف في ذلك، شاذا منافيا للأصول، فيجوز له 404 ذلك من غير رضى الآخر.
ورواية مطرف وابن الماجشون، في الشهادة على معرفة خطه أحسن، ومحمل قول مالك على ما كانوا عليه من الحفظ، وقد كان 405 كثير

الجزء: 11 - الصفحة: 5372

منهم لا كتاب 406 له، وقد 407 قال مالك: حدثني ابن شهاب بأربعين حديثًا حفظتها، إلا ثلاثة أحاديث، فسألته أن يعيدها عليَّ فأبى، فقلت له: أما كان يعاد عليك الحديث؟ فقال: لا 408. ولو وكل الناس اليوم على 409 حفظ الشهادة، لم يؤد أحد شهادة، ولتعطلت حقوق الناس، ومع أن الضرب على المخطوط نادر وخاصة في المغرب، فإن كانت الشهادة على الخط في غيبة الشاهد أو موته، أن هذا خطه وشهادته صحت الشهادة على الصحيح من القولين؛ لأنها ضرورة.
واختلف أيضا 410 إذا كانت على خط المطلوب، أو اعترافه 411 على نفسه.
فقال ابن المواز 412: ذلك جائز بمنزلة الإقرار، وأن الشاهد الواحد فيه، يجري مع يمين الطالب؛ لأنه بمنزلة اعترافه على نفسه، وذكر أنه مذهب مالك، وأنه لم يختلف فيه قوله 413.

الجزء: 11 - الصفحة: 5373

باب في العدالة

العدالة شرط في قبول الشهادة، لقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ولقوله سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، ومحمل الشاهد الآن على غير العدالة، حتى يثبت أنه عدل، لقوله سبحانه ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 414، ومثله 415 أن الناس صنفان: رضًى، وغير رضًى، فوجب على القائم بشهادته، أن يثبت أنه من الصنف الذي هو رضى، ولأن الغالب اليوم من الناس 416 عدم الرضى والعدالة، فوجب حمل الناس على الغالب والأكثر، حتى يعلم غير ذلك، وأعلى منازل الشاهد، أن الأمر فيه مشكل ومتردد، بين العدالة وسقوطها وقد شرطت العدالة، فلا تجوز الشهادة مع الشك بوجود ذلك الشرط، إلا من اشتهر اسمه بالصلاح والخير فلا تطلب تزكيته، ويحمل على ما عرف به حتى يثبت غير ذلك، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاضي مكة، فقال: أما الاسم فاسم عدل، ولكن أثبت أنك صاحب هذا الاسم 417. يريد أنه لا يحتاج إلى تزكية 418. والعدالة تثبت بشهادة رجلين، إذا كان التعديل من القائم بالشهادة.
واختلف إذا كان ذلك بمسألة من القاضي، سأل من حضره بمسألة من

الجزء: 11 - الصفحة: 5374

مكشفه، سأل من حضره أو مضى إلى من مسألة.
فقيل: لا يقبل أقل من رجلين، لأنها شهادة (1). وقيل: يقبل واحد؛ لأنه من باب قبول (2) الخبر.
والأول أحسن؛ لأن الناس قد دخلوا فيحتاط للشهادة، واستحسن إذا ثبتت العدالة من اثنين، أن يزيد البحث والكشف فلا يزيده ذلك إلا خيرا وإن ارتاب بأمر توقف وكشف.

فصل [في التجريح والتزكية سرًّا]

التزكية تقبل في السر، واختلف في قبولها علانية، فأجاز ذلك في الكتاب 421. ومنعه عبد الملك بن الماجشون 422. وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية، شيئا مما يعلمون خيفة العداوة، فإذا سئل سرا أخبر بغير ذلك.
وأما الجرح 423 فيقبل سرًا وعلانية، ولا يقبل التعديل بيسير المعاملة 424 والمخالطة، ويقبل ذلك في الجرح من غير مخالطة، فقد يصر به فيطلع منه أو يسمع ما يسقط عدالته، ويحتاج التعديل إلى ثلاثة أوجه: أحدها موضع المعدل من العدالة والمعرفة والبلد، والثاني: المخالطة التي بينه وبين المعدل.
والثالث: صفة الشاهد في التفقه والصدق.419420

الجزء: 11 - الصفحة: 5375

فأما المعدل فقال سحنون 425: لا يجوز التعديل إلا من المبرز الناقد الفطن، الذي لا يخدع في عقله، ولا يستزل في رأيه 426. وقال ابن كنانة: لا تقبل تزكية 427 الأبله، ولا من يرى تعديل كل مسلم يلزمه 428. فأما المخالطة فإنه لا يقبل التعديل بيسير المخالطة؛ لأنه محتاج إلى معرفة ظاهره وباطنه، ولا يدرك ذلك إلا بعد طول المخالطة 429؛ لأن شأن الناس تزيين الظاهر 430 وكتمان عيوبه.
قال محمد بن المواز: لا يقبل 431 ذلك حتى تطول المخالطة، ويعلم باطنه كما يعلم ظاهره.
يريد يعلم 432 باطنه في غالب الأمر، ليس على أنه يقطع بذلك.
وقال سحنون: لا يزكي إلا من خالطه في الأخذ والإعطاء، فطالت صحبته إياه في السفر والحضر 433. قال الشيخ: إذا علم منه بعد المخالطة اجتناب الكذب، واجتناب الكبائر والوفاء بالأمانة، جاز أن يعدله 434، وإذا قال المعدل هو عدل رضى صحت

الجزء: 11 - الصفحة: 5376

العدالة.
واختلف إذا اقتصر على إحدى الكلمتين، فقال: عدل.
أو قال: رضى.
هل يكون ذلك تعديلا أم لا؟ والمسألة على وجهين: فإن قال إحدى الكلمتين ولم يسأل عن الأخرى، فهو تعديل؛ لأن العدل ممن يرضى للشهادة، والرضى عدل، وقد ورد القرآن بقبول شهادة من وصف بإحدى الكلمتين، وإن وصفه المعدل بإحدى الكلمتين فسئل عن الأخرى فوقف، كان ذلك ريبة في تعديله، ويسأل عن السبب في وقوفه، فقد يذكر وجها لا يقدح في العدالة ويذكر وجهًا يريب فتوقف عنه.
وقال في كتاب محمد: إذا قال اختبرته وعاملته فما علمت 435 إلا خيرًا، أو قال: إنه لرجل صالح فاضل، وهو ثقة لا يكون ذلك تزكية، حتى يقول: هو عدل، أو أراه عدلا 436. قال الشيخ: إذا كان المسئول يعلم الوجوه التي تصح بها العدالة وعلم أن السؤال عن هذا الرجل، لتمضى شهادته، فقال ذلك فهي عدالة، وقد أخرج 437 البخاري ذلك 438 في باب العدالة في قول بريرة: (لا أعلم إلا خيرًا) 439. غير أن ضرب المسئول عن قوله عدل، أو رضى إلى هذا اللفظ اليوم ريبة وقد قال كذا 440.

الجزء: 11 - الصفحة: 5377

فصل [في من يعدل الشاهد]

التعديل يقبل من جيران الشاهد (1)، وأهل سوقه وأهل محلته، ولا يقبل من غيرهم؛ لأن وقوفهم عن تعديله، مع كونهم أقعد به وأعلم بحاله ريبة في عدالته، فإن لم يكن فيهم عدل قبل من (2) غيرهم من سائر بلده، وإذا ثبتت عدالة (3) الشاهد، ثم شهد بشهادة أخرى، فإن أتى القاضي العلم بفضله وبروزه (4)، لم يكلفه التعديل ثانية، إلا أن يطول ما بين الشهادتين، فيسأل عنه، لإمكان أن يكون حدث منه شيء، كان لم يأته الخبر ببروزه كلف التعديل، وهو قول ابن كنانة وسحنون، وقال سحنون: يكلفه التعديل كما شهد، حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته، فإذا أكثر ذلك وتأكد لم يسأله التزكية في المستقبل (5). وقال مطرف وابن الماجشون: إذا عدل ثم شهد بعد ستة أشهر، فليس عليه استئناف التعديل، إلا أن يغمز فيه بشيء، أو يستراب (6) في أمره (7).

فصل [في شهادة الطارئ مجهول الحال]

العدالة تطلب من الشاهد مع القدرة عليها، فإن كان طارئا وتعذرت441442443444445446447

الجزء: 11 - الصفحة: 5378

معرفة حاله وموضعه، من العدالة أو الجرح، وكانت شهادته في مداينة أو مبايعة، جرت 448 في الموضع الذي قدم 449 إليه لم تجز شهادته، وإن كانت مع عدم معرفة العدالة، بأمر جرى بين المتنازعين في السفر.

الجزء: 11 - الصفحة: 5379

باب في التحريح

450 الجرح يسمع في الرجل المتوسط العدالة، ويسمع في الرجل المبرز في العدالة 451، المعروف بالصلاح والفضل، من باب العداوة أو الهجرة أو القرابة، أو ما أشبه ذلك.
واختلف هل يقبل فيها لجرح من وجه الإسفاه؟ فمنعه أصبغ في كتاب ابن حبيب.
وأجازه سحنون في العتبية، وقال: يمكن الخصم من تجريح الرجل البائن الفضل.
ولم يفرق بين جرحه بالإسفاه ولا غيرها 452. واختلف بعد القول بقبول تجريحه، ممن يقبل ذلك على أربعة أقوال: فقال سحنون: لا يقبل ذلك إلا من الرجل المبرز في العدالة.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يجرح الشاهد ممن هو مثله وفوقه، ولا يجرح بمن هو دونه، إلا بالعداوة والهجرة، وأما بالإسفاه فلا 453. قال محمد بن عبد الحكم: إذا كان الشاهد بين العدالة، لم يقبل جرحه إلا أن يكونوا معروفن بالعدالة وأعدل منه، ويذكرون ما جرحوه به، فأما ما يثبت بالكشف عنه، فلا يقبل تجريحه لأهل العدالة البينة 454. وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه، بالإسفاه والعداوة 455.

الجزء: 11 - الصفحة: 5380

قال الشيخ (1): وهذا أحسن؛ لأن الجرح مما يكتمه الإنسان من نفسه، فيطلع عليه بعض الناس، وهي شهادة وعلم عنده يؤديه، مثل سائر الشهادات، والاستحسان أنه (2) إذا كان الشاهد ليس بالمبرز، قبل جرحه من عدل من غير مراعاة له (3)، هل هو (4) مثله أو دونه؟ وإذا كان مبرزا قبل من مبرز كان أيضا مثله أو دونه.
ويسأل المجرح بماذا جرحه؟ فإذا ذكر وجها لا يمكن أن يخفى مثله عن الناس، ولا يشبه أن ينفرد ذلك بمعرفته، لم يقبل ذلك منه، وإن كان مما يخفى مثله، قبل من مجرحه وقلد ذلك.

فصل [هل يشترط أن يعلم الشاهد أو المشهود له بالمجرح]

ويستحب أن يكون التجريح سًرا ولا يعلن به؛ لأن في ذلك أذى للشاهد، ومن حق الشاهد والمشهود عليه أن يعلما بالمجرح، فقد يكون بينه وبين أحدهما عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة، أو غير ذلك مما يمنع التجريح.
ويختلف إذا كان أحدهما الشاهد أو المشهود له، مما يخاف ويتقى شره، هل يسمى المجرح أم لا؟ فقال سحنون: يعلم بالمجرح، ثم قال: دعني حتى أنظر 460. وقيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سًرا، وقد يقول المجرح أكره عداوة الناس، قال: نعم إذا كانوا عدولا 461.456457458459

الجزء: 11 - الصفحة: 5381

قال الشيخ: قول سحنون أحسن، لفساد قضاة اليوم، ولو كان القاضي العدل المبرز واجتهد في وجوب الكشف، وهل بين الشاهد والمشهود له والمجرح عداوة، أو بين المشهود عليه قرابة، والمجرح (1) مبرز في عدالة، واجتهد في وجوب الكشف (2)، والآخر ممن يخاف متى أعلم، لرأيت ألا يعلم، وهذا (3) من تغليب أحد الضررين، وإذا علم الجرح أنه يعلم به مثل هذا الذي يخاف، لم يجرحه، وقد رأيت من تقبل شهادته، وليس من أهل الشهادة، ولا يجرحون خوفا منهم.

فصل [هل يشترط تفسير الجرح وبيان أسبابه]

اختلف في قبول 465 الجرح جملة، من غير ذكر الوجوه التي يقع بها الجرح، على أربعة أقوال: فقيل: يقبل.
وقيل: لا يقبل 466. قال مطرف وابن الماجشون: إذا كانا ممن يعرف وجوه التجريح لم يكشفا عن غير ذلك، كان الجرح ممن هو ظاهر العدالة، أو ممن حاز بالتعديل 467. وقال أشهب -في المجموعة-: إذا كان الشاهد مشهورا بالعدالة، لم يقبل ذلك حتى يبينوا 468 جرحته ما هي؟ وإن لم يكن مشهورا بالعدالة، وإنما قبل بمن عدله قبل ذلك 469. وقال ابن كنانة: إذا462463464

الجزء: 11 - الصفحة: 5382

كان 470 المجرحان مشهورين بالعدالة، لم يسألا، وإن كانا غير مبرزين فليسألا 471. قال الشيخ: إن فهم عنهما الوجه الذي جرحا به، وإنه مما 472 لا يختلف فيه 473 أنها جرحة اجتزئ بذلك.
قال ابن شعبان: إذا قال إن ذكرت ذلك خفت أن أؤخذ به، قبل ذلك، أو أنه ساقط الحال مرة قبل.
قال سحنون 474: إذا قال هو رجل سوء غير مقبول الشهادة، هي جرحة ولا يكشفوا عن أكثر من ذلك 475. قال الشيخ 476 وإن لم يقم 477 أمر بين، كان عليهما أن يذكرا تلك الجرحة، لوجوه: أحدها: أن كثيرا من الجرح يختلف فيه، فذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك جرحة، وبعضهم إلى أنه 478 ليس بجرحة.
والثاني: أن يكون عند الشاهد من ذلك مخرج، فقد يسمع منه كلمة أو يرى فعلا له فيه تأويل، لا تسقط شهادته معه.

الجزء: 11 - الصفحة: 5383

والثالث: أن في ذلك حقا للشاهد، لانتهاك عرضه، وللمشهود له في إسقاط حقه، فكان من حقهما الإعذار إليهما فيما يسقط حرمة هذا (1) وحق هذا وبيان كل وجه يمكن أن يكون لهما فيه منفعة.

فصل [في اختلاف الشهادة]

واختلف إذا اختلفت الشهادة، فعدله رجلان وجرحه رجلان، فقيل: يقضي بأعدلهما.
وقيل: يقضي ببينة التجريح.
قال الشيخ: الحكم في اختلافهما على ثلاثة أوجه 480: يقضي بأعدلهما تارة 481، وتارة بشهادة التجريح، وتارة بآخرهما تاريخا، تجريحا كان أو تعديلا، فإن كان اختلافهما عن مجلس واحد فقالت إحداهما: قال: كذا أو فعله.
وقالت الأخرى: لم يفعله 482 ولم يكن ذلك، أو قالت: كان في المسجد.
وقالت الأخرى: في غير ذلك، مما تسقط به شهادته.
قضي بأعدل البينتن؛ لأنه تكاذب، كل واحدة منهما تكذب الأخرى وإن كانت الشهادتان عن مجلسين مفترقين 483 متقاربين، قضي بشهادة الجرح؛ لأنه مما يخفيه صاحبه، فمتى اطلع من العدل على جرحة، أسقط ما كان عليه من الظاهر أنه عدل، وإن تباعد ما بين المجلسين، قضي بالآخر منهما، فإن تقدمت العدالة قضي بالجرح، وإن تقدم479

الجزء: 11 - الصفحة: 5384

الجرح 484 قضي بالعدالة، وأنه انتقل عما كان علمته عليه 485 الأولى، إلا أن يعلم أنه كان في وقت علم منه 486 الجرح، حسن الظاهر حسبما هو عليه الآن، فيقضى بالجرح وإن كان متقدما.
فاعلم ذلك وبالله التوفيق 487. تم كتاب الأقضية والحمد لله رب العالمين 488 بحمد الله تعالى وحسن عونه وتأييده ويمنه

الجزء: 11 - الصفحة: 5385

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضية
باب في القضاء ومنزلة من يعدل، وما يجوز من القضاء ويخشى من عاقبته؟ وهل يجب أن يقام للناس قاض؟ ومن يولى القضاء ومن (1) يمنعه؟فصل [في وجوب القضاء وصفة القاضي]باب في منزل القاضي من المصر والموضع الذي يجلس فيه للقضاء، وهل يختص بوقت أو يجالسه (1) أهل العلم وذوو العدلفصل [في تعيين وقت للقضاء يَعْلَمَة أهل الخصومات]فصل [شروط الجلوس للقضاء وما يتحلى القاضي من الآداب]فصل [التنازع في الدعوى وحال القاضي مع الخصمين]باب هل يوقف القاضي الحكم فيما أشكل الأمر فيه، أو يدعو إلى الصلح؟ وفي الحكم بين الأقاربباب في الخصمين يحكمان رجلا، أو يحكم أحدهما الآخر (1)، وفي تحكيم المرأة والعبد والمسخوط والصبي والنصرانيفصل [فيما يصح فيه التحكيم]فصل [في التقاضي أو التحاكم إلى العبد والمرأة والصبي والمسخوط وغير العدل]باب في حكم القاضي لنفسه ولزوجته ولولده، ولغيرهم من الأقارب وهل يقضي بعلمه؟فصل [فيما إذا اجتمع في القضية حق للقاضي وحق لله سبحانه]فصل [هل يحكم القاضي بعلمه؟]باب في كتاب القاضي ومكشفه ووكلائه (1) ورسله وجلسائهباب في نقض القاضي أقضيته وأقضية غيره من القضاةفصل [في تجريح البينة وما يوجب سقوطها]فصل (1) [في إنكار المحكوم عليه أنه خاصم عند ذلك القاضي]فصل (6) [فيما اذا أنكرت البينةُ الشهادة]فصل (5) [فيما إذا تبين أنه حكم بخلاف النص أو الإجماع]فصل [في الحكم بشهادة البينة على شهادة غيرها]باب في القاضي يقضي بقضية ثم يقرأنه تعمد فيها جورًا أو أنه أخطأفصل [في القاضي يقرأنه أخطأ]باب في نظر القاضي في أقضية من كان قبله ونقضهاباب (1) في الشهادة على الخطباب في العدالةفصل [في التجريح والتزكية سرًّا]فصل [في من يعدل الشاهد]فصل [في شهادة الطارئ مجهول الحال]باب في التحريحفصل [هل يشترط أن يعلم الشاهد أو المشهود له بالمجرح]فصل [هل يشترط تفسير الجرح وبيان أسبابه]فصل [في اختلاف الشهادة]
كتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل