التبصرة للخميكتاب النذور والأيمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور والأيمان

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243)

الجزء: 4 - الصفحة: 1629

[وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] (1)

كتاب النذور

باب في وجوب النذور وما يجوز فيه

2 أمر الله تعالى بالوفاء بالنذر، وذم تاركه وأخبر بعقوبته، فقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو نحر ما نذر 3 وقال مجاهد: هو أمر بالوفاء لكل ما نذر في الحج 4. وقيل: رمي الجمار.
والأول أحسن، وليس الرمي نذرًا.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)﴾ [التوبة: 75، 76]. فذم على ترك الوفاء، ثم قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77].
فعاقبهم على ذلك.
وقد قيل: إن الآية نزلت في مانع الذكاة.
وهذا غير مانع للاحتجاج بما قلناه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لم يذمهم ويعاقبهم لمخالفة أمره وأن ذلك لمخالفة1

الجزء: 4 - الصفحة: 1631

الوعد فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، وعليه عاقب فقال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وجاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك؛ أمر بالوفاء، وذم على الترك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" 5. وقال: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ.
. ." الحديث 6. فقد ذم على الترك، وقال: "لاَ تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ وَالْبَخِيلِ" 7. فندبنا إلى فعل ما أحب الإنسان أن ينذره بطواعية 8 فيه من نفسه بغير نذر؛ لأن الغالب من الناذر أنه لا يفعله بطيب نفس، وإنما يفعله لمكان ما أوجبه، وكثيرًا ما يدركه الندم.
ثم أخبر بوجوبه بقوله: "إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ" فلو كان غير واجب لم يستخرج به.
وقالت امرأة: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا.
قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَه، اقْضُوا الله، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" أخرجه البخاري 9. فشبهه بالدين، وذلك دليل على وجوبه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1632

فصل [في أنواع النذر]

النذور ستة: طاعة، ومعصية، وطاعة تضمنت معصية، وطاعة ناقصة عن الوجه الذي يجوز الإتيان بها، وما ليس بطاعة ولا معصية، ونذر مبهم.
فالأول: أن ينذر صلاة أو صيامًا أو حجًا أو عتقًا أو صدقة، فيلزم الوفاء بذلك للآي والأحاديث التي تقدمت.
والثاني: أن ينذر ألا يصل رحمًا، وأن يشرب خمرًا، أو لا يتقرب إلى الله بقربة.
فهذه معصية لا يجوز الوفاء بنذرها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلاَ يَعْصِهِ" 10. ولأن النذر لا ينقل الشيء عن أصله، فيبيح الحرام ولا يحرم الحلال، إلا أنه له أن يأتي بقربة من جنس نذر المعصية، لتكون كفارة عن تلك العصية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَمَنْ قَالَ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيتَصَدَّقْ" 11. ولهذا قيل فيمن قال: لله علي أن أنحر ولدي فليهدِ؛ لأنه نذر هدي معصية، فيؤمر أن يأتي به على وجه يكون طاعة، وإن لم يكن له مثلٌ، فليتقرب إلى الله سبحانه بما رآه من الخير.
والثالث: أن ينذر صوم يوم الفطر أو يوم النحر وأن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها، فهذه طاعة تضمنت معصية من ناحية الوقت، وقد سئل ابن عمر - رضي الله عنه - عمن نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم النحر؟ فقال ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 1633

عمر - رضي الله عنه - أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم هذا اليوم 12. فوقف في ذلك فلم يأمر به، ولم ينه عنه.
والناذر في هذا على ثلاثة أوجه: فإن كان عالمًا بتحريم ذلك وبالنهي؛ لم يجب عليه الوفاء، ويستحب له أن يأتي بطاعة من جنسه، فيصوم رجاء أن تكون كفارة لنذره.
وإن كان جاهلًا بتحريم ذلك، وظن أن في صومه ذلك فضلًا على غيره؛ فقد يظن من لم 13 يعلم بالحديث أنه لما منع نفسه من لذاتها في ذلك اليوم؛ أن له من الأجر أكثر من غيره، فهذا لا يجب عليه قضاء، ولا يُستحب له.
وإن كان يظن أنه في جواز الصوم كغيره، ولا فضل له؛ كان في القضاء قولان: فقيل: لا شيء عليه، والغلبة عليه كالغلبة بالمرض.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يقضيه؛ لأنه لم يرد صومًا له فضل على غيره، وإنما أراد صومًا 14. والرابع: أن ينذر أن يصلي ركعة، أو يصوم بعض يوم، أو يعتكف الليل دون النهار، أو يطوف شوطًا، أو يقف بعرفة، ولا يزيد على ذلك، واختلف في هذا الأصل: فقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يأتي بمثل تلك الطاعة تامة على ما يجوز أن يؤتى به عليها.

الجزء: 4 - الصفحة: 1634

فقال ابن القاسم: إذا نذر اعتكاف ليلة أنه يعتكف يومًا وليلة 15. وقال سحنون: لا شيء عليه 16. وعلى هذا يجري الجواب في الصلاة والصوم والطواف والوقوف بعرفة، فعلى قول ابن القاسم يأتي بتلك الطاعة تامة، وعلى قول سحنون لا شيء عليه.
وهو أحسن؛ لأنه ألزم نفسه صفة وقدرًا؛ فلا يلزمه أكثر منه، إلا أن يكون عالمًا بمنع ذلك، فيستحب له أن يأتي ذلك 17 كاملًا؛ رجاءَ أن يكون كفارة لتلك المعصية.
والخامس: أن ينذر أن يمشي إلى الشام، أو يشتري عبد فلان، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية، ورده مالك في الموطأ إلى النذر في معصية، فقال: من نذر المعصية مثل أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو مصر 18. وتحقيق ذلك أن يقال: إن النذر معصية، وهو قوله، والمنذور ليس بطاعة ولا معصية؛ لأنه لا يختلف أن ذلك (مما) 19 لا يجوز أن ينذر، وهذا من التلاعب؛ فيستحب له أن يمشي في طاعة، أو يأتي عن تلك بطاعة وإن لم يكن مشيًا أن يتصدق.
والسادس 20: أن ينذر نذرًا مبهمًا لم يسم له مخرجًا، فقال: علي نذر؛ أجزأه عن ذلك كفارة يمين بالله تعالى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" أخرجه مسلم 21. فعلق الحكم بأدنى الكفارات؛ لأن الزائد على ذلك مشكوك

الجزء: 4 - الصفحة: 1635

فيه، فلا تعمر الذمة بشك، و"آلَى رَسُولُ اللهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" 22 فاحتسب بأقل الشهور.
وقال محمد بن عبد الحكم فيمن نذر صوم شهر: يجزئه أدنى الشهور؛ تسعة وعشرون يومًا 23. وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أعتقت عن يمينها 24 بالنذر أربعين رقبة 25. فأخذت بأعلى ما يراد من ذلك، ليس لأن 26 ما دون ذلك غير جائز.

الجزء: 4 - الصفحة: 1636

باب فيمن حلف بالمشي إلى مكة

ومن المدونة قال مالك فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن كلمت فلانًا، فكلمه: إن عليه أن يمشي إلى مكة، ويجعلها إن شاء حجة وإن شاء عمرة، فإن جعلها عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة، فإن ركب بعد السعي وقبل الحلاق؛ لم يكن عليه شيء، فإن جعلها في حجة مشى حتى يطوف طواف الإفاضة، وله أن يرجع إلى منى راكبًا، وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى؛ لم يركب في رمي الجمار.
ولا بأس أن يركب في حوائجه.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى بأسًا 27. يريد: أنه يركب في مضيه لرمي الجمار، وإن لم يكن أفاض.
وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار، وإن كان قد أفاض.
قال الشيخ - رضي الله عنه - فيمن 28 قال: عليَّ المشي إلى مكة فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة أو طوافًا أو سعيًا بانفراده أو صلاة فريضة أو نفلًا.
والثاني: أن ينوي الوصول ويعود، لا أكثر من ذلك.
والثالث: ألا تكون له نية؛ فإن نوى حجًا أو عمرة أو طوافًا لزمه الوفاء به، وأن يمشي لذلك، وأن يدخل محرمًا إذا نوى حجًا أو عمرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1637

ويختلف إذا نوى طوافًا بانفراده، فعلى القول إنه يجوز له 29 دخول مكة حلالًا؛ يدخل هذا مكة حلالًا، فيطوف ويجزئه.
وعلى القول ألا يدخل مكة إلا محرمًا؛ يدخل هذا بعمرة، ويجزئه عن نذره.
ويختلف إذا نذر سعيًا بانفراده، هل يسقط نذره، أو يأتي بعمرة وقد تقدم ذلك.
وإن نذر صلاة فريضة أو نافلة، أتى مكة ووفى بنذره، وهذا قول مالك.
وقد ذهب بعض أهل العلم أنه لا يأتي للنفل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلاَتُكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَة" 30. فدخل في عموم الحديث مسجده والمسجد الحرام وغيرهما من المساجد.
وإن نوى الوصول خاصة، وهو يرى أن في ذلك فضيلة أو قربة؛ لم يكن عليه شيء.
وإن كان عالمًا أنه لا قربة فيه؛ كان نذره معصية فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في عمرة أو حجة أو طواف؛ ليكفر بها ذلك النذر.
وإن لم تكن له نية، وكان من أهل المدينة؛ مشى في حج أو عمرة؛ لأن تلك عادة لهم، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - للعمرة بافرادها، وإن كان من أهل المغرب أتى بالحج لوجهين: أحدهما: أن المشهور عندهم الحج، ولا يعرف العمرة إلا أهل العلم أو من تقدم له حج؛ فينبغي أن يحمل الناذر على ما يعرف.
والثاني: أن من يعرف العمرة لا يقصد أن يخرج للعمرة بانفرادها، ولا يقصد أهل الغرب أن يخرجوا إلا إلى الحج، وكل هذا فعلى القول أنه يحمل 31

الجزء: 4 - الصفحة: 1638

الحالف عند عدم النية على العادة، وعلى أحد قولي مالك وابن القاسم أنه يحمل على ما يوجبه مجرد اللفظ دون العادة، لا يكون عليه أن يأتي بحج ولا عمرة؛ لأن مجرد النذر المشي خاصة.
واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج فقال مالك مرة 32: يمشي المناسك 33. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، وترجح مالك مرة لمثل ذلك فقال في كتاب محمد: إن جهل فركب المناسك، ومشى ذلك قابلًا فلا هدي عليه 34. قال محمد: ولم يره بمنزلة من عجز في الطريق، قال ابن القاسم وذلك فيما ظننت لأن بعض أهل العلم رأى أن 35 مشيه الأول يجزئه 36، وأرخص في الركوب إلى عرفة.
قال الشيخ -رحمه الله-: وهذا هو الأصل؛ لأن الناذر إنما قال: علي المشيء إلى مكة، فجعل غاية مشيه إلى مكة؛ فلم يلزمه أكثر من ذلك وإن كانت نيته للحج، ولو قال رجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه إلا أن يمشي إلى مصر ثم يركب ويحج، فكذلك قوله: عليَّ المشي إلى مكة في حج؛ يمشي إلى مكة، ويركب ما سواها، إلا أن ينوي مشي المناسك، وقول ابن حبيب يمشي لرمي الجمار، وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب 37.

الجزء: 4 - الصفحة: 1639

فصل [فيمن ركب في بعض ما وجب عليه من المشي]

ومن المدونة: قال مالك فيمن دخل مكة حاجًا في مشي وجب عليه، فلما فرغ من سعيه بين الصفا والروة خرج إلى عرفات راكبًا، وشهد المناسك وأفاض راكبا قال يحج الثانية راكبًا فإذا سعى وطاف خرج إلى عرفات ماشيًا حتى يفيض 38. وظاهر قوله: إن فعل ذلك اختيارًا لا عن عجز.
وأرى أن ينظر في ذلك هل ركب اختيارًا أو عن ضرورة؛ عجز أو مرض؟ وهل كان مشيه ذلك تطوعًا، أو منذورًا في الذمة، أو في عام بعينه؟ وهل سمى بالحج في حين نذره أو أطلق ذلك ولم يسمه؟ فإن ركب اختيارًا؛ كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي الناسك على أي وجه كان مشيه، ولا يفسد الماضي.
فإن ركب عن عجز أو مرض نظرتَ؛ فإن كان نذره مضمونًا، وسمى الحج، وقال: لله عليّ أن أمشي إلى مكة في حج؛ أتى مكة قابلًا راكبًا، وقضى المناسك ماشيًا، ولا خلاف في ذلك.
وإن كان النذر في عام بعينه، وسمى الحج أو لم يسمه، أو مضمونًا ولم يسم حجًا؛ أجزأه حجه، ولم يكن عليه شيء عند مالك، وكذلك من تطوع بالمشي من غير نذر تقدم، ثم جعله في حج، فعلى قول ابن القاسم عليه أن يقضي الحج قابلًا، ويمشي المناسك.

الجزء: 4 - الصفحة: 1640

وقال مالك في المدونة فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث، فمشى في حج ففاته الحج: أن المشي يجزئه.
ويجعلها عمرة، ويمشي حتى يسعى من الصفا والمروة، ويقضي عامًا قابلًا راكبًا، ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يمشي المناسك قابلًا فأجرى مالك المشي إذا غلب عليه على الأصل في الصلاة والصوم إذا دخل فيه تطوعًا، ثم غلب عليه، أو نذر عين يومٍ يصليه أو يصومه، ثم مرضه: أنه لا شيء عليه وكذلك المشي.
وفرق بين الغلبة على الشي والغلبة على الحج، فجعل عليه قضاء الحج دون المشي؛ لأنَّ الحج عنده أصل قائم بنفسه يقضى مع الغلبة عليه.
وأبقى المشي على الأصل في الصلاة والصوم.
وأجرى ابن القاسم المشي على حكم الحج لما كان معلقًا به.
وقول مالك 39 أقيس.
فإن غلب على مشي المناسك، ولم يفته الحج؛ شهدها راكبًا وأجزأه.
وإن فاته الحج كان قد غلب على الوجهين 40 جميعًا، فقضى الحج، ولم يقض الشي 41. وعلى أصل ابن القاسم إن غلب على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا؛ قضى قابلًا الحج 42 ليمشي المناسك.
فإن غلب على الوجهين جميعًا- الحج والمشي- حتى فاته الحج بمرض أو أخطأ عددًا؛ قضى الحج والمشي 43.

الجزء: 4 - الصفحة: 1641

باب في الموضع الذي يلزم الحالف بالمشي منه يمشي منه

ومن المدونة: قال مالك فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام فحنث: يمشي من حيث حلف، إلا أن تكون له نية، فيمشي من حيث نوى 44. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وسواء كان في يمينه على برٍّ، أو على حنث؛ لأن قوله: المشي، يحتمل أن يريد به الجنس أو معهودًا من المشي؛ فإن أراد الجنس أجزأه المشي من حيث شاء 45، ويكون بمنزلة من قال: "علي مشي" فإنه يجزئه ذلك وإن قل، أو يحمل على أنه أراد معهودًا من المشي، وأن الألف واللام للعهد، وهو أن يمشي من الموضع الذي هو فيه 46، فسواء كان على برٍّ أو على حنث؛ لأنه إنما حلف على معين بمنزلة من حلف بعتق عبد بعينه، فالبر والحنث في ذلك سواء.
وإن انتقل إلى بلد آخر وهو مثله في المسافة؛ مشى منه، ولم يكن عليه أن يرجع إلى الأول؛ لأن الأمر في ذلك راجع إلى قدر البعد والقرب وكثرة الخطى، ولا مزية 47 في هذا للأراضي.
ولأنه لو خرج من البلد الذي حلف عليه ونواه، فمضى على غير ذلك الطريق، وهو مثله في المسافة لأجزأه.
ولأن القصد 48 أن يتقرب إلى الله تعالى بالمشي من ذلك القدر 49.

الجزء: 4 - الصفحة: 1642

واختلف إن انتقل إلى ما هو 50 أقرب منه بالمشي القريب 51، فقيل: لا يجزئه.
وقال أبو الفرج: يهدي هديًا ويجزئه، وإن بعد ما بين الموضعين، لم يجزئه، وإن كان ممن لا يستطيع أن يمشي جميع الطريق، مشى من موضعه، وأهدى 52. وقال أصبغ في كتاب محمد: إنما يرجع إلى موضعه إن كان يقدر على أن يمشي 53 جميع المنذور.
وقال ابن القاسم: إذا قال: علي المشي إلى مكة وهو بها 54، خرج إلى الحل فيأتي بعمرة 55؛ لأن مفهوم قوله أن يأتي إليها من غيرها، وأقل ذلك أوائل الحل 56. وإن قال: عليَّ المشي إلى المسجد وهو بمكة؛ مضى إلى المسجد من موضعه، ولم يكن عليه أن يخرج إلى الحل.
وقال مرة: يخرج إلى الحل، ثم يدخل بعمرة 57 كالأول.
وإن قال وهو في المسجد: عليَّ المشي إلى مكة أو إلى المسجد؛ خرج إلى الحل، ثم يدخل بعمرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1643

باب فيمن نذر إحرامًا بحج أو بعمرة وما حكمه

ومن المدونة: قال مالك فيمن قال: إن كلّمتُ فلانًا فأنا محرم بحج، فحنث قبل أشهر الحج: لم يلزمه حتى تأتي أشهر الحج فيحرم 58، إلا أن يكون نوى أنا محرم من حين حنث؛ فذلك عليه وإن كان في غير أشهر الحج.
وإن قال: فأنا محرم بعمرة؛ فأرى أن يجب عليه الإحرام حين يحنث، إلا ألا يجد من يخرج معه، ويخاف على نفسه؛ فلا أرى عليه شيئًا حتى يجد من يصحبه، ولا يؤخر في شيء من ذلك إلى الميقات 59. وقال سحنون: إذا قال؛ فأنا محرم؛ فهو محرم بنفس الحنث، وسواء في ذلك الحج أو العمرة.
وإن قال: فأنا أحرم بحج أو بعمرة فحنث؛ لم ينعقد عليه إحرام بنفس الحنث حتى يحرم، وهو بمنزلة من قال: فأنا أصلي أو أصوم أو أعتق أو أطلق امرأتي، فإنه لا يكون ممتثلًا بنفس الحنث.
وأما قوله: "محرم" ففيه إشكال؛ فيصح أن يريد: فقد صرت محرمًا، كقوله: فامرأتي طالق؛ أي: فقد صارت ذات طلاق، ولأن طالقًا صفة 60 لها، وللحالة التي هي بها.
ويصح أن يريد: فأنا أحرم؛ لأن "محرمًا" اسم فاعل يكون للماضي وللحال وللاستقبال، والإحرام ينعقد بالقلب من غير فعل الجارحة كالطلاق، إلا أنه يعترض 61 من وجه آخر، وهو: أن الإحرام عبادة تفتقر إلى نية، ومن شرط

الجزء: 4 - الصفحة: 1644

العبادات الصلاة والصيام أن تكون النية مقارنة للفعل أو مقاربة له، وهذا غير موجود في الحالف، وقد يمضي ليمينه السنون ثم يحنث.
وفرق مالك بين حنثه للحج 62 والعمرة، وأمره أن يؤخر الإحرام بالحج حتى يدخل أشهر الحج احتياطًا للخلاف، ولقول من قال: إنه لا يجوز أن يحرم للحج قبل أشهر الحج.
فإن لم يفعل وأحرم قبل ذلك أو كانت تلك نيته؛ لزمه وأمره بتعجيل الإحرام للعمرة؛ لأن كل أيام السنة لها وقت، فأمر بالمبادرة لامتثال الطاعة، وهو فيمن قال: إن الأمر 63 على الفور أبين، إلا أن لا يجد صحبة 64. وقال سحنون: عليه أن يحرم، وإن لم يجد صحبة 65 66. والقول الأول أحسن؛ للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كَانَ يُحْرِمُ حَيْثُ تَنْبَعِثُ بِهِ رَاحِلَتُهُ" 67 ويتوجه للذهاب، وليس من السنة أن يحرم ويقيم في أهله.
ولأن عقد اليمين لم يتضمن الإحرام بالفور، وإنما 68 ذلك مما يستحسن تعجيله؛ لأن

الجزء: 4 - الصفحة: 1645

من حلف ليفعلن لا يجب عليه فعل ذلك عقيب يمينه 69. وقد قال أبو محمد عبد الوهاب: إنما لزمه ذلك حين حنث؛ لأن النذور المطلقة محمولة على الفور، أو عقيب 70 السبب الذي علق النذر به.
قال: ألا ترى لو 71 حلف ألا يكلم فلانًا، ولا فعل كذا، فإنه يلزمه ذلك عقب يمينه بلا فصل، فكذلك هذا 72. وهذا غير صحيح؛ لأن من حلف ألاّ يكلم فلانًا تضمنت يمينه نفي الكلام، فمتى وجد منه الكلام حنث؛ لأنه ضد ما حلف عليه.
ومن حلف ليفعلن لا يحنث بمضي وقت لم يوجد منه فيه الفعل، وإن قال: إن كلّمتُ فلانًا فأنا أحرم يوم أكلمه فكلمه؛ لم يكن محرمًا بمضي ذلك اليوم، وهو بمنزلة من قال: فأنا أصلي أو أصوم أو أطلق زوجتي يوم أكلمه، فإن مضى ذلك اليوم؛ لم يجب عليه طلاق، ويؤمر بقضاء الصلاة.
فإن قال: فأنا محرم يوم أكلمه؛ جرى الخلاف المتقدم على قول مالك وسحنون.

الجزء: 4 - الصفحة: 1646

باب فيمن نذر المشي إلى مكة هل يأتي به متفرقًا، وإذا ركب بعض الطريق عن عجز أو اختيار، أو كان (1) الناذر شيخًا كبيرًا أو مريضًا أو امرأة

ومن نذر أن يمشي 74 إلى مكة؛ جاز له أن يأتي به متفرقًا إذا كان يحج من عامه.
قال مالك في كتاب محمد: إذا مشى من الأسكندرية، فلما بلغ مصر أقام شهرًا، ثم مشى فلما بلغ المدينة أقام شهرًا، ثم خرج بها عمرته ماشيًا حتى قدم مكة فطاف وسعى؛ فقد فرغ منه 75 76. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو مشى في حج، وكان نذر مشي عام بعينه 77، فمشى شهرًا ثم أقام ثم مشى ثم حج من عامه، أو كان النذر مضمونًا ليس في عام بعينه فمشى شهرًا، ثم أقام حولًا، ثم مشى شهرًا، ثم أقام حولًا، ثم مشى شهرًا 78 حتى بلغ مكة فحج 79؛ أجزأه على قول مالك وابن القاسم في73

الجزء: 4 - الصفحة: 1647

المدونة، فيمن نذر صوم سنة أن له أن يأتي بها غير متتابع 80. وعند ابن حبيب أنه يأتي بالمشي متتابعًا 81، قال: وهو بمنزلة من عليه صوم شهرين متتابعين.
ومرَّ في ذلك على أصله فيمن نذر صوم سنة: أنه يأتي بها متتابعًا.
وقال مالك في المدونة، فيمن عجز، ثم عاد فمشى ما ركب: إنه يهدي؛ لأنه فرّق مشيه 82. وهذا نحو قول ابن حبيب؛ لأن المشي قد وفِّيَ به 83، فلا يؤمر بالهدي إلا على القول أن عليه أن يأتي به متتابعًا، إلا أن يعلم أنه إن عاد لم يوفِ بما عجز عنه، فيكون عليه الهدي لأنه لم يوفِ.
والقول الأول أبين؛ لأن النذر إنما يتضمن مشيًا بعقبه حج أو عمرة، فهو إذا أتى به في أعوام موفٍّ بنذره، إلا أن ينوي تكلف ذلك في عام، وإن ركب بعض الطريق عن عجز أو مرض، فإنه لا يخلو أن يكون يسيرًا؛ الأميال ونحوها أو الأيام، إلا أنه أقل 84 الطريق أو النصف فأكثر 85، وكان نذره في المواضع القريبة كالمدينة ونحوها، أو البعيدة كمصر والإسكندرية، أو أبعد من ذلك مثل إفريقية أو الأندلس؛ فإن كان ذلك الشيء 86 اليسير الأميال أو البريد أو اليوم؛ أهدى وأجزأ عنه مشيه.
وإن كان النصف فأكثرة رجع ومشى الطريق كله، وهو قول عبد الملك في المبسوط، قال: لو كثير ركوبه، يعجز

الجزء: 4 - الصفحة: 1648

فيركب 87، ثم يمشي ثم يركب، قال: أبطله مالك أجمع، قال: ولو ابتدأ فمشى مثل ميل 88 أو ميلين، ثم اعتل فركب فبلغ إلى 89 الروحاء، ثم صح فمشى حتى بلغ مكة، فإنه يعيد ذلك كله، وهو كمن ابتدأ مشيه بركوب، فهو وأن قل مشيه بعد ذلك أو كثر فهو منتقض 90. وقال مالك في كتاب محمد: إن كان عليه مشي فعجز، فكان يمشي عقبة، ويركب عقبة حتى بلغ: أرى له 91 أن يعود، ويعيد المشي كله من أوله 92. ومحمل قوله 93 على أنه كان قادرًا على الصبر في موضع عجزه، فيأتى من المشي بأكثر من ذلك، وأما إذا كانت تلك قدرته فهو في العام الثاني على مثل ذلك، فلا يكلف غير مشي ما ركب.
ومثله إذا كان لا يقدر على 94 الصبر عن 95 أصحابه، وكل هذا إذا كان نذره من المواضع القريبة كالمدينة ونحوها.
واختلف إذا كان بعيدًا مثل مصر ونحوها، فقال مالك في كتاب محمد: يرجع لما عجز 96. وقال في شرح ابن مزين فيمن عجز، وكان نذره من مصر: إن موضعك

الجزء: 4 - الصفحة: 1649

لبعيد، وقد أجزأ عنك مشيك، ولا عودة عليك.
وهذا أحسن؛ لأنه لو كان نذره من المدينة فعاد، فلم يوفِ بنذره، لم يعد الثالثة 97 لمشقة ذلك 98، ولا شك أن مشقة الرجوع أول مرة على من كان نذره من مصر أعظم مشقة.
وأما من كان نذره من أبعد من ذلك كإفريقية والأندلس؛ فلا يكلف العودة بحال، وكل هذا إذا كان النذر مضمونًا، فأما من نذر المشي في عام 99 بعينه فمرض فيه؛ لم يكن عليه أن يقضي ما مرض فيه، وكذلك لو مرضه كله لم يكن عليه شيء.
وإذا حضر خروج الحاج وهو مريض، وكان إن تأخر فاته الحج؛ خرج على حاله- إذا كان نذره في عام بعينه- راكبًا إذا كان لا يضر به السفر، فإن صح في بعض الطريق مشى.
وإن لم يصح أجزأ عنه وأهدى.
وإن كان مضمونًا أمهل لعام آخر، ولم يكن عليه أن 100 يخرج الآن.
فإن خرج راكبًا لم يجزئه، وكان بمنزلة من ركب اختيارًا؛ لأنه كان غير مخاطب بالخروج الآن.
قال ابن القاسم في المدونة: إذا حنث وهو مريض، فإن كان مرضًا لا يُرجى برؤه؛ كان كالشيخ الكبير، وإن كان يطمع بالبرء؛ ينتظر حتى يصح، إلا أن يعلم أنه لا يقدر على المشي وإن صح، فليمش ما أطاق وهذا استحسان، والقياس إذا كان لا يقدر الآن إلا على مشي الأميال واليوم وما أشبهه 101، وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 1650

صح قدر أن يمشي ما له قدر وبال: أن يؤخر حتى يصح فيمشي، ثم يكون العجز والهدي 102. وقال في الشيخ الكبير: يمشي ما أطاق ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي 103. يريد: لأن محمل نذره على مشي جميع الطريق.
ولو نوى أن يمشي ما أطاق ثم يركب؛ لم يكن عليه هدي، فكذلك الشاب الصحيح الضعيف البنية والمرأة يمشيان ما أطاقا، ثم يهديان، إلا أن يكونا نويا من ذلك ما يطيقان خاصة، فلا يكون عليهما هدي.
ولو نذرت المرأة مشي جميع الطريق ثم عجزت، وكان إن عادت وفت بجميع المشي؛ لعادت.
قاله محمد.
وإذا كانت المرأة شابة قوية، وكان مشي مثلها عورة وكشفة عليها؛ لرأيت أن تمشي الأميال محتجزة عن الناس، ثم تركب وتهدي.
وفي كتاب مسلم: قال عقبة بن عامر: إن أختي نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" 104. وجوابه هذا محتمل أن يكون لأنها شابة ومشيها عورة، أو يكون عند العجز.
وقال محمد فيمن مشى في الطريق ثم عجز فأتى لعام قابل فمشى الطريق كله لا هدي عليه لأنه لم يفرق مشيه 105.

الجزء: 4 - الصفحة: 1651

قال الشيخ رحمه الله: أما إذا كان النذر الأول مضمونًا فكلام محمد صحيح، وإن كان في عام بعينه فيختلف في القضاء؛ لأنه مغلوب، فمن قال: لا قضاء عليه، قال: لا دم عليه (1)، ومن قال عليه القضاء يكون عليه الدم بتفرقة المشي.

فصل [فيمن عجز في نذره]

ومن عجز في نذره وركب فمشى 107 في قابل، وكان قد جعل الأول في عمرة، وأحب أن يجعل الثاني في حج أو كان الأول في حج فأحب أن يجعل الثاني في عمرة 108 فإنَّ 109 ذلك له إذا كان النذر الأول مطلقًا لم ينوه في حج ولا عمرة.
وحكى أحمد بن المعذل عن عبد الملك، أنه قال: لو مشى في حج فعجز، ثم قضى فأراد أن يجعل الثاني في عمرة؛ كان ذلك له، إلا أن يكون العجز في مثل عرفة ومنى.
وهذا يصح على مذهب ابن القاسم، وليس ذلك عليه على مذهب مالك، وقد تقدم وجه ذلك، فإن نوى النذر الأول أن يكون في حج؛ لم يكن له أن يجعل الثاني في عمرة 110 وكذلك إن نذره في عمرة؛ لم يكن له أن يجعله في حج.106

الجزء: 4 - الصفحة: 1652

وقال عبد الملك بن حبيب: لا بأس أن يجعل الثاني في حج، وإن كان قد نوى الأول في عمرة.
قال: لأنه لو مشى أولًا في حج -وقد كان نواه في عمرة- 111 لأجزأه؛ لأنَّ عمل الحج يأتي على عمل العمرة ويزيد 112. قال 113 وكذلك قال في من أرضاه 114 من أصحاب مالك.
وذكره في موضع آخر عن مالك.
ومن 115 نذر مشيًا ولم ينو حجًا، جاز له أن يدخل بعمرة، ثم يحج حجة الإسلام.
وإن هو أحرم حين أتى الميقات بحج، ينوى 116 حجة الإسلام 117 أجزأه، وكان عليه أن يأتي عن نذره بعمرة أو حجة من حيث أحرم بحجة الإسلام، ثم يمشي من هناك.
واختلف إذا قرن الحج والعمرة ينوي بالحج حجة الإسلام والعمرة عن نذره، أو أحرم بحجة ينوي بها حجة الإسلام ونذره 118، فقال مالك: يجزئ عن نذرِه، ويقضي حجة الإسلام 119. وقال أيضًا: لا يجزئ عن واحد منهما 120.

الجزء: 4 - الصفحة: 1653

وقال المغيرة: يجزئ عن فرضه، ويأتي بنذره (1). وأرى إذا قرن أن تجزئ عن حجة الإسلام وعن نذره، قياسًا على من أتى بحجة الإسلام قارنًا؛ فإنه يجزئه عن حجة الإسلام، ويكون قارنًا.
وقد (2) فرض الله تعالى على من أتى بحجة الإسلام قارنًا حجه (3)، فأشرك في عملها (4) عمرة متطوعًا، وأجزأه ذلك عن حجة الإسلام وعمرته.
وأما إذا أتى بحجة ونوى بها فرضه ونذره لم يبطل حجه؛ قياسًا على من أشرك في القِرَانِ؛ لأن الإشراك (5) لا يبطل أن يكون في ذلك متقربًا لله تعالى.

فصل [فيمن نذر أن يُحجَّ غيره]

ومن قال: أنا أُحِج فلانًا في يمينٍ، فحنث؛ لزمه أن يحجه من ماله، إلا أن يأبى ذلك الرجل، ولا حج على القائل.
وإن قال: أنا أحج بفلانٍ، حجَّا جميعًا، فيحج القائلُ راكبًا ويحج بالرجل، إلا أن يأبى فيلزمه الحج بقوله: أنا أحج، ولزمه أن يحج الرجل لقوله بفلان.
وإن قال: أنا أحملُ فلانًا إلى بيت الله في يمين، فحنث 126، كان الجواب فيه على ثلاثة أوجه: فتارة يحج القائلُ وحده، وتارة يحج المقولُ له 127 وحده، وتارة يحجان جميعًا.121122123124125

الجزء: 4 - الصفحة: 1654

فقال مالك: إن نوى حمله على عنقه؛ حج القائلُ ماشيًا ويهدي، ولا شيء عليه في الرجل.
وإن نوى أن يحجه من ماله؛ فعل ذلك، إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه.
وإن لم تكن له نيةٌ؛ حج راكبًا، وحج بالرجل معه 128، ولا هدي عليه 129. وليس هذا الوجه بالبين؛ لأنه لا يخلو أن يحمل قوله على حمله بنفسه، فيكون عليه أن يحج ماشيًا، ولا شيء عليه في الرجل.
أو يحمل على حمله من ماله، فيحجه إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه 130 أو يقال: إن ذلك محتمل الوجهين جميعًا، ويؤخذ فيه بالأحوط، فيحج هو ماشيًا، ويحج الرجل من ماله راكبًا.
وأرى أن يحمل قوله عليَّ حمله من ماله؛ لأنه ليس العادة أن يقصد حمله على عنقه، ويقصدون الحمل من المال، وقد قال عمر: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سبِيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ فَأَضَاعَهُ الذي كان عنده، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ.
. ." 131 الحديث 132. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: 92] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَالله لاَ أَحْمِلُكُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ الله حَمَلَكُمْ.
. ." الحديث 133. ولو قال: أنا أحج فلانًا، أو أحج به، أو أحمله في غير يمين، لكانت عدات فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.

الجزء: 4 - الصفحة: 1655

وقال مالك في الرجل يقول: أنا أحمل هذا العمود إلى بيت الله، أو هذه الطنفسة: إنه يحج ماشيًا، ويهدي 134. وقال محمد: إن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ خرج راكبًا حاجًّا أو معتمرًا، ولا شيء عليه فيما ترك من حمل ذلك.
وحمل قوله ذلك: أنه يريد أن يحمله وهو راكب.
وقول مالك: أنه يخرج ماشيًا استحسان؛ لأنه نذر معصية، ولا يجوز أن ينذر لله شيئًا من ذلك.
ولو كان ممن يجهل ويظن أن في ذلك طاعة، لم يلزمه شيء.
وقد قال ابن القاسم فيمن قال: عليَّ السير 135 إلى مكة: لا شيء عليه.
وفي البخاري قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، فليتكلم، ويقعد ويستظل ويَصُم" 136 فأمره أن يوفي بما كان طاعة، ولم يجعل عليه فيما 137 سوى ذلك شيئًا؛ لأنه كان يظن أن لله في ذلك طاعة، ولو علم لكان نذرًا في معصية، ويؤمر أن يتقرب إلى الله بطاعة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1656

باب فيمن قال: عليَّ المشي أو الركوب أو الذهاب أو السير إلى مكة، أو الكعبة، أو المسجد الحرام، أو الصفا، أو المروة، أو منىً، أو عرفة، أو إلى المسجد ولم يسمِّ مسجدًا، أو قال: عليَّ المشي ولم يزد على ذلك، أو إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بيت المقدس، أو الإسكندرية، أو غيرها من مواضع الرباط

وقال ابن القاسم في المدونة: إن قال: عليّ المشي إلى مكة لزمه 138. واختَلَف قوله 139 إذا قال: عليَّ الركوب إلى مكة، فألزمه ذلك مرة 140، ومرة لم يلزمه 141. وإن قال: عليّ الذهاب إلى مكة أو السير أو الانطلاق أو آتي مكة لم يلزمه.
وقال أشهب: يلزمه في ذلك كله أن يأتي مكة حاجًا أو معتمرًا.
وقال أيضًا في كتاب محمد، فيمن قال عليّ المشي إلى مكة: أن لا شيء عليه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا فرق بين جميع هذه الألفاظ؛ لأن مجرد اللفظ في جميع ذلك لا يوجب أكثر من الوصول إلى مكة.
والوصول لا يجب إلا لما يتعلق به بعد ذلك من طاعة حج أو عمرة أو طواف أو صلاة.
فإن حمل قوله على العادة في ناذر الوصول أنه يريد الحج أو العمرة؛ لزمه

الجزء: 4 - الصفحة: 1657

في جميع هذه الوجوه المشي والركوب والذهاب والانطلاق، وإن لم يحمل قوله على العادة لم يلزمه شيء وإن سمّى المشي.

فصل [فيما يلزمه من المشي وما لا يلزمه]

قال ابن القاسم: إذا قال: عليّ المشي إلى مكة أو المسجد أو البيت أو الكعبة أو الركن أو الحجر، لزمه.
وإن قال: إلى الصفا والمروة أو المقام أو زمزم أو منى أو عرفات، لم يلزمه 142. وقال أصبغ: يلزمه كل ما يسمّى مما هو داخل في القرية؛ الصفا والمروة والحطيم والأبطح والحجون وأجياد وقعيقُعان وأبي قبيس 143. وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه إذا سمى ما هو خارج منه ما عدا عرفات، فإنه وإن كان من الحل من مشاعر الحج، فإذا نذر عرفات؛ فقد نذر الحج 144. فألزمه ابن القاسم إذا قال: مكة، وهي القرية، وأسقط ذلك عنه 145 إذا سمى الصفا والمروة، وهما داخلان فيها ومن مشاعر الحج.
وألزمه إذا قال: المسجد، وأسقط عنه إذا قال: المقام، وهو داخل في المسجد.
ولا وجه لهذه التفرقة، والجواب على وجهين: فإما أن يعلق اليمين بما يقتضيه مجرد اللفظ؛ فلا يكون عليه شيء في جميع ذلك.
أو يحمل على أنه أراد

الجزء: 4 - الصفحة: 1658

ما العادة أن يؤتى لهذه المواضع له؛ فيجب عليه الحج أو العمرة، إلا أن يسمي منيً أو عرفة أو المشعر أو المزدلفة، فيجب عليه الحج، ولا تجزئه العمرة؛ لأن هذه المواضع مناسك للحج دون العمرة.
ومن نذر المشي لم يجزئه الركوب، ومن نذر الركوب لم يجزه المشي إذا كان قصده نفقة ماله في مؤن الركوب، وإن كان قصده الوصول وليس إنفاق ماله في الركوب أجزأه المشي.
وإن قال: عليّ الذهاب أو السير أو الانطلاق؛ كان مخيرًا بين المشي أو الركوب.
وقال ابن القاسم: إن قال: أنا أضرب بمالي الحطيم أو الركن؛ يحج أو يعتمر، ولا شيء عليه في ماله 146. وقال ابن حبيب: يتصدق بماله 147. قال الشيخ - رضي الله عنه -: مجرد هذا النذر لا يوجب شيئًا؛ لأن ضرب الحطيم أو الركن بالمال ليس بطاعة، والنذر به معصية، ويستحب أن يأتي في طاعة لذلك الموضع؛ حج أو عمرة.
ورأى ابن حبيب أنه عاص في النذر من الوجهين؛ إتيانه لمثل ذلك، وأن يضرب بالمال، واستحب أن يتصدق بذلك المال كما جاء في الحديث فيمن قال: "تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَصَدَّقْ" 148. وإن أراد بقوله: اضرب به في الأرض، أي: أنفقه حتى أصل به إلى ذلك؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1659

لزمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: 101].

فصل [في الركوب والمشي في المساجد الثلاثة]

وقال مالك فيمن قال: عليّ المشي إلى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو إلى مسجد 149 بيت المقدس: فليأتهما راكبًا، ومن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله؛ فهذا الذي يمشي، ومن قال: عليّ المشي إلى غير هذه الثلاثة المساجد؛ لم يكن عليه أن يأتيها لا ماشيًا ولا راكبًا، وليصل في بيته إن كان أراد الصلاة فيها 150. وقال ابن القاسم: وإن قال عليَّ المشي إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لم يأتهما، إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما راكبًا، ومن قال من أهل مكة أو المدينة أو بيت المقدس: لله عليَّ أن أصوم بعسقلان أو بالإسكندرية أو موضع يراد فيه الرباط؛ فعليه أن يأتيه 151. فألزم مالك الوفاء بالصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس.
وقال ابن وهب: عليه أن يأتي ماشيًا 152. وقال ابن المواز: وقد قيل: إن كان قريبا الأميال اليسيرة 153 أتى ماشيًا 154. وقال إسماعيل القاضي: من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة ليس

الجزء: 4 - الصفحة: 1660

للحج؛ لم يكن عليه أن يمشي، وركب 155 إن شاء، ولا يدخل إلا محرمًا.
فلم يلزمه المشي، وإن سمى مكة لما أوجبه في الصلاة.
والقول أنه يمشي في جميع ذلك أحسن؛ لاتفاقهم أن المشي للصلاة تتعلق به قربة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو بِهِ الله الخَطَايَا؛ كَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ" 156. وقال: "أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِى الصَّلاَةِ أَبْعَدُهُمْ مَمْشىً" 157. وإن كان ذلك 158 يتعلق بالمشي طاعة دخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" 159. وإن نذر 160 مكي أو مدني الصلاة في مسجد 161 بيت المقدس، صلى في مسجد موضعه، في المسجد الحرام أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأجزأه، وإن نذر مقدسي الصلاة في أحد هذين المسجدين، أتاهما 162. وإن نذر مدني الصلاة في المسجد الحرام، أو مكي الصلاة بمسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ أتاه 163، وذلك أحوط؛ ليخرج من الخلاف.
وقياد قول مالك يأتي المكي المدينة، ولا يأتي المدني مكة، وأوجب مالك

الجزء: 4 - الصفحة: 1661

على المكي والمدني والمقدسي أن يأتوا الإسكندرية وعسقلان للرباط، ولم ير ذلك داخلًا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُشَدُّ المَطَايَا إِلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ.
. ." 164 الحديث؛ لأن هذه المواضع تختص بمعنى لا يوجد في المساجد الثلاثة، ومحمل الحديث على من نذر صلاة، فلا يشد لها المطي 165؛ لأن الصلاة بموضعه أفضل، ولو نذر مكي أو مدني أن يأتي أحد هذين الموضعين لصلاة واحدة ويعود من فوره ليس للرباط، لصلى 166 بموضعه، ولم يأتهما.
ومن قال: عليّ المشي إلى بيت الله، ونوى مسجدًا 167؛ كانت له نية، وإن لم تكن له نية؛ كان عليه أن يمشي إلى البيت الحرام.
واختُلف إذا قال: عليَّ المشي، ولم يذكر مسجدًا، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه 168. وقال أشهب: عليه أن يمشي إلى مكة.
والأول أبين، ولا نجد من يقف على ذكر مكة في مثل هذا، إلا لأنه أراد الهروب من التزام المشي إلى مكة، أو الإلغاز لمن حلف له 169.

الجزء: 4 - الصفحة: 1662

باب في الهدايا وما يمنع منها

وقال مالك فيمن قال "عليَّ هدي": يهدي بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة فشاة، وإن قال: لله 170 عليّ بدنة؛ كانت من الإبل.
فإن لم يجد وقصرت النفقة؛ فبقرة، فإن لم يجد؛ فسبع من الغنم 171. وقد 172 اختلف في هذين السؤالين، فقال في كتاب الحج، فيمن قال "عليّ هديّ": الشاة تجزئ 173. وقد اختلف في هذا الأصل: هل تبرأ الذمة بأعلى ذلك المنذور، أو بأقله؟ فقال فيمن نذر صوم شهر، فصامه لغير الهلال: إنه يصومه ثلاثين يومًا 174. وهذا مثل قوله في الهدي: أنه يهدي بدنة، ولا يهدي الشاة، إلا عند عدم القدرة للبدنة وللبقرة 175. وقال محمد بن عبد الحكم: تجزئه تسعة وعشرون يومًا، وهذا مثل أحد قولي مالك أنه تجزئه الشاة ابتداءً، وقد تقدم وجه ذلك في كتاب الصوم.
واختُلف إذا قال: لله عليّ بدنة، فقصرت النفقة؛ فقال ابن نافع: لا تجزئه البقرة ولا تجزئه إلا بدنة من الإبل ولا يجزئه إلا ما نذر.
وقال الخليل: البقر من البدن 176.

الجزء: 4 - الصفحة: 1663

وقول ابن نافع أحسن؛ لأن الناس لا يعرفون البدن إلا من الإبل، وهي التي يقصد الناذر.
وقول مالك استحسان، لحديث جابر، قال: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ" 177. وجعل أحدهما يسد مسد الآخر.
وكذلك قوله: إذا عدمت البقرة، أو قصرت النفقة: إنه يهدي سبعًا من الغنم؛ لأن الهدي شاة، وهو أقل ما ينوب أحد التمتعين.
قال ابن القاسم: وإن أحب أن يصوم؛ فعشرة أيام 178، فإن أيسر؛ كان عليه ما نذر 179. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إذا أعسر، وقال: عليَّ هدي؛ صام عشرة أيام، فإن قال: بدنة؛ صام سبعين يومًا 180. قال أشهب: إن أحب صام سبعين يومًا أو أطعم سبعين مسكينًا 181. وظاهر قوليهما ألا شيء عليه بعد ذلك، وهذا أيضًا استحسان؛ لأن الله تعالى أوجب في القتل والظهار عتق رقبة، ثم جعل الصوم عند عدم العتق؛ فكان صيام هذين عند عدم القدرة على الهدي براءة 182 لهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 1664

فصل [في اختلاف قول الناذر وما يجب عليه فيه]

وإن قال: "لله عليّ أن أنحر بدنة" كان كالأول إذا قال: "لله علي بدنة".
وإن قال: "لله علي أن أنحر جزورًا" نحره بموضعه.
وليس بهدي، وسواء كان بعينه أو بغير عينه.
قال ابن حبيب: وإن كان معينًا، وقال: لله عليّ أن أنحره بمكة بعثه ونحره بها، ولم يكن عليه أن يقلده، ولا أن يشعره 183. وقال مالك فيمن قال: لله عليّ أن أنحر جزورًا، ونذره لمساكن البصرة أو مصر؛ نحره 184 بموضعه، وتصدق به على المساكين إن كان بعينه، أو نذر أن يشتريه من موضعه، ثم يسوقه إلى مصر، قال: وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال 185. وقال مالك في كتاب محمد: لينحره حيث نوى 186. ولأشهب في مدونته مثله 187. وهذا أحسن إذا قصد رفق مساكين أهل 188 ذلك الموضع.
وإن قصد أن يهديه لذلك البلد؛ كان نذرًا في معصية، ويستحب له أن يوفي بنذره ذلك بمكة، ويجعله هديًا، وإن تمسك به لم يكن عليه شيء.

الجزء: 4 - الصفحة: 1665

قال ابن حبيب: من حلف بصدفة ماله على مساكين بلد فحنث، فليفرق ذلك على مساكين بلده، ولا يبعث به.
وكذلك، إذا قال في بعير (1) أراد به مساكين بلد آخر، فإنه ينحره بموضعه.

فصل [في نذر المعين وما يلزمه منه]

ومن نذر هديًا معينًا لزمه الوفاء به إذا كان من موضع يبلغ سالمًا من العيوب، وفي سن ما يهدى، فإن كان من الإبل؛ بعث به وإن بعد موضعه، وإن كان من البقر أو من الغنم وقرب موضعه وأمن عليه؛ بعث به.
وإن لم يبلغ؛ بِيعَ واشتُرِيَ بثمنه من الإبل إن بلغ الثمن لذلك، وإن لم يبلغ فمن البقر، وإن لم يبلغ، فمن الغنم، وإن لم يبلغ؛ تصدق بالثمن عند ابن القاسم حيث شاء 190. وقال مالك: يجعل فيما تحتاج إليه الكعبة 191. وأرى أن يتصدق بثمنه بمكة؛ لأنه لو بلغ تصدق بلحمه عليهم، وأكل منه، ولا يدفع إلى الحجبة؛ لأنهم ليسوا من الجنس الذي جعله فيه، ولأنهم لا يوفون بما يجعل إليهم، ولو أشرك به في هدي لكان وجهًا.
وقد اختلف في الشرك في التطوع، وأن يشتري من موضع يرى أنه يبلغه أصلح، ولا يؤخر إلى موضع أعلى، إلا ألا يجد من يسوقه من هناك؛ فلا بأس أن يؤخر الشراء إلى مكة، ثم يخرجه إلى الحل.
وإن وجد أن يشتري مثل الأول ببعض الطريق، وإن أخّر إلى مكة اشترى189

الجزء: 4 - الصفحة: 1666

أفضل؛ اشترى الآن، وساقه إلى مكة، ولم يؤخره.
وإن كان الهدي الأول خمسًا من الغنم أو ستًا، ووجد بثمنهم بدنة؛ اشتراها.
وإن كانت الغنم الأُوَل ثمانيًا فما فوق؛ لم يستحسن له أن يشتري بدنة إذا كان يجد بالثمن مثل العدد الأول؛ لأن البُدن جعِلت عوضًا عن سبعة، فكان الإتيان بثمان أو بتسع أفضلَ.
وإن نذر عبدًا أو دارًا؛ بِيعَ وبعث بالثمن، فيشتري به من موضع يرى أنه أصلح، ويبلغ حسب ما تقدم، وإن كان يبلغ ثمن ذلك بدنة (1)، وهو ببلده أصلح؛ اشتراه الآن وبعثه (2).

فصل [في نذر المعيبة]

وقال أشهب في كتاب محمد، فيمن نذر بدنة بعينها عوراء أو عرجاء: فعليه أن يهديها كما نذر 194، وإن لم تكن معينة أهدى سليمة، وكذلك إن نوى جذعة من المعز 195، قال: ألا ترى أن من نذر أن يهدي ابنه: أهدى مكانه ما يجوز أن يهدى 196. وقال محمد في العتبية: يهدي قيمتها، أو بعيرًا 197 مما يجوز.192193

الجزء: 4 - الصفحة: 1667

وأرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن 198 أن ذلك يجوز؛ لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين، ويخرج قيمة ما في الذمة على أنه معيب، فيشتري بذلك سالمًا إن بلغ، أو يشارك به، وإن كان عالمًا أن ذلك لا يجوز؛ كان نذرًا في معصية.
وهو كما قال بمنزلة من نذر نحر ولده، فلا شيء عليه، معينًا كان 199، أو مضمونًا، ويستحب له أن يأتي بسليم ليكون كفارة عن نذره، ويتقرب إلى الله سبحانه بذلك.
ومن قال: أنا أنحر ولدي -بمعنى: أقتله- فلا شيء عليه، وإن أراد بذلك أن يجعله هديًا أو قال 200 ما يدل على ذلك، فقال: أنا 201 أنحره عند مقام إبراهيم أو الصفا أو المروة، أو قال أنا: أهديه، أو أنحره لله؛ كان عليه عند مالك هدي.
وقال مرة: كفارة يمين.
والأول أبين، وهذا نذر في معصية؛ فلا يجوز الوفاء به، ويستحب أن يأتي بطاعة كفارةً عن قوله ذلك، إلا أن يكون ممن يجهل ويظن أن ذلك جائز، فلا شيء عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1668

باب فيمن حلف بصدقة ماله أو بعضه

واختُلف فيمن تصدّق بجميع ماله أو بعضه 202 أو عَيَّنَ شيئًا منه أو عَيَّنَ جميعه على ثلاثة أقوال: فقال مالك: إن لم يعين، وقال: مالي أو جميعه؛ أجزأه الثلث، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ما سمى 203. قال محمد: وكذلك إن قال: مالي إلا درهم؛ أخرج جميع ذلك 204. قال مالك: وإن عَيَّنَ، فقال: عبدي أو داري، وذلك جميع ماله أو نصفه أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ما سمى 205. وذكر عنه ابن وهب في النوادر، فيمن لم يعين، وسمى أكثر من الثلث؛ اقتصر على الثلث 206. وذكر ابن الجلاب عنه في المعين إذا كان أكثر من الثلث روايتين؛ إحداهما: ألا يلزمه أكثر من الثلث، والأخرى: أنه يلزمه ما عين وإن كان أكثر من الثلثين 207. وقال سحنون في جميع ذلك عين أو لم يعين: يخرج ما لا يضر به إخراجه.
وهذا أحسن؛ لقوله: "لا صدَقَةَ إلا عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".

الجزء: 4 - الصفحة: 1669

أخرجه البخاري ومسلم 208. فإن كان جميع ماله لا فضل فيه لم يكن عليه شيء وإن كان الفضل نصف ماله أو ثلاثة أرباعه أو تسعة أعشاره أخرج جميع ذلك الفضل لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوفاء بالنذر ولقوله: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" 209 فدخل في ذلك الصدقة وغيرها.
وقال أبو طلحة: إن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها، فقال: "اجْعَلْهَا فِي أَقَارِبِكَ وَبَني عَمِّكَ.
. ." الحديث 210. فأمضى جميع صدقته 211؛ لأنه أبقى ما فيه كفاية.
وأما على 212 قول كعب بن مالك 213: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِى، فَقَالَ: "يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ" 214. فإنه يحتمل أن يكون كعب أراد أن يفعل ولم يوجب.
وإن قال: عبدي ومالي؛ أخرج جميع العبد وثلث الباقي، وعلى القول الآخر يخرج ثلث العبد وثلث الباقي.

الجزء: 4 - الصفحة: 1670

وإن حلف بصدقة ماله، فلم يحنث حتى حلف بصدقة ماله أيضًا فحنث، فقال مالك: يجزئه الثلث 215. أو حلف بثلث ماله، فلم يحنث حتى حلف بثلث ماله، فحنث في اليمينين جميعًا -أجزأه- على قول مالك الأول- ثلثٌ واحد؛ لأنَّ جميع المال في حين اليمين الثانية في السؤالين جميعًا على ملكه، وإنما كرر اليمين بشيء واحد.
وإن حلف بثلث ماله فحنث، ثم حلف بثلث ماله؛ أخرج ثلث الجميع عن اليمين الأولى، ثم ثلث الباقي عن اليمين الثانية.
واختلف إذا حلف بصدقة ماله فحنث، ثم حلف بصدقة ماله فحنث، فقال ابن كنانة: يجزئه ثلث واحد 216. وقال أشهب: يخرج ثلث جميع ماله 217، ثم ثلث الباقي 218. قال محمد: وهو القياس.
وقال فيمن قال: مالي هدي، فإنه يخرج ثلث ماله، وتكون النفقة وكل شيء منه 219. وإن قال: ثلث مالي هدي 220 فعليه أن يبلغه، ولا يبيع منه 221 شيء 222. يريد: إن النفقة عليه 223 من غير الثلث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1671

وقال ابن القاسم في العتبية فيمن قال: مالي هدي (1): يهدي ثلث ماله، والنفقة عليه من غير الثلث (2).

فصل [فيمن حلف بصدقة ماله ونقَصَ مالُهُ أو زاد]

ومن حلف بصدقة ماله فحنث، وقد نقص ماله بتلف أو خسارة أو زاد بربح أو ولادة؛ فإن كان على بر، فقال: إن فعلت، أو لا فعلت 226 كان عليه الأقل مما كان بيده يوم حلف أو يوم حنث.
فإن كان الأول أكثر؛ لم يضمنه؛ لأنه لم يكن ممنوعًا منه بالتصرف 227 والأكل والهبة والصدقة.
واختلف في الولد، فقيل: هو له 228 كالربح.
وقيل: يدخل في اليمين 229، لأنه كبعضها.
وإن كان اليوم أكثر، لم يكن عليه في الربح شيء؛ لأنه إنما حلف بشيء، فلا يلزمه أكثر منه.
وإن كان على حنث، فقال: إن لم أفعل.
. . 230.224225

الجزء: 4 - الصفحة: 1672

باب الأيمان

الأيمان على ثلاثة أوجه 231: جائزة، وممنوعة، ومختلف فيها، هل تجوز أم لا؟.
فالأول: اليمين بأسماء الله تعالى، كقوله: والله، والرحمن، والرحيم 232، والعزيز، القدير 233. وقال الله عز وجل: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]، وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6].
فكل يمين بالذات جائزة، وإن اختلفت الأسماء.
والثاني: اليمن 234 بالمخلوقات، كقوله: والكعبة، والنبي، والآباء 235، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" 236. فمن حلف بذلك بعد علمه بالنهي؛ فليستغفر الله، ولا كفارة عليه.
والثالث: اليمين بصفات الله تعالى؛ بعزته أو قدرته.
فاختلف في جواز اليمين بها، وهل تجب الكفارة على من حلف بها؟ فالمشهور من المذهب الجواز، وأن كفارتها كفارة اليمين بالله.

الجزء: 4 - الصفحة: 1673

وقال في كتاب محمد فيمن حلف، فقال: لعمر الله: لا يعجبني أن يحلف به أحد.
وقال فيمن قال: وأمانة الله: نحن نكره اليمين بها 237. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله" 238. قال: فمن جهل فحلف 239 بها؛ كان فيها كفارة اليمين بالله.
فمنع اليمين بالصفة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله".
وفي كتاب ابن حبيب مثل ذلك: أن لا يحلف بما ذكره محمد، واستشهد بالحديث.
وفي كتاب محمد، فيمن قال: لعمر الله وأيم الله، أخاف أن يكون يمينًا 240. فشك.
وقيل لابن القاسم فيمن حلف بالقرآن أو بالكتاب، أو بما أنزل الله تعالى: أترى ذلك كله 241 يمينًا؟ قال: أحسنُ ذلك والذي تكلمنا فيه: أن كل ما سمى من ذلك يمين؛ يريد: أنه اختلف فيه، وروى علي بن زياد، عن مالك إذا قال: لا والقرآن، لا والمصحف؛ ليس بيمين، ولا كفارة على من حلف به فحنث 242.

الجزء: 4 - الصفحة: 1674

وأرى أن تجوز اليمين بالصفة؛ لحديث أنس، قال: قال رسول الله: "آخرُ أَهْلِ الجنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، وَيَبْقَى مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قشبني رِيحُهَا، وأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَاصْرِفْ وَجْهِي عن النَّارِ، فيقول: لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لاَ وَعِزَّتِكَ" (1). وفي حديث آخر: "تَقُوُل جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ"، وقال أيوب: "بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِى عَنْ بَرَكَتِكَ" الحديث ذكره البخاري (2). ومحمل النهي في الحلف بغير الله أن ذلك في المخلوقات، وأما الكفارة؛ فإنما وردت فيمن حلف بذاته، فقيست اليمين بالصفة على ذلك.

فصل [في الحلف على شيء بأسماء مختلفة مما يجوز به اليمين]

ومن حلف على شيء واحد بأسماء مختلفة المعاني، فقال: والله والرحمن والعزيز والعليم فحنث؛ فعليه كفارة واحدة؛ لأنه حالف بذاته، وهي واحدة.
وكذلك، إن حلف بصفة مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، فقال: وعزة الله وكبريائه.
وإن اختلفت معانيها، فقال: وعزة الله وعلمه وكلامه؛ كان عليه ثلاث كفارات، وإن كان الموصوف بها واحدًا.
وإن كرّر اليمين بصفة واحدة، فقال: وعزة الله، وعزة الله؛ فكفارتهما243244

الجزء: 4 - الصفحة: 1675

واحدة، وكذلك إذا حلف بصفة واحدة مختلفة الأسماء، فقال: وعزة الله، وكبرياء الله؛ فكفارة واحدة، كمن حلف بذاته بأسماء مختلفة.
قال أبو بكر الأبهري: إنما يجب في العهد والميثاق والكفالة ثلاث كفارات 245، إذا أراد الحالف بها ثلاثة أيمان، وإلا فليس عليه إلا كفارة واحدة وقاله محمد بن عبد الحكم 246. ومحمل قول مالك في المدونة هذه أيمان 247، أي: أن كل واحدة لها حكم اليمين، أو يرى أنها صفات، ليست 248 صفة واحدة.
وقد تقدم الاختلاف في ذلك، وأنها ليست بيمين في أحد الأقوال.
ولم يرد إذا جمع اليمين بها 249 على شيء واحد أن لكل واحدة كفارة.
وقال مالك: إذا قال عليّ عشر كفالات؛ عليه عشر كفارات 250. يريد: لأن الحالف بذلك يريد عشرة أيمان، كمن قال: عليّ عشرة أيمان، فعليه عشر كفارات، وإن كان المحلوف به شيئًا واحدًا.
وإن قال: والعزيز وعزة الله؛ فكفارتان.
والعهد على أربعة أوجه؛ تلزم الكفارة في وجه، وتسقط في اثنين، واختلف في رابع.
فإن قال: عليّ عهد الله فحنث، كفّر؛ لأنه حالف بصفة.
وإن قال: لك عليّ عهد الله، أو أعطيك عهد الله؛ فلا كفارة عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1676

واختُلف إذا قال: أعاهد الله -عز وجل-: فقال ابن حبيب: عليه كفارة اليمين 251. وقال ابن شعبان: لا 252 كفارة عليه.
وهو أحسن؛ لأنه لم يحلف بالعهد، فيكون قد حلف بصفة.
وقوله: أعاهد الله.
فالعهد منه، وليس بصفة لله تعالى، ولا أعطي بالله عهدًا.
فإن عقد 253 أن يفعل طاعة؛ لزمه الوفاء بها لما عقد على نفسه، وإلا فلا شيء عليه.
وكذلك، إن قال: أعاهد الله أن لا أفعل كذا وكذا؛ عليه أن يوفي إذا كان في ترك ذلك الفعل طاعة لله تعالى، وإلا فلا شيء عليه.
إلا أن يتعلق بذلك حق لآدمي، فيوفي له بما عقد له.
قال محمد: وقد يكون من النذور والعهد ما لا كفارة فيه، وذلك ما أريد به المعاقدة والمعاهدة، مثل البيعة 254 والحلف 255. وقال ابن حبيب: إذا قال: أبايع الله؛ عليه 256 كفارة يمين 257. وعلى قول ابن شعبان لا كفارة عليه 258. وإن قال: وعلم الله.
أو قال: علم الله 259، كفَّر 260. وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 1677

قال: علم الله، فلا شيء عليه.
وإن قال: وأمانة الله وذمة الله، فهي يمين 261. وقال ابن حبيب: أيم الله 262 يمين 263. وفي النوادر لمالك إذا قال: لعمر الله أو أيم الله: أخاف أن تكون يمينًا 264. فترجح هل هي يمين أم لا؟.
قال محمد 265: وقيل في معاذ الله وحالش لله: ليس بيمين 266. ورأيت في كتاب آخر أنهما يمين.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن قال: لا ها الله، هي يمين، كقوله تالله.
وإن قال: الله عليّ راع أو كفيل فحنث؛ لا أعلم في ذلك كفارة.
واختلف إذا قال: عليّ أشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب في العتبية: عليه 267 كفارة يمين 268. وقال محمد: يلزمه الطلاق والعتق، وأن يتصدق بثلث ماله، وأن يمشي 269 إلى بيت الله 270؛ فجعل ابن وهب اليمين على ما كانت عليه أول الإسلام،

الجزء: 4 - الصفحة: 1678

فأعظمها اليمين بالله.
وقول محمد أبين على ما أحدثه الناس اليوم من الأيمان، مثل أيمان البيعة وغيرها.
وإن قال: عليّ يمين فحنث؛ كفّر كفارة اليمين بالله تعالى؛ لأن الأصل في اليمين بالله حتى يريد غيرها.
وقال محمد: إن قال عليّ ثلاثون يمينًا، فلا أرى أن يفعل.
قال: وكأنه يرى عليه إن حنث الأيمان كلها؛ لأنه لم يصمد إلى شيء بعينه، ولا يدري بأي الأيمان حلف.
قال: فلزمه 271 الطلاق والعتق والصدقة والمشي والكفارة، بمنزلة الذي حلف بأشد ما أخذ أحد 272 على أحد.
وحمل قوله إذا قال: ثلاثين يمينًا، أنها مختلفة الأجناس.
والقياس أن تحمل على أنها بالله، ولو كان الأمر على ما قاله لوجب مثل ذلك إذا قال: عليّ يمين؛ لأنه لم يصمد إلى شيء بعينه، فلا يدري بأي الأيمان حلف.
واختلف إذا قال: أشهد وأقسم بالله.
أو لم يقل: بالله.
فقال ابن القاسم: إن قال بالله أو 273 أراد ذلك كان كالحلف بالله 274. وقال سحنون في السليمانية: اختلف فيمن قال: أشهد بالله وأقسم بالله، هل هي يمين؟ وفي الزاهي: إذا لم يقل بالله، لا شيء عليه.
والصواب إذا قال: بالله، أنها يمين.

الجزء: 4 - الصفحة: 1679

وإن نوى ذلك، ولم ينطق به؛ كان كمن اعتقد اليمن، ولم ينطق به؛ لأن اليمن إنما تنعقد ههنا إذا سمّى الله تعالى.
وإن قال: أعزم بالله أو عزمت بالله على فعل نفسه، فهي يمين.
قال ابن القاسم: وإن قال: أعزم عليك لتفعلن كذا؛ فلا شيء عليه، وهو بمنزلة من قال: سألتك بالله.
وكذلك على قوله لو قال: أعزم عليك بالله أن لا تفعل، ففعل؛ فلا شيء عليه (1). ولو قال: عزمت عليك بالله؛ كان يمينًا، وعليه الكفارة إذا (2) خالفه، بمنزلة من قال: حلفت عليك (3) بالله.
إلا أن يريد بقوله: عزمت، أي: أعزم.

فصل [في أنواع النذر من حيث الإبهام والتعليق والتقييد]

النذر 278 ثلاثة: مبهم مجرد من اليمين، ومعلق بيمين، ومقيد.
فإن كان مبهمًا، كان فيه كفارة اليمين بالله، وهذا قول مالك، وبه قال غير واحد من التابعين 279. وفي كتاب مسلم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" 280.275276277

الجزء: 4 - الصفحة: 1680

وروي عن ابن عباس أنه قال: عليه أغلظ الكفارات كالظهار 281، يريد: لأنه لم يسم اليمين بالله ولا نواها.
وقيل: إن شاء أو أطعم مسكينًا أو صلى ركعتين.
يريد: لأن كلها مما يصح أن ينذر، فلا تعمر ذمته إلا بأقل النذور 282. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها نذرت أن لا تكلم ابن الزبير، ثم كلمته، فأعتقت أربعين رقبة 283. وكانت متخوفة أن لا تكون وفت بنذرها وأنها حانثة، ورأت أن الذمة معمورة بنذر، فلا تبرأ بأقله.
وفي كتاب محمد: فإن قال: عليّ نذر لا يكفره صيام ولا صدقة، ثم حنث؛ فليستغفر الله، ويكفر كفارة اليمن بالله.
قال: وكذلك، إذا قال: عليّ نذر لا كفارة له 284. وإن علقه بيمين، فقال: عليّ نذر إن فعلت، أو أن فعلت، أو لا 285 فعلت، أو إن لم أفعل، أولا أفعلن 286، افترق الجواب.
فإن قال: عليّ نذر إن أعتقت هذا العبد، أو شربت 287 هذه الخمر، كانت يمينًا منعقدة، ولا شيء عليه الآن؛ لأنه

الجزء: 4 - الصفحة: 1681

على بر.
فإن أعتق أو شرب، كفر كفارة النذر، ويمضي العتق.
وإن قال: عليّ نذر أن أُعتق، أو أن أشرب خمرًا، كان نذرًا مجردًا من اليمين مقيدًا؛ لأن (أن) مع الفعل بمعنى المصدر، فكأنه قال: عليّ نذر عتق هذا العبد، وشرب هذه الخمر.
فيوفي بما كان فيه طاعة، ولا شيء عليه في الآخر، لا كفارة ولا غيرها.
وإن قال: عليّ نذر إن أعتقتُ، أو إن شربتُ الخمر، كان عليه كفارة النذر في الوجهين جميعًا إذا كان تقدم له شرب أو عتق.
فجعل النذر لأجل ذلك.
فإن قال: عليّ نذر أن لا أعتقه 288، أو لأشربنّها، كانت يمينًا بالنذر على ترك العتق، أو الشرب.
وهو كقوله: إن فعلت ذلك، فلا شيء عليه الآن.
فإن فعل؛ كفّر كفارة اليمين بالله.
وإن قال: إن لم أعتق، أو 289 إن لم أشرب؛ كانت يمينًا منعقدة.
وهو بالخيار بين العتق أو الكفارة، ويؤمر بالكفارة عن قوله: إن لم أشرب، إلا أن يجتزئ على الشرب.
وقال محمد: إن قال عليّ نذر لأعتقنّ أو لأشربنّ؛ كان العتق والشرب هو المنذور، كالذي يقول: أن أشرب، أو: أن أعتق.
وليس بحسن، وهو بمنزلة من قال: إن لم أفعل.
فإن فعل؛ سقط نذره، وإن لم يفعل؛ كفر كفارة النذر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1682

باب في لغو اليمين والغموس وما تجب فيه الكفارة، وما لا تجب وما تكوق النية فيه نية الحالف والمحلوف له

الأيمان قسمان: ماض ومستقبل.
فالماضي لا تلزم فيه كفارة، بر في يمينه، أم لا.
والمستقبل تجب فيه الكفارة متى خالف ما عقد يمينه عليه.
والماضي على أربعة أوجه، فإن قال: والله، ما لقيتُ فلانًا أمس.
وذلك يقينه، ثم تذكر أنه لقيه لم تكن عليه كفارة.
وهذا من لغو اليمين الذي ذكر الله تعالى في كتابه.
وإن كان لقيه وتعَمّد الكذب، كان غموسًا.
قال مالك: وهي أعظم من أن تُكفّر 290. فإن كان في حين يمينه شاكًّا، ثم تذكر أنه لقيه؛ كان آثما.
ويجوز أن يكون إثمه دون من كان على يقين.
قال ابن القاسم: وإن تبين له أنه لم يلقه، بر في يمينه.
والصواب أنه آثم؛ لأنه تجرأ باليمن على القطع مع الشك.
وأرجو أن يكون إثمه أخف 291 ممن يذكر أنه لقيه، وإن بقي على شكه، كان آثمًا.
ويُستحب له في جميع ذلك أن يتقرب إلى الله سبحانه بالصوم والصلاة والصدقة إذا تعمّد أو كان شاكًّا.
وهو في يمينه في المستقبل على بر إذا قال: والله، لا فعلتُ، أو إن فعلتُ.
وعلى حنث إن قال: إن لم أفعل، أو لأفعلنّ، ويمينه في جميع هذه الأربعة الوجوه منعقدة إذا كان قاصدًا لعقد اليمين.
واختُلف إذا كانت اليمين بغير نية، وإنما خرج على سبق 292 اللسان، فقيل:

الجزء: 4 - الصفحة: 1683

تكون يمينًا منعقدة (1). وأخرج البخاري عن عائشة، أنها قالت: "أنزل لغو اليمين في قول الرجل: لاَ وَالله، وَبَلَى وَاللهِ" (2). وبه أخذ إسماعيل القاضي؛ لأنها يمين بغير نية.
وقد واختُلف قول مالك في الطلاق بغير نية.
وأرى أن لا شيء عليه في جميع ذلك للحديث "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (3). واللغو يصح في اليمين بالله، وفيما كفارته كفارة اليمين بالله، ولا يصح في طلاق ولا عتق ولا صدقة ولا مشي.

فصل [في نية الحالف وما يلزمه منها]

والنية في اليمين على ثلاثة أوجه؛ فإن كانت بالطلاق أو العتق 296 في حق على الحالف، وأحلفه الطالب، وعليه بينة؛ قضى بظاهر يمينه، ولم يصدق أنه نوى غير ذلك 297. واختُلف إذا لم تكن عليه بينة، أو كانت، ويمينه بما لا يقضى عليه: هل ذلك إلى نيته، أو إلى نية الطالب؟ فقيل: ذلك إلى نيته وقيل إلى نية الطالب والأحسن أن يكون إلى نية المطلوب.293294295

الجزء: 4 - الصفحة: 1684

وإن تطوع باليمين وكان له أن ينصرف من غير يمين؛ كان الأمر إلى نيته.
وقيل أيضًا: ذلك إلى نية الطالب.
وإن دفع بذلك ظلمًا؛ فله نيته، وإن لم يجد سبيلا إلى التخلص إلا باليمين 298. ولا يجوز له أن يلغز، ولا أن ينوي غير ظاهر يمينه إذا كانت اليمين في حق.
ويجوز إذا كان يدفع بها ظلمًا.
واختُلف إذا لم تكن في حق ولا دفع بذلك ظلمًا هل يجوز أو يكره؟ واختُلف إذا حلف بالحرام على قضاء حق: هل تنفعه محاشاة زوجته 299: فقال مالك في كتاب محمد: إذا حلف بالحرام على قضاء حق؛ لم تنفعه محاشاة زوجته قال ابن القاسم: سواء استحلفه الطالب، أو ضيق عليه حتى بدر باليمين، فلا تنفعه النية، أظهر أمره أو ترك 300. يريد: أنه لا تنفعه فيما بينه وبين الله تعالى قال: وكذلك، إذا خاف أن لا يتخلّص إلا باليمين، وأما إن ابتدأ اليمين من غير أن يستحلفه، أو يحوجه إلى اليمين؛ فله نيته، وإن كان على يمينه بينة.
محمد: وقد قيل: ذلك سواء؛ لأنها وثيقة.
وإنما له النية والمحاشاة فيما حلف عليه من أمور نفسه، كان على يمينه بينة، أو لم يكن 301. وقال مُطرّف عن مالك في كتاب ابن حبيب: تنفعه المحاشاة؛ لاختلاف الناس في الحرام، وإن كان مستحلفًا.
وأما في غيره؛ فلا تنفعه المحاشاة ولا النية.
واليمين للذي استحلفه 302.

الجزء: 4 - الصفحة: 1685

وقال في كتاب ابن حبيب فيمن ألغز في يمينه: فما كان خديعة ليفر من حق عليه؛ فهو خديعة 303. ولا يكفر ولا يأثم في غير ذلك، ولا كفارة عليه.
ولا أحبّ له أن يفعل.
فجعل الأمر إلى نيته، وإن كان في حق، قال ابن حبيب: ما كان على وجه الغَرَر، أو لينجو من سخط إنسان، فلا بأس به.
وما كان من مكر أو خديعة؛ ففيه الإثم، والنية نيتك، وما كان من حق عليك فالنية نية المحلوف له.
قاله مالك 304.

الجزء: 4 - الصفحة: 1686

باب في الاستثناء في اليمين بالله والطلاق والعتق

الاستثناء يصح في اليمين بالله، وفيما كفارته كفارة اليمين بالله، كاليمين بالصفات والنذر المبهم 305. وسواء استثنى مشيئة الله تعالى، أو مشيئة آدمي حي أو ميت.
فإن قال: والله لأفعلنّ كذا إن شاء الله، أو إن شاء فلان أن أفعله، أو إلا أن يشاء الله، أو فلان.
أو قال: لا فعلتُ إلا أن يشاء الله، أو فلان أن أفعله، أو إن شاء الله أو فلان ألا أفعله 306؛ كان له استثناؤه في جميع ذلك.
والاستثناء المجتمع عليه: ما اشتمل على ثلاثة شروط، وهي: أن تكون نطقًا نسقًا، بنية قبل اليمين، أو في موضع لو سكت لم تنعقد اليمين 307. ويختلف إذا لم يحرك لسانه بالاستثناء، فقال مالك في المدونة: لا ينفعه ذلك 308. وعلى قوله أن اليمين تنعقد بالنية؛ يصح استثناؤه بالنية.
ولم يختلف أن المحاشاة تصح بالنية؛ لأن المحاشاة إخراج ذلك قبل اليمين.
وكذلك الاستثناء، إذا كانت تلك نيته قبل اليمين؛ لأنها محاشاة.
وقال محمد: الاستثناء كل ما كان فيه (إن)، مثل قوله: إن شاء الله، إن شاء 309 فلان.
ومثل قوله: إلا أن، مثل أن يحلف إن فعل كذا إلا أن.
وكل ما

الجزء: 4 - الصفحة: 1687

كان فيه إلا، مثل أن يحلف إن صحبت اليوم قرشيًا، ويقول في نفسه: إلا فلانًا.
وإن كنتُ أكلتُ اليوم طعامًا، إلا لحمًا.
فهذه الثلاثة الأوجه: استثناء لا يجزئه إلا بتحريك اللسان، إن، وإلا أن، وإلا.
ولو أخبره رجل خبرًا، وقال: لا تخبر به أحدًا، ونوى في نفسه إلا فلانًا؛ لم ينفعه.
ولو حرك به لسانه، ونوى في قلبه وفلان؛ أجزأه.
لأن الأول فيه إلا، والثاني ليس فيه إلا الواو.
قال: وقد قيل: ليس الاستثناء إلا في وجهين؛ إن وإلا أن.
وأما قوله إلا، فالنية تجزئه.
ألا ترى قوله: الحلال عليَّ حرام، وهو ينوي إلا امرأته؛ أن ذلك يجزئه 310. وهذا أحسن 311؛ لأن (إلا) تكون بمعنى (غير وسوى)، فيرجع إلى المحاشاة إذا عزلها بنيته، وإن أدخلها في اليمين، ثم رفعها؛ كان استثناء.
واختُلف إذا نسق الاستثناء بنية حدثت بعد تمام اليمين: فقال مالك في المدونة: ذلك استثناء 312. وقال محمد بن المواز: ليس ذلك 313 باستثناء.
قال وإن نوى الاستثناء قبل آخر يمينه، ولم يبق منها إلا حرف، ثم نسق الاستثناء؛ فذلك جائز 314. يريد: إذا بقي من الكلام ما لو سكت 315؛ لم ينعقد اليمين.
وقال إسماعيل القاضي: إن لم يعزم على الاستثناء إلا بعد الفراغ من اليمين؛ لم ينفعه، وإن كان نسقًا.
وإن ابتدأ اليمين ثم عزم على الاستثناء قبل

الجزء: 4 - الصفحة: 1688

انقضاء اليمين، ولو بأقل الأجزاء، كان ذلك له.
قال: ألا ترى لو بلغ آخر اليمين إلا ذلك الجزء، ثم قطع يمينه؛ لكانت ساقطة عنه؛ لأن اليمين لا تنعقد إلا بتمامها.
قال: وكذلك كل شيء من الطلاق والعتق، لا يقع إلا بتمامها.
وهذا أحسن.
وأما إذا أحدث نية بعد تمام اليمين، فإنما يريد أن يدفع يمينًا قد انعقدت ووجبت، وذلك غير صحيح.
وبقية ما يتعلق بالاستثناء مذكور في كتاب الأيمان بالطلاق وفي كتاب العتق الأول.

الجزء: 4 - الصفحة: 1689

باب فيمن حلف بيمين علي أشياء أو بأيمان على شيء واحد

وقال مالك، فيمن قال لأربع نسوة له: والله، لا أجامعكنّ، أو لا أكلمكنّ ففعل؛ فكفارة واحدة تجزئه 316. واختُلف إذا أصاب واحدة أو كلّمها، فقال مالك: قد حنث في يمينه 317. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: يتخرج فيها قول آخر: أن لا يحنث حتى يفعل جميع ما حلف عليه 318. وإن قال لواحدة: والله، لا أكلمك 319. ثم قال للأخرى: ولا أنت.
فإن كانت تلك نيته من أول يمينه؛ كان كالذي قال: لا أجامعكنّ.
فإن كان ذلك بنية حدثت بعد تمام اليمين؛ جرت على القولين، إذا نسق الاستثناء بنية حدثت بعد تمام اليمين.
وعلى الاختلاف فيمن طلق زوجته قبل الدخول طلقة، ثم نسق أخرى، فمن جعل ذلك استثناءً، وألزم الطلقة الثانية؛ أدخل هؤلاء في اليمين الأولى.
ومن لم يجعل ذلك استثناءً، ولا ألحق الطلقة الثانية؛ لم يدخل هؤلاء في اليمين.
وإذا لم يصح دخولهن في اليمين؛ لم يكن عليه شيء فيهن، كأنه 320 لم يحدث يمينًا أخرى.
وإن أراد بقوله: ولا أنت، يمينًا نواها حينئذ غير اليمين الأولى؛ لزمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1690

وكذلك إذا عطف على الأربعة، فقال: ولا أنت، ولا أنت.
وأحدث نية يمين عند عطفه على كل واحدة، فيلزمه أربع كفارات.
وإن أحدث نية يمين عند العطف على الأولى، يريد بقوله: ولا أنت: جميع البواقي؛ كان عليه كفارتان، وكن الثلاث داخلات في اليمين الثانية.
وقال مالك في كتاب محمد، فيمن قالت له زوجته: يا ابن الخبيثة ثم جحدت ذلك، فقال لها: أنت طالق إن لم تكوني قلت لي: يا ابن الخبيثة.
ثم سكت قليلًا، ثم قال: لقد قلتها لي ثلاث مرات.
ثم شك فيما بعد الواحدة، فقال مالك: ما أرى عليه شيئًا، إلا أن يقول: أردتُ به طلاقًا، أو ذكرته 321. وقال ابن القاسم: إن كان كلامًا واصلًا؛ فذلك يلزمه، وإن كان بين ذلك صُمات؛ فلا شيء عليه، إلا أن ينوي بكلامه أن يدخله في يمينه 322. وقول مالك: لا شيء عليه.
وإن كان واصلًا بيمينه، إلا أن ينوي إدخال قوله تحت اليمين المتقدمة، أو يحدث نية يمين أخرى أبين.
وليس كقوله: وأنت وأنت؛ لأن ذلك أتى بواو العطف على الأولى، وهذا استأنف قولًا، ولم يعطف.
وإن كرر اليمين على شيء واحد في مجلس أو مجالس، فقال: والله والله، لا فعلت كذا؛ كانت يمينًا 323 واحدة، إلا أن ينوي يمينين، فيكون عليه كفارتان.
وكذلك لو قال: والله فوالله، إلا أن ينوي يمينين.
قال محمد: ولو قال: والله، ثم والله، ثم والله إن كلمت فلانًا؛ فليس عليه

الجزء: 4 - الصفحة: 1691

إلا كفارة واحدة 324. وأرى أن يكفر 325 عن كل يمين كفارة، وهذه أيمان، وهو بمنزلة من قال: عليّ ثلاثة أيمان.
وقال محمد بن عبد الحكم، فيمن قال: والله ووالله ووالله، لا أفعل، في شيء واحد: فعليه ثلاث كفارات.
قال: وإنما تكون كفارة واحدة إذا قال: والله والله والله.
وقال مالك في كتاب محمد، فيمن حلف بالله في شيء أن لا يفعله، فقيل له: إنك ستحنث.
فقال: والله، لا أحنث.
ثم حنث: فعليه كفارتان 326. قال محمد: ولو قال: عليّ نذر إن فعلت كذا، عليّ نذر إن فعلت كذا ففعله 327؛ فعليه كفارتان 328.

الجزء: 4 - الصفحة: 1692

باب (1) في تقديم الكفارات قبل الحنث

الأيمان أربعة: أحدها: ما كان الحالف فيه على بِرٍّ، كقوله: لا كلّمتُ فلانًا، أو لا دخلتُ هذه الدار.
والثاني: ما كان فيه على حنث، ولا يحنث 330 إلا بموت نفسه، كقوله: لأدخلن هذه الدار، أو لأتزوجن.
ولم يسم امرأة.
والثالث: ما كان يصح أن يحنث به في الحياة، كقوله: لأكلمنّ فلانًا، أو لأتزوجنّ فلانة، أو لأركبن هذه الدابة.
والرابع: أن يحلف ليفعلنّ، ويضرب أجلًا.
فأما من كان على بِرٍّ؛ فاختُلف فيه على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم: اختلفنا 331 في الإيلاء: هل تجزئ إن قدم الكفارة؟ فسألنا مالكًا، فقال: بعد الحنث أعجب إليّ، وإن فعل أجزأ 332. وقال مالك 333 في كتاب محمد: يمضي، للحديث: "من 334 حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفر".329

الجزء: 4 - الصفحة: 1693

وذكر أبو محمد عبد الوهاب، عنه: أنه أجاز ذلك ابتداء 335. وذكر ابن الجلاب عنه، أنه قال مرة: لا تجزئ.
وقيل: يجوز 336 إن كانت اليمين بالله، ولا تجوز 337 إن كانت بطلاق أو عتق أو صدقة أو مشي 338، يريد: ما لم يكن أخر طلقة، أو عبدًا معينًا.
قال مالك وابن القاسم فيمن آلى بعتق رقبة غير معينة، فأعتق قبل الحنث: ذلك يجزئه 339. ويجري 340 على هذا الطلاق، وإن لم تكن طلقة بعينها، والصدقة.
وأجاز مالك لمن كان على حنث، فقال: لأفعلنّ، ولم يضرب أجلًا: أن يقدم الكفارة 341. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد، فيمن حلف بالله ليتصدقنّ بدينار، فأراد أن يحنث نفسه: فيكفر، ولا يتصدق.
قال: 342 لا يجزئه حتى يحنث، واليمين عليه كما هي.
قال: وهذا لا يتبين 343 حنثه؛ حتى يموت.
واختُلف إذا ضرب أجلًا على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة، فيمن قال: أنت طالق إن لم أتزوج عليك، فأراد أن

الجزء: 4 - الصفحة: 1694

لا يتزوج عليها: يطلقها، ثم يرتجعها، ولا شيء عليه، قال: وإن قال: إن لم أتزوج عليك إلى شهر؛ جاز له أن يطأ؛ لأنه على برّ، قال ابن القاسم: وإذا كان على بَرٍّ، فليس له أن يحنث نفسه 344. وقال في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق إن لم أتزوج عليكِ، وضرب أجلًا، أو لم يضربه؛ له أن يحنث نفسه.
وقال أيضًا: إن حلف بالله، فذلك له.
وفيما كفارته كفارة اليمين بالله، وقال محمد فيمن حلف ليكلِّمن فلانًا، أو ليركبن هذه الدابة، ولم يضرب أجلًا: أن حياتهما كالأجل، بخلاف من حلف على ما لا يحنث إلا بموت نفسه.
وعكس ذلك ابن كنانة في كتاب ابن حبيب، وقال: إن حلف بعتق جاريته 345 ليسافرنّ، أو ليأتين بلد كذا؛ فله أن يصيبها.
لأنه لا يتبين 346 حنثه إلا بموته وهي كالمدبّرة 347 وإن كان مما يقع عليه الحنث في حياته، مثل أن يحلف ليضربن جاريته، أو ينحر بعيره؛ فلا يطأ.
والقياس في جميع ذلك فيمن حلف لأفعل أو ليفعلن، ولم يضرب أجلًا، أو ضرب أجلًا وأراد أن يكفرِّ قبل مضي الأجل؛ سواء.
والقول أن هذا على بر، وهذا على حنثٍ لا يؤثر في تقديم الكفارة؛ لأن من حلف ليفعلن ولم يضرب أجلًا، في حين إخراج الكفارة قبل الحنث تطوع بما لم يجب عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1695

ولو بدا له بعد أن أراد أن يكفرِّ أن ينتقل إلى أن يدخل الدار أو يكلم فلانًا؛ لم يلزمه بالنية المتقدمة شيء.
فأما أن يقال إنه متطوع بالكفارة في جميع ذلك، فلأنها لم تجب، فلا تجزئ، أو أنها تجزئ.
وقول مالك في المولي إنها تجزئ.
يدخل فيه جميع الأيمان؛ من حلف لأفعلن، أو ليفعلن 348 وضرب أجلًا، أو لم يضرب أجلًا أنها تجزئ، وهو أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ، وَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" 349، وروي أيضًا عنه، أنه قال: "فَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ" 350. وكلا الروايتين تتضمن جواز تقديم الكفارة؛ لأن الواو لا توجب رتبة، فتركهم على ما يوجبه اللسان، يقدم الحالف أيهما أحب 351 الكفارة أو الحنث.
ولو كان تقديم الكفارة لا يجوز؛ لأتى به، وقال: فليفعل، ثم 352 ليكفر؛ ولأن موضعه البيان؛ فلا يجوز تأخيره حينئذ، ويتركهم على ما يقتضيه 353 اللسان، والفاء في قوله: "فليفعل، وليكفر"؛ فإنما أبان ما يفعله بعد اليمين،

الجزء: 4 - الصفحة: 1696

وهما شيئان؛ كفارة وحنث، كالقائل: إذا دخلت الدار؛ فكل واشرب.
فله أن يقدم بعد الدخول أحدهما على الآخر، وفي الترمذي: أن العباس سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته لعام قبل أن تحل، فأرخص له في ذلك (1).

فصل [في أوجه التزام الحنث لمن حلف]

والحالف ألا يفعل في التزام الحنث على أربعة أوجه: واجب، ومستحب أن يفعل، ومخير بين الفعل أو الترك، ومستحب له أن لا يفعل.
فإن كانت اليمين على قطع رحم، أو هجران من لا يجوز له هجرانه؛ كان التلبس بالحنث واجبًا؛ لأنه باق على معصية، والتنصل 355 من المعصية واجب.
وإن كانت اليمين أن لا يتطوع بقربة، أو لا يقضي لفلان حاجةً له فيها فرج يسر بها؛ كان التلبس بالحنث أولى وأفضل.
وإن كانت اليمين على ما لا يتعلق به أجر، وعليه في البقاء على يمينه مضرة؛ كان بالخيار بين الحنث أو الترك.
وإن كان لا أجر فيه، ولا مضرة في الترك، كالذي يحلف أن لا يدخل دار فلان، أو لا يمشي لموضع كذا، ولا مضرة عليه إن لم يحنث، ولا منفعة في حنثه؛ استحب له أن لا يفعل، وأن يبر في يمينه 356. لأن معنى قوله: والله لا فعلت.
أي: وحق الله.
فبقاؤه على الوفاء بذلك أفضل.354

الجزء: 4 - الصفحة: 1697

وفي الصحيحين: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله؛ آثم له عند الله تعالى من أن يعطي كفارة يمينه" 357 يريد: فإذا حلف أن التزام الحنث واجب إن لم ينجز الطلاق لا يوفي لها بشيء من حقها.
وقال أبو موسى: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي وَالله إِنْ شَاءَ الله لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غيرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" 358. فأخبر أنه إنما يحنث إذا كان هو خيرًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 1698

باب في أصناف كفارة اليمين بالله تعالى

كفارة اليمين بالله تعالى أربعةُ أصناف، حسب ما ذكره في كتابه في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ.
. .﴾ الآية [المائدة: 89].
والإطعام غداء وعشاء، قال مالك: ومن كفّر بالمدينة؛ فمُدٌّ بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما البلدان؛ فإن لهم عيشًا غير عيشنا؛ فليكفروا بالأوسط من عيشهم.
قال ابن القاسم: وإن كفر بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - حيثما كفر أجزأه 359. وقول مالك أبين، فإن كان قوم الوسط من عيشهم أكثر من مد النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأوسط من عيشهم.
وإن كان أقل؛ جاز له أن يقتصر على الوسط من عيشهم، وأن يبلغ مد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن القرآن ورد مقيدًا.
وهذا في القمح وإن كان عيشهم الشعير أو التمر؛ أخرج الوسط من عيشهم من ذلك الصنف، ولا يراعى المد.
واختُلف هل يخرج مع ذلك الإدام، فقال ابن حبيب: لا يجزئه الخبز قفارًا 360 وفي شرح ابن مزين: يجزئه.
والأول أحسن؛ لقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾، وذلك يقتضي الإدام 361 وغيره، ومعلوم أنه أراد بذلك الوسط في الجودة والدناءة، وإذا أخرجه بغير إدام 362؛ كان عدم الإدام في معنى الدناءة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1699

واختلف في صفة الإدام، فقيل: الزيت يجزئ من ذلك.
وقال ابن سيرين: أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخشنه الخبز والتمر.
وقال ابن حبيب في الإدام: الزيت أو اللبن أو القطنية أو لحم أو بقل 363. واختُلف هل المراد بالأهل: أهل المُكفّر، أو أهل البلد الذي هو فيه؟ فقال في المدونة: يخرج من عيش البلد الذي هو فيه 364. وقال في كتاب محمد: من عيش المكفِّر 365. وهو أحسن، ومحمل الآية على الأهل الأخص حتى يعلم غيره؛ ولأن إطلاق الأمر على أهله حقيقة، وعلى أهل البلد مجاز.
فإن كان يأكل القمح؛ لم يجزئه الشعير، وإن كان ذلك عيش أهل ذلك 366 البلد.
وإن كان يأكل الشعير؛ أجزأه، وإن كان عيش أهل البلد القمح.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون فعل ذلك مع سعة، ومثله يأكل القمح؛ فلا يجزئه الشعير 367. وأما القدر؛ فقال في المدونة: قدر قوت البلد 368. وعلى القول الآخر أن

الجزء: 4 - الصفحة: 1700

محمل الآية على أهل المُكفّر: يخرج الوسط أيضًا من قدر أكلهم.
فقد يكون المكفر وأهله لهم أكل؛ فلا يجزئهم قدر ما يأكله أهل البلد.
أو يكون هو وأهله قليلي الأكل، فلا يكون عليه 369 أن يبلغوا إلى عادة البلد، وإلى هذا ذهب ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، وقالوا 370: إن كان ممن يشبع أهله؛ أشبع المساكين العشرة.
وإن كان لا يشبعهم لعجزه؛ أطعم المساكين العشرة على قدر ما يفعل مع أهله في عسره ويسره 371. وقال محمد بن سيرين والأوزاعي وأبو عبيدة 372: يجزئهم أكلة واحدة 373 غداء أو عشاء، وروي ذلك عن الحسن.
وفي الترمذي: أن النبي أعطى المظاهر ليكفر عن ظهاره عرقًا، قال: وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا.
فقال: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا" 374. وفي بعض طرقه: "أنه كان تمرًا" 375. فينوب كل مسكين مد أو 376 مد تمر قوت يومه، وحمل الآية على أقل ما يتضمنه الأمر، وهو فعل مرة.
وإذا أخرج 377 الوسط من شبع أهل البلد أو من شبع أهله على الاختلاف

الجزء: 4 - الصفحة: 1701

المتقدم؛ لم ينظر إلى الفقير المعطى إن كان أكولًا لا يشبعه، أو كان فيه فضلة؛ لأنه قليل الأكل أو مريض أو صغير.
ويجوز أن يعطي الفطيم، واختُلف في الرضيع، والقياس: أن لا يجزئ 378. ويعطي الحر المسلم الفقير الذي 379 لا يلزم المعطي نفقته 380. وإن أعطى عبدًا أو كافرًا أو غنيًا، لم يجزئه إن كان عالمًا 381. واختُلف إذا لم يعلم: هل يجزئ؟ وهذا إذا فاتت، فإن كانت قائمة؛ انتُزِعت منهم، وصرفت لمن يجوز.
وإن ضاعت من أيديهم لم يضمنوها، إلا أن يعلموا أنها كفارة وغروا من أنفسهم؛ فيضمنوا.
واختُلف إذا لم يعلموا وأكلوها، وصانوا بها أموالهم: هل يغرمونها؟.
وأن يغرموها أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 382. فإذا غرموا ما صانوا به أموالهم؛ لم يضروا بشيء.
وهذا على القول أنها لا تجزئ المُكفّر، وأما على القول أنها تجزئه فيغرمونها؛ لأن ذلك من باب الاستحقاق، والمستحق غير المتسلط، وهم المساكين.
وأن لا تجزئه الكفارة في جميع هذه الوجوه أحسن، بخلاف الزكاة؛ لأن الكفارة في الذمة، وقد خوطب بأن يطعم المساكين أو يكسوهم، وليس بأن يخرج ذلك.
وخوطب في الزكاة بأن يخرج ذلك القدر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1702

فإن عزله ثم ضاع؛ برئ.
فالخطأ وقع على ما قد برئت ذمته منه قبل، كما لو أخطأ الإمام.
ولو ضاعت الكفارة قبل أن يعطيها لم يبرأ.
وإن دفعت المرأة مدًّا من كفارتها لزوجها وهو فقير أجزأها.
وكذلك إن أعطته ولدها صغارًا كانوا (1) أو كبارًا؛ لأن نفقتهم غير لازمة لها.

فصل [فيمن وجبت عليه كفارتان]

ويستحب لمن وجبت عليه كفارتان: أن يطعم عشرين مسكينًا.
فإن أطعم عشرة وكساهم؛ أجزأه.
وكذلك، إن أطعم عشرة مدين مدين؛ فذلك يجزئه.
وإن أطعم عشرة، ثم حنث في يمين أخرى؛ جاز أن يعطيهم الكفارة الثانية من غير كراهية.
وإن أعطى كفارة يمين أكثر من عشرة أو أقل؛ لم يجزئه لقول الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، وهو مصدر أطعم، والمعنى: أطعموا عشرة مساكين.
ولو كانت التلاوة طعام عشرة؛ لأشبه أن يخرج ذلك القدر، فيطعمه أكثر من عشرة أو أقل.
واختلف قول ابن القاسم إذا أطعم خمسة، وكسا خمسة، فقال في المدونة: لا يجزئه 384. وقال في كتاب محمد: يجزئه 385. وهو أحسن؛ لأن كل واحدة من هتين الكفارتين تسد مسد الأخرى مع الاختيار.383

الجزء: 4 - الصفحة: 1703

وقال محمد فيمن عليه ثلاثة أيمان؛ فأعتق رقبة 386 وكسا عشرة، وأطعم عشرة.
أو 387 أشرك في كل كفارة، فقال: يبطل العتق، ويجزئه من الإطعام عن ثلاثة مساكين، ومن الكسوة عن ثلاثة، ويكسو سبعة، ويطعم سبعة إن أحب، ويكفر عن اليمين الأخرى.
وإن أحب أن يكسو ما بقي من الكفارتين، أو يطعم، قال: فليكسُ سبعة عشر، أو يطعم سبعة عشر 388؛ لأن الذي صار له من الكفارات في الكسوة ثلاثة، وأطعم ثلاثة.
وهذا غلط.
وأرى أن يحتسب بثمانية عشر على القول أن له أن يجمع في الكفارة الواحدة بين الإطعام والكسوة.
وعلى القول الآخر يحتسب بتسعة؛ لأنه أطعم عشرة عن ثلاثة أيمان، تجزئه منها ثلاثة عن كل مسكين 389، ويبطل مسكين واحد؛ لأنه أشرك فيه.
وكسا عشرة؛ يجزئه منها تسعة، ويبطل واحد للشرك فيه.
فعلى القول الأول يطعم اثني عشر أو يكسوهم، أو يكسو بعضهم ويطعم بعضهم.
وعلى القول الآخر هو بالخيار بين أن يبني 390 على الإطعام، فيطعم أحدا وعشرين، فيكون إطعاما كله.
أو يكسوهم، فيكون جميعها كسوة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1704

فصل [في المراعى في الكسوة]

والمراعى في الكسوة الفقير في نفسه، فيكسى الرجل ثوبًا تامًّا يستر جميع جسده، والمرأة ثوبًا وخمارًا.
قال مالك: لا يجزئه أن يكسوها في كفارة اليمين، إلا ما تحل لها فيه الصلاة؛ الدرع والخمار 391. قال ابن القصار: لأنها عورة، ولا يجوز أن يظهر منها في الصلاة إلا وجهها وكفاها.
فخالف بين الكسوة والإطعام، وليس عليه أن يجعل الكسوة مثل كسوة المكفرِّ وأهله، ولا مثل كسوة أهل البلد، بخلاف الإطعام وإن كسا صبيًا كسوة مثله، والصبية كسوة مثلها؛ أجزأه.
فإن كانت لم تؤمر بالصلاة لم يعطها خمارًا.
ويستحب أن يكسو فوق ذلك السن، كما يستحب أن يعتق من صلىَّ وصام، فإن لم يفعل؛ أجزأه.
وقال محمد، عن ابن القاسم: لم يكن يعجبه أن يكسو المراضع على حال، وأما من قد أمِر بالصلاة فلم يكن يرى بكسوته بأسًا قميصًا مما يجزئه قال محمد: تفسيره: كسوة رجل 392. ومفهوم قول ابن القاسم غير هذا، أنه يكسوه في نفسه، ويلزم على قول محمد إذا لم يراع المكسو 393 في نفسه: أن يجيز أن يعطي المرأة كسوة الرجل، والرجل كسوة المرأة.
وقال ابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب: يكسو الصبيات 394 كسوة

الجزء: 4 - الصفحة: 1705

رجل؛ قميصًا فقط؛ لأنهن لم يكسين ذلك، وإنما هو لانتفاعهن بثمن ما يجزئ المكفرِّ أن يكسو الكبار، وأجرى الكسوة مجرى الإطعام: أنه لا ينظر إلى ما يعطي الفقير، هل هو فوق أكله، أو أقل.
وقال ابن القاسم في العتبية: تعطى الصغيرة كسوة كبيرة، والصغير كسوة كبير 395. وكل هذا استحسان، ولو كانت الكسوة كالإطعام يراعى فيها المكفرِّ وأهله؛ لكسا الرجل كسوة مثله.
فإن كان المكفِّر ذا هيئة؛ كسا مثل ما يلبسه من أعداد القمص والعمامة، وما يعمل عليها، والسراويل والنعلين والشمشكين.
وإن كسا امرأةً؛ كسا مثل ما يكسو أهله من الثياب الحسنة والحرير والخز، إذا كانت ممن تمتهن ذلك في بيتها.
وعلى القول: أنَّ المراعى أهل البلد يكسو الرجل على الغالب من كسوة رجالهم، والمرأة على الغالب من لباس نسائهم.
وقول مالك وغيره من أصحابه أنه يعطى الرجل قميصًا تجزئه فيه الصلاة 396، وإن كان حاسر الرأس دليلٌ على أنه لا يراعى لباس المكفِّر، ولا لباس أهل البلد وأن ذلك كالعتق يراعى المعتق في نفسه، والمكسو 397 في نفسه، والعتق مذكور في كتاب الظهار.

الجزء: 4 - الصفحة: 1706

فصل الكفارة بالصيام لمن عجز عن العتق والكسوة والإطعام

قال ابن القاسم: ومن كانت له دار يسكنها، أو خادم تخدمه؛ لم يجزئه الصوم فيجوز له أخذ الكفارة، ولا يجزئه الصوم 398. قال محمد: لا يصوم؛ حتى لا يجد إلا قوته، أو يكون في بلدٍ لا يعطف عليه فيه، وقال ابن القاسم، في كتاب ابن مزيّن: إذا كان له فضل عن قوت يومه؛ أطعم، إلا أن يخاف الجوع، وهو في بلد لا يعطف عليه فيه 399، وجميع هذا حرج.
والمفهوم من الدين التوسعة فوق هذا، وأن لا يخرج إلى التكفف 400؛ لأنه من الحرج.
واختلف فيمن له مالٌ غائب: فقال ابن القاسم، في المدونة: لا يجزئه الصوم، ولكن يتسلف 401. وقال أشهب، في كتاب محمد: يجزئه 402.

الجزء: 4 - الصفحة: 1707

وقيل: إذا كان يجيء ذلك قريبًا؛ انتظر.
وإن وجد من يسلفه؛ تسلف.
وإن صام وهو يجد من يسلف، ولم ينتظر؛ أجزأه 403، وأصل ابن القاسم أنه ينتظر، وإن بعد؛ لأنه قال في المظاهر لا يجزئه إلا الصوم وإن طال مرضه 404. وقال أشهب: يجزئه الإطعام، وهو أحسن إذا طالت الغيبة، أو طال المرض؛ لأنه يجب أن يُبرئ 405 ذمته الآن.
ويستحب متابعة صيام الأيام الثلاثة، وإن فرق أجزأه، ولا يصومها في أيام التشريق.
واختُلف إذا فعل: فقال محمد: إن صام أيام التشريق؛ لم يجزئه، وعليه الإعادة.
قال: وقد وقف مالك 406 عن ذلك 407، وقال: ما أدري.
قال: وأما يوم الفطر ويوم النحر؛ فواجب أن يقضيه.
فسوّى بين الأيام الثلاثة في عدم الإجزاء، وفي الوقوف 408. وقال ابن القاسم في المدونة، في اليوم الآخر: عسى أن يجزئه 409. وقال المغيرة وأبو مصعب: يجزئه صيام أيام التشريق.
وقال مالك في المبسوط: من نذر اعتكاف أيام التشريق؛ اعتكفها 410. وهذا أحسن لحديث عمر - رضي الله عنه - قال: "هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِهِمَا:

الجزء: 4 - الصفحة: 1708

يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ" وحديث أبي هريرة وأبي سعيد قالا: "نَهَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضْحَى" أخرج هذه الأحاديث البخاري ومسلم (1) فلو كانت أيام التشريق محرمة لقالوا: خمسة أيام ولأن المتمتع يصومها ولا يصوم يوم النحر فلو كانت محرمة لم يصمها كما لم يصم يوم النحر وإذا كان ذلك حمل ما ذكر من ترك صيامها على الاستحسان لا أنها حرام.

فصل

العبد في الكفارة على ثلاثة أقسام: فلا يجزئه العتق وإن كان يأذن سيده لأن الولاء لغير المكفر ويجزئه الصوم إذا منعه السيد من الكسوة والإطعام.
واختُلف إذا أذن له في ذلك وفي يد العبد ما يكسو أو يطعم على ثلاثة أقوال فقال في المدونة إن فعل فكسا أو أطعم أجزأه وما هو بالبين والصيام أحب إلي 412.411

الجزء: 4 - الصفحة: 1709

وأنكر ابن حبيب قوله: أرجو أن يجزئه فقال لا بأس به لأن من كفر عن رجل من ماله بالإطعام أجزأه ولا يكون العبد إذا أذن له سيده أبعد من الأجنبي، وكذلك أخبرني مطرف وابن الماجشون، عن مالك وقال أيضا: لا يجزئه الصوم بعد 413 إذن سيده له لأنه بعد إذن السيد كالحر يملك ذلك وإنما جعل الله الصيام لمن لم يجد.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: لا تجزئه الصدقة لأنها تخرج إلى من يعطاها فيها ملك لسيده 414 وبعدما أذن لو شاء رجع، وهذا إنما يصح على من قال في الأجنبي إذا كفر عن غيره ألا يجزئ، والقياس أن يجزئ وقد مضى ذلك في كتاب الظهار.

الجزء: 4 - الصفحة: 1710

باب (1) فيمن حلف أن لا يأكل طعامًا، أو ليأكلنه، فأكل بعضه، أو أكله بعد أن فسد، أو انتقل عن حاله بصنعة، أو غيرها، وما يتعلق بذلك

ومن حلف ليأكلنّ هذا الرغيف، فأكل بعضه، لم يبر؛ لأن الباقي محلوف عليه أن يأكله.
وإن حلف ألا يأكله، فأكل بعضه؛ حنث؛ لأن القصد أن لا يقربه.
وقال ابن الجلاب: يتخرج فيهما قول آخر: أن لا يحنث، إلا أن يأكل جميعه.
وقال مالك في كتاب محمد، فيمن قال لامرأته، وهي حامل: إذا وضعت، فأنتِ طالق.
فوضعت ولدًا، وبقي في بطنها آخر: لم تطلق عليه؛ حتى تضع الآخر فلم يحنثه بالبعض، وقال أيضًا: يحنث بوضع الأول 416. واختُلف فيمن قال لزوجته: إن وطئتكِ، فأنت طالق.
هل يحنث بمغيب الحشفة، أم لا يحنث إلا بالوطء التام أم لا؟ وقال محمد: إن حلف أن لا يأكله كله، لم ينفعه ذلك 417. وقال ابن سحنون فيمن حلف أن لا يهدم هذه البئر كلها: لم يحنث إلا بهدم جميعها 418.415

الجزء: 4 - الصفحة: 1711

وهذا أحسن؛ لأنه شرط الكل.
وقال مالك فيمن حلف على طعامٍ ليأكلنه، فتركه حتى فسد، ثم أكله فقد حنث إذا خرج عن حد الطعام.
وقال سحنون في العتبية: لا يحنث، إلا أن يكون أراد أن يأكله قبل أن يفسد 419. وأرى أن يحنث لوجهين: أحدهما: حمله على العادة.
والعادة أن يؤكل غير فاسد.
والثاني: أنه إذا فسد ذهب بعضه.
ومن حلف على شيء ليأكلنه؛ لم يبر، إلا بأكل جميعه.
وإن كان خبزًا رطبًا فيبس، فذلك أخف؛ لأنَّ جميعه موجود.
وُيراعى في الأيمان ستة: النية، وبساط اليمين وهو السبب الذي كان عنه 420، والعادة في الاستعمال، والعادة في التخاطب، والعادة في المقاصد في الأيمان، وما يقتضيه اللفظ الذي حلف به في وضع اللغة.
وتراعى أيضًا اليمين في نفسها: هل هي مما يقضى بها 421 بموجب حنثها؟ وهل عليه بينة، أو هو مستفت؟ فإن كانت مما لا يقضى بها؛ ابتُدئ في ذلك بالنية، فإن لم تكن له نية؛ حمل على ما يوجبه اللفظ وإن كانت في التخاطب = الطلاق: فيمن حلف ألا يهدم هذا البئر بالطلاق فهدم بعضها إنه حانث، قال: إلا أن يشترط فيقول إن هدمتها كلها فهذا لا يحنث إلا بهدم جميعها).

الجزء: 4 - الصفحة: 1712

عادة حمل عليها؛ لأنها صارت كاللغة.
وهي مقدمة على ما يوجبها ذلك اللفظ في اللغة إذا كان الحالف غير عارف بموجبها في اللغة، أو عارفًا وترك استعمالها.
وهذا مع عدم العادة في الاستعمال وعدم البساط، فإن كانتا؛ كان في المسألة ثلاثة أقوال: فقيل: يحمل على ما يوجبه اللفظ، ولا يراعى بساط ولا عادة؛ لأنَّ الحالف لم ينوهما، فلا يحمل على ما لم ينو.
وقيل: يحمل على بساط يمينه دون العادة.
وقيل: يحمل عليهما، فإن اجتمعا بُدئ ببساط يمينه، فإن عُدم رجع إلى العادة، وإن كانت اليمين مما يقضى بها، ولا بينة عليه؛ كان الجواب كالأول.
وإن كانت عليه بينة؛ سُئل عن نيته، فإن ذكر ما يوجبه مجرد اللفظ، أو أكثر من موجبه؛ صُدّق، وان ادّعى دون موجبه؛ لم يصدّق، إلا أن تكون ليمينه بساط وعادة تصدق نيته، فيُقبل قوله.
وهذا عمدة 422 ما يحتاج إليه فيما يأتي من هذه المسائل.
ومن المدونة فيمن حلف: أن لا يأكل هذه الحنطة، أو من هذه الحنطة، فأكل خبزًا أو سويقًا عُمل منها، حنث.
قال لأن هذا هكذا في السمن يؤكل 423. وقال ابن المواز: وإن حلف أن لا يأكل هذا القمح، فأكل منه خبزًا: أن لا شيء عليه، إلا أن يقول من هذا القمح 424 فلم يرَ عليه حنثًا، وإن عرف، فقال: هذا القمح فقال هذا.
إذا عظمت الصنعة حتى جاز التفاضل بينه وبين القمح.

الجزء: 4 - الصفحة: 1713

وقد قيل في هذا الأصل: إن عرف، فقال: هذا؛ حنث.
وإن نكّر ذلك، فقال: لا أكلت قمحًا، فأكل خبزًا، لم يحنث؛ لأنه إذا عين، وقال: هذا.
لم تخرجه الصنعة عن أن تكون هي العين المشار إليها، ولأنها العادة فيما يؤكل عليه، وليس الشأن أن يؤكل قمحًا.
ولو حلف أن لا آكل هذا الدقيق، فأكل ما عُمل منه حنث.
وإن حلف لا يأكل دقيق قمح فأكل خبز قمح لم يحنث؛ لأن هذا اسم خاص وإن حلف أن لا يأكل خبزًا، فأكل كعكًا أو إسفنجة؛ حنث على موضوع التسمية؛ لأنَّ تلك الصنعة 425 خبز، ولا يحنث على ما تعارفه الناس اليوم؛ لأنهم لا يسمون ذلك خبزًا، ويحنث إذا قصد الحالف أن يضيق على نفسه، وإن حلف ألا يأكل كعكًا أو إسفنجة، فأكل خبزًا؛ لم يحنث، أو حلف لا يأكل كعكًا، فأكل إسفنجة؛ لأنه خص، وإن حلف أن لا يأكل هذا القمح فأكل ما زرع منه؛ لم يحنث، وإن كان ملكًا له، وإن كان هبة، وأراد رده، ودفع منة واهبه، فلم يفعل، وزرعه؛ حنث.
وإن رده، وزرعه واهبه؛ لم يحنث، إلا أن تكون نيته ألا يقبل منه هبة، وكذلك إن باعه، واشترى بثمنه قمحًا؛ لا يحنث إن كان ملكًا له، ويحنث إن كان هبة، وكان هذا 426 بائعه.
وإن رده، وباعه الواهب، واشترى بثمنه، فوهبه الثاني، وهو لا يعلم؛ لم يحنث، وإن علم؛ حنث؛ لأنه يتهم أن يكون عمل على بيعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1714

فصل [فيمن حلف ألا يأكل لبنا فأكل سمنا أو جبنا أو ألا يأكل زبدا فأكل سمنا]

وقال محمد، فيمن حلف لا يأكل هذا اللبن، أو لا آكل لبنًا، فأكل ما عمل منه من سمن أو جبن أو زبد: فلا شيء عليه 427. وقيل: هذا 428 حانثٌ، عرف أو نكَّر.
وفي كتاب ابن حبيب: يحنث إن عين، فقال: هذا اللبن 429. وإن قال: لبنًا؛ لم يحنث وهو في هذا إذا نكَّر أبين أن لا يحنث من قوله قمحًا، فأكل خبزًا؛ لأن القمح لا يؤكل على حاله، فحنث بالعادة، وفي الصفة التي يؤكل عليها.
واللبن يستعمل على هيئته، وعلى الوجه الآخر، وإذا لم يعين؛ لم يحنث، إلا بما يقع عليه ذلك الاسم.
وإن حلف أن لا آكل من هذا اللبن؛ حنث بما يعمل منه؛ لأنه منه.
وقال محمد: إن حلف ألا يأكل زبدًا، فاكل سمنًا لم يحنث 430. وقال أيضًا: يحنث والأول أصوب؛ لأن قوله زبدًا أو سمنًا أو جبنًا، أسماء تخص وإن حلف ألا يأكل زبدًا؛ لم يحنث بأكل اللبن، أو لا آكل سمنًا؛ لم يحنث بأكل الزبد.
وقال ابن حبيب، فيمن حلف ألا يأكل الحليب: لم يحنث بالمضروب، أو

الجزء: 4 - الصفحة: 1715

ألا يأكل المضروب؛ لم يحنث بأكل الحليب 431. وإن حلف في شاة بعينها لا آكل من لبنها، أو لا آكل منها لبنًا، أو لا آكل لبنها؛ فأكل ما يعمل منه؛ افترق الجواب.
فإن حلف لا آكل من لبنها؛ حنث في كل ما يعمل منه من زبد أو سمن أو جبن.
قال ابن القاسم: كان ذلك مستخرجًا منها قبل يمينه، أو بعده فإن قال: لا أكلت لبنها؛ كان على القولين فيمن عرّف، بمنزلة من قال: لا أكلت هذا اللبن.
وإن قال: لا أكلت من هذه الشاة؛ لم يحنث بأكل اللبن؛ لأن القصد أن لا يأكل من ذاتها 432. قال ابن ميسر: واختُلف إذا أكل من نسلها 433. إلا أن تكون هبة، ويقصد رد منةِ واهبها؛ حنث إن شرب لبنها.
وإن باعها، واشترى بثمنها غيرها، ولم تكن هبة، لم يحنث.
وإن كانت هبة؛ حنث إن كان هو البائع لهما 434. قال ابن القاسم: وإن ردها، فأعطاه شاة أخرى، أو عرضًا؛ لم يحنث إذا لم يكن ثمنًا لها، إلا أن تكون نيته أن لا ينتفع منه بشيء أبدًا 435. وأرى إن باعها الواهب، واشترى بثمنها أخرى أن لا يقبلها، وإن قال: لا أكلت سمنًا، فأكل سويقًا بسمن؛ حنث، إلا أن تكون له نية في السمن الخالص.

الجزء: 4 - الصفحة: 1716

وإن حلف أن لا يأكل خلًا، فأكل مرقًا فيه خلٌ، لم يحنث، إلا أن تكون نيته أن لا يأكل طعامًا خالطه خلٌ.
فأحنثه في السمن؛ لأن عينه قائمة، وطعمه موجود، بمنزلته قبل أن يخلط، ولو أراد تمييزه من السويق ميزه بالماء، وليس كذلك الخل.
وقد اختُلف في ذلك: فقال محمد في السمن: إن كانت سبب يمينه مضرة السمن؛ حنث، وإن كان لأنه قيل له: إنك لتشتهيه؛ لم يحنث (1) وليس هذا بالبين؛ لأنه يبلغ شهوته إذا أكله في سويق.
وقال ابن ميسّر: إن لم يجد طعم السمن؛ لم يحنث (2). يريد: لقلته، وهذا أشبه.
يُختلف فيه بعد ذلك قياسًا على اللبن إذا خلِط بطعام؛ حتى صار مستهلكًا، هل تقع به الحرمة، وكذلك الخل.

فصل [فيمن حلف ألا يأكل بسرا فأكل رطبا أو لا يأكل رطبا فأكل تمرا]

وقال ابن القاسم، فيمن حلف أن لا يأكل بسرًا، فأكل رطبًا، أو أكل رطبًا، فأكل تمرًا؛ لم يحنث 438. وقال ابن وهب: يحنث.
قال: 439 وهو بمنزلة الشحم من اللحم.
وقال436437

الجزء: 4 - الصفحة: 1717

محمد: إذا أكل ما يخرج من المحلوف عليه فلم يره ابن القاسم إلا في الشحم من اللحم، والمرق من اللحم، والنبيذ من التمر، والعصير من العنب، والخبز من القمح، وما سوى هذه، فلا شيء عليه فيما يخرج من المحلوف عليه، إلا أن يقول منه 440. وفي الواضحة: إن عين، فقال: هذا الرطب، فأكل من تمره، أو هذا البسر فأكل من رطبه، أو هذا الكرم فأكل من زبيبه؛ حنث.
فإن نكَّر، فقال: لا أكلت رطبًا؛ لم يحنث بالتمر، أو عنبًا؛ لم يحنث بالزبيب 441. وعلى ما تقدم فيمن حلف أن لا يأكل هذه الحنطة، فأكل من خبزها؛ لا يحنث هذا، وإن عين، وقول ابن القاسم في هذا أحسن، وإن قال: لا أكلتُ من هذا البسر، فأكله رطبًا، أو هذا الكرم فأكل من زبيبه 442؛ حنث.
واختُلف إذا قال: من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه.
فقال محمد: استحسن أشهب أن لا حنث عليه، لبعد ما بينهما في الطعم والمنفعة والاسم 443 وهو أحسن؛ لأنَّ مِن تكون لإبانة الجنس وللتبعيض، فعلى كلا الوجهين لا يؤثر في هذا السؤال "مِنْ" لأنه إن أراد إبانة الجنس فلا شيء عليه في غيره.
وإن جعلها للتبعيض، فإنما هي لتبعيض الموجود، لا لغير ذلك.
ومن جعلها فيما يتولد منه؛ لم يجعلها لتبيين الجنس 444، ولا للتبعيض.
وإذا أدخل مِن

الجزء: 4 - الصفحة: 1718

فلا يختلف أنه يحنث بالبعض.
واختُلف إذا أسقطها: هل يحنث بالبعض؟ وكذلك، إن حلف أن لا يأكل من هذه الشاة، فأكل ولدها؛ حنث على قول 445 ابن القاسم، ولم يحنث على أصل أشهب؛ لأنه لم يجعلها لما يتولد في المستقبل، وإنما هي للتبعيض فيما هو موجود، إلا أن يكون حاملا 446 وقت يمينه.
وإن قال: لا أكلت من البسر؛ لم يحنث بأكل الرطب ولا التمر 447؛ لأنَّ المراد ها هنا الجنس.
ولو 448 قال في نخلة بعينها: لا أكلت من بسرها، أو لا أكلت منها بسرًا، أو لا أكلت بسرها؛ فأكل من رطبها أو تمرها؛ حنث إذا قال: من بسرها، ولم يحنث إذا قال: لا أكلت منها بسرًا.
ويختلف إذا قال: لا أكلت بسرها؛ لأنه قد عرف، ولم يقل: مِن، وأن لا شيء عليه أحسن.
وإن قال: لا أكلت بسرها، فأكل بلحها؛ لم يحنث، إلا أن تكون نيته اجتنابها.
وقال محمد: إن حلف ألاّ يأكل زبيبًا أو تمرًا فشرب نبيذهما حنث، إلا أن تكون له نية، ولا بأس بخلهما ببعد منافعهما ولطول أعمالهما.
فأحنثه إذا شرب نبيذهما.
وإن نكّر فهو إذا عين أبن أن يحنث على أصله.
ويجري فيها الخلاف المتقدم، وألا يحنث إن عرف قياسًا على من حلف في اللبن، وعن أن لا يحنثه في الزبد.

الجزء: 4 - الصفحة: 1719

وعلى قول ابن حبيب يحنث إن عين (1)، يحنث إن نكّر لمفارقة الاسم والطعم ومباينته لطعم الأصل أكثر من مباينة طعم الزبد من السمن.

فصل (2) [فيمن حلف ألا يأكل لحما هل يحنث بأكل الشحم؟]

وإن حلف أن ألا يأكل لحمًا حنث بأكل الشحم، ولا يحنث إذا حلف ألا يأكل شحمًا بأكل اللحم؛ لأن اللحم اسم شامل يدخل فيه الشحم واللحم.
والشحم اسم خاص، ولا يسمى الشحم بانفراده لحمًا.
وإن حلف ألا يأكل لحمًا، فأكل مرق اللحم حنث.
قال محمد: لأنه مما صار فيه من اللحم ودك وإن حلف ألا يأكل شحمًا؛ لم يحنث بأكل مرق اللحم.
وإن حلف ألا يأكل لحمًا؛ حنث عند مالك بأكل لحوم الأنعام والوحش والطير والحوت، قال 451: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] 452. وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث إلا بأكل لحم الأنعام الأربع خاصة، دون الوحش وغيره وقال ابن القاسم: إن حلف ألا يأكل رؤوسًا، فأكل رؤوس السمك، أو لا آكل بيضًا، فأكل بيض السمك، أو الطير؛ حنث بكل ما يقع عليه ذلك الاسم، إلا أن تكون له نية.449450

الجزء: 4 - الصفحة: 1720

وقال أشهب: لا يحنث، إلا برؤوس الأنعام الأربع؛ لأنّ عليها تقع الأيمان، ويحنث ببيض الطير استحسانا، وليس بالقياس، قال: والفرق بين ذلك بعد ما بين رؤوس الضأن والطير، وقرب 453 ما بين الدجاج والطير، ومنه: ما يشبهه 454 في الخلق والطعم.
ولم يحنثه ببيض الحوت.
ووافقه ابن حبيب في جميع ذلك 455، أعني 456: الرؤوس والبيض يريد: أن العرف اليوم في اللحم غير الحيتان، ولو قال قائلٌ: اشتريتُ لحمًا أو أكلتُه؛ لم يُستفسر.
هل هو لحم 457 حيتان، ولو قال: اشتريت لحمًا وحيتانًا، لم يعد ذلك منه تكرارًا لما تضمنه 458 اللفظ الأول.
وقوله في الوحش ليس بحسن؛ لأنه مقارب للأنعام في الطعم، ومنه: كثير يوافقه في الخلق، كما قال في البيض: أنه يحنث بغير بيض الدجاج، وإن لم يكن غالبًا؛ لأنه مقارب لها بخلاف بيض الحوت.
ولأنه يحنث بلحم الإبل، وإن كان أكلها في الحواضر من النادر.
وقد قال أبو حنيفة: لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل 459، وقال أبو يوسف: لا يحنث، إلا بأكل رؤوس الغنم خاصة 460. وإن حلف ألا آكل حيتانا لم يحنث بأكل لحم ذوات الأربع لأنه خص وكما

الجزء: 4 - الصفحة: 1721

لو حلف ألا يأكل لحم بقر لم يحنث بأكل لحم الغنم.

فصل [فيمن حلف ألا يأكل إداما]

وإن حلف ألا يأكل إدامًا حنث بكل ما هو عند الحالف إدام، ولكل قوم عادة.
وقال محمد: يحنث بأكل السمن والعسل والخل والزيت والودك والشحم والزيتون والجبن والحالوم والطير والسلجم والمربى والشيراز، وما أشبه ذلك.
قال: ولا أرى أن يحنث بالملح الجريش ولا المطيّب، وإن كان قد أحنثه بعض أهل العلم به 461. وأرى أن يحنث بأكل اللحم كما أحنثه بأكل الشحم 462؛ لأن كل ذلك مما يؤتدم به.
قال: وإن حلف لا يأكل فاكهة، فإنَّ من ذلك: النخل والعنب والرمان والبطيخ والقصب والفول الأخضر والموز والأترُجِّ والتمر عنده 463، بجمع الاقتيات والتفكه.
وقد قيل: لا يحنث في النخل والرمان لقول الله سبحانه: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] فحمل المراد على ظاهر التلاوة إذ هو المفهوم من القرآن وأوقع عليه الحنث في القول الأول للعادة في اتفاق الأزمنة في خروجها معا وللعرف عند الناس أنها من الفاكهة 464.

الجزء: 4 - الصفحة: 1722

فصل فيمن حلف ألا يأكل خبزا

وقال ابن القاسم فيمن حلف ألا يأكل خبزًا أو زيتًا، أو خبزًا أو جبنًا، فأكل أحدهما: حنث 465. وقال أشهب: لا يحنث 466. وهو أبين؛ لأن الزيت والجبن مؤتدم.
والمراد: أن لا يأكل الخبز مؤتدمًا بأحد هذين.
ولو حلف ألا يأكل خبزًا أو كعكًا، أو لا آكل جبنًا وزيتًا؛ حنث بأكل أحدهما؛ لأن كل واحد من هذين لا يؤكل بالآخر.
وقال فيمن حلف لا يكسو امرأته هذين الثوبين، ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعًا، فكساها أحدهما: حنث 467. يريد: أنه نوى أن لا يكسوهما إياها مجتمعين، ولا مفترقين.
وأن نوى أن لا يجمعهما لها؛ لم يحنث إن كساها أحدهما.
وإن حلف لا كساها ثوبين، ولم يقل هذين الثوبين؛ لم يحنث إن كساها واحدًا.
ومفهوم قوله: أن لا يجمع لها اثنين في كسوة، ليس أن لا يكسوها أبدًا.
وقال ابن القاسم: قال مالك فيمن حلف أن لا يهدم هذه البئر، فهدم منها

الجزء: 4 - الصفحة: 1723

حجرًا واحدًا: حنث 468؛ لأن القصد عنده أن لا يقربها بشيء من ذلك.
ولا يحنث بمجرد اللفظ؛ لأنه لا يقع عليها بذلك اسم انهدام.
وقال مالك في النوادر فيمن حلف ليهدمن هذه البئر: فلا يبر بهدم حجرين ولا ثلاثة، إلا أن يهدم جميعها، أو يهدم ما هو إبطال لها وفساد 469.

الجزء: 4 - الصفحة: 1724

باب (1) فيمن حلف على رجل لا كلّمه أو ليكلمنّه أو لا هجرته أو لأهجرنه

471 ومن حلف لا أكلمَّ فلانًا، فسلَّم عليه؛ حنث.
وإن كانا 472 في صلاة لم يحنث الحالف بالتسليمة الأولى، كان الحالف إمامًا أو مأمومًا.
واختلف في التسليمة الثانية: فقال مالك في المدونة: لا حنث على الحالف إذا كان مأمومًا، فرد على الإمام 473. وقال في كتاب محمد: يحنث.
وقال أيضًا: إن كان الإمام الحالف، فسلَّم تسليمتين حنث، وقال ابن ميسر: لا يحنث 474. وهذا الخلاف إذا كان المأموم عن يسار الإمام وأسمعه؛ لأنَّ ثانية الإمام يشير بها إلى اليسار، فلم يحنث بالأولى؛ لأن القصد بها الخروج من الصلاة، وهو الذي يعرفه الناس في المراد بها، وحنث بالثانية على القول بمراعاة الألفاظ؛ لأن السلام كلام، ولم يحنث على القول 475 بمراعاة المقاصد.
قال ابن القاسم: وإن تعايا الإمام، فلقنَّه الحالف وهو مأموم؛ حنث 476.470

الجزء: 4 - الصفحة: 1725

واختُلف فيمن حلف ألا يكلم فلانًا، فكلمه بحيث يسمع، فلم يسمعه لشغل أو غيره.
أو كان نائمًا (1)، فصاح به، فلم يستيقظ.
فقال ابن القاسم مرة: يحنث؛ لأن ذلك كلام منه له.
وقال مرة: لا حنث عليه (2)؛ لأن القصد مقاطعته، وإذا لم يسمعه لم تقع مواصلة.

فصل (3) [إن حلف ليهجرنه ثم كلمَّه]

وإن حلف ليهجرنّه، ثم كلمَّه؛ لم يحنث، وليس عليه أن يهجره عقيب يمينه، ومتى هجره بعد ذلك برّ.
وإن حلف لا يكلمه، فكلّمه بعد يمينه حنث؛ لأنه حلف لا يوجد منه فعل، فمتى وجد منه حنث.
والأول حلف ليفعلن في المستقبل، فمتى وجِد منه بر.
واختُلف إذا حلف ليهجرنّه في القدر الذي يبر به، ففي كتاب محمد: يهجره شهرًا، وفي العتبية والواضحة تجزئه ثلاثة أيام 480؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ" 481. فأوقع على هذا القدر اسم الهجران؛ ولأنها مدة تقع بها الوحشة، وفيها تقاطع لمن477478479

الجزء: 4 - الصفحة: 1726

عادتهما الاجتماع كل يوم.
وإن كانت عادتهما قلة اللقاء، لم يبر، إلا أن تمر مدة الغالب أنهما يلتقيان فيها، ويريان ذلك تقاطعًا.
واختلف إذا حلف ليطيلن هجرانه: فقال محمد: يهجره سنة.
وقيل: شهر يجزئه (1). وقول محمدٍ احتياطٌ، ليس أنه لا يجزئه دون ذلك.
فإن كان بينهما مصادقة ومصافاة فالشهر طولٌ وتلحق فيه المشقة.
وإن لم يكونا على ذلك فالشهر قليل.
ومن حلف ليهجرنه اليوم، فسلَّم عليه؛ حنث.
وإن حلف لأهجرنّه، فسلَّم عليه، ووقف عن كلامه؛ كان على الخلاف، فمن راعى الألفاظ لم يحنثه، ومن راعى المقاصد حنثه؛ لأن وقوفه عن بعض عادتهِ هجرانٌ.

فصل [فيمن حلف ألا يكلم فلانا أياما أو شهورا أو سنين]

ومن حلف ألا أكلَّم فلانًا أيامًا أو شهورًا أو سنين؛ أجزأه من كل صنف سماه ثلاثة من صنف ذلك العدد؛ ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر أو ثلاث سنين، إلا أن يريد التطويل من كل شيء سماه، فلا يجزئه إلا ما يرى أن فيه تطويلًا.
واختُلف إذا أتى بذلك على وجه التعريف، فقال: لا أكلمك 483 الأيام أو الشهور أو السنين؛ فقيل 484: إن قال لا أكلمتك الشهور تجزئه سنة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36].
وقيل: لا يكمله الأبد.
وإن حلف لا يكلمه الأيام؛ لم يكلمه الأبد، لقول الله تعالى: {بِمَا482

الجزء: 4 - الصفحة: 1727

أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]، وعلى القول في الحالف على الشهور تجزئه شهور السنة يجزئ الحالف على الأيام أيام الجمعة السبعة.
وإن قال: لا أكلمه السنين؛ لم يكلمه الأبد.
وإن قال: لا كلمتك حينًا أو الحين؛ لم يكلمه سنة.
والحين يقع على الوقت يقل ويكثر، قال الله تبارك تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، فهذا وقت الصلاة.
وقال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 25]، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1]، وقال تعالى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس 98].
قيل: إلى يوم القيامة.
ومن 485 قال: لا كلمتك إلى حين، فأتى به على لفظ التكره، فإنما يريد وقتًا فيه طول، فإذا وقف عن كلامه مدةً فيها طول؛ أجزأه.
وإن كانت دون سنة.
وإذا قال: دهرًا أو زمانًا أو عصرًا؛ لم يكلمه سنة.
واختُلف إذا عرف، فقال: الدهر أو الزمان أو العصر، فقيل: تجزئه سنة كالأول.
وقال الداودي: الأكثر في الزمان والدهر: مدة الدنيا.
يريد: الأكثر من القول.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب في الدهر: أكثر من سنة.
قيل لمطرف: فسنتان؟ قال: قريب، وما أوقت فيه وقتًا 486. وعند ابن شعبان في العصر: بقاء الدنيا، واحتج بقول الله تعالى:

الجزء: 4 - الصفحة: 1728

﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1].
وكذلك أرى في الدهر، وأما الزمان؛ ففيه إشكال.
وقال مالك في العتبية، فيمن حلف لا يفعل شيئًا في هذه السنة، وقد مضى نصفها 487، قال: يأتنف اثني عشر شهرًا من يوم حلف، إلا أن تكون له نية في بقيتها 488 وفيه نظر؛ لأنَّ قوله هذه يقتضي عين تلك السنة، إلا أن يكون الباقي يسيرًا، فيكون دليلًا على أن الراد سنة مؤتنفة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1729

باب فيمن حلف لا أكلم فلانًا أو ليكلمنه أو إن أخبره أو ليخبرنه؛ فكتب إليه أو أرسل إليه رسولًا

وقال مالك في المدونة، فيمن حلف لا أكلم فلانًا، فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولًا؛ يحنث 489. وقال أشهب في كتاب محمد: لا حنث عليه فيهما؛ يعني الكتاب والرسول، وروى ابن القاسم وأشهب، عن مالك: أنه يحنث في الكتاب دون الرسول 490. وكل هذا الاختلاف مع عدم النية.
واختلف بعد القول أنه حانث إن ادعى النية، وأنه أراد ألا يشافهه على ثلاثة أقوال: فقال في المدونة: له نيته، ثم رجع، فقال: لا أنويه في الكتاب 491. وقال محمد: وقد قال قبل ذلك: لا نية له، ثم رجع إلى إن نوّاه في الرسول.
فلم يحنثه أشهب مع عدم النية، وحمله على موجب اللفظ؛ لأنه لم يكلمه في الحقيقة، وإنما كلم الرسول، أو كتب أحرفًا، صورها يفهم منها مراده.
ورأى مالك أن القصد المقاطعة والمهاجرة، ليس الكلام خاصة، فإذا كاتبه أو راسله، لم تكن مهاجرة تامة، ثم لم ينوِّه؛ لأنه لم يحنثه بمجرد اليمين، وإنما حنث بالمعتاد، وأن القصد المقاطعة، فكأنه ادعى ما تكذبه فيه العادة، وادعى ما لا يشبه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1730

وصدقه مرة؛ لأن من الناس من يقصد هجرانًا دون هجران، فيكتب ويراسل ويقف عن المشافهة وهذا أحسن، ولا فرق بين الكتاب والرسول.
والقول أن الذي في الكتاب لفظه غير صحيح؛ لأن الإنسان يكتب ولا ينطق، ولو نطق ما زاد معنى، ولصار ذلك المكتوب كلامه.
وقال ابن حبيب: وإن وصل الكتاب إلى المحلوف عليه، فقرأ عنوانه؛ حنث 492 وإن لم يقرأه، وأقام عنده سنين؛ لم يحنث ولا وجه لهذا؛ لأنه إذا حنث بالمكاتبة لأنها ضرب من المواصلة، وترفع 493 بعض المقاطعة، فذلك يقع بنفس وصول الكتاب من الحالف، وإن لم يقرأ.
وإن كتب المحلوف عليه إلى المحلوف، فلم يقبل كتابه؛ لم يحنث.
واختُلف إذا قبِله وقرأه: فقال ابن القاسم: يحنث.
وقال أيضًا، لا يحنث.
وقاله أشهب 494 وهو أحسن؛ لأن الكلام من المحلوف عليه لا يحنث به الحالف، وكذلك لو اجتمع معه، وكلمه ولم يجاوبه؛ لأنه إنما حلف لا كلمت فلانًا 495، ولم يحلف لا كلمني.
ولو حلف ليكلمنّه فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولًا؛ لم يبر؛ لأنه لم يكلمه.
وهذا مما يبين الأول إذا حلف لا أكلمه فكتب إليه أنه لم يحنث بمجرد اليمين.
ولو كان الكتاب ككلامه لبر به إذا حلف ليكلمنه، وإن حلف ليعلمنه أو

الجزء: 4 - الصفحة: 1731

ليخبرنه، فإنه يبر بالكتاب والرسول.
وإن حلف لا أُعلمه، أو لا أخبره، فكتب إليه، أو أرسل إليه؛ حنث.
وقال ابن القاسم، فيمن حلف لرجل إن علم كذا وكذا، ليخبرنّه أو ليعملنّه، فعلماه جميعًا، فلم يعلمه: فهو حانث 496؛ يريد: إذا لم يعلم الحالف بعلم المحلوف عليه، وإن علم لم يحنث، إلا على من راعى الألفاظ.
وقال مالك، في رجل أسرّ إلى رجل سرًا، واستحلفه أن لا يخابر به أحدًا، فأخبر المحلوف له رجلًا بذلك السر، فانطلق ذلك الرجل، فأخبر الحالف، فقال الحالف: أخبرني به، وما ظننت أنه أخبر به أحدا غيري.
قال: فهو حانث 497، وهذا صواب؛ لأن الإنسان يقصد أن يسر أمرًا لجماعة، ولا يخبر كل واحد منهم بما أطلع عليه الآخر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1732

باب فيمن حلف لا أساكن فلانًا 498 أو على دار هو فيها أن لا يسكنها، أو لينتقلنّ منها أو لا يدخلها، أو لا يركب هذه الدابة، أو لا يلبس هذا الثوب وهو راكب أو لابس للثوب، أو قال: أنتِ طالق إن حضتِ أو نمتِ أو حملتِ وهي حائض أو نائمة أو حامل

ومن حلف لا يساكن رجلًا، وهما رفيقان في بيتٍ خرج عن تلك الدار، إلا أن تكون دار جامعة كالفنادق وديار الغلات؛ فلا شيء عليه إن انتقل إلى بيت آخر، إلا أن يكون سبب يمينه لا يرفعه إلا الخروج عن تلك الدار.
وإن حلف وهما في دارين في محلة، انتقل إلى أخرى بحيث يرتفع ما كان الشر أو سبب اليمين عنه، وإن كانا في محلتين وكانا 499 في مدينة فلا شيء عليه، إلا أن ينتقل إلى قرية بحيث لا يقع عليه مساكنته.
وإن كانا في قرية انتقل إلى أخرى؛ لأن القرية كالمحلة.
وقال في رجل وقع بين زوجته وأخته شر، فحلف لا تساكنها 500، فسكنا في دارٍ، أحداهما في السفل والأخرى في العلوة فلا شيء عليه.
وقال: إن حلف، وهما في دار فضرب بينهما حائطًا: لا يعجبني 501. وقال ابن القاسم: لا

الجزء: 4 - الصفحة: 1733

حنث عليه (1). فخاف مالك أن يكون ذلك أقرب في وصول الكلام والمعاياة والمقابلة (2) من العلو والسفل.
ولو قيل في المسألة الأولى أن يبعد بينهما إلى دار أخرى، لكان أحسن.
لأن العلو والسفل لا يرفع المعاياة والشر، ولو كان سبب اليمين ما يقع من الاختلاط فيما احتاج كل واحد منهما من ماعون الآخر، أو لأن أحدهما خون صاحبه لم يكن عليه شيء إذا ضرب بينهما بحائط، أو سكّن أحدهما في العلو والآخر في السفل.
ومن حلف ألاّ أساكن فلانًا، فزاره؛ لم يحنث، قال مالك: وليست (3) الزيارة سكنى (4) وينظر إلى ما كانت عليه يمينه، فإن كان بما يدخل بين العيال فذلك أخف، وإن كان أراد التنحي عنه فهو أشد (5)، ولم يقل يحنث؛ لأنه قد تنحى عنه، ولو حمل أمره على المقاطعة لحنث إذا لقيه فكلمه.

فصل [فيمن حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها]

وقال فيمن حلف، لا سكن 507 هذه الدار، وهو ساكن فيها: يخرج مكانه، وإن كان في ليل لم يمهل، حتى يصبح، إلا أن ينوي ذلك، ثم يتعجل ما502503504505506

الجزء: 4 - الصفحة: 1734

استطاع، فإن لم يجد إلا بالغلاء أو ما لا يوافقه، فإنه ينتقل إليه، فإن لم يفعل؛ حنث 508. وهذا على مراعاة الألفاظ، ومن راعى العادة كان له أن يمهل حتى يصبح، وينتقل إلى ما ينتقل إليه مثله.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يحنث في أقل من يوم وليلة 509؛ يريد: حتى يستكمل يومًا وليلة، فحينئذ يحنث.
وقال أصبغ: حد المساكنة بعد اليمين يوم وليلة، فإن سكن أكثر حنث 510. وقول مالك محتمل أن يكون القصد من الحالف في مثل ذلك اجتنابها، وأن زيادة السكنى وإن قلّ، سكنى لما كان مضافًا إلى ما تقدم.
وراعى أشهب وأصبغ ما يقع عليه اسم سكنى لو ابتدأ سكناها.
ولو حلف لا أسكنها، وليس هو فيها؛ لم يحنث عند أشهب؛ إن أقام ما دون يوم وليلة، ولم يحنث عند أصبغ، إلا أن يزيد على يوم وليلة.
ولو حلف ليسكنّها؛ لبرّ على قول أشهب إذا أقام يومًا وليلة، ولم يبر عند أصبغ، إلا أن يزيد على ذلك 511. وعلى مراعاة المقاصد لا يبر إلا أن يطول مقامه، وما يرى أن الحالف يقصده.
ولو حلف لينتقلن، لم يحنث بالتمادي في السكنى.
قال في كتاب محمد: فإن أقام ثلاثة أيام يطلب منزلًا فلم يجد، أرجو أن لا

الجزء: 4 - الصفحة: 1735

شيء عليه.
قيل: فإن أقام شهرًا؟ قال: إن توانى في الطلب خفت أن يحنث.
وفي الواضحة: لا يحنث، وإن أخر الانتقال 512. وهذا هو الأصل فيمن حلف ليفعلنّ، إلا أن يكون قصد الحالف على الانتقال، إنما هو كراهية البقاء.
فإذا تراخى عن القدر الذي أراد حنث، فإن حلف لا أسكنها، فخرج، ثم رجع فسكن، حنث.
وإن 513 حلف لينتقلن، فانتقل، ثم رجع؛ لم يحنث؛ لأن الأول حلف، أن لا توجد منه سكنى، فمتى وجد ذلك منه؛ حنث.
والآخر حلف ليفعلن، فإذا فعل ذلك مرة؛ بر.
قال مالك في كتاب محمد: إذا خرج يقيم شهرًا 514. ولو أقام خمسة عشر يومًا؛ لأجزأه.
وقال محمد: إن حلف لينتقلن من هذا البلدة خرج إلى موضع تقْصر فيه الصلاة، ويقيم شهرًا.
قال: وهذا استحسانٌ، والقياس أن يخرج إلى ما ايجب عليه فيه إتيان الجمعة، فيقيم ما قلّ، ثم يرجع 515. ولو حلف ليسافرن؛ لم يبر إلا بمدة تقصر فيها الصلاة.
وعلى قول محمد إن حلف لينتقلن من هذه الدار، فرجع عن قربٍ؛ لم يحنث.
ومن حلف لا أسكن هذه الدار، انتقل بنفسه وعياله ومتاعه.
وإن نقل متاعه دون عياله حنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1736

واختُلف إذا نقل عياله دون متاعه: فقال ابن القاسم في المدونة: يحنث 516. وقال في كتاب محمد: إلا أن يتصدق به على صاحب المنزل، فلا يحنث.
وإن ترك ما لا حاجة له به مثل الوتد والمسمار؛ لم يحنث تركه عمدًا أو نسيانًا 517. وقال أشهب: إن ترك متاعه؛ لم يحنث 518؛ وأراه ذهب في ذلك لقول الله تبارك تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: 29] فنفى عنه اسم السكنى إذا لم يكن فيها إلا المتاع.
وكذلك، إن حلف لا أسكنها، فاختزن فيها، حنث عند ابن القاسم، ولم يحنث عند أشهب.
وقيل: إن حلف ليسكننها، لم يبر، إلا أن يسكنها بنفسه وعياله ومتاعه، فإن لم يسكن بمتاعه وعياله 519 حنث 520 بما لا يبر به.
وأرى أن يبر، وإن لم يسكن بمتاعه.
وإن حلف لا يسكنها، وهو فيها بكراء أو بعارية، وكان السبب من مالك الدار، فأبقى متاعه؛ حنث؛ لأن القصد رفع منته، أو الخروج من كرائه.
وإن كان السبب اختلافه مع جيرانه؛ لم يحنث بترك متاعه.
وكذلك، إن كان في سكنٍ يملكه، فتقاول مع جيرانه؛ لم يحنث بترك متاعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1737

وإن اكترى هناك مخزنًا، لم يحنث.
وإن كان سبب اليمين اختلافه مع من في ذلك المسكن لما يقع بين النساء والصبيان؛ لم يحنث بترك متاعه.
وان كان لأنه خونه، حنث.
وقد يستخف بقاء المضطر يكون له فيها الطعام؛ لأنه ليس من العادة الانتقال به.
ومن حلف لينتقلن من هذه الدار، لم يبر بنقل عياله، ومحمله على نقل جميع ما فيها، وهو في هذا أشد من يمينه أن يسكنه.
وإن حلف إنْ 521 انتقلَ منه، فنقل عياله أو 522 متاعه؛ حنث.
وإن حلف لا أسكن هذه الدار لأمر كرهه منها، ثم بيعت، فسكنها، حنث.
وإن كان السبب المالك لها، لم يحنث.
وإن حلف على رجل، لا دخل هذه الدار، وقد ابتدأ في الدخول؛ حنث إن تمادى.
واختلف إن حلف بعد أن استقر في الدار: فقال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج.
وحمل اليمين على دخول آخر غير هذا.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن لم يخرج مكانه حنث 523. واتفقا إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها، فلم ينزل، أو لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، فلم ينزعه، أنه حانث 524. وقال سحنون: إذا قال لزوجته، وهي حائض: إذا حضتِ، فأنت طالق؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1738

فهي (1) على حيض مستقبل.
فمن قال بقول ابن القاسم؛ حنثه ساعة تكلّم (2)، ومن قال بقول أشهب؛ لم يحنثه حتى تحيض في المستقبل.
قال أشهب: لأنَّ الحيض يكون، ولا يكون.
قال: ولو قال لها، وهي حامل: إذا حملتِ، فأنت طالق.
أو وهي نائمة: إذا نمتِ، فأنت طالق؛ فإنما هو على حمل مستقبل، ونوم مستقبل (3). وقد ذكرت ذلك في كتاب الطلاق.

فصل [فيمن حلف ألا أدخل على فلان بيتا فدخل عليه مسجدا]

ومن 528 حلف لا أدخل على فلان بيتًا، فدخل عليه مسجدًا؛ لم يحنث.
قال: وليس على هذا حلف 529. وقد قيل: يحنث إذا دخل عليه في المسجد لقول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا﴾ [النور: 36] فسمى الله -عز وجل- المساجد بيوتًا، وكذلك لو دخل عليه في المسجد الحرام لم يحنث 530؛ لقول الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، إلا أن تكون له نية في بيوت السكنى فيكون ما نوى 531.525526527

الجزء: 4 - الصفحة: 1739

وفي كتاب محمد: إن حلف لا جامعه في بيت، فجامعه في الحمام، حنث، لأنه لو أراد أن لا يدخله لفعل.
قال محمد: وليس بمنزلة المسجد 532. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس هذا التعليل ببين؛ لأنه أيضًا لو أراد أن لا يدخل ذلك المسجد لفعل، وله مندوحة في غيره.
وقول مالك ليس على هذا حلف، حسن.
وليس القصد المسجد والحمام.
قال مالك: وإن دخل الحالف بيت جاره، والمحلوف عليه فيه، حنث.
وإن دخل المحلوف عليه على الحالف فلا يعجبني.
وقال ابن القاسم: لا شيء عليه، إلا أن ينوي أن لا يجامعه في بيت فيحنث 533. قال محمد: يخرج مكانه، ولا يحنث 534. فأجاب ابن القاسم على مراعاة الألفاظ، فيحنث إن دخل هو على المحلوف عليه، ولا يحنث إن دخل عليه المحلوف عليه.
وبيته وبيت جاره في الجواب على مراعاة الألفاظ سواء.
وعلى القول الآخر ينظر سبب يمينه، فإن كان؛ لأنَّ المحلوف عليه كره دخول الحالف بيته، وتأذى منه في شيء؛ فلا شيء عليه في بيت جاره، أيهما دخل على الآخر، ولا في الإقامة إن لم يخرج.
وكذلك، إن دخل المحلوف عليه بيت الحالف.
وإن كان قصده أن لا يجامعه، ولا يجالسه في بيت، خرج مكانه، ولا حنث عليه؛ لأنه لم يجالسه.
وإن لم يخرج، حنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1740

وقال فيمن حلف على رجل، أن لا يأكل له طعامًا، فدخل ابن الحالف على المحلوف عليه، فأطعمه طعامًا، فخرج به الصبي إلى منزل أبيه، فأكله: حنث 535. وقال سحنون: لا يحنث؛ لأن الابن ملَك ذلك الخبز، وزال من 536 ملْك المحلوف عليه.
وقال مالك في كتاب محمد، فيمن حلف، لا يدخل عليه من أخيه هدية ولا منفعة، فدخل ابن له صغير أو كبير، فأصاب اليسير من طعامه، فلا شيء، عليه في الولد الكبير الذي خرج من ولايته، وإن كان صغيرًا، فأصاب اليسير الذي لا ينفعه في عون والده، فلا شيء عليه.
وإن كان مثل الثوب يكسوه أو طعام يعينه، فقد دخلت عليه منها منفعة، فأراه حانثًا 537. فلم يحنثه في هذا السؤال لما لم يصرف عنه شيئًا من مؤنته 538؛ لأنه حلف لا 539 أنتفع، فلم ينتفع بخلاف الأول.
وأحنثه في الكبير 540 على مراعاة اللفظ.
وعلى القول الآخر للحالف أن يرد مثل ما نفع به ولده من الطعام، ولا يحنث؛ لأنه قصد أن لا يدخل تحت منته.
وكذلك لو كساه ثوبًا، فأفناه في غيبة الأب، ثم قدم فعلم بذلك، فعليه 541

الجزء: 4 - الصفحة: 1741

غرم قيمته، ولا شيء عليه.
وكذلك، إذا حلف لا يأكل له طعامًا 542، فأكل مما خرج به ابنه؛ حنثه على القول بمراعاة اللفظ، ولا يحنث على القول بمراعاة سبب اليمين إذا رد المثل.
وكذلك لو وجد الحالف في بيته طعامًا، فأكله، وهو لا يعلم أنه للمحلوف عليه، غرم مثله، ولم يحنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1742

باب فيمن حلف على زوجته ألا (1) تخرج إلا بإذنه، أو لا أذن لها

ومن حلف على زوجته، لا خرجت إلا بإذنه، فأذن لها، فلم تسمع، ثم خرجت، حنث.
وإن قال: لا خرجت، إلا أن آذن لكِ 544؛ لم يحنث قياسًا على من حلف ليقضين فلانًا حقّه لأجلٍ سَماه 545، إلا أن يؤخره فأخره، ولم يعلم، وانقضى الأجل: فقال مالك: عسى أن يجزئه 546. وقال ابن وهب: لا يحنث.
وراعى اللفظ.
وأرى أن يحنث؛ لأنه إنما حلف أن لا يكون منه لدد في ذلك الأجل، وإذا لم يعلم ولم يقضِ؛ فقد لد.
وكذلك إذا خرجت؛ لأنه إنما أراد أن لا تخرج إلا بطوعه.
وقال محمد: فإن قال: لا خرجت، إلا بإذني، ثم قال: اخرجي حيث شئتِ.
فخرجت؛ لم يحنث.
وإن قال: لا خرجت إلى موضع، إلا بإذني، ثم قال: اخرجي حيث شئتِ.
فخرجت حيث شاءت؛ حنث 547. وقيل: هو كالأول، ولا شيء عليه.
وأرى أن يسئل عن نيته، فإن أراد بقوله إلى موضعٍ معرفة الموضع الذي543

الجزء: 4 - الصفحة: 1743

تخرج إليه، فينظر ما يرضيه من ذلك مما يسخطه، فخرجت، ولم يعرف الموضع؛ حنث، وإلا فلا شيء عليه.
وإن أذن لها، فلم تخرج حتى منعها، فخرجت، حنث.
وفي كتاب محمد، قال -أظنه عن مالك -: إن خرجت، ثم رجعت لحاجة ذكرتها، فأخذتها، ثم خرجت؛ لم يحنث.
وإن رجعت تركًا وقطعًا، ثم خرجت؛ حنث 548. وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: هو حانث، ولم يفرق، قال ابن حبيب: إن لم تبلغ الموضع الذي خرجت إليه، لم يحنث، وإن بلغته، حنث 549. والقول الأول أحسن، ولا شيء عليه إذا رجعت لحاجة ذكرتها، بلغت أو لم تبلغ.
وإن قال: لا خرجت إلا بإذني، فرآها تخرج، فلم يمنعها؛ حنث على مراعاة الألفاظ، إلا أن تكون له نية.
وإن حلف: لا أذنت لك في الخروج، فرآها تخرج، ولم يمنعها، فأراد منعها من الخروج؛ حنث.
وإن حلف، فقال: لا أذنت لك في الخروج، فرآها تخرج، ولم يمنعها، فإن أراد: فإنكِ لا تطيعيني، أو تخالفي مرادي، لم يحنث.
وقال ابن القاسم: إن حلف لا آذنت لها، إلا في عيادة مريض، فخرجت بغير إذنه، وبغير علمه لغير عيادة مريض، لم يحنث، إلا أن يعلم، فيتركها، فيحنث وإن أذن لها لعيادة مريض، فمضت منه إلى الحمام، ولم يعلم، لم يحنث 550.

الجزء: 4 - الصفحة: 1744

وإن قال: لا خرجت، إلا في عيادة مريض بإذني، فخرجت لغير مريض بعلمه، أو بغير علمه، حنث.
فإن خرجت لعيادة مريض بغير إذنه، حنث، وإن قال: لا خرجتِ لعيادة مريض، إلا بإذني، فخرجت لغير مريض بعلمه أو بغير علمه 551، لم يحنث؛ لأن ما سوى المريض لم تنعقد عليه يمين.
وإن خرجت لمريض بغير إذنه، حنث.
وإن لم يشترط إذنه، وحلف لا خرجت إلَّا لعيادة مريض، فلها أن تخرج لعيادة المريض 552. وإن خرجت لغيره، حنث.
وكذلك، إن خرجت لعيادة مريض، ثم مضت لغيره، حنث.
وإن قال: لا خرجتِ لعيادة مريض، خرجت لغيره بعلمه أو بغير علمه، لم يحنث.
وإن مضت من هناك لعيادة مريض، حنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1745

باب فيمن حلف ليفلعن شيئًا في وقت ففعله قبله، وما يتعلق بذلك

وقال مالك، فيمن حلف ليقضين فلانًا حقّه غدًا، فقضاه اليوم: لم يحنث.
وإن حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا، فأكله اليوم، حنث 553. وقد قيل فيمن حلف على طعام لا يأكله غدا فأكله اليوم لم يحنث، يريد: أنه لم يرد ألا يأكل اليوم ولا بعد غد، وإنما كان القصد بذلك غدا وهو في المحلوف عليه، فحمله في القضاء على المقاصد، أنه لا يلِد، ولا يؤخره عن غد، وفي الطعام على موجب اللفظ.
ولو كان مريضًا سئل في أكل الطعام اليوم، فحلف ليأكلنه غدًا، ثم أكله اليوم، لم يحنث.
ولو كان قصده في القضاء المطل به لغدٍ، فعجله اليوم، حنث.
ومن حلف ألا يتعشى، فشرب لبنًا أو سويقًا؛ حنث.
قال محمد: وإن شرب نبيذًا، لم يحنث، وإن تسحر، لم يحنث 554 يريد: إذا تسحر من آخر الليل.
وقال فيمن أتى امرأته بحيتان، فسخطته، فقال لها 555: أنت طالق إن

الجزء: 4 - الصفحة: 1746

اشتريت لحمًا ولا حيتانًا ثلاثة أشهر.
فأراد أن يشتري لحمًا أو حيتانًا في الغداء؛ لم يحنث يريد: إذا حلف أن لا يشتريه عشاءً.
قال: وكذلك، لو كساها قرقل كتان، فسخطته، فقال: أنت طالق إن كسوتكِ قرقلَ كتان سنةً، فكساها قرقل خز، ولا نية له في أحسن، ولا غيره، لم يحنث 556. وأرى إن أراد التضييق حنث، وإن أراد ألا يأتيها بدنيء لم يحنث.
وإن كان الأول مما يمتهن في الدار، فاشترى ما يرفع للتصرف، لم يحنث.
وقال مالك فيمن جاء لزوجته بزيتٍ، فسخطته، فحلف ليلقينه في البلاعة، فألقاه دونها، لم يحنث؛ لأن قصده إتلافه 557.

الجزء: 4 - الصفحة: 1747

باب فيما (1) يحمل فيه الحالف على بساط يمينه, والاختلاف فيه

559 وقال مالك فيمن استعار رجلًا ثوبًا، فحلف ما يملك إلا ثوبه، وله ثوبان مرهونان، فقال مالك: إن كانا كفافًا لدينه، وكانت تلك نيته أني ما أقدر إلا على ثوبي، لم يحنث.
فإن لم تكن تلك نيته، و 560 كان فيه فضلٌ، حنث.
وقال ابن القاسم: إن لم يكن فيه 561 فضل، ولم تكن له نية، حنث 562. فلم يراع بساط يمينه والأشبه، والقياس: أن لا فرق 563 بين أن يكونا كفافًا، أو فيهما فضلٌ، فعلى مراعاة الألفاظ يحنث؛ لأنهما على ملكه، وقد حلف ما يملكه.
وعلى مراعاة المقاصد لا شيء عليه؛ لأن القصد ما كان عنده يتيسر تسليمه حينئذٍ للمستعير، وليس القصد ما 564 كان في رهن.
وقال مالك في كتاب محمد، فيمن تسلَّف من رجل دينارًا، فوجده ناقصًا، فسأله أوزن منه، فحلف ما معه إلا أنقص منه، فوجد معه مثل وزنه، لم يحنث؛ لأن معناه ما معه أوزن 565.558

الجزء: 4 - الصفحة: 1748

وقال في كتاب ابن حبيب، فيمن دفن مالًا، فلم يجده غلطا بموضعه، فحلف لامرأته بطلاقها ما أخذه غيرك، ثم وجده في موضع آخر؛ فلا شيء عليه؛ لأنه قصد 566 إن كان ذهب، فلم يذهب 567. وقال في العتبية، فيمن رفع دراهم في بيته، فلم يجدها، فاتهم بها زوجته، وحلف بالطلاق ما أخذها أحد 568 غيرك، ثم وجدها تحت مصلاه، رفعها ونسي، حنث، وقال ابن دينار: لا يحنث 569 570 فراعى في جميع هذه المسائل 571 بساط يمينه، فلم يحنثه، وأحنثه مرة بموجب اللفظ، ولم يراع سبب اليمين.
وقال في المدونة، فيمن حلف ما له مالٌ، وله شوار بيته وفُرش، أو خادم: يحنث.
فأحنثه بموجب اللفظ، وعلى القول الآخر لا يحنث؛ لأن القصد صنف غير هذا 572.

الجزء: 4 - الصفحة: 1749

باب فيمن حلف ألا يفعل (1) شيئًا ففعله , هل يتكرر عليه الحنث إن عاود الفعل، أو حلف لا فعله ما دام بموضع كذا، فانتقل عنه، ثم عاد؛ هل تسقط اليمين؟ أو ادعى أنه أراد بعض الصنف الدي حلف عليه , أو نوى أجلًا

وقال ابن القاسم، فيمن حلف لا أكلم فلانا عشرة أيام، فكلمه مرة بعد مرة، لم يحنث، إلا بأول مرة.
وسواء كفّر حين كلمه أول مرة، أو لم يكفّر 574. قال محمد: وليس يبر أحد، ولا يحنث إلا مرة واحدة، وتسقط يمينه، إلا أن ينوي كلما، وكذلك يمينه: لا خرجت زوجته، إلا أن يريد: كلما خرجت 575. وقال مالك، فيمن حلف بصدقة دينار إن نام قبل أن يوتر، فنام قبل أن يوتر، فلزمه ذلك، ثم نام بعد ذلك.
قال: ما رأيت أحدًا يفعل هذا يريد: مرة، وذلك عليه كلما فعل 576. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن حلف، لا كلمتك 577 ما دمت بمصر فسافر المحلوف عليه إلى الحج، ثم رجع إلى مصر، فكلمه: فلا شيء عليه.
قال: وكذلك إن قال: إنْ دخلت عليك ما دمتِ في هذا المنزل، فانتقلتْ، ثم عادت، فدخل عليها، لم يحنث 578.573

الجزء: 4 - الصفحة: 1750

وقال سحنون في كتاب ابنه، فيمن حلف لا يشرب نبيذًا إلى سنة ما دام بطرابلس فأقام أشهرًا، فسافر 579، ثم عاد إلى طرابلس، قال: يبني على الأشهر الأولى 580 حتى يتم سنةً لا يشرب، وإلا حنث 581؛ لأن مقصد هذا الصبر إلى سنة، وإن لم يقم.
وقال ابن القاسم، فيمن حلف بطلاق امرأته: لا 582 بنى بها، حتى يوفيها صداقها، فطلقها قبل البناء واحدة، وأخذت نصف الصداق، ثم تزوجها بأقل من الصداق الأول، قال: فما كان يرجع في تزويجه على بقية طلاق الملِك الأول، فهو حانث 583، وإن أبتها، ثم نكحها بعد زوج؛ فلا شيء عليه 584. وقال ابن الماجشون في الواضحة، فيمن حلف ليكسون أمته جبة صوف، ففعل ثم ندم، فإن نوى وقتا؛ أبقاها إليه، وإن لم ينو؛ حمل على بساط يمينه، فإن كان عندما طلبت قميصًا؛ لم يبر حتى يأتي وقت الَكسوة المؤتنفة.
وإن كانت يمينه على وجه الأدب، فإذا أسبغها 585 بها، وأقامت عليها، حتى 586 علم ذلك، فلا شيء عليه في زوالها 587.

الجزء: 4 - الصفحة: 1751

ومن حلف لا يشتري ثوبًا فاشترى ثوب وشيٍ، حنث إن لم تكن له نية، إلا أن يكون يمينه بالطلاق.
فإن كانت يمينه بالطلاق، وعليه بينة فلا ينوى.
وكذلك، إن حلف لا دخلت 588 هذه الدار.
وقال: نويت شهرًا.
فإن كانت يمنيه بالطلاق، وعليه بينة لم ينو، ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن كانت لا بينة عليه، أو كانت يمينه بما لا يقضي عليه بها صدق.
= وإن لم ينو شيئا حمل على بساط يمينه، فإن كان عندما طلبت قميصا فلا يبر حتى يأتى وقت الكسية المؤتنفة ولا بد لها من لبس الجبة فيما تسد الجبة مسده من القميص فإن يمينه على الأدب، فإذا أسمعها بها وقامت عليها حتى يعلم ذلك فلا شىء عليه فى زوالها)، ووفي النصِّ تصحيفٌ في كلمتين: كلمة (الكسية)؛ وصوابها: الكسوة، وكلمة (أسمعها)؛ وصوابها: أسبغها.

الجزء: 4 - الصفحة: 1752

باب فيمن حلف لعبد، أو لأضربه، أو حلف ليضربنه؛ فأمر من ضربه، أو لا يبيعنه، فأمر من باعه؛ أو باعه على خيار أو بيعًا فاسدًا، أو بيعًا فيه عيب

589 وقال فيمن حلف ليضربن عبده مائة سوط 590، فضربه خمسين سوطًا له رأسان: لم يبر 591. والقياس: أن يبر بمنزلة لو ضربه رجلان خمسين خمسين، وكان وقع ضربهما معًا.
وقال فيمن حلف ليضربن عبده، فأمر من ضربه؛ بر.
وإن حلف لا يضربه، فأمر من ضربه حنث، إلا أن ينوي، أن لا يضربه بنفسه.
وإن حلف أن لا يبيعه، فأمر من باعه؛ حنث، ولم ينو 592. وقال محمد: ينوى 593 فنواه في الضرب إذًا أمر 594 من ضربه؛ لأن من السادات من يؤمنه 595 بمثل ذلك، لئلا يهرب أو غير ذلك من العذر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1753

وأرى أن ينوى في البيع إن قال: خفت ذهابه، فأمنته بذلك، ولو 596 حلف في سلعة لا باعها، لم ينو إذا كانت اليمين بالطلاق، أو بما يقضي 597 عليه به، إلا أن يبين لذلك وجهًا.
وقال محمد، فيمن حلف لا يبيع عبده فباعه، واشترط لنفسه الخيار، فليس ببيع، حتى يمضى 598. وأرى إن كان الخيار للمشتري أن لا يحنث؛ حتى يقبل؛ لأن البيع في الحقيقة ما نقل 599 الملك، وبيع الخيار لا ينقل الملك.
ويختلف إذا ضرب أجلًا، فباع فيه عبده على الخيار، وقبل المشتري بيعه، فعلى القول أنه يحسب بيعًا من يوم عقد على خيار يحنث، ومن قال: لا يعد بيعًا، إلا من يوم يقبض، لم يحنث.
وقال محمد: إن قال: من جاءني فيه بعشرة دنانير فهو له، لم يحنث، إلا أن يأتيه فيه أحد بعشرة دنانير فيما قرب، مثل الشهر والشهرين، وقال محمد: أحب إلي أن لا يلزمه، إلا في مثل الشهر فأقل فهذا بمنزلة من باع على خيار المشتري، قال: ومن حلف بعتق عبده إن باعه، فباعه بيعًا مفسوخًا 600، كان بذلك البيع حرًا 601. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو حلف بعتقه ليبيعه، فباعه بيعًا فاسدًا، لم يبر، إلا أن

الجزء: 4 - الصفحة: 1754

يفوت عند المشتري.
فإن لم يفت نقض البيع، وكانت اليمين منعقدة (1)، حتى يبيعه بيعًا ينقل ملكه.
وأما إن حلف إنْ باعه، فإنه يحنث بالبيع الفاسد؛ لأنه إن كان يجهل، ويراه جائزًا، فهو من الجنس الذي حلف عليه أن لا يفعله.
وإن كان يعلم أنه فاسد، فقد قصد فيه خلاف ما حلف أنه لا يفعله؛ لأنه مكّنه منه على وجه الملك؛ فهو يحنث.
وإن نقض بعد ذلك.
وعلى قول أشهب أن البيع الفاسد ينقل الملك والضمان أبين في الحنث.
وإن باعه، وبه عيب يوجب الرد، وكانت يمينه إن باعه؛ حنث.
وسواء قبله المشتري بعد علمه بالعيب، أو رده.
وإن حلف ليبيعنه؛ لم يبر إن رد بالعيب.

فصل [فيمن حلف لا تكفل بمال فتكفل بالوجه]

وقال فيمن حلف، لا تكفلَّ 603 بمال، فتكفل بالوجه، حنث 604. والقياس: لا شيء عليه؛ لأن الكفالة ثلاثة: بالوجه والمال والطلب.
فإذا قال بالوجه 605، فقد خصَّ ما تكفل به، وتكفل بما هو دون الأول في الحكم فإن أحضره فقيرًا أو غائبًا 606، فأثبت فقره، أو مات، برئ.
ولا يثبت عليه المال، إلا602

الجزء: 4 - الصفحة: 1755

بعد غيبته، وعدم البينة على فقره، وكذلك، لو 607 حلف، لا تكفل بالوجه، فتكفل بالطلب، لم يحنث.
وإن حلف، لا تكفل بوجه، فتكفل بمال، حنث؛ لأنه أشد مما سمي.

الجزء: 4 - الصفحة: 1756

باب فيمن حلف لا يبيع من فلان أو لا يشتري منه، فباع من وكيله أو اشترى

ومن حلف لا 608 يبيع من رجل، ولا يشتري منه , فباع أو اشترى من وكيله، فإن لم يكن الوكيل من سبب المحلوف عليه، لم يحنث.
وإن كان من ناحيته أو من سببه وهو عالم أنه من ناحيته، حنث 609. واختلف إذا قال لم أعلم 610 أنه من سببه، فقال ابن القاسم في المجموعة: يحنث، ولم يصدقه.
وقال أشهب: لا يحنث 611. واختلف في المراد بمن هو من سببه، فقال ابن القاسم في المدونة: صديق ملاطف، أو من هو من عياله، أو من هو من ناحيته 612. وقال ابن حبيب: هو الذي يدير أمره أو أب أو أخ ممن يلي أمره.
فأما 613 الصديق والجار والجلساء فلا 614. يريد: أن محمله فيمن لا يلي ماله كالأجنبي، فلا يحنث به، وأن من يلي القيام بماله لا يخفى عليه.
ولم يروا 615 عليه حنثًا إذا لم يكن من سببه، وإن ثبت أن البيع والشراء كان للمحلوف عليه، بخلاف أن يباشر الحالف المحلوف 616 عليه بالبيع والشراء

الجزء: 4 - الصفحة: 1757

ناسيًا؛ لأن الناسي عالم أنه محلوف عليه عامدًا للفعل ناسيًا ليمينه.
والناسي والعامد سواء.
وهذا غير عالم فلم يحنث على مراعاة المقاصد؛ لأنه غير ما قصد بيمينه.
ولا على مراعاة اللفظ؛ لأنه إنما باع أو اشترى من غير المحلوف عليه.
وأرى 617 أن ينظر في الحالف، فإن كان لا يخفى عليه أن الذي باشره بالعقد من سبب المحلوف عليه؛ لم يصدق.
وإن أشكل الأمر حلف أنه لم يعلم ولم يحنث.
والتهمة في يمينه ألا يبيع من فلان جاريته أو عبده أو يشتريهما منه مختلف.
فمن حلف لا باع جاريته أو عبده من فلان، يتخوف 618 أن يدس من يشتري له ذلك، وهذا يجري كثيرًا.
فإن تولىَّ الشراء جار أو صديق أو جليس؛ لم يصدق أنه لم يعلم أنه من ناحيته، إلا أن يكون الحالف طارئًا، أو يقوم له دليل.
ولا يتخوف مثل ذلك أن يدس عليه من يبيع منه، إلا أن يكون اليمين منه على معين جارية أو عبد، فلا يصدق أنه لم يعلم أن الذي 619 حلف عليه.
وقال مالك: وإن 620 كان المشتري من سبب المحلوف عليه، فقال البائع: إني حلفت أن لا أبيع من فلان.
فقال: لنفسي أشتري.
فلما باع منه، قال: ادفعها لفلان المحلوف عليه، فله اشتريتها؛ لزمه البيع.
وهو حانث، ولا 621 ينفعه ما قدم في ذلك 622. ولو قال: إنْ كنت وكيلًا فلا بيع بيننا؛ لم يلزمه بيع، ولم يحنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 1758

باب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فقضاه ناقصًا أو زيوفًا. أو استحق ما قضاه ومن حلف لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه؛ ففر منه، أو أحاله أو أرهنه. وما يتعلق بذلك

ومن حلف ليدفعن لفلان حقّه إلى أجل، فقضاه ناقصًا أو زيوفًا 623 أو استحق ما قضاه وهو عالم بجميع ذلك، ثم مضى الأجل؛ حنث.
ويختلف إذا لم يعلم.
فقال في المدونة: يحنث 624 وهذا على مراعاة الألفاظ، ولا يحنث على القول الآخر؛ لأن قصده أن لا يلد فلم يلد.
واختلف إذا استحقت بعد الأجل، فلم يأخذها المستحق، فقال ابن كنانة: لا يحنث.
وقال ابن القاسم: يحنث.
قال: وكل شيء لو قام صاحبه أخذه فكأنه وفاَّه ساعة أنفذ.
وقال مالك في العبد يحلف على القضاء إلى أجلٍ، فيقضي من مال سيده فيجيزه سيده بعد الأجل، قال: ما أرى من أمر بين 625.

الجزء: 4 - الصفحة: 1759

فصل [فيمن حلف لغريمه ألا يفارقه حتى يستوفي حقه]

وقال ابن القاسم فيمن حلف لغريمه: لا فارقتك 626 حتى أستوفي حقّي.
ففر منه: حنث 627. وقال محمد: لا يحنث، إلا أن يتراخى له.
قال 628: وإن قال لا فارقتني، أو لا افترقنا فأفلت منه، حنث فأجاب محمد إذا قال: لا أفارقك 629 على موجب اللفظ 630. ورأى ابن القاسم أن القصد من الحالف في مثل هذا 631: المغالبة والتضييق عليه حتى يأخذ حقّه.
قال: وإن حلف لزوجته إنْ قبلتك، فقبلته؛ فلا شيء عليه إذا لم يكن منه استرخاء.
قال: وإن حلف لزوجته إنْ ضاجعتك، فضاجعته 632 وهو نائم؛ فلا

الجزء: 4 - الصفحة: 1760

شيء عليه وإن قال: إن ضاجعتني أو قبلتني؛ فهو بخلاف الأول 633، يريد: إذا حلف لا قبلتك، فقبلته على الفم لأنه إذا تركها صار هو مقبل.
ولا يحنث إذا تركها قبلته على غير الفم.
وإن قال: إن قبلتني فتركها، فقبلته على غير الفم؛ حنث، إلا أن ينوي الفم.
وإن قال: لا فارقتك حتى أستوفي حقّي أو أقبضه، فأحاله، حنث ولا يقع 634 الحنث إن نقض الحوالة، وقضاه 635 قبل أن يفارقه.
وإن قال: إن فارقتك 636 ولي عليك حق -برئ بالحوالة- وإن أرهنه بحقّه رهنًا، لم يبر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1761

باب (1) فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر أو رأس الهلال أو في انسلاخه أو إلى العيد أو في العيد

وإن حلف ليقضينه رأس الشهر أو رأس الهلال كان له يوم وليلة من أوله 638، فإن غربت الشمس ولم يقضه، حنث.
وهذا إذا لم يدخل في يمينه شيءٌ من حروف الجر، فيقول: في أو عند أو إلى أو لكذا أو إذا أو حين.
قال مالك في المدونة: فإن قال إلى رمضان، فانسلخ شعبان ولم يقضه، حنث 639. قال محمد: فإن قال في رأس الشهر أو في رأس الهلال أو في الهلال، ولم يقل رأس الهلال أو في استهلال الهلال أو في الهلال 640 أو في رؤيته أو في دخوله أو في حلوله، كان له يوم وليلة 641. وأرى إذا قال: في الهلال، ولم يقل في رأس الهلال: أن تكون له ثلاثة أيام؛ لأن العرب تسميه أول ليلة والثانية والثالثة هلالًا، والرابعة قمرًا 642، إلا أن يكون الحالف لا يعرف هذه التسمية، إلا لأول ليلة أو لثانية 643، فيحمل على ما يقوله.637

الجزء: 4 - الصفحة: 1762

قال: وكذلك، إذا قال: عند الهلال أو عند رأس الهلال أو قال لاستهلال الهلال أو لرأسه أو لرؤيته أو لدخوله أو لحلوله أو لمجيئه؛ فله يوم وليلة من الداخل 644 يريد: لأنَّ المراد المبادرة بذلك عند استهلال الشهر.
وإن قال إلى؛ كان القضاء إلى قبل حلول الداخل؛ لأن بابها للغاية، فهي غاية التأخير.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: له يوم وليلة من الداخل وإن قال إذا انقضى شعبان أو عند انقضائه له يوم وليلة من رمضان.
وقوله: إذا استهل رمضان، وإذا 645 انقضى شعبان سواء؛ لأنه لا يصح انقضاء شعبان، إلا بدخول رمضان 646. فمن قضى بأثر انقضائه.
فقد قضى عند الانقضاء، وإن قال: في انقضاء شعبان أو إلى انقضائه فغابت الشمس من آخر شعبان، حنث؛ لأن (في): ظرف للقضاء، فالقضاء يكون في الانقضاء.
وإن خرج الشهر، كان قضاؤه في غير الانقضاء.
وكذلك قوله: إلى فغاية التأخير ما لم ينقض الشهر.
وإن قال: حين ينقضي شعبان؛ لم يحنث بخروجه، ويتعجل ما استطاع، وقد قال: له يوم وليلة.
كقوله إذا انقضى شعبان 647 وإن قال: إذا انسلخ شعبان؛ كان له يوم وليلة من رمضان، كقوله إذا انقضى شعبان.
وإذا 648 قال: في انسلاخ الشهر أو إلى أو لانسلاخه، فلم يقضه قبل أن يهل رمضان، حنث.
مثل قوله: في القضاء أو إلى انقضاء.
وإن قال: في انسلاخ الهلال، كان له يوم وليلة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1763

واختُلف إذا قال: عند انسلاخه (1): فقال مرة: إذا انسلخ وعند انسلاخ واحد له يوم وليلة من الثاني وقال مرة: ذلك بمنزلة قوله (في) (2)، و (إلى)، فإن لم يقضه قبل خروج الأول، حنث وقال محمد: وإن قال: حين ينقضي الهلال أو حين يهل أو حين ينسلخ أو يرى أو يدخل أو يجيء إذا سمى الحين في جميع ذلك، يعجل القضاء ما استطاع حين يدخل، وليس في ذلك حد (3). وفي المبسوط: إذا قال: في حلول وإذا حل وحين يحل، له يوم وليلة.
وإن قال: لحلول رمضان، فغابت الشمس من آخر شعبان، ولم يقضه، حنث، كالذي يقول: إلى.
وفي كتاب محمد: إذا قال لكذا: له يوم وليلة (4). والمراد بقوله لحلول ولمجيء وحين وعند واحد.

فصل [فيمن حلف ليقضينه إلى العيد أو في العيد أو اذا انقضى العيد]

واختُلف إذا حلف ليقضينه إلى العيد أو في العيد أو إذا انقضى العيد في مبتدأ العيد وآخره: فقال سحنون: إن حلف ألا يصيب أهله إلى العيد، فأصابها ليلة العيد؛ حنث ورأى أن أول العيد ليلته، وقال أصبغ: لا يصيبها حتى يصلي الإمام وينصرف، فإن أصابها قبل ذلك، حنث 653. فجعل مبتدأ العيد بعد سلام649650651652

الجزء: 4 - الصفحة: 1764

الإمام من الصلاة.
واختُلف إذا قال في العيد: فقيل: له اليوم الأول فقط، وقيل: ثلاثة أيام.
وقال سحنون: إن كان في الفطر فاليوم الأول، فإن قال: يوم العيد، كان الأضحى والفطر سواء، له اليوم الأول.
وإن قال: في الأضحى، فثلاثة أيام.
وإن قال: في أيام التشريق، فأربعة أيام، وإن قال: إلى الصدر، فله إلى 654 آخر أيام التشريق، وبقيته إلى الفجر، فإن طلع الفجر، ولم يقضه، حنث وقال: إن حلف لا كلمتك حتى الصدر أو إلى الصدر؛ فلا يكلمه إلا في الصدر الآخر.
فإن كلمَّه في الأول، لم يحنث.
وإن حلف ليكلمنّه إلى الصدر، فليكلمه في الأول، فإن كلمَّه في الآخر، لم يحنث 655. وقال ابن القاسم: فيمن 656 حلف لأقضينّك إذا ذهب العيد؛ فأيام التشريق من العيد.
وقال أيضًا: إن حلف ليقضينه في العيد، فقضاه في أيام التشريق، حنث 657 فرأى أن العيد اليوم الأول؛ لأن أول أيام التشريق اليوم الثاني.
وقوله الأول أحسن.

الجزء: 4 - الصفحة: 1765

باب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فأعطاه عرضًا، أو وهبه له الطالب. أو حلف الطالب لا يضع من حقه شيئًا، فأخره أو أقاله

وقال مالك فيمن حلف ليقضينّ فلانًا حقّه إلى أجل أو دنانيره، فأعطاه بها عرضًا فيه وفاء من حقّه، فلا شيء عليه، ثم كرهه 658 فالكراهة على مراعاة الألفاظ، والأخرى على مراعاة المقاصد، وهو إذا قال: دنانيره أبين في الكراهية، وإن وهبه الطالب ذلك الحق؛ لم يبر.
وهذا على مراعاة الألفاظ، وعلى مراعاة المقاصد لا يحنث؛ لأن المراد أن لا يكون منه لدد عن القضاء.
فإذا أمكنه منه وتركه؛ لم يحنث إذا كانت اليمين بما لا يقضى بها، أو بما يقضى بها، ولا بينة عليه، فإن كانت عليه بينة، لم يبر.
قال أشهب: ثم إن مضى الأجل، ولم يقضه، حنث 659. وقال ابن حبيب: لا ينفعه إن قضاه بعد ذلك.
والأول أحسن، أن لا شيء عليه إن قضاه في الأجل؛ لأنه إن كان باطنه على الصحة، وقد مكنَّه من حقه؛ لم يحنث.
وإن اتهم أن يكون أراد الطالب الرفق به، لئلا يحنث، فأظهر الهبة 660. وليكون القضاء بعد الأجل؛ كان الحق قائمًا، فقد قضاه.
وإن باعه بالدين عرضًا بيعًا فاسدًا، ففات في الأجل وقيمته مثل الدين

الجزء: 4 - الصفحة: 1766

فأكثر؛ بر.
وإن كانت قيمته أقل، فوفاَّه بقية حقّه في الأجل، بر.
وإن لم يقضه حتى انقضى الأجل، حنث.
واختلف إذا انقضى الأجل والعرض قائم: فقال سحنون في العتبية: يحنث.
وقال أشهب: لا يحنث.
وأرى إن كان في قيمته وفاء بالحق أن لا يحنث؛ لأنه الوفاء (1) عنده، والوجه الذي قصده بيمينه.
وكذلك إن كان عالمًا بالفساد، وقصد بتّ البيع.
وإن أراد بذلك ليقوم بعد الأجل، حنث؛ لأنه قصد اللدد.
وإن باعه بالدين سلعة بيعًا صحيحًا، وبها عيب فعلم بالعيب في الأجل، فردت.
وقضى الثمن ثانية، وإلا حنث.
وإن رضي به المشتري، وفي قميتها معيبةً وفاء بالدين، لم يحنث.
وإن كانت أقلّ؛ حنث على مراعاة الألفاظ؛ ولم يحنث على القول الآخر إذا كانت قيمتها سالمةً مثل الدين، وهو غير عالم بالعيب؛ لأنه قصد الوفاء، ولم يلد.
وإن فاتت في الأجل أعطاه قيمة العيب، وإلاّ حنث.
وإن لم يعلم بالعيب، إلا بعد الأجل وقد كانت فاتت في الأجل، حنث على أحد القولين.
وإن مضى الأجل وهي قائمة، حنث على قول سحنون في البيع الفاسد، ولم يحنث على قول أشهب.
وهو أحسن؛ لأنه لم يقصد لددًا.

فصل [فيمن باع سلعة ثم حلف لا يضع من ثمنها فأقاله]

ومن باع سلعةً، ثم حلف ألا يضع من ثمنها، فأقاله، حنث إن لم يكن فيها وفاء بالثمن 662. وإن كان فيها وفاءٌ، لم يحنث.
وإن أنظره، لم يحنث.
وقيل:661

الجزء: 4 - الصفحة: 1767

يحنث.
والأول أبين؛ لأنّ التاجر يخف عليه الصبر، ويراه حسن معاملة، ولا يعده وضيعة، ولا يخف عليه ترك اليسير.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن حلف أن لا يهب لفلان، فتصدق عليه: حنث.
وإن أعاره، حنث؛ لأن أصل يمينه على المنفعة 663. قال محمد: وإن حلف على قريب له أن لا يُعيره ثوبًا، فوهبه له، فلا شيء عليه، إذا كان سبب يمينه أنه أعاره فأفسده أو حبسه عنه، أو كان يعاف لباس الناس ثيابه، أو يريد صونها.
وإن أراد قطع المنافع عنه، حنث وإن حلف أن لا يكسو امرأته، فأعطاها دراهم اشترت بها ثوبًا؛ حنث.
ولم ينو إن كانت يمينه بما يقضى عليه بها.
فإن حلف أن لا يعطيها دراهم، فكساهاة حنث، إلا أن يكون أراد بالدراهم خوف أن تتلفها، ولو أعطاها في الأول دراهم يسيرة مما لا تشتري بها كسوة، ولا تستعين بها فيها، لم يحنث.
ولو حلف على أجنبي أن لا يكسوه، فأعطاه دراهم، أو لا يعطيه دراهم فكساه، حنث في الوجهين جميعا، إلا أن يقوم له دليل على أنه أراد عين ما حلف عليه.
وقال ابن القاسم فيمن حلف لا أدخل دار فلان إلا بإذن فلان، أو لا يقضي فلانًا حقّه إلا بإذن فلان، فمات الذي اشترط إذنه، لم ينتفع بإذن ورثته 664، وإن دخل أو قضى، حنث 665.

الجزء: 4 - الصفحة: 1768

باب [فيمن عجز عن البر بسبب خارج عنه]

فيمن قال حلف ليقضينّ فلانًا حقه رأس الشهر، فغاب الطالب، أو مات، أو حلف ليركبنّ دابة فماتت، أو ليلبس ثوبًا، أو يأكل طعامًا، فسرق.
أو حلف بالطلاق، أو بعتق عبده، ليفعلن فعلًا، فمات الحالف، أو المحلوف عليه قبل أن يفعل.
ومن حلف لغريمه ليقضينّه رأس الشهر، فغاب الطالب وله وكيل مفوض إليه، دفع إليه، وبرّ في يمينه، وبرئ من الدين.
وسواء كان بالموضع سلطانٌ، أم لا.
وإن لم يكن مفوضًا إليه دفع إلى السلطان، وبر وبرئ.
فإن لم يكن سلطان أو لم يقدر على الوصول إليه، أو كان غير عدل، دفع إلى هذا الوكيل أو غيره، وأوقفه على يديه، فيبرّ في يمينه، ولا يبرأ من الدين.
وإن أتى بالحق وأشهد على وزنه أو عدده ثم رجع به، بر؛ لأنه لم يكن منه لدد، وهو قول مالك في كتاب محمد.
قال محمد: وقد قيل لو دفع إلى بعض الناس لغير عذر من سلطان، وأشهد، لم يحنث 666. وإن كان السلطان غير عدل، فرفع إليه وهو عالم أنه غير عدل، بر في يمينه 667، ولم يبرأ من الدين.
قال محمد: وإن لم يعلم ذلك من الإمام، فلا ضمان عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1769

وأرى أن يضمن ولا يبرأ؛ لأن الدين في ذمته، وقد أخطأ على نفسه.
وقال سحنون: إن أشهد على الحق في الأجل، ثم جاء الطالب بعد الأجل فمطله؛ لم يحنث 668. وقال مالك في كتاب محمد: إن حلف ليقضينّه رأس الشهر إلا أن يؤخره، فأخره شهرًا، ثم قال المطلوب بعد حلول الشهر الآخر: ما علي يمين.
قال مالك: اليمين عليه، فإن لم يقضه، حنث قال: وإن أنظره الطالب من قبِل نفسه، ولم يعلم الحالف، فقال: عسى به أن يجزئه.
وقال ابن وهب: هو في سعة من يمينه 669. وهذا على مراعاة الألفاظ؛ لأنه قال: إلا أن تؤخرني 670، فقد أخره 671. وعلى مراعاة المقاصد يحنث.
وهو أحسن؛ لأنه قصد أن لا يلد، فإذا لم يعلم بتأخيره، فقد لد.
واختُلف أيضًا إذا غاب الحالف فقضى عنه بعض أهله من ماله أو من مال الغائب، فقال ابن الماجشون: يبر وقال ابن القاسم: لا يبر 672 وهو أبين إذا تأخر عن القدوم للقضاء عمدًا.
وقال ابن القاسم فيمن حلف ليقضينّ فلانًا حقّه إلى أجل، إلا أن يؤخره، فأراد سفرا، فسأل الطالب أن يؤخره، وذكر مدة سفره، فأخره إلى بلوغه، وزاده عشرين ليلة، ثم لم يسافر لأنه خاف اللصوص، قال: يقضيه عند الأجل الأول، وإلا حنث 673. وقال فيمن حلف ليركبن هذه الدابة غدا فماتت قبل غد

الجزء: 4 - الصفحة: 1770

فلا شيء عليه 674. وإن حلف ليلبسنّ هذا الثوب أو ليأكلنّ هذا الطعام، فسُرق، حنث.
وقال أشهب: لا حنث عليه 675 وهو أحسن، إلا أن تكون اليمين بما يقضى عليه به، ولم تعلم السرقة إلا من قوله.
وقال فيمن حلف ليذبحن حمامات يتيمة، فوجدها قد ماتت قبل ذلك: فلا شيء عليه.
وقال في كتاب الأيمان بالطلاق، فيمن حلف ليبيعن أمته، فوجدها حاملًا: حنث 676 فعلى هذا يحنث الذي حلف ليذبحن الحمامات فماتت 677. والخلاف في هذا راجع إلى الوجهين المتقدم ذكرهما، فمن راعى الألفاظ أحنثه، ومن راعى المقاصد لم يحنثه.
وقال فيمن حلف ليضربن فلانًا بعتق عبده، فمات فلان بعد أن مضى قدر ما يضربه فيه: حنث.
فإن كان الحالف صحيحًا أُعتِق من رأس المال، وإن كان مريضًا أُعتِق من الثلث.
وإن مات الحالف أُعتِق من الثلث 678. وإن ضرب أجلا فمات أعتق من الثلث وإن مات الحالف أعتق من الثلث 679، وإن ضرب أجلًا فمات الحالف أو المحلوف عليه في الأجل فرط أو لم يفرط، وقد حلف بعتق أو طلاق، فلا شيء عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 1771

وقال ابن كنانة في كتاب المدنين فيمن حلف بطلاق امرأته أن يبيع عبده إلى شهر فمات العبد في الشهر، قال: إن فرط في بيعه ولو شاء باعه، فقد وقع الطلاق؛ لأنه لم يبق له شيء يبر فيه.
قال: ولو حلف بالطلاق أن يخرج بامرأته إلى شهر فماتت: حنث إن فرط.
قال: ولو مات هو قبل أن يخرج بها، ورثته.
قال: والفرق بينهما أن المرأة حين 680 ماتت يأتي الأجل، وليس له شيء يبر فيه، وإن مات هو كان بمترلة من طلق بعد الموت 681، وقد يطلق المريض فترثه.
وقال ابن أبي حازم، فيمن قال: إن لم أضرب غلامي قبل الهلال فامرأته طالق، فمات العبد قبل الهلال، وقبل أن يضربه، فقال: أمره عندي أبين من كل شيء، وهي طالق.
فسوى ابن كنانة وابن أبي حازم في الحنث إذا ضرب أجلًا، وجعلاه بمنزلة من لم يضرب الأجل، ورأيا أن أجل الآخر حياة الحالف فأحنثاه بمجرد اللفظ؛ لأن كليهما حلف ليوجدن منه فعلٌ، فلم يوجد.
فهذا جعل لنفسه أن يضرب ما بينه وبين شهرٍ، والآخر فسح لنفسه أن يضرب ما بينه وبين أن يموت 682.

الجزء: 4 - الصفحة: 1772

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمان
باب في وجوب النذور وما يجوز فيهفصل [في أنواع النذر]باب فيمن حلف بالمشي إلى مكةفصل [فيمن ركب في بعض ما وجب عليه من المشي]باب في الموضع الذي يلزم الحالف بالمشي منه يمشي منهباب فيمن نذر إحرامًا بحج أو بعمرة وما حكمهباب فيمن نذر المشي إلى مكة هل يأتي به متفرقًا، وإذا ركب بعض الطريق عن عجز أو اختيار، أو كان (1) الناذر شيخًا كبيرًا أو مريضًا أو امرأةفصل [فيمن عجز في نذره]فصل [فيمن نذر أن يُحجَّ غيره]فصل [فيما يلزمه من المشي وما لا يلزمه]فصل [في الركوب والمشي في المساجد الثلاثة]باب في الهدايا وما يمنع منهافصل [في اختلاف قول الناذر وما يجب عليه فيه]فصل [في نذر المعين وما يلزمه منه]فصل [في نذر المعيبة]باب فيمن حلف بصدقة ماله أو بعضهفصل [فيمن حلف بصدقة ماله ونقَصَ مالُهُ أو زاد]باب الأيمانفصل [في الحلف على شيء بأسماء مختلفة مما يجوز به اليمين]فصل [في أنواع النذر من حيث الإبهام والتعليق والتقييد]باب في لغو اليمين والغموس وما تجب فيه الكفارة، وما لا تجب وما تكوق النية فيه نية الحالف والمحلوف لهفصل [في نية الحالف وما يلزمه منها]باب في الاستثناء في اليمين بالله والطلاق والعتقباب فيمن حلف بيمين علي أشياء أو بأيمان على شيء واحدباب (1) في تقديم الكفارات قبل الحنثفصل [في أوجه التزام الحنث لمن حلف]باب في أصناف كفارة اليمين بالله تعالىفصل [فيمن وجبت عليه كفارتان]فصل [في المراعى في الكسوة]فصل الكفارة بالصيام لمن عجز عن العتق والكسوة والإطعامفصلباب (1) فيمن حلف أن لا يأكل طعامًا، أو ليأكلنه، فأكل بعضه، أو أكله بعد أن فسد، أو انتقل عن حاله بصنعة، أو غيرها، وما يتعلق بذلكفصل [فيمن حلف ألا يأكل لبنا فأكل سمنا أو جبنا أو ألا يأكل زبدا فأكل سمنا]فصل [فيمن حلف ألا يأكل بسرا فأكل رطبا أو لا يأكل رطبا فأكل تمرا]فصل (2) [فيمن حلف ألا يأكل لحما هل يحنث بأكل الشحم؟]فصل [فيمن حلف ألا يأكل إداما]فصل فيمن حلف ألا يأكل خبزاباب (1) فيمن حلف على رجل لا كلّمه أو ليكلمنّه أو لا هجرته أو لأهجرنهفصل (3) [إن حلف ليهجرنه ثم كلمَّه]فصل [فيمن حلف ألا يكلم فلانا أياما أو شهورا أو سنين]باب فيمن حلف لا أكلم فلانًا أو ليكلمنه أو إن أخبره أو ليخبرنه؛ فكتب إليه أو أرسل إليه رسولًافصل [فيمن حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها]فصل [فيمن حلف ألا أدخل على فلان بيتا فدخل عليه مسجدا]باب فيمن حلف على زوجته ألا (1) تخرج إلا بإذنه، أو لا أذن لهاباب فيمن حلف ليفلعن شيئًا في وقت ففعله قبله، وما يتعلق بذلكباب فيما (1) يحمل فيه الحالف على بساط يمينه, والاختلاف فيهباب فيمن حلف ألا يفعل (1) شيئًا ففعله , هل يتكرر عليه الحنث إن عاود الفعل، أو حلف لا فعله ما دام بموضع كذا، فانتقل عنه، ثم عاد؛ هل تسقط اليمين؟ أو ادعى أنه أراد بعض الصنف الدي حلف عليه , أو نوى أجلًاباب فيمن حلف لعبد، أو لأضربه، أو حلف ليضربنه؛ فأمر من ضربه، أو لا يبيعنه، فأمر من باعه؛ أو باعه على خيار أو بيعًا فاسدًا، أو بيعًا فيه عيبفصل [فيمن حلف لا تكفل بمال فتكفل بالوجه]باب فيمن حلف لا يبيع من فلان أو لا يشتري منه، فباع من وكيله أو اشترىباب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فقضاه ناقصًا أو زيوفًا. أو استحق ما قضاه ومن حلف لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه؛ ففر منه، أو أحاله أو أرهنه. وما يتعلق بذلكفصل [فيمن حلف لغريمه ألا يفارقه حتى يستوفي حقه]باب (1) فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر أو رأس الهلال أو في انسلاخه أو إلى العيد أو في العيدفصل [فيمن حلف ليقضينه إلى العيد أو في العيد أو اذا انقضى العيد]باب فيمن حلف ليقضين فلانًا حقه، فأعطاه عرضًا، أو وهبه له الطالب. أو حلف الطالب لا يضع من حقه شيئًا، فأخره أو أقالهفصل [فيمن باع سلعة ثم حلف لا يضع من ثمنها فأقاله]باب [فيمن عجز عن البر بسبب خارج عنه]
كتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل