التبصرة للخميكتاب الرهن
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)

الجزء: 12 - الصفحة: 5671

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب الرهن

باب في الرهن في السفر والحضر وفي حوزه وصفة الحوز وعلى يد من يكون

الرهن في السفر جائز، لقول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وفي الحضر حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "اشْتَرَى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ وَهُوَ بِالمدينةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 1. وأجمع أهل العلم على جوازه في السفر والحضر، إلا مجاهد فإنه منعه في الحضر 2، وإذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوازه لم ينظر إلى من خالفه فيه.
والرهن جائز في 3 أصل عقد البيع والقرض، وبعد ثبوت الدين وتقرره في الذمة.

الجزء: 12 - الصفحة: 5673

فصل [الشرط في صحة الرهن]

الرهن يصح إذا رفع الراهن يده عنه وحازه المرتهن، أو جعل على يد عدل، وإن بقيت يد الراهن عليه مع القدرة على الحوز 4 حتى فلس الراهن أو مات، بطل الرهن.
واختلف إن لم 5 يفرط المرتهن في القبض حتى فلس الراهن أو مات، فقيل: يبطل لعدم الحوز.
وقيل: يصح ولا يبطل، إلا 6 أن يكونا قصدا إلى بقائه، وهو أحسن، وإن كان الرهن شرطًا في أصل البيع أو القرض، كان أبين 7 لأنه يجري في الجبر 8 على تسليمه 9 مجرى البياعات، وإذا كان بعد العقد كان في الجبر على حكم الهبات، وإن اختلفا فادعى أحدهما إلى كونه عند المرتهن، والآخر إلى أن يكون بيد عدل، كان القول قول من دعا 10 إلى العدل وهو قول ابن القاسم في العتبية 11. لأن المراد من الرهن التوثق به، وهذا يحصل بكونه على يد عدل، إلا أن تكون العادة تسليمه إلى المرتهن، وإن لم تكن

الجزء: 12 - الصفحة: 5674

عادة، كان للراهن ألا 12 يسلمه إليه؛ لأنه يقول: لا آمنك عليه، وللمرتهن ألا يقبضه؛ لأنه يقول: عليَّ في قبضه مضرة، أضمنه إن كان ما يغاب عليه، أو أتكلف حفظه إن كان حيوانًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن اختلفا في العدل الذي يكون 13 على يديه، جعله القاضي على يد عدل.
وليس بالبَيِّنِ، وأرى أن يقدم قول الراهن إذا دعا 14 إلى ثقة؛ لأنه ماله وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به.
وإذا خالفه المرتهن في ثقة أو في القيام بمثله- دفع 15 إلى الحاكم، فإن كان على صفة من يوثق به 16، وإلا أوقفه الحاكم حيث يرى.
وإن كان المرتهن رجلين، قال ابن القاسم: يجعلانه حيث شاءا وأحدهما ضامن له.
يريد: ويبقى تحت نظرهما ولا يخرجانه إلى يد ثالث، فإن فَعَلا ضَمِنَا، وإن جعلاه عند أحدهما والآخر ينظر فيه ويتفقده ولم يرفع 17 يده عنه، جاز، فإن ضاع وكان مما يغاب عليه، ضمناه للراهن وكان من هو على يده نصيب شريكه مؤتمنًا.
وإن اختلف المرتهنان وربه، فقال ربه: يكون على يد هذا، وقال الآخران: بل 18 تحت أيدينا، فإن كانت العادة كون الرهن عند المرتهن، كان القول قول

الجزء: 12 - الصفحة: 5675

من قال: تحت أيدينا، فإن لم تكن له عادة، جعله القاضي حيث يرى على قول ابن عبد الحكم.
وأرى أن يكون القول 19 قول المالك إذا ادعى إلى ما لا ضرر فيه على الآخر.

الجزء: 12 - الصفحة: 5676

باب في رهن المشاع

وقال ابن القاسم فيمن ارتهن سدس دار أو حمَّام، أو نصف ثوب، أو نصف سيف: ذلك جائز، وحوزه أن يحوزه عن صاحبه 20. قال الشيخ - رضي الله عنه -: رهن المشاع على ضربين 21، فإن كان الرهن شركة بين الراهن وغيره، صح حوزه إذا رفع الراهن يده عن نصيبه، ثم هما بالخيار بين ثلاثة: بين أن يكون ذلك النصيب على يد المرتهن، أو الشريك، أو على يد ثالث غيرهما، وسواء كان الرهن دارًا أو عبدًا أو دابة أو ثوبًا، وهذا قول ابن القاسم، ووافقه أشهب فيما لا بيان به كالدار والحمام أنه يكون محوزًا وإن كان تحت يد المرتهن والشريك 22. واختلف فيما يبان به كالعبد والدابة والثوب، فرأى ابن القاسم أنه حوز وإن كان تحت أيديهما، ومنعه أشهب؛ وقال: لا يكون حوزًا إلا أن يكون على يد المرتهن أو على يد الشريك أو على يد غيرهما 23. والأول أحسن، ولو كان ذلك الثوب أو العبد عند الشريك ولم يجعل المرتهن يده معه عليه، ولا رضي الشريك أن يكون حائزًا للمرتهن، لم يكن محوزًا، وإن كان جميع الثوب أو الدار أو العبد للراهن، رهن نصف ذلك فرفع يده عن جميع الرهن، كان محوزًا.
واختلف إذا كانت يدهما عليه، هل يكون محوزًا؟ وكذلك إذا تصدق

الجزء: 12 - الصفحة: 5677

بنصيب من دار أو عبد أو ثوب وكانت أيديهما على تلك الصدقة.
وقال ابن القاسم فيمن ارتهن نصيبه من دار واكترى نصيب شريكه أو أرهنه 24: أرى رهنه فاسدًا حين سكن إذا لم يقم المرتهن فيقاسمه هذا 25؛ لأنه صار ساكنًا في نصف الدار، والدار غير مقسومة 26. قال الشيخ -رحمه الله-: لو حاز المرتهن ما لم يسكنه الراهن بغلق أو غيره، صح ارتهانه لنصف ما حاز؛ لأنه بقيمة ذلك المحوز على المشاع، وكذلك لو قاسم المرتهن الشريك البائع، لم يكن له مما صار إليه إلا نصفه.
وللمرتهن أن يمنع الراهن من السكنى حتى يقاسمه الرقاب، فما صار للراهن حازه المرتهن، وما صار للشريك سكنه الراهن، فإن كانت الدار لا تنقسم، منعه من السكنى، ويكرى جميعها ويكون الكراء للراهن، فيكون له نصفه باكترائه من الشريك ونصفه عن نصيبه؛ لأن الكراء غير داخل في الرهن.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن ارتهن دارًا في دين له إلى أجل، ثم اكتراها المرتهن من رجل، ثم اكترى المكتري من الراهن، قال: إن كان من سبب صاحب الدار فالكراء لازم، وذلك فاسد لرهنه ما دامت في يده، وإن كان أجنبيًا وصح ذلك، فذلك جائز 27. ومن ارتهن نصف ثوب فادعى ضياعه، ضمن نصفه وكان في نصفه مؤتمنًا، بخلاف المثال في الصانع أنه يضمن في أحد القولين؛ لأنَّ الغالب في

الجزء: 12 - الصفحة: 5678

الصانع عدم الأمانة والناس مضطرون إليهم، والمداينات على غير ذلك، وليس بالعامل ضرورة إلى غير أمين، وإن عامل غير مأمون فقد كان في مندوحة عنه إلى غيره.

فصل [في حوز الرهن]

وإن كان الرهن يبان به كالثوب والعبد، لم يصح الحوز إلا بمعاينة البينة لقبض المرتهن أو العدل، وأما الأعدال والسفن والبوار إذا دخل على أن تبقى موضعها، يجزئ من ذلك الإقرار والتسليم، ويكون للمرتهن دوابًا ورقيقًا أن يضع المرتهن يده عليهما، وكذلك الأرضون والشجر والبساتين فالإقرار بالتسليم من ذلك جائز، والمرتهن يمنع الراهن في المستقبل من التصرف فيه، وإن كان فيها للراهن عبيد أو دواب؛ كان المرتهن أو وكيله -برضا الراهن- الناظر في ذلك، وسواء ارتهن الأصل أو الثمرة.
وإن ارتهن رجل الأصل وآخر الثمرة، كان لمرتهن الثمرة أن يمنع الراهن من التصرف فيها، ولا يضره إن تصرف ببيع أو هبة.
ولمرتهن الأصل أن يمنع الراهن من التصرف في الثمار والرقاب، فأما مسكن الدار فلا يصح حوزه إلا بخروجه عنه وأن يخليه من شواغله، وإن لم يخله وحال المرتهن بينه وبين ما فيه، جاز، وكذلك إذا ارتهن تابوتًا دون ما فيه فحازه 28 عنه، جاز، وكذلك الحائط دون ثمرته وفيه رقيقه ودوابه، وإنما يفسد الرهن بتصرف الراهن فيه، وكما لو ارتهن نصف ثوب وحاز جميعه، لم يُفْسِد الرهن كون بعضه غير داخل في الرهن.
وكذلك كل ما كان مختزنًا في بيت أو غيره، فإذا حال بينه وبين الرقاب وما

الجزء: 12 - الصفحة: 5679

فيها، صح، كان المرتهن الأصل وما (1) فيه، وإن كان الرهن حانوتًا أو ما له غلة ولم يكن ساكنًا فيه في حال الرهن، أجزأ الإشهاد على القبول، وإن كان في كراء بغير وجيبة، فحوزه أن يجمع بينه وبين المكري ويقدم إليه أن يكون قبض الكراء إلى المرتهن أو من يرضيان بإقامته لذلك.
واختلف إذا كان الكراء وجيبة وقد قبض المكتري الكراء أو لم يقبضه، هل يصح فيه حوز الكراء؟ وذكر ذلك في كتاب الصدقة، وإن كان طعامًا مخزونًا (2) فسلم مفتاحه إليه أو إلى أمين، جاز.

فصل [في صحة رهن الوديعة]

رهن الوديعة يصح بشرطين: أن يرهن جميعها، ويعلم بذلك المودع فيحوزها المرتهن.
وإن لم يعلم أو علم وقال: لا أحوز مَالَكَ، لم يصح الرهن، إلا أن يكون المودع غائبًا، أو يفلس الراهن قبل قدوم الغائب فيختلف فيه؛ لأنه لم يفرط.
واختلف إذا رهن بعض الوديعة ورضي المودع أن تكون يده لها جميعًا، فقيل: ذلك جائز.
وقال عبد الملك في المبسوط: لا 31 يجوز.
واختلف في حوز الأب لولده 32 الصغير إذا تصدق عليه ببعض دار فكانت يده عليه ولولده.2930

الجزء: 12 - الصفحة: 5680

باب في الرهن يستحق

قال: ومن ارتهن ثيابًا فاستحق نصفها، كان الباقي رهنًا بجميع الحق، فإن ضاع وهو في يد المرتهن، ضمن نصفه للراهن، فإن وضعه على يد المستحق أو غيره لم يضمن 33. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو كان الراهن غائبًا، وقال المستحق: يكون على يدي أو على يد فلان، لم يكن للمرتهن ذلك دون نظر الحاكم، فإن وقفه على يد المستحق أو غيره فضاع، لم يضمن المرتهن، وإن ادعى المرتهن ضياعه قبل الاستحقاق وضمن نصيب الراهن.
واختلف في نصيب المستحق، فقال ابن القاسم: يضمنه 34. وقيل: يحلف لقد ضاع ولا شيء عليه.
وقال مالك، وإن قال المستحق: وأنا أبيع نصيبي 35، قيل للراهن والمرتهن: بِيعَا معه، وقيل للمرتهن: لا تسلم رهنك، فإذا بيع كان ثمنه رهنًا في يده بجميع حقه 36. وقال أشهب في كتاب محمد: إن بيع بمثل الدين يعجل ذلك المرتهن في دينه 37. إذ لا منفعة للراهن في وقفه إلا أن يأتي الراهن 38 برهن ثان 39، أو يقول:

الجزء: 12 - الصفحة: 5681

أنا آتي (1) به في المستقبل، أو يكون الدين مخالفًا لما بيع به فلا يعجل.

فصل [في استحقاق الرهن]

يراعى في استحقاق الرهن ثلاثٌ: هل هو مضمون أو معين؟ وهل استحق قبل القبض أو بعده؟ وهل غرمه الراهن أو لا؟ فإن كان غير معين فأتى الراهن برهن ورضي المرتهن ولم يقبضه حتى استحق، خُيِّرَ الراهن على أن يأتي بغيره.
واختلف إذا استحق قبل القبض، فقال سحنون: عليه أن يخلفه، وهو كموته.
وقيل: لا يخلفه.
والأول أصوب؛ لأن المرتهن رهن في الذمة, فإذا أعطاها لغيره بقي الرهن في الذمة على حاله، والغرور في المضمون وغيره سواء, فإن كان الرهن معينًا واستحق قبل القبض، كان فيه قولان، فقال ابن القاسم: البائع بالخيار في سلعته بين أن يضمنها بغير رهن، أو يردها إن كانت قائمة، أو يأخذ قيمتها إن كانت فائتة، سواء أطاع الراهن برهن آخر أم لا 41. وقال عبد الملك بن الماجشون: وإن أطاع برهن آخر خُيِّرَ على قبوله، وإن لم يطع كان بالخيار في سلعته.
وعلى قول مالك لا يكون له مقال في سلعته، ولا في قيمتها إن فاتت، ولا في رهن ولا في غيره؛ لأنه قال: إن تعدى الراهن على الرهن فباعه قبل القبض لم يكن للمرتهن مقال في رد 42 بيع الرهن ولا في أخذ ثمنه ولا في سلعته ولا في40

الجزء: 12 - الصفحة: 5682

ثمنها 43. وإذا لم يكن له مقال إذا تعدى عليه بالبيع كان إذا استحق أبين، وإن استحق بعد القبض، لم يكن له مقال في ذلك إذا لم يغره، وإن غره كان الاستحقاق قبل القبض وبعده سواء.
واختلف في ذلك، فقال ابن القاسم: لا يجبر الراهن على خلفه ويكون مقال المرتهن في سلعته إما 44 أن يضمنها أو يردها 45. وقال عبد الملك: يجبر على خلفه 46. قال محمد: لا يخير فإن أخلفه أجبر الآخر على قبوله، وإن لم يخلفه عاد مقاله في سلعته 47. وقال سحنون: يجبر على تعجيل الحق 48. وأرى أن استحقاقه قبل القبض وبعده سواء وإن لم يغره، فإن أخلفه أجبر 49 البائع على قبوله؛ لأن الغرض من الرهن ثمنه، ولا فرق بين 50 أن يأخذ ذلك من الأول أو من الثاني، وإن لم يرض بخلفه، كان البائع 51 بالخيار في سلعته بين أن يمضيها 52 بالثمن إلى أجل، أو يأخذها إن كانت قائمة، أو

الجزء: 12 - الصفحة: 5683

قيمتها إن كانت فائتة 53، والاستحقاق قبل 54 القبض بخلاف الموت؛ لأن الموت أمر طرأ بعد صحته والاستحقاق نقض له من أصله، وإن غيره كان بالخيار بين أن يجبر على مثله أو لا يجبره ويعود مقاله في سلعته حسب ما تقدم.
واختلف فيما يفيت السلعة، فقيل: حوالة الأسواق، وهو المشهور من المذهب.
وقال محمد: لا يفيتها إلا العيوب المفسدة 55. ويلزم على هذا فيمن باع سلعته بسلعة ثم استحقت إحداهما لا يفيت الأخرى إلا العيوب، ولا يكون مقال المرتهن في الرهن 56 أعلى رتبة ممن اشترى سلعة فاستحقت من يده.

الجزء: 12 - الصفحة: 5684

باب في ضمان الرهن

الرهن على ضربين: مضمون، وغير مضمون.
فالمضمون: كل ما يغاب عليه وهو غير مستقل بنفسه، كالبسط والثياب والسلاح وما أشبه ذلك.
وغير المضمون أربعة: أحدها: أن يكون مما لا يغاب عليه ودخل على ألا يغيب عليه، وعلى أن يبقى في موضعه، كالثمار في رؤوس النخل والشجر والزرع القائم، أو ما كان في الجرين والأندر؛ لأن المرتهن يغيب عنه في الليل والنهار وهو موكل إلى أمانات الناس.
والثاني: ما يغاب عليه وهو مستقل بنفسه، وهو الحيوان على اختلاف أجناسه من: عبد وفرس وشاة وطير، فقوله مقبول أنه ذهب بنفسه مع إمكان أن يكون باع هذا أو ذبح الآخر 57 وأكله، ويلزم على القول في عارية الحيوان أنه يضمن الرهن إذا كان حيوانًا.
وأرى: أن يضمن كل ما استخف ذبحه وأكله.
والثالث: ما يبان به ولا يغاب عليه، كالسفن ترتهن وهي على ساحل 58 البحر، وكبيرها وصغيرها سواء، وكذلك ما كان من آلاتها من صَارٍ 59 أو

الجزء: 12 - الصفحة: 5685

رجل (1) أو مرسى إذا دخل على أن يبقى في موضعه على الساحل أو غيره، كما يصدق في الطعام في الجرين، وكذلك أعدال الكتان في قاعات الفنادق.
وإن كان طعامًا وزيتًا مختزنا (2) في دار للراهن (3)، وكان مفتاحه بيده أو طبع عليه، كان في ضمان الراهن، وكذلك إن كان في دار غيره أو في مخزن في مثل هذه الفنادق، لم يضمنه وإن كان مفتاحه بيده، إلا أن يعلم أنه كان يتصرف إليه ويفتحه (4)، فإنه ينظر هل يشبه أن يكون أخذ مثل ذلك في تكرره إليه، وإن كان في مخزن المرتهن، لم يصدق في ضياعه.
والرابع: ما لا يبان به، وهو العقار على اختلاف أنواعه من: دار وحانوت وفندق وفرن وحمَّام وأرض عامرة أو غير عامرة، فهو مصدق إن نزل بشيء من ذلك فساد أنه من غير فعله، وإن تلف شيء من أبوابها أو أغلاقها وآلاتها، كان القول قوله أنه لم يجر في شيء من ذلك ويحلف (5) إن كان ممن يتهم بمثل ذلك.

فصل [في المسائل المختلف فيها]

واختلف في خمس مسائل:

  • في سقوط الضمان إذا قامت البينة على تلف الثياب وإذا اشترط المرتهن أنه مصدق في تلفها، أو اشترط الراهن أنه غير مصدق في تلف الحيوان.6061626364 = الصاد، باب: الصاد مع الراء.

الجزء: 12 - الصفحة: 5686

  • وفي ضمان ما أصاب الرهن من سوس أو قرض فأرٍ أو حرق نار.
    فقال مالك وابن القاسم: لا ضمان على المرتهن إذا قامت البينة على تلف الثياب 65. وإن اشترط أنه مصدق من غير بينة لم ينفعه شرطه.
    وخالف أشهب في الوجهين جميعًا 66، وأرى 67 أن الضمان باق مع وجود البينة على التلف، ورواه عن مالك، وساقط بالشرط مع عدمها.
    وأرى أن يسقط مع قيام البينة؛ لأن الرهن لم ينقل الملك، وهلاك كل ملك من مالكه إذا 68 كان في يد الآخر بإذن مالكه، وليس بتعدٍ وإن سقط الضمان مع الشرط؛ لأنه شرط صحيح لا فساد فيه فوجب الوفاء به، ولهذا إذا كان الرهن شرطًا في عقد البيع والقرض وإن كان بعد تقرر 69 الدين في الذمة، كان له شرط على كل حال؛ لأن تطوعه بالرهن معروف منه 70، وإسقاط الضمان معروف ثان، فأشبه العارية إذا شرط ألا ضمان على المستعير، فاتفق ابن القاسم وأشهب ألا ضمان عليه؛ لأن العارية معروف وإسقاط الضمان معروف ثان.
    وقال ابن القاسم: إذا شرط ضمان الحيوان، شرطه باطل 71. ويجري فيها قول آخر أنه ضامن؛ لأن الحيوان يختلف في ضمانه من غير شرط، فالشرط ها هنا أخذ بأحد القولين.

الجزء: 12 - الصفحة: 5687

وقال مالك في كتاب محمد في الساج 72 يرهن فيتآكل من السوس: لا ضمان عليه ويحلف ما أضعت ولا أردت فسادًا، قال: وإن أضاعه 73 ولم ينظر في شيء من أمره فيشبه أن يكون فيه شيء 74. وقال ابن وهب 75 في الدمياطية: المرتهن ضامن، ورأى أن عليه أن ينفضه ويتفقده، وأن السوس لا يكون إلا مع الغفلة.
والقياس: أن لا شيء عليه؛ لأن مقتضى الارتهان حوزه عن صاحبه وثيقة في الدين، والنفض أمر زائد على وضع اليد، إلا أن تكون في ذلك عادة.
وأما الخشب وما أشبهها، فإن الضمان من الراهن؛ لأن سوسه ليس من عدم التفقد.
وفي كتاب تضمين الصناع الكلام على قرض الفأر وحرق النار والحكم في ضمان الصانع والمرتهن في ذلك سواء 76.

الجزء: 12 - الصفحة: 5688

باب في الراهن أو المرتهن يتعدى على الرهن فيبيعه قبل الأجل أو بعده

قال مالك فيمن ارتهن رهنًا فباعه الراهن بعد حوزه بغير إذن 77 المرتهن، لم يجز بيعه، فإن أجازه المرتهن، جاز وعجل له حقه ولم يكن للراهن أن يأبى 78 من ذلك، وإن باعه بغير أمر 79 المرتهن وقال: لم آذن في البيع ليأخذ الراهن الثمن، حلف على ذلك، فإن أتى الراهن برهن ثقة يشبه المبيع، أخذ الثمن، وإن لم يقدر على ذلك، وقف هذا الثمن إلى محل الأجل 80. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن بيع بغير أمره بمثل الثمن والدين عين، لم يرد البيع وعجل الدين، وكذلك إذا كان الدين عرضًا من قرض فرضي الراهن أن يشتري بثمنه ويعجله وفيه وفاء، وإن لم يوف بالدين وهو عين، أو كان فيه وفاء بالقرض ولم يرض الراهن بتعجيل الدين، أو كان الدين عرضًا من قرض ولم يجتمعا على تعجيل الدين، لم يجز البيع، وإن كان ذلك وقت نفاق ذلك الرهن أو موسم بيعه، لم يرد البيع وإن 81 لم يوف بالدين؛ لأن المنع ضرر على الراهن من غير منفعة المرتهن، وإن بيع بأمره وكان ذلك وقت بقائه، وقال: آذنت له، فإنه يصدق.
وإن لم يكن وقت بيعه، وقال الراهن: أردت أن أتصرف في ثمنه، فإن كان سلمه إليه، كان رضًا بإسقاط رهنه، وإن بيع وهو في يده لم

الجزء: 12 - الصفحة: 5689

يخرجه، صُدِّقَ المرتهن أنه لم يأذن في بيعه ليسلم الثمن إليه 82، وهذا إذا بيع بعد الحوز.
واختلف إذا باعه قبل الحوز، فقال مالك: البيع ماض 83. وقال ابن القاسم: وليس عليه أن يعطيه رهنًا غيره؛ لأنه إذا 84 تركه حتى باعه فكأنه ترك الرهن 85. وقال مالك في كتاب محمد: يمضي البيع والثمن للراهن، ولا يعجل المرتهن منه حقه ولا يوضع له رهن مكانه، ولا ينقض ما بينهما من بيع أو سلف، وقد كان للمرتهن لو لم يبعه أن يقوم فيأخذه رهنًا، وقاله ابن القاسم وأشهب 86. وفي كل هذا اختلاف: في نقض 87 البيع، وفي تعجيل الدين، وفي إلزامه رهنًا مكانه، وفي أخذ سلعته إن لم يصح الرهن.
فقال ابن القاسم في العتبية: إن كان الراهن موسرًا أخذ منهما عليه من

الجزء: 12 - الصفحة: 5690

الدين وعجل للطالب حقه، وإن كان معسرا 88 لم ينقض البيع للراهن 89. وأرى أن يرد بيعه إذا كان الرهن شرطًا في أصل العقد 90 أو القرض إن باعه مبادرة أو التراخي اليسير 91 مما يرى أن المرتهن لم يسقط مقاله فيه، وإن فات مشتريه كان الثمن رهنًا، وقد قال ابن القاسم فيمن وهب هبة ثم باعها وقد فرط الموهوب له في القبض: إن البيع ماض ويكون الثمن للموهوب له 92. فهو في هذا أبين، وإن أحب ألزمه رهنًا آخر مكان الأول 93. وقد قال عبد الملك بن الماجشون فيمن غير 94 من الراهن: أن يجبر على رهن آخرة فهو في التعدي على الرهن بعد صحته أبين، فإن لم يجد 95 له شيئًا، كان بالخيار في سلعته إن كانت قائمة بين أن يمضيها إلى الأجل أو يأخذها، وهو قول ابن القاسم وغيره في الاستحقاق، إذا استحق قبل الحوز فهو في التعدي على الرهن أحرى ألا يسقط حقه 96 في سلعته، وإن تطوع بالرهن بعد العقد ثم باعه قبل القبض، لم يكن له مقال في نقض البيع في سلعته ولا في ثمنها، ويجري الجواب في نقض البيع في الرهن، وفي تعجيل ثمنه أو إلزامه رهنًا آخر على ما تقدم، وهو بمنزلة من وهب هبة ثم باعها مبادرة بعد التراخي.

الجزء: 12 - الصفحة: 5691

والجواب عن هبة الراهن وعتقه وتدبيره وكتابته وإيلاده يأتي فيما بعد إن شاء الله، وهذا الجواب إذا تعدَّى الراهن في البيع، وأما إن تعدى المرتهن وباع الرهن قبل الأجل، نقض بيعه ووقف على يد عدل غيره، لئلا يتعدى فيه مرة أخرى، فإن فات به مشتريه وقفت قيمته.
وقال مالك في المرتهن يوم التعدي 97 عليه: إلا أن يكون الثمن الذي باعه به أكثر فيوقف الثمن.
وقال مالك في المرتهن يبيع الرهن أو يهبه: إن للراهن أن يأخذه حيث وجده ويدفع ما عليه فيه، ويتبع الذي اشتراه الذي غيره 98 منه بحقه 99. يريد: إذا بيع بعد الأجل فيدفع الراهن للمرتهن ما عليه، ويأخذ رهنه ويتبع المشتري المرتهن بالثمن.
وإن كان وهبه، دفع الدين للمرتهن وأخذه من الموهوب له، ولا شيء للموهوب له 100 على الواهب، وإن غاب المرتهن واختلف الدين والثمن، فإن كان الدين أكثر، دفع إلى المشتري ثمنه ووقف السلطان الفضل، وإن كان الثمن أكثر، أخذ الدين وأتبع البيع بالفضل 101، وإن باعه بعرض أو مكيل أو موزون ثم غاب، فإن السلطان يقبض الدين من الراهن ويدفع إليه الرهن ويشتري من الدين مثل ما قبضه المشتري من المرتهن 102، فإن

الجزء: 12 - الصفحة: 5692

فضل للغائب شيء وقفه له، وإن فضل عنده شيء أتبعه به، وإن كان 103 باعه بعرض دفع إليه قيمته.
وقال ابن القاسم في العتبية في المرتهن يبيع الرهن ولا يعلم له المرتهن ولا الراهن صفة ولا قيمة: إن المرتهن يحلف على ما باعه به ويجعل ما بيع به ثمنه 104. وقال عبد الملك بن الماجشون 105 إذا فات كان عن المرتهن الأكثر من قيمته أو الثمن.
وقاله أصبغ إذا كانت للمرتهن بينة على صفته يوم باعه، فإن لم تكن له 106 بينة، كانت عليه قيمته يوم باعه على صفته التي كان عليها يوم ارتهنه 107، إلا أن تكون 108 صفته يوم باعه كانت أفضل من صفته يوم ارتهنه، فيكون عليه قيمة صفته يوم باعه، إلا أن يكون الثمن أكثر، وهذا إذا كان الرهن مما يغاب عليه، وإن كان مما لا يغاب عليه، كان عليه الأكثر من قيمة صفته يوم باعه أو الثمن الذي باعه به 109. يريد: لأن الثياب مضمونة بنفس القبض فلا يُصَدَّقُ في نقص القيمة، كما لا يصدق في ذهاب بعضه، والحيوان غير مضمون فكان 110 القول قوله إذا تعدى عليه هو على الصفة التي اعترف بها.

الجزء: 12 - الصفحة: 5693

باب في غلات الرهن

غلات الرهن على وجهين، فغلات الديار والعبيد والحيوان غير داخلة في الرهن، وكذلك الثمار حدثت بعد العقد أو كانت مأبورة، وما كان منها يتضمنه مطلق البيع يتضمنه مطلق الرهن، وكذلك الزرع إذا زرع بعد العقد فهو غلة، وإن كان بعد العقد وبرز لم يدخل في الرهن إلا بشرط، وإن كان فيه ولم يبرز دخل في الرهن إذا أقام بالبيع قبل بروزه.
ويختلف إذا برز قبل البيع هل يدخل في الرهن ويباع للمرتهن، أو يدخل الغرماء معه فيه؟ وقد 111 اختلف فيمن ارتهن 112 أرضًا وفيها زرع لم يبرز ثم برز وحده ثم ظهر على عيب هل يكون غلة إذا تم، أو حتى يتعسل 113؟ والصوف الحادث بعد الرهن غلة إذا جز قبل بيع الرهن.
ويختلف إذا قام المرتهن بالبيع قبل جزازه هل تكون غلة إذا تم، أو حتى يتعسل، أو حتى يجز؟ ويختلف إذا كان الصوف قد تم بعد الرهن ثم جز، فقال ابن القاسم: هو داخل في الرهن 114، وعلى قول أشهب هو غلة.
وولادة الأمة وغيرها من الحيوان إذا كان حملًا يوم الرهن فولد قبل البيع أو حملت به بعد الرهن، داخل في الرهن، وكذلك ولادة الشجرة.

الجزء: 12 - الصفحة: 5694

باب فيمن تكفل بكفالة وأعطى رهنًا أو استعار ثوبًا فرهنه أو ادعى دينًا فأخذ به رهنًا

ومن تكفل بمال وأعطى به ثوبًا رهنًا فضاع عند المرتهن ضمنه، فإن كانت قيمته والدين سواء، كان قصاصًا بالدين ويرجع الكفيل بذلك على الغريم، وإن كان فيه فضل عن الدين وكان رهنه بغير أمر الغريم، أتبع بذلك الفضل المرتهن، وإن كان بأمره، كان بالخيار بين أن يتبع به الغريم 115، وإذا كان بأمره صار الأمر كأنه للراهن وضمنه المرتهن للآمر، وإن كان مضمونًا للآمر ضمنه الآمر لصاحبه؛ لأنه لا يصح أن يكون مضمونًا له ولا يضمنه هو.
ومن استعار ثوبًا ليرهنه فضاع عند المرتهن، وكانت قيمته يوم استعاره خمسة عشر ويوم سلمه للمرتهن عشرة، فإن تعدى في حقه ثم سلمه ضمن هو خمسة عشر 116، لم يكن له على المرتهن إلا عشرة، وإن كان نزل السوق 117 بقدر قبضه لم يكن عليه 118 سوى عشرة، ولم يضمن للمستعير إلا ما ضمن له المرتهن، وإن كانت قيمته يوم قبضه عشرة فتعدى 119 المرتهن عليه وقيمته خمسة عشرة ضمن المستعير عشرة، وأتبع المعير المرتهن بخمسة 120.

الجزء: 12 - الصفحة: 5695

وقال ابن القاسم فيمن ادعى على رجل بألف درهم فأنكره وأخذ بها رهنًا فضاع عنده ثم قال كنت أقتضيه ولم أعلم: إنه ضامن لقيمة الرهن 121. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما 122 إن لم يعلم الضياع إلا من قوله، فهو ضامن، وإن قامت له بينة على هلاكه من غير سبب له فيه، أو كان حيوانًا فمات، لم يكن عليه شيء، وكذلك كل ما كان يصيبه لو كان يصيبه بيد صاحبه، وأما كل 123 ما أصابه بسبب انتقاله إلى يده فهو ضامن؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وإن اعترف أنه كان عالمًا بقضاء دينه أو شهدت عليه بينة لذلك، كان 124 غاصبًا وأجرى فيه أحكام الغاصب.

الجزء: 12 - الصفحة: 5696

باب الحكم فيمن إليه بيع الرهن وإذا باعه المرتهن أو العدل بغير أمر السلطان

وإذا حل أجل الدين لم يكن للمرتهن أن يبيع بغير إذن الراهن، فإن لدَّ عن البيع أو كان غائبًا فالسلطان (1)، فإن لم يكن سلطان أو كان تناوله (2) شاقًا فأرى بيعه جائزًا إذا كان بيعًا صحيحًا، وبعد أجل فيهما هو (3) بينه وبين الراهن، قال: فإن كان الرهن مما يسرع إليه الفساد مقثأة (4) أو قضبًا (5)، باعها من غير سلطان ولا يطالع ربها؛ لأن حبسها فساد.

فصل [في المرتهن يشترط أن يبيع الرهن من غير مؤامرة صاحبه أو العدل]

وإن شرط إليه 130 المرتهن أن له أن يبيع الرهن من غير مؤامرة صاحبه، أو125126127128129

الجزء: 12 - الصفحة: 5697

العدل إذا كان على يد عدل، جاز إذا كان الرهن بعد عقد البيع؛ لأن كل ذلك معروف من الراهن والإذن في بيعه.
واختلف إذا كان ذلك شرطًا في أهل العقد، فقال مالك: لا يباع إلا بإذن السلطان، كان الرهن على يد المرتهن أو على يد عدل 131، فإن بيع بعد البيع لم يرد ولم يفرق بين عظيم البيع في ذلك ولا حقيره.
وقال في كتاب محمد: إن كان من الأشياء التي لها بال مثل الدور والأرضين والحيوان، فإنه يرد ما لم يفت، فإن فات مضى 132. وقال ابن القاسم في العتبية: أحب قوله أن يمضي إذا أصاب وجه البيع وإن كان له بال؛ لأنه بيع بإذن صاحبه وضمنه مشتريه 133، ويلزمه على قولهما أن يكون للراهن أن يغر لهما المرتهن والعدل.
وقال إسماعيل القاضي، وأبو الحسن بن القصار، وأبو محمد عبد الوهاب: يجوز للراهن أن يجعل للمرتهن أن يبيع الرهن، وليس له أن يفسخ وكالته ولا يعزله 134 من بيعه 135 وهو أقيس؛ لأن في ذلك حقًا للطالب جعل إن كان حاضرًا فله أن لا يتكلف مطالعة السلطان، وإن غاب ألا يتكلف إثباتًا، وقول مالك ألا يفعل، فإن فعل مضى، وهذا دليل على ذلك عنده على وجه الاستحسان.

الجزء: 12 - الصفحة: 5698

فصل [في الرهن يوقف على يد عدل]

وقال ابن القاسم في الرهن يوقف على يد عدل: فإن تعدى العدل بدفعه إلى الراهن فضاع ضمنه للمرتهن، فإن دفعه للمرتهن ضمنه للراهن، وإن كان كفافًا بالدين سقط عن 136 المرتههن، وإن كان في الرهن فضل غرمه العدل 137؛ لأن الراهن لم يرض أن يكون رهنه عند المرتهن، وهذا إذا سلمه المرتهن 138 بعد الأجل أو قبله ولم يعلم بذلك حتى حل الأجل، فأما إن علم بذلك قبل الأجل، كان له أن يغرم قيمة أيهما شاء؛ لأنهما متعديان عليه، هذا متعد في دفعه، وهذا متعد في أخذه، وتوقف 139 القيمة على يد عدل غير الأول خيفة أن يتعدى عليه ثانية، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ليأخذ 140 القيمة، وإن ابتدأ بالعدل لم يكن للعدل أن يرجع على المرتهن بشيء 141؛ لأنه سلطه عليه، وهذا إذا قامت على ضياعه بينة.
ويختلف إذا لم تكن بينة هل للعدل أن يغرم قيمته للمرتهن 142 إلا أن يكون قصاصًا؛ لأنَّ العدل يغرم بالتعدي حقيقة والمرتهن يغرم له من باب التهمة ويمكن أن يكون صدق، ولا خلاف في المرتهن إذا غرم بالتعدي أنه تؤخذ منه

الجزء: 12 - الصفحة: 5699

القيمة الآن قبل الأجل.
واختلف إذا غرم بالتهمة هل تؤخذ منه القيمة، أو يكون قصاصًا بالدين؟ فإن أسلمه العدل إلى الراهن، كان للمرتهن أن ينتزعه ويكون على يد عدل.
واختلف إذا لم ينزعه حتى فلس الراهن، فقال ابن القاسم في العتبية: هو أحق به 143، وقال محمد: يكون أسوة 144، ثم لا يخلو الرهن من أن يكون قائم العين، أو غير موجود وقد صون الراهن به ماله أو لم يصنه، فإن كان موجودًا وقيمته عشرة وفي يده خمسة وعليه عشرون، للمرتهن عشرة ولآخر عشرة، اقتسما جميع ذلك، فيأخذ المرتهن سبعة ونصف ويرجع على العدل بتمام دينه، وإن كانت قيمة الرهن خمسة وفي يده عشرة، أخذ نصف جميع ذلك سبعة ونصف، يرجع على العدل بخمسة أسداس دينار؛ لأنه لو لم يسلم الرهن لأخذ المرتهن خمسة وهي قيمة الرهن وتبقى له خمسة وللآخر عشرة وفي يد الغريم عشرة فيقتسمانها أثلاثًا، فينوب المرتهن منها ثلاثًا وثلثا وفي يده من الرهن خمسة فجميع ذلك ثمانية وثلث، وقد صار له بالمحاصة سبعة ونصف، فالذي أضر به تسليم الرهن خمسة أسداس دينار.
وإن هلك الرهن ووجد بيد الغريم عشرة، كان له نصفها بالمحاصة ثم يرجع على العدل بثلاثة وثلث، وإن صون به الراهن ماله كان طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه أو باعه فاشترى بقيمته 145 ما أكله؟ رجع على العدل بدينارين إلا

الجزء: 12 - الصفحة: 5700

ثلث؛ لأنه لو لم يسلم لأنفق الغريم من العشرة التي وجدت في يديه خمسة ولم يجد المرتهن إلا خمسة.... يريد بأنها ثلث ديناران إلا ثلث وخمسة من الرهن فجميع ما كان يصير إليه بالمحاصة سبعة إلا ثلثا بالذي أضر به وتسليم الرهن ديناران إلا ثلث (1)

فصل [في الرهن يوقف على يد عدل فيبيعه ويدفع ثمنه للمرتهن]

وإذا قال العدل: بعت الرهن بمائة ودفعتها إليك، وقال المرتهن: بخمسين وهي التي دفعتها إلي، كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه لم يقبض منه إلا خمسين وكان على العدل غرم خمسين، ثم ينظر في ذلك، فإن قال المرتهن: لا أدري ما بعت به إلا من قولك أنه خمسون، ثم أقررت الآن أنه مائة، أخذت 147 تلك الخمسين الأخرى إذا كان دينه مائة.
واختلف إذا قال المرتهن: كنت حاضرًا ولم يبع إلا بخمسين، هل يكون له أن يأخذه، أو تكون للغرماء دونه؟ ولا شيء له فيها أصوب؛ لأنه مقر أنها أخذت من العدل ظلمًا، فإن قال العدل: بعت بخمسين، وقال المرتهن: بمائة، كان القول قول العدل مع يمينه، إلا أن يأتي بما لا يشبه وأن يكون ثمنه مائة، فيكون القول قول المرتهن، ولأنه لو شهدت له بينة أنه باعه بخمسين كان متعديًا وعليه تمام القيمة، وإن باعه العدل بحنطة أو شعير أو عرض، رد بيعه،146

الجزء: 12 - الصفحة: 5701

وإن فات بيد مشتريه (1) أسلم ذلك وأغرم القيمة، إلا أن يكون فيه فضل على القيمة فيباع ذلك (2) للراهن.
وقال أشهب في كتاب محمد (3): فإن باعه بمثل ما على الغريم ولم يكن به فضل، جاز، وإن كان فيه فضل، رد ذلك الفضل وكان المشتري بالخيار في الباقي كله (4) إن شاء رده كله لما دخل عليه من الشركة (5).

فصل [في أن الرهن مضمون]

الرهن مضمون وإن قضى ما هو فيه إذا كان غائبًا عنهما، إلا أن يقول الراهن: أتركه عندك وديعة، فيكون ذلك له تصديقًا أنه كان وقت القضاء موجودًا، وإن كان موجودًا 153 بين أيديهما فقضى ما رهن فيه ثم قام الراهن وتركه، كان وديعة، ويصدق المرتهن إن قال: ضاع بعد ذلك.
وقال ابن القاسم: إذا قضى الغريم الدين، وقال المرتهن: تعال خذ رهنك، فقال الراهن: دعه عندك حتى أجيئك غدًا فآخذه، فلما جاء من الغد قال: قد ضاع عندي بعدما قضيتني ودعوتك له 154، قال: أرى أن يحلف لقد ضاع ويبرأ وأراه أمينًا 155.148149150151152

الجزء: 12 - الصفحة: 5702

وقال في المدونة فيمن ارتهن ثوبًا بألف درهم وقيمته ألف فوهب 156 الطالب دينه للغريم ثم رجع ليدفع الثوب فضاع، قال: هو ضامن 157. وقال أشهب في كتاب محمد: هو ضامن ويرجع على الراهن فيما وضع من حقه؛ لأنه لو لم يضع لينتفع 158 بقيمة الثوب فيقاصه بقيمته، فإن كان الثوب أكثرة غرم ذلك، وإن كان الدين أكثر، لم يكن على الراهن شيء 159. يريد: بعد أن يحلف.

الجزء: 12 - الصفحة: 5703

باب فيمن ارتهن رهنًا بدين فقضى بعضه أو بدينين فقضى أحدهما هل يرجع في الرهن بقدر ما سقط من الدين؟

وإذا أرهن رهنًا بمائة فقضى خمسين، لم يكن له أن يأخذ من الرهن بقدر ما قضى؛ لأن العادة جارية ألا يسترجع منه شيئًا حتى يقضي آخر الدين.
واختلف إذا كان الرهن بدينين فقضى أحدهما، أو بعبدين فاستحق أحدهما أو رده بعيب، أو كان عبدًا واحدًا بيع بمائة بيعًا فاسدًا فكانت قيمته خمسين، فقيل في جميع ذلك: يكون جميع الرهن رهنًا بالباقي.
وحكى ابن شعبان إذا كان الرهن في حقوق ثلاثة فقضى أحدها 160 أنه يخرج من الرهن بقدره.
وفي كتاب محمد فيمن له على رجل مائة دينار، ثم أقرضه مائة على أن يرهنه رهنًا بالأول والثاني قولان، فقيل: يفض الرهن ويسقط نصفه وهو ما قابل الدين الأول.
واختار محمد أنه يكون جميعه رهنًا بالثاني مثل ما في المدونة 161، وعلى هذا يفض الرهن في الاستحقاق إذا استحق أحد العبدين أو رده بعيب.
وفي الطلاق إذا أرهن بالصداق ثم طلق قبل الدخول، والفض أحسن إلا أن تكون هناك عادة أنه يبقى رهنًا في الباقي.
ومن أسلم دينارًا في ثلاثين درهمًا إلى أجل وأخذ عنها رهنًا ثم فسخ ذلك، فإن كان قدر الدينار والدراهم سواء، كان أحق به حتى يعود إليه ديناره، وإن

الجزء: 12 - الصفحة: 5704

كان قيمة الدينار أربعين، كان أحق بثلاثة أرباع الدرهم والباقي هو فيه أسوة؛ لأنه إنما دخل على أنه يكون رهنًا في ذلك القدر ثم يسلمه.
واختلف إذا كانت قيمته عشرين، هل يكون أحق لجميعه، أو بثلثيه يسقط من الرهن ما ينوب العشرة الزائدة فالمستحقة؟

الجزء: 12 - الصفحة: 5705

باب في اختلاف الراهن والمرتهن

وذلك في ثلاثة: في الدين، أو في الرهن، أو فيهما جميعًا.
الدين والرهن وجهان من غير اختلاف، وهو أن يتفقا على الرهن ويذهب عنهما ما رهن فيه، أو يتفقا على الدين ويهلك الرهن ويذهب عنهما صفته.
فإن اختلفا في الرهن، فقال المرتهن: هو في عشرة.
وقال الراهن: هو في خمسة، وقيمة الرهن عشرة، كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه في عشرة.
قال مالك: ويكون أحق به ليقبضه وحوزه إياه، فإن كانت قيمته خمسة، كان القول قول الراهن مع يمينه، وإن كانت قيمته فوق خمسة ودون عشرة، حلفا جميعًا وكان رهنًا في قدر قيمته 162. واختلف في أربعة مواضع: أحدها: إذا كانت قيمته عشرة وحلف المرتهن، هل يكون شاهدًا على نفسه فيحبسه لا غير ذلك، أو يكون شاهدًا على الذمة ويأخذ العشرة من المطلوب؟ والثاني: إذا كان شاهدًا على نفسه وحلف المرتهن هل له أن يحلف الراهن؟ والثالث: إذا كان الرهن على يد عدل، هل يكون القول قول المرتهن إذا ادعى مثل قيمته أو قول الراهن.
والرابع: إذا كانت قيمته خمسة، هل يكون القول قول المرتهن أو الراهن؟ فقال محمد: إذا كانت قيمته عشرة، حلف المرتهن وحده وكان الرهن على يده أو على يد غيره ويكون له، ولا يجعله شاهدًا على الذمة فيستحق منها ما حلف

الجزء: 12 - الصفحة: 5706

عليه، فإن استحق الرهن أو ضاع ببينة أو ادعى هلاكه وهو حيوان، كان القول قول الراهن أنه لم يكن له 163 إلا في خمسة؛ لأن حكم الرهن قد يسقط فيرجعان إلى ما يغرمه الراهن من ذمته، بمنزلة ما لم يكن فيه رهن؛ لأنه يشبه أن يرهن الرهن في مثل قيمته أو أقل أو أكثر، فجعل القول قول المرتهن لأجل الحوز، فإذا سقط الرهن رجع إلى قول الغريم.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: العادة جارية أن الناس يرهنون ما يساوي ديونهم أو يقاربها لا ما لا يفي بها 164. فعلى قوله يكون شاهدًا على 165 الذمة وإن هلك الرهن أو استحق.
وقول محمد: يحلف المرتهن 166 وحده استحسانٌ؛ لأنه قادر على أن يبيع ذلك الرهن 167 فيأخذ العشرة.
وقيل: إذا حلف المرتهن أنه في عشرة، حلف الراهن أنه لم يرهنه في عشرة، ثم يسلم الرهن؛ لأن المرتهن يقول: لا أتكلف بيعه؛ لأنه يمكن أن يستحق أو يوجد به عيب، والقول الأول أحسن؛ لأن الاستحقاق نادر وليس عليه في تكليف البيع كبير مئونة، فكان ذلك أخف من أن يحمله على اليمين كاذبًا على قول المرتهن.
قال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان على يد عدل، كان القول قول الراهن 168.

الجزء: 12 - الصفحة: 5707

وقول محمد: إنَّ القولَ قول المرتهن وإن كان على يد غيره أصوبُ؛ لأنه إنما أخذ توثقة للدين، فلا فرق بين أن يكون على يده أو على يد غيره.
وإن كانت قيمته خمسة، كان القول قول الراهن.
وفي العتبية: القول قول المرتهن (1)، وهذا من نحو ما تقدم أن الرهن لم يكن شاهدًا على الذمة؛ لأنه يرهن في أقل من الدين وأكثر، ولا يسقط حق (2) بشك، والمرتهن يقول: رضيت إن أخذه في عشرة، فإن كرهت أن تفتديه فدعه.

فصل [فيما إذا هلك الرهن وتصادقا على قيمة الدين ثم اختلفا في قيمة الرهن]

واختلف إذا هلك الرهن وتصادقا على أن الدين عشرة، وقال الراهن: قيمته عشرة، وقال المرتهن: قيمته خمسة، فقال مالك: القول قول المرتهن 171، وهذا يؤيد ما تقدم أن الرهن يرهن في أقل من الدين وأكثر وإذا كان القول قوله لموضع الحوز.
وقال ابن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب: القول قول المرتهن وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن الرهن قد يؤخذ لليمين، وقال أصبغ: القول قول الراهن 172. وهذا يصح على القول أنه شاهد على الذمة، فإن قال المرتهن: هو في عشرة، وقال الراهن: هو في خمسة وقيمته سبعة، تحالفا وكان في سبعة، فإن ابتدأ169170

الجزء: 12 - الصفحة: 5708

بالمرتهن، كان بالخيار بين أن يحلف أنه في عشرة، فإن نكل بعد ذلك الراهن، أخذ المرتهن عشرة بتلك اليمين، أو يحلف 173 المرتهن أنه لم يرهن في دون سبعة، فإن نكل الراهن حلف المرتهن يمينًا ثانية أنه في عشرة وأخذها، فإن ابتدأ الراهن باليمين، كان بالخيار بين أن يحلفه أنه لم يرهنه إلا في خمسة، وإن نكل بعد ذلك المرتهن دفع الراهن خمسة وأخذه، وإن شاء حلف أنه لم يرهنه في عشرة وبرئ منه، فإن نكل بعد ذلك المرتهن حلف يمينًا ثانية أنه لم يرهنه إلا في خمسة وأخذه.
وإن اختلفا فيمن يبتدئ باليمين اقترعا؛ لأن المرتهن يجب أن يبتدئ الراهن باليمين، فإن نكل حلف هو يمينًا واحدة وأخذ بها 174 عشرة، والراهن يجب أن يبتدئ المرتهن باليمين، فإن نكل حلف هو يمينًا واحدة وأخذ الرهن 175 وغرم خمسة، ونكولهما كيمينهما.
وإن اختلفا في الدين وفي قيمة 176 الرهن وقد ضاع، فقال الراهن: الدين خمسة وقيمة الرهن عشرة، وقال المرتهن: الدين عشرة وقيمة الرهن خمسة، كان القول قول الراهن ويحلف أن الدين خمسة، والقول قول المرتهن ويحلف أن قيمة الرهن خمسة، ثم لا تباعة بينهما.
وإن قال الراهن: إنه في ثلاثة، حلف ولم يكن علي الراهن إلا خمسة التي حلف أنها صفة الرهن ولم يكن للراهن فيها شيء؛ لأنه لا يقبل قوله أن الدين

الجزء: 12 - الصفحة: 5709

أقل منها 177. وإن قال الراهن: هو 178 في سبعة، حلفا وكان للمرتهن أن يأخذ منه دينارين بإقراره، وعلى القول الآخر لا يكون له شيء؛ لأن المرتهن لا يصدق أن الرهن أقل من الدين.
وقال ابن القاسم: ومن مات عن رهن قيمته أقل من 179 عشرة، فقال الراهن: هو في خمسة، وقال ورثته: لا علم لنا فيما رهن فيه، كان القول قول الراهن، وهذا راجع إلى الأصل الأول أن الرهن لا 180 يرهن في أقل من الدين 181 وإنما يكون في قيمته إذا ادعى ذلك المرتهن، فإن لم يدع لم يغرم الآخر 182 إلا ما أقر به؛ لأنه إنما أقر 183 بما يشبه.
وعلى ما قال أبو محمد عبد الوهاب: لا يقبل قوله، قال محمد، قال أشهب: فإن كان الورثة صغارًا حلف الراهن ودفع ما أقر به، ولم يكن له إلى الرهن سبيل حتى يكبر الصغار فيحلفوا 184. يريد 185: إذا ادعوا علمًا وأمكن أن يكون عندهم علم، وإلا فيمين هذا الآن تجزئ ويحلف ويأخذ رهنه.

الجزء: 12 - الصفحة: 5710

وإن هلك الرهن وجهلت صفته، كان رهنًا (1) بما رهن فيه ولم يرجع منهم أحد على صاحبه؛ لأنَّ كل واحد منهما لا يدري هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا؟.
وقال أشهب: القياس أن يجعل من أدنى الرهون (2). يريد: أدنى ما يرهن في مثل ذلك الدين.
واختلف في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة الرهن (3)، فقال ابن القاسم: إنما ينظر في (4) قيمته يوم الحكم (5)، فإن كانت قيمته يوم قبض عشرة ويوم الحكم عشرين، كان القول قول الراهن أنه في عشرة، وهذا صحيح على أصل مالك؛ لأنَّ المرتهن قدم لأجل الحوز وإن كان يشبه أن يرهن في أقل.
وقال غيره: إنما ينظر إلى القيمة يوم القبض، قال: وكذلك لو نتجت الدابة في يده.
يريد: إنما تقوم الأم بانفرادها، وهذا موافق لما قال أبو محمد عبد الوهاب أن الرهن يرهن في مثل الدين، وعلى قول ابن القاسم يراعى قيمة الأم والولد.

فصل [فيما إذا اختلف قول الراهن والمرتهن]

وقال ابن القاسم: وإن كان للرجل دين بذكر 191 حق بمائة وفي يده رهن قيمته مائة، وقال: هو رهن في مائة أخرى، وقال الراهن: بل تلك المائة التي186187188189190

الجزء: 12 - الصفحة: 5711

بذكر 192 الحق، كان القول قول الراهن 193. يريد: أن الأمر محتمل هل هو بتلك المائة أو بغيرها ولا يغرم بالشك.
وقال مرة: القول قول المرتهن 194؛ لأن الشأن إذا كان فيما كان فيه ذكر الحق أن يكتب في ذلك الصك، وإن اعترف الراهن بالمائتين، وقال المرتهن 195: في مائة منهما، وقيمة الرهن مائتان، كان القول قول الراهن 196. واختلف إذا كان قيمته مائة، فقال ابن القاسم: القول قول الراهن 197 فيدفع مائة ويأخذه.
وقال أشهب: القول قول المرتهن، والأول أبين.
وإن قال في عبدين: رهنتك هذا والآخر وديعة، وقال المرتهن: بل أرهنتي العبدين، كان القول قول الراهن، وإن قال: أرهنتك هذا العبد بعينه والآخر وديعة، وقال المرتهن: بل 198 هو وديعة والآخر رهن، كان القول قول المالك، ولا يكون للمرتهن إلا ما أقر له 199 أنه رهن.
وقال ابن القاسم فيمن دفع إلى رجل نمطًا وجبة فضاع النَّمَط ثم اختلفا، فقال الراهن: كان النمط رهنًا والجبة وديعة، وقال القابض 200: الجبة رهن

الجزء: 12 - الصفحة: 5712

والنمط وديعة، كان القول قول الراهن مع يمينه أنها وديعة ويأخذها، والقول قول المرتهن مع يمينه أن النمط 201 وديعة ولا شيء عليه 202. وإن قال: بعتك هذا العبد بمائة وقد قبضتها، وقال الآخر: بل 203 أرهنته لي في مائة، كان القول قول المرتهن مع يمينه أنه لم يشتره ويقبض المائة ويسلمه.
وإن قال: بعتك هذا العبد ولم أقبض المائة، كان القول قول المالك أنه لم يقبض، والقول قول الآخر أنه لم يشتره، ولا تباعة بينهما.
وإن قال: أرهنتك في مائة وقبضتها 204. وقال الآخر: بل 205 اشتريته بتلك المائة، كان القول قول المالك أنه رهن ويدفع المائة ويأخذ عبده، وإن قال: لم أقبضها، حلف ورد العبد.
وإن فات بحوالة سوق أو بتغير بدن، لم يكن فوتًا، ولو كان ثوبًا فلبسه فأبلاه، مضى بالأكثر من قيمته يوم لبسه أو الثمن، فإن هلك ببينة أو كان عبدًا فمات وثبت كل واحد منهما على قوله، لم يقض بالثمن لواحد منهما؛ لأن كل واحد منهما ينفي أن يكون له فيه حق، فإن رجع أحدهما عن قوله كان له، وإن رجعا جميعًا كان لأولهما رجوعًا.
وإن قال المالك: أودعتك.
وقال الآخر: أرهنتني، كان القول قول المالك أنه وديعة، وإن لم يقبض ما ادعاه الآخر أنه رهنه فيه، إلا أن تكون العادة في مثل ذلك أنه رهن.
والشأن في مثل البياع يبيع الخبز 206 وما أشبهه يدفع إليه

الجزء: 12 - الصفحة: 5713

الخاتم ونحوه أنه رهن ولا يقبل قول صاحبه أنه وديعة.

فصل [في الدعوى في الرهن]

وإن تصادقا أنه رهن واختلفا في القضاء، كان القول قول المرتهن إذا لم يسلم الرهن، والقول قول الراهن إذا قبضه وطال.
واختلف إذا قرب فلسه 207، هل يكون القول قول المرتهن، أو الراهن؟ وأن يقبل قول الراهن أصوب؛ لأن الشأن أن المرتهن لا يسلم الرهن إلا بعد القبض، إلا أن تكون لقوم عادة في كثير منهم أنهم يسلمون الرهن ثم يطلبون الدين.
وإن كان عليه مائتان مائة برهن ومائة بغير رهن فقضى مائة ثم اختلفا، فقال الغريم: قضيت عن الرهن فادفعه إلي، وقال الآخر: عن التي بغير رهن، تحالفا وقسمت بينهما.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف.
وهذا إذا حل الدينان، فإن حل أحدهما، كان القول قول من ادعى عن الحال، وإن لم يحلا وكان أجلهما سواء أو متقاربا، حلفا وقسمت بينهما، هذا ظاهر المذهب.
والقياس: أن يكون القول قول الدافع؛ لأنه متطوع، فكان القول قوله فيما يقرب أنه تطوع به، وإن تباين ما بينهما، كان القول قول من ادعى أقربهما أجلًا مع يمينه.

الجزء: 12 - الصفحة: 5714

باب في العبد يُرهن ثم يجني جناية

وإذا جنى العبد المرتهن جناية ففداه سيده، بقي في الرهن على حاله 208. قال محمد: فإن أسلمه خير المرتهن بين ثلاث، بين أن يسلمه، أو يفتديه فيكون رهنًا إلى أجله، أو يفتكه بزيادة ولو بدرهم ويكون له العبد بتلًا ويتبع سيده بحقه إلا ذلك الدرهم 209. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ويفترق الجواب إذا افتداه بإذن سيده أو بغير إذنه في تعلق الفداء بذمة السيد وفي بيعه قبل الأجل، وفي مال العبد هل يكون معه فيما فدي به، فإن افتداه بإذنه كان سلفًا في ذمة السيد ولا يباع قبل الأجل.
واختلف هل يكون رهنًا بما فدى به، فقال مالك وابن القاسم: يكون رهنًا، وقال محمد: لا يكون رهنًا.
واختلف فيه قول أشهب 210. وقد اختلف في هذا الأصل فيمن أمر أن يشتري لولد أو يسلف ثمنه هل يحبسه حتى يقبض 211 سلفه، وأرى أن يحلف أنه افتداه ليكون رهنًا في يديه ويكون أحق به، وإن افتداه بغير إذن سيده لم يكن سلفًا في ذمة السيد إن هلك وكان معلقًا بعين العبد.
وقال في المدونة: لا يباع حتى يحل الأجل 212. وقال سحنون: يباع قبل

الجزء: 12 - الصفحة: 5715

الأجل؛ لأن الراهن أسلمه، وهو أحسن، ولا مقال للراهن في تأخير البيع 213؛ لأنه رضي بإسلامه.
واختلف في ماله، فقال مالك: لا يتبعه.
وقال مرة: يتبعه ويكون رهنًا فيما فدى به 214، وهو أبين؛ لأنه افتدى ما كانت الجناية أحق به فيباع بماله، فإن كانت قيمته بغير مال خمسين وبماله مائة والجناية خمسون، كان للمرتهن نصف الثمن وهو خمسون عن الجناية ويبقى خمسون، ينوب نصف العبد منها بغير مال خمسة وعشرون، ويأخذها المرتهن، ويضرب في خمسة وعشرين، وعلى القول الآخر: يباع بغير مال ويبدأ من ثمنه بما فداه به، فإن لم يوف لم يتبع السيد بشيء، فإن وفَّى وفضل شيء 215 قضى عن دين المرتهن، وإن فضل شيء كان للغرماء، وإن لم يوف بما بعد الجناية بدين المرتهن دخل مع غيره من الغرماء في مال العبد.

الجزء: 12 - الصفحة: 5716

باب في ارتهان فضلة الرهن

ومن ارتهن رجلًا رهنًا في مائة دينار ثم استقرض منه مائة وأرهنه فضلة ذلك الرهن، جاز إذا كان الرهن على يده أو على يد عدل ورضي العدل أن يحوز ذلك الفضل للمرتهن، ويختلف إذا لم يرض وقد علم برهن ذلك الفضل أو لم يعلم، واختلف إذا ارتهن الفضل غير الأول، فقال مالك في المدونة: إن رضي الأول جاز، وإن لم يرض لم يجز 216. وقال في كتاب محمد: لا يجوز؛ لأن الأول إنما حاز لنفسه، ويجري فيهما 217 قول آخر أنه 218 يجوز وإن لم يرض الأول قياسًا على المخدم يهب صاحبه رقبته لغير المخدم، فقال: يجوز وإن لم يرض المخدم ولم يعلم.
واختلف إذا كان الرهن على يد عدل فأرهن الفضل غير الأول، فقال مالك في كتاب محمد: يجوز إن رضي الأول.
وقال أصبغ: ذلك جائز وإن لم يرض إذا رضي العدل 219. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا كان أجل الدينين سواء، أو كان الآخر أبعد حلولًا، جاز وإن لم يرض الأول، فإن كان الثاني أقرب حلولًا ودين الأول عرض من بيع دخل الثاني على أن يقبض دينه إذا حل أجله، لم يجز إلا برضى الأول؛ لأن الأول يتعجل حقه قبل أجله، إلا أن يرهنه على أن لا يقوم ببيع

الجزء: 12 - الصفحة: 5717

ذلك الرهن حتى يحل الأجل الأول وفيه معمر من الغرر، وإن كان دين الأول عينًا أو عرضًا من قرض، جاز إذا دخل على أن يعجل حقه إذا حل الأول وإن لم يرض الأول، وهذا إذا علم العدل ورضي أن يحوز ذلك الفضل إذا بيع الأول فيحول بين الرهن وبين ذلك الفضل.
ويختلف إذا لم يرض قياسًا على المخدم وقد تقدم.
واختلف في ضمان فضل الرهن إذا كان على يد المرتهن الأول أو على يد عدل، فقال ابن القاسم: إذا كان على يد الأول 220 سقط عنه ضمان 221 الفضل، وقال أشهب: ضمانه كله من الأول، قال: ولو كان على يد الثاني المرتهن للفضلة فضاع، لم يكن عليه ضمان 222، وعلى أصل ابن القاسم يضمن الثاني الفضل.
وقول محمد أبين؛ لأن الفضل مترقب فقد ينزل سوقه أو ينزل به عيب فلا يكون فضل، وإن كان لا يعلم كم هو يوم البيع ومن باع على أن 223 يأخذ رهنًا ويجعله على يد عدل ثم قبضه، وقال: دفعته إليه، وقال العدل: لم يدفعه إلي، كان القول قول العدل على مذهب ابن القاسم ويغرم البائع.
وعلى قول عبد الملك يكون القول قول المرتهن أنه سلمه والقول قول العدل أنه لم يقبضه وتكون مصيبته من صاحبه، والقول وإن قال العدل: قبضته وضاع مني 224، قبل قوله في دفعه بخلاف الأول، وقيل: لا يقبل

الجزء: 12 - الصفحة: 5718

قوله إلا ببينة.

فصل [فيما إذا رهن الوصى شيئا من مال اليتيم]

وإذا استقرض الوصي ليتيمه فأرهن فيه شيئًا من مال اليتيم وجعله على يد عدل، جاز 225، وسواء كان القرض من عنده أو من عند أجنبي.
واختلف إذا بقي الرهن في يده، إذا كان القرض من عنده وحاز الرهن لنفسه، والقول أنه يجوز أصح، ولو كان 226 بيد رجل وديعة فاستدان صاحبها من المودع دينارًا رهنه تلك الوديعة وحازها لنفسه، كان حوزًا وإن لم يخرجها إلى يد غيره، وقياسًا إذا كان الدين من غير الوصي وبقي الرهن في يده يحوزه الأجنبي 227، فإنه حوز وإن بقيت يده عليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 5719

باب في النفقة على العبد الرهن والبعير الضال

قال مالك في المدونة 228 في العبد أو الدابة ترهن: النفقة على الراهن، فإن أنفق المرتهن كانت النفقة في ذمة الراهن، وسواء أنفق بأمره أو بغير أمره، بخلاف الضالة 229. قال ابن القاسم: ونفقته على الراهن سلف ولا أراها في الرهن إلا أن يقول أنفق علي أن نفقتك في الرهن، فيكون له حبسه بنفقته وبما رهنه فيه، إلا أن يكون عليه غرمًا فلا يكون أحق بالفضل عن دينه أذن أو لم يأذن، إلا أن يشترط أن الرهن يكون رهنًا بالنفقة 230. ومعنى قوله أنفق علي أن نفقتك في الرهن، أي: أنفق لتبيع وتأخذ نفقتك، وهو بمنزلة من يعطي رجلًا سلعة، فقال: بع واستوف دينك، ففلس الدافع قبل البيع أو بعد البيع وقبل القبض للثمن، فإنه أسوة الغرماء، إلا أن يقول: وهي في يدك رهن ما بينك وبين البيع، ولو قال: على أن نفقتك في الرهن لا في ذمتي، ابتدئ بالنفقة قبل الدين ولكان أحق من الغرماء، فإن هلك قبل البيع لم يتبع الراهن.
وقال أشهب: إذا كانت النفقة بغير أمر الراهن كانت في الرهن كالضالة وليست على الراهن 231.

الجزء: 12 - الصفحة: 5720

وقال محمد بن مسلمة: النفقة مبدَّاة على الرهن، وجعله بمنزلة الرهن يحتاج إلى السقي فاستأجر ربه على سقيه أن الأجير مبدَّى، وهو أقيس، فله أن يتبع هذا الراهن بخلاف الضالة؛ لأنه إذا رضي أن يوقف رهنًا إلى الأجل فقد رضي بالإنفاق عليه ويجبر ربه على ذلك، فإذا رضي ربه بالإنفاق، كان للمرتهن أن يأخذها من الرهن ويبدأ بالنفقة لأنه أحياه، وسواء كانت النفقة بأمر الراهن أو بغير أمره، كما قال: الأجير يستأجره رب الزرع، فإنه أحق به وإن كانت أجرته في ذمة صاحب الزرع، كما أن نفقة هذا في ذمة الراهن.

الجزء: 12 - الصفحة: 5721

باب فيمن رهن رهنًا ثم رجع إليه بإيداع أو إجارة أو عارية

وقال ابن القاسم فيمن قبض رهنه ثم جعله على يد صاحبه وديعة أو إجارة: فقد خرج من الرهن، إلا أن يقوم فيطلبه فيكون له ذلك ما يحل بينه وبين غرمائه 232. يريد: يقوم بعد انقضاء الإجارة، فإن قام قبل ذلك وقال 233: جهلت أن ذلك ينقض الرهن وأشبه ما قال، حلف ورده ما لم يقم الغرماء.
واختلف إذا رجع إليه بعارية، فقال مالك: ليس له أن يسترده إلا أن يكون أعاره على ذلك، فإن كان أعاره على ذلك فاستحدث دينًا قبل أن يقوم عليه، فهو أسوة 234. وقال أشهب: العارية والإجارة سواء ترد 235 إليه ما لم يقم الغرماء أو يحدث فيه بيعًا أو تدبيرًا أو تحبيسًا 236، وهو أبين.
فإن كانت العارية إلى أجل يرتجعها 237 إذا انقضى ذلك الأجل.
ويختلف إذا لم يضرب أجلًا هل يرتجعها 238 الآن؛ لأن العارية لا أمد لها؟ وقد قيل في هذا

الجزء: 12 - الصفحة: 5722

الأصل: إنها تبقى إلى مدة يرى أن يعير إلى مثلها، ولو كانت أرضًا أذن له في حرثها، يحمل 239 على أول بطن، فإن رفع 240 زرعه قبضها وليس له أن يستردها قبل ذلك، وقد يحمل قول مالك أنه لا يستردها قبل أن تمضي مدة يرى أنها تعار إلى مثلها.
وأما قوله: إن أحدث 241 دينًا قبل أن يقوم 242 الغرماء فهو أسوة 243، فهو أحد قوليه في رهن من تبين فلسه.
وإن آجره 244 صاحبه من أجنبي لإذن المرتهن، فسد الرهن، وإذا آجره المرتهن بإذن الراهن، لم يفسد، وإن استأجره المرتهن 245 من الراهن، فسد الرهن 246 إذا ولي الراهن العقد، وإن وليه وكيلًا 247 جاز.
وإن ارتهن عبدًا فأبق ثم وجد في يد راهنه، لم يفسد الرهن إذا لم يعلم المرتهن، وإن لم يعلم الإباق، وقال المرتهن: أبق ثم عاد إليه ولم أعلم، لم يصدق.

الجزء: 12 - الصفحة: 5723

باب فيمن ارتهن رهنًا واشترط منافعه

وإذا اشترط المرتهن مدة معلومة في عقد البيع، جاز في الدور والأرضين، ومنعه مالك في الحيوان والثياب.
قال ابن القاسم: لأنه (1) لا يدري كيف يكون الرهن إذا رجع.
قال: وأنا لا أرى به بأسًا (2). فإن شرط ذلك في أصل العقد (3) فهو سلف بزيادة، ويكره أن يأذن له في الانتفاع به بعد عقد القرض والبيع؛ لأنه هدية مديان.
ويختلف إذا كان ذلك بإجارة، كمن بايع من النقد من دين له، لإمكان أن يبيع منه بأقل ويشتري منه بأكثر.

فصل [فيمن استأجر عبدًا ثم وهبه لربه]

واختلف هل يكون الرهن محوزًا إذا كانت الإجارة والرهن معًا، أو كانت الإجارة قبل أو بعد.
فقال ابن القاسم: إن ذلك حوز.
وقال فيمن استأجر عبدًا ثم وهبه لربه: إن ذلك حوزه وإن لم تنقض الإجارة، بخلاف أن يهبه لغير من استأجره، فعلى هذا يكون الرهن محوزًا وإن تقدمت الإجارة.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط، وهو في كتاب محمد: إذا آجر عبده أو داره، أو ساقى نخله رجلًا 251 ثم رهنه إياه بعد ذلك، ثم فلس الراهن248249250

الجزء: 12 - الصفحة: 5724

وهو في يد المرتهن، فلا يكون أحق؛ لأنه بالأجرة والكراء قبضه وكان بيده، كما يكون بيد غيره ممن لم 252 يرهنه ويستأجره.
وقال أحمد بن المعذل: وكذلك إذا رهنه إن كان رهنه إياه أولًا ثم أكراه بعد ذلك متى جاء فيه أمر صار ملكه، وجواز أمره فيه خلف على من قبض الذي هو في يده صار كأنه استأجره منه بعد أن كان في يده رهنًا فسخًا لرهنه.
واختلف إذا ارتهنه من غير من هو في يده بالإجارة، فقال مالك في كتاب محمد فيمن أكرى دارًا أو أعطى حائطًا مساقاة ثم أرهنه: فليس بحوز 253. وقال أيضًا: إن جعل المرتهن مع المساقي رجلًا كان حوزًا 254. قال محمد: الفرق بين ارتهان فضلة الرهن ورهن ما كان في إجارة، أن هذا محاز لربه والرهن محاز عنه 255. وقال ابن نافع في المبسوط: ذلك جائز والرهن مقبوض في المساقاة والكراء.
وقال ابن القاسم في الدمياطية فيمن ارتهن بعيرًا وهو في الكراء: إذا كان المرتهن يعلفه ويقوم به فهو حوز.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا لم يرض المستأجر أن يحوز الرقاب للمرتهن ولم تكن يد المرتهن معه، فليس بحوز، فإن رضي أن يحوز له أو يجعل المرتهن يده معه وكان العبد يأوي إليه ويبعثه مع المستأجر بالنهار، أو يقوم بالدابة ويحفظها ويقوم بعلفها، فهو حوز، ولا يضمن الرهن على قول عبد الملك إذا كان

الجزء: 12 - الصفحة: 5725

المستأجر هو المرتهن؛ لأنه عنده 256 ليس برهن.
وأما على قول ابن القاسم ففيه نظر.
وقد قيل: ينظر إلى القدر الذي يذهب منه في اللباس فلا يضمن، والقدر الذي يبقى مضمونًا على حكم الراهن 257. والذي أرى: ألا شيء على المستأجر؛ لأنه الآن في الإجارة أقوى 258 سببًا منه في الرهن.
وكذلك قال ابن القاسم فيمن استؤجر على أن يحمل أحمالًا ففلس صاحبها قبل أن يحملها وقد أبرزت وقبضها: إنه أحق بها 259، ولو ادعى ضياعها في الطريق لكان القول قوله، فإن انقضت الإجارة وغاب عليها لم يقبل قوله؛ لأنها رهن محض.

الجزء: 12 - الصفحة: 5726

باب فيمن ارتهن خلخَالين وادعى ضياعهما أو أفسدهما

ومن ارتهن خلخالين ثم ادعى ضياعهما ضمنهما، والقول قوله فيما زعم أنه كان فيها، وإن كانا ذهبًا غرم قيمتهما فضة، أو فضة غرم قيمتهما ذهبًا، وعلى القول أن الصناعة إذا فسدت يقضى فيها بالمثل، يكون ها هنا عليه مثلهما مصوغتين؛ لأن الذهب والفضة مما 260 يقضي فيها بالمثل، والصياغة على هذا القول بالمثل فتوجه المثل من الوجهين جميعًا، وإن قال المرتهن: لا علم لي بما كان فيهما، وقال الراهن: كان فيها كذا وكذا وأنه أحلف واستحق، وإن كان مما يخشى، حلف أنه دفع إلى صائغه حين عمله له كذا وكذا وأنه أخذه على ذلك ولم يسترجع مما كان دفع إليه شيئًا واستحق 261، وإلى هذا ذهب مالك في المبسوط.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في امرأة ارتهنت حليًا فتعدى عليه المرتهن فرهنه عند غيره فكسره الثاني وباعه، وادعى صاحبه فيه ما لا يشبه ولا بينة له؛ حلف الذي كسره على ما وجد فيه.
قال محمد: ويحلف المرتهن الأول أيضًا لها 262. يريد: إذا ادعى الأول معرفة ما فيه، وإن قال: لا أدري ما كان فيه، حلفت المرأة على ما قالت واستحقت، وحلف الثاني للأول على ما قال أنه وجد فيه وغرمه.

الجزء: 12 - الصفحة: 5727

واختلفا إذا كسرهما المرتهن الأول، فقال ابن القاسم: عليه ما نقص، ثم رجع فقال: عليه قيمتهما، وقال في كتاب الغصب: عليه قيمة الصياغة 263، وروى أشهب عن مالك: عليه أن 264 يصوغهما، وإن هدم جدارًا كان عليه أن يبنيه 265. فأما القول الأول أن عليه نقصان الصياغة أو قيمتهما، فعلى الاختلاف فيمن أفسد ثوبًا فسادًا كثيرًا، فقال: عليه قيمة العيب، وقال مرة أخرى: قيمته كله.
وأما قوله: إن عليه قيمة الصياغة، فلأن المصوغ والنحاس والحديد وكل ما إذا فسد يعاد إلى هيئته، فإنها 266 صنعة أضيفت إليه أفسدت وبقي الأصل على حاله فصار كسلعتين أتلف إحداهما.
وأما قوله: يصوغهما، فهو راجع إلى ما في كتاب الغصب أنه يرفو ما أفسد؛ لأنه مما لا يستغني اللابس عنه والمتعدي أدخله في ذلك، وكذلك الحائط يهدم، وذكر ذلك مشروح في كتاب الغصب، وأرى إن كانا لتجارة أن يكون عليه الأكثر من قيمة الصنعة أو ما نقصته القيمة، وإن كانا 267 للباس أن يصوغهما.

الجزء: 12 - الصفحة: 5728

باب فيمن باع الى أجل أو أقرض على رهن فإن لم يوف كان له ذلك الرهن بالدين أو باع بيعًا إلى أجل على أن يبقى ذلك المبيع في يده رهنًا

ومن باع سلعة إلى أجل أو أقرض وأخذ بذلك رهنًا على إن لم يوف كان له الرهن بالدين، كان البيع والقرض فاسدًا، ويرد المبيع إن كان قائمًا، وقيمته إن كان فائتًا، ويفسخ القرض ولا يؤخر إلى أجله، وإن كان القرض عرضًا جرى على حكم البيع، يرد مع القيام أو قيمته مع الفوت، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يعطى القيمة الآن، والرهن قبل حلول الأجل إن هلك على حكم الرهان في الضمان.
واختلف إذا فات بعد حلول الأجل 268 وكان على يد عدل أهل تكون مصيبة من المرتهن لأن العدل قابض له، أو من الراهن لأنَّ الحكم أن يرد ذلك الرضا وأن يبقى بيد العدل على حاله حتى يقضي الدين ولا يضمنه إلا أن يقبضه من العدل؟ واختلف أيضًا إذا كان على يد البائع أو المقرض، فقال مالك وابن القاسم: إذا حل سوقه أو تغير في نفسه بعد الأجل فهو فوت.
وقال عبد الملك في المبسوط: إن فات ذلك بعتق أو بنيان بعقد، كان عليه قيمته يوم أحدث العتق والبناء.
وفرق بين أن يصاب ذلك بغير فعل المرتهن أو بفعله، فكان أصيب بغير

الجزء: 12 - الصفحة: 5729

فعله لم يضمنه؛ لأن يده كانت عليه بالارتهان والرضا، والذي تراضيا أن يأخذه من حقه فاسدًا يفسخ، ويقر تحت يد المرتهن حسب ما كان حتى يقبض، ففارق بهذا البيع الفاسد إذا قبض ولم يكن رهنًا، إلا أن يكون المرتهن هو الذي أحدث فيه حدثًا بناء أو عتقًا أو بيعًا، فتكون القيمة يوم أحدث ذلك؛ لأنه لم يكن في ضمانه قبل ذلك.
وقال محمد: قد قيل قيمته يوم فات (1)، ولم يبين الوجه الذي به فات.

فصل [فيمن باع عبدًا إلى أجل على أن يبقى رهنًا بيد البائع]

وقال مالك في كتاب محمد فيمن باع عبدًا أَو دارًا أو ثوبًا إلى أجل على أن يبقى ذلك رهنًا بيد البائع: لم يجز، وإن جعله بيد أجنبي جاز.
قال محمد: ولا يجب ذلك 270. يريد: وإن طال بيد أجنبي.
قال: وكل من اشترى شيئًا لا يدري متى يقبضه لم يجز 271؛ لأنه لعل ذلك يطول الأشهر الكثيرة.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: أما الدور والأرضون فيجوز وإن بقيت بيد البائع، وإن كان عبدًا لم يجز أن يبقى بيد البائع، ويجوز إذا وضع على يد غيره 272. وأجازه ابن الجلاب في الدور والأرضين والسلع ومنعه في الحيوان من غير مراعاة، حيث كان بيد البائع أو غيره 273.269

الجزء: 12 - الصفحة: 5730

وأجازه ابن القصار في جميع الأشياء، وقال: إن شرط البائع أن يكون المبيع نفسه رهنًا جاز ولم يفسخ 274. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لأنه إن جعل وجه المبيع أنه يقع فيه تحجير، ولا فرق بين الدور والحيوان والعروض، وإن كان الوجه للضمان لم يمنع إلا الثياب إذا كانت على يد البائع، وأجيز وإن كان بيعًا فيه تحجير لأجل ذلك التحجير بيد المشتري، وإن دفع عجل الثمن وقبض المبيع.

الجزء: 12 - الصفحة: 5731

باب فيمن ارتهن رهنًا فضاع عنده أو فلس ولا مال له إلا على الراهن

اختلف في ذلك، فقال ابن القاسم: أسوة الغرماء، وليس الدين يرهن في الرهن، وقال أشهب: الراهن أحق بما عليه 275، والأول أبين؛ لأنه إن كان الراهن لم يسلم الرهن إلا لمكان ما عنده من الدين فلم يدخل على أن يكون رهنًا في يده ولا أن يحوزه على ربه، ألا ترى لو حل الأجل وهو موسر لكان عليه أن يبتدئ بدفع ما عليه ثم يقبض رهنه، ولم يكن له أن يقول: أنا أمسك ما علي من الدين حتى أقبض رهني، ولأن المرتهن لو أراد بيع ذلك الدين لم يكن للغريم -وهو الراهن- أن يأبى من ذلك وكان مجبورًا على تسليم ما عليه ويبقى الرهن قبل الأجل على يد العدل رهنًا لمشتري الدين.
وقال ابن دينار: إذا ابتاع الطالب من غريمه سلعة لم يحاب فيها، جاز البيع وكان أسوة الغرماء، فإن قال: إنما ابتعت ليكون قصاصًا، أحلف بالله على ذلك وفسخ البيع؛ لأن الإنسان ربما زاد في الثمن من أجل المقاصة والاقتضاء فليس عليه إذا لم يتم له ذلك أن يؤخذ بالثمن.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا صحيح فيمن يجهل ويظن أنه إذا اشترى يكون أحق، أو اشتراها حقيقة ثم ظهر عليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 5732

باب فيمن باع على رهن غير معين وما يجوز رهنه وما يمنع

إن البيع على رهن غير معين جائز وعلى الغريم أن يعطي النصف المعتاد، والعادة في الحواضر أن يرهنوا ما يغاب عليه، مثل الثياب والحلي، أو ما لا يغاب عليه، مثل الديار وما أشبهها، وليس العادة العبيد ولا الدواب، ولكن على المرتهن قبول ذلك، وإن كان أحق عليه في أنه مصدق في تلفه؛ لأن في حفظه كلفة ومشقة، وإن أحب أن يعطي ثيابًا وامتنع المرتهن؛ لأنه مما عليه فيه ضمان، أو أحب الراهن أن يعطي دارًا وامتنع المرتهن وأحب ما يبين به ويكون تحت غلقه 276، كان القول قول الراهن؛ لأن كل ذلك يرهن، وإنما له فيه وثيقة من حقه إلا أن يشترط صنفًا فيوفى له به، ولو كان الدين عينًا مؤجلًا كان عليه أن يعطيه ما يرى أنه يشتري به مثل ذلك السلم إذا حل في الغالب، وليس للمسلم إليه أن يعطي بقدر ما يسوي المسلم فيه على غلائه قبل الإبان.

الجزء: 12 - الصفحة: 5733

فصل [في أصناف الرهن]

الرهن خمسة أصناف: فالأول: ما يجوز بيعه وملكه، فرهنه جائز على الإطلاق، كان شرطًا في أصل العقد أو بعده.
والثاني: ما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه في بعض الأحوال لمكان الغرر، كالثمر قبل بدو صلاحه، والآبق، والبعير الشارد، والجنين في بطن أمه، وهذا يجوز رهنه في أصل القرض وبعد تقرره في الذمة ويجوز في البيع بعد العقد، واختلف في جوازه في أصل العقد.
والثالث: ما يجوز ملكه ولا يجوز بيعه وليس لمكان الغرر، كأم الولد، وجلود الميتة قبل دباغها، وعظام الفيل.
والرابع: ما لا يجوز ملكه، كالخمر، والسم وما أشبه ذلك، فهذان الصنفان لا يجوز رهنهما؛ لأن فائدة الرهن بيعه عند العجز عن الوفاء وهذه لا يجوز بيعها.
والخامس: ما اختلف في جواز بيعه، كجلود الميتة بعد الدباغ، وكجلود السباع قبل الدباغ وبعده، وكلب الماشية والصيد والزرع، فمن أجاز بيعها أجاز رهنها، ومَن منع البيع منع الرهن.
ورهن منافع المدبر ورقبته مفترقة، فإن أرهن خدمته مدة معلومة يجوز بيعها ليؤاجر المرتهن تلك المدة، جاز في عقد البيع وبعده، وإن رهن جميع خدمته، جاز بعد العقد، ويختلف فيه إذا كان في العقد.
وإن رهن رقبته على أنه إن مات الراهن ولا مال بيع له المدبر وكان في أصل العقد، كان على الخلاف

الجزء: 12 - الصفحة: 5734

في رهن الغرر؛ لأنه لا يباع له الآن ولا يدري متى يموت السيد، ولا هل يحيى المدبر إلى موت السيد.
وإن رهن رقبته الآن ليباع الآن، لم يجز.
ويختلف هل يعاد حقه في الخدمة ويباع له وقتا بعد وقت حسبما يجوز من بيعها؟.
وقد اختلف فيمن ارتهن دارًا ثم ثبت أنها حبس، فقيل: لا شيء له من غلتها؛ لأنه إنما أرهنه الرقية 277. وقيل: يكون له ما يصح للراهن ملكه منها، وهي المنافع التي حبست عليه، وكذلك المدبر.
واختلف في رهن الجنين، فمنعه في كتاب الصلح 278، وأجازه ابن ميسرة، وهذا إذا كان في أصل عقد البيع.
واختلف إذا اشترط منفعة الرهن وكان مما يسرع إليه التغير، كالثياب والحيوان وقد تقدم.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن باع سلعة بحميل على أنه إن مات المشتري أو الحميل فالحمالة ساقطة: فأجازه أصبغ 279. وفي المدونة: إذا كانت الحمالة إلى خروج العطاء، لا بأس، وإن لم يكن المعطي معروفًا إذا لم يكن في أصل البيع إنما هو سلف أو دين، أنظر به 280. وإذا فسد البيع للغرر في الحمالة فسد لمثل ذلك في الرهن، فأجازه لأن الرهن والحمالة خارجان من الثمن والثمن معلوم، ووجه المنع؛ لأن البائع حط

الجزء: 12 - الصفحة: 5735

من الثمن لأجلها.
ويجري فيه قول آخر: أنه إن رضي البائع بإسقاط الحمالة والرهن، جاز.

فصل [فيمن ارْتَهَنَ ثَمرةً لَمْ يبد صلاحها]

يجوز رهن الثمرة إذا كان طيبها عند محل الأجل، أو إيقاف ثمنها إن بيعت، جاز، وإن اشترطا بيعها إذا طابت وأن ينقد ثمنها، وكان ارتهنها في أصل عقد البيع، لم يجز؛ لأن البائع دخل على أن الثمن مترقب لا يدري متى يتعجله إن هلكت الثمرة تأخر جميع الثمن، وإن سلمت لم يبلغ ما تباع به.
وإن كان رهنًا بعد العقد، جاز أن يشترط يعجل (1) ثمنها، إلا أن يشترط أنما (2) عجز من ثمرة هذا العام قبضه من ثمرة قابل، فلا يجوز؛ لأن الراهن لم يرض بتعجيل ثمن هذا إلا لما يرجى بالباقي بعد محل أجله، وإن رهنت بعد عقد البيع وكان طيبها بعد محل الأجل، فإن رهنه على أنه مأخوذ بالقضاء عند محل الأجل فما عجز أخذ من الثمرة إذا طابت، جاز.
وإن شرط أن يؤخر عند الأجل ليقبض من الثمرة لم يجز؛ لأنه لم يرض بتأخيره إلا لمكان ما وثقه من ذمته.

فصل [فيمن ارتهن عصيرًا فصارت خمرًا]

وإن ارتهن عصيرًا فصارت خمرًا، أهريقت، فإن غفل عنها حتى عادت281282

الجزء: 12 - الصفحة: 5736

خلًّا بقيت في الرهن.
وإن كان الراهن نصرانيًا رهن عصيرًا فصار خمرًا، أسلم إليه ولم يهرق، وإن عاد خلًّا أو خلله، انتزعت عنه وردت في الرهن.
وقال ابن القاسم: إذا كان العصير ليتيم فصارت خمرًا، يرفعها إلى السلطان فيأمر بها فتهراق، خوف أن يتعقب فيطلب بها 283. يريد: إذا كان حاكم الموضع يحكم ببقائها أو يخللها، وإلا فليس ذلك عليه.
وفي كتاب مسلم: "سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: لا" 284.

الجزء: 12 - الصفحة: 5737

باب في الراهن يتعدى في الرهن بالبيع أو العتق أو غيره أو يقر أن الرهن لغيره أو أنه جنى جناية

ومن أرهن رهنًا لم يكن له أن يتصرف فيه بالبيع، أو العتق، أو التدبير، أو الكتابة، أو الإيلاد إن كانت أمة، أو الهبة قبل الحوز ولا بعده، إلا أن يعجل ذلك الدين.
واختلف إذا فعل ذلك بعد القبض وهو موسر، هل يحمل فعله على الوجه الجائز والرضا بتعجيل الدين، أو على التعدي؟ فقيل: ذلك رضا بتعجيل الدين، فإن باع بأقل من الدين، كان عليه أن يعجل جميع ذلك الدين.
وإن أعتق، أو دبر، أو كاتب، أو أولد، أو وهب وقيمة العيب أقل من الدين، كان عليه أن يعجل جميع ذلك الدين ويمضي فعله في ذلك كله.
وقيل: لا يحمل للرضا بالتعجيل.
وإن باع بأقل من الدين، خُير المرتهن بين أن يجبر البيع ويأخذ ما بيع به، أو يرد، فإن أعتق وكانت أقل من الدين، كان عليه قيمة العيب.
قال ابن القاسم: إذا أعار عبدًا ثم أعتقه ولا فرق بين العارية وغيرها؛ لأنه لا خلاف أن ليس له أن يفيته إلا أن يتعجل الثمن 285. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: تعديه في العتق كتعديه في البيع 286. وقال أبو محمد عبد الوهاب عن الأبهري: إذا أعتق فأراد الراهن أن يعطيه

الجزء: 12 - الصفحة: 5738

رهنًا آخر إلى الأجل، جاز 287، وكذلك ينبغي إذ [...] 288 الولد ألا يكون عليه إلا قيمة الأمة إن كانت أقل من الدين، وإن دبر أو كاتب بقي في الرهن على حاله.
وقيل: الكتابة كالعتق، بخلاف التدبير 289، وعلى هذا إن وهب قيل للمرتهن: إما أن تمضي الهبة، ويبقى دينك إلى أجله، أو ترد الهبة ويبقى في الرهن، مثل قولي أشهب في البيع أنه يخير المرتهن بين أن يمضي البيع ولا شيء له من ثمنه، أو يرد ويبقى في الرهن، ويحلف الراهن في جميع ذلك أنه لم يفعل ذلك على وجه الرضا بتعجيل الدين.
وإن حل الأجل وهو موسر، قضى ما عليه ومضى فعله على صفة ما عقد، وإن كان معسرًا بيع في الدين.
وقد اختلف فيمن اشترى على صفة الخيار ثم باع أو أجبر، وقال: فعلت ذلك على التعدي ولم أرض بالبيع، هل يحمل على الرضا ويلزم الثمن، أو يحلف ويرد ويعجل الدين، وإنفاذ العتق يصح إذا كان للدين عينًا.
وقال سحنون: إذا كان عرضًا، المرتهن بالخيار إن شاء تعجل دينه وسلم، وإن شاء حبسها رهنًا إلى الأجل 290. وأرى أن الحكم بتغليب أحد الضررين أن لا يتعجل مكانها رهنًا وينفذ العتق وحكم الإيلاد إن كانت ولدت.

الجزء: 12 - الصفحة: 5739

فصل [فيمن أعار عبدًا ليرهنه ثم أعتقه بعد الحوز وهو موسر]

واختلف إذا فعل ذلك قبل الحوز كالاختلاف الأول، فقال ابن القاسم في العتبية: إن باع قبل الحوز أو أعتق أو وطئ أو وهب أو تصدق وكل ما صنع فيه من شيء وهو موسر، جائز ويؤخذ ما عليه من الدين ويقضى صاحبه، وإن لم يكن موسرًا لم يجز منه شيء إلا أن يولد أو يبيع 291، وحمل أنه فعل ذلك على ما يجوز.
وقيل: كل ذلك ليس برضا ولا يعجل الدين.
ويختلف بعد القول أن ذلك ليس رضا في البيع، هل يتعجل الثمن الذي بيع به، أو يوقف، أو يأخذه الراهن ولا شيء للمرتهن فيه؟.
وقال أشهب في كتاب محمد: أما الكتابة والتدبير فللمرتهن أن يقبض رهنه بحوز وهو مكاتب ومدبر، وتكون الكتابة رهنًا ولا تكون خدمة المدبر رهنًا.
قال محمد: والكتابة قبل الخدمة 292. يريد: فيأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرًا ولا شيء للمرتهن فيه، وإن عجز كان رهنًا، وعلى القول الأول يكون للمرتهن أن يأخذ كلما حل نجم من دينه لا فائدة في وقفه، فإن وفَّى أو عجل الكتابة كان حرًّا وإن كان الدين أكثر من الكتابة، وإن عجز كان رهنًا في الباقي.
وأما المدبر فكان حل الأجل وهو معسر، لم يبع له ويكون موقوفًا في الرهن حتى يموت الراهن فيباع له إن لم يخلف شيئًا، وليس كذلك إذا كانت الكتابة

الجزء: 12 - الصفحة: 5740

والتدبير بعد الحوز على القول أنه ليس بوصي فإنه لا يمضى جزيتها إلا بعد قضاء الدين.
وإن حل الأجل والسيد معسر بيع المدبر ولا حجة له؛ لأن السيد إنما التزم التدبير على هذا الوجه، وأما المكاتب فيكون للمرتهن على قول أشهب أن يقبض كل ما حل من نجومه، فإن وفَّى الكتابة ولم يوف الدين، لم ينفذ له حريته على الأجل فيقبض الراهن تمام دينه، فإن لم يوجد له شيء بيع من المكاتب على أنه مكاتب بقدر ما بقي، فإن لم يوف وإلا عجزه، بيعت رقبته على قول محمد أن الكتابة غلة يقبض السيد كل ما يحل من نجومه ولا ينفذ له حرية، فإن أدى السيد الدين بعد محل الأجل، وإلا بيع والعبد في كلا القولين في الخيار بين أن يمضي على الكتابة على مثل ذلك أو يرد؛ لأن عليه في ذلك ضررًا، إلا أن تكون الكتابة على مثل الخراج، فإن أولد تعديا وهو معسر وفيها فضل، بيع منها الآن بقدر الدين ويعتق الباقي، وقال أشهب: يؤخر إلى محل الأجل فإن لم يكن له مال بيع جميعًا؛ لأنه لا تكون بعض أم ولد، وهذا إذا أصابها وهي في حوز المرتهن ولا يتصرف 293. واختلف إذا كانت تتصرف في حوائج المرتهن، فقال مالك: هي أم الولد للراهن وقد خرجت من الرهن 294. وقال في كتاب محمد: إن لقيها الراهن فوطئها فحملت فأرى أن تباع وليس على الولد سبيل؛ لأنه لم يدخل في رهنه 295، فهذا أحسن.

الجزء: 12 - الصفحة: 5741

واختلف إذا كانت على يد عدل فسلمها العبد فحملت منه وهو فقير، فقال ابن القاسم في العتبية: الأمين ضامن لقيمتها يوم حملت وليس لجميع الدين، ويتبع الأمين السيد، إلا أن يكون الأمن فقيرًا فيكون المرتهن أحق بالجارية إذا لم يعلم 296، وعلى قول محمد لا يكون للمرتهن عليها سبيل، وإن كانا فقيرين الراهن والعدل؛ لأنه قال: إذا كانت قائمة العين بيد الراهن ضرب المرتهن فيها مع الغرماء ولم يكن أحق بها، وإن وطئها المرتهن حُدَّ وعليه ما نقصها إن كانت بكرًا، طاوعته أو أكرهها، وقيل: لا شيء عليه إذا طاوعته، والأول أحسن؛ لأن طوعها يتعلق به حق الله وحق للسيد وهو ما نقصها، وطوعها على سيدها لا يسقط حقه.
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا وهب الراهن قبل الحوز وهو موسر كان المرتهن أحق به 297. وقال أشهب: إن كان حاز ما يعجل الدين؛ لأنه فرط، وإن كان معسرًا كان المرتهن أحق به، وإن لم يجزه الموهوب له حتى قاما جميعًا 298. قال محمد: فذلك عند أشهب مثل إذا حازه، فيكون للمرتهن أن يتعجل حقه وتمضي الهبة، وأجرى الجواب على أصله إذا وهب ثم وهب فجاز الثاني إلا أن يعجل له الدين.
وقال مالك فيمن أعار عبدًا ليرهنه ثم أعتقه بعد الحوز وهو موسر: كان عليه أن يعجل الأقل من قيمته والدين، على القول الآخر يعجل الدين وإن كان أكثر من قيمته، والأول أصوب.

الجزء: 12 - الصفحة: 5742

فصل [فِيمنْ رَهنَ عَبْدًا فَأَعْتقهُ وهو فِي الرَّهْنِ]

وإذا أعتق الراهن بعد حوز الرهن وهو معسر، فقال العبد أو أجنبي من الناس: خذوا دينكم ولا يرد في الرق، كان ذلك له ولا مقال للمرتهن، وإن قال الأجنبي أو العبد: إنما قضيت لأرجع على السيد، كان ذلك له؛ لأن السيد رضي أن يعتق ويبقى الدين في ذمته يتبع له، فهم يتبعونه بما رضي أن يتبع به.
وقال أبو الزناد في العبد: ليس له ذلك ولا يجيء قوله على أصل المذهب 299. واختلف فيمن رهن رهنًا، فقال: إن مضت هذه السنة ولم أقض فقد خرج من الرهن.
فقال ابن القاسم: ليس برهن في السنة ولا بعدها 300. وأرى أن يكون رهنًا إن قيم عليه في السنة ولا يكون بعدها، وإن قال: هو رهن في السنة الثانية دون الأولى كان كما شرط، فإن فلس في السنة الأولى دخل عليه فيه الغرماء، وإن فلس في السنة الثانية كان أحق به.
وقال محمد: إذا قال له الراهن أنا مبدى منه بمائة دينار، كان كما شرط ويكون المرتهن أحق بما زاد على المائة، فإن لم يوف بدينه ضرب بالباقي مع الغرماء في تلك المائة، وإذا أقر الراهن بعد الحوز وهو موسر أن الرهن لفلان، كان للمقر له أن يأخذه ويتعجل الراهن الدين، وإن كان معسرًا لم يجز إقراره وكان المقر له بالخيار بين أن يضمن للراهن قيمته أو يؤخر ذلك إلى الأجل،

الجزء: 12 - الصفحة: 5743

فإن كان معدمًا بيع للمرتهن وكان المقر له بالخيار بين أن يتبع الراهن بقيمته يوم تعدى أو بما بيع، ولو لم يتعد وقال: عملت بذلك بعد الرهن، لم يكن عليه أن يتعجل الدين، ولم يكن للمقر له على الرهن سبيل حتى يحل الأجل فيقضي الدين؛ لأن المقر يقول: لم أتعد في الرهن فيلزمني تعجيل الدين، والمرتهن يقول: لا يجوز إقراره علي بما يخرج الرهن ولم أقبض الدين، فإن حل الأجل والغريم معسر، بيع ولم يتبع الراهن بما بيع به، ولا ينظر إلى قيمته يوم كان وضع الراهن يده عليه.
وإن أقر أنه جنى عند المرتهن، لم يجبر على أن يفتديه، ولم يجز إقراره على المرتهن إن قال: أنا أسلمه ولا أفتديه ويبقى في الرهن، فإن حل الأجل وهو موسر قضى الدين وأخذه المقر له بالجناية، وإن كان معسرًا بيع في الدين وأتبعه المجنى عنه بقدر ما قضى عنه من الدين، وإن اعترف أنه جنى قبل الرهن ولم يعلم حتى خفى رهنه، فكذلك إن كان عالمًا وقال: أفتديه، كان كإقراره أنه لفلان.
قال ابن القاسم: يجبر على أن يعجل الدين ويأخذ المقر، وإن كانت الجناية أكثر من قيمته كان للمجني عليه أن يحلفه أنه لم يرهنه رضًا بتحمل الجناية، وإن كان معسرًا بيع في الدين واتبعه المقر له بالأكثر من قيمته يوم رهنه أو بما بيع به.
وقال ابن القاسم فيمن غصب عبدًا ثم جنى عنده ثم رده إلى سيده: فإن سيده بالخيار بين أن يضمن الغاصب ثم يكون الغاصب بالخيار بين أن يفتديه أو يسلمه، وإن أحب سيده أن يفتديه من المجني عليه ولا يتبع الغاصب بشيء 301. وأرى أن الجناية لما لم تكن من الغاصب كانت كعيب نزل به لا سبب

الجزء: 12 - الصفحة: 5744

للغاصب فيه فكان المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذه بعيبه ولا شيء له أو يضمن.
وقال أشهب: المغصوب منه بالخيار بين أن يسلمه في الجناية أو يفتديه ويرجع في كلا الأمرين على الغاصب بالأقل من قيمة العبد أو قيمة الجناية؛ لأن الغاصب لا ينفك من ذلك فإما أن يفتديه أو يسلمه لسيده فهو يغرم الجناية أو يسلمه في الجناية فهي قيمة.

فصل [في رهن المشاع]

وإذا ارتهن رجلان من رجل دارًا ثم قضى الراهن أحدهما كان له أن يغرم في حصته من الرهن ثم يختلف هل يكون يد الراهن مع الباقي منهما أو يجعل وكيلًا مقامه، وقد تقدم ذلك في أول الكتاب في رهن المشاع فإن أرهن رجل من رجلين ثم قضاه أحدهما جاز أن تكون يده معه في نصيبه من الرهن.

الجزء: 12 - الصفحة: 5745

باب فيمن تصدق أو حبس على بنيه وهم صغار أو كبار فيحوز بعض ذلك

وإذا تصدق أو حبس على صغار بنيه بدار أو دور ثم سكن بعض ذلك فإن سكن النصف وحاز النصف، بطل ما سكن وصح ما لم يسكن، وإن سكن اليسير صح الجميع، وإن سكن الكثير بطل الجميع وهذا مذهب ابن القاسم وأشهب فأما الأكثر فلا خلاف فيه فإنه يمضي إن حيز ويبطل إن لم يحز 302. واختلف في القليل في أربعة مواضع: إذا سكن الكثير من الصدقة أو الحبس وكان الأقل محوزًا بيد غيره، أو سكن القليل من الصدقة والأكثر بيده، أو كانوا كبارًا فسكن القليل وحازوا الكثير وهل الدور كالدار في مراعاة القليل والكثير، أو تراعى كل دار في نفسها.
فقال محمد: قال ابن القاسم وأشهب في الحبس إن سكن القليل جاز جميعه فإن سكن الأكثر بطل جميعه قال وسواء عندهما حاز ما بقي هو بنفسه أو حازه غيره 303. وقال عبد الملك: إن حاز البعض صح ذلك البعض، وإن قل وإن سكن القليل والباقي محوز بيد غيره بطل ما سكن، قال: وإنما يترك سكنى العامل في الحبس لأجل حيازة ما لم يسكن بحسن نظره وتعاهده وإصلاحه وحفظه وذلك إنما إذا كانوا صغارًا كلهم 304، وأما الصدقة فإن سكن البعض ليحوز ما

الجزء: 12 - الصفحة: 5746

بقي بطل ما سكن وإن قل فجعل الأتباع مراعاة في نفسها فتصح إن حيزت وتبطل إن لم تحز إلا في القليل من الحبس فإنه في معنى الأكثر لقيامه 305. وقال سحنون: إذا كانوا كبارًا فقبضوا لأنفسهم وسكن البعض بطل ما سكن 306، يريد: وإن قل وهذا مثل قول عبد الملك إنه إنما يعفى عن سكناه القليل لأجل قيامه بالكثير والكبار بها هنا حازوا لأنفسهم ولم أر خلافًا في الكبار إذا حازوا القليل أنه يصح ويلزم على قول ابن القاسم وأشهب إذا حاز القليل الصغار أو حوزوه أجنبيًا أن يبطل ما حازه الكبار إذا كان قليلًا.
وقال أصبغ: إذا كانت دورًا فسكن دارًا منها كبرت أو صغرت أو استغلها أو جلها فهي باطلة ويصح غيرها قل أو أكثر مما حازه للصغار أو حازه الكبار؛ لأن كل دار تصير كحبس على حدة وأما دار واحدة ذات منازل فإذا سكن منها يسيرًا جازت كلها وإن سكن أكثرها أو استغلها جاز باقيها إذا حازه أو حوزه 307. قال: ويتفق هذا في الصغار والكبار 308 وإن كانوا صغارًا أو كبارًا فإن حاز الكبار الأكثر صح الجميع على مذهب ابن القاسم ولا يصح على قول عبد الملك ما لم يحز وإن حازوا القليل صح نصيبهم منه وبطل نصيب الصغار وعلى قول عبد الملك يصح نصيب الصغار؛ لأنه محوز عن الأب بطل ما سكنه الأب في جميع هذه الوجوه؛ لأنه الأكثر وإن سكن الأب بعضًا وحاز بعضًا وحاز

الجزء: 12 - الصفحة: 5747

الكبار بعضًا وكل ذلك قريب من السواء صح نصيب الصغار من جميع الصدقة على قول ابن القاسم؛ لأنه سكن أقل عطيتهم والأكثر محوز لهم بيده وبيد الكبار لم يصح من نصيب الكبار إلا ما حازوه لأنفسهم وبطل ما في يد الأب؛ لأنه الأكثر من صدقتهم وهو لا يصح أن يحوز لهم بخلاف الصغار.

الجزء: 12 - الصفحة: 5748

باب فيمن رهن عبدًا وله زوجة أو أمة هل يمنع منها ومن أرهن أمة هل يزوجها

ومن رهن عبده لم يمنع من زوجته وإن كانت الزوجة ملكًا لسيده وأرهنهما جميعًا لم يمنع منها... (1) في (2) المدونة إذا أرهن جارية عبده أو أرهن العبد وأمته لم يكن له أن يصيبها فإن افتكها أو افتكهما حلت له (3)، وأرى الرهن تعريض للانتزاع.
واختلف إذا رهن العبد دون أمته فقال محمد: له أن يصيبها (4)، وقال محمد بن مسلمة: ذلك انتزل فيمنع منها وإن افتكه فلا ترد إليه إلا برد جديد وشبهه بالبيع.

فصل [في منع تزويج الأمة المرهونة]

ولا يجوز لمن أرهن أمة أن يزوجها، قال ابن القاسم: لأن ذلك عيب 313. واختلف إذا فعل فرضي المرتهن أو لم يرض فأجازه ابن القاسم في المدونة إذا رضي 314.309310311312

الجزء: 12 - الصفحة: 5749

وقال ابن يحيى: يفسخ وإن أجازه، يريد: إذا أجازه على أن يمنع منها حتى يفتك.
وقال ابن القاسم في الدمياطية: السيد ضامن لقيمتها، وقال أشهب: يفسخ ما لم يدخل فإن دخل بعلم المرتهن فسد الرهن وإن كان بغير علمه فالرهن بحاله ويحال بين الزوج وبينها ولا يفسخ ولها صداق مثلها إن كان أكثر مما أصدقها 315. وقال محمد بن عبد الحكم: يفسخ وإن دخل لتأخير الوطء؛ لأن ذلك نقص في الرهن وقد يساوي مائة وبعد التزويج خمسين، فإن فسخ كان صداقها رهنًا معها، وإن نقص الاقتضاض أكثر مما أخذ في الصداق غرم ذلك السيد ووقف مع الصداق 316. انتهى قوله.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الإجارة على أن يمكن الزوج منها جائزة، وعلى أن يمنع منها حتى يفتك لا تجوز، وأما الصداق، فالسيد على القول أنه كمالها؛ لأن مالها لا يدخل في الرهن إلا باشتراط، وإن كانت بكرًا كان للمرتهن منه قدر ما نقصها والفاضل للسيد، وإن كان أقل أتم السيد، وقول ابن عبد الحكم أنه يوقف معها، فعلى القول أنه ثمن لبضعها.

الجزء: 12 - الصفحة: 5750

باب فيمن أرهن جارية بمائة ثم أقرضه مائة على أن يرهنه رهنًا بالدينين جميعًا

وقال مالك فيمن له على رجل خمسمائة وبها رهن جارية قيمتها خمسمائة ثم أقرضه خمسمائة على إن أرهنه رهنًا بألف قيمته ألف قال لا خير فيه 317، وأجازه محمد فيمن له دين رهن، فقال الغريم قبل الأجل زدني في الأجل وأزيدك رهنًا فإن كان الرهن الأول فيه وفاء لا شك فيه جاز 318. والأول أحسن إذا لم يحل الأجل؛ لأن الطالب لا يريد قرضًا ليزيده رهنًا إلا لأمر يتخوفه من الأول، ولو حل الأجل وهو موسر أو معسر وفي الرهن وفاء جاز أن يقرضه برهن يرهنه بالدينين جميعًا؛ لأن التخوف حينئذ إنما هو فيما يكون في المستقبل وقد كان له أن ياخذ حقه حالًا.
وقال مالك في كتاب محمد في رجلين ارتهنا رهنًا من رجل ثم أنظره أحدهما سنة وقام الآخر ببيع الرهن فإن كان ينقسم ولا ينقص حق الذي قام بحقه بيع له نصف الرهن وإن خيف أن ينقص بيع كله وأعطي حقه من ذلك فإن كاتب نفس الذي أنظره دفع بقية الثمن للراهن وإلا حلف أنه لم ينظره إلا ليوقف رهنه على حاله وأعطي حقه 319. وقال مالك في المستخرجة: إلا أن يأتي الراهن برهن فيه وفاء بحق الذي أنظره فيكون له أخذ ثمن الرهن إلى الأجل 320.

الجزء: 12 - الصفحة: 5751

باب في رهن الدين

رهن الدين جائز، وحيازته أن يأخذ المرتهن ذكر الحق ويجمع بينه وبين الغريم، فإن لم يكن ذكر حق فيجمع بينه وبين الغريم ويقدم إليه بحضرة البينة، ألا يقبضه إياه حتى يصل إلى حقه، فإن فعل كان متعديًا وغرم ذلك الدين ثانيًا، فإنه أتلفه على المرتهن إلا أن يكون حقه أقل، وإن كان الغريم غائبًا ولا كتاب عليه فالإشهاد يجزئ وفيه اختلاف.
وإن أرهنت امرأة صداقها دفعت الصداق للمرتهن وجمعت بينه وبين الزوج، ويصح أن يرتهن الرجل دينًا في ذمته ويحوزه من نفسه لنفسه وليس على الطالب أن يدفع إليه ذكر الحق؛ لأنه يخشى أن يجحده، فيتلف حقه ولأن قبض المرتهن للكتاب إنما هو ليقبض به، وهذا مستغني فيه في هذه المسألة، فإن باعه سلعة بثمن إلى أجل على إن ارتهن ذلك الدين فكان أجل الدينين سواء- جاز البيع.
وكذلك إذا كان حلول الدين الآخر قبل، فإن وفى الراهن وإلا بيع ذلك الدين وقضى المرتهن، إلا أن يكون ذلك الدين طعامًا من سلم فيؤخر إلى محل الأجل، وإن كان محل الأجل قبل وشرطا بقاءه في الذمة حتى يحل الأجل الآخر لم يجز ويدخله بيع وسلف، وإن شرطا أن يخرج إذا حل ويوقف عند عدل جاز، وإن لم يشترطا بقاعه ولا إخراجه جاز ويخرج من الذمة إذا حل فيوقف.
تم كتاب الرهن بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا

الجزء: 12 - الصفحة: 5752

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهن
باب في الرهن في السفر والحضر وفي حوزه وصفة الحوز وعلى يد من يكونفصل [الشرط في صحة الرهن]باب في رهن المشاعفصل [في حوز الرهن]فصل [في صحة رهن الوديعة]باب في الرهن يستحقفصل [في استحقاق الرهن]باب في ضمان الرهنفصل [في المسائل المختلف فيها]باب في الراهن أو المرتهن يتعدى على الرهن فيبيعه قبل الأجل أو بعدهباب في غلات الرهنباب فيمن تكفل بكفالة وأعطى رهنًا أو استعار ثوبًا فرهنه أو ادعى دينًا فأخذ به رهنًاباب الحكم فيمن إليه بيع الرهن وإذا باعه المرتهن أو العدل بغير أمر السلطانفصل [في المرتهن يشترط أن يبيع الرهن من غير مؤامرة صاحبه أو العدل]فصل [في الرهن يوقف على يد عدل]فصل [في الرهن يوقف على يد عدل فيبيعه ويدفع ثمنه للمرتهن]فصل [في أن الرهن مضمون]باب فيمن ارتهن رهنًا بدين فقضى بعضه أو بدينين فقضى أحدهما هل يرجع في الرهن بقدر ما سقط من الدين؟باب في اختلاف الراهن والمرتهنفصل [فيما إذا هلك الرهن وتصادقا على قيمة الدين ثم اختلفا في قيمة الرهن]فصل [فيما إذا اختلف قول الراهن والمرتهن]فصل [في الدعوى في الرهن]باب في العبد يُرهن ثم يجني جنايةباب في ارتهان فضلة الرهنفصل [فيما إذا رهن الوصى شيئا من مال اليتيم]باب في النفقة على العبد الرهن والبعير الضالباب فيمن رهن رهنًا ثم رجع إليه بإيداع أو إجارة أو عاريةباب فيمن ارتهن رهنًا واشترط منافعهفصل [فيمن استأجر عبدًا ثم وهبه لربه]باب فيمن ارتهن خلخَالين وادعى ضياعهما أو أفسدهماباب فيمن باع الى أجل أو أقرض على رهن فإن لم يوف كان له ذلك الرهن بالدين أو باع بيعًا إلى أجل على أن يبقى ذلك المبيع في يده رهنًافصل [فيمن باع عبدًا إلى أجل على أن يبقى رهنًا بيد البائع]باب فيمن ارتهن رهنًا فضاع عنده أو فلس ولا مال له إلا على الراهنباب فيمن باع على رهن غير معين وما يجوز رهنه وما يمنعفصل [في أصناف الرهن]فصل [فيمن ارْتَهَنَ ثَمرةً لَمْ يبد صلاحها]فصل [فيمن ارتهن عصيرًا فصارت خمرًا]باب في الراهن يتعدى في الرهن بالبيع أو العتق أو غيره أو يقر أن الرهن لغيره أو أنه جنى جنايةفصل [فيمن أعار عبدًا ليرهنه ثم أعتقه بعد الحوز وهو موسر]فصل [فِيمنْ رَهنَ عَبْدًا فَأَعْتقهُ وهو فِي الرَّهْنِ]فصل [في رهن المشاع]باب فيمن تصدق أو حبس على بنيه وهم صغار أو كبار فيحوز بعض ذلكباب فيمن رهن عبدًا وله زوجة أو أمة هل يمنع منها ومن أرهن أمة هل يزوجهافصل [في منع تزويج الأمة المرهونة]باب فيمن أرهن جارية بمائة ثم أقرضه مائة على أن يرهنه رهنًا بالدينين جميعًاباب في رهن الدين
كتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل