كتاب التخيير والتمليك
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370)
الجزء: 6 - الصفحة: 2699
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب التخيير والتمليك
باب في التخيير والتمليك في الزوجات وما يمنع من ذلك
الأصلُ في تخيير الزوجة قول الله -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]، والتخيير على ثلاثة أوجه: يجوز في وجهين، ويمنع في ثالث، فيجوز إذا كان الطلاق إلى الزوج يقول: إن اخترت أن أطلقك طلقتك، أو يقول: اختاري تطليقة، ويمنع أن يجعل لها أن تطلق بالثلاث؛ لأنَّ طلاق الثلاث في مرة ممنوع على أن يوقعه الزوج أو يوكل من يوقعه، الزوجة أو غيرها، فإن فعل انتزع ذلك الحاكم من يدها إلا أن تسبق بالقضاء بالثلاث فيمضي فلا يعزض هذا بالآية في التخيير لوجوه أربعة:
أحدها: أن مضمون الآية أنه هو المطلق لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28] فهو المسرح بالطلاق.
والثاني: أنه لو سُلِّم 1 أن المراد بالآية أن الزوجة هي المطلقة والمسرحة
الجزء: 6 - الصفحة: 2701
لجاز؛ لأن ذلك يقتصي طلقة، ولو قال: سرِّحي نفسك لم يكن لها أن تقضي إلا بطلقة.
والثالث: أنه لو كان تخييره في الثلاث 2 لكان حكمه في ذلك يخالف 3 حكمنا؛ لأن الوجه الذي يمنع من أجله طلاق الثلاث هو ما يدرك الزوج من الندم، ومثل ذلك يؤمن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن التخيير كان من الله سبحانه لا يدركه ندم فيما فعله بوحي.
والرابع: أنه لو سلم أنه يلحقه ما يلحق غيره لم يستردها بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: "لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجِلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ" لأنها لو اختارت أن يطلقها لامتثل ذلك النبي 4 - صلى الله عليه وسلم - لأمر الله -عز وجل- له به، وما روي أن إحدى نسائه اختارت فكانت البتة فغير صحيح، والذي في البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ" قالت 5: "ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ" 6.
الجزء: 6 - الصفحة: 2702
فصل [فيمن قال لامرأته بعد الدخول: اختاري نفسك]
وقال مالك: فيمن قال لامرأته وقد دخل بها: اختاري نفسك فقالت: قد اخترتُ نفسي: إنها ثلاث ولا يقبل قول واحد من الزوجين أنه أراد واحدة، وإن قالت: قبلت أمري، سُئلت: ما أرادت بذلك؟ فإن قالت: قبلت ما جعل إليَّ، قيل لها: فطلقي إن شئت أو ردي، وإن قالت: أردت ثلاثًا لم يكن للزوج أن يناكرها، وإن قالت: أردت واحدة، لم يلزم ذلك الزوج ويسقط ما بيدها، وإن قال: أمرك بيدك، فقضت بالثلاث كان له أن يناكرها، وإن قضت بواحدةٍ لزمته ولم يكن له أن يناكرها 7.
وقد اختلف في التخيير في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا قالت: اخترت نفسي، هل له أن يناكرها؟
والثاني: إذا قضت بطلقة 8 هل يلزمه الثلاث؟
والثالث: إذا لم يصح قضاؤها بطلقة هل لها أن تعود فتقضي بالثلاث؟
فقال ابن الجهم: للزوج أن يناكرها في الثلاث وتكون طلقة بائنة.
وقال ابن سحنون في كتاب الأصول: سمعت سحنون يقول: لا فرق عندي بين التخيير والتمليك، له أن يناكرها فيهما جميعًا.
يريد: وتكون طلقة رجعية كالتمليك، قال: وأكثر أصحابنا يقولون: الطلقة بائنة.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: التخيير والتمليك سواء، له أن يناكرها.
الجزء: 6 - الصفحة: 2703
وحكى ابن خوازمنداد عن مالك أن محمله في الخيار على طلقة بائنة مثل ما ذكر ابن سحنون عن أكثر أصحابه.
قال الشيخ -رحمه الله-: التخيير والتمليك سواء إلا أنه متعلق بما بعده، وقوله: خيرتك في نفسك أو ملكتك نفسك سواء، بخلاف قوله: خيرتك في أمرك أو 9 ملكتك أمرك، فإن قال: خيرتك في نفسك أو اختاري أو ملكتك نفسك، كان لها أن تبين بنفسها إن شاءت، وذلك يصح بالثلاث أو بطلقة بائنة، ولا يصدق أنه أراد واحدة رجعية؛ لأنه إذا ارتجع لم يصح اختيارها لنفسها.
وإن قال: لم أنوِ عددًا، صدق ثم يعود الخلاف بماذا تبين؟ فرأى مرة أنها تبين بالثلاث؛ لأن الواحدة لا تكون بائنة إلا أن يكون معها فداء، ورأى مرة أنها تكون بائنة وإن لم يكن معها فداء.
وقد اختلف فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع، هل يكون ثلاثًا أو واحدة بائنة أو رجعية؟
وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن خير زوجته فقالت: قد اخترت أمري وقالت: أردت الصلح، فقال: هو صلح لا يراجعها إلا بنكاح جديد 10. يريد: أنها تكون واحدة بائنة، فإذا صحَّ أن تبين بواحدة إذا أرادت هي ذلك صحَّ أن يكون اختيارها نفسها كذلك؛ لأنَّ الاختيار لا يفتقر إلى عددٍ وإنما يفتقر إلى البينونة، وقياسًا على اختيار الأمة نفسها بعد العتق أنها تبين بواحدة.
وإذا قال: اختاري أمرك أو ملكتك أمرك، قبل قوله أنه أراد واحدة؛ لأنَّ التخيير والتمليك إنما جعله لها في أمرها وهو الطلاق، ولو صرح في قوله
الجزء: 6 - الصفحة: 2704
فقال: اختاري الطلاق أو ملكتك الطلاق لقبل قوله أنه أراد واحدة، وقد اختلف في ذلك فقال محمد: إذا قال: اختاري أمرك هي ثلاث ولا ينوى 11.
وقال أبو إسحاق ابن شعبان: قوله اختاري أمرك وملكتك أمرك سواء 12، ويقبل قوله أنه أراد واحدة وهو أحسن، ولو كان لا يقبل قوله إذا قال: اختاري أمرك، لم يقبل إذا قال: ملكتك أمرك.
واختلف إذا قضت في التخيير بواحدة على القول أنها 13 ليس لها أن تقضي إلا بالثلاث، فقال مالك: يسقط ما بيدها 14.
قال محمد: ما لم يتبين منه الرضا بذلك فتكون طلقة له فيها الرجعة 15.
وقال أشهب: لها أن ترجع فتقضي بالثلاث 16، وهو أحسن لأنَّ النساء لا يميزن أحكام هذه الألفاظ، وإنما يقع عندها أنها فعلت ما جعل لها فينبغي أن يبين لها ثم ينظر إلى ما تعمل 17 بعد ذلك.
وقال عبد الملك في كتاب محمد: إذا قضت بواحدة كانت البتة 18. قال في ثمانية أبي زيد: لأنه إنما يخيرها في الخروج من عنده والانبتات فبلغناها البتة 19 فحمل قولها واحدة أنها أرادت أن تبين 20 بها وألزمها الثلاث.
الجزء: 6 - الصفحة: 2705
فصل [فيمن خير في الطلاق دون النفس]
فإن لم يخيرها في نفسها وخيرها في الطلاق، فقال: اختاري طلقة أو اثنتين أو ثلاثًا، لم يكن لها أن تقضي بخلاف ما جعل لها 21. وإن قال: اختاري واحدة أو اختاري طلقة أو اختاري من الطلاق طلقة أو في تطلقي من الطلاق واحدة لم تقض إلا بطلقة ولا يمين عليه في شيء من ذلك.
وإن قال: اختاري في واحدة حلف أنه لم يرد إلا طلقة ولا يمين عليه في شيء من ذلك لإمكان أن يكون أراد بقوله في واحدة أي في مرة واحدة.
وأحلفه ابن القاسم إذا قال: اختاري في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي وألا يمين عليه أحسن 22.
وإن قال: اختاري تطليقتين أو من تطليقتين أو في تطليقتين كان الجواب مختلفًا.
فإن قال: اختاري تطليقتين كان لها أن تقضي بهما، فإن قضت بواحدة لم يلزمه بشيء، وإن قال: اختاري من تطليقتين فقضت بالواحدة لم يكن لها أن تستكمل اثنتين 23.
واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين فقال في المدونة: تقضي بها فإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء 24.
الجزء: 6 - الصفحة: 2706
وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة، وقوله في تطليقتين يحتمل أن يريد في أن تقضي أو تترك لعدتها أو 25 تختار في الأعداد، فأرى أن يُسأل عما أراد إذا قضت بواحدة فإن قال: أردت الأعداد لزمته الواحدة، وإن قال: أردت أنها تقضي أو تترك حلف على ذلك، ثم يكون لها أن تستأنف الخيار؛ لأنها تقول: ظننت أنه أراد العدد ولو علمت أنه لم يرد ذلك لقضيت بالاثنتين، وكذلك إن قال: طلقي نفسك ثلاثًا أو اثنتين، لم يكن لها أن تقضي بغير ذلك، وأن قال: ملكتك طلقتين 26 أو ثلاثًا كان لها أن تقضي بجملة ذلك العدد أو ببعضه.
قال في المدونة: لأنه في التمليك جعل لها أن تقضي بالواحدة والاثنتين والثلاث 27.
وقال في ثمانية أبي زيد: إذا قال: ملكتك ثلاثًا، لها أن تقضي بما شاءت، وقال في كتاب ابن حبيب: إذا قضت بواحدةٍ لم يكن لها شيء 28. والأول أحسن؛ لأن قوله ملكتك يقتضي أن يتصرف في ذلك تصرف المالك، والمالك يتصرف في بعض ملكه وفي جملته؛ وليس كذلك قوله: طلقي نفسك ثلاثًا؛ لأنَّ هذه اللفظة لفظة الأمر فتمتثل ما أمرها به أو ترده.
واختلف أيضًا إذا قال: ملكتك في ثلاث كالاختلاف الأول على 29 قول ابن سحنون يكون لها أن تقضي بواحدةٍ بخلاف أن يقول: ملكتك الثلاث ولا يقول: "في".
وكل هذا ينحصر في أربع، تخيير وتمليك وأمر بالطلاق ووكالة عليه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2707
ومحمل الأمر بالطلاق إذا قال: طلقي نفسك على واحدة، وسواء دخل بها أو لم يدخل.
والتمليك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: ملكتك نفسك، فحكمه حكم خيرتك في نفسك، وقد تقدم.
والثاني: أن يقول: ملكتك أمرك، واختلف هل يحمل مع عدم النية على الثلاث أم على واحدة؟ فالمعروف من المذهب أن محمله على الثلاث إلا أن تكون نيته أقل، وسواء دخل بها أو لم يدخل.
وقال مالك في كتاب محمد في رجلٍ لاعب امرأته فملكها وهو يلاعبها فقالت: تركتك، فقال الزوج: كنت لاعبًا ولم أرد طلاقًا، فلا يصدق ويحلف أنه لم يرد طلاقًا وتكون واحدة 30، فحمله مع عدم 31 النية على واحدةٍ؛ لأنَّ معنى قوله: ملكتك أمرك، أي: طلاقك، والطلاق مصدر يصح أن يراد به الواحدة أو الثلاث، فرأى مرة أنه لا تخرج من يده إلا بما لا شكَّ فيه وهو واحدة، ورأى مرة أنها إذا أوقعت الثلاث لم ترد؛ لأنه مما يمكن أن يتضمنه ذلك اللفظ فلا يرد بشك.
والثالث: أن يقول: طلاقك في يدك.
فقال مالك في المدونة: هو بمنزلة التمليك، القول قول الزوج إذا رد عليها ويحلف 32. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن قال: وهبت لك طلاقك
الجزء: 6 - الصفحة: 2708
هي البتة (1). وإن قال: نويتُ واحدة، لم ينفعه؛ لأن الهبة (2) تجمع الطلاق كله، وكذلك إذا قال: فراقك، وعلى هذا يحمل قوله: طلاقك في يدك على الثلاث؛ لأنَّ الطلاق يعبر به عن الواحدة والثلاث، فجاز أن يصدق أنه أراد واحدة.
واختلف إذا قال: طلقي نفسك، فجعله ابن القاسم في المدونة تمليكًا (3).
وقال محمد: ليس لها أن تطلق إلا واحدة ولو طلقت أكثر فلم ينكر ولم يرد حلف أنه لم يسكت رضًا منه بما طلقت وهو أبين وليس قوله طلاقك بيدك بمنزلة قوله: طلقي نفسك (4).
فصل [فيمن خير زوجته في الطلاق قبل البناء]
وإن خيرها قبل البناء فقالت: اخترت نفسي ولم ينوِ الزوج ولا هي عددًا كان محمله عند مالك على الثلاث، وإن نوت واحدة أو ثلاثًا كان ذلك على ما نوت إذا لم يناكرها، فإن قضت بالثلاث وقال: أردت واحدة صدق.
قال أصبغ: إن نوت واحدة ولا نية للزوج لم يلزمه الواحدة 37، وكل هذا ليس بالبين.
ولا أرى أن يلزم مع عدم النية منهما أو من أحدهما إلا واحدة؛ لأنَّ اختيار النفس لا يتضمن عددًا، وإنما يتضمن أن تبين بنفسها، وذلك يصح بطلقة.33343536
الجزء: 6 - الصفحة: 2709
ويختلف إذا خيرها قبل البناء ثم لم تعلم حتى بنى بها؛ لأنه دخول فاسد، فقيل: لا يملك فيها رجعة، فعلى هذا لا يكون لها أن تقضي إلا بواحدة بمنزلة من لم يدخل.
وقيل: يملك فيها الرجعة فيصير على هذا إلى حكم من خيرت بعد البناء؛ لأنه كان جعل لها أن تبين بنفسها، فيختلف هل تقضي بالثلاث أو بواحدة بائنة؟.
واختلف إذا خيرها وهي صغيرة فاختارت نفسها، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك طلاق إذا كانت قد بلغت في حالها، قال ابن القاسم: يريد إذا بلغت الوطء فيما ظنت، وقال أشهب وعبد الملك: ذلك خيار وإن كانت صغيرة 38. وهو أبين إذا كانت ممن يعقل مثل ذلك، وإن كانت لا تعرف الصلاح من الفساد، وأما إن كانت [. . .] 39 أن يوقع عليها الطلاق من 40 لا معرفة عنده ولا تمييز، وأمَّا إن كانت 41 لها السنتان والثلاث فليس قضاؤها بشيءٍ.
وقال ابنُ القاسم في العتبية فيمن تزوج صغيرة على أنه 42 إن تزوج عليها فأمرها بيدها، فتزوج عليها فقال: إن كانت عقلت وعرفت الطلاق والخيار، فالخيار لها، وإن كانت لا تعرف استُؤْنِي بها حتى تعرف ثم تختار، ولو تزوجها على إن تزوج عليها كان أمر التي تزوج عليها بيدها فتزوج عليها وهي صغيرة لا تعقل فسخ النكاح 43.
الجزء: 6 - الصفحة: 2710
يريد: أنه نكاح موقوفٌ والزوج ممنوع منها إلى مدة تعقل فيها.
وعلى قول أشهب وعبد الملك يجوز النكاح ولها أن تختار الآن 44، وكذلك إذا كان الخيارُ لها في نفسها لها أن تختار ولا يوقف 45.
وقال عبد الملك في المجموعة: إذا خيرها وهي في عقلها ثم غمرت لم يجز قضاؤها حينئذ، وإن خيرها وهي مغمورة فاختارت جاز قضاؤها؛ لأنها في حد من رضي لنفسه قضاءها 46. وإن قال: اختاري ولم يزد على ذلك حمل على اختيار النفس، فإن قال: أردت اختاري أي ثوب أشتريه لك، لم يصدق إلا أن يكون تقدَّم في قوله ما يدل على ذلك.
الجزء: 6 - الصفحة: 2711
باب في قضاء المرأة إذا ملكت أو خيرت في المجلس أو بعده، وفي التخيير والتمليك إلي أجل
ٍ
التخيير والتمليك على وجهين، مطلق ومقيد بأجل، فإن أطلق ذلك والزوجة حاضرة حين التخيير كان لها أن تقضي في المجلس.
واختلف عن مالك إذا لم تقضِ حتى تفرقا هل يسقط ما بيدها من ذلك أم لا 47؟
وقال ابن القاسم: ليس لها أن تقضي 48، وقال سحنون وغيره: ذلك بيدها 49، ويختلف على هذا في وقف الزوج لها، وعلى 50 القول الأول يوقفها الآن، وعلى القول الآخر لا يوقفها، ولها أن تفارق المجلس وترى رأيها، وأرى أن تمهل ثلاثة أيام لتنظر في ذلك، وبه قال 51 مرة فيمن وجبت له الشفعة: يؤخر ثلاثة أيام، ليرى رأيه 52، وقيل في الذي يرى الحمل وهو ينكره: له فسخه في ذلك بعد الوضع، وفي الحديث في المصرَّاة أنه بالخيار ثلاثة أيام 53؛
الجزء: 6 - الصفحة: 2712
وذلك ليرى رأيه في الأخذ أو الرد؛ لأنَّ حالها في الحلاب 54 يعلم دون ذلك، ومن اشترى سلعة بالخيار يمهل ويضرب له من الأجل بقدر ما يختار في مثلها، وكذلك التخيير والتمليك قد جعل لها فيه الاختيار 55، والحاجة إلى ما تؤامر فيه نفسها وتشاور، فمشقة الفراق أشد من ذلك.
وقال ابن القاسم: إذا قال: اختاري اليوم كله، فمضى ذلك اليوم كله ولم تختر، فليس لها أن تختار بعد ذلك، قال: لأن مالكًا قال فيمن خيَّر زوجته فلم تختر حتى تفرقا: فلا خيار لها، وأما على القول الآخر فلها أن تختار وإن مضى ذلك الوقت 56. والقول 57 الأول أحسن؛ لأنه واهب هبة على صفة فلا يخرج من يده فوق ما وهب.
واختلف إذا ضرب أجلًا شهرًا أو سنة، فقال مالك: ذلك بيدها إلى ذلك الأجل إلا أن توقف قبل ذلك فتقضي أو ترد أو يصيبها زوجها قبل ذلك فيبطل ما بيدها 58.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إن خير زوجته أو ملكها إلى أجلٍ فذلك، قال: وقال بالقول الآخر.
يريد: قوله في المدونة.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: توقف مكانها فتقضي أو ترد وإن لم توقف حتى وطئها لم يسقط ما بيدها 59؛ لأنه كذلك جعله بيدها حين قال: إلى
الجزء: 6 - الصفحة: 2713
شهر أو سنة فقد رمى مرمى يكون الوطء قبله وبعده، وقول مالك في جواز الصبر إلى الأجل أحسن 60 بخلاف الطلاق إلى أجل؛ لأنَّ الطلاق يقع بنفس انقضاء الأجل، وهذا الأمر فيها مشكوك فيه لا يدرى هل يحسن عندها الرضا بالزوجية أو الفراق؟ فأشبه من قال: أنت طالق إلى قدوم فلان أنه لا يعجل عليها بالطلاق وقد أباح له الإصابة حتى يقدم، وكذلك الزوجة 61 تقول: من حقي التأخير ولي مهلة النظر إلى ذلك الأجل، وإن كانت الإصابة عندكم لا تجوز فامنعوه مني ولا يعزض هذا بالميراث؛ لأنها زوجة فالميراث بينهما قائم حتى يقع الطلاق.
واختلف إذا خيرها وهي غائبة عن موضع التخيير فقيل: الأمر بيدها وإن لم تقض في المجلس الذي صار ذلك بيدها، بخلاف أن يكون الزوج حاضرًا إلا أنه في الغيبة ليس ثَمَّ من يجاوبه ولا من يطالبه 62 بالمجاوبة، وهو أحسن، فمن ذلك أن يقول: إن تزوجت فلانة فأمرها بيدها، فلا يقضي 63 بحضرة العقد أو يقول: إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك، فيغيب عنها سنة.
واختلف أيضًا إذا جعل ذلك بيد رجلٍ حاضرٍ معه فانصرف قبل أن يقضي حسب ما تقدم إذا كانت الزوجة حاضرة، والقول الأول ألا يسقط إلا أن تسقطه أو تمكنه منها أحسن.
واختلف بعد القول أنه لا يسقط بالمفارقة هل يسقط إذا وطئ الزوج بغير علمها؟ وظاهر قوله في المدونة أنه يسقط.
الجزء: 6 - الصفحة: 2714
وقال محمد: إذا خلا بها بعلم الذي بيده الخيار أو التمليك ورضاه فادعى الزوج أنه وطئ، سقط التمليك 64. وهذا أحسن وليس كتمكين الزوجة إذا كان التمليك بيدها؛ لأنَّ ذلك حق لها فأسقطته وهذا فيه حق لغيرها، فإذا سلم أن الافتراق لا يسقط حقه فإن من حقه ألا يقربها حتى يستأذنه، هل يسقط حقه في التمليك؛ لأنه يقول: ليس لك أن تعزلني عما ملكتني ولا تتصرف فيه إلا بإذني.
وقال مالك فيمن قال: إذا جاء غد فقد جعلت لك الخيار توقف الساعة فتقضي أو ترد إلا أن يصيبها قبل غد فيسقط ما بيدها 65.
يريد: إذا كانت تعلم أن لها الخيار الآن وإن كانت تجهل وترى أن ذلك ليس بيدها إلى غد لم يسقط ما بيدها، وعلى أحد قولي مالك في جواز التأجيل لا يكون لها أن تقضي قبل غد؛ لأنه لم يجعل لها فيه قضاء، وإن قال: أمرك بيدك إن قدم فلان كان له أن يصيبها ما لم يقدم، فإن أصابها بعد قدومه وهي عالمة بقدومه سقط ما بيدها علم الزوج أو لم يعلم، وإن لم يعلما أو علم الزوج وحده لم يسقط ويعاقب إذا أصابها بعد العلم، وإن قال لامرأةٍ: إن تزوجتك فلك الخيار، أو كلما تزوجتك، أو كل امرأة أتزوجها لزمه، وليس بمنزلة قوله: كل امرأةٍ أتزوجها طالق؛ لأن التمليك لا يحرم النكاح وقد تختار البقاء معه واحدة ممن تزوج، بل الغالب أن المرأة إذا تزوجت الرجل لا تختار فراقه بحضرة العقد وقربه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2715
فصل [فيمن قال لزوجته: اختاري، فقالت: قد اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي]
قال ابن القاسم فيمن قال لزوجته: اختاري فقالت: قد اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي، قال: توقف فتختار أو تترك، وقال سحنون في المجموعة: لا قضاء لها بعد ذلك (1)؛ لأنها أجابت بغير ما جعل لها (2). والأول أحسن، وإنما يسقط ما جعل لها ما يفهم منه الرضا بالزوج، وأمَّا هذه فقد حكمت بالطلاق إلا أنها جعلته على صفةٍ لم يجعل لها الزوجة فكان الزوج بالخيار بين الصبر بالدخول على الضرة أو الرد، فإن لم يوقف حتى دخل على ضرتها وقع الطلاق بالاختيار المتقدم، فإن وطئها قبل ذلك لم يسقط الحكم المتقدم، وإن أرادت بعد قولها الأول أن تقضي الآن لم يكن لها إلا برضا الزوج إذا كان قد أجاز قولها الأول.
فصل [في أقسام الزوجة بعد التخيير والتمليك]
الزوجة بعد التخيير والتمليك على ثمانية أقسام: فإما أن تتكلم بما يفهم منه الطلاق والعدد، أو بما يفهم منه 68 الطلاق دون العدد، أو بما يفهم منه الرضا بالزوج فتقول: اخترت زوجي أو رددت ما جعل إليَّ أو لا أقبلُ ذلك، أو لا تتكلم وتفعل ما يفهم منه الرضا بالفراق مثل أن تخمر وجهها أو تنقل متاعها، أو تفعل ما يُفهم منه الرضا بالزوج فتمكنه من نفسها أو6667
الجزء: 6 - الصفحة: 2716
من أن يباشرها أو يقبلها، أو تتكلم بما لا يفهم منه الرضا بالفراق ولا بالمقام، فتقول: قبلت ما جعل إليَّ وأنا أنظر أو أشاور أو تتكلم بأمرٍ مشكل، هل يراد به الفراق؟ أو تنظر في أمرها فتقول: قبلت أمري، أو تنصرف ولا تقول شيئًا ولا تفعله، وقد تقدَّم الجوابُ إذا انصرفت ولم تقل شيئًا والخلاف فيه.
وقال ابن القاسم: إن وثب الزوجُ عليها فوطئها كرهًا، فأرى ذلك لا يسقط ما بيدها 69، وأرى إن فرتْ هي عند سماع ذلك ألا يسقط ما بيدها؛ لأنها تقول: كرهتُ أن أجلس عند سماع ذلك.
وإن اختلفا فقالت: فرَّ عني قبل أن أختار، وقال الزوج: ما 70 فررت عنها، كان القول قوله إلا أن يثبت أنه فرَّ عنها، وكذلك إذا أصابها وقالت: أكرهني، كان القول قول الزوج أنها طاعت إلا أن يثبت 71 الإكراه.
وإن اختلفا في الإصابة فقال: أصبتها، وأنكرت، كان القول قولها إذا لم تكن خلوة.
قال أصبغ: فإن رضيت بالخلوة وإرخاء الستر أو غلق الباب مما يمكن فيه الوطء، فقد سقط ما بيدها إذا زعم أنه أصابها 72. وإن قبّلها وقالت: أكرهني أو اغتفلني، وقال: بل طاعت كان القول قولها مع يمينها، بخلاف الوطء لأنه لا يكون إلا على هيئة وصفة وهذا بالحضرة 73 يكون على 74 غفلة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2717
فصل [في وجوه إيقاع الطلاق بعد التخيير]
وإيقاعها الطلاق على وجوهٍ، فإن قالت: اخترت نفسي كان طلاقًا يقتضي البينونة دون العدد، وقد تقدَّم ذلك.
واختلف إذا قالت: قبلت نفسي، فجعله مالك بمنزلة اخترت نفسي 75.
وقال أشهب في كتاب محمد: هو بمنزلة قولها: قبلت أمري 76، والأول أصوب، وقبول النفس واختيار النفس سواء 77. وقال ابن القاسم: إذا قال: اختاري نفسك فقالت: قد قبلت أو رضيت أو تمنيت يثبته 78 أو فعلت، تسأل بمنزلتها إذا قالت: قد قبلت نفسي، وكذلك إذا قالت: اخترت، تسأل ما أرادت 79.
وقال محمد بن عبد الحكم في مختصر ما ليس في المختصر: إذا قالت: قد فعلت هي ثلاث ولا تسأل، وعلى قوله إذا قالت: قد شئت أو قد اخترت أنها ثلاث ولا تسأل، وهو أحسن.
وقولها فعلت واخترت وشئت: جوابٌ لامتثال ما جعل لها وليس كقولها رضيت؛ لأنَّ مفهوم رضيت لقبول 80 ما جعل لها إلا أن تقول: رضيت فاخترت نفسي.
وفي كتاب محمد: إذا قالت: تركتك أو أخرج عني أو لا تدخل عليَّ إلا
الجزء: 6 - الصفحة: 2718
بإذني، قال: هذا كله مما يشبه أن تريد به الفراق أو قبول التمليك، فلا بدَّ أن تسأل (1).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أمَّا قولها تركتك فهو فراق ولا تسأل هل أرادت الفراق؟ وتسأل عما أرادت من عدد الطلاق.
وقال محمد فيمن قال لامرأته: أتحبين أن أفارقك؟ فقالت: ما شئت، فقال: قد شئت، ثم قال: إنما شئت أن أحبسك، قال: هو فراق ويحلف ما أراد إلا واحدة (2). وإن قال: أمرك في يدك فاذهبي، فقالت: قد ذهبت، قال: هو جواب فراق (3)، ولو قيل: فاذهبي فقالت: قد ذهبت، لكانت تسأل عما أرادت، ولكن قوله: فاذهبي فقالت: قد ذهبت، جواب فراق.
وقال ابن القاسم: تسأل عما أرادت وهو أشبه (4)؛ لأن معنى قوله فاذهبي فانظري في ذلك، وقولها قد ذهبت طبقًا (5) لقوله، ولو كان قوله فاذهبي طلاقًا، لكان الطلاق قد وقع منه واستغني عن قولها.
فصل [فيمن خيرت فقالت: قبلت أمري]
وإن قالت: قبلت أمري، سئلت ما أرادت؟ فإن قالت: لم أرد طلاقًا، صدقت وكان لها أن تقضي فيما بعد، فإن قالت: أردت الطلاق، سئلت ما أرادت من عدد؟8182838485
الجزء: 6 - الصفحة: 2719
واختلف إذا قالت: اخترت أمري، فقال مالك في المدونة فيمن قال لامرأته: اختاري، فقالت: قد اخترت أمري أو تقول: اخترت، ولم تقل أمري، تسأل، فإن قالت: لم أرد طلاقًا، كان القول قولها، وإن قالت: أردت واحدة، لم يكن لها شيء، وإن قالت: أردت الثلاث، قُبل قولها 86. وقال محمد: لا تكاد المرأة تفرق بين اخترت أمري وبين الطلاق 87. يريد: أنها لا تصدق أنها لم ترد طلاقًا.
وقال عبد الملك: لا تصدق 88، وإن قالت: لم أرد طلاقًا؛ لأن ذلك عند النساء طلاق ولو كنت أعلم ذلك لصدقت، قال محمد: فرأيت من 89 مذهبه أنه عنده طلاق البتة 90.
وقال ابن القاسم: وإن قالت: أردت الصلح، فإنه صلح ولا يراجعها إلا بنكاحٍ جديدٍ، وسواء خيَّرها أو ملكها إذا رضي الزوج، قال محمد: ولو أنكر الزوج في التمليك وقال: لم أنوِ إلا طلقة، حلف وكانت له الرجعة 91.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا أرى أن تصدق أنها لم ترد طلاقًا؛ لأنَّ أمرها هو الطلاق، فإذا قالت: اخترت أمري فقد اختارت الطلاق وليست كالتي تقول: قبلت أمري؛ لأنها تقبل لترتبي، وأمَّا إن 92 اختارت فقد قبلت وتنوى 93 فيما تقول: إنها أرادت من العدد كالتي تقول: اخترت طلاقي.
الجزء: 6 - الصفحة: 2720
وأمَّا قول ابن القاسم: إذا أرادت الصلح، فإنه (1) يريد أرادت تطليقة بائنة.
وقوله إذا رضي الزوج يعود على ما يليه من الكلام وهو التمليك؛ لأنَّه ليس لها أن تقضي بطلقة بائنة ولا مقال له في التخيير؛ لأنه جعل لها البينونة، فإن قالت: أردت أن تبين بثلاث، قيل له: أنت تنال بالواحدة البائنة من سقوط النفقة ما أردت بالثلاث وما لم توقعه من الطلاق منفعة لك من غير ضررٍ.
وقد قال (2) محمد فيمن أعطت زوجها مالًا على أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة، فذلك لازم ولا مقال لها (3).
فصل [فيمن خيَّر زوجته فقالت: طلقت نفسي]
قال ابن القاسم في المدونة فيمن خيَّر زوجته فقالت: طلقت نفسي، تسأل فإن قالت: أردت واحدة لم يكن لها شيء 97. وقال في كتاب محمد: لا تسأل في التمليك وهي طلقة واحدة وتسأل في الخيار في المجلس وحده، فإن قالت: أردت واحدة، سقط خيارها وإن افترقا سقط خيارها أيضًا 98. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في المملكة تقول: طلقت نفسي ولا نية لها أنها البتة قال: بخلاف أن يبتدأ الزوج بالطلاق؛ لأنه ملكها في أن تقيم أو تفارق مكانها، قالت: قبلت الطلاق والفراق فهو البتات حتى تريد بقولها ذلك949596
الجزء: 6 - الصفحة: 2721
واحدة، والأول أصوب وقولها طلقت نفسي محتمل هل أرادت الابتداء أو طلاق التخيير، وإذا كان الحكم أن تسأل لاحتمال ذلك تسأل في المجلس وبعده، وإن عدمت النية حمل على طلقة لأنه الذي تعرف النساء من ذلك اللفظ حتى تدعي غير ذلك.
وقال مالك في كتاب محمد: إذا قالت: اخترت نفسي وزوجي، هي ثلاث البتة (1). يريدة أنها بقولها اخترت نفسي بائن، وقولها زوجي بعد البينونة لا تصح، ولو ابتدأت فقالت: اخترت زوجي ونفسي لكانت زوجة ويسقط ما بيدها.
فصل [فيمن ملك امرأته ففعلت ما يقتضي الفراق]
وقال مالك فيمن ملك امرأته فأمرت بنقل متاعها وخمرت رأسها ولم تقل شيئًا: فذلك الفراق ويجري ذلك مجرى الجواب، قال محمد: إذا قالت: أردت به الفراق ونويته وأرى أن تسأل لم فعلت ذلك 100، فإن قالت: خمرت وجهي 101 كراهية في رؤيته ونقلت متاعي خيفة أن يغتالني فيه لمكان الاختلاف، صدقت ولم يكن فراقًا، وكذلك قولها فيما تقدم: لا يدخل عليَّ إلا بإذني، تسأل لم قالت ذلك وأنت في العصمة؟ فينظر فيما تأتي به، وإن قالت: قبلت أمري سئلت: هل الذي 102 أرادت به الطلاق أو لترى رأيها؟ فإن قالت: أردت الثلاث وقال99
الجزء: 6 - الصفحة: 2722
الزوج: أردت واحدة، كان القول قوله، ويحلف إن أراد أن يراجعها وهي في العدة أو ماتت وهي في العدة فوجب الميراث 103.
وإن قال: أنا لا أراجعها لم يعجل بيمينه، فإن انقضت عدتها ثم أحب أن يتزوجها قبل زوج أحلف، وإن كانت قد تزوجت زوجًا، ثم طلقها لم يكن عليه يمين؛ لأنه يقول: إن لم تصدقوني فقد أحلها الزوج، وإن كان ملكها قبل أن يدخل بها فطلقت نفسها لم يكن عليه أن يحلف الآن 104 إلا أن يريد أن يراجعها، فإن سئلت بعد أن حاضت أو كانت حاملًا فوضعت فقالت: كنت أردت بقولي قبلت أمري الطلاق صُدقت وحلت للأزواج، وكذلك إذا قالت: قبلت ولم تقل أمري، وإن قالت: قبلت حتى أنظر، كانت العدة من يوم تبين الفراق، وإن قالت: قبلت أمري وأراد الزوج سفرًا فقال: اشهدوا أنها إن 105 قالت: أردت أكثر من واحدة، فإني لم أرد إلا واحدة وإني قد ارتجعت، كان ذلك له ورجعته ثابتة.
قال محمد: فإن قدم وقد تزوجت ولم يدخل بها حلف وكان أحق بها، وإن دخل لم يكن أحق بها، وإن لم يقل شيئًا عند سفره ثم قدم بعد أن انقضت عدتها وقال: أردت واحدة وقالت: أردت الثلاث صدق إذا قال ذلك ساعة علم وتزويجها غير ثابت دخل بها أو لم يدخل.
الجزء: 6 - الصفحة: 2723
باب في تكرار التمليك وتكرار القضاء والتمليك بمال أو كان تمليكان أحدهما بمال والآخر بغير مال
وفي 106 كتاب محمد فيمن قال: أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك 107، فقالت: قد طلقت نفسي 108 بكل واحدة طلقة، وقال الزوج: لم أرد إلا واحدة وإنما أردت التأكيد، كان كما قال ويحلف 109.
قال مالك: ولو قالت: كم ملكتني؟ فقال: ملكتك مرة ومرة ومرة 110، ففارقته فليس ذلك بثلاث إذا حلف أنه ما ملَّكها إلا واحدة 111. ولو قال: ملكتك طلقة وطلقة وطلقة، لم يقبل قوله، ولو قال: أمرك بيدك فقالت: قد قبلت، ثم قال: أمرك بيدك فقالت: قد قبلت، ثم ثلث فقالت: قد قبلت 112 وقالت: أردت الطلاق كله، وقال الزوج: أردت واحدة، قال مالك: هي ثلاث.
وقال محمد: القول قول الزوج ويحلف؛ لأنه يقول: رددتها عليها حين لم تبين الطلاق، ولو قالت في أول مرة قد طلقت نفسي 113 ثم ثنى فقالت: قد
الجزء: 6 - الصفحة: 2724
طلقت، ثم ثلاث فقالت: قد طلقت؛ لكان طلاقًا ماضيًا، يريد أنه يلزمه الثلاث (1). وقال ابن القاسم: إذا قالت المملكة: فارقتك فارقتك فارقتك، فلما افترقا قال: ما أردت إلا واحدة، لم يقبل قوله وكانت الثلاث، وإن قالت: فارقتك فارقتك فارقتك، فلما افترقا (2) قال: أردت واحدة وقالت: أردت الثلاث حلف وكانت اثنتين (3).
فصل [فيمن خير امرأته فخاف أن تختار عليه]
وإذا خير امرأته فلما خاف أن تختار فقال: خذي مني ألف درهم على أن تختاريني، كانت بالخيار بين أن تقبل الألف ويسقط ما بيدها من التمليك، أو تطلق ولا شيء لها عليه من الألف 117، ولو كان المال منها ملكها بغير مال، ثم قالت: خذ مني ألف درهم فطلقني، فقبل وطلقها لم يكن لها أن تقضي بالتمليك؛ لأنها بانت منه بالخلع، ولو طلقت واحدة قبل أن تعطيه المال لكان رجعيًّا، ويصح أن تعطيه المال ليطلق أخرى وتكون بائنة، ولو أعطته مالًا ليطلق فلم يطلق حتى طلقت بالتمليك لصحَّ طلاقها ثم تلزمه التطليقة الأخرى وتكون بائنة.
واختلف إذا ملك امرأته بمالٍ أعطته فقضت بطلقة، هل تكون بائنة أو114115116
الجزء: 6 - الصفحة: 2725
رجعية؟ أو أعطته مالًا يخيرها فقضت بواحدة هل تصح وتبين بها أو يكون له أن يرد المال لأنها رجعية؟
فقال مالك في كتاب محمد: إذا أعطته مالًا على أن يخيرها فخيرها (1) فاختارت فهي البتة ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره إلا أن يكون لم يدخل بها فينوى (2).
وقال مالك أيضًا: هي بائنة كالتي لم يدخل بها، فرأى أن المال الذي أعطته لكون الشيء الذي بيدها ولم ترفعه حق الطلاق وأنه ابتدأ.
وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كان مع ذلك مال كانت بائنة، والأول أبين؛ لأنها إنما (3) أعطت المال ليصير التخيير والتمليك بيدها، ولم يكن لوجهين (4) للتمليك ولما تقضي به، والذي يتبين ذلك أنها إذا أسقطت ذلك ورضيت بزوجها لم يرجع بشيء ولو كان محمل ما أعطت للأمرين جميعًا لوجب إذا رضيت بالمقام أن ترجع فيما قابل الخلع.
فصل [فيمن خيَّر امرأته بينه وبين والديها أو الحمَّام]
ومن قال لامرأته وقد أكثرت الخروج إلى أبويها أو إلى الحمَّام: إمَّا أن تختاريني أو تختاري أباك وأمك أو الحمام، فقال مالك: لا شيء عليه إلا أن يريد بذلك الطلاق، قال ابن القاسم: فيلزمه الطلاق وإذا اختارت الشيء الذي118119120121
الجزء: 6 - الصفحة: 2726
خيرها فيه، إذا أراد به الطلاق ولم ينو عددًا لزمه (1) الثلاث (2). واختلف إذا قال نويت واحدة، فقال ابن القاسم: هي البتة ولا تنفعه نيته (3). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إذا أراد الطلاق ولم يضمر (4) بشيء بعينه فهو البتة وهذا أشبه.
فصل [في جواز جعل الرجل لامرأته طلاقها]
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز للرجل أن يجعل لامرأته طلاقها، وذلك على وجهين على وجه التمليك والوكالة ففي التمليك ليس له أن يبطل تمليكها وله في الوكالة أن يرجع ما لم تطلق نفسها 126. قال الشيخ -رحمه الله-: والزوج مع الأجنبي في ذلك على ثلاثة أوجه، تمليك ووكالة ورسالة، فإن ملكه ذلك لم يكن له أن يعزله، وإن وكله كان له عزله ما لم يقض بالطلاق، وإن جعله رسولًا لم يكن له أن يقضي بشيءٍ، وهو في الرسالة على وجهين: أحدهما: أن يقول: أبلغها أني طلقتها فهذه تكون طالقًا 127 من وقتِ قال ذلك بلّغها ذلك الرسول أو لم يبلّغها.122123124125
الجزء: 6 - الصفحة: 2727
والآخر: أن يقول: أبلغها أني جعلت أمرها بيدها أو أني خيرتها، فهذه إذا عرفت وقضت بالطلاق كانت طالقًا، وإن لم يبلغها ذلك الرسول.
وقال ابن القاسم فيمن قال لرجلٍ: خيِّر امرأتي -وهي تسمع- فقالت: طلقت نفسي -قبل أن يقول لها الرجل- فإن القضاء ما قضت 128. وحمل قوله: خيِّر على الرسالة، بخلاف قوله طلق امرأتي؛ لأن قوله خير يتضمن خروج ذلك من يده؛ لأنها هي التي تقضي بالطلاق أو التمليك.
واختلف إذا قال: طلق امرأتي، هل هو تمليك أو 129 وكالة، فقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: هو تمليك، قال ابن حبيب: وكان ابن القاسم يقول: هو على الرسالة ولا يقع الطلاق إلا أن يطلق 130. يريد بالرسالة ها هنا: الوكالة؛ لأنه جعل الطلاق بيده وأنه هو المطلق، وهو أحسن، ولو قال: بع سلعتي لكانت وكالة وله أن يعزله إلا أن يقول: ملكتك ذلك قال 131: وإن ادعى في الزوجة أنه أراد الوكالة صدق، فإن ملك رجلين أو وكلهما لم يصح أن يقضي أحدهما دون الآخر، وإن جعلهما رسولين صحَّ بتبليغ 132 أحدهما سواء جعل لهما أن يبلغا عنه أنه طلق أو أنها هي التي تطلق.
الجزء: 6 - الصفحة: 2728
باب فيمن قال لزوجته: إن تزوجت عليكِ أو غبتُ عنكِ سنةً فأمرك بيدك، فقالت: اشهدوا أنه إن تزوج عليَّ أو غاب عني سنة فقد اخترت نفسي أو اخترت زوجي
اختلف في ذلك، فقال مالك في كتاب محمد: يلزمها ما كانت اختارت إن هو تزوج عليها أو غاب سنة 133.
وقال أشهب: لا يلزمها ذلك ولها أن تستأنف القضاء إذا تزوج عليها 134 أو غاب.
واختلف فيمن قال لأمته وهي تحت عبد: إن لم أبعك إلى سنة فأنت حرة، فقالت: اشهدوا أنه إن حنث فقد اخترت نفسي، فقال ابن القاسم: ليس ذلك لها بخلاف الحرة 135.
قال محمد وقال أصبغ: فيما أظن أن ذلك في الأمة مثل قول ابن القاسم في الحرة 136.
ولو قالت امرأة: متى ما ملكني زوجي فقد اخترت نفسي، أو قالت ذلك أمة ولم يحلف سيدها فقالت: إن جاء في العتق فقد اخترت نفسي، أو قال رجل: متى طلقت زوجتي فقد ارتجعتها وأشهد على ذلك، لم يلزم من ذلك
الجزء: 6 - الصفحة: 2729
كله شيء.
ولو قالت امرأة: متى ملكني زوجي أو غاب عني أو تزوج عليَّ، فغاب أو تزوج فقد طلقت نفسي، ثم غاب عنها بعد ذلك أو تزوج عليها لم يلزم ذلك؛ لأنها قضت قبل أن يصير سبب ذلك بيدها.
ويختلف إذا قال الزوج: إن غبت عنك أو تزوجت عليك فأمرك بيدك، فقالت: اشهدوا أنه إن فعل ذلك فقد طلقت نفسي فقال أشهب: ليس ذلك (1) بشيء إلا أن تقضي بعد ذلك وعلى قول ابن القاسم يلزمه (2) ذلك، ولو قال: إن تزوجت عليك أو غبت عنك إلا بإذنك فأذنت فتزوج أو غاب لزمه (3) قولًا واحدًا.
فصل [فيمن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ واحدة إن شئت]
واختلف إذا قال: أنت طالق واحدة إن شئت، فقالت: قد شئت ثلاثًا أو البتة، فقال ابن القاسم: تلزمه واحدة 140، وذكر ابن القصار عن مالك أنه قال: لا 141 يلزمه شيء.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يلزمه شيء 142، وقيل: إن قضت بالثلاث لزمته واحدة وإن قضت بالبتة لم يلزمه شيء؛ لأنَّ البتة لا تتبعض 143،137138139
الجزء: 6 - الصفحة: 2730
والأول أحسن؛ لأنها قضت بالذي أعطاها وزادت عليه والبتة وغيرها سواء؛ لأن البتة ثلاث وقد نزل القرآن أعداد الطلاق، وأن أقلَّه واحدة وأكثره ثلاث ولا معنى للبتة غير 144 الثلاث.
وإن قال: أنت طالق ثلاثًا إن شئت، فقالت: قد شئت واحدة، لم يلزمه شيء 145 إلا أن تقول بائنة، فيختلف في ذلك فمن قال: إنها تكون 146 ثلاثًا لزمه 147 الثلاث، ومن قال: إنها تكون واحدة رجعية لم يلزمه شيء، ومن قال: إنها تكون واحدة بائنة لزمه ما قضت به وهو أحسن أن يكون كما قضت به 148، وقد تقدم ذلك.
وإن قال: أنت طالق إذا شئت كان قد أعطاها واحدة ولها أن تقضي بها بعد 149 المجلس 150.
وإن قال: متى 151 شئت كان قد أعطاها واحدة، واختلف هل تقضي بها في غير المجلس؟ فإن قال: متى شئت كان واحدة 152 تقضي بها متى شاءت، وكذلك إذا قال: متى ما شئت إلا أن يريد بقوله متى ما: كلما، فيكون لها أن تقضي مرة بعد مرة، وإن قال: كما شئت أو ما شئت كان لها أن تقضي بواحدة أو
الجزء: 6 - الصفحة: 2731
باثنتين أو بثلاث في مرة في المجلس، ويختلف إذا افترقا هل يقضي فإن قضت بواحدة أو اثنتين أو ثلاث لم يكن لها بعد ذلك أن تقضي بشيء، وإن قال: كلما شئت كان لها أن تقضي بواحدة واثنتين وثلاث مرة بعد أخرى في المجلس وبعده 153، وإن قال: أنت طالق غدًا إن شئت، فقالت: قد شئت اليوم أو قال: أنت طالق اليوم إن شئت، فقالت: أنا طالق غدًا كان قضاؤها لازمًا وهي طالق الساعة.
وإن قال: أنت طالق اليوم إن شئت، فقالت: أنا طالق إلى ثلاثين سنة، فإن كان ذلك الأجل مما يرى أنه يبلغه عمرها كانت طالقًا الآن، وإن كان لا يبلغه عمره أو عمرها لم يلزمه شيء وكانت بمنزلة من قضى بالطلاق بعد الموت، وكذلك إن قال: أنت طالق بعد ثلاثين سنة إن شئت، فقالت: أنا طالق الآن كانت طالقًا إلا أن يرى أن ذلك الأجل لم يبلغه عمرها فلا شيء عليه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2732
باب جامع التمليك
وقال ابن القاسم فيمن خير زوجته أو ملكها ولم تقض حتى طلقها طلقة فبانت بها 154 ثم تزوجها فليس لها أن تقضي؛ لأن الملك الذي ملكها قد ذهب 155. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ليس لها أن تقضي؛ لأنَّ مضمون التزويج الرضا بالإصابة وبه تستحق الصداق والرضا بذلك يسقط ما بيدها، ولو رضيت بالإصابة قبل الطلاق لسقط ما بيدها وإن لم يصب، ومن ملك أمر زوجته رجلًا ثم غاب غيبة بعيدة وكان قد أشهد أنه على حقه فيما جعل له من ذلك وأنه لا يبيحها، كان للزوج أن يرفع ذلك إلى السلطان فينزعه من يده، وإن كان في حين التمليك غائبًا كتب إليه إن كان قريب الغيبة فيقضي أو يرد 156. واختلف إذا كان بعيد الغيبة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يقربها ويضرب له أجل المولي من يوم يرفع ذلك فإن جاء 157 وإلا طلق عليه بالإيلاء 158. قال محمد: وإن قدم في العدة فقضى بالطلاق لزم الزوج مع طلقة الإيلاء وإن لم يطلق عليه كان له أن يرتجع إن شاء ما كانت في العدة، وقال مالك
الجزء: 6 - الصفحة: 2733
أيضًا: يرجع الأمر إليها 159.
يريد: إذا كان لا يرجى قدومه في الأجل، وقد اختلف قوله في هذا الأصل هل تعجل الطلقة الآن لما كان الصبر لا يعيد شيئًا، وهو مضرة عليها أو يصبر 160 رجاء أن ينتقل رأيها إلى الصبر.
وإذا طلق بالإيلاء كان لها أن تمنعه 161 الرجعة؛ لأنه ممنوع من الإصابة فإن انقضت العدة، لم يجز أن يتزوجها؛ لأنه ممنوع منها حتى يقدم فلان ولا يجوز تزويج من لا يحل وطؤها ولا يعترض هذا بالحائض؛ لأن ما فوق الإزار مباح له وهذه ممنوعة الجملة.
وقال مالك 162 في كتاب محمد فيمن شرط لامرأته إن هو غاب عنها سنة فأمرها بيدها فغاب سنة، ثم زاد عليها وأرادت الفراق كان ذلك لها إذا لم يطل، فأما الشهر والشهران فلا يضرها وتحلف أن ذلك لم يكن رضي بزوجها أو ما كان أكثر من ذلك فلا قضاء لها إلا أن تكون قيدت وأشهدت أنها قبلت لتنظر، قال محمد: فإن لم تحلف فلا خيار لها، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا يمين عليها وإن أقامت الشهر والشهرين 163. وقال ابن حبيب: وكان ابن كنانة وابن نافع يقولان: إذا جاز الأجل فليس بيدها شيء إلا أن تكون قد أشهدت 164.
الجزء: 6 - الصفحة: 2734
وفي ثمانية أبي زيد: أن ذلك بيدها أبدًا وإن لم تشهد وهو أحسن؛ لأن الشأن في النساء الاستيناء في مثل هذا ويتربص رجاء أن يقدم ويكره أن يعجل بالفراق ليس لأنها يسقط 165 ذلك فإذا طال وشق عليها الصبر قامت وإن استظهرت بيمين فحسن.
وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا طلقت بعد السنة واعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها فأقام البينة أنه كان قدم قبل السنة أنها ترد إليه وإن كان قد دخل بها الثاني، وكذلك إذا شرط إن لم يبعث بالنفقة إلى وقت كذا فأمرها بيدها فرفعت إلى الحاكم وزعمت أنه لم يبعث بالنفقة وطلقت نفسها وتزوجت ثم قدم وأقام البينة أنه كان يبعث بالنفقة سقط التمليك ونزعت من الأخير 166، وإن دخل وردت إلى الأول.
يريد: لأن هذا تعد من المرأة كالتي ارتجعها زوجها وعلمت ثم 167 تزوجت وبمنزلة من باع سلعة ثم تعدى وباعها من آخر وليس بمنزلة أن يكون التعدي من غيرها، ولو ثبت أنه كان بعث بالنفقة فأمسكها المبعوث معه ولم يعطها 168 لكان الطلاق ماضيًا ولم يرد.
ولو أثبت رجل دينًا على غائب فبيعت له داره ثم قدم وأثبت أنه كان قضاه لم يرد البيع إذا فات، وإن كان القائم بالبيع متعديًا؛ لأنَّ التعدي على الذمة وقع فبيع ذلك على 169 التعدي والتعدي في الزوجة على عين المبيع فأشبه ما غصبت عينه ثم بيع بياعات بوجه شبهة، فإن ذلك لا يقطع حق صاحبه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2735
باب فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو قال: الحلال عليَّ حرام، أو ما انقلب إليه حرام، أو ما أعيش فيه حرام وما أشبه ذلك
170
ومن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو قال: أنت حرام، ولم يقل: عليَّ، أو قال: الحلال عليَّ حرام كانت طالقًا، ولو قال: عليَّ حرام، ولم يقل: أنت، أو قال: الحلال حرام ولم يقل: عليَّ، لم يكن عليه في ذلك شيء.
واختلف في أربعة مواضع:
أحدها: إذا قال: أردت بقولي عليَّ حرام الظهار.
والثاني: إذا أراد الطلاق فما 171 يلزمه من عدده.
والثالث: إذا قال: لم أرد طلاقًا وإنما أردت أن أهددها بذلك.
والرابع: إذا حرَّم شعرها أو كلامها.
فقال ابن القاسم: إذا قال أردت بقولي: أنت عليَّ حرام الظهار لا تنفعه نيته وهو طلاق 172. 173
وقال سحنون في العتبية: لا يعجبني ذلك ورأى أنه ظهار 174، وهو أحسن
الجزء: 6 - الصفحة: 2736
إذا لم تكن عليه بينة أو كانت عليه بينة، وقال في نسق قوله ذلك أردت الظهار فقوله 175 لأن تحريم الزوجة يصح بهذين الوجهين: بالظهار والطلاق فإذا قال أردت أحدهما صدق، وقال يحيى بن عمر في المنتخبة: تطلق عليه فإن تزوجها بعد لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار.
وهذا جواب من أشكل عليه الأمر هل يكون ظهارًا أو طلاقًا فأمره بالأحوط وأن يمتثل الوجهين؟.
واختلف إذا أراد الطلاق فيما 176 يلزمه من عدده، فقال مالك وابن القاسم: هو ثلاث قبل وبعد وينوى أنه أراد واحدة قبل البناء ولا ينوى بعد 177.
وقال عبد الملك في المبسوط: هو ثلاث ولا ينوى قبل ولا بعد.
وقال أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم: هو في التي لم يدخل بها واحدة وللمدخول بها ثلاث.
وذكر ابن خواز منداد عن مالك أنها واحدة بائنة، وإن كان مدخولًا بها.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في كتاب ابن سحنون: محمله على واحدة رجعية 178، والقول: إنها قبل الدخول واحدة حسن؛ لأنها بالواحدة حرام، وإذا 179 كان ذلك الاسم يقع عليها بواحدة لم يلزمه أكثر منها.
وأما بعد البناء فتلزمه الثلاث؛ لأنها بها تحرم إلا على القول أنها تصح بواحدة بائنة، وإن لم يكن معها فداء.
وذهب عبد العزيز إلى أن المطلقة تحرم حتى يحدث رجعة، وكذلك قال في التمليك والتخيير، وفي قوله: حبلك على غاربك يقول: إنها قد
الجزء: 6 - الصفحة: 2737
ملكت نفسها وحرمت بالطلاق والرجعة أمر 180 يحدث بعد وقاسه على قوله: طلقتك أو طلقت مني، وقد كان القياس إذا قال: طلقت مني ألا 181 رجعة له فيها 182؛ لأنَّ ما طلق من الإنسان لا شيء في يده 183 منه، وإمساكها خلاف ما أعطاها وكذلك قوله فارقتك يجعل الله -عز وجل- الرجعة نعمة منه لما علم مما يدرك العباد من الندم بعد الطلاق.
وأرى إذا أتى مستفتيًا 184 وقال: أردت واحدة ألا يلزمه غيرها، وكان الزائد لفظًا بغير نية وعكسه لو أراد أن يقول: أنت حرام فقال: أنت طالق، يختلف هل يلزمه ما نوى أو ما نطق به؟ وقد قال ابن القاسم فيمن أراد أن يقول: أنت طالق، فقال: ادخلي الدار فقد عوفي، فجعل الأمر إلى ما نطق به دون ما نوى 185، فكذلك لو أراد أن يقول: أنت طالق، فقال: أنت حرام.
واختلف فيمن قال لزوجته قبل أن يبني بها: إن كلمتُ فلانًا فأنت عليَّ حرام ثم كلمه بعد البناء، فقال سحنون في كتاب ابنه: إن كانت عليه بينة لم ينو 186؛ لأنها يوم الحنث ممن لا ينوى فيها.
الجزء: 6 - الصفحة: 2738
قال 187: وقال بعض أصحابنا إن علم ذلك منه قبل البناء لم يلزمه إلا طلقة وله الرجعة 188. وهذا أبين ولأنه يوم حلف كان ممن ينوى ولا يلزمه الآن أكثر مما كان يلزمه يوم عقد اليمين كانت عليه بينة أو لم تكن، وإن قال: الحلال عليَّ حرام وقال: حاشيت زوجتي، صدق لأنه لم يقل: أنت.
وقال مطرف عن مالك يصدق في المحاشاة وإن كان استحلف في حق لاختلاف الناس في هذا اليمين، فإن كانت اليمين لغير ذلك لم تنفعه النية واليمين على نية الذي 189 استحلفه 190.
واختلف أيضًا إذا قال: كل حلال 191 عليَّ حرام، فقال مالك: تدخل زوجته في ذلك إلا أن يحاشيها بقلبه 192، وقال أشهب: لا تنفعه المحاشاة بقلبه إلا أن يحاشيها بلسانه 193. والأول أحسن؛ لأن المحاشاة ما أخرج من الأول ولم يدخله الحالف في لفظه والاستثناء ما أدخل في اليمين ثم رجع فقال أصبغ: فيمن استحلف غريمه بالحلال عليه حرام فحلف وهو جاهل يظن أن الطلاق لا يدخل في ذلك: فإنه يحنث ولا ينفعه جهله وهو من ألفاظ الطلاق بمنزلة الأعجمي يحلف بالطلاق ولا يدري ما هو ولا حدوده فيلزمه 194 ما يلزم العالم 195.
الجزء: 6 - الصفحة: 2739
قال الشيخ -رحمه الله-: أمَّا من قال: إن اليمين على نية الحالف، وكان هذان يريان أن الزوجة غير داخلة في هذا اليمين (1) فلا يلزمهما شيء إلا على القول بأن الطلاق يلزمه باللفظ من غير نية.
فصل [فيمن قال لزوجته: ما انقلب إليَّ حرامٌ، أو ما أعيش فيه حرام وما أشبه ذلك]
وإن قال: ما انقلب إليَّ 197 من أهلي 198 حرام أو ما انقلب إليه حرام، ولم يذكر الأهل فهو طلاق، فإن قال: حاشيت الزوجة لم يصدق إذا سمى الأهل ويصدق إذا لم يسم الأهل 199. واختلف إذا قال: ما أنقلب إليه حرام إن كنت في امرأة أو إن لم أضربك، فقال ابن القاسم: لا يحنث في زوجته لأنه أخرجها من اليمين حين أوقع يمينه عليها علمنا أنه لم يردها بالتحريم وإنما أراد غيرها، وكذلك إن قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فرقيقي أحرار فإنه يحنث في رقيقه ولا يحنث فيه، وقال أصبغ: يحنث في الزوجة وفي العبد، وإن قال: وجهي على وجهك حرام كان طلاقًا 200. واختلف إذا قال: وجهي من وجهك حرام، فقال ابن القاسم في العتبية:196
الجزء: 6 - الصفحة: 2740
تحرم عليه زوجته 201. وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه 202، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناس في قولهم: عيني من عينك حرام، أو وجهي من وجهك حرام 203. يريد بذلك 204 البغض والمباعدة، وقال محمد فيمن قال: ما أعيش فيه حرام لا 205 شيء عليه 206. يريد: أن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل في ذلك بمجرد اللفظ إلا أن ينويها 207 فيلزمه ما يلزم من قال: أنت عليَّ حرام، وقد كان يقال: لا شيء عليه، وإن أدخلها في يمينه جهلًا أنها من العيش بمنزلة من قال: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق جهلًا منه يظن أنه من ألفاظ الطلاق، وليس كذلك؛ لأن هذا نوى الزوجة وغلط في ظنه أنها من العيش وأوقع عليها الطلاق بقوله حرام، وهو بمنزلة من غلط في اسم زوجته فأوقع عليها الطلاق، والآخر سمَّى الزوجة، ولم ينطق بالطلاق فغلط هذا في الزوجة، وغلط الآخر في الطلاق.
الجزء: 6 - الصفحة: 2741
باب في الريق والكلام والشعر
208
وإن قال: رِيقُكِ عليَّ حرام كانت طالقًا.
وإن قال: بزاقك، لم يكن عليه شيء 209.
واختلف إذا قال: كلامك أو شعرك عليَّ حرام، فقال سحنون: لا شيء عليه 210. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب تحرم عليه في الوجهين جميعًا، قال: وشعرها من محاسنها ومن خلقها حتى يزايلها قال: وكذلك ريقها 211.
وقال أشهب في كتاب محمد: تحرم في الكلام، وقال ابن عبد الحكم لا شيء عليه بمنزلة من قال سعالك علي حرام، وقال محمد: وليس كلامها بمنزلة شيء من جسدها، قال: وقد أُمر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجاب وكان يُسمع كلامهن، ويُكتب عنهن الحديث 212.
قال الشيخ -رحمه الله-: لا تحرم بتحريم السعال؛ لأنه ليس مما يلتذ به ولا بتحريم البصاق؛ لأنَّ البزاق 213 يقع على ما فارق الفم فطرح، وتحرم بتحريم
الجزء: 6 - الصفحة: 2742
الريق؛ لأن ذلك إنما يقع على ما كان في الفم قبل المفارقة وهو مما يلتذ 214 به وهو رضاب، وأمَّا الكلام فإن قصد تحريم استماعه لم تحرم وإن قصد تحريم الالتذاذ به حرمت وبخاصة إذا كانت رخيمة الكلام، وكذلك الشعر هو مما يلتذ 215 به وبرؤيته وبلمسه فتحرم، ولا يقع بذلك عتق، وليس العتق في هذا كالطلاق، وكما لو قال: كلامك عتيق؛ لأنَّ العتق إنما 216 يتعلق بالجسم، وبما لا يصح مفارقته، والطلاق يتعلق 217 بتحريم ما يتلذذ به منها جملة من غير تفضيل.
واختلف فيمن لاعب زوجته فأخذت بفرجه، فقال لها: خلي، فقالت: لا، فقال: هو عليك حرام، وقال: إنما أردت مثل ما يقول الرجل: أحرم عليك أن تمسيه ولم أرد تحريمها، فوقف 218 فيها مالك وخاف أن يكون حنث، ورأى غير واحد من أهل المدينة أن زوجته حرمت عليه بذلك 219.
الجزء: 6 - الصفحة: 2743
باب فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، أو حبلك على غاربك، أو قال: أنت خلية أو برية أو ما أشبه ذلك
وقال مالك فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، هي البتة وإن لم ينوِ به طلاقًا 220. قال الشيخ -رحمه الله-: أنت عليَّ حرام فقط، أو أنت عليَّ حرام كالميتة سواء كل ذلك تحريم، ويجري فيه من الخلاف ما تقدم في قوله: أنت عليَّ حرام.
واختلف إذا قال: أنت خلية، أو وهبتك نفسك، أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو وهبتك إلى أهلك، أو رددتك إلى أهلك، أو وهبتك نفسك، أو وهبت لك نفسك، فقيل: يلزمه في أي هذه الألفاظ الثلاثُ وينوى إن قال: أردت واحدة قبل الدخول ولا ينوى بعد، وهذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه 221، وقيل محمله في التي لم يدخل بها على الواحدة، وهو قول أبي مصعب ومحمد بن عبد الحكم في الحرام، وقول ربيعة 222 وعبد الملك في الخلية والبرية والبائنة، ويلزم على قولهم مثل ذلك إذا قال: وهبتك إلى أهلك أو رددتك لأهلك أو لنفسك ألا يلزم قبل الدخول مع عدم النية إلا واحدة إلا في التي قال: أنت عليَّ كالميتة، فعلى قول عبد اللك: يلزمه قبل الدخول ثلاثة ولا ينوى، وفي مسألتين إذا قال البتة فقال مالك: لا ينوى قبل الدخول 223،
الجزء: 6 - الصفحة: 2744
وقال أبو الحسن ابن القصار: ينوى.
وفي قوله حبلك على غاربك فقال في المدونة: لا ينوى؛ لأنَّ هذا لا يقوله أحد وقد أبقى من الطلاق شيئًا 224. وهذا يقتضي ألا ينوى قبل ولا بعد، وفي كتاب محمد: ينوى قبل 225.
واختلف في هذه الجملة بعدة فقال أشهب في كتاب أبي الفرج في الخلية والبرية: ينوى وإن كان بنى بها 226، وترجح مالك 227 مرة في هذا الأصل، فروى أشهب عنه في مختصر ما ليس في المختصر 228 فيمن 229 قال: أنت طالق واحدة بائنة أو بتة أو خلية أو برية وهي مدخول بها وقال: أردت واحدة لم يقبل قوله، ثم قال لي 230: لا تكتبه لعلي لا أثبت على هذا.
وقال محمد بن عبد الحكم في حبلك على غاربك ووهبتك لأهلك وشأنكم بها واحدة إلا أن ينوي 231 أكثر 232.
الجزء: 6 - الصفحة: 2745
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة في شرح ابن مزين في حبلك على غاربك: يُنَوَّى 233 وعلى أصله أنها واحدة رجعية؛ لأنه قال في الحرام والتخيير أنها واحدة رجعية 234. قال الشيخ -رحمه الله- 235: وأرى أن يحمل كل هؤلاء قبل الدخول مع عدم النية على واحدة؛ لأنها بالواحدة خلية وبرية وحبلها على غاربها وموهوبة ومردودة، وأمَّا بعد الدخول فيحمل على الثلاث؛ لأن 236 بها تبين إلا على القول أنها تكون بائنة وإن أيكن معها فداء 237. واختلف في قوله: فارقتك، فحمله مالك في كتاب محمد مرة على الثلاث قبل وبعد إلا أن ينوى واحدة، وقال أيضًا: إن لم يكن دخل فهي واحدة إلا أن ينوى أكثر وبعد الدخول ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضًا: هي واحدة وإن دخل إلا أن ينوي الثلاث، وقال أشهب: هي ثلاث ولا يُنوى، وقال أيضًا: هي واحدة إلا أن ينوي أكثر 238، والقول إنها واحدة دخل أو لم يدخل أحسن؛ لأن الفراق والطلاق واحد، ومن طلق فقد فارق، ومن فارق فقد طلق، قال الله -عز وجل-: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] ولم يأمرنا بالثلاث، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]. = ابن القاسم ينوي ويحلف، وروى عنه ابن وهب: هي واحدة حتى يريد أكثر وبهذا أخذ ابن عبد الحكم).
الجزء: 6 - الصفحة: 2746
وفرق بين قوله: أنت خلية، وخليت سبيلك، وخليتك، فقال: إذا قال: أنت خلية هي ثلاث قبل الدخول وبعده وينوى قبل ولا ينوى بعد، وحكي عنه في خليت سبيلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن محمل قوله قبل الدخول أو بعده على الثلاث 239 وينوى إذا قال: أردت واحدة قبل وبعد مثل قوله في المدونة.
وقال أيضًا: ينوى قبل ولا ينوى بعد.
والثالث: أن محمله على واحدة قبل وبعد، قال: وإن قال: لم أرد طلاقًا فهو أشده وهي البتة.
وقال محمد في قوله خليتك وسرحتك ذلك سواء، هي 240 واحدة إلا أن يقول في هذين 241: لم أرد طلاقًا فيكون ذلك له إذا حلف، ولا يقبل قوله في خليت سبيلك أنه 242 لم يرد 243 طلاقًا 244. وقال ابن حبيب: خليت سبيلك وخليتك وسرحتك وفارقتك سواء، هو ثلاث في المدخول جها حتى ينوي أقل فيحلف وإن لم يدخل فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك 245 246.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما قوله خلية، فلأن العادة جارية أن يقال: فلانة خلية
الجزء: 6 - الصفحة: 2747
من زوج وخلو من زوج إذا كانت لا زوج لها، وذلك بُعَيْد البينونة، وإن كانت مدخولًا بها.
وأمَّا قوله: خليت سبيلك فهي عبارة عن الطلاق والمراد طلقتك، وكذلك أرى في قوله خليتك، ولا يصدق أنه لم يرد طلاقًا، وأن يحمل في جميع ذلك قبل الدخول على واحدة، وقول ابن شهاب أنت بالسراح أنها طلقة إلا أن ينوى الثلاث (1) حسنٌ (2).
فصل [فيمن قال لزوجته: الحقي بأهلك، أو ما أشبه ذلك]
وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب وبعضه في كتاب محمد فيمن 249 قال لزوجته في غضب أو في غير غضب: الحقي بأهلك، أو اجمعي عليك ثيابك، أو لا نكاح بيني وبينك، أو لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو اذهبي، أو لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمُّه امرأتَه، أو لا تحلين لي، أو احتالي لنفسك، أو أنت سائبة، أو مني عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فذلك كله سواء ليس بشيء إلا أن ينوي به الطلاق فيكون على ما نوى ويحلف، قال أصبغ: وإن نوى به الطلاق ولم ينو عددًا فهي البتة، وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إذا قال: لست لي بامرأة أو يا مطلقة أو لا حاجة لي بك أو اعتزلي أو اخرجي أو تأخري أو انتقلي أو استتري أو تقنعي أو لم أتزوجك، فذلك سواء ليس بشيء إلا أن ينوى طلاقا فيكون على ما نوى247248
الجزء: 6 - الصفحة: 2748
ويحلف، وقال أصبغ: وإن لم ينو عددًا من الطلاق فذلك يحمل على 250 ثلاث حتى يريد واحدة 251.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وبعض هذه الألفاظ أبين من بعض وأشدها قوله: لا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك، أو لست مني بسبيل، أو أنت سائبة أو مني عتيقة، فأرى أن يحمل فيهن على الطلاق ولا يصدق أنه لم يرد بذلك طلاقًا إلا أن يأتي لذلك بوجه.
وقد قال ابن القاسم في كتاب العتق الأول: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك، فإن كان ذلك ابتداء من السيد عتق العبد، وإن كان قبل ذلك كلام يستدل به 252 بأنه لم يرد العتق كان القول قوله 253، وهذا أحسن، وكذلك الطلاق ويحمل في قوله 254 ذلك على الطلاق إلا أن يكون قبل ذلك سبب يعلم أنه لم يرد به طلاقًا.
وأما قوله: لا تكوني لي بامرأة حتى تكون أمه امرأته، فإنه يحتمل كان يريد بذلك أطلقك ولا أبقيك وقد فعلت، فيسأل ما أراد؟ فإن لم تكن له نية بقيت زوجة.
وكذلك قوله: لا تحلين لي يسأل لم كانت لا تحل له؟ فإن قال: لأني ظاهرتك أو طلقتك، صدق، وإن قال: لم تكن لي نية في شيء من ذلك صدق، و 255 كانت زوجة حلالًا؛ لأنها لا تحرم إلا أن يوقع تحريمها بظهار أو طلاق.
الجزء: 6 - الصفحة: 2749
وأما قوله: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام فهو أشد، وأرى أن يحمل قوله على الطلاق؛ لأنه إنما يريد أنه لم يبق بيني وبينك شيء من الأشياء، وليس ذلك بمجرد اللفظ؛ لأن قولَه ذلك مستحيل؛ لأنه لا يجتمع أن تكون ليست بحلال ولا حرام وإنما هي على وجهين، حلال بالزوجية أو حرام بالطلاق.
فصل [فيمن قال لامرأته: اعتدي]
وقال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: اعتدي فهي طالق واحدة 256 ولا يسأل هل أراد به الطلاق؟ ويسأل كم أراد به من الطلاق؟ فإن لم تكن له نية فهي واحدة، وإن قال: اعتدي اعتدي اعتدي، فهي ثلاث إلا 257 أن يريد واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي 258 كانت طلقتين إلا أن يريد 259 واحدة.
وقال في المجموعة: إذا قال: أنت طالق فاعتدي هي طلقتان إلا أن ينوي واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي كانت طلقتين ولا ينوى 260.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق اعتدي 261 أو فاعتدي ليس إلا طلقة وهو أبين؛ لأن حقيقة قوله اعتدي لم توضع للطلاق، وإنما هو أمر بالعدة وقد جعل الله -عز وجل- طلاقًا وعدة، وهذا رجلٌ 262 طلق زوجته وأمرها أن
الجزء: 6 - الصفحة: 2750
تعتد فكان محمله في اللفظين (1) على ما وضع له إلا أن ينوي غير ذلك، وكذلك قوله فاعتدي (2)، وإن كانت الفاء ها هنا أبين، وليس يفهم المطلق ولا يريد طلقة أخرى وليس كذلك إذا قال: اعتدي ابتداء؛ لأنه وإن كان أمر بالعدة، فلأن مفهومه أنه طلق ولا تجب عدة من غير طلاق، وذهب بعض أهل العلم فيمن قال: اعتدي اعتدي اعتدي (3) أنها واحدة وحمل قوله الأول اعتدي على أنه طلاق، ثم كرر الأمر بالعدة وذلك لا يوجب طلاقًا.
فصل [في الطلاق اللازم]
الطلاق اللازم ما اجتمع فيه 266 ثلاثة، نية ونطق وأن يكون ذلك النطق من ألفاظ الطلاق كقوله: طلقتك أو فارقتك أو سرحتك.
واختلف إذا التزم الطلاق بالنية من غير نطق، وإذا نطق بالطلاق من غير نية أو كانت نيته ونطق بغير ألفاظ الطلاق الذي يقول: ادخلي الدار، يريد به الطلاق 267 268.
وقد ذكر محمد عن مالك فيمن أجمع الطلاق بالنية من غير نطق قولين، وجوب الطلاق وسقوطه 269، فأما وجوبه فقياسًا على الإيمان والكفر أنه يقع263264265
الجزء: 6 - الصفحة: 2751
بالاعتقاد من غير نطق، وعلى الحب والبغض أنه يُثاب إذا أحب في الله ويأثم إذا أبغض أولياءه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْكُفْرِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ" 270، وأما سقوطه فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" 271.
وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق ولم يرد الطلاق، وإنما أراد من وثاق وليست في وثاق كانت طالقًا، وقال مالك فيمن قال أنت طالق فزل لسانه فقال: البتة قال: هي ثلاث فألزم الطلاق باللفظ من غير نية 272.
وقال سحنون 273: لا شيء عليه في ذلك وهو أحسن، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ" 274 ولأن الطلاق يتعلق به حق لآدمي وحق لله تعالى، فحقها أنه أعطاها نفسها، ومن أراد أن يقول لرجلٍ: بعتك عبدي فقال: وهبتك إياه لم تلزمه هبة، والحقّ لله تعالى؛ لأنها لو رضيت أن تسقط حقها فيما أعطاها، لم يجز ولم يتوجه الحق لله تعالى إذا زل لسانه، فقال: أنت طالق أو قال البتة، ولقول = مالك: ومن طلق بقلبه ثلاثا مجمعا على ذلك، فلا شيء عليه.
قال ابن عبدالحكم: وقد قيل: إنها تطلق عليه، وليس بشيء، فال أبو محمد: وهي رواية أشهب عن مالك في العتبية).
الجزء: 6 - الصفحة: 2752
الله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تَجَاوَزَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي الخطَأَ.
. ." (1) الحديث إلا أن يكون على الزوج في حين قوله بينة ولا يصدق أنه أخطأ.
وقال مالك وابن القاسم فيمن قال لزوجته: ادخلي الدار، يريد بذلك الطلاق أنها طالق (2).
وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت ادخلي الدار يريد أن الطلاق إنما يقع عندما أقول (3) ليس بنفس اللفظ.
فصل [في محمل قول الزوج: أنت طالق على واحدة]
محمل قول الزوج: أنت طالق، على واحدة.
واختلف هل يحلف أنه لم يرد أكثر؟ فقال ابن القاسم: لا يمين عليه 278.
وقال مالك في كتاب المدنيين فيمن خرج لسفر، فقال لزوجته: إن لم أجئ إلى شهرٍ فأنت طالق، فجاء بعد الشهر وهي في عدتها فارتجعها فقال: لم أرد إلا واحدة، فقال مالك: يحلف.
واختلف أهل العلم إذا أراد بقوله: أنت طالق، الثلاث، فقال مالك275276277
الجزء: 6 - الصفحة: 2753
وأصحابه هو الطلاق بلفظ ونية 279. وقال بعضهم هو طلاق بنية.
وقال مالك في كتاب محمد: إن ناسًا ليقولون: إن نوى بذلك البتة ولم يسم فلا يلزمه إلا واحدة قال: وما هو عندي 280 بالبين وإني لأكره ذلك إذا نوى البتة 281.
قال الشيخ -رحمه الله-: الصواب ما قاله مالك وأصحابه أن طالقًا صفة لحالها 282 أنها صارت ذات طلاق بواحدة أو ثنتين 283 أو ثلاث ولهذا حسن فيه الاستفهام، فيقال لمن قال: امرأتي طالق كم طلقتها ولو كان ذلك للواحدة لم يحسن فيه الاستفهام ولم يحسن قوله: أنت طالق ثلاثًا ولكن 284 بمنزلة القائل واحدة ثلاثًا.
وقال مالك فيمن أراد أن يطلق امرأته قبل الدخول ثلاثًا، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا لزمته الثلاث 285.
وقال إسماعيل القاضي: إن أراد بقوله أنت طالق الثلاث ثم ذكر الثانية والثالثة يريد بذلك بيان 286 ما أراد بالأولى لزمته الثلاث، وإن أراد بقوله أنت طالق واحدة لم يلزمه ما نطق به بعد ذلك؛ لأنه أوقعه على غير زوجة.
وقال مالك فيمن أراد أن يطلق ثلاثًا فقال: أنت طالق ثم سكت لم يقع
الجزء: 6 - الصفحة: 2754
عليه إلا واحدة 287. يريد: إذا كان قصده بقوله طالق طلقة وبقوله ثلاث تمام الثلاث، وإن 288 أراد بقوله طالق الثلاث، وبقوله ثلاثًا البيان عما أراد بقوله طالق، لزمه الثلاث وإن سكت عن ذكرها.
وقال مالك فيمن قال: أنت طالق وأراد أن يقول: إن كلمت فلانًا، فلما تمَّ قوله أنت طالق بدا له في اليمين فسكت، لم يلزمه شيء 289. وهذا يحسن فيمن أتى مستفتيًا أو فهمت عنه البينة أن ذلك قصده؛ لأن ذلك سبب المنازعة، وإن لم يتقدم لذلك ذكر لم يصدق، ولو قال: أردت إن دخلت الدار أو لا دخلت الدار إليك وقال ذلك بفور قوله صدق.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: أنت طالق البتة أنت طالق البتة إنْ أذنت لك لموضعٍ سَمَّاه كانتْ سألته الخروج إليه 290: هو حانث أذن لها أو لم يأذن، قال: وما هو بالبين وإن فيها لإشكالًا 291.
قال ابن القاسم: وإنما أراد مالك أنه طلقها في الأولى بالبتة ثم ندم فاستدرك، قال ابن القاسم: وأرى أن يحلف أنه ما أراد إلا أن يسمعها اليمين ويدين، فإن لم يحلف رأيته حانثًا 292.
الجزء: 6 - الصفحة: 2755
فصل [فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح]
واختلف فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح، أو طلقة بائنة، أو طلقة لا رجعة فيها، فقيل في قوله طلاق الصلح هي ثلاث؛ لأن طلاق الصلح بائن والبينونة لا تصح بواحدة إلا أن يكون معها فداء، وقيل: واحدة رجعية لأنه إنما التزم من العدد واحدة فلا يلزم أكثر منها وله الرجعة؛ لأن سقوطها إنما يكون مع الفداء أو ما 293 يمنع من ذلك لحق الزوجة مثل أن يطلق لعدم النفقة أو لعيب يحدث به ولا تصح الرجعة مع بقاء الوجه 294 الذي لأجله وقع الطلاق وقيل: هي 295 طلقة بائنة حسب ما نوى 296؛ لأن الرجعة من حقه فإذا أسقط عنها حقه فيها لزمه وهو أبين.
وقال مالك فيمن قال: أنت طالق طلقة بائنة: إنها تبين بثلاث 297.
وقال محمد بن عبد الحكم: أخبرني ابن وهب أو أخبرت عنه أن مالكًا سُئل عنها فقال: هي واحدة وله الرجعة، وبه أخذ ابن عبد الحكم.
وأرى أن يسأل ما أراد بقوله بائنة، فإن قال: أردت الصفة للطلاق وأنها فعلة تبين بها كانت ثلاثًا وإن قال: أردت من العدد واحدة عاد الجواب إلا ما تقدم فيمن قال: أنت طالق طلاق الصلح وقال فيمن قال: أنت طالق تطليقة ينوي لا رجعة في عليك فيها ولا ينوي الثلاث كانت واحدة وله الرجعة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2756
وقوله لا رجعة في عليك 298 ونيته باطل، يريد أن ذلك سواء قال ذلك قولًا أو نواه.
وقال في كتاب محمد: إذا قال: أنت طالق ولا رجعة في عليك فله الرجعة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال: أنت طالق لا رجعة في عليك كانت البتة، وإن قال: ولا رجعة لي كانت له 299 الرجعة 300.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما قوله طلقة ينوي لا رجعة لي فيها أو قال ذلك نطقًا فهو بمنزلة من قال: أنت طالق طلقة بائنة؛ لأن ذلك صفة للطلقة، وأما قوله لا رجعة لي عليك أو ولا رجعة لي عليك فليس بصفة للطلقة وإنما أسقط حقه في الرجعة، ولو قال: أنت طالق طلاقًا لا رجعة فيه لكانت ثلاثًا قولًا واحدًا؛ لأن الطلاق يعبر به عن الواحدة والثلاث، فإذا قال: طلاق لا رجعة فيه كانت صفة للطلاق أنه ثلاث.
والظاهر من المذهب فيمن طلق زوجته واحدة ثم قال لها بعد ذلك: أسقطت عنك حقي في الرجعة أو لا رجعة في عليك أن له الرجعة 301، وقوله ذلك ساقط 302 والقياس ألا رجعة له؛ لأن الرجعة حق له على الزوجة فإذا أسقط حقه عنها لزمه كسائر الحقوق.
الجزء: 6 - الصفحة: 2757
وقال ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق أبدًا: فهي البتة ويتزوجها بعد زوج إلا أن يريد كلما تزوجتك 303. قال 304 محمد: وكذلك الذي يقول: أنت طالق كل يوم أتزوجك أبدًا وإن قال: إن تزوجتك أبدًا فأنت طالق لا شيء عليه إلا مرة واحدة، وإن قال: إن تزوجتك فأنت طالق أبدًا كانت البتة، وإن قال: كلما تزوجتك لم تحل أبدًا، ووقف محمد في قوله: أنت طالق أبدًا 305.
الجزء: 6 - الصفحة: 2758
باب جامع
واختلف فيمن باع زوجته، فقال مالك في المبسوط: ينكل نكالًا شديدًا وتطلق عليه بواحدة 306، وليس له أن يرتجعها ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف منه التوبة والصلاح مخافة إن تزوجها أو غيرها أن يبيعها، ولم يجعل بيعه لها طلاقًا.
وقال ابن نافع: هي طلقة بائنة، قال سحنون: غاب عليها 307 أو لم يغب، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب محمد: حرمت عليه كالموهوبة، قال محمد: وهذا 308 أحب إلينا من قول ابن القاسم، وقال ابن القاسم في العتبية: بيعه طلاق، قال ابن وهب: وترجم إن أقرت أن المشتري أصابها طائعة وإن ادعت الإكراه لم ترجم 309. وقول مالك لا يكون البيع طلاقًا أحسن إلا أن يكون نوى ذلك؛ لأن البيع إنما يتضمن التمكن منها، ولا خلاف فيمن مكن من 310 زوجته من غير بيع أن ذلك ليس بطلاق وقد يبيعها ويواطئها أن تهرب إليه أو يجعلها تثبت حريتها.
ويختلف أيضًا إذا زوجها على مثل ذلك، وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته 311: اذهبي فتزوجي فلا حاجة لي بك، أو قال لأمها: زوِّجي ابنتك فلا حاجة لي بها، فلا شيء عليه ما لم يرد بلفظه 312 ذلك طلاقًا، وقاله أصبغ 313، فإن
الجزء: 6 - الصفحة: 2759
هي زوجتها بعد وفاء عدتها من يوم قال ذلك بحضرتها وعلمها، فقد بانت منه 314، ولا يقبل قوله إن قال: لم أرد طلاقًا، وقال محمد: لا يعجبني قول أصبغ إلا أن يكون الزوج يعلم أن ذلك ليس بطلاق فألزم ذلك نفسه، فأما إن ظن أن ذلك طلاق فتركها حتى اعتدت لم يضره إلا أن يتزوجها 315 غيره أو يقول: أردت بذلك الطلاق فلزمه إلا أن تتزوج بعلمه وتسليمه، فيلزمه الطلاق ويفسخ نكاح الثاني؛ لأنه إذا لم ألزمه الطلاق ألا يتزوجها بالعدة من يوم تزوجت 316. وقال مالك فيمن حلف للسلطان طائعًا في أمرٍ فقال: امرأتي طالق إن كذا وكذا لأمرٍ كذب فيه وأتى مستفتيًا وزعم أنه أراد امرأة كانت له قبل ذلك، وألغز على السلطان بيمينه قال: لا ينفعه ذلك 317 وامرأته طالق 318. قال ابن القاسم فيمن قال حكمة الطلاق 319، وله زوجة تسمى حكمة وجارية تسمى حكمة، وقال: أردت جاريتي، كان القول قوله إذا لم تكن عليه بينة 320 قال: وليست كمسألة مالك لأن هذا إنما سمى حكمة والآخر قال: امرأتي، فأضاف الأمر 321 إلى نفسه، وقول مالك: إنه حانث يحتمل أن يكون ذلك لأنه رأى أن اليمين على نية المحلوف له وأنه أطاع باليمين في أمرٍ نجا به
الجزء: 6 - الصفحة: 2760
لو لم يحلف لطلبه 322 السلطان بما حلف عليه، وكان 323 طلبه إيَّاه في حق، ولو كان في باطل وفي أمر لم يلزمه لكان مكرهًا أو لأنه رآه طلاقًا بلفظ دون نية فألزمه إياه كالذي أراد أن يقول: ادخل 324 الدار فزلَّ لسانه فقال: امرأتي طالق، وإنما لم يصدق مع البينة؛ لأنه أتى بما لا يشبه؛ لأن الجارية لا تطلق، ولو كانتا زوجتين تسمى كل واحدة منهما حكمة لصدق، وإن كانت عليه بينة.
وقال محمد في كتاب الإقرار الثاني فيمن حلف بطلاق امرأته عائشة فحنث، فرفع أمره إلى السلطان فأقر وقال: لي امرأة أخرى تسمى عائشة غائبة والغائبة 325 أردت، فقال: إن علم ذلك دين، وإن لم يعلم حيل بينه وبين الحاضرة وحكم بفراقها 326 واعتدت وتزوجت سواه إن شاءت.
فإن تبين بعد ذلك صدقه قبلت نيته وردت إليه التي طلقت عليه.
وقوله: تطلق عليه مع إمكان صدقه ليس بحسن وأرى أن يحال بينه وبين هذه ويكتب إلى الموضع الذي قال، فإن تبين صدقه قبل قوله 327 وبقيت هذه 328 زوجة، وإن تبين كذبه طلقت عليه هذه.
تَمَّ كتابُ التخييرِ والتمليكِ، وَالحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ
الجزء: 6 - الصفحة: 2761