التبصرة للخميكتاب المدبر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370)

الجزء: 8 - الصفحة: 3903

كتاب المدبر (1)

باب في التدبير (2) والوصية وما يتعلق بذلك

قال مالك: التدبير واجب؛ لأنه أوجبه على نفسه، والوصية بالعتق عدة إن شاء رجع فيها 3، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأمر في هذين العتقين في موجب اللسان واحد؛ لأن معنى القول أنت مدبر أو معتق عن دبر مني 4، أي: إذا أدبرتُ عن الدنيا، فقوله: أنت معتق، إذا متُّ أو إذا أدبرتُ عن الدنيا واحد.
والوصية بالعتق على ثلاثة أوجه: فإن كانت في المرض أو عند سفر كان له أن يرجع عنها، وإن لم يبرأ من ذلك المرض، ولا قدم من ذلك السفر.
واختلف إذا قال ذلك وهو صحيح مقيم، فقال ابن القاسم له أن يرجع فيها 5، وقال أشهب: ليس له ذلك وهو التدبير إلا أن يقول ذلك 6، لما جاء في الخبر 7 أنه لا ينبغي لأحد أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة، وهذا هو الأصل عند عدم العادة؛ لأنه عتق معلق بأجل، ولا فرق بين أن يعلقه بموته أو12

الجزء: 8 - الصفحة: 3905

بموت فلان أو إلى سنة، وقول ابن القاسم أحسن للعادة، وقد استمر في 8 الناس أن للموصي أن يغير وصيته متى أحب.
ومحمل قول مالك في التدبير أنه لا يغير للعادة عنده أن القائل لذلك ألقى الكلمة على الأصل أنه أعتق إلى أجل، ولو قال السيد: قلت ذلك، وجعلت لنفسي أن أغيره متى شئت ولا بينة عليه حين التدبير، لقبل قوله.
وقد يحمل الحديث في بيع النبي - صلى الله عليه وسلم - المدبر 9 أن التدبير كان عندهم على مقتضى اللسان أنه عتق معلق بموت صاحبه، وأن القائل لذلك يقصد إلى ما ندبهم الله إليه من الوصية، ولا فرق عندهم بين اللفظين، ولو قصد الإيجاب لم يبعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأيضًا فإنها نازلة في عين، ولم يقل من دبر عبده لم يلزمه.
والثالث: أنه لم تختلف الأخبار 10 أن الرد والبيع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يدعو إلى ذلك المال، وفي ذلك دليل على أن ذلك لأمر أوجبه؛ لأنه لا يختلف بعد القول أنه عقد غير لازم أنه يجوز البقاء عليها كالوصايا، وأنه إن رجع عن ذلك العقد لم يجب أن يخرج من يديه فيباع عليه.
وقد اختلف في الوجه الذي لأجله كان البيع، فذكر النسائي عن جابر أنه كَانَ مُحْتاجًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وفي مسلم قال: "لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 8 - الصفحة: 3906

فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ (1) بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ، ثم قال: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرَابَتِكَ (2)، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ" (3). ففي هذا دليلٌ أن ذلك كان عندهم كالوصايا فندبه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ما هو أولى وألا يضيق على نفسه وعلى أهله، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ (4) غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (5).

فصل [في تقييد التدبير وإطلاقه في الصحة والمرض]

التدبير في الصحة والمرض سواء 16 إذا أطلق ولم يقيد.
يريد: بشرط 17. واختلف إذا قيد ذلك، فقال: أنت مدبر إن مت من مرضي هذا، فقال ابن1112131415

الجزء: 8 - الصفحة: 3907

القاسم في كتاب محمد: قد ثبت له التدبير، وليس له الرجوع عنه 18، وقال في العتبية: هي وصية، وليس بتدبير، وإن عاش كان له أن يصنع به ما شاء 19، وعلى هذا يجري الجواب إذا دبر عند السفر، فإن لم يقيد 20 لم يرجع عنه، وإن قال إن مت من 21 سفري هذا، فأنت مدبر كان على الخلاف، وقال مالك فيمن كتب كتابًا لجاريته أنها مدبرة تعتق بعد موتي إن لم أحدث فيها حدثا، قال: هذه وصية له الرجوع فيها 22، فجعل له أن يغيرها لأنه شرط ذلك لنفسه بقوله: إن لم أحدث فيها حدثا 23 فكان له أن يغير الوصية، وإن لفظ بالتدبير قولًا واحدًا، وهذا بخلاف من قال: أنت مدبر إن مت من مرضي هذا 24 ولم يقل إن لم أحدث فيها حدثًا، وقول ابن القاسم إنها وصية أحسن؛ لأن قوله: إن مت من هذا المرض شرط علق العتق به، فلا يلزمه العتق بغيره.

الجزء: 8 - الصفحة: 3908

فصل [فيما إذا قال أنت: معتق عن دبر من أبي]

وإن قال: أنت معتق عن دبر من أبي 25 كان 26 كقوله: أنت حر إن مات فلان، فيعتق من رأس المال إن مات السيد قبل الأب، وإن كانت أمة لم يصبها.
واختلف إذا قال: أنت مدبر عن أبي، فقيل: هو كالأول يكون حرًّا إذا مات الأب 27 28، وإن كان الأب ميتًا حين قال ذلك كان العبد حرًّا مكانه، وقيل: هو حر إذا مات الابن من ثلثه 29، وقيل: إن قال عنه: فإذا مات الأب أو قال عليه، فإذا مات الابن، ومن قال: إن العتق معلق بموت الابن، ومن ثلثه كان له أن يصيبها إن كانت أمة.
واختلف في الولاء، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: الولاء للأب في الموضع الذي يكون فيه العتق معلقًا بموته 30، وظاهر قوله في السماع أن الولاء تبع لمن كان العتق معلقًا بموته 31 فإن كان بموت الابن كان الولاء للابن، وإن كان بموت الأب كان الولاء للأب 32، والقول إنه لا يعتق إلا بموت الابن أحسن، وأن الولاء للأب، وسواء قال عن أبي أو على 33 ابني؛ لأن قوله:

الجزء: 8 - الصفحة: 3909

أنت مدبر يتضمن أنه حر إذا مات القائل وأدبر عن الدنيا، وقوله عن أبي يقتضي أن العتق على الأب بمنزلة من أوصى في عبد أن يعتق عن فلان، فإن الولاء للمعتق عنه.

فصل [في تعليق حرية العبد بموت السيد وآخر]

وإن قال: أنت حر بعد موتي وموت 34 فلان كان حرًّا من الثلث 35، فإن مات السيد آخرهما 36، ولم 37 يحمله الثلث أعتق منه ما حمل الثلث بتلًا 38 ورق الباقي، وإن مات السيد أولًا خُير الورثة 39 بين أن يجيزوا 40 أو تكون لهم الخدمة حتى يموت فلان أو يعتق منه ما حمل الثلث بتلًا، ويرق الباقي.
وإن قال: أنت حر بعد موتي، وإن مات فلان فأنت حر توجه 41 له العتق بأحد الوجهين من رأس المال إن مات فلان 42 قبل، وسواء كان السيد صحيحًا أو مريضًا، وإن مات السيد قبل كان من الثلث، وإن لم يحمله رق الفاضل عن الثلث، وإن قال: أنت حر بعد موت فلان، وإن مت أنا، فأنت حر، توجه له العتق بالشرطين جميعًا، فإن مات فلان كان حرًا من رأس المال، وإن مات

الجزء: 8 - الصفحة: 3910

السيد قبل ولم يحمله الثلث، عجل 43 منه عتق ما حمل الثلث، وكان الباقي عتيقًا إذا مات فلان.
واختلف فيما يجعل في الثلث، فقيل: الرقبة لما كان لفظًا واحدًا، وقيل: الخدمة؛ لأنه باللفظ الأول معتق إلى أجل لا يملك منه شيئًا سوى الخدمة، وإن قال: أنت حر بعد موتي إلا أن يموت فلان، فأنت حر كان كقوله: وإن مات فلان فأنت حر.
واختلف إذا قال: أنت حر إذا مات فلان إلا أن أموت أنا فأنت حر، فقيل: هو كالذي قال: إن مت أنا فأنت حر، وقيل: إن مات السيد أولًا ولم يحمله الثلث كان الباقي رقيقًا 44، والأول أبين، وليس قصده بقوله: إلا أن أموت أنا 45، الرجوع عن الأول.
وإن قال: أنت حر لآخرنا موتًا، كان كالذي قال: بعد موتي وموت فلان، وإن قال: لأولنا موتًا كان معتقًا بأحد الوصفين، فإن مات فلان قبل كان من رأس المال، وإن مات السيد قبل 46 كان من الثلث ورق 47 منه ما عجز عن الثلث.

الجزء: 8 - الصفحة: 3911

فصل [في العبد يكون بين رجلين تعلق حريته لأولاهما موتًا أو لآخرهما]

وإذا كان عبد بين رجلين، فقالا 48: هو حر لأولنا موتًا في كتاب واحد أو عقد واحد بغير كتاب، فمات أحدهما كان نصيب الحي حرًّا من رأس المال، ونصيب الميت حرًّا من ثلثه، فإن عجز نصيبه عن ثلثه لم يقوم 49 الذي عجز عن الحي، فإن قالا: هو حر لآخرنا موتًا، فمات أحدهما كان نصيبه في ثلثه، فإن حمله الثلث خدم ورثته حياة الحي منهما 50، وإن لم يحمله ثلثه خير الورثة بين أن يجيزوا أو تكون لهم 51 خدمة ذلك النصيب حياة الحي ويعتق 52 ما حمل الثلث منه معجلًا، ولا 53 يقوم ما رق منه على الآخر، فإن مات الآخر كان نصيبه في ثلثه وعجل عتقه إن حمله الثلث أو ما حمل الثلث منه، فإن جعلا ذلك في عقدين فقال أحدهما: أنت حر لأولنا موتًا ثم قال الآخر مثله، فإن مات القائل أولًا أعتق نصيب الحي من رأس المال، ونصيب الميت من الثلث، فإن 54 عجز عنه لم يقوم على الثاني؛ لأنه لم يبتدئ عتقًا 55، ولو كان على الأول دين يرق نصيبه قوم على الثاني، ويصير بمنزلة من لم يعتق سواه، وإن مات القائل أولًا

الجزء: 8 - الصفحة: 3912

أو أخيرًا 56 أعتق نصيب الحي من رأس المال، ونصيب الميت من ثلثه 57، فما عجز عن ثلثه قوم على الحي؛ لأنه المبتدئ بالعتق، وإن قالا 58: أنت حر لآخرنا موتًا في عقدين، ثم مات القائل أولًا وحمل الثلث نصيبه خدم ورثته حياة الحي منهما 59، فإن مات كان حرًّا، وإن لم يحمله الثلث لم يستتم 60 على الحي، فإن مات القائل 61 أخيرًا، وإن لم 62 يحمله الثلث ولم يجز ورثته، عجل عتق ما حمل الثلث منه 63 واستكمل الباقي على الحي؛ لأنه المبتدئ بالعتق، وإن قال أحدهما: أنت حر لأولنا موتًا، ثم قال الآخر: أنت حر لآخرنا موتًا، فإن مات الأول أعتق نصيبه في ثلثه بتلا، فإن عجز منه شيء عن ثلثه رق لورثته، ولم يقوم على الآخر، وإن مات أولًا 64 القائل: أنت حر لآخرنا موتًا كان نصيب الحي حرًّا من رأس المال، ونصيب الميت عتيقًا من ثلثه، فإن حمله الثلث خدم ورثته حتى يموت الآخر، وإن لم يحمله الثلث ولم يجز ورثته، عجل عتق ما حمل الثلث منه، وهذا إذا كان الأول فقيرًا، وإن كان موسرًا استكمل على الأول، ويصير بمنزلة من أعتق نصيبه بتلا، ثم أعتق الآخر إلى موت فلان، فإنه يخير الثاني بين أن يبتل العتق أو يقوم على الأول.

الجزء: 8 - الصفحة: 3913

فصل [فيما يعتق من العبد إذا قال له سيده: اخدمْ فلانًا حياتي وأنت حرٌّ]

واختلف إذا قال: اخدم فلانًا حياتي وأنت حر، فقال ابن القاسم: يعتق من الثلث؛ لأنه عتق لا يوجبه إلا الموت، وقال أشهب: هو حر 65 من رأس المال 66؛ لأنَّ السيدَ ليس له انتفاع فيه لما كانت خدمته لغيره 67. وإن قال: اخدم فلانًا حياتي، فإن مات فأنت حر، كان عتيقًا من رأس المال؛ لأن عتقه 68 معلق بحياة فلان، ليس بحياة سيده، فإن مات فلان أولًا كان عتيقًا وسقطت الخدمة، وإن مات السيد أولًا سقط حق فلان في الخدمة وعاد في خدمة ورثة سيده حتى يموت فلان.
وإن قال: اخدم فلانًا حياته وإن مت أنا فأنت حر، كان عتيقًا من الثلث 69، فإن مات السيد أولًا أعتق وسقط حق فلان من الخدمة، فإن مات فلان أولًا عاد في خدمة سيده حتى يموت فيعتق من ثلثه.
وإن قال: اخدم عبد الله حياة محمد، فإن مات سعيد فأنت حر، فمات عبد الله أولًا خدم ورثته حتى يموت محمد، فإن مات محمد بعد ذلك عاد في خدمة

الجزء: 8 - الصفحة: 3914

سيده 70 حتى يموت سعيد، وإن مات محمد أولًا سقط حق عبد الله في الخدمة، وعاد إلى سيده حتى يموت 71 سعيد، وإن مات سعيد أولهم كان حرًّا وسقط حقُّ عبد الله وغيره في الخدمة.

الجزء: 8 - الصفحة: 3915

باب الحكم في تبدية المدبرين (1) إذا ضاق الثلث أو كان على السيد دين وله (2) مال غائب، وهل يقوم بماله (3) أو يباع به؟

ومن مات عن مدبرين وكان تدبيرهم مفترقًا وكلهم في الصحة أو في المرض أو بعضهم في الصحة 75 وبعضهم في المرض- بدئ بالعتق الأول فالأول 76، وإن كان عليه دين بيع الآخر فالآخر 77، ثم يرجع بعد قضاء الدين في العتق الأول فالأول 78. وإن كان التدبير في كلمة واحدة أو نسقًا كان العتق بالحصص، وإن كان عليه دين كان البيع بالحصص أيضًا، ثم العتق بعد قضاء الدين بالحصص 79 80. وقال ابن نافع في كتاب المدنيين فيمن قال: رقيقي مدبرون ولا مال له 81 غيرهم، قال: يقرع بينهم، فمن خرج سهمه عتق ورق الآخرون 82، وهذا هو727374

الجزء: 8 - الصفحة: 3916

الصواب قياسًا على العتق في الوصايا إذا لم يحملهم الثلث؛ لأن كل ذلك عتق بعد الموت وبعد أن صار الورثة شركاء في أولئك العبيد.

فصل [فيما إذا ضاق الثلث وكان للسيد دين على حاضر مؤجل، أو غائب قريب الغيبة حال]

وإذا ضاق الثلث وكان للسيد دين على حاضر مؤجل، بيع بالنقد، وإن كان على غائب قريب الغيبة، وهو حال استؤني بالعتق حتى يقبض الدين، وإن كان بعيد الغيبة أو على حاضر معدم بيع المدبر للغرماء الآن، فإن قدم 83 بعد ذلك الغائب أو أيسر المعدم والعبد بيد الورثة أعتق في ثلث ذلك بعد قضاء ذلك الدين 84. واختلف إذا خرج عن أيديهم ببيع 85، فقال ابن القاسم في العتبية: يكون ما يعوض 86 للورثة ولا شيء للمدبر فيه 87. وقال عيسى بن دينار وأصبغ: يعتق من حيث كان 88، وهو ظاهر المدونة 89 90، والأول أقيس والمعتق بعد

الجزء: 8 - الصفحة: 3917

موت سيده بمنزلة من أعتق وعليه دين، وله مال غائب 91 بعيد الغيبة، فإن 92: من حق الغرماء رد العتق، فإن بيع لم ينقض البيع إن أتى ذلك المال، وإن طرأ للسيد مال لم يعلم به نقض البيع إذا كان في البلد أو قريب الغيبة، ويختلف فيه إذا كان بعيد الغيبة في موضع لو علم به لبيع ولم ينتظر ذلك المال 93 حسب ما تقدم لو علم به.
واختلف إذا بيع المدبر بعد موت سيده وبيده مال، فقال ابن القاسم: يباع بماله.
وقال يحيى: يباع بغير مال 94، وهو 95 أصوب إذا كان لا يرجى للسيد مال، وإن كان يرجى له مال حياته 96 من موضع فعلى القول: إنه لا ينقض بيعه متى طرأ ذلك المال بيع بغير مال، وعلى القول: إنه ينقض البيع يباع 97 بماله.
وقال سحنون فيمن دبر أمة ثم ولدت أولادًا فأبقوا، ثم مات السيد وعليه دين يحيط برقبة الأمة ولا مال له غيرها، فإنها تباع للغرماء، ولا ينتظر الأولاد، فإن آبوا 98 بعد ذلك نظر إلى الدين، فإن كان يحيط بأثلاثهم، وثلث الأم بيع من كل واحد ثلثه، ويعتق ثلث ما بقي من الأم والولد، ويقال لمشتري الأم: أنت بالخيار إن شئت فرد، وإن أحببت 99 أن تمسك ما بقي رقيقًا 100.

الجزء: 8 - الصفحة: 3918

فصل [فيما إذا لم يحمل الثلث وكان بيد العبد مال]

واختلف إذا لم يحمل الثلث المدبر وكان بيد العبد مال، فإن انتزع منه وكثر به مال الميت حمله الثلث، فقال ابن القاسم: لا ينتزع منه ويعتق منه ما حمل الثلث على أن ذلك المال في يديه، وقال ربيعة والليث ويحيى بن سعيد وابن وهب: ينتزع المال ويعتق فيه 101، وقالوا: إن كانت قيمة العبد مائة دينار وفي يديه ثمانمائة دينار 102؛ كان للورثة ستمائة دينار 103، وأعتق المدبر وترك له 104 مائتا دينار 105. وعلى قول ابن القاسم: يعتق ثلثه ويقر المال في يديه.
وقال في كتاب محمد 106 فيمن دبر عبده في صحته، واستثنى 107 ماله، فذلك جائز، وقاله مالك، قال ابن القاسم: يستثنيه بعد الموت، ويقوم في ثلث سيده بغير مال، ويؤخذ ما في يديه فيحاسب 108 من مال سيده بمنزلة من قال: إذا مت فعبدي حر ومدبر 109 وخذوا ماله 110.

الجزء: 8 - الصفحة: 3919

فصل [إذا مات السيد عن مدبرته في يدها مال من تجارات وهبات وغلات وخراج وجبايات وصداق]

وإذا مات السيد عن مدبرته وفي يديها مال من تجارات وهبات وغلات وخراج وجبايات وصداق، كان ما كان من تجارات وهبات 111 لها تقوم به إن حملها الثلث، ويختلف فيه 112 إذا لم يحملها الثلث حسب ما تقدم، وإن كانت غلات وخراجًا وجبايات كانت للورثة، وسواء حملها الثلث أم لا، ويكثر بها مال الميت 113 إذا لم يحملها الثلث فتعتق 114 فيه قولًا واحدًا 115. واختلف في مهرها، فقال ابن القاسم في المدونة: هو بمنزلة مالها 116. يريد.
117 أنها تقوم به، وقيل: ذلك للورثة؛ لأنه لا يخلو أن يكون ثمنًا لبعض منافعها فهو غلة أو ثمنًا 118 لبعض الرقبة، وأي ذلك كان 119 فهو للورثة، وليس بمنزلة مالها، ويصح قول ابن القاسم 120 على وجهين:

الجزء: 8 - الصفحة: 3920

أحدهما: أن يقول: يبقى 121 بيدها لحق الزوج في الاستمتاع فيما تشتري 122 به، أو يقول أنه في معنى الهبة؛ لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه وثيابه 123 شرعًا، وما اغتلت 124 في حياة السيد أو بعد موته أو جنى عليهما في حياة السيد أو بعد موته سواء ذلك للورثة، وإنما يعتبر ما يحمل المدبر من مال سيده يوم 125 ينظر فيه، ليس يوم مات 126 السيد، قال مالك: وإن تلف مال الميت 127 بعد موت السيد ولم يبق إلا المدبر لم يعتق إلا ثلثه 128. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو كان الثلث يوم مات السيد لا يحمله، فلم ينظر فيه حتى نما وزاد واغتل النخل غلات أو كانت رباعًا فأغلت غلات حتى صار الثلث يحمله، لأخرج جميعه فينتفع بالزيادة وينظر بالنقص، فكذلك إذا تغيرت قيمة المدبر وكان الثلث يحمله فلم ينظر في ذلك حتى زادت قيمته بحوالة أسواق أو زاد في نفسه لم يعتق منه إلا ما يحمل الثلث أو كان لا يحمله الثلث، ثم نقص سوقه أو نزل به عيب فصار يحمله الثلث لأعتق جميعه.
قال مالك: ولو كانت مدبرة فولدت بعد موت السيد وقبل أن ينظر في ثلثه، فإنها تقوم بولدها ولا يعتقان عنده إلا أن يحملهما الثلث جميعًا 129.

الجزء: 8 - الصفحة: 3921

ولو كان يوم مات السيد معها 130 ولد ولا يحملها الثلث، فلم ينظر في ذلك حتى مات الولد أو الأم، فحمل الثلث الباقي منهما أنه يعتق جميعه.
ولو كان الورثة بعد موت السيد حازوا المالَ 131 لأنفسهم على وجه التصرف فيه، والثلث يحمل العبد ثم هلك المال لكانت مصيبته منهم 132، وعتق جميع العبد بخلاف لو 133 كان موقوفًا حتى تعتبر وصاياه، قال مالك 134: ولو ترك أموالًا مأمونة لكان المدبر حرًّا بموت السيد قبل أن ينظر في أمره وقبل التقويم، فإن هلك بعد ذلك تلك الأموال المأمونة بعد عتقه لم يرد 135.

الجزء: 8 - الصفحة: 3922

باب في العبد بين (1) الشريكين يدبر أحدهما نصيبه بإذن شريكة أو بغير إذنه، وهو موسر أو معسر، أو يدبرانه جميعًا أو يدبر أحدهما ويعتق الآخر

137 وقال مالك في عبدٍ بين 138 شريكين دبر أحدهما نصيبه أن الشريك بالخيار بين أن يدبر نصيبه أو يقومه على شريكة و 139 يدبر جميعه كالعتق 140، وقال أيضًا: الشريك بالخيار بين أن يدبر نصيبه أو يتمسك به رقيقًا أو يقومه، فيدبر على الشريك 141، ولم يجعل في هذين الوجهين مقاومة 142، ورأى أن الولاء قد ثبت والمقاومة تؤدي إلى نقض التدبير فأثبت المقاواة مرة وجعل الشريك بالخيار بين ثلاثة أوجه 143، بين أن يدبر نصيبه أو يقومه أو يقاوي شريكة، وليس له أن يتمسك بنصيبه رقيقًا.
وقال أيضًا في باب آخر 144: هو بالخيار بين أن يدبر أو 145 يتمسك بنصيبه136

الجزء: 8 - الصفحة: 3923

أو يقومه أو يقاوي شريكة 146، والقول بالمقاواة جنوح لقول من أجاز بيع المدبر في الحياة، وقياد قوله في منع البيع أن يمنع المقاواة، ولا أرى أن يجبر الشريك على التدبير ولا على التقويم؛ لأن الحديث إنما جاء فيمن أعتق عبدًا 147 بتلًا، والإجبار على التقويم يؤدي إلى الضرر بالشريك، فقد تكون الشركة في جارية فيرغب فيها أحد الشريكين فيدبر نصيبه ويجبر الآخر على التقويم إذا كره التدبير، ويصير جميعها له ويصيبها 148 أو يكون العبد الفاره التاجر فيرغب فيه أحدهما فيدبر نصيبه 149 ويقوم عليه فيصير له يستبد بجميعه، ويختلف إذا دبر أحدهما بإذن شريكة، فقال مالك في المدونة: لا بأس بذلك 150، ويكون نصف العبد مدبرًا ونصفه رقيقًا، وليس له أن يقوم عليه 151؛ لأن عيب التدبير كان بإذن شريكة، وهذا أحد القولين 152 أن التقويم من حق الشريك 153، وعلى القول أن ذلك حق لله سبحانه يجبر على التقويم في العتق.
ويفترق الجواب في صفة التقويم، فإن كان بغير إذن الشريك قوم هذا نصيبه على أنه لا تدبير فيه، وإن كان بإذنه قوم على أن نصفه مدبر؛ لأنَّ دخول ذلك العيب كان بإذن الشريك.

الجزء: 8 - الصفحة: 3924

ويفترق الجواب أيضًا إذا لم يقوم نصيبه (1) وتمسك به أو دبرها، فإن كان التدبير الأول بغير إذن الشريك تبعه الآخر بعيب التدبير، وإن كان بإذنه لم يتبعه بشيء.

فصل [فيما إذا دبر أحد الشريكين وهو معسر هل يمضي تدبيره؟]

واختلف إذا دبر أحد الشريكين وهو معسر: هل يمضي تدبيره؟ واختلف بعد القول إنه يمضي: هل للشريك أن يقوم عليه 155؟ واختلف إذا كان له أن يقوم: هل يقوم للتدبير أو للبيع؟ وإذا كان له أن يقوم 156 للبيع هل يباع ذلك النصيب الذي يقوم خاصة، ويتبعه في الذمة بما عجز من القيمة إن لم يوف الثمن بما قوم عليه 157، أو يباع بما يوفي بالقيمة من النصيب 158 المدبر.
وقال سحنون في المستخرجة: اختلف أصحابنا من أهل الحجاز إذا دبر أحد الشريكين وهو معسر، قال: والذي آخذ به أن تدبيره ليس بشيء إذا لم يرض شريكة؛ لأن تدبيره عيب أدخله على صاحبه 159. وقال ابن القاسم: يمضي على حالة، ولا مقاواة فيه، وأنزله بمنزلة عتق أحد الشريكين وهو معسر، وقال أيضًا: الشريك بالخيار، فإن رضي أن يقاويه154

الجزء: 8 - الصفحة: 3925

على أنه إن وقع على الذي دبر كان مدبرًا كله، واتبعه (1) بذلك دينًا أو يتمسك بنصيبه، قال: ولو قاواه وهو يظن أن له مالًا ثم علم أنه لا مال له، فسخت المقاواة له (2) حتى يقاويه (3) على (4) رضا باتباعه، قال أصبغ: لا يعجبني ذلك، وإذا وقعت المقاواة لزمت وبيع عليه منه، وكان ما بقي مدبرًا بمنزلة من دبر، وعليه دين فيباع منه كله بقدر الدين، قال: وهذا هو القياس، وأما الاستحسان فلا يباع إلا بقدر ما حبس عن مبلغ المقاواة، ويتبع بالباقي دينًا (5). قال الشيخ - رضي الله عنه -: أرى أن ينظر إلى التدبير، فإن لم ينقص من ثمن نصيب (6) الشريك قبل التدبير لم يقوم على المدبر، وإن نقص نقصًا يسيرًا اتبعه به في الذمة ولم يبع عنه من نصيب المدبر شيئًا؛ لأن التدبير سبق العيب، والتدبير أوجبه، وإن كان العيب كثيرًا قوم الشريك نصيبه للبيع، وإن لم يوف اتبع بالباقي في الذمة؛ لأن العيب حدث من بعد العتق.

فصل [فيما إذا دبر أحد الشريكين ثم أعتق الثاني]

واختلف قول مالك إذا دبر أحد الشريكين ثم أعتق الثاني، فقال في المدونة: تقوّم حصة المدبر على المعتق 166. وقال في كتاب محمد: لا يقوّم، ولا160161162163164165

الجزء: 8 - الصفحة: 3926

يغير التدبير عن موضعه، ثم رجع إلى أنه يقوم 167. وعلى قوله هذا- يسقط عن الأول عيب التدبير؛ لأن التدبير قد سقط، ويقوم على المعتق على أنه لا تدبير فيه ولا عتق، وعلى قوله: إنه لا يقوم، فيرجع المعتق على المدبر بعيب التدبير.
وألا يقوم أحسن إذا كان ذلك من المدبر على وجه الإيجاب.
وإذا كان عبدًا بين ثلاثة نفر فأعتق أحدهم وهو موسر، ثم دبر الثاني- قُوِّمَ على المعتق نصيب شريكة، وإن كان المعتق معسرًا مضى العتق في نصيب المعتق، والتدبير في نصيب الآخر، ورق نصيب الثالث، وهذا قول ابن القاسم 168. وعلى قول ابن نافع يقوم الثالث نصيبه على المدبر إن شاء.
وإن تقدم التدبير ثم العتق والمعتق موسر- كانت في المسألة ثلاثة أقوال، فعلى قول مالك في المدونة يقوم المدبر والمتمسك بالرق جميعًا على المعتق 169. وعلى قوله الآخر لا يقوم المدبر، ولا ينتقل الولاء، ويقوم المتمسك بالرق على المدبر 170؛ لأنه الذي ابتدأ الفساد، ولا يقوّم على المعتق، وعلى قول ابن نافع يقوم على المعتق، وإن كان المعتق معسرًا قوّم الثالث على المدبر أو يقاويه، وهو قول ابن القاسم 171.

الجزء: 8 - الصفحة: 3927

فصل [في الشريكين يدبران نصيبهما]

واختلف في الشريكين يدبران نصيبهما، فأجازه مالك مرة، وكرهه أخرى 172؛ لأنه يؤدي إلى العتق من غير استكمال متى مات أحدهما، ولم يحمل ثلثه 173 نصيبه.
فإن نزل مضى، وإن دبّرا في عقدين فمات أحدهما- أعتق نصيبه من ثلثه، أو ما حمل الثلث منه، وكان الباقي رقيقًا لورثته، ولا 174 يقوم نصيب الحي على الميت وإن حمله الثلث، ولا على الحي، ما عجز عن ثلث الميت، وسواء كان الحي المدبر أولًا أو آخرًا، وهذا على ظاهر قوله في المدونة 175، ويختلف في هذين الموضعين، فإن مات المدبر الأول وثلثه يحمل جميع العبد- لم يقوم عليه نصيب الحي على قوله في المدونة 176، وقوم على ما ذكره ابن الجلاب عنه فيمن وصى بعتق بعض عبد- أنه يقوّم عليه 177. وإن حمل ثلث الميت نصف نصيبه كان لورثته أن يقوّموا ما رق منه على قول ابن نافع فيمن أعتق نصيبًا من عبد، ثم أعتق الثاني بعض نصيبه- أنه يستكمل على الثاني 178، وإن كان على الميت دين يغترق نصيبه - قوم ذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 3928

النصيب على الحي على أحد قولي مالك في التدبير أنه كالعتق، وأنه يستكمل بالحكم.
وإن لم يرض المتمسك بالرق 179 بالتدبير، وإذا رد تدبير أحد الشريكين بدينه- قوم على الثاني، وإن كان تدبيره أخيرًا 180.

الجزء: 8 - الصفحة: 3929

باب في رهن المدبر وبيعه

قال مالك: للسيد أن يرهن مدبره (1) (2)؛ لأن ذلك لا ينقص عتقه، فإن مات السيد ولا مال له غيره بيع للمرتهن دون الغرماء؛ لأنه حازه دون غيره (3)، ومنع أشهب رهنه (4). يريد: إذا كان في أصل البيع، فإن كان بعد عقد البيع أو في قرض في أصل العقد أو بعده، جاز؛ لأن الغرر في ذلك جائز، ولم يجز إذا كان في أصل عقد البيع على أحد القولين؛ لأن البائع (5) لا يدري متى يقبض دينه عند حلول أجل دينه (6) أو بعد موت المشتري؟

فصل [في بيع المدبر في حياة سيده]

وإذا بيع المدبر في حياة سيده رد بيعه إذا كان قائمًا قولًا واحدًا 187. واختلف إذا فات بعيب أو بموت أو عتق أو 188 كانت أمة فحملت من181182183184185186

الجزء: 8 - الصفحة: 3930

المشتري فرأى مالك مرة أن البيع لا ينعقد، وأن الولاء قد ثبت للبائع، وما حدث من عيب أو موت فهو من البائع، ويرد العتق، وكذلك إن ولدت ترد 189 إلى البائع ويرجع المشتري بجميع الثمن 190 191. واختلف هل يكون على المشتري قيمة الولد إذا غرّه ولم يعلمه أنها مدبرة؟ وألا 192 شيء عليه أحسن؛ لأنه أوطأه إياها 193. ورأى مرة أنه في ضمان مشتريه وأن البيع منعقد حتى ينقضي، فإن حدث به العيب رده وما نقصه العيب 194، وإن مات كان من مشتريه، ولا يرد عتقه ولا إيلاده، والولاء للمشتري 195، قال مالك في كتاب محمد: ولا حجة للمشتري على البائع علم المشترى أنه مدبر أو لم يعلم 196. قال 197: ولقد أجاز ناس بيع المدبر في الدين في حياة سيده- أهل مكة وغيرهم 198، والأول هو قياد قوله في منع البيع، والقول الآخر في ضمان

الجزء: 8 - الصفحة: 3931

المشتري، وفوته بالموت والعتق فمراعاة لقول من أجاز بيعه، فهو يرده إذا كان قائمًا على أصله في المنع، فإن فات مضى على القول الآخر.
واختلف بعد القول أنه إذا فات من المشتري فيما يصنع البائع بالثمن، فقال في المدونة: إذا فات بموت كان له من الثمن ما يرى أنه كان 199 يباع به على رجاء العتق وخوف الرق 200. يريد: رجاء العتق إن حمله الثلث، وخوف الرق إن كان عليه دين، وما فضل جعله في رقبة يدبرها أو يعين به في رقبته إن لم يبلغ رقبة كاملة، وإن كان فوته بعتق أو إيلاد أو قتل كان له جميع الثمن يصنع به ما شاء.
وقال سحنون في العتبية: إذا فات بموت جعل ما بين القيمتين في عبد من غير قضاء 201، وقال في موضع آخر: يرد ذلك الفضل على المشتري 202. وقال أشهب في الدمياطية: يجعل الثمن كله في رقبة، وظاهر قوله أن ذلك بغير قضاء.
وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: إذا فات بعتق جعل الثمن في مثله.
وقاله ابن وهب في كتاب ابن شعبان، وكل هذا الاضطراب مراعاة للاختلاف في جواز بيعه ابتداء.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: 203 والصواب أحد أمرين، فإما أن يقال: إن

الجزء: 8 - الصفحة: 3932

الولاء قد ثبت، وإن البيع ممنوع، على مثل الحكم في أم الولد إذا بيعت أو يقال: إن الولاء لم يثبت فيمضي في جميع هذه الوجوه بالثمن، ثم يكون للبائع أن يصنع بالثمن ما أحب.

فصل [فيما إذا لم ينقض البيع حتى مات السيد]

وإذا لم ينقض البيع حتى مات السيد، فإن كان الثلث يحمله نقض، وعتق على الميت، وإن كان عليه دين برقبة مضى البيع فيه، وإن لم يكن له مال سواه أعتق ثلثه، ورق ثلثاه للمشتري، ومضى البيع فيه 204، قال محمد: وللمشتري أيضًا 205 أن يرده إن شاء بعيب الحرية، إلا أن يكون المشتري عالمًا بالتدبير، فيلزمه شراء ما رق منه بحسابه من الثمن، وليس قوله هذا بالبين؛ لأنَّ المشتري إنما اشترى جملته، وهو يرى أنَّ ذلك جائزٌ، فإنه يمضي 206 له، ولا يرد شراؤه، ولو دخل على أن البيع ينقض فيه إن حمله 207 الثلث أو ينقص 208 ثلثه، ويعتق 209 إن لم يكن له مال سواه أو يرد 210 جميعه إن كان عليه دين لكان البيع فاسدًا ولو أعتقه المشتري ثم لم ينقض العتق ولا 211 البيع على أحد قولي مالك

الجزء: 8 - الصفحة: 3933

أن العتق مردود حتى مات البائع 212، فإنك تنظر 213، فإن حمله الثلث أعتق على البائع، وإن كان عليه دين مضى عتق المشتري ولم يكن له مال سواه 214 أعتق ثلثه على البائع، ومضى عتق المشتري في ثلثه 215، ورجع بعيب عتق الثلث، وإن دبره المشتري رد تدبيره، ورد البيع، وكان تدبيره 216 الأول أولى، فإن لم يرد حتى مات البائع، وعليه دين يستغرقه مضى تدبير 217 الثاني، وإن كان لا دين عليه ولا مال له 218 سواه أعتق ثلثه من البائع، ومضى تدبير الثاني في ثلثيه، وإن مات المشتري في حياة البائع، وثلثه يحمله أعتق على المشتري على أحد قولي مالك، وإن لم يخلف مالًا سواه عتق ثلثه 219 ورد البيع في ثلثيه، ولم يرجع 220 البائع بعيب العتق؛ لأنَّ البيع وجب بعد العتق، والمعتق فقير؛ لأن الثلثين للورثة بحقِّ الشركة.

الجزء: 8 - الصفحة: 3934

فصل [فيما إذا كاتبه، ولم ينظر في ذلك حتى مات البائع، والثلث يحمله]

وإن كاتبه ولم ينظر في ذلك حتى مات البائع، والثلث يحمله -أعتق عليه، وردت الكتابة، وإن كان عليه دين يرقه- مضى البيع والكتابة، وإن لم يخلف مالًا سواه أعتق ثلثه على البائع، ومضت الكتابة من المشتري في ثلثيه، ولو لم يمت السيد ولم ينظر فيه حتى أدى الكتابة وأعتق مضى عتقه على أحد قولي مالك، وإن لم ينظر فيه حتى عجز- رد البيع، وإن ولدت من المشتري فلم يرد البيع حتى مات البائع، والثلث يحملها- أعتقت على البائع، وإن كان عليه دين يرقها 221 - مضت أم ولد للمشتري، وإن لم يخلف مالًا سِوَاهَا- أعتق ثلثها، ومضى ثلثاها للمشتري 222 على حكم أم الولد.
ويختلف هل يعتق ذلك 223 الثلثان؛ لأن الشرك حرم وطأها عليه، وقال محمد فيمن اشترى مدبرًا أو مكاتبًا بشرط أن يعتقه: رُدَّ البيع ما لم يعتقه المشتري، فإنه ينفذ عتقه، والولاء للبائع 224. والقياس: أن يكون الولاء للمشتري؛ لأن المشتري إنما دخل على أن يعتقه بالشراء على ملكه، فإما أن يمضي على ذلك ويكون له الولاء، أو يرد العتق والبيع، وكذلك قال في أم الولد تباع على أن يعتقها المشتري ففعل، فإن عتقها يمضي ويرد البائع جميع الثمن والولاء له.

الجزء: 8 - الصفحة: 3935

فصل [في مدبر وهبه سيده وحازه الموهوب له ثم مات السيد ولا مال له سواه]

قال ابن القاسم في كتاب محمد في مدبر وهبه سيده، وحازه الموهوب له 225، ثم مات السيد ولا مال له سواه: فإنه يعتق ثلثه، ويرق ثلثاه للموهوب له 226. قال محمد: ولو كان على السيد دين استحدثه بعد الهبة، لكان المدبر للموهوب له، أو ما رقَّ منه، ولو كان الدين قبل الهبة، لكان أهل 227 الدين أحق به بعده، قال: وأما قول أشهب: فلو كان الدين القديم درهمًا واحدًا والمستحدث يغترق بقيَّته 228، لبيع كله 229، قال: ولو أخدمه عشر سنين 230، وحازه المخدم، ثم 231 مات السيد، فإن خرج من ثلثه أعتق بالتدبير وسقطت الخدمة، وإن لم يكن له مال سواه أعتق ثلثه ورق ثلثاه، وكان المخدم أولى بما رق منه إلى تمام الأجل، ثم يصير إلى الورثة، وإن كان على السيد دين يحيط به 232 سقط التدبير وكان المخدم أولى به إلى تمام الأجل 233، وإن كان الدين يرق 234

الجزء: 8 - الصفحة: 3936

بعضه كان ما يرق منه 235 الدين للمخدم هو أولى به مع ثلثي 236 ما يبقى 237 منه، فما رق منه للورثة فهو موقوف للمخدم إلى تمام الأجل، ولو لم يكن الدين إلا دينارًا واحدًا لم يبع منه شيئًا إلا بعد انقضاء الخدمة، فإن قُلتَ 238: إن المخدم يخدم ما يباع منه للدين 239 إلى تمام الخدمة ويعتق ثلثا ما بقي الساعة، رجع أهل الدين إلى ما أعتق أيضًا، فيقولون: كيف يعتق ولنا 240 دين ولو درهم، فيكون ذلك لهم، ويكون الدين أولى من العتق والخدمة التي حيزت أولى من الدين، وكل ما منع الدين عتقه فالخدمة التي قبل الدين أولى به إلى انقضائها، قال: ولو آجر مُدَبَّرَهُ سنة، وقبض أجرته، ثم مات بقرب ذلك 241، ولم يختلف إلا المدبر، فقال ابن القاسم: إذا كان ثمن الإجارة يحيط برقبة المدبر- لم يبع منه شيء حتى يتم عمل السنة كلها، فإذا انقضت- رق ثلثاه للورثة، وعتق ثلثه 242، وإن لم تحط الأجرة برقبته بِيعَ من جميع المدبر بثلث الإجارة، ويستخدم 243 المستأجر ثلثيه، فإن فضل 244 منه أكثر من ثلثي المدبر بعد الدين بِيعَ منه في ثلث الأجرة، وعتق ما فضل عن ثلثي الرقبة، ويخدم ثلثاه سنة، فإذا مضت السنة أعتق منه تمام

الجزء: 8 - الصفحة: 3937

الثلث فما بقي بعد الدين، ورق ثلثاه، ويرفع ثمن ما 245 بيع منه عن ثلث الأجرة إلى الذي استأجره، وينفسخ منه ثلث الخدمة 246. قال محمد: إذا كان ثمن الأجرة لا يحيط برقبته فأحب إليَّ 247 ألا يباع منه شيء، ولو كانت الأجرة دينارًا واحدًا، وكان ثمنه واسعًا حتى تتم السنة، فيخرج ثلثه كاملًا؛ لأن كل ما يجب فيه البيع من رقبته، فالمستأجر أولى به في أجرته من بيعه في الدين.
قال: وإنما أراد ابن القاسم أن يعجل 248 فيه العتق ولو بشيء، وهو حينئذ يرق بذلك أكثر رقبته 249. وقال ابن القاسم في المستخرجة: إذا كانت الأجرة تسعة دنانير، واستهلكها 250 السيد، وقيمة الرقبة ثلاثون دينارًا، ولا مال له غيره، قال: يقسم التسعة دنانير على قيمته، فيصير على الثلث من 251 المعتق ثلاثة دنانير، فيباع منه لها، ويعتق بقية الثلث وهو سبعة دنانير، ويكون ثلث 252 الخدمة للمستأجر، وثلثها بين العبد والذي اشترى منه بثلاثة دنانير، فإذا تمت السنة رجع إلى الورثة، فيقول: كملوا لي 253 ثلث الميت، فيخرج ثلثاه 254 وهو عشرون دينارًا،

الجزء: 8 - الصفحة: 3938

وما صار إلى العبد وهو سبعة دنانير 255، فجملة ذلك سبعة وعشرون دينارًا، فيعتق من ذلك الثلث وهو تسعة دنانير، فيزاد العبد دينارين، قال: ولو كان على 256 السيد دين لأجنبي خمسة دنانير، فإن هذه الخمسة دنانير 257 تضاف إلى الثلاثة التي 258 تنوب العتق؛ لأن ثلثي الورثة لا سبيل لأصحاب الدين عليه؛ لأن المستأجر أحق به، ودين الأجنبي أولى من عتق المدبر، فيباع من العبد بثمانية دنانير، فإذا انقضت السنة ودفع ثلثا العبد 259 للورثة- رجع عليهم، فيعتق منه تمام الثلث 260.

الجزء: 8 - الصفحة: 3939

باب في المدبر يكاتب والمكاتب يدبر، والمدبر يعتق إلى أجل والمعتق إلى أجل يدبر

وإذا كاتب السيد مدبره جاز، ويكون المدبر مكاتبًا، فإن أدى في حياة السيد كان حرًّا، وإن عجز بقي على حقه في التدبير، وإن لم يؤدِّ ولم يعجز حتى مات السيد- قام 261 بحقه في التدبير، فإن حمله الثلث على أنه لا كتابة فيه أعتق وسقطت الكتابة، وإن لم يخلف مالًا سواه- أعتق ثلثه بالتدبير، وبقي ثلثاه في الكتابة، وسقط من كل نجم ثلث، وسعى في الثلثين، وإن كان عليه دين يغترقه سقط التدبير وبقيت الكتابة، فبيع على أنه مكاتب لا تدبير فيه، وهذا إذا كانت قيمته مكاتبًا وغير 262 مكاتب سواء، أو كانت قيمته مكاتبًا أكثر 263. واختلف إذا كانت قيمته غير مكاتب أكثر، مثل أن تكون قيمتُه غير مكاتب مائةً، وقيمتُه مكاتبًا خمسين والدين خمسون 264، فقال ابن القاسم: 265 يبقى مكاتبًا، لإمكان أن يعجز بعد البيع فيسقط حقه فيما عقد له 266 من التدبير، ولا يعجز الآن، وهو يقول: أنا أسعى وأقدر على الأداء.
وقال عبد الملك: يعجز ويباع لهم 267. وهو أحسن؛ لأنه اجتمع فيه شيئان: تدبير وكتابة، وكل واحد منهما لو انفرد كان للغرماء أن يبيعوه في الدين، وإنما يمنع ذلك في الحياة،

الجزء: 8 - الصفحة: 3940

لأن المدبر لا يباع في الحياة، ولا تباع الكتابة؛ لأن ذلك يؤدي إلى بيع الرقبة وفيها 268 عقد تدبير، وإذا توجه البيع بعد الموت من الوجهين جميعًا- كان رد الكتابة وتبتيل عتق بعضها أحسن، ولا يعترض هذا بأن الغرماء دخلوا على ذلك؛ لأن المسألةَ ليست نازلة في عتق، وهي جارية فيمن عومل وهو موسر فذهب ماله، أولا يملك إلا المكاتب، وهم عالمون بمكاتبه، ولا يعلمون في ملكه، وكثير لا يعلمون الحكم في ذلك.
ولو كاتب عبدًا ثم دبره- كان الجواب على ما تقدم لو سبق التدبير الكتابة، فإن أدى الكتابة في حياة السيد أعتق، وسقط حكم التدبير وإن عجز بقي مدبرًا، ويفترقان إذا لم يكن أدى ولا عجز حتى مات السيد، فإنه إن تقدم التدبير كان في الثلث الرقبة خاصة، وإن تقدمت الكتابة كان في الثلث الأقل من الكتابة أو قيمة الرقبة، والفرق بينهما أنه إذا تقدم التدبير 269 ثم مات السيد - كان السيد على حقه في الكتابة؛ لأنه لم يسقطها ولم يجعل في الثلث، وكان قيامه من ناحية 270 التدبير خاصة، وإن تقدمت الكتابة كان قد أسقطها بالتدبير فلم يجعل في الثلث في التدبير، وإن فات، فإن كانت قيمته مكاتبًا أقل قال العبد: إنما يستحق، قبلي مالًا، وقد أسقطه بالتدبير، وسواء الذي يجعل في الثلث، فإن كان قيمة الوصية 271 أقل، قال: أنا أعجز نفسي إلى عتق العبد، فإذا عجز نفسه- كان الذي يملك الرقبة، وإن دبره ثم كاتبه ثم مات السيد وعليه دين يغترق نصفه، وكانت قيمته مدبرًا أو مكاتبًا سواء، أو كانت قيمته مكاتبًا

الجزء: 8 - الصفحة: 3941

أكثر- بيع منه بقدر الدين، ثم أعتق ثلث ما بقي، فقال 272: بكم يشترى، بكذا؟ 273 على أن الثلث الباقي حر.
وإن كاتب المكاتب 274 عبدًا آخر معه، فإن أدَّيا في حياة السيد عتقَا، وإن عجزَا بقي الآخر على حقه في التدبير، وإن لم يكن أدى 275 ولا عجز حتى مات السيد، والثلث يحمل المدبر- أعتق بالحق المتقدم على الكتابة، وسقطت حمالته عن صاحبه، وإن كان عليه دين يرقه 276 - سقط التدبير، ويبقيا 277 جميعًا بالكتابة، وإن لم يكن دين ولا مال له سواهما أعتق منه ما حمل الثلث، وسقط عنه من الكتابة ما حمل الثلث منه 278 وبقي مع صاحبه على السعاية، ولا تسقط الحمالة عن صاحبه.
وصفة التقويم أن ينظر إلى قيمة ما يعتق منه على أنه لا كتابة فيه وقيمته باقية مع الآخر على الكتابة لو بيعت بقيمة كتابته مع الآخر 279، ولو كاتب 280 عبدين، ثم دبر أحدهما، فمات السيد والثلث يحمله- كان الجواب على ما قال إذا أعتقه، فينظر من هو أقواهم على الأداء.

الجزء: 8 - الصفحة: 3942

فصل [فيما إذا دبر عبده ثم أعتقه إلى أجل، أو أعتقه إلى أجل ثم دبره]

وإن 281 دبر عبده ثم أعتقه إلى أجل، أو أعتقه إلى أجل ثم دبره، فإن انقضى الأجل في حياة السيد- أعتق من رأس المال، كان السيد صحيحًا أو مريضًا، وإن مات السيد قبل انقضاء الأجل 282 - أعتق من ثلثه إن حمله الثلث، وما عجز عن الثلث- خدم للورثة 283، ثم يعتق بانقضاء الأجل، ويفترق الجواب فيما يجعل في الثلث، فإن تقدم التدبير- كان في الثلث الرقبة، وإن تقدم العتق إلى أجل كان في الثلث الخدمة.

الجزء: 8 - الصفحة: 3943

باب في المدبرة بين الشريكين تحمل من أحدهما

قال مالك في المدونة: إذا دبر رجلان أمة، ثم حملت من أحدهما وهو موسر- قُوِّمَ نصيب المدبر على الواطئ، ويفسخ التدبير، قال: وإنما ينظر إلى الذي هو أوكد، فيُلْزِمُهُ السيد، وأم الولد آكد من التدبير 284 285. وقال غيره: فإن كان الواطئ معسرًا كان الشريك بالخيار بين أن يضمنه نصف قيمتها، وتكون له أم ولد، أو يتمسك 286 بنصيبه ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم يولد، فإن أفاد بعد ذلك مالًا لم تقوم الأم 287 عليه 288، وإن مات المدبر وعليه دين يغترق نصفه- لم يقوم ذلك النصيب على الواطئ، وإن اشتراه الواطئ ليسر 289 حدث لم يكن ذلك النصف على حكم أم الولد، وكان نصفًا رقيقًا ونصفًا 290 بحساب أم الولد، وحل له وطؤها 291، فإن كان للمدبر مال وحمل الثلث نصيبه- أعتق بالتدبير، وأعتق نصيب الواطئ، وكذلك إن حمل الثلث بعض نصيب الميت، فإنه يعتق نصيب الواطىء؛ لأن وطأها حرام، ولا يرجى أن تحل له بملك، وإن مات الواطئ في حياة المدبر كان نصيبه حرًّا من

الجزء: 8 - الصفحة: 3944

رأس المال، وبقي نصيب الآخر على التدبير حتى يعتق في ثلث سيده 292، ويختلف في هذه المسألة في ثلاثة أوجه: أحدها: في تقويم نصيب المدبر مع يسر الواطئ 293. فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يقوم نصف الولد وحده، ويمنع الواطئ منها، فإن مات المدبر وترك وفاءً- أعتق نصيبه، وإن لم يترك وفاء قومت على الواطئ، وكانت له أم ولد، وهذا هو أحد قوليه: أن الولاء قد ثبت بالتدبير، وأنه ينقض عتقه إن بيع وعتق.
وأما قوله إنها تكون له أم ولد فإنما يصح على أن القيمة تكون يوم حملت، وتسقط القيمة التي أخذت من الواطئ في الولد، وتعاد إليه أو يحاسب بها، فإن التزم 294 قيمتها بولد وجعل القيمة عليه اليوم، أو يوم ولدت لم تكن أم ولد.
والثاني: إن كان الواطئ معسرًا فإنه لا يخير المدبر على هذا القول، ولا ينقض التدبير، وإنما يرجع بنصف قيمة الولد.
والثالث: إذا لم يقوم على الواطئ لأجل العسر أو لأن في ذلك نقلًا للولاء على أحد قولي مالك، فإنه لا يعتق نصيبه الذي أولد عند أشهب، وله أن يتبعه 295 ولا يكون عنده بعض أم ولد.

الجزء: 8 - الصفحة: 3945

باب في المدبر يباع في المقاسم

وإذا كان في المقاسم مدبر لمسلم ولم يعلم سيده- لم تبع رقبته، وكانت خدمته لأهل الجيش، فإن افترقوا بيعت شيئًا بعد 296 شيء، فإن أتى سيده كان أحق به، وإن لم يعلم أنه مدبر حتى بيعت رقبته ثم جاء سيده- كان بالخيار بين أن يفتديه بالثمن، ويعود إليه على تدبير، أو يسلمه فيخدمه المشتري في الثمن 297. قال ابن القاسم: فإن استوفاه 298 وسيده حي رجع إليه، وإن لم يستوف حتى مات وثلثه يحمله كان عتيقًا، واتبع بالفاضل، وإن لم يحمله الثلث 299 قبض الباقي، واتبع العتيق بما ينوبه، وكان له من العبد 300 ما لم يحمله الثلث، ولا خيار في الفاضل للورثة، وقد اختلف في هذه الوجوه هل يبقى مدبرًا أو رقيقًا لمشتريه 301. واختلف بعد القول 302 أنه يبقى مدبرًا في رجوع فاضل الخدمة في حياة السيد إلى السيد، وفي اتباع العبد بعد الوفاة 303 والحرية بفاضل الثمن في تخيير

الجزء: 8 - الصفحة: 3946

الورثة فيما رق منه، والمشهور من المذهب أنه على تدبيره، وقال ابن القاسم في الدمياطية: يكون رقيقًا لمشتريه، وهو آخر قوله، وقال محمد بن المواز: للمشتري خدمته حياة السيد 304، وإن كثرت 305، وقال غير ابن القاسم في المدونة: لا يتبع العتيق بشيء 306. فأجرى ابن القاسم الجواب فيه 307 على الجناية.
وقد اختلف في العبد يجني جناية هي 308 أقل من قيمته وأسلم السيد خدمته، هل ذلك تسليم اقتضاء فيرجع إليه الفاضل، أو تسليم ملك فيكون للمجني عليه جميعها 309 وإن كثرت؟ وعلى القول أنه تسليم ملك- يكون للمشتري المدبر جميع خدمته كما قال محمد، وما يرق منه بعد موت سيده من غير خيار لورثته؛ لأن على السيد أن يسلم جميع ما يتعلق به فيه من حق، كما كان 310 يسلمه 311 لو لم يكن في عقد التدبير، وإن كان فيه فضل، وعلى قوله في العبد يجني أنه يباع ليكون الفضل لسيده 312، يسلمه ها هنا إسلام اقتضاء، ليأخذ ثمنه من 313 الخدمة، ويكون الفضل لسيده 314، فإن مات السيد قبل أن يستوفي- خير ورثته في الباقي، وعلى هذين القولين يكون الجواب في الغرماء

الجزء: 8 - الصفحة: 3947

بعد موت السيد، وعلى قوله أنه لا خيار للورثة، لا يكون للغرماء خيار 315 ولا مقال 316 إن كان فيه فضل، وعلى القول أنه إسلام 317 اقتضاء- يكون للغرماء أن يدفعوا له باقي 318 ثمنه، ويباع لهم.
والأول أحسن، وهو إذا بيع في المقاسم أقوى 319 منه إذا جنى؛ لأنه لو كان عبدًا لا تدبير فيه- لم يكن للسيد أن يقول 320: يباع له منه بقدر الثمن، وأخذ الباقي، وكذلك اتباعه بعد العتق الصحيح ألا بيع؛ لأن المستحق منه بعد التسليم 321 على وجهين: ملك وحرية، فما كان بملك فينتزع 322 إلا بعد دفع الثمن، وهي خدمة، وما كان بحرية فلا يتبع بشيء كما لو كان حرًّا بيع في المقاسم ثم علم أن المدبر ضامن 323 على أن يتبين 324 أنه مدبر، فلم يفعل، فبيع بعد الحرية 325 كالحر يقع في المقاسم فيغر من نفسه حتى يباع.
ولو اشترى المدبر من أرض الحرب ثم خرج به مشتريه وهو يرى أنه عبد ثم ثبت أنه مدبر، وأسلمه سيده ثم مات، وحمله الثلث لاتّبعَ بالباقي، بخلاف الأول؛ لأن لمن أخرج من أرض الحرب حرًّا أن يتبعه بما اشتراه به،

الجزء: 8 - الصفحة: 3948

ولو قدم حربب بمدبر، ثم أسلم عليه- لم ينتزع منه، وكان له منه 326 ما كان 327 لسيده فيه وهي الخدمة، فإن مات الذي دبره والثلث يحمله كان عتيقًا وولاؤه لمدبره 328، وإن لم يكن له مال 329 سواه عتق ثلثه، وكان ثلثاه رقيقًا للحربي، وإن كان على السيد دين يرقه كان جميعه 330 رقيقًا له.

الجزء: 8 - الصفحة: 3949

باب في مدبر النصراني يسلم ومدبر المرتد

مدبر النصراني يكون مسلمًا على ثلاثة أوجه: إما أن يسلم بعد التدبير، أو يسلم ثم يدبره، أو يشتريه مسلمًا فيدبره، وقد اختلف في هذه الوجوه الثلاثة، فاختلف إذا أسلم بعد التدبير، هل يبقى على تدبيره ويؤاجر إلى موت سيده، أو تباع رقبته؟ وإن أسلم ثم دبره لم يبع قولًا واحدًا.
واختلف هل يؤاجر إلى موت سيده 331 أو يعجل عتقه الآن، وإن اشتراه وهو مسلم، ثم دبره كان فيه ثلاثة أقوال، وكان الجواب كالأول: يمضي تدبيره 332 إلى موت سيده.
وقيل 333: يعجل عتقه.
وقيل 334: الشراء فيه كان غير منعقد، وكأنه دبر عبد غيره، 335 وقال مالك في المدونة: إذا دبره وهو نصراني ثم أسلم النصراني 336 المدبر، فإنه يؤاجر من مسلم إلى أن يموت سيده 337. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يتخرج فيها قول آخر: أنه يباع ويدفع ثمنه إلى النصراني؛ اعتبارًا بأم الولد إذا أسلمت؛ لأن خدمة أم الولد أقوى من خدمة التدبير 338.

الجزء: 8 - الصفحة: 3950

وهذا صواب، فيباع لأن العقد المتقدم 339 إنما كان من كافر 340، والعتق يتضمن وجهين، حق و 341 هبة من السيد إلى العبد، وهبة الكافر لا تلزمه، وحقًا لله، والكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، وهذا بخلاف العتق المبتل إذا حوزه لنفسه فإن الرجوع بعد الحوز من باب التظالم، ولهذا قال مالك مرة في أم ولد النصراني تسلم 342: أنها تباع 343. وقال في المبسوط في مكاتب النصراني يسلم: إن له أن يبيعه عبدًا لا كتابة فيه، والكتابة أبين كان أن يمضي إذا حوزه نفسه ليسعى فيها، وإن دبره بعد أن أسلم لم يرد تدبيره؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني.
واختلف في تعجيل العتق فرآه مالك مثل الأول: يؤاجر ولا يعتق الآن 344. وقال غيره: يعجل عتقه؛ لأن حكمَه إذا أسلم أن يباع، فلما منع ذلك التدبير أعتق عليه.
وكذلك إذا اشتراه وهو مسلم ثم دبره- لم يبع ولم يتعجل 345 عتقه على قول مالك.
وقال غيره: يعجل عتقه.
وقال ابن القاسم فيمن دبر عبده ثم ارتد ولحق بدار الحرب: إن ماله يوقف حتى يموت، ويعتق المدبر من ثلثه 346، وفي عتقه من ثلثه نظر؛ لأن جميع ماله صار فيه 347 للمسلمين ولا ثلث له.

الجزء: 8 - الصفحة: 3951

باب في العبد والمدبر، وأم الولد والمعتق إلى أجل والمكاتب يدبر عبده

348 قال ابن القاسم في العبد يدبر أمته بإذن سيده أنها معتقة إلى أجل من رأس المال، ولا يلحقها دين في ذلك 349، ولا يمسها السيد ولا العبد، وولاؤها للسيد إن أعتق العبد وجعل لها 350 الإذن في ذلك انتزاعًا 351. 352 قال سحنون: وإن وطئها العبد فحملت وقفت هي وولدها حتى يموت العبد فتعتق هي وولدها، قال: ولو وطئها السيد فحملت لحِقَ الولد بالأب ولا يقربها وتعتق لأولهما موتًا، العبد أو السيد، ولو قيل: يعجل عتقها حين حملت، لكان قولًا.
قال عيسى: بل تعتق الساعة 353. وكذلك مدبرة المدبر وأم الولد، والمعتق إلى أجل... قاله كالمعتقات إلى أجل 354، ويعتق بموت من دبرهن، قال: وليس لهؤلاء التدبير، إلا بإذن السيد والولاء للسيد 355 الأدنى.

الجزء: 8 - الصفحة: 3952

وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في مكاتب دبر أمته بإذن سيده فليس له وطؤها إلا أن يؤدي خوف أن يعجزه، فترجع هي إلى سيده معتقة إلى أجل 356.

الجزء: 8 - الصفحة: 3953

باب في العتق إلى أجل

357 قال ابن القاسم فيمن قال لعبده: أنت حر إذا مات فلان أنه معتق إلى أجل 358 من رأس المال 359، ومن قال لعبده: أنت حر إلى سنة أو خمس أو عشر -أعتق من رأس المال، وإن مات السيد قبل انقضاء الأجل- كان العبد حرًّا من رأس المال، وليس للورثة فيه إلا الخدمة إلى ذلك الأجل 360، وإن ضرب أجلًا بعيدًا لا يبلغه عمر العبد- كان عتقه باطلًا، وهو بمنزلة من قال: أنت حر بعد موتك 361 والأجل في ذلك يختلف، وليس الشاب كالكهل، ولا الكهل كالشيخ، فكان من ضرب له أجل يؤجل 362 حياته إليه لزم العتق، وإن كان لا يبلغه- جاز بيعه، وقال مالك في كتاب محمد فيمن أوصى عند موته جواريه 363 أن يحبسن تسعين سنة ثم يعتقن: ذلك جائز 364. قال: وينظر في ذلك الإمام، فإن رأى أن يبيعهن- باعهن، وإن رأى أن يعتقهن- أعتقهن، ولا تنفذ له وصية 365. وقال ابن القاسم: أحب إلي أن يبعن 366.

الجزء: 8 - الصفحة: 3954

قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقول ابن القاسم (1) في هذا أحسن، وليس إلا البيع؛ لأنه بمنزلة من قال: أنت حر بعد موتك.

فصل [في مدبر قتل سيده عمدًا]

وقال ابن القاسم في كتاب محمد في مدبر قتل سيده عمدًا: فلا يعتق في ثلث ولا في 368 دية، ويباع، ولا يتبع بشيء، وإن قتله خطأً أعتق في المال دون الدية، قال: وإن حمله الثلث اتبع بالدية، قال: 369 وإن خرج بعضه فعليه من الدية بقدر ما أعتق منه 370. تمَّ كتابُ التدبير من التبصرة، والحمدُ لله حقَّ حمده367

الجزء: 8 - الصفحة: 3955

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبر
باب في التدبير (2) والوصية وما يتعلق بذلكفصل [في تقييد التدبير وإطلاقه في الصحة والمرض]فصل [فيما إذا قال أنت: معتق عن دبر من أبي]فصل [في تعليق حرية العبد بموت السيد وآخر]فصل [في العبد يكون بين رجلين تعلق حريته لأولاهما موتًا أو لآخرهما]فصل [فيما يعتق من العبد إذا قال له سيده: اخدمْ فلانًا حياتي وأنت حرٌّ]باب الحكم في تبدية المدبرين (1) إذا ضاق الثلث أو كان على السيد دين وله (2) مال غائب، وهل يقوم بماله (3) أو يباع به؟فصل [فيما إذا ضاق الثلث وكان للسيد دين على حاضر مؤجل، أو غائب قريب الغيبة حال]فصل [فيما إذا لم يحمل الثلث وكان بيد العبد مال]فصل [إذا مات السيد عن مدبرته في يدها مال من تجارات وهبات وغلات وخراج وجبايات وصداق]باب في العبد بين (1) الشريكين يدبر أحدهما نصيبه بإذن شريكة أو بغير إذنه، وهو موسر أو معسر، أو يدبرانه جميعًا أو يدبر أحدهما ويعتق الآخرفصل [فيما إذا دبر أحد الشريكين وهو معسر هل يمضي تدبيره؟]فصل [فيما إذا دبر أحد الشريكين ثم أعتق الثاني]فصل [في الشريكين يدبران نصيبهما]باب في رهن المدبر وبيعهفصل [في بيع المدبر في حياة سيده]فصل [فيما إذا لم ينقض البيع حتى مات السيد]فصل [فيما إذا كاتبه، ولم ينظر في ذلك حتى مات البائع، والثلث يحمله]فصل [في مدبر وهبه سيده وحازه الموهوب له ثم مات السيد ولا مال له سواه]باب في المدبر يكاتب والمكاتب يدبر، والمدبر يعتق إلى أجل والمعتق إلى أجل يدبرفصل [فيما إذا دبر عبده ثم أعتقه إلى أجل، أو أعتقه إلى أجل ثم دبره]باب في المدبرة بين الشريكين تحمل من أحدهماباب في المدبر يباع في المقاسمباب في مدبر النصراني يسلم ومدبر المرتدباب في العبد والمدبر، وأم الولد والمعتق إلى أجل والمكاتب يدبر عبدهباب في العتق إلى أجلفصل [في مدبر قتل سيده عمدًا]
كتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل