كتاب الشفعة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)
الجزء: 7 - الصفحة: 3297
كتاب الشفعة
باب في الشفعة بين المسلم والذمي
الأصل في الشفعة حديث جابر بن عبد الله، قال: "قَضَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ"، أَخرجه البخاري ومسلم (1). وقد تضمن هذا الحديث ثلاثة أحكام (2): وجوب الشفعة بالشرك، وسقوطها بالجوار؛ لأنه بعد المقاسمة جار، وأن الشفعة في الرباع دون العروض والحيوان.
وفي مسلم قال جابر: "قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ رَبْعٌ أَوْ حَائِطٌ لاَ محلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقّ" (3)، فجعل الشفعة قبل البيع وبهذا أُخِذَ.
فصل [في الشفعة بين المسلم والذمي]
وإذا كانت دار بين مسلم ونصراني، فباع المسلم نصيبه من مسلم كانت للنصراني الشفعة 4. واختلف إذا باع المسلم نصيبة من نصراني، فقال في المدونة: له الشفعة،123
الجزء: 7 - الصفحة: 3299
وقال أيضًا: لا يحكم بينهم 5، وهو أحسن؛ لأن الآخذ والمأخوذ منه نصرانيان، والشفعة من شريعة المسلمين، ليس من شريعتهم، فلم يقض بينهم فيها؛ لأنها ليست من المظالم 6 عندهم، إلا أن يترجح في ذلك للخلاف أن الشفعة وجبت على المسلم البائع قبل البيع، وإن باع النصراني نصيبه من مسلم أو نصراني كانت للمسلم الشفعة.
واختلف إذا باع من نصراني بخمر بماذا يستشفع؟ 7 فقال أشهب بقيمة الشقص، وقال محمد بن عبد الحكم ويحيى بن عمر: بقيمة الخمر 8، وهو أحسن، وليس ذلك بمنزلة استهلاك الخمر؛ لأنَّ البائع والمشتري ممن يجوز لهما أن يتبايعا بها 9، وقد أعطوا الذمة على ذلك، وقد قال ابن القاسم: لو أخذ بها 10 بعضهم لبعض أو أفسدها حكم بينهم؛ لأنها من أموالهم 11، وإذا كان ذلك 12 لم أردهما 13 إلى قيمة الشقص؛ لأن فيها 14 ضررًا على المشتري إن كانت 15 قيمتها أكثر، وعلى الشفيع إن كانت قيمتها 16 أقل.
الجزء: 7 - الصفحة: 3300
باب في تشافع الورثة والشركاء
وقال مالك في رجلٍ هلك وخلف ولدا: ثلاثة بنين 17. ثم مات أحدهم عن ثلاثة من الولد، فإن باع أحد الأعمام نصيبه كانت الشفعة لأخيه ولبني أخيه، وإن باع أحد من 18 بني الأخ كانت الشفعة لهم دون الأعمام 19، فإن سلموا كانت الشفعة للأعمام.
وقال أبو الحسن ابن القصار: واختلفت الرواية عن مالك فقال: الأخ أولى بما باعه أخوه من العم.
وقال: كل من له ملك في ذلك الشيء فله حقه من الشفعة فيما يبيعه أحد الشركاء.
قال: وهو القياس 20، وساوى بين الورثة والشركاء في ذلك، ولا تخلو الدار من ثلاثة أقسام: إما أن تنقسم أتساعًا، أو أثلاثًا، أو لا تنقسم بحال؛ فإن كانت تنقسم أتساعًا كان الجواب على ما قاله ابن القاسم عنه؛ لأن الدار تنقسم قسمين تقسم أولا أثلاثًا، فإذا صار إلى بني الابن 21 ثلثهم قسموه أثلاثًا كدار قائمة بنفسها، فبعضهم أحق بدفع الضرر ممن لا يصير له في ذلك الثلث شرك، وإن كان لا تنقسم بحال أثلاثًا ولا أتساعًا كانت الشفعة لجميع 22 من له فيها شرك بوراثة أو غيرها؛ لأن الأصل فيما جعلت له الشفعة مما 23 لا ينقسم خوف أن يدعو المشتري إلى البيع فتخرج
الجزء: 7 - الصفحة: 3301
الدار من أملاكهم، ومضرة خروج الملك من العقار أشد من مضرة المقاسمة، وإن كانت الدار تنقسم أثلاثًا خاصة فباع أحد الأعمام كانت الشفعة لجميعهم؛ لأنَّ بني الأخ 24 شركتهم مع أعمامهم فيما ينقسم، وإن باع أحد بني الإخوة كان فيها قولان، فعلى أحد قولي مالك أن الشفعة فيما لا ينقسم يتشافعون دون أعمامهم، وعلى قوله لا شفعة فيما ينقسم تكون الشفعة للأعمام دون بني الإخوة؛ لأنَّ الأعمام يقولون: نحن نشفع فيما يحتمل القسمة، ولا شفعة لبعضكم على بعض؛ لأنَّ نصيبكم لا يحتمل القسمة 25، ولو كانت الدار فيها شركة بغير وراثة ووراثة بعد وراثة، فعلى قوله في المدونة: إن باع أحد الورثة السفلى كانت الشفعة به لبقيتهم 26، فإن سلموا كانت لأهل الوراثة الأولى، فإن سلموا كانت للشركاء، وإن باع أحد الورثة الأولى كانت الشفعة لجميعهم الأولى 27 والآخرة، فإن سلموا كانت الشفعة للشركاء، فإن باع أحد 28 الشركاء كانت الشفعة لجميعهم لبقية الشركاء ولأهل الوراثتين 29، وعلى الرواية الأخرى: الشفعة شركة بين جميعهم؛ الشركاء وأهل الوراثتين كان البيع من بعض 30 الشركاء أو الوراثة الأولى والآخرة، وأرى أن 31 تعتبر صفة القسمة 32 فيها هل ينقسم النصف أتساعًا أو أثلاثًا أو لا ينقسم إلا نصفين على أصل الشركة قبل الوراثة أو لا ينقسم بحال،
الجزء: 7 - الصفحة: 3302
فكل موضع يكون للمشتري أن يدعو إلى القسمة فإنه يستشفع منه، وكل موضع لا يكون له أن يدعو إلى القسمة، وله أن يدعو إلى البيع، فإنه يختلف هل تكون 33 له شفعة أم لا؟ وكل موضع ليس له أن يدعو إلى القسمة ولا إلى البيع، فلا شفعة له, وذلك أن تكون دارًا لا تنقسم، وإن باع هذا نصيبه على الانفراد لم ينقص عن بيع الجملة، ولو كانت دارًا بين ثلاثة، لأحدهم النصف وللاثنين النصف، والدار تنقسم نصفين ولا تنقسم أرباعًا، فإن باع صاحب النصف استشفع الاثنان، وإن باع أحد الاثنين كانت الشفعة على أحد قولي مالك لصاحب الربع، وعلى القول الآخر لصاحب 34 النصف دونه.
وقال ابن القاسم في شركاء ثلاثة في دارٍ باع أحدهم نصيبه من ثلاثة، ثم باع أحدُ هؤلاء الثلاثة نصيبه 35 من ذلك الثلث إن الشفعة 36 لجميعهم 37.
وقال أشهب: الشفعة لبقية أصحاب الثلث 38، ورأى 39 أن الشركة بميراث أو غيره سواء، وهو أبين، وإنما يراعي صفة القسم 40.
الجزء: 7 - الصفحة: 3303
فصل [في الشفعة بين ورثةٍ مختلفي المنازل]
وإذا كانت الدار في أيديهم بوراثة واحدة إلا أنهم 41 مختلفو المنازل، زوجات وبنات وجدات وعصبة، فإن باعت إحدى الزوجات كانت الشفعة لبقيتهن، فإن سلمن كانت الشفعة لجميع الورثة أهل السهام الآخرين وغيرهم، فإن باعت إحدى البنات كانت الشفعة لبقيتهن، فإن سلمن كانت الشفعة لبقية 42 الورثة، الزوجات والجدات والعصبة، واختلف إذا باع أحد العصبة، فقال مالك مرة: لأهل السهام، الشفعة لبقيتهم، وقال أيضًا: الشفعة لجميع الورثة 43، ومثله إذا خلف بنات وأخوات، فإن باعت إحدى البنات كانت الشفعة لبقيتهنَّ، فإن سلمن كانت للأخوات.
واختلف إذا باعت إحدى الأخوات هل تكون الشفعة لبقيتهن أو لجميع الأخوات والبنات؛ لأن الأخوات ها هنا عصبة البنات 44؟ فعلى القول إنّهن كأهل سهم يكون من حق البنات أن تقسم الدار أثلاثًا، ثم يقسم الأخوات بينهن إن كن ثلاثا 45 أثلاثًا، وعلى القول الآخر يكون من حق الأخوات أن يقسم من الأول أتساعًا.
واختلف عنه أيضًا إذا أوصى الميت بثلثه لثلاثة نفر هل يكون الموصى لهم
الجزء: 7 - الصفحة: 3304
كأهل سهم، والقول إنهم يتشافعون دون الورثة أحسن؛ لأنَّ الميت شرك بينهم في الثلث (1)، ومن حقِّ الورثة أن يعزل عنهم ثلث الميت جملة، ولا ينقص، وإذا لم يكن للموصى لهم أن يقتسموا تركة الميت على أقلهم سهمًا، وإنما يعطون الثلث يقتسمونه بينهم كانوا أهل سهم يتشافعون فيما باعه بعضهم دون الورثة، وقال ابن القاسم: إذا كانت أخت شقيقة وأخوات لأب فباعت إحدى الأخوات للأب كانت الشفعة لجميعهن، وقال أشهب في كتاب محمد: الشفعة لبقية الأخوات للأب خاصة، فإن سلمن كانت للأخت الشقيقة؛ لأنَّ لهن السدس (2)، وهو أحسن؛ لأنَّ من حق الأخت للأب والأم أن يقسم لها من الأول (3) نصف، ثم يقسمن أولئك بينهن السدس، فهو سهم يسلم إليهن، وهذا إذا كان السدس يحمل القسم (4).
فصل [في الشفعة بين الورثة والموصى له بشراء شيء من الميراث]
وإذا أوصى الميت أن يباع نصيب من داره من رجل بعينه والثلث يحمله- لم يكن للورثة فيه الشفعة؛ لأنَّ قصد الميت أن يُمَلِّكَهُ إيَّاه، فالشفعة ردٌّ لوصيته، وجعل سحنون الجواب فيه إذا أوصى ببيع نصيب ليصرف ثمنه في المساكين كذلك، لا شفعة للورثة فيه، قال: إذا كأن الميت باعه 50، والقياس أن يستشفع؛46474849
الجزء: 7 - الصفحة: 3305
لأن الميت أخر البيع لبَعدِ الموت، ولوقت لم يقع البيع إلا بعد ثبات الشركة، ولو أوصى أن يباع من رجلٍ بعيثه، والشريك أجنبيٌّ - كانت فيه الشفعة.
وفي المجموعة في ميت لَحِقَهُ دين فباع الإمام أرضه من آخر 51، فقال أحد الورثة بعد البيع: أنا 52 أؤدي من الدين بقدر ما عليَّ وآخذ نصيب شركائي بالشفعة، إن ذلك له إذا كان في بقية ما يباع من الأرض تمام الدين 53، وقاله ابن كنانة في كتاب المدنيين إذا كان في الباقي ما إذا 54 بيع وفى ببقية الدين، قال: ولو قال بقية الورثة: يباع جميعه؛ لأنَّ لنا فيه فضلًا، لم يكن ذلك لهم، قال: وإن لم يكن الباقي يوفي بالدين بيع جميعه؛ لأنَّه أثمن لهم، وقال ابن القاسم مثله، قال عيسى بن دينار: وهذا أحب ما فيه إليَّ.
ولم يراع نقص الثمن بين الورثة إذا وفى بالدين، وهذا أصل في كل شريكين في كل ما 55 لا ينقسم، فدعا أحدهما إلى البيع أنه يبيع نصيبه خاصة، وإن كان بيع الجملة أثمن، وقال ابن القاسم في المدونة في كتاب القسم فيما كان يحمل القسم إنه يقسم، وإن كان أبخس في الثمن أو أدى إلى فساد اقتسم، وفساد المقتسم أعظم مضرة 56 من نقص الثمن في بيع أحدهما نصيبه بانفراده 57.
الجزء: 7 - الصفحة: 3306
باب في قسمة الشفعة، وهل تقسم على قدر الأنصباء أو على عدد (1) الرءوس؟
قال مالك: تقسم الشفعة على قدر الأنصباء 59. قال محمد: بمنزلة العبد بين الشركاء 60 يكون 61 لأحدهم نصفه ولآخر سدسه ولآخر ثلثه، فأعتق صاحب النصف والسدس معًا، فإنه يقوّم عليهما أرباعًا، وقد اختلف في ذلك، فقال ابن الماجشون: يقوم عليهما بالسواء 62؛ لأنه لو كان الكثير النصيب معسرًا لقوم جميع الرقيق منه على القليل النصيب.
وعلى هذا تكون الشفعة على العدد؛ لأنَّ القليل النصيب لو انفرد لكان له جميع الشفعة، فإن القليل النصيب يقول لصاحبه: هذا حق أينا خلا به كان له جميعه، ولو انفردت أنا به لم يحط لقلة نصيبي، وأيضًا فإن الشفعة لرفع مضرة القسم، ومعلوم أن المضرةَ التي تلحق القليل النصيب عند المقاسمة أكثر، وهذا إذا كانت الشفعة 63 فيما ينقسم، فإن كانت فيما لا ينقسم وحكم بالشفعة فيه كانت على العدد ولم يراع الأنصباء 64؛ لأنها إنما 65 جعلت لما يلحق من المضرة متى دعا المشتري إلى البيع، وذلك مما يستوي فيه القليل النصيب والكثير.58
الجزء: 7 - الصفحة: 3307
باب هل تحب الشفعة بالشركة في الساحة والطريق؟
وإذا كانت دار بين أشراك اقتسموا بيوتها دون ما لها من حق في ساحة وبئر وماجِل 66 وطريق، ثم باع أحدهم ما صار له من البيوت بجميع حقوقه مما لم يقسم 67 لم يستشفع ما قسم بالشركة فيما لم يقسم، ولا تستشفع الساحة والبئر والماجل والطريق لأجل بقاء الشريك فيها؛ لأنها من شفعة ما قسم ومصلحته, فإن باع نصيبه من الساحة والبئر والماجل خاصة كان للشركاء أن يردوا بيعه إذا كان البائع يتصرف إلى البيوت؛ لأنَّ في ذلك زيادة مضرة، وإن كان قد أسقط تصرفه من عندهم وجميع بيوته إلى حقٍّ آخر 68 جاز ذلك، وكان لبقية الشركاء الشفعة على أحد القولين في وجوب الشفعة فيما لا ينقسم، وإن كان بيعه من غير أهل تلك الدار كان لهم أن يردوا بيعه؛ لأنَّ ضرر الساكن أخف من ضرر من ليس بساكن، ولهم أن يجيزوا بيعه، ويأخذوا بالشفعة إن أحبوا، وقال أبو الحسن ابن القصار: اختلفت الرواية عن مالك في وجوب الشفعة فيما لا ينقسم مثل الحمام والبئر والرحبة والطريق 69، ولم يبين كيف كان صفة البيع وموضع الفقه فيه ما تقدم ذكره.
الجزء: 7 - الصفحة: 3308
باب فيما تجب فيه الشفعة وما تسقط منه
قال مالك: لا شفعة إلا في الدور والأرضين والنخل والثمرة، ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن ولا بَزٍّ 70.
قال الشيخ: الشفعة تجب بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون البيع في أحد هذه الأصناف التي قال مالك: إنها تجب فيه.
والثاني: أن يكون البيع قبل القسم.
والثالث: أن يكون فيما يحمل القسم من 71 غير ضرر، فإن وقع البيع بعد المقاسمة لم تجب قولًا واحدًا.
واختلف في الشفعة: فيما لا يجوز التراضي بقسمته كالنخلة الواحدة والشجرة، وفي فحل النخل إذا بيع بانفراده.
والثاني: ما لا يحمل القسم إلا على ضرورة وفساد، كالحمام، والدار اللصيقة 72.
والثالث: الساحة والطريق والجدار، وإن حمل القسم إذا بيع بعد قسمة الأصول.
والرابع: الأنقاض إذا بيعت بغير أرض.
والخامس: الماجل والبئر والعين إذا لم يكن عليها جنات أو كانت عليها جنات وقسمت وبيعت بانفرادها.
الجزء: 7 - الصفحة: 3309
والسادس: الثمار 73 إذا بيعت مع الأصول، أو بانفرادها، والزرع إذا بيع مع الأصل والمساقاة،
والسابع: رحى الماء 74، ورحى الدواب إذا بيعت بانفرادها أو مع الأرض 75 ويختلف كُلُّ هذا في رقيق الحائط ودوابه إذا بيعت مع الأصل أو بانفرادها.
والثامن: المساقاة.
والتاسع: بيع منافع ما فيه شفعة، وهو الكراء.
والعاشر: استشفاع ما يوصي الميت ببيعه إذا أوصى ببيع جزء غير 76 معين، وقد تقدم 77 ذلك.
والحادي عشر: ما كان خروجه عن يد مالكه على وجه الهبة والصدقة.
والثاني عشر: شفعة من كان شريكه بغير البلد الذي فيه البيع، فقال مالك في النخلة والشجرة الواحدة: لا شفعة 78. وقال محمد: إنما جعلت الشفعة لخوف وقوع السهم في ضيق الأجزاء، أو تغير البنيان وقطع الرِّجل 79 وضيق الممر، وتضييق الواسع وخراب العامر، فكل ما لا يقع فيه القسم من كلِّ شيءٍ فلا شفعة فيه، إذ لا تقع فيه الحدود، قال: ولو كانت الشفعة إنما هي للأذى
الجزء: 7 - الصفحة: 3310
أو الضرر الذي يقع من الشركاء لكانت في الجارية التي هي فرج، والشرك 80 فيها ضرر، وقال عبد الملك وأشهب وأصبغ في كتاب ابن حبيب: في النخلة والشجرة الشفعة 81. واختلف عن مالك في الدار التي لا تنقسم 82، وهذا إنما يحسن إذا كان لهذا المشتري أن يدعو إلى بيع جميع الدار بعد ذلك، وأما على القول إن من اشترى نصيبًا بانفراده ليس له أن يدعو إلى بيع جميع الدار 83 لا يكون للآخر عليه شفعة، وكذلك إذا كانت تلك الدار إن بيع ذلك النصيب بانفراد لا يزيد على بيع الجميع فلا شفعة؛ لأنه ليس للمشتري 84 أن يدعو إلى بيع الجميع، ومثله إذا كان بيع الجميع أثمن، وقال المشتري: الآن أنا أسقط مقالي في ذلك ولا أدعوك إلى بيع الجميع، ومتى أردت البيع بعت نصيبي فلا شفعة له إلا أن يقال إن الشفعة لدفع ما يكون من الضرر في طول أمد الشركة، ولأنه لا يقدر على إصلاح ولا جذاذ 85 ولا حرث إلا برضا صاحبه وحضوره، وقال مالك في المدونة: في الحمام الشفعة 86. وقال ابن الماجشون: لا شفعة فيه 87، وهذا اختلاف من قوله الأول في النخلة، ولا فرق أيضًا بين الحمام والدار، فكل ما لا يحمل القسم من دار أو حمام أو حانوت إلا على فساد أو على خروجه عن
الجزء: 7 - الصفحة: 3311
الوجه الذي كان يُراد له، فإن الخلاف في قسمه وفي استشفاعه، واختلف عن مالك في قسمته (1) فعلى قوله بجواز القسم تجب الشفعة، وعلى القول بمنع القسم يختلف في الشفعة، وقد تقدم القول في الساحة والطريق، وأما الجدار (2) يكون بين الدارين فيبيع أحدهما داره بما يستحقه من ذلك الجدار، فقال ابن القاسم (3): فيه الشفعة (4)، وعلى أصل أشهب لا شفعة فيه؛ لأنه منع أن يقسم، وإن حمله القسم، وقال: يبقى مرتفقًا بينهما (5) يحمل كل واحد منهما (6) عليه خشبة، ويضرب وتده، وكذلك قال في الماجل يبقى شركة, وقد اقتسما ما سواه: إنه يبقى مرتفقا لهما ولا يقسم، وإن حمل القسم ولا شفعة فيه (7).
فصل [في المناقلة]
واختلف في المناقلة على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم في العتبية في من باع نصف أرضه بأرض أخرى وبزيادة دنانير: فيه الشفعة 95. قال 96: وقال بعض أصحابنا إنه كان من قول مالك وغيره من المدنيين أنه88899091929394
الجزء: 7 - الصفحة: 3312
إن علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد البيع فلا شفعة له 97 لأنه لم يكن يرضى أن يخرج من داره، ويبقى لا دار له، وقال مطرف وابن الماجشون: إنما قال مالك: لا شفعة أن تكون داران أو حائطان بين أشراك فيناقل أحدهم بعض أشراكه حصته من هذه الدار بحصتة من الدار الأخرى أو الحائط، فيجتمع حظ كل واحد منهم في شيء واحدة لأنه إنما أراد توسعة حظه 98 وجمعه، وأمَّا إن ناقل بنصيبه من دار بنصيبه من دار 99 أخرى لا نصيب له فيها ففيها الشفعة، ناقل 100 بعض أشراكه أو أجنبيًا بذلك، وقد كان ابن القاسم يروي عن مالك أن في ذلك كله 101 الشفعة 102. قال الشيخ: أما المناقلة ليجمع نصيبه فالقول ألا شفعة أحسن؛ لأن الأصل أن كل ذي ملك أحق بملكه، وورد الحديث بالشفعة 103 لتغليب أحد الضررين، وأن يعاد إلى المشتري مثل دنانيره، وخصت الرباع بذلك؛ لأنَّ المضرة فيها أشدُّ، فإذا خرج من ربعه وعقاره ليرفع مضرة من ربع آخر كان أحق بما دفع 104 المضرة 105، وبما خرج من ملكه لأجله، وكذلك إذا أخذ نصيبًا
الجزء: 7 - الصفحة: 3313
من دار لاشرك له 106 فيها، والأمر في الأول أبين، وقال ابن شعبان: فيمن 107 قال من الصدر الأول: لا شفعة لشريك في مشاع لا يسكن حيث الانتفاع من أجل أن الشفعة تصيب 108 من له 109 واطئة الرجل 110، قال: وروي ذلك عن مالك أيضًا، وقاله الشعبي فعلى هذا لا تجب الشفعة في الحمام ولا في الفندق ولا في الفرن ولا في كل 111 شيء يراد للغلة ولا يسكن.
الجزء: 7 - الصفحة: 3314
باب في الشفعة في الأنقاض
ومن المدونة قال ابن القاسم في رجل أذن لرجلين أن يبنيا في عرصته، فبنيا ثم باع أحدهما حصته 112 من النقض، قال: إن أحب صاحب العرصة أن يأخذ النقض بالقيمة أخذ ولم ينظر إلى ما بيع به النقض، وإن كان أكثر من قيمته لأنه لو أراد أن يأخذ النقض بالقيمة كان ذلك له إلا أن تكون القيمة أكثر فيأخذه بما بيع به 113؛ لأن البائع رضي بذلك، فإن أبى رب الأرض أن يأخذه، فالشريك أولى من المشتري؛ لأن مالكًا قال في الشركاء الذين بنوا في الحبس، فباع بعضهم إن لهم الشفعة؛ لأن ذلك يدخل على الباقي منهم إذا نزعه صاحب الأرض مضرة إذا صار يهدم نصف كل بيت 114، وقال مالك في رجل أذن لرجل أن يبني في عرصته فبنى ثم أراد الخروج إن صاحب العرصة بالخيار إن أحب أخذه بالقيمة، وإن أبى أسلمه 115.
قال الشيخ: شراء الأنقاض على وجهين:
أحدهما: أن يكون لرجل دار فيبيع نقضها دون أرضها.
والثاني: أن تكون الأرض لرجل، والأنقاض لآخر، وقد أعارها إلى أجل، وانقضى ذلك الأجل، فاختلف في البيع في هذين السؤالين هل هو صحيح أو فاسد، وقد ورد في شبه ذلك ثلاث سؤالات:
الجزء: 7 - الصفحة: 3315
أحدها: إذا بيع شقص فيه شفعة، والثاني: إذا أعتق شقصًا من عبد وهو موسر، ثم باع الآخر نصيبه 116، والثالث: شراء الأنقاض، فأجيز بيع الشقص بعبد أو بعرض، وإن كان المشتري لا يدري هل تسلم الشفعة فيتم البيع أو يأخذ بقيمته، والقيمة لا يدري ما هي إلا بعد، لما كانت الشفعة بعد 117 انعقاد البيع على المشتري، ولم يجب على البائع شيء، ومنع بيع الشقص إذا كان المعتق موسرًا؛ لأنَّ القيمة وجبت للبائع قبل البيع، وإنما باع بالثمن الذي أخذ من المشتري منه 118 القيمة التي وجبت له، وهو لا يدري ما هي، وإن باع بدنانير، والقيمة دنانير كان غررًا وربا تارة إن كانت القيمة أكثر من الثمن، وإن باع بدراهم دخله الصرف المستأخر والغرر لا يفارقه في الوجهين جميعًا وإن باع بعروض كان غررًا.
واختلف عنه في بيع النقض 119 فأجازه مرة- بخلاف بيع الشقص من العبد لما كان لصاحب الأرض أن يأخذه من المشتري بالقيمة فأشبه الشفعة- ومنعه مرة 120، وإذا سلم أن البيع جائز فإن لصاحب الأرض أن يرد البيع ويأخذه من الأول بقيمته مقلوعًا يوم الحكم، وله أن يأخذه بالثمن إن كان الثمن أقل من القيمة لأن البائع رضي به؛ لأنه يقول لو علمت بذلك- وقد وقف على هذا قبل 121 أن ينعقد 122 البيع-.........
الجزء: 7 - الصفحة: 3316
لأخذت به 123، وتكتب العهدة عليه؛ لأنه استحق الأخذ بذلك، قبل إنفاذ البيع بخلاف الشفعة؛ لأنها لا تستحق إلا بعد تمام البيع لأن للمشتري أن يقول: إنما اشتريت لغرض لي في عين ذلك، فإذا كان فيه مقال وحق لغير البائع كان ذلك عيبًا عليَّ 124، فأنا أرد بذلك العيب، ويأخذه مني البائع إن شئت، ولا خلاف في هذين الوجهين.
واختلف إذا أجاز البيع، وأحب أن يأخذ من المشتري على ثلاثة أقوال، فقيل: له أن يأخذه بالثمن كالشفعة ويكتب العهدة على المشتري، وهو قول ابن القاسم في من باع نخلًا على القلع ثم اشترى الأرض فقال مرة: يأخذه بقيمته، وقال أشهب: للمشتري أن يقلع النخل ولا شيء لصاحب الأرض لأنه إذا أجاز بيعه رضي بأن يقلعه،- وهو أصحهما 125 على تسليم القول بالجواز 126.
وإن باع المستعير قبل ذهاب الأجل -على أن المشتري يسكن ويعمر حتى يتم الأجل ثم ينقض عليه- جاز ذلك، ولا مقال للمعير الآن 127 على المشتري حتى يتم الأجل، وإن باع ذلك على أن ينقضه المشتري كان للمعير أن يأخذه بالأقل من القيمة أو الثمن إذا كان بيعه لأنه كره المقام، وأراد الخروج وإن كان لأن ذلك المشتري أرغب له في الثمن وآثر الثمن على المقام لم يكن للمعير أن يأخذه إلا بالثمن الذي اشتراه 128 هذا به، أو يمكنه من قلعه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3317
وإن كان أذن لرجلين فباع أحدهما فإنه لا يخلو أن يكون بيعه قبل الأجل أو بعده على البقاء أو على النقض، فإن باعه بعد الأجل كان الجواب على ما تقدم لو أذن لرجل واحد في البناء، وانقضى الأجل أن لصاحب الأرض أن يأخذه من البائع بالأقل من الثمن أو القيمة، وإن لم يأخذ من الآخر الذي لم يبع كان للمشتري أن يقاسم الشريك في تلك الأنقاض أو يقاسم رب الأرض إن كان أخذ من الآخر بالقيمة، وإن كان صاحب الأرض أذن للآخر في المقام سنة أخرى ابتدأ أيضًا بصاحب الأرض، فإن أخذ نصيب البائع كان شريكًا في البناء قائمًا مع الذي أذن له في المقام فيقاسمه منافع البيوت أو يكرونها، وإن لم يأخذ نصيما البائع، وكانت البيوت تحمل القسم- قاسم المشتري الشريك الذي أذن له في المقام فما 129 صار 130 له نقضه وإن كانت لا تقسم ابتدأ بصاحب الأرض، فقاسم الذي أذن له في المقام الأرض على ألا بناء فيها، فما صار له أقررناه فيه 131، وقاسم المشتري في 132 النقض قسمًا ثانيًا، وإن صار بعض سهمه في النصيب الذي له 133 بالمقاسمة، وبعضه عند صاحب الأرض كان له أن يعطي المشتري قيمة 134 ما صار له منه في نصيبه 135 ويرجعان جميعًا، هو والمشتري على صاحب الأرض فينقضان ما صار إليه من ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3318
وإن كان بيع أحد الشريكين قبل انقضاء الأجل على البقاء كان المقال فيه للشريك دون صاحب الأرض فيأخذ الشفعة بالثمن، وإن كره بقي معه شريكًا، وإن باع على النقض وكانت البيوت تنقسم ابتدئ 136 بصاحب الأرض، فإن شاء أخذ ذلك بالأقل من قيمته منقوضًا 137 أو الثمن وإلا كان للمشتري أن يقاسم الشريك، فما 138 صار له نقضه، وإن كانت البيوت لا تنقسم كان للشريك أن يرد بيعه فيه 139.
الجزء: 7 - الصفحة: 3319
باب في شفعة الصغير والسفيه والمريض والغائب
وإذا وجبت 140 الشفعة للصغير كان الأمرُ فيها لوليه من أبٍ أو وصي أو حاكم أو من أقامه الحاكم له 141 فما رآه 142 من حسن نظرٍ 143 من أخذٍ أو تركٍ مضى 144، فإن رشد الصغير بعد ذلك لم يكن له أخذ ما ترك ولا ترك ما أخذ ولا نقض شيء من ذلك 145 إلا أن يثبت 146 أن الأخذ له 147 لم يكن من حسن النظر، لغلائه أو لأنه قصد بالترك 148 محاباة من 149 اشترى 150 ذلك النصيب، واختلف إذا لم يأخذ بالشفعة وكان 151 الأخذ أحظ 152 153، وقال مالك في كتاب محمد: إذا علم من الوصي أنه ضيع أو فرط في ذلك، وأن أمره فيه كان
الجزء: 7 - الصفحة: 3320
على غير حسن نظر، ومضى للبيع خمس سنين فلا شفعة له 154، وكأنه رأى أن أخذ الشفعة بمنزلة الاشتراء ابتداء، والوصي 155 ليس بمجبر 156 على ذلك 157 ولو بذل رجل للصبي سلعة بثمن بخس فلم يأخذ له لم يضمن 158 لأنَّ تنمية.
المال مباح له، وليس بواجب.
قال محمد: إن اختلف الوصيان فأخذ أحدهما وترك 159 الآخر كان الأمر إلى السلطان فيما يراه صوابًا من أخذ أو ترك، فإن غفل عن ذلك حتى تمت السنة والشقص في يد مشتريه 160 سقطت الشفعة، وإن كان في يد الوصي الذي أخذ- كان الصبي إذا رشد بالخيار في الأخذ أو الترك 161.
وإذا وجب للصبي شفعة فرشد بعد بعض السنة وحُكم برشده 162، فقال في كتاب محمد: فله تمام السنة من يوم 163 وجبت الشفعة 164، وإن لم يكن له وصي ولا من ينظر له كانت له سنة مستأنفة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3321
واختلف في مبتدئها فعند محمد من يوم يلي أمر 165 نفسه، وعند ابن حبيب السنة 166 من يوم البلوغ، وفي البكر من يوم الدخول والغائب من يوم القدوم والمريض من يوم يصح، وخالف أصبغ في المريض، وقال: هو كالصحيح إلا أن يشهد في مرضه قبل مضي السنة أنه على شفعته 167، فأمَّا الصغير 168 فالاختلاف فيه راجع إلى هل 169 يحمل على الرشد بالبلوغ أم لا؟ واختلف في البكر إذا لم تكن في ولاية 170 هل هي بالبلوغ 171 على الرشد كالصبي؟ ولا أرى أن تكون بعد البلوغ على الرشد 172، وأرى 173 إذا بلغ سفيها ثم قام بعد الرشد بالشفعة ألا شفعة له 174 إلا أن يكون الأخذ قبل ذلك حسن نظر، ولو كان رفع إلى السلطان لم يأخذ له 175، إما لأن الصبي لا مال له يأخذ له 176 به أو لأن ذلك المال قدر الحاجة إلى الإنفاق أو لم يكن الأخذ 177 صوابًا لأجل غلائه أو لسوء موضعه أو لأنه في زمن فتنة، ثم انتقل الحال اليوم لغنى أو بارتفاع الأسواق في
الجزء: 7 - الصفحة: 3322
الرباع (1) أو بعمارة ذلك الموضع أو ذهاب الفتنة لم يكن له الآن شفعة، وقد قال مالك فيمن أعتق عبدًا وهو معسر يعلم ذلك العبد والشريك والناس، ثم أيسر لم يقوم عليه (2)، يريد: لأنه لو كان (3) رفع إلى حاكم لم يقوم عليه, فكذلك هذا (4)، فأما المريض فإن كان على رأيه في النظر في أمر الدنيا (5) بالبيع والشراء فهو الصحيح، وإن كان قد أعرض عن ذلك، ثم قال بعد صحته كنت تركت ذلك والنظر فيه لمن يصير إليه ذلك، قُبِل قوله، وليس من يكون (6) ورثته ولد ويعلم منه الاجتهاد لهم بمنزلة من ورثته عصبة فلا يصدق وإن (7) كانوا عصبة (8).
فصل [في شفعة الغائب]
وقال محمد في الغائب: إن كانت غيبة قريبة لا مؤنة عليه في الشخوص فهو كالحاضر، وقال غيره: ليس المرأة والضعيف، ومن لا يستطيع النهوض مثل غيرهم 186، وإنما في 187 هذا اجتهاد السلطان 188.178179180181182183184185
الجزء: 7 - الصفحة: 3323
قال الشيخ 189: وليس من يعلم منه الاجتهاد في رباعه التي غاب عنها 190 وعقد الأكرية والاقتضاء بالمكاتبة وهو على مثل اليومين، بمنزلة غيره ممن 191 يعلم منه التراخي في أموره، داذا بعدت 192 الغيبة فإنها لا تخلو من أربعة أوجه: إما أن يكون الغائب 193 الشفيع وحده 194 أو المشتري أو كلاهما وهما ببلد واحد أو متفرقين، فإن كان الشفيع هو الغائب كان على شفعته بعد القدوم، وإن كان حاضرًا ثم غاب وعاد قبل مضي أمد 195 الشفعة أو منعه أمر من العودة حتى مضت السنة فهو 196 على شفعته 197 بعد أن يحلف، وإن كان سفرًا 198 بعيدًا لا يرجع حتى تمضي السنة سقطت الشفعة، وإن عاد عن قرب لأمر عن التمادي 199 فإن ذلك سواء 200 فلا شفعة؛ لأن سفره بمثل ذلك الموضع رضا بإسقاط الشفعة 201، وإن كان الغائب المشتري والشفيع حاضر كان على شفعته حتى يقدم المشتري، قال محمد: ولو اشترى ذلك وكيل
الجزء: 7 - الصفحة: 3324
الغائب 202 والوكيل يكري ويهدم ويبني بحضرة الشفيع كان على شفعته لموضع العذر 203 واستثقال اختلاف الناس إلى القضاة، وأن المرء ربما ترك حقه إذا لم يأخذه إلا بالسلطان 204. قال الشيخ 205: وقوله يحسن فيمن يعلم منه ذلك، فأمَّا من يعلم منه الطلب والدخول إلى القضاة فلم يأخذ من الوكيل حتى مضت السنة فلا شفعة له إلا أن يكون في الوكالة تسليم الشفعة، وتشهد ذلك ببينة عادلة 206 حاضرة فلا تكون له شفعة، وإن كانا مجتمعين في مدينة 207 وغائبين عن موضع الشقص فلم يأخذ حتى مضت السنة فلا شفعة له 208، قال محمد: وإنما ينظر في حضور الشفيع مع المشتري ولا ينظر إلى غيبة الدار 209؛ لأنه يأخذ على مثل ما اشترى عليه المشتري على الصمْة، وإن قال: أخروني حتى أراه لم يكن ذلك له إلا أن يكون الشقص على ساعة من النهار.
الجزء: 7 - الصفحة: 3325
باب في شفعة الحاضر وأجل (1) الشفعة وما يسقطها
211
الشفعة تسقط بسبعة أوجه 212:
أحدها: إسقاط الشفيع حقه في ذلك 213 بالقول 214 فيقول: تركت.
والثاني: أن يقاسم 215 ما فيه الشفعة فتسقط الشفعة، ولا خلاف في ذلك 216 لأن الشفعة إنما تجب في ما لم يقسم مع بقاء الشركة فإذا قسم فلا شفعة 217.
والثالث: أن يمضي من طول الأمد ما يرى أنه معرض عنها وتارك لها.
والرابع: ما يحدثه المشتري من هدم أو بناء أو غرس.
والخامس: خروجه عن اليد بالبيع والهبة والصدقة والرهن.
والسادس: ما يكون من الشفيع من مساومة أو مساقاة أو كراء.
والسابع: إذا باع الشفيع 218 النصيب الذي يستشفع به، وقد اختلف في هذه الوجوه الخمس 219، فأمَّا المدة التي تنقطع الشفعة فيها، فقال مالك في210
الجزء: 7 - الصفحة: 3326
المدونة: السنة قريب 220.
وقال في كتاب محمد: إذا مضت 221 سنة فلا شفعة.
وقال ابن ميسر: ما قارب السنة داخل فيها.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب هو على شفعته في 222 الثلاث سنين ونحوها.
وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك 223 في شفيع حاضر قام بشفعته بعد خمس سنين، وربما قيل له أكثر من ذلك فيقول: 224 لا نراه طولًا ما لم يحدث المشتري بنيانا أو غيره وهو حاضر، فإن أجله أقصر من أجل الذي لم يحدث عليه شيئًا إلا أن يقوم بحدئان ذلك 225.
وقال ابن وهب في كتاب ابن شعبان: إذا علم بوقوع البيع 226 فسكت فلا شفعة له.
وقال القاضي عبد الوهاب عن مالك 227: هو على حقه أبدًا 228 ما لم يوقف.
قال الشيخ: وأرى أن تسقط الشفعة إذا مضى من الأمد ما الغالب أنه لو كان لهذا الشفيع غرض في الأخذ لأخذ ولم يؤخره إلى تلك المدة والناس في هذا مختلفون، فمنهم من يعلم منه الحرص وهو موسر بالناض، والأمر فيه أضيق
الجزء: 7 - الصفحة: 3327
فإذا مضى من المدة ما يعلم أن مثله لا يترك إليه إلا لأنه معرض عنها أو تارك لها فلا شفعة له (1)، وإن لم يبلغ السنة، ومنهم من يعلم منه التراخي في أموره أو لا (2) يكون له مال حاضر ويرجو أن يتيسر الثمن لوقتٍ آخر فلا يسقط شفعة مثل هذا، وقد يقوم دليل على أن القيام الآن لرأى حدث مثل أن يزيد ثمن الرباع أو يزيد غلة (3) أو يكون فقيرًا فاستغنى (4) فهذا وما أشبهه لا يمكن من الأخذ.
فصل (5) [فيما تسقط به الشفعة]
والهدم والبناء 234 والغرس بعلم الشفيع وحضوره يُسقط شفعته.
وأما إذا قاسم الشفيع المشتري 235 سقطت 236 الشفعة 237 وإن باع المشتري ذلك النصيب المستشفع ولم يعلم الشفيع كانت له الشفعة يأخذ بأي البيعتين 238229230231232233
الجزء: 7 - الصفحة: 3328
شاء، فإن أخذ بالبيع الأول انتقض ما بعده من البياعات، وإن أخذ بالثاني ثبت الأول ويفسخ الثالث، وإن أخذ بالثالث صحت جميع البياعات.
واختلف إذا كان عالمًا هل يكون بالخيار على (1) حسب الأول، أو لا (2) تكون الشفعة إلا في آخر بيعة (3)، وهذا أحسن، إن بيع بحضرته، فلم يأخذ بها حتى بيع بعد ذلك ولم ينكر فهو إسقاط (4) لشفعته في ما بيع قبل ذلك.
فصل (5) [في سقوط الشفعة بعد البيع إذا وهب المشتري أو تصدق بعلم الشفيع]
وكذلك إن وهب المشتري ما اشتراه 244 أو تصدق به وهو حاضر عالم ولم ينكر فلا شفعة له في الأول؛ لأن ذلك منه 245 رضى بإسقاط القيام فيه، ولا في الثاني 246 لأن الهبة والصدقة لا شفعة فيهما، وإن لم يعلم الشفيع كان له أن يرد الهبة والصدقة ويأخذ بالثمن الذي بيع به، ويكون الثمن للمشتري إن لم يعلم أن هناك شفيعا 247. واختلف إذا علم فقال ابن القاسم: الثمن للموهوب، قال:239240241242243
الجزء: 7 - الصفحة: 3329
لأنه وهبه وهو عالم أنه يستشفع، فكأنه إنما وهب الثمن 248. وقال أشهب في كتاب محمد 249: الثمن للواهب 250، ولا حق في الشفعة 251. وقال ابن القاسم: إذا ساومه الشفيع 252 أو ساقاه أو اكترى منه فذلك قطع لشفعته 253. وقال أشهب في كتاب محمد: هو على شفعته، قال: لأنه يقول كما لو فعل ذلك غيري بمحضري ولم أنكر، أو حضر وهو يباع في المزايدة فزايده ثم بيع بحضرته ثم طلب شفعته كان له ذلك 254. وأرى 255 إذا ساومه أن يسأل لِمَ يساومه؟ فقال: إن باعني بأقل وإلا رجعت إلى الشفعة، حلف على ذلكَ، واستشفع 256، وإن قال: لأشتري منه بما باعني بأكثر أو بأقل فلا شفعة 257. وأما الكراء والمساقاة فإن كان أمدها سنة 258............
الجزء: 7 - الصفحة: 3330
فأكثر فلا شفعة 259 وإن كان أقل من سنة, فهو موضع الخلاف، فرأى ابن القاسم أن من حق المشتري أن يأخذ منه بالحضرة أو يترك فعقدة الكراء والمساقاة خلاف ما يوجبه الحكم في أخذ الشفعة 260. ورأى أشهب أنه لما كان ما دون السنة لا يسقط شفعته كان بعد فعله ذلك على شفعته، فإن أراد المشتري الآن أن يلزمه 261 الأخذ أو الترك قبل أن ينقضي ما عقد له لم يكن ذلك له، وقد سقط حقُّه في الإيقاف 262 في تلك المدة؛ لأنه لا يملك نقض ما عقد للشفيع، وليس له أن 263 يستحق أخذ الثمن الآن والغلة جميعا، فإذا انقضت تلك المدة استحق عليه الإيقاف على الأخذ أو الترك، ولو أراد الشفيع أن يستوجب الشفعة قبل انقضاء ما عقد من 264 مدة الكراء والمساقاة كان ذلك له، ويتعجل منه الثمن ولا يحط عنه من الثمن شيئًا، وأما قوله إن له الشفعة بعد البيع بحضرته فليس بالبين 265، وذلك رضى منه بإسقاط الأخذ بالبيع الأول وله أن يأخذ بالبيع الثاني، وللمشتري أن يقوم على الشفيع فيأخذ أو يترك وقال في كتاب محمد لا يؤخر شيئًا 266. ولو أكرى أو ساقى غير الشفيع ولم يعلم كان للشفيع أن يرد عقده ذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 3331
ويأخذ بالشفعة ويعجل الثمن، ويختلف إذا كان عالمًا فعلى أحد القولين يكون ذلك رضى بإسقاط 267 الشفعة.
واختلف إذا باع الشفيع النصيب الذي يستشفع به هل له الشفعة؟ والقول ألا شفعة له أحسن؛ لأنَّ الشفعة جعلت لدفع الضرر الذي يدخل المشتري من المقاسمة 268 أو تضييق نصيبه، فإذا خرج من يده نصيبه زال الوجه الذي يستشفع به.
واختلف بعد القول إن الشفعة تسقط إذا باع بعض نصيبه هل يسقط من الشفعة بقدر ما باع؟ وأرى أن يستشفع الجميع؛ لأنَّ الشفعة تجب بالجزء اليسير في الجزء الكبير، وتقدم القول إن المقاسمة من الشفيع تسقط الشفعة؛ لأنَّ الشفعة تجب بالشرك، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَة" 269، فإذا اقتسما وصار للشفيع نصيب معين لم يكن له شفعة في الآخر؛ لأنه معين، ولم يرَ ابن القاسم مقاسمة غير الشفيع تسقط الشفعة، فقال في رجل اشترى شقصًا من دار مشتركة، ولها شفيع غائب فقاسم المشتري من حضر من الشركاء، ثم قدم الغائب فله أن يرد القسمة ويأخذ بالشفعة 270 ذلك له 271، وفي كتاب محمد مثل ذلك، فإن كانت المقاسمة من السلطان فقال سحنون: لا يرد القسم، وللشفيع أن يأخذ للمشتري بالمقاسمة 272، وأرى إذا لم
الجزء: 7 - الصفحة: 3332
يكن للمشتري شفيع إلا الغائب وحده ألا مقاسمة له؛ لأنه دخل على أن للغائب حقًّا في دقاء الشرك حتى يأخذ بالشفعة أو يترك وكذلك إذا كان معه شريكا سوى الغائب فليس له أن يدعو إلى المقاسمة وذلك لشركائه إن أحبوا، ويجمع نصيب الغائب مع نصيب المشتري ليبقي على حقه في الشفعة فيستشفع إذا قدم فيجمع نصيبه مع (1) النصيب المستشفع، فإن جهل القاسم قسم نصيب الغائب بانفراده، كان للغائب أن يرد القسم كما قال ابن القاسم؛ لأنه إن كان صار نصيب الغائب في طرف والمشتري في طرف، وبينهما نصيب من لم يأخذ الشفعة كان فيه ضررًا على الغائب؛ لأنَّ من حقه أن يجمع له جميع ذلك في موضع، وإن كان نصيب المشتري والغائب في موضع كانت الشفعة بالجوار وليس بالشرك؛ لأنَّ الغائب صار له نصيب في معين لا يشركه فيه الآخذ، وهذا إنما تصح الشفعة فيه على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - (2).
فصل [في إلزام الشفيع بأخذ الشفعة أو تركها]
وللمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالأخذ أو الترك، فإن امتثل أحد الوجهين وإلا رفعه إلى السلطان فألزمه مثل ذلك، فإن سأل أن يؤخر فينظر ويستشير كان فيه قولان، فقيل: لا يمكن من ذلك ويجبره السلطان على الأخذ أو الترك، ولا يؤخر، وقال مالك في المختصر: يؤخر اليومين والثلاثة 275، وهو أحسن إذا كان وقفه بحسب ما اشترى؛ لأن الأول قد تربص وأمهل وإن تأنى273274
الجزء: 7 - الصفحة: 3333
قبل الشراء وكان وقفه بعد أيام وهو عالم لم يمهل إلا اليوم لا أكثره، فإن أخذ وسأل الصبر ليأتي بالثمن كان ذلك له.
واختلف في القدر الذي يؤخر له، فقال مالك: ثلاثة أيام، وفي ثمانية أبي زيد: العشر ونحوه مما يعرف، ولا يكون على المشتري فيه ضرر، وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين وأكثر بقدر ثمن الشقص وكثرة المال وجمعة وشهر إن رأى ذلك الحاكم، ولا أرى لما وراء ذلك تأخيرًا في شيء قل ذلك أو كثر، انتهى قوله، داذا أخذ فلم يأت بالمال كان المشتري بالخيار بين أن يمضى له الأخذ ويباع عليه ذلك الشقص وغيره في الثمن أو يرد الشقص لأنه ليس له أن يأخذ للبيع، وهذا إذا شرط عليه إحضار الثمن إلى ذلك الأجل ولم يزد فأما إن شرط إن لم يحضره فلا شفعة له فعجز عن إحضار المال -رد الشقص 276 للمشتري ولم يكن له أن يسلمه الشفيع ويباع عليه في الثمن.
الجزء: 7 - الصفحة: 3334
باب في اختلاف المشتري والشفيع في الثمن
وإذا اختلف المشتري والشفيع في الثمن وأتيا معًا 277 بما يشبه، فقال المشتري مائة، وقال الشفيع تسعين، كان القول قول المشتري مع يمينه إذا ادعى الشفيع المعرفة بالثمن فقال: كنت حاضرًا البيع أو أقررت لي بذلك 278.
واختلف إذا لم يدع المعرفة واتهمه أن يكون الثمن دون ذلك، فقيل: لا يمين عليه، وقيل: يحلف بالله لقد أخرج فيه من الثمن ما سمَّى، وما أعلن شيئا وأسر غيره، وما ابتاع بعرض ولا بدَين، ثم قيل للشفيع: خذ أو اترك، والأخذ باليمين اليوم أحسن؛ لأن الناس قد كثر منهم التحيل فيما يرون أنه يدفع الشفيع عن الأخذ، وربما أظهروا أن ذلك صدقة وهو في الباطن بيع إلا من كان من أهل الثقة والدين فلا يحلف.
وإن أتى المشتري بما لا يشبه والشفيع بما يشبه حلف الشفيع وأخذ بما حلف عليه، قال مالك: إلا أن يكون مثل هؤلاء الملوك فيرغب في الدار لجواره، ويُثْمن فيها- فيكون القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه 279، يريد: ما يمكن أن يزيده فيها، وإن أتيا جميعًا بما لا يشبه حلفا ورد إلى الوسط مما يشبه فيأخذ به أو يدع وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانت الشفعة بما حلف عليه الحالف منهما 280.
الجزء: 7 - الصفحة: 3335
ولأشهب عند محمد: وإن أتى المشتري بما لا يشبه ولا علم عند الشفيع من الثمن لأنه لم يحضر البيع أن القول قول المشتري مع يمينه 281.
وليس بحسن، وأراه بمنزلة من غيب الثمن، فإن رجع إلى ما يشبه، وإلا كان الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الشقص ولا يدفع ثمنا حتى يثبت المشتري ما اشترى به، ويلزمه بيان الثمن، وإن لم يبين سجن.
ومحمل القول 282 -إذا أتى المشتري بما لا يشبه ونكل المشتري- إن للشفيع أن يحلف ويأخذ ذلك إذا أتى بما لا يشبه في الغالب، فأما إن قال فيما ثمنه خمسون اشتريته بمائتين لم يقبل قوله، ولم يتعلق في مثل ذلك يمين؛ لأنه في معنى المستحيل 283 وبمنزلة من غيب الثمن، وقال سحنون في المجموعة: إذا ظهر للحكم في ثمن الشقص تجاوز عن التغابن، وكان الأغلب أنه حيلة لقطع الشفعة رد إلى ما شبه من ذلك، وأقربه من قيمة الشقم 284 وجعلهما بمنزلة من اشترى بثمن فكتمه.
وهذا أحسن إذا كان لا يشبه على حال 285.
الجزء: 7 - الصفحة: 3336
فصل [في اختلاف تقويم المشتري والشفيع إذا كان الثمن عرضا]
وإذا كان الثمن عرضا واختلفا في قيمته قوَّمه أهل المعرفة وأخذ بتلك القيمة، وإن نقص سوقه أو زاد أخذه بقيمته يوم كان اشترى إذا كان أتى بما يشبه.
فإن اختلفا في القدر الذي نقص سوقه أو زاد كان القول قول المشتري، فإن قال المشتري نقص سوقه 286 عشرة أو زاد خمسة، وقال الشفيع بل نقص خمسة أو زاد عشرة كان القول قول المشتري إلا أن تشهد بينة أن مثل ذلك لم يزد سوقه أو لم ينقص إلا على ما قاله الشفيع، وإن قال المشتري تغير سوقه بنقص، وقال الشفيع لم يتغير 287 وأشكل 288 الأمر كان القول قول من ادعى أنه لم يتغير سوقه؛ لأنه 289 يدعي استصحاب الحال إلا أن يثبت الآخر تغيره، وإن كان الغالب من حين البيع أنه يتغير إلى نقص أو غلاء كان القول قول من ادعى تغيره 290، فإن هلك العرض واختلفا في صفته كان القول قول المشتري، فإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الشفيع إن أتى بما يشبه، وقال ابن دينار في كتاب المدنيين فيمن اشترى أرضا فقام الشفيع بشفعته، وادعى الشفيع أنها لم تقسم: فالقول قول الشفيع إنها لم تقسم حتى يقيم الآخر البينة، وقال ابن
الجزء: 7 - الصفحة: 3337
القاسم مثله؛ لأن الأصل الشركة، فكان القول قول من ادعى ما كانا عليه حتى يثبت غيره، ولأن نصف ما يقول المشتري إنه اشتراه الشفيع في أصل الشركة فلا يقبل قول المشتري على الشفيع إنه باع، وإن اشترى هو منه، وعكسه أو قال المشتري: اشتريت النصف شائعا، وقد مات البائع أو غاب فقال الشريك: كنت قاسمت البائع منها 291 قبل أن تشتري منه كان القول قول المشتري إن ذلك شائع حتى يعلم المقاسمة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3338
باب في اختلاف البائع والمشتري في الثمن
وإذا قال البائع بعت بمائة، وقال المشتري بخمسين، والشقص قائم تحالفا وتفاسخا وسقطت الشفعة، فإن نكل البائع وحلف المشتري غرم خمسين واستشفع بها الشفيع، وإن نكل المشتري وحلف البائع 292 أخذ مائة.
واختلف بما يستشفع 293 فقال أشهب في كتاب محمد 294: بخمسين لأنَّه الثمن الذي أقرَّ به المشتري، ولأنه يقول: ظلمني البائع بيمينه، وأخذ ما ليس له، قال: ولو رجع المشتري إلى ما قاله البائع ما قبل منه، وقال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ في كتاب 295 ابن حبيب: يستشفع بمائة 296، والأول أصوب والوجه ما قال أشهب، وليس ذلك بمنزلة من اقتدى لأنَّ الشراء تقدم وثبت، وإنما في الذمة خمسون، فظلم البائع وأخذ 297 فوق ذلك، وإن أحب 298 الشفيع قبل أن يفسخ البيع أن يستشفع بمائة ويكتب العهدة على المشتري بخمسين، وعلى البائع بخمسين كان ذلك له على قول ابن القاسم 299، وإن كره المشتري وليس له ذلك على قول أشهب قياسًا على قولهما إذا استحق بعض الأرض،
الجزء: 7 - الصفحة: 3339
وكان ذلك عيب يوجب للمشتري الرد، فرضي الشفيع بالأخذ 300 وأراد المشتري الرد، فقال ابن القاسم ذلك للشفيع 301 ولم ير 302 ذلك أشهب للعهدة التي 303 تكتب عليه وهو في الاختلاف 304 في الثمن أحسن، وله الشفعة قبل التحالف أو بعد يمين أحدهما، وكذلك إن حلفا على القول إن البيع منعقد بعد أيمانهما 305 حتى يحكم بفسخه.
واختلف إذا اختلفا بعد فوت الشقص، فقال ابن القاسم: القول قول المشتري مع يمينه والشفعة بخمسين 306، وقال أشهب في كتاب 307 محمد: يتحالفان وعلى 308 المشتري قيمته يوم الصفقة، إلا أن تكون القيمة أكثر مما ادعاه البائع أو أقل مما قاله المشتري، ثم تكون الشفعة 309 بما تستقر به القيمة 310؛ لأن أيمانهما عنده فسخ العقد الأول، والقيمة بدل من رد العين، وإذا انفسخ العقد الأول صار الثمن القيمة بخلاف المسألة الأولى، إذا حلف البائع ونكل المشتري؛ لأنَّ العقد في ذلك بحاله لم ينفسخ، والخمسون مظلمة على المشتري، ولا يدخل
الجزء: 7 - الصفحة: 3340
ها هنا قول ابن الماجشون: إذا فات البيع؛ لأنه مع القيام كالمتعدي مع الفوت.
فصل [في حكم الشفعة إذا مات المشتري أو غاب وجهل ورثته الثمن]
واختلف إذا قال المشتري: نسيت الثمن وطالت السنون مما ينسى فيه الثمن، أو مات المشتري وقال الورثة: لا علم عندنا، وكان الشفيع غائبًا أو صغيرًا، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: الشفعة ساقطة 311، قال: وإن كان على غير ذلك فالشفعة قائمة بقيمة الشقص، يريد: إذا لم يبعد، وقال ابن عبدوس: قال عبد الملك: إذا جاء الشفيع إلى ولد المبتاع بعد طول الزمان حلف الولد ما عنده علم، ثم أخذ بالقيمة، وكذلك لو كان حيًا وقال لا أدري بما اشتريت، حلف، فإن نكل أخذ الشفيع إن شاء، وقيل للمبتاع: متى أحببت حقك فخذه، فإن حلف فله القيمة يوم أسلمه إلى الشفيع، فإن قال الشفيع: لا أقبضه إذ لعله ثمنه كثير، فلا بدَّ من يمين المبتاع أنه ما علم أو يستحق، وقال غيره: إذا اختلفا في الثمن، فجاء المشتري بما لا يشبه أو جهل الثمن استشفعه بقيمته يوم ابتاعه 312 فأسقط ابن القاسم الشفعة إذا طالت السنون، وأثبتها عبد الملك بالقيمة، ولم يبين هل تكون القيمة يوم البيع أو اليوم، والقول ألا شفعة أحسن؛ لأنَّ الشفعة كانت لتغليب أحد الضررين فيعود إلى المشتري ثمنه، ويرتفع الضرر عن الآخر، فإذا جهل وأمكن أن
الجزء: 7 - الصفحة: 3341
يؤخذ بأقل مما بيع به كان فيه ظلم على المشتري- لم يؤخذ منه.
فصل [فيما إذا أقر المالك بالبيع وأنكر الآخر الشراء]
وإن أقرَّ المالك بالبيع وأنكر الآخر الشراء حلف أنه لم يشتر ويسقط الشفعة، وقال في كتاب محمد فيمن أقرَّ أنه باع من فلان وفلان منكر فلا شفعة له إن أنكر، وإن كان 313 غائبًا، فإن كان بعيد الغيبة فللشفيع الشفعة؛ لأنَّ البائع مقرٌّ أنه أولى به منه، فإن قدم الغائب فأقر كانت العهدة عليه، وإن أنكر وحلف رجع الشقص إلى البائع، وقال محمد: أحب إليَّ ألا يرجع الشقص إلى البائع، وإن أنكر الغائب 314؛ لأنَّ البائع مقرٌ أن الشفيع أحق بذلك الثمن، ويكتب عهدة الثمن على البائع، وقول محمد صواب، وأرى الحاضر مثله له الشفعة؛ لأنَّ المالك مقر بانتقال ملكه، وأن الشفعة واجبة للشفيع وأن المشتري ظلمه في جحوده.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن قال: اشتريت هذا الشقص من فلان وفلان غائب، وقام الشفيع بالشفعة فلا شفعة له 315؛ لأنَّ الغائب إذا قدم وأنكر كان له كراء ما سكن وأخذ نصيبه، وإن قُضي له بالشفعة، ثم أتى فأنكر البيع لم يكن له على الذي قُضيَ له بالشفعة من الكراء شيء، وقال أشهب في كتاب محمد: إذا كان الشقص في يد المدعي حتى لا يقدر أحد على إخراجه من يده كان له الشفعة، فإن قدم الغائب فأقر
الجزء: 7 - الصفحة: 3342
مضت الشفعة، وإن أنكر أخذ شقصه، ورجع الشفيع بالثمن على من دفعه إليه (1)، وأرى أن يقضى له بالشفعة على أنه (2) إن أنكر الآخر الشراء حلف أنه لم يشتر ولا شفعة للشريك، وسواء كان يمينه بعد يمين المدعى عليه أو قبل يمينه (3).
فصل [في الشفعة إذا اختلف المشتري والشفيع في وقوع البيع قبل القسم]
وإذا قال المشتري: اشتريت مقسوما فلا شفعة لك علي، وقال الشفيع: اشتريت شائعا قبل القسم كان القول قول الشفيع البيع كان ولم يقسم؛ لأن الأصل الشركة فكان القول قول من ادعى ما كان عليه أمرحتى يثبت غيره وأن نصفها يقول المشتري إنه اشتراه للشفيع فلا يأخذ قول المشتري على الشفيع إنه باعه بالذي اشترى هو منه 319، وعكسه لو قال المشتري اشتريت316317318
الجزء: 7 - الصفحة: 3343
نصفها شائعا وقد مات البائع أو غاب، وقال الشريك كنت قاسمت شريكي قبل أن تشترى أنت منه لكان القول قول المشتري إن ذلك شائع غير مقسوم حتى يعلم أنه قاسمه فيه 320.
الجزء: 7 - الصفحة: 3344
باب إذا اشترى بثمن تم زاد أو حط منه أو أسقط وفي الإقالة
وإذا اشترى بألف ثم زاد المشتري البائع مائة استشفع بالألف؛ لأن الزائد هبة، وقال أشهب في المجموعة: وللمشتري أن يرجع على البائع بما زاده بعد أن يحلف ما زاد إلا فرارًا من الشفعة، وإلا فلا رجوع له.
وقال عبد الملك: يستشفع بالألف ومائة، وإلا يترك ولا يتهم المشتري أن يريد إلا إصلاح البيع 321، ولا أعلم لذلك وجهًا؛ لأن المشتري كان في مندوحة عن تلك الزيادة، وقد استحق الشفيع الشفعة بالألف، إلا أن يعلم أنه لو لم يزده لادعى عليه ما يفاسخه البيع به، وأمَّا إن حط من الثمن، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا حط تسعة مائة درهم، فإن كان يشبه أن يكون ثمنها عند الناس مائة درهم استشفع بمائة درهم، وإن كان لا يشبه أن يكون ثمنها مائة درهم كانت الشفعة بالألف 322، وأرى إن حط مائة أو ما يمكن أن يسامح به المشتري فإنه يستشفع بقيمته.
الجزء: 7 - الصفحة: 3345
فصل [فيما يجب في الشفعة من الثمن]
الشفعة تجب بمثل الثمن إذا كان دنانير أو دراهم أو ما يكال أو يوزن، وإن كان عرضًا أو غير ذلك مما لا يقضى فيه بالمثل فعلى ثمانية أقسام:
فالأول: إذا كان الثمن عبدًا بعينه، فالشفعة بقيمته يوم البيع لا يوم الاستشفاع.
الثاني: أن يكون موصوفًا في الذمة حالًا، فالشفعة بمثله الآن.
والثالث: أن يكون الشقص صداقًا ففيه وجهان، فقيل: يستشفع بقيمة الشقص، وقيل: بصداق المثل، وهذا بناء على استحقاق الشقص، فقيل: يرجع بقيمته، وقيل: بصداق المثل وبقيمته أحسن 323.
والرابع: أن يكون أخذ عن خلع 324 أو صلح أو عن دم، فالشفعة بقيمته.
والخامس: أن يكون صلحًا عن دارٍ أو عبد، والمدعى عليه منكر، فقيل: فيه الشفعة بقيمة المدعى فيه، وقيل: لا شفعة فيه؛ لأن الأول إنما دفع عن نفسه خصومة، والقياس أن يستشفع بقيمته لا بقيمة المدعى فيه قياسا على قوله: إنه إذا استحق رجع بقيمته لا بقيمة المدعى فيه، وفي استشفاعه بقيمة المدعى فيه ظلم على الشفيع؛ لأنَّ الغالبَ في الصلح على الإنكار أنه لا يؤخذ ما يساوي قيمة المدعى فيه، ولا ما يقاربه، والمسامحة فيه والتجاوز أكثر منه في النكاح، فإذا لم يجعل لزوجته أن تأخذ من الشفيع قيمة ما سلمت وهو صداق المثل لم يرجع
الجزء: 7 - الصفحة: 3346
هذا بقيمة ما ادعى فيه مع أنه لم يثبت أنه ملك له.
والسادس أن يكون ذلك الشقص عوضًا من هبة الثواب، فإنه يستشفع إن كانت الهبة قائمة بقيمته.
واختلف إذا كانت فائتة، فقال ابن القاسم: بقيمته، وقال أشهب وعبد الملك: بالأقل من قيمة الهبة أو قيمة الثواب (1).
والسابع أن يكون الثمن جزافًا، فقال محمد: إن اشترى بحلي جزافًا، فإنّ الشفيع يستشفع بقيمته، فإن كان ذهبًا قوِّم بالفضة أو فضة قوِّم بالذهب، والقيمة في ذلك يوم كان اشترى ليس يوم يأخذ بالشفعة، وكذلك كل ما اشترى به جزافًا فالقيمة في ذلك يوم كان اشترى ليس يوم يأخذ بالشفعة.
والثامن: أن يكون مما له مثل فيغرم ذلك المثل، فرجع فيه إلى القيمة، فقال مالك في المجموعة فيمن اشترى بعنبر يوجد ولم يأخذ، فعلى الشفيع قميته (2)، وأرى أن يكون المشتري بالخيار بين أن يأخذ بقيمة هذا أو يضم حتى يؤخذ أو يأتي وقت السفر به أو قدوم الناس به.
فصل [في الشقص يباع بياعات والشفيع غير عالم]
وإذا بيع الشقص بياعات والشفيع غير عالم كان له أن يستشفع بأيها أحب، فإن استشفع بأولها انفسخ ما كان من البياعات، ورجع كل مشترٍ على بائعه بالثمن، وإن استشفع بآخرها بيعًا، ثبت جميعها، وإن استشفع بأوسطها ثبت ما قبلها، وانفسخ ما بعدها، وإن كان بيعًا ونكاحًا وتقدم البيع كان له بالخيار بين325326
الجزء: 7 - الصفحة: 3347
أن يستشفع من الزوج بالثمن وترجع الزوجة بالثمن على الزوج بقيمة ذلك الشقص، وتكتب العهدة عليها، وإن تقدم النكاح ثم باعت ذلك الزوجة استشفعت الزوجة بقيمة الشقص، وينفسخ البيع أو من المشتري بالثمن، وكتب العهدة عليه، ولو كان نكاح وخلع استشفع من الزوجة بقيمته يوم النكاح، ويرجع الزوج عليها بقيمته يوم الخلع، فإن كان بيعًا ثم هبة 327 كان له أن يستشفع من المشتري، واختلف لمن يكون الثمن، فقال ابن القاسم: الثمن للموهوب له، ولا يشبه ما استحق 328، وقال أشهب: الثمن للواهب، قال محمد: وهو أحبُّ إلينا، وقاله سحنون 329. واختلف إذا اشترى شقصًا بثمن إلى أجل أو أخذه من دين مؤجل على ثلاثة أقوال، فقيل: يأخذ بمثل ذلك من الثمن مؤجل في الوجهين جميعًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى بثمن إلى أجل يستشفع 330 بمثله، وإن أخذه عن دية خطأ وهو غني استشفع بمثله منجما في ثلاث سنين 331، وقيل: يستشفع بقيمته في الوجهين جميعًا، وقيل: إن اشتراه بثمن مؤجل استشفعه بمثله، وإن أخذه من دين فقيمته وهو على قول عبد الملك وسحنون، ثم ينظر إلى الدين، فإن كان عرضًا استشفع بقيمته عينًا، وإن كان عينًا قوم بما يكال ويوزن 332، قال ابن عبدوس عن سحنون: تقوّم العين بعروض ويقوّم العروض
الجزء: 7 - الصفحة: 3348
بعين، وبه يستشفع الشفيع 333، والأول أحسن، وإن كان الثمن طعامًا أخذ بمثله، ولا يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ لأن الطعام الذي في ذمته ثابت لمن باع منه يوفيه إياه، وهذا بيع بمثله 334، والقول الأول أحسن أن يستشفع بمثله في الوجهين جميعًا؛ لأنَّ الدين إن كان عينًا أو عرضًا موصوفًا له مثل والأجل له مثل، فالأصل في الشفعة أن يؤخذ بمثل الثمن فيوجب أن يأخذه بمثله إلى أجلٍ.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن اشتراه بثمن مؤجل وهو عين استشفع بمثله إلى أجل، وإن كان المؤجل عرضًا أخذ بقيمته، قال محمد: وهذا غلط 335.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا مثل قول ابن القاسم في المدونة، إذا أخذ عن دية خطأ وهي عين، أخذ بمثله، وإن كانت إبلًا أخذ بقيمتها، وإذا أخذ ذلك من دين مؤجل، وكان الغريم مُلِدّا ظالمًا أو لا وفاء عنده أو عليه غرماء، لم يأخذ 336 الشفيع بمثل ذلك الدين، ثم يختلف بم 337 يأخذ؟ فعلى القول في الموسر إنه يأخذ بمثل ذلك الدين يحط ها هنا ما يرى أنه يحط لمكان لدده أو قلة وفائه، وعلى القول الآخر يأخذ بقيمة ذلك الدين على حال من هو عليه، إلا أن يتبين أن الطالب لم يهضم لذلك شيئًا، وأنه يأخذ ما يؤخذ بمثله من الموسر الموفي، فلا يحط من عدد ذلك الدين شيئًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 3349
واختلف إذا أخذه من دين حالٍ (1)، فقيل: يأخذه بقيمته، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه لا يبيع ما أخذ من دين حال مرابحة، إلا أن يبين، وقال: لا يبين ويأخذ هذا بالشفعة بجميع الثمن (2)، وهذا أحسن إذا كان الغريم موسرًا غير مُلِد، ومكنه من أخذ دينه، وإن كان معسرًا أو ملدًا فليبين في المرابحة، ويستشفع الآخر بالقيمة، وإن اشترى بدين له في ذمة رجل آخر كان كالذي اشتراه بثمن في ذمته.
واختلف إذا لم يأخذ الشفيع حتى حل الأجل هل يأخذه بمثل الثمن حالًا أو يستأنف له وهو أحسن؛ لأن الأول كانت له الغلة (3).
فصل (4) [في الشفعة فيمن اشترى بدين إلى أجل والشفيع مثله في اليسار أو دونه]
وإن اشترى بدين إلى أجل وهو موسر والشفيع مثله في اليسار كانت له الشفعة، واختلف إذا كان دونه في اليسار إلا أنه مأمون، فقيل: له الشفعة، وقيل: لا شفعة له، إلا أن يأتي بحميل مثل الأول في اليسار، وإن كان الشفيع معسرًا لم يستشفع إلا أن يأتي بحميل موسر، ثم يختلف هل يجزئ إذا كان مأمونًا، أو حتى يكون مثل الأول؟ والصواب في السؤالين جميعًا أن له الشفعة إذا كان مأمونًا، وإن لم يكن مثل الأول.338339340341
الجزء: 7 - الصفحة: 3350
واختلف إذا كانا 342 فقيرين، المشتري والشفيع، وهو مثل الأول في الفقر هل له شفعة أم لا؟ وأنّ له الشفعة أحسن؛ لأنه موسر بجميع ذلك النصيب الذي استشفع به، والنصيب الذي استشفعه، وكذلك لو كان النصيب الذي استشفع به يسيرًا والمستشفع كثير، ولأنه موسر بجميع ذلك إلا أن يكون عليه غرماء أو يعلم منه الإتلاف فلا يمكن من الشفعة إلا بحميل مأمون.
واختلف إذا قام الشفيع بعد أن حل الأجل هل يلزم تعجيل الثمن أو يؤخر 343 به بمثل ذلك الأجل وهو أحسن؛ لأنّ الأجل إنما يراعى من بعد الملك، فالأول ملك سنة يغتل ويسكن ثم بعد ذلك دفع، فكذلك هذا يأخذ ويغتل ويسكن ثم يدفع الثمن بعد سنة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3351
باب في تسليم الشفعة أو (1) أخذها قبل المعرفة بالثمن والرجوع فيها بعد تسليمها
أو قبل تسليم الشفعة قبل معرفة الثمن جائز، واختلف في الأخذ قبل معرفة الثمن، فقيل: جائز، وهو ظاهر المدونة 345؛ لأنه قال: إذا أشهد أنه أخذه قبل المعرفة بالثمن، ثم قال: بدا لي، قال: له، أن يترك 346 إن أحب، فجعله بالخيار في التمسك، ولو كان عنده فاسدًا لم يكن له أن يمسك، وفي كتاب محمد أن ذلك فاسد ومجبور على رده.
واختلف إذا كان الثمن عبدًا وهو يعرفه، وأخذ قبل المعرفة بقيمته، فقال: ذلك فاسد، وقال في موضع آخر 347: إنه جائز 348، ومثله إذا كانت الشفعة تجب بقيمة الشقص المستشفع به؛ لأنَّه كان صداقًا أو ثمنًا لخلع أو لدم، فينبغي ألا يستشفع حتى يقوَّم، وإن استشفع قبل المعرفة بقيمته قبل الأخذ، فإن هو أخذ قبل المعرفة فعلى القولين، واستحسن أن يمضي في ذلك كل ما لا تتباين فيه القيم، وينقض فيما لا يدرى هل يقل أو يكثر؟ واستخف محمد إذا كان الثمن344
الجزء: 7 - الصفحة: 3352
طعامًا سمى له كيله دون صفته، ورآه جائزًا، وإن وصف بعد ذلك وكان وسطًا أو دونه لزمه، وإن كان أعلى من الوسط كان بالخيار إما أخذ أو ترك، وإذا سلم قبل المعرفة بالثمن ثم أعلم به لم يكن له قيام ولا رجوع إلا أن يكون في الثمن بخس مما لا يظن أنه يباع (1) به، فله الرجوع مثل أن يكون ثمن الشقص ألفًا، فوجده بيع بمائة.
فصل [في تسليم الشفعة وأخذها قبل معرفة المشتري]
تسليم الشفعة وأخذها قبل المعرفة بالمشتري جائز، قال محمد: ولا رجوع له 350، وإن كان عدوًا أو شريرًا أو مضارًا 351، والصواب أن يكون له الرجوع إذا تبين أن المشتري على أحد هذه الحالات، ومن يرى أنه لو علم به الشفيع لم يسلم له، وليس كذلك إذا أخذ ثم تبين أنه على مثل ذلك فلا رجوع له؛ لأنَّ ذلك أحرى أن يرغب في الأخذ وألا يكون شريكًا له، وإن سُمِيَ له رجل فسلم أو أخذ ثم تبين أنه غير من سُمِيَ له لزمه الأخذ ولا يلزمه التسليم؛ لأنَّ الترك يتضمن وجهين: المنة على المتروك له، وغرضه أن يكون ذلك شريكًا له، وقد يكون بينه وبين من سُمِيَ له مؤاخاة وصداقة، أو من يترك لمثله مراعاة لجاهه وقدره، وإن كان تركه كراهية للأخذ، وكان المسمى له ليس على شيء من ذلك، وهو ممن 352 لا يرغب عنه؛ لأنه من أهل الخير والسلامة في العشرة- لم يكن له349
الجزء: 7 - الصفحة: 3353
مقال ولا رجوع، وكذلك إذا قيل له: إن فلانًا اشترى نصيب شريكك، فَسَلِّمْ أو خُذْ ثم تبين له أنه اشترى ذلك هو وآخر معه، فإنه لا مقال له في الأخذ، كما تقدَّم لو كان المشتري واحدًا، فأخذ ثم تبين أنه غيريره، وله مقال في الترك 353 فيأخذ نصيب من لم يسم له، واختلف في نصيب من سمّى له.
الجزء: 7 - الصفحة: 3354
باب في الشفيع يوقف على أخذ الشفعة والتلوم له في الانفراد إذا أخذ
وللمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالأخذ أو الترك، فإن امتثل أحد الوجهين، وإلا رفعه إلى السلطان فألزمه مثل ذلك، فإن سأل أن يؤخر لينظر ويستشير كان فيه قولان، فقيل: لا يمكن من ذلك، ويجبره السلطان على الأخذ أو الترك، وقال مالك في المختصر: يؤخر اليومين والثلاثة، وهو أحسن إذا كان وقفه بفور ما اشترى؛ لأنَّ الأولَ قد تربص وأمهل، وإن تأنى 354 قبل الشراء، وكان وقفه بعد أيام وهو عالم- لم يمهل إلا اليوم لا أكثره 355. واختلف إذا كان الثمن مؤجلًا، فقيل: هو كالأول، وقيل: بخلافه 356، وإذا أخذ بالشفعة وسأل الصبر ليأتي بالثمن كان ذلك له، واختلف في القدر الذي يؤخر له، فقال مالك: ثلاثة أيام، وفي ثمانية أبي زيد: العشرة ونحو ذلك مما يقرب، ولا يكون على المشتري فيه ضرر، وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين وأكثر بقدر ثمن الشقص وكثرة المال وجمعه، والشهر إن 357 رأى
الجزء: 7 - الصفحة: 3355
ذلك الحاكم 358 ولا أرى لما وراء ذلك تأخيرًا في شيء قلَّ أو كثر.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأرى الشهر كثيرًا، والشهر كبيعه إلى أجل، والأصل بيع نقدٍ، والعشرة 359 والخمسة عشر ففي كثرة المال حسن، فإن كان يعجز عن ذلك قطع السلطان 360 شفعته، وإذا أخذ وأتى الأجل ولم يحضر ولم يأت بالمال كان المشتري بالخيار بين أن يمضي له الأخذ ويباع عليه ذلك الشقص وغيره في الثمن أو يرد الشقص ويأخذ ثمنه 361؛ لأنه 362 ليس له أن يأخذ للبيع، وهذا إذا شرط عليه إحضار الثمن إلى ذلك الأجل، ولم يزد على ذلك، وإن كان شرط عليه إن لم يحضره فلا شفعة له فعجز سلم ذلك، ولم يكن للمشتري أن يسلمه ليباع عليه في الثمن.
الجزء: 7 - الصفحة: 3356
باب فيمن اشترى دارًا فهدمها ثم استحق نصفها
وإذا اشترى 363 رجل دارًا فهدمها ثم استحق رجل 364 نصفها، فإنه لا يخلو النقض 365 من أربعة أوجه: إما أن يكون قائمًا بيد المشتري، أو باعه، أو وهبه، أو بنى تلك الداربه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3357
باب فيمن سلم (1) الشفعة بعد الشراء (2) أو قبله بعوض أو بغير عوض
وإذا أسلم الشفيع الشفعة بعد عقده البيع بعوض أو بغير عوض، جاز ذلك، ولم يكن له رجوع، واختلف إذا أسلمها قبل الشراء، فقال له: اشتر 368، فإذا اشتريت فلا شفعة لي عليك، فقيل: لا يلزمه ذلك 369، وله أن يستشفع ويجري فيها قول آخر أن لا شفعة له قياسًا على من قال: إن اشتريت عبد فلان، فهو حر أو 370 تزوجت فلانة، فهي طالق؛ لأنه أوجب العتق قبل الملك والطلاق قبل أن تصل إلى حالة يصح فيها الطلاق 371، وقد قالوا فيمن جعل لزوجته الخيار: إن تزوج عليها فأسقطت ذلك الخيار قبل أن يتزوج عليها 372 إن ذلك لازم وهو في الشفعة أبين؛ لأنه أدخل 373 المشتري في الشراء لمكان الترك، ولولا ذلك لم يشتر، فأشبه هبة قارنت البيع؛ لأنه لو قال له 374: اشتر ذلك الشقص والثمن عليَّ فاشتراه للزمه أن يغرم الثمن الذي اشتراه به؛ لأنَّه أدخله في الشراء،366367
الجزء: 7 - الصفحة: 3358
وهذا 375 قول مالك وابن القاسم فهو في ترك الشفعة أبين.
وقد 376 اختلف فيمن يقول 377 لزوجته: إن جئتني بما لي عليك فأنا أطلقك 378 فجاءته به، فقال مرة: يلزمه الطلاق 379، وليس له أن يدعها حتى يكثر 380 مالها، ثم ينزع عنها 381 فإن ترك الشفعة قبل الشراء بعوض، لم يجز ذلك 382؛ لأنه لا يدري هل يبيع ذلك الشقص أم لا؟ وإن ترك بعوض لشرط فقال له: إن 383 اشزيت ذلك الشقص فقد سلمت لك شفعتي على دينار تعطيني إياه 384، وإن لم يبعه منه 385 فلا شيء له عليك، جاز ذلك، ولو شرط النقد لم يجز، وإن سلم الشفيع شفعته لغير المشتري بعوض أو باطلا، لم يجز ذلك 386 لوجهين: أحدهما: أنه لم يأخذ فيبيع ذلك.
والثاني: أن من حق المشتري ألا يستشفع ليبيع، ولو أراد المشتري أن يبيع ذلك من أجنبي ولم يسقط الشفيع شفعته إلا بجعل جعله المشتري الأول أو 387
الجزء: 7 - الصفحة: 3359
الآخر للشفيع لجاز ذلك، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب فيمن وجبت له شفعة فصالح بتركها 388 على أنه متى بلغه أذى المشتري أو أذى ولده أو والده فهو على شفعته، قال: لا يلزم ذلك، وله القيام فيها، ومتى طلبه المشتري بالأخذ أو الترك كان ذلك له 389 ما لم يطل الزمان والطول الشهور الكثيرة، وقال أصبغ: الصلح جائزٌ والشرط لازم، ولا يرجع الشفيع حتى يكون ما استثنى وإن أراد المستشفع منه 390 أن يدع الصلح ويوقف له الشفيع على الأخذ أو الترك، فذلك له 391، وجعل المقال في ذلك والرجوع 392 للمشتري دون الشفيع؛ لأنّ ترك 393 الشفيع هبة له، وعليه في الترك على تلك الصفة مضرة؛ لأنَّهما إن أحدثا بناء أو غرسًا أو تغير لحسن قيام ثم حدث شيءٌ من المشتري أو ولده قام فأعطاه قيمة ما أحدث وأخرجه وكان له أن يقوم فيقول: إمَّا أن يسقط حقك 394 مرة ويتصرف تصرف 395 من لا يخشى أن ينزع من يديه أو تأخذ فرأى مطرف أيضًا أن للشفيع في ذلك مقالًا 396، وقال أشهب فيمن اشترى شقصًا على خيار فسلم له الشفيع
الجزء: 7 - الصفحة: 3360
الشفعة ثم استوجب إن له الشفعة (1)، وهذا أبعد و (2) أبين في سقوط الشفعة؛ لأنه قد حصل السبب الذي يكون لأجله المطالبة أو الترك كالذي أجاز له ورثته وصيته بأكثر من ثلثه في مرضه بخلاف الصحة.
فصل [فيمن أراد أن يشفع لغيره]
ومن المدونة: وإذا بيع نصيب من دار وأتى شفيعها فأراد أن يأخذ بالشفعة لغيره إنه ليس ذلك له 399، وهذا هو الصحيح وهو يرد قوله الأول 400 فيمن استشفع وعليه غرماء؛ لأن ذلك للبيع.
قال محمد: فإن أربحه ثم ظهر على ذلك فله رده إن ثبت ذلك بمعرفة أو إقرار الشفيع 401.
ومن المدونة قال ابن القاسم 402 في دار في يد رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها من هذا الذي الدار في يديه وأقام الذي الدار في يديه البينة 403 أنه اشتراها من هذا المدعي، قال 404: فإن تكافأت البينتان فهي للذي هي في يديه؛397398
الجزء: 7 - الصفحة: 3361
فإن كانت إحداهما أعدل قضي بها لأعدلهما بينة 405. قال الشيخ: ولو لم تكن لهما بينة لكانت للذي هي في يديه 406؛ لأنَّ الحكم إذا تكافأت البينتان سقطتا، ويصيران 407 كمن لا بينة لهما؛ لأنه إذا تكافأت الدعاوى 408 بقيت اليد 409، وهذا إذا كانت الشهادتان عن مجلس واحد أو عن مجلسين وعدمت التواريخ، فإن علمت التواريخ كانت لآخرهما تاريخًا؛ لأنَّ صاحبها يقول: أنا أصدق بينتك أنك اشتريتها مني، وهذه بينتي تشهد أني اشتريتها بعد ذلك منك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3362
باب فيمن (1) اشترى شقصًا بعبد فاستحق ذلك (2) العبد أو وجد به عيبًا
ومن اشترى شقصًا بعبد فلم يستشفع الشفيع حتى استحق العبد أو وجد به عيبًا فرد به كان لبائع الشقص أن يسترجعه ولا شفعة للشفيع، فإن تغير الشقص بزيادة أو نقصان لم يرد، ورجع البائع على المشتري بقيمته، وكانت الشفعة للشفيع بمثل ذلك، وإن استحق العبد أو رده بعيب بعد أن استشفع ذلك الشقص، وقبل أن يفوت كان ذلك فوتًا فيما بين المشتري والشفيع أنه لا يرد الشقص.
واختلف بماذا يستشفع؟ فقال ابن القاسم: بقيمة العبد، بمنزلة ما لو كان قائمًا بيد مشتريه ولم يرده، 412 قال: لأنّ الأخذ بالشفعة بيع حادث 413، وقال عبد الملك بن الماجشون وسحنون: الشفعة بقيمة الشقص 414؛ لأنَّ القيمة عادت410411
الجزء: 7 - الصفحة: 3363
ثمنًا، وهي التي وزن المشتري فيه، وإن كانت قيمة الشقص ألفًا، وقيمة العبد خمس مائة أو ألف وخمس مائة غرم الشفيع ما غرمه المشتري من الألف، ولا ينظر إلى قيمة العبد؛ لأنه يسقط أن يكون ثمنًا، وإذا اقتصر على قيمة العبد، أدى ذلك إلى خسارة المشتري إن كانت قيمته خمس مائة أو إلى ربحه إن كانت قيمته ألفًا وخمس مائة، ومثله إذا كان البيع بطعام فاستحق أو رد بعيب بعد أن أخذ الشفيع، فإن البائع يرجع بقيمة شقصه، وتبقى الشفعة على قول ابن القاسم بمثل الطعام، وعلى قول عبد الملك بقيمة الشقص وهو أحسن 415، وإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد أو الطعام كان الشفيع بالخيار بين أن يتمسك بالشفعة أو يرد؛ لأنه يصير بمنزلة من استشفع على ثمن ثم تبين أنه أكثر منه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3364
باب في الشركة في الشفعة
وإذا كانت دار بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه وسلم أحد الباقين الشفعة وقام الآخر وقال: آخذ بقدر نصيبي لم يكن له ذلك إذا كره المشتري؛ لأنه يبعض عليه صفقته، ويقال له خذ الجميع أو دع.
واختلف إذا قال الشفيع: أنا آخذ جميع الصفقة، وقال المشتري لا أسلم لك إلا نصيبك منه، فقال مالك للشفيع أن يأخذ جميع ذلك النصيب 416، وقال ابن حبيب: إن أراد من أسقط حقه في ذلك وجه المشتري لم يستشفع إلا نصيبه، وإن كان تركه كراهية لأخذه أخذ جميع النصيب 417، وفي مختصر الوقار قال 418: ليس لمن لم يُجِزْ إلا مصابته خاصة 419 وهو أقيسها؛ لأنَّ الذي كان له من الشفعة نصفها والفاضل لا شيء له فيه، فإذا أسقط الآخر 420 حقه فيه كان لمن ترك له، فإن كانت الدار بين أربعة 421 فباع اثنان نصيبهما صفقة واحدة كان للثالث أن يأخذ الجميع، وليس له أن يأخذ نصيب أحدهما إلا أن يرضى المشتري، وإن كان البائع واحدًا والشفيع واحدًا، والمشتري رجلان اشتريا صفقة واحدة 422.
فقال: أنا أشفع من 423 أحدهما لم يكن ذلك له عند ابن القاسم، وذلك له
الجزء: 7 - الصفحة: 3365
عند أشهب، وبه قال سحنون 424، وهو أحسن، وليس لمن أخذ منه أن يقول: لا تأخذ مني إلا أن تأخذ من شريكي، ولا لمن لم يؤخذ منه أن يقول: لا تأخذ من شريكي إلا أن تأخذ مني أو لا تترك الأخذ مني إلا أن تترك شريكي، وإن كان المشتري رجلًا واحدًا والشفيع واحدًا والبائع رجلان، باع نصيبهما من ذلك صفقة واحدة 425 لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ النصيبين أو يترك، وكذلك: إذا باعا نصيبهما من دارين أو دار وبستان، وكل ذلك صفقة واحدة.
ويختلف إذا كانت شركتهم مفترقةً: لأحدهم شركة في دار، وللآخر شركة في بستان، فباعا ذلك صفقة واحدة 426 على من أجاز جمع 427 السلعتين، والشفيع في ذلك واحد، فأحب أن يستشفع نصيب أحدهما دون الآخر، فقال ابن القاسم: ليس ذلك له إلا أن يأخذ الجميع، أو يدع 428، وهذا هو أحد القولين في الصفقة لمالكين هل هي كالصفقة لمالكٍ واحدٍ إذا عقد أحدهما عقدًا واحدًا حلالًا والآخر عقدًا حرامًا؟ فقيل: يفسد جميع العقد، وقيل: يفسخ الحرام وحده، فعلى هذا يكون له أن يستشفع من أحدهما دون الآخر بمنزلة العقدين؛ لأنه لا يقدح أحدهما في فساد الآخر، ولو استحق أحدهما وهو الوجه لم يكن للمشتري أن يرد على الآخر، وعلى قوله ها هنا إنه يأخذ الجميع أو يدع يكون فساد أحدهما يقدح في الآخر، وإذا استحق الوجه رد الآخر، والقول إنه كالعقدين أحسن، وإن كان الشفعاء ثلاثة فاستشفع 429 أحدهم في الدار،
الجزء: 7 - الصفحة: 3366
والآخر في الحمام، والآخر في البستان كان ذلك لهم؛ لأنه لم يبقَ في يد المشتري شيء، وإن بعَّض أحدُهم نصيبَه فباعه ثلاث صفقات كان للشفيع أن يستشفع جميعها أو أحدها، فإن استشفع الأولى أو الأولى 430 والثانية صفقة لم يشركه المشتري بما بيع بعد، وإن استشفع الوسطى استشفع معه المشتري بالأولى، وإن استشفع الوسطى والآخرة استشفع معه فيهما بالأولى، وإن استشفع الأولى والآخرة استشفع بالوسطى في الآخرة 431. وفي كتاب محمد في دار بين أربعة نفرٍ غاب اثنان فباع أحد الحاضرين نصيبه على ثلاث صفقات فاستشفع الحاضر الصفقة الآخرة وحدها 432، وهي ثلث الربع كان للمشتري أن يستشفع معه بالصفقتين الأوليين، وذلك ثلثا الربع، وللشفيع ربعٌ كاملٌ فيقسم بينهما الصفقة الآخرة على خمسةِ أجزاءٍ، فإن قدم ثان فسلم للمشتري ما سلم الأول فاستشفع في الآخرة كانت بينهما على ثمانية أجزاء؛ لأنَّ للغائب ربعَه، وهو ثلاثةُ أسهمٍ، ولصاحبِه مثله، وللمشتري سهمان، وإن استشفع القادم الصفقتين الأولتين 433 كانت الشفعة في الصفقة الآخرة بين الشريكين على ثمانية أجزاء 434، للقادم خمسة ولصاحبه ثلاثة، فإن قدم الآخر فاستشفع الصفقة الآخرة وحدها كان بينهما على أحد عشر جزءًا، فإن دخل مع صاحبه في الصفقتين الأولتين صار في يد كل واحد أربعة أسهم، وللذي كان مقيمًا ثلاثة، وإن سلم الغائبان للمشتري الصفقتين الأوليين كانت الشفعة بينهم على حالها على أحد عشر جزءًا للغائبين ثلاثة أسهم وللشريك المقيم ثلاثة، وللمشتري سهمان.
الجزء: 7 - الصفحة: 3367
باب في اختلاف المشتري والشفيع والورثة والغرماء
ومن اشترى شقصًا مربحًا، واختلف غرماء المشتري والشفيع في الأخذ والترك كان القول قول الشفيع في الأخذ، وإن كره ذلك غرماء المشتري، وإن اختلف الشفيع وغرماؤه في الأخذ أو الترك كان القول قول من ادعى منهما إلى الترك، فإن ادعى الغرماء إلى الأخذ لفضل فيه، وكره ذلك الشفيع كان القول قوله؛ لأنه ليس لهم أن يجبروه على الشراء ولا على التجارة وإن دعا الشفيع 435 إلى الأخذ، وكره الغرماء 436 كان القول قولهم؛ لأن من حقهم أن يقبضوا ذلك الناض بالحضرة، وتأخيرهم به إلى 437 أن ينقد في ثمن 438 الشقص- ظلم عليهم، ولأنهم يخافون الاستحقاق فيرجع عليهم 439 وهذا هو القياس، والاستحسان إذا كان فيه الفضل والبيع لا يتراخى، وإنما هو إلى اليوم واليومين؛ لأنَّ ذلك لا كبير ضرر عليهم، ولأنَّ الاستحقاق من باب النادر، والنادر لا حكم له، فإن اجتمع أمرهم على الأخذ، فإن مات الشفيع، ولم يخلف ورثة والمال لا يوفى وفي الأخذ فضل وأرادوا الأخذ كان ذلك لهم، وإن كان له ورثة فاجتمع أمرهم على أخذ أو ترك كان الأمر على ما اجتمعوا عليه، وإن اختلفوا كان القول قول من دعا إلى الأخذ من غريم أو وارث، إلا أن ذلك للغرماء إذا كان في الأخذ فضل، وللورثة إذا كانوا يأخذون ذلك من أموالهم لا من مال الميت لأن من حق الغرماء أن يتعجلوا قبض ذلك العين، ولا يولج في شراء، وقال محمد: ليس
الجزء: 7 - الصفحة: 3368
للغرماء الأخذ إلا أن يشاء الورثة، فإن أخذوها بمال الميت كان للغرماء الفضل، وإن بقي شيء عن دينهم كان ميراثًا، وإن أخذوها بمالهم بيعت حينئذ برأس المال، وقضي بالفضل دينه 440، فلم يرَ للغرماء شفعة إذا كره الورثة لموضع العهدة متى طرأ استحقاق ومراعاة الاستحقاق من النادر.
واختلف في مراعاة النادر إلا أن 441 يسقط الغرماء العهدة عن الميت ويثبتوا للمشتري أن العهدة عليهم دون الورثة، وليس الربح للغرماء، وإن أدوا فيه أموالهم لما كان الأخذ بحق كان للميت، والقياس أن يكون الربح لهم؛ لأنَّ من أموالهم سببه، ولأنهم 442 لو لم يدفعوا في ذلك أموالهم لم يفد الغرماء كون الشفعة للميت بشيء، وإذا قال الورثة: لا ندفع في ذلك أموالنا إلا ليكون الفضل لنا مكنوا من ذلك 443 وكل هذا فعلى القول إنه يجوز أن يستشفع للبيع، وقد اختلف في ذلك، فقال ابن عبدوس: قال سحنون وقال مالك: يبدأ بالورثة فيقال لهم: إن قضيتم الدين فلكم الشفعة؛ لأنَّ الميراثَ بعد الدين، فإن أبوا بيع نصيب الميت للدين ولا شفعة؛ لأنَّ الشقص الذي يستشفع به قد بيع 444.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن كان الدين مائة وخلف سوى الشقص مائة وقيمة الشقص خمسون كان للغرماء أن يأخذوا المائة ويبقى الشقص ميراثًا فيستشفعوا من أموالهم، وإن كان خلف خمسين لم يستشفعو لأنَّ الشقص يباع للغرماء إلا أن يقضوا الخمسين الأخرى من أموالهم، ويبقى لهم الشقص فيستشفعوا به.
الجزء: 7 - الصفحة: 3369
باب في الشفعة في العين والبئر إذا بيع مع الحائط أو بانفراده
وإذا باع أحد الشريكين قبل المقاسمة نصيبه من الحائط والماء صفقة واحدة كانت الشفعة فيهما فيستشفع الماء مع الحائط؛ لأنه من مصلحته وليس له أن يبعض الصفقة فيما تكون له الشفعة في جميعه 445، فإن باعهما صفقتين افترق الجواب، فإن تقدم بيع الماء كان له أن يستشفعهما أو أحدهما، وإن تقدم بيع الحائط ثم باع الماء من غير مشتري الحائط كانت الشفعة في الحائط دون الماء؛ لأنه في الحائط على أحد أمرين: إما أن يستشفعه فترفع 446 الشركة منه وتبقى الشركة في الماء وحده وإذا انفردت الشركة في الماء لم تكن فيه شفعة إذ لا 447 يستشفع الحائط فيكون شريكه في الحائط غير شريكه في الماء، وإنما يستشفع إذا بيعا معا؛ لأنه شرب لذلك الحائط.
واختلف إذا باع الماء من مشتري الحائط واستلحقه به قبل أن يأخذ الأصل أو يترك، فقيل: يصير بمنزلة لو بيعا معًا فليس للشفيع أن يأخذ أحدهما دون الآخر، وهو محمل قول محمد في رقيق الحائط إذا ألحق به بعد البيع، والعفين والبئر مثله 448، ويجري فيها قول آخر إن له أن يأخذ أحدها دون الآخر وهو قول محمد في 449 الأول دون
الجزء: 7 - الصفحة: 3370
الثاني 450؛ لأنهما عقدان قياسًا على قولهم إذا اشترى الأصول، ثم الثمار والعبد ثم ماله والأرض ثم النخل، والقياس أن له أن يستشفعهما لأنَّ المشتري قصد أن يلحق ذلك بالعقد أو يستشفع 451 الأصل وحده؛ لأنه يقول قد كان ذلك من حقي قبل أن تشتري الماء، فليس شراؤك الماء مما يسقط حقي في انفراد العقد الأول أن يستشفع الماء مع الحائط لأنهما متهمان أن يَعْدُواْ العقد، ثم يقول له: لا شفعة له في الماء وإني في ذلك بمنزلة ما لو اشتراه غيري، وإن أنت استشفعت الحائط كانت الشفعة في الماء بانفراده، ويترك الشفعة إذا كان الحائط بغير ماء فيكون للشفيع أن يستشفع الجميع لهذا الوجه فكان تبعيض 452 ذلك أو جمعه من حق الشفيع لا من حق المشتري، فإن تقدم بيع الماء ثم ابتاع منه الحائط كان بالخيار حسب ما تقدم بين أن يأخذهما جميعًا أو أحدهما فيأخذ الماء بانفراده؛ لأنه يقع 453 في حين الشركة 454 في الحائط وله أن يأخذ الحائط بانفراده ولا يقال ها هنا: إنه كالصفقة الواحدة فيأخذ 455 الجميع أو يدع؛ لأنه يستلحق الماء بالحائط، ولا يستلحق الحائط بالماء، ومن المدونة قال ابن القاسم: كما لا يستلحق العبد بماله إن تقدم بيع المال، وإذا بيع الحائط بغير ماء ثم وقف الشفيع فترك ثم استُحِقَّ الماء- كان للشفيع أن يقوم فيأخذ الجميع بالشفعة؛ لأنه يقول: إنما تركت الأصل لما بيع بغير ماء، وعلى صفة يرغب عنه، ولأنهما متهمان أن يكونا عملا 456 على ذلك أن
الجزء: 7 - الصفحة: 3371
يبيع 457 بغير ماء، فإذا ترك الشفعة 458 باعه منه.
وإذا باع أحد الشريكين حصته من الحائط والماء، وكانت أجزاءهما في ذلك مختلفة، لأحدهم ربع الحائط وثلاثة أرباع الماء، وللآخر ثلاثة أرباع الحائط وربع الماء، فباع الأول حصته من الحائط والماء، كان للشريك الآخر الشفعة في ربع الحائط وتسع ما بيع من الماء؛ لأنه القدر الذي يستحقه ذلك الحائط من الشرب من ذلك الماء؛ لأنه إذا شرب ثلاثة أرباعه ربع الماء لم يكن على 459 الآخر أن يسقي ذلك الحائط عن مائه إلا بقدر ذلك، وهو جزء من تسعة، فيكون ماء الذي له ثلاثة أرباع على ثلاثة أجزاء، ومن الآخر جزء فيكمل أربعة، وثمانية أجزاء يصرفها ويسقي بها حيث شاء من غير هذا الحائط، فإن باع من له ثلاثة أرباع الحائط استشفع الآخر الجميع؛ لأنَّ جميعه شرب للمبيع.
فصل [في الشفعة إذا اقتسم الشريكان الحائط أو الماء]
وإذا اقتسم الشريكان الحائط، ثم باع أحدهما نصيبه من الحائط والماء لم يكن للآخر في الماء شفعة؛ لأنه من مصلحة المقتسم، وإن اقتسما الماء وحده دون الحائط، قال محمد: فأخذ هذا بئرًا وأخذ هذا بئرًا، فكان هذا يسقي من بئره يومًا، وهذا من بئره يومًا، ثم باع أحدهما حصته من الحائط مشاعًا وبئره- كانت الشفعة في الحائط دون الماء ويفض الثمن فما ناب الحائط استشفع به 460.
الجزء: 7 - الصفحة: 3372
باب ما جاء في الشفعة في الثمار (1) والزرع
ومن المدونة قال مالك فيمن اشترى شقصًا من أرض فزرعها، ثم أتى الشفيع، قال: له أن يأخذ بالشفعة والزرع للزارع، قال ابن القاسم: ولا شيء عليه من الكراء، قال: وإن غرسها نخلًا أو شجرًا، قيل: للشفيع إن شئت فخذها واغرم قيمة ما فيها من الغرس، فإن أبى لم تكن له شفعة 462. قال الشيخ - رضي الله عنه - 463: مشتري الأرض على خمسة أوجه: إما أن يشتري الأرض بزرعها، أو الأرض دون الزرع، ثم يستلحق الزرع، ثم استحق رجل نصف الأرض ونصف الزرع، أو بغير زرع 464، وقد كان زرع الزارع بوجه جائز 465 أو كان غاصبًا أو زرعها المشتري، فإن استحق نصف الأرض ونصف الزرع، ورد 466 البيع في نصيبه، أخذ الآخر 467 بالشفعة.461
الجزء: 7 - الصفحة: 3373
باب ما جاء في الشفعة في الثمار
468 اختلف في الشفعة في الثمار على ثلاثة أقوال، فقيل: فيها الشفعة، وسواء بيعت مع الأصول أو بانفرادها كان الشفيع شريكًا في الأصل أو لا شركة له، وهو قول مالك، قال: وما هو من الأمر القديم، وما علمت أن أحدًا قاله أن في الثمار الشفعة، قال: ولكني رأيته واستحسنته 469. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا شفعة فيها بحال، وسواء بيعت مع الأصل أو بانفرادها، وقال أشهب: إن بيعت مع الأصل كان فيها الشفعة، وإن بيعت بانفرادها لم تكن فيها شفعة 470، وقال مالك في المدونة في شركاء في ثمرة، كان الأصل لهم، أو كانت النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسا على قوم فأثمرت وحل بيعها فباع أحد ممن سميت فإن لشركائه في الثمرة الشفعة 471. قال الشيخ - رضي الله عنه - 472: إن باع أحد الشريكين نصيبه من الحائط بثماره قبل الطيب أو بعده أو 473 باع نصيبه من الثمار بانفرادها بعد زهوها 474 من رجل كانت الشفعة في الجميع، إلا أنه إن بيعت مع الأصل لم يستشفع إلا الجميع أو يترك، وليس له أن يستشفع الأصل دون الثمرة أو الثمرة دون الأصل، فإن باع
الجزء: 7 - الصفحة: 3374
أحد الشريكين نصيبه من الثمار بعد الطيب من رجلين فلم يأخذ الشريك بالشفعة، ثم باع بعد ذلك أحد المشتريين 475 في الثمرة نصيبه 476 كانت الشفعة على قول ابن القاسم لشريكه في الثمرة، ولمن لم يكن باع 477 وعلى قول أشهب: الشفعة لشريكه في الثمن 478؛ لأنه معه كأهل سهم، فإن سلم كانت الشفعة 479 لمن له الأصل، وإن باع من له الأصل نصيبه من الثمرة كانت الشفعة للذين اشتريا الثمرة، وإن باع 480 نصيبه من الأصل والثمرة كانت الشفعة في الثمرة وحدها، ولا مقال لمشتري ذلك الأصل إن قال: آخذ الجميع أو أدع ولا تبعّض عليَّ الصفقة؛ لأنه لا شركة لهما في الأصل، وكذلك إذا كان حائط بين رجلين فساقى أحدهما نصيبه من رجل أو رجلين كان لشريكه الشفعة، فإن لم يأخذ ثم باع أحد المساقين نصيبه بعد الطيب كانت الشفعة على قول ابن القاسم للجميع للمساقي 481، وللشريك في الأصل، وعلى قول أشهب الشفعة للمساقي الآخر وحده، فإن سلم كانت الشفعة للشريك في الأصل، وإن باع الشريك في الأصل كانت الشفعة المساقين، ولو كان جميع الحائط لرجل فساقاه لرجلين على
الجزء: 7 - الصفحة: 3375
النصف 482 ثم باع أحد المساقين بعد الطيب كان لشريكه الشفعة، فإن سلم كانت الشفعة لصاحب الأصل، فإن باع صاحب الأصل كانت الشفعة للمساقين، وقال محمد في الحائط يكون بين الرجلين يساقي أحدهما نصيبه من رجل: لم يكن لشريكه شفعة بمساقاته، قاله أشهب، قال: وأظن أن ابن القاسم يقول: إن ذلك له، وجدتها في كتبي ولم أدر ممن سمعتها، وذكر عن مالك أنه قال فيمن ساقى حائطه لرجل على أن للداخل الربع، فلما طابت الثمرة باع صاحب الحائط حصته من الثمرة إن للمساقي الشفعة، وقال: وكل من له شرك في ثمرة فله الشفعة، مساق كان أو غيره 483، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 7 - الصفحة: 3376
باب في إسقاط الشفعة قبل وجوبها وسقوطها قبل الوجوب وكيف إن علق إسقاطها بشرط
وقال مالك في المجموعة: إذا رضي الشريكان أن من باع فلا شفعة للآخر لم يلزمه ذلك وهو على شفعته 484، وقال في المدونة: إذا قال للمشتري اشتر فقد سلمت لك شفعتي وأشهد له بذلك ثم اشترى المشتري كانت له الشفعة 485، قال أشهب: وهو كمن أذن له ورثته في صحته أن يوصي بأكثر من الثلث فلا يلزمهم ذلك، قال: ولو اشترى على خيار فسلم له الشفعة قبل أن يستوجب ذلك كانت له الشفعة 486.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما تسليم أحد الشريكين فلا تسقط به شفعته؛ لأنَّ الحق للمشتري وهو لم ينل ذلك ولا ترك له، وأما التسليم للمشتري فيجري على القولين قياسًا على التي جعل لها الخيار إن تزوج عليها فأسقطت ذلك قبل أن يتزوج عليها وليس بمنزلة ترك الورثة؛ لأنَّ ترك الشفيع هو 487 السبب لدخول المشتري ولولا ثقته بقوله لم يدخل في ذلك وقد بيع في ذلك عروضه أو ما يقر عليه خروجه عن ملكه.
وقد قال في التي تقول لزوجها طلقني ولك كذا وكذا فيرضى بذلك فلما
الجزء: 7 - الصفحة: 3377
أحضرت المال وطالبته بإيقاع الطلاق امتنع، قال: ذلك لازم (1) له أن يأخذ ذلك ويطلقها (2) (3).
باب في الشفعة فيما بيع على النقض والقلع
ومن المدونة قال ابن القاسم في من باع نقض داره ثم استحق رجل الأرض دون النقض كان للمستحق أن يأخذ من المشتري ذلك النقض بقيمته مطروحًا، وليس للمشتري أن يمتنع من ذلك، قال 491: وليس هذا لأنه شفيع، ولكن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 492. قال الشيخ - رضي الله عنه - 493: جعل له أخذا لتغليب أحد الضررين لعظم ما ينتفع به من بقائه قائمًا، وقلة ضرر ما يلحق المشتري؛ لأنه يشتري بالقيمة مثله، ومحمل قوله على أن المشتري لم يقم على البائع بعيب الاستحقاق؛ لأنه اشترى ما يرى أن له قبضه، فإذا كان هناك تعلق به لحق آخر وصار غير قادر على قبضه، وغير متمكن من الانتفاع، ومجبور على تسليمه- كان ذلك عيبًا يوجب له الرد ويعود المقال بين البائع والمستحق، فإن كان البائع غاصبًا أخذه منه بقيمته مقلوعًا، وإن كانت له في البناء شبهة أخذه منه بقيمته قائمًا، قال سحنون 494 هذا 495 قول ليس488489490
الجزء: 7 - الصفحة: 3378
بالبين، وإن أثبت المستحق أن له نصف الأرض ونصف البناء ورد البيع في نصيبه لم يكن له مقال في النقض المبيع من نصيب شريكه أن يأخذه بالشفعة ولا بقيمته منقوضًا؛ لأنه بعد الاستشفاع غير قادر على بقائه في الأرض؛ لأن من حق بائع الأرض أو النقض أن يجبر مشتريه منه على قلعه، وإذا كان ذلك كان بمنزلة شريكين في نقض ملقى فلا شفعة فيه، وليس كالمسألة الأولى؛ لأن ذلك يقدر على نقضه 496 في الأرض وليس ذلك لهذا، وعلى هذا يجري الجواب في النخل إذا بيعت على القلع، فإن استحق جميع الأرض كان للمستحق أن يأخذ النخل بقيمتها مطروحة، وإن استحق نصف جميع الحائط لم يكن له أن يأخذ الباقي من النخل؛ لأنه لا يستطيع بقاءه 497 في الأرض، وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك في أول الكتاب، وإن باع أحد الشريكين في الحائط نصف النخل على القلع، فإن كان البائع لم يعلم المشتري أن معه شريكًا أو أعلمه وادعى أنه أجاز له مقاسمة النخل، أو كانا دخلًا على الافتيات على الشريك، وأنه يقسم دون الشريك كان البيع جائزًا؛ لأنهما دخلا على شيء معلوم، ولم يدخلا على غرر، فإذا لم يجز الشريك ذلك قسم الحائط في الأرض والنخل جميعًا، ثم ينظر إلى ما يصير إلى البائع، فإن صار له نصف النخل أخذه المشتري، وإن صار له أكثر من ذلك كان ذلك الزائد للبائع، وإن صار أقل من النصف حط عن المشتري بقدر ذلك النقص 498، وإن كان البائع أعلم المشتري بالشرك 499 وباع ما يصير له بالمقاسمة إذا قسمت الأرض والنخل معًا- كان البيع فاسدًا؛ لأنه يدري ما
الجزء: 7 - الصفحة: 3379
يصير له، قليلًا أو كثيرًا جيدًا أو دنيًا 500، قال محمد: إلا أن تكون متساوية يشبه بعضها بعضًا، وفي موضعها ومما يصح أن يقسم بالقيس 501، فيجوز البيع.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 502: اتفاق مثل هذا 503 لا يوجد، وإن باع الشريك جميع الحائط صفقتين: النخل ثم الأرض، أو الأرض ثم النخل، أو كانا شريكين في دار فباعا 504 جميعها صفقتين النقض ثم الأرض، أو الأرض ثم النقض، فرد الشريك البيع في نصيبه- كان له أن يستشفع بنصيب شريكه من الأرض بالثمن قولًا واحدًا تقدم بيع الأرض أو تأخر.
واختلف في استشفاع النخل والنقض على ثلاثة أقوال، فأوجب ذلك له ابن القاسم تقدم بيعها 505 أو تأخر، وأن يأخذه بالثمن 506، وأسقط ذلك أشهب في كتاب محمد تقدم بيعها أيضًا أو تأخر 507، وقال محمد: إن تقدم البيع كانت له الشفعة، وإن تأخر فلا شفعة له، قال كالعين إن تقدم بيعها استشفعت، وإن تقدم بيع الأرض لم يستشفع 508.
واختلف بعد القول بثبوت الشفعة بماذا يستشفع، فقال ابن القاسم مرة: بالثمن، وقال مرة: بالقيمة، فقال: ها هنا بالثمن 509، ورأى أن القصد أن يلحق
الجزء: 7 - الصفحة: 3380
العقد الثاني بالأول، فصار كالعقد الواحد، وقال بعد ذلك في الدار تباع، والنقض صفقتين يستشفع بالقيمة قائما كأنه أحدثه وبدأه 510، قال سحنون في هذه المسألة: قلت: فلم لا تجعلها كالعقد الواحد، وهذا هو الصحيح، وقد اختلف عن مالك في مثل هذا إذا اشترى الرقاب ثم الثمار والرأس 511 ثم الخلفة هل يكونان كالعقد الواحد أو يكونان على عقدهما 512 عقدين فيكون في الثمار الجائحة، ويمنع استلحاق الخلفة، وإلى هذا ذهب أشهب أنهما عقدان 513، وهذا هو الصحيح؛ لأنّ العقد انبرم ولم يكن مفتقرًا 514 إلى ما يلحق به وإن تقدم بيع النخل فإلى المشتري 515.
الجزء: 7 - الصفحة: 3381
باب الشفعة في هبة الثواب
ومن وهب شقصًا للثواب كانت فيه الشفعة؛ لأنها بيع 516، ولا شفعة إلا بعد الثواب فاتت الهبة أو لم تفت، ولا يجب قبل الثواب وقبل الفوت؛ لأنَّ الموهوب له بالخيار بين التمسك أو الرد.
واختلف في الشفعة بعد الفوت وقبل الثواب، فقال ابن القاسم وعبد الملك: لا شفعة له حتى يدفع الثواب أو يقضى به عليه ويعرف، وقال أشهب وابن عبد الحكم: إذا فات الشقص وجبت فيه الشفعة 517، فالقيمة والشفعة إذا كان الثواب قبل فوت الهبة بمثله إن كان عينًا أو مما يكال أو يوزن قلَّ ذلك أو كثر، وإن كان عرضًا فبقيمته.
واختلف إذا كان الثواب بعد الفوت، فقال ابن القاسم وعبد الملك: يستشفع بالثواب إن كان عينًا وبقيمته إن كان عرضًا قلَّت القيمة أو كثرت 518 كالجواب الأول، إذا كانت الهبة قائمة.
وقال أشهب في كتاب محمد: يستشفع بالأقل من قيمته أو قيمة الهبة 519؛ لأنَّ الثواب عنده من العين، ولا يجبر الواهب عنده على قبول العرض، فإن كانت قيمة الشقص أقل لم يكن عليه غيرها، وكان دفعه العرض بيعة ثانية، وإن كانت قيمة العرض أقل لم يكن عليه غيره، وكان بمنزلة من دفع عرضًا عن
الجزء: 7 - الصفحة: 3382
دين فيه هضيمة من الدين، فإنه لا يبيع مرابحة بذلك الدين، والقياس أن يستشفع بالأكثر من قيمة الهبة أو قيمة الثواب، فإن كانت قيمة الثواب أكثر قال هذا الذي كان يرجو مني، ولمثل هذا وهب، ولولا ذلك لم يهبه ولباعه في السوق، وإن كانت قيمته أقل، قال: إنما 520 أخذ ذلك بدينه علي وهي القيمة ولولا ذلك لاستوفيت 521 منه القيمة عينًا، إلا أن يعلم أن الموهوب له ملك، وأنه أخذ ذلك على وجه التخلص منه، أو يرى أن قيمته أقل بالشيء الكثير مثل أن تكون قيمة الهبة مائة وقيمة الثواب عشرين، واختلف هل يستشفعه بعشرين أو يسقط 522 حكم 523 الشفعة ويغلب حكم الهبة بغير عوض، فالذي يوصي بشقص أن يباع من فلان بعشرين وقيمته مائة وعكسه إن وهب عبدًا فثاب 524 شقصًا، فإن كان الثواب قبل فوت العبد استشفع بقيمة الشقص قلت أو كثرت، ويختلف إذا كان الثواب بعد الفوت، فقال 525 ابن القاسم: يستشفع الشقص بقيمته، وعلى قول أشهب يستشعفه بالأقل من قيمة العبد أو قيمة الشقص 526، والقياس أن يستشفعه بالأكثر من قيمة الشقص أو قيمة العبد.
الجزء: 7 - الصفحة: 3383
باب الشفعة في بيع الخيار
ولا شفعة فيما بيع على خيار حتى يقبله مشتريه، وعلى ما ذهب إليه بعض الناس أن الشفعة تجب قبل البيع 527 إذا كان الخيار للمشتري؛ لأنَّ البيع انعقد من ناحية البائع بخلاف أن يكون الخيار للبائع، وإذا كانت دار الرجل فباع نصفها من رجل بالخيار ثم باع النصف الآخر من آخر بتلا ثم قبل المشتري بالخيار كانت الشفعة عند ابن القاسم لمشتري الخيار على مشتري البت 528، ورأى أنه إذا قبل لم يزل 529 منعقدًا من يوم اشتراه وقيل: الشفعة لمشتري البت على مشتري الخيار 530، وهو أحسن؛ لأنه كَلَا عقدٍ حتى يمضي، وضمانه من بائعه وغلاته له حتى يمضي، وإن كانت الدار بين رجلين فباع أحدهما نصيبه على خيار ثم باع الآخر نصيبه بتلا كانت الشفعة عند ابن القاسم لمشتري الخيار على مشتري البت، وعلى القول الآخر الشفعة لمشتري البت على مشتري الخيار، وهذا الجواب فيما بين المشتريين 531.
الجزء: 7 - الصفحة: 3384
واختلف في البائعين، فقيل: لا شفعة لهما؛ لأنَّ كل واحد منهما باع النصيب الذي يستشفع به، وقيل: الشفعة قائمة، فتكون الشفعة لمن باع على البت على مشتري الخيار؛ لأنَّ بيعه ناجز، وهذا على القول أن الخيار إذا مضى ينعقد من يوم بيع، وعلى القول الآخر الشفعة لمن باع بالخيار على من باع بالبت؛ لأنه إنما يراعى عليه يوم يتم والقياس ألا شفعة لمن باع ما يستشفع به.
الجزء: 7 - الصفحة: 3385
باب الشفعة في البيع الفاسد
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن اشترى شقصًا شراء 532 فاسدًا 533 لا شفعة فيه؛ لأنه يفسخ إلا أن يفوت بهدم أو بناء فيكون على المشتري بقيمته يوم قبضه، ويكون للشفيع الشفعة بما لزم المشتري، وبقيمة ما أنفق إذا كان قريبًا 534.
قال الشيخ -رحمه الله-: 535 ومن اشترى شقصًا شراء فاسدًا ثم قام شفيع فإنه 536 لا يخلو الشقص أن يكون قائمًا في يد مشتريه أو تغير بحوالة سوق أو بهدم أو بناء أو خرج عن يد مشتريه بعد أن فات بتغير سوق أو تغير في حاله 537 أو كان قائمًا لم يتغير بشيء، وقام الشفيع وهو قائم بيد المشتري أو فات أو خرج إلى يد الشفيع بشراء أو بشفعة قبل الفوت أو بعده فإن كان قائما بيد مشتريه والشراء فاسد نقض البيع فيه ولم يستشفع، وإن فات بهدم أو بناء كانت فيه الشفعة ويؤمر ألا يستشفع إلا بعد المعرفة بقيمة الشقص وبقيمة البناء.
واختلف إذا فات بحوالة أسواق، فقال مالك وابن القاسم: ليس ذلك فوتًا 538، وقال أشهب: ذلك فوت 539، ويستشفع، وإن استشفع الشفيع ذلك قبل
الجزء: 7 - الصفحة: 3386
الفوت على مثل البيع الأول رد أخذه، وهو بمنزلة من اشترى شراء فاسدًا وباعه بيعًا فاسدًا فإنه ينقض البيعتان، وإن فات عند الشفيع لزم المشتري قيمته يوم اشتراه، قال محمد: ويلزم الشفيع ما لزم المشتري إلا أن يكون أكثر مما أخذ له المشتري فيكون الشفيع مخيرًا إن شاء رد الشفعة، وإن شاء تمسك بها بتلك القيمة 540، يريد: يسقط الأخذ بالشفعة ويكون عليه قيمته يوم قبضه، وليس له أن يقبضه صحيحًا، ويرده مهدومًا إن كان فات بهدمه، وإن فات ببناء لم يكن عليه ولا له أن يرده مبنيًا، وهذا هو الأصل إذا كان العيب في الثمن كالمرابحة، وقيل: له أن يأخذه بقيمة ما اشتراه الأول؛ لأنه قد مرت حالة فات 541 فيها فلا يرد البيع الأول، وإن رد الثاني إلا أن يغرم المشتري الأول لمن باع منه القيمة قبل قيام الشفيع فيكون له أن يأخذ بالأقل من القيمة أو الثمن، وإذا أخذه الشفيع بثمن صحيح، وهو عالم أن البيع الأول كان فاسدًا كان ذلك فوتًا ولا شفعة له؛ لأنه رضي أن يشتري شراء صحيحًا ولا يأخذ بالشفعة، وإن استشفعه بثمن صحيح، ولم يعلم أن الأول كان فاسدًا كان الشفيع بالخيار بين أن يتمسك به بذلك الثمن ويكون 542 بيعًا حادثًا أو يرده، وإن لم يعلم بذلك حتى فات عنده بهدم أو بناء كان عليه بالأقل من القيمة؛ لأنها ثمنه أو الثمن الذي نقده به؛ لأنَّ المشتري رضي بالبيع، وإن باعه المشتري من غير الشفيع كان فوتًا في البيع الفاسد، وللشفيع أن يأخذ بالشفعة بالبيع الصحيح، وعليه يكتب عهدته، وليس له أن يأخذه بالقيمة عن البيع الفاسد؛ لأنَّ ذلك رد للبيع 543 الصحيح 544 والبيع الفاسد قائم فلا يستشفع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3387
باب في شفعة العبد والمكاتب والمعتق بعضه والعبد بين الشريكين والمرأة ذات الزوج
الشفعة للعبد هي كالحر 545، وإن كان غير مأذون له كان المقال فيها في الأخذ والترك لسيده، وإن كان مأذونًا له كان المقال فيها له ولسيده، فإن أخذ العبد أو ترك قبل نظر سيده في ذلك جاز، ولا مقال لسيده، وإن سبق السيد 546 فأخذ أو ترك مضى فعله، ولم يكن للعمد في ذلك مقال ما لم يكن عليه دين فينظر فيها فعل 547 السيد، فإن كان أخْذه فيه مضرة على الغرماء كان لكل واحد من العبد أو الغرماء رد مأخذه، وليس كذلك إذا ترك، فإنه لا مقال للغرماء كما لم يكن ذلك لهم مع الحر، وذلك للعبد أن يأخذ لتبرأ ذمته إلا أن يحجر عليه سيده التجر جملة، وإن ترك لم يكن ذلك، كما لم يكن ذلك لهم في الحر وهذا العبد.
والمدبر كالعبد إذا وجبت له 548 الشفعة في صحة السيد، فإن وجبت في مرضه فاتفق السيد والعبد على أخذ أو ترك كان الأمر على ما اتفقا عليه، وإن اختلفا كان الأمر إلى 549 ما قاله السيد من أخذ أو ترك إن صح، وإن مات كان الأمر على ما قاله العبد من أخذ أو ترك، وإن قام المشتري، ولم يرضَ بالصبر إلى صحة السيد 550 أو موته كان ذلك له، ويوقف الحاكم السيد والمدبر جميعًا
الجزء: 7 - الصفحة: 3388
إلى 551 أن يتفقا على أخذ أو ترك، وإن لم يتفقا أسقط الشفعة إلا أن يرى أن أمره لا يطول فيوقف اليومين والثلاثة، والجواب في 552 أم الولد مثل ما مضى في المدبر.
وأما المعتق إلى أجل فإن كان في حين وجبت له الشفعة غير مأذون له و 553 لم يقرب الأجل كان الأمر 554 إلى سيده، وإن قرب وصار إلى موضع لا ينتزع ماله لم يكن لسيده الأخذ ولا الترك والأمر للعبد 555.
وأما المكاتب فالأمر إليه في الأخذ أو الترك دون سيده، وإن لم يأخذ ولم يترك حتى عجز قبل تمام السنة كان الأمر إلى سيده فيما بقي من السنة، وكذلك الشفعة تورث فإن مضى البيع دون السنة ثم مات الشفيع كان لورثته 556 تمام السنة 557.
وأما المعتق بعضه فإن كان مأذونًا له كان له أن يأخذ أو يترك، وإن كان غير مأذون له لم يكن له 558 الأخذ إلا باجتماع منهما 559، وإن اختلفا كان
الجزء: 7 - الصفحة: 3389
مردودًا، ولو كان عبد بين شريكين وجبت له شفعة، فاختلف الشريكان فأخذ أحدهما وترك الآخر (1).
فصل (2) [في شفعة المرأة ذات الزوج]
وإذا وجبت الشفعة لامرأة ذات زوج كان الأمر إليها دون زوجها في الأخذ أو 562 الترك، فإن تركت، وفي ذلك فضل لم يكن للزوج مقال في ذلك 563 لأنه لا يجبرها على التجارة، ولا على البيع ولا على 564 الشراء، وإن أخذت وفي ذلك محاباة، والثلث يحملها، جاز ذلك 565. واختلف إن كانت أكثر من الثلث، وقال مالك في المدونة: لا يجوز من ذلك قليل ولا كثير 566، وقوله هذا محتمل هل أراد جميع المحاباة أو جميع المبيع 567، والصواب في حق المشتري أن يؤخذ منه بجميع الثمن أو 568 يرضى أو يرد جميعه،560561
الجزء: 7 - الصفحة: 3390
ولا يؤخذ منه الشقص بدون الثمن للذي اشترى به، ويختلف إذا رضي المشتري بأن يسقط مقال الزوج في المحاباة على ثلاثة أقوال، فقيل 569: إذا أسقط من تلك المحاباة الزائد على ثلثها، جاز، وعلى أصل مالك، وابن القاسم إذا أسقط المحاباة كلها مضى، ولا يكون للمرأة ولا لزوجها مقال في رد البيع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3391
باب في الأب والوصي والمفاوض والمقارض (1) يبيع أو يشتري نصيبًا له فيه شرك
وإذا كانت دار بين رجل وولده، فباع الأب نصيب نفسه، كان له أن يستشفع نصيبه لولده، وإن باع نصيب ولده، كان له أن يستشفعه لنفسه 571، وكذلك الوصي يكون شريكًا لمن يلي عليه، فإن باع نصيب نفسه كان له أن يستشفعه بحق لمن يلي عليه، وإن باع نصيب من يلي عليه جاز 572 له أن يستشفعه لنفسه إلا أن ذلك بعد أن يرفعه إلى السلطان لما يتعلق بذلك من التهمة في أن يبيع نصيب الصغير ببخس ليستشفعه أو يواطئ 573 على بيع نصيبه بغلاء ليأخذه له، فإن فعل وأخذ 574 من غير مطالعة سلطان رفع إليه، فإن رأى سدادًا أمضاه، وإن وجد تهمة رد، والأب والوصي في ذلك سواء، وإن كانا متفاوضين في الرباع فباع أحدهما نصيبًا من دار 575 لم يكن للآخر في ذلك شفعة؛ لأن المبيع شركة بينهما، والباقي بينهما، ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن أخذ مالًا قراضًا فاشترى به شقصًا 576 من دار هي شركة بين البائع، وبين صاحب المال إن لصاحب المال في ذلك الشفعة، وإن كانت شركة بين البائع والعامل بالقراض570
الجزء: 7 - الصفحة: 3392
كانت للعامل الشفعة 577، وقيل: لا شفعة للعامل، وهو أبين إذا قال العامل اشتريت للقراض، وهو عالم بوجوب الشفعة للشريك؛ لأنَّ ذلك إقرار منه أنه قد 578 قصد طلب الربح والتنمية والشفعة بمثل رأس المال فهي خلاف ما اعترف به، وإن كان ممن يجهل الحكم بالشفعة فأعلم بذلك بعد الشراء حلف وكانت الشفعة له، وإن قال: قصدت بالشراء لنفسي، وتعديت على المال كان لصاحب المال أن يباع له، ويأخذه من ربحه، وهذا هو الحكم في كل من أخذ مالًا ليتجر به لصاحبه فتعدى وتجر به لنفسه أن الربح لصاحب المال إلا أن يكون متى بيع لم يكن فيه ربح أو كان فيه خسارة فيترك ولا يباع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3393
باب فيمن غصب عبدًا أو دراهم فاشترى بها شقصًا
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن غصب عبدًا فاشترى به شقصًا فلا شفعة في الشقص إن 579 كان العبد قائمًا، فإن فات حتى تجب فيه القيمة ففيه الشفعة بقيمة العبد يوم اشترى به الشقص، وإن غصب دراهم فاشترى بها شقصًا، كانت فيه 580 الشفعة للشفيع 581؛ لأنها إذا استحقت غرم مثلها، ولم ينقض البيع 582. قال الشيخ -رحمه الله-: أما العبد فإنه لا يخلو أن يكون في 583 حين قيام الشفيع 584 قائمًا أو فائتًا بحوالة أسواق أو تغير في نفسه أو خرج عن يد مشتريه بموت أو بيع أو هبة، فإن كان قائمًا أو تغير سوقه أو تغير في نفسه 585 بزيادة أو نقص لم يكن في الشقص شفعة، والشفعة حينئذ تمتنع 586 لحق المشتري والبائع 587، فالمشتري 588 يقول: ليس له أن يستشفع لأن صاحب العبد على أحد أمرين: إما
الجزء: 7 - الصفحة: 3394
ألا يجيز فيأخذ الشفعة 589 أو يجيز فعليه يُثبتُ 590 للعهدة، وأما البائع فيقول: أنا أمنعه من أن 591 يستشفعه؛ لأنه إن أخذ مني العبد رجعت في الشقص، وكل هذا متمكن مع وجود عين العبد فإن غرم أو 592 حدث به عيب أو حال سوقه، وإن فات 593 بموته كانت في الشقص 594 شفعة بقيمة العبد؛ لأنَّ المغصوب منه لا يختار إلا إجازة البيع 595، ولا يختار أن تكون مصيبة العبد منه، وينقض البيع فيه، وإنما هو على أحد أمرين: إما أن يضمنه قيمته يوم الغصب فيتم البيع في الشقص، وتكتب العهدة على الغاصب، وإن أجاز البيع كتبت العهدة على 596 المغصوب منه فتوقف القيمة الآن؛ لأنها ثمن العبد، فإن أجاز السيد البيع أخذها، وإن ضمن كانت القيمة للغاصب وعليه القيمة يوم الغصب، والشفيع يأخذ بقيمته يوم اشتراه 597 وعليه 598 لصاحبه أكثر القيمتين، وإن قتل 599 العبد
الجزء: 7 - الصفحة: 3395
فكانت قيمته يوم قتل 600 أكثر من قيمته يوم غصب ويوم بيع عاد الجواب إلى ما تقدم إذا كان قائمًا؛ لأنَّ الغالب أن 601 يختار الأكثر، وهي القيمة يوم القتل، وذلك نقض للبيع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3396
باب إذا قال المشتري بنيت أو أصلحت
ومن المدونة: وإذا قام الشفيع على المشتري فقال المشتري: بنيت هذا البيت، وكذبه الشفيع لم يصدق المشتري إلا أن تشهد له بينة بذلك 602. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن ينظر في ذلك البيت، فإن كان قديمًا، لم يصدق، وإن كان جديدًا، صدق إذا قال للشفيع: إنه قديم، وإن قال: بنيته معك 603 صدق الشفيع؛ لأنهما شريكان، وأيديهما جميعًا على الدار فلا يصدق أحدهما أنه بناه دون الآخر، وإن أشكل الأمر هل هو قديم أو جديد 604، وقال الشفيع: إنه قديم قبل شرائك صدق مع يمينه؛ لأنه يدعي استصحاب الحال إلا أن يقول: إنه كان بنى 605 لوقت متقدم لا يشبه أن يكون بناه إلا بعده فلا يصدق.
الجزء: 7 - الصفحة: 3397
باب فيمن وهب شقصًا أو تصدق به لغير الثواب
اختلف قول مالك هل في ذلك شفعة أم لا 606؟ وأن لا شفعة أصوب، ولا يستحق على رجل ملكه إلا في موضع جاءت فيه السنة وهو البيع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ" 607، ولا يتصور مثل ذلك في الهبة، فإن أثاب الموهوب له عن تلك الهبة فلا شفعة فيها فلم يرَ فيها شفعة؛ لأنَّ العوض تطوع فلا تنقل الهبة عن أصلها إلا أن يقوم دليل على أنهما عملا على ذلك، قال محمد فيمن وهب شقصًا للثواب، ثم ترك الواهب الثواب لموضع الشفعة: فلا شفعة إلا بعد دفع الثواب 608، يريد: أن الشفعة إنما تجب بعد معرفة الثواب فيأخذ به أو يدع، فإذا أسقط الواهب العوض لم يستحق الواهب 609 الشفعة بجهل 610 العوض.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كانت الهبة قائمة، فالقول صحيح، وكذلك 611 إذا فاتت 612 على أصل ابن القاسم، وأما على قول أشهب فإنما يستحق القيمة 613،
الجزء: 7 - الصفحة: 3398
فإذا كانت الهبة لغير ثواب فأراد الشريك أن يحلف الموهوب أنهما لم يُسِرَّا بيعًا لم يحلف (1) إلا أن يكون ممن يتهم.
وقال مالك في المجموعة: فإن رأى أنها لثواب؛ لأنه محتاج وهب لغني أحلف الموهوب له، وإن كانت على صغير أحلف أبوه، وإن كان في غنى عن الثواب، وإنما كانت لقرابة أو لصداقة فلا يمين، وإن لم تكن قرابة ولا صداقة (2) ولا حاجة به (3) إليهم، فاليمين (4) في ذلك (5)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في رجل له دار فتصدق بنصفها، وباع النصف في مجلس واحد: فإن بدأ بالصدقة كانت الشفعة للمتصدق عليه، وإن كان في كلام واحد، وإن بدأ بالبيع فلا شفعة، وإن قال: كنت تصدقت وبعت فلا شفعة، ولا ينظر إلى ما بدأ به (6)، ولا يقبل قوله (7).
فصل (8) [في الدار تكون بين رجلين فيبيع أحدهما طائفة منها]
وإذا كانت دار بين رجلين فباع أحدهما طائفة لنفسه بعينها، كان شريكه بالخيار بين خمسة أوجه: بين أن يمضي للمشتري ما باع الشريك 622 ويكون له ما614615616617618619620621
الجزء: 7 - الصفحة: 3399
لم يبع 623 بلا شركة 624 أو يجوز 625 البيع في الطائفة المبيعة، ويكون الثمن بينهما أو يرد البيع في نصيبه، ولا يستشفع نصيب شريكه أو يستشفع، 626 أو يدعو إلى المقاسمة، فإن صارت الطائفة المبيعة إلى البائع مضى البيع فيها، وإن صارت للآخر كان بالخيار في إجازة البيع أو رده، وإن صار بعضها عند من لم يبع فأجاز له البيع مضى البيع، وإن رد البيع في نصيبه كان للمشتري أن يرد البيع فيما بقي في يديه إلا أن يكون الذي رد الشريك البيع فيه أيسر الطائفة فلا يكون له أن يرد للباقي 627.
واختلف إذا قال البائع: ليس لك أن تبقي ما لم تبع شركة، وتشاركني في المبيع ولكن قاسمني فيصير ذلك لي أو إليك، فقيل: لا مقال له في ذلك، والمبدى الشريك الذي لم يبع حسب ما تقدم، وقيل: ذلك له، وهو أحسن؛ لأن كون ما لم يبع شركة ضرر عليه، وإنما رضي أن يكون ذلك على وجه المقاسمة، فإما رضي بإمضاء ذلك أو برده ويرجعان إلى المقاسمة.
= أو)، وفي (ق 7): (يمضيها للمشتري والشريك).
الجزء: 7 - الصفحة: 3400
فصل [في حبس أحد الشريكين نصيبه في دار ثم يبيع الثاني هل للأول الأخذ بالشفعة؟]
وقال مالك في دار بين رجلين 628 حبس أحدهما نصيبه منها على رجل وعلى عقبه ثم باع الآخر نصيبه فأراد الذي حبس أن يأخذ بالشفعة، قال: ليس ذلك له؛ لأنه ليس له أصل يستشفع به إلا أن يأخذ ذلك ليجعله في مثل ما جعل الأول، قال: وليس للذي حبس عليهم أن يأخذوه بالشفعة؛ لأنه لا أصل لهم 629، وقد قيل: إنه لا شفعة للمحبس، وإن أراد أن يجعله في مثل الأول، وهو أقيس؛ لأنه لا أصل له، وإذا كان قد سقط ملكه بالتحبيس، وكانت الشفعة ساقطة لم يكن له أن يتطوع بإخراج الثمن لينتزع ملك 630 من لم يكن له عليه حق في الانتزاع، وهو بمنزلة من أعتق شركًا له 631 في عبد وهو معسر، وأراد آخر أن يتطوع بدفع القيمة ليستكمل العتق ولم يأمره المعتق بذلك، فإنه لا يقبل ذلك منه، ولو كان الحبس على معينين جرت على قولين، فعلى قول مالك إنه لا يرجع بعد انقراض المعينين إلى المحبس- يعود الجواب إلى ما تقدم، وعلى القول إنه يرجع ملكا له 632 يكون له أن يستشفعه، وإن لم يلحقه بالحبس، وهذا الجواب في 633 الشفعة، وأما جواز الحبس فإن كانت الدار تحمل القسم جاز الحبس؛ لأنه
الجزء: 7 - الصفحة: 3401
لا ضرر على الشريك في ذلك إن كره البقاء على الشركة- قاسم، وإن كانت لا تنقسم كان له أن يرد الحبس للضرر الذي يدخل عليه في ذلك 634 لأنه لا يقدر على البيع بجميعها، وإذا فسد فيها شيء لم يجد من يصلح معه، وإن كان علو لرجل والسفل لآخر فحبس صاحب السفل كان لصاحب العلو أن يرد تحبيسه لأنه إن فسد منه شيء لم يجد من يصلح له، ومن حقه أن يحمل له علوه السفلي، وإن حبس صاحب العلو كان للآخر أن يرد ذلك للضرر متى وهَي فقد يسقط منه ما يفسد سفله، ولو كان الحبس في شرك من حائط كان الجواب على ما تقدم في الدار ينظر هل تنقسم أم لا؟.
تمَّ كِتابُ الشُّفعةِ مِن التبصرةِ،
والحمدُ للهِ حقَّ حَمْدِهِ
الجزء: 7 - الصفحة: 3402