التبصرة للخميكتاب إرخاء الستور
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172)

الجزء: 6 - الصفحة: 2479

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبة وسلم

كتاب إرخاء الستور

باب في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر وقبله في النكاح والغصب

وإذا خلا الزوج بزوجته ثم طلقها، فإنهما لا يخلوان من أربعة أحوال 1: إما أن يتصادقا على المسيس، أو على نفيه، أو يختلفا فيه 2، فتدعي ذلك وينكره، أو يدعيه وتنكره 3. ويتعلق بالمسألة ثلاثة حقوق: حق لها، وحق له، وحق لله سبحانه، فحقوقها أربعة: إكمال الصداق، والسُّكنى، والنفقة، والإحلال.
وحقوقه ثلاثة: الرَّجْعَة، وقبول قوله في دفع الصداق، وفي سقوط نصفه.
وحقوق الله تعالى العدة والإحصان والإحلال.
فالإحلال حق الله تعالى، لنهيه عن الرجوع إلى الأول حتى تنكح زوجًا غيره، وحق لها إن ادعت ذلك؛ لأنها ممنوعة قبله من الأول.

الجزء: 6 - الصفحة: 2481

فصل [فيما يُستحق به الصداق]

فأما الصداق فيُستحق إذا تصادقا على المسيس، ويستحق إذا انفردت بدعوى الإصابة، وذلك بشرطين: أن تكون ثَيِّبًا، والخلوة خلوة البناء، ولا خلاف في هذا القسم، واختلف في خمس مسائل: أحدها: إذا كانت بكرًا، هل تصدق أو ينظر إليها النساء؟ والثاني: إذا كانت خلوة زيارة وهي بكر أو ثيب.
والثالث: إذا اعترف بالإصابة وأنكرت.
والرابع: إذا تصادقا على نفي المسيس، وهي سفيهة أو صغيرة أو أَمَةٌ.
والخامس: إذا باشر ثم عجز عن الإصابة.
فأما البكر فقال مالك مرة 4: هي كالثيب يقبل قولها إذا كانت خلوة بناء 5. وروى عنه ابن وهب، وإسماعيل بن أبي أويس: أنه قال: لا تصدق 6 وينظر إليها النساء، فإن كانت بكرًا صدق عليها، وإن رأين أثر افتضاض صُدقت 7. وهو أحسن؛ لأن وجود البكارة دليل له، وعدمها دليل لها.
واختلف عنه إذا كانت خلوة زيارة على أربعة أقوال: فقال مالك 8 في المدونة: إن كانت الخلوة عند أهلها صُدِّق، وإن كانت عنده صُدِّقَت 9.

الجزء: 6 - الصفحة: 2482

وقال في كتاب محمد: القول قولها حيث ما أخذهما الغلق (1). وقال فضل: قال (2) عيسى بن دينار: القول قوله مع يمينه في خلوة الزيارة حيث كانت، في أهله أو في (3) أهلها.
والرابع: يُقبل قولها إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا نظر إليها النساء، وبه أخذ في البكر، وإن كانت ثيبًا كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه يدعي استصحاب ما كانت الخلوة له؛ لأن الاجتماع لم يكن لتَسْلَم هي، ولا ليقبض (4) هو، فمن ادعى خلاف (5) ما كانت الخلوة له لم يصدق، إلا أن تكون الخلوة عندهم (6) ليصيب فيقبل قولها، أو تكون بكرًا فينظر إليها النساء.

فصل [فيما يلزم الزوج في اعترافه بالمسيس]

وإن اعترف بالمسيس وأنكرت كان قد أقر لها بالصداق، فإن كانت ثيبًا كانت بالخيار في أخذه أو تركه، ومن حق الزوج ألا تأخذه إلا أن تعترف بالإصابة لحقه في الولد وغير ذلك.
واختلف في البكر، فقال عبد الملك وأصبغ في ثمانية أبي زيد: هي كالثيب، وهي بالخيار أو وليها.
وقال مطرف: لا خيار لها، وعلى وليها قبض ذلك، وهو أحسن إذا كانت خلوة بناء 16.101112131415

الجزء: 6 - الصفحة: 2483

وإن كانت خلوة 17 زيارة لم تأخذه إلا أن تصدقه لاتفاق عبد الملك ومطرف على سقوط العدة في خلوة الزيارة، وإن ادعى الإصابة.
وبسقوط العدة احتج عبد الملك؛ لأنه 18 يستحيل أن تكون صادقة كاذبة في حال واحدة، فتكذب 19 في أنه لم يصب وتعطي الصداق، وتصدق 20 في أنه لم يصب وتتزوج بالحضرة من غير عدة.
ومن حق الزوج ألا يؤخذ منه الصداق إلا أن تصدقه فتحبس عن الأزواج لحقه في الولد، وعلى القول الآخر: ينظر إليها النساء 21، فإن كانت قائمة العذرة 22 صُدِّقت ولم تمنع الأزواج ولم يكمل 23 لها الصداق، وحمل قول الزوج على الضرر بها ليمنعها 24 الأزواج، أو ليملك الرجعة.
وإن كانت ذاهبة العذرة صُدِّق وأكمل لها 25 الصداق، ومنعت الأزواج حتى تعتد، ويلزم مَن أسقط العدة في خلوة الزيارة في بيته -إذا قالت: لم يُصب، وأقر هو بالإصابة- أن يقبل قوله إذا قال: لم أصب، وإن ادعت ذلك؛ لأن الوجه 26 عندهما في سقوط العدة أن الخلوة لم تكن لتسلم نفسها، فكذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 2484

هو يقبل قوله؛ لأنه لم يدخل على قبض المبيع، فإن قيل: إنما قبل قولها إن ادعت الإصابة؛ لأنه الغالب.
قيل: فكذلك يقبل قوله إذا ادعى الإصابة، فتحبس عن الأزواج ويملك الزوج (1) الرَّجعة، بل قوله أرجح؛ لأنه مقر على نفسه أنه فعل ما الغالب أنه يفعله، فكان إقراره أقوى من دعوى غيره عليه، فإذا لم يصدق هو في الرجعة لم تصدق هي عليه ولم يكمل لها صداق.

فصل [في دعوى عدم الإصابة، ومتى تصدق؟]

وإن تصادقا على أنه لم يصب صُدِّقت إذا كانت حرة رشيدة، وسواء كانت خلوة زيارة أو خلوة 28 بناء، وتصدق إذا كانت سفيهة، أو صغيرة، أو أَمَة والخلوة خلوة زيارة 29. واختلف إذا كانت خلوة بناء، فقيل: تصدق ولها نصف الصداق 30. وذكر عن سحنون أنه قال: لا تُصَدَّق؛ لأنها تسقط ما وجب لها 31. والمسألة على أربعة أوجه: فإن كانت بكرًا صدقت إذا كانت على البكارة، ولم تصدق إن كان أثر افتضاض.
وإن كانت ثيبًا وأطال المكث لم تصدق، إلا أن يثبت أنه عجز، وإن لم يطل مكثه وقرب وأشكل الأمر صُدِّقت؛ لأن الستر 32 شاهد مع الدعوى.27

الجزء: 6 - الصفحة: 2485

فصل [في ثبوت عجزه عن الإصابة]

واختلف إذا عجز عن الإصابة على أربعة أقوال: فقال مالك في المدونة: لها النصف إلا أن يطول مقامه واستمتاعه بها، وتمر لها سنة كامرأة العِنِّين 33. وقال مالك في كتاب محمد في العِنِّين: إن ضُرِبَ له 34 الأجل بقرب الدخول، فلها النصف، وإن طال مكثه قبل ضرب الأجل فلها الجميع 35. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لها النصف وإن طال مقامه معها 36. وذكر ابن القَصَّار عن مالك أنه قال: لها الجميع إذا عجز وإن لم يطل مقامه معها 37. قال: وهو قول عمر وعلي وزيد بن ثابت، ومعاذ، والزهري، والأوزاعي، وقال عمر - رضي الله عنه -: "ما ذَنبُهُنَّ إنْ جاءَ العَجْزُ مِن قِبَلِكُمْ" 38. وأرى لها النصف، وتعاض من تمتعه بها، والذي يقتضيه القرآن أن لها النصف إن طلقت قبل المسيس، والجميع إن طلق بعد المسيس الذي هو الجماع، فإذا كشفها واطلع عليها 39 واستمتع، كان ذلك وجهًا ثالثًا 40 فوق ما

الجزء: 6 - الصفحة: 2486

تستحق به النصف، ودون ما تستحق به الجميع، فلها أن تأخذ العوض عنه.
فإن كان الصداق عبدًا، أو ثوبًا، استحقت نصفه بالعقد، وزيدت لمكان الاستمتاع بها 41، وإن هلك عندها لم ترد 42 شيئًا، وإن كان شوارًا أو دنانير فاشترت بها شوارًا، كان لها نصفه، وزيدت لمكان الاستمتاع إن كان قائمًا، وإنانتفع به فانتقص لذلك وبقي منه قدر النصف لم يرجع هو فيه بشيء، فكذلك إن بقي منه زائدًا على النصف بقدر ما يرى أنه يجب لمكان الاستمتاع.
وقال مالك في كتاب المدنيين: إذا طال مكثه وأخلقت ثيابها ومضى 43 الصبغ، ورثَّ المتاع 44، كان لها الجميع؛ لأنها إن صُرفت 45 إلى نصف ما بقي لم يكن فيه وفاء بالنصف لما أخلق زوجها من ذلك مع الذي كشف منها واطلع عليه 46. يريد، أنه لو طلق قبل أن يصير إليها كان لها 47 النصف موفرًا، فلما بنى بها استهلكته في طيب وفيما كانت في غنىً عنه، وانتفع هو به في غطاء ووطاء، فخلُق بانتفاعه معها فلو جعل لها نصفه رجعت عليه بقدر ما أتلف من ذلك النصف، ولتعوض باستمتاعه 48 بها، فجعل متاركتها 49 في ذلك صلاحًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 2487

فصل [في استحقاق الصداق في النكاح الفاسد]

النكاح الفاسد كالصحيح (1) فيما يستحق به الصداق من الخلوة والدَّعوى، إن ادعت ذلك، وأنكره (2) أو ادعى الإصابة وأنكرته، وكذلك إن كان العقد صحيحًا والإصابة فاسدة، أصابها وهي حائض، أو صائمة في رمضان، أو معتكفة، أو محرمة، أو ادعت أنه أصابها في ذلك وأنكرها، فقال في المدونة: القول قولها إذا كانت خلوة بناء (3). يريد: إذا كان ممن يُشبهه ذلك، وأما الرجل الصالح والمعروف بالخير فلا تصدق عليه في نهار رمضان ولا في الحيض إن اعترفت أنه علم بحيضتها قبل ذلك؛ لأنها ادعت ما لا يشبه، وإن كانت خلوة زيارة كان أبعد، إلا أن تكون بكرًا وُيرى أثر الافتضاض، فتصدّق من غير مراعاة لحال الرجل ولا لصفة الخلوة.

فصل [في الوطء الذي يجب به الصداق]

الصداق يُستحق بالوطء في القُبُل، واختلف إذا كانت الإصابة في الدُّبُر، هل تستحق به الصداق 53؟ وفيه نظر، وهو في البكر أبعد؛ لأن البكر يزاد في صداقها لمكان البكارة، فالقول قوله أنه لم يرض بذلك عوضًا عما بذل له من 54505152

الجزء: 6 - الصفحة: 2488

الصداق، ولا يقع به إحلال ولا إحصان، ولا يملك به رجعة، وإن أصابها بأصبعه وكانت ثيبًا لم تستحق به صداقًا.
واختلف في البكر يُذهب عذرتها بأصبعه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يكمل لها الصداق؛ لأنه فعله على وجه الافتضاض، ولها على الأجنبي في ذلك ما شانها، وقال أصبغ في الزوج: عليه ما شانها (1). وهو أحسن؛ لأنَّ فاعل ذلك يفعله سببًا ليتوصل إلى الاستمتاع عند العجز ليس أن يحسب (2) به إصابة، إلا أن يرى أنها لا تتزوج بعد ذلك إلا بما تتزوج به الثيب، فيكمل لها الصداق.
واختلف في المجبوب والحصور وما أشبه ذلك ممن لا يصل إلى الجماع، فقال المغيرة: إذا طالت المدة استحقت الصداق.
وقال (3): يكمل لها الصداق (4) وإن لم يطل، وهو قياد قول عمر - رضي الله عنه -: إذا عجز (5)، بل هو في هذا أبين.

فصل [في اختلاف الزوجين في دفع الصداق]

وإن اختلف الزوجان في دفع الصداق كان القول فيه مبنيًّا على صفة الدخول خاصة دون مراعاة المسيس، فإن كان دخول اهتداء كان القول قول الزوج مع يمينه أنه دفعه، وسواء تصادقا على المسيس أو على نفيه، ويرجع عليها بنصفه إن لم يمس؛ لأن الشأن ألا تكون تلك الخلوة إلا بعد دفع5556575859

الجزء: 6 - الصفحة: 2489

الصداق، وإن كانت خلوة (1) زيارة وتصادقا على نفي المسيس، كان القول قولها مع يمينها أنه لم يدفع ذلك إليها، وغرم النصف، فإن نكلت حلف ورجع عليها بالنصف.
واختلف إذا تصادقا على المسيس وادعى الدفع، فقال مالك في كتاب محمد: القول قولها مع يمينها وتأخذ الجميع، وقال أصبغ: القول قول الزوج (2). والأول أصوب، وليس خلوة الزيارة في هذا كخلوة البناء؛ لأن العادة في خلوة البناء أنها لا تكون إلا بعد دفع الصداق، والعادة في خلوة الزيارة أنها تكون قبل القبض، فلم يقبل قوله.
وإن اختلفا في الدفع والإصابة، فادعى الدفع وادعت الإصابة وهو دخول اهتداء، حلفا جميعًا ولم يرجع أحدهما على الآخر.
وإن كانت خلوة زيارة في بيته كان القول قولها عند مالك في الوجهين جميعًا، أنه أصاب وأنها لم تقبض، وإن كانت عند أهلها كان القول قوله في نفي الإصابة، والقول قولها في الصداق أنَّها لم تقبضه وتأخذ النصف (3).

فصل [في وجوب العدة]

العدة تجب في ثلاثة مواضع متفق عليها، واختلف في حالين، فتجب في خلوة البناء تصادقا على المسيس أو على نفيه، وفي خلوة الزيارة أيضًا 63 إذا606162

الجزء: 6 - الصفحة: 2490

تصادقا على المسيس أو اعترفت هي بذلك وأنكر (1). واختلف إذا كانت خلوة زيارة وتصادقا على نفي المسيس أو ادعى ذلك وأنكرته، فقال مالك وابن القاسم: عليها العدة للخلوة (2)، وقال مطرف وعبد الملك في ثمانية أبي زيد: لا عدة عليها.
وهو أبين؛ لأن الخلوة لم تكن ليصيب، وإذا كان ذلك حُمِلا على ما دَخَلا عليه حتى يَظْهَرَ خلافُهُ.
وأرى العدة إذا تصادقا على نفي الإصابة (3) مستحبة، فإن تزوجت قبل ذلك لم أفسخه، وإن ادعى الإصابة كانت واجبة وإن أنكرت، فإن تزوجت قبل ذلك فسخ؛ لأن دعواه شبهة له، وله حق في النسب إلا أن تكون بكرًا وترضى أن ينظر إليها النساء فتوجد قائمة البكارة، فلا عدة عليها.

فصل [في ثبوت الرَّجْعَة]

الرجعة تثبت إذا كانت الخلوة وتصادقا على الإصابة، وسواء كانت خلوة بناء أو زيارة، واختلف إذا انفرد بدعوى الإصابة، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا رجعة له 67. وحمل حكم الرجعة على حكم الإحلال ألا 68 يصح إلا باجتماعهما على الإصابة.
وقال محمد: الموضع الذي يقبل فيه قولها في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة والرَّجْعَة وفي دعواه دفع الصداق 69.646566

الجزء: 6 - الصفحة: 2491

والظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة 70 الزيارة، وأن 71 القول قولها ألا رجعة له في خلوة الزيارة 72؛ لأنها لم تدخل على التسليم ولا تثبت الرجعة باتفاقهما 73 على الإصابة إذا لم تعلم الخلوة من غير قولهما؛ لأنهما يتهمان في الاعتراف بذلك لتصح الرجعة.
والرجعة في النكاح الفاسد على ضربين، فما كان الحكم فيه أنه يفوت بالدخول تثبت فيه الرجعة كالنكاح الصحيح؛ لأنه بأول الملاقاة يفوت، وما كان 74 لا يفوت بالدخول لا يملك فيه رجعة.
واختلف إذا كان النكاح صحيحًا والإصابة فاسدة مثل أن يصيبها حائضًا أو محرمة أو في نهار رمضان، فقال ابن القاسم في العتبية: لا رجعة له 75، وعلى قول المغيرة و 76 عبد الملك له الرجعة؛ لأنه عنده وطء يحل ويحصن 77. وقد تقدم ذكر الإحلال في كتاب النكاح الثالث.

الجزء: 6 - الصفحة: 2492

فصل [في دعوى المرأة الغصب]

وإن ادعت امرأة على رجل الغصب، فإنها لا تخلو 78 من خمسة أوجه: إما أن تَشْهَد بينةٌ بمعاينة الوطء، أو على اعتراف الغاصب بذلك، أو على اغتصابه لها وغيبته عليها 79، أو تأتي متعلقة به تدمي 80 وتدعي أنه أصابها، أو تدعي ذلك عن يوم فرط.
فإن كانت الشهادة على معاينة الوطء لم تستحق الصداق بأقل من شهادة 81 أربعة؛ لأنها شهادة على زنا، فإن كان دون ذلك كانوا قذفة، وسقطت شهادتهم ورجع إلى دعواها وهل هي متعلقة به ولا يسقط دعواها لأجل سقوط الشهادة، بل هي زيادة في قوة دعواها 82. وإن كانت الشهادة على إقراره جاز في ذلك شهادة رجلين، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد 83؛ لأن الشهادة -وإن لم تتم في إقامة الحد عليه في أحد القولين- فإن الصحيح أن العدالة قائمة؛ لأنهما لم يشهدا على معاينة، وإذا لم تسقط العدالة قضي بها في المال.
وإن شهد واحد على اعترافه حلفت واستحقت وفيه اختلاف، وهو بمنزلة شاهد على السرقة، فإن الشهادة تتضمن مالًا واحدًا، فيحلف المسروق منه ويستحق المال ويسقط الحدُّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 2493

وإن شهد شاهدان 84 على معاينة غيبته عليها على وجه الغصب، كان القول قولها في الإصابة، واختلف في يمينها وألا تحلف أحسن إلا أن تكون بكرًا، فينظر إليها النساء.
وإن لم تكن بينة وأتت متعلقة به 85، فإنه يعتبر في ذلك ثلاثة أحوال 86: حال الرجل هل يشبهه ذلك؟ وحال المرأة هل هي من أشراف الناس أو دنيئة؟ والثالث: هل هي بكر أو ثيب؟ والجواب على هذه الحالات 87 ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فحالة تستحق الصداق ولا تُحَدُّ 88 لقذف الرجل، وحالة لا تستحق صداقًا ولا تحدُّ لقذفه، وحالة لا تستحق صداقًا وتُحدُّ له، وكيف تصرف الحال فيهما 89 فإن حدَّ الزِّنا ساقط عنهما 90، وإنما يتردد الأمر في الصداق وحدِّ القذف، فإن ادعت ذلك على من يعرف بمثل ذلك أو يشبهه وإن لم يعرف به، سقط الحدُّ عنها لقذفه، واختلف في الصداق، فإن ادعته على من لا يشبهه لصلاحه ودينه لم يكن لها صداق، واختلف في حدها لقذفه.
فأمَّا الصداق فإن ادعت الغصب على من هو معروف 91 بذلك أو 92

الجزء: 6 - الصفحة: 2494

تعلقت به، ففيه أربعة أقوال: فقال مالك 93 في المدونة: ينظر في ذلك السلطان ولم يوجب شيئًا ولا أسقطه 94. وقال في كتاب محمد: لها صداق المثل ولا يمين عليها بكرًا كانت أو ثيبًا، وقال أشهب وعبد الملك: لها الصداق بعد اليمين.
وقال ابن القاسم: لا صداق لها وإن أتت تدمَى ويؤدب الرجل أدبًا موجعًا، وذكر عن مالك مثله 95. وأرى إن كانت ممن لها القدر، وكانت بكرًا وأتت تدمي، أن تأخذ ذلك بغير يمين، وإن كانت ثيبًا أو بكرًا لا قدر لها أخذته بيمين، وإن كانت ثيبًا لا قدر لها ولا يعرها ذلك أن لا شيء لها، ويحلف المدعى عليه.
واختلف إذا نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء، فقال أشهب: لا شيء لها 96، وهذا مثل 97 أحد قولي مالك في الزوجة إذا أرخى الستر وادعت المسيس وهي بكر أنه ينظر إليها النساء 98 فيعمل على ما يقوله النساء.
وقال أصبغ: لا يُرجَعُ إلى قولهن 99. والأول أحسن؛ لأنه قد تبين كذبها بشهادة من يرجع إلى قولهن في أمور الفرج، ولأنها تتهم أن تلطخ نفسها بدم تستحق الصداق به وتلطخ من لا يشبهه ذلك، وقد يحملها على الدعوى من يريد أذى المدعى عليه إذا كانت لا قدر لها، وكذلك إذا تبين أنها ليست بحديثة الاقتضاض وأتت تدمى.

الجزء: 6 - الصفحة: 2495

واختلف في حدها إذا ادعت ذلك على الرجل الصالح على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب 100: لا تُحَدُّ لما بلغت من فضيحة نفسها، وقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: تُحَدُّ.
وقال أصبغ: إن جاءت تدمي لم تُحَدَّ، وفرَّق بين البكر والثيب 101. وهذا احسن إذا كانت ذات قدر؛ لأنه قام لها دليلان: بضعها 102 وشاهد الدم، وقام له هو دليل بحاله فتقابلت الأدلة، فدليلاها يسقطان الحدَّ ودليله يسقط الصداق.
وفي الثيب إشكال، وأرى إن كانت معروفة بالخير، ألا تُحَدَّ وإن كانت لا قدر لها ولا يعرها ذلك حدت، ولو كان الرجل ممن برز بالفضل والخير لحدت على أي حالة كانت من الموضع والقدر، فلو ادعت ذلك على مثل أبان أو سفيان الثوري لحُدَّت.
وإذا شهدت البينة على مُعاينة الإصابة ولم تتم الشهادة لنَقصِهم عن الأربع أو 103 كانت متعلقة به وقضي لها بالصداق، لم تُحَدَّ وإن كان ممن لا يشبهه ذلك؛ لأن الشهادة شبهة لها ما لم يكن ممن 104 برز في الفضل حسبما تقدم، فلا صداق لها، ولها شبهة في سقوط الحدِّ إذا كانت من أهل الخير.

الجزء: 6 - الصفحة: 2496

فصل [فيما إذا ظهر حمل قبل دعوى الغصب أو بعدها]

وإن أتت متعلقة برجل ثم ظهر بها حمل لأمر يشبه أن يكون عن تلك الدعوى- لم تحدَّ، وإن كان متقدمًا عن تلك الدعوى حُدَّت حَدَّ الزنا وحَدَّ القذف إن لم تكن حدت له، وقال ابن وهب وغيره: إن لم تكن ذكرت الغصب إلا بعد ظهور الحمل حدت حَدَّ الزنا 105. وأرى ألا تحدَّ؛ لأنها قد تريد سترًا ولا تفضح نفسها، وترجو السلامة من الحمل فإذا ظهر ذكرت سببه، فإذا ادعت مثل هذا من إرادة الستر كانت شبهة تسقط الحد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ" 106. وقال غير واحد من أهل العلم: قول عمر - رضي الله عنه - في إقامة الحدِّ بالحمل، أن ذلك إذا لم تدَّعِ الاستكراه، فإن ادعت الاستكراه لم تحدَّ لما روي عنه أن امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت، وقالت: كنت نائمة فما أيقظني إلا ورجل قد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى 107 الموسم وناس من قومها، فسألها، فأخبرته، وسأل أهلها عنها 108 فأثنوا عليها خيرًا، فما رأى عليها شيئًا وكساها وأوصى بها قومها خيرًا 109.

الجزء: 6 - الصفحة: 2497

باب في الرجعة، وبماذا تصح؟

الطلاق الرَّجْعِي: ما أُوقع بعد الدخول، ولم يكن معه فداء، ولم يستكمل في عددِه الثلاثَ إن كان الزوج حرًّا، أو الاثنين إن كان عبدًا، فإن انخرم أحدُ هذه الشروط الثلاثة لم يكن رجعيًا، والرجعة تصح مع بقاء العدة بأربع: بالنية والقول: راجعتك، أو ما يقوم مقامه، وبالنية والفعل، الوطء أو ما يكون من دواعيه، كالقبلة والمباشرة والملامسة، وأن تكون النية مقارنة للقول أو الفعل، فإن انفردت النية ولم يكن معها قول ولا فعل، أو عري القول أو الفعل من النية، كانت مسألة خلاف، فيختلف في الرجعة بالنية من غير نطق، قياسًا على الطلاق وعقد اليمين بالنية من غير نطق.
وقد اختلف قول مالك في ذلك، وقول محمد: ألا تصح رجعة 110 بالنية 111، فمبني على القول بمنع وقوع الطلاق بالنية.
واختلف في القول والفعل بغير نية، فقال أشهب في كتاب محمد: ليستا برجعة 112، وفرق في المدونة بين الوطء والقول، فأسقط ذلك في الوطء إذا كان بغير نية، وألزمه في القول إذا قال 113 راجعتك، ثم قال: كنت لاعبًا.
ولا بينة على قوله راجعتك، فهي رجعة 114، وهذا مبني على أحد قولي مالك أن هزل النكاح كجِده 115، وعلى رواية علي بن زياد عنه أن النكاح لا يلزم 116، لا تصح

الجزء: 6 - الصفحة: 2498

رجعته، وكذلك إذا خرج ذلك 117 القول على سبق اللسان بغير نية، فهو على الخلاف في الطلاق بمجرد اللفظ بغير نية.
وجعل الليث وابن وهب الوطء بغير نية رجعة، والقول أن لا رجعة في الوجهين جميعًا أحسن، ولا عمل ولا قول إلا بنية.
وإذا لم تصح الرجعة بمجرد النية، ثم أصاب بعد ذلك بغير نية، لم تصح الرجعة أيضًا إذا بعُد ما بين النية والفعل أو القول، إلا أن يُحدث نية عند الإصابة.
وقال محمد: إن نوى الرجعة ثمَّ قَبَّل أو باشر أو ضَمَّ، فإن فعل ذلك لمكان ما نوى، فهي رجعة 118. يريد ذلك 119 أصاب ساهيًا عن الطلاق المتقدم لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية، وقد اختلف في النية للطهارة هل من شرطها مقارنة الفعل أم لا 120 وإن قال: كنت راجعتك أمس صُدِّق إن كانت في العدة، وإن خرجت من العدة لم يُصَدَّق.
وقال مالك: وإن قال لها وهي في العدة: إذا كان غدًا فقد راجعتك، لم تكن له 121 رجعة 122، وقوله هذا محتمل أن يكون رأى أن الرَّجعة إلى أجل كالنكاح إلى أجل، أو أن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل، وقد قدم هذا النية اليوم لما ينعقد غدًا.
والوجه الأول أبين؛ لأن الطلاق وإن كان يفتقر إلى نية فقد أجمعوا فيمن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فدخلت بعد سنة من قوله لزم

الجزء: 6 - الصفحة: 2499

الطلاق، وإذا كانت هذه رجعة فاسدة على قوله ثم لم يُحدث رجعة ولا أصاب حتى خرجت من العدة، بانت.
وإن أصاب في العدة وهو يرى أن تلك الرجعة، كان وطؤه رجعة؛ لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسدًا، فإن حقه في الرجعة قائم، وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة.

فصل [في الرجعة في مدة تنقضي في مثلها العدة]

وإذا مضى للطلاق مدة تنقضي في مثلها 123 العدة، ولم يدر هل هي في العدة أم لا، فقال لها: قد راجعتك، فإن صمتت كانت 124 رجعة، وإن أنكرت وقالت: قد انقضت عدتي، صُدِّقت، وإن صمتت ثم أنكرت، أو أنكرت ثم قالت: كذبت ولم تنقضِ عدتي، لم تصدق فيما رجعت إليه، وإن قال الزوج بعد انقضاء العدة: كنت 125 راجعتك في العدة لم يصدق، وسواء صدقته الزوجة أو أكذبته إلا أن يكون له دليل على قوله بأن تشهد بينة بأنه كان يقول في العدة: أصبتها أو قَبَّلت أو ضاجعت فيصدق الآن أنه أراد الرجعة، وكذلك إن شهدت البينة أنه كان يبيت عندها.
قال محمَّد: يبيت عندها في بيت 126. قال ابن القاسم في كتاب المدنيين: وسواء مس أو لم يمس، فإنه يصدق أنه كان نوى الرَّجعة.
ورأى أن هذه الحال التي تقدمت شبهة، فلا يمنع منها، وتباح لغيره

الجزء: 6 - الصفحة: 2500

بالشك.
وإذا لم يأتِ بدليل ولا شبهة، سئلت الزوجة عن قوله أنه كان أصاب أو ارتجع، فإن أنكرت حلت للأزواج، وإن اعترفت لم تحل لغيره لاعترافها أن عصمة الأول باقية عليها، ويجبر على النفقة عليها إلا أن يطلق.
واختلف إذا أجرى النفقة، وقامت بالطلاق لعدم الوطء، فالمعروف من المذهب أن لا مقال لها؛ لأنه لم يقصد ضررًا، والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياسًا على أحد قولي مالك فيمن قُطِع ذَكَرُهُ بعد الدخول (1) والطلاق على المرتجع أبين؛ لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن قطع ذَكَرُه له فيها مُستمتَع بغير الإصابة، وإن أحب الزوج أن يعطيها ربع دينار، ويحضر الولي، جاز وله جبرها على ذلك.
وإن كانت أمة واعترف سيدها بارتجاع الزوج بعد انقضاء العدة لم يصدق السيد (2)، ولم يملك الزوج الرجعة.
قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يحب الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم، فتكون امرأته وإن كره السيد؛ لأنه اعترف أنها امرأته (3). يريدة ويجبر السيد على أن يعقد نكاحها منه.

فصل [في صحة الرجعة]

الرجعة تصح في النكاح الصحيح والإصابة الصحيحة إذا كان الطلاق بالطوع من الزوج، ليس بحكم أوجب ذلك عليه، وكذلك إذا كان فاسدًا مما الحكم أنه يفوت بالدخول فطلق بعد أن دخل، فإن كان مما يفسخ بعد الدخول127128129

الجزء: 6 - الصفحة: 2501

فطلق قبل أن يدخل أو بعد وقبل أن يفسخ، لم تكن فيه رجعة.
واختلف إذا كان النكاح صحيحًا، والإصابة فاسدة، كالذي يصيب في الحيض، أو في صوم رمضان، أو وهو محرم، أو وهي محرمة، ثم طلق فقال ابن القاسم في العتبية فيمن وطئ وهي حائض، ثم طلق بعد أن طهرت: لا رجعة له، قال: وهو بمنزلة من طلق قبل أن يبني؛ لأن ذلك الوطء ليس بوطء 130، ولا يقع به عنده إحلال ولا إحصان.
وقال ابن الماجشون: يحل ويحصن 131 فجعله كالحلال 132، فعلى هذا يملك فيه الرجعة، وإن أصابها في صوم تطوع أو في اعتكاف غير منذور، أو منذور في الذمة، كانت له الرجعة؛ لأن ذلك الصوم والاعتكاف قد بطل بأول الملاقاة، ولا يجب إمساك بقيته، فكان تماديه بمنزلة من ليس في صوم ولا اعتكاف.
وإذا كان الطلاق بحكم لعدم النفقة، أو لعيب به، جنون أو جذام أو برص، فأيسر أو ذهب العيب في العدة، كانت له الرجعة، وإن لم يذهب السبب الذي طُلِّق عليه به لم تكن له الرجعة إذا لم ترض الزوجة.
ويختلف إذا رضيت هل تصح الرجعة؟ وكذلك المؤلي يُطَلَّق عليه بالإيلاء، فلا تصح رجعته إلا بالإصابة 133؛ لأنه السبب الذي طُلِّق عليه من أجله.
واختلف إذا رضيت بالرجعة ولم يصب، فقال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة: لا تصح رجعتهما وإن رضيت.

الجزء: 6 - الصفحة: 2502

ولا تهدم عدة ثبتت بطلاق لمعنى، إلا بزوال ذلك 134 المعنى الذي طلقت له.
وقال ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سَنَةً، فقامت بحقها فطلق عليه بالإيلاء، فله أن يرتجعها.
قالوا: لأن لها أن تقيم معه بغير وطء إلى انقضاء السنة 135. فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة، وإن لم يرتفع السبب الذي كان الطلاق لأجله، وهو أحسن؛ لأن الطلاق كان 136 لحق آدمي في عدم النفقة وعدم الوطء ووجود العيب، فإذا رضيت بالرجعة مع وجود الأسباب التي كان الطلاق عنها صحت؛ لأنه حقها أولًا وأخيرًا، ومثله إذا حلف بالطلاق ألا يصيبها حتى يحج أو يفعل فعلًا لا يمكنه 137 البِرُّ فيه عند قيامها، فطلق عليه بالإيلاء، ثم ارتجع، فإن رجعته موقوفة على بِرِّه، فيفعل ما حلف عليه في العدة، فإن لم يبر لم تصح رجعته، ولم يمكن من الإصابة لعدم الوجه الذي يصح به فيئته 138، وهو فعل ما حلف عليه ليفعلنه، فإن رضيت برجعته صحت على ما ذكره ابن حبيب ولم تصح على قول سحنون.
ولم يختلف المذهب في الزوج يطلق زوجته اختيارًا ثم يرتجعها ولا يصيبها حتى تخرج من العدة أن رجعته صحيحة، وأن ليس من شرط الرجعة الإصابة في العدة 139.

الجزء: 6 - الصفحة: 2503

فصل [في صحة رجعة المحرم والمريض والعبد]

تصح الرجعة ممن لا يجوز له عقد النكاح كالمحرم 140، والمريض، والعبد 141، فإذا تزوج الحرم قبل إحرامه، ثم طلق في حال الإحرام، أو تزوج الآخر في الصحة، وطلق في المرض، جاز لهما أن يرتجعا في حال الإحرام والمرض، وكذلك العبد يتزوج بإذن سيده له أن يرتجع 142، وإن لم يأذن له سيده 143.

الجزء: 6 - الصفحة: 2504

باب في المعتدة تدعي انقضاء العدة أو تأخيرها

النساء في انقضاء العدة أو تأخيرها على الأمانة والتصديق ما لم يتبين كذبهنَّ، أو يأتين في ذلك بما لا يشبه، وهذا في فصلين من العِدَد، الحيض، والحمل 144. فأما مَن عِدتها بالشهور أو بالسنة، فهنَّ والرجال في معرفة انقضاء العدة سواء، فإن كانت عدتها بالحيض فادعت انقضاءها في مدة تنقضي فيه الأقراء الثلاثة في غالب النساء صدقت، وسقط حق الزوج في الرجعة، وحلت للأزواج، وإن كانت مدة قريبة لا تنقضي فيها العدة بحال لم تصدق، ومنعت من الأزواج، صدقها الزوج أو كذبها.
واختلف إذا كانت مدة تنقضي فيها العدة للنادر والقليل من النساء هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، سئل النساء فإن كن يحضن ويطهرن كذلك، صدقت 145. وقال في كتاب محمد: لا تصدق في شهر، وقال أيضًا: لا تصدق في شهر ونصف، وما أراها إلا عجلت، ومن أقل حيض النساء أن تقيم خمسًا، وإنما تقيم هذه طاهرة عشرًا حتى تحيض 146. فصدَّقها في القول الأول، وإن ادَّعت ما يكون نادرًا؛ لأن الأصل أنهن على الأمانة، ولم تدع ما يقطع بكذبها فيه، ولم يصدقها في القول الآخر؛ لأنَّ الأحكام إنما تتعلق بما يكون غالبًا دون النادر مع ما يتعلق بالزوجة من التهمة

الجزء: 6 - الصفحة: 2505

إذا كرهت الزوج، فتقصد الفرار بذلك، أو تعلم بأن رجلًا تعرَّض لنكاحها ورغبت فيه، وقد يرد قول العدل إذا عارض قوله تهمة.
وأرى أن تسأل هذه المرأة هل طلقت في أول الطهر أو في آخره؟ فإن قالت: كان الطلاق في آخر الطهر، واليوم رأيت الدم، كان ذلك أقرب لقبول قولها، وتُسأل أيضًا إذا ادَّعت النادر من عادات النساء هل ذلك عادتها قبل الطلاق أو كانت على الغالب من عادات النساء؟ فإن اعترفت أنها كانت على الغالب من (1) عادات النساء، ثم انتقلت بعد الطلاق إلى النادر، لم تصدق.
وإن ادعت أن هذه كانت عادتها قبلُ، وصدقها الزوج، صدقت ولم تمنع من الأزواج.
وإن قال: بل كانت عادتك على الغالب من النساء فذلك أشكل.
وأرى أن تمنع من الأزواج.

فصل [في دعوى الزوجة تأخر حيضها بعد الطلاق]

وإن ادعت أن حيضها تأخر، وقالت: لم أرَ بعد الطلاق دمًا، كان قولها على ثلاثة 148 أوجه 149: فتصدق إن لم يكن سمع منها قبل ذلك شيء إن كان زوجها حيًّا ولها النفقة وله الرجعة، وتصدق إن ادعت ذلك بعد موته إن كانت مرضعًا أو مريضة 150. واختلف إذا كانت صحيحة غير موضع، فقال مالك في كتاب محمد في147

الجزء: 6 - الصفحة: 2506

المطلقة تقيم سنة، ثم يموت زوجها، فتقول: لم أحض إلا حيضة: لم تصدق إن لم تكن ذكرت ذلك، وكانت غير موضع (1). وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضتها بعد الفطام بسنة، وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض، ولا تصدق إن كانت عادتها (2) قبل الطلاق على الغالب من عادة النساء، فادعت بعد الطلاق أن عادتها (3) انتقلت وصارت من سنة إلى سنة، فإن كان الطلاق بائنًا صدقت؛ لأنها معترفة (4) على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه، وإن كان الطلاق رجعيًّا وصدقها الزوج كانت لها النفقة، ولم أمكنه من الرجعة.
ويختلف إذا كذبها هل تصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة ورجاء الرجعة؟ وإذا لم تصدق في أحد قولي مالك في انتقال العدة إلى النادر في القرب، لم تصدق في انتقالها إلى النادر في البعد، وليس كذلك إذا قالت: لم أرَ حيضًا؛ لأن ذلك يمكن أن يكون لحمل، ولهذا كانت العدة إلى أن يمضي من الأمر ما يظهر فيه الحمل ولم يظهر.

فصل [في هل يرث الزوج زوجته بعد انقضاء عدتها المعتادة؟]

ويختلف إذا ماتت الزوجة 155 بعد مضي أمد عدتها المعتادة، هل يحمل على أنها كانت في العدة فيرثها زوجها؟ فقال مالك في كتاب المدنيين: إن ماتت بعد151152153154

الجزء: 6 - الصفحة: 2507

ثلاثة أشهر فادعى الزوج أنها كانت حاملًا فإنه يرثها، والبينة على من يريد أن يمنعه الميراث، وأنها لم تكن حاملًا، أو وضعت، أو أنها حاضت ثلاث حيض 156، أو أسقطت، إلا أن تكون اعتدت في منزله ثم تحولت إلى أهلها لانقضاء عدتها وذكرت ذلك، فلا ميراث له منها.
وقال في كتاب الاستبراء فيمن باع أمة بالبراءة من الحمل، وهو مقر بالوطء، ولم يستبرئ، فمضى لها بعد البيع قدر حيضة، قال محمد: وذلك قدر شهر انتقل الضمانُ، وكانت المصيبة من المشتري 157، فنقل الضمان وإن لم يعلم هل رأت دمًا أم لا؟ بل لو قال المشتري: لم تحض عنده لم يصدق.
فعلى هذا يحمل أمر المعتدة 158 إذا مضى قدر العدة على أنها رأت الأقراء، وبانت ولم يرثها.
وإن اختلف قولها فقالت: انقضت عدتي، في مدة تصدق 159 في مثلها، ثم قالت: كذبت ولم تنقض، لم تصدق ولم يكن لها نفقة إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا ميراث إن مات الزوج إلا أن يتبين صدقها 160، فإن قالت: أنا حامل، نظر إليها النساء فإن تحقق الحمل بالظهور أو بالحركة، كان لها النفقة في الحياة والميراث بعد الموت 161، وإن قالت أولًا: لم أرَ دمًا من يوم طلقتني.
ثم قالت: كذبت، وقد انقضت عدتي، كان الزوج بالخيار إن شاء صدقها في قولها أخيرًا 162، ولم يكن عليه نفقة، ومنعت من الأزواج؛ لأن العدة يتعلق بها حق

الجزء: 6 - الصفحة: 2508

للزوج وحق لله، ورضا الزوج لا يسقط حق الله تعالى في ذلك.
وإن كذبها وأخذ بقولها في الأول، كانت له الرجعة وعليه النفقة.
قال أشهب في المدونة: له الرجعة إلا أن يمضي من ذلك اليوم ما تحيض فيه ثلاث حيض 163. والجواب فيها على ثلاثة أوجه: فإن تمادت على قولها الآخر: كنت حضت ولم أحض بعد ذلك إلى الآن، كانت عدتها بالسنة من يوم الطلاق كالمرتابة، ولزوجها عليها الرجعة؛ لأنها تصدق في قولها الأول لم أحض.
ويسقط قولها كنت حضت؛ لأنها تبين كذبها فيه، وتصدق في قولها بعد ذلك لم أحض إلى الآن، فصارت بمنزلة امرأة قالت: لم أحض من يوم الطلاق إلى الآن.
وإن قالت: حضت بعد قولي الثاني ثلاث حيض -وذلك في مدة يحيض فيها غالب النساء -صُدقت، وإن كانت مدة لنادر من النساء لم تصدق؛ لأنها خرجت من الأمانة التي جعلت للنساء بما تبين من 164 كذبها أولًا وردت إلى الغالب، ولا تمنع هذه إلى تمام السنة كما منعت التي قالت: لم أحض 165. لأن هذه مصدقة في قولها رأيت الدم، غير مُصدقة في تقريبه، وتلك قالت: لم أرَ دمًا غير الأول الذي اختلف قولها فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2509

فصل [في معنى الأقراء]

الأقراء عند مالك: الأطهار 166، وليس من شرط الطهر أن يوقع الطلاق في أوله، فإن طلق في أخراه ولم يبق منه إلا ساعة، ثم رأت الدم أجزأ.
ومن شرط الطهر الآخر الاستكمال، ولا يجتزأ 167 بأوله، ولا يمضي معظمه حتى تستكمله، فتدخل في الدم.
واختلف إذا دخلت في الدم الثالث، فقال ابن القاسم: تحل بنفس الدخول فيه، وليس عليها التماس تماديه، وقال أشهب: أستحب ألا تعجل بالتزويج حتى يتمادى الدم؛ لأن المرأة ربما رأت الدم الساعة والساعتين، ثم ينقطع فيكون عليها الرجوع إلى بيتها، ولزوجها عليها 168 الرجعة حتى تعود إليها حيضة صحيحة 169. وروى ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى تعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة 170، وعلى هذا يرثها إن ماتت في أول الدم وقبل أن يعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة 171، فحمل ابن القاسم أمرها إذا رأت الدم

الجزء: 6 - الصفحة: 2510

على الغالب فيه أنه يتمادى وانقطاعه نادر، واستحسن أشهب التربص خيفة انقطاعه، فإن ماتت قبل ذلك حمل أمرها فيه على التمادي، ولم يرثها.
فإن مات الزوج 172 لم ترثه إن تمادى، فإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: كان انقطع الدم عني، وكان موته بأثر قولها ذلك -ورثته.
واختلف الصدر الأول ومن بعدهم في الأقراء، فذكر النحّاس في الناسخ والمنسوخ عن أحد عشر صاحبًا، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاذ، وعبادة، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري، وأنس، رضي الله عنهم أجمعين: أنها الحيض 173. وعن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، والضحاك، وابن سيرين، والشعبي، والحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، رضي الله عنهم أجمعين، مثل ذلك أنها الحيض، وبه قال من فقهاء الأمصار أبو حنيفة 174. وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها الأطهار 175. قال وقد 176: اختلف فيه عن ابن عمر، وزيد بن ثابت: هل هي الحيض أو الأطهار؟ وعن القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، ومالك 177، والشافعي 178، وأبي ثور: أنها الأطهار.

الجزء: 6 - الصفحة: 2511

ويجري في كثير من مسائلنا بأن يقال: عدة الحرة ثلاث حيض، والأمة حيضتان؛ لأن عدتها حيضة ونصف، على النصف من عدة الحرة، فتكمل حيضة؛ لأن الحيضة لا تنقسم، وهذا القول وإن كان خلاف المشهور من المذهب، فهو أقيس؛ لأن العدة جعلت طلبًا لما يدل على براءة الرحم، والذي يدل على البراءة 179 الحيض لا الطهر، ألا ترى أنها إن لم تره ما طلبت الدليل بمدة يظهر فيها الحمل، وهي ثلاثة أشهر، فعلم بذلك أن الذي يدل على البراءة الحيض وأنه المطلوب.
ومحمل حديث ابن عمر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ 180، ثُمَّ إِنْ شاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ 181، وَإِنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ سُبْحانَهُ أَنْ تُطَلَّقَ لها النِّساءُ" 182. أي لتعتد بحيض كامل، ولا يصح ذلك إلا أن تطلق في الطهر، ولو طلق في الحيض لم يحتسب به؛ لأنها لا تحتسب ببعض حيضة، ولأن العمدة في البراءة أول الحيض؛ لأنَّ المرأة قد تحمل إن أصيبت في آخره، فلم يكن براءة إلا أن يقع الطلاق في الطهر فتحتسب بالحيضة من أولها.

الجزء: 6 - الصفحة: 2512

باب ما تَكونُ المتعةُ فيه من الطلاق، وما تَسْقُطُ فيه

الزوجة تمُتَّع في الطلاق دون الوفاة، لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ.
. . .﴾ الآية.
والمتاع يصح بشروط، وهي: أن يكون الفراق بطلاق عن 183 نكاح صحيح أو فاسد فات وصار أمره إلى ألا يفسخ، وأن يكون الفراق بعد الدخول أو قبل ولم يتراضيا على تسمية، وألا يكون الطلاق برغبة من الزوجة.
ولا متاع لتسْعٍ: للمطلقة قبل الدخول إذا كان قد سمى صداقها، والمختلعة، والمفتدية، والمبارية، والملاعنة، والمعتقة تحت العبد 184 تختار نفسها، والتي ردت بعيب، والتي نكحت نكاحًا فاسدًا وحكم بفسخه قبل الدخول أو بعده، والتي نكحت نكاحًا صحيحًا فطرَأ ما يوجب الفسخ دون الطلاق 185. فلم تكن للمطلقة قبل الدخول -إذا سمى لها صداقًا- متاعٌ، لقول الله سبحانه في التي نكحت على تفويض: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
وفي التي سمى لها: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ ولأن المتاع تسلية لوحشة الفراق، فأمر من نكح على تفويض إذا لم يصل إليها شيء يكون فيه عزاء من فراقه بالمتاع، ولم يؤمر به من سمى؛ لأن المبيع باقٍ لها لم يتلف عليها شيئًا، فكان فيما تأخذه من نصف

الجزء: 6 - الصفحة: 2513

الصداق تسلية لذلك، ولم يكن للمختلعة ولا للمفتدية ولا المبارية متاع؛ لأن الفراق باختيارهن والزوج يقول: هي كرهتني ورغبت بنفسها عني فلا أمتع من جاء الفراق من سببه.
وقد تفعل ذلك رغبة في غيره.
وكذلك المعتقة لا متاع لها بل هي أبعد؛ لأن الفراق من قبلها، ولا سبب للزوج فيه، بل هو مُكْرَه على الفراق، ولم تكن متعة فيما حُكم بفسخه لفساده؛ لأن الفراق لم يكن بطوعه، بل هي مصيبة نزلت بالزوجين، وسواء كان فساده مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه؛ لأن الحكم بفساده يرفع الخلاف 186، وكذلك إذا كان صحيحًا فطرأ ما أوجب الفسخ، هي مصيبة نزلت بهما.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن اشترى امرأته، أو اشترت زوجها، أو تزوج أمها ودخل بها وهو لا يعلم: فلا متعة لها 187. والفسخ يطرأ على النكاح من أربعة أوجه: يسقط في ثلاثة، ويحسن أن يثبت في وجه، فيسقط إذا كان الفسخ لا سبب فيه لواحد من الزوجين، أو كان ذلك من سبب الزوجة خاصة، أو من سبب الزوج، وهو غير عالم أن فِعْلَه يوجب الفسخ، ويثبت إذا كان عالمًا أن فعلَه يوجب الفراق، فإن تزوج صغيرة على تفويض فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة له أخرى -لم يكن لها متاع؛ لأنه لا سبب لهما فيه.
ولو كان الرضاع بأمر الزوج رأيتُ لها المتاع؛ لأن الفراق كان 188 بقصْدِ من الزوج، وإن كان سمى لها صداقًا كان لها نصف المسمى، وقد مضى ذكر

الجزء: 6 - الصفحة: 2514

ذلك في كتاب النكاح الثالث 189، إذا تزوج الأم وهو غير عالم أو ارتد أن لها الصداق، وإن اشترت زوجها لم تمتع؛ لأن الفراق جاء 190 من قبلها وهو كاره، وإن اشتراها لم تمتع؛ لأنها باقية متعة 191 له، ولو اشترى بعضها متعها.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: للمخيرة المتعة بخلاف التي تعتق تحت العبد فتختار الفراق، وهذا صحيح لوجهين: أحدهما: قول الله عزَّ وجلَّ في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - أزواجه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28].
والآخر: أنها قد تختار الفِراق وهي كارهة، ولا ترضى بالمقام لما أظهر من اطراحها، وأن عليها في البقاء بعد التخيير ذلة إلا أن تكون هي المبتدئة والطالبة لذلك 192. ولم تمتع القائمة بالعيب يحدث بالزوج، ولا بعدم النفقة، ولا بما ينزل بالزوج 193 من جباب أو خصاء 194 فتطلق عليه؛ لأن كل ذلك باختيارها، ولو كان الطلاق عن 195 إيلاء، وهو قادر على الإصابة كان لها المتاع؛ لأن الامتناع منه، وهو مضار قاصد إلى الطلاق.

الجزء: 6 - الصفحة: 2515

فصل [في ثبوت المتعة وإسقاطها، وفي قَدْرِها، والقضاء بها]

وإن ارتجع الزوج في العدة لم يكن لها متعة، واختلف إذا لم تمتع حتى بانت ثم تزوجها، فالظاهر من قول ابن وهب وأشهب 196 ألا متعة لها؛ لأنه قال: المتعة عوض من الفرقة 197، فإذا ارتجع لم يكن عليه شيء، وإن لم يرتجع حتى طالت المدة أو تزوجت لم تسقط المتعة.
واختلف إذا ماتت، فقال ابن القاسم: لها المتعة وتدفع إلى ورثتها.
وقال أصبغ: لا متعة لها 198. والمتعة على قدر الزوجين من اليسارة والحال، لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. وقال ابن عباس: "أَعْلاها خادِمٌ، وَأَدْنَاها كُسْوَةٌ" 199. و"مَتَّعَ ابْنُ عُمَرَ خادِمًا" 200. و"مَتَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خادِمًا سَوْداءَ" 201.

الجزء: 6 - الصفحة: 2516

وفعل ذلك عروة بن الزبير 202، وإنما يراعى ما 203 فيه تسلية لمثلها من مثله 204. واختلف الناس في القضاء بها، فقال مالك: هي من الحق، ولا يقضى بها لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، و ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] 205. قيل: ولأن الواجبات مقدرة وهذه غير مقدرة، وقيل: هي واجبة ويقضى بها؛ لأنَّ هذين حق.
وعلى هذا تقتضي الوجوب، وقول الله سبحانه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا يخرجه عن الوجوب، وهو كقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. والمعنى لا شطط، ولا تقصير.

الجزء: 6 - الصفحة: 2517

باب في جواز (1) الخلع، ومنعه

يجوز للرجل أن يأخذ من زوجته مالًا على أن يطلقها، وعلى أن يمسكها فلا يطلق، والأصل في الأول قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، وفي الثاني قوله سبحانه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128] قالت عائشة - رضي الله عنها - وغيرها من أهل العلم: "ذَلِكَ فِي المرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنه عَنْها مِنْ دَمَائهٍ، أَوْ كبَرٍ، أَوْ سُوءِ خُلُقٍ فَتكْرَهُ فِراقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ صَداقِها حَلَّ لَهُ" 207. واختلف في معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19].
فقيل: "كَانَ أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ إِذا مَاتَ الرَّجُلُ، كانَ أَوْلياؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها، وِإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوها، وِإِنْ شاءُوا عَضَلُوها وَلَمْ يُزَوِّجُوهَا" 208. وقيل: المعنى: الرجل تكون206

الجزء: 6 - الصفحة: 2518

له 209 المرأة يكره صحبتها، ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي منه 210 211، فلا يجوز ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة 212، وهذا أبين لقول الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
فالمفهوم من هذا بقاء الزوجية.
واختلف في معنى الفاحشة فقيل: هو 213 الزنا.
وقال ابن عباس وغيره: هو النشوز فيحل له منها الفدية.
وقال الطبري: ذلك في كل فاحشة من بذاء اللسان على زوجها والإذاية، أو زنا، أو نشوز، فله عضلها والتضييق عليها، حتى تفتدي منه إذا كانت الفاحشة ظاهرة 214. = تلك المرأة وعلى خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الجزء: 6 - الصفحة: 2519

فصل [فيما يقع بين الزوجين من سوء العشرة المؤدي إلى الخلع ووجوه ذلك]

لا يخلو الزوجان من أربعة أوجه: إما أن تكون مضرة به، أو يكون مضرًّا بها، أو كلاهما مؤدٍّ لحق صاحبه، أو كلاهما مضرٌّ بالآخر.
فإن كانت مضرة به جاز له أن يأخذ منها على الإمساك وعلى الطلاق، وإن كان مضرًّا بها جاز أن يأخذ على الإمساك، ولم يجز أن يأخذ 215 على الطلاق، وإن كان كلاهما مؤديًا لحقِّ الآخر 216 جاز عند مالك أن يأخذ على الوجهين جميعًا: الإمساك والطلاق 217، وإن كان كلاهما مضرًّا بالآخر كانت مسألة الحكمين.
وإن أعطته مالًا على أن يمسكها ثم فارقها، فإن كان فراقها بقرب عطيتها كان لها أن ترجع فيما أعطته، وإن كان فراقه بعد أن طال الأمد، وما يرى أنها بلغت الغرض في مقامها، لم ترجع، وإن طال ذلك، ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لمثله، كان له من المال بقدر ذلك على التقريب، فيما يرى.
وقال مالك فيمن أسقطت صداقها عن زوجها على ألا يتزوج عليها 218 فطلقها بحضرة ذلك، فلها أن ترجع عليه، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لمكان ذلك لم ترجع عليه بشيء 219، قال أصبغ: إلا أن يكون الطلاق

الجزء: 6 - الصفحة: 2520

بحدثان صدقتها (1) ليمين نزلت، ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين، فلا شيء عليه أيضًا (2). قال الشيخ (3): وأرى لها أن ترجع في عطيتها وإن كان الطلاق ليمين حنث فيها؛ لأنها إنما أسقطت صداقها لمعنى، ولتبقى زوجة (4) في عصمته، فإذا لم يصح لها ذلك لم يلزمها ما أعطت، ولو أعطته على ألا يتزوج عليها فتزوج عليها رجعت عليه، قرب تزوجه أو بعد.

فصل [الخلع طلاق أم فسخ؟]

الخلع عند مالك طلقة بائنة 224. وقال ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وأحمد، وإسحاق: هو فسخ 225. وفي كتاب محمد عن عثمان - رضي الله عنه - "أَنَّ عِدَّة المُختَلِعَةِ حَيْضَةٌ" 226. وهذا دليل على أنه كان يرى الخلع فسخًا.
وقال أبو ثور: إن قال: خالعتك على ألف، كان فسخًا.
وإن قال: طلقتك على ألف، كان220221222223

الجزء: 6 - الصفحة: 2521

طلاقًا وله الرجعة 227. وقال الشافعي: هو فسخ إذا لَفَظَ بالخلع ولم يذكر طلاقًا، وهو نحو قول أبي ثور 228. وفي البخاري: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لثابت 229: "خُذِ الحُدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيلَقًة" 230. فأمره أن يوقع تطليقة، وليس كذلك إذا قال: قد 231 خالعتك بالحديقة، ولم يذكر طلاقًا، فهو أشكل.
واختلف عن مالك في كون الطلقة بائنة هل ذلك شرع أم لا لأنه 232 قصد المخالع؟ فقال فيمن أعطت زوجها 233 شيئًا على أن يطلق طلقة رجعية: كانت بائنًا، والشرط باطل؛ لأن سنة 234 الخلع إذا لم يشترط فهي بائنة، وشرطه لا يحيل سنة الخلع 235. وذكر أبو محمد عبد الوهاب: أن له شرطه، ورأى أن ذلك من حقوق الزوجين ليس بشرع 236، وهو أبين، والزوج بالخيار بين أن يقبل العِوَض على أن يوقع طلقة، ويبقى حقه في الرجعة، أو على أن يسقط حقه في الرجعة وتكون بائنة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2522

واختلف أيضًا فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع، ولم يأخذ منها شيئًا، فقال مالك: تكون طلقة بائنة 237، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد.
وقال مطرف، وأشهب وابن عبد الحكم: هي واحدة رجعية.
وقال ابن الماجشون: تكون ثلاثًا 238. وكذلك إذا قال قد خالعتك، ولك عشرة دنانير؛ لأنَّ الدنانير إذا كانت منه كالمتعة لا يغير حكم الطلقة 239 بخلاف أن يكون المال منها، فإذا كان هو الدافع كانت الطلقة على ما نواه، فقول مالك: إنها واحدة بائنة موافق لما روى عنه إذا كان العطاء منها وشرط الرجعة أنها رجعية، وأن الأمر راجع في الجميع إلى ما نوى 240. والقول إنها رجعية وإن نوى أنها 241 بائنة راجعٌ إلى القول إذا أعطت وشرط أنها تكون رجعية أنها تكون 242 بائنة، ولا ينفعه الشرط، وإذا طلق وأعطى، فقال: أنت طالق، ولك عشرة دنانير وهذا الخادم، كانت واحدة، وله الرجعة والمال متعة، ولا خلاف أن مجرد القول أنت طالق أن له الرجعة، وأن إعطاءه 243 المال مع ذلك لا يؤثر في الرجعة بخلاف أن يكون المال منها، إلا أن ينوي بالطلقة أنها بائنة فيدخل الخلاف المتقدم، إذا قال: أنْتِ طالق طلاق الخلع؛ لأنّه نوى ذلك ليس لأنه أعطاه مالًا.
وإلى هذا يرجع الخلافُ الذي وقع في ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2523

وإن خالعت على إن طلبت ما أخذ منها رجعت زوجة 244، كان شرطه باطلًا، فإن طلبت ذلك فأعاده وعادت زوجة فرق بينهما.
قال مالك في كتاب محمد: وليس لها بإصابتها إلا ما ردَّ إليها كان ذلك أقل من صداق مثلها أو أكثر ولا يتزوجها؛ لأنه كالناكح 245 في عدة.
وقال محمد: هي له حلال بعد الاستبراء، وإن كانت حاملًا فبعد الوضع، وليس كالناكح في عدة 246، وهو أبين؛ لأنَّ منع النكاح في العدة خوفُ اختلاط الأنساب، وهذا النسب منه أولًا وأخيرًا.
ومحمل قوله في منع النكاح الآن على الاستحسان، فإن فعل لم يفسخ؛ لأنَّ الماء ماؤه، ولو كان ذلك الآن محرمًا لحرمت للأبد إن فعل؛ لأن عمر - رضي الله عنه - إنما حرَّمها لموضع التعجيل، ولئلا تعود امرأة لمثل ذلك.
وإن أعطته مالًا على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثًا، لزمه 247 ولا مقال لها، وهذا قول مالك 248. قال محمد 249: وإن أعطته على أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة، كان ذلك له ولا حجة لها؛ لأنها نالت بالواحدة ما تنال بالثلاث، يريد: لأنها بانت بها وملكت نفسها.
وأرى إذا أعطته على أن يطلق واحدة فطلقها ثلاثًا، أن ينظر إلى سبب ذلك، فإن كان راغبًا في إمساكها فرغبت في الطلاق -ألا مقال لها؛ لأنها إنما

الجزء: 6 - الصفحة: 2524

اشترت طلقة وسكتت عن الباقي.
وإن كان رغب في طلاقها فأعطته على أن يكون طلاقه واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته؛ لأنها إنما أعطته على ألا يوقع الاثنتين إلا واحدة لتحل له إن بدا لهما من قبل زوج، فإذا أوقعهما رجعت بما دفعت عنهما.
وكذلك إذا أعطته على أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة ينظر في ذلك، فإن كان عازمًا على طلاقها واحدة كان لها أن ترجع بجميع ما (1) أعطته؛ لأنها لاثنين أعطت، وإن كان راغبًا في إمساكها فأعطته على أن يطلق ثلاثًا جرت على قولين فيمن شرط شرطًا لا ينفعه، هل يوفى به؟ فعلى القول في وجوب الوفاء به يكون لها أن ترجع بما ينوب الطلقتين، وجواب محمد على القول أنه لا يجب الوفاء به.
وقال ابن القاسم في العتبية في المرأة تشتري من زوجها عصمته عليها.
قال: هي ثلاث، وإن لم يسمِّ طلاقًا.
قال: وكذلك إذا قالت: أشتري ملكك عليَّ أو طلاقك عليَّ.
هو مثل عصمتك وليست فدية، وهذه اشترت ما ملك منها (2). وقال عيسى: ما أراه إلا فدية، وهي واحدة بائنة كالفدية (3).

فصل [فيما يلزم به الخلع]

الخلع يلزم 253 بالتراضي وإيقاع الطلاق، ويلزم بالعقد وإن لم يوقع طلاقًا، فإن قال: أنت طالق على عبدك هذا، أو على عشرة دنانير، فرضيت لزمها.250251252

الجزء: 6 - الصفحة: 2525

وكذلك إذا قال: إن أعطيتني أو إذا 254 أعطيتني أو متى أعطيتني عشرة دنانير فأنت طالق -كل ذلك لازم له إذا أعطته.
ويفترق الجواب في الوقت الذي إذا أعطته لزمه أخذه وأن يطلق.
فإن قال: أنت طالق على عبدك، فلم ترض في المجلس لم يلزمه شيء 255؛ لأنه عنده يقتضي المجاوبة بالحضرة، وإذا قال: "إذا" أو "متى" كان ذلك بيدها وإن افترقا ما لم يطل ويرى أنها تاركة، أو يمضي ما يرى أن الزوج لم يجعل التمليك إلى ذلك الوقت.
ويختلف إذا قال: إن أعطيتني، هل يحمل ذلك على المجلس، أو 256 وإن افترقا؟ وأرى ذلك بيدها إذا قالت: نعم.
وانصرفت على ذلك، وإن سكتت ضعف قولها، وكل هذا إذا قال: فأنت طالق.
واختلف إذا قال: فأنا أطلقك.
فرضيت ومضت على ذلك، ثم أتت بالمال، هل يلزمه الوفاء بذلك وأن يطلق؟ فقال ابن القاسم في المستخرجة: إذا قال: إن أعطيتني عشرة دنانير فأنا أطلقك، أو قال ذلك لعبده: فأنا أعتقك.
فلما جاءت أو جاء العبد بالمال بدا له، لم يلزمه ويحلف ما أردت طلاقًا ولا عتقًا 257. بما وروى عنه أبو زيد أنه قال: إن كسرت شيها 258 وحليها، لزمه.
قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 2526

ورأيت أنه إن لم تتكلف بيع شيء، لم يلزمه 259. واختلف عن مالك في كتاب محمد إذا قال لزوجته: إذا أعطيتني ما لي عليك فارقتك، أو فأنا أفارقك.
فأتت بذلك، هل يلزمه؟ قال ابن القاسم: يحلف إني ما أردت أني قد فعلت، ولكن انظر هل أفعل أم لا؟ 260 وقال أصبغ: يلزمه، واحتج بقول مالك حيث قال: تركتها 261 حتى كسرت حليها، وقال مالك: ذلك طلاق إذا كان على وجه الفدية 262. وأرى إن قال: إن جئتني بِدَينِي أو بمالي عليك، أن القول قوله أنه لم يرد إيجاب الطلاق، وسواء باعت في ذلك حليها أو غيره؛ لأنَّ ذلك من حقه عليها، وقد يعسر تناول حقه منها إلا أن يطمعها 263 بذلك إذا كانت كارهة فيه 264. وأما إن قال: إن أعطيتني عشرة دنانير، ولا دَيْنَ له عليها وافترقا على ذلك، ثم أحضرتها؛ لزمه الوفاء به 265؛ لأن هذه معاوضة ومبايعة وليست كالأول، وأمَّا العبد فكل ذلك ماله وما يبيعه ويأتي بثمنه 266 فقد كان له أن ينتزع ذلك، وأن يجبره على تسليمه من غير عتق فلا يلزمه عتق.
وأرى أن يحلف أنه لم يوجب له ذلك إلا أن يكون تكلف جميع ذلك من الناس.

الجزء: 6 - الصفحة: 2527

فصل [فيما يجوز به الخلع، وما لا يجوز]

الخلع يجوز بما تجوز به البياعات من العين والعُرُوض وغيرها، ولا يجوز بما لا يجوز ملكه كالخمر والخنزير، ولا بما يجوز ملكه ولا يجوز أخذ العوض عنه 267 كالسلف بزيادة والتأخير بالدَّيْن.
واختلف في جوازه بالغرر كالعبد الآبق، والبعير الشارد، والجنين، والثمرة قبل بدو 268 صلاحها، فإن خالعت على خمرٍ أو خنزير أو ميتة مضى الخلع، وكان الطلاق بائنًا وكسرت الخمر كانت في يدها أو في 269 يد الزوج 270. ويختلف في رجوعه عليها، فقيل: لا شيء له 271 عليها، وهو المعروف من المذهب 272. ويجري فيها قول آخر أن له أن يرجع عليها 273 بخلع المثل قياسًا على قوله في خلع المريضة، فقال مالك 274 في كتاب محمد: له خلع مثلها من رأس المال 275. وأجراه مجرى النكاح المبتدأ؛ لأنه في الأول اشتراه، والآن باعه.
وإن خالعها على إن أسلفته مضى الخلع والطلاق بائن.
ويختلف هل يسقط رجوعه عليها أو يرجع بخلع المثل أو بقيمة الانتفاع بالسلف؟ وإن

الجزء: 6 - الصفحة: 2528

خالعها على إن عجَّل دينًا لها عليه قبل حلوله أو أخَّرها بِدَيْن له عليها والدَّيْن عين، جاز 276 وكان بمنزلة من طلق وأعطى، وتكون الطلقة رجعية إلا أن يقصد أن تكون بائنة.
وإن خالعها على أن تؤخره بدَيْن حلَّ لها عليه 277، أو تعجل هي دينًا له عليها، لم يجز والطلاق بائن ويسقط التأجيل فيما كان حالًّا، والتعجيل فيما كان مؤجلًا، وقد أجاز ابن القاسم مرة التعجيل في الدَّيْن الم ؤجل على وضيعة بعضه 278، فعلى هذا يجوز الخلع على أن تعجل هي الدَّيْن ويكون له قبضه، ولا فرق بين أن يجعل 279 عوض التعجيل بعض الدَّيْن أو سلعة أو خلعها لنفسها.
وإذا كان الدَّيْن لها 280 عليه إلى أجل فخالعها على أَنْ وضعت بعضه وعجَّل الباقي، أو كان حالًّا فأخرته ووضعت بعضه، أو كان الدَّيْن له عليها إلى أجل فوضع بعضه على أَنْ عجلت الباقي أو كان حالًّا فأخرها به، افترق الجواب، فإن كان لها عليه مائة دينار إلى سنة فخالعته على أَنْ أسقطت عنه 281 خمسين وعجل خمسين، أو كانت المائة حالَّة فخالعته على أَنْ أخذت خمسين وأخرت خمسين، مضى الخلع، وكان له جميع الخمسين، وردت ما تراضيا فيه في الخمسين الباقية من تعجيل أو تأخير، فترد 282 إلى أجلها إن كانت مؤجلة،

الجزء: 6 - الصفحة: 2529

وتقبض الآن إن كانت حالة، وهذا قول مالك 283، وقوله في الحالَّة أن له جميع الخمسين صحيح؛ لأنَّ الخمسين والتأخير جميعًا ثمن للخلع.
وأما إذا كانت المائة مؤجلة عليه فينبغي أن يكون له من الخمسين ما قابل الخلع خاصة؛ لأنها ثمن للشيئين: للخلع والتعجيل، ولم تكن للخلع خاصة فينبغي أن تقضى على قدر خلع المثل، وقيمة التعجيل للخمسين فيمضى للزوج ما قابل الخلع، وتبقى هي على حقها فيما قابل التعجيل، ويردُّ إلى أجله، وإن كان الدَّيْن له عليها، وهو مائة حالَّة، فأسقط خمسين وأخرها بخمسين، أو كان الدَّيْن مؤجلًا فعجلت له خمسين وأسقط عنها خمسين، جاز -إذا كان حالًّا- الإسقاط والتأخير؛ لأنها معروف من الزوج وكأنَّه 284 قد طلق وأعطى والطلاق رجعي.
وإن كان مؤجلًا لم يجز الإسقاط ولا التعجيل، وَرَدَّ جميع المائة إلى أجلها، وقول محمد 285؛ لأن الزوج أعطى شيئين لمكان التعجيل، وهو ما بيده من العصمة، وخمسين وهي التي أسقط، فإذا لم يصح له التعجيل لم يلزمه الإسقاط؛ لأنه قادر على ردِّه ولم يرد الطلاق؛ لأنه لا يردُّ بعد وقوعه، ويبقى مقال الزوج فيما قابل الخلع، هل يرجع به؟ وقد تقدم قول ابن القاسم، وأنه أجاز مرة التعجيل على الوضيعة، فعلى قوله هذا يجوز الخلع والإسقاط ويصح التعجيل؛ لأنَّ حقيقة ما عملا عليه "ضع وتعجل"؛ عجلت خمسين على أن خَلَعَها ووضع عنها خمسين.

الجزء: 6 - الصفحة: 2530

وقال في كتاب محمد فيمن كان صداقها عشرة نقدًا وعشرين (1) مؤجلة فصالحها قبل البناء على عشرة نقدًا وأسقطت الباقي قال: ينفذ الطلاق ولا يكون لها سوى عشرة (2)، خمسة الآن، وترد الخمسة وتأخذها إلى أجل (3). قال: وكذلك لو كان الصلح بستة نقدًا أو أكثر إلى أقل (4) من خمسة عشر، يَردُّ ما فوق الخمسة إلى وفاء الأجل، وهذا راجع إلى ما تقدم إذا كان لها دَيْن مؤجل فوضعت (5) نصفه للتعجيل والخلع مضى جميع الوضيعة للخلع، وقد كان الصواب أن يفض.

فصل [في الخلع بالغرر]

اختلف في الخلع بالغرر بالجواز، والكراهية، والمنع كالآبق، والجنين، والثمر قبل أن يبدو صلاحه 291، واستحسن ألا يفعل 292 ابتداء، فإن نزل مضى وكان له ما خلع عليه؛ لأن الخلع ليس كالبياعات في الحقيقة، والأمر فيه أوسع من النكاح، ولأنَّ القائل بمنعه يقول: لا شيء له من الغرر ولا شيء له عليها.
وهذا غير مستقيم؛ لأنه إن كان عنده كالبياعات فالغرر فيه ممنوع فيجب أن يرجعَه عليها بالعوض عما أخرج من يده، وإن كان عنده بخلاف البياعات ولا286287288289290

الجزء: 6 - الصفحة: 2531

شيء له، فيجب أن يمضيه 293، ولأن الرجوع بالقيمة عما أخرج من يده -وهو خلع المثل- لا يتحصل في الغالب، وليس ذلك معروفًا كصداق المثل، فكان البقاء على ما دخلا عليه أولًا.
وقد قيل فيمن تزوجت بمائة إلى موت أو فراق: إنه تقوم المائة إذا لم تكن العادة بالنقد، ولا بشيء صحيح، وقد يكون الغرر الذي خالع عليه ليس له كبير قيمة؛ لأن قصده كان ترك المشاحة في مثل ذلك، وخلع الله مما له بال، وإن رد إلى خلع المثل كان قد رجع فيما تركه وسامح به 294. وقال ابن القاسم فيمن خالع على مال إلى أجل مجهول: إنه يكون حالًّا.
قال: لأن مالكًا قال: من باع إلى أجل مجهول إن القيمة إذا فأتت السلعة حالة 295. ولا أرى لتعجيله وجهًا، وفي ذلك ظلم على المرأة، ولأن الخلع مختلف فيه، فقيل: جائز 296. وقيل: مكروه.
فإن نزل مضى.
فعلى هذين القولين لا يكون عليها تعجيل دون الوقت الذي جعلت 297 القضاء إليه.
وقيل: لا يجوز: فينبغي أن يسقط هذا الغرر، ثم يختلف هل يرجع بخلع المثل؟ وقال في التي خالعت على ألَّا سكنى لها، إن كانت في مسكن الزوج لم تخرج، ولا شيء للزوج عليها قال: لأن مالكًا قال: إذا وقع الخلع بجرام مضى الخلع، وردَّ الحرام 298. وأرى أن يرجع عليها بالأقل من كراء هذا المسكن، أو ما

الجزء: 6 - الصفحة: 2532

كانت تكتري به؛ لأن أخذ العِوَض عن السكنى يجوز وهو بمنزلة من خالع على شيء فاستحق من يده، إلا أن يكون انتقالها إلى أبويها أو إلى مسكنها، وهو الآن لا كراء له؛ لأنها لم تنتفع بشيء، ولأن الغالب من المرأة عند الطلاق أنها تكره المقام هناك، وإن خالعها على أن تقيم في مكانها وتؤدي الكراء جاز، وإن خالعها على أن ترضع ولدها وتنفق عليه من عندها إلى فطامه جاز.
واختلف إذا زادت على ذلك وشرط عليها 299 أربع سنين أو نحوها، فقال مالك: لا يجوز ذلك، قال: وإنما النفقة على الأم في الرضاع والحمل، قال ابن القاسم: ولا شيء للزوج عليها فيما سقط من شرطه 300. وقال المغيرة، وأشهب، وعبد الملك: ذلك جائز 301. قال المغيرة: لأن الخلع بالغرر يجوز 302. وهو أحسن، وهذا إذا شرط إن مات الولد أو الأم أن لا رجوع للأب، وإن شرط أن ذلك ثابت عليها، وإن مات الولد أو الأم، جاز، فإن مات الولد 303 أخذ الأب ذلك مشاهرة حتى ينقضي الأجل.
واختلف عن مالك إذا خالعها على رضاعه، ولم يشترط ثبات ذلك إن مات ولا سقوطه فمات الولد قبل حولين.
فقال: لا شيء له عليها 304. وعلى هذا يدخله الغرر.
وقال أيضًا: لو أتبعها لكان له في ذلك قول 305. وروى أبو الفرج

الجزء: 6 - الصفحة: 2533

أنه قال: يتبعها، وإن ماتت هي أخذ ذلك من تركتها، ولو انقطع لبنها وكانت عديمة استأجر لها ورجع عليها 306. وقول مالك أن لا شيء عليها صواب 307؛ لأنَّ الباقي اللبن، وليس هو 308 شيئًا يبيعه 309 ولا يأخذ 310 له ثمنًا، وعليها أن تغرم ما كانت تشتريه له خارجًا عن الرضاع من طعام أو غيره.
واختلف إذا خالعت على أن تنفق على ولدها فعجزت وأنفق الأب، فقال مالك وغيره من أصحابه 311: يرجع عليها.
واختلف فيه عن ابن القاسم هل يرجع عليها 312؟ والأول أصوب.
وإن اختلعت على أن تسلم الولد لأبيه لم يجز، إذا كان الولد قد عَلَق بأمه أو كان عليه في ذلك ضرر من غير رضاع.
واختلف إذا كان الصبي 313 لا ضرر عليه، فأجاز ذلك مالك وابن القاسم 314. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: الشرط باطل، ولها أن تأخذه.
ورأى أن في ذلك حقًّا للولد 315، وقاله مالك في كتاب المدنيين، وهو أحسن إذا كان رضيعًا أو فطيمًا وهو صغير؛ لأن الغالب أنه يضيع ولا أحد يقوم مقام أمه.
وإن كان قد أثغر فالوفاء بالشرط أحسن، وإذا بقى عندها لم

الجزء: 6 - الصفحة: 2534

يكن له عليها 316 عن ذلك شيء؛ لأن الخلع لم يكن بمال ولا بما يباع، وإنما هو من باب طرح المشقة عنه، وهو لا يطلب من تلك الحضانة بشيء.
ومن خالع زوجته، ثم ظهر بها حمل، كانت لها النفقة ما كانت حاملًا، وكذلك إن كانت ظاهرة الحمل وقت الخلع فلها النفقة ما كانت حاملًا 317، إلا أن يشترط الزوج إسقاطها.
وقال مالك في العتبية: إذا شرط ألا نفقة للحمل فأعسرت، أنفق الزوج عليها ويتبعها إذا أيسرت 318. يريد: لأن عجزها عن النفقة على نفسها يضر بالحمل، وقد كان الأصل أنها عليه.
واختلف إذا اشترط ألا نفقة للولد إذا ولدته 319 هل يكون لها الآن نفقة الحمل؟ فقال مالك 320 في كتاب محمد: لا نفقة لها الآن، وقال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون، والمغيرةُ وابنُ الماجشون في مختصر ما ليس في المختصر: لها نفقة الحمل؛ لأنها لم تذكر إسقاطه 321 322. وهو أحسن؛ لأن لها حقين خالعت على أن أسقطت أحدهما، ولم يسقط الآخر.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا شرط ألا تنكح حتى تفطم ولدها لزمها ذلك 323. وقال ابن القاسم في العتبية: إن شرط أن ترضع ابنه عامين فأرادت أن

الجزء: 6 - الصفحة: 2535

تنكح قبل ذلك، فإن كان ذلك يضر بالصبي منعت كمن استأجر ظئرًا فأرادت التزويج 324. وفي كتاب ابن سحنون: إذا شرط عليها رضاع ولدها سنتين، وأخذت منه دنانير، ثم تزوجها قبل ذلك -كان له أن يرجع عليها من الدنانير بقدر ما بقي 325.

الجزء: 6 - الصفحة: 2536

باب فيمن خالع امرأته على مال، ثم جحدت أو غرت من فلس، أو أن لها دارًا أو وصية خالعت على ذلك، ثم تبين أن لا شيء لها، أو خالعت على ما في يديها، ولم يكن في يديها شيء

اختلف إذا قال: خالعتك، أو طلقتك على عشرة دنانير، وقالت: طلقتني على غير شيء، فقال مالك وابن القاسم: القول قولها مع يمينها 326، ولا شيء عليها.
وقال عبد الملك: القول قوله، وتعود زوجة بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقًا بغير عوض، وجعل الخلع كالبيع إذا أنكر الآخر أن يكون اشترى، أن البائع أحق بسلعته، وبمنزلة ما قال: بعتك هذا العبد وأعتقته، وقال الآخر: لم أشتره -أن العبد يبقى رقيقًا لبائعه على أحد القولين.
وإن كان المدعى عليه الشراء موسرًا، والخلع عنده معاوضة، فإذا لم يقر بالعِوَض لم يلزمه المثمون.
والأول أحسن، ولا يرتفع الطلاق بعد وقوعه.
قال أصبغ: إلا أن يقول الزوج 327: أردت ألا يتم الخلع حتى تعطيني، إذا نسق قوله بإقراره بالخلع 328. ويختلف إذا خالعته على مال وغرته من فلس، هل يمضي الطلاق أو تعود زوجة؟ فقال عبد الملك: لو قالت: أخالعك على داري هذه أو على عبدي هذا،

الجزء: 6 - الصفحة: 2537

فإذا الدار والعبد ليسا لها، فغرته بذلك لم يلزمه الطلاق، ولو كان لها فيهما 329 شبهة ملك، لزمه الطلاق.
قال: ولو قالت: أخالعك على ما أوصى لي به فلان أو لي عطاء، ولم يكن وصّى لها فلان، ولم يكن لها عطاء -لم يلزمه طلاق، ولو كان وصى لها، ثم رجع الموصي عن وصيته بعد الخلع، أو لم يحملها الثلث أو كانت في 330 عطاء فسقط اسمها منه بعد الخلع -لزمه الطلاق، قال في كتاب محمد: ولا شيء له عليها 331. وأرى إذا رجع عن الوصية، أو سقط العطاء قبل الخلع وهي عالمة، أن يرجع عليها بمثل تلك الوصية والعطاء إذا كانت موسرة، وكذلك إذا غرته من دار أو عبد ليس لها، وهي موسرة، غرمت قيمة ذلك.
وإن كانت فقيرة فحينئذ تعود زوجة، وإن لم تعلم الزوجة برجوع الموصي عن وصيته، وهي معسرة، لم ترجع زوجة، وإن قالت: أخالعك على ما في يدي، ففتحت يدها عن دينار أو ما أشبه ذلك لزمه الخلع.
واختلف إذا كان ما لا قدر له كالدرهم، أو ما لا ينتفع به كالحصاة، أو لم يكن فيها شيء، فقال مالك عند ابن حبيب: لا خلع بينهما.
قال: وهذا مما لا يجوز على أحد.
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا كان في يدها ما ينتفع به -الدرهم وما أشبهه- لزمه الخلع 332. وإن كان حجرًا أو لا شيء فيها، لم يلزمه الطلاق 333. وقال ابن الماجشون:

الجزء: 6 - الصفحة: 2538

يلزمه الطلاق؛ لأنه طلق 334 بشيء يأخذه أو لا يأخذه.
قال محمد: وهذا أحب إلى 335؛ لأنها لم تخدعه على جهل منه.
وقول مالك أحسن إذا كان الخلع عن مشاورة وعند الجد، وإنما يتسامح الناس في مثل هذا عند ما يكون من الهزل واللعب.
قال مطرف عند ابن حبيب: فإن رضي الزوج وكان في يدها ما ينتفع به -وإن قل- فهو خلع، وإن كان حصاة أو ما لا ينتفع به فليس بخلع، وتكون طلقة له فيها الرجعة 336. وهذا صحيح على أصل مالك؛ لأنَّ الزوج عنده بالخيار في مثل هذا، له أن يرد الخلع، فإذا رضي وكان مما ينتفع به كان خلعًا، وإن كان مما لا ينتفع به كان طلاقًا مبتدأ من الزوج؛ لأنه هو ألزم نفسه ذلك، ولم يأخذ عوضًا.
واستحسن إذا لم يكن في يدها شيء، أو كان مما لا ثمن له، وهي موسرة، أن تغرم ما يرى أنه لو كان في يدها لزمه الخلع، ولا ترد زوجة إلا أن تكون معسرة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2539

باب ما جاء (1) في الخلع والبيع في عقد

وقال ابن القاسم فيمن خالع زوجته على عبدها وزادها ألف درهم: جاز، فإن كان في قيمة العبد فضل كان خلعًا، وإن كان كفافًا بالألف كانت مبارأة، وإن كان في الألف فضل عن قيمة العبد كان بمنزلة من صالح وأعطى 338، فعلى قوله يختلف هل تكون طلقة بائنة أو رجعية؟ وأن تكون بائنة أحسن؛ لأنه طلاق قارنه معاوضة 339 من المرأة وَشَرْطه العبدَ لا يكون إلا لغرض له فيه، فلا يكون بمنزلة من طلق وأعطى.
وإن خالع على جنين أو آبق أو بعير شارد 340 وزادها عشرة دنانير، نظر 341 إلى قيمة الذي تدفعه الزوجة، فإن كان عشرة دنانير فأقل كان بيعًا على قوله في المسألة التي قبل، وإن كان فيه فضل كان خلعًا وبيعًا، وكان شريكًا فيه بقدر ما زادت قيمته عن العشرة، وإلى هذا ذهب محمد أن يكون الزائد للخلع 342، وكل هذا موافق لقول ابن نافع في المواضح أن الزائد للعمد 343، فإن كانت قيمة337

الجزء: 6 - الصفحة: 2540

الجنين عشرة دنانير فأقل لم يكن للزوجة من الجنين والعبد شيء؛ لأنه حينئذٍ بيع كله والعشرة راجعة إلى الزوج، فإن كان فيه فضل كان له منه ذلك الفضل يكون شريكًا بقدر ما زادت قيمته على العشرة.
واختلف في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة الفضل، فقال محمد: القيمة يوم يخرج الجنين، ويوجد الآبق وتجدُ الثمرة 344. وقال أصبغ في العتبية: القيمة في الآبق يوم الصلح 345. وكذلك الثمرة القيمة يوم الصلح إن كانت مؤبرة، وإن لم تؤبر فيوم تؤبر، ووافق في الجنين أن قيمته يوم ولد 346؛ والقيمة في جميع ذلك يوم الصلح أحسن؛ لأنَّ ذلك اليوم وقع البيع فيهم، وإنما تفض الأثمان على ما اشتملت عليه يوم الصفقة ووقت البيع، وعلى القول في المواضح أن الفض على المعلوم والمجهول جميعًا، يفض ما دفعته المرأة على العشرة دنانير وخلع المثل، وهو أحسن؛ لأن الزوج اشترى ذلك الغرر بشيئين: بالدنانير، وبما سلم من العصمة، فإن كان خلع المثل عشرة دنانير، كان له نصف الجنين أو الآبق أو الثمرة عن الخلع، ويرد النصف؛ لأنه الذي يقابل البيع.

الجزء: 6 - الصفحة: 2541

باب في مخالعة من حلف ألا يخالع، وإذا تبين (1) بعد الخلع أن بها أو به عيبًا يوجب الرَّدَّ، هل ينقض الخلع؟ ومن حلف إن دعته زوجته إلى الخلع ليخالعنها أو أوجب ذلك بغير يمين

وإذا خالعت المرأة على مال، ثم تبين أنه كان طلقها ثلاثًا، رجعت بما أعطته.
وقال مالك فيمن حلف بطلاق الثلاث إن صالح زوجته ثم صالحها: رجعت بما صالحت، وقد بانت منه 348. قال محمد بمنزلة من قال: إن بعتك فأنت حر 349. ورأى 350 أن الحنث بالثلاث سبق الصلح وفي المنتخبة: فيمن قال: أنت طالق إن صالحتك، فصالحها حنث بطلقة اليمين، ثم وقعت عليها طلقة الصلح وهي في عدة منه يملك رجعتها، فلذلك لم يرد ما أخذ منها 351. وهذا مثل الأول أن طلقة الحنث سبقت الصلح.
وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل فيمن قال: إن بعتك فأنت حر، لا شيء عليه إن باعه؛ لأن البيع سبق الحنث، والعتق وقع فيه بعد أن انتقل ملكه.
وهو أحسن؛ لأنَّ الفاء في قوله: "إن صالحتك فأنت طالق" تضمنت التعقيب، وأن الطلاق إنما يقع بعد الصلح، وتضمنت الشرط، وإنما يلزم الشرط، وهو الطلاق بوجود المشروط وهو الصلح، وإذا كان ذلك لم يكن عليه أن يرد المال،347

الجزء: 6 - الصفحة: 2542

وإن كانت يمينه بالثلاث، ثم يختلف هل يقع عليه طلاق الحنث وهو الثلاث؟ فعلى قول إسماعيل القاضي لا يلزمه شيء (1) سوى طلقة الصلح (2)؛ لأن الزائد عليها وقع على (3) غير زوجة؛ لأنها بطلقة الصلح (4) بائن، فأشبه من أتبع الصلح طلاقًا بالفور.
ومن قال للتي لم يدخل بها: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، فقال إسماعيل القاضي: لا يلزمه سوى الأولى؛ لأنها بانت بها إلا أن ينوي بقوله الأول: "أنت طالق الثلاث" ثم كرر بيمين (5) ما أراد بقوله الأول.

فصل [فيما إذا تبين أن العقد فاسد بعد الخلع]

وإن خالعت المرأة 357 ثم تبين أن العقد كان فاسدًا، فإن كان مجمعًا على فساده رد ما أخذ، واختلف إذا كان مختلفًا فيه هل يمضي الخلع للاختلاف، وإن كان الحكم عنده أنه يفسخ لو لم يخالع؟ إلا أن يكون الخلاف شاذًّا.
واختلف أيضًا إذا كان به عيب يوجب الرد، فلم تعلم الزوجة حتى خالعته، ورَدَّت إليه قبل الدخول مما أخذت أو ردَّت إليه بعد الدخول البعض أو الكل، فقال ابن الماجشون: ترجع بما دفعت إليه 358. وذهب ابن القاسم إلى352353354355356

الجزء: 6 - الصفحة: 2543

أنه قد فات موضع الرد بالخلع 359، فلا ترجع بشيء 360. وقال ابن القاسم فيمن اشترى سلعة ثم باعها من بائعها بأقل مما اشتراها منه ثم وجد عيبًا: للمشتري أن يرجع بتمام الثمن، قال: لأنه يقول كان لي أن أردها عليك وها هي في يديك 361. وهذا مثل قول عبد الملك 362؛ لأن الزوجة تقول: كان لي أن أردك بذلك العيب وها أنت مردود، فيكون لها أن ترجع كما كان للمشتري أن يرجع، ولا يحول الخلع بينهما وبين الرجوع، كما لم يَحُل بين المشتري الأول البيع الثاني، ولو كان العيب بها، فخالعها على بعض الصداق، كان له أن يرجع ببقيته على قول عبد الملك، ولم يرجع به على قول مالك وابن القاسم.
وقال مالك في العتبية: إذا ماتت المرأة أو طلقت، أو اختلعت من زوجها قبل أن يظهر على عيبها، فلا شيء له عليها 363. وقال سحنون: يرجع الزوج بالصداق على الذي غره، وإن كانت هي التي غرت أخذ منها ما أعطاها، وترك لها ربع دينار 364. يريد: وَيرُدُّ ما أخذ في الخلع إذا كان الذي خالع به من غير صنف الصداق، أو يرجع بالفضل إن كان من صنفه، وكذلك إن ماتت، وكان ميراثه دون ما أعطاها.
ومحمل قوله "إذا ماتت ولم يخالع" على أن ذلك العيب لا تتزوج 365 لأجله أو تتزوج بالشيء اليسير، فإن كانت على غير ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 2544

حُطَّ عنه من المسمى ما بين الصحة والداء؛ لأن المصيبة منه إذا ماتت، وليس الموت كالخلع؛ لأن الخلع (1) يقوم مقام الردِّ.

فصل [فيمن قال لزوجته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك؛ فأنت طالق]

ومن قال لزوجته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك فأنت طالق.
فدعته إلى دينار، فقال: لم أرد إلا نصف متاعها أو مثل مهرها -فذلك إليه ويخلى بينه وبينها 367. وقال ابن شعبان: القول قوله ما بينه وبين قدر ما تملكه المرأة.
قال الشيخ 368: وليس هذا بالبين، وليس هو مما يقصده الزوج ولا مما يرجو أن تطوع له به، فأرى أن يحملا على ما الغالب أنه يرجو أن يرضى به مثلها، وليست من كان يعلم منها البغضة لزوجها كغيرها، ولا البخيلة كالتي يعلم منها السماحة 369، والفقيرة، والمتوسطة اليسار، والبائنة الغنى في ذلك مختلفٌ، فإذا بذلت ما يرى أنه يرضى به مثلها على ما يعلم من رغبتها في الخلاص منه وحالها من الإمساك واليسار فلم يرض 370 به- وقع عليه الطلاق.366

الجزء: 6 - الصفحة: 2545

باب في حكم الصداق في المختلعة قبل الدخول وبعده، وهل يُسقِط الخلعُ ديونَ الزَّوجةِ؟

وإذا قالت: اخلعني، أو اتركني، أو تاركني، أو بارئني، على عشرة دنانير، وكانت مدخولًا بها -كان له العشرة، ولها صداقها كاملًا، وسواء قالت ذلك مطلقًا أو شرطت العشرة من صداقها.
وإن كانت غير مدخول بها، وقالت: بارئني على عشرة دنانير، فإن شرطت العشرة من الصداق سقطت العشرة من جملته، وكان الباقي بينهما نصفين، وسواء قالت: اخعلني أو طلقني إذا شرطت العشرة من الصداق 371. واختلف إذا لم تشترط من الصداق وقالت: عليَّ 372 عشرة دنانير.
ولم تزد على ذلك فقال ابن القاسم: إن قالت: طلقني على عشرة دنانير، كانت له العشرة والصداق ثابت بينهما يقسمانه نصفين، وإن قالت: اخلعني، لم يكن لها من الصداق شيء، فإن لم تكن قبضته لم تأخذ شيئًا، وإن قبضته ردت جميعه.
وقال أشهب: قولها طلقني واخلعني سواء له العشرة ولها نصف الصداق، قبضته أو لم تقبضه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إن لم تكن قبضته، لم يكن لها 373 شيء، وإن قبضته فهو لها كله، ولا شيء له سوى ما خالع عليه، وإن قبضت بعضه لم يكن له مما قبضت شيء وسواء قالت: اخلعني، أو طلقني 374.

الجزء: 6 - الصفحة: 2546

وقول أشهب أحسن؛ لأنَّ قولها: اخلعني، وبارئني، وتاركني، إنما يتضمن خلع النفس والإبراء من العصمة، والمتاركة فيها ليس الانخلاع من المال، ولا الإبراء منه ولا المتاركة فيه، ولو كان ذلك لسقط الصداق عنه إذا كانت مدخولًا بها، وكذلك غيره من ديونها.
وقد أجمعوا أن هذه الألفاظ: الانخلاع، والمباراة والمتاركة، إنما يراد بها بعد الدخول النفس دون المال، فوجب أن يكون حقها في النصف قبل الدخول ثابتًا، وكذلك إن لم يكن دخل بها وكان لها عليه دَيْن فقالت: اخلعني أو بارئني، لا خلاف أن دَيْنها باقٍ، وكذلك إذا قالت قبل الدخول: اخلعني على عبدي هذا أو ثوبي هذا، فعلى قول ابن القاسم يسقط الصداق، ولا يكون لها منه شيءٌ قبضته أو لم تقبضه، وعلى قول أشهب يمضي العبد أو الثوب للزوج، والصداق بينهما، وهو أحسن في هذا الأصل، وقد تقدم وجه ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 2547

باب في خلع الصغيرة والبكر الكبيرة, والثيب السفيهة، والسفية, وخلع الأمة، والمدَبَّرة, والمكاتبة، وأم الولد

اختلف في خلع الصغيرة إذا لم تكن في ولاءة فأجازه ابن القاسم في العتبية 375، ومنعه أصبغ وقال: الخلع ماضٍ، والمال مردود 376. وأرى أن ينظر إلى حالهما، فإن كان بقاؤها زوجة أحسن رُدَّ المال ومضى الطلاق، وإن كان الفراق أحسنَ مضى الخلع؛ لأن الزوج لا يقدر أن يَرُدَّ العصمة، ولو ترافعا قَبْلُ إلى الحاكم لفعل 377 ما فعلت إلا أن يكون فيه فضل عن خلع مثلها فيرد الفضل.
واختلف في خلع البكر البالغ 378، فأجازه سحنون 379، وقال في كتاب ابنه: ومن لم يجزه لم أعنفه 380، فأما الإجازة فلوجهين: أحدهما: حملها على الرشد، وهو ظاهر ما وقع في كتاب النكاح الثاني 381. والثاني: قول أشهب في السفيه أن أفعاله على الجواز ما لم يحجر عليه، وعلى القول أنها على السفه، وأن أفعال السفيه مردودة، يرد الخلع إلا أن يكون مما لو رُفع الأمر فيه إلى الحاكم لرآه من حسن النظر.

الجزء: 6 - الصفحة: 2548

ويختلف في خلع الثيب السفيهة إذا لم تكن في ولاء قياسًا على بيعها وشرائها.
وأرى أن ينظر في حال الزوجين حسب ما تقدم، فإن كانت رشيدة والزوج سفيهًا مضى الخلع؛ لأنَّ الطلاق لا يُرَدُّ إلا أن يكون عليه غبن فيتم له خلع المثل.

فصل [في فراق الأب والوصي والسلطان على الذكر]

الفراق من الأب والوصي والسلطان يجوز عند مالك على الذكر بشرطين: أحدهما: أن يكون على وجه الخلع بشيء يأخذه له يرى أن فيه حسن نظر.
والثاني: أن يكون الزوج غير بالغ؛ لأنه حينئذٍ ليس بيده طلاق 382. واختلف إذا كان سفيهًا بالغًا، فمنع ابن الماجشون في المدونة أن يخالع عليه 383، وأجازه ابن القاسم في العتبية 384، وهو أحسن، وليس كون الطلاق بيده إذا امتنع من إيقاعه مما يمنع أن يوقع عليه إذا كان الطلاق من حسن النظر، وإن لم تبذل الزوجة شيئًا، وقد يكون في بقاء العصمة فساد عليه، وقد يظهر بعد العقد ما لو علمه الأب والوصي لم يزوجه إياها، أو يحدث منها 385 ما يكون الفراق صوابًا فقد تكون الزوجة غير محمودة الطريقة، أو تكون متلفة

الجزء: 6 - الصفحة: 2549

لحال دارها (1) فيطلق عليه بغير عوض يؤخذ له، وسواء كان صغيرًا أو بالغًا؛ إلا أن يعلم من البالغ علوق بها فينظر فيه.

فصل [في خلع الأب والوصي والسلطان على البكر والثيب]

يجوز خلع الأب على ابنته إذا كانت غير بالغ بكرًا كانت أو ثيبًا 387، وعلى البالغ إذا كانت بكرًا لم يدخل بها أو مدخولًا بها ولم تطل إقامتها؛ لأنَّ له الجبر على النكاح في هذه الحالات، وإذا كان له الجبر كان الخلع إليه.
ويختلف إذا كانت ثيبًا تأيَّمت قبل البلوغ ثم بلغت، فقيل: له أن يجبرها على النكاح، فعلى هذا له أن يخالع عليها، وقيل: لا يجبرها، ولا يخالع عليها.
واختلف في خلع الوصي والسلطان على البكر والثيب السفيهة فعلى قول مالك في المدونة: لا يجوز ذلك إلا للأب وحده 388؛ لأنه منع أن يضع الأب مع بقاء العصمة 389، وقال مالك في المبسوط: يجوز مبارأة الوصي عن يتيمته الصغيرة ما لم تبلغ 390. واختلف فيه عن ابن القاسم، فقال عيسى في كتاب المدنيين: رجع ابن القاسم إلى أن مبارأة الوصي والسلطان جائزةٌ على الصغيرة إذا كان ذلك حُسْنَ نظر 391. وهو أحسن، وقد يفرق بينهما لما يصل إليها من الإساءة، ويعجز عن386

الجزء: 6 - الصفحة: 2550

إثبات ذلك، أو لما يعلم من كثرة أيمانه بالطلاق، وأنها معه حرام، أو يتوسل إلى مالها ويتلفه، ولا يعترض هذا بالنكاح في ثاني حال؛ لأنا لا نمنع أجنبيًّا يعطي الزوج شيئًا على الخلع، وإن كان ذلك 392 يؤدي إلى حاجتها إلى زوج غيره.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في الوصي يخالع عمن في ولايته بأقل من نصف الصداق قبل البناء على وجه النظر لفساد وقع أو ضرر بَيِّن: فذلك جائز عليها 393. ولم يفرق بين بالغ ولا غيرها، وكذلك روى ابن نافع عن مالك أنه قال: لا بأس أن يبارئ الوصي عن يتيمته، وإن كان أبوها زَوَّجَها من قبل أن يوصي إليه 394. قال الشيخ: 395 وهذا صواب؛ لأنه الناظرُ لها فيما يكون من مصالحها في نفس أو مال، فأي ذلك رآه صوابًا فعله.
واختلف في السيد يخالع عن عبده أو أمته إذا كانا صغيرين، فروى ابن نافع عن مالك أنه أجازه، وأنكر ذلك سحنون 396. وأرى أن يجوز ذلك في الأمة؛ لأنَّ الطلاق بيد الزوج، وقد كان للسيد أن ينتزع مالها، وإن كان ذلك الذي يخالع به من صداقها فلا مقال للأمة فيه، وإنما المقال فيه للزوج مع بقاء العصمة بخلاف العبد؛ لأنه يتهم أن يفرغ عبده، فإن فعل رُفع الأمر إلى السلطان، فإن رأى أن ذلك حسن نظر للعبد مضى، وإلا رَدَّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 2551

فإن خالع الأب على ابنته وضمن الصداق، فإن قصد بالضمان حَمْلَه وأن يؤديه عنه لزمه، فإن كانت الابنة بكرًا أتبعته به، ولم يكن لها مقال على الزوج، وإن كانت ثيبًا رشيدة كانت بالخيار بين أن تتبع به الأب أو تتبع الزوج، ويرجع الزوج على الأب (1)، وإن كان ضمان درك إن وجب لها قيام لم يكن لها شيء -إن كانت بكرًا- لأنَّ خلعَ الأب جائزٌ عليها، وإن كانت ثيبًا رشيدة كان لها القيام على أيهما أحبت، فإن رجعت على الزوج رجع الزوج على الأب، وإن رجعت على الأب لم يكن لها (2) رجوع على الزوج، وإن كانت سفيهة لم ترجع على أحد على المستحسن من القول؛ لأن خلع الأب جائز عليها.

فصل [في اختلاع الأمة والمدَبَّرة والمكاتبه]

وإن اختلعت الأمة والمدبرة 399 من زوجها بغير إذن سيدها، مضى الطلاق ورُدَّ المال إلا أن يكون ذلك في مرض سيد المدبرة على القول إن السيد حينئذٍ يمنع من انتزاع المال فيوقف ذلك المال.
فإن مات السيد صح الخلع، وإن صح رُدَّ المال، وكذلك أم الولد إن خالعت في صحة سيدها مضى الطلاق ورُدَّ المال، وإن خالعت في مرضه وقف المال، فإن مات صح للزوج 400 وإن صحَّ من مرضه بطل المال.397398

الجزء: 6 - الصفحة: 2552

وقال في المدونة في المكاتبة تخالع: ذلك جائز بإذن السيد 401. وأرى إن خالعت بغير إذنه أن يوقف المال إذا كان لا ضرر عليها في وقفه في سعيها، فإن أدت كان للزوج وإن عجزت رُدَّ المال، وإن كان وقف المال يضعف سعيها رُدَّ إليها، ولم يكن للسيد إسقاطه على قول أشهب.
وهو أحسن.
فإن أدت قام عليها الزوج بقبضه؛ لأنها قضت به دينها، وإن عجزت أتبعها به متى عتقت، وإن كانت معتقة إلى أجل.

الجزء: 6 - الصفحة: 2553

باب في خلع المريض والمريضة

خلع المريض جائز وله ما أخذ من الزوجة، ويختلف في ميراثها منه، فقال مالك في المدونة: ترثه 402. وقال محمد: لها الميراث في ماله وفيما اختلعت به 403؛ لأنه مما يورث عنه مثل سائر ماله.
قال مالك: وكذلك إذا ملكها في مرضه أو خيَّرها، فإنها ترثه 404. وهذا حماية لئلا يفر الأزواج بالميراث في المرض.
قال مالك في غير المدونة" ولو جاز ذلك لأضر بعض المرضى بامرأته إذا كره أنْ ترثه فتفتدي منه 405. ويرى أنها التي كرهته.
وقال المغيرة فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه فحنث في مرضه: فإن كان بيّن المِلاء كان كالمطلق في المرض، وإن كان إنما طرأ له مال لم يعلم به حتى مات لم ترثه 406. فعلى هذا لا ترثه إذا خالعت في مرضه؛ لأن الخلع في المرض أبين في البراءة من التهمة في الطلاق من المرض؛ لأنَّ الخلع باختيارعا ولها فيه مدخلٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 2554

فصل [في خلع المريضة]

واختلف إذا اختلعت وكانت هي المريضة، قال ابن القاسم.
له الأقل مما خالعها به أو قدر ميراثه منها 407. وقال مالك في كتاب محمد: له من ذلك خلع مثلها فإن كان فيه فضل أخذ منه 408، يريد: الأقل مما خالع به أو خلع مثله.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: له ما خالعها عليه إذا حمله ثلثها 409. يريد: أن الطلاق كان بطوعه فسقط أن يكون وارثًا، وصح أن يأخذ من الثلت على أحكام أفعال المريض فيما لم يأخذ 410 له عوضًا كهباته مع غير الوارث، ورأى مالك أنها معاوضة 411؛ لأنها اشترت نفسها، وما يملك منها بذلك فكان له 412 معاوضة بغير محاباة.
والأول أحسن؛ لأنه وارث فلا يزاد على ميراثه إن خالع على أكثر؛ لأنهما يتهمان أن يتحيلا لتعطيه فوق ميراثه، وكثيرًا ما تترك الزوجة حينئذٍ صداقها، فيجب أن يراعى ميراثه منها، ولا يحط منه، إن كان أكثر من خلع المثل أو أكثر من ثلثها إذا كان قدر ميراثه منها 413؛ لأنه كان يستحق ذلك من تركتها، فهو يقول.
لم أضر الورثة بشيء، ولم أرض بالفراق إلا على حظي من الميراث.

الجزء: 6 - الصفحة: 2555

واختلف بعد القول إن له مما خالع عليه قدر ميراثه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: قدر ميراثه يوم مات 414. وقال في العتبية: يوم خالع 415. والأول أصوب.
ولو أعطى ذلك الآن، ثم تلف الباقي، كان هو الوارث دون بقية الورثة، أو نقص بإنفاق أو غيره, وإن قد أخذ فوق ميراثه.
واختلف في وقف ما خالع عليه، فقال ابن نافع: يوقف.
وقاله أصبغ في كتاب محمد، قال: ولا يمكن منه 416. فإن صحت أخذه، وإن ماتت كان له منه قدر ميراثه.
وقال في كتاب طلاق السُّنَّة: يترك في يدها على حاله ولا تمنع من التصرف في مالها من بيع وشراء أو نفقة بالمعروف 417. وأرى إن كان الخلع على دنانير أو دراهم ألا توقف، وإن كان عبدًا أو دارًا وقف ومنعت من بيعه والتصرف فيه, فإن صحت أخذه، وإن ماتت كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوه له، أو يردوه ميراثًا؛ لأنهم شركاؤه فيه، ويكون على حقه في الميراث على الوفاء شائعًا -وإن كانت قيمة ما خالع عليه أقل من قدر ميراثه- لأن الزوج لم يترك الفضل إلا لغرض له 418 في عين ما خالع عليه، وإن كان ذلك العبد أو الدار أفضل مالها 419، كان أبين في ردَّ الورثة.
قال محمد: وإن أوصت بوصية لم تدخل الوصية فيما خالعت به، ويخرج ما خالعت به من رأس المال، ثم تخرج الوصايا من ثلث الباقي 420. يريد: ثم يضم

الجزء: 6 - الصفحة: 2556

الباقي إلى ما وقف فيكون له قدر ميراثه منه، وهذا إذا كانت الوصية بجزء بالثلث أو الربع، وإن كانت بدار أو بعبد، فلم يحمله الثلث، جرت على قولين فيمن قال: إن الوصايا تدخل فيما لم يعمل به لا يعزل ما خالعت عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 2557

باب في الحضانة، ومن يستوجبها، ومتى تسقط؟

المراعى في الحضانة أربعة أوجه: أحدها: من له فيها حق، والثاني: ترتيب منازلهم إذا تنازعوا، والثالث: متى يسقط حق من له فيها حق؟ والرابع: إلى متى تكون الحضانة؟ الحضانة تختص بالأقارب من الرجال والنساء، ممن يُعلم منه العطف والحنان على ذلك الولد، وأحقهم عند التنازع من يعلم في مستمر 421 العادة أنه أشدهم له رحمة وأرقهم به، وأعطفهم عليه، ولا يخلو التنازع في الحضانة من أحد 422 ثلاثة أوجه: إما أن يكون بين النساء بانفرادهن أو بين الرجال بانفرادهم، أو بين الرجال والنساء.
فإن تنازعه النساء بانفرادهن 423 فأحقهن الأم 424، ثم الجدد للأم، ثم جدة الآم لأمها، ثم الخالة.
قال في كتاب محمد: ثم خالة الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة الأب لأبيه، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخ 425. قال مالك في كتاب ابن حبيب 426: وليس لبنات الأخوات، وبنات الخالات، وبنات العمات مع هؤلاء 427 من الحضانة شيء 428. يريد: مع العصبة

الجزء: 6 - الصفحة: 2558

من الرجال، فإن عُدموا كن أحق من الأجنبيين، ثم ينظر (1) أقربهن به حنانًا في مستمر العادة فتقدم، ولهذا قدم قرابة الأم على قرابة الأب للمعهود في ذلك، ولو علم من أحد ممن قدمناه قلة الحنان والعطف، لجفاء وقسوة في طبع، أو لأمر بينها وبن أم الولد أو أبيه، وعُلم من أحد ممن أخرناه الحنان والعطف؛ لقُدِّم على من علم منه القسوة وغير ذلك.
وفي تقدمة ابن القاسم جدة الأم على الخالة نظرٌ، وكذلك خالة الخالة على الجدة للأب وعلى الأخت (2). والأظهر أن الأخت أعطف وأرأف بأخيها من خالة الخالة.
وقال مالك في كتب المدنيين في رجل توفي وترك زوجته وابنته وأخاه فتزوجت الأم وأراد العم أن يضم بنت أخيه إليه، قال: ينظر الإمام في ذلك، فحيث رأى خيرًا للابنة جعلها عند من هو خير لها.
فأدخل في ذلك نظر الإمام، وهذا أصوب، فينبغي أن ينظر في كل نازلة حين نزولها.

فصل [في ترتيب منازلهم إذا تنازعه الرجال]

وإن تنازعه الرجال فأولاهم الأب، ثم الأخ، ثم الجد للأب، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم، ثم المولى الأعلى، ثم المولى الأسفل، وهذا مع عدم الوصي، فإن كان وصيًّا قدم على سائر من ذكر من العصبة والموالي، فقدم الجد على ابن الأخ، وإن كان ابن الأخ مقدمًا عليه في الولاء؛ لأن الجد أعظم حنانًا، وعطفًا على ولد ولده من ابن الأخ على عمه، وقياسًا على افتراق حكمهما في تغليظ الدية، وقدم الوصي؛ لأنه مقام باجتهاد الأب، ومن اجتهد فيه الأب لولده أولى.429430

الجزء: 6 - الصفحة: 2559

ولو علم أن ذلك كان من الأب لشنآن كان 431 بينه وبين جد الولد أو أخيه، لقُدِّم على الوصي؛ لأنَّ عليهما في تربية غيرهما لولدهما معرَّة مع علمنا أن رغبة الأب عنهما 432 لم يكن لحسن نظر.
ولو كان الشنآن بينه وبين عم الولد أو ابن عمه، لقُدِّم الوصي؛ لأنهما يتهمان في عداوته والإساءة إليه لعداوة الأب.
وإن اجتمع إخوة، واختلفت منزلتهم، فأحقهم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأم، ثم الأخ للأب على اختلاف فيه هل له حق في الحضانة؟ وكذلك الأخوات إذا اجتمعن فأحقهن الشقيقة، ثم الأخت للأم.
واختلف في الأخت للأب؟ فقيل: لها حق في الحضانة.
وروي عن مالك في كتاب المدنيين أنه قال في رجل توفي وترك غلامًا، وجارية، وأمهما شتى، فتزوجت أم الغلام، فقالت أخته: أنا آخده وعلي نفقته، أو قالت.
وأنفق عليه من ماله.
قال: إذا تزوجت أم الغلام أخذه أولياؤه.
قال ابن القاسم: وليس للأخت في ذلك قول 433. فلم يجعلا للأخت للأب حقًّا في الحضانة؛ لأن العادة جارية أن التعاطف والحنان بين الأخوين من الأم، والتباغض 434 والشنآن بينهما إذا كانا من أب لاختلاف ما بين أمهاتهن على ذلك يربون وينشئون، فإن تساوت منزلتهم فكانوا أشقاءَ أو لأم فأولاهم أقومهم، فإن تساووا فأسنهم، ولم أرَ للجد للأم في الحضانة نصًّا، وأرى له في ذلك حقًّا؛ لأن له حنانًا وعطفًا، ولهذا غلظت الدية فيه، وأسقط عنه القَوَدَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 2560

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" (1). ولم يختلف أنه داخل في عموم قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]، وأن ابن البنت داخل (2) في عموم قوله جل ذكره: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23].
فإن انفرد كانت له الحضانة، وإن شاركه في ذلك أحد نظر أيهما أعطف وأرفق، ولا يعترض ذلك بكونه غير عاصب لتسليمهم للأخ (3) للأم، وتبديته على من له تعصيب كالأخ للأب والعم.

فصل [في ترتيب منازلهم إذا اجتمع رجال ونساء]

وإن اجتمع رجالٌ ونساء، فإن لم يكن في الرجال أب بدئ بالنساء من كنَّ، ولا مدخل للرجال إلا بعد عدمهنَّ، وأما الأب فتبدى عليه أم ذلك الولد وجدته لأمه قولًا واحدًا.
واختلف فيما سواهما على أربعة أقوال: فقال مالك في كتاب محمد: هو متقدم على الخالة ولم يقدم عليه إلا الأم والجدة للأم 438، وجعله في المدونة مقدمًا على الأخت إلي من بعدها 439، ولم يرَ في كتاب ابن حبيب 440. مدخلًا إلا بعد435436437

الجزء: 6 - الصفحة: 2561

عدم جميع 441 النساء 442. وقال ابن القاسم في كتاب المدنيين: تبدى عليه الخالة 443، ويبدى هو على أمه.
والأصل في تبدئة الأم على الأب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للتي سألته قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِى هَذَا كَانَ بَطْنِى لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِى لَهُ حِوَاءً، فَزَعَمَ أَبُوهُ أنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي، فقال لها: "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" 444. ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التفرقة بين الأم وولدها في البيع، وليس ذلك للأب، فدل ذلك على قوة سببها فيه على الأب في حال الصغر، ولأن المبتغى حينئذٍ حفظ الولد وصيانته والرفق به، ولا يختلف أن الأم أقوى على ذلك من الأب.
وأما الخالة فالأصل في تبديتها حسب ما تقدم حديث بنت حمزة: "تَنَازَعَ حَضَانَتَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَعْفَرٌ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - رضي الله عنهم -، فَقَالَ عَليٌّ: أَنَا آخُذُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي.
وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا عِنْدِي.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: بِنْتُ أَخِي.
فَقَضَى بِهَا رَسْولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لخِالَتِهَا، وَقَالَ: "الخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُم"، وَقَالَ لِعَليِّ.
"أَنْتَ مِنِّى وَأَنَا مِنْكَ".
وَقَالَ لجِعْفَرٍ: "أَشبَهْتَ خَلْقِى وَخُلُقِى".
وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا".
أخرجه البخاري 445.

الجزء: 6 - الصفحة: 2562

وأما تقدمة النساء على الرجال الأب وغيره (1)؛ فلأن المعهود من القيام بالأطفال في التربية وسياستهم إلى النساء (2)، لما جُبلن عليه وإن ذلك، ولهنَّ من الصبر والابتذال فيما يحتاجون إليه ما ليس للرجال، ولأنه لا يخلو الأب أن يكون عزبًا أو ذا زوجة، فإن كان عزبًا كان الولد معه ضائعًا؛ لعجزه عن التربية، وإن تصرف بقي الولد ليس له (3) من يسوسه، وإن كان له أهل فإن المعروف أنه (4) يكله إلى زوجته، ومعلوم من زوجة الأب الجفاء والقسوة لربيبها، فكان الأخت والعمة أولى، إلا أن يكون الأب (5) ممن يلازم المسكن في غالب أمره فيكون أحق ما لم يغب، فإن سافر رد إلى الأخت والعمة، ولم يترك مع زوجة الأب.

فصل [فيما يراعى في الحضانة]

يراعى في الحضانة ثلاثة أوجه 451: صفة المسكن، وصفة من له الحضانة، وهل لها أو له زوج أم لا؟ فأما المسكن فيراعى فيه الحفظ والتحصين في وجه واحد في حضانة الإناث إذا بلغن الوطء، ولا يراعى في الذكران ولا فيمن لم يبلغ الوطء من الإناث، ثم مراعاته على وجهين: واجب واستحسان، فإن كانت الصبية446447448449450

الجزء: 6 - الصفحة: 2563

موصوفة بالجمال، أو في موضع كثير الفساد، كان مراعاة حفظ السكن واجبًا، وإلا كان استحسانًا 452. وأما صفة من له الحضانة فيتصرف إلى وجوه، وتنحصر إلى أربعة أوجه 453: إلا أن تكون عاجزة عن القيام بالمولود، ولا يخشى أن يدخل عليه ضرر ولا فساد في طباع ولا بدن ولا معيشة.
قال ابن المواز فيما يسقط حقها: إن كانت تضعف عنهن، أو سقيمة، أو مسنة، أو سفيهة 454. فأما ضعفها فإن كانت زمنة أو مقعدة، أو بلغ بها السقم أو السن إلى لزوم الفراش، أو تتصرف على مشقة، فلا حق لها، وإن كانت تتصرف على غير مشقة 455 كانت على حقها.
والسفه على أربعة أوجه: سفه في الدين؛ لأنها غير مأمونة يغمض عليها في طرق يُظنُّ بها فيخاف أن تدخل على من تحضنه فسادًا إن كانت صبية، أو ينشأ على ما لا يرضى إن كان صبيًا.
وسفه في العقل: أن تكون ذات طيش وقلة ضبط لا تحسن القيام ولا أدبَ من تحضنه فيخاف أن ينشأ الولد على مثل حالها، وسفه في المال: فيما تقبضه من أجرة الحضانة 456 تبذره بالإنفاق قبل انقضاء الأمد الذي يفرض له 457 أو تحوز فيه؛ فهؤلاء لا حقَّ لهنَّ في الحضانة، وسفيهة مولى عليها ذات صيانة وقيام، غير متلفة للقدر الذي تقبضه، فهي على حقها في الحضانة.

الجزء: 6 - الصفحة: 2564

وأما الضرر في البدن فالجذام والبرص، فإن كان خفيفًا لم يمنع، وإن كان متفاحشًا منعت، لما يدرك الولد من المضرة برؤيته، واحترازًا ممن يقول إنه يخشى حدوث مثله بالولد، وإن كانت تجنُّ في بعض الأحايين، ويخاف أن يدرك الولدَ رعبٌ في حين يعرض لها أو ضيعة، منعت.
وإذا كانت الحضانة إلى الرجل رُوعِي مثل ذلك فيمن يتولى الحضانة من نسائه، أعني في القيام ودفع المضرة.
وقال في المدونة: رُبَّ أَبٍ شرِّيب (1) سكِّير يذهب يشرب، ويترك ابنته، أو يدخل عليها الرجال، فهذا لا يُضم إليه شيءٌ.
قال ابن القاسم: وينظر لها السلطان (2)، ويراعى في المرأة إذا كانت الحضانة إليها مثل ذلك، وهل تكثر التصرف وتترك الولد؟

فصل [فيما يثبت به حق النساء والرجال في الحضانة، وسقوطه]

حضانة المرأة تصح تارة بشرط عدم الزوج، وتارة مع وجوده، ومِن شرْط مَن له الحضانة من الرجال وجودُ الأهل، زوجة أو سرية، وهذا في الذكران.
وأمَّا الإناث فحق الأولياء في حضانتهنَّ على ثلاثة أقسام: ثابت، وساقط، ومختلف فيه، فيثبت لكل من بينه وبينهن محرم كالأخ وابن الأخ والجدِّ والعم، ويسقط في كلِّ من ليس بذي محرم إذا كان غير مأمون أو مأمونًا لا أهل له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 460. واختلف إذا كان مأمونًا وله أهلٌ، فقال مالك في كتاب محمد في الصبية تتزوج أمُّها، ولها جدٌ أو عمٌّ، لهما أن يأخذاها، فأما الوصي فليس بينه وبينها458459

الجزء: 6 - الصفحة: 2565

محرم، وتكون مع زوج أمها؛ لأنه صار ذا محرم منها إلا أن يخاف عليها عنده فيكون الوصي أولى 461. وقال أصبغ في العتبية: الوصي 462 أولى من الأم إذا تزوجت، ومن العم والأخ بالإناث، وإن كن قد بلغن أبكارًا، والأولياء إذا لم يكن بينهم وبينها محرم كالأوصياء 463. وقول مالك أصوب؛ لأنه لا ينفك من أن 464 تكون في كفالته أن يطلع منها على ما لا يحل؛ لأن طول الصحبة والتربية تسقط التحفظ، وهذا فيمن بلغ منهن حد الوطء، وفيمن كان صغيرً انظر، فيصح أن يقال: يكفلها الوصي والولي إلى أن تبلغ حد الوطء فتنزع منه 465. ويصح أن يقال: يمنع ذلك لما عليها من التنقل من قوم إلى قوم، ويشق عليها نقلها عمن ألفته.
وما ذكر في أول الفصل أن من شرط الرجل في الحضانة أن يكون له أهل هو قول مالك في مختصر ابن عبد الحكم إذا تنازع الولدَ الأبُ والخالةُ، فقال: الأبُ 466 أولى إذا كان عنده من يحضنه 467، فراعى أهله 468 لأنهن العمدة في القيام بالأطفال وبخاصة 469 الإناث، والغالبُ من الأب التصرف، فإذا لم يكن له من يخلفه فيهم ضاعوا.

الجزء: 6 - الصفحة: 2566

فصل [في حضانة المرأة ذات الزوج]

وإذا كانت الحضانة إلى امرأة ذات زوج فإنه لا يخلو الزوج من أربعة أوجه: إمَّا أن يكون من الولد وليًّا محرمًا، أو غير محرم، أو وصيًّا، أو أجنبيًّا، فإن كان أحد الأولياء لم يسقط حظها 470 في الحضانة، ويسقط مقال الأب والوصي وبقية الأولياء كان الولي مثل الزوج في القعود 471 أو أقرب.
وإن كان الزوج وصيًّا سقط مقال بقية الأوصياء والأولياء وإلى هذا ذهب ابن القاسم في كتاب محمد 472، وهو الذي يقتضيه قوله في المدونة إذا كان الزوج جد الصبيان 473، فإن تزوجت الأم العمَّ، فأراد العم الآخر أخذه قيل له: كونه مع عمه وأمه أولى من عمِّ زوجته أجنبية، وإن كانت الحضانة إلى الخالة وزوجها عم الولد، فأراد الأب أخذه، قيل له: كونه مع خالته وعمه أحسن له من كونه عندك وزوجتك أجنبية، والمعروف منها الجفاء وقلة العطف عليه، والغالب من الأب أنه يكله إليها.
فإن تزوجت الأم ابن عم الصبية لم ينزع منها؛ لأن الوليَّ تقع الحرمة بينه وبين الصبية بنفس دخوله بالأم، فاجتمع فيه الولاية والتحريم، وإن كانت الحضانة إلى الخالة، وزوجها ابن عم الصبية، انتزعت إذا كانت الحضانة 474 بعدها إلى خالة أو أخت غير ذات زوج، أو إلى وليٍّ محرم، كالأب والجدِّ والعم.

الجزء: 6 - الصفحة: 2567

ويصح بقاء حق المرأة في الحضانة، وإن كان الزوج أجنبيًّا، وذلك في ست مسائل: أن تكون وصية على اختلاف في هذا الوجه، أو يكون الولد رضيعًا لا يقبل غيرها، أو يقبل غيرها، وقالت الظئر: لا أرضعه إلا عندي؛ لأن كونه في رضاع أمه -وإن كانت ذات زوج- أرفق به من أجنبية يسلم إليها، وإن كانت الظئر ذات زوج كان أبين، أو كان من إليه الحضانة بعدها غير مأمون أو عاجزًا عن الحضانه أو غير ذلك من الأعذار، أو يكون الولد لا قرابة له من الرجال ولا من النساء، قال سحنون: فيترك مع أمه.
واختلف عن مالك إذا كانت الأم وصية فتزوجت، فقال مرة: إن جَعلت لهم بيتًا يسكنونه ولحافًا وطعامًا وما يصلحهم، لم ينتزعوا منها، إلا أن يخشى عليهم فينتزعوا (1) (2)، وقال أيضًا: ما آمن أن ينتزعوا منها؛ لأن المرأة إذا تزوجت غُلبت على جُلِّ أمرها حتى تفعل ما ليس بصواب (3)، وولاتهم يقولون ليس لها أن تدخل عليهم رجلًا فما أخوفني إن تزوجت أن ينتزعوا منها.

فصل [في أن التقدمة في الحضانة ليست واجبة، وإنما هي على الخيار]

وكل من ذكر أنه مقدم في الحضانة فليس ذلك بواجب عليه وهو بالخيار، والتقدمة في ذلك من باب أولى؛ لأنَّ لكلٍّ حنانًا وعطفًا ما خلا الأم، فإنه يختلف هل تجبر؟ وقد تقدم في الأم تخالع على طرح ولدها للأب، وكل امرأة سقط حقها لسبب ثم زال ذلك 478 السبب فهي على حقها إذا كان سقوطه بغير475476477

الجزء: 6 - الصفحة: 2568

اختيارها مثل: أن تكون مريضة فبرئت، أو ذات زوج في حين وجوب الحضانة، ثم طلق، أو مات، أو سافرت لحجة الفريضة، أو سافر بها زوجها، وهو جد الصبيان أو غيره من الأولياء غير طائعة ثم قدم، أو ما أشبه ذلك مما يتبين فيه عذرها، إلا أن يكون الولد قد ألف من هو عندها ويشق عليه النقلة، أو يدخل عليه في ذلك مضرة، فلا ينقل.
قال مالك في كتاب محمد: إذا تركت ولدها من عذر، مرضت أو انقطع لبنها أو جهلت أن ذلك لها، فلها انتزاعه 479، وإن كان سقوط ذلك باختيار لم يرد ما خلا الأم، فإنه قد اختلف عن مالك 480 فيها، فقال في المدونة: لا يرد إليها إن طلقت 481. وذكر 482 أبو محمد عبد الوهاب أنه قال 483: يرد إليها 484. فإن كان للولد أبوان، وجدة، وأخت، فتزوجت الأم وأخذته الجدة، ثم أحبت الجدة أن تسلمه للأخت، وأَبى ذلك الأب كان ذلك له؛ لأنه أقعد من الأخت، وإن أمسكتة ثم طلقت الأم، فقالت: أنا أرده إلى أمه، لم يكن للأب في ذلك مقال؛ لأنه نقل إلى ما هو أفضل له.
قال في كتاب محمد: فإن تزوجت الجدة وطلقت الأم لم يكن لها أن تأخذه وأخذه الأب، وعلى القول الآخر تكون الأم أحق به من الأب 485.

الجزء: 6 - الصفحة: 2569

فصل [في حضانة الكافرة, وأم الولد]

اختلف في حضانة الكافرة 486، فقال في المدونة في الأم تكون يهوديةً, أو نصرانيةً، أو مجوسيةً: لها الحضانة، وإن خيف أن تغذيهم الخمر ولحوم الخنازير ضمت إلى المسلمين 487، وبه قال سحنون في العتبية في الجدة والخالة 488، وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا حق للأم النصرانية؛ لأن الأم المسلمة إذا كانت يثنى عليها ثناء سوء، نزعوا منها، فكيف بنصرانية! 489. وهذا أحسن وأحوط للولد، وليس حفظ الأب فيما تدخل الأم على الولد، وهي في العصمة مثل المطلقة؛ لأنَّ الأب مع بقاء العصمة مترقب لما يجري في داره وبيته مع ما يخشى عند انقطاعه إليها أن تقذف في قلبه شرًّا فيعتقده ويتدين به.
واختلف في أم الولد تعتق، فقال مالك في المدونة: هي بمنزلة الحرة 490. وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا حضانة لها.
قال 491: وإنما ذلك للحرة يطلقها زوجها 492. والأول أحسن.

الجزء: 6 - الصفحة: 2570

فصل [إذا لم تتوافر الحرية في الوالدين أو أحدهما، والولد حرٌّ]

الحضانة بين الوالدين والولد على ما تقدم ذكره إذا كان الأبوان والولد أحرارًا.
فإن كان الأب 493 عبدًا والولد حرًّا، فتزوجت الأم وهي حرة أو أمة، لم يكن للأب أن ينتزعه منها.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: إلا أن يكون مثل العبد القيم بأمر سيده أو التاجر الذي له الكفاية والمال، فيكون أولى بولده إذا تزوجت الأم، وأما العبد الذي يُخارج في الأسواق ويبعث في الأسفار، فلا 494. وعلى قول مالك إن لم تكن أم وكانت جدة أو خالة مملوكة، ورضي من له الملك فيها بكفالة الولد، يكون ذلك لهما، وهما أحق به من الأب إذا كان عبدًا 495. وإن كان الأب والولد حرَّين والأم أمة كانت أحق به إلا أن يظعن بها سيدها.
قال محمد: أو تتزوج 496. وفيه نظر؛ لأن الغالب من الأمة أنها مقهورة بأعمال ساداتها، وقد منعت الأم الحرة إذا تزوجت لما يتعلق بها من حق الزوجية فكيف بالأمة؟! وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إذا أعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه، فأمه دنية أحق به، إلا أن يكون مضرًّا به 497. وقوله "مضرًّا

الجزء: 6 - الصفحة: 2571

به (1) "جنوح منه إلى النظر فيمن كان في الرق، وإنما رأى إذا أعتق الولد دون الأم أو الجدة (2) أو الأم دون الولد، ألا ينتزع وإن تزوجت الأم؛ لأنَّ في (3) ذلك تفرقة بينها وبين ولدها وقد يباع الرقيق منهما ويطعن به مشتريه وحكم العبدية في التفرقة خلاف الحكم في الأحرار، إلا أن تجتمع الحرية في الابن والأب، فيسقط حكم الأم في التفرقة (4).

فصل [إلى متى تكون الحضانة؟]

اختلف عن مالك في أمر الحضانة للذكران، فقال في المدونة: الاحتلام 502. وقال ابن شعبان: يحتلم الغلام صحيح العقل والبدن.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم وأبي مصعب: الإثغار 503. وقال أبو الحسن بن القصار: قول مالك في الذكر أن الإثغار يسقط حضانة الأم، ويملك حضانة نفسه.
وهذا يشبه قول الشافعي أنه يُخَيَّر بين أن يكون عند أبيه أو أمه بمنزلة لو بلغ 504، وليس قوله بالبين؛ لأنَّ مالكًا لم يقل يملك حضانة نفسه بعد الإثغار،498499500501

الجزء: 6 - الصفحة: 2572

وإنما أراد أن للأب أن يأخذه حينئذٍ فيصح أن يسقط حق الأم في الحضانة بالإثغار، ولا يخير الولد؛ لأنه لم يرشد، وللأب أو وليه أن يضمه إليه من غير خيار، غير أن التخيير في مثل ذلك أحسن؛ لأنا نجد الأولاد مختلفين فمنهم من يركن إلى الأم، ومنهم من يركن إلى الأب، وفي منعه ممن هو متعلق النفس به مضرة عليه، وقد روى الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا حسن السند: "أَنَّهُ خَيَّرَ غُلًاَمًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ" (1). وأما الإناث فالأم أحق بحضانتهن ما لم يتزوجن، ويدخل بهن، وكذلك كل من له حق في حضانتهن من النساء.
ولا أرى أن تخير البنت في الانتقال عن الأم إلى الأب؛ لأنها أصون لها، وقد تخير إذا كانت عند غير الأم.
وقال مالك في كتاب المدنيين في رجلٍ أوصى بابنته إلى رجل، وللبنت عمة وجدة من قبل الأب فلم تطلبها الجدة، وكانت عند العمة فتزوجت العمة قبل بلوغ الجارية فطلبتها الجدة وأبت الجارية وأحبت أن تقر مع العمة قال: تترك عندها إذا أحبت الجارية (2). وهذا نحو ما ذهب إليه القاضي أبو الحسن بن القصار أن الولد يخير بين أبويه.

فصل [في الانتجاع بالولد]

الانتجاع بالولد إلى الرجال، الأب 507، والوصي، والأولياء، وذلك بستة505506

الجزء: 6 - الصفحة: 2573

شروط: وهو أن يكون الخروج على وجه الانتقال والسكنى وإلى بعدٍ عن موضعه الآن، وإلى قرار وإلى أمن، وأن يكون الولد والذي ينتجع به حُرين، وإن كان الخروج به 508 على وجه السفر والعودة، أو على وجه 509 الانتقال إلى قرب من المكان لم ينتزع ممن هو عنده من النساء، وإن أرادت الأم الخروجَ به إلى مثل ذلك القرب لم تمنع.
واختلف في حد القربِ الذي يمنع الأب أو الولي الانتقال به ولا تمنع المرأة من الخروج به, فقال في المدونة: البريد ونحوه قريب حيث يبلغ الأب والأولياء خبرهم 510. وقال أصبغ في كتاب محمد: في الكِرْيَوْن 511 موضع 512 من الإسكندرية 513، وهو يريد أن ليس للأم أن تنتجع بولدها إليه 514. وقال أشهب: في ثلاثة بُرُد هو بعيد.
وقال مالك 515: مسيرة يوم قريب 516 للأم أن تخرج بالولد إليه.
وقال مرة: حدُّ البعد مرحلتان.
وقال أيضًا: إذا كان موضعًا لا ينقطع خبرهم فهو قريب 517، من غير أن يحده بأميال، وهو أبين، فربَّ بعيدٍ لا ينقطع خبر الولد منه، واستعلام حاله؛

الجزء: 6 - الصفحة: 2574

لكثرة ترداد أهله بين الموضعين، ورُبَّ قريب ينقطع فيه معرفة حالة الولد، لقلة التصرف فيما بين الموضعين، فيكون له حكم البعيد، ويمنع من الانتجاع بالولد إلى موضع غير مأمون، وبخاصة الإناث وإلى غير قرار.
وقال مالك فيمن طلق زوجته وله منها ولد صغير فأراد أن ينتقل إلى البادية من الموضع: فليس له أن يأخذ ولده.
والانتجاع للأب بالولد إذا كانا حُرَّين، الأب والولد، فإن كان أحدهم عبدًا، الأب أو الولد أو الأم، لم يكن للأب أن ينتجع به؛ لأنه إن كان الولد عبدًا كان الانتجاع به إلى سيده، وتتبعه الأم إن أحبت، وإن كان الأب عبدًا والابن (1) حرًّا كان الانتجاع به إلى أمه، حرة كانت أو أمة.
وهذا ظاهر قوله في المدونة، قال: لأن العبد ليس له مسكن ولا قرار، وإنما تسافر به ويباع (2). وقال في غير المدونة: إلا أن يكون الموضع القريب، البريد ونحوه (3). ولابن القاسم في سفر العبد بزوجته مثل ذلك ليس له أن يظعن بزوجته إلا إلى الموضع القريب مثل بعض الريف (4).

فصل [في شروط انتجاع الوصي والولي]

للوصي أن ينتجع بمن في ولايته من الذكران وإن كره الأولياء، وللأوصياء وللأولياء أن ينتجعوا بالإناث إذا كنَّ في حضانتهم قبل ذلك،518519520521

الجزء: 6 - الصفحة: 2575

وذلك إذا كان بينهن وبينهم محرم، فإن لم يكن محرم، وكان غير مأمون أو مأمونًا وهو (1) عزب، لم يكن له حق في الحضانة في المقام ولا في السفر بها.
ويختلف إذا كان مأمونًا وله أهل إلا أن تكون الصبية لا أهل لها إن خلفت، فيكون للوصي والولي أن يسافر بها إذا كان مأمونًا وله أهل، وإلا منعهم السلطان من السفر بها وكان هو الناظر لها، وكذلك الأم لها أن تسافر بولدها إن لم يكن له أهل أو كانت هي الوصية عليه ولم تتزوج (2). ويختلف إذا تزوجت فعلى أحد قولي مالك، أنه لا ينتزع منها مع المقام يكون لها أن تسافر به، وقال أبو مصعب: إذا تزوجت وهي وصية لم تخرج به إلى موضع قريب ولا بعيد إلا بإذن الأولياء.

فصل [في نفقة المحضون وكسوته وكيف يقضى فيها]

لِمَن الولد في حضانته من أم أو غيرها أن يأخذ ما يحتاج إليه الولد من نفقة، أو كسوة وغطاء ووطاء، فإن قال الأب: تبعثه إليَّ يأكل عندي ثم يعود إليك- لم يكن 524 ذلك له؛ لأن في ذلك ضررًا على الولد وعلى من هو في حضانته؛ لأن الأطفال لا ينحصر 525 الوقت الذي يأكلون فيه وأكلهم مفترقٌ 526، وذلك يؤدي إذا جاع أن تطعمه حاضنته من عندها، ولا تتركه522523

الجزء: 6 - الصفحة: 2576

فتتكلف منه ما لا يلزمها أو تتركه فيضيع، وبخاصة في الإناث؛ لأن كثرة تردادهن يؤدي إلى الإخلال بصيانتهن.
واختلف في أجرة سكنى الولد على أربعة أقوال: فقال في المدونة: على الأب السكنى 527. وقال يحيى بن عمر: السكنى على قدر الجماجم 528. وقال: وروي أيضًا ألا شيء على المرأة فيما كان أبوه موسرًا.
وقال سحنون في كتاب ابنه: ذلك عليهما وليس يكون نصفين، ولكن على قدر ما يرى ويجتهد 529. وأرى أن تجري المسألة على ثلاثة أوجه: فإن كان الأب في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم يتزيد عليه في الكراء، ألا شيء على الأب؛ لأنه كان في مندوحة عن دفع الأجرة عن سكناه.
وإن كان يتزيد عليه في الكراء وعليها هي لأجل الولد كان عليه 530 الأقل مما يتزيد عليه أو عليها لأجله، فإن كان ما زيد عليها أقل أخذته؛ لأنه القدر الذي أضرها به 531، وإن كان مما يتزيد عليه أقل غرمه؛ لأنه مما لم يكن له منه بدٌّ لو كان عنده.
واختلف في خدمته إياه، فقال في المدونة: إن كان لا بد للولد من خادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقوى على الإخدام أخدمهم 532. وقال ابن وهب في الدمياطية: ليس عليه أن يخدمهم.
قال: وبذلك قضى أبو بكر على عمر - رضي الله عنهما - دفع الولد إلى الجدة، وأمره بالإنفاق عليه 533. وأرى أن يعتبر في الخدمة نحو ما

الجزء: 6 - الصفحة: 2577

تقدم في الإسكان، فإن كان الولد، لو كان في جملة الأب، لم يُقم لها خادمًا فلا شيء عليه، وإلا أقام لهم من يخدمهم، فقد يكون للأم خادم تخدمها، وخدمة الولد غير منفصلة من خدمة الأم، فلا يكون لها شيء، فإذا كان الطبخ والعجن والغسل في جملة الأم (1) لم يضرها الولد بشيء إلا أن يكونوا عددًا فيكون على الأب أن يخدمهم لعظم مؤنتهم.
وأما الغطاء والوطاء فعلى الأب ما يحتاجون إليه من ذلك، وإن كان مبيتهم في جملة الأم كان عليه بقدر ما ينوبهم، وإن لم يكونوا في جملتها أقام لهم ما يحتاجون إليه من ذلك.
وإن بلغ الولد حد من لا يجوز له أن يبيت متعريًا مع الأم أقام لهم ما يحتاجون إليه من ذلك لانفرادهم.

فصل [في هل للأم أجر لحضانتها؟]

وإذا كان الولد يتامى كان للأم أجر الحضانة إذا كانت فقيرة والولد مياسير؛ لأنها تستحق النفقة في مالهم لو لم تحضنهم.
واختلف إذا كانت موسرة، فقال مالك: لا نفقة لها.
وقال مرة: لها النفقة إذا قامت عليهم بعد وفاة الأب.
وقال أيضًا: تنفق بقدر حضانتها إذا كانت لو تركتهم لم يكن لهم بدٌّ من حضانة، فجعل لها في هذا القول الأجرة دون النفقة 535. وأرى إن هي تأيمت لأجلهم، وكانت هي الخادمة، والقائمة بأمرهم- أن تكون لها النفقة، وإن كانت أكثر من الأجرة؛ لأنها لو تركتهم وتزوجت أتى534

الجزء: 6 - الصفحة: 2578

من ينفق عليها، فكان من النظر للولد كونهم في نظرها وخدمتها.
وإن لم تكن تأيمت لأجلهم، أو كانت في سن من لا يتزوج، كان لها الأجرة وإن كانت دون نفقتها، وإن كان لهم من يخدمهم أو استأجرت من يقوم بخدمتهم وإنما هي ناظرة فيما يصلح الولد فقط، لم أر لها شيئًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 2579

باب في نفقة الأب على الولد، والولد على الوالدين

الأصل في نفقة الأب على الولد في حال الصغر قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فأوجب على الأب أن يشتري له ما يكون طعامًا له حينئذٍ، فكذلك يجب عليه إذا انتقل طعامه إلى أكثر من ذلك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمعْرُوفِ" أخرجه البخاري ومسلم 536. والنفقة لازمة في الذكران حتى يحتلموا، والإناث حتى يتزوجن ويدخل بهنَّ، وقد تسقط النفقة قبل ذلك، وتثبت بعده على اختلاف في ثبوتها بعد، فأما سقوطها قبل فيصح بوجهين: أحدهما: يسر الولد، والآخر: صناعة تكون له.
فإن كان له مال كان الإنفاق من ذلك المال، فإن نفد قبل بلوغ الذكران، أو دخول الإناث، عادت النفقة.
وإن كان للصبي صناعة لا تدركه بعملها معرَّة، تقوم منها نفقته وكسوته، سقطت النفقة عن الأب إلا أن تكسد أو يمرض فتعود نفقته 537، وكذلك الصبية إن كان لها صناعة رقم أو غيره لا يدركها بعملها معرة تقوم منها نفقتها وكسوتها، سقطت النفقة عن الأب إلا أن تمرض أو تكسد 538. وإن بلغ الصبي صحيحًا قويًّا على الكسب سقطت نفقته.
واختلف إذا كان زمِنًا، أو أعمى، أو مقعدًا، أو ما أشبه ذلك على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم: إن بلغ على ذلك لم تسقط النفقة عن الأب، وإن طرأ

الجزء: 6 - الصفحة: 2580

ذلك عليه بعد البلوغ لم تعد النفقة على الأب 539. وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا نفقة له بلغ على ذلك أو طرأ عليه 540. وذكر ابن الجلاب عن ابن الماجشون أن النفقة لازمة للأب بلغ على ذلك أو حدث بعد 541. وهو أحسن؛ لأن النفقة قبل البلوغ لم تكن بحال الصغر بانفراده، وإنما كانت لعجزه عن التكسب والسعي، بدليل أنه لو كان له حينئذٍ مال أو صنعة تقوم بنفقته لسقطت النفقة عن الأب، ولا تسقط إذا كان لا يقدر على السعي، قيل: إلا من التكفف؛ لأن في ذلك معرة عليه.
وكذلك إذا كان بالغًا، وقياسًا على نفقة الابن على الأب إذا عجز عن النفقة على نفسه إلا من التكفف والسؤال، فإن على الابن الإنفاف عليه وصيانته عن التبذل بمثل ذلك.
وإذا دُخل بالصبية ثم طلقت لم تعد النفقة على الأب إذا كانت صحيحة قادرة على القيام بنفسها من غير السؤال.
وقال محمد: إن دخل بها وهي زمنة ثم طلقت، عادت نفقتها على الأب 542. وتعود النفقة على قول عبد الملك إذا حدثت الزمانة بعد الطلاق، وكذلك إن كانت غير زمنة وعجزت عن القيام بنفسها، إلا من التكفف 543 فعليه الإنفاق عليها، وهي في ذلك أقوى من الصبي؛ لأن معرتها أشد وهي إلى الحفظ 544 والصيانة أحوج، ولا تسقط

الجزء: 6 - الصفحة: 2581

النفقة لاختلاف الدينين إذا كان الأب كافرًا وهما مسلمان، أو هو مسلم وهما كافران، وهم في ذلك كالمسلمين؛ لأنه حكم بين نصراني ومسلم، فيحكم بينهما بحكم المسلمين.

فصل [في النفقة إذا كان الأب والابن أحدهما ليس حرًّا]

النفقة جارية بين الأبوين والابن إذا كانوا أحرارًا، فإن كان أحدهما عبدًا لم يلزم، ولا يلزم الأب الحر النفقة على ولده العبد؛ لأن ولده مالٌ لغيره ونفقته على سيده، فإن عجز كان عليه أن يبيعه ممن يقوى على الإنفاق عليه، وكذلك إذا كان الابن حرًّا والأب عبدًا لم يلزم الأب أن ينفق على ولده؛ لأن ماله لسيده ولا للابن أن ينفق على أبيه؛ لأن نفقة أبيه على سيده.
ولو كان الابن معتقًا إلى أجل كان حكمه حكم العبد، فلا نفقة على واحد منهما للآخر إذا كان حرًّا.
وأما الكاتب فالجواب فيه على أربعة أقسام: فيلزمه النفقة على ولده إذا كان من أمته أو من زوجة معه في كتابته فينفق عليه وعليها، ولا تلزمه إن كان من حرة أو مكاتبة ليست معه 545 في كتابته فيلزمه 546 أن ينفق على زوجته وتنفق هي 547 على ولدها.
وإن كان الأب حرًّا والولد معتقًا بعضه، وعجز الولد عن القيام بنفسه، أنفق السيد بقدر ما يملك منه, والأب بقدر ما أعتق منه 548، وإن كان الأب فقيرًا والابن موسرًا لم يكن عليه أن ينفق على ابنه من ماله لحق السيد، إلا أن يكون الذي

الجزء: 6 - الصفحة: 2582

في يده نصيبه بعد مقاسمة سيده, فاستحسن أن يؤخذ بالإنفاق عليه (1) منه، وإن كان ظاهر المذهب ألا شيء عليه، وأنه ممنوع من ذلك (2).

فصل [في إنفاق الولد على أبويه]

وعلى الولد أن ينفق على أبويه إذا أعسرَا، وإن كان للأب دار أو خادم لا فضل فيهما 551، لم يسقط ذلك النفقة على الابن، وإن كانت تلك الدار لغير سكناه وهو في دار بإجارة، لم يكن على الابن 552 الإنفاق إلا بعد نفاد ثمنهما، وكذلك الخادم إذا كان في غنى عنها.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: إذا كان الأب لا دار له، وللابن دار يسكنها، لم يكن عليه أن يبيعها للإنفاق على أبيه 553. وأرى إن كان الابن صغيرًا في كفالة أبيه وفي جملته أن تباع للإنفاق 554 عليهما، ولو كان في غلتها ما ينفق على الابن خاصة لبيعت لحقِّ الاب في الإنفاق، وكذلك الابنة تكون لها الدار أو الخادم وهي في جملة الأب 555، وهي في غنى عن ذلك، فإن كان الأب موسرًا أنفق عليها من ثمن ذلك، وإن كان معسرًا أنفق عليها وعليه منه.549550

الجزء: 6 - الصفحة: 2583

واختلف إذا كان لا بد لها من خادم، فقال ابن القاسم: نفقة الابنة على الأب ونفقة الخادم على الابنة (1). وقال أشهب: على الأب أن ينفق عليهما (2)، وهو أبين، قياسًا على نفقة الابن على الأب إذا كانت له خادم لا بدّ له منها، أن على الابن أن ينفق عليهما، ويلزم على قول ابن القاسم إذا كان الأب معسرًا أن يقول تباع تلك الخادم للإنفاق على الأب (3)؛ لأنه جعلها موسرة بها، وإذا كان للأب صنعة تقوم به وبزوجته جبر على عملها، ولم يكن له أن يدع العمل، ويكلف ولده الإنفاق، وإن كانت تقوم ببعض ذلك عمل وأكمل الابن الباقي، وليس له إذا كان له مال أن يتلفه بصدقة أو هبة وتعود نفقته على ولده، وللولد أن يرد فعله ذلك، وكذلك لو تصدق به على بعض ولده كان للآخر أن يرد فعله.

فصل [في إنفاق الولد على زوجة أبيه]

وعلى الولد أن ينفق على زوجة أبيه، أمه كانت أو أجنبيةً، وسواء كان محتاجًا إليها في الإصابة أم لا؟ ولأنه وإن أسن يحتاج إلى رفق من يقوم به، ولأن عليه مضرَّة ومعرة في فراق زوجته بعدم النفقة، فإن كان له زوجتان كان عليه أن ينفق على واحدة 559، وإن كانتا أمه وأجنبية أنفق على أمه دون الأخرى، إلا أن تكون أمُّه قد أسنَّت والأخرى شابة وفي الأب بقيقع فعليه أن ينفق عليهما.
وقال محمد بن556557558

الجزء: 6 - الصفحة: 2584

عبد الحكم: ليس على الابن أن ينفق على زوجة أبيه جملة 560، وقد يحسن ذلك فيمن أسنَّ، ولا يشق عليه فراقها ويكون في جملة ولده.
واختلف في تزويجه، فقال ابن القاسم ليس ذلك عليه 561. وقيل: ذلك عليه.
وأرى 562 إذا كان للأب من يخدمه أو فيه بقية لقيامه بشأنه ومثله من يتولى ذلك، ولا مضرة عليه في عدم الزوجة، لم يكن عليه أن يزوجه، وإن كان قد بلغ من السن إلى العجز عن القيام بأمره، أو كان مثله لا يتكلف ذلك 563، كان تزويجه حسنًا؛ لأنها محل خديمة، وقد كان عليه لو لم يزوجه أن يستأجر له من يخدمه.
وإن كان محتاجًا إلى ما يحتاج إليه الشاب من المرأة كان عليه أن يزوجه.
وقول مالك أن ليس على الأب أن ينفق على زوجة ولده، والقياس أن ذلك عليه، قياسًا على زوجة الأب، أن على الابن أن ينفق عليه، ولأن الابن أحوج إلى الزوجة منه 564.

الجزء: 6 - الصفحة: 2585

فصل [في إنفاق الابن على أمه]

وعلى الابن أن ينفق على أمه إذا كانت أيمًا أو عجز زوجها عن نفقتها، وليس للابن أن يقول: لا أنفق عليها حتى تطلق (1)؛ لأن فراق الزوج مضرَّة عليها من غير منفعة له.
وإن كان الزوج يقدر علي بعض النفقة أنفق الابن الباقي, وإن كان الزوج قادرًا علي الإنفاق وقال: لا أنفق عليها, إن رضيت أقامت بغير نفقة وإلا فارقت لم يصدق الزوج، ولم يؤخذ الولد بالإنفاق؛ لأنهما يتهمان في المواطأة على الضرر بالولد، وهو لا يريد الفراق، إلا أن تكون أسنت والزوج على غير ذلك ويقوم الدليل على صحة قوله.

فصل [في تعلق النفقة على الولد، وأي المستحقين يُبَدَّى على الآخر]

النفقة تتعلق على الولد بماله أو صنعة فيها فضل عن نفقته، فإن كان له زوجة كان للأب ما بعد نفقة الولد 566 وزوجته.
واختلف إذا كان للولد ولدٌ، فقيل: يتحاصَّان، الجد، وابن الابن.
وقال محمد بن خويز منداد: الابن يُبَدَّى.
وأرى أن يُبَدَّى الابن إذا كان صغيرًا لا يهتدي لمنفعة، وسواء كان الأب صحيحًا أو زمنًا؛ لأنه 567 يقدر على النظر لنفسه والتحيل.
وإن كان الولد كبيرًا ترجح القولان، فيصح أن يقال يتحاصان؛ لأن لكل واحد منهما فيه حقًّا لو انفرد به أخذه؛ ولأن كل واحد منهما قادر على النظر في العاجز عن ذلك، ويصح أن يقال: يبدى الابن إذا كان فقد الجدَّ بعد ولادته له؛ لأن حقه سبق565

الجزء: 6 - الصفحة: 2586

وحق الجد طارئ عليه، فكأنه طرأ على معدم لما كان الأول قد استحق النفقة، ولأن نفقته (1) بالقرآن ونفقة الأب بالاجتهاد، ولأنه أقل صبرًا عند الحاجة، وكذلك الولد أن يبدى الصغير على الكبير والأنثى على الذكر؛ لأنها أضعف نظرًا، وأحوج إلى الصيانة والستر، وكذلك الأبوان تبدى الأم على الأب إذا كان لا يقدر إلا على نفقة أحدهما.

فصل [في نفقة الأبناء على الأبوين وما ينوبهم من ذلكـ]

واختلف إذا وجبت نفقة الأب على الابن، فإن اتفق اليسر أو تقارب كانت على الأعداد، والذكر والأنثى فيها سواء.
واختلف إذا اختلف اليسر، فقال ابن المواز: النفقة على قدر اليسر.
وقال ابن الماجشون: على العدد.
قال 569: وإن كان منهم الغني والمسدد والعامل بيده ولا مال له غير عمله وكان 570 أقلهم لو انفرد لزمته النفقة، كانت النفقة عليهم بالسوية.
وقال أصبغ: مثل ذلك قول محمد 571. وأرى إذا اختلف المال وكان لأحدهم 572 مائة دينار، وللآخر مائتان، والذي يفرض 573 للأب على الانفراد دينار، وفي الاجتماع مثل ذلك، أن تكون النفقة على عددهم لا على الأموال.568

الجزء: 6 - الصفحة: 2587

وإن كان يتغير الفرض لكثرة المال، فيفرض على من بيده مائة دينار دينار 574، وعلى من بيده مائتا دينار ديناران، وعلى من بيده الثلاثمائة ثلاثة دنانير؛ لأنه يوسع عليه لكثرة المال في النفقة والملبس والخدمة، فينبغي 575 أن يكون على قدر الأموال.
وإن وإن الفرض على 576 من بيده ماائة دينار دينارًا 577 وعلى من يملك مائتين إلى ثلاثمائة دينارين كانت النفقة أيضًا على قدر الأموال؛ لأن اجتماعهما حط عنهما دينارًا فيقتسمانه على قدر المالين، وكذلك إذا كان الفرض على أحدهما نصف دينار، وهو نصف نفقة الأب؛ لأنه صانع أو قليل المال، وعلى الآخر دينار، وهو جميع 578 نفقة الأب.
وإن اجتمعا لا يزاد على الدينار شيء، فإن النفقة تكون عليهما أثلاثًا، وقد أدخل اجتماعهما عليهما من الرفق نصف دينار فيقتسمانه على قدر ما يغرمانه، وإن كان الفرض على 579 مالك مائة إلى مائتين دينارًا، وإذا صارت ثلاث مائة صار الفرض دينارين.

الجزء: 6 - الصفحة: 2588

باب في الحكمين

الأصل في الحكمين بين الزوجن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].
فإذا اختلفا الزوجان وخرجا إلى ما لا يحل من المشاتمة والوثوب، كان على السلطان أن يبعث حكمين ينظران في أمرهما، وإن لم يرتفعا يطلبان ذلك منه، ولا يحل أن يتركهما على ما هما عليه من المأثم وفساد الدين، فيبعث رجلًا من أهله ورجلًا من أهلها، عدلين، فقيهين بما يراد من الأمر الذي ينظران فيه، فإن لم يكن في أهلهما من يصلح لذلك فمن جيرتهما 580، فإن لم يكن فمن غيرهم، فإن كان في أهلهم رجل يصلح لذلك أضيف إليه آخر من جيرتهما، فإن لم يكن فمن غيرهم 581، فإن كان في أحد الجانبين رجلان يصلحان لذلك، حكم أحدهما ونظر في الآخر من الجيرة 582 أو غيرهم، ولا يكونان من أحد الجانبين 583. وإنما خص بذلك 584 الأهل 585؛ لأن كل واحد منهما يخلص إليه من باطن

الجزء: 6 - الصفحة: 2589

أمرهما ما لا يخلص إلى الأجنبيين، فكان ذلك أقرب لإجراء الأمر على الصحة، وللمظلوم على الظالم، ثم الجار أقرب عند عدم الأهل، ولم يجعلا -إذا كانا من الأهلِين- من جهة واحدة، لما يلحق القريب عند الشنآن من الحمية والغضب لمن هو من ناحيته، وإن كان بين الزوجين قرابة جاز أن يحكم السلطان مَن هو منهما بمنزلة مثل 586 عميهما أو خاليهما، أو عم وخال، ولو جعل ذلك إلى واحد منهما بمنزلة عم أو خال جاز على مغمز فيه 587. وإن جهل السلطان وجعل ذلك إلى من لا فقه له ولا علم عنده بوجه الحكم فاسترشد أهل العلم 588 بعد الكشف، مضى حكمهما، فإن حكما بعلمهما سُئلا عن صفة ما اطلعا 589 عليه، فإن تبين أنهما أصابا الحق مضى الحكم وإلا رُدَّ, وإن جعل ذلك إلى أجنبين مع وجود الأهل، فإنه يشبه أن يقال: ينقض الحكم لمخالفة النص، ولأن فيه ضربًا 590 من التفريط، بمنزلة ما لو قضى القاضي بقضية، ولم يبالغ في الكشف، ولم يسأل من يرى أن عنده علمًا، ويشبه أن يقال: الحكم ماضٍ، بمنزلة لو تحاكما إليه فأجرى الحكم بعد أن علم ما يدعي كل واحد منهما.
وكذلك لو حكَّم السلطانُ رجلًا أجنبيًا؛ لأنه إنما جعل رجلان إذا كانا من الأهل؛ لأن كل واحد منهما يستبطن علم من هو من قبله، فإذا خرجا عن أن يكونا من الأهل أجزأ واحد وأجرى أمره على الأصل في الأحكام، أنه يجزئ

الجزء: 6 - الصفحة: 2590

في القضية رجل واحد، وهو في هذا الوجه بخلاف الحكمين في الصيد لوجهين 591: أحدهما: أن الحاكم بين الزوجين بإقامةٍ من القاضي وجزاء الصيد المطلوب هو الذي يقيم من يحكم له بانفراده فأمر أن يجعله إلى رجلين؛ لأن ذلك أنفى للتهمة وأبعد من الميل.
والثاني: أن الله -عز وجل- قد فرق في 592 مثل ذلك في حكم الآدميين في عدة الطلاق والموت، فجعل العدة في الطلاق ثلاثة أشهر عند عدم الحيض، وهو أمد ظهور الحمل لما كان هناك من يقوم بالنسب، وفي الوفاة أربعة أشهر وعشرًا وهي مدة حركته في البطن لما كان من يقوم بالنسب معدومًا، وفارق الحكم في الصيد الكفارة عن الظهار، وقتل النفس في أنها لا تحتاج إلى حكم؛ لأن الأمر في الكفارة أوسع، يجزئ فيه الصغير والكبير والجيد والدنيء، والسالم والمعيب عيبًا خفيفًا 593 والمطالبة في جزاء الصيد بالمثل.
والثاني 594 أن الله -عزَّ وجلَّ- قد فرق بين حكمهما فجعل هذا إلى أمانته، والآخر إلى غيره، وإنما المقال 595 في الصيد لم كان بحكمين، ولم يكن بواحد؟ والاعتراض بالظهار والقتل إنما يدخل في أنه لم كان لأمانته؟ بخلاف غيره ليس أنه بحَكَم والآخر بحَكَمين.

الجزء: 6 - الصفحة: 2591

فصل [فيما ينبغي للحَكَمَيْن أن يفعلاه]

وينبغي للحَكَمَيْن أن يعملا أولًا في صلاح ذات البين وبقاء العصمة إن رأيا لذلك موضعًا 596، فإن لم يرياه فإنه لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يتبين 597 أن الظلم في جنبته، أو في جنبتها، أو جنبتهما، أو يُشكل الأمر.
فإن كان الظلم منه طلَّقا عليه ولم يسقطا عنه شيئًا من الصداق، وأثبتا لها النصف إن طلَّقا قبل، والكل إن طلقا بعد.
وإن كان الظلم منها وكان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها ائتمناه عليها وأقرَّت عنده إلا أن يحب هو الفراق، فيفرقا، ولا شيء لها من الصداق 598. وقال عبد الملك في المبسوط: ولو حكما عليها بأكثر من الصداق جاز إذا كان ذلك سدادًا.
وإن كان الظلم منهما فرقا ونظر في الصداق، فإن كان الطلاق قبل الدخول سقط عنه النصف، ونظر في النصف الآخر، فإن ترجح ظلمهما قسماه بينهما نصفين، وإن دخل قسما الجميع، وإن كان الظلم من أحدهما أكثر نظرًا على ما يريان من ذلك.
فإن أشكل الأمر أيهما يظلم أو أيهما أظلم أجريا الحكم بمنزلة المساواة، وإن حكم أحدهما بطلاق وآخر ببقاء الزوجية، بقيت زوجة، وإن اجتمعا على الطلاق وحكم أحدهما بمال والآخر على غير مال، لم يلزم الزوج الطلاق، ولم يلزم الزوجة المال.
قال عبد الملك: إلا أن يمضي له المال فيلزم الطلاق

الجزء: 6 - الصفحة: 2592

الزوج 599 وتبين بذلك.
ويجري فيها قول آخر ألا يلزمه الطلاق وإن أمضت له المال، قياسًا على اختلاف الحكمين في الصيد.
فقال ابن القاسم: لا يجزئه إن أخرج أعلى ما حكما به وكأنه أخرج بغير حكم؛ لأن الحكم لم يصح ولا يجوز أن يوقعا من الطلاق أكثر من واحدة.
واختلف إذا فعلا فأوقعا عليه 600 طلقتين أو ثلاثًا، فقال عبد الملك في المدونة، وأشهب في كتاب محمد: تلزمه طلقة، قال عبد الملك: لأنهما لم يدخلا بما زاد على الواحدة صلاحًا بل أدخلا مضرة 601 وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يلزمه ما أوقعا عليه.
والأول أصوب.
واختلف إذا حكم أحدهما بطلقة والآخر بالبتة 602، أو أحدهما بطلقتين والآخر بثلاث على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك: يلزمه واحدة 603. وقال محمد: لا يلزمه شيء 604. وعلى قول ابن القاسم يلزمه طلقتين، والأول أصوب؛ لأنهما اجتمعا على طلقتين والثالثة ساقطة لانفراد أحدهما بها، وسقط ما زاد على الواحدة؛ لأن الضرر يرتفع بواحدة؛ لأنهما اتفقا على الطلاق، وألا تبقى زوجة أصوب 605 فيمضي ذلك، وما اختلفا فيه من العدد لا يؤثر فيما اتفقا عليه في أن الطلاق صواب.

الجزء: 6 - الصفحة: 2593

وإذا كان الزوجان مولًّى عليهما، وكان التحكيم من قبل من يلي عليهما، سلك في التحكيم في العدد وكونهما من الأهل مسلك بعث السلطان، وكذلك إذا كانا رشيدين وكان التحكيم من قبلهما اقتداء بكتاب الله عزَّ وجلَّ، فإن لم يفعلا وجعلا ذلك إلى واحد من غير الأهل مضى ولم ينقض، وهو قول عبد الملك في المدونة.
واختلف إذا كان الزوجان رشيدين وحكّما غير عدل أو امرأة أو صبيًا أو صبية 606، فقال عبد الملك: حكمهما منقوض لأنهما قد تخاطرا بما لا ينبغي أن يكون من الغرر بخلاف التمليك 607، يريد؛ لأن التحكيم يدخله المعاوضة وأخذ المال، فلم يجز فيه الغرر كالبياعات، والتمليك طلاق بانفراده فلم يقدح في وقوعه بالغرر، وإن حَكَّم رجلين وهما يريان أنهما من أهل العدالة ثم تبين غير ذلك، فإنه يختلف هل يمضي حكمهما أم لا؟ وفي كتاب محمد: أن الحكم ماضٍ مثل ما لو قضى قاض بشهادتهما ثم تبين غير ذلك.
وقد اختلف في الشاهدين.
وأرى أن يكشف عن حكمهما، فإن تبين أنهما أصابا الحق 608، مضى بمنزلة القاضي غير العدل، يقضى بقضية فإنه تعتبر أحكامه فما وافق الحق مضى، وما لم يوافق الحق 609 نقض بخلاف الشاهدين؛ لأنا لا نقدر على معرفة صدقهما ويقدر على معرفة صحة الحكم من سقمه، وإن أشكل الأمر لم يمضِ.
تم كتاب إرخاء الستور والحمد لله حق حمده

الجزء: 6 - الصفحة: 2594

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستور
باب في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر وقبله في النكاح والغصبفصل [فيما يُستحق به الصداق]فصل [فيما يلزم الزوج في اعترافه بالمسيس]فصل [في دعوى عدم الإصابة، ومتى تصدق؟]فصل [في ثبوت عجزه عن الإصابة]فصل [في استحقاق الصداق في النكاح الفاسد]فصل [في الوطء الذي يجب به الصداق]فصل [في اختلاف الزوجين في دفع الصداق]فصل [في وجوب العدة]فصل [في ثبوت الرَّجْعَة]فصل [في دعوى المرأة الغصب]فصل [فيما إذا ظهر حمل قبل دعوى الغصب أو بعدها]باب في الرجعة، وبماذا تصح؟فصل [في الرجعة في مدة تنقضي في مثلها العدة]فصل [في صحة الرجعة]فصل [في صحة رجعة المحرم والمريض والعبد]باب في المعتدة تدعي انقضاء العدة أو تأخيرهافصل [في دعوى الزوجة تأخر حيضها بعد الطلاق]فصل [في هل يرث الزوج زوجته بعد انقضاء عدتها المعتادة؟]فصل [في معنى الأقراء]باب ما تَكونُ المتعةُ فيه من الطلاق، وما تَسْقُطُ فيهفصل [في ثبوت المتعة وإسقاطها، وفي قَدْرِها، والقضاء بها]باب في جواز (1) الخلع، ومنعهفصل [فيما يقع بين الزوجين من سوء العشرة المؤدي إلى الخلع ووجوه ذلك]فصل [الخلع طلاق أم فسخ؟]فصل [فيما يلزم به الخلع]فصل [فيما يجوز به الخلع، وما لا يجوز]فصل [في الخلع بالغرر]باب فيمن خالع امرأته على مال، ثم جحدت أو غرت من فلس، أو أن لها دارًا أو وصية خالعت على ذلك، ثم تبين أن لا شيء لها، أو خالعت على ما في يديها، ولم يكن في يديها شيءباب ما جاء (1) في الخلع والبيع في عقدباب في مخالعة من حلف ألا يخالع، وإذا تبين (1) بعد الخلع أن بها أو به عيبًا يوجب الرَّدَّ، هل ينقض الخلع؟ ومن حلف إن دعته زوجته إلى الخلع ليخالعنها أو أوجب ذلك بغير يمينفصل [فيما إذا تبين أن العقد فاسد بعد الخلع]فصل [فيمن قال لزوجته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك؛ فأنت طالق]باب في حكم الصداق في المختلعة قبل الدخول وبعده، وهل يُسقِط الخلعُ ديونَ الزَّوجةِ؟باب في خلع الصغيرة والبكر الكبيرة, والثيب السفيهة، والسفية, وخلع الأمة، والمدَبَّرة, والمكاتبة، وأم الولدفصل [في فراق الأب والوصي والسلطان على الذكر]فصل [في خلع الأب والوصي والسلطان على البكر والثيب]فصل [في اختلاع الأمة والمدَبَّرة والمكاتبه]باب في خلع المريض والمريضةفصل [في خلع المريضة]باب في الحضانة، ومن يستوجبها، ومتى تسقط؟فصل [في ترتيب منازلهم إذا تنازعه الرجال]فصل [في ترتيب منازلهم إذا اجتمع رجال ونساء]فصل [فيما يراعى في الحضانة]فصل [فيما يثبت به حق النساء والرجال في الحضانة، وسقوطه]فصل [في حضانة المرأة ذات الزوج]فصل [في أن التقدمة في الحضانة ليست واجبة، وإنما هي على الخيار]فصل [في حضانة الكافرة, وأم الولد]فصل [إذا لم تتوافر الحرية في الوالدين أو أحدهما، والولد حرٌّ]فصل [إلى متى تكون الحضانة؟]فصل [في الانتجاع بالولد]فصل [في شروط انتجاع الوصي والولي]فصل [في نفقة المحضون وكسوته وكيف يقضى فيها]فصل [في هل للأم أجر لحضانتها؟]باب في نفقة الأب على الولد، والولد على الوالدينفصل [في النفقة إذا كان الأب والابن أحدهما ليس حرًّا]فصل [في إنفاق الولد على أبويه]فصل [في إنفاق الولد على زوجة أبيه]فصل [في إنفاق الابن على أمه]فصل [في تعلق النفقة على الولد، وأي المستحقين يُبَدَّى على الآخر]فصل [في نفقة الأبناء على الأبوين وما ينوبهم من ذلكـ]باب في الحكمينفصل [فيما ينبغي للحَكَمَيْن أن يفعلاه]
كتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل