كتاب النكاح الثاني
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243) 3 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 4 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)
الجزء: 4 - الصفحة: 1908
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
كتاب النكاح الثاني
باب في النكاح والبيع في عقد واحد
1
واختلف في ذلك على أربعة أقوال: 2 فمنعه مالك وابن القاسم في المدونة 3، وأجازه عبد الملك في كتاب محمد، إذا كان الباقي بعد البيع ربع دينار فصاعدًا بأمر لا شك فيه 4. وكرهه في ثمانية أبي زيد ابتداء وأمضاه إذا نزل، وكان الثمن كثيرًا وفيه 5 فضل بائن عن البيع.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن أشهب أنه أجاز النكاح، والبيع جملة من غير اعتبار بفضل كالسلعتين 6. وقال مالك في المبسوط: يفسخ قبل ويثبت بعد ولها صداق المثل.
وقال في موضع آخر في امرأة تزوجت على عبد 7، وزادته خمسين دينارًا، ثم طلقها قبل الدخول، قال: يُقَوَّم 8 العبد، فإن كان فيه فضل عن الخمسين ردت نصف الفضل 9.
الجزء: 4 - الصفحة: 1911
فأجازه، وجعل الزائد على البيع للنكاح كالمواضح.
وأرى أن يمنع ذلك ابتداء؛ حماية وخوف الذريعة إلى طرح الصداق؛ لأن كثيرًا من النساء ترغب في الرجل، فتعطيه ليتزوجها إما لجماله أو ليساره، أو لأنه فوق قدرها، أو لتعذر الزوج.
فإن نزل ذلك، وكان فيما دفع فضل بيّن خارج عن التغابن، لم يفسخ؛ لأن منع ذلك 10 النكاح، والبيع في عقد لم تأت فيه آية، ولا سنة، ولا إجماع، ولا وجه لتعليل المنع لأن النكاح أصل لا تجوز فيه الهبة؛ لأن هذا عقد على وجه المعاوضة، ولا للتعليل بجهل الصداق؛ لأن الملك لواحد، وإنما يراعى الجهل في القبض 11 إذا جمع الرجلان ملكيهما في البيع، ولا للقول إنه موقوف على الاختيار هل للنكاح صداق، لأنهما دخلا على البت وهما لا يعلمان أن في عقدهما تعقبًا، وإنما يختبره من يحتسب فيه.
وإذا صح العقد ثم 12 استحق المبيع، أو وجد به عيب؛ كان القبض 13 على قيمة المبيع وقيمة صداق المثل، كما قال أشهب؛ لأنه إذا سَلِم العقد من الفساد؛ كان القبض 14 على الأصل في المبيعين في عقد هذا 15 إذا كان الثمن الذي دفعه الزوج مقاربًا لقيمة المبيع والصداق وإن كان الثمن أقل بالشيء الكثير؛ جعل الفاضل للصداق، كما قال مالك، لما تقدم أن المرأة قد ترغب في الرجل، فلا تبالي أن لا تأخذ شيئًا، وقد يقصد بجمع 16 النكاح إلى البيع؛ لئلا يظهر أنها بخست 17 في صداقها.
وكذلك إذا كان في الذي دفع الزوج فضل بيِّنٌ عن البيع، وصداق المثل خص به النكاح؛ لأن كثيرًا مما 18 يزيد في الصداق ويضعف فيه، لما جعل الله
الجزء: 4 - الصفحة: 1912
سبحانه في ذلك من شهوة النفس (1)، ولا يزيد مثل ذلك في البيع.
وإن لم يكن فضل عن البيع، فسخ قبل وثبت بعد، وكان لها صداق المثل وفوت النكاح، إذا كان هو الأكثر- فوت للسلعة.
وإن كانت قائمة وليس فوت السلعة وإن كان (2) الجل فوتًا للنكاح، إذا لم يكن دخول؛ لأن النكاح مقصود في نفسه، وإن كان تبعًا (3) فليس يتزوج لمكان البيع ويصح أن يشتري لمكان النكاح.
وقال ابن القاسم في العتبية، فيمن تزوج امرأة على إن أعطاه أبوها دارًا جاز، وكذلك إن قال: تزوجتها (4) بهذه الدار تكون صداقها، أو أعينك في تزويجها، ذلك جائز.
وإن قال: تزوج ابنتي بخمسين دينارًا (5)، على أن أعطيك هذه الدار، لم يجز، وكان ذلك نكاحًا وبيعًا (6) (7). والفرق بين السؤالين، أنه في المسألة الأولى، ملك العطية قبل النكاح، ثم هو يتزوجها في ثاني حال بما يتراضيان (8) عليه.
وفي المسألة الثانية، انعقد الجميع عقدًا واحدًا.
والقياس أنهما سواء؛ لأن العطية إذا تقدمت ليتزوج ثم لم يتزوج (9)، ارتجعها منه فصار كالعقد الواحد.
فصل [فيمن تزوج على ثمر لم يبد صلاحه]
وقال مالك، فيمن تزوج على ثمر لم يبد صلاحه 28، أو بعير شارد، أو عبد192021222324252627
الجزء: 4 - الصفحة: 1913
آبق، أو جنين: يفسخ قبل ويثبت بعد، ولها صداق المثل، ومصيبة ذلك قبل القبض من الزوج، وإن قبضته وفات بحوالة أسواق أو نماء أو نقص؛ كانت عليها القيمة يوم قبضته 29. وأما 30 الثمرة فعليها مكيلة ما جدت أو حصدت من الحبوب 31. وكذلك إن تزوجها بخمر يفسخ قبل، ويثبت بعد، ولها صداق المثل 32.
وقد اختُلف في حكم هذا العقد وفي ضمان الصداق، فذكر القاضي 33 أبو الحسن ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب عن مالك فيها 34 ثلاثة أقوال: فقال مرة: يمضي بنفس العقد ولها صداق المثل إن دخل بها.
وإن طلق قبل الدخول؛ لم يكن لها شيء كالتفويض.
وقال مرة يفسخ قبل، ويثبت بعد 35. وقال: يفسخ قبل وبعد 36. وفي كتاب محمد مثله 37. فإن تزوج بخمر يفسخ قبل وبعد.
وقال أبو محمد عبد الوهاب 38: اختلف أصحابنا في تأويل قول مالك: إنه يفسخ قبل، فمنهم من حمله على الإيجاب تغليظًا وعقوبة، لئلا يعود إلى مثل ذلك.
ومنهم من حمله على الاستحباب احتياطًا 39 ليخرج من الخلاف 40.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أثبت ذلك بالعقد مرة، مراعاة للخلاف ولأنه عقد بوجه شبهة تقع به 41 الحرمة بينه وبين أمها وابنتها وبينها 42 وبين آبائه، وتجري فيه
الجزء: 4 - الصفحة: 1914
المواريث، فقام ذلك مقام حوالة الأسواق في البياعات، وفسخه مرة قبل وبعد، بخلاف البيع؛ لأن النكاح يفتقر إلى ولي، فإذا فسد العقد الأول، وجب استئنافه بولي؛ لأن العقد كان فاسدًا، وإنما حصلت الشبهة في الدخول، وهو بغير ولي، وأمضاه في القول الآخر بالدخول مراعاة للخلاف في الولي.
وأما ضمان الصداق فقال مالك: يضمن جميعه بالقبض، وإن فسخ النكاح.
وقال ابن حبيب: إن عثر على ذلك قبل البناء كانت المصيبة من الزوج وله النّماء - كما لو طلّق في النكاح الصحيح وإن بنى بها كانت ضامنة وعليها القيمة.
يريد: أنه لما كان الطلاق في النكاح الصحيح يسقط الضمان في النصف؛ كان الفسخ يسقط الضمان في الجميع.
والأول أحسن؛ لأن المطلق ترك قبض ما اشتراه باختيارٍ 43 منه.
وقد كان القياس -لولا ما ورد في ذلك- ألا يرجع بشيء إن طلق؛ لأنه ترك قبض ما اشتراه باختيار 44 منه، فلا يرجع في ثمنه، وهذا غلب على قبض 45 ما اشتراه، وحيل بينه وبينه في الفسخ 46، فجرى العوض مجرى البياعات 47 في الضمان، ويفوت الجنين بالأيام اليسيرة؛ لأنه يسرع إليه 48 انتقاله.
وفي كتاب البيوع الفاسدة, ذكر الثمار تباع قبل بدو صلاحها ثمرة رطبة أو يابسة وهي قائمة أو فائتة, وقد 49 علمت المكيلة، أو لم تعلم، فاختلف قول ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 1915
القاسم، ومحمد في ذلك 50.
وإن تزوجت بثمر لم يبد صلاحها 51 على الجداد، فغُفل عنها حتى بدا صلاحها، لم يفسخ النكاح؛ لأنه كان جائزًا، ولا يتهمان 52 أن يكونا عملا على ذلك، والثمرة للزوج وعليه قيمتها يوم كانت الزوجة تجدها.
وإن جذتها 53 الزوجة رطبة، وكانت قائمة العين؛ أخذها الزوج، ولا شيء عليها بخلاف أن يتزوج 54 بها على البقاء؛ لأن هذه دخلت على جدادها بَلَحًا، فجدتها رطبًا فلم تزده 55 إلا خيرًا.
وإذا تزوجت 56 على البقاء وكان الشأن جدادها يابسة، لزمتها قيمتها، وإن كانت مجدودة 57؛ لأن جدادها قبل اليبس فساد، وإن تزوجت بخمر فسخ قبل ويثبت بعد 58.
وقال محمد: ومن الناس من قال: يفسخ بعد 59.
واختلف إذا استهلكت الخمر، فقال ابن القاسم: لها صداق المثل ولا تُتْبعُ (11) بشيء.
قال محمد: وكان أشهب يقول في هذا وشبهه: تعطى ما تستحل به، وهو ربع دينار 60.
الجزء: 4 - الصفحة: 1916
وهو أحسن؛ لأن حقها في الصداق سقط بقبضها الخمر، والمقال الآن (1) لحق الله تعالى سبحانه ولو لم تقبض الخمر، لكان لها صداق المثل؛ لأنها تقول تزوجت على ما هو عندي مال، ويصح ملكه.
فإذا حيل بينها وبينه رجعت إلى قيمة سلعتها.
واختلف إذا كانا كافرين فأسلما قبل الدخول، وقبل القبض.
فقال أشهب: لها ربع دينار (2). يريد: لأن الزوج يقول: أنت الآن مسلمة، ولو غرمت لك الخمر لكسرت عليك، فلا فائدة في أن أغرم ما لا ينتفع (3) به، فكانت مصيبة دخلت عليها، بخلاف أن يسلم أو يكون مسلمًا وهي كافرة ممن يصح لها الانتفاع بها.
فصل [فيمن تزوجت بمال غائب]
وقال ابن القاسم، فيمن تزوجت بمال غائب: لم يصلح إلا أن تشترط إن تلف فعليه بدله كالبيع 64. يريد: إذا اشترط الدخول قبل قبضها؛ لأن المبيع 65 يجوز العقد فيه على مثل ذلك ولا يجوز النقد.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يدخل بها، إذا كان على مثل الشهر.
قال: والنكاح في هذا مخالف للبيوع 66.
والكلام في المسألة من ثلاثة أوجه: جواز العقد إذا لم يشترط الدخول، أو اشترطاه، أو تطوعت به من غير شرط، فالعقد جائز والدنانير والدراهم والعبد في ذلك سواء، ولها أن تمنع نفسها حتى تقبض الغائب.616263
الجزء: 4 - الصفحة: 1917
واختلف ابن القاسم وابن حبيب إذا اشترط 67 الدخول.
وقول ابن حبيب ها هنا أحسن أن النكاح بخلاف البيع؛ لأن منع شرط النقد 68 في البيع الغرر 69 إن لم يوجد الغائب انفسخ البيع؛ فكان سلفًا وإن وجد كان بيعًا.
والنكاح إن لم يوجد الغائب، أعطيت قيمته، ولم يفسخ النكاح، ولو شرطا أن يسلكا بالنكاح مسلك البيع فيكون موقوفًا.
فإن لم يوجد الغائب؛ فسخ النكاح، وكان نكاحًا فاسدًا.
وإن تطوعت بالدخول من غير شرط؛ جاز إذا 70 دفع ربع دينار.
ومحمل قول محمد 71 في منع الدخول على أنه كان بشرط 72.
قال محمد في العبد والدار الغائبة 73: يجوز التزويج بهما، ما لم يتفاحش غيبة ذلك، مثل خراسان والأندلس؛ وإن قال أتزوجك بهذه الدنانير التي في يدي جاز.
الجزء: 4 - الصفحة: 1918
باب فيمن تزوج على شوار بيت، أو بنائها (1)، أو على عبد، أو على أَمَة بغير صفة
واختُلف في النكاح على شوار بيت 75؛ فأجازه مالك، وحملها 76 على العادة 77. قال: فإن كانوا في 78 أهل الحاضرة، فشورة مثلها 79 في الحضر.
وإن كانا من أهل البادية فشورة مثلها في البادية، وإن تزوجها على بيت، لم يجز بخلاف الشوار؛ لأنها لا تدري موضعها من البلد.
وكذلك إذا 80 قال: على أن أبني لك بيتًا، لم يجز، إلا أن يسم الموضع، ويكون في ملكه فيجوز، ثم يحملان في صفة البناء على عادة أمثالهما 81 وإن تزوجت على بيت موصوف في الذمة لم يجز إذا لم يذكر الموضع، ويكون الموضع في ملكه.
وإن كان بيتًا معينًا في ملكه، جاز، وإن لم يكن في ملكه، لم يجز.
وإن تزوج على عبد، أو أَمَة جاز، وإن لم يوصف.
ولها الوسط في الجودة والسن 82.
وأما الجنس، فعلى حسب البلد 83 من الحمران والسودان، فإن كانت العادة الصنفين جميعًا، فنصف من هذا، ونصف من هذا 84.74
الجزء: 4 - الصفحة: 1919
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز النكاح على شوار بيت، ولا على خادم بغير صفة، ويفسخ قبل، ويثبت بعد، ولها صداق المثل 85. وقول مالك أبين؛ لأن القصد المكارمة، بخلاف البيع.
وإن تزوجها على عبد بعينه في ملكه، ولم يصفه، لم يجز؛ لأنها لا تدري هل هو وسط أو جيد أو 86 رديء؟ ولو كان ذلك في خلع، جاز، والغرر في الخلع أوسع منه في النكاح.
وفي كتاب محمد، فيمن تزوج على عبد، ولم يوصف، ثم طلق قبل البناء: يكون لها نصف قيمة عبد وسط، يوم تزوجت 87.
وليس هذا بحسن.
وأرى أن يأتي بعبد على الصفة التي كانت تستحق لو لم يقع الطلاق، فيكون شركة بينهما، وليس العبد كالدينار، يكون دينًا فيهب نصفه، أنه 88 يقضى له بنصف 89 قيمته دراهم؛ لأن الدنانير لا تختلف فيها 90 الأغراض، ولو أحضره الغريم ثم دعا إلى المفاضلة فيه لبيع، ولم 91 يحصل للطالب إلا الثمن الذي أحضره الغريم.
والعبد تختلف فيه الأغراض ويصح إن أحضره أن يتزايد فيه، ولا يخرج أحدهما منه لصاحبه، إلا بأكثر من قيمته.
ولو سلم أن للزوج أن يدفع القيمة، لم يحسن أن يقال: القيمة يوم النكاح؛ لأن الذي في الذمة، عبد إلى يوم الطلب، فلها قيمته يوم الحكم، كما قيل في الدينار له صرفه يوم القضاء، ولو أحضر العبد ليكون لها نصفه، لجبرت 92 على قبوله؛ لأن القيمة تخفيف عن الزوج،
الجزء: 4 - الصفحة: 1920
وإنما حقها في عبد.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن شرطت رأسًا بخمسين، فغلا الرقيق أو رخص 93، فإن كان وصفه 94، وكان ذكر الخمسين 95 عبارة عن الصفة؛ فلها الصفة 96، غلت أو رخصت 97، إن كان ذكر الخمسين لا يقصد بها الصفة إلا تزيينًا 98؛ فعليه الشراء بخمسين في الغلاء والرخص 99.
واختُلف إذا كانوا يسمون الأكثر 100 على وجه التجمل، فقيل: عليه أن يشتري بذلك الثمن.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إذا سمى الرداء بعشرين دينارًا، أو الخمار، أو الدرع 101 بكذا، مما يراد به السمعة، يعطى وسطًا من ذلك، ولا يعطي الثمن الذي سمَّى 102.
الجزء: 4 - الصفحة: 1921
باب في الصداق يوجد به عيب أو يستحق
وقال ابن القاسم، فيمن تزوجت 103 على قلال خل، فأصابتها خمرًا؛ فهي بمنزلة من أصابت بمهرها عيبًا؛ فإنها ترده وترجع بمثله 104. وقول سحنون في هذا، وفي 105: إذا تزوجت على عبد فثبت أنه حر؛ أن النكاح فاسدٌ.
والأول أحسن؛ لأنهما لم يدخلا على فساد، فهو كالاستحقاق، فترجع بمثل الخل الذي وصف الزوج، أنه في تلك القلال يكال، وترجع بمثله وبمثل القلال.
وعكسه أن تتزوج على أنها خمر، فأصابتها خلاًّ؛ فإن النكاح ثابت إن أحبا، كالتي تزوجت وهي ترى أنها في عدة 106، ثم تبين أنها في غير عدة، وقد اختلف فيها.
وأما 107 إذا تبين أن هذه خل، فإن رضيا جميعًا بالبقاء على النكاح بها جاز، وأيهما كره لم يتم النكاح، وفُرق بينهما، فإن رضيت الزوجة بالتمسك بها، وقال الزوج: أنا 108 لم أبعك خلًّا، فكان له أن لا يسلمها.
وإن رضي الزوج تسليمها، قالت الزوجة: لا يلزمني قبولها لأني لم أشتر خلًّا، وهي في هذا الوجه تفارق المعتدة؛ لأن المعتدة هي العين المشتراة 109، وإنما كان يظن أنه كان يتعلق بالمنع 110 حق لله تعالى، فتبين أن لا حق لها 111.
الجزء: 4 - الصفحة: 1922
واختلف إذا كان الصداق عبدًا فأصابت به عيبًا.
فقال مالك وابن القاسم: ترده وترجع بقيمته 112. وحمل الزوجين فيه على المكارمة.
فإن كانت قيمته أقل من صداق المثل كان ذلك مكارمة من الزوجة، وإن كانت قيمته أكثر، كانت مكارمة من الزوج.
وقيل: ترجع بصداق المثل كالبيع 113. وفي مختصر ما ليس في المختصر، ترجع بمثل العبد 114، وقاله ابن كنانة في كتاب المدنيين في العبد 115 إن استحق، ترجع بمثله.
ولو قيل: إن لها الأقل من قيمته، أو صداق المثل؛ لكان وجهًا، فإن كانت القيمة أقل؛ لم يكن لها غيره؛ لأنها رضيت بأقل من صداق المثل 116. وإن كانت القيمة أكثر لزمه صداق المثل؛ لأنه يقول: إنما 117 وهبت عينًا فاستحقت، فلا يلزمني العوض عنها، إلا أن يعلم أنها لو 118 تزوجت بغير دنانير أو دراهم، لم ترض إلا بما يكون مبلغه مثل قيمة العبد.
الجزء: 4 - الصفحة: 1923
باب فيمن تزوج بصداق، وأعلن أكثر منه، وفي الشرط (1) في النكاح
ومن تزوج بخمسين دينارًا، فأسَرَّا ذلك، وأعلنا مائة، لم يكن عليه سوى خمسين، فإن ادعت الزوجة أنهما انتقلا عن الخمسين إلى المائة كان القول قول الزوج -مع يمينه أن الذي أعلن سمعة- لأن 120 الشأن في هذا السمعة والتزين، بأكثر، وإن أشهدا فاستعلن مائة ففعلا؛ لم يكن عليه يمين.
وإن أعلنا أكثر من مائة؛ فلا يمين عليه.
وإن أعلنا فوق الخمسين بما يقاربها، مما 121 يشبه أن يكون زادها حلف.
وإن بعثت الزوجة إلى الزوج بشيء زاده في الصداق بغير علم الأب رده إن كانت بكرًا، ولم يحط عنه من الصداق شيء 122. وإن كانت ثيبًا رشيدة؛ لم ترجع عليه 123 من 124 ذلك بشيء، وإن كانت سفيهة، انتزع منه ولم يحاسب بها كالبكر.
وإن كان عالمًا بسفهها، لم يكن له في ذلك مقال.
فإن لم يكن 125 يعلم، حلف أنه لم يرضَ بتلك التسمية، إلا بما وصل إليه من المال 126، ثم كان الأب بالخيار، بين أن يمضي النكاح بما دفعه من خاصته 127، أو يفارق ولا شيء على الزوج.
وإن علم بذلك بعد الدخول؛ حلف، وكان لها صداق المثل، ما لم يكن أقل مما دفعه من خاصته 128، أو أكثر من الجميع.119
الجزء: 4 - الصفحة: 1924
فصل [فيمن تزوج امرأة على شرط فاسد]
وقال ابن القاسم، فيمن تزوج امرأة بمائة، فإن كانت له غيرها فصداقها مائتان، فالنكاح فاسد.
وإن تزوجها بمائة، على أنه 129 إن أخرجها من بلدها؛ فصداقها مائتان، كان النكاح جائزًا، والشرط باطل 130. وفرق 131 بينهما؛ أن الأول انعقد على أنها لا تدري وقت العقد، هل لها مائة، أو مائتان لما كانت لا تدري هل تحته امرأة أخرى أم لا.
والأخرى صداقها مائة، ولا شيء لها غيره، فإن أحدث 132 عقدًا 133، فحينئذ يزاد.
واختُلف فيمن تزوج على أن لا يخرجها من بلدها 134، أو لا يتزوج عليها في موضعين، أحدهما: هل يجب الوفاء به؟ والثاني: إذا لم يجب الوفاء به، هل يكون لها مقال في تمام صداق المثل؟ فقال مالك: يستحب الوفاء به ولا يجب.
وقال ابن شهاب: كان من أدركت من العلماء يقضون به.
وهذا 135 أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" 136.
وإذا لم يجب الوفاء به، فإنها في الصداق على ثلاثة أوجه: فإما أن تقول أتزوجك بمائة على أن لا تتزوج علي، ولا تخرجني، ولا تزد على ذلك شيئًا 137. أو تقول: أتزوجك بمائة وخمسين، وأسقط خمسين على أن لا تتزوج عليَّ، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 1925
تخرجني.
أو تتزوج بمائة وخمسين، ثم تسقط خمسين بعد العقد لمثل ذلك.
فإن قالت: أتزوجك بمائة على أن لا تتزوج علي، ولا تخرجني 138، فتزوج عليها، أو أخرجها، لم ترجع عليه بشيء، وهذا قول مالك.
139 والقياس إن كانت المائة أقل من صداق المثل؛ أن ترجع بتمام صداق المثل، والقول قولها أنها تركت ذلك لأجل الشرط، بمنزلة من باع عبدًا بمائة، وقيمته مائة وخمسون على أن لا يخرجه من 140 بلده، وفات، فإنه يرجع بالخمسين تمام القيمة.
واختلف عن مالك إذا قالت: أتزوجك بمائة وخمسين وأحط خمسين على أن لا تتزوج عليَّ 141، ولا تخرجني من بلدي 142. فقال مرة: لا مقال لها في الصداق إن فعل وقال مرة: لها أن ترجع بالأقل من صداق المثل أو الخمسين 143.
وهو أقيس وقد مضى وجه ذلك.
وإن حطت الخمسين بعد العقد، كان لها أن ترجع إن فعل.
واختلف هل الترك لمثل ذلك جائز، أو فاسد؟ فقال مرة: ذلك جائز، والزوج بالخيار، بين أن يتمسك بالخمسين ولا يفعل، أو يرد الخمسين، ويتزوج ويتسرى ويخرجها.
وقال في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن أعطته زوجته خادمًا على أن لا يتزوج عليها 144: ذلك باطل.
وإن مات العبد في يديه 145 فعليه قيمته.
وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين في امرأة اشترت من زوجها السكنى مع
الجزء: 4 - الصفحة: 1926
أبويها وأن لا يخرجها عنهما بمائتي درهم، قال: اشترت ما لا يشترى ولا يباع، وترجع عليه بالدراهم، ويرتحل بها 146 حيث شاء 147. وأنكر قول ابن القاسم بجواز ذلك 148.
وروى ابن كنانة 149 عن مالك في السليمانية أنه قال في امرأة وضعت من صداقها بعد العقد على أن لا يطلقها البتة، فإن طلقها 150 البتة 151، رجعت عليه بما وضعت عنه 152. قال: عليه أن يتم 153 لها ما وضعت؛ لأنها اشترت شيئًا لا يشترى مثله إن شاء طلق وإن شاء أمسك.
وهذا أحسن قوليه في هذا الأصل؛ لأنه إذا كان لا يجبر الزوج على الوفاء
الجزء: 4 - الصفحة: 1927
بذلك، كانت المعاوضة فاسدة وغررًا، تارة بيعًا ومعاوضة إن أمسك عن 154 التزويج والطلاق والسفر بها.
وتارة سلفًا؛ لأنه إن فعل ذلك رد المال، ولأن فيه 155 غرورًا على الزوجة لو علمت أنه بالخيار، لم تعطه ذلك.
وعلى ما ذكره ابن شهاب؛ يجوز ويجبر على الوفاء به 156.
الجزء: 4 - الصفحة: 1928
باب فيمن زوج ابنه أو ابنته في صحته أو مرضه ثم مات قبل قبض ذلكـ منه
157
ومن زوج ابنته في صحته، وضمن الصداق عن الزوج، ثم مات قبل أن تقبض الابنة صداقها، فإن خلف وفاء 158؛ قضي ذلك من تركته، ولم تحاسب به من ميراثها.
وإن لم يخلف شيئًا؛ كان الزوج بالخيار، بين أن يدفع ذلك إليها، أو يفارق، ولا شيء عليه 159، ويكون لها ذلك النصف.
على قول مالك وابن القاسم تأخذه من تركة أبيها، متى طرأ له شيء 160. وعلى قول ابن نافع 161: لا شيء لها، ويعود ميراثًا.
وهذا إذا كان جميع صداقها نقدًا، فإن كان النقد خمسين، والمؤخر خمسين، وخلف وفاء 162؛ قضي لها بجميعه؛ لأن الموت يحل الأجل.
وإن لم يخلف وفاء 163 وأتى الزوج بالمعجل؛ كان له أن يبني بها.
وإن خلف 164 خمسين دينارًا؛ أخذتها 165، وكانت مفضوضة نصفًا عن المعجل، ونصفًا عن المؤجل، فإن أتى الزوج بتمام المعجل، وهو خمسة وعشرون، بنى بها
الجزء: 4 - الصفحة: 1929
وإلا فارق، وكانت الخمسون التي خلف الميت لها على قول ابن القاسم.
ولو أفلس 166 الأب قبل الدخول فطلب الزوج بالمهر فأداه، ثم دخل كان له الرجوع به على الأب متى أيسر، فإن كان الميت غريمًا 167 ضربت بجميع صداقها، فإن نابها خمسون دينارًا؛ وكان جميع الصداق معجلًا؛ لم يكن له أن يبني بها إلا أن يتم مائة وإن كان نصفه معجلًا و 168 نصفه مؤجلًا، كانت الخمسون مفضوضة على المعجل والمؤجل.
فإن أتى الزوج بخمسة وعشرين دينارًا 169؛ بنى بها وإلا فارق.
ثم يختلف 170 هل ينتقض الحصاص 171 الأول 172، فمن قال: إن الصداق وجب بالعقد، لم ينتزع منها شيء 173، ومن قال: إنه مترقب، قال: عليها أن ترد نصف ما قبضته عن المعجل، وهو خمسة وعشرون، ثم تضرب فيها هي والغرماء بما بقي لهم؛ لأنه قد تبين أن دينها خمسون دينارًا، وبها كانت تضرب، وإن كان جميع الصداق مؤجلًا، كان للزوج أن يبني بها، وإن لم يخلف الميت شيئًا.
فالجواب إذا كان الصداق مؤجلًا على الأب، بخلافه إذا كان على الزوج، فلم يدخل حتى حلَّ المؤجل 174.
واختلف فيه إذا كان على الزوج هل تمنع نفسها حتى تقبض ما حلّ أم لا؟ وإذا كان المؤجل على الأب، لم يكن ذلك 175 لها؛ لأنها دخلت على أن تسلم،
الجزء: 4 - الصفحة: 1930
وتتبع ذمة آخر 176 بمنزلة من قال: بع فلانًا فرسك والثمن علىَّ إلى سنة، ففعل، ثم فلس القائل بذلك بعد تسليم الفرس أو قبله - فليس له أن يمنع المبيع 177، لأنه دخل على التسليم، وتتبع غير ذمة المشتري على وجه الحمل، فأشبه الحوالة، وهذا إذا كان الحمل 178 في أصل العقد.
واختلف إذا كان بعد العقد، فقال: ها هنا يستوفي ذلك من مال أبيها، إذا وقعت عقدة النكاح بالضمان.
يريد فإن كانت بعد، لم يكن لها شيء.
وقال في كتاب الحمالة: إذا قال: مالكِ على فلان 179، فأنا به كفيل، فمات قائل ذلك قبل أن يؤخذ من ذمته؛ فإنه يؤخذ 180 من تركته 181، وعلى 182 القول الأول ترجع الزوجة على الزوج وكأنه لم يتحمل به أحد.
وعلى القول الآخر تأخذه من تركة أبيها إن خلّف وفاء 183. فإن لم يخلّف وفاء وكان الحمل بغير رضا الزوجة، عاد الجواب إلى ما تقدم يبقى على الزوج بمنزلته 184 قبل أن يتحمل عنه، وإن كان برضاها رضيت أن تتحول بحقها في ذمة الأب، لم يكن لها أن تحبس نفسها، وكان له أن يدخل بها إلا أن يكون الصداق مؤجلًا، فلا يبرأ 185 الزوج؛ لأن الحمالة بما لا يحل فاسدة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1931
فصل [في صداق من زوج ابنه صغيرًا أو كبيرًا سفيها]
وإن زوّج الأب ابنه، وهو صغير، أو كبيرٌ سفيه، كان في 186 الصداق على ثلاثة أوجه: إما أن يشترطه على نفسه، أو على ولده، أو يطلق العقد، ولا يشترطه والولد صغير أو كبير، موسر أو معسر، فإن اشترطه على نفسه، لم يؤخذ به الابن، موسرًا كان 187 أو معسرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن ذلك من الأب على وجه الحمل، وسواء قال: أنا أحمله أو أضمنه؛ لأن العادة في ضمان الأب لذلك أنه على وجه الحمل.
وإن اشترطه على الابن، أو أطلق العقد، والابن موسر، كان على الابن.
وإن كان معسرًا وأطلق العقد كان على الأب.
قال مالك: يؤخذ به 188 في حياته، ومن رأس ماله بعد وفاته.
واختلف إذا اشترطه على الابن، وهو معسر، فقال ابن القاسم: يكون على الأب 189. وقال أصبغ: يكون على الابن كما شرط بمنزلة ما 190 لو اشترى له سلعة باسمه، وكتب الثمن عليه قال: وإنما يلزم الأب إذا زوجه مبهمًا 191، ولم يسم على أحد والابن عديم.
192 وقال محمد: هو على الأب إلا أن يقول: لست منه في شيء، وهو لكم على ابني، فهذا إن علم به الابن بعد البلوغ، وقبل البناء، كان بالخيار، بين أن يلزمه نفسه، وأن لا 193 يلزمه.
وإن بنى قبل أن يعلم؛
الجزء: 4 - الصفحة: 1932
لزمه وسقط عنه ما جاوز صداق المثل 194.
وأرى أن تكون الزوجة قبل بلوغ الزوج بالخيار، بين أن تقيم على ذلك، أو تَرُدَّ النكاح؛ لأن عليها في البقاء على أن الزوج بالخيار ضررًا 195.
وإن كان الابن بالغًا رشيدًا، فزوجه الأب برضاه، ولم يشترط الصداق على نفسه، ولا على الأب، وقال الأب: إنما أردت أن يكون على الابن.
وقال الابن: إنما ظننت أن ذلك على أبي، فلا أغرم شيئًا.
قال مالك: يفسخ النكاح ولا شيء على واحد منهما.
وقال محمد: بعد أن يحلف الأب والابن، فمن نكل منهما لزمه.
وأرى 196 إن نكلا 197؛ أن يثبت النكاح، ويغرم كل واحد منهما نصف الصداق، وإن لم ينظر في ذلك حتى دخل، حلف الأب وبرئ، فإن كان صداق مثلها مثل المسمى فأكثر، غرمه الزوج بغير يمين، وإن كان المسمى أكثر حلف وغرم صداق المثل.
وإن كتبه الأب باسم الابن وهو موسر، وقال أنا ضامن لك 198 كانت حمالة.
وإن حمل الأب الصداق، ثم طلق الابن قبل الدخول، رجع نصف الصداق إلى الأب.
واختلف إذا خالع الابن على رد جميع الصداق.
فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: جميع الصداق للأب.
وقال ابن الماجشون: للأب النصف وللابن 199 النصف 200. والأول أصوب؛ لأن قصد الأب بحمل الصداق عن
الجزء: 4 - الصفحة: 1933
ابنه، أن يراه ذا زوجة، وليحفظ (1) عليه دينه، وإذا لم يتم ذلك، عاد إليه الصداق، ولهذا قالوا (2) إنه إذا طلق، عاد إلى الأب النصف، فالوجه الذي رجع به إليه (3) النصف، يرجع به الجميع.
وقال مالك في الرجل الشريف (4)، يزوج الرجل ويضمن عنه الصداق: لا يتبع المضمون عنه بشيء (5).
فصل [في الأب يزوج ابنه الصغير في مرضه]
وقال مالك في الأب يزوج ابنه 206 الصغير في مرضه، ويضمن عنه الصداق، فلا يجوز الضمان؛ لأنها وصية لوارث.
واختلف قوله في صحة النكاح.
فقال مرة: لا يعجبني، يريد: ويفسخ.
وقال مرة 207: النكاح جائز 208. قال ابن القاسم: وينظر له وصيه بعد موت الأب، فإن رأى وجه عطية دفع من ماله، وإلا فسخه، وإن صحَّ الأب ثبت النكاح والضمان.
وأرى النكاح جائزًا، وإن لم يصح 209 إذا كانوا لا يعرفون 210 وجه العلم في ذلك ويرون أن الضمان صحيح وأنه من رأس المال، فإن نظر فيه في حياة الأب، قيل للأب: إن كنت لا ترى كونه في ذمة الابن نظرًا، فافسخه.
وإن كان عندك صوابًا، فأثبته عليه، إلا أن لا 211 ترضى الزوجة، أو وليها بذلك إذا كان201202203204205
الجزء: 4 - الصفحة: 1934
لا يدري هل يصير له من الميراث مثل الصداق، أو يصح الأب فيكون الصداق في ذمة فقير (1) فلها في ذلك مقال؟ وإن لم ينظر فيه حتى مات الأب، كان النظر للوصي (2)، فإن رأى إثباته صح، إلا أن يكون ما صار له من الميراث ما لا يوفي بالصداق، فيكون لها في ذلك مقال، وإن كانوا يعلمون أن ذلك موقوف على إجازة الورثة، فإن كرهوا، سقط الصداق، وكان النكاح فاسدًا.
فصل [فيمن زوج ابنته في مرضه]
ومن زوّج ابنته في مرضه وضمن الصداق عن الزوج كان النكاح جائزًا.
واختُلف في الصداق فقال مالك: هي عطية للزوج من الثلث، فإن كان أكثر من الثلث، رد الزائد 214. وقال ابن القاسم وأشهب: هي عطية للابنة، ولا شيء لها فيه.
قالا في العتبية: ويقال للزوج أدِّ الصداق من مالك، ويتم النكاح، فإن أبى، فارَق ولا شيء عليه 215.
واختلف بعد القول إنها عطية للزوج، إذا طلق قبل البناء، فقال مالك وابن الماجشون: لها النصف من ثلثه، ولا شيء للزوج 216 في النصف الباقي.
وقال ابن دينار: لا شيء لها؛ لأنه أعطى على إن هي دخلت ثبت لها 217.
وقول مالك: إن لم يقع طلاق أحسن؛ لأنها عطية للزوج، والابنة تأخذ 218212213
الجزء: 4 - الصفحة: 1935
بالمعاوضة عن نفسها، والزوج يأخذ بالهبة إلا أن يكون فيه فضل عن صداق مثلها، فيسقط الزائد؛ لأنه هبة لها.
وأما إن طلق وكان الطلاق على 219 اختلاف وشنآن حدث، كان لها النصف؛ لأن النكاح تقدم بوجه صحيح، ولم يتقدم ما يدل على التهمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1936
باب في النكاح بربع 220 دينار، وفي وجوب الصداق ومنع الهبة في النكاح 221، وفي النكاح بالإجارة، أو على أن يحججها 222، أو على أن يكون الصداق إلى أجل معلوم، أو مجهول، أو بدين على غير الزوج، أو على ما يخرح من يد الزوج 223 ولا تملكه الزوجة
224
الصداق واجب لقول الله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24].
وإسقاطه ممنوع، لقول الله سبحانه في الهبة 225: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] فالصداق يتضمن حقين:
حقًّا لله سبحانه وتعالى لا يجوز إسقاطه، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم نقرة، أو ما يقوم مقامهما 226.
وحقًّا لها، وهو ما بعد ذلك إلى صداق مثلها 227، فلها أن تسقطه إن شاءت.
فأكثر الصداق لا حدَّ له وهو على ما يتراضيان 228 عليه من رخص، أو غلاء كالبياعات.
وأقله له حد لا يقتصر على 229 دونه وهو حق لله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 1937
وقد اختلف في حد أقلّه فقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، وقيل: ما يساوي ثلاثة دراهم 230، وهو موافق لقول ابن القاسم في السرقة: إنها تُقوَّم بالدراهم 231. وقال ربيعة وابن وهب في كتاب ابن حبيب: يجوز النكاح بالدرهم 232، والسوط 233 والنعلين اتباعًا للحديث.
وقال ربيعة في كتاب ابن شعبان: يجوز بنصف درهم 234 لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ".
وقد خرج هذا مخرج التقليل، ولقوله: "زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" فقال في كتاب مسلم: "فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ" 235، ولم يقل في الأول: ايتِ بما قيمته ربع دينار، ولا في الثاني علّمها ما يكون قيمة ذلك، فلو كان محدودًا بينه كما بين نصاب السرقة والزكاة، ولأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
واحتج من قال إنه لا يكون أقل من ربع دينار بقول 236 الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وبقوله 237 تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النساء: 25].
وكل هذا يقتضي كونه له بال، إذ لا يتعذر 238 في الغالب الدرهم والدرهمان، وليس هذا بالبين؛ لأن الآية الأولى
الجزء: 4 - الصفحة: 1938
تقتضي أن لا يكون صداقًا 239، إلا ما يقع عليه اسم مال.
وثلائة دراهم ليست بمال.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] فالصدقة لا تجب في ثلاثة دراهم.
وقال محمد فيمن أقر لرجل بمال: فأقله ما تجب فيه الزكاة، وإنما مخرج الآية على المعتاد مما يتزوج به النساء.
وقد علم أنهن لا يتزوجن إلا بما له قدر، وبال مما يعجز عنه كثير من الرجال.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: 25]، يريد: لا يستطيع ما العادة 240 أن المرأة لا تتزوج إلا به، ولا يصح 241 أن يقال أنه لا يعجز عن درهمين ونصف، وثلاثة إلا 242 ربع 243، ويعجز عن ثلاثة.
وقال 244 أبو محمد عبد الوهاب في حده بربم دينار؛ لأنه عضو 245 محرم يتناوله حق لله 246 تعالى، لا يستباح إلا بمال، فوجب أن يكون مقدرًا أصله، قطع اليد في السرقة، والزكاة والكفارات 247. وهذا أيضًا 248 ليس بالبين؛ لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار، نكالًا لما عصت، والنكاح يستباح 249 بوجه جائز 250، فكان يكون الصداق خمس مائة، كاليد 251 إذا لم تعصِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 1939
واختُلف فيمن تزوج بدرهمين، فقال ابن القاسم: إن لم يدخل 252، فإن 253 أتم لها 254 ثلاثة دراهم، وإلا فرق بينهما، وإن دخل، أجبر على أن يتم ربع دينار، وإن طلق قبل البناء، كان لها نصف الدرهمين؛ لأنه صداق مختلف فيه 255.
وقال غير ابن القاسم: يفسخ قبل البناء 256، ويثبت 257 بعد، ولها صداق المثل 258 259. والأول أصوب، فلا يفرق بينهما قبل البناء إن أتم ربع دينار لقوة الخلاف فيه 260، وإن دخل ثبت وكان لها ربع دينار؛ لأنها وهبت ما هو حق لله، وحق لها، فردت هبتها فيما هو حق لله تعالى، ومضت هبتها في حقها، وعلى ما ذكره سحنون، لا يكون لها شيء إن طلق قبل البناء.
واختلف إذا لم يُتم قبل البناء ربع دينار وفرق بينهما، فقال محمد: لها نصف الدرهمين 261.
وقال ابن حبيب: لا شيء لها، وهو أصوب؛ لأن الحكم، مضى بأنه فاسد، وذلك العوض 262 يرفع الخلاف 263، ولأنه إذا حيل بينه وبين ما اشتراه، وبذل
الجزء: 4 - الصفحة: 1940
له الثمن؛ لم يستحق العوض عنه 264،
واختُلف إذا تزوجت على أن لا صداق، أو وهبت نفسها على وجه النكاح في فسخه أو فيما تستحق من الصداق.
فقال ابن القاسم: يفسخ قبل البناء وبعده، ثم رجع فقال: يفسخ قبل ويثبت بعد ولها صداق المثل 265.
وقال ابن حبيب: أما نكاح الهبة، فإن عيَّن 266 في الهبة النكاح بغير صداق، فذلك غير جائز.
وأن أصدقها ربع دينار فصاعدًا جاز 267، وهو لازم، عثر عليه قبل البناء أو بعده، وإن عيَّن في الهبة 268 غير النكاح، ولا هبة الصداق، ولكن وهبت نفسها، فذلك فاسد، يفسخ قبل ويثبت بعد، ولها صداق مثلها 269، فجعله بالخيار إذا تزوج على أن لا صداق بعد 270، فإن أحب فرض ربع دينار، ولزمها النكاح 271، أو فارق، ولا شيء عليه ولا يجبر على ربع دينار؛ لأنه دخل على أن لا شيء عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: لها ربع دينار إن دخل بها.
وهو أحسن؛ لأن الزائد على ربع دينار من حقوقها 272 فهبتها فيه جائزة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1941
فصل [في النكاح على الإجارة]
اختلف في النكاح على الإجارة أو على أن يحجها على ثلاثة أقوال، فكرهه مالك في كتاب محمد، وأجازه أصبغ، ومنعه ابن القاسم.
وقال في العتبية في النكاح على الإجارة: يفسخ قبل ويثبت بعد ولها صداق المثل، ويرجع عليها بقيمة عمله.
قال: وما ذكره الله تعالى في نكاح موسى - عليه السلام -، فإن الإسلام على غيره، إلا أن يكون مع 273 الإجارة غيرها 274.
قال في كتاب محمد، في النكاح على الإجارة: يفسخ قبل، ويثبت بعد، ولها صداق المثل، إلا أن يكون مع الحجة غُيرها، فيجوز، فإن ماتت لم يكن لورثتها 275 إلا حجة يكرونها، وإن مات هو أكري 276 لها من ماله، ويقام لها بنفقتها 277 ومصلحتها، وإن أحبت أكرت ذلك ممن أرادت، وإن طلقها كان لها قيمة 278 نصف ذلك 279.
والقول بجواز 280 جميع ذلك أحسن والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تمتلك وتباع وتشترى، وإنما كره ذلك مالك؛ لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلًا.
والإجارة والحج في معنى المؤجل.
وأجازه أشهب في كتاب محمد، وإن لم
الجزء: 4 - الصفحة: 1942
يضرب أجلًا قال: وكل من تزوج بشيء فهو حالٌّ فإذا حل زمن (1) الحج، وجب ذلك عليه (2). واختلف في بنائه بها (3) قبل أن يحجها، فمنعه ابن القاسم إلا أن يقدم (4) ربع دينار، وقول أشهب أن له أن يبني بها (5) قبل أن يحجها (6) ويجبرها على ذلك؛ لأنه قال: ذلك بمنزلة من تزوج بمائة دينار إلى سنة، فله أن يبني بها (7). يريد: ويجبرها على البناء، فإذا أتى أوان الحج حج بها، إلا أن يأتي أوان الحج قبل أن يبني بها، فلا يكون ذلك له، حتى يحجها كالدين يحل عليه قبل البناء، فتمنعه نفسها حتى يدفع ذلك إليها.
فصل [في النكاح بالدين]
والنكاح بالدين يكون للزوج على غيره جائز، إذا كان موسرًا غير ممتنع من القضاء، فإن كان حالًّا، جاز إذا كان ربع دينار فأكثر، وإن كان مؤجلًا، جاز إذا كانت قيمته على النقد ربع دينار فأكثر، ويؤمر أن لا يبني بها 288 حتى تقبض منه ربع دينار أو يدفعه الزوج إليها ويرجع به 289 على الغريم، وكذلك إن تزوج بدين يكون في ذمته فلا يدخل حتى يقدم 290 منه ربع 291 دينار.281282283284285286287
الجزء: 4 - الصفحة: 1943
وقال (1) مالك في كتاب محمد: لأنه يخاف أن يصيبها ثم تتصدق عليه بصداقها (2). وأجاز ذلك مرة، وقال: لأنه حق لها، ولو (3) شاءت باعته وقبضت ثمنه (4). والأول أحوط، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أَمَرَ وجلًا أَن لا يَبْنِيَ بامرأته حتَّى يُعْطِيَها شيئًا (5). وقال ابن (6) عمر: لا يصلح للرجل أن يقع على امرأته حتى يعطيها شيئًا من ماله ما رضيت به، كسوة أو غطاء (7). قال ابن شهاب: وذلك مما عمل به المسلمون، ورأوه حسنًا من الحق عليهم.
فصل [في النكاح بصداق مؤجل]
واختُلف في النكاح بصداق مؤجل، وإن قرب 299 الأجل.
وقال فيمن تزوج بثلاثين نقدًا وثلاثين إلى أجل، لا يعجبني وليس من نكاح من 300 أدركت 301. يريد: أن الصدقات كانت نقدًا.
وأجازه أصحابه إلى أربع سنين وجعلوه في أكثر من هذا على ثلاثة أوجه: جائز، ومكروه، وفاسد 302.292293294295296297298
الجزء: 4 - الصفحة: 1944
واختُلف فيما بعد الأربع سنين 303 إلى العشرين سنة 304 بالجواز والكراهية من غير فسخ، واختُلف في فسخ ما زاد على العشرين سنة 305 إلى الخمسين والستين.
وإن 306 كان أكثر من ذلك فسخ على كل حال، فكرهه ابن القاسم في كتاب محمد 307 فيما زاد على الأربع.
وكرهه ابن وهب فيما زاد على الخمس 308. وأجازه أصبغ إلى عشرين سنة.
قال.
وقد زوج أشهب ابنته، وجعل الصداق إلى اثنتي عشرة سنة 309، وقال ابن وهب: يفسخ فيما زاد على العشرين سنة.
وقاله ابن القاسم، ثم رجع فقال: يمضي ما لم يبعد جدًّا مثل الأربعين، ثم رجع فقال: لا يفسخ إلا أن يكون مثل خمسين وستين، فيكون بمنزلة من جعل النقد إلى موت، أو فراق 310، ولو فسخ قبل 311 في الأربعين لم أعبه 312.
وحكى ابن حبيب عن ابن وهب وابن القاسم أنه يفسخ فيما زاد على العشر 313 ثم رجع عنه ابن القاسم، وهذا خلاف قولهما في كتاب محمد.
314 فكره مالك الأجل وإن قرب حماية، لئلا يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق، ويظهروا أن هناك صداقًا، ثم يسقط قبل القبض لما علم من كثير من الناس أنهم يظهرون من السماع في الصداق خلاف ما ينطقون به 315. وأما العشر
الجزء: 4 - الصفحة: 1945
سنين ونحوها، فيكره (1) لأنه لا يدرى كيف تكون الذمة عند انقضاء الأجل.
وأما العشرون والثلاثون، فتمنع لأنها مدة يتحين (2) لوقوع الموت فيها، فيتعجل الصداق في الثلاثين إن كان شابًّا، وفي العشرين إذا كان كهلًا، وفي العشر (3) إذا كان شيخًا؛ لأن كل ذلك مما يتوقع فيه البائع الموت وتعجيل الثمن.
فصل [فيمن نكح بصداق مؤجل وفاته البناء]
واختلف إذا كان الأجل لموت 319 أو فراق وفات بالبناء، فقال مرة: لها صداق المثل.
وقال مرة: يقوم ذلك المسمى بالنقد فتعطاه 320. ومحمل هذا على أن العادة في 321 التأخير إلى موت أو فراق، ولا يعرفون غيره كما قيل في الأرض تكرى بالجزء أنه 322 إن لم تكن عادته 323 في الكراء بغيره 324 قَوَّم ذلك الجزء لأنها ضرورة؛ لأن القيم إنما تكون على الأثمان 325 المعتادة، فإن لم تكن عادة في ثمن صحيح قُوِّم 326 على ما اعتادوه من الفساد 327.
واختلف إذا تزوجت بمائة نقدًا، وبمائة 328 إلى موت أو فراق، فقيل: لها صداق المثل مطلقًا.
وقيل: صداق المثل ما بلغ ما لم ينقص من المائة فإن نقص من المائة فقالت: أنا أسقط المائة 329 المؤجلة، فيصح وإن كان أكثر من المائتين316317318
الجزء: 4 - الصفحة: 1946
فقالت: أنا أتمسك بها، فيجري 330 الجواب 331 على أحكام الفاسد.
وقيل: لها صداق المثل ما لم ينقص عن 332 المائة، أو يزيد على المائتين؛ لأن الزوج يقول: إنما دخل الفساد لمكان الأجل، فإذا أسقطه 333 فيصح 334 كما كان يصح إذا أسقطتها هي.
وقيل: ينظر إلى قيمتها من المائة المعجلة، فإن كان ثلثًا 335، أخذت المائة المعجلة، وثلث صداق المثل.
وقيل: يقوم على غررها 336 فتأخذ 337 تلك القيمة مع المائة.
وهذا يصح إذا كانت العادة عندهم على مثل ذلك 338، بعضه نقدًا، وبعضه إلى مثل ذلك 339 الأجل لا يعرفون غيره 340.
ويختلف إذا كانت العادة التأخير إلى موت، أو فراق، ولم يشترطاه، هل يكون جائزًا ولها أن تأخذه متى أحبت؛ لأن الأصل الحلول والتأخير مكارمة.
أو يكون فاسدًا للعادة؟ وقد اخْتَلَفَ قولُ مالكٍ في هدية العرس 341، فقال مرة: لا 342 يقضى بها لأنها صارت عادة كالشرط، ومرة قال: لا يقضى بها، وتبقى على الأصل أنها مكارمة، فكذلك 343 هذه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1947
فصل [فيما إذا كان الصداق ربع دينار]
واختُلف إذا كان الصداق ربع دينار وثمرًا لم يبد صلاحه (1)، أو آبقًا أو جنينًا فأسقطت (2) الزوجة ما سوى العين، أو عجّل الزوجُ قيمةَ ذلك على السلامة، هل يمضي النكاح؟
فقال أصبغ في كتاب محمد: يفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بربع دينار، أو (3) يرضى الزوج بتعجيل قيمة الآبق فيثبت (4). فعلى هذا إذا كان مكان الآبق ثمر، لم يبد صلاحه (5) فرضيت بإسقاطها، أو رضي الزوج (6) بتعجيل قيمته على السلامة؛ ثبت النكاح.
قال: وإن لم ينظر في ذلك حتى قدم الآبق، أو سلمت الثمرة، أو خرج الجنين، فسخ إن لم ترضَ الزوجة بربع دينار، أو يرضَ الزوج (7) أن يمضي ذلك لها (8)، فيمضى النكاح، قال: ولا أجبره (9) على تسليمه.
وعلى هذا إن تزوجت بمائة دينار (10) نقدًا أو بمائة إلى موت أو فراق فلم يدخل فرضيت بإسقاط المائة الثانية أو رضي الزوج بتعجيلها (11) - ثبت النكاح، ولم يفرق بينهما.
فصل [في الصداق على ما تملكه المرأة]
ويجوز أن يكون الصداق على ما تملكه المرأة وإن لم يتقرر 355 ملكها عليه344345346347348349350351352353354
الجزء: 4 - الصفحة: 1948
كأبيها 356 وأخيها؛ لأن عتقه عليها بعد صحة ملكها له.
واختُلف إذا تزوجها على ما يخرجه الزوج من يده، ولا تملكه الزوجة، فتقول 357: أتزوجك على أن تعتق عبدك عن نفسك، أو عني، على ثلاثة أقوال: فقيل: جائز، وقيل: لا يجوز لأنها لم تملك ذلك 358. وقيل: إن قالت أتزوجك على أن 359 تعتقه عني، جاز؛ لأنها ملكته والولاء لها.
وإن قالت تعتقه عن نفسك، أو تعتقه مطلقًا، ولم تقل 360: عني ولا عنك، لم يجز لأن الولاء للسيد، ولم تملك شيئًا.
وكذلك إن قالت: أتزوجك على أن تعتق أبي عني أو عنك، ولم 361 تشترط عتقه عنها ولا عنه.
يختلف هل يجوز في الوجهين جميعًا أو يفسد أو 362 يجوز، إن قالت عني ولا يجوز إن قالت عنك أو 363 أطلقت؟ وكذلك إن تزوجته على أن يهب عبده لفلان، وقالت 364: عني أو لم تقل على 365 الخلاف المتقدم 366.
قال الشيخ 367 وأرى أن يجوز جميع ذلك؛ لأنه مال أخرجه عن ملكه عوضًا عن النكاح، فلا شيء عليه أخذته أو وهبته أو شرطت 368 فيه عتقًا، فإن كانت الهبة والعتق عنها جاز، إذا كانت قيمته ربع دينار.
وإن فعل ذلك من 369 نفسه، جاز إذا كان الذي يحط من قيمته لأجل ذلك الشرط ربع دينار.
الجزء: 4 - الصفحة: 1949
باب الحكم في الصداق إذا طلق قبل البناء، أو كان النكاح فاسدًا، وإذا ملك أحد الزوجين الآخر، أو ارتد، أو أعتقت الأمة، أو حدث رضاع
وقال مالك فيمن تزوج على تسمية صداق ثم طلق قبل البناء: فلها نصف تلك التسمية، وكذلك إن تزوجت على تفويض وهي مولى عليها، ففرض الزوج صداق المثل، لزمها ولا مقال لها ولا للولي.
وإن فرض أقل فَرَضِيَ الوصي 370 والزوجة به 371 - جاز.
وإن رضي أحدهما به دون الآخر- لم يلزم، هذا ظاهر قوله 372.
وأرى أن يمضي إذا رضي الوصي وحده؛ لأن النظر في المال وما يراه سدادًا 373 إليه، والرضا 374 بالتزويج وبالزوج إليها.
فإذا رضيت بذلك الرجل، كان النظر في المال إلى الوصي، ولو لم يتقدم عَقْدٌ، فَرَضِيَ الوصي بصداق المثل، وقالت: لا أرضى- كان ذلك لها؛ لأن لها ألا تتزوج جملة، وإن بذل أضعاف صداقها فلها ألا تتزوج، وكذلك إذا قالت: لا أتزوجه إلا بكذا، بمثل 375 صداقها، بخلاف التفويض؛ لأنها رضيت بالزوج وتزوجته، ولا ميزة 376 عندها فيما هو سداد 377 لها في المال، إلا أن تقول 378: علمت أن التفويض يوجب
الجزء: 4 - الصفحة: 1950
ألا تقبل 379 من الزوج دون صداق المثل- فلها في ذلك 380 شُبهَةٌ.
واختلف في البكر لا أب لها ولا وصي إذا رضيت بأقل من صداق المثل، فلم يجز ذلك ابن القاسم، وحملها على السفه 381. وحكى سحنون عن غيره أنه أجازه 382. وهذا محتمل لوجهين: أن يكون ذلك لأنه رآها على الرشد كالصبي، فقد اختلف هل يحمل 383 بالبلوغ على الرشد لو قال 384 ذلك؟ مع كونها عنده على السفه؛ لأنها في غير حجر.
وقد أجاز أشهب أفعال السفيه 385 إذا لم يكن محجورًا عليه 386.
ويخْتَلف أيضًا في الثيب مع وجود الأب وعدمه، هل تحمل على الرشد؟ فقال مالك في كتاب الحمالة: إن تحملت الثيب لزمها بخلاف البكر.
فحملها على الرشد.
فكل موضع تصح فيه التسمية ثم يقع الطلاق، وجب الرجوع على الزوج 387 بنصف الصداق لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. ولما فارق النكاح البيع، وكان من اشترى سلعة ثم كرهها قبل القبض، باعها وأخذ العوض عنها، ومن تزوج امرأة ثم كرهها قبل البناء، فارق إن شاء، ولم يجز له بيع ذلك المشترى، وكان 388 لها أن تبيع ذلك وتأخذ عنه عوضًا آخر 389 من غيره.
وجعل الصداق
الجزء: 4 - الصفحة: 1951
بينهما حكمة من الله تعالى، لما كان لكل واحد منهما مقال، ولم يسقط أيضًا عن الزوج في الطلاق جميع الصداق؛ لأنها تقول: بعت (1) شيئًا فاقبضه وادفع العوض عنه، ولي فيك رغبة وأكره الفراق.
ولأن النكاح خارج عن حقيقة البيع؛ لأن (2) كل واحد من الزوجين يستمتع بالآخر، ولهذا جعل الله عز وجل لها في عدم الوطء مقالًا في الإيلاء وأن تقوم بالفراق.
فصل (3) [في الصداق إذا وقع الطلاق باختيار الزوج]
النصف يجب للزوجة 393 إذا كان الطلاق باختيار من الزوج، فإن كان باختيارها 394 لحدوث عيب بالزوج جنون أو جذام أو برص 395، فلا شيء لها 396.
واختلف إذا كان الطلاق لعدم الصداق أو لعجز عن النفقة، فقال ابن القاسم في العتبية: لها نصف الصداق 397. وقال ابن نافع: إن جن أو عجز عن 398 الصداق فلا شيء لها.
وأرى 399 أن قيامها بالفراق لحدوث العيب والفقر سواء، ولأنها 400 بمنزلة من باع سلعة فأعسر المشتري بالثمن، فالبائع بالخيار بين أن يأخذ سلعته390391392
الجزء: 4 - الصفحة: 1952
ولا ثمن له، أو يسلمها ويتبعه (1) بالثمن.
وكذلك حدوث العيب به (2) ليس لها أن تتمسك بالمبيع وتأخذ الثمن، وكالأمة تعتق تحت العبد، فتختار فراقه قبل الدخول، فلا شيء لها من الصداق، واليهودية والنصرانية والمجوسية يُسْلِمْنَ (3) قبل الدخول دون الزوج، فلا صداق لواحدة منهن؛ لأن المبيع باقٍ عند بائعه، وقد حيل بين المشتري -وهو الزوج- وبين قبضه، ولم يكن ذلك من سببه.
فصل [في صداق النكاح الفاسد]
ولا صداق لها في النكاح الفاسد إذا فسخ قبل البناء، إذا كان الفساد في الصداق؛ لأن الصداق إن 404 كان آبقًا أو بعيرًا 405 شاردًا أو جنينًا- لم يصح أن تأخذ 406 نصفه، ولا يحكم لها بغيره؛ لأن البيع رُدَّ ولم يفت، وكذلك إن كان الفساد في العقد، وكان مجمعًا على فساده، وكذلك إن كان مختلفًا فيه، وفسخ بحكم أو تفاسخاه.
وإن طلق قبل النظر فيه، فمن لم يراع الاختلاف فيه 407 ولا قول من رأى جوازه، لم يجعل لها صداقًا ولا ميراثًا إن مات، ويلزم من راعى الخلاف وجعل فيه الميراث وألزم الطلاق- أن يجعل لها نصف تلك التسمية.
وقال أشهب في كتاب محمد: فيما كان فساده من قبل صداقه فمات قبل401402403
الجزء: 4 - الصفحة: 1953
البناء: لها الصداق والميراث، ولم يجعل لها شيئًا إن طلق قبل البناء.
فصل [في طروِّ ما يوجب الفسخ]
ومن تزوج تزويجًا صحيحًا ثم طرأ ما يوجب الفسخ، فإن كان ذلك الفسخ لا سبب فيه لأحد الزوجين، أو كان سببه الزوجة وحدها، أو كان بِرضًا من الزوجين لم يكن لها صداق.
وإن كان سببه الزوج وحده، ثبت الصداق تارة، وتارة يسقط.
وذلك يتصور في ملك أحد الزوجين الآخر، وفي الارتداد والرضاع ونكاح الأم على البنت، أو البنت على الأم: إذا دخل بالثانية قبل الأولى، وإذا أسلم على أختين أو على 408 أكثر من أربع، أو تزوج امرأة ثم أنكره الولي فملك 409 أحد الزوجين الآخر 410، فسخ، ولا صداق فيه.
وإن كان الزوج المشتري لها كان رضًا من السيد بإسقاط 411 الصداق.
وإن كانت الزوجة هي المشترية، كان ذلك رضًا منها.
قال مالك: فإن باعها من غير زوجها، كان الصداق للبائع 412، ويلزم على قول ابن القاسم أن يكون لها؛ لأنه قال: إذا لم يبعها؛ ليس للسيد أن ينتزعه، ولكن يجهزها به كما تجهز المرأة 413 بمهرها، فإذا كان ذلك حقًّا للزوج لم يسقط بالبيع.
وفرق في كتاب محمد وجعله للسيد البائع، بخلاف إذا لم يبع.
ولا فرق بينهما.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد 414: ليس عليه أن يجهزها بصداقها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1954
وقال أصبغ مثل ذلك: إذا كان زوجها عبده، فإن كان أجنبيًّا، أو عبدًا لغيره، جهزت به.
وإذا كان الصداق للبائع فباعها بعد ذلك المشتري من زوجها، كان على البائع الأول أن يغرم للزوج (1) الصداق؛ لأن النكاح انفسخ.
وإن ارتدت الزوجة قبل البناء فلا شيء لها، وسواء ذلك على القول أن الارتداد فسخ أو طلاق؛ لأن منع تسليم المبيع وما يستحق عنه العوض منها، وإن ارتد الزوج وحده- كان لها نصف الصداق على القول إنه طلاق.
ويختلف على القول إنه فسخ.
فقال مالك في المبسوط: لها نصف الصداق، وقال عبد الملك: لا شيء لها، وأنكر قول مالك، وقال: إنما يكون الصداق أبدًا حيث يكون (2) الطلاق.
والأول أحسن؛ لأن الامتناع من قبض المبيع جاء من قِبَلِهِ فلا يراعى هل ذلك فسخ أو (3) طلاق؟ وفي كتاب محمد: إذا قتل السيد أمته قبل البناء، فله (4) الصداق.
وعلى هذا يكون للحرة إذا قتلت نفسها، الصداق، وهذا مثل قوله في المدونة: إذا باع السيد أمته في موضع لا يقدر الزوج على جماعها، فله (5) الصداق (6). ولا أرى للزوجة في جميع ذلك شيئًا إذا كان الامتناع منها أو من السيد إن كانت أمة (7).
فصل [فيمن تزوج بمرضَعتين]
وإن 422 تزوج امرأة ومرضَعَتَيْنِ وهي صغيرة 423، فأرضعتهما الكبيرة قبل415416417418419420421
الجزء: 4 - الصفحة: 1955
البناء، انفسخ نكاحها؛ لأنها من أمهات نسائه، فله أن يختار إحدى المرضَعَتَين، ولا صداق للكبيرة؛ لأن الفسخ من سببها.
واختلف في التي يفارق من الأختين 424، فذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن ابن القاسم أنه قال: لا شيء لها على الزوج.
وقال محمد: لها ربع صداقها؛ لأنه لو فارقها قبل أن تختار 425، كان النصف بينهما.
وقال ابن حبيب للتي فارق نصف صداقها 426، وجعله بمنزلة من طلق طوعًا؛ لأنه فراق بطلاق، ولا سبب لها 427 فيه، ولأنه كان قادرًا على أن يختارها، ولأن ذلك مصيبة نزلت به كموتها، فإن مصيبة المبيع منه، ويغرم الثمن 428.
ووجه قول ابن القاسم 429 ألا شيء عليه؛ لأنه مغلوب على الفراق، وإنما ورد القرآن 430 بغرم نصف الصداق فيمن طلق طوعًا، ولا يشبه ذلك موتها؛ لأن المبيع في هذه المسألة بيدها، تأخذ له عوضًا من غيره 431 إن أحبت، وإن أخذته 432 بعد العقد وطلق قبل 433 البناء- غرم نصف الصداق؛ لأنه في معنى الهالك، لا يأخذ 434 به 435 عوضًا.
ثم يختلف في الكبيرة التي أرضعتهما، هل يرجع الزوج عليها بالنصف إن
الجزء: 4 - الصفحة: 1956
غرمه، أو ترجع الصغيرة عليها إن لم يغرمه الزوج.
فأما غرمها للزوج فقياسًا على من شهد عليه بالطلاق قبل البناء، ثم رجعت البينة، فقال ابن القاسم: يرجع على البينة بما غرم.
وقال أشهب: لا رجوع له عليها؛ لأنها لم توجب 436 عليه إلا ما كان يلزمه لو طلق 437.
والقول الأول أصوب؛ لأنه لم يطلق وإنما اشترى شيئًا وبذل له العوض، فحيل بينه وبين قبضه وأغرم العوض.
وإذا لم يغرم الزوج فإنه يختلف في رجوع الصبية على التي أرضعتها، فإذا قيل: إن وجه منع غرم الزوج لأنه لم يطلق طوعًا، وأنه حيل بينه وبين قبض المبيع- كان لها أن ترجع على المرضعة 438 لأنها تقول: كان لي دَيْنٌ أسقطته بفعلك.
وإن قيل: إن وجه 439 سقوط الغرم عن الزوج لأن المبيع بيدها تبيعه وتأخذ العوض عنه إن 440 أحبت ولم يملك لها شيء لم ترجع؛ لأنّ الوجه الذي سقط به مقالها عن الزوج والتي أرضعتها 441 واحد.
وكذلك إذا أسلم على أختين ففارق إحداهما، أو على عشر 442 نسوة ففارق ستًّا 443، فعلى قول ابن القاسم، لا شيء لمن فارق، وعلى قول محمد: يكون للأخت ربع صداقها، ولكل واحدة من الست 444 خمس صداقها.
وعلى قول ابن حبيب: لكل واحدة نصف صداقها 445. والأول أصوب.
ومن هذا
الجزء: 4 - الصفحة: 1957
الأصل قول أصبغ (1) في كتاب ابن حبيب في رجل له ابنتان فزوج إحداهما، ثم اختلفا.
فقال الزوج: تزوجت فلانة، وقال الأب: بل فلانة، فقال أصبغ: للتي أقر لها الزوج نصف صداقها (2). لأن من حجة الزوجة: أن الزوج مقر لها بالنكاح وبالصداق، فليس ظلم الأب وجحوده يسقط دَيْنَها.
فصل [فيمن تزوجت على أن يهب عبدًا ثم طلق قبل الدخول وبعد الهبة]
وإن تزوجته على أن يهب عبده لفلان، ثم طلق قبل البناء - رجع على الموهوب له، وَأَخَذَ نصف العبد إن كان قائمًا.
واختلف إذا هلك، فقال أشهب: عليه نصف قيمته.
وقال محمد: لا شيء عليه 448.
وهو أصوب؛ لأنه لو كان بيد الزوجة فهلك لم يضمنه 449. وإن حدث 450 به عيب، أخذ 451 نصفه معيبًا، ولا شيء عليها 452، ولا على الموهوب له، وإن باعه الموهوب له، غرم نصف ما باعه به.
وإن أعتق أو وهبه وهو عالم أنه صداق، غرم نصف قيمته يوم أعتق أو وهب وإن لم يعلم، وإن قيل له هذا هبة، فلا شيء عليه، ولا يرد 453 العتق؛ لأن الزوج مكن الموهوب له من ذلك.
ويستحسن أن يرد الهبة وإن كان طعامًا أكله أو ثوبًا لبسه، جرى على الخلاف فيمن أثاب من صدقة.
وإن تزوجت على أن446447
الجزء: 4 - الصفحة: 1958
يعتق عبده ثم طلق قبل البناء، لم يرجع الزوج 454 عليها، ولا على العبد بشيء، وكذلك لو كان أباها، فقالت: أتزوجك على أن تعتقه، لم يرجع عليها بشيء، والولاء له.
وإن قالت: تعتقه عني؛ كان الولاء لها، ورجع عليها بنصف قيمته.
وإن قالت: أتزوجك على هذا العبد وهو أبوها كان عتيقًا عليها والولاء لها.
وإن كانت عالمة أنه أبوها ولم يعلم الزوج، رجع عليها 455. وإن علم الزوج وحده لم يرجع عليها.
واختلف في رجوعها هي عليه فقال في كتاب محمد: قد غرها.
وفي المبسوط: لها أن ترجع هي 456 عليه بقيمة جميعه إن 457 لم يطلق، وبقيمة 458 نصفه إن طلق.
وأجاز في كتاب القراض من المدونة للبائع ألا 459 يعلم بذلك لما كان الولد مندوبًا، إلى أن يشتري أباه فيعتقه 460. فإنما هو معين على خير.
وإن علما جميعًا أو جَهِلا أنه أبوها، ثم علم 461 بعد ذلك 462 - رجع عليها 463. واستحسن مرة ألا يرجع، وإن جَهِلا كان أَبْيَنَ في منع الرجوع؛ لأنه بمنزلة لو هلك بأمر من السماء.
وإذا كان له الرجوع فوجدها معسرة- لم يكن له أن يرد 464 العتق؛ لأنه لو علم قبل الطلاق لم يكن له في حريته مقال وإن كان جميع مالها؛ لأنه عتق أوجبته الأحكام، وليس بمنزلة من ابتدأ عتقًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 1959
فصل [فيمن زاد زوجته في صداقها بعد العقد ثم طلقها قبل البناء]
من زاد زوجته في صداقها بعد العقد ثم طلقها قبل البناء، كان الزائد كالصداق: له نصفه ولها نصفه.
وإن زادها شيئًا ولم يلحقه بالصداق، ثم طلق قبل البناء، لم يكن له منه شيء، بخلاف الأول؛ لأن الأول ألحق بالصداق فكان له حكمه، وهذه هبة فكان لها حكم الهبات لا رجوع له فيها.
وإن كان العقد فاسدًا، ففسخ 465 قبل البناء، رجع فيها إن كانت قائمة، بخلاف العقد الصحيح فتطلق 466؛ لأنه في الصحيح مُمَكَّنٌ من 467 قبض المبيع، فترَكَهُ اختيارًا.
وفي الفاسد 468 حيل بينه 469 وبين ذلك، فوجب أن يرجع؛ لأنها هبة من أجل النكاح.
قال أصبغ في العتبية: فإن عثر عليه بعد البناء، فلا شيء له في الهبة، وإن كانت قائمة؛ لأن النكاح تم بالبناء، وإن أعطى بعد البناء ثم فسخ رجع لأنه إنما أعطى على المقام والجمال بذلك، هذا إذا فسخ بحدثان العطية 470، وإن فسخ بعد السنتين والثلاث فلا شيء له، وإن أدركها بعينها 471.
الجزء: 4 - الصفحة: 1960
قال ابن القاسم: ولو طلق عليه بعدم النفقة، فهو كطوعه ولا (1) يرجع بشيء (2). وفيه نظر؛ لأنه مغلوب على الفراق، وإذا كان الحكم أن يرجع في الهبة فإن (3) ذلك له (4) إذا كانت قائمة.
قال ابن القاسم: وإن فاتت بنقص أخذها، ولا شيء له عليها من ذلك.
وإن فاتت بزيادة كان لها أن تدفع قيمتها يوم أعطاها (5). قال: والقياس أنها له بزيادتها.
قال: وما فات فلا شيء له عليها كمن أثاب من صدقة (6).
فصل [في هبة المرأة صداقها]
هبة المرأة صداقها لزوجها قبل البناء، وبعده جائز 478، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]، ويؤمر الزوج إذا وهبته الصداق قبل البناء ألا يبني بها 479 حتى يقدم ربع دينار حماية أن يكونا عقدا على طرح الصداق، ولئلا 480 يتذرع إلى النكاح بغير صداق، فإن طلق بعد الترك 481 وقبل البناء، لم يرجع 482 عليها بشيء، وإن تركت بعضه رجعت في نصف الباقي.
وهبتها صداقها لغير زوجها جائز 483 إذا حمله الثلث، أو كان فوق ذلك وأجازه الزوج، فإن قبضه الموهوب له منها أو من الزوج ثم طلق قبل البناء، رجع الزوج بنصفه عليها، ولا رجوع لها هي على الموهوب له.472473474475476477
الجزء: 4 - الصفحة: 1961
وقال 484 أيضًا في كتاب محمد: لها أن ترجع عليه، وجعلها بمنزلة من وهب شيئًا ثم استحق، وهذا يصح على القول إن النصف مترقب 485.
والقول 486 الأول أحسن؛ لأنه لا خلاف أن لها 487 أن تتصرف فيه بالبيع والهبة 488 والصدقة، إلا أن يرى 489 أن هذه المرأة تجهل أن عليها 490 فيه رجوعًا، فتحلف على ذلك وترجع.
وأما على القول أَنْ قد وجب جميعه- فلا رجوع لها وإن جهلت.
وإن لم يدفع الزوج الهبة حتى طلق فإن كانت يوم الطلاق موسرة- دفع ذلك الزوج للموهوب له، ورجع عليها، وسواء كانت يوم الهبة موسرة أو معسرة.
واختلف إذا كانت يوم الهبة موسرة 491 ويوم الطلاق معسرة، فقال ابن القاسم: للزوج أن يتمسك بنصفه.
وقال غيره: للموهوب له 492 قبض الهبة، ولا مقال للزوج 493. وكذلك إذا كانت معسرة يوم الهبة إلى يوم الطلاق، فللموهوب له أن يقبض جميع ذلك، على القول إنه بالعقد وجب جميع 494 الصداق؛ لأن مقال الزوج قبل الطلاق لحقِّه في مال الزوجة، ليس لأن له نصفه.
فإذا طلق سقط مقاله في مال الزوجة، وعاد مقاله من باب الدَّيْن، والدين طرأ بعد الطلاق، وكانت هبتها ولا دين عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 1962
ومن وهب دينًا فلم يقبض حتى طرأ على الواهب 495 دَيْنٌ 496، لم ترد هبته.
وكذلك إن قبضت صداقها ثم وهبته، وقبضه الموهوب له، ثم طلق الزوج، وهي معسرة الآن ويوم الهبة ولم يكن 497 علم بهبتها، فعلى قول ابن القاسم، يرد قدر نصيبه منها، وعلى قول غيره، لا رد له؛ لأن الدَّيْن طرأ بعد الهبة 498.
وهبتها صداقها على ثلاثة أوجه: فإن كان 499 الصداق 500 عينًا جازت الهبة 501، وتخلف 502 مثله تتشور به.
وإن كان ذلك 503 دارًا أو عبدًا أو جارية 504 جازت 505، ولم يكن عليها أن تخلف العوض عنه؛ لأنها 506 لو لم تهبه لم يكن عليها أن تبيع ذلك لتتشور به.
وإن كان الصداق شيئًا مما العادة أن يكون شورة لها، لم تجز هبتها، إلا أن تعوض 507 عنه، فإن قالت: لم أظن أن ذلك للزوج عليَّ حلفت، واسترجعت الهبة؛ لأن مِنْ حَقِّ الزوج الاستمتاع به، ومِنْ حقها ألا تخلفه إذا كانت تجهل ذلك 508، إلا أن تكون 509 وهبت يسيرًا من كثير، فيمضي ولا تخلفه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1963
باب في نماء الصداق، ونقصانه وغلاته وما يضمن منه، وتصرف الزوجة فيه، وهل تقضي منه دينًا؟
وإن تزوجت بعبد أو جارية، ثم طلق قبل البناء، وقد هلك ذلك بيدها 510، كانت المصيبة منهما 511 جميعًا 512، ولم يرجع 513 عليها بشيء، فإن تغير سوقه أو تغير 514 في نفسه بزيادة أو نقص أو ولدت الجارية، كان للزوج نصف ذلك على ما يجده عليه، ولا مقال للزوج في النقص، ولا للزوجة في الزيادة، والولد بينهما.
وهذا إذا كان النقص بأمر من الله سبحانه، وإن كان بجناية من الزوجة، ضمنت نصف الجناية.
وإن كانت الجناية من أجنبي اتبعاه بالجناية، فكانت بينهما.
وإن جنى العبد فأسلمته 515 ثم طلق، لم يكن له عليها شيء إن 516 كانت قيمته والجناية سواء، أو كانت الجناية أكثر 517. وإن كانت أقل، رد الزوج نصف العبد، ودفع نصف الجناية.
وقال محمد 518: إن فات به المجني عليه، غرمت نصيب الزوج من الجنايات 519. والقياس ألا شيء عليها؛ لأنها تقول لم يكن علي أن أفتديه به 520، وكرهت أن
الجزء: 4 - الصفحة: 1964
أدفع ثمنًا من عندي، أو كرهت بقاءه خوفًا أن يعود لمثل ذلك.
وأما إن افتدت وحابت؛ لأن الجناية أكثر من القيمة، لم يكن للزوج أن يأخذ نصيبه إلا أن يدفع نصف 521 الجناية؛ لأنها رضيت لنفسها بذلك، ولو أسلمته لم يكن له عليها مقال، وإن حابت بأن دفعت أكثر من الجناية، لم يكن على الزوج من تلك الزيادة شيءٌ 522.
وإن وهبت أو أعتقت وهي موسرة، كان عليها نصف القيمة عند مالك يوم وهبت أو أعتقت، وقال عبد الملك: القيمة يوم قبضت 523.
والأول أصوب؛ لأن النماء والنقص منهما إلى يوم أعتقت أو وهبت.
فإن ألزمت القيمة يوم قبضت، وكان فيها الآن نقص، أُغْرِمَتْ ما كان ضمانه 524 من غيرها 525. وإن كان 526 فيه زيادة لم يسقط حق الزوج من تلك الزيادة؛ لأن المصيبة كانت منه؛ فله النماء.
وإن لم يعلم الزوج حتى طلقها، وهي اليوم معسرة وكانت يوم الهبة والعتق موسرة، مضى فعلها.
وإن كانت معسرة ذلك اليوم إلى يوم الطلاق، كان له أن يرد هبتها وعتقها.
وهذا المعروف من قوله، وهو مبني على القول أن النصف مترقب.
وأما على القول أن بالعقد وجب جميعه- فلا رد له؛ لأن مقاله كان في الرد قبل الطلاق لِحَقِّهِ في مال الزوجة، وأنها مقصورة على الثلث، فزال ذلك بالطلاق وصار مقاله الآن من أجل الدين، وهو طارئ بعد الطلاق 527.
الجزء: 4 - الصفحة: 1965
فصل (1) [في غلة الحيوان والشجر والعبيد]
واختُلف في غلة الحيوان والشجر والعبيد 529، فقال مالك وابن القاسم: الغلات 530 بينهما؛ لأن الضمان منهما.
وقال عبد الملك بن الماجشون 531: الغلة للزوجة؛ لأنه يوم اغتلته ملك لها، وإن 532 هلك كان منها 533. يريد أنه يبني 534 بها.
وهو أحسن؛ لأنها مالكة لجميعه حقيقة إلى يوم الطلاق، والرجوع بعد الطلاق 535 شرع، فمن يوم الطلاق يملك 536 الزوج النصف.
وإن كان الصداق عينًا، فاشترت به 537 ما العادة أنه يشترى به، فأغل غلة - كان على الخلاف المتقدم؛ لأن ذلك المشترى لو هلك لكان منهما.
وإن اشترت ما ليس العادة أن يصرف الصداق فيه؛ كانت الغلة لها، وإن هلك ضمنته.
ولو أراد الزوج أخذه؛ لم يكن ذلك له، والنفقة تابعة للغلة.
فعلى القول الأول ترجع الزوجة بنصف النفقة 538، ما لم تكن أكثر من نصف الغلة.
وقال عبد الملك بن حبيب: ترجع بما أنفقت على الثمرة، ولا ترجع بما أنفقت على العبد، وترد نصف الغلة، ولا شيء لها من النفقة 539. ولا وجه لهذا.528
الجزء: 4 - الصفحة: 1966
وعلى قول ابن الماجشون: لا ترجع بالنفقة؛ لأنها لا 540 ترد الغلة.
ويختلف إذا كان صغيرًا لا غلة له أو دابة لا تُركَبُ أو شجرة لا تُطْعَمُ 541، فانتقل كل ذلك بنفقة الزوجة 542، ولم تأخذ غلة: هل للزوج نصف ذلك ويدفع النفقة، أو يكون فوتًا؟ فعلى قول ابن مسلمة يكون فوتًا، ويأخذ 543 قيمة نصيبه 544 يوم قبضته 545؛ لأنه قال فيمن استحق صغيرًا بعدما كبر عند المشتري وأنفق عليه: ليس له أن يأخذه، وإنما له قيمته يوم كان اشتراه.
فالزوج أبين ألا يرجع فيه 546؛ لأنه وضع يدها عليه.
واختُلف إذا أنفقت في صناعة علمتها للغلام، أو الجارية، فارتفع ثمنها لذلك، فقال محمد: لا شيء 547 على الزوج 548. وقال مالك في المبسوط: لها أن ترجع عليه 549 بنصف ذلك.
وأرى لها الأقل من نصف ما أنفقت، أو نصف ما زاد ثمنها.
وقال محمد فيما اغتلت 550، فهلك بيدها من غير سببها: لم تضمنه، وهي مصدقة مع يمينها إن أخذت في الغلة حيوانًا 551، ولا تصدق في هلاك العين إلا ببينة 552.
الجزء: 4 - الصفحة: 1967
فصل [في ضمان الصداق إذا طلقت قبل البناء]
الزوجة في ضمان الصداق إذا طلقت 553 قبل البناء على ثلاثة أقسام:
فإن كان عينًا ضمنته مع عدم البينة.
واختلف إذا علم ضياعه، فقال محمد: لا شيء 554 عليها.
وقال أصبغ: تضمنه قال: لأنها لو اتجرت 555 فيه، فأصابت فيه مثله، لم يكن للزوج فيه شيء.
والأول أحسن، ومحملها فيه على أنها لتجهز 556 به حتى يعلم غير ذلك.
وأيضًا فإنه ليس شأن النساء التجارة بمثل ذلك 557.
وإن كان الصداق عرضًا، لم تصدق في تلفه.
وإن كان مما 558 لا يغاب عليه كالعبد أو الدابة 559 - صدقت إن ادعت تلف ذلك، وكذلك إن ادعت موته في غير جماعة، ولم تصدق تلفه 560 إن كانت 561 في حضر، أو في سفر بين جماعة.
وإن كان الصداق عينًا فتجهزت 562 به وعلم ذلك، ثم ادعت ضياعه وقد طلقت، لم تصدق إلا أن يعلم ذلك، وإن ادعت تلفه وهي في العصمة 563 صُدِّقَتْ، ولم يكن للزوج أن يكلفها غُرْمَهُ لتتجهز به 564.
قال عبد الملك في كتاب محمد 565: لأنه مالها، لا حق له فيه، فإذا قالت
الجزء: 4 - الصفحة: 1968
سرق وحلفت- لم تضمن مالها 566. وإنما حلفها للتهمة 567. وقال في المستخرجة: عليها أن تتجهز بمثله إذا لم تقم بينة بتلفه 568.
والأول أحسن، وأصل استمتاع الزوج بذلك 569 مكارمة، فأبقى ذلك مرة على أصله مكارمة، ولم يكلفها 570 الحلف، ورأى مرة أن ذلك صار بمرور 571 العادة كالشرط.
وإن اشترت ما يصلح لجهازها ثم طلقها، كان له نصفه، وليس لها أن تحبسه، وتدفع إليه نصيبه من العين، ولا له أن يدعه ويطالبها 572 بنصف العين.
وإن اشترت بصداقها ما لا يصلحها- كانت مصيبته 573 منها وعليها على 574 قول مالك؛ إن لم تُطلق أن تتجهز بمثل ما قبضت، وإن اشترت به من الزوج شيئًا مما يصلح أن يكون جهازًا لها 575، أو لا يصلح كالدار والعبد، كان هو الصداق، وكأنها تزوجت به، وإن طلق كان له نصفه.
قال محمد: وإن كان فيه غبن عليها فهي وضيعة منها، وإن غبنته فهي زيادة منه لها 576. يريد: وليس عليها أن تتجهز بمثل ذلك العين، إن لم يطلق إذا أخذت به منه دارًا أو عبدًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 1969
فصل (1) [في العيوب التي تكون بالزوجة]
وإن ردت الزوجة بعيب جنون 578 أو جذام أو برص، والصداق عين، ضمنته وإن 579 هلك ببينة.
وإن اشترت به جهازًا، كانت في حكم المتعدي، فإن أحب الزوج، أخذ نصفه، أو ضمنها ما قبضت.
وإن هلك ببينة، ضمنت ما كانت قبضت من الزوج، هذا إذا علم بالعيب، فطلق.
ويختلف إذا لم يعلم حتى طلق.
واختُلف إذا كان النكاح فاسدًا ففسخ قبل البناء، هل تضمن الزوجة الصداق؟ فضمنها مالك وابن القاسم، ولم يضمنها ابن حبيب، وإن لم ينظر 580 في ذلك حتى فات بالدخول، ضمنته قولًا واحدًا، وقد مضى ذلك في أول الكتاب.
وتصرف الزوجة في صداقها قبل البناء بالبيع والهبة، وقضاء الدين على ثلاثة أقسام: فإن كان عينًا تشورت به.
قال مالك في كتاب محمد 581: عليها أن تتجهز 582 بمهرها بما يصلح للناس 583 في بيوتهم، وتتخذ خادمًا، إن كان في الصداق ما يبلغ ذلك 584. وإنما أعطي الصداق بذلك، وأنكر قول أهل العراق: أن على الرجل أن يسكنها بيتًا 585، وليس577
الجزء: 4 - الصفحة: 1970
له أن يسكنها بيتًا ليس فيه ما يصلح للناس في بيوتهم.
وليس 586 هو 587 الأصل؛ لأن الصداق ثَمنٌ لما باعت، وللبائع أن يحبس الثمن لنفسه، ولا مقال للمشتري فيه، إلا أن العادة أنها 588 تتجهز به 589، وينتفعان به 590.
واختلف قول مالك في هذا الأصل هل يبقى على حكمه في الأصل أنه مكارمة أو ينتقل فيصير كالشرط، كهدية العرس هي مكارمة؟ فقال مرة: لا يقضى على الزوج بها وأبقاها على أصلها أنها مكارمة.
ومرة قال: يقضى عليه بها 591. وكذلك نفقة الزوجة، حملا 592 مرة على العادة في اللباس من عادة أمثالها من حرير، أو خدمة إن كان يخدم مثلها أكثر من خادم واحد 593.
ومرة حمل ذلك على المكارمة، وألا يلزم بأكثر مما كان عليه الأمر القديم.
وأن الزائد 594 مكارمة.
والثاني أن يكون الصداق دارًا، أو خادمًا، فليس عليها 595 أن تبيع 596 ذلك لتتشور به، وعلى الزوج أن يأتي عند البناء، بما يحتاج إليه من غطاء، ووطاء، وكسوة، وهذا مع عدم العادة، فإن كانت العادة أن الأب يأتي بمثل ذلك، أو هي إن لم يكن أب 597، ولا يزاد في الصداق لأجل ذلك، جرى على 598 الخلاف المتقدم هل يبقى على أصله 599 مكارمة أو تنقضه
الجزء: 4 - الصفحة: 1971
للعادة 600؟ وإن كان يزاد في الصداق شيء 601 لأجل ذلك أجبر 602 الأب أو هي إن لم يكن أب؛ لأنها هبة قارنت البيع.
وكذلك إن كان الصداق شيئًا مما يكال أو يوزن، لها أن تحبسه، وليس عليها أن تتشور به حسب ما تقدم في الدار والعبد.
وإن كان الصداق عينًا، وكان الحكم أن تتشور به، فإنها تمنع 603 من أن تنفق منه 604 أو تكتسي.
قال مالك: إلا أن تكون محتاجة فتأكل وتكتسي بالمعروف 605. قال مالك 606 في كتاب الديات: ولا تقضي منه دينًا قبل البناء، إلا الشيء الخفيف، الدينار ونحوه 607. قال في العتبية: وأما بعد البناء، فلها قضاء دينها من شوارها ومن كالئ صداقها، وليس لذلك 608 بعد البناء وقت وكذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 1972
لو ماتت بعد البناء 609.
وقد تضمنت هذه الجملة خلاف ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن النكاح يفسد إذا كان الصداق رِبَاعًا لها غلة، وكان الزوج ينتفع بها؛ لأن مالكًا ألزم أن تتشور به، وينتفعان به، ومنع من إنفاقه إلا عند الحاجة من 610 قضاء الدَّيْن 611 قيل 612 بخلافه بعد ولم يره غررًا إذا كان لا يدري هل يقضي بقرب البناء، أو يبقى يستمتع به 613 إذا لم يكن دين 614.
واختُلف في صداق الأمة، هل يجبر السيد على أن يجهزها به؟ فقال مالك في كتاب الرهن 615: تجهز به، بمنزلة الحرف وليس للسيد أن يأخذه 616. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن زوج أمته من عبده، أو من أجنبي بصداق، فأراد السيد أن ينتزعه، ولا يجهزها به، فذلك له، ويترك لها ربع دينار، ووافقه أصبغ، إذا كان زوجها عبده 617، قال: فأما إذا كان زوجها 618 عبد غيره أو حرًّا 619، فليس له أن ينتزعه، وتتجهز به مثل الحرة.
وقاله ابن عبد الحكم قال 620: فإن باع 621 أمته كان السيد أحق به 622. وقد تقدم ذكر ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 1973
باب فيمن زوَّج أمته على أن ولدها حر، أو زوَّج أمته على أنها ابنته، أو زوَّج ابنته (1) وأدخل على الزوج أمته، وإذا أسلمت امرأة المجوسيّ قبل البناء ثم بنى بها قبل أن يسلم
624
ومن زوج أمته على أن ما ولدت حرٌّ 625؛ فسخ قبل البناء وبعده.
قال مالك: وليس 626 لها المسمى، والولد حر، والولاء لسيده، ولا قيمة على الزوج فيه.
قال محمد: فإن باعها السيد بعد ذلك وهي غير حامل، كان 627 ما ولدت عند 628 المشتري رقيقًا 629.
وكذلك أرى إن لم يبعها وفسخ الشرط أو تفاسخاه، أو رجع السيد فيه، كل ذلك قبل أن تحمل فهو رقيق؛ لأنه رضي بفاسد 630 رد قبل وقوعه، فلم يلزم، وإن استحقت أَخَذَهَا المستحق وجميع ولدها، ورد عتق ما كانت ولدت قبل رد السيد؛ لأن العتق من السيد ليس من الأب الواطئ، فإذا استحق الولد كان للمستحق أن يرد العتق، ولو غيره السيد 631 وزوجه على أنها ابنته، ثم ثبت أنها أمته، كان ولدها حُرًّا 632.623
الجزء: 4 - الصفحة: 1974
ويختلف هل للسيد على الأب قيمة الولد؟ فقال ابن حبيب: له 633 قيمته.
وقال مطرّف فيمن باع أم ولده فولدت من المشتري: فلا شيء للبائع من قيمة الولد؛ لأنه أباح له فرجها بالبيع فكأنه أذن له في إيلادها 634. وقال ابن الماجشون: عليه قيمة الولد.
وقول مطرف في هذا أحسن، ولا شيء له في هذه، ولا في التي زوجها على أنها ابنته؛ لأنه سلطه على ذلك.
فإن استحقت كان للمستحق على الزوج قيمة الولد، ولا شيء على السيد الذي زوج من قيمته.
وإن زوجه ابنته، فأدخل عليه أمته؛ ردت الأمة إلى السيد.
ويختلف في قيمة الولد، حسب ما تقدم في الابنة 635، وللزوج أن يبني بالابنة التي تزوج.
وقال ابن حبيب: ولقد سألت ابن الماجشون عن الرجل يزوج الرجل ابنته فيحبسها ويبعث إليه أمته فيصيبها الزوج ثم يظهر على ذلك، فقال لي: أما الأمة فتلزمه بالقيمة؛ لأنه وطئها على شبهة درئ عنه بها الحد بمنزلة الذي يحلل له الجارية وأشباه ذلك كثير، وعلى الأمة الحد إلا أن تكون تدعي أنها ظنت أن سيدها زوجها إياه وعلى سيدها العقوبة الموجعة ونكاح الابنة ثابت 636.
وفي الموازية، وفي كتاب ابن سحنون مثله 637.
الجزء: 4 - الصفحة: 1975
وفي السؤال: ومن زوج 638 ابنته لرجل، فأدخل عليه أمته أنها ابنته، فتلد، فإنها 639 تكون له بما تلد أم ولد 640، وعليه قيمتها يوم الوطء، حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه في الولد بمنزلة من أحل ابنته لرجل، وتبقى ابنته زوجة له، ولو علم الواطئ أن التي أدخلت عليه غير زوجته، ثم وطئها فهو سواء لا حد عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 1976
باب في نكاح التفويض ومن تزوجت على حكمها أو على حكم الزوج أو الولي أو على (1) صداق المثل
نكاح التفويض 642 جائز لقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]. ثم 643 الزوج بالخيار بين أن يرد ولا شيء عليه، أو يفرض صداق المثل ويلزمه 644 النكاح، أو يفرض دون ذلك، وتكون هي بالخيار بين القبول، أو الرد، ولا شيء لها.
قال مالك: في صداق المثل: لا ينظر إلى نساء قومها، ولكن ينظر إلى قدرها، وموضعها من الجمال، واليسار، والفقر، وحال الزوج، وهل الرغبة في مثله كثرة 645 الصداق، أو 646 القربى، أو صلة الرحم 647.
قال مالك: وليس الرجل يغتفر فقره لقرابته، كالأجنبي الموسر يرغب في ماله.
وقوله هذا يصح مع عدم العادة، فإن كان قوم لهم عادة، لا يحطون بفقر ولا قبح 648، ولا يزيدون ليسار وجمال، حملوا على عادتهم كأهل البادية اليوم.641
الجزء: 5 - الصفحة: 1977
وللزوجة أن تمنع نفسها قبل معرفة الصداق وقبل قبضه، إلا أن تكون العادة أن الصداق مقدم ومؤخرة فلا تمتنع (1) إذا فرض الزوج صداق المثل، وعجل (2) النقد المعتاد، فإن رضيت أن تمكنه من نفسها (3) قبل أن يفرض شيئًا، جاز إذا دفع ربع دينار ويكون لها صداق المثل.
فصل [في نكاح التفويض إذا فرض أقل من المثل قبل البناء]
وإن فرض قبل البناء أقل من صداق المثل، كان النظر إلى الأب إن كانت بكرًا.
واستحسن إن كان وصيًّا والزوجة بكرًا أو ثيبًا سفيهة، أن يكون النظر إلى الوصي، وإن كانت رشيدة فالأمر إليها.
واختُلِف إذا لم تكن 652 مراضاة حتى دخل، وفرض أقل من صداق المثل.
فقال مالك في كتاب النكاح الأول 653: لا يجوز للأب أن يضع من صداق ابنته البكر، إذا لم يطلقها الزوج 654. وكذلك المفوض إليه بالدخول 655 يستحق عليه صداق المثل.
فلا يجوز -على قوله- للأب أن يحط منه.
وكذلك الوصي على هذا القول، لا يجوز أن يرضى بأقل من صداق المثل.
وقال في كتاب النكاح 656 الثاني: يجوز ذلك 657 للأب ولا يجوز للوصي.649650651
الجزء: 5 - الصفحة: 1978
وقال ابن القاسم: يجوز للوصي على وجه النظر إذا سأل الزوج التخفيف، وخاف الوصي الفراق، ورأى مثله رغبة لها (1). وقال أيضًا: يجوز عند مالك أن يرضى الولي قبل المسيس وبعده بأقل من صداق المثل (2). وهو أحسن، وقد تقدم.
فصل [في موت أحد الزوجين قبل البناء وقبل الفرض في نكاح التفويض]
وإن مات الزوج أو الزوجة قبل البناء 660 وقبل الفرض، كان بينهما الميراث، ولا صداق لها، وإن دخل ولم يفرض، فلها صداق المثل.
وإن سمى في الصحة ولم يدخل، فلها تلك التسمية، وإن فرض في المرض ولم يدخل، فلا شيء لها، وإن كان الفرض والبناء في المرض، كان لها الأقل من المسمى أو صداق المثل من رأس المال؛ لأن العقد في الصحة والدخول في المرض بوجه- جائز، ففارق النكاح في المرض.
وإن كانت مريضة وهو صحيح 661 وفرض في مرضها، ثم ماتت وهو مريض ولم يدخل، فلا شيء لها إن مات من مرضه ذلك.
قال أصبغ: وإن صح بعد موتها، لزمه ذلك لورثتها.
قال محمد: ولا 662 يعجبني ذلك 663.658659
الجزء: 5 - الصفحة: 1979
وقولُ أصبغ أنه 664 أحسن؛ لأنه إذا صح تبين أن ذلك مرض لا يخشى منه الموت، وأنهم أخطأوا في ظنهم 665 أنه مما يموت 666 منه، فكان بمنزلة من فرض وهو صحيح، وهي مريضة.
قال محمد: ولو سمى لها وهو مريض وهي ذمية أو أَمَة، ولم يبنِ بها 667 حتى مات، أعطيت ذلك المسمى، قلَّ أو كثر 668، ويحاص به أهل الوصايا.
قال عبد الملك: لا شيء لها إن لم يدخل حتى مات؛ لأنه لم يسمِّ إلا على المصاب 669. وهو أحسن؛ لأنه لم يقصد الوصية وإنما قصد الصداق وأحكامه وأن تؤخذ على ما يجب في حكم الصداق.
وقال محمد: إن دفع الزوج شيئًا، ثم طلق قبل البناء، فإن كان ذلك صداق مثلها، أو تراضوا به وهو أقل من صداق مثلها، لم يكن للزوج إلا نصفه، وإن لم يكن فيما دفع صداق مثلها، ولا كانوا رضوا 670 به، لم يكن لها منه شيء، ولا يقبل قولهم بعد الطلاق أنهم كانوا رضوا به، إلا أن يكون 671 لهم بينة بذلك 672.
قال مالك: وإن قدَّم 673 الزوج شيئًا فأدخلوها عليه ثم طلبوا بقية مهر مثلها، فلا شيء لهم إلا أن يكون المدفوع لا يشبه أن يكون صداقًا، مثل الدرهمين، أو الثلاثة أو الطعام يبعث به، فيرجع عليه بصداق مثلها.
الجزء: 5 - الصفحة: 1980
وكذلك إن مات قبل أن يدخل وقد سمى لها صداقًا في صحته (1)، فإن كانت رضيت به قبل أن يمرض، فذلك لها (2) من رأس ماله (3)، قليلًا كان أو كثيرًا.
فصل [في أحكام نكاح التفويض]
نكاح التفويض على ثلاثة أوجه:
جائزٌ: وهو ما كان التفويض فيه إلى الزوج، أو عَقَدَ ولم يذكر الصداق، ولا أسقط 677.
وفاسدٌ: وهو ما دخل فيه على رفع الخيار، وعلى أن ما فَرَضَ مَنْ فَوَّضَ إليه لزم قليلًا أو كثيرًا.
ومختلفٌ فيه: وهو أن يكون التفويض إلى الزوجة أو إلى وليها أو أجنبي من الناس، أو يقول: أتزوجك على حكمي، أو حكمك، أو حكم وليك، أو حكم فلان، فهذا يمنع ابتداءً، فإن نزل مضى عند مالك 678. وقال سحنون 679: قال غيره: يفسخ إذا لم يفت بالدخول 680. وقال عبد الملك في كتاب محمد: يجوز على حكمه، ولا يجوز على حكمها، وإطلاق العقد يقتضي الفساد، إلا بمهر 681674675676
الجزء: 5 - الصفحة: 1981
كان 682 الحكم من زوج أو زوجة أو ولي؛ لأن مقتضى الحكم رفع الخيار، وذلك فاسد، إلا أن تكون العادة بقاء الخيار لمن يحكم عليه.
واختلف بعد القول إنه يمضي على ثلاثة أقوال: فذكر ابن حبيب عن ابن الحكم إليه، أو إليها، أو إلى أجنبي.
وعن أشهب وعبد الملك مثل ذلك، إذا كان الأمر بيد الزوج أو بيد أجنبي، وإن كان الأمر 683 بيدها لم يلزمها، وإن كان 684 فرض صداق المثل.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن رضيت بما حكم أو رضي بما حكمت أو رضيا بما حكم فلان، وإلا فرق بينهما 685. واتفقت هذه الأقوال إذا كان الأمر بيد غير الزوج ألا 686 يلزم الزوج ما فرضت، ولا ما فرض فلان، وإنما الاختلاف: هل يعود الأمر إلى الزوج، أو لا يلزم من الصداق إلا ما تراضيا عليه؟ وليس القول بعودة ذلك إلى الزوج ببين؛ لأنه غير ما عقدا عليه، ولها أن تقول: لا أرضى بصداق المثل إن فرضه 687 الزوج؛ لأني إنما تزوجت على حكمي، وحكمي كذا وكذا، فإن رضي، وإلا فارق.
وإن دخلا على حكم فلان فقالت: لا أرضى إلا بمن رضينا 688 به، فقد يفرض في أكثر من ذلك.
فأما إن دخلا على حكم فلان ففرض صداق المثل
الجزء: 5 - الصفحة: 1982
- لزمهما 689؛ لأنه وكيل له على الشراء، ولها على البيع، فإذا باع لها واشتراه 690 له بالقيمة- لزمهما 691. وإن اشترى بأكثر خُيِّر وحده، وإن باع بأقل خيرت وحدها، إلا أن تكون المغابنة الشيء اليسير عليه، أو عليها فيلزمها 692؛ لأن المغابنة اليسيرة تلزم من وكله من بائع أو مشترٍ.
وإن دخل على حكمها ففرضت صداق المثل فأقل، لزمه.
وإن فرضت أكثر كان بالخيار.
الجزء: 5 - الصفحة: 1983
باب في (1) الدعوى في الصداق والاختلاف فيه
اختلاف الزوجين في الصداق على خمسة أقسام: في قدره وجنسه، وفي دفعه.
وهل كان على 694 تسمية أو تفويض؟ وفي صحته وفساده.
فإن اختلفا في قدره، فقالت مائة وقال الزوج خمسون؛ فإن لم يدخل وأتيا بما يشبه- تحالفا وتفاسخا 695، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر- كان القول قول من حلف منهما، وثبت النكاح، وإن حلفت ونكل، غرم مائة، وإن حلف ونكلت، غرم خمسين.
وهذا قول مالك في المدونة 696.
وقد اختلف في هذه المسألة 697 أربعة 698 مواضع:
أولها: مَن المبدَّى باليمين.
والثاني: هل تحالفهما فسخ، كاللعان، أو حتى يتفاسخا؟
والثالث: هل نكولهما كأيمانهما، أو يعود القول قول من نكل منهما أولًا؟
والرابع: إذا أتى أحدهما بما يشبه، والآخر بما لا يشبه 699.
فأما التبدية فقال مالك: تبدى الزوجة، أو الولي إذا لم تعلم هي ما عقد لها به 700.693
الجزء: 5 - الصفحة: 1984
وروى عنه الواقدي 701 في 702 مختصر ما ليس في المختصر أنه 703 قال: يبدى الزوج.
وهذا مثل قوله في العتبية في اختلاف المتبايعين: أنه يبدى المشتري، وأن يقترعا أحسن 704.
وأما إذا تحالفا فقال سحنون: هو فسخ كاللعان.
وقال ابن حبيب: الزوج بالخيار إن شاء يقدم 705 على ما حلفت عليه، وإن شاء ترك 706، ولم يره منفسخًا بنفس التحالف، وعلى هذا يكون للزوجة أن ترضى بخمسين، ويثبت 707 النكاح إن لم يرضَ هو بالمائة، وإن طلقها ثلاثًا 708 قبل التفاسخ لزمه، وإن مات أحدهما توارثا، وهو أحسن؛ لأن أيمانهما إنما تفيد ألا يؤخذ أحدهما بغير ما اعترف به 709، ولا بغير ما حلف عليه، وهذا قصدهما، إلا أن يكونا عقدا أن تحالفهما فَسخٌ، لا مقال بعده في النكاح لواحد منهما، فيلزمه ما التزماه.
وأما إن نكلا فقيل: ذلك بمنزلتهما 710 لو حلفا.
وقيل: القول قول المرأة.
والأول أحسن.
وذكر ذلك في كتاب السلم وكذلك إن أتى أحدهما بما يشبه والآخر بما لا يشبه، ولم يكن بنى بها، فقال مالك مرة: يتحالفان ويتفاسخان 711. وقال مرة: القول قول من أتى بما يشبه دون الآخر.
وهو أصوب؛ لأن ذلك دليل له كالشاهد يحلف معه من قام له ذلك الدليل.
وإن اختلفا بعد البناء؛ كان القول قول الزوج مع يمينه إذا أتى بما يشبه؛ لأنه حينئذ غارم، وقد فات
الجزء: 5 - الصفحة: 1985
المبيع بالدخول.
وكذلك إذا طلق وقد دخل أو لم يدخل؛ لأنه غارم، وقد فات موضع الفسخ بالطلاق (1).
فصل [في الاختلاف في جنس الصداق]
واختلف إذا اختلفا في جنسه فقال: تزوجتك على هذا الثوب، وقالت: على هذا 713 العبد.
فقيل: القول قول الزوج، أنه لم يبع على 714 ذلك العبد، والقول قولها، أنها لم تتزوج على ذلك الثوب، فيتحالفان ويتفاسخان قبل، ويثبت بعد، ولها صداق المثل ما لم تكن قيمة ذلك فوق ما ادعت، أو دون ما ادعى الزوج، وهذا بخلاف البيع؛ لأن النكاح إذا تزوجت على عبد فاستحق، ترجع 715 إلى قيمته.
فإن كانت قيمته أكثر من صداق المثل، كان ذلك مكارمة منه 716. فإن ردت إلى صداق المثل، رجعت إليه مكارمته 717. وإن كانت قيمته أقل، كانت مكارمة منها، فإن استوفت صداق المثل، رجعت 718 إليها مكارمتها.
وكذلك هذا أن 719 لها صداق المثل 720 ما لم يزد 721 على قيمة العبد، أو ينقص 722 من قيمة الثوب.
وقال ابن القصار: إن اختلفا بعد الدخول، كان القول قول الزوج مع712
الجزء: 5 - الصفحة: 1986
يمينه، ولا يكون عليه إلا ما أقر أنه تزوج به، ووافق إذا اختلفا قبل البناء.
وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: إن اختلفا بعد البناء في صنفين، فقال تزوجتك بجاريتي، أو عبدي أو داري، أو أرضي (1)، أو جناني.
وقالت: بدنانير أو ثياب، فالقول قول الزوج، إذا كان ذلك مما يصدقه النساء، وإن ادعى ما لا يشبه (2)، كالخشب والجلود، وقالت: تزوجتني بجاريتك، أو عبدك، أو دارك، أو جنانك، أو ما أشبه ذلك، مما يتزوج به النساء- فالقول قولها (3)، إذا كانت قيمة ذلك مثل ما تزوج به فأقل.
وإن ادعيا ما يشبه في الصنفين، كان القول قول الزوج (4)، وإن كان لا يشبه أن يتزوج بواحد منهما، تحالفا وتفاسخا، وكان لها صداق المثل.
وإن اتفقا على صنف، واختلفا فادعت أكثر مما أقر به، كان القول قول الزوج.
فصل [في الاختلاف في دفع الصداق]
وإن كان أبواها ملكًا للزوج، فقال: تزوجتك على أبيك، وقالت على أمي: تحالفا وتفاسخا، وعتق 727 الأب على الزوج بإقراره أنه حر، وكذلك إن نكلا.
وإن حلف ونكلت، عتق الأب عليها، ورقت الأم.
وإن نكل وحلفت، عتقا جميعًا 728، فيعتق 729 الأب على الزوج بإقراره، والأم على الزوجة؛ لأنها استحقتها باليمين 730.723724725726
الجزء: 5 - الصفحة: 1987
وإن اختلفا في دفع الصداق قبل البناء، كان القول قول من أنكر القبض من امرأة أو ولي مع يمينه.
وإن اختلفا بعد البناء، كان القول قول الزوج إذا 731 كان دخول اهتداء، قال ابن القاسم: مع يمينه، وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن كان قريبًا، وجاءت بلطخٍ، حلف وإن طال، فلا يمين عليه 732.
وقال ابن القاسم في العتبية في امرأة في صداقها خادم ادعى الزوج أنه صالحها منها على دنانير دفعها إليها، وأنكرت، فالزوج مدعٍ، وإن أقرت بالصلح صدق الزوج في دفعه، ولا شيء لها 733. يريد: إذا بنى؛ لأنه إذا أنكر 734 الصلح، مقرًّا 735 أنه لم يدفع الخادم مدعٍ عليها أنها باعتها منه، فكان القول قولها أنها لم تبع، ولو اتفقا أن الصلح عنها وكان بعد الدخول، صدقت أنها لم تقبض العوض.
واختلف إذا كان بعض الصداق يحل بعد الدخول، فلم يدخل حتى حل.
فقال مالك: القول قول الزوج أنه دفع قبل أن يدخل 736. لأنه يقول: لها أن تمتنع من البناء حتى تقبض المؤجل إذا حل قبل، وهي عالمة أن ذلك لها.
وقال محمد بن عبد الحكم: له أن يبني بها وتطالبه.
وفي السليمانية: له أن يبني وإن تبين عسره 737 بالمهر قبل البناء.
وهو أبين؛ لأنها رضيت أن تسلم نفسها، وتتبع الذمة، ولو باع رجل سلعة بثمن إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 1988
أجل فحلَّ الأجل قبل تسليم السلعة، ثم تبين عسر المشتري، كان للبائع ألا يسلمها، بخلاف النكاح؛ لأنه لو كان سلمها (1) كان له الآن أن يرتجعها (2)، فيأخذها في الفلس (3)، وليس كذلك (4) النكاح إذا بنى ثم أعسر بالمهر، لم يكن لها أن تمنع نفسها.
واختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما كاختلاف الزوجين (5)، فإن ماتت (6) قبل الدخول كان القول قول ورثتها (7) مع أيمانهم (8) أنها لم تقبضه، إلا أن يقولوا: لا علم لنا، ولا يدعى عليهم العلم، فيكون لهم قبضه بغير يمين.
وإن مات الزوج بعد البناء وقالت: لم أقبض المقدم، كان القول قول ورثته مع أيمانهم.
فإن قالوا: لا علم لنا وكانوا ممن لا يخالطه (9) برئوا بغير يمين، فليس الولد كالعصبة.
وإن مات الزوجان كان القول قول ورثتها إن ماتت (10) قبل البناء، والقول قول ورثته إن مات بعده (11).
فصل [فيما إذا كان الصداق رهنًا]
وإن أخذت بالصداق رهنًا ثم سلمته كان القول قول الزوج مع يمينه أنه738739740741742743744745746747748
الجزء: 5 - الصفحة: 1989
دفع وتبرأ 749، وسواء دخل أم لم يدخل، واختلف إذا دخل وبقي الرهن في يدها، فقال سحنون: القول قول الزوج مع يمينه، ويأخذ 750 رهنه 751. وقال يحيى في المنتخبة 752: القول قولها مع يمينها، وهو أبين كمن باع سلعة وسلمها، وبيده رهن بالمبيع، فالقول قول البائع، ما دام الرهن بيده.
وإن أخذت بالصداق حميلًا كان الاختلاف على ثلاثة أقسام:
فإما أن يكون الاختلاف بين الزوج والحميل خاصة في أيهما دفع، والزوجة 753 مصدقة في قبض صداقها.
أو يكون الاختلاف بينهما وبين الزوجة خاصة، تقول: لم أقبض، ويقولان 754: قد قبضتِ، واتفقا أن الدفع كان من الزوج أو من الحميل.
أو يكون الاختلاف بين جميعهم، فالزوج يقول: دفعتُ، والحميل يقول: أنا الدافع، والزوجة تقول: لم أقبض.
فإن 755 أقرت بالقبض، واختلف الزوج والحميل في أيهما دفع واتفقا أن المرأة لم تقبض إلا مائة واحدة؛ لأن الدفع كان بمحضرهما، أو أرسلا بها 756 رسولًا، كان القول قول الزوج مع يمينه، فإن نكل حلف الحميل، ورجع على الزوج، ولا يمين على الزوجة في الوجهين جميعًا.
وإن كان دفع كل واحد بغير محضر صاحبه سئلت المرأة: أيهما كان الدافع؟ فإن قالت: الزوج حلفت للحميل، ولم يكن بين الحميل والزوج
الجزء: 5 - الصفحة: 1990
مقال، وإن نكلت حلف الحميل، ورجع عليها.
فإن قالت: قبضت ذلك من الحميل، كان القول قول الزوج أنه دفع ذلك إليها؛ لأنه يقول لم أقبض ما اشتريت حتى دفعت ما علي، ولم يدفع أَحدٌ عني شيئًا، وكان القول قوله أنه دفع عن نفسه، حتى يعلم أن غيره الدافع عنه.
ويحلف الزوج يمينين، يمينًا 757 للزوجة أنه دفع ذلك إليها، ويمينًا للحميل: إني لا أعلم أنك دفعت قبل دفعي شيئًا.
فإن نكل عن اليمين للزوجة حلفت أنها لم تقبض ذلك منه، وغرمه الزوج للحميل، فإن نكلت برئ الزوج، وغرمت هي للحميل.
وإن حلف للزوجة ونكل عن اليمين للحميل حلف الحميل: إنك تعلم أني دفعت ذلك 758 قبل دفعك، ورجع عليه.
فإن نكل فلا شيء له على الزوج.
فإن قالت: لم أقبض من واحد منكما شيئًا، ولم يبنِ بها، فإن ادعت دفع مائة واحدة حلفت يمينًا واحدة وأخذت من الزوج، إلا أن يكون معسرًا 759 فيأخذ من الحميل.
وإن ادعى كل واحد أنه دفع إليها مائة من غير محضر صاحبه حلفت يمينًا للزوج ويمينًا للحميل، فإن حلفت للحميل ونكلت للزوج حلف الزوج وبرئ، ولا شيء للحميل على الزوج إذا لم يَدَّعِ عليه العلم، وإن حلفت للزوج ونكلت للحميل حلف الحميل، ورجع على الزوج؛ لأن يمينها للزوج توجب 760 أن يغرم لها الصداق، ويمين الحميل عند نكولها توجب أن يكون الحميل 761 هو الدافع بالحمالة فوجب أن يرجع عليه.
وإن نكلت الزوجة والزوج وحلفت للحميل غرم لها الزوج، ولا شيء للحميل، وإن حلفت لهما
الجزء: 5 - الصفحة: 1991
جميعًا وادَّعى الحميل على الزوج أنه يعلم أنه دفعه عنه بوجه جائز- حلف الزوج، فإن نكل حلف الحميل، ورجع عليه.
وقال ابن حبيب إن قال حامل الصداق بعد البناء: إنها (1) قبضت ذلك منه، أو زعم الحميل أنها قبضت ذلك من الزوج فهو مصدق مع يمينه، ويسأل الزوج، فإن زعم أن الحامل بريء أو قال في الحمالة: إني برئت (2) منه- صدق مع يمينه.
وإن قال في الوجهين: لم تقبض الزوجة شيئًا- لم يلزم الحامل (3) ولا الزوج شيء، وأما في الحمالة فيلزم الزوج دون الحميل، وإن قال الحميل: دفعته إليها وأكذبه (4) الزوج برئ الحميل من الحمالة (5)، ولم يوجب له رجوع به على الزوج إلا ببينة، ويؤديه (6) الزوج إلى المرأة بإقراره (7).
فصل [في صداق المرأة التي هلكت قبل البناء]
ومن المدونة قال مالك في رجل تزوج امرأة فهلكت قبل البناء، فطولب بالصداق، فقال: تزوجت على تفويض، فالقول قوله مع يمينه، وله الميراث، ولا صداق عليه 769.
وعلى قوله إن طلق قبل البناء؛ حلف ولا شيء عليه.
وإن مات الزوج وادعت الزوجة تسمية الصداق، وقال ورثة الزوج 770: كان على تفويض 771 -762763764765766767768
الجزء: 5 - الصفحة: 1992
كان القول قولهم مع أيمانهم، ولها الميراث دون الصداق.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن زوج ابنه صغيرًا من ابنة رجل صغيرة 772، فمات الصبي، وطلب أبو الصبية المهر، فقال أبو الصبي: كان على التفويض، فليس لها إلا الميراث، إن كان ترك شيئًا.
قال محمد: إذا حلف أبوه 773.
ولمحمد في بعض النسخ: قال مالك: فإن كان لها شاهد على تسمية المهر أُخِّرَتْ حتى تبلغ، لتحلف وتأخذ 774. قال محمد: بعد يمين أبيها 775. قال: وليس بمنزلة لو 776 باع لها بيعًا، ولم يشهد فيه إلا شاهد، فإن للأب أن يحلف عنها ويأخذ؛ لأنه إن لم يحلف الأب لزمه غرم ما نكل عنه إن لم يتوثق بالإشهاد؛ لأنه لا يكون بيعٌ إلا بثمن معروف وإشهاد، والنكاح يكون على تفويض، وإنما يلزمه الإشهاد في أصل النكاح، ولا يلزمه في تسمية المهر 777.
قال محمد: وذلك عندي ما لم يدَّعِ أبوها التسمية، فإن ادَّعى ذلك، فقد ضيع التوثق 778، فإن شاءت بعد أن تكبر أن تلزم أباها، فيحلف الأب ويأخذه من تركة الصبي، وإن تركت أباها حلفت مع شاهدها، وأخذت من مال زوجها 779.
ومحمل قوله: على أن النكاح عندهم يكون على تسمية وعلى تفويض، فإن
الجزء: 5 - الصفحة: 1993
كان قوم عادتهم التسمية خاصة لم يصدق الزوج إن ادعى التفويض، وكان القول قول من ادعى التسمية، إذا أتت هي أو وليها بما يشبه.
فصل [في الصداق: صحته وفساده]
وإن ادعى الفساد وادعت الزوجة الصحة، ولم يكن بِناء، فُرِّقَ بينهما، لإقرار الزوج على نفسه، وكان القول قولها في الصحة، وتأخذ نصف الصداق، إلا أن يكون ذلك مما يؤدي إلى اختلاف في الثمن، فيحلف الزوج وحده، ويسقط عنه الصداق.
وإن كانت هي المدعية للفساد لم يصدق في الفراق.
وقال ابن حبيب: إن أقامت شاهدًا أنها تزوجت بمائة نقدًا ومائة إلى موت أو فراق، فإن ادعت ذلك بعد الدخول حلفت مع شاهدها، واستحقت صداق المثل، ما لم يكن أقل من المائة فلا ينقص منها شيئا 780، وإنما حلفت مع شاهدها؛ لأنه فات موضع الفسخ 781.
قال: وإن ادعت ذلك قبل البناء ففيه اختلاف، فكان ابن القاسم يقول: لا تحلف مع شاهدها؛ لأنها مدعية فسخ نكاح، ولا يكون فسخ إلا بشاهدين 782. وقال أصبغ: تحلف مع شاهدها؛ لأن الفسخ لا يجب بذلك حتى يخير 783 الزوج، فإن شاء عجل ذلك كله وثبت النكاح، وإن أبى قيل
الجزء: 5 - الصفحة: 1994
لها: أسقطي المؤخر، ويثبت 784 النكاح، فإن أبت فسخ النكاح 785. قال: ولو ادعت ثمرة لم يبدُ صلاحها بانفرادها لم تحلف مع شاهدها قبل البناء؛ لأنه فسخ محض، ولا خيار فيه للزوج 786.
الجزء: 5 - الصفحة: 1995
باب في (1) الإقرار بالزوجية في الصحة والمرض (2)، والمرأة يدعي نكاحها رجلان ومن تزوج ابنة رجل فأنكره وقال: بل زوجتك هذه الأخرى
وقال محمد فيمن أقر عند بينة 789 أنه تزوج فلانة ثم مات، فجاءت تطلب ميراثها، فذلك لها وربما لم تعرف المرأة شهودها، وليس كل النكاح 790 تكتب فيه الكتب، إلا أن تقر ألا حجة لها إلا إقراره هذا، وهي ممن لا تزوج إلا بأمرها.
قال: وكذلك المرأة تقر بأن فلانًا زوجها ثم تموت، فإنه يرثها.
قال: وإن ادعى رجل على امرأة أنه نكحها، فقالت: ما أنا لك بامرأة لأنك طلقتني- فهو إقرار منها بالنكاح.
وفي كتاب ابن سحنون أن الإقرار بالنكاح إنما يجوز في الطارئين، ولا يجوز في غيرهما، وإن دخلا حُدَّا.
قال: وإن لم يدخلا وأقر الولي بإنكاحه جاز.
ويستأنف الإشهاد، وإن أنكر الولي لم يثبت بإقرار الزوجين، وإن مات الزوج جاز ولها المهر والميراث.
قال: فإن أقر في مرضه أنه تزوجها في الصحة أو في المرض لم يجز، ولا مهر لها ولا ميراث 791.
وإن أقرت في الصحة أنها تزوجت فلانًا بألف درهم ثم جحدت، وادعى787788
الجزء: 5 - الصفحة: 1996
الزوج ذلك، وأقر به الولي، جاز وَأُمرا (1) بالإشهاد.
وإن أنكر الولي لم يلزمها إقرارها وإن تمادت عليه، وإن أقرت في مرضها أنها تزوجته في صحتها (2) فصدقها الولي لم يقبل قولها، وإن أقرت في الصحة ثم مرضت وماتت، وصدقها الولي أنه إن (3) زوجها منه في صحتها، وادعى ذلك الزوج بعد موتها، فله الميراث، وعليه الصداق (4). وجميع هذا بيِّن إلا قوله: إن أنكر الوليُّ وتمادت على الإقرار لم يلزمها؛ لأنه يمكن أن تكون صدقت جحد الولي، فأرى أن يستأنف العقد بولي، فإن كانت صدقت لم يضر واستأنفا (5) الآن.
وإن كذبت كان هذا عقدًا مبتدأ؛ لأنها طائعة بذلك (6) غير مكرهة.
فصل [في المرأة يدعي نكاحها رجلان]
وإن ادعى رجلان نكاح 798 امرأة وأنكرتهما، فأقاما البينة، فإن تكافئا في العدالة فسخ النكاحان عند مالك 799، واختلف إذا كان أحدهما أعدل فقال ابن القاسم: يفسخ النكاحان كالأول بخلاف البيع 800. وقال سحنون: هي للأعدل والنكاح والبيع سواء.
وقال غيره: لا ينظر إلى الأعدل في النكاح، ولا في البيع.
وهو أحسن، إذا كانت الشهادة عن مجلسين؛ لأنه ليس بتكاذب، ويجوز أن تكون الشهادتان صحيحتين، وإن كانت الشهادة عن مجلس قضي بالأعدل؛ لأنه تكاذب.
وإن أقرت الزوجة بأحدهما وأنكرت الآخر، فكالأول792793794795796797
الجزء: 5 - الصفحة: 1997
بمنزلتها إذا أنكرت 801.
واختلف إذا أقرت لهما، وقالت: هذا الأول منهما.
فقال ابن القاسم في الكتاب الأول 802: لا ينظر إلى قولها، ويفرق بينها وبينهما بطلقة، وتنكح من أحبت منهما، أو من غيرهما 803. وقيل 804: يقبل قولها، وهو أحسن.
إن أقرت لمن ترغب 805 عنه منهما.
وقال محمد: إن تزوجت غيرهما وقعت على كل واحد منهما طلقة، وإن تزوجت أحدهما لم يكن عليه طلاق.
وأما السلعة فإن كانت مما لا تنقسم فالشركة فيها عيب، فإن كانا راغبين فيها اقترعا على أيهما وقعت عليه القرعة رفع يده عنها، ثم تكون للآخرة لأن عيب الشركة قد ذهب برفع يد أحدهما عنها، ولا مقال في ذلك للبائع؛ لأنه مقر بانتقال ملكه عنها، وكذلك إن دعا كل واحد إلى ردها، فمن ابتدأ بالرد صح رده، ولزمت الآخر، لزوال عيب الشركة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حيما فيمن زوج إحدى ابنتيه وهما بكران، ثم اختلفا، فقال الزوج: أنكحتني فلانة، وقال الأب: بل فلانة، فلا يثبت النكاح حتى يجتمعا على امرأة واحدة، ويحفظ الشهود اسمها 806. قال أصبغ: وسواء شهدت بينة بالنكاح أو لم تشهد.
قال أصبغ 807: ولا أرى بينهما تحالفًا 808؛ لأنه بمنزلة من ادعى نكاح امرأة فأنكرت، أو ادعت هي 809 نكاح
الجزء: 5 - الصفحة: 1998
رجل فأنكرها، فلا يثبت النكاح إلا بابتدائه وتجديده.
قال: وكذلك إن ماتت إحداهما فلا ميراث له منها 810؛ لأنه لا يرث أحد أحدًا بالشك.
قال: وعليه الصداق؛ لأنهما تقارَّا جميعًا بنكاح واحد 811، وإن رجع الزوج فصدق الأب لم يثبت النكاح؛ لأنه كذب نفسه فيها، ويغرم للأصلى 812 نصف صداقها بإقراره الأول، ويغرم للأخرى 813 نصف صداقها، وإن رجع الأب فصدق الزوج لم يقر 814 ذلك النكاح؛ لأن الأب الآن 815 مجوِّز 816 لنكاح لم يعقده إلا بإمضائه لمن ادعاه 817.
الجزء: 5 - الصفحة: 1999
باب في نكاح المريض والمريضة
نكاح المريض والمريضة 818 ثلاثة أقسام 819: جائز وممنوع ومختلف فيه.
والمرض أربعة: غير مخوف، فيجوز النكاح فيه، وكذلك إن 820 كان مخوفًا مطاولًا كالسل والجذام وتزوج في أوله، ومخوف أشرف صاحبه على الموت فلا يجوز، ومخوف غير مطاول ولم يشرف على الموت، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال.
فقيل: فاسد ولا ميراث بينهما فيه.
وهو المشهور من قول مالك وأصحابه 821. وذكر ابن المنذر 822 عن مالك والقاسم وسالم وابن شهاب أنهم قالوا: يجوز إن لم يكن مضارًّا، أي: إن 823 كان للحاجة للإصابة أو القيام به، وإن لم يكن لحاجة كان مضارًّا.
وذكر عن مطرف أنه أجاز ذلك جملة من غير تفصيل.
واختلف عن مالك بعد القول بفساده إذا صحَّا 824، هل يثبت النكاح؟ والاختلاف يحسن إذا علما موجب الحكم من سقوط الميراث وكون الصداق في الثلث؛ لأن نكاح المريض فاسد مِنْ قِبَلِ العَقْدِ؛ لأنه لا ميراث فيه، ومِنْ قِبَلِ الصداق؛ لأنه في الثلث، ولا يدري هل يحمله الثلث أم لا؟ فيصح أن يقال: يفسخ، وإن صح لهذا الوجه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2000
وأن يقال: يثبت لزوال الوجه الذي كان يفسد لأجله.
وقد اختلف في البيع الفاسد إذا زال السبب الذي يفسد لأجله هل يمضي.
وإن كانا ممن يجهل ويريان أنه جائز لم يفسخ؛ لأنهما لم يدخلا على فساد، ولأن حكم ذلك المرض حكم الصحيح؛ لأنهم أخطأوا في ظنهم أنه مخوف.
واختُلف بعد القول أنه يصح، إذا صح المريض، فعثر عليهما 825 في المرض - على ثلاثة أقوال: فقال محمد: يفسخ وإن دخل.
وقال ابن كنانة في المبسوط: إن علم به قبل أن يمس فسخ، وإن علم به 826 بعد أن مس ترك، فإن صحَّ 827 ثبتا عليه.
وقال الشيخ 828 أبو الحسن بن القصار: الفرقة استحباب 829 لقول مالك: إذا صحَّا ثبت النكاح.
وهو أصوبهما 830، فيؤمران الآن ولا يجبران؛ لأنا لا نقطع أنه مرض موت، ويمكن أن يصح فيتبين أن العقد كان صحيحًا، فيتربص حتى ينظر ما ينكشف عنه أمره 831، ويوقف عنها 832.
واختُلف في نكاح المريض النصرانية 833 والأَمَة، فمنعه محمد وقال: الإسلام منها والعتق- يحدث 834. وأجازه أبو مصعب 835. وهو أحسن؛ لأن الإسلام والعتق نادر، وإنما المقال من جهة الصداق، فإن كان ربع دينار أو 836
الجزء: 5 - الصفحة: 2001
تحمل به (1) غير الزوج صح.
وقال محمد في المريض يتزوج الحرة (2) المسلمة بإذن ورثته: لا يجوز، لإمكان أن يموت الآذن، ويصير الميراث لغيره.
وهذا أيضًا من النادر أن يموت الصحيح قبل المريض.
وأرى أن يجوز ولا يراعى النادر.
فصل [في نكاح من حضر الزحف أو ركب البحر]
ونكاح من حضر الزحف أو ركب البحر على الاختلاف في طلاقه وميراث زوجته منه- بمنزلة المريض، فإن مات من ذلك لم ترثه 839 على أحد القولين، وإن سلم صحَّ النكاح.
ونكاح من قرّب للقتل غير جائز؛ لأنه في تزويجه حينئذٍ مُضَارٌّ.
ويختلف إذا نكح وهو في السجن، هل يمضي نكاحه أم لا؟ فإن كان القتل حقًّا لله كالمحارب يكون قد قَتَلَ، والزاني المحصن يحبس ليرجم- لم أرَ أن ترثه.
وإن كان حقًّا لآدمي مما يرجى العفو عنه- كان الأمر واسعًا 840.
والجواب عن نكاح المريضة كالجواب عن نكاح المريض ينظر في مرضها 841: هل هو غير مخوف أو مخوف، مطاول أو غير مطاول، أو أشرفت على الموت؟
ويفترق الجواب في الصداق؛ فإن كانت هي المريضة ودخل بها كان لها المسمى من رأس المال، كان ذلك المسمى أكثر من صداق المثل أو أقل،837838
الجزء: 5 - الصفحة: 2002
واختلف إذا كان هو المريض على أربعة أقوال.
وقال.
. . . 842 عن ابن القاسم لها الأقل من المسمى وصداق المثل في الثلث، وقال مالك في المختصر: لها المسمى، وإن زاد على صداق المثل 843.
الجزء: 5 - الصفحة: 2003
باب فيمن تزوج امرأة فأُدخِل (1) عليه غيرُها
وقال مالك في أخوين تزوجا أختين، فأدخل على كل واحد زوجة الآخر؟ فلترد كل واحدة إلى زوجها، ولا يصيبها حتى يستبرئها بثلاث حيض ولها صداقها على من أصابها 845.
وقال ابن القاسم فيمن تزوج امرأةً فأهدي إليه غيرها، فإن قالت: ظننت أنكم 846 زوَّجتموني منه، كان لها صداقها، ويرجع به الزوج على من غرّه 847.
ويختلف في صداق الأختين على من أصابهما 848؛ لأنَّ كل واحدة أخطأت على نفسها، وسلمت لغير من اشترى منها 849.
وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل؛ فقال مالك 850: فيمن اشترى ثوبًا 851، فأخطأ البائع فأعطاه غيره فقطعه؛ فلا شيء عليه في القطع.
وقال في كتاب محمد: يضمن.
فعلى قوله: ألا شيء على القاطع- لا 852 يكون على الواطئ شيء، ويكون لكل واحدة على الأول صداقها كاملًا إن كانت ثيبًا.
وإن كانت بكرًا فالقياس أن يحط عن الأول ما زاد لمكان البكارة؛ لأنها أخطأت فيما باعته من الأول بثمن، فأهلكته بتسليمها إياه لغيره.844
الجزء: 5 - الصفحة: 2004
وكذلك على القول أن لها على الثاني صداقها، فهو أبين أن يحط عن الأول ما زاد لمكان البكارة؛ لأنها باعت شيئًا فأخذت ثمنه من غير المشتري، بخلاف من تزوج بكرًا فأصابها ثيبًا؛ لأن الثيوبة تكون عنده من القفزة وغيرها.
وإن كان القياس في هذه أيضًا أن يط ما زاد عوضًا 853 لمكان البكارة؛ لأن للزوج غرضًا في وجود البكارة قائمة، ولأنه لا تطيب نفسه أن ذلك من قفزة أو غيرها، إلا أن الذي يحط لهذه التي لا يعلم أنه باشرها رجل أقل مما يحط للأولى التي علم أنها افتضها غيره.
وقال محمد فيمن أُدخِلَت عليه غير امرأته فأنكر المسيس وادعته: فالقول قولها 854. يريد: إذا ادعى العلم بعد الخلوة البَيِّنَة وهي ثيب، فإن قال: علمت بالفور، فأمسكت، وأتى بدعواه العلم بشبهة قبل قوله.
ولا أرى أن تصدق التي قالت: ظننت أنكم زوجتموني منه، بخلاف الأختين؛ لأن التزويج مقدمة من الاستئذان 855، والشهادة على وجهها، إلا أن يأتي بشبهة.
. .
وقال أبو الحسن 856 بن القصار فيمن وجد امرأةً على فراشه فأصابها وقال: ظننتها زوجتي، فلا حدَّ عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2005
باب فيمن تزوج أَمَةً هل يضمها إليه وفي ملك أحد الزوجين الآخر؟
ومن تزوج أَمَة لم يضمها إليه إلا بشرط؛ لأن الأَمَة ذات منافع 857، فباعه صنفًا واحدًا وبقي الاستخدام والغلة إن كانت 858 ذات صنعة، فلو ضمها سقط حق 859 السيد فيما لم يبع، وعلى الزوج أن يأتيها عند أهلها، وليس على السيد أن يرسلها إليه.
ومن باع شيئًا في داره فعلى مشتريه أن يأتي لقبضه.
وقال ابن الماجشون: تُرسَل إليه ليلة بعد ثلاثٍ، فتكون 860 عنده تلك الليلة، ويأتيها زوجها عند أهلها فيما بين ذلك، وللسيد أن يسافر بها، ويبيعها ممن يسافر بها، وكذلك إن شرط الزوج أن تأوي إليه في الليل.
وإن شرط أن تكون عنده كالحرة لم يكن للسيد أن يسافر بها.
والقياس ألا يجوز البيع إذا اشترط 861 الزوج أن تكون منقطعة عنده كالحرة؛ لأن المشتري اشترى ما لا منفعة له فيه، والمدبَّرة والمعتقة إلى أجل كالأَمَة ليس للزوج أن يضمهما إليه إلا بشرط؛ لأن خدمتهم 862 للسيد، وأم الولد كالحرة، يضمها إليه من غير شرط؛ لأنه لا خدمة للسيد فيها، ولا يمنعها 863، وإنما له الاستمتاع، وقد باعه من الزوج.
الجزء: 5 - الصفحة: 2006
وللزوج أن يضم المكاتبة إليه؛ لأنها لا خدمة للسيد فيها، ولا يمنعها الزوج من السعي حسب ما كانت قبل تزويجها، فإن عجزت كانت عند مواليها.
وللسيد أن يسافر بها إن سافر سفر انتقال قبل عجزها، ويتبعها الزوج، وله أن يضم المعتق نصفها (1) في يومها دون يوم سيدها، إلا أن يشترط على من له فيها الرق أن يضمها إليه.
وقال (2) ابن القاسم: وإن باعها سيدها في موضع لا يقدر الزوج على جماعها كان على الزوج الصداق للسيد البائع، إلا أن يطلق فيكون عليه النصف.
قال (3): ويقال للزوج: إن منعوك منها فخاصم فيها.
وفي كتاب محمد فيمن زوَّج أمته ثم قتلها قبل البناء (4) فله على الزوج الصداق (5). ويلزم على قوله لو كانت حرة، فقتلت نفسها، ألا يسقط عن الزوج.
والقياس في جميع (6) هذا ألا شيء على الزوج؛ لأن البائع إن (7) منع المبيع، فلا يستحق الثمن، وبمنزلة لو كانت حية فمنعت نفسها وطلبت الصداق.
فصل [في ملك أحد الزوجين من صاحبه شيئًا]
وقال مالك: إن ملك أحد الزوجين من صاحبه قليلًا أو كثيرًا بشراء أو هبة أو صدقة، أو ميراث، أو وصية، انفسخ النكاح 871. فيفسخ النكاح 872 إذا اشتراها الزوج، للإجماع على ألا يجوز للسيد أن يتزوج أمته، وأنه إن فعل لم864865866867868869870
الجزء: 5 - الصفحة: 2007
ينعقد عليه 873 النكاح، وتكون إصابته إياها بملك اليمين لا بنكاح، وينفسخ إن اشترت هي زوجها، للإجماع على أن لا يحل للمرأة 874 أن تتزوج عبدها، ولا تحل له بغير نكاح.
ويختلف إذا اشترت زوجها وهو مكاتب، أو اشتراها وهي مكاتبة، فقيل: ينفسخ النكاح؛ لأنه ملك للرقبة.
وقيل: لا ينفسخ، وإنما وقع الشراء الآن على الكتابة، فإن عجزت فحينئذٍ ينفسخ النكاح لأنه ملك للرقبة 875.
وإن أخدم أحدهما الآخر السنين الكثيرة انفسخ النكاح، ويختلف في القليلة، فقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب فيمن أخدم أَمَته شهرًا أو سنة: لم تحرم عليه، ولا تباح أختها وإن طالت السنون، أو كانت حياة المخدم؛ فذلك تحريم 876 عليه، وتحل له أختها، فإذا كانت السنة لا تحرمها على سيدها المخدم لم ينفسخ النكاح 877. ويحد على هذا إن وطئها المخدم.
وقال محمد: إذا 878 أخدم السيد عبده لامرأة العبد، أو أخدم الأمة لزوجها، فإن كان مرجع العبد إلى الحرية انفسخ النكاح إن قبل المخدم منهما الخدمة، وإن كان مرجعه إلى سيده، أو إلى غير سيده 879 بالملك لم ينفسخ النكاح 880.
الجزء: 5 - الصفحة: 2008
قال محمد: وإن بيع أحدهما من صاحبه بالخيار لم ينفسخ النكاح، إلا أن يقبل من له الخيار (1). وإن بيع على العهدة انفسخ النكاح ساعتئذٍ، فإن حدث بها في العهدة عيب ردها وقد انفسخ النكاح، وإن اشتراها زوجها بشرط الاستبراء فالنكاح منفسخ، ولا استبراء له؛ لأن الماء ماؤه.
والقياس في السؤالين ألا ينفسخ النكاح الآن؛ لأنه إنما اشترى على أن أمرها على الوقف، فإن سلمت في الثلاث إذا اشترى على العهدة أو خرجت من الاستبراء تم البيع، وانفسخ النكاح، وإن لم تخرج من العهدة ولا من الاستبراء لم يتم البيع، وإذا لم يتم البيع ينفسخ النكاح.
فصل [في ملك أحد الزوجين الآخر]
وقال مالك في 882 ملك أحد الزوجين الآخر: فسخ 883. وروى ابن وهب عن الليث أنه طلاق.
وقال محمد بن سحنون في مسألة ربيعة: إذا أوصى بثلثه لعبده وأولاد العبد وزوجته، فرضيت، قال: فتطلق 884 عليه الزوجة.
ويختلف في الصداق، فعلى القول أنه يفسخ 885: لا صداق لها، وسواء اشترته أو اشتراها.
وعلى القول أنه طلاق: يكون لها النصف إن اشترت، ولسيدها البائع إن اشتراها.
وقال مالك في رجل زوج عبده أَمَته ثم وهبها له إن تبين أنه صنع ذلك لينتزعها منه، أو ليحلها لنفسه، أو لغير زوجها، أو ليحرمها عليه، لم يجز،881
الجزء: 5 - الصفحة: 2009
ولم تحرم 886.
وظاهر قوله- أَنَّ الهبة تصح وإن لم يقبلها العبد، ولو كان من شرطها القبول عنده- لم تحرم إلا أن يقبل، وسواء أراد تحريمها عليه أم لا.
وقال ابن القاسم في عبد زوّجه سيده، وضمن عنه الصداق، ثم دفع السيد العبد إلى زوجته، فيما ضمن من صداقها برضاها قبل أن يبني بها: النكاح مفسوخ، ويرد العبد إلى سيده 887.
ويدخل في هذه ما ذهب إليه مالك أنه إن فعل ذلك ليفسخ النكاح، ويعود إليه العبد، ويسقط عنه الصداق، ويزول عنه عيب النكاح، لم يجز وتبقى الزوجية على حالها.
وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: الزوجة بالخيار إن أحبت دفعت الصداق، وبقي لها العبد، وإن كرهت، رجع العبد إلى سيده.
الجزء: 5 - الصفحة: 2010
باب في الخنثى ومن (1) يتزوج الزانية
وقال ابن القاسم، في الخنثى: إن بال من ذكره، فهو غلام، وإن بال من فرجه، فهي 889 جارية؛ لأن النسل من موضع المبال وفيه 890 الوطء 891.
قال ابن حبيب: فإن بال منهما فمن حيث سبق، فإن لم يسبق أحدهما - فمن حيث يخرج الأكثر.
فإن لم يكن أحدهما أسبق ولا أكثر، وكانت لحية - كان على حكم الغلام، وإن لم تكن لحية وكان ثدي- فعلى حكم الجارية.
وإن كانت لحية وثدي أو لم يكونا- كان في الميراث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى.
ولا يجوز له نكاح.
يريد: ولا يَنْكِحُ ولا يُنكح، ويكون في صلاته وفي استتاره 892 وفي شهادته على أحوط الأمرين، ويتأخر عن صفوف الرجال، ويتقدم على النساء؛ لأن ذلك أحوط.
وقوله: إن المراعى ما يكون منه الولد -صحيح، وقوله: مخرج البول- ليس بصحيح؛ لأن مخرج البول غير مخرج الحيض، ولا يصح أن يكون في مخرج البول منها وطء، ولا يخرج منه ولد.
والوطء والولد في مخرج الحيض، وكذلك الرجل، مخرج البول منه غير مخرج المني، وهو في المرأة أبين.
وإنما يراعى الماء الدافق والحيض، فإن كان الماء الدافق- كان رجلًا، وإن كان حيضًا888
الجزء: 5 - الصفحة: 2011
- كانت امرأة، وإن كان جميعًا وكانت لحية- كان رجلًا، وإن كان ثديان من غير لحية- كانت امرأة.
فصل [فيمن زنا بامرأة]
قال مالك فيمن زنا بامرأة: إن 893 له أن يتزوجها بعد أن يستبرئها 894. قال ابن القاسم، وكذلك من قذف امرأة 895 فضرب لها حد الفرية، أو لم يضرب، لا بأس أن يتزوجها.
وهو قول جميع الفقهاء 896. وقال الحسن: لا يجوز للزاني بها أن يعقد نكاحها أبدًا، وإن عقد كانا زانيين 897. وقال قتادة وأحمد بن حنبل: إن تابت جاز العقد عليها لكل أحد، وإن لم تتب لم يجز 898. وحكي عن الحسن وأبي عبيدة، فيمن زنت أنه يفرق بينها وبين زوجها.
وروي نحوه عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
وقال ابن حبيب: لا يجوز نكاح الزانية المجاهرة، ويستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، فإن ابتلي بحبها فله أن يحبسها للحديث 899.
قال مالك: ولا أحب للرجل أن يتزوج المرأة المعلنة بالسوء ولا
الجزء: 5 - الصفحة: 2012
أراه حرامًا 900.
وفي هذا الحديث دليل على 901 جواز النكاح للزانية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوجب فراقها.
وكذلك حديث اللعان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهلال بن أمية 902 حين رمى زوجته بشريك: "أَرْبَعَةً، وإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" 903 ولم يقل: لا يحل لك البقاء معها؛ لأنه أقر على نفسه أنها زنت.
الجزء: 5 - الصفحة: 2013
باب الحكم (1) في قبض الصداق وتعجيله والطلاق على من أعسر به وغير ذلك
905
يستحق قبض الصداق بالعقد، إذا كان معينًا، ثوبًا أو عبدًا.
وإن كان الزوجان صغيرين أو كان أحدهما مريضًا إذا كان العقد في الصحة فإن كان مضمونًا لم يستحق 906 قبضه إلا أن يكون الزوج بالغًا، وهي في سن من يبنى بها 907، فإن كان صغيرًا وهي كبيرة، أو هو كبير 908 وهي صغيرة، لم يكن لها قبضه الآن، وإنما تستحق قبض الثمن عند 909 قبض المثمون، إلا أن يعجله قبل وقت الابتناء بقدر ما يتشور به 910، وليس كذلك النفقة، فإنها لا تلزم ولا تستحق إلا بالدخول.
وقال مالك: إذا دعي 911 إلى الدخول فلم يفعل، لزمته النفقة 912. يريد: إذا مضى بعد العقد القدر الذي العادة أن يتربص بالدخول إليه وما يستأني 913904
الجزء: 5 - الصفحة: 2014
فيه.
وقد اختلف في موضعين:
إذا بلغ الزوج الوطء، ولم يحتلم فقال مالك: لا تلزمه النفقة والدخول حتى يحتلم 914. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إذا بلغ الوطء لزمه الدخول، وإن لم يحتلم.
قال الشيخ 915: والأول أحسن، للعادة 916 أن الزوج لا يدخل إلا بعد الاحتلام.
والثاني إذا كانت مريضة ودعي إلى الدخول، فقال مالك: إن كان مرضًا 917 يقدر الزوج فيه 918 على الجماع، لزمته النفقة.
وقال ابن القاسم: تلزمه ما لم يكن في السياق 919. وقال سحنون في السليمانية: لا تلزمه نفقة إذا كانت مريضة 920 لا منفعة له فيها، وهي كالصغيرة.
وهذا أحسن، وهو المفهوم من قول مالك.
واختُلف إذا توّجه للدخول 921 فامتنع 922، هل تلزمه النفقة بنفس الامتناع، أو بعد وقف السلطان؟ فقال مالك: إذا دعي إلى الدخول فلم يدخل، لزمته
الجزء: 5 - الصفحة: 2015
النفقة (1).
وقال أشهب في كتاب محمد: لا نفقة لها إلا أن يكون وليها خاصم زوجها في الابتناء، وفرض السلطان النفقة، إذا لم يفعل (2). والأول أحسن إن (3) علم ألا عذر له، وأن ذلك منه لدد إن أشكل أمره فحتى يوقفه السلطان.
وقال (4) مالك في المستخرجة في امرأة سافر زوجها قبل البناء فيقيم الأشهر ثم تطلب النفقة، فذلك لها (5). وهذا يحسن إذا سافر بغير علمها، ومضى أمد الدخول، أو لم يعلمها، ولم يعد في الوقت المعتاد، فإن علمت بسفره لذلك المكان وقامت قبل وقت رجوعه، لم يكن لها النفقة.
فصل [في قبض الصداق وتعجيله والطلاق على من أعسر به]
وإذا أعسر الزوج بالصداق قبل البناء- كان للزوجة أن تطلق عليه بعد التلوم، واختلف في ثلاثة 928 مواضع: أحدها: في قدر التلوم 929، والثاني: هل يؤخر بشرط وجود النفقة؟ والثالث: هل يطلق على من لا يرجى له من غير923924925926927
الجزء: 5 - الصفحة: 2016
أجل؟ فقال مالك في المدونة: يتلوم له مرة بعد مرة على قدر ما يرى إذا أجرى النفقة، وليس الناس في ذلك سواء، منهم من يرجى له 930 ومنهم من لا يرجى له 931، ولم يؤقت 932. وقال في كتاب محمد: يؤخر السنتين 933 ولا يعجل بعد السنتين 934 حتى يتلوم له تلوم آخر السنة وشبهها 935. وقال ابن حبيب: إن 936 اتهم أن يكون أخفى ماله- لم يوسع في الأجل، وإن تبين عجزه عن الصداق وعن النفقة- لم يوسع أيضًا في الأجل، ويؤخر الأشهر، والسنة أكثره 937. وقال سحنون في كتاب ابنه فيمن يبيع الفاكهة، وأقام بينة بعدم الصداق، وقامت الزوجة بالفراق، وقال الزوج: أجلوني، فلا يؤجل مثل هذا؛ لأنه لا يرجى له شيء 938. وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إن أعسر بالصداق قبل البناء،
الجزء: 5 - الصفحة: 2017
فإن عرف بالخلابة 939 فرق بينهما، وإن كان من أهل الهيئة والحال انتظر به.
يريد في الأول: أنه يفرق من غير أجل، وأرى إن غير فتزوج بعبد أو دار، ولا شبهة له فيها، ولا يد له 940 عليه 941 وبنى بها؛ أن لها أن تمنع نفسها حتى تأخذ قيمة ذلك، وإن كان عديمًا فرق بينهما، ولا يؤخذ الحق بالباطل.
وقول سحنون فيمن لا يرجى له شيء حسن، إلا أن يذكر وجهًا يرجى 942 منه، فينظر إن أتى لذلك بشبهة.
وأما من يرجى له، فإن كان قيامها بقرب العقد؛ أُخِّرَ السنة والسنتين، وإن أقامت 943 بعد أن طالت المدة، وبعد مضي السنتين، والثلاث- كان زيادة السنة وما قارب ذلك حسنًا.
وأما النفقة فالأصل أنها لا تستحق إلا بعد الدخول.
وإذا لم يمكن من البناء، لم تكن نفقة، هذا هو 944 الأصل، وإنما طولب بالنفقة مع عدم البناء استحسانًا، لتغليب أحد الضررين.
وقول ابن حبيب في ذلك حسن.
الجزء: 5 - الصفحة: 2018
باب في نفقة الزوجات وصفة ما يلزم منها وإذا كان أحد (1) الزوجين عبدًا
946
الأصل في نفقة الزوجة، قول الله -عز وجل-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] والنفقة والكسوة، ها هنا لمكان الزوجية، ولو كانت مطلقة، لكانت أجرة، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزوجات: "وَلهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ" أخرجه مسلم 947.
وقالت هِنْدُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ 948 عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي؟ فَقَاَلَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ، وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" اجتمع عليه البخاري ومسلم 949. وللزوجة النفقة والكسوة، إذا كانا حرين.
واختلف إذا كانا عبدين أو أحدهما.
فقال في المدونة في العبد له زوجة حرة: عليه النفقة 950. وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه.
وقال مالك في كتاب945
الجزء: 5 - الصفحة: 2019
محمد: أحب إليَّ إذا نكح، أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده 951.
ورأى أن في ذلك إشكالًا، فتشترط 952 ليرتفع الإشكال.
واختلف في اشتراط النفقة على السيد، فمنعه 953 في كتاب محمد 954، وأجازه 955 أبو مصعب.
وأرى للزوجة النفقة على العبد، إذا كان تاجرًا، ومتصرفًا لنفسه بماله، فإن كان عبد خدمة لا مال له، لم تطلق عليه بعدم النفقة.
وقد قال مالك في الحر يتزوج الحرة، وهي تعلم أنه فقير: فلا تطلق 956 عليه لعدم النفقة 957. فالعبد أحرى، إلا أن تكون الزوجة تجهل وترى أنه كالحر الموسر، فيكون لها في ذلك مقال.
والمدبر والمعتق إلى أجل كالعبد، والمكاتب كالحر؛ لأنه بائن عن سيده بماله وسعيه لنفسه، وإن عجز طلق عليه.
والمعتق بعضه في اليوم الذي يخصه كالحر، وفي اليوم الذي يخص سيده بمنزلة عبد لا حرية فيه، ونفقة زوجة العبد المخارج 958 من ماله، ولا يؤخذ من فضل خراجه؛ لأن خراجه مال لسيده، إلا أن يأذن له السيد، أو تكون تلك
الجزء: 5 - الصفحة: 2020
عادته (1). وقال محمد: إن عجز عن النفقة وعليه خراج لسيده، فلا شيء عليه (2) لها، حتى يبدأ بخراج سيده (3). فجعل لها الإنفاق من فضل (4) الخراج، وقد يكون ذلك عندهم عادة.
فصل [فيما إذا كان أحد الزوجين عبدًا]
وإن تزوج حر أمة، فلها النفقة إذا شرط الزوج أن تكون عنده، أو شرطت النفقة عليه.
واختلف إذا لم تكن عنده، ولا شرطت- على خمسة أقوال:
فقال مالك 963 في المدونة: لها النفقة؛ لأنها من الأزواج 964. يريد: أنها داخلة في عموم الآية.
وقال في كتاب محمد: لا نفقة لها وإن كانت تأتيه إذا أرادها 965. وقال أيضًا: لا نفقة لها إن كان يأتيها وإن كانت تأتيه فذلك لها 966. وقال ابن الماجشون: لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده 967.
وقال في كتاب ابن حبيب: نفقتها وكسوتها على أهلها، وعليهم أن959960961962
الجزء: 5 - الصفحة: 2021
يرسلوها في كل أربع ليال ليلة (1)، وعليه نفقة تلك الليلة ويومها، وإن ردها في صبيحتها (2).
فجعل لها النفقة في ذلك اليوم بغير كسوة، والأول أحسن؛ لعموم الآية.
ويختلف إذا كانا عبدين فعلى القول الأول (3) ألا نفقة على العبد للحرة، لا يكون لها إن كانت أمة.
وعلى القول أن ذلك عليه للحرة.
يختلف إذا كانت أمة، والمدبرة والمعتقة إلى أجل كالأمة- يختلف فيها.
والمكاتبة وأم الولد كالحرة.
فصل [في النفقة الزوجية]
والنفقة في الجودة والدناءة، والقلة والكثرة- على قدر شأن الزوجين ويسارهما، وفي المدة، وفي المدونة 971: هل تكون شهرًا أو سنة على قدر يسر الزوج خاصة 972. وأجاز ابن القاسم أن يفرض 973 لها 974 سنة.
وقال سحنون: لا يفرض سنة لأن الأسواق تحول.
وأرى أن يوسع في المدة إذا كان الزوج موسرًا ولم يؤد إلى ضرر 975؛ لأن الشأن أن الفرض بين الزوجين عند المقابحة وقلة الإنصاف ولدد الزوج، وفي968969970
الجزء: 5 - الصفحة: 2022
تقليل المدة عليها ضرر في تكرار الطلب عند لدده، وقصده لإتعابها.
فإن كان الزوج موسرًا، فالأشْهُرُ الثلاث، والأربع (1) في ذلك حسن.
وإذا كان متوسطًا، فالشهر والشهران، وإن كان ذا صنعة فالشهر، فإن لم يقدر فعلى قدر ما يرى أنه يستطيع أن يقدمه.
وأما الكسوة فَتُفْرضُ مرتين: في الشتاء، والصيف؛ لأنها مما لا يتبعض، وتكون بالأشهر والأيام، وكذلك الغطاء والوطاء.
فصل [فيما تستحقه الزوجة]
والذي تستحقه الزوجة؛ النفقة والكسوة والغطاء والوطاء 977، وما يميط الأذى، ويزيل الشعث، ومن يخدمها إذا كان واجدًا لذلك.
فأما النفقة فمن الصنف الذي يجري 978 بين هذين الزوجين بذلك البلد: قمحًا أو شعيرًا أو ذرة أو تمرًا.
واختلف في القدر، فقال مالك في كتاب محمد: مد وثلث بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - 979.
وقال ابن القاسم: وَيْبَتَان ونصف في الشهر إلى ثلاث 980. يريد: لمن كان بمصر.
وأرى أن يفرض في كل بلد الوسط من الشبع، إلا أن يعجز عن ذلك، فليس الموسر976
الجزء: 5 - الصفحة: 2023
كالمعسر، وليس 981 الشدة كالرخاء، ويفرض لها 982 الماء للشرب 983 والغُسل 984، والزيت للأكل، والوقيد، والحطب، والبقل، واللحم في بعض الأيام.
قال محمد: ويجمع ذلك كله ثمنًا فتعطاه 985 مع القمح 986. قال: ولا يفرض من العسل والسمن والحالوم 987 988، ولكن الخل والزيت 989. قال ابن حبيب: ولا فاكهة 990. وهذا يحسن في المتوسط، وليس في ذوي اليسار.
ولها أجرة الطحن، والعجن، والخبز إذا كان ممن لا يلزم بخادم.
وأما اللباس: فقميص ووقاية وقناع، وهي في الجودة والدناءة على قدرهما ويسار الزوج، ويزاد لبعض النساء ما يكون في الوسط، ويزدن في الشتاء ما يدفع البرد.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يفرض خز، ولا وشي، ولا حرير، وإن كان متسعًا 991. وقال أبو الحسن 992 ابن القصار: إنما قال مالك: لا يفرض الخز، والوشي والعسل لأن أهل 993 مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم قناعة، فأما سائر الأمصار فعلى حسب أحوالهم كالنفقة.
الجزء: 5 - الصفحة: 2024
ويختلف في ثياب مخرجها 994، كالثياب 995 التي العادة أن تخرج بها كالملحفة 996، فالظاهر من المذهب أن لا شيء لها.
وقال في المبسوط: يفرض على الغني ثياب مخرجها.
وأما الغطاء، والوطاء، ففراش، ووسادة، ولحاف، ويزاد في الشتاء ما يدفع البرد.
وقال ابن القاسم: والسرير في الوقت الذي يحتاج إليه لخوف العقارب وشبهها 997. قال ابن حبيب: أو براغيث أو فأر، وإلا فلا 998.
قال محمد: وما يزيل الشعث كالمشط والمكحلة والنضوح، ودهنها وحناء رأسها 999. وقال ابن وهب في العتبية، في الطيب والزعفران، وخضاب اليدين والرجلين: ليس ذلك عليه 1000. وقاله محمد في الصبغ 1001، وقال مالك في المبسوط 1002: يفرض لها 1003 على الغني طيبها 1004، ولا يفرض الصباغ، إلا أن يكون من أهل الشرف والسعة، وامرأته كذلك.
وأما الخدمة فخادم، واختلف في أكثر إذا كان موسعًا عليه.
فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن كان لها رقيق، لم ينفق إلا على واحدة، وإن قال: تخدمها خادمي، لم يكن له ذلك، ولعل خادمها أوفق لها 1005 من خادم زوجها.
الجزء: 5 - الصفحة: 2025
وقال مالك في المبسوط: إن كان ممن لا يصلحه 1006 ولا امرأته إلا أكثر من واحدة، فعليه أن ينفق على أكثر إذا لم تكفها واحدة.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: إن لم تكن الزوجة من ذات الشرف، وليس في صداقها ما تشتري به خادمًا، فعليها الخدمة الباطنة، العجن والطبخ، والكنس، والفرش، واستقاء الماء 1007.
وكذلك إن كان الزوج مليًّا، إلا أنه مثلها في الحال أو أشرف 1008، ولم يكن من أشرف الرجال الذين لا يمتهنون نساءهم في الخدمة، وإن كان معسرًا، لم يكن عليه إخدامها، وإن كانت ذات شرف، وعليها الخدمة الباطنة كما هي على الدنية 1009.
فأما ما اختلف فيه من الخز، والحرير، والوشي، والطيب، والصباغ، وما زاد على خادم فراجع إلى ما قاله أبو الحسن 1010 ابن القصار، وأنه لم يكن لك فيما قبل.
فرأى مالك الفرض مرة 1011 على ما تقدم، وأن الزائد محدث ومكارمة، وأبقاها مكارمة على الأصل، وألزم ذلك مرة؛ لأنها صارت عادة.
وقد اختلف قوله في هدية العرس وهي من هذا الأصل، إلا أن يكون الزوج كثير العيال، أو كثير الغاشية والقصد، ولا يقوم 1012 به خادم، فعليه أن يأتي بمن يقوم بذلك وإن كثرن.
الجزء: 5 - الصفحة: 2026
باب في الزوجة تقوم بالنفقة عند سفر الزوج أو في سفره أو بعد قدومه وإذا اختلفا في النفقة (1) عن مدة فرطت وهل للناشز نفقة؟
وإذا قامت الزوجة بالنفقة عند سفر زوجها أو طلبت بذلك حميلًا، فإنها لا تخلو من خمسة أوجه: إما أن تكون في العصمة أو مطلقة طلاقًا بائنًا أو رجعيًّا، وهل 1014 هي حائل أم 1015 حامل؟
فإن كانت في العصمة- أقام بنفقة 1016 قدر سفره ذلك حميلًا 1017 بها.
وإن كانت مطلقة طلاقًا بائنًا أو رجعيًّا وهي حامل؛ كان مطالبًا بالأقل من مدة سفره ذلك والباقي من أمد 1018 الحمل.
وإن كانت غير حامل والطلاق بائن، فلا نفقة لها.
واختلف إن طلبت حميلًا خوف الحمل، فلم ير ذلك لها 1019 مالك 1020. وقال أصبغ في كتاب محمد: ذلك لها 1021. والأول أحسن إن كان قيامها بعد حيضة؛1013
الجزء: 5 - الصفحة: 2027
لأن الظاهر البراءة وإن كان حَمْلٌ فنادر.
وإن لم تكن حاضت أقام حميلًا بالأقل من مدة الحمل أو الوضع إن ظهر حمل؛ لأن الوجه الذي من أجله منعت الأزواج هو الوجه (1) الذي تطلب به الحميل؛ لأن وطأه أوجب شكًّا، هل هناك حمل.
وإن كان الطلاق رجعيًّا كان عليه على قول مالك أن يقيم رزق الأقل من مدة سفره أو انقضاء العدة التي هي ثلاث حيض.
وعلى قول أصبغ: يراعى مدة الحمل كالمطلقة طلاقًا بائنًا، فيقيم حميلًا بالزائد على مدة الحيض.
وإن اتهم بالمقام أكثر من السفر المعتاد- أحلف أنه لا يقيم أكثر من ذلك، أو يقيم حميلًا.
فصل [في الزوجة تقوم بالنفقة بعد قدومه]
فإن قامت بالنفقة بعد غيبته، أحلفت أنه لم يخلفها ولا بعثها، وقضى لها بها.
قال ابن القاسم: وتباع في ذلك عروضه، ويقضى لها بها من ودائعه وديونه 1023.
وهذا يحسن إذا كان قيامها بعد انقضاء مدة سفره 1024 ورجوعه، أو قامت بقرب سفره، وكان يعرف منه قلة القيام بها، أو البغض والإساءة إليها 1025، أو خرج مختفيًا لأمر طُلِبَ به.
وإن خرج على الوجه المعتاد ولا يعرف بِلَدَدٍ ولا1022
الجزء: 5 - الصفحة: 2028
إساءة، وقامت بقرب سفره؛ كان الوقوف عن 1026 القضاء لها أحسن لأنها أتت بما لا يشبه.
ولمالك في مختصر ابن الجلاب ما يؤيد ذلك يأتي ذكره فيما بعد.
واختلف إذا لم يكن له مال حاضر 1027.
فقال ابن القاسم: لا يفرض لها حتى يقدم الزوج، وإن كان في مغيبه موسرًا- فرض لها نفقة مثلها.
وإن كان معدمًا فلا شيء لها 1028.
وقال في كتاب محمد: تتداين عليه ويقضى لها.
ولا يُقْضَى للأبوين 1029. وقال ابن القاسم فيمن أتى من الأندلس حاجًّا، فهلك أبوه عن مال: فلا ينفق على زوجته منه، لإمكان أن يكون الابن قد مات 1030.
وأرى إن مات الأب بفور سفره، وقبل أن يبعد أن يستنفق منه.
واختلف إذا قامت بعد قدومه فقال: كنت خلفت عندك النفقة، أو بعثتها إليك؛ على ثلاثة أقوال: فقال في المدونة: إن قال: بعثت بالنفقة، كان القول قوله، إن لم تكن استعدت في مغيبه 1031. وقال مالك في مختصر ابن جلاب مثل ذلك 1032، وقال أيضًا: القول قوله إذا 1033 خلف أو بعث وإن استعْدَتْ 1034.
الجزء: 5 - الصفحة: 2029
وقال في موطأ ابن وهب: وإن قال: كنت خلفت، أو بعثت، كان القول قولها إن استعدت 1035 إلى السلطان، أو كانت تذكره، أو تشكو إلى جيرانها، أو تسلفت لذلك.
وإن لم يسمع ذلك منها ولا ذكرته فلا شيء لها.
وهذا أصوب؛ لأن ذلك لا يُعْلَمُ إلا من قولها، فلا فرق بين قولها ذلك للسلطان ولا 1036 للجيران، ولأن كثيرًا من النساء لا ترضى 1037 الرفع إلى السلطان، وتراه مَعَرَّةً وفسادًا مع زوجها إن قدم.
فإن لم يسمع ذلك 1038 منها، كان القول قوله، أنه خلف ذلك عندها إلا أن يقيم كثير من المعتاد في ذلك السفر، فيكون القول قولها في الزائد، ولا أرى أن يقبل قوله، إن قال بعثت؛ لأنه معترف أنه لم يخلف نفقة، فعليه البيان مع من أرسل، ولا يكاد يخفى ذلك.
ولابن القاسم في العتبية إذا اختلفا عند قدومه في الإنفاق على الولد الصغار مثل ذلك إن استعدت 1039 قُبِلَ قولها، وإن لم تستعد 1040 كان القول قوله، وإن قال: كنت أبعث 1041 بالنفقة فيجري على الخلاف المتقدم 1042.
واختلف إذا اعترف أنه لم ينفق، وقال: كنت معسرًا في مغيبي.
فقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن خرج معدمًا، فالقول قوله: إنه بقي كذلك، وإن خرج مليًّا كانت البينة عليه أنه معدم، وإن أشكل أمره يوم خرج فعليه البينة أنه معدم في مغيبه 1043.
الجزء: 5 - الصفحة: 2030
يريد: أن الأصل الملاء بنفقة الزوجة حتى يثبت فقره.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن قدم معسرًا وقال: ما زلت منذ غبت معسرًا، وكذبته المرأة 1044، كان القول قوله مع يمينه، وإن قدم موسرًا لم يقبل قوله إلا ببينة 1045. يريد: أنه كان معسرًا وأيسر الآن 1046.
وإن كان مقيمًا فقالت: لم ينفق عليَّ، كان القول قول الزوج مع يمينه إن كان موسعرًا، ولا يمين عليه إن كان معسرًا؛ لأنه لا نفقة لها في حال عسره، وإن أنفقت عليه وعليها وهو موسر؛ رجعت بالنفقتين جميعًا.
وإن كان معسرًا؛ رجعت بما أنفقت عليه خاصة 1047، وهذا قول ابن القاسم.
قال الشيخ 1048: وأرى ألا ترجع؛ لأن ذلك من الزوجات على وجه المكارمة، وقياسًا على قوله إذا أسكنته دارها.
وإن اختلفا فيما يحكم لها به من النفقة بعد موت القاضي أو عزله، ولم يثبت ما حكم به، كان القول قول الزوج مع يمينه إن أتى بما يشبه، وإلا فالقول قولها إن أتت بما يشبه، فإن أتيا بما لا يشبه، استؤنف الحكم.
وإن تغير حال الزوج في اليسر أو تغيّر السعر برخص أو غلاء، سقط الحكم الأول، واستؤنف النظر.
وإن كساها ثوبًا، فقالت: هدية.
وقال: بل مما فُرِضَ عليَّ، فالقول قوله، إلا أن يكون مما لا يفرض لمثلها لشرفه 1049.
وكذلك إن كان أدنى وكان لا يشبه أن يلبسه مثلها بانفراده دون الذي فرض لها، فالقول قولها مع يمينها، ويحلف الزوج، ويسترجع الأدنى.
الجزء: 5 - الصفحة: 2031
فصل [فيما إذا ادعت الزوجة ضياع النفقة والكسوة]
وإن ادعت ضياع النفقة والكسوة، لم يقبل قولها مع عدم البينة ويختلف إذا كان لها بذلك بينة، قال محمد: هي ضامنة (1). وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة (2)، ويجري فيها قول آخر أن المصيبة من الزوج قياسًا على قولهم في الصداق إذا كان عينًا؛ لأن محملها أنها تكتسي غير ذلك حتى يعرف أنها أمسكته لتلبس غيره، وتبيعه، ولأنه لو كساها بغير حكم- لم يضمن، وإنما فعل الحاكم ما كان من حقها أن تفعله بغير حكم.
واختلف إذا بليت الكسوة قبل الوقت الذي فرض، هل يكون حكمًا مضى، أم لا؟ كالخارص يتبين أنه أخطأ.
والذي أخذ دية العين، ثم برئت قد اختلف فيه، وأرى أن يرجع إلى مائتين؛ لأن هذا حقيقة.
والأول ظن، ولأن من حق الزوج، إذا انقضى ذلك الأمد الذي فرض انقضاؤها له (3) وهي قائمة، ألا شيء لها (4) عليه حتى تبلى، فكذلك إذا بليت قَبْلُ.
فصل [في طلاق المرأة لانعدام النفقة]
واختلف هل تطلق لعدم النفقة بغير تَلَوّم، أو بعد التَّلَوّم، وفي قدر التلوم.
فقال في المبسوط: يؤخر اليوم ونحوه مما لا يضر بها الجوع 1054.1050105110521053
الجزء: 5 - الصفحة: 2032
وقال في كتاب محمد: ما علمت أنه يضرب له أجل إلا 1055 الأيام، ثم قال: ولا أعلم له أجلًا 1056. وقال محمد: الذي عليه أصحاب مالك في التلوم الشهر ونحوه.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: الشهر والشهران 1057. وقال أصبغ: إن لم يطمع له بمال، فالشهر إذا لم تجد هي ما تنفق 1058.
وقال الشيخ -رحمه الله-: أرى إن 1059 كان يرجى لها 1060 ما تنفق منه أن يؤجل الشهر ونحوه، وكذلك إن 1061 كانت صناعة كسدت، ويرجى نفاقها.
وإن كان لا يرجى له شيء فالأيام، فإن لم يجد طلق عليه 1062، ولو قيل: يؤخر الشهر إذا كانت فقيرة، والشهرين إذا كانت موسرة، لكان وجهًا.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إن ضرب له أجل 1063 فمرض أو سجن فمنعه ذلك عن النظر فيما يأتي له 1064، زيد في الأجل بقدر ما يرى إن ارتجي له شيء، وإلا طلق عليه، وإن غاب مختارًا، طلق عليه، فإن أيسر في العدة كانت له الرجعة.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن أيسر بنفقة الشهر، وإن لم تكن إلا نفقة العشرة الأيام والخمسة عشر يومًا- فليس ذلك له؛ لأن ذلك ضرر يرتجع ثم يطلق إلى أيام 1065.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أيسر برزق شهر، وما
الجزء: 5 - الصفحة: 2033
يستوجب من اللباس والوطاء 1066 - فله الرجعة.
وأرى إن كان صانعًا فعاد نَفَاقُ 1067 صنعته أن يُمَكَّنَ مِنَ الرجعة، وإنْ أيسر برزق اليوم.
وللزوجة أن تطلق بالعجز عن الكسوة، وإن كان قادرًا على النفقة وهو قول أشهب في العتبية، قيل له: بكم يستأنى في الكسوة إن قال أنا أرجو، قال: شهرين 1068.
وكذلك ينبغي إن عجز عن الغطاء والوطاء خاصة يطلق 1069 عليه كعجزه عن الكسوة.
واختلف في القدر الذي يمنع الطلاق من النفقة والكسوة، فقال محمد في النفقة: لا أقل مما تعيش 1070 به، ولعله لا يجد ذلك 1071 فلا أقل مما لا تعيش 1072 إلا به 1073.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إن لم يجد غير الخبز وحده، وما يواري عورتها، ولو بثوب واحد من غليظ الكتان لم يفرق بينهما 1074.
وقال في كتاب محمد: إن لم تجد إلا الطعام وحده، والكسوة محضًا، إذا كان الطعام قوتها، والكسوة من وسط الكتان، مثل الفسطاطي- لم يفرق بينهما، وإن كانت من بيت الغنى 1075. وقيل أيضًا: إن لم يجد إلا الغليظ من الثياب،
الجزء: 5 - الصفحة: 2034
والخشن من الطعام، قال: لكل شيء قدر، وينظر إلى قدر حالهما (1)، ولباس مثلهما، ولا يكسوها ما ليس من لباس مثلها.
وقول (2) محمد: ما لا تعيش إلا به حرج (3) تمسي وتصبح جائعة وعليه، ما يسد جوعها، وإلا فرق بينهما، وإن كان من خشن (4) الطعام، ولا إدام معه- لم تطلق عليه إلا أن تكون (5) من أهل الشرف، وممن لم تألف (6) مثل ذلك، ولا ينساغ لها ذلك.
وإن جاعت لم تلزم (7) به، وكذلك الكسوة إذا كان لباس مثل ذلك معرة عليها- لم تلزمها، وطلقت (8) عليه، وإن لم يكن فيه معرة لم تطلق عليه، وإن لم يكن لباس مثلها.
فصل [في زواج المرأة من الرجل الفقير]
واختلف إذا كان في حال العقد فقيرًا، وعلمت بذلك، فقال في كتاب محمد: تطلق عليه 1084. وقال في المبسوط: لا تطلق عليه، أرأيت لو تزوجت رجلًا من أهل الصُّفَّة أكانت تطلق عليه؟ وكذلك إن كان فقيرًا فأيسر، ثم افتقر يختلف في الطلاق عليه.
ولا أرى أن تطلق عليه إذا كان ممن يفتح عليه ولا يتكفف، وإن كان يسأل فلم يفعل تطلق عليه، وكذلك إن كان لا يسأل، وكان مقصودًا مشهورًا10761077107810791080108110821083
الجزء: 5 - الصفحة: 2035
بالعطاء، ثم تعذر ذلك عليه، فلها أن تقوم بالطلاق.
واختلف في الناشز 1085، هل لها نفقة؟ والقياس ألا شيء لها، ولو كنت أقول: إن لها النفقة، لم أبلغ بذلك أن تطلق عليه عند عدمها.
وفي كتاب الأيمان بالطلاق ذكر المرأة تدعي على زوجها أنه طلقها ثلاثًا، وهو منكر هل 1086 لها نفقة.
الجزء: 5 - الصفحة: 2036
باب في (1) العينين تقوم به زوجته
العنة عيب يوجب للزوجة القيام بالفراق إذا علمت بعد العقد، وإن علمت قبل العقد 1088 وأنه لا يصيب بحال- لم يكن لها قيام وإن كان يرجى ذهاب ذلك بالعلاج كان لها عند مالك أن تقوم إن لم يذهبه العلاج.
والأشبه ألا قيام لها؛ لأن الزوج أعلمها أن به عيبًا مشكوكًا في زواله، ولو اشترى رجل عبدًا، وبه عيب مشكوك في ذهابه، فلم يذهب؛ لم يرد، وكذلك هذه، وقد وقع في مثل هذا أسئلة جعل للمرأة فيها مقال، والقياس ألا شيء لها 1089، فقال في التي دخل جمها ثم اعترض عنها، ففارقها، ثم تزوجته: إنها تقوم بعيب العنة 1090. وأبين من ذلك أن يضرب له أجل، فيعالج، ثم لا يصيب، فيفرق بينهما لذلك، ثم تتزوجه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يضرب له أجل ثانٍ 1091، فإن أصاب، وإلا كانت بالخيار 1092.
وأرى ألا مقال لها؛ لأنها علمت أن به عيبًا لم يذهبه العلاج، وكذلك إن تزوج غيرها، وعلمت الثانية بما تقدم له مع الأولى 1093، فلا قيام لها.1087
الجزء: 5 - الصفحة: 2037
وكذلك إن ضرب له أجل 1094، فانقضى ولم يصب، فرضيت بالمقام ثم قامت، فقال ابن القاسم 1095: لها ذلك من غير أجل 1096. وقال في المستخرجة: تطلق عليه، وإن لم ترفع إلى السلطان 1097.
وقال ابن حبيب: إن قامت بحدثان رضاها، لم يكن ذلك لها 1098. وإن كان بعد زمان وقالت: رجوت ألا يتمادى فذلك لها.
والقياس في جميع هذه الأسئلة ألا مقال لها؛ لأنها رضيت بالعيب، وإذا لم تعلم ضرب له 1099 أجل سنة ولم يعجل بالطلاق، إلا أن يُرَى أَنَّ مثله لا ينفعه العلاج، أو يكون قد تعالج قبل ذلك سنة؛ فيطلق عليه الآن من غير أجل.
واختلف فيمن ضرب له أجل سنة ومرض؛ فقال ابن القاسم: إن مضت السنة وهو مريض، أو مرض بعد السنة، طلق عليه عند انقضاء السنة، ولم يستأنف أجل 1100.
وقال أصبغ: إن مضت السنة وهو مريض، لم يطلق عليه، ويستأنف السنة.
وقال ابن الماجشون: إن مضى بعض السنة وهو مريض، لم تطلق عليه 1101
الجزء: 5 - الصفحة: 2038
عند انقضائها.
وأرى أن يستأنف السنة إن مرض جميعها.
وإن مرض ستة أشهر من أولها ثم صح استأنف سنة من يوم صح.
وإن صح ستة أشهر، ثم مرض ستة أشهر (1) استأنف سنة، ولم يحتسب بالستة الأشهر الأول؛ لأنه قد يكون (2) في فصلين من السنة، خاصة، ولم يعم الفصول الأربع.
وأجل الحر سنة، سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
واختلف في العبد له زوجة حرة أو أمة، فقال مالك: الأجل ستة أشهر على النصف من الحر (3).
وقال أبو بكر بن الجهم: سنة كالحر.
وهو أبين؛ لأن السَّنة جُعِلَتْ لِيُخْتبَرَ في الفصول الأربع، فقد ينفع الدواء في فصل دون فصل، وهذا يستوي فيه الحر والعبد.
فصل [في طلاق المرأة من العنين]
وإذا طلق على العنين اعتدت زوجته للخلوة، ولم يملك الرجعة؛ لأنه معترف أنه لم يصب.
واختلف فيما تستحقه من الصداق وقد مض ذكر ذلك في كتاب 1105 إرخاء الستور.
واختلف 1106 إذا أنكر الزوج قول الزوجة، فقال مالك110211031104
الجزء: 5 - الصفحة: 2039
في المدونة: يدين الزوج والقول قوله 1107.
وروى عنه ابن وهب أنه يدين في الثيب، وينظر النساء في البكر، فإن كانت قائمة البكارة صدقت، وإن كانت ذاهبة العذارة 1108 صدق.
وروى عنه الواقدي في مختصر ما ليس في المختصر: أن لا يصدق في الثيب أيضًا 1109، ويجعل معها امرأة تنظر إذا غشيها الزوج.
وأجاز قول امرأة واحدة.
وقال الأوزاعي: امرأتين.
ولا أرى أن يُدَيَّن؛ لأنه يتوصل إلى معرفة الصادق منهما، فيعرف ذلك من البكر بما ذكرنا.
وأما الثيب فأرى أن تُسأل المرأة، فإن قالت: إنه لا ينتشر نظر إليه من فوق الثوب هل ينتشر، فإن قالت أنه ينتشر فإذا دنا منها ذهب ترجح أن يقال: لا تصدق؛ لأنها مقرة أنه على هيئة مَنْ يصيب، مدعية نزول علة 1110 بعد ذلك، ويصح ألا يدين؛ لأن بعض الرجال يعقد، فيعرض له ذلك، فيطلب دليل بصدق الصادق منهما، إما بامرأة كما روى الواقدي، وإما بالصفرة كما قال 1111 ابن شبرمة 1112، أو بغير ذلك.
وقال مالك فيمن أقر بالعنة وادعى بعد الأجل أنه أصاب، فالقول قولها 1113. وهذا أبين ألا يقبل قوله، وأن يطلب دليل بصدقه أو كذبه؛ لأنه مقر بالعيب 1114 مدعٍ لذهابه، فكان القول قولها، لاستصحاب الحال، إلا أن يأتي بما
الجزء: 5 - الصفحة: 2040
يدل على صدقه.
واختلف بعد القول أنه يدين إذا أنكر العنة من الأصل، هل يحلف؟ فأما إن أقر وادعى زوال ذلك، حلف قولًا واحدًا.
ومن أصاب زوجته مرة، ثم اعترض 1115 عنها لم تطلق عليه، وكانت مصيبة نزلت بها 1116. ويجري فيها 1117 قول آخر: إن لها القيام قياسًا على أحد قولي مالك إذا 1118 أصاب مرة، ثم قطع ذكره.
الجزء: 5 - الصفحة: 2041
باب في اختلاف الزوجين في الملابس وفي (1) متاع البيت وغيره
وإذا اختلف الزوجان في الملابس: فما كان من لباس الرجال فالقول قوله فيه، وما كان من لباس النساء فالقول قولها فيه 1120، وكذلك الفرش والغطاء والمواعين، فما كانت العادة أنَّه للرجل 1121 يأتي به أو يشتريه، فالقول قوله فيه، وما كانت العادة أن المرأة تأتي به أو تكسبه فالقول قولها فيه.
قال ابن حبيب: مع يمينه أو يمينها، وقال سحنون: لا يمين على واحد منهما 1122.
واختلف فيما كان يشبه أن يأتي به الرجل والمرأة أو يكسباه.
فقال مالك: هو للرجل مع يمينه؛ لأن البيت بيته 1123. وقال المغيرة وابن وهب في العتبية: هو بينهما بعد أيمانهما 1124. وهو أشبه.
فإن اختلفا في العبيد؛ كان القول قول الزوج في الذكران ويختلف في الإناث؛ لأنهن مما يشبه أن يكون لهما جميعًا.1119
الجزء: 5 - الصفحة: 2042
فعلى قول مالك وابن القاسم يكون للرجل، وعلى القول الآخر يكون 1125 بينهما بعد أيمانهما.
وإن اختلفا في رقبة الدار كان القول قول الرجل.
وإن اختلفا في شيء من مركوب الرجال فالقول قوله فيه، وإن اختلفا فيما يشبه كان القول قول الرجل 1126، إلا أن يعلم أن المرأة الحائزة لها دونه، أو 1127 فى تكون منسوبة إليها ومعروفة بها، والاختلاف في ذلك مع بقاء العصمة وبعد الطلاق سواء.
وكذلك إن ماتا أو مات أحدهما، فما كان الحكم أنه للرجل- كان القول قول ورثته فيه مع أيمانهم إن ادعوا العلم 1128، وإن قالوا: لا علم لنا، فهو لهم بغير يمين، إلا أن يدعَى عليهم العلم، وما كان للمرأة- فالقول قول ورثتها فيه 1129 مع أيمانهم إن ادعوا العلم، وإن قالوا: لا علم لنا، فهو لهم بغير يمين، إلا أن يدعَى عليهم العلم 1130، ويشبه أن يعرفوا ذلك، وما كانت العادة أنه للرجل 1131، فأقامت المرأة البينة أنها اشترته، فهو لها، وما كانت العادة أنه للزوجة، فأقام البينة أنه اشتراه، أو أقرت له بذلك، فالقول قوله.
قال مالك: ويحلف أنه ما اشتراه لها، وقال سحنون: إن أقام البينة أنه اشتراه لنفسه، فهو له، فأما اشتراؤه هكذا، فيمكن أن يشتريه لامرأته، وإنما يشتري للنساء الرجال 1132.
الجزء: 5 - الصفحة: 2043
باب (1) في القسم والعدل بين الزوجات
الأصل في ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
فأباح أربعًا مع العدل، وحرم ما بعد واحدة إذا خاف الميل، وأخبر الله -عز وجل- أن الزوج لا يستطيع أن يأتي بذلك مع حقيقته 1134، وأمره بما يطيق.
فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا.
. .﴾ الآية [النساء: 129].
قيل: نزلت في الحب والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه ولا يملك، والجماع تابع له؛ لأنه عنه ينبعث، فأمر أن يأتي من ذلك ما يطيق، ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب عليه، وأن يصلحوا، فيعدلوا، ويتقوا الله في ألا يميلوا.
وفي الترمذي قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم 1135 بين نسائه، فيعدل، ويقول: "اللهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمَنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ" 1136.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ 1137 سَاقِطٌ" 1138.1133
الجزء: 5 - الصفحة: 2044
والعدل بين الزوجات في ثلاثة أوجه: الكون عندهن، وإصابتهن، وما يكون منه من نفقة وكسوة.
فأما كونه عندهن فلا خلاف أن عليه أن يسوي بينهن إذا كانتا حرتين.
وأما الإصابة فعليه العدل من وجه ألا يمسك عن واحدة ليبقي نَفْسَهُ للأخرى، وليس عليه إذا أصاب واحدة أن يصيب الأخرى إذا لم ينشط لها.
وأما النفقة والكسوة: فليس عليه المساواة فيها فقد تكون إحداهن ذات منصب وقدر، فلها أن تطلبه بما يجب لمثلها، وليس عليه أن يلحق الدنية بها.
واختلف هل يتطوع لواحدة بأكثر مما يجب لها من النفقة والكسوة؟ فأجازه ابن حبيب.
وقال مالك في كتاب محمد مرة: لا بأس أن 1139 يكسو إحداهن 1140 الخز والحلي ما لم يكن على وجه الميل 1141.
وقال أيضًا: لا بأس بالشيء اليسير ما لم يكن على وجه الضرر والميل 1142. وهذا أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث النعمان: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَارْجِعْهُ" 1143. فمنع التطوع بالهبة لأحد الأولاد، لما يدخل في ذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 2045
من الفساد والشنآن والتحاسد والعقوق منهم له (1). ومعلوم أنه مطالب فيما بين نسائه لمثل (2) ذلك.
وأن الذي يدخل بينهن من الفساد عند ذلك أشد.
فصل [في اختلاف حال الزوجات]
اختلاف حال الزوجات لا يغير القسم، فإن كانت إحداهن مريضة أو صغيرة أو رتقاء أو حائضًا أو نفساء أو مجنونة أو مجذومة 1146 كان القسم بينهن سواء، وكذلك إن آلَى من واحدة أو ظَاهَرَ فهي على حقها والكون عِنْدَها، وألا يصيب البواقي إلا أن يتحلل 1147 من الإيلاء والظهار، وعليه أن يتحلل من 1148 ذلك الآن إذا قامت بحقها التي لم يُولِ منها، ولم يظاهر.
ومحمل الآية في الإيلاء على من كان خلوًا من غيرها، فإن كان له نسوة- كان لها أن تطالبه بالعدل في الإصابة حسب ما تقدم، إلا أن يعتزل جميعهن.
وَقَدْ غَاضَبَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْضُ 1149 نِسَائِهِ، فَاعْتَزَلَ جَمِيعَهُنَّ شَهْرًا إِرَادَةَ العَدْلِ.
أخرجه البخاري ومسلم 1150.
والقسم بين المسلمة والنصرانية سواء.11441145
الجزء: 5 - الصفحة: 2046
واختلف قول مالك في الحرة والأمة فقال مرة يسوي بينهما (1). وهذا لعموم الآية.
وقال مرة للحرة يومان وللأمة يوم (2). يريد: أن المساواة إنما هي (3) لما يقع في أنفس الزوجات من تفضيل بعضهن على بعض، ومعلوم أن موقع (4) ذلك من الأمة غير موقعه من الحرة؛ لأن معها من ذلة العبودية ما لا تسمو به (5) بنفسها إلى مساواة الحرة، وغايتها إن كانت ضرة للحرة.
ويؤيد ذلك ما جعل للحرة ألا تكون الأمة ضرة لها، وأنها بالخيار في زوال ذلك باختيارها نفسها، أو بفراق الأمة، فأما من (6) لم ير المساواة: جعلها على النصف، قياسًا على أحكامها في الحدود.
وإن كانت حرة نصرانية وأمة مسلمة، سوّى بينهما؛ لأن هذه تدلي بالإسلام والأخرى بالحرية، ولا قسم بين الزوجة وملك اليمين من (7) الأمة والمدبرة وأم الولد.
والمذهب على ألا مقال للحرة إن أقام عند الأمة.
وفيه نظر، إلا أن يكون هناك إجماع.
فصل [في القسم بين الزوجات]
القسم بين الزوجات يوم بيوم، لا أكثر 1158 فإن رضي الزوج والنسوة أن يكون اليومين والثلاثة 1159 جاز؛ لأن ذلك من حقوقهن 1160. ويختلف إذا أراد1151115211531154115511561157
الجزء: 5 - الصفحة: 2047
الزوج ذلك بغير رضاهن فمنعه في كتاب محمد 1161، وهو ظاهر المدونة، قال: ويكفيك في ذلك ما مضى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أصحابه 1162.
وأجاز ابن القصار أن يسبع عند الثيب ويحاسب، لحديث أم سلمة، فعلى هذا يجوز يومان 1163 وثلاثة بغير رضاهن، إذا لم يجعل ذلك سُنة، وللزوج أن يبتدئ بالقسم بالليل والنهار، وليس له أن يأتي إحداهن في يوم الأخرى ليقيم عندها، واختلف هل يدخل لقضاء حاجة؟ فأجاز مالك في كتاب محمد أن يأتي 1164 عائدًا أو الحاجة أو ليضع ثيابه عندها، وليس عند الأخرى شيء من ثيابه إذا كان ذلك منه على غير ميل ولا ضرر 1165.
وقال أيضًا: لا يقيم عند إحداهما إلا من عُذْر لا بد منه من اقتضاء دين، أو تجارة، أو علاج 1166. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا بأس أن يقف بباب إحداهن ويسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل مما تبعث 1167 به إليه 1168. وهذا أحسن، فلا يدخل لإحداهما في يوم الأخرى إلا لضرورة تنزل؛ لأن الغالب أن منزلة الزوجتين تختلف، فإذا سوغ أن يضع ثيابه أو تجارته عند إحداهن قصد بذلك من له إليها 1169 ميل، وصار بذلك إلى ما يحبه 1170، ولم يتحصل القسم.
واختلف إذا أغلقت إحداهن 1171 دونه بابها 1172، فقال مالك في كتاب
الجزء: 5 - الصفحة: 2048
محمد: (1) إن قدر أن يبيت في حجرتها وإلا يذهب إلى الأخرى.
وقال ابن القاسم: يؤدبها، ولا يذهب إلى الأخرى وإن كانت هي الظالمة.
وقال أصبغ: إلا أن يكون (2) يكثر ذلك منها، ولا مأوى له سواها (3).
وهو أحسن؛ لأنها وإن ظلمت فلم تأذن أن تعطي حقها لضرتها، إلا أن يتكرر ويرى ألا يصدها عن ذلك إلا كونه عند ضرتها.
وإن كانت الزوجتان في بلدين- لم يقسم يومًا يومًا، ويجوز أن تكون الجمعة والشهر والشهرين على قدر بُعْدِ الموضعين، وما لا يدركه في اختلافه بينهن ضرر، ثم لا يقيم عند إحداهن أكثر، إلا أن يكون ذلك لتجارة حبسته، أو ضيعة ينظر فيها.
فصل [في أحوال الزوج مع نسائه]
والزوج مع نسائه على خمسة أقسام: قسم هو مطالب فيه بالعدل، وهو المتقدم ذكره، وأربعة يَسْقُطُ عنه ذلك فيها.
ثم هي مختلفة المراتب:
فأحدها: مختلف فيه هل الأمر بيده، فإن أحب قَسَمَ أو ترك، أو ذلك مستحق عليه لامرأة بعينها من غير خيار، وهو حال الابتناء؟
والثاني: مختلف فيه هل ذلك إليه، يخص بنفسه أيتهن أحب، أو تكون قرعة لتساوي 1176 حقهن فيه، وأنه لا بد أن يستبد به إحداهن؟ وهو حال المرض والسفر والزفاف إذا دخلت عليه امرأتان في ليلة.
والثالث: مختلف فيه، هل الخيار إليه أو تكون قرعة، أو يكون إلى غير من كان عندها من غير خيار ولا قرعة؟ وهو إذا قدم من سفر أو صح من مرض117311741175
الجزء: 5 - الصفحة: 2049
أو انقضى أيام الابتناء.
والرابع: أن ذلك إليه، وهو حال المرض إذا كانت إحداهن أرفق به وأقوم عليه 1177، فله أن يكون عندها من غير قرعة.
ومقام الزوج عند البكر سبعٌ، وعند الثيب ثلاثٌ، وليس عليه العدل في هذه الأيام.
واختلف هل ذلك حق له، أو لها، يجبر عليه، أو يندب ولا يجبر؟ فقال مالك مرة: ذلك حق لها لازم 1178. وقال مرة: هو حق له 1179. وقال أصبغ: هو حق لها يؤمر ولا يجبر، كالمتعة.
والأول أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَللثَّيِّبِ ثَلاَثٌ" 1180 واللام للتمليك حتى يقوم دليل يخرجه عن ذلك.
واختلف بعد القول أنه حق لها، وقال أشهب: لا 1181 يقضى به، وقال ابن عبد الحكم: يقضى 1182 إذا كان لها ضرائر، أو كان خلوًا من النساء.
فالأول لقول أنس: "مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَّمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا، وَقَسَّمَ 1183 ". قال أبو قلابة: لو ثبت قُلْتُ 1184: إنَّ أنسًا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه البخاري ومسلم 1185.
الجزء: 5 - الصفحة: 2050
ووجه الثاني قول أنس: من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، ولم يشترط أخرجه البخاري 1186.
وقال مالك 1187 في العتبية: لا يتخلف العروس عن الصلوات في جماعة ولا عن الجمعة 1188. وقال سحنون: قال بعض الناس: لا يخرج، وذلك حق لها 1189.
وقال ابن حبيب: يتصرف في حوائجه وإلى المسجد 1190. والعادة اليوم ألا يخرج لحاجة، ولا لصلاة وإن كان خلوًا من غيرها، وعلى المرأة في ذلك عند النساء وَصْمٌ إِنْ خَرَجَ، وأرى أن يلزم العادة.
واختلف إذا أقام عند الثيب ثلاثًا ثم أراد أن يتمها سبعًا ويسبع لنسائه على حديث أم سلمة فأباه مالك في كتاب محمد 1191، وأجازه ابن القصار قال: إن أقام عند الثيب سبعًا- قضى للمتقدمات سبعًا سبعًا 1192. قال: وبه قال أنس بن مالك والنخعي والشعبي والشافعي وابن حنبل وإسحاق 1193. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما.
وعلى أحد قولي مالك أن ذلك حق له- يكون بالخيار من غير قرعة.
= برقم (4916)، ومسلم: 2/ 1084، في باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، في كتاب الرضاع، برقم (1461) وعند مسلم: (قال خالد: ولو قلت إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك)
الجزء: 5 - الصفحة: 2051
وعلى المريض أن ينتقل 1194 بين نسائه إلا أن يشتد مرضه، فيسقط ذلك عنه.
ثم يختلف هل يكون الخيار إليه، أو تكون قرعة؟ وهذا مع تساوي نسائه 1195 في القيام به، وإن علم من إحداهن الجفوة والضعف عن القيام بالمريض ومن الأخرى الرفق والقيام- أقام عندها من غير قرعة.
واختلف قول مالك في سفره بإحداهن، فقال مرة: يقرع بينهن.
وقال مرة: يسافر بمن شاء من غير قرعة 1196. وبه أخذ ابن القاسم.
والأول أحسن، لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا سَافَرَ بِهَا" 1197. لتساوي حقهن فيه، فلم يكن لواحدة أن تستبد به، ولم يكن له أن يخص بنفسه واحدة منهن، فكانت القرعة عدلًا بينهن.
وهذا إذا كان جميعهن يصلح للسفر، وليس له أن يخلف التي هي القَيِّمَةُ بماله المُدَبِّرَةُ لأمره 1198 إذا كرهت المقام، وليس عليها أن تقيم للخدمة 1199 في ماله، ويؤثر غيرها، إلا أن تكون ثبطة 1200 لا تصلح للسفر، أو ذات عيال؛ لأن عليه ضررًا في خروجها بعيالها، أو خروجها دونهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 2052
وإن أراد السفر بواحدة فكرهت، أجبرت، إلا أن يكون سفرًا يدركها فيه مشقة، أو تدركها فيه معرة.
وإذا انقضت أيام الابتناء، أو أفاق الآخر من مرضه، أو قدم من سفره لم يحاسب بالماضى.
واختلف في المستقبل هل يبتدئ بغير من كان عندها أو 1201 كانت معه، أو 1202 يكون بالخيار، يبتدئ بأيهما أحب 1203؟ ويجري فيها قول ثالث أن تكون قرعة بين من سواها 1204.
وأرى أن يبتدئ بغيرها، ثم بالتي كان لها الحق قبل الابتناء والمرض والسفر، ثم يكون عند من كان عندها، مريضًا أو في السفر آخرهن.
وإن اختلط عليه كيف 1205 كانت التبدئة 1206 بينهن لطول المرض، أو السفر، أقرع بينهن خاصة، ثم كانت مع 1207 من كان عندها أو معها في السفر 1208 آخرهن.
وإن سافرت إحدى نسائه جاز له أن يصيب الباقية.
قال مالك في المبسوط: وإن قالت له 1209: أحرم عليك أن تأتي صاحبتي في يومي، أو تبيت عندها في ليلتي، لم يحرم ذلك عليه، وهي تركت يومها حين خرجت.
وقال أيضًا: إن كان بينهما ميل، قريب من ذلك- فلا يصيبها 1210 في يوم الأخرى.
وإن كان سفرًا بعيدًا فلا بأس.
الجزء: 5 - الصفحة: 2053
ومحمل جواب مالك على قوله المتقدم فيمن أغلقت الباب دونه أن له أن يمضى إلى صاحبتها، وليس ذلك له (1) على قول ابن القاسم: إذا حرمت (2) عليه، إلا أن تطول الغيبة، ويدركها (3) الضرر.
فصل [في ترك العدل بين الزوجات]
عدم العدل على وجهين: فإن ذهب بيوم 1214 إحداهما، ولم يمض إلى الأخرى لم يكن لمن ذهب يومها 1215 أن تحاسب بتلك الأيام؛ لأنها لو حوسبت بها لكانت قد أخذت ذلك من يوم صاحبتها، وهي لم يصل إليها إلا حقها.
وإن كان تلك الأيام عند الأخرى برضاها كان في المسألة قولان، فقيل: لا محاسبة لها، ويستأنف العدل.
وقال في السليمانية في رجل له أربع نسوة، فأقام عند إحدإهن شهرين، ورأى أن يدور على البواقي، فقالت التي أقام عندها شهرين: لا تزيد على ليلة ليلة.
فقال: أقيم عندهن كما أقمت عندك ستة أشهر، وحلف ألا يطأها ستة أشهر حتى يوفهن 1216 ما أقام عندها.
قال: ليس في هذا إيلاء؛ لأنه لم يرد الضرر، وإنما أراد العدل، فأجاز المحاسبة بالماضي.
وهو أحسن.121112121213
الجزء: 5 - الصفحة: 2054
فصل [في هبة المرأة يومها لضرتها]
هبة المرأة يومها جائز، إلا أن يأبى الزوج؛ لأن له حقًّا في الاستمتاع بها.
وهبتها على ثلاث 1217 أوجه: فإن أسقطت يومها ولم تخص به أحدًا، عاد القسم أثلاثًا.
وإن خصت به واحدة- كان لها، وبقي القسم أرباعًا.
وقد وَهَبَتْ سودةُ يومها لعَائشةَ 1218 فكان لها يومان.
وقال بعض أهل العلم: إن وهبته للزوج كان بالخيار، بين أن يسقط حقه فيه 1219 ويكون القسم أثلاثًا، أو يخص به واحدة ويكون أرباعًا.
وإن رجعت في هبتها كان ذلك لها، وسواء كانت الهبة مقيدة بوقت أو للأبد؛ لأن ذلك مما يدركها فيه الغيرة، ولا تقدر على الوفاء بما وهبت إلا أن يكون اليوم أو اليومين.
واختلف في بيعها اليوم وشبهه، فقال مالك في كتاب محمد: لا أحب أن تشتري 1220 من صاحبتها يومًا ولا شهرًا، وأرجو أن يكون في ليلة خفيفًا، قيل له: فإن أرضى إحدى امرأتيه بشيء أعطاها ليومها، ليكون فيه عند الأخرى، فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، وغيره أحب إلي، كان أذنت له أن يطأ الأخرى في يومها فلا بأس 1221.
الجزء: 5 - الصفحة: 2055
ومحمل قوله في التفرقة بين القليل والكثير: لما كانت لا تقدر على الوفاء فيما طالت مدته.
وليس للأمة أن تسقط حقها في القسم إلا بإذن سيدها، وكذلك العزل، لحقه في الولد، إلا أن تكون غير بالغ أو يائسة (1)، أو حاملًا فأسقطت حقها ما دامت حاملًا، فلا قول لسيدها واستحسن إذا أصابها مرة وأنزل أن لها أن تسقط حقها في القسم ما بينها وبين الطهر.
فصل [في حق الزوجات في السكنى]
وعلى الزوج أن يُسْكِنَ كل امرأة بيتًا 1223، وأن يأتيهن في بيوتهن، وليس عليهن أن يأتينَه.
وقد "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ" 1224. ولا يصيب الرجل زوجته ولا أَمَتَهُ ومعه أحد في البيت كبيرًا ولا صغيرًا، يقظان أو نائمًا 1225 1226. ويختلف في جمع الحرتين في فراش واحد من غير وطء برضاهن، فمنعه مالك في كتاب محمد، وكرهه ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب 1227.1222
الجزء: 5 - الصفحة: 2056
واختلف في الإماء بالمنع والكراهية والجواز، فمنعه مالك في كتاب محمد مرة 1228 وكرهه أخرى.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا بأس به في الأمتين 1229 بخلاف الحرتين 1230. ولا فرق بين المسألتين 1231، فيما يتعلق به من حق الله سبحانه، وإنما يفترقان فيما يكون من حقهما، وأن ليس ذلك على الحرتين فإن رضيتا استويتا 1232، وعاد الأمر إلى ما يتعلق من حق الله سبحانه.
فإما أن يجاز ذلك في الحرائر والإماء، أو يمنع، والمنع أصوب؛ لأن ذلك يؤدي مع الانبساط والتمادي إلى ما وراءه من التساهل في الوطء، فيصيب إحداهما بحضرة الأخرى.
تم كتاب النكاح الثاني
والحمد لله حق حمده
الجزء: 5 - الصفحة: 2057