التبصرة للخميكتاب الزكاة الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 3 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368/ 4) 4 - (م) = نسخة مراكش رقم (112/ 1)

الجزء: 2 - الصفحة: 855

كتاب الزكاة الأول

باب في وجوب الزكاة, وقتال مانعها, وفيما تجب فيه الزكاة من الأموال وذكر النصاب والحول

أوجبَ اللهُ سبحانَه الزكاةَ في غيرِ موضع منْ كتابِه، وقتال منْ منَعَها 1، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] فلم يرفع القتل والقتال وإن تابوا وأقاموا الصلاة؛ إلا أن يؤدوا الزكاة، وأخبر أنه ممن ينفذ فيه الوعيد يوم القيامة، فقال: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: 35]، وقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. وثبتت الأخبارُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذه الآيات الثلاث 2: وجوب الزكاة، وقتال مانعها، وعقوبته في الآخرة بمثل ذلك.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" 3. وبعثَ معاذًا إلى اليمن، فقال له: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي

الجزء: 2 - الصفحة: 857

رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" 4. وقال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" 5. فلم يجعل لهم عصمة دمهم وإن آمنوا وصلوا وأقروا 6 بالصلاة وبالزكاة إلا بأدائها، وهذا في الجماعة التي تقدر على الامتناع فيحتاج معها إلى القتال، وأما الواحد وما أشبه ذلك 7 والنفر اليسير 8؛ فتؤخذ منه بالقهر وتجزئه ولا يقتل.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ أَنَا مَالُكَ، ثُمَّ تَلاَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ.
. .﴾ الآية [آل عمران: 180]. وقد اجتمع على هذه الأحاديث البخاري،

الجزء: 2 - الصفحة: 858

ومسلم 9. وزاد مسلم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ" 10. وجميع هذه الآيات والأحاديث من باب المجمل يفيد وجوب الزكاة دون معرفة ما يصح الامتثال به، ومعناها ومعنى ما يتعلق بها من الأحكام 11؛ وهي ستة: معرفة الجنس الذي تجب فيه الزكاة، والنصاب، والقدر الذي يؤخذ، والوقت الذي تؤخذ فيه، والمخاطب بالزكاة، والوجه الذي تصرف فيه.
فالجنس ثلاثة: العين، والحرث، والماشية.
قال مالك: وهي السُّنَّة المعمول بها عندنا.
فالعين: الذهب، والفضة، وما يكون عن الحرث من الأطعمة المقتاتة التي هي أصل للمعاش 12. والماشية: الإبل، والبقر، والغنم 13. ونصاب الفضة: خمس أواقٍ، والذهب: عشرون دينارًا، والذي يجب فيهما ربع العشر.

الجزء: 2 - الصفحة: 859

ونصاب الأطعمة: خمسة أوسق، والذي يجب فيها العشر حالة، وحالة نصف العشر، ونصاب الماشية والذي يجب فيها مختلف غير مقصور على شيء واحد، يذكر في موضعه إن شاء الله.

فصل [في الوقت الذي تجب فيه الزكاة]

والوقت الذي تجب فيه على ثلاثة أقسام: مرور الحول في العين حالة، وحالة بنفس الملك، وهو إذا صار له من معدن.
ومرور الحول ومجيء الساعي في الماشية لا تجب إلا بمجموعهما إذا كان قوم لهم ساعٍ، فإن لم يكن طم ساع 14، فمرور الحول كالعين.
والزهو وبدو الصلاح في الثمار والزرع وإن لم يحل الحول.
والمالك المأمور بها: الحر المسلم.
والذكر والأنثى، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون في ذلك سواء، وهي ساقطة عن العبد.
والمستحق لها ومن تُصْرَف إليه: المُسَمَّوْن في كتاب الله -عز وجل- في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا.
. .﴾ [التوبة: 60].
وصفة إصرافها يأتي فيما بعد إن شاء الله -عز وجل-.

الجزء: 2 - الصفحة: 860

باب في زكاة العين

والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
. .﴾ الآية [التوبة: 34]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ 15 صَدَقَةٌ" 16، وقوله: "فِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" 17، وقوله: "فِي عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْف دِينَارٍ" 18. فأفادت الآية تعلق الزكاة بالعين دون معرفة النصاب والقدر الذي يؤخذ، وأفاد الحديث الأول معرفة نصاب الورق دون ما يؤخذ منه، وأفاد الحديث الثاني معرفة ما يؤخذ للفقراء وغيرهم، وأفاد الحديث الثالث معرفة نصاب الذهب والقدر المأخوذ منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 861

واختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع: أحدها: الآية، هل المراد بها غير الزكاة؟ والثاني: نصاب الذهب.
والثالث: الرقة، هل هو اسم للورق خاصة، أو للذهب والورق؟ فأما الآية فقيل: المراد بها النفقة في الجهاد، ثم نسخ ذلك بالزكاة.
وقال غير واحد من الصحابة وغيرهم: المراد بها الزكاة، وهو أحسن.
والقول أن الآية منسوخة بالزكاة غير صحيح؛ لأن سورة براءة من آخر ما نزل، وقد كان الأمر بالزكاة في سورة المزمّل وهي مكية من أول ما نزل، وأثني على فاعلها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ 19، وهي مكية.
وقد كان إخراجُ الزكاة بالمدينة قبل براءة 20 ظاهرًا، يُبعث 21 السعاة فيها والعمال عليها.
وقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] محتمل أن يريد جميع من سمى في الآية الأخرى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ.
. .﴾ [التوبة: 60]؛ لأن كل ذلك من سبيل الله.
قال مالك: سبل الله كثيرة 22. ويحتمل أن يريد الجهاد بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾؛ لأن الجهاد أحد الوجوه التي تصرف فيها الزكاة، ولا خلاف أن ذلك لم ينسخ.
واختلف الناس في نصاب الذهب، فقيل: المعتبر فيه الفضة؛ لأن الحديث

الجزء: 2 - الصفحة: 862

فيه لم يصحّ، فمن مَلَك من الذهب ما يبلغ قيمته نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، وإن كان عدده أقل من عشرين دينارًا، وما لم يبلغ قيمته نصاب الفضة لم تجب فيه زكاة وإن كان عدده أكثر من عشرين دينارًا، فإن اتفق أن كان العدد عشرين دينارًا والقيمة مائتي 23 درهم وجبت الزكاة قولًا واحدًا.
والقول الأول أصوب؛ لأن الحديث قد صحبه العمل بالمدينة.
قال مالك: السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا كما تجب في مائتي درهم 24. وهذا مما يتكرر نزوله، ويشهد العمل 25 به, فلا يعارض بقياس ولا غيره 26، والأوقية أربعون درهمًا، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا".
وَالنَّشُّ 27: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم.
انتهى قولها، أخرجه مسلم 28. والدينار: درهم وثلاثة أسباع درهم، وهو سُبُع العشرة.
والعشرة دراهم: سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 863

فصل

واختلف إذا كانت العشرون دينارًا نقصًا، وتجوز بجواز الوازنة على ثلاثة أقوال: فقيل: فيها الزكاة.
وقيل: لا زكاة فيها.
وقيل: إن كان النقص يسيرًا زُكّيت وإلا فلا.
قال مالك في الموطأ: فيها الزكاة دنانير كانت أو دراهم وإن كانت بينة النقص 29. ولم يحد في النقص حدًا.
وقال في كتاب محمد: فيها الزكاة وإن كان كل دينار ينقُص عن الوازن ثلاث حبات 30، وذكر الأبهري عنه أنه قال: لا زكاة فيها إلا أن يكون ذلك النقص مما تختلف فيه الموازين 31، فإن كان النقص في أكثر الموازين فلا، فراعى في هذا القول الوازن، ولم يراع الجواز.
ولابن القاسم في العتبية: التفرقة بين النقص الكثير واليسير 32. وقاله مالك أيضًا.
والقياس أن لا زكاة فيها إذا كانت تنقص عن القدْر الذي أوجبه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه حدَّ لنا حدًّا تجب به، فما دونه لا زكاة فيه.
والاستحسان أن يزكى لما كان مالكها ومالك الوازنة فيما يتصرفان فيه بهما سواء.
فإن كان النقص كثيرًا، ولا تجوز بجواز الوازنة- لم تجب فيها الزكاة قولًا

الجزء: 2 - الصفحة: 864

واحدًا، وكذلك إذا كان النقصُ من عددِ الدنانير أو الدراهم قليلًا أو كثيرًا.
فإذا كانت الدراهم غير خالصة؛ مختلطة بالنحاس مثل الدراهم الجارية اليوم- فإنه ينظر إلى وزن ما فيها من الفضة، وقيمة ما فيها من النحاس.
ويختلف هل تقوّم السكة أم لا؟ 33 وأن تقوّم أبين.
وتضاف الفضة والذهب في الزكاة، فمن كان عنده عشرة دنانير، وأوقيتان ونصف فضة- وجبت فيها الزكاة، وأخرج من كل واحدة ربع عشره، ومن وجبت عليه زكاة ذهب؛ فلا بأس أن يخرج عنها دراهم؛ لأنها أسهل على الفقير من التصرف بها، ولأن الصرْف لا 34 يختلف، فلم يدخل عليهم في ذلك ضررٌ.
واختلف هل يُخْرج عن الدراهم ذهبا أم لا؟ 35 فأجازه مالك في المدونة 36، وقيل 37: ليس ذلك له؛ لأنه يكلف الفقير ما 38 كان له مندوحة عنه، فإن فعل أجزأ؛ لأنه لم يَغبنه في قيمة 39، ولا أجرة لمن يتكلف صرف مثل ذلك.
وإذا أخرج عن الذهب فضة أو عن الفضة ذهبًا، فإنه يخرج قيمة ذلك؛ لأن المساكين بذلك الجزء كالشركاء، فجاز أن يشتريه بفي كان يبيعه الفقير لو دفع ذلك إليه، وقد قيل غير ذلك مما هو خطأ، وإذا كان مع رجلٍ أربعون دينارًا مسكوكة؛ أخرج دينارًا 40 منها.

الجزء: 2 - الصفحة: 865

وإن كانت عشرون دينارًا صحاحًا؛ كان بالخيار، فإن أحب أخرجَ قيمةَ نصفِ دينارٍ مسكوكٍ، أو أخرج دينارًا فباعه فأعطى المساكين نصف ثمنه وأمسك لنفسه نصفه؛ لأنه لا اختلاف أنه يخرج عن أربعين دينارًا، منها مسكوكًا أو مثله، فكذلك إذا كان الواجب فيها نصف دينار؛ فإنه يخرج قيمة نصف المسكوك، ولو كانت الأربعون سِككًا 41 مختلِفة أخرج قيمة ربع عشرها.
واختلف في الحلي إذا كان للتجارة وهو غير مدير.
فقيل: يُخرج ما وجَب عليه من ذلك مَصوغًا، أو قيمة ذلك الجزء على أنه مصوغ؛ لأن الصياغة تبع، فيجري على حكم الأكثر.
وقيل: يخرج عن الذهب دون الصياغة، فيخرج وزن ذلك الذهب ومثله في الجودة على أنه غير مصوغ؛ لأن الصياغة كالعرض، فإذا باعه بعد ذلك، أُخرج عما زادت الصياغة، إلا أن يكون مديرًا، فيخرج عن قيمتها مَصُوغًا.
وأما الآنية فيخرج عن الوزن دون الصياغة التي فيها، قولًا واحدًا.
وقال ابن القاسم في المدونة: وإن كان وزنها خمسمائة درهم، وقيمتها لموضع الصياغة ألفًا، خَرَّجَ عن الوزْن وحده 42. قال: ولو اشترى إناءً مصوغًا، وزنه عشرةُ دنانيرَ، وقيمتُه عشرون- لم يزكه الآن.
فإن باعه بما تجب فيه الزكاة- زكَّاه ساعة بيعه إذا حال الحول بمنزلة ما لا تجب فيه الزكاة يحول عليه الحول، فربح فيه فباعه بما تجب فيه الزكاة- فإنه يزكيه مكانه 43.

الجزء: 2 - الصفحة: 866

ومحمل جوابه, على أنه يراد به التجمل دون الاستعمال.
ولو كان يراد للاستعمال، لكسِرت في يد من هي في يده، وإن باعها نقض البيعُ، فإن أفاتها تصدق بما ينوب الصنعة؛ لأنه ثمن لما لا يحل.
فإن كانت تراد للتجمل خاصة- صح الجواب على ما قال في المدونة؛ لأن ذلك غير محرّم، ويحتمل أن يكون ذلك عنده مما يُكره، فأمره أن يزكي عن الوزن؛ لأنه لا يستحسَن بقاءها للتجمل.
فإن باعها على حالها- مضى البيع وزكَّى عن الثمن، أو يقول: ذلك جائزٌ ابتداء.
فيزكي عن الوزن دون الصياغة إذا كان له قدرٌ وَبالٌ، حسب ما قال إن الوزْنَ خمسمائة، والقيمةَ ألفٌ، أو الوزنَ عشرةٌ، والقيمةَ عشرون، ولو كانت تبعًا، لزكى عن جميع ذلك قبل البيع على القول أن الأتباع لا تُراعَى، وإن كان مديرًا زكَّى عن الجميع وإن لم تكن تبعًا، ويلزم على قوله إذا لم تكن تبعًا وكان مديرًا في تلك الآنية- أن يزكي الآن، وُيتم بالصياغة النصابَ إذا كان الوزن عشرة، والقيمة عشرون، وهو بمنزلة رجل في يده عشرة دنانيرَ، وعرض قيمته عشرة وهو مما يُدارُ.

الجزء: 2 - الصفحة: 867

باب في زكاة الحلي, والسيف المُحلي, والخاتم, وما أشبه ذلك

لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الحُلي شيءٌ.
وقال الترمذيُّ محمد بنُ عيسى: لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيءٌ، وثبت عن عائشة، وأسماء وجابر، أنهم كانوا لا يرون في حُلي النساء إذا اتخذنَه للباس زكاة.
وروي ذلك عن أنس، وعمر 44 وغيرهما 45 وهو قول مالك 46. والحليُ في وجوب الزكاة وسقوطها إذا كان مِلكًا للرّجل على تسعة وجوه 47: تجب في وجه، وتسقط في وجه، ويختلف في سبعة أوجه.
فتجب إذا اتخذه تجارة، وتسقط إذا اتخذه قنية لزوجته، أو أمته، أو ابنته، أو ما أشبه ذلك ممن يجوز لها استعماله.
واختلف إذا اتخذهُ ليتزوج به امرأة، أو أمَةً يُحليها إياهُ 48 إذا تزوج أو اشترى، أو لابنة له لتلبسه إذا كبرت، أو للإجارة, أو كنزًا، أو ليبيعَه

الجزء: 2 - الصفحة: 868

ولا يتربص به غلاء، أو عدم النية، ولم ينو فيه قنية ولا غيْرها.
فذكر محمد بن المواز عن مالك فيمن حبسه ليُصْدِقه امرأة يتزوجها أن فيه الزكاة.
وعن أشهب سقوطُها.
وذكر ابن حبيب فيمن حبسه لامرأة يتزوجها، أو أمة يشتريها، قال عن 49 ابن القاسم: تجب الزكاة فيه.
وعن أشهب وأصبغ: سقوطُها.
والقول أن الزكاة واجبة في السؤالين جميعًا أحسن؛ لأن الوجه الذي يوجب سقوط الزكاة لم يكن، وهو الآن كنز؛ وعلى هذا يجري الخلاف فيمن أمسك حُليًّا لابنة له لتلبَسه إذا كبرت فتجب الزكاة على قول مالك وابن القاسم 50، وتسقط على قول أشهب وأصبغ 51، وأن تجب أصوبُ، وقد تقدم وجه ذلك.
وذكر بعض البغداديين عن مالك فيمن اتخذه للإجارة 52 روايتين: وجوب الزكاة، وسقوطها.
وقال محمد بن مسلمة، وعبد الملك ابن الماجشون: تجب فيه الزكاة 53. وهو أبين؛ لأن الصواب فيما اتخذ من الديار والعبيد للإجارة- أنه في معنى التجارة، وهو في الحلي أبين، ولأن الأصل وجوب الزكاة فيما يراد للتنمية، وسقوطها فيما لا يراد لذلك كالسكنى والاستخدام.
وأما 54 ما أريد به الإجارة، فقد أريد به التنمية، ولا فرق بين أن يريد ذلك من أثمان الرقاب، أو من الغلات.

الجزء: 2 - الصفحة: 869

واختلف فيمن ورث حليًّا، وحبَسه للبيع، أو لحاجة إن احتاج إليه (1) في المستقبل.
فقال ابن القاسم: تجب فيه الزكاة (2). وقال أشهب في مدونته: لا زكاة فيه.
يريد أنه إنما تجب الزكاة إذا حبَسه ليرجُو له (3) حوالة الأسواق وغلاءها، فيكون تجارة، وإذا حبَسه لبيعه ولا ينوي بحبسه غلاء الأسواق- فليس بتجارة؛ وعلى هذا لو ورثه ولم ينو فيه شيئًا من هذه الوجوه؛ لا تجارة ولا قنية، لزكَّاه على مذهب ابن القاسم، ولم يزكه على مذهب أشهب.
فرأى ابن القاسم أنه كالعين، تجب فيه الزكاة ما لم تكن نيته القنية: وهي استعماله.
ورأى أشهب أنه كالعرض، لا زكاة فيه حتى ينوي به التجارة.
وإلى هذا ذهب مالك في مختصر ما ليس في المختصر، فقال: فيمن ورث حُليًّا ولم ينو به التجارة كان على حال القنية (4).

فصل إذا كان الحلي لامرأة

والحلي إذا كان لامرأة، على ستة أوجه: فإما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو كنزًا، أو تجارة، أو لابنة لها تلبسه 59 الآن، أو بعد ذلك.
فتسقط منه الزكاة في وجهين: وهو أن تتخذه للباس 60، أو لابنة لها لتلْبسه الآن.55565758

الجزء: 2 - الصفحة: 870

وتجب في وجه وهو أن تتخذه للتجارة.
ويختلف في ثلاثة أوجه: إذا اتخذته للإجارة، أو كنزًا، أو لابنة لها لتلبَسه إذا كبرت.
فذكر بعض البغداديين عن مالك في الحلي إذا اتخذ للإجارة روايتين: وجوب 61 الزكاة، وسقوطها.
وعن محمد بن مسلمة: وجوبها 62. ولم يفرق بين ملكِه لرجل، أو لامرأة.
وذكر ابن حبيب عن مالك وأصحابه، أن لا زكاة عليهن فيه إذا اتخذنه ليكرينه من العرائس، أو ليُعرنَه ولا حاجة لهن في لباسه.
قال: لأنه من لباسهن، وهن إن شئن أن يلبَسنه لبِسنه.
ولو كان لرجل يُعيره، أو يكريه- لزكَّاه.
وفرّق في ذلك بين الرجال والنساء، ولا فرْق بين السؤالين.
ومتى اعترفت المرأة أنها لم تتخذه لنفسها، وإنما اتخذته لغيرها؛ للإجارة، أو لعارية- كانت فيه 63 كالرجال.
وقال مالك في المدونة في المرأة تتخذ الجيب 64 لتكريَه للعرائس: لا زكاة عليها فيه 65. وقال في كتاب محمد: وإن كانت ممن قد عَنست ولا تنتفع به- فلا زكاة عليها

الجزء: 2 - الصفحة: 871

فيه.
وهذه الرواية أشد من رواية ابن حبيب؛ لأن الجيب مما يُتخذ للعرائس خاصة، ولا تلبسه من عنست بحال، وهو كنزٌ إلا أن تريد به الإجارة.
وإن حبَسته لابنة لها إذا كبرت تلبَسُه، فاختلف في زكاته حسب ما تقدم، وإن انكسر من حليهن فحبسنه ليعرنه- فهو على ما كان عليه قبل ذلك، لا زكاة عليهن فيه إذا كان قبل ذلك على وجه لا تجب فيه الزكاة.
وما كان لهن مما اتخذنه لشعورهن، وأزرار جيوبهن، وأقفال ثيابهن، وما جرى مجرى لباسهن- فلا زكاة عليهن فيه؛ لأنه قنية (1) لوجه جائز.
وما كان من ذلك لغير لباسهن: كحلية المرايا، والصناديق، والمفدمات (2)، والمذاب (3)، وما أشبه ذلك مما لا يجوز اتخاذه ولا استعماله في ذلك الوجه، فعليهن فيه الزكاة.

فصل لا زكاة على الرجل في خاتمه وحلية مصحفه وسيفه

ولا زكاة على الرجل في خاتمه، ولافي حِلية 69 مصحفه وسيفه، وما شبه ذلك مما اتخذه للقنية بوجه جائز.
واختلف في حِلية المنِطقة، والفاتخة 70، والدَرَقَة 71، والرمح: فأجيز، ومُنع؛ فمن منع ذلك، أوجب الزكاة؛ ومن666768

الجزء: 2 - الصفحة: 872

أباحه، لم يجعل فيه زكاة.
ويختلف في زكاة حلي الصبيان، فقال ابن شعبان: فيه الزكاة.
والظاهر من قول مالك، ألا زكاة فيه (1)؛ لأنه قال: لا بأس أن يُحْرموا وعليهم الأسورة (2)، وإذا جاز لهم لباسُه لم تكن فيه زكاة (3).

فصل من اشترى حليًا للتجارة وفيه الذهب والفضة والزبرجد والياقوت

وقال مالك في المدونة، في رجل اشترى حليًا للتجارة وفيه الذهب، والفضة، والزبرجَد، والياقوت، قال: ينظر إلى ما فيه من الذهب، والفضة فيزكيه، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت حتى يبيعه 75، فإذا باعه؛ زكاه ساعة يبيعه 76 إن كان حال عليه الحول.
وإن كان ممن يدير ماله في التجارة، زكَّى 77 عن وزن ما فيه من الذهب والفضة، وقوَّم ما سواهما 78. ومحمل قوله، على أنه منظوم ليس بمصوغ عليه، لقوله: يزكي وزن الذهب والفضة 79. واختلف إذا كان مربوطًا مصوغا عليه.
فقال مالك في المدونة: إذا كان لا727374

الجزء: 2 - الصفحة: 873

يستطيع نزعه، فهو كالعرض يُشترى للتجارة فلا زكاة فيه حتى يبيعه فيزكيه زكاة واحدة 80. يريد: وإن مضت له سنون قبل البيع.
قال: وإن كان ممن يدير قَوَّمه 81. قال في كتاب محمد: وإن كان الذهب والفضة، جُلّ ذلك أو أكثره- فلا أبالي، ولا زكاة فيه حتى يبيعه.
وقال أيضًا: يزكي ما فيه من الذهب والفضة.
يريد: بالتحري، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد حتى يبيعه، إلا أن يكون مديرًا، فيقوّمه.
وقيل في هذا الأصل يراعي الأكثر، فإن كان الأكثر الذهب والفضة- زكَّى جميع ذلك، وإن كان اللؤلؤ 82 والزبرجد الأكثر 83 - لم يزكه.
وهذا الجواب في الشراء.
وأما 84 الميراث فلا زكاة فيه على قوله في المدونة، أنه كالعرض حتى يبيعه ويستأنف بالثمن حولًا 85. وعلى القول الآخر يتحرى الذهب والفضة فيزكيها، ولا شيء عليه فيما سوى ذلك حتى يبيع، فيستأنف بما ينُوب اللؤلؤ والزبرجد حولًا، وسواء كان ممن يدير 86 أم لا.
وعلى القول بمراعاة الأكثر؛ يزكي جميعَه.
و 87 إن كان الذهب والفضة الأكثر؛ يزكي الذهب والفضة بالتحري، وما سواهما بالقيمة.
و 88 إن كان الذهب والفضة الأقل؛ لم يزكه.

الجزء: 2 - الصفحة: 874

باب في زكاة الأرباح، وأولاد الماشية والغلات, ومن تجِر في ماله بعد الحولِ وقبل أن يُخْرِجَ زكاته، أوضَاع مالُه عند تمامِ الحولِ

وأرباحُ العين- الذهبُ، والفضةُ- تزكى 89 على حولِ الأصل، فمن كان له مائة درهم، فباعها عند رأس الحول بعشرين دينارًا- زكاها حينئذ، أو كانت 90 له عشرون دينارًا، فتجر بها 91، فباع ذلك عند رأس 92 الحول بأربعين دينارًا- زكى عن الجميع.
وهذا هو المعروف من قول مالك وأصحابه.
ورُويَ عنه أن الربح فائدة، فإن كان الأصل أقلَّ من نصاب؛ استأنف بالجميع حولًا، وإن كان الأصل نصابًا؛ زكَّى الأصل، ولم يزكِّ الربح حتى يتم له حول.
وقال ابن القاسم فيمن كانت له عشرة دنانير حال عليها الحول، فأنفق منها خمسة دنانير، ثم اشترى بالخمسة الباقية سلعة، فباعها بخمسة عشر- فلا زكاة عليه.
وإن تقدم الشراء، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر- زكَّى عن جميع ذلك نصف دينار 93. وذكر سحنون عن غيره أنه قال: عليه الزكاة إذا باع بخمسة عشر، وسواءٌ 94

الجزء: 2 - الصفحة: 875

تقدم الإنفاق أو الشراء 95. وقال أشهب في كتاب محمد: لا زكاة عليه، تقدم الشراء أو البيع 96، إلا أن يبيع بعشرين دينارًا 97. وهذا أحسن؛ لأنه أنفق يوم 98 أنفق من غير نصاب، ولم يخاطب حينئذ بزكاة، والربح فائدة حقيقة مقطوع به أنه لم يكن من يوم ملك الأول، وإنما حسب مالك: الربح في أحد قوليه على الحول الأول، قياسًا على أولاد الماشية، أنها تلد قبل 99 الحول لشهر أو بأقل 100 من ذلك- فتزكي على حول الأصل، ولو كان لرجل ثلاثون شاة 101، ولا ساعي له، فحال عليها الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعًا وثلاثين- لم يكن عليه فيها زكاة وإن كان الأصل أن الأولاد مزكاة على حول الأمهات؛ لأنه يوم أكل لم يكن مخاطبًا بزكاة، إلا أن تكون قيمة العرض الذي اشترى بالخمسة يوم أنفق، خمسة عشر- فتجب عليه زكاة العشرين.
وقال مالك فيمن له عشرون دينارًا حال عليها الحول، فابتاع بها بعد ذلك سلعة، فأقامت حولًا أيضًا، ثم باعها بأربعين دينارًا 102 - أنه يزكي عن الحول الأول عن عشرين دينارًا، وعن الحول الثاني عن تسعة وثلاثين دينارًا 103

الجزء: 2 - الصفحة: 876

ونصف 104. قال ابن القاسم: إلا أن يكون له عرْض قيمته نصف دينار، فيزكي عن العام الثاني عن الأربعين دينارًا 105. وروى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك في هذه المسألة أنه قال: زكاة حول الربح من يوم ربحه 106. فرأى أن الربح فائدة في الحقيقة، والأصل ألا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول؛ لأن من ملك عشرة دنانير، فأقامت في يده إحدى عشر شهرًا، ثم اشترى بها سلعة، فباعها عند تمام الحول بعشرين دينارًا، يعلم أن الربح فائدة.
ولو اشترى السلعة من أول الحول، وتغير سوقها حينئذ فصارت تسوى عشرين- لزكى إذا باع عن عشرين دينارًا.
وأولاد الماشية مزكاة على 107 حول الأمهات، ولم يختلف في ذلك قول مالك، ولا أحد من أصحابه وسواء كانت الأمهات قبل الولادة نصابًا أو دون النصاب.
وإن كانت الولادة قبل تمام الحول- أو بعده، ثم ماتت الأمهات- زكيت الأولاد على حول الأمهات.
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تعد السّخلة يحملها الراعي، ولا يأخذها، ولا يأخذ الأكولة، ولا الرُّبّى، ولا الماخِض، ولا فحل الغنم، ويأخذ الجذعة والثنية 108، فأوجب الزكاة في الأولاد.
وقال بعض أهل العلم: إذا كان الأصل نصابًا؛ زكيت الأولاد على حول

الجزء: 2 - الصفحة: 877

الأصل، وإن كان الأصل دون نصاب- لم يزكِّ الأولاد على حول الأصل، واستأنف بالجميع حولًا (1). وهو مثل قول مالك فيمن له نصاب ماشية، ثم أفاد إليها ماشية من جنسها؛ أن الفائدة تزكى على حول الأصل.
فإن كان الأصل دون نصاب؛ استأنف بالجميع حولًا (2). وقيل أيضًا: إن ذهبت الأمهات؛ زكيت الأولاد على حولها (3)، وهذا أيضًا موافق لقول مالك إذا ذهب النصاب قبل مجيء الساعي، وبقيت الفائدة، أو بقي من الأصل دون نصاب- أنه يستأنف حولًا (4). واختلف عن مالك في زكاة غلات ما اشتري للتجارة: من العبيد، والديار، وغيرها.
فقال مرة: ذلك (5) فائدة (6)، ويستأنف بها حولًا.
وقال أيضًا: يزكي على حول الأصل في ذلك المال (7). يريد: لأنه ربْح جرّهُ ذلك المال، فأشبه الربح في الأصل المشترى.

فصل [فيمن ضاع من زكاته بعد وجوبها دون تفريط]

ومن كان له عشرون دينارًا حال عليها الحول، ثم ضاع منها دينار قبل أن يفرط في إخراج الزكاة- لم يزكِّ الباقي 116. وقيل: عليه في الباقي الزكاة؛ لأن109110111112113114115

الجزء: 2 - الصفحة: 878

المساكين بعد تمام الحول كالشركاء له، فالضائع من جميعهم، والباقي لجميعهم.
والأول أشبه؛ لأن الزكاة مواساة من الأغنياء للفقراء، فإذا كان وقت الأخذ منه فقيرًا؛ لم تجب عليه مواساة.
وإذا كان الباقي بعد الضياع عشرين دينارًا؛ زكّاها 117 نصف دينار.
ويتفق القولان ها هنا أن الضياع 118 من جميعهم، والباقي لهم.
وإن فرَّط في إخراج الزكاة بعد الحول، ضمِن زكاة 119 ما ضاع؛ لأنه بالتفريط يصير في الذمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 879

باب في زكاة أموال العبيد، والمكاتبين, ومن أسلم من أهل الكفر؛ والصبيان والمجانين, والأسير, والمفقود

وقال مالك في العبيد، والمكاتبين، وأمهات الأولاد: لا زكاة عليهم في ناضِّهم، ولا في حروثهم، ولا في ماشيتهم، وإن أعتقوا استانفوا حولًا بالعين والماشية من يوم العتق (1). ويختلف في الحرث، والثمار (2). فعلى قول مالك إن أعتقوا قبل أن تطيب زكيت، وإن أعتقوا بعد أن طابت فلا زكاة (3)، وقال المغيرة: لا تجب الزكاة إلا بالخرص.
فعلى هذا تجب فيها الزكاة إذا كان العتق قبل خرص الثمار على الناسي، وعلى قول ابن مسلمة، تجب عليهم الزكاة إذا كان العتق بعد الخرص وقبل اليبس.
وكذلك الكافر يُسْلِم، يستأنف الحول بالناض والماشية، ويزكي الحبوب والثمار، إذا أسلم قبل الطيب.
ويختلف إذا أسلم بعد الطيب وقبل الخرص، أو قبل اليبس.

فصل [في زكاة أموال الصبيان, والمجانين]

وتزكى أموال الصبيان والمجانين, وهم في ذلك كالبالغ العاقل، وهو قول مالك 123. فأما ماشيتهم وحروثهم، فتزكى؛ لأن النماء فيها موجود.120121122

الجزء: 2 - الصفحة: 880

ويختلف في ناضّهم؛ لأنهم مغلوبون فيه على التنمية، فأشبه من كان بالغًا رشيدًا 124، فغلب على التنمية لأنه سقط منه، فوجده بعد أعوام، أو دفنه فنسي موضعه، أو ورث مالًا فلم يعلم به إلا بعد أعوام، وقد اختلف في هؤلاء، هل يزكون لسَنَة، أو لجميع تلك الأعوام، أو 125 يستأنفون الحول؟.
وإذا كان للبالغ الرشيد أن يستأنف الحول في جميع ذلك، لم يكن على الصبي زكاة؛ لأن للوصي ألَّا ينميه، فإن نَمَّاه وتجر له فيه؛ زكَّاه قولًا واحدًا.
قال ابن حبيب: وُيزَكِّي الوليُّ لليتيمِ مالَه ويُشْهِدُ، وإن لم يُشْهِدْ وكان مأمونًا؛ صُدِّق 126. وهذا أحسن في كلِّ بلدٍ القضاءُ فيه بقولِ مالك.
وإن كان بلدٌ فيه من يقولُ بسقوط الزكاة من مال الصبيان، لرأيت أن يرفع ذلك إلى حاكم الموضع، فإن كان ممن يرى في ذلك 127 قول مالك، أمره بإخراجها، وحكم له بذلك، وإن كان ممن لا يرى ذلك؛ لم يزكِّه هو.
وقد قال مالك في كتاب الرهن فيمن مات، ووجد في تركته خمر: إن الوليَّ يرفع ذلك إلى السلطان.
قال: 128 خوفًا أن يتعقب عليه 129 يريد من الاختلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 881

هل تتخذ خَلاًّ؟ وكذلك الزكاة، إلا أن يكون الولىُّ (1) من أهل الاجتهاد، وممن يرى في ذلك قول مالك، وخفي له إخراجها للجهل بمعرفة أصل ما وضع (2) يده عليه- فليخرجها.

فصل [تُزكَّى ماشية الأسير والمفقود وزرعهما ونخلهما]

وقال ابن القاسم في المجموعة: تُزكَّى ماشيةُ الأسيرِ والمفقودِ, وزروعُهما، ونخلهما 132، ولا يُزَكى نَاضُّهما 133. فحملها على الحياة، فيزكى ما كان على النماء فيه موجودًا وهي الماشية، والزرع، والنخل.
وأسقطها من الناض مما غلما 134 على تنميته وهو العين.
ولو حملهما على الوفاة، لم يزكِّ عليهما شيئًا من ذلك؛ لإمكان أن يقع لكل وارث دون النصاب.130131

الجزء: 2 - الصفحة: 882

باب في زكاة العروض

ولا زكاة في عروض القنية، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" اجتمع عليه الموطأ، والبخاري، ومسلم 135. ولا زكاة في ثمنهم حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه.
ولا زكاة في عروض التجارة قبل البيع، فإذا بيعت؛ زكَّى الثمن إذا حالَ عليه 136 الحولُ، من يومِ ملكَ 137 أصلَ المالِ التي اشْتُريت به تلك العروض.
قال مالك: الأمر عندنا، في الرجل يشتري بالذهب والفضة سلعة للتجارة، ثم يمسكها حتى يحول عليها الحول- أنه لا زكاة عليه فيها 138 حتى يبيعها 139.

  • واختلف إن هو زكاها قبل البيع، هل يجزئه ذلك أم لا؟ والزكاة تجب في عروض التجارة بأربعة شروط، وهي: أن يكون ملكه إياها بشراء لا بميراث، ولا بهبة، ولا صدقة.
    وأن يكون ثمنها عينًا: ذهبًا، أو فضةً.

الجزء: 2 - الصفحة: 883

وقد نقد ثمنها 140 قبل بيعها.
وأن يعود الثمن عينًا: ذهبًا، أو فضةً.
فإن ورثها، أو وهبت له، أو تصدق عليه بها، أو استقرضها لم تنفع فيه نية التجارة، ولم يجب في ثمنها إن بيعت بعين زكاة؛ لأن الأصل في الزكاة، بالعين.
فإن اشترى بعين، ثم باع بعين؛ زكى على الأصل الأول.
وإذا كان أصل العرض ميراث، أو ما أشبه ذلك 141، ثم بِيعَ 142 بعين- لم تجب فيه زكاةٌ؛ لأنه لا يردّه إلى أصل وجبت فيه الزكاة.
واختلف إذا اشتراه على عين عنده فلم ينقده حتى باع بربح، أو اشتراه بعَرْض كان عنده للقنية، أو بميراث، أو اشتراه بعين، فزكى عن قيمته قبل أن يبيعه.
فقال مالك 143 في كتاب محمد فيمن اشترى على عين عنده فلم ينقده حتى باع بربح: يُزكّي الربح على أصل المال، بمنزلة لو نقد.
قال: ولو لم يكن عنده الثمن لكان الربح فائدة.
وقال مرة: حول الربح من يوم اشترى تلك السلعة.
وقال أيضًا: يستأنف به حولا من يوم باع تلك السلعة 144. فوجهُ الأول: أن المال كان 145 سبب 146 ذلك الربح، ويمكن أن يكون لو لم يكن عنده لم يشترها.

الجزء: 2 - الصفحة: 884

ووجه الثاني: أنه إنما يكون ربحُ المال منه بمنزلة الولادة إذا تجر فيه، وحرَّكه، وصار إلى غيره، ثم باع 147 ما أخذ 148 بالعاوضة عنه، فإذا كان ذلك المال قائم العين لم يخرج من يده 149، عُلم أنه لم يربح فيه، وهذا هو القياس، وصار بمنزلة من اشترى على ذمته.
ووَجه القول 150 أن حول الربح من يوم اشترى تلك السلعة؛ لأنها سلعة اشتريت للتجارة، وربح المال منه بمنزلة الولادة، فوجب أن يكون حولُه من يوم مَلك تلك السلعة.
ووجه القول الثالث: أنه يستأنف بالربح حولًا من يوم ربح؛ لأن حُكم الأرباح حكم الأصول التي كان عنها 151 ذلك الربح، وأصل الربح في هذه المسألة سلعة، ولا زكاة في السلع، أو 152 ذمة الذي اشترى عليها، ولا زكاة في الذمم.
وإذا لم تجب في الأصل زكاة كان الربح فائدة، وهذا القول هو أصل المذهب وعمدته.
وأما القول بزكاتها من يوم اشترى تلك السلعة فجُنوح إلى قول من قال إن العروض تزكى.
ويختلف على هذا إذا اشترى سلعة بعين وهو فقير، ثم باع بربح، هل يكون حول الربح من يوم اشترى، أو من يوم صار إليه الربح؟ ومثله لو كان موسرًا، فاشترى سلعة بثمن إلى أجل، ومن نيته أن ينقد فيها من

الجزء: 2 - الصفحة: 885

ثمنها الذي يبيعها به لا مِن ناضٍّ عنده، أو ينقد من ثمن سلعة عنده للقنية، فلا يكون حولُ الربح حولَ ما عنده من الناضِّ.
ويختلف هل يكون حوله من يوم اشترى، أو من يوم ربح؟.
ولمالك في كتاب ابن سحنون، في رجل اشترى سلعة بمائتي دينار، فنقد فيها أربعين دينارًا ليس له غيرها، ثم باعها بعد الحول بثلاثمائة، قال: يزكي الأربعين وما قابلها 153 من الربح، وما بقي فهو فائدة 154.

  • واختلف إذا اشترى العرض بعين، ثم زكى عن قيمة العرض قبل بيعه.
    فقال ابن القاسم: لا تجزئه الزكاة، وعليه إذا باعه أن يزكى عن الثمن الذي باع به.
    وحكى ابن شعبان عن أشهب: أن الزكاة تجزئه، ولا إعادة عليه.
    وهو أحسن.
    وقد روي عن عمر، وابن عمر، وعائشة: أن الزكاة تجب في العروض قبل البيع.
    وهو قول غير واحد من الفقهاء: الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
    وقد قال مالك غير مرة في مثل هذا 155 اختلف الناس فيه إنه يجزئ 156 إذا نزل، ويمضي ولا يردّ للخلاف 157. ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن كانت عنده دابة 158 للتجارة،

الجزء: 2 - الصفحة: 886

فاستهلكها رجل، فأخذ رب الدابة عن قيمتها سلعة: فإن نوى بها التجارة، زكَّى ثمنها ساعة يبيعها 159 - إذا حال الحول على أصل ذلك المال، وهو ثمن الدابة المستهلكة، وباع بنصاب.
فإن أخذ في قيمة الدابة عينًا، زكاه إذا كان نصابًا، وحال الحول من يوم زكى الأصل 160. فإن كان دون نصاب، أو لم يحل الحول؛ فلا زكاة عليه حتى 161 يتم الحولَ والنضاب.
وإن أخذ عن القيمة سلعة نوى بها القنية؛ لم تجب 162 في ذلك زكاة حتى يبيعها، ويحول الحول على ثمنها من يوم يقبضه 163، وليس بمنزلة من قبض القيمة ثم اشترى بها.
وإن كانت الدابة المستهلكة للقنية، فأخذ القيمة؛ لم تجب فيها زكاة حتى يحول الحول من يوم يقبضها 164. وقال أشهب في مدونته: إذا كانت الدابة المستهلكة للقنية، فأخذ عن القيمة سلعة، ونوى بها التجارة ثم باعها- زكَّى الثمن إذا حال الحول من يوم أخذ تلك السلعة عن القيمة.
وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يرى أن 165 الدين كالعين، ولا تجب الزكاة على أصل ابن القاسم؛ لأنه يرى أن الدين كالعرض، فأشبه من باع عرضًا للقنية 166 بعرض نوى به التجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 887

ومن باع عرضًا كان عنده للقنية، فإنه لا يخلو أن يبيعه بعين نقدًا، أو بعين إلى أجل، أو بعرض، فإن باعه بعين نقدًا؛ كان الحول من يوم يقبض الثمن.
واختلف إذا باعه بعين إلى أجل.
فقال مالك، وابن القاسم: لا زكاة عليه حتى يحول الحول من يوم يقبض الثمن 167. وقال عبد الملك 168 وابن الماجشون، والمغيرة: الحول من يوم باع، فإن باعه بثمن إلى سنة؛ زكَّى الثمن ساعة يقبضه وإن كان إلى ستة أشهر، فإذا مرّت له ستة أشهر أخرى؛ زكاه.
قال عبد الملك: لأنه إذا باعه بالديْن، فقد سلك به 169 مسلك التجارة، ومطلب الربح والزيادة.
واختلف 170 فيمن باع عرضًا كان عنده للقنية بعرض نوى به التجارة، هل 171 يكون حكمُ الثاني حكمَ الأول؟ ولا زكاة عليه حتى يحول الحول على الثمن الثاني من يوم يبيعه، أو تصح فيه نية التجارة، ويكون حوله من يوم اشتراه؛ قياسًا على من اشترى بعين على ذمته، وهو فقير؛ لأن الذمة لا زكاة فيها، وقد تقدم الخلاف في ذلك.
ومن كان له عرض للقنية، لم تصح فيه نية التجارة.
فإن باعه؛ استأنف بالثمن حولًا 172. واختلف إذا كان للتجارة، فنوى به القنية ثم باعه.
فقال مالك في

الجزء: 2 - الصفحة: 888

المدونة: لا زكاة عليه فيه (1). وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يزكي الثمن (2)؛ لأن أصله كان للبيع.

فصل النية في العروض المشتراة على أقسام

النية في العروض 175 المشتراة على سبعة أقسام: قنية، وتجارة، وإجارة، أو ينوي وجهين: قنية وإجارة، أو تجارة وإجارة، أو تجارة واستمتاعًا بالاستخدام والوطء، أو إجارة واستمتاعًا بالاستخدام أو الوطء؛ فإن نوى القنية بانفرادها، أو القنية والإجارة؛ لم تجب عليه زكاة إذا باع العرض بعد ذلك؛ فإن نوى به 176 التجارة بانفرادها؛ وجبت فيها الزكاة.
واختلف فيما سوى ذلك فقيل 177: تكون كالقنية، ويستأنف بالثمن حولًا.
وقيل: كالتجارة؛ فيزكي الثمن على حول الأصل الذي اشترى به.
والقول بوجوب الزكاة أحسن؛ لأن من نوى الإجارة، فقد نوى التجارة، ولا فرق 178 بين أن يلتمس الربح والفضل من أثمان الرقاب، أو من المنافع، وإنما سقطت الزكاة من القنية؛ لأن صاحبَه قطع التماس الفضل من الوجهين جميعًا، وقد أوجب الله -عز وجل- الزكاة في الماشية.173174

الجزء: 2 - الصفحة: 889

وإن نوى بها القنية، لما كان النماء فيها موجودًا من الولد، والغلات، وغيرها مع بقاء الأصل، وإن نوى التجارة والإجارة، كان ذلك أبين في وجوب الزكاة، ومثله إذا نوى التجارة والاستمتاع بالاستخدام أو الوطء؛ لأنه معلوم أن كل من نوى التجارة بانفرادها، يستمتع في خلال ذلك بالاستخدام، وبالركوب، والإكراء إلى أن يتفق له البيع، ولو كان الشراء لأجل حاجته إلى الاستمتاع، أو الاستخدام 179، ولولا ذلك لم يشتر، لغلب حكم القنية، وكذلك الحلي إن كان أصل كسْبه 180 إياه لأهله.
وإن اتفق فيما بين ذلك إجارة؛ أكراه كانت القنية أحق به وإن كان أصل ملكِه لأجل الإجارة.
وإن احتاج أهله فيما بين ذلك للباسه لبسوه؛ كان له حُكم ما يشترى للإجارة 181 خاصة، وكذلك إذا كان أصل ملكه للإجارة، ويستمتع بالوطء والاستخدام فيما بين ذلك.
وإن كانت عمدته الشراء للوطء أو 182 للاستخدام فآجره فيما بين ذلك؛ كان له حكمُ القنية.
ومن كانت له بقر للحراثة، ثم باعها؛ استأنف بالثمن حولًا، وهي قنية، وسواء كان يحرث عليها للقنية أو للتجارة؛ لأن التجارة إنما هي فيما يزرَع، ففارق ما اشترى للتجارة.
وكذلك آلة العطار يستأنف بثمنها حولًا؛ لأن التجر فيما يعمل فيها، ليس فيما يبيع فيه منافعها.

الجزء: 2 - الصفحة: 890

فصل الخلاف فيمن أكرى داره خمس سنين بمائة دينار ومضى الحول

واختلف فيمن أكرى داره خمس سنين بمائة دينار نقدًا، ثم مضى الحول.
فقال ابن القاسم: يزكي عما ينوب السنة الماضية، ثم ينظر إلى الباقي، فيزكي منه ما يقابل قيمة الدار مهدومة 183. وقال سحنون: يزكي عن جميع المائة 184. وهو أحسن؛ لأن الدار لا تكرى تلك المدة بالنقد إلا وهي مأمونة الانهدام، ولو كان يخاف عليها في تلك المدة؛ لكان الكراء فاسدًا.
واختلف أيضًا فيمن كانت بيده مائة دينار مضى لها ستة أشهر، فأكرى بها دارًا سنة، ثم أكرى تلك السنة بمائتين 185، ثم تمت السَّنَة من يوم العقد على أصل ذلك المال.
فقيل 186: يزكي عن مائتين؛ لأنه لا يراعى الانهدام، أو عن مائة وخمسين؛ لأنه استوجب عن الستة الأشهر الماضية مائة لا رجوع عليه فيها، مترقبة 187 إن انهدمت الدار رُجع عليه فيها، وله هو مرجع على من كان اكترى منه بخمسين، فيجعل الديْن فيها، ويزكي عن 188 خمسين.
وقيل: يزكي مائة.
وهو أحسن 189 على القول بمراعاة الانهدام؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 891

المكتري يقول: الانهدام 190 يفسخ العقد في الباقي، وإنما في يدي مال قبضته من ستة أشهر؛ فلا زكاة فيه، وإنما حال الحول على مالي الذي دفعته إلى المكتري الأول، فإذا قبضته زكيته.
وعلى أصل سحنون يزكي عن الجميع؛ لأنه لا يراعي الانهدام.
ومن اكترى أرضًا ليزرعها لقوته، أو لتجارة 191، أو كانت له أرض يملكها 192، فزرعها لقوته، أو لتجارة، فأخرج ذلك الزرع خمسة أوسق- زكَّاه زكاة 193 الزرع.
ويفترق الجواب فيما باعه بعد ذلك، إذا باع بنصاب من العين بعد حول من يوم زكي زكاة الحرث، فإن زرع ذلك للقنية؛ استأنف بالثمن حولًا، وسواءٌ اكترى الأرض، أو كانت ملكًا له.
واختلف إذا اكترى الأرض للتجارة.
فقال مالك، وابن القاسم: عليه الزكاة في ثمن ما باع 194. وقال أشهب: لا زكاة عليه، ويستأنف بالثمن حولًا 195. فجعل مالك الحكم للأرض دون الزريعة، وإذا كانت الأرض مِلكًا له وزرع للتجارة؛ كان غلة.
وهذا موافق لقوله لا تكترى 196 الأرض بطعام.
. . . . . . . . . . .

الجزء: 2 - الصفحة: 892

ليعمل فيها طعامًا 197، ولأحد قوليه في الشريكين في الزرع إذا كانت الأرض من عند أحدهما أن الزرع له دون صاحب الزريعة 198؛ وعلى هذا تجب الزكاة إذا أُكْرِيَت 199 للتجارة، وإن كانت الزريعة للقنية.
ولا تجب الزكاة إذا اكتريت 200 للقنية, ثم زرعها للتجارة بزريعة كانت عنده للتجارة.
وعلى أحد قوليه في الشريكين في الزرع، أنه لصاحب الزريعة؛ تجب 201 الزكاة فيه إذا كانت الأرض ملكًا له وزرعها للتجارة بزريعة كانت عنده للتجارة، ولا تجب الزكاة إذا اكترى الأرض للتجارة وزرعها بزريعة كانت عنده للقنية 202. وتجب الزكاة إذا اكتراها للقنية وزرعها للتجارة بزريعة كانت عنده 203 للتجارة، وإذا أخرجت الأرض دون خمسة أوسق، ثم باع ذلك الحبَّ بنصاب من العين وكان للتجارة- زكَّى الثمن على أصل حول ذلك المال قبل الحرث، ولا يسقط الحول الأول إذا 204 وجد خمسة أوسق فأكثر.

الجزء: 2 - الصفحة: 893

باب في زكاة المدير في التجارة

ومن المدونة قال مالك فيمن كان يدير ماله في التجارة, مثل: البزَّازين 205، والحناطين 206، والزيَّاتين، ومثل الذين يجهزون الأمتعة إلى البلدان: فليجعلوا لزكاتهم من السنة شهرًا، فإذا جاء ذلك الشهرة قوّموا ما عندهم للتجارة فزكوه، وما في أيديهم من ناضٍّ، وما كان لهم من دين يرتجون قضاءه، فإن جاءهم العام الآخر ولم يقبضوه زكوه 207 أيضًا، قال ابن القاسم: ولو كان له عرضٌ فبار عليه؛ زكَّاه للسَّنَة الثانية 208 والديْن والعرض في هذا سواء 209. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لحماس وقد كان يبيع الجلود فإذا باعها 210 اشترى مثلها: "زكِّ مالك.
فقال: ما عندي شيء تجب فيه الزكاة.
فقال له: قوَّمه" 211. فأمره بالتقويم؛ لأنه مع عدم التقويم على وجهين: إما أن يزكي على كل ما نضَّ له، فيكون قد زكَّى ماله في العام الواحد مرارًا، أو لا يزكي بحالٍ لعدم اجتماع نصاب في مرة واحدة 212،. . . . . . . . . . . .

الجزء: 2 - الصفحة: 894

أو لعدم معرفة الأحوال 213، فيكون قد أسقط فرضًا، فكان التقويم عدلًا بينه وبين الفقراء.
واختلف في الوقت الذي يجب فيه التقويم، وفي زكاة ديونه، وما بار من عروضه، وفيمن كان يبيع العرض بالعرض 214. فأما الوقت الذي يُقوَّم فيه؛ فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال مالك 215 في المدونة: يجعلون لأنفسهم من السنة 216 شهرًا يقومون فيه 217. وقال أشهب في كتاب محمد: إذا كان يبيع العرض بالعرض 218 يريد: أن لا يجب عليه أن يقوم عند تمام الحول على أصل ذلك المال؛ لأنه حينئذ فيما في يديه على وجهين: إما أن تكون عروضًا كلها؛ فلا زكاة في العروض، أو يكون بعضُه ناضًا دون نصاب؛ فلا زكاة في ذلك أيضًا، فلا يؤمر بالتقويم حينئذ؛ لأنه على يقين أنه لم تجب عليه زكاة جميع ذلك، فجاز له أن يؤخر التقويم عن 219 رأس الحول؛ لأن في إلزامه التقويم حينئذ ظلمًا عليه، ولا يؤخر لحولٍ آخر؛ لأن في ذلك ظلمًا على المساكين، فأمره أن يجعل لنفسه شهرًا يكون عدلًا بينه وبين المساكين 220، وإن أتى رأس الحول وفي يده نصاب من العين؛ زكَّاه خاصة؛

الجزء: 2 - الصفحة: 895

لأنه يقطع أنه لم يخاطب بزكاة أكثر منه، فإن نضَّ له شيء بعد ذلك؛ زكَّاه.
فإن اختلط عليه بعد ذلك جعل لنفسه شهرًا، فقد يكثر ما ينضُّ له بعد ذلك فيقرب شهره، أو يقل فيبعد، ثم يقوَّم جميع ما في يديه، وأسقط من ذلك قدر ما ينوب ما كان زكَّاه، إنْ نصفًا فنصفًا، وإن ثلثًا فثلثًا، وزكَّى الباقي.
وإن مر عليه حول من يوم قوَّم، زكَّى عن جميع ذلك، وكان هو حوله أبدًا.
وإلى هذا ذهب ابن نافع فى شرح ابن مُزَيْن، قال فيمن كان يبيع العرض بالعرض: فإنه إن باع بعد ذلك بعين فإنه يُحصيه، فإذا تم مائتي درهم، أو عشرين دينارًا 221؛ زكَّى ذلك، ثم يزكي كما نضَّ له شيء من قليل أو كثير، ولا تقويم عليه 222. يريد: إذا لم يختلط عليه ذلك وإلا 223 قوم.
وقيل لأشهب في كتاب محمد فيمن كان يبيع العرض بالعرض ثم باع بعد سنين بخمسة دنانير: أيزكي؟ فقال: لا، أفي خمسة دنانير زكاة؟ فقيل له: إنه قد بقي عنده من عروضه.
قال: لا قيمة عليه ولا زكاة ما لم يكن له شهر يزكي فيه.
فاتفقت هذه الأقاويل على أنه لا يجب التقويم في موضع يقطع أنه لم تجب عليه فيه زكاة، ولا يُراعى ما كان من البيع بالعين في الحول الأول؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بزكاة، وإنما يراعى الاختلاط إذا تم الأول، ودخل في الثاني.
وكل هذا أيضًا منهما 224 مخالف لما قال ابن القاسم، وقال أشهب 225 فيمن كان يبيع

الجزء: 2 - الصفحة: 896

العرض بالعرض، ثم باع بدراهم، أنه يقوم إذا نضَّ له دراهم (1). وقال أشهب في شرح ابن مزين، فيمن كان يبيع العرض بالعرض: أنه لا تقويم عليه حتى يمضي له حول مستقبل من يوم باع بالعين (2)؛ لأنه إنما صار من أهل الإدارة، ودخل في سنتها في الوقت الذي باع فيه بالعين، وهذا ضعيف وهذا (3) ظلم على الفقراء.
ومن أقام في يديه مالٌ ناضٌّ ستة أشهر، ثم جلس به للإدارة؛ فإنه يبني على قول مالك على تلك الأشهر المتقدمة قبل أن يدير ماله، ويستأنف الحول على قول أشهب من يوم أخذ في الإدارة (4)، والأول أحسن.

فصل فيما بار من عروض المدير وفيه الخلاف

اختلف فيما بار من عروض المدير، فقال ابن القاسم: يقوم دلك (5). وقال ابن نافع، وسحنون: لا تقويم عليه (6). وهذا إذا بار أيسر ما في يديه.
فرأى ابن القاسم: التقويم لما كانت تبعًا، وأجراها على حكم ما لم يَبُر.
ورأى ابن نافع وسحنون: أنها مراعاة في نفسها، وقد خرجت عن الإدارة.
ولو بار نصفُ ما في يديه أو أكثرُه أو جميعُه، لم يُقوَّم قولًا واحدًا.226227228229

الجزء: 2 - الصفحة: 897

واختلف في ديونه أيضًا، فقال ابن القاسم: يزكيها 230. وقال المغيرة: لا زكاة عليه في الدين.
ومحمل الخلاف فيما كان من الدين مؤجلًا أجلًا بعيدًا، وهو تبع لما في يديه، فمَرَّ ابن القاسم في ذلك على أصله، وأجراه على حكم الأكثر.
ورأى المغيرة: أنه مراعى في نفسه لما بذلك عن حكم 231 الإدارة.
ويختلف أيضًا فيما أقرضه من مال الإدارة، فقال ابن حبيب: لا زكاة عليه فيما أقرض من ماله 232. يريد: أنه خرج به عن التجارة.
وعلى أصل ابن القاسم: يزكيه إذا كان القرض 233 أقل ماله 234. وقال مطرِّف، وابن الماجشون، عن مالك في كتاب ابن حبيب، فيمن كان يبيع العروض بالعروض، ولا ينض له شيء: أنه يقوِّم ويزكي 235. وهذا مراعاة لاختلاف الناس فيما ذكرناه قبل في زكاة العروض، مع أنه اجتمع 236 في ذلك أنه مال محرَّك مُنمَّى، وقد جاءت السُّنة بزكاة الأموال النامية وإن لم تكن عينًا كالماشية، وفي كتاب الزكاة الثاني ذكرُ زكاة ماشية المدير إذا كانت دون نصاب، أو كانت نصابًا 237 وكان يديرها بالبيع قبل مجيء الساعي.

الجزء: 2 - الصفحة: 898

وأما إن كانت في يديه حوائط للإدارة، وأتى وقت التقويم وفيها ثمار غير مأبورة، أو مأبورة، قُوِّمت مع الأصل 238؛ لأنها حينئذ ليست بغَلَّة، ولأنها تُباع قبل أنْ تَجِبَ فيها زكاةُ الخرصِ.
وإن كانت وقت التقويم قد طابت، وفيها خمسة أوسق فأكثر- لم تقوَّم مع الرقاب؛ لأنها تزكى زكاة الخرص.
وإن كانت دون خمسة أوسق، أو كانت خمسة أوسق، وهي من جنس لا تجب فيه الزكاة كالفواكه وما أشبه ذلك، جرت على القولين 239. فمن قال: إنها لا تكون غلة بالطيب قوِّمت مع الأصل.
ومن قال: إنها بالطيب غلة لم تقوَّم مع الأصل إلا على 240 قول من قال: غَلاَّتُ ما اشتري للتجارة مزكاة كالأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 899

باب في زكاة الديون، وحكم أحواله إذا كان الاقتضاء متفرقًا، وكيف إن اختلط أحوال الاقتضاء

ولا زكاة في الديون وإن أقام أحوالًا، حتى يقبض فيزكى لعام واحد 241. واختلف إذا تطوع بإخراج زكاته من ذمته قبل قبضه 242. فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجزئه 243. وقال أشهب في كتاب محمد: يجزئه لما روي عن ابن عمر من الاختلاف في ذلك، وقول ابن شهاب: إن الدَّيْنَ يُزَكَّى.
قال: وإن كنت لا آمر به، فإن فعل رأيته محسنًا 244؛ لأنه قد وجبت عليه في الدين الزكاة، وإنما يمنعنا أن نأمره بأدائها خوفًا أن يتلف قبل أن يقبضه، فيكون قد أدى عما لا يلزمه.
قال: ولو كنا على ثقة من قبضه، لرأيت ذلك عليه 245، فجعل الدين إذا كان على موسر كالعين في قوله: إذا كان على ثقة من قبضه، أن عليه زكاته، ويلزم على قوله إذا قبضه بعد حولين أن يزكيَهُ لعامين 246؛ لأنه بقبضه سلم مما كان خاف منه.
والديون أربعة: فما كان أصله قرضًا، أو ثمن سلعة للتجارة؛ زكَّاه ساعة يقبضه إذا تقدم له حول.
وما كان أصله فائدةً بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو مهر امرأة، أو أرش جناية؛ استانف به بعد قبضه حولًا، ويلزم على قول أشهب

الجزء: 2 - الصفحة: 900

في جعله إياه كالعين، أن يحسب الحول من يوم ملك ذلك الدَّيْن.
وإن كان الدَّيْن عن ثمن سلعة للقنية باعها بالنقد ثم تأخر الثمن في الذمة؛ استأنف في بالثمن حولًا من يوم القبض على قول مالك (1). واختلف إذا بيعت بثمن إلى أجل فقال ابن القاسم: يستأنف الحول من يوم القبض (2). وقال عبد الملك بن الماجشون: الحول من يوم البيع (3). والرابعُ: ديون المدير، واختلف هل تزكى وهي في الذمة قبل قبضها أو لا؟، وقد تقدم الكلام على هذين القسمين (4).

فصل من له ثلاثين دينارًا ذهبًا حال عليها الحول فاقتضى منها عشرة

ومن كان له دين ثلاثون دينارًا حال عليها الحول، واقتضى منها عشرة، لم تكن عليه فيها زكاة، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة أو العشرين الباقية؛ زكَّاهما جميعًا، وكان حول الجميع يوم اقتضيت 251 الثانية.
وإن كان 252 اقتضى في الأول 253 عشرين فزكاها ثم اقتضى عشرة؛ زكاها أيضًا، وكان حول الثانية يوم247248249250

الجزء: 2 - الصفحة: 901

اقتضيت، ولم يجمعا، وهذا قول ابن القاسم 254. وقد اختلف في الفصلين جميعًا، فخالف أشهب إذا اقتضى عشرة، ثم عشرة 255 أو عشرين، وزكَّى جميع ذلك، فقال: يعود حول العشرة الأولى يوم اقتضيت؛ لأنه عنده إنما منعه أن يزكيها يوم اقتضيت، خيفة ألا يقتضي غيرها 256. وخالف محمد بن مسلمة إذا اقتضى عشرين ثم عشرة، قال: يعود حول الأولى يوم اقتضيت حول الثانية؛ لأنه لما زكَّى الأولى عادت إلى ما لا زكاة فيه، وتصير بمنزلة مال أفاده ذلك اليوم وهو دون نصاب، فيضمه إلى حول الثانية وهي العشرة، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
وإن اقتضى عشرة، ثم عشرة، ثم عشرة، فعلى مذهب ابن القاسم: يكون حول الأولى يوم اقتضى الثانية، وحول الثانية 257 يوم اقتضيت 258. وعلى مذهب أشهب: يكون حول كل واحد منها يوم اقتضيت.
وعلى مذهب ابن مسلمة: يعود حول الجميع يوم اقتضيت 259 الثانية 260، وكل هذا الاختلاف 261 مع بقاء جميع ذلك المال في يديه، وكيف يزكِّي في المستقبل؟ وإن أنفق المقتضى من

الجزء: 2 - الصفحة: 902

الدين؛ كان الحكم فيه بمنزلة لو كان قائم العين 262 لم ينفق، فإن اقتضى عشرة دنانير 263 فأنفقها، ثم اقتضى عشرة- زكى العشرين.
وإن اقتضى عشرين فزكاها ثم أنفقها ثم اقتضى عشرة- زكَّاها أيضًا، وهذا الحكم في الإنفاق.
ويفترق الجواب في الضياع، فإن اقتضى عشرين فزكَّاها ثم ضاعت ثم اقتضى عشرة- زكاها، وإن ضاعت العشرون قبل أن يزكيها، وبعد أن فرط في زكاتها- فكذلك يزكيها وما اقتضى بعدها، وإن ضاعت الأولى قبل، أن يفرط في زكاتها- لم يكن عليه فيها زكاة، ولا فيما اقتضى بعدها إلا أن يكون في الاقتضاء الثاني نصاب 264. واختلف إذا كان الاقتضاء الأول أقل 265 من نصاب مثل: أن يقتضي عشرة فضاعت، ثم اقتضى عشرة، فقال ابن القاسم وأشهب: يزكي العشرين جميعًا 266. وقال محمد: لا زكاة عليه فيها 267. قال الشيخ - رضي الله عنه -: والمسألة على وجهين: فإن كانت نيته حين اقتضى الأولى 268 أن يضمها إلى ماله أو يتصرف بها، ولا يمنع نفسه منها حتى يقبض الثانية- كان الجواب على 269 ما قاله ابن القاسم وأشهب أنه يضمن

الجزء: 2 - الصفحة: 903

زكاتها، ويزكي الثانية.
وإن كانت نيته أن يوقفها 270 ولا يتصرف فيها حتى يقبض الباقي- كان الجواب على ما قال محمد؛ لأن كل مال لم يفرط في زكاته حتى ضاع، لا يضمن زكاته.
وإن عدمت النية؛ زكَّاهما جميعًا، وحمل على الغالب من حال الناس أنهم على التصرف فيما يصل إليهم، ولا يوقفون ذلك لمكان الزكاة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا اقتضى أقل من نصاب فأنفقه، ثم اقتضى بعد ذلك تمام نصاب- فإنه 271 يزكي على الجميع على اختلاف بين أصحابنا في إنفاقه 272 أو ضياعه أو بقائه، ثم يزكي بعد ذلك ما يقتضيه من قليل أو كثير.
انتهى قوله 273. قال الشيخ - رضي الله عنه -: المعروف من الاختلاف إنما هو في الضياع، وأما إنفاقه فلا أعرفه وقد كان بعض شيوخنا يقول ذلك، ويقول: القياس ألا يزكي ما تقدم إنفاقه قبل اقتضاء الثاني؛ لأنه أنفقه ولم يخاطب فيه بزكاة، ويرى أن 274 ما قيل

الجزء: 2 - الصفحة: 904

في ذلك من وجوب الزكاة؛ فإنما هو مراعاة للخلاف، ولقول من يقول: إن الدَّيْن يزكى قبل قبضه، وأنه كان مخاطبًا بزكاة ما أنفقه قبل القبض 275، وكذلك إذا انفق عشرة حالَ عليها الحول، وعنده 276 عرض حَالَ عليه الحول 277 ثم باعه؛ فإن القول بوجوب الزكاة في جميع ذلك؛ مراعاة للقول: إن الزكاة تجب في العروض قبل البيع.
ومحمل ما ذكر 278 من الخلاف في بقاء ذلك؛ فإنما هو على الأحوال، فعلى قول ابن القاسم، الحول فيهما 279 يوم اقتضي الثاني.
وعلى قول أشهب؛ يكون حول الأولى يوم اقتضيت، فلو اقتضى من دين حالَ عليه الحول دينارين، فاشترى بكل دينار سلعة، ثم باع كل واحدة منهما بعشرين دينارًا، فإن كان اشترى بالثاني بعد أن باع ما اشتراه بالأول- زكَّى عن إحدى وعشرين، يزكي الأول بربحه، والثاني بغير ربحه؛ لأنه تَجِر في الأول قبل 280 أن تجب فيه الزكاة فكان ربحه بمنزلته، وتَجِر في الثاني بعد أن وجبت فيه الزكاة؛ لأن في يده من الأول عشرين دينارًا 281، فلم يكن ربحه بمنزلته إلا في العام الثاني، وإن اشترى بالثاني قبل أن يبيع الأول، زكَّى الأربعين؛ لأنه تَجِر في الثاني 282 قبل أن تجب فيه الزكاة، فكان ربحه بمنزلته.

الجزء: 2 - الصفحة: 905

فصل [اختلاط أحوال الاقتضاء والفوائد]

اختلف إذا اختلط أحوال الاقتضاء أو أحوال الفوائد، هل تزكى على الحول الأول أو على الآخر؟ وقال محمد ابن المواز في الدَّيْن إذا أكثر واشتد عليه إحصاؤه لكثرة أحواله: فليقدم ما شاء منه إلى ما قبله، ولا يؤخر منه شيئًا إلى ما بعده 283. وقال في الفوائد تختلط أحوالها: يرد الأول إلى الآخر بخلاف الدَّيْن 284، وبه قال سحنون في الفوائد 285. وقال عبد الملك 286: يضم الفوائد الآخرة إلى الأولى 287، قال: وهو قول مالك.
وهذا مراعاة للاختلاف في الفوائد، هل تزكى بنفس الملك؟، وهو قول ابن عباس، والحسن البصري، والزهري.
وفرَّق محمد بين الفوائد والدَّيْن لقوة الاختلاف في زكاة الدَّيْن قبل قبضه، وضعَّفه في الفوائد.
وإذا لم يُرَاع الخلافُ؛ فإن القياس أن يجعل حولًا بين الحولين، ويزكِّي جميع ذلك عليه، وذلك عدل 288 بينه وبين المساكين، وهذا هو الأصل في كل حق تنازعهُ رجلان إذا لم يكن لأحدهما مزية على صاحبه؛ أن يُقْسَم بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 906

باب في زكاة الفوائد من الذهب والفضة، وإذا اجتمع فوائد ودَيْن

ومن أفاد عشرين دينارًا أو مائتي درهم؛ لم تجب زكاتها بنفس المِلك له حتى يمر عليها حول.
فإن أفاد مالين؛ فإنه يراعي قدرُهما والأوقات التي أفادهما فيها، فأما قدرهما فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكونا نصابًا بمجموعهما، أو يكون كل واحد منهما نصابًا، أو يكون أحدهما نصابًا والآخر دون النصاب.
وكذلك الوقت الذي أفادهما فيه، فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون واحدًا بعد واحد ثم بقيا في يده حتى يجمعهما الحول، أو اجتمعا في ملك ولم يجمعهما الحول، أو افترقا فلم يجتمعا في ملك ولا حول، فإن كان كل واحد منهما دون نصاب مثل: أن يفيد عشرة فأقامت في يده حولًا، ثم أنفقها، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده حولًا، فلا زكاة عليه؛ لأنه لم يجمعهما ملك ولا حول.
واختلف إذا جمعهما الملك ولم يجمعهما الحول مثل: أن يفيد عشرة فأقامت العشرة في يده ستة أشهر، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده ستة أشهر، فحال الحول على الأولى فأنفقها، ثم أقامت الثانية ستة أشهر فتم حولها، فقال ابن القاسم: لا زكاة عليه؛ لأنه لم يجمعهما حول.
وقال أشهب: يزكي عن العشرين جميعًا، وإن بقيت في يده العشرة الأولى حتى حال الحول على الثانية؛ زكاهما على القولين جميعًا 289.

الجزء: 2 - الصفحة: 907

واختلف في حول الأولى، فقال ابن القاسم: حولها حول الثانية، لا يفترقان أبدًا.
وقال أشهب: يعود حول الأولى يوم كان تم حولها، فإن ربح فيها وفي الثانية ما تعودان به إلى نصاب، زكَّاهما جميعًا على حولهما 290. ويختلف إذا أفاد عشرة ثم عشرين، أو عشرين ثم عشرة في صفة الأحوال على نحو ما تقدم في الاقتضاء، إذا اقتضى عشرة ثم عشرين 291، أو عشرين ثم عشرة.
فعلى قول ابن القاسم؛ إن تقدمت العشرة، زُكِّيت على حول العشرين، وإن تأخرت زُكِّيت على حولها ولم تضم إلى العشرين.
فعلى قول أشهب؛ تُزكَّى العشرة على حولها 292 وإن تقدمت.
وعلى قول ابن مسلمة إذا زُكِّيت العشرون؛ ضُمّت إلى العشرة، وزُكِّيت فيما بعد ذلك على حولها.
وإن كان في كل فائدة عشرون؛ زُكَّيت كل واحدة بانفرادها، ولا يزالان على ذلك ما لم ينقصا إذا جُمعا عن عشرين دينارًا أو مائتي درهم، ويراعَى حينئذ من أيهما ابتدأ النقص، فإن كان حول الأولى المحرَّم، والثانية رجب فأتى المحرَّم وفي كل واحدة عشرة دنانيرة زكَّى الأولى ربع دينار ثم يجمعهما على مذهب ابن القاسم وقد سقطت الزكاة من الثانية إلا أن يتجر 293 في أحدهما؛ فيزكي الثانية، فإن ربح قبل رجب أو عند حلول الثانية؛ زكاها على حولها 294، وإن ربح في شعبان أو رمضان؛ زكَّاها حينئذ وانتقل حولها إلى يوم زكَّاها، وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 908

لم يربح حتى أتى المحرم؛ زكاهما جميعًا ولم يفترقا أبدًا، فإن كان النقص من الثانية؛ لأنه زكى الأولى ولم ينقصا عن عشرين 295، فلما زكَّى الثانية نقصتا جميعًا فجمعهما إن شاء.
وإن ربح في إحداهما قبل المحرَّم؛ زكَّى التي في المحرَّم وبقيت على حولها.
وإن ربح في صَفَر أو فيما بعد ذلك وقبل رجب؛ زكَّاها حينئذ ويكون ذلك حولها.
وإن ربح في رجب زكَّاهما ولم يفترقا أبدًا.
وقال أشهب في كتاب ابن حبيب: إذا زُكِّيت الأولى ثم أنفقها أو تلفت؛ أنه يزكي الثانية إذا حال عليها الحول وإن لم يكن في يده سوى عشرة 296. وقال محمد بن مسلمة في رجل أفاد مائتي درهم، ثم أفاد بعد ستة أشهر ألف درهم، فزكى المائتين عند تمام حولها، ثم زكى الألف أيضًا عند تمام حولها، فإذا مرت ستة أشهر بعد ذلك فحال على المائتين الحول لم يزكها؛ لأنها ناقصة عن النصاب، فإذا بلغت حول الألف وقت زكاتها 297؛ اختلطت بها وزُكِّيت معها، فرأى أنه لما زكَّى الألف؛ صار بمنزلة ما لو أفاد تلك الألف وقت زكَّاها، فلا يؤمر بزكاة المائتين؛ لأنها أقل من نصاب، والألف حينئذ لم يَحُل عليها الحول.

الجزء: 2 - الصفحة: 909

فصل وإذا اجتمع فائدة واقتضاء

وإذا اجتمع فائدة واقتضاء، فإن بقي 298 الجميع في يده؛ كان النظر في صفة الأحوال.
وإن كان إنفاقًا؛ كان النظر في وجوب الزكاة وسقوطها.
فإن كان له دين عشرون دينارًا حال عليها الحول، ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولًا فأنفقها، ثم اقتضى عشرة- فيزكِّي 299 عن عشرين نصف دينار؛ لأن الفائدة تضم إلى ما اقتضى بعدها، ولا تضاف إلى ما اقتضى قبلها، وإن اقتضى عشرة دنانير 300 أولًا فأنفقها، ثم أفاد عشرة فأقامت في يده 301 حولًا- لم تضف إلى الأولي؛ لأنه لم يجمعهما مِلْك، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة؛ زكَّى عن ثلاثين، والعشرة الآخرة أوجبت الزكاة في العشرتين الأوليين؛ لأن الاقتضاء يضاف بعضه إلى بعض وهو عشرون ففيها الزكاة لو لم تكن الفائدة، والفائدة تضاف إلى ما اقتضى بعدها وهما عشرون؛ ففيها الزكاة لو لم يتقدم الاقتضاء الأول.
ولو كان الاقتضاء الآخر خمسة لم تجب في شيء من ذلك زكاة؛ لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر ولا زكاة فيها، والفائدة مع اقتضاء ما 302 بعدها خمسة عشر؛ فلا زكاة في ذلك، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة، زكَّى عن الثلاثين، ولو اقتضى عشرة فأنفقها، ثم أفاد خمسة فأقامت حولًا، ثم أنفقها، ثم اقتضى خمسة - لم تجب عليه زكاة؛ لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر، والفائدة وما بعدها عشرة،

الجزء: 2 - الصفحة: 910

فإن اقتضى بعد ذلك خمسة زكَّى عن جملة الاقتضاء؛ لأنها عشرون، ويبقى الأمر في الفائدة موقوفًا؛ لأن الذي بعدها عشرة، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة؛ زكَّى الفائدة والخمسة المقتضاة أخيرًا.
ولو كان الاقتضاء المتقدم خمسة والفائدة عشرة، ثم اقتضى بعدهما عشرة- لزكيت الفائدة مع ما اقتضى بعدها؛ لأنهما عشرون، ويبقى الاقتضاء الأول موقوفًا فإن اقتضى بعد ذلك خمسة؛ زكى الخمستين؛ لأن بالآخرة تم جميع الاقتضاء عشرين، وإن اقتضى عشرة فلم ينفقها حتى أفاد عشرة، ثم أنفق عشرة الاقتضاء، ثم حال الحول على الفائدة- لزكى عن عشرين على قول أشهب (1)؛ لأنه قد جمعهما المِلك، ولم يزكهما على قول ابن القاسم؛ لأنه لم يجمعهما حول (2).

فصل من كاتب عبده بدنانير فلم يقبضها حتى حال الحول

ومن المدونة قال فيمن كاتب عبده على دنانير، فلم يقبضها حتى حال عليها الحول: إنها فائدة فيستقبل بها حولًا من يوم قبضها 305. قال الشيخ - رضي الله عنه -: اختلف في الكتابة هل هي غلة، أو ثمن للرقبة؟ واختلف في غلات ما اشتري للتجارة، وإذا كان ذلك وكان العبيد للتجارة؛ وجبت الزكاة فيما أخذ منه من 306 وجهين: على القول إنها ثمن303304

الجزء: 2 - الصفحة: 911

للرقبة، وعلى القول إنها غلة وأن الزكاة تجب في غلات ما اشتري للتجارة، وتسقط على القول إنها غلة 307، وأن الغلات فائدة.
وإذا كان العبد للقنية؛ لم تجب الزكاة من وجهين: لم تجب على القول إنها غلة، ولا على القول: إنها ثمن للرقبة، على أصل ابن القاسم 308. وتجب على قول عبد الملك فيما كان للقنية، فتباع بثمن إلى أجل، أن الزكاة تجب من يوم البيع؛ لأن الكتابة كالثمن المؤجل، واستحسن إذا كانت الكتابة نحو خراج العبد أو ما قاربه، أن تجري على حكم الغلة، وإن كانت أكثر بالشيء البيَّن، أن تجري على حكم الثمن للرقبة، ثم ينظر هل كان للتجارة أو للقنية؟ وعلى هذا يجري الجواب إذا بيعت الكتابة؛ فتجب الزكاة في ثمنها، في الموضع الذي كانت تجب فيه قبل البيع إذا أديت، وتسقط في الموضع الذي كانت ساقطة فيه قبل البيع.
وفرَّق في قول آخر بين اقتضائها قبل البيع، وبين الثمن إذا بيعت فأجرى حكمها قبل البيع على أنها غلة، وبعد البيع على أنها ثمن للرقبة لما كانت الرقبة للمشتري إن عجز فتجب الزكاة إذا كان العبد للتجارة، إذا حال الحول على ما كان قبل الكتابة لو بيع وهو عبد، وهذا الحكم في بائع الكتابة 309. وأما مشتريها، فيزكي ما يقبض 310 منه على أصل ذلك المال الذي اشتراها به، وسواء حمل شراء المشتري على الغلة، أو على الرقبة؛ لأن من اشترى منافعًا ونوى بها التجارة، زكى ثمنها كما يزكي مشتري الرقاب للتجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 912

فصل من بيده مائة دينار وعليه دين مثلها وحال عليها الحول

ومن المدونة قال مالك فيمن بيده مائة دينار حال عليها الحول، وعليه دين مثلها، فوُهبت له المائة الدَّيْن 311: أنه يستأنف بالمائة التي في يده حولًا؛ لأنها صارت فائدة 312. وقال غيره: يزكي ما في يديه 313، وهو أبين؛ لأن الدَّيْن لم يكن معلقًا بها، وإنما الدَّيْن في الذمة، فالموهوب ليس فيما في يديه 314. واختلف إذا لم يوهب له وأفاد عرضًا عند رأس الحول، فعلى قول مالك: يستأنف حولًا وكأنه أفاد المائة يوم أفاد العرض، وعلى القول الآخر: يزكي ما في يديه.
واختلف إذا وهب صاحب المال 315 دينه لغير غريمه، فقال أشهب: لا زكاة فيها على الواهب، ولا على الموهوب له 316. وقال ابن القاسم: الزكاة فيها على الواهب 317. وقال محمد: لأن قبض الموهوب له كقبضه لها 318، قال محمد: ولأنها

الجزء: 2 - الصفحة: 913

تؤخذ الزكاة منها.
وقول أشهب أحسن؛ لأنه وهبها وهي دَيْن، فلم يكن على الواهب فيها زكاة، ولا على 319 الموهوب؛ لأنها فائدة.
وقول ابن القاسم، استحسان، ومراعاة للخلاف، فإن الحوالة ليست بقبض، وأن الهبة إنما تصح بقبض الغريم لها، وكأنها على ملك الواهب حتى تقبض، وأرى أن تزكى على تسليم هذا القول منها إذا كان لا 320 يرى أن الحوالة عليها قبض.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا أحال بمائة عليه على مائة له على غريم، أن على المحيل زكاتها إذا قبضها المحال بها، وعلى المحال بها زكاتها أيضًا 321. قال الشيخ - رضي الله عنه -: يزكِّي هذه المائة اثنان: المحال عليه إذا كان عنده عرض يوفي بها، والمحال لها؛ لأنه لا فرق بين أن يقبضها من غريمه أو من المحال بها عليه، وإنما يختلف في المحيل بها، فعلى قول أشهب: لا زكاة عليه، وعلى قول ابن القاسم: يزكيها.
وقال محمد بن سحنون في رجل تصدق على رجل بألف درهم، وعزلها 322 للمتصدَّق عليه فأقامت سنين، فإن قبله المتصدَّق عليه، استقبل بها حولًا وسقط منها زكاة ما مضى، وإن لم يقبلها رجعت إلى مولاها، وزكاها لما مضى من السنين 323.

الجزء: 2 - الصفحة: 914

فصل لا زكاة على قوم ورثوا دارًا فباعها القاضي ووضع ثمنها فأقام أحوالًا

ومن المدونة قال مالك في قوم ورثوا دارًا، فباع عليهم القاضي، ووضع ثمنها على يدي عدل حتى يقسم بينهم، فأقام أحوالًا ثم قبضوه: لا زكاة عليهم حتى يحول الحول من يوم قبضوه 324. فأسقط الزكاة لما كانوا مغلوبين على تنمية ذلك المال.
وإن كانوا عالمين به، وكان موقوفًا بإيقاف القاضي، فقد اختلف في هذه المسألة، فقيل: يزكونه إذا اقتضوه لعام واحد 325؛ لأنه ضمار، والضمار 326: المال 327 المحبوس عن أهله.
وقيل: يزكونه للأعوام كلها؛ لأنه ملك لهم بنفس الموت.
وقيل: إن وضعه القاضي على يدي عدل 328، زكَّى للأعوام كلها.
واختلف أيضًا هل عِلْمُ 329 الوارث بذلك وعدم علمه 330 سواء؟ فقيل: إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 915

لم يعلم؛ استأنف به حولًا، وإن علم؛ زكَّاه لعام.
وقيل: للأعوام كلها.
وقال مالك في المدونة فيمن ورث مالًا بمكان بعيد، ثم قبضه الوارث بعد ثلاثة أحوال: إنه لا شيء عليه فيه 331؛ حتى يحول الحول من يوم يقبضه 332 رسوله 333. وقال في كتاب محمد: إن لم يعلم ووضعه الوالي على يدي ثقة، ومضى له سنون كثيرة 334؛ يزكيه لعام واحد.
وقال مطرِّف في الواضحة: إن لم يعلم به؛ استأنف به حولًا، وإن علم ولم يستطع التخلص إليه؛ زكَّاه لعام واحد، وإن كان يقدر على التخلص إليه؛ زكاه لماضي السنين 335. وإن وضعه السلطان على يدي عدل؛ زكَّاه لماضي السنين 336 وإن لم يعلم به 337؛ لأن قبض السلطان للغائب والصغير كقبضه.
والذي يقتضيه قول مالك في المدونة: أنه يستأنف الحول 338 من يوم القبض 339 وإن كان عالمًا به؛ لأنه جعل الحول من يوم يقبضه رسوله، فقد علم به ثم بعثه 340 فيه، فلو كان للعلم تأثيرٌ، لكان الحول من يوم علم، ولا فرق في الحقيقة بين علمه وعدمه إذا كان غير قادر على أخذه.

الجزء: 2 - الصفحة: 916

وكل هذا الذي تقدم اضطراب، والصحيح من ذلك أحد وجهين: فإما أن يقال: إن عدم القدرة على التصرف فيه والتنمية تمنع الزكاة، فلا تجب إلا من 341 بعد القدرة على ذلك، علم بالمال أو لم يعلم، وضع على يدي عدل أو لم يوضع، وإلى هذا ذهب مالك في المدونة في الدار التي بيعت على الورثة 342، أو يقال: إن عدم القدرة على التنمية لا يمنع الزكاة، فتجب لسائر الأعوام، وإن لم يعلم، ولم يوضع على يدي أحد، وهذا أحسنُها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن آخذها من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم" 343. ولم يفرق.
ولم يختلف المذهب فيمن ورث ماشية أو نخلًا؛ أنها تزكى لماضي الأعوام، علم أو لم يعلم، وُضعِت على يدي عدلٍ أم لا 344؛ لأن التنمية فيها موجودة بخلاف العين 345، وكذلك الأسير والمفقود تزكى ماشيتهم وثمارهم بخلاف العين، وإذا بعث الورثة رسولًا؛ فإنه لا يختلف أنه يحسب حولًا من يوم قبضه، ولا ينظر إلى وقت وصوله إلى الوارث؛ لأنه كان قادرًا على أن يوكله على تنميته، فإن كانت المسافة والمقام المعتاد فيما بين ذلك عامًا أو عامين زكَّى عن تلك الأعوام، وإن عرض مَانِعٌ في الطريق؛ عدوٌ أو غيره، فأقام لأجله أعوامًا- عاد الخلاف في تلك المدة التي وقع فيها المنع على ما تقدم، إذا علم ولم يقدر على التخلص إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 917

ويختلف إذا حبسه الرسول تعديًّا أعوامًا (1)، هل يستأنف به حولًا أو يزكيه لعامٍ واحدٍ؟ ولا خلاف أنه لا يزكيه لتلك الأعوام؛ لأنه صار دَيْنًا.

فصل [فيمن سقط ماله ثم وجده]

ويختلف في المال يسقط من صاحبه على نحو ما تقدم إذا ورثه وعلم به، هل يستأنف حولًا من يوم وجوده، أو يزكيه لعام واحد أو للأعوام؟ وهل يفترق الجواب إذا وُقف على يدي عدلٍ؟ فقال مالك في العتبية: إذا وجده صاحبه بعد سنين؛ زكَّاه لعام واحد 347. وقال المغيرة، وسحنون: يزكيه لكل عام 348. وقال ابن حبيب: يستأنف حولًا إذا كان صاحبه منقطع الرجاء منه؛ لأنه ضمار، ولا زكاة في الضمار، وهذا إذا حبسه لصاحبه 349. واختلف إذا حبسه الملتقط لنفسه بعد الحول، ولم يحركه حتى أتى صاحبه، فقال مالك في كتاب محمد: يزكيه ملتقطه لحول من يوم نوى ذلك، ويزكيها صاحبها لعام 350، وإن أقامت بعد ذلك أعوامًا 351. وقال ابن القاسم في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها وإن نوى 352 حبسها لنفسه للحديث 353،346

الجزء: 2 - الصفحة: 918

والأول أبين؛ لأنها صارت دينًا عليه.
واختلف فيمن دفن مالًا ثم ذهب عنه موضعُه (1)، ثم وجده بعد أعوام، فقال مالك في كتاب محمد: يزكيه لماضي السنين.
وقال محمد بن المواز: إن دفنه في صحراء، أو في موضع لا يحاط به- فهو كالمغصوب، والضائع، وأما البيت والموضع الذي يحاط به؛ فيزكيه لكل سنة (2). وعكس ابن حبيب الجواب فقال: إن دفنه في صحراء؛ زكاه لماضي السنين؛ لأنه عرّضه للتلف لما دفنه بموضع يخفى عليه، وإن كان بموضع لا يخفى عليه؛ لم يزكه للأعوام (3). قال الشيخ: وأرى أن يزكيه لتلك الأعوام، وسواء كان دفنه في بيته، أو في صحراء، وقد تقدم وجه ذلك.

فصل من اشترى حائطًا للتجارة ولا ثمرة فيه ثم أثمر عنده

ومن اشترى حائطًا للتجارة ولا ثمرة فيه، ثم أثمر عنده؛ فإنه في ثمرته على ثلاثة أوجه: إما أن يجُدّ الثمرة، أو يبيع الأصل بثمرته بعد الطيب، أو قبله، فإن كانت الثمرة من صنف يُزكى وهي خمسة أوسق فأكثر زكَّاها زكاة الخرْص، فإن جدَّها ثم باعها؛ زكَّى عن المكيلة لا عن الثمن 357، وكذلك إن باع الأصول واستثنى الثمار، وإذا أدخل الثمار في البيعِ؛ فضَّ الثمن، فما ناب354355356

الجزء: 2 - الصفحة: 919

الأصول؛ زكَّي زكاة العين، وما ناب الثمار؛ زكَّي زكاة الخرص.
وإن كانت الثمار من صنف يزكَّى وهو دون خمسة أوسق، أو من صنف لا يزكى وهي خمسة أوسق فأكثر؛ نظرت فإن كانت قد جُذَّت ثم باعها؛ كان الثمن فائدة، وإن باع الأصول والثمار قبل الجِذاذ وكانت قد طابت؛ زكَّى عن جميع الثمن على القول: إن الثمار لا تكون غلة بالطيب، وأما على القول: إنها غلة بالطيب؛ فيفض الثمن، فما ناب الغَلة كان فائدة.
واختلف أيضًا إذا باع الأصول والثمار بعد اليبس، فعلى القول: إنها غلة باليبس؛ يفض الثمن، وعلى القول: إنها لا تكون غلة إلا بالجِذاذ؛ يزكي عن جميع الثمن، وإن بيعت الأصول بثمارها قبل الطيب؛ زكَّى عن جميع الثمن، وعلى هذا يجري الجواب في الغنم إذا اشتُريت قبل تمام صوفها، فتمَّ عند المشتري ثم جزه فباعه؛ فهو غلة.
وإن باعها بصوفها وقد تم ولم يَتَوَذَّح 358، كان كالطيب في الثمار.
وإن تعسّل كان كاليبس في الثمرة؛ لأنه لم يبق إلا جدادُ هذه، وجزازُ هذه.
واختلف إذا اشتراها وعليها صوف قديم 359 قديم 360، فجزه ثم باعه، فقول ابن القاسم: أنه مشترى، يزكيه على الأصل في المال الذي اشتريت به الغنم، وعند أشهب: أنه غلة.
والأول أبين؛ لأنه مشترى ويزاد في الثمن لأجله، ولو ثبت أن البائع للغنم باع الصوف قبل بيعه إياها، لرجع المشتري بما ينوب ذلك الصوف من الثمن.

الجزء: 2 - الصفحة: 920

باب في زكاة من عليه دَيْن

وقال مالك فيمن وجبت عليه زكاة وعليه دين يغترق جميع ما في يديه: أن الدَّيْن يُسقط زكاةَ العينِ: الذهب والفضة، ولا يسقط زكاة الحرث، ولا الماشية 361، ولا زكاة العين إذا كان 362 من مَعْدِن 363. وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أصحاب الرأي: يسقط الدَّيْن زكاة العين والمواشي، ولا يسقط زكاة الحرث، ولا زكاة العين إذا كان من معدن 364. وقال سليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والنَّخَعي، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور - رضي الله عنهم -: لا زكاة على من كان عليه دَيْن في شيء من الأشياء.
وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى: لا يُسقط الدَّيْنُ الزكاةَ بحالٍ.
واختلف فيه عن الشافعي، فقال مرة بقول ابن يسار وغيره ممن ذكرنا معه، ومرة بقول ربيعة 365. واختلف المذهب في زكاة الفطر، فقال أشهب: لا يسقط الزكاة بخلاف العين، وقيل: لا زكاة عليه كالعين 366.

الجزء: 2 - الصفحة: 921

واختلف المذهب في زكاة العين إذا كان له من العروض أو غيرها ما يحمل دينه، فقال مالك وابن القاسم: يجعل دينه في عروضه 367، وسواء كانت للقنية أو للتجارة، ويُزكي ناضّه 368. وذكر عبد الملك عن الليث وسفيان 369، ومحمد بن عبد الحكم أنهم قالوا: يجعل 370 الدَّيْن في الناضّ، ولا يجعل في العروض 371. قال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن لا زكاة على من عليه دَيْن 372 أيّ صنف كان الذي 373 تجب فيه الزكاة؛ لأن الزكاة مواساة من الأغنياء إلى الفقراء، ومن كان عليه دَيْن يستغرق ما في يديه؛ فهو فقير ممن تحل له الزكاة قبل أن تؤخذ منه = الأئمة قالوا ذلك عند أخذهم زكاة الفطرِ، والحَبِّ، والثَّمرِ، والماشيةِ، أَنْ يسقطوا زكاة ذلك بالدينِ، وقد قالوه في العين، وكان عثمان ينادي به عند الحولِ فِي مَنْ عليه دَينٌ".

الجزء: 2 - الصفحة: 922

زكاة ما في يديه، وقد يكون الدَّيْن أكثر مما في يديه، فيكون من الغارمين، وليس هذه صفة من تجب عليه الزكاة.
ومن المدونة قال مالك: لا يجعل الدين في عروضه إذا كانت ثياب جسده ويجعلها في الفاضل 374. يريد: عن لبسة واحدة.
قال ابن القاسم: ويجعل دَيْنه في خاتمه 375. وقال أشهب: لا يجعل دَيْنه فيه.
والأول أحسن، ولا مضرة في زوال الخاتم 376: ويجعل دَيْنه في ثوبي جمُعته إلا أن لا تكون لهما تلك القيمة 377، وهذا استحسان.
ومن حق الطالب 378 أن يُباعا وإن قَلَّت قيمتهما.
واختلف في المدبَّر، فقال ابن القاسم: يجعل دَيْنه في قيمته على أنه لا تدبير فيه.
وقال سحنون: لا يجعل دَيْنه في قيمته، ولا في قيمة خدمته 379. وهذا هو الأصل ألا يجعل الدَّيْن إلا فيما يجوز أن يباع للغرماء، والأول استحسان واحتياط للزكاة، ومراعاة للقول أنه يجوز بيعه في الحياة بين لم يكن عليه دَيْن.
وأرى أن يجعل دَيْنه فيما يجوز أن يباع من خدمته بالنقد، وذلك السنتان 380 ونحوهما قياسًا على المعتق إلى أجل، ولم يختلفوا أن الدَّيْن يجعل في قيمة خدمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 923

واختلف في المُكَاتَب.
فقال ابن القاسم: يجعل دَيْنه في قيمة كتابته على حاله 381. وقال أصبغ في قيمة عبد: لا كتابة فيه مثله كالمدَبِّر.
والأول: أقيس، والثاني: احتياط للزكاة، ومراعاة للخلاف أن الكتابة ليست بعقد لازم.
وقال محمد: لو أخدم رجلٌ رجلًا عبده سنين، أو أخدم هو عبدًا لغيره سنين أو حياته، لجعل دينه فيما تساوي تلك الخدمة، أو مرجع ذلك العبد 382. قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله يجعل دينه 383 في الخدمة إذا كانت حياته، ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا بغيره، وأظنُّه قاس ذلك على المدبَّر، وليس مثله؛ لأن الجواب في المدَبَّر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة 384، ولا خلاف أنه لا يجوز للمُخدَم أن يبيع تلك الخدمة حياته، وكذلك المرجع لا يجوز أن يجعل فيه الدين؛ لأن بيعه لا يجوز.
وأما إذا كانت الخدمة سنين معلومة؛ فيحسُن أن يُجعَل الدَّيْن في قيمتها؛ لأنه لا 385 يجوز بيعها.
ويختلف فيها بعد ذلك ولأن حقه متعلق بحياة العبد، وقد تقدم مثل ذلك فيمن اكترى دارًا، ثم أكراها بالنقد.
وقال مالك: إذا كان عليه إجارة أجراء قد عملوا حط عنه في ذلك من

الجزء: 2 - الصفحة: 924

الزكاة (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا يحط عنه الزكاة إذا لم يعملوا على أصل مالك إذا كانت الإجارة ليس فيها محاباة؛ لأنه يجعل دينه فيه.

فصل من بيده مائة دينار وعليه دين مائة وله على أحد دين مائة

ومن المدونة قال مالك فيمن بيده مائة دينار، وعليه دَيْن مائة 387، وله دَيْن على آخر مائة: أنه يجعل الدَّيْن الذي عليه في الدَّيْن الذي له، ويزكّي المائة التي في يديه 388. فجعل الدَّيْن الذي عليه في عدد الدَّيْن الذي له 389، وقال ابن القاسم: إن كان دينه على غير مليًّ، فليحسب قيمته 390. وقال سحنون: يجعل عدد ما عليه في قيمة ما له من الدَّيْن 391. قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا يخلو الدّينان أن يكونا حالَّين، أو مؤجلين، أو أحدهما حالٌّ والآخر إلى أجل، وفي كل هذه الوجوه لا يختلف الجواب في الدَّيْن الذي عليه، أنه يحسب عدده، وإنما يفترق الجواب 392 في الدَّيْن الذي له، فإنه يحسب تارة عدده، وتارة قيمته، وتارة لا يحسب قيمته ولا عدده، فإن كان الدَّيْن الذي386

الجزء: 2 - الصفحة: 925

له حالاًّ على موسر، حسب عدده، وسواء كان الدَّيْن الذي عليه حالاًّ، أو مؤجلًا، وإن كان دينه مؤجلًا والذي عليه حالاًّ؛ جعل في قيمة دينه، وإن كانا مؤجلين وتساوى الأجل، وكان أجل (1) دينه يحل أولًا؛ جُعل في عدد دينه، وإن كان أجل ما عليه يحل قبلُ؛ جعل عدد ما عليه في قيمة ماله.
فإن كان أجَّلَ ما عليه إلى ستة أشهر وأجل دينه سنة؛ قوّم دَيْنه (2) على أنه يقبض إلى ستة أشهر؛ لأنه الذي يبقى من أجل دينه إذا حلَّ ما عليه، وإن كان غريمه موسرًا بنصف دينه وهو حال؛ جعل نصف ما عليه في نصف ما له، وزكَّاه، وإن كان لا يعلم ما ينوبه في الحصاص، جعل في قيمته دينه، وهذا استحسان، والقياس ألا يجعل في شيء منه؛ لأنه لا ينبغي أن يُباع ما في ذمة غريمه إذا كان لا يعلم قدر ما ينوبه في الحصاص، نصف، ولا ثلث، ولا ربع.
وإن كان دَيْنه على فقير ولا يشتري ما عليه لفقره، أو لتعذر ما يرجى من يسره - لم يجعله في عدد ولا قيمة.

فصل من بيده مائتا دينار وعليه دين مائة

واختلف إذا كان في يده مائتا دينار وعليه دين مائة، فقيل: يجعل دينه في مائة، ويزكي مائة واحدة 395. وقيل: إذا زكَّى مائة؛ جعل دينه فيها، وزكَّى المائة الأخرى إلا ما نقصت الزكاة من 396 الأولى، وسواء اتفق حول المائتين أو393394

الجزء: 2 - الصفحة: 926

اختلف 397. وقيل: إن اتفق حول المائتين؛ زكى مائة واحدة، وإن اختلف؛ زكى التي حل حولها، وجعل دينه في الثانية، فإذا حل حول الثانية ولم يقبض ذلك الدين؛ جعل دينه في الأولى وزكَّى الثانية.
ومن كان معه مائتا دينار، إحداهما معدنية والأخرى فائدة 398، ولم يزكِّ واحدة منهما؛ فإنه يبدأ بزكاة المعدنية؛ لأن الدَّيْن لا يُسقط زكاتها، ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي المائة الأخرى إلا ما نقصت الزكاة من المائة الأولى.
وكذلك الماشية إذا كان في يده مائة دينار وعليه مثلها، وله نصاب ماشية حال عليه الحول؛ فإنه يزكي ماشيته، ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي ما في يديه من العين.
ومن كان عليه دَيْن من نفقة زوجته؛ حط عنه فيها الزكاة، وسواء كانت بقضية أم لا.
واختلف في نفقة الولد والوالدين، فقال ابن القاسم: لا تسقط بها الزكاة وإن كانت بفريضة من القاضي 399. وقال أشهب: تسقط الزكاة بنفقة الولد وإن لم تكن بفريضة من القاضي؛ لأنها لم تزل، ولا تُسقط نفقة الوالدين إلا أن تكون بفريضة من القاضي 400، وهذا أقيس، وكل موضع يكون لمن أنفق إذا قام بنفقته أن يقضى له فيها، فإنها تحط عنه الزكاةُ.
وقال محمد: وأما المرأة في زكاتها،

الجزء: 2 - الصفحة: 927

فلا تلزمها نفقة ولدها، ولا رضاعُه إلا في عدم الأب، ومثلها لا ترضع وهي مليةٌ فلتسترضع له، وكذلك في موت الأب ولا مال لهم 401. يريد: فيصيرُ أجرُ رضاعه كالدَّيْن عليها تحط به الزكاة، وهذا أحسن إذا كانت قد اسزضعت لهم؛ لأن الإجارة صارت دَيْنًا عليها وإن لم تكن استأجرت، فالقياس ألا شيء عليها إذا لم يكن لها لبن، وإن كان لها لبن 402 فامتنعت من ذلك لشرفها، استأجرت له.
واختلف في صداق الزوجة، فقال ابن القاسم: تسقط به الزكاة 403. وقال ابن حبيب: لا تسقط به الزكاة لما كان الغالب ألا تقدم 404 عليه به الآن، وإنما يطالب به عند موته، أو فراقه 405، وهو أشبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 928

باب في زكاة القراض، وما يزكي منه وهو في يد العامل، أو تؤخر زكاته (1) إلى وقت المفاصلة

ومن عمل بمال قراض؛ فإنه لا يخلو المال بعد العمل من ستة أوجه: إما أن يكون في ماشية، أو ثمار، أو 407 زرع، أو رقيق، أو عروض وهو مدير أو غير مدير، أو يكون عينًا.
فتجب فيه الزكاة وهو عند العامل، وقبل رجوعه إلى يد صاحبه في ثلاثة أوجه: إذا كان في ماشية إبل، أو بقر، أو غنم.
وإذا كان في زرع، أو ثمَّار مما تجب فيها الزكاة، أو رقيق، فيمر 408 يوم الفطر قبل بيعه.
وإن كان في عروض وهو غير مدير؛ لم تجب زكاته؛ لأنه لو كان في يد صاحبه؛ لم تجب فيه زكاة.
واختلف في المدير، فقال ابن القاسم في كتاب محمد بن سحنون: لا يزكيه إلا عند المفاصلة.
وقاله سحنون.
وقال ابن حبيب: يزكي الآن، ويخرج زكاة ذلك المال من عنده لا من القراض 409. وهو ظاهر قول مالك في كتاب محمد.
ويختلف إذا كان غير مدير والمال عين، فقال مالك وابن القاسم: لا يزكي إلا عند المفاصلة 410.406

الجزء: 2 - الصفحة: 929

وعلى القول في المدير أنه يزكي قبل المفاصلة، يزكي غير المدير العين؛ لأن أعلى مراتبه أن يقدر أن ما في يديه من العروض كالعين، ولا يكون نضوض المال عند الحول أدنى رتبة من العروض 411 للإدارة.
وأرى أن يزكي العين الآن؛ لأن كون 412 المال في يدي العامل لم يُخرجه عن ملك ربه، والعامل وكيل له فيه على وجه التنمية، ولا فرق بين أن يوكِّل من يتجر له فيه بدنانير معلومة، أو بجزء من ربحه، ولم يختلف إذا كان في يد العامل 413 بإجارةٍ، بدنانيرَ معلومةٍ، أنه يزكى قبل رجوعه، ولأنه كان قادرًا على أخذه والمفاصلة فيه حينئذ، فلم يكن تركه له باختياره طلبًا للتنمية مما يمنع من أخذ ما أوجب الله سبحانه فيه.
وقياسًا على أخذ الزكاة منه إذا كان في ماشية أو زرع.
ولا أعلمهم اختلفوا بعد القول: أنه لا يزكي إلا عند المفاصلة، أن الزكاة تجزئ إذا زكَّى قبل ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا أخرج الزكاة قبل المفاصلة، أو جهل العامل فزكَّاه دون رب المال- مضي ذلك ولم يجبُر المال إن خسر فيه العامل ما أخرج فيه من الزكاة 414. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد يختلف إذا أخرجها بغير أمر رب المال؛ لأن رب المال لم ينوِ زكاة ماله، وقد اختُلف فيمن كفّر عن غيره بغير إذنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 930

فصل [في إخراج الزكاة التي في يدِ العامل]

وإذا كان الحُكم أن يخرج الزكاة وهي في يد العامل، فإنه يُعتبر في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: هل يخرج الزكاة من عين 415 ذلك المال أو يخرجها رب المال من عنده؟.
والثاني: هل يزكي جميع المال أو ما ينوب رب المال دون نصيب العامل؟ والثالث: هل تسقط الزكاة عند المفاصلة من رأس المال، أو تكون مفضوضة عليهما العامل ورب المال 416، أو تلغى كالنفقة؟ فأما الماشية فتخرج الزكاة عنها منها.
واختلف كيف تكون المحاسبة فيها عند المفاصلة، فقال مالك 417 في المدونة: تكون على رب المال في رأس ماله، ولا شيء على العامل منها 418. وقال في المجموعة: يطرح قدرُها من رأس المال 419. وهذا مثل الأول.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تلغى كالنفقة 420. وقاله أشهب في

الجزء: 2 - الصفحة: 931

كتاب محمد 421. ويجري فيها قول ثالث أنها متى بيعت بربح؛ فضت الزكاة، وكان على العامل منها بقدر ربحه، وتخرج زكاة الزرع منه، ثم يختلف هل يسقط قدرها من رأس المال، أو تلغى كالنفقة، أو فض عليهما حسبما تقدم في الماشية؟ واختلف في رقيق القراض، فقال في المدونة: على صاحب 422 المال، ولا تخرج من المال 423. وقال أشهب، وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تخرج من مال القراض، ثم يكون رأس المال ما بقي بعد إخراجها 424. وقاسها على الغنم.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تلغى كالنفقة 425. وقال أشهب في المدونة: إن بِيعوا بربح؛ كان على 426 العامل منها بقدر ربحه 427؛ لأنه كان شريكًا له يومئذ، وذكره أشهب في كتاب محمد عن مالك.
ويختلف في زكاة المدير وغيره من العين، هلْ تخرج منه أو من عند صاحب المال؟ فأما إخراجها من المال؛ فعلى الأصل في زكاة العين، وقياسًا على زكاة الماشية.
وقال في كتاب محمد: إذا كان العامل غائبًا ببلد بعيد، ولا يدري ما حدث عليه- فلا يزكي حتى يعلم أو يرجع إليه.
قال: 428 بمنزلة المدير تجهز إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 932

بعض البلدان، فلا يزكيه حتى يرجع إليه، أو يأتيه علمه 429 بالأمر 430 البين، فيزكيه لما مضي من السنين 431. فجعل المدير وغيره سواء، أن المال يزكى وإن كان في يد العامل، ويزكيه رب المال من عنده لا من عين ذلك المال.
ولم يختلف المذهب في زكاة العين إذا حضرت للمفاصلة 432، أنها مفضوضة على رأس المال والربح، وأنه لا يجوز أن تكون زكاة المال على العامل وحده، ولا على رب المال وحده، وإذا كان ذلك نظر في الشاة التي أخذت عن الزكاة، فإن كانت الغنم على حالها حتى بيعت وفيها فضلٌ - كانت الشاة مفضوضة على رأس 433 المال، والربح على حسب 434 ما تقدم في زكاة العين، وإن كانت لا ربح فيها وإنما كان 435 الربح فيما اشترى بها بعد ذلك- كانت الشاة على رب المال، ويحط قدرُها من رأس المال، ولا يصح أن تُلغى؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تجعل الزكاة على العامل وحده.
وكذلك في الزرع إذا زكي، ثم بيع بغير ربح أو ربح فيه بعد ذلك، وكذلك الأمر في رقيق القراض، يراعى الربح هل كان في أثمَّانهم بعد البيع، أو فيما تجر فيه بعد البيع؟.

الجزء: 2 - الصفحة: 933

وقال محمد (1) فيمن أخذ مائة دينار قراضًا، واشترى بها رقاب نخل فأثمرت وطابت، فباع الثمرة بمائة دينار، والأصل بمائة دينار بعد أن حال الحول على العامل، قال: زكاة الثمرة منها، وهو عُشرُها، أو نصف عشرها، ثم يكون للعامل ربع ثمنها، ولا زكاة عليه فيه؛ لأن زكاة ذلك قد أخرجت، ثم يكون للعامل (2) ربع ثمن الرقاب؛ خمسة وعشرون دينارًا، وعليه زكاتها نصف دينار وثُمن دينار، وعلى رب المال زكاة خمسة وسبعين دينارًا.
ولو كان المشتري بالمال اشترى (3) أشجارًا مما لا زكاة في ثمرها مثل: الجوز، والتين والرمان، فأثمرت وباع الثمرة بمائة دينار، والأصل بمائة دينار- كان للعامل خمسون، نصفها من الثمرة، ونصفها من الأصل، فما كان من الثمرة؛ فلا زكاة فيه، وما كان من الأصل ففيه الزكاة (4).

فصل [في تزكية مال القراض إذا نضَّ]

واختلف إذا لم يزكَّ مال القراض حتى نضَّ، وأحضر للمقاسمة في نصيب العامل، هل يزكى على ملك صاحب المال، أو على ملك العامل ويكون بذلك الجزء كالشريك؟ فروى أشهب عن مالك: أنه يزكي على ملك صاحب المال، فإن عمل به شهرًا وهو تمام حول رب 440 المال زكاه 441. ولو كان رأس المال436437438439

الجزء: 2 - الصفحة: 934

خمسة دنانير ربح فيها خمسة، ولصاحب المال عشرة دنانير- زكَّى العامل نصيبه وإن كان دينارًا واحدًا.
وكذلك إن كان على العامل دَيْن، أو كان عبدًا أو نصرانيًّا 442. فإن كان المال لعبد أو نصراني؛ لم يزكِّ العامل نصيبه، وإن صار له نصاب، وهو حر مسلم، لا دين عليه 443. وقال ابن القاسم: لا يزكى إلا أن يعمل به حولًا، وإن فاصل في ذلك المال قبل الحول؛ استأنف به حولًا؛ لأنه فائدة 444. وإن كان على صاحب المال دَيْن يغترق جميع المال، أو على العامل ما يغترق نصيبه من الربح- لم يزكه.
وإن بقي بعد دينه دينار؛ زكَّاه.
وإن كان المال لعبد أو نصراني، لم يزكِّ العامل 445، وعلى قوله: إن كان المالُ لحرٍّ مسلمٍ، والعامل عبد أو نصراني؛ لم يزكِّ، كما لم يزكِّ إذا كان عليه دَيْن، وكل هذا اضطراب؛ لأنه جعله كالشريك في قوله: أنه 446 لا يزكي حتى يعمل به حولًا ولا يكون عليه دَيْن، ثم نقض ذلك بقوله: إذا فاصله قبل تمام السنة؛ لأنه لا يحتسب بما مضى من الشهور قبل المفاصلة، وأنه يزكي نصيبه وإن كان أقل من نصاب.
وقياد قوله: لا زكاة عليه إذا لم يعمل به حولًا، أو كان عليه دَيْن لا يسقط 447 الزكاة، إذا كان العامل حرًّا مسلمًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 935

وإن كان المال لعبد أو لنصراني، فقال في كتاب محمد: لا يزكي حتى يصير له في نصيبه عشرون دينارًا، وهذا موافق لقوله في مراعاة الحول، وما عليه من الدَّيْن.
وقياد قوله في الشاة: أنها 448 على صاحب المال دون العامل، تكون زكاة العين كذلك على رب المال دون العامل، وهو أقيس في المسألتين جميعًا؛ لأن ما يأخذه العامل ثمنًا لمنافعه، وهو بمنزلة من باع سلعة للقنية بثمن إلى أجل، وقول ابن القاسم في ذلك: أنه يستأنف بالثمن حولًا.
ويؤيد هذا قوله: إذا فاصله قبل تمام الحول، أنه يستأنف بالثمن حولًا.
وقال محمد: مثل ما يخرج من الربح للعامل، مثل الإجارة يخرجها من مال بعد وجوب الزكاة في ذلك المال 449. واختلف إذا عمل به أعوامًا، فقال مالك في كتاب محمد: يزكي لعام واحد 450. وقال أيضًا: يزكي لجميع الأعوام 451. وهذا هو الصحيح؛ لأن المال كان في تلك الأعوام في يد وكيله على وجه التنمية، فمن عمل به ثلاثة أحوال وكان في الأول مائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث ثلاثمائة- زكَّى عن كل عام ما كان في يديه إلا ما حطت الزكاة.
وإن كان في الأول مائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث مائة 452 - زكى عن مائة 453 مائة في كل عام إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 936

ما حطت الزكاة؛ لأن المائة التي خُسرت في العام الأوسط تسقط زكاتها؛ لأنه مال غير 454 مفرط في زكاته، فلا تتعلق في الذمة.
وإن كان في الأول مائتان، وفي الثاني مائة، والثالث مائتان- زكَّى عن الأول عن مائة، ثم عن مائة، ثم عن مائتين.
وفي كتاب محمد إذا زكَّى صاحب المال ماله وهو في يد العامل، أنه يزكي عن رأس ماله ما ينوبه 455 من الربح، وهذا أيضًا إنما يصح على القول أنه كالشريك.
واختلف في العامل إذا تفاصلا بعد أعوام هل يزكي لعام واحد أو لأعوام 456. وأرى أن يزكي لجميع الأعوام؛ لأنه على أحد الوجهين: إما أن يقول 457 أنه مزكى على ملك رب المال؛ والزكاة تجب لجميع الأعوام، أو على ملك العامل وأنه شريك فيه 458؛ فيزكيه لجميع الأعوام.
أو يقال: إنه فائدة فيستأنف به 459 حولًا، ولا وجه أن يزكى لعام واحد.
وقال محمد فيمن أخذ مائة دينار قراضًا، عمل فيها ثمانية أشهر فتحاسبا، فجاءه برأس المال، وبقي الربح في سلعة فباعها بعد الحول، وصار للعامل

الجزء: 2 - الصفحة: 937

عشرون دينارًا- فلا زكاة عليه 460. وهذا أصل ابن القاسم في المدونة إذا صار إلى العامل ربح قبل تمام الحول، أنه يستأنف به حولًا.
وفي المجموعة: أن عليه الزكاة.
يريد: 461 لأنه قد بقي عليه عمل 462 من سبب القراض وهو الربح، فعليه أن يبيعه لرب المال حتى ينضّ، ولا يستحق العامل نصيبه من الربح إلا بذلك.
قال محمد: فإن باع بخمسة وتسعين؛ وباع ما بقي بخمسة وعشرين 463 لم تكن على العامل زكاة عند ابن القاسم حتى يبيع الباقي بخمسة وأربعين.
وأما صاحب المال، فإن بقي بيده ما إن 464 ضمه إلى ما يأخذه وجبت فيه الزكاة- زكَّى وإلا لم يزكِّ 465. قال محمد: ويزكي نصف دينار 466. يريد: ربع عُشر 467 نصف دينار، وجعل الربح مفضوضًا 468، فما قابل الخمسة وتسعين، سقطت زكاته؛ لأن العامل فاصل فيه 469 قبل الحول، وما قابل الخمسة من 470 بقية رأس المال، زكَّاه على قول أشهب عن مالك؛ لأنه إذا أضاف الخمسة وربحها إلى ربح رب

الجزء: 2 - الصفحة: 938

المال 471، فيما قابل ما فاصل فيمن وجده نصابًا، فزكى جميع ذلك على ملك رب المال؛ لأن ما قابل ما فاصله 472 فيه لو كان مقبوضًا 473 قبل ذلك عند رب المال لأضاف الباقي في يد العامل إليه، كما قال فيمن دفع خمسة دنانير قراضًا فربح فيها حتى 474 صارت عشرة وبيد رب المال عشرة أخرى أن على العامل الزكاة.
وفَضُّ الربح حسب ما ذكره محمد ليس بحسن؛ لأن الربح لا يستحق إلا بعد نضوض المال.
ولو خسر في السلعة فلم يحصل فيها إلا خمسة دنانير؛ لكانت لصاحب المال، ولو جعل العامل شريكًا فيها، فبيعت بخمسة دنانير، لكانت مفضوضة 475 على قدر ما بقي من رأس المال، وعلى قدر ربح ذلك اليوم، وفي فساد ذلك ما يمنع الفض على ما كان من القيمة يوم 476 المفاصلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 939

باب في الإمام هل يسأل الناس عن زكواتهم، وفي أخذها ممن يعلم أنه لا يؤديها؟ وهل تنقل إلى غير البلد الذين وجبت فيه؟ ومن وجبت عليه زكاة (1) وهو في سفر

وقال ابن القاسم: لا بأس أن يسأل الإمام إذا كان عدلًا الناس عما في أيديهم، وهل وجبت عليهم زكاة؟ 478 وقد فعل ذلك أبو بكر.
ومن قدم بتجارة، فقال: هذا الذي معي مضاربة 479، أو بضاعة، أو علي دَيْن، أو لم يحل عليَّ الحول، أو أنا عبدٌ، أو نصرانيٌّ، أو حديث عهد بعتق، أو إسلام، صُدِّق 480. واختلف في يمينه، فقال في المدونة: لا يحلف 481. وقال في موضع آخر: إن كان من غير البلد وكان 482 ممن يتهم حلف.
وأرى أن تكشف عنه الرفقة التي أتى فيها، فإن لم يوجد من يقول خلاف ذلك؛ صُدِّق.
وأما المقيم فلا يحمل على الصدق في حدوث العتق والإسلام؛ لأن مثل ذلك لا يخفى، وكذلك إن ادعى أن ما في يديه قراض،477

الجزء: 3 - الصفحة: 940

وأن عليه من الدين ما يستغرق ما في يديه؛ فيكشف عن ذلك، وأما إذا قال لم يحل الحول؛ صُدِّق.

فصل [في أخذ الإمام الزكاة ممن لا يؤديها]

وقال مالك: إذا علم الإمام من رجل أنه لا يؤدي زكاة ماله قال إذا 483 علم ذلك أخذت منه 484. يريد: إذا ادعى أنه يؤدي زكاته، وهذا على القول أنها تجزئه إذا ثبت أنه أداها.
وأما على القول أنها لا تجزئه إذا كان الإمام عدلًا؛ فإنها تؤخذ منه، وإن اعترف أنه لم يزكِّ ولدَّ عن أدائها؛ أخذت منه جبرًا وأجزأته، وإن عُدمت منه النية بمنزلة من طلق في الحيض وأبى أن يرتجع، فإنَّ الإمام يرجع عليه، وتصح الرجعة، ولو أخذ ذلك القدر من ماله من بعد الحول وفرق في المساكين- لم يجزئه عن الزكاة.
ويُختلف إذا أخرج ذلك الرجل من ماله على وجه الزكاة؛ قياسًا على من أعتق عن إنسان بغير إذنه 485 عن كفارة وجبت عليه، أو ذبح أضحيته بغير أمره.
وقد اختلف في ذلك، فإن امتنع جماعة من أداء الزكاة، ولم يقدر على أخذها إلا بقتالهم، قوتلوا عليها، وإن امتنع جحدًا، كان كافرًا، ويقتل إن لم 486

الجزء: 3 - الصفحة: 941

يقر بها وإن أطاع بأدائها.
وقال مالك في خوارج غلبوا على بلد (1) ثم ظفر بهم.
قال: تؤخذ زكاة تلك السنين (2) عنهم (3). فإن قالوا: قد أديناها في تلك الأعوام؛ لم يصدقوا إذا كان امتناعهم لئلا يؤدوها وإن كان امتناعهم لغير ذلك؛ صُدِّقوا (4).

فصل [فيمن عجَّل زكاته قبل أن يقرب الحول]

ومن عجَّل زكاته 491 لعام واحد 492، أو لعامين، أو في العام نفسه قبل أن يقرب الحول- لم تجزئه 493. واختلف إذا قرُب الحول، فقال مالك في العتبية: لا تجزئه 494. قال: أرأيت الذي يصلي الظهر قبل الزوال، والصبح قبل الفجر، أليس يعيد؟ وهذا مثله 495. وقال أشهب في كتاب ابن حبيب تجزئه 496. واختلف بعد القول إنها تجزئ إذا قرب الحول- في حد القرب، فقال في487488489490

الجزء: 3 - الصفحة: 942

كتاب محمد: إذا كان مثل اليوم واليومين؛ أجزأه، ولا يجزئه ما فوق ذلك 497. وقال ابن حبيب: لا تجزئه إلا ما كان 498 مثل الخمسة الأيام، والعشرة لا أكثر من ذلك 499، وقيل: تجزئه الخمسة عشر يومًا.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: أرى الشهر قريبًا، ويجزئه 500. فرأى في القول الأول: أنه شرع غير معلل عُلِّق بوقت؛ فلا يجوز تقدمته عليه كالصلاة.
وفي القول الثاني: أنه شرع معلل، وأن التأخير يتعلق به حق المالك، وحق المساكين، فإذا أخرجها عندما قرب من ذلك؛ أجزأته.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجزئ وإن عُجِّلت لعام أو لعامين.
وفي الترمذي قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ" 501 وفي حديث آخرَ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّا أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ" 502 وقد أجاز أيضًا في حديث أبي موسى تعجيل الكفارة قبل الحنث 503. وقال الليث: لا تجزئ إن

الجزء: 3 - الصفحة: 943

عجلت قبل الوقت؛ خوفًا أن يعود المعطى موسرًا عند الحول.
وقد أجاز ابن القاسم للمعسر أن يكفر قبل الحنث بالصيام وإن كان موسرًا يوم يحنث.
وهذا في زكاة العين، ولا يصح في زكاة الحرث؛ الزرع (1)، والثمار؛ لأنها زكاة عما لم يملك بعد، فلا يدري ما قدره.
وتجوز في المواشي إذا لم تكن لهم سعاة على مثل ما يجوز في العين (2)، أو كان لهم سعاة على القول- أنها تجزئ إذا أخرجها قبل مجيء الساعي.

فصل [في نقل الزكاة]

واختلف في نقل الزكاة على أربعة أقوال: فقال مالك: تقسم في البلد الذي أخذت منه، وإن أصابت قومًا سَنَةٌ، فأذهبت 506 مواشيهم، فنقل إليهم بعض ذلك- رأيته صوابًا، وقال أيضًا: لا بأس أن يوجه بالزكاة من بلد إلى بلد 507. وقال سحنون: إن أخرجها في غير قريته وفيها فقراء، لم تجزئه 508. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إنما يقسم في الموضع الذي أخذت منه الزكاة سهم الفقراء والمساكين، وأما الستة الأسهم؛ سهم العاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فيقسم بأمر الإمام في504505 = برقم (5199)، ومسلم: 3/ 1268، في باب نذر من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، من كتاب الأيمان، برقم (1649).

الجزء: 3 - الصفحة: 944

أمهات البلاد التي فيها الأئمة 509. قال الشيخ - رضي الله عنه -: مفهوم حديث معاذ أن لا تنقل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَخبرْهُمْ أَنَّ اللهَ -عز وجل- فَرَضَ 510 عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتردُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" 511 وأيضًا فإن القياس إذا كان فقراء بين أغنياء، أن لا تنقل عنهم زكواتهم، ويكلفوا إلى أن يطلبوا زكوات قوم آخرين في بلد آخر، أو يقيموا على خصاصة، أو يكلف من هو بينهم من الأغنياء مواساتهم، فيكون قد كلفوا زكاة أخرى 512 إلا أن تنزل بقوم سنة، فتنقل إليهم لتغليب أحد الضررين؛ لأن الغالب فيمن نزل بهم ذلك، فنقلها إليهم لتحيا بها النفوس، ولا يخشى ذلك على من تنقل عنهم.
وقد رُوي عن معاذ أنه نقل الزكاة، وقال لا نقبل الثمن: "ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ 513 مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرةِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَأَنْفَعُ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالمَدِينَةِ" 514. والحديث محتمل أن يكون نقل ما بعد سهم الفقراء والمساكين كما قال ابن الماجشون؛ لأنه كان بالمدينة المجاهدون 515، وهم يأخذونها لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
والمهاجرون هم في معنى ابن السبيل والمؤلفة قلوبهم، أو

الجزء: 3 - الصفحة: 945

نقل الجميع للحاجة التي كانت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في (1) إعطاء من يدخل في الإسلام، وينقذهم من الكفر، فقام ذلك مقام من أعطي في سنة الجدب (2)، وقد قال مالك في المستخرجة (3): أستحب لأهل الأمصار أن يحملوا زكواتهم إلى المدينة؛ لأنها دار الهجرة والتنزيل، وأهلها يصبرون على لأوائها وشدتها (4).

فصل [فيمن كان في سفر ومعه زكاة ماله]

وعلى من كان في سفر أن يزكي ما معه من المال 520 ولا يؤخره إلى بلده.
واختلف في زكاة ما خَلَّفَه في بلده، فقال مالك: يزكيه الآن إلا أن يحتاج ولا قوة 521 معه، فليؤخره إلى 522 أن يجد من يسلفه، فليستسلف 523، يريد: يخرج الزكاة ويتسلف ما يحتاج إليه.
وقال أيضًا: يؤخر زكاته حتى يقسم في بلاده 524. فراعى في القول الأول موضع المالك، ومرة موضع المال، وهو أبين أن يكون فقراء من فيهم ذلك المال أحق بزكاته، وأيضًا فإن الزكاة معلقة بعين516517518519

الجزء: 3 - الصفحة: 946

ذلك المال، فليس يجب على المالك أن يخرج عنه من ذمته، وهذا إذا كان سفره مما يعود منه قبل وجوب الزكاة، فعاقه عن ذلك أمر.
وإن كان سفره مما يعلم أنه لا يعود حتى يحول الحول، فعليه أن يوكل من يخرج عنه عند حلول حوله، فإذا لم يفعل، كان متعديًا، وتصير الزكاة في ذمته، وإذا صارت في الذمة؛ وجب عليه أن يخرجها الآن.
وإن كان محتاجًا على أحد قولي مالك، أن المراعى موضع المالك 525، وكذلك مع القول بجواز نقلها.
وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل 526 إلى بلده 527.

الجزء: 3 - الصفحة: 947

باب فيمن يوخذ منه العشر من أهل الذمة والحربيين

وإذا خرج الذمِّي تاجرًا إلى أُفُقِه؛ لم يؤخذ منه شيء.
وإن خرج إلى غير أفقه؛ أخذ منه إن قدم بتجارة عُشر ثمنها إذا باع 528، وإذا قدم بعين فاشترى به تجارة؛ أخذ منه عُشر تلك السلع 529. وإن قدم بفضة استأجر على ضربها، وكانت ألف درهم؛ ضرب له تسعمائة، وأتى من ينظر للمسلمين بمائة للأجير 530 يضربها لهم، أو يبيع منافعه في ضرب مائة.
ولو قدم بثياب استأجر على صبغها وهي مائة؛ صبغ له تسعين، وإن لم ينظر في ذلك حتى ضرب الألف، وصبغ الثياب 531 المائة، أخذ منه قيمة ذلك الجزء الذي كان يستحق المسلمون، وُيعشر أيضًا ذلك العُشر، فإن باع أو اشترى بعد ذلك في ذلك البلد؛ لم يؤخذ منه شيء.
وكذلك إن خرج إلى بلد آخر من ذلك الأفق؛ لم يؤخذ منه شيء، وإن خرج إلى أفق آخر؛ أخذ 532 منه أيضًا.
واختلف إذا رجع إلى بلده بتجارة، هل يؤخذ منه شيء؟ فقال مالك 533 في

الجزء: 3 - الصفحة: 948

المجموعة: تؤخذ منه 534. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منه مما قدم به شيء 535. واختلف القول 536 إذا أكرى إبله، فقال أشهب: لا شيء عليه 537 في الكراء 538. وقال ابن القاسم وغيره: يؤخذ منه 539. واختلف بعد القول أنه يؤخذ منه، فقيل: يؤخذ منه 540 العُشر بالموضع الذي عقد فيه 541. وقيل: بالموضع الذي قصد 542 إليه 543. وقال بعض أهل العلم 544: يفض 545 الكراء على قدر مسيره في أرضه، وما بعده، فما سار في بلاده؛ سقط عنه، وما سار في غيره؛ أخذ منه 546. ويُختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقبضها في غير بلده، هل يراعى

الجزء: 3 - الصفحة: 949

موضع العقد أو موضع القبض؟ وقال مالك فيما قدموا به إلى مكة والمدينة من الحنطة والزيت: يؤخذ منه نصف العشر (1). وكذلك إلى ما كان من أعراض المدينة من القرى التي يكثر حملهم (2) إليها، من المدينة (3) ورُوي عن مالك أنه قال: يؤخذ منه فيها العُشر (4)، فقد أغنى الله أهل المدينة وغيرها من المسلمين (5). وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين إلا نصف العشر كما فعل عمر - رضي الله عنه - (6). ومن أراد من أهل المدينة (7) أن يرجع بما قدم (8) به من التجارة- لم يمنع من ذلك، ولم يؤخذ منه شيء.
وإن قدم بجارية للتجارة، لم يحل بينه وبينها؛ لأن العشر إنما يستحق من الأثمان.

فصل [في القدر الذي يؤخذ من الحربيين]

واختلف في الحربيين إذا قدموا بتجارة في القدر الذي يؤخذ منهم، وهل يؤخذ من عين ما قدموا به، أو من أثمانه؟ فقال مالك: يؤخذ منهم العشر 555. وقال ابن القاسم، وابن نافع: ليس في ذلك حد معلوم، إنما هو ما547548549550551552553554

الجزء: 3 - الصفحة: 950

راضاهم 556 المسلمون عليه 557. وقال أشهب في المجموعة: إلا أن ينزلوا من غير مقاطعة، فلا يزاد عليهم على العشر 558. يريد: إذا لم ينظر في ذلك حتى باعوا- وهذا أحسن إذا لم تتقدم لهم عادة ولم يفت ببيع -، كان الأمر على ما تراضوا عليه من قليل أو كثير.
وإن لم ينظر في ذلك حتى فات بالبيع أجروا 559 على حكم أهل الذمة.
قال ابن القاسم: فإن نزلوا على دنانير معلومة؛ لم يُحل بينهم وبين رقيقهم 560. قال: وقال مالك: فإن نزلوا 561 على العشرة حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا.
وإن لم يبيعوا ورجعوا بسلعهم أخذ منهم العشر بخلاف 562 الذميين 563. قال ابن القاسم: وإن نزلوا على العشرة فليس للوالي أن يقاسمهم رقيقهم حتى يبيعوا إلا أن يبدو لهم في البيع، والخروج إلى بلد آخر، أو إلى بلدهم، إلا أن ينزلوا على أن يقاسمهم رقيقهم 564 ما بأيديهم، فلا يكون لهم أن يطؤوا، ولا يبيعوا حتى يقاسموا 565.

الجزء: 3 - الصفحة: 951

وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لهم أن يرجعوا بسلعهم إلا أن يشترط عليهم شروط 566. وقال مالك في المجموعة في الذمِّيِّ يقدم بالخمر أو ما يحرم علينا 567: تركوا حتى يبيعوه، فيؤخذ منهم عُشر الثمن، وإن خيف من خيانتهم، جعل عليهم أمين 568. قال ابن نافع: وذلك إذا جلبوه لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها 569. وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء لهم 570 بذلك، ولا النزول بمثل هذا، وتُهراق الخمر، وتُعرقب الخنازير، فإن نزلوا على أن يقروا على ذلك، وهم بحدثان نزولهم، قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا.
وإن طال مكثهم، فُعل 571 ذلك وإن كرهوا 572.

الجزء: 3 - الصفحة: 952

باب في زكاة معادن الذهب والفضة

الزكاة تجب في معادن الذهب، والفضة دون معادن النحاس، والحديد، والرصاص.
وذلك بأربعة شروط: أن يؤخذ من معدن واحد ونيل واحد عشرون دينارًا 573، أو مائتا درهم بعد الكلفة والمؤنة.
واختلف فيما نيل من المعدن بغير كلفة، أو كلفة يسيرة على ثلاثة أقوال: فقيل: يخمَّس.
وقيل: يزكَّى.
وقيل: إن كان له قدر خُمْس 574 خُمِّس.
وقال مالك في المدونة في الندرة 575 توجد في المعدن من غير كبير عمل: تخمَّس 576. وقال في كتاب ابن سحنون: تزكى 577. وظاهر قوله في كتاب محمد: أنها تخمَّس إذا كانت كثيرة 578. وقال أيضًا في كتاب ابن سحنون في الرِّكازِ: لا يخمَّس إذا كان قليلًا 579، فعلى هذا لا تخمَّس الندرة إذا كانت قليلة، وليست بأعلى رتبة من الرِّكاز، وإذا لم تخمَّس ضمها إلى ما أصاب 580 في المعدن، وجرت على حكم الزكاة.
ومحمل قوله: إنها تخمَّس؛ إذا لم يصب سواها، وإن أصاب غيرها وكان إن

الجزء: 3 - الصفحة: 953

أضيفت الندرة إليه؛ بلغ نصابًا 581، وإذا لم تضف؛ لم يكن في 582 الباقي نصاب، أجري أمرهما 583 على ما هو أكثر للمساكين من خمُس الندرة، أو رُبع عُشر الجميع، هذا على تسليم القول: إنها تخمَّس.
والقول: إنها تزكى، أحسن؛ لأن الخُمس في الرِّكاز، وهذا معدن 584. وقال سحنون: والرِّكازُ هو 585 دفنُ الجاهليةِ، فيؤخذ [منه الخمس 586، 587 لقوله -عز وجل-] 588: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، وإذا انقطع نيل المعدن، ثم حفر وأدرك نيلًا آخرة لم يضف إلى الأول.
ويعتبر نيل كل واحد بانفراده، فما كان منه نصابًا؛ زُكِّي.
وأما المعدنان، فاختلف إن ابتدأ في عمل أحدهما، فلم ينقطع نيله حتى عمل في الآخر وأدرك نيلًا، فقال سحنون: لا يضافان 589.

الجزء: 3 - الصفحة: 954

وقال محمد بن مسلمة: يضافان (1). وإن وجد في معدن أوقيتين (2)، ثم استأنف العمل في ثانٍ ونيلُ الأول قائمٌ، فوجد فيه أيضًا أوقيتين (3)، ثم انقطع نيله، ثم عاد إلى الأول فأخذ منه أوقية أو أوقيتن- زكَّاهما جميعًا؛ لأنهما خمس أواقٍ.
قال (4): وإن كان له تسعة عشر دينارًا، فحال عليها الحول، وأصاب في معدن دينارًا- فإنه يزكي العشرين.
وعلى قول سحنون؛ لا زكاة عليه في هذه العشرين قياسًا على قوله في المعدنين.

فصل [في زكاة المعادن]

واختلف في معادن: الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، يظهر في أرض 594 ملك لرجل، فقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام، يقطعه لمن رآه 595. قال: لأن المعادن يجتمع إليها شرار الناس.
وقال في كتاب ابن سحنون: هو باقي على ملك 596 صاحب الأرض ولا590591592593

الجزء: 3 - الصفحة: 955

مقال لأحد عليه فيه 597. قال ابن حبيب: ولا يبالي كان أصل الأرض قبل ذلك من أرض الحرب والصلح، أو العنوة، فهي لمن ظهرت في أرضه، وليس ظهور المعدن في الأرض يزيل ملك صاحبها عنها 598. واختلف فيه قول 599 سحنون؛ فروي عنه مثل ذلك 600، وقال أيضًا: أما معادن الذهب، والفضة، فالأمر فيها إلى الإمام لحفظ الزكاة 601. فأما معادن 602؛ الحديد، والنحاس، والرصاص، فلمالك الأرض؛ لأنه لا زكاة فيها 603. وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن زكاة العين والزرع موكولة إلى أمانة أهلها بخلاف ما يخرص.
والثاني 604: أنه لو لم يكل 605 الزكاة إلى أمانتهم؛ لجُعل معهم أمين، وليس كون الشركة بجُزء الزكاة مما يوجب أن يؤخذ منه جميع المال، ويخرج عن ملكه.
والقول: أنه لمالك الأرض أصوب، ويأمره الإمام أن لا يجتمع 606 إليه

الجزء: 3 - الصفحة: 956

أحد يُخشى منه ضرر ولا فساد، فإن لم يفعل؛ باعه ممن لا يخشى ذلك منه.

فصل [القول في المعادن وملكها وإقطاعها وأخذ الزكاة مما يخرج منها من ذهب أو ورق]

واختلف بعد القول أنه لمالكه إذا أعطاه لمن يعمل فيه على معاوضة في الصفة التي يجوز أن يُعطى عليها، وعلى ملك من يزكي، فأنزله ابن الماجشون وغيره بمنزلة من أعطى مالًا قراضًا، أو مساقاة، وأجاز أن يعطي المعدن على جزء نصف، أو 607 ثلث، أو ربع، أو بأجرة 608 يأخذها العامل، فيكون ما أخرج لمالكه.
فأنزله مالك، وأشهب، وسحنون بمنزلة من أكرى أرضه بأجرة معلومة يأخذها صاحبُها، فيكون ما أخرج للعامل، ويزكي 609 على ملك العامل.
وأجاز في كتاب محمد أن يعطى على الثلث، والخمُس، ويجوز على هذا أن يعطى بأجرة يأخذها العامل ويكون ما أخرج لمالكه.
وأجاز مالك في كتاب ابن سحنون للإمام أن يعطي المعدن لمن يعمل فيه على شيء معلوم 610 يؤديه إليه بمنزلة من أكرى أرضه.
وقال أشهب في كتاب محمد، في أهل الصلح يسلمون وفي أيديهم معدن، فيأذنون 611 لمن يعمل فيه من سواهم: فلا بد من زكاة ذلك 612. قال: وكذلك من عاملهم عليها قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 957

الإسلام إن كان مسلمًا يؤدي زكاته بمنزلة من اكترى منهم أرضهم 613. فيه فائدتان: أنه يزكيه المسلم وإن كان في 614 الأصل للكافر 615، وأنه بمنزلة الاكتراء، ولا يجوز على هذا أن يعطيه بجزء مما يخرجه، إلا على قول الليث في كراء الأرض بالجزء، ويُمنع على قول ابن القاسم، أن يُعْطَى معدن الذهب بذهب، كما يمنع من كراء الأرض بالحنطة لمن يزرعها حنطة، ويمنع من كرائها بفضة كما يمنع من كراء الأرض بالعسل والملح.
واختلف عبد الملك وسحنون في زكاته، فقال عبد الملك 616: إذا أعطى لمن يعمل فيه، فالشركاء فيما خرج منه كالواحد، والعبدُ فيه كالحر، والذمي كالمسلم 617 فإنما يزكى على ملك صاحبه 618. وقال سحنون: هو كالزرع ليس على عبد ولا على ذمي فيه شيء، وحكم الإشراك فيه حكمهم في الزرع 619. والأول أحسن؛ لأن ما يؤخذ من المعدن قد كان فيه موجودًا، فلم يخرج العامل فيه من عنده شيئًا، وإنما حفر عن شيء موجود حتى كشف عنه، فالذي كان فيه موجودًا، هو الذي يزكى، ومكتري الأرض أخرج من عنده الزريعة ووضعها في الأرض، وهي التي نبتت، وإذا كان ذلك؛ وجب أن يزكى المعدنُ على ملك صاحبه.

الجزء: 3 - الصفحة: 958

فإن كان لحر مسلم؛ زُكي، وإن كان العامل عبدًا، أو ذميًّا، أو جماعة.
وإن كان المعدن لذمي؛ لم يزكِّ العامل وإن كان حرًّا مسلمًا 620. وفي كتاب الشركة ذكر بيع 621 المعادن، وموت 622 من أقطعت له.

الجزء: 3 - الصفحة: 959

باب القول (1) في الرِّكاز

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" 624. قال الشيخ - رضي الله عنه -: يعتبر في الرِّكاز خمسة أوجه: جنسه.
هل هو عين أو عرض؟ وقدره.
وهل يكلف فيه عمل؟.
والموضع الذي وجد فيه هل هو فلاة أو مملوك؟.
وهل وجده مسلم أو كافر؟.
فإن كان عينًا وله قدر، ولم يتكلف فيه كبير عمل- خُمِّس قولًا واحدًا.
واختلف إذا كان عرضًا، أو عينًا لا قدر له، أو له قدر 625 وقد تكلف فيه المؤنة، فقال مالك مرة: إذا كان جوهرًا، أو لؤلؤًا، أو حديدًا، أو نحاسًا- يُخمَّس 626. وقال أيضًا: لا خمس فيه 627. وقال مالك 628 في المدونة: إذا كان عينًا، وكان يسيرًا؛ خمس 629.623

الجزء: 3 - الصفحة: 960

وقال في كتاب ابن سحنون: لا خمس فيه 630. واختلف عنه إذا أدركه بعد الكلفة والمؤنة، فقال: يخمَّس 631. وقال في الموطأ، والمدونة: سمعت أهل العلم يقولون في الرِّكاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه كبيرُ عمل، وأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل 632 فأصيب مرة وأُخطئ مرة- فليس بركاز.
قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا 633. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الصواب أن يخمَّس العين، والجوهر، والعروض والقليل والكثير 634، وما تكلف فيه العمل لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" ولم يفرق، وقياسًا على المغانم أنها تخمَّس، العين، والعروض، والقليل والكثير، وإن تكلف فيه القتال.
وقد قال سحنون في الرَّكاز: دفن الجاهلية، وفيه الخمس 635 لقول الله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، وما وجد على البحر من تماثيل الذهب والفضة- خُمَّس 636. وما وُجد من ترابها، وليس بمعدن فغسل فوجد فيه الذهب وأَيْضة- خُمِّس 637 إن كان يتكلف من ذلك العمل 638 اليسير ويختلف فيه إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 961

كان ما له قدر، وفيه مشقة.
ومحمل قوله في كتاب اللقطة، أنه يزكى، ولا يخمِّس على أنه تعظم فيه التكلف.

فصل [في زكاة الركاز]

وإذا وُجد الرِّكاز في فلاة من الأرض؛ كان لواجده، وفيه الخمس 639. واختلف إذا وجده وحده 640 في أرض مملوكة بشراء، أو خطبة 641، أو عنوة، أو صلح؛ فقال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ في كتاب ابن حبيب: هو لواجده 642. وقال ابن نافع موضع آخر: إذا كان جاهليًّا 643. وقال مالك في كتاب ابن سحنون فيمن وجد ركازًا في منزل غيره: أنه لصاحب المنزل 644. وقال عبد الملك بن الماجشون فيمن استأجر رجلًا يحفر له في داره، فوجد ركازًا: هو لصاحب الدار 645. وهذا خلاف ما حكى 646 عنه ابن حبيب.
وقال مالك في المدونة فيمن وجد ركازًا من دفن الجاهلية في بلاد قوم صالحوا عليها: فأراه لأهل تلك الدار الذين صالحوا عليها دون من أصابه 647.

الجزء: 3 - الصفحة: 962

وإن أصيب في أرض عنوة؛ كان لجماعة المسلمين أهل تلك البلاد الذين افتتحوها دون من أصابه.
قال ابن القاسم: لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها، وهو لجميع أهل الجيش 648، ويخمَّس.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: إلا أن لا يوجد أحد ممن كان افتتحها، ولا من ورثتهم، فيكون لجماعة المسلمين عنهم 649 ما كان لهم، وهو أربعة أخماسه، ويوضع خمسه موضع الخمس إلا أن يعلم أنه لم يكن لأهل تلك العنوة فيكون لمن وجده، ويخرج خُمسه 650. وقال سحنون في العتبية: اذا لم يبق من الذُين افتتحوها أحد، ولا من أولادهم، ولا من نسلهم 651 - جعل مثل اللقطة، وتصدق به على المساكين.
وإن كانت الأرض لا يعرف كانت عنوة، أو صلحًا، أو ملكًا 652 - فهو لمن أصابه 653. وقال أشهب في مدونته فيمن وجد شيئًا من دفن الجاهلية في بلد قوم صالحوا عليها: إن كانوا مما يجوز أن يكون لهم 654؛ كان فيه التعريف، وليسوا بأعظم حرمة في دفنهم من المسلمين في دفنهم إذا وجد كان فيه التعريف 655. وإن كان مما لا يجوز أن يكون لهم، وإنما هو لمن لم تكن له ذمة، ولا ممن يرثه أهل

الجزء: 3 - الصفحة: 963

الذمة- ففيه الخمس، وسائره لمن وجده 656. وقال ابن القاسم في المدونة: إن أصابه إنسان في دار نفسه 657، فإن كان من الذين صالحوا على تلك الأرض؛ كان له، وإن كان من غير الذين صالحوا على تلك الأرض، كان للذين صالحوا على تلك الأرض 658. يريد: إذا كان الذين صالحوا على تلك الأرض جماعة، وإن كان واحدًا؛ كان له، وهذا مثل قول مالك: إن الرِّكاز لبائع الأرض دون المشتري 659. وقد قال ابن القاسم في مثل هذا: أن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها 660. وقول مالك أنه لمالك الأرض دون المشتري، أحسن؛ لأن من اختط أرضًا أو أحياها، ملكها وملك ما في بطنها، ولا خلاف أنه أحق به، وليس جهله به هي هنا 661 مما يُسقط ملكه عنه، وإنما يدخل المشتري في الشراء على المعتاد، فجهل الأول والثاني مختلف؛ فجهل الأول لا يزيل 662 ملكه، ويوجب له ملك ما في بطنها وإن لم يقصده، وجهل المشتري لا يوجب له شراء ما لم يقصده، ولا يسقط ملك الأول؛ لأنه لم يقصد بيعه.
ويختلف إذا استأجر المشتري أجيرًا فحفر له، فوجد الأجير ركازًا؛ هل يكون له أو للمشتري أو للبائع؟

الجزء: 3 - الصفحة: 964

باب فيمن يجوز له أخذ الزكاة

أوجب الله تعالى في كتابه الزكاة لثمانية أصناف 663: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
فأما الفقير 664 فتعطى بثلاثة شروط وهي: أن يكون حرًّا، مسلمًا، ممن لا تلزم المزكي نفقته.
فإن أعطى عبدًا، أو أم ولد، أو مدبَّرًا، أو معتقًا إلى أجل، أو معتقًا بعضه- لم يجزئه إذا كان عالمًا؛ لأن هؤلاء وإن كانوا فقراء في معنى الموسر؛ لأن نفقتهم على من له الرق فيهم، فإن عجز عن الإنفاق عليهم؛ بيع هذا، وعجل عتق الآخر.
وإن أعطى كافرًا وهو عالم؛ لم تجزئه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ 665 فِى فُقَرَائِهِمْ" 666. فاقتصر في ردها على المسلمين.
وإن أعطاها لغني، أو عبد، أو نصراني وهو عالم- لم تجزئه 667، وإن لم يعلم وكانت قائمة بأيديهم؛ انتزعت منهم، وصرفت لمن يستحقها.
وإن أكلوها غرموها على المستحسن من القول؛ لأنهم صانوا 668 بها أموالهم، وإن هلكت بأمر من الله، وكانوا غروا من أنفسهم 669 - غرموها، وإن لم يغروا؛ لم يغرموها،

الجزء: 3 - الصفحة: 965

ويختلف 670 فيمن كان وجبت عليه؛ هل يغرمها؟ وكذلك الإمام، أو من جعل إليه تفريقها.
وحكم مخُرج الزكاة إذا أخطأ 671، حكم الوكيل يخطئ فيما وُكل عليه؛ لأنه بنفس إخراجها وتميزها من جملة ماله؛ بريء منها إن ضاعت.
ولا يجزئه أن يعطيها من تلزمه نفقته، من زوجة، أو ولد، أو والد؛ لأن منفعتها عائدة عليه.
واختلف إذا أعطت الزوجةُ زكاتَها لزوجها، فمنع من ذلك في المدونة 672. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن بعض شيوخه، أن ذلك على وجه الكراهية، فإن فعلت أجزأها.
وقال ابن حبيب: إن كان يستعين بما تعطيه في النفقة عليها؛ لم تجزئها، وإن كان بيده ما يُنفق عليها منه 673 وهو فقير، ويصرف ما تعطيه في كسوته ومصلحته؛ أجزأها 674. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي منه دينًا؛ جاز؛ لأن منفعة ذلك لا تعود على المعطي.
واختلف إذا أعطى رجل زكاته من لا تلزمه نفقته من أقاربه؛ فكره مالك ذلك في المدونة خوفًا أن يحمدوه عليها 675. وذكر مطرف عنه في كتاب ابن حبيب أنه قال: لا بأس بذلك 676.

الجزء: 3 - الصفحة: 966

قال: وحضرت مالكًا يعطي زكاته قرابته (1). قال الواقدي: قال مالك: أفضل من وضعت زكاتك فيه قرابتك الذين لا تعولُ (2). وهذا أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجة عبد الله بن مسعود: "لكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ" (3).

فصل [في عجز الفقير والمريض عن الزكاة]

وإذا كان الفقير أو المسكين غير قادر على الاكتساب لزَمانة، أو ضرارة بَصَرٍ، أو صِغر، أو شيخوخة أُعطي من الزكاة.
واختلف إذا كان شابًّا صحيحًا، فأجاز مالك 680 في مختصر ما ليس في المختصر: أن يُعطى، وقال يحيى بن عمر: لا يُعطى وإن فعل فلا يُجزئه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" 681. وقال في حديث آخر: "وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" 682 فاقتضى الحديث الأول المنع لوجود الصحة، لا677678679

الجزء: 3 - الصفحة: 967

أكثر من ذلك.
وأما قوله: مُكتسب؛ فيحتمل أن يريد به من له قوة (1) على الاكتساب بصحة بدنه، أو لأن له صناعة، والصحيح على خمسة أوجه: فمن كانت له صناعة فيها كفاية لمؤنته، ومؤنة عياله؛ لم يُعط، ولا فرق بين أن يكون غنيًّا بمال، أو صنعة يقوم منها عيشُه فيها كفاية (2). وإن لم تكن فيها كفاية؛ أُعطي ما يكون (3) تمام الكفاية إلى ما يجد (4). وإن كسدت صناعتُه؛ كان كالزَّمِنِ (5). وإن لم تكن له صناعة، ولا يجد في الموضع ما يحترف فيه (6)، أُعطي الزكاة.
وإن كان يجد ما يحترفُ فيه (7) لو تكلف ذلك، كان موضع الخلاف، فأجيز له الأخذ بالقرآن؛ لأنه فقير، ومُنع للحديث.

فصل [في حد الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة]

واختلف في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ 690 " 691683684685686687688689 = الزكاة، برقم (1633)، والنسائي: 5/ 99، في باب مسألة القوي المكتسب، من كتاب الزكاة، برقم (2598)، وأحمد: 4/ 224، في مسند الشاميين، من حديث رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم (18001).

الجزء: 3 - الصفحة: 968

على ثلاثة أقوال: فقيل: هو من كانت له كفاية وإن كانت دون نصاب للحديث: "مَنْ سَأل وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" 692. وقيل: هو من له نصاب، وأن الغني الذي حرمت عليه، هو كالغني 693 الذي تجب عليه.
ومن كان له دون نصاب، حلت له للحديث: "أمرت أن آخذها من أغنيائهم، فأردها في فقرائهم" 694. وقيل: المراد الكفاية، فمن كان له أكثر من نصابٍ ولا كفاية فيه 695؛ حلت له.
وهذا ضعيف؛ لأنه غني تجب عليه الزكاة، فلم يدخل في اسم الفقراء، ولأنه لا يدري هل يعيش إلى أن ينفق 696 ما في يديه، ولا خلاف بين الأمة فيمن كان له نصاب، وهو ذو عيال ولا يكفيهم ما في يديه، أن الزكاة واجبة عليه، وهو في عداد الأغنياء، وإذا كان ذلك 697 فلم يحلَّ أن يعطى.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَل وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" محمله على من سأل من غير الزكاة فلا تجب مواساته، ألا ترى أنه لا 698 تجب مواساة من له دار وخادم لا فضل في ثمنهما 699، ويجوز له أن يأخذ من = (1635)، والحاكم: 1/ 566، في كتاب الزكاة، برقم (1481)، وصححه.

الجزء: 3 - الصفحة: 969

الزكاة (1)، وفي الحديث: "أو عِدْلِهَا".
والدار والخادم أكثر من عدل الأوقية، ولم يكن ذلك مما (2) يمنع من أن يعطى الزكاة.
واختلف هل يعطى الفقير نصابًا، وأرى أن ينظر إلى زكوات (3) الناس بذلك البلد، فإن كان يخرج به زكاة واحدة في العام، وُسع (4) له في العطاء على قدر (5) ما يُرى أنه يُغنيه إلى مثل ذلك الوقت إذا كان في الزكاة متسعٌ لذلك، وإن كان يخرج به (6) زكاتان: العين والزرع، أعطي من الأولى ما يبلغه الثانية إذا كان فيها محمل لذلك.
وإن كان يخرج به زكاة العين، والحرث والماشية، أعطي من كل واحدة ما يبلغه الأخرى.
والغِنَى المراعى: العين، وعروض التجارة، وفضلة بينة (7) على القنية.
فإن كانت له دار أو خادم لا فضلة فيهما، أو كانت فيهما فضلة يسيرة؛ أُعطي من الزكاة.
وإن كانت فضلة بينة؛ لم يُعطَ.

فصل [في العاملين على جمع الزكاة ومن لا يستعمل عليها]

قال الله -عز وجل-: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، وهم الذين يستعملون على جمع الزكاة 707، فيعطى أجرته بقدر سعيه، وتعبه، وما تكلّف من القرب والبعد.700701702703704705706

الجزء: 3 - الصفحة: 970

ويجوز أن يستعمل عليها غني؛ لأنه يأخذ ذلك بوجه الأجرة، ولا يستعمل عليها أحد من آل النبي - صلى الله عليه وسلم -. واختلف في العبد والنصراني، فقال محمد: لا يستعملان عليها؛ لأنهما لا حق لهما في الزكاة، فإن استعملا وفات 708؛ انتزع منهما ما أخذا وأعطيا من الفيء.
وأجاز ذلك أحمد بن نصر، وقاسهما على الغني.
قال: وقول محمد 709 استحسان.
وأجاز محمد بن عبد الحكم أن يُعطَى منها للجاسوس، وإن كان نصرانيًّا.
ويجوز على هذا أن يستعمل عليها العبد والنصراني، ويعطيا الأجرة منها.
والأصل في جواز استعمال الغني قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ: لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ 710 " الحديث 711. وفي منع من كان من آل النبي - صلى الله عليه وسلم - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عبد المطلب ابن الحارث، وللفضل بن عباس وقد سألاه أن يستعملهما على الزكاة فقال: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ" أخرجه مسلم 712.

الجزء: 3 - الصفحة: 971

ولا أرى أن يمنع استعمال العبد والنصراني عليها، وأن يأخذا العوض منها (1)؛ لأن كل واحد منهما بائع (2) لمنافعه، فيأخذ العوض منها قياسًا على الغني.
وأما منع - صلى الله عليه وسلم - آله من الاستعمال عليها، فإن ذلك تنزيه وإعظام لحرمته؛ لأن أخذها على وجه الاستعمال عليها لا يخرجها عن أوساخ الناس، والإذلال في الخدمة لها وفي سببها.

فصل [في المؤلفة قلوبهم]

واختلف في المؤلفة قلوبهم على ثلاثة أقوال: فقيل: هو الكافر يؤلف بالعطاء ليدخل في الإسلام 715. يريد: إذا كان مثله يرجى ذلك منه.
وقيل: هو المسلم يكون حديث عهد بالإسلام، يُرى فيه من الضعف ما يخشى عليه، فيُعطى ليثبت في الإسلام.
وقيل: هو الرجل من عظماء المشركين يسلم، فيُعطى ليستألف بذلك غيره من قومه ممن لم يدخل في الإسلام.
وكل هذا قريب بعضه من بعض، ولا فرق بين أن يعطى كافر لينقذه الله به من النار، أو المُسلم خوفًا أن يعود إلى الكفر، أو ليدخل غيره في الإسلام، فكل ذلك عائد إلى الإيمان للدخول فيه، أو للثبات عليه.
وقد روُي عن صفوان بن أمية أنه قال: "أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ713714

الجزء: 3 - الصفحة: 972

وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ" 716. وهذا حجة للقول الأول؛ لأنه لا يبغضه وهو مؤمن.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ" 717. وهذا حجة للقول الثاني.
وقد اختلف في سهم المؤلفة قلوبهم، هل هو منسوخ أم لا؟ فقال ابن شهاب في المدونة: لم يُنسخ من الآية شيءٌ 718. وهذا هو الصحيح، وقد كان الأمر على العطاء 719 لهم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ثم قال لأبي سفيان: قد أغنى الله عنك وعن ضربائك، ولكنك 720 في الفيء كأحدهم.
فلا يقال فيما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل به بعده 721: إنه منسوخ.
وقال عمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، وأبو محمد عبد الوهاب: إذا دعت الحاجة إلى ذلك في بعض الأوقات؛ رد إليهم سهمهم 722. وهذا أحسن؛ لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 973

يرتجى من كافر الدخول في الإسلام بالعطاء، ولا يقدر عليه بالسيف.
ويخشى على الآخر الارتداد واللحوق بدار الحرب، وُيرجى أن يكون العطاء يصده عن ذلك، فيعطى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ" (1). ويرى (2) من كافر بعد الأسر الأنفة والتجبر، ويختار القتل على الدخول في الإسلام بالقهر، والتهديد بالسيف، ويرجى منه باللين، والاستئلاف والعطاء الدخول في الإسلام، فيُعطى عند (3) ذلك.

فصل [في عتق الرقاب من الزكاة]

وأما قول الله سبحانه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177]. يريد: العتق، فينبغي أن تشترى من الزكاة 726 رقبة مسلمة 727، سالمة من العيوب، ليس فيها عقد حرية مما يكون 728 ولاؤها للمسلمين.
واختلف في خمس: في عتق المعيب، وإعطاء المكاتب، وهل يُعطى الرجل مالًا ليعتق عبده، أو يفدي به أسيرًا أو يعتق بعض عبد، فقال أصبغ في العتبية: إن أعتق عبدًا 729 معيبًا، مما 730 لا يجزئ عن الواجبات- لم يجزئه 731. والذي يدُل723724725

الجزء: 3 - الصفحة: 974

عليه قول مالك وغيره من أصحابه- أنها تجزئه 732. وقال أحمد بن نصر: إنها تجزئه.
ولم يُجز مالك في كتاب محمد، أن يعطى من الزكاة لمن يعتق عبده عن نفسه، وأجازه في مختصر ما ليس في المختصر.
وكره مالك في المدونة، أن يُعان منها مكاتب 733. وأجازه غيره 734، فإن وفَّى وإلا انتزع منه ذلك.
وقال مالك 735 في كتاب محمد: إن أعطي ما يتم به عتقه؛ فلا بأس 736. وقال أيضًا: لا يعجبني ذلك 737. وقال أصبغ، ومحمد بن عبد الحكم: يجزئه 738. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يفتدي منه أسيرًا 739. وأجاز ذلك ابن حبيب 740، ومحمد بن عبد الحكم، فأجرى أمر العتق من الزكاة مرة 741 مجرى العتق عن الواجبات؛ الظهار والقتل، فلا يجزئه إلا ما يجزئ فيه، ومرة لم يقس عليه.
ويختلف على هذا 742 إذا أعتق بعض عبد، فمن أجراه مجرى العتق عن

الجزء: 3 - الصفحة: 975

الواجبات؛ منع ذلك 743 وسواء أعتق بعضًا وبقي الباقي رقيقًا، أو أعتق ما تم به عتقه 744. ومنع مطرف في كتاب ابن حبيب، أن يُعتق بعضُ عبدٍ إذا كان لا يتم به عتقه 745، وأجازه إذا كان يتم به عتقه 746، وراعى في ذلك الولاء؛ لأن ميراثه إذا لم يتم عتقه لمن له بقية رقه.
وإذا تم عتقه؛ كان للمسلمين من الولاء بقدر ما عتق منه من 747 الزكاة 748. وعلى القول في المكاتب والأسير أنها تجزئ، يجوز 749 عتق بعض عبد وإن لم يتم عتقه؛ لأنه لا ولاء للمسلمين في المكاتب والأسير، ولا فيمن أعطي مالًا 750 ليعتق عبده عن نفسه.
وإذا لم يراع الولاء؛ فلا شك أن للعبد في عتق بعضه منفعة، فإن أعتق نصفه؛ كان له يوم من نفسه.
ولو دفع رجل زكاته للإمام، فرأى أن يعتق منها ولد رب المال، أو والده- جاز له ذلك 751؛ لأنه فك رقبة، والولاء للمسلمين، وهو في هذا أجوز منه في الأسير والمكاتب.

الجزء: 3 - الصفحة: 976

وقال محمد بن عبد الحكم فيمن أخرج زكاته فلم تنفذ حتى أسر: لا بأس أن يفتدي.
ولو افتقر 752 لم يُعْطَ منها.
ومن اشترى رقبة منها من زكاته، ثم قال: هي حرة عن المسلمين، وولاؤها لي، فإن ولاءها للمسلمين وشرطه باطل، وهو مجزئ عنه.
واختلف إذا قال: هو حر عني، وولاؤه للمسلمين، فقال ابن القاسم: لا تجزئه وولاؤه له 753. وقال أشهب في كتاب محمد: تجزئه، وولاؤه للمسلمين 754. قال: وكذلك من يُعطى عبدًا ليُعتقه عن سيده فيعتقه عن نفسه، وهو حر وولاؤه لسيده، أو يعطى أضحية ليذبحها عن صاحبها، فذبحها عن نفسه، فهي مجزية 755 عن صاحبها 756. وقد قال العبد 757 الصالح: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل 758. وهذا أحسن؛ لأنه إنما اشتراها للزكاة فهي للمسلمين بنفس الشراء، ولو

الجزء: 3 - الصفحة: 977

هلكت، كافت منهم، فإنما أعتق عن نفسه ملك غيره، فلا شيء له (1) من ولائه.
ولو كان له عبد ملكه، فقال: هو حرٌّ عني، وولاؤه للمسلمين- لم يجزئه قولًا واحدًا.

فصل [في تعريف الغارم وشروط اعتباره]

والغارم: من عليه دينٌ، فيجوز له 760 أن يأخذ من الزكاة ما يقضيه منه 761، وذلك بأربعة شروط: أن لا يكون عنده ما يقضي منه دينه، والدين لآدمي، ومما يحبس فيه، ولا تكون تلك المداينة في فساد، فإن كان الدينُ حقًّا لله سبحانه كفارة ظهار أو قتل - لم يُعطَ ذلك.
واختلف إذا تداين في فساد، فقيل لا يعطى منها 762 ما يقضي ذلك الدَّيْن 763، وقال محمد بن عبد الحكم: إذا حسُنت حاله أُعطي؛ لأنه غارم، وقد كان له أن يصرف ما تسلف فيما يجوز، وهو دَيْن يلزم ذمته ويُحاصُّ به الغرماء.
قال: وإن كان الدَّيْنُ عن جناية خطأ وهي دون الثلث؛ قضي عنه، وإن كانت أكثر من الثلث؛ لم يقض؛ لأن العاقلة لا تحمل مع العُسر، ولا يحاصُّ به الغرماء.
وإن كانت الجناية عمدًا؛ جرت على القولين فيما إذا كانت المداينة عما759

الجزء: 3 - الصفحة: 978

لا يجوز، فإن لم يتب لم يُعطَ قولًا واحدًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو أتلف غني ماله فيما لا يجوز؛ لم يُعط بالفقر؛ لأنه يصرفه في مثل الأول إلا أن تعلم منه توبة أو يخاف عليه، ولا يعطى منها ابن سبيل إن 764 خرج في معصية، وإن خشي عليه الموت، نظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل إنسان، أو هتك حرمة- لم يعط، ولا يعطى منها ما يستعين به على الرجعة إلا أن يكون قد تاب، أو يُخاف عليه الموت في بقائه إن لم يعطَ.
وإن كان عليه رزق لزوجته عن مدة فرطت، وكان موسرًا في حين إنفاقها على نفسها، كان من الغارمين، وإن كان معسرًا، لم يكن من الغارمين 765؛ لأن النفقة ساقطة عن الزوج في حال عسره، كان كانت النفقة لما يستقبل، وكذلك نفقة الولد والوالدين- يعطى بالفقر.
ومن تحمل بمال، والمتحمل به موسر- لم يعطَ، وإن كان معسرًا أعطي ما يقضي منه 766 حمالته، إلا أن تكون تلك المداينة في فساد.
وقال محمد بن عبد الحكم فيمن كانت عليه زكاة فرَّط فيها، فلم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله، ثم أتى يطلب مع الغارمين ما يؤدي منه زكاته، كان فيها قولان: أحدهما: أن ذلك له؛ لأنه مما يأخذه به السلطان ويحكم عليه به، ثم ترد إلى مواضع الزكاة وقد قضيت ذمته.

الجزء: 3 - الصفحة: 979

والثاني: أنه لا يعطى، ولا يقضى من الزكاة زكاة وهذا أحسن؛ لأن هذه غصوب، ولا تقضى الغصوب من الزكاة.
وقال محمد بن المواز في كتاب الوصايا: لا يقضى منها دَيْن ميت.
وقال ابن حبيب: يقضى منها وهو من الغارمين.
قال: وكان امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة على من عليه دَيْن قبل نزول الآية، فلما نزلت الآية صار قضاءُ ذلك 767 على السلطان.
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن له ألفُ درهم، وعليه ألفان، وله دار وخادم قيمتهما ألفان: فليس من الغارمين، ويكون دينه في داره وخادمه، ويزكَّى ما في يديه.
وإن قضى الألف التي عنده، وبقيت عليه ألف؛ كان من الغارمين إذا لم يكن في الدار والخادم فضل عن دار وخادم تعينه 768. وقال أشهب: إذا لم يكن في الدار والخادم فضل بعد قضاء الألف التي بقيت عليه من الخادم والمسكن إلا قدر مسكنه وخادمه، ولا فضل له فيما بقي- فأرى أن يعطى من الزكاة، وأن يكون من الغارمين 769. يريد: أن الغريم يبيع من الدار بقدر الدَّيْن، ويكون البعض الباقي لا فضل فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 980

فصل [في صفة الغارمين]

واختلف في صفة الغارمين، فقيل: هو من فدحه الدين (1) وإن كان له ما يؤدي منه دَيْنه (2). وعند ابن حبيب نحوه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: الغارمون الذين لا يجدون وفاء لقضاء دينهم، وتكون معهم أموال بإزاء ديونهم، فيعطون ما يقضون به ديونهم (3). وهذا ضعيف، وقد يكون دينهم (4) مائة دينار، وفي يده مائة دينار، فليس يقضى دينه لتبقى في يديه مائة (5) دينار.

فصل [في معني قوله -عز وجل-: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾]

وأما قوله -عز وجل-: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
يريد: الغزو، ويُعطى منها الغازي إذا كان غنيًّا في بلده، فقيرًا بالموضع الذي هو فيه.
واختلف إذا كان غنيًّا بالموضع الذي هو فيه، فقيل: يُعطى لظاهر الحديث: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنىًّ إِلاَّ لخِمْسَةٍ: لِغَازٍ.
. ." الحديث 775، ولأن أخذه في معنى المعاوضة والأجرة إذا كان أوقف نفسه لذلك، أو هو في حين غزو، ولأنه يقاتل عن المسلمين، ولأن في إعطائه ضربًا من الاستئلاف لمشقة ما770771772773774

الجزء: 3 - الصفحة: 981

يتكلفون من بذل النفوس.
وقيل: لا يعطى إلا أن يكون هناك فقير.
وعلى هذا القول يكون كابن السبيل، ويعطى الغزاة وإن كانوا أغنياء إذا كانوا في (1) نحر العدو مقيمين بذلك الموضع، فيستألفون بالعطاء لمقامهم به، ويصرف منها للغازي بقدر ما يحتاج إليه في غزوه.
وقال محمد بن عبد الحكم: يُجعل منها نصيب في الحملان، والسلاح، وُيشترى منها القوس، والمساحي، والحبال، وما يحتاج إليه لحفر الخنادق، والمنجنيقات للحصون، وتنشأ منها المراكب للغزو، وكراء النواتية (2)، ويعطى منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو للمسلمين (3)، مسلمين كانوا أو نصارى، وُيبنى منها حصن على المسلمين، ولو حصر قوم من العدو قومًا من المسلمين لا قوة لهم بدفعهم، فصالحوهم (4) على مال، فلا بأس أن يُعطوا من ذلك، وأرى ذلك كله داخل في عموم قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].

فصل [في قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾]

وأما قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]، وهو المسافر المنقطع فيعطى منها 780 بثلاثة شروط: إذا لم يكن سفره في معصية، وكان فقيرًا بالموضع الذي هو به وإن كان غنيًّا776777778779

الجزء: 3 - الصفحة: 982

في بلده، وكان لا يجد من يسلفه.
واختلف إذا وجد من يسلفه وهو غني في بلده 781، فقال مالك في كتاب محمد بن سحنون: لا يعطى 782. وقال ابن القاسم في كتاب محمد 783: يُعطى 784. وقال محمد بن عبد الحكم: ليس عليه أن يتسلف؛ لأنه يُخاف تلف ماله، ويبقى الدَّيْن في ذمته إلا أن يجد من يسلفه، على أنه إن سلم ماله وإلا فهو في حلٍّ 785، فلا يعطى حينئذ.
وهذا أحسن، ولو كان رجلًا مقيمًا ببلدة اضطره أمر إلى الخروج لا يستطيع المقام معه، لأعطي ما يبلغه في سفره ذلك، كان كابن السبيل وهو وإن لم يقع عليه اسم ابن السبيل؛ فإنه في معناه لوجود السبب الذي من أجله جاز لابن السبيل أن يأخذ.
وإن كان سفره لغير مستعتب، وهو مضطر إلى الرجوع- أعطي للوجهين جميعًا؛ لذهابه ومجيئه.

الجزء: 3 - الصفحة: 983

باب في تبدية أهل الزكاة، وهل يصدق من ادعى أنه فقير أو غارم، أو ابن سبيل (1)، أو مكاتب أو أنه تحمل بحمالة (2)، ومن أخذ الزكاة بوجه جائز هل تنتزع منه بعد ذلك؟

يبدأ من الزكاة أجر العاملين، ثم بالفقراء والمساكين على العتق؛ لأن سد الخلة للمؤمن أفضل، ولأن ذلك من حق من وجبت عليهم الزكاة لئلا تصرف 788 زكاتهم لغير الفقراء، إلا بعد سد خلتهم؛ لأن صرفها إلى غيرهم يوجب عليهم المواساة لأولئك الفقراء قبل العام الثاني.
وإن كان هناك مؤلفةٌ 789، بُدِئَ بهم؛ لأن استنقاذهم من النار 790 وإدخالهم في الإسلام، أو تثبيتهم عليه إن كانوا قد أسلموا أفضل الأعمال، وذلك أولى من إطعام فقير.
وقد يُبدأ بالغزو إذا خُشي على الناس.
ويُبدأ بابن السبيل على الفقير إن كان يُدركه في بقائه، أو تأخره عن بلده، ضرر 791، والفقير في وطنه أقل ضررًا 792.786787

الجزء: 3 - الصفحة: 984

فصل [فيمن ادعى الفقر]

ومن ادعى أنه فقير؛ صُدِّق ما لم يكن ظاهره يشهد بخلاف ذلك، فإن ادعى أن له عيالًا وأراد الأخذ لهم فإن كان من أهل الموضع وقدر على كشف ذلك- كشف عنهم 793، وإن لم يقدر 794 صُدِّق على ذلك، أو كان طارئًا صُدِّق.
وإن كان معروفًا بالغنى 795 كُلِّف بيان كيف 796 ذهاب ماله، وإن كانت له صناعة فيها كفاية، فادعى كسادها؛ صُدِّق.
واستحسن أن يكشف عن بيان ذلك، فإن لم يعلم هل فيها كفاية أم لا صدق.
وإن ادعى أنه مكاتب كلف بيان ذلك 797؛ لأنه على العبودية والصدقة لا تحل للعبد.
وأرى أن يكشف عن الكتابة وعن قدرها، ثم القول قوله: أنه عاجز.
وإن ادعى أنه من الغارمين كان عليه أن يبين إثبات 798 الدعوى والعجز عنه؛ لأنه على براءة الذمة من الدَّيْن حتى يثبت، وبعد إثباته على الملاء إذا كان عن مبايعة حتى يثبت العجز، إلا أن يكون الدَّيْن من طعام أكله، أو ثوب لبسه، ويدعي من له ذلك الدَّيْن بقاءه.
وإن ادعى أنه تحمل بحمالة، وأن الطلب توجه عليه بها، وأنه عاجز عنها

الجزء: 3 - الصفحة: 985

كُلِّف بيان جميع (1) ذلك.
وإن ادعى أنه ابن سبيل؛ أعطي إذا كان على هيئة الفقير.
قال مالك في المجموعة: وأين يجد من يعرفه (2). وقال في الذي يقيم السَّنَة والسنتين، ثم يدعي أنه لم يقم إلا لأنه (3) لم يجد ما يتحمل به، أيعطى (4) على أنه ابن سبيل؟ فقال: المجتاز أبين أن يُصَدَّق (5)، وإن صدق هذا أعطي (6).

فصل [في تعريف الفقير والمسكين]

واختلف في الفقير والمسكين، فقال مالك في كتاب ابن سحنون: الفقير الذي لا غنى له، ويتعفف ولا يسأل، والمسكين الذي لا غنى له، وهو يسأل 805. وقال في المجموعة: الفقير الذي يحرم الرزق، والمسكين الذي لا يجد غنى، ولا يسأل، ولا يُفطن له 806.799800801802803804

الجزء: 3 - الصفحة: 986

وقال أبو محمد عبد الوهاب: الفقير الذي له الشيء اليسير الذي لا يكفيه، والمسكين الذي لا يملك شيئًا.
وقيل عكسه: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين 807 الذي له ما لا يكفيه 808. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: هما اسمان لمعنى واحد، وهو من يملك شيئًا يسيرًا لا يكفيه، ولا يقوم بمؤنته 809. واحتج من قال إن الفقير 810 له شيء بقول الشاعر: أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُهُ ... وَفقَ العيالِ فلم يُتْرك له سَبَدُ وأما من قال: إنه الذي لا شيء له؛ فلأن اشتقاق الفقير من فقار الظهر، فكأنه بمنزلة من أصيب فقاره، ومن أصيب في ذلك خشي عليه الموت.
واختلف في قوله -عز وجل-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273]، فاحتج به من نفى عن الفقير السؤال؛ لأنه يظن به أنه غني لتعففه عن المسألة، وقد بلغ به الجهد والخصاصة حتى ظهرت عليه، وعرفت في سيمته.
وقيل فيها غير ذلك، واحتج بها من قال: إنه يسأل، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]. يقول: إنه يسأل الناس 811 ولا يلحف، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه يتعفف عن المسألة، والمراد؛ أنه لا يسأل ولا يُلحف 812؛ لأنه يصح أن يسمى:

الجزء: 3 - الصفحة: 987

مُلحفًا إذا كان عنده شيء وإن لم يتكرر منه السؤال.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقيَّةٌ أَوْ عَدْلهُا فَقَدْ سَأَلَ إِلحافًا" 813 واستشهد من قال: المسكين 814 يقع على من له شيء.
بقوله -عز وجل-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 79]، فأثبت لهم سفينة وليس كذلك، والمساكين ها هنا المسكنة وقلة المقدرة على الدفاع من ظلم ذلك الملك وهذا مثل قوله -عز وجل-: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: 61]، واحتج من قال لا شيء له بقوله -عز وجل-: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16]، وليس هذا أيضًا بالبين، وإنما وصف بأنه ذو متربه 815؛ لأن ذلك نهاية ما يبلغه من الفقر، وفيه دليل على أنه يكون مسكينًا فوق هذه الصفة، ولهذه خُصَّ من بين غيره، فقيل: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
واستشهد من نفى عنه السؤال بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِ فَلا يَسْأل النَّاسَ إِلحافًا" وهذا لفظ البخاري 816، ومحمل هذا الحديث أنه ليس كغيره ممن بلغ به الحال ولا يسأل، وليس لأنه لا يقع عليه اسم مسكين.
وفي الترمذي: "جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ المِسْكِينَ لَيقُومُ عَلَى بَابِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَجِدِي إِلاَّ ظِلْفًا

الجزء: 3 - الصفحة: 988

مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ" 817. وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلاَثَةٌ: أَبْرَصُ وَأَقْرَعُ وَأَعْمَى، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأتَى الأبْرَصَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ: لَوْن حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، فَمَسَحَهُ فَذَهَب مَا بِهِ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا -الحديث بطوله ثم قال:- ثُمَّ أَتي الملَكُ للأبرَصِ فِي صُورَتهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِهِ الحِبَالُ فِي سَفَرِه، ولاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلاَّ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ بَعِيرًا أتبلَّغُ بهِ فِي سَفَرِي" 818، ثم سمي نفسه للثاني والثالث مسكينًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 989

باب في انتزاع الزكاة بعد أخذها

ومن أخذ الزكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها وإن أخذها ليغزو بها فجلس انتزعت منه لأن الغزو في معنى المعاوضة فإذا لم يوفِّ به أخذت منه.
وكذلك ابن السبيل يأخذ ما يتحمل به إلى بلده فلم يفعل انتزع منه إلا أن يكون ذلك القدر يسوغ له لفقره وإن لم يكن ابن سبيل، وفي الغارم يأخذ ما يقضي به دينه ثم يستغنى قبل أدائه إشكال.
ولو قيل تنتزع منه، لكان وجهًا.

فصل [في تحريم الصدقة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -]

لا تحل الصدقة لآل النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ".
أخرجه البخاري، ومسلم 819. واختلف في ثلاثة مواضع من معنى الحديث: أحدها: من آله بنو هاشم، أو قريش؟، والثاني: دخول مواليهم في التحريم، والثالث: هل تدخل صدقة التطوع في التحريم؟ فقال ابن القاسم في كتاب محمد: آله بنو هاشم 820. وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون آل غالب؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. نادى: "يا آل قصي، يا آل عبد مناف 821 " 822.

الجزء: 3 - الصفحة: 990

والقول الأول أحسنُ؛ لأن العشيرة غير الأقارب، والعشيرة تتسع، وإنما نزل القرآن في الأقرب 823 من العشيرة، ليس الأقربين مطلقًا، وليس الأقربون كالأقرب من العشيرة 824. وأجازها ابن القاسم لموالي آل محمد 825. ومنع ذلك مطرف، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب أيضًا 826: لا يعطى لآل محمد من التطوع.
وأجازه ابن القاسم في كتاب محمد 827. والذي آخذ به، أنها تحرم على بني هاشم دون من بعدهم، وأن مواليهم بمنزلتهم، وأن الزكاة، والكفارات، والتطوع في ذلك سواء لحديث أبي رافع قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اصحبني كيما تصيب منها.
فقال: لا، حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله، فأتاه 828 فسأله، فقال: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا، وَلا لموَالِينَا".
وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي في مسنده 829 فيه فائدتان: إحداهما: أن الصدقة حلال لبني مرة بن كعب، فمن بعدهم إلى غالب،

الجزء: 3 - الصفحة: 991

خلاف ما ذهب إليه أصبغ؛ لأن مخزوم تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مرة.
والثانية: أن مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقة، وأعطيت بَرِيرَة شاة من صدقة، فأهدت منها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: إنها صدقة، وأنت لا تأكل الصدقة.
فقال: "هِيَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّةٌ" 830. فتضمن هذا الحديث أيضًا إباحتها لبني مرة؛ لأن عائشة تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرة، وأن أزواجه غير داخلات في التحريم، فإباحته إياها لَبرِيرَة، ومولاتها في التحريم بمنزلتها، ولو كان أزواجه بمنزلته؛ لحرمت على بَرِيرَة كما حرمت على أبي رافع.
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي، أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي، أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي 831 قيل لزيد: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لاَ، إِنَّ المَرْأَةَ تُقِيمُ مَعَ الرَّجُلِ الزَّمَان 832 ثُمَّ يُفَارِقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا.
وَأَهْلُ بَيْتِهِ: أَهْلُهُ وَعَصَبَتُهُ الذين حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.
وَهُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ.
كُلُّ هَؤُلاَءِ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ" 833.

الجزء: 3 - الصفحة: 992

فصل [في خمس الرِّكاز]

خمس الرِّكاز 834 حلال للأغنياء كخمس الغنائم، ويُبدأ بالفقراء.
وكره ابن القاسم أن يعطي منه أحد 835 قرابته؛ خوف المحمدة، وقد تقدم ذكر الاختلاف عن مالك في ذلك في الزكاة 836. واختلف هل يُعطي منه من تلزمه نفقته كالولد والوالد؟ فكره ذلك ابن القاسم.
وقال غيره: يجوز ذلك إذا أعطاهم، كما يعطي غيرهم من الأباعد على غير إيثار؛ لأن الخمس فَيء، وهو حلال للأغنياء؛ إلا أن الفقير يؤثر عليه.
كمل الأول من الزكاة 837

الجزء: 3 - الصفحة: 993

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأول
باب في وجوب الزكاة, وقتال مانعها, وفيما تجب فيه الزكاة من الأموال وذكر النصاب والحولفصل [في الوقت الذي تجب فيه الزكاة]باب في زكاة العينفصلباب في زكاة الحلي, والسيف المُحلي, والخاتم, وما أشبه ذلكفصل إذا كان الحلي لامرأةفصل لا زكاة على الرجل في خاتمه وحلية مصحفه وسيفهفصل من اشترى حليًا للتجارة وفيه الذهب والفضة والزبرجد والياقوتباب في زكاة الأرباح، وأولاد الماشية والغلات, ومن تجِر في ماله بعد الحولِ وقبل أن يُخْرِجَ زكاته، أوضَاع مالُه عند تمامِ الحولِفصل [فيمن ضاع من زكاته بعد وجوبها دون تفريط]باب في زكاة أموال العبيد، والمكاتبين, ومن أسلم من أهل الكفر؛ والصبيان والمجانين, والأسير, والمفقودفصل [في زكاة أموال الصبيان, والمجانين]فصل [تُزكَّى ماشية الأسير والمفقود وزرعهما ونخلهما]باب في زكاة العروضفصل النية في العروض المشتراة على أقسامفصل الخلاف فيمن أكرى داره خمس سنين بمائة دينار ومضى الحولباب في زكاة المدير في التجارةفصل فيما بار من عروض المدير وفيه الخلافباب في زكاة الديون، وحكم أحواله إذا كان الاقتضاء متفرقًا، وكيف إن اختلط أحوال الاقتضاءفصل من له ثلاثين دينارًا ذهبًا حال عليها الحول فاقتضى منها عشرةفصل [اختلاط أحوال الاقتضاء والفوائد]باب في زكاة الفوائد من الذهب والفضة، وإذا اجتمع فوائد ودَيْنفصل وإذا اجتمع فائدة واقتضاءفصل من كاتب عبده بدنانير فلم يقبضها حتى حال الحولفصل من بيده مائة دينار وعليه دين مثلها وحال عليها الحولفصل لا زكاة على قوم ورثوا دارًا فباعها القاضي ووضع ثمنها فأقام أحوالًافصل [فيمن سقط ماله ثم وجده]فصل من اشترى حائطًا للتجارة ولا ثمرة فيه ثم أثمر عندهباب في زكاة من عليه دَيْنفصل من بيده مائة دينار وعليه دين مائة وله على أحد دين مائةفصل من بيده مائتا دينار وعليه دين مائةباب في زكاة القراض، وما يزكي منه وهو في يد العامل، أو تؤخر زكاته (1) إلى وقت المفاصلةفصل [في إخراج الزكاة التي في يدِ العامل]فصل [في تزكية مال القراض إذا نضَّ]باب في الإمام هل يسأل الناس عن زكواتهم، وفي أخذها ممن يعلم أنه لا يؤديها؟ وهل تنقل إلى غير البلد الذين وجبت فيه؟ ومن وجبت عليه زكاة (1) وهو في سفرفصل [في أخذ الإمام الزكاة ممن لا يؤديها]فصل [فيمن عجَّل زكاته قبل أن يقرب الحول]فصل [في نقل الزكاة]فصل [فيمن كان في سفر ومعه زكاة ماله]باب فيمن يوخذ منه العشر من أهل الذمة والحربيينفصل [في القدر الذي يؤخذ من الحربيين]باب في زكاة معادن الذهب والفضةفصل [في زكاة المعادن]فصل [القول في المعادن وملكها وإقطاعها وأخذ الزكاة مما يخرج منها من ذهب أو ورق]باب القول (1) في الرِّكازفصل [في زكاة الركاز]باب فيمن يجوز له أخذ الزكاةفصل [في عجز الفقير والمريض عن الزكاة]فصل [في حد الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة]فصل [في العاملين على جمع الزكاة ومن لا يستعمل عليها]فصل [في المؤلفة قلوبهم]فصل [في عتق الرقاب من الزكاة]فصل [في تعريف الغارم وشروط اعتباره]فصل [في صفة الغارمين]فصل [في معني قوله -عز وجل-: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾]فصل [في قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾]باب في تبدية أهل الزكاة، وهل يصدق من ادعى أنه فقير أو غارم، أو ابن سبيل (1)، أو مكاتب أو أنه تحمل بحمالة (2)، ومن أخذ الزكاة بوجه جائز هل تنتزع منه بعد ذلك؟فصل [فيمن ادعى الفقر]فصل [في تعريف الفقير والمسكين]باب في انتزاع الزكاة بعد أخذهافصل [في تحريم الصدقة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -]فصل [في خمس الرِّكاز]
كتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل