كتاب الرواحل
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 343) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 11 - الصفحة: 5125
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب الرواحل والدواب (1)
باب (2) في من باع عبدًا وأكرى راحلة في عقد واحد
ومن باع راحلة واستثنى منها ركوبًا 3، أو اكترى راحلة يركبها بعد شهر أو شرط الخيار 4، والبيع 5 والإجارة في عقد جائز، فإن بيعَ عبدٍ 6 وركوبَ راحلة 7 بعينها أو بغير عينها صفقة واحدة 8 - جاز، ثم هما في الثمن على أربعة أوجه: إما أن يشترطا نقده، أو تأخيره، أو نقد بعضه وتأخير بعضه، أو لا يشترطا شيئًا.12
الجزء: 11 - الصفحة: 5127
فإن اشترطا نقده جاز، وسواء كان الركوب مضمونًا أو معينًا.
وإن اشترطا تأخيره جاز في المعيّن، واختلف في المضمون، فقال مالك مرة: لا يجوز، ورآه من الدَّيْن بالدَّيْن 9. وقال مرة: لا بأس أن ينقد الثلثين 10. وقاله أشهب في السَّلَم، وقال أيضًا 11: قد 12 اقتطع الأكرياء أموال الناس، فلا إذا نقد 13 الدينار ونحوه 14. ورأى ذلك ضرورة تنقل الحكم، وإن كان دَيْنًا بِدَيْن 15.
واختلف إذا شرط أن ينقد ما ينوب الركوب إذا كان مضمونًا ويتأخر ما ينوب العبد، وهما عارفان بما ينوبه، هل يجوز أو يكون فاسدًا؛ لأن المنقود مفضوض على الجميع؟ وقولهما: إن هذا للركوب، ساقط فعلى هذا القول 16، لا يجوز إلا 17 أن ينقد الجميع.
وإن لم يشترطا نقدًا ولا تأخيرًا، وكان الركوب مضمونًا جاز، ويجب نقد الجميع؛ لأن كل واحد بانفراده يستحق تعجيل 18 الثمن وكذلك الاجتماع.
وإن كان الركوب لراحلة بعينها كان الحكم أن ينقد ما ينوب العبد، وينقد
الجزء: 11 - الصفحة: 5128
ما ينوب الراحلة بقدر ما يسير كل يوم.
وقد عورض هذا بأن قيل: العقد فاسد؛ لأنه لا يدرى ما يتعجل مما يتأخر.
وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن الشأن من التجار أنهم يقدِّرون ما ينوب كل واحد ليعلما غالي ذلك من رخيصه، ولا يكاد يختلف ذلك إلا يسيرًا.
وهو في هذا أخف من جمع سلعتين (1)؛ لأن تلك يستبد كل واحد من البائعين بالثمن فيها.
وفي هذه جميع الثمن لواحد واليسير الذي بينهما هو الذي (2) يتعجله الآن أو يأخذه مفترقًا مع سائر المسافة.
وقد أجاز مالك وابن القاسم أن يعقد الكراء بالعين، ولا يشترطا نقدًا ولا تأخيرًا (3)، ويكون مفضوضًا على ما ينوب كل يوم (4)، وقد تختلف الطريق (5) في الصعوبة.
فصل [في الشرط في كراء الراحلة إن ماتت أخلف مكانها]
وإن استحقت الراحلة أو ماتت والكراء مضمون أخلفها.
وإن كانت بعينها انفسخ الكراء فيما 24 ينوبها ولزم العبد إن كانت أقل 25 الصفقة، وكذلك إن كانت الأكثر وقد ركب بعض الطريق، وكان ما ركب إن أضيف إلى العبد كان النصف فأكثر.1920212223
الجزء: 11 - الصفحة: 5129
واختلف إذا استحق العبد وهو الأكثر وفات الركوب، هل يمضي بالثمن أو بالأقل من القيمة أو الثمن؟ وإن استحق العبد، وقد ركب بعض الطريق ردَّ الباقي من الركوب ومضى ما ركب بالأقل من القيمة أو الثمن 26.
ومن باع راحلة واستثنى ركوبها يومًا أو يومين وهو 27 في الحضر أو في 28 السفر- جاز، ويكره ما زاد على ذلك، ويمنع ما كثير كالجمعة والشهر، وهو إذا كان في السفر أبين في الغرر؛ لأنه لا يدري كيف ترجع، ولا هل تسلم.
وإن اشترط يومًا أو يومين بعد قبض المشتري ومقامها 29 - جاز، وإن كان بعد مقام جمعة أو شهر لم يجز، والمصيبة فيه إذا كان 30 البيع صحيحًا من المشتري، وسواء اشترط اليوم أو اليومين ابتداء أو بعد قبض المشتري، ووافق ابن حبيب إذا قبضها 31 المشتري، وكان يعيدها 32 إلى البائع بعد يوم أو الشيء القريب.
وخالف إذا كان ركوب البائع 33 ابتداء قبل وصولها إلى المشتري، وقال: المصيبة من البائع 34. وقول مالك وابن القاسم أحسن 35؛ لأنه ممكَّن من الرقبة يتصرف فيها بالبيع وغيره.
الجزء: 11 - الصفحة: 5130
وإذا كان البيع فاسدًا -لأن البائع استثنى أيامًا كثيرة- فهلكت في يديه، كانت مصيبتها منه.
واختلف إذا كان الاستثناء بعد قبض المشتري لها فهلكت عنده، فقال ابن القاسم: المصيبة من البائع، وسواء هلكت في يد المشتري أو في (1) يد البائع بعد أن رجعت إليه (2). وفي "كتاب ابن سحنون": إن هلكت في يد المشتري أو تغّير سوقها كانت فوتًا ومصيبتها منه، وإن هلكت بيد البائع قبل أن يتغير سوقها عند المشتري كانت من البائع، وإن عادت إلى يد البائع بعد أن تغيرت سوقها، كانت من المشتري وعليه الأقل من القيمة أو من (3) الثمن (4).
فصل [في من أكرى راحلة واشترط تأخير ركوبها]
وإن عقد الكراء الآن ليكون الركوب بعد شهر جاز 40 في المضمون ويقدم الكراء.
وإن كانت راحلة 41 بعينها لم يجز شرط النقد 42.
واختلف إذا شرطا 43 أن لا ينقد إلا عند الركوب هل يجوز العقد؟36373839
الجزء: 11 - الصفحة: 5131
فأجازه مالك 44، ومنعه غيره؛ لأن فيه تحجيرًا على المالك 45؛ لأنه لا يقدر على التصرف فيها بالبيع أو السفر الآن، وقد تهلك فيكون قد حجر على نفسه ملكه لغير منفعة يرجوها 46. والأول أبين لأنه لم يمنع نفسه عنها 47 لغير منفعة يرجوها، فأجاز ابن القاسم إجارة الراحلة بعينها لتقبض منافعها بعد شهر 48 بخلاف بيع العبد ليقبض بعد شهر؛ لأن أغراض الناس إذا بيعت الرقاب 49 تعجيل قبضها، فاشتراط الناس 50 التأخير قصدًا لبقائها في ضمان البائع، والمنافع ضمانها قبل القبض وبعد القبض من بائعها فلم تكن هناك تهمة، وقد يشترط التأخير؛ لأنه لم يأت وقت حاجته إلى الركوب.
وإن اشترط الخيار في المعيّن والمضمون جاز الأمد القريب كاليومين والثلاثة، ويجوز في المعيّن على قول ابن القاسم 51 أن يكون الخيار الشهر ونحوه، ويجوز على قول غيره إذا كان الخيار لصاحب الراحلة، ولا يجوز إذا كان للمكتري؛ لأنه حجر 52 عليه ملكه وقد لا يختار بعد انقضاء الأجل.
ويختلف في المضمون: فعلى القول في بيع الخيار أنه 53 إذا أجيز كأنه لم
الجزء: 11 - الصفحة: 5132
يزل منعقدًا، يمنعه، وهو أصل ابن القاسم في السَّلَم على خيار 54. وعلى القول: إنه إنما ينعقد 55 بيعًا يوم يختار، يجوز هذا، وإليه ذهب ابن القاسم في كتاب الشفعة 56 إذا بيع نصيب 57 على خيار، ثم بيع الآخر على البت، فجعل الشفعة لمشتري الأول الذي كان له الخياران قبل البيع 58 وجميع ذلك على غير نقد، فإن شرط النقد كان البيع 59 فاسدًا في المعين والمضمون، وإن تطوع بالنقد جاز إذا لم يكن خيار؛ لأن المكتري عند انقضاء الشهر 60 يأخذ المنافع بالعقد المتقدم ولم يأخذها عن دَيْنٍ.
وقد تتوزع إذا كان الكراء على خيار ونقد من غير شرط، فقيل: يمنع لأنه يأخذ منافع عن 61 دَيْنٍ، وقد 62 قيل: يجوز، وهو أحسن؛ لأن الدفع إنما كان ليأخذ هذه المنافع، فلم 63 يدخله تقضي أو تربي وهذا في المضمون وهو في المعين أخف للاختلاف: هل يأخذ منافع من 64 دَيْنٍ تقدَّم 65؟ وهو قول أشهب 66.
الجزء: 11 - الصفحة: 5133
باب (1) في من اكترى (2) راحلة ثم باعها، أو باعها (3) ثم اكتراها (4)، أو اكترى (5) ثم أكرى أو وهب
ومن 72 أكرى راحلة 73 ثم باعها كان الكراء أولى، ثم 74 المشتري بالخيار بين القبول أو الترك إذا كان الكراء اليومين والثلاثة.
وإن كان بعيدًا كان فاسدًا على القول: إن عَلِمَ أحد المتبايعين بالفساد؛ يوجب الفساد 75. وقيل: البيع جائز؛ لأن المشتري لم يعقد على فساد ولا يكون كمبتدئ شراء لأنه قَبِلَ 76 بالعيب قبل أن يرد.
واختلف إذا كان الكراء اليومين والثلاثة فلم يعلمه 77 المشتري حتى انقضت مدة الكراء، فقيل: لا ردَّ للمشتري وهو كعيب ذهب، وقيل: له أن يرد كالعيب القائم، والجواب على وجهين:6768697071
الجزء: 11 - الصفحة: 5134
فعلى القول إن غلات المبيع للبائع والمصيبة منه، حتى يقبضه 78 المشتري، وكانت قد بقيت في يد البائع تلك المدة ليقبض الثمن، يكون كعيب ذهب؛ لأن مقال المشتري لمكان الحبس، حبس الرقاب، وقد كان بوجه جائز ولم يكن له حق في المنافع.
وعلى القول: إن المصيبة من المشتري يكون مقاله قائمًا؛ لأنه يقول: اشتريت وأنا أرى 79 أن المنافع في بالعقد، فتبيّن أن البائع باعها.
وإن دفع إليه البائع قيمة تلك المنافع لزمه 80 البيع؛ لأن مقاله بعد تمام مدة الكراء لمكان الكراء ليس لأجل الحبس، ولا مقال له في المسمى إن كان أكثر من القيمة؛ لأن البائع باعها بوجه جائز.
وإن شهدت البينة بالبيع واعترف البائع أن الكراء كان قبل، كان للمكتري أن يفسخ الكراء عن نفسه إن كان المسمى أكثر من القيمة، أو يأخذ فضل القيمة إن كانت 81 أكثر من المسمى؛ لأنه يقول: بعتني منافع ثم 82 أحدثت ما حال بيني وبين قبضها.
وهذا إذا بقيت الراحلة تلك المدة ولم يغب بها مشتريها.
ويختلف إذا غاب بها هل يحمل على الحياة ويكون كالحاضر، أو على الموت فلا يكون له 83 إلا فسخ الكراء؟ وإن باع ثم أكرى كان المشتري في الكراء 84
الجزء: 11 - الصفحة: 5135
بالخيار بين أن يفسخه أو يمضيه ويأخذ ما أكريت به.
وإن ثبتت البينة للمكتري واعترف البائع أن البيع كان قبل، وقام المشتري بفور ذلك كان بالخيار بين أربع: بين أن يفسخ البيع عن نفسه إن كان الثمن أكثر من القيمة، أو يأخذ فضل القيمة إن كانت أكثر؛ لأنه حال بينه وبين قبض المبيع، أو يجعل مقاله في الكراء فيأخذ ما أكريت به، أو قيمة الركوب إن كانت القيمة أكثر من المسمَّى.
وإن لم ينظر في ذلك حتى ذهبت 85 مدة الكراء لم يكن للمشتري مقال في رد البيع؛ لأن الحبس ذهب، وكان له في الكراء الأكثر من المسمى أو كراء المثل، ويستوي حينئذ ثبات تقدم البيع والجهل به.
وإن أكرى ثم أكرى وعلمت التواريخ، كان الأول أولى وله أن يفسخ الثاني أو يجيزه ويأخذ ما أكريت به.
وإن لم يعلم تقدم عقد الأول كان 86 الآخر أحق، وكان الأول بالخيار بين ثلاثة أوجه 87: بين أن يفسخ العقد عن نفسه، أو يأخذ فضل ما أكريت به، أو يأخذ من المكري قيمة تلك المنافع.
وإن أكرى ثم وهب، أو وهب ثم أكرى، كان المكتري أحق فإن سبق 88 الكراء كان المكتري أحق لتقدم عقده، وإن تأخر كان أحق لعدم الحوز في الهبة، وهو بمنزلة من وهب ثم باع، فإن المشتري أحق ويكون للموهوب له الثمن.
وله ها هنا ما أكريت به، فإذا انقضت الإجارة أخذها الموهوب له 89، ويختلف في حوز المكتري للموهوب له 90، وذلك مذكور في كتاب الصدقة.
الجزء: 11 - الصفحة: 5136
باب (1) في من أكرى بمعين من الثياب أو الطعام أو العين، وكيف إن اشترط حبس (2) ذلك المعين الأيام القريبة أو (3) البعيدة؟
ومن 94 أكرى عبدًا أو دابة بثوب أو طعام بعينه أو دنانير بعينها.
فإن كان العبد أو الدابة مضمونان 95 لزم نقد الثوب أو الطعام بمجرد العقد.
وإن كان العبد أو الدابة معيّنين وكانت العادة النقد- انتقد الكري 96 الثوب أو الطعام بمجرد العقد 97. وإن كانت العادة التأخير في الكراء أو لم تكن لهم عادة في النقد، لم يجز 98 نقدها 99 وكان فاسدًا.
وقال ابن حبيب: الكراء جائز 100 وهو على تعجيل القبض 101 حتى يشترط التأخير ولا يلتفت إلى سُنة البلد في تأخير الكراء، وكذلك قال لي من أرضى من أصحاب مالك.919293
الجزء: 11 - الصفحة: 5137
يريد: أن العادة في العين التأخير 102، ولو كانت تلك 103 العادة، إذا كان الكراء بمعين ثوبٍ أو ما أشبهه كان فاسدًا.
ومن 104 باع سلعة بثمن إلى أجل كان محملهما 105 على أنهما تبايعا على الوجه الجائز وينقد الحاضرة حتى يشترط أن لا ينتقد 106 إلا بعد حلول الأجل وقبض الثمن.
وإن باع سلعة حاضرة بغائبة بعيدة الغيبة حملا على الجواز، وأن لا ينقد الحاضرة حتى تقبض 107 الغائبة حتى يشترط نقد الحاضرة 108 فيفسد، وكذلك الكراء بالثوب يحملان على الجواز وعلى نقده حتى يشترطا أن لا ينقده 109 فيفسد.
وإن كانت الإجارة بما لا يصلح تأخيره كالرطب والمقثاة 110 واللحم حملا على الجواز وعلى النقد؛ لأن مثل هذا لا يقصد تأخير قبضه.
وقال ابن القاسم فيمن اكترى 111 راحلة بعينها بدنانير بأعيانها: فإن كان الكراء عندهم بالنقد جاز، وإن كان بغير النقد لم يجز 112، إلا أن يشترط إن
الجزء: 11 - الصفحة: 5138
ضاعت أخلفها أو 113 توضع على يد غيره ويجعلها رهنًا.
وقال غيره: ذلك جائز وإن تلفت كان عليه خلفها 114، فاتفقا على أنها تتعين، وإنما اختلفا 115 هل الحكم الخلف من غير شرط أو حتى يشترط؟
وعلى القول: إنها لا تتعيّن لا يمنع صاحبها 116 من التصرف فيها، وعلى قول ابن حبيب تتعيّن، ويجوز النقد 117، ويجبر على أن يعجلها إلا أن يشترط وقفها، وإذا وقفت على ما في "المدونة" كان للمكري 118 كلما مضى يوم أن يُنْتَقَد منها 119 بقدره، إلا أن يشترط أن لا يَنْتقِد منها شيئًا حتى يبلغ غاية سفره ويكون فاسدًا بخلاف الأول؛ لأن الأول يشترط ذلك لمنفعة 120 إما لخلف 121 أو لأنه يخشى 122 أن يلدَّ عليه كلما مضى يوم أو ليلة 123، لئلا 124 يجد شيئًا فاسدًا أو يشترط المكتري ألا يعجلها لئلا 125 تهلك في الطريق فيكون ماله بيده قال
الجزء: 11 - الصفحة: 5139
ابن القاسم: وإن اكترى بطعام بعينه وشرط إن ضاع أخلفه لم يجز، بخلاف الدنانير (1): وهذا على القول إنه مما تختلف فيه الأغراض، وأرى أن يجوز بعد تسليم هذا القول؛ لأن الاختلاف في هذا يسير، ولهذا قضى فيه بالمثل بخلاف العروض.
فصل [في حبس المكرى المعيّن الأيام القريبة أو البعيدة]
قال ابن القاسم: فإن حبس الثوب للوثيقة كان الضمان من البائع، إلا أن تشهد بينة على تلفه 127.
وقال غيره: إن اشترط البائع الدفع بعد يوم أو يومين للباس الثوب 128 أو ركوب الدابة فتلف؛ كان للمشتري 129 لأنه 130 كأنه 131 قبضه وحازه 132. فتكلم ابن القاسم إذا حبس للوثيقة وجعله كالمحبوس بالثمن، فلا يصدق في ضياعه.
ويختلف إذا شهد على ضياعه، هل تكون مصيبته من البائع أو من المشتري؟ وتكلم غيره على ما 133 استثنيت منافعه خاصة ومُكِّن المشتري من126
الجزء: 11 - الصفحة: 5140
الرقاب، فكان القول 134 قوله في ضياعه؛ لأن حكم البيع سقط ويبقي 135 على حكم الأمانة.
وإن حبس للوثيقة 136 ولمنافع استثنيت منه 137، لم يصدق في دعوى الضياع؛ لأن حق البائع بقي في الرقاب؛ لأنه حبسها للوثيقة، وإن حبس مع ذلك للمنافع 138.
ويختلف إذا شهدت البينة على الضياع وحكمه حكم من كان محبوسًا للوثيقة 139 خاصة؛ لأنه وإن كان محبوسًا للمنافع، وأنها باقية على ملك البائع، فإن الرقاب غير ممكَّن منها لمَّا حبسها للوثيقة.
ويختلف إذا شرط حبسه 140 إلى يوم أو يومين لغير وثيقة ولا لمنفعة استثناها، هل يوفَّى بالشرط؟ فقال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك، ولا أفسد به البيع 141. ولم يتكلم على الوفاء بالشرط وقال فيمن أكرى بيته وشرط على المكتري ألا يُسْكِن معه غيره فتزوج أو اشترى رقيقًا: لم يمنع إذا كان ذلك لا يضر بالمسكن 142. فلم ير أن يُوفَّى بذلك الشرط إذا كان لا ينتفع به 143. فعلى هذا
الجزء: 11 - الصفحة: 5141
يكون 144 للمشتري قبض المبيع، ولا يُوفَّى ببقائه حتى تُوفَّى تلك 145 الأيام.
واختلف فيمن صرف دينارًا من رجل، وكان لمشتري الدينار على بائعه دراهم 146 مثلها وشرط ألا يحبسها 147 منها، هل يوفى له بشرطه؟
وأرى أن يوفى للبائع بشرطه؛ لأنه شرط 148 ليس بفاسد، والبائع أعلم بالوجه الذي لأجله 149 شرط ذلك.
وإن أكرى 150 إلى مكة بطعام معيّن، ولم يشترط نقده ولا تأخيره، كان الكراء فاسدًا على قول ابن القاسم 151، وعلى قول ابن حبيب يكون جائزًا، وينتقده المكتري 152. وإن كان الكراء بطعام مضمون وضربا أجلا، جاز.
فإن كان محل الأجل قبل الوصول، وكَّل المكتري من يقضي عنه إذا حل الأجل، وإن كان حلوله قبل وصوله، وكذلك إذا كان الأجل عند الوصول أو بعده وقبل أمد رجوعه، فعلى المكتري أن يوكل من يدفع عنه إذا حلَّ الأجل، وإن لم يعلم هل سلمت ووصلت 153 أم لا؟
الجزء: 11 - الصفحة: 5142
باب في من أكرى دابة بعلفها أو بطعام الجمَّال (1) أو كسوته
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكري الرجل راحلته على أن على المكتري 155 علفها، قال: وأجاز مالك أن يشترط على المكتري 156 طعام الجمَّال 157 وكسوته 158. وكل هذا يجوز إذا سمى 159 ما يعلف أو يطعم أو يكسو، أو كانت عادة معلومة لا تختلف أو تختلف اختلافًا يسيرًا لا يؤدي إلى غرر 160، وإن تبين 161 اختلافه لم يجز.
ولا يجوز في هذا ما يجوز في النكاح، ويجوز في النكاح من 162 الغرر ما لا يجوز في البيع.
وإن استأجرها 163 ستة مناهل ليعلفها كل ليلة ثمنة 164 فماتت بعد ثلاثة 165 مناهل وكان يعلفها في 166 كل ليلة ثمنة 167 - فض ما154
الجزء: 11 - الصفحة: 5143
علفه 168 على جميع المناهل الماضي والباقي، فما ناب الباقي غرمه صاحب الدابة في المواضع الماضية 169 التي كان 170 قبضه فيها، وما ناب الماضي غرم الراكب الفاضل عما 171 قبضه عنها ويستقبل المناهل، وهو بمنزلة من باع سلعة 172 بطعام يقبض في مواضع مختلفة فجميع الطعام مفضوض على جميع المواضع 173. وهذا الذي يقتضيه مجرد العقد بالكراء إلا أن يكون قصدهما أن الذي يعلفه 174 كل ليلة عن ذلك اليوم، ويكون هو الذي ينوبه بالفض 175، فلا يرجع أحدهما 176 على الآخر 177 بشيء، وإن فضل من 178 الذي علف 179 شيءٌ كان مفضوضًا على باقي المناهل كلها 180.
الجزء: 11 - الصفحة: 5144
باب (1) فيما يصح (2) من الكراء ويفسد
183
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دابة ليُشَيِّعَ عليها رجلًا ولم يسم الموضع، فالكراء فاسد 184.
يريد 185: إذا لم تكن لهم 186 في ذلك عادة، فإن كانت عادة 187 كان الكراء جائزًا، وحمل على العادة في الموضع الذي يشيع إليه الناس 188. والعادة في تشييع الحاج بمصر إلى الجب، وبالمدينة إلى الشجرة، وكل من له في ذلك 189 عادة حمل 190 عليها.
وقال ابن القاسم: إن اكترى دابة إلى موضع 191 ولم يسم ما يحمل عليها كان الكراء فاسدًا إلا أن يكون قومًا قد 192 عرفوا ما يحملون بينهم 193. وقال غيره: يجوز إذا سمى طعامًا أو بزًا أو عطرًا ويحمل عليها حمل181182
الجزء: 11 - الصفحة: 5145
مثلها 194. وإن قال: أحمل عليها حمل مثلها مما شئت لم يجز؛ لأن الحمل يختلف فمنه ما هو 195 أعطب لظهورها 196. قال: وكذلك إذا تكاراها إلى بلد، أيَّ البلدان 197 شاء يركبها شهرًا؛ لأن منها الوعر الشديد 198، والسهل، وكذلك الحوانيت والدور، وكل ما اختلف حتى يتباعد 199 فلا خير فيه 200.
قال الشيخ أَبو الحسن - رضي الله عنه - 201: الكراء بيع من البيوع يمنع 202 فيه الغرر كما يمنع في البيوع، فعلى من اكترى دابة أن يسمي جنس ما يستعملها 203 فيه، وقدره، والبلد الذي 204 يسافر بها إليه وإلا كان فاسدًا.
فإن سمى قدر ما يستعملها 205 فيه دون جنسه لم يجز، فقد يتفق الوزن، ويختلف الكراء لاختلاف المضرة، وكراء الكَتَّان والرصاص مختلف، وإن استوى الوزن، وإختلف إذا سمى الجنس دون القدر، فمنعه ابن القاسم 206، وأجازه غيره
الجزء: 11 - الصفحة: 5146
ويحمل عليها حمل مثلها، والأول أحسن، وليس كل أحد من المتكاريين 207 يعرف قدر حمل 208 دابته غيره.
وإن استأجرها ليسافر عليها ولم يذكر المدة ولا الناحية كان فاسدًا، وكذلك إذا ذكر المدة دون الناحية إلا أن تكون 209 تلك النواحي متساوية أو متقاربة في السهولة والأمن.
وإن سمى البلد ولم يضرب أجلًا جاز، وإن جمع بين تسمية البلد، وأن يكون الوصول في مدة مسماة، ولا يدري هل يصل فيها أم لا؟ كان فاسدًا، ويختلف إذا كان الغالب الوصول فيها.
وإن استأجرها ليطحن عليها وله عادة في صنف معروف جاز، وإن كانت العادة عندهم مرة شعيرًا ومرة قمحًا ومرة أرزًا، وكانت الإجارة على ذلك عن 210 كل واحد بانفراده سواء أو متقاربًا- جاز، وإن تباين لم يجز إلا أن يسمي الصنف.
وأجاز ابن القاسم في "المدونة" أن يستأجر الدابة ليطحن عليها باليوم وإن لم يسم ما يطحن عليها في ذلك اليوم 211؛ لأن نحو 212 ذلك عندهم معروف.
ولو 213 كان قوم لم تتقدم لهم بذلك عادة لم يجز.
وإن استأجرها ليطحن عليها أرادب مُسَمَّاة ولم يذكر الأيام التي يطحن فيها- جاز.
الجزء: 11 - الصفحة: 5147
واختلف إذا سمى الأيام والمَكِيلة التي يطحن 214 في تلك 215 الأيام، فقال ابن القاسم فيمن استأجر دابة ليطحن عليها 216 كل يوم إردبَّين بدرهم فوجدها تطحن إردبًا- كان له 217 أن يردها وعليه في الإردبِّ الذي طحنت 218 نصف درهم 219. فأمضاه بالمسمى، وقيل: لا يجوز أن يجمع بين 220 تسمية الأيام وتسمية الأرادب 221 التي يطحن فيها 222، وإنما يجوز على تسمية أرادب ولا 223 يذكر الأيام التي يطحنها فيها أو على تسمية أيام، ولا يذكر ما يطحن فيها.
وأجاز ابن القاسم في "المدونة" أن يستأجر الدابة شهرًا على أن يركبها في حوائجه متى شاء من ليل أو نهار 224، وإن كانت الحوائج تكثر مرة وتقل أخرى؛ لأنَّ ذلك ضرورة ولا يقدر على تعين ما يحتاجها فيه 225، وأجاز كراء الحوانيت والدور 226 على الإطلاق من غير مراعاة لصنعة مكتري 227
الجزء: 11 - الصفحة: 5148
الحانوت ولا لعيال من يسكن الدار 228.
وعلى 229 قول غيره 230 لا يجوز إلا بعد المعرفة بذلك؛ لأنه سوَّى بينهما وبين الطرق في الشدة والسهولة، وأرى إذا كان الحانوت في سوق لصناعة معروفة أن يجوز؛ لأنَّ المقصود 231 تلك الصناعة 232 حتى يذكر غيرها، فإن لم يكن في سوق معروف بصناعة 233 وأمكن أن تكرى لما 234 يغير الحيطان ويفسدها لم يجز، إلا أن يبيّن 235 لماذا يكتريها.
وأما الديار فالأمر فيها أخف، ومحمل الناس على الوسط من 236 العيال، فإن تبيّن أن هذا المكتري كثير العيال والغاشية، كان للمكري في ذلك مُتكلَّم.
وقال ابن القاسم في مشاة اكتروا إبلًا على حمل أزوادهم وشرطوا أن من مرض منهم حُمِل على تلك الإبل: لم يجز 237. وإن شرطوا 238 عُقْبَة أحدهم جاز.
يريد؛ لأنَّ العقبة أمر ثابت يركبها كل يوم ولها قدر يقصده الناس،
الجزء: 11 - الصفحة: 5149
بخلاف شرط من مرض؛ لأنه أمر لا يدرى هل يحتاج إليه أم لا؟ وإن احتاج إليه هل يقل أو يكثر؟
فصل [في من عقد على بت وخيار في عقد فأكرى إلى بلد]
وإذا عقد على بت وخيار في عقد فأكرى 239 إلى بلد معين على أنَّه بالخيار في التمادي إلى موضع آخر، فإن كان الثاني الذي يتمادى 240 إليه مثل الأوّل في السهولة والحمل 241 لا يتغير هو مثل الأوّل في الوزن والمضرة؛ على سعر 242 واحد، ولم ينقد في الزائد، وهو أقل من الأوّل جاز، وإن كان أكثر لم يجز.
واختلف إذا كان الطريق الثاني مساويًا للأول، فمنعه عبد الملك، وظاهر قول ابن القاسم الجواز، وإن كان مخالفًا للأول في السهولة أو الأمن 243 أو 244 اختلف الحمل فكان الثاني أكثر أو أقل، أو الثمن وانتقد في 245 الزائد- لم يجز؛ لأنه غرر في النقد تارة سلفًا وتارة بيعًا، وإن جعل له 246 الخيار في الرجوع إن أحب رجع بتلك الدابة 247، فإن اختلف الحمل أو
الجزء: 11 - الصفحة: 5150
الثمن أو نقد فيه لم يجز 248، فإن لم يتغير شيء من ذلك ولم ينقد جاز عند ابن القاسم، ولم يجز على قول 249 عبد الملك؛ لأنَّ الثاني مساوٍ للأول ليس أقل منه 250. وقال مالك في من اكترى إلى موضع سماه بكراء مسمى 251، واشترط إن بدا له أن يرجع من بعض الطريق أو قدر على حاجته رجع، وكان عليه ما بلغ 252 بحساب ما اكترى: فلا بأس به 253. قال 254: وهذا كثير في الأُبَّاق وغيرهم، ولا يجب النقد 255 في غير 256 ذلك 257. وقال في الذي قال: أكتري منك إلى الشجرة 258 أتلقى الأمير فما قدمت فبحسابه، أو أبق عبدي، وهو بذي المروة، فأكتري إليها بدينار فما تقدمت فبحسابه: فلا بأس به 259؛ لأنه أمر عرف وجهه فهو 260 وتسمية الموضع الذي تقدم 261 إليه، سواء 262.
الجزء: 11 - الصفحة: 5151
باب في من اكترى راحلة لشيء (1) بعينه، أو مدة معيَّنة فلم يستعملها فيها (2)، أو اكترى لبلد (3) فتبيّن أن فيه (4) فتنة أو غلاء أو ربًا (5) أو في الطريق لصوص، وإذا مات المكتري أو فلس
ومن اكترى راحلة ليزفَّ عليها عروسًا ليلة بعينها، فلم يزفَّ تلك الليلة لأمر أوجب ذلك من 268 مرض الزوج أو الزوجة أو لغير ذلك من العذر- لم يكن عليه كراء، وفسخ؛ لأنَّ ذلك مما يتعذر خلفه في تلك الليلة، مثل الصبي يستأجر لرضاعه أو تعليمه، والفرس لرياضة 269 فيموتان.
وإن أخر زفافها اختيارًا لزمه الكراء، وله أن يؤاجرها في مثل ذلك إن أحب وتيسر له ذلك، فإن لم يجد لم يسقط عنه الكراء؛ لأنه ترك ذلك اختيارًا.
وإن كان المنع من صاحب الراحلة و 270 أكراها من غيره 271، فاكترى المكتري غيرها 272 وزفَّ263264265266267
الجزء: 11 - الصفحة: 5152
عليها- كان المكتري 273 بالخيار بين أربعة أوجه: بين أن يفسخ العقد عن نفسه، أو يأخذ فضل ما أكراها به من غيره، أو 274 يأخذ فضل قيمته على المسمى الذي كان عقده هو به، أو يغرمه فضل ما اكترى به هو 275 الثانية على 276 الأولى؛ لأنَّ الزوج كان في مندوحة عن ذلك، والمكري 277 أدخله في ذلك الزائد، فإن قبضها الزوج فأوقفها وهو قادر على أن يزفَّ عليها كان عليه المسمى.
وإن استعملها في صنف آخر كان ربها بالخيار، بين أن يمضي له ذلك بالمسمى، وإن أحب أخذ فضل قيمة الثاني عن الأوّل: فإن كان قيمة الأوّل دينارًا وقيمة الثاني دينارًا ونصفًا والمسمى ديناران، أخذ المسمى وهو ديناران 278 ونصف دينار وهو فضل ما بين القيمتين.
وإن لم يعيِّن ليلة الزفاف فأخذها وحمل عليها أو أوقفها 279 كان الكراء منعقدًا على حاله وله أن يزفَّ عليها ليلة أخرى، وعليه في هذه الليلة كراء المثل فيما حمل عليها أو كراؤها على أنَّه 280 لم يحمل عليها إذا أوقفها 281 إلا أن تكون لو كانت عند صاحبها تلك الليلة لأكراها، فيختلف، هل يكون عليه أن يغرم ما حرمه 282؟ وقال مالك في
الجزء: 11 - الصفحة: 5153
"المدونة" فيمن اكترى 283 دابة يومًا إلى الليل فقال صاحب الدابة هذه الدابة فاقبضها إليك 284. فلم يقبضها: فقد 285 لزمه الكراء 286. وقال محمَّد: وقد قيل: يفسخ الكراء بينهما ورأى ذلك إقالة.
والأول أحسن ولم يكن على صاحبها أكثر مما فعل، وله أن يمضي بها ليحفظ ماله وليس له 287 أن يتركها على 288 بابه فتضيع.
قال محمَّد: وإن لم تكن أيامًا بأعيانها، وقد 289 كان ضرب لوقت مجيئه بها أجلًا، فقال 290: آتيك بها غدًا أو إلى شهر، فأتى بها فلم يقبلها منه 291، فالكراء بينهما ثابت إلا أن يرفع 292 ذلك إلى السلطان فيكريها عليه 293. قال: وهذا أحب إليَّ 294.
يريد أنَّه مختلف فيه، هل تكون فيه 295 إقالة كالأول ويفسخ الكراء.
قال
الجزء: 11 - الصفحة: 5154
مالك في "كتاب محمد 296 " فيمن اكترى ظهرًا إلى أجل على 297 حمولة فلما حلَّ الأجل دعاه صاحب الظهر أن يحضر حمولته فأبى، فرفع 298 ذلك إلى السلطان فلم يفصل بينهما فأكرى 299 صاحب الظهر ظهره.
فقال مالك 300 مرة: إن كان ذلك 301 أقل مما كان لزم المكتري من الكراء الأول كان على المكتري بقية ذلك، وإن كان أكثر فذلك للمكتري.
وقال ابن القاسم: وقال أيضًا فيما بلغني: الكراء الأول ثابت، ويكون هذا الكراء للمكري 302، وعليه أن يرجع مرة أخرى.
وقوله: يرجع ليس بالبيّن؛ لأنَّ عليه في ذلك ضررًا، أرى أن يسأل، فإن قال: أكريتها لنفسي صدق وكان له ما أكراها به قل أو كثر ورجع مرة أخرى.
وإن قال 303: اكتريتها للمكتري.
صدق، فإن كان أكراها بأقل رجع عليه بالباقي.
وإن كان أكراها بأكثر ولم يكن انتقد، كان الفاضل للمكتري، وكذلك إذا انتقد وكان الكراء راحلة بعينها، وإن كان مضمونًا، لم يقبل قوله وتصدق بالفاضل 304.
الجزء: 11 - الصفحة: 5155
فصل [في من تكارى على حمل متاع كراء معينًا أو مضمونًا، فلما سار بعض الطريق بلغهم فساد الطريق أو غلاء]
وقال ابن حبيب في من تكارى على حمل متاع كراء معينًا أو مضمونًا، فلما سار بعض الطريق بلغهم فساد الطريق أو غلاء، يريد بالموضع الذي يريدونه- قال: فإن كان لا يرجى كشفه إلى أيام قلائل كان لمن شاء منهما فسخ الكراء، وإن كان في غير مستعتب كان على المكري أن يؤديه إلى 305 المستعتب المأمون 306، فإن كان بين يديه فبحساب المسمى، وإن كان خلفه فبكراء المثل 307.
وأرى إذا بلغهم عن البلد الذي أكري 308 إليه فتنة أو وباء مثل ذلك يفاسخه ولا يُلزم واحد منهما التمادي.
وإن مات المكتري ببعض 309 الطريق أو في البلد وقبل الخروج إلى السفر، أكرى الورثة أو من يقام لهم في الطريق من مثله، ولم يفسخ الكراء، وهذا قول ابن القاسم، وهذا هو 310 أحد القولين أن المكترى له لا يتعين، وقال فيمن باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بثمنها، أو استأجره على أن يرعى له هذه المائة
الجزء: 11 - الصفحة: 5156
شاة: إنه فاسد إلا أن يشترط الخلف.
وجعل مطلق 311 العقد على التعيين، وقيل: ولا 312 يفسد 313. وهو في هذه المسألة أبين، وهو بمنزلة من استأجر على ثوب للباسه 314 لا لتجارة فقيل: يجوز ويتعين وتفسخ الإجارة باستحقاقه أو تلفه ولا يلزمه خلف.
وإن كان خلف آخر مكانه يتعذر كان أبين، ويصير كالصبي يستأجر 315 لرضاعه، فإن الإجارة تنفسخ 316 بموته، مع أن الغالب أن خلف غيره يتعذر عليها، ولا يجد 317 من يستأجر مكانه ولو كان ذلك موجودًا لم تنفسخ 318 الإجارة بموته.
وإن ماتت الدابة ببعض الطريق وكانت معينة انفسخ الكراء في الباقي، وإن كان مضمونًا أخلف غيرها 319 مكانها، إلا أن يتعذر ذلك على المكري 320 فلا يجده 321 بشراء ولا كراء فيفسخ الباقي، فهذه ضرورة؛ لأنه 322 لا يمكنها البقاء هناك، وفي الرجوع بعد الانصراف إلى ذلك الموضع مشقة، فأرى أن تجب
الجزء: 11 - الصفحة: 5157
المفاسخة 323 بعد وإن كان 324 قد نقد 325 ولا يتهمان على كراء وسلف.
وإن تبين أن بالدابة عيبًا أو أنها جموح أو عَثُور أو 326 دَبِرَةٌ يؤذيه ريحها، كان له أن يفسخ الكراء إن كان في مستعتب، فإن لم يكن المستعتب 327 إلا البلد الذي اكترى فيه 328، كان للمكتري أن يتمادى بها، ويصير الباقي كالشيء الفائت، ويحط عن المكتري قيمة ذلك العيب من جملة المسمى، ينظر ما تكرى بها على أن لا عيب بها 329 وعلى أن بها ذلك العيب، فيحط ما بينهما، وكذلك إذا لم يعلم بذلك العيب حتى بلع البلد الذي أكرى 330 إليه وحط 331 عنه قيمة العيب، فقد يظن أن تلك الرائحة من دابة أخرى معه في السفر.
وكذلك إذا كانت 332 عَثُورًا وقدر أنها لم تعثر حتى وصل 333، فإن من حق المكتري أن يحط عنه عيب العثار، فإن كان الكري 334 غير عالم أنها عَثُور لأنه حديث عهد بكسبها 335 قال 336 المكتري: قد كنت أرى إن كنت راكبًا أو حملني على غرر
الجزء: 11 - الصفحة: 5158
فقد يفسد 337 إن عثرت ولا تضمنه لي، وإن كان الحمل لا يخشى فساده فعليه كلفة في رفعه 338، وقد يتخلف عن الناس لرده عليها، وإن كان عالمًا وغرَّه، فإنَّه لا يختار أن يضمن له ولا يطالب بضمانه.
وقوله: إن 339 كان لا يبصر بالليل، أنه 340 عيب على أنه يحتاج 341 إليه بالليل.
الجزء: 11 - الصفحة: 5159
باب في من اكترى (1) دابة إلى بلد فأراد أن يصرفها إلى غيره، أو أكراها من غيره أو (2) حبسها بعد انقضاء ما أكراها له
اختلف فيمن اكترى دابة إلى بلد فأحب أن يذهب بها إلى غيره مما لا ضرر عليها فيه، هل يجوز وإن كره صاحبها، أو إنما يجوز إذا رضي، أو لا يجوز وإن رضي؟ فيصح الجبر إذا كان الطريق الثاني كالأول في البعد والسهولة والأمن، وكان المكتري يمضي بها وحده ويعيدها، أو كان صاحبها يمضي معه ليس لحاجة له في البلد الأوّل.
وإن كان الثاني أبعد، أو أوعر 344، أو أخوف، أو كان الكراء ليترك الدابة في ذلك 345 البلد ولا تعاد 346 أو لتعاد 347، وكان صاحبها يخرج معها لأهل له بذلك البلد أو لتجارة- لم يجبر على سيرها إلى غيره.
واختلف بعد هذا إذا رضي فأجازه ابن القاسم؛ لأنه عنده كالصنف الواحد 348، وإنما مقال صاحبها في ذلك من ناحية العيوب.
ومنعه غيره لأنه صار لأجل حق المكتري في 349 المنع كالصنفين، ويدخله الدَّيْن بالدَّيْن.342343
الجزء: 11 - الصفحة: 5160
وإن استأجرها ليركبها في الحضر فأراد أن يحمل عليها أو يسافر بها، لم يجز عند ابن القاسم بخلاف الأوّل لأنَّ هذين صنفان، ويجوز عند أشهب، ومنعه سحنون فيما أكثر، وأجازه 350 فيما قل كاليوم وما أشبهه.
ويفترق الجواب إذا اكتراها 351 ليطحن عليها حنطة و 352 لا يطحن عليها إلا الحنطة 353 أو لا يطحن إلا هذه الحنطة.
فإن استأجرها 354 ليطحن عليها حنطة 355، جاز أن يطحن غير 356 الحنطة مما لا يضر بها.
وإن شرط 357 أن لا يطحن إلا الحنطة جاز أيضًا؛ لأنَّ ذلك مما لا يتعذر وجوده.
ويختلف هل له أن يطحن غيرها مما لا يضر بها لأنه شرط شرطًا لا ينفع الوفاء به؟ فإن شرط أن لا يطحن إلا هذه الحنطة كان العقد مختلفًا فيه 358، هل يجوز أو يفسد لأجل التحجير؟ وكذلك إذا اكتراها ليحمل عليها صنفًا وأحب أن يحمل غيره، فهو ينقسم على هذه الأوجه الثلاثة 359.
الجزء: 11 - الصفحة: 5161
فصل [يجوز للمكري في كراء المنافع كراء المنافع]
ومن 360 اكترى منافع فله 361 أن يبيعها من غيره، والمنافع والرقاب في ذلك سواء، إلا ما كان يتعذر أن يكون 362 مثل الأوّل، أو يشك فيه هل هو مثله في المضرة فيمنع، والأمر في ذلك في الدواب والديار وفي الثياب مختلف.
واختلف عن مالك في ذلك في الدواب بالجواز والكراهية، وأجازه في الديار، واضطرب القول في الثياب، فقال مرة: لا يفعل؛ لأنه إنما 363 رضي أمانتك واللباس يختلف، ولأنه إن ضاع منك لم تَضْمَن 364، وإن دفعته إلى غيرك فضاع ضَمِنتَه 365.
وقال أيضًا: إن مات المكتري أكرى من غيره وقال 366 في من اكترى فُسْطاطًا فأكراه من غيره: إذا كان مثل الأوّل في الأمانة وحاجته إليه 367 كحاجتك، فلا بأس به 368.
وكراء الدابة على وجهين: فإن كان يحمل عليها وصاحبها يصحبها في
الجزء: 11 - الصفحة: 5162
السفر، جاز، وإن كره صاحبها، وإن كان المكتري يحمل عليها ويسافر بها وحده، أو 369 كان الكراء ليركب عليها- لم يكن له ذلك إلا بمطالعة صاحبها وأن يعلم 370، فإن سلم أن الثاني كالأول في الأمانة وفي مضرة الركوب أكراها وإن كره صاحبها 371. وإن خالفه وقال: أخاف على دابتي منه لقلة أمانته، و 372 ليس هو مثلك في الركوب، رفع الأمر إلى الحاكم وكان هو الذي يكشف عن ذلك، فإن كان الأمر على ما قاله صاحب الدابة منعه، وإن كان لا مضرة عليه أمضى كراءها ومكَّن الثاني من السفر بها.
فإن لم يعلم صاحبها حتى سافر الثاني بها أو علم وغلب 373 عليها نظر في ذلك: فإن كان الحكم 374 لو رفع إلى الحاكم 375 أن يمكنه من السفر 376 بها- لم يكن عليه شيء، وإن كان يمنعه كان على حكم المتعدي، فإن سلمت 377 أخذه بفضل 378 الكراء الثاني 379 عن الأوّل 380، وإن حدث عيب ضمنه، إذا كان العيب لأجل ركوب 381 الثاني.
الجزء: 11 - الصفحة: 5163
والحكم في الضياع والعيب يختلف 382 إذا كان المكتري متعديًا في كرائها 383 من الثاني، فإن كان الثاني غير مأمون فادَّعى ضياعها ضمن الأوّل؛ لأنه المتعدي ولم يرجع الأول على الثاني؛ لأنه أذن له، وإن كان الأول عديمًا، والثاني غير عالم أنها في يد الأول بغير كراء 384 لم يضمن لصاحبها شيئًا؛ لأنَّ حكمه معه حكم المستحق، وإن 385 كان عالمًا ضمن؛ لأنه متعدٍّ 386.
واختلف إذا حدث عيب من غير سبب الثاني: هل يضمنه الأوّل؛ لأنه متعدٍّ في خروجها عن 387 يده أو لا يضمنه؛ لأنه لم يكن من سبب المتعدي 388؟ وعكسه أن يكون الثاني مثل الأوّل في الأمانة وأضر في الركوب، فيختلف 389 إذا ادعى الضياع أو علم أنها ضاعت، هل يكون كمن لم يتعدَّ؛ لأنَّ التعدي لم يكن من هذا الوجه فيصدق الثاني 390 ولا يكون على الأوّل شيء، أو يكون على حكم التعدي فيضمن، وإن ثبت الضياع ببيِّنة؛ لأنه متعد في تسليمها لركوب الثاني؟ وأرى ألا يضمن إلا أن يؤتى من سبب الوجه الذي تعدى به.
والأمر في الديار يكريها من غيره خفيف، يتحسس 391 أرباب 392 الدِّيار فيما بين
الجزء: 11 - الصفحة: 5164
الرجلين والزوجين (1). وأما (2) الثياب فالمنع فيها أحسن؛ لأنَّ اللباس يختلف وأن (3) اليسير من ذلك يؤثر وصاحب الثوب يكره ذلك، ويختار من الأوّل لمن يكري منه، ويحتاط لثوبه، ولو علم أنه يكريه من غيره لم يكره منه، والأمر في (4) الخباء والفسطاط أخف، وليس يتقى فيه ما يتقى (5) في الثوب.
فصل [في حبس المكتري الدابة بعد انقضاء المدة]
ومن اكترى 398 دابة مرة فحبسها بعد انقضاء تلك المدة تعمدًا من غير عذر منعه من الرد، فإن كان في سفر، كان على حكم المتعدي 399 يضمن ما نزل بها من عيب أو هلاك من سببه أو من غير سببه، وله أن يغرمه عند ابن القاسم كراء المثل، كان أكثر من المسمى أو أقل 400. وقال غيره: عليه الأكثر من المسمى أو كراء المثل.
فألزمه 401 المسمى إن 402 كان أكثر وجعله كالراضي به.393394395396397
الجزء: 11 - الصفحة: 5165
والأول أحسن؛ لأنها مدة متعدى فيها لم يقم 403 فيها عقد، فوجب أن يغرم كراء المثل إلا أن يعترف بالرضا بالمسمى.
وإن كان الكراء لتستعمل 404 بالمدينة فانقضت مدة الكراء: فإن كانت العادة أن ربها يأتي ليقبضها فلم يأت 405 لم يكن على المكتري في تلك الزيادة شيء إذا لم يستعملها، وإن كانت العادة أن 406 المكتري يأتي بها إلى ربها، فلم يفعل- كان عليه الكراء، وإن عدمت العادة وكان الكَرِيُّ أتى بها إلى المكتري كان عليه أن يأتي ليقبضها، وإن كان المكتري أتى 407 بها لصاحبها وقبضها منه، كان عليه أن يردها إلى حيث قبضها، فإن لم يفعل كان عليه الكراء 408 عن المدة التي حبسها فيها.
واختلف هل يغرم المسمى أو إجارة المثل؟ فقال ابن القاسم: إجارة المثل 409 على ما استعملها فيه أو حبسه أيامًا 410 بغير عمل.
وقال غيره: عليه المسمى.
وحمل حبس المكتري وترك المطالبة من الكراء بردها 411 رضًا منهما 412 بالتمادي على مثل العقد الأوّل، وقول ابن القاسم أبين، وقد تقدم وجه ذلك إلا أن يشهد على أحدهما 413 بالرضا، فإن كانت الشهادة على المكتري كان
الجزء: 11 - الصفحة: 5166
للآخر 414 الأكثر.
وإن كانت على الكري كان على الآخر 415 الأقل، أو تكون العادة أن التمادي بحساب الأوّل.
وإن حدث عيب أو تلفت 416 لم يضمن على قول ابن القاسم أن لصاحب الدابة المسمى؛ لأنه يرى ذلك رضًا منهما 417، وعلى قول ابن القاسم يضمن ما حدث من عيب فيما قارب العقد.
وخرج عن المعتاد في التراخي 418 بالرد؛ لأنه على حكم المتعدي 419، وإن طالت الأيام لم يضمن لأنَّ فيه شبهة للرضا 420 إذا لم 421 يطلبها، وفيما قرب يقول: كنت أنتظر ردّها.
وقد تتوزع في صفة ما يغرمه من الكراء إذا لم يستعملها على قول ابن القاسم.
وأرى أن يقال: بكم تكري هذه الدابة على أن يغيب عليها المكتري؟ ويمنع صاحبها من الانتفاع بها ومن كرائها، ممن ينتفع بها ثمَّ يوقفها ولا يستعملها، فقد يكون كراؤها على هذه الصفة قريبًا من كرائها لتستعمل 422؛ لأنَّ غرض صاحبها كراؤها حسب ما تقدم وما يعود 423 من منفعة، ولا يحط لراحتها شيء 424؛ لأنَّ ذلك لا ينفعه كبير منفعة؛ لأنه لا
الجزء: 11 - الصفحة: 5167
يكريها 425 في مخوف وحالها أمس وهي تستعمل واليوم وهي 426 لا تستعمل سواء، وقد يكون كراؤها كذلك مثل كرائها لتستعمل؛ لأنَّ صاحبها يقول: لا يفيدني وقوفها ولا تعطيلها شيئًا 427.
الجزء: 11 - الصفحة: 5168
باب (1) في من اكترى دابة ثم زاد عليها صاحبها أو المكتري أو أردف عليها
وقال ابن القاسم في من اكترى دابة ليحمل عليها متاعًا فحمل صاحبها متاعًا مع متاع الأوّل: كان للأول كراء ذلك المتاع الذي حمل مع متاعه، وإن كان إنما أكراه على مسمى من الوزن لم يكن له في الزيادة 429 كراء.
وقال غيره: إن كان 430 أكراه ليحمله ببدنه أو ليحمله ويحمل له متاعًا 431 ففعل، ثمَّ أدخل الكري 432 متاعًا بكراء أو بغير كراء- فهو لرب الدابة؛ لأنه وفاه بشرطه، وقد كان للمكتري أن يمنع رب الدابة من الزيادة 433.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي - رضي الله عنه - 434: كراء الدابة على ثلاثة أوجه: فإما أن يكتري 435 جملتها ولا يسمي قدر ما يحمل عليها، أو يكتري على حمل قناطير، أو يكتري جملتها ليحمل 436 قناطير مسماة.
فإن اكترى جملتها ولم يسَمِّ ما يحمل عليها جاز، فإن كان حمل مثلها أربعة428
الجزء: 11 - الصفحة: 5169
قناطير فحمل عليها ثلاثة وحمل عليها ربها 437 قنطارًا: فإن أتى به من عنده فحمله عليها والمكتري لم 438 يعلم، أو علم ولم يقدر على منعه- كان المكتري بالخيار بين: أن يفسخ عن نفسه ما ينوبه، أو يأخذ فيه كراء المثل.
وإن علم ولم يمنعه كانت إقالة في ذلك القنطار، وكذلك إن كان ذلك القنطار بكراء ولم يكتر على أن يحمل على 439 غير 440 هذه الدابة.
فإن 441 أكراه ليحمله عليها فحمل والمكتري 442 لم يعلم أو علم 443 ولم يقدر على منعه - كان بالخيار بين: أن يفسخ عن نفسه ما ينوب 444 ذلك القنطار، أو يأخذ فيه 445 كراء المثل أو المسمى 446 الذي أكراه 447 به، وإن علم بالكراء فرضي بحمله كان له الذي أكرى به، ولا مقال له فيما سوى ذلك.
وإن حمل عليها المكتري أربعة قناطير وزاد المكتري 448 نصف قنطار، فإن كانت مضرة ذلك الزائد على رب الدابة وحده، وكانت تسير بسيْر الدواب،
الجزء: 11 - الصفحة: 5170
ولا يخشى أن تقف بحملها في الطريق لم يكن للمكتري 449 في ذلك مقال، وإن كان فيه مضرة على المكتري؛ لأنها أبطأت عن سير الدواب 450، أو كان يخشى أن تقف بحملها كان للمكتري وللمكري 451 في ذلك مقال: فمقال المكتري ما كان عليه متاعه من الغرر إن وقفت في قفر فهو كالعيب 452 حدث 453 في المكترى، ومقال المكري 454 تعب 455 دابته، فيقسم كراء ذلك الزائد بينهما على قدر شركتهما فيه 456، فإن حمله بغير رضاه كان بالخيار بين ثلاثة أوجه: بين أن يحط عن نفسه ما ينوبه من المسمَّى، أو يأخذ قيمة ذلك العيب، أو ما أكراه به فيقال: بكم تكرى هذه الدابة لحمل 457 أربعة قناطير بانفرادها؟ فإن قيل: بعشرة، قيل 458: فبكم تكرى على أن معها نصف قنطار؟ فإن قيل: تسعة 459، حط عشر المسمى إلا أن تكون القيمة أكثر من المسمى فيحاسبه بدينار، وإن 460 أحب أن يأخذ ما ينوبه من الكراء الثاني
الجزء: 11 - الصفحة: 5171
قيل: بكم يكرى هذا النصف قنطار على دابة عليها أربعة قناطير؟ فإن قيل: بدينارين؛ لأنَّ الدابة يخشى عليها منه 461 فلا تكرى إلا بأكثر من غيره، كان المسمَّى الذي أكرى به 462 بينهما نصفين 463؛ لأنَّ قيمته ديناران وللأول 464 فيه ما قيمته 465 دينار.
وإن اكترى 466 جملتها ليحمل عليها ثلاثة قناطير، وحمل مثلها أربعة، فحمل عليها ثلاثة وحمل ربها قنطارًا كانا شريكين في ذلك القنطار؛ لأنَّ صاحب الدابة يحط عما يكري به على أربعة قناطير 467 لمكان راحتها، والمكتري يزيد على ما يكري 468 به على الثلاثة، لو كان عليها أربع 469 ليكون مستظهرًا لحمل متاعه، وقد تقدم ذكر ذلك في "كتاب 470 الجُعْل" في مسألة الراعي 471 يزيد على ما شورط على رعيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5172
فصل [فيما إذا أردف المكتري على الدابة]
وإن كان المكتري هو الذي 472 أردف 473 معه رديفًا، فإنَّه لا تخلو الدابة من أربعة أوجه: إما أن تسلم، أو يحدث بها عيب يسير، أو كثير، أو تهلك.
فإن سلمت كان 474 لصاحبها المسمى وكراء المثل في الرديف.
وإن حدث عيب يسير كان له المسمى، وفي الرديف الأكثر من كراء المثل أو قيمة العيب إذا كان العيب لا يفيت 475 الركوب؛ لأنَّ المسمى استحق عن الأوّل 476، ولو لم يردف لم يحدث العيب، فزيادة الرديف سبب العيب وفيه وقع التعدي 477.
وإن كان العيب كثيرًا كان الخيار بين أن يأخذ قيمة الرقبة، ولا شيء له 478 من الكراء أو المسمى والأكثر 479 من كراء الرديف، أو قيمة 480 العيب.
وكذلك إن هلكت هو بالخيار، فإن أحب قيمة الرقبة أو المسمى
الجزء: 11 - الصفحة: 5173
والأكثر 481 من كراء الرديف أو من 482 قيمة العيب الذي هلكت عنه، إذا كان العيب عن تمادي الثقل فأنهكها، وإن كان عِثارًا عرض لها 483 لشدة 484 الثقل في الآخر- كان له المسمَّى وكراء المثل عن الأيام الفارطة 485 وقيمتها لآخر يوم.
وإذا وجبت القيمة وكان المكتري عديمًا والرديف موسرًا، فإن كان عالمًا أنها في يد الأوّل بكراء ولا يخفى أن ركوبه 486 عليها مع الأوّل يخشى عليها منه- ضمن جميع 487 قيمتها، وإن لم يعلم أنها بكراء كان عليه نصف قيمتها؛ لأنه يقول: جميعنا أهلكها ولم أتعمد عداء 488.
ويختلف إذا كان الغالب السلامة فقدر إن هلكت من ركوبهما 489 هل يضمن؛ لأنَّ هلاكها من باب الخطأ بمنزلة من اشترى عبدًا فقتله خطأ، ثمَّ استحق فقد اختلف في ضمانه؟
والجواب: إذا اكترى للحمل فزاد على ما تقدم في الرديف ينظر هل سلمت أو حدث عيب يسير أو كثير أو 490 هلكت؟ وصفة قيمة الزيادة أن
الجزء: 11 - الصفحة: 5174
يقال: بكم يكرى 491 هذا الزائد على هذه الدابة، وهي مثقلة بذلك الحمل المكترى عليه.
وإن حمل مثل وزن الأول وهو أضر مثل: أن تكرى 492 على أربعة قناطير كتان، فيحمل عليها أربعة رصاص 493 كان لقيمة ذلك طريقان:
أحدهما أن يقال: بكم تكرى 494 على أربعة قناطير 495 كتان؟ فإن قيل: بدينارين وعلى 496 أربعة 497 الرصاص، ثلاثة 498 أخذ المسمى ودينارًا، فإن كان المسمى ثلاثة أخذ أربعة.
والثاني: أن يقال: بكم تكرى 499 على أربعة كتان؟ فإن قيل: بثلاث دنانير.
قيل: بكم تكرى 500 من الرصاص بثلاثة دنانير؟ فإن قيل: ثلاثة قناطير.
قيل له: هذا الوزن لَحِقَكَ 501 في العقد الأوّل، ثمَّ يكون عليه كراء القنطار الباقي على أنَّه على 502 دابة 503 مثقلة بثلاثة
الجزء: 11 - الصفحة: 5175
رصاص 504، فما 505 قيل إنه يكري به أخذه مع المسمى.
وقال مالك في الحاج يكتري على خمس مائة رطل، فيكون في زاملته أكثر مما تعطب 506 فيه قال: لم يزل الحاج تكون له 507 الزيادات من السفر والأطعمة لا ينظر في ذلك، ولا يعرف المكري 508 ما حمل، ولا يكون عليهم في ذلك ضمان إذا كان المكري هو الذي حمله 509 ورآه.
فجاوب إذا كان هو الذي حمله، ولم يجاوب إذا لم يحمله.
والأمر فيه مشكل، فيصح أن يقال: يضمن إذا جاوز المعتاد من الزيادة، وأن لا يضمن؛ لأنَّ المكري فرط إذ 510 لم يختبر مع إمكان أن يكون زاد مثل 511 ذلك، وأما إن زاد المعتاد فلا ضمان عليه 512.
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دابة يحمل 513 عليها عشرة أقفزة، فزاد قفيزًا فعطبت: لم يضمن إذا لم تعطب منه 514.
يريد: إذا كان حملها في البلد لم يخرج عنه فلا يضمن سواء هلكت في حال الحمل أو بعد انقضائه، إذا لم تكن الزيادة سبب هلاكها، وإن 515 شك هل
الجزء: 11 - الصفحة: 5176
هلكت من ذلك أم لا؟ وكان هلاكها في حال الحمل أو بفور 516 انقضائه ضمن على قول ابن مسلمة، بخلاف التعدي على العبد؛ لأنَّ العبد يذكر ما نزل به من الضمان 517 فسكوته دليل على السلامة، والدابة ينزل بها ما يهلكها فلا يعلم حتى تهلك، وقد يقال 518: لا شيء عليه حتى يُعلم أنها هلكت منه.
وأرى أن يغرم نصف قيمتها ولا يلزم الجميع لإمكان سلامتها ولا 519 يسقط الجميع، لإمكان أن يكون هلاكها من سبب التعدي، وإن علم أن هلاكها من التعدي وكان حمل 520 الحادي عشر بعد انقضاء العشرة- كان له 521 المسمى في العشرة وقيمتها، وإن كان قسم الحادي عشر على العشرة بعضه 522 في كل نقلة- كان لصاحبها أن يغرمه قيمتها 523 في أول نقله ولا كراء له 524، أو 525 يأخذ المسمى وكراء الزائد، ولا قيمة له، ولو قيل إن لصاحبها أن يأخذ قيمتها من الوقت الذي صار يخشى التمادي عليها، وله فيما تقدم من النقلات ما ينوبه من المسمى وكراء 526 الزائد لكان 527 وجهًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 5177
باب في اختلاف المتكاريين وكيف (1) إذا اكترى رجلان (2) دابة ثم اختلفا في الموضع الذي اكتريا (3) إليه؟
لا يخلو اختلاف المتكاريين من أربعة أوجه:
إما أن يكون في المسافة، أو في الثمن، أو في المسافة والثمن، أو في دفع الثمن.
فإن اختلفا في المسافة فقال المكري 531 إلى برقة 532، وقال المكتري إلى إفريقية، واتفقا أن الثمن مائة وأتيا بما يشبه، كان فيها قولان:
فقال ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان إذا كان قبل الركوب، أو كان ركوبًا قريبًا لا ضرر 533 عليهما في رجوعهما 534.
وقال غيره: القبض فوت، والقول قول المكري 535، قال: ألا ترى أنه 536 لو قال: بعتك بهذه المائة التي قبضت منك مائة إردب إلى سنة، وقال المبتاع528529530
الجزء: 11 - الصفحة: 5178
بل اشتريت بها منك مائتي أردب إلى سنة 537 - أن القول قوله؟ فجعل القول قول المكري 538 بنفس القبض، وإن لم يبن بها، وهذا الذي يقتضيه قوله: بهذه 539 المائة 540. وعلى أحد قولي مالك لا يقبل قوله فيها 541 حتى يَبِينَ 542 بها كما 543 قال: إذا اختلفا 544 في ثمن السلعة فالقول قول المشتري في العوض إذا بان 545 بها، وكذلك هذا، أن القول قول المكري 546 في العوض عما قبضه من الثمن؛ لأنهما متفقان أنه استحق جميع الثمن 547 واختلفا في العوض عنهما 548. وإن اختلفا بعد أن بلغا إلى برقة وأتيا بما يشبه ولم ينقد، تحالفا وتفاسخا ويسقط عن المكري 549 الدعوى في بقية المسافة، ويغرم المكتري ما 550 ينوب
الجزء: 11 - الصفحة: 5179
برقة على أن الكراء إلى إفريقية، وعلى المكري 551 أن يحلف 552 أن الكراء لم يكن إلا 553 إلى برقة، ويحلف الآخر أنَّه اكترى 554 إلى إفريقية، وليس عليهما أن يذكرا الثمن لاتفاقهما عليه.
وإن كان نقد المائة كان القول قول المكري 555 مع يمينه أنَّه لم يكر 556 إلا إلى برقة، ويستحق المائة، ويسقط عنه بقية المسافة.
فإن نكل المكري 557 وحلف المكتري، كان له أن يتمادى إلى إفريقية.
وإن حلف المكري 558 ونكل المكتري كان له أن يقبض المائة، ويسقط عنه 559 بقية المسافة.
ويستوي الجواب إذا حلف أحدهما ونكل الآخر، إذا اختلفا قبل الركوب أو بعد الوصول إلى برقة نَقَد أو لم ينقد، وإنما يفترق الجواب إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر 560 بما لا يشبه.
فإن كان المكري أتى بما يشبه دون الآخر، حلف واستحق 561 المائة وتسقط عنه بقية المسافة كالنكول، وإن كان المكتري هو الذي أتى بما يشبه دون
الجزء: 11 - الصفحة: 5180
الآخر تحالفا وتفاسخا وفضت المائة، على أن الكراء كان 562 إلى إفريقية، بخلاف النكول؛ لأنَّ كثرة الثمن دليل على أن هناك مبيعًا 563 آخر غير الوصول إلى برقة، وليس فيه دليل على أن الزائد بقية طريق إفريقية، وهو 564 بمنزلة قوله: بعتك هذا العبد بمائة وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: اشتريت هذا العبد وهذا الآخر بمائة، وإن 565 أتى بما يشبه 566 أن تكون المائة ثمن العبدين، وقد فات الذي تقاررا على بيعه- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وتفض المائة على قدر العبدين.
وفرق بين هذه وبين المختلفين في السَّلَم إذا قال المُسْلَم إليه: في خمسة أرادب وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: في عشرة وأتى بما يشبه 567، أنَّه يحلف ويأخذ العشرة لأنَّ الطعام صفة واحدة في الذمة فأشبه من قال: بعت 568 بمائة دينار وأتى بما يشبه.
وقال الآخر بخمسين، وأتى بما لا يشبه والطريق كالسلع المعينات 569، فالقول قول صاحب الدابة أنَّه لم يبع منافعها إلى تلك الطريق.
وكذلك السَّلَم لو 570 قال: أسلمت إليَّ 571 في خمسة أرادب قمحًا وخمسة
الجزء: 11 - الصفحة: 5181
تمرًا 572، وأتى بما لا يشبه.
وقال الآخر: في خمسة قمحًا وخمسة تمرًا وأتى بما يشبه أن يكون رأس المال ثمنًا لتلك العشرة وقد حلَّ الأجل- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان 573، ويكون للمُسْلِم القمح بما ينوبه من الثمن ويرتجع بقية رأس المال، وهذا وجه تفرقة 574 ابن القاسم بين السؤالين.
ولو قيل 575: إن القول قول المكتري أن الكراء إلى إفريقية ويبلغ 576 بها إلى إفريقية.
وقول المسلم: إنه أسلم في القمح والتمر ويأخذهما لكان وجهًا؛ لأنَّ كثرة الثمن دليل على أن الكراء والبيع انعقد على شيء آخر غير ما تقاررا عليه، وقد كتمه الكري والبائع 577، فكان القول قول المكتري والمشتري في تعيينه 578.
قال محمَّد: وقال مالك: إلا أن يكون ذلك في زمن الحج، فإن الحاج إنما يكري إلى مكة فعليه أن يبلغه إلى مكة 579. قال محمَّد 580: بما انتقد وإن لم ينتقد فبالكراء الذي يقر به المكتري 581. وهذا أحسن بخلاف المسألة الأولى؛ لأنَّ العادة أن الكراء حينئذ إلى مكة، وليس العادة أن يكتري 582 إلى المدينة 583، ثمَّ يستأنف
الجزء: 11 - الصفحة: 5182
كراء آخر إلى مكة، فكان في ذلك دليلٌ للمكتري على عين 584 المبيع، وهو كشاهد على غير 585 المبيع 586، والأول كشاهد أن هناك مبيعًا 587 لا يدرى ما هو.
وإن نقد خمسين، ثمَّ اختلفا بعد أن بلغا برقة، كان القول قول المكري 588 أنَّه استحقها على 589 نصف الحمل إلى برقة، والقول قول المكتري 590 في الخمسين التي لم ينقد؛ أن المائة كانت عن جميع الطريق إلى إفريقية ويغرم 591 خمسة وعشرين إذا كانت برقة 592 نصف طريق إفريقية.
وإن اختلفا في نصف طريق برقة، وكان الكراء على الأحمال- تحالفا، وكان للمكري 593 من الخمسن خمسة وعشرين 594 عن نصف الماضي، ويحمل له نصف الأحمال في المستقبل.
ولو كان الكراء على ركوبه لفسخ 595 الباقي؛ لأنه لا يتبعض ويغرم المكتري عن نصف الماضي اثني عشر ونصفًا؛ لأنَّ القول
الجزء: 11 - الصفحة: 5183
قوله فيما لم ينقد أنَّه من حساب مائة إلى إفريقية.
فصل [فيما إذا اختلفا في المسافة والكراء]
وإن اختلفا في المسافة والكراء فقال المكري: أكريتك إلى المدينة بمائتين.
وقال الآخر: بمائة إلى مكة، وبلغ إلى 596 المدينة وكان نقد مائة وأتيا بما يشبه كان القول قول المكري في المائة التي قبض وفي إسقاط بقية المسافة، والقول قول المكتري في المائة التي لم 597 ينقد، والمكري بالخيار بين: أن يحلف على تكذيب صاحبه فيحلف أنَّه لم يكر إلى مكة بمائة، أو على إثبات دعواه فيحلف لقد أكرى إلى المدينة بمائتين.
وكذلك المكتري له أن يحلف على تكذيب صاحبه أنَّه لم يكر إلى المدينة بمائتين، أو على إثبات دعواه فيحلف لقد أكرى إلى مكة بمائة.
فمن حلف على 598 إثبات دعوى نفسه ثمَّ نكل الآخر، كان الحكم على 599 ما حلف عليه الحالف.
وإن كانت يمينه على تكذيب صاحبه ثمَّ نكل الآخر، حلف يمينًا آخر 600 على إثبات دعواه.
وإن اختلفا في من يبدأ باليمين اقترعا؛ لأنه لا مزية لأحدهما في التبدية على الآخر، فالمكتري 601 يكره أن يبتدئ باليمين؛ لأنه يقول: إن بديت فحلفت على
الجزء: 11 - الصفحة: 5184
تكذيب دعوى صاحبي 602، ثمَّ نكل صاحبي 603 حلفت 604 يمينًا أخرى على إثبات دعواي، وإن بديت فحلفت على إثبات دعواي ثمَّ حلف المكري، لم تفدني 605 يميني 606 على إثبات دعواي.
وكذلك المكري 607 يكره أن يبتدأ باليمين؛ لأنه يقول: إن حلفت على تكذيب 608 صاحبي ثمَّ نكل حلفت 609 يمينًا أخرى، وإن حلفت على إثبات دعواي فحلف 610 لم تفدني يميني إلا في إسقاط دعواه، وإن هو بدأ فحلف حلفت على تكذيبه خاصة، وإن نكل حلفت على إثبات دعواي، فأفدت 611 الوجهين جميعًا.
وإن نقد الخمسين 612 كان القول قول المكري 613 أنَّه استحقها عن 614 الوصول إلى المدينة، ثمَّ هما مختلفان بعد ذلك عن ما 615 استحقت؟ فالمكري يقول: عن ريع الماضي.
والمكتري 616 يقول: عن نصفه وأن الباقي في ذمتي
الجزء: 11 - الصفحة: 5185
خمسون 617 على أن الكراء مائة إلى مكة، ويغرم خمسة وعشرين إذا كانت المدينة نصف طريق مكة، والمكتري يقول عن نصفه 618.
وإن اختلفا في نصف طريق المدينة في غير 619 مستعتب وكان نقَد مائة، فالقول 620 قول المكري أنَّه استحق منهما خمسين، ثمَّ هما أيضًا مختلفان عمَّ استحقت؟ فالمكري يقول: عن نصف الماضي لأنَّ الكراء مائتان وقد مضى نصف المسافة ويحمل 621 في المستقبل نصف الأحمال.
والقول قول المكتري أنَّه لم يبق في ذمته عن الماضي شيء؛ لأنه يقول: الكراء مائة وقد دفعت جميعها.
وإن كان نقده 622 خمسين كان القول قول المكري أنه استحق منها خمسة وعشرين.
والقول قول المكتري أن الباقي في ذمته اثنا عشر 623 ونصف، وهذا الجواب عن الماضي.
وأما في 624 المستقبل فالقول قول المكري مع يمينه أنَّه 625 ليس عليه أن يحمل مع 626 المنقود إلا على حساب ما أقر به وهو ربع 627 الأحمال يقول: عن ريع الماضي.
والمكتري) ساقط من (ر).
الجزء: 11 - الصفحة: 5186
ويتحالفان ويتفاسخان فيما لم ينقد (1). وإن كان الكراء على ركوبه تحالفا وتفاسخا في جميع الباقي، ويرد المكري (2) خمسة وعشرين؛ لأنَّ الركوب لا يتبعض فيرد بعيب (3) الشركة فيه.
فصل [في حكم ما إذا اختلفا في الثمن وتصادقا في المسافة]
واختلف إذا اختلفا في الثمن وتصادقا في المسافة فقال ابن القاسم: إذا قال أكريتك بمائة وقال 631 الآخر بخمسين، وكان الكراء من مصر إلى مكة واختلفا بأيلة- فالقول قول 632 المكتري 633 مع يمينه، وسواء كان الكراء في راحلة بعينها أو مضمونًا، قال: لأنَّ مالكًا قال: إذا حمله على بعير من أيلة فليس له أن ينتزعه منه إلا أن يشاء المكتري، وإن فلس الجمال كان 634 كل واحد أحق بما تحته 635. قال محمَّد وهو أحق وإن كان يدير الإبل تحته 636. وقال غيره: ليس الراحلة بعينها كالمضمون.628629630
الجزء: 11 - الصفحة: 5187
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- 637: أما الماضي فالقول قول المكتري فيه 638 مع يمينه، وكذلك المستقبل إذا كان في غير مستعتب، أو في مستعتب والكراء به 639 غير موجود.
ويختلف إذا كان موجودًا هل يتحالفان ويتفاسخان؛ لأنَّ الباقي كالشيء القائم، أو يكون القول قول المكتري؛ لأنَّ تسليم الراحلة 640 إليه كتسليم السلعة إذا بيعت وبان بها المشتري؟
واختلف أيضًا إذا كان الركوب مضمونًا فقول 641 ابن القاسم 642: إنه كالمعين.
وقال غيره: ليس كالمعين 643. وهو أبين إذا كان يدير الإبل تحتهم؛ لأنَّ ذلك كلا تسليم، فلا يقبل قوله إن اختلفا في الكراء، ولا يكون أحق في الفلس، وإن كان تسليم ذلك ليستوفي 644 ركوبه منه ولا يبدل 645 ذلك، إلا أن تموت الدابة أو يحدث ما يمنع ركوبها- كان أحق في الفلس والقول قوله 646 في الاختلاف.
الجزء: 11 - الصفحة: 5188
فصل [في حكم ما إذا اختلفا في دفع الثمن قبل الركوب]
فإن اختلفا في دفع الثمن 647 قبْل الركوب كان القول 648 قول المكري 649، وكذلك إذا اختلفا بفور 650 الوصول وإن مضى بعد ذلك ما الغالب أنَّه لا 651 يتأخر الدفع إليه- كان القول قول المكتري، وهذا في الركوب، وكذلك الأحمال إذا كانت العادة تسليمها ثمَّ يطلب الكراء.
وإن كانت العادة أن لا يُسَلِّم 652 حتى يقبض الكراء فسلمت، كان القول قول المكتري إلا أن تكون لقوم عادة فيحملوا عليها، والعادة في كراء البحر 653 إلى الإسكندرية أن يقدم 654 النصف، فالقول قول المكتري أنَّه قدمه إذا اختلفا بعد الوصول أو ليلة المبيت.
وكذلك كراء البر إن كانت لهم عادة لا يبرزون إلا بعد دفع الكراء، كان القول قول المكتري أنَّه لم يخرج إلا بعد دفعه.
وقال في الخياط والصباغ 655 يُسَلِّم ما صنعه 656، ثمَّ يختلفان في دفع الأجرة، فالقول قول الصانع فيما قرب، والعادة اليوم أنهم لا يسلمون حتى
الجزء: 11 - الصفحة: 5189
يقبضوا، فمن ادعى اليوم أنَّه سَلَّم قبل أن يقبض لم يصدق إلا لخواص (1) من العارف.
فصل [في حكم اختلاف رجلين تكاريا دابة يتعاقبان عليها]
وقال محمَّد بن سحنون: قال بعض أصحابنا في رجلين تكاريا دابة يتعاقبان عليها في ذهابهما ومجيئهما 658، فلما بلغا قابس قال أحدهما: كان الكراء إلى قابس 659. وقال الآخر: إلى طرابلس: فالقول قول من قال إلى قابس، ويرجع راكبًا، فإن رجع معه صاحبه وإلا أكرى الذي قال إلى قابس مكان صاحبه 660. فإن قال صاحب الدابة 661: كان الكراء إلى طرابلس ذاهبين وراجعين وصدقه الذي قال إلى قابس وقال: كنت 662 كذبت أو نسيت- أعطى 663 صاحبه المدعي 664 إلى طرابلس قيمة الكراء من قابس إلى طرابلس 665.657
الجزء: 11 - الصفحة: 5190
وإن قال: لم أكر إلا إلى قابس أعطى صاحبه قيمة كراء من قابس إلى طرابلس 666، ولم يكن للآخر شيء.
وأرى إذا قال المكتري 667: إن الكراء كان 668 إلى طرابلس، أن يسقط عن الذي قال إلى طرابلس من المسمى قدر 669 ما ينوب ما بعد قابس إلى طرابلس، وكان للمكري أن يرجع بذلك على من قال إلى قابس ثمَّ رجع عن قوله؛ لأنه بتعديه في ردِّها من قابس أتلف عليه باقي الكراء إلى طرابلس 670، ويرجع عليه بتمام المسمى الذي عقد عليه 671 به منه؛ لأنه كان مكنه منها فردَّها اختيارًا وأقر أنَّه كذب في قوله إلى قابس، ولا يصدق في قوله: نسيت.
فإن قدر على أن يستعملها في البلد أو في 672 مواضع مأمونة، مثل القدر الذي كان يسافر 673 بها من قابس إلى = أطرابلس: أقم البينة وتركب إلى أطرابلس، وإن لم نجد البينة حلف مدعي الكراء إلى قابس أنه إليها كان كراؤهما وقيل لصاحبك: أكرِ نصفها الذي لك في الركوب إلى القيروان، أو اركب إن شئت، فإذا لقيت رب الدابة فأقر بما تدعي- رجع عليه بما يصير له من القصاص في الكراء من قابس إلى أطرابلس ذاهبًا وجائيًا إليها، وإن قال رب الدابة: الكراء إلى قابس فهو مصدق مع يمينه إذا انتقد، وإن أراد مدعي قابس أن يأخذ مثل ما أصاب صاحبه قصاص الكراء، الذي أقر لهما به فيما بين البلدين، فذلك له إن شاء إلا أن يثبت على قوله الأول فلا يأخذ شيئًا".
الجزء: 11 - الصفحة: 5191
طرابلس- كان ذلك له، وإلا فلا شيء له.
وإن قال صاحبها: بل كان 674 الكراء إلى قابس؛ أخذ من الذي كان قال مثل ذلك جميع المسمى، وسواء بقي على قوله أو رجع عنه، ثمَّ ينظر فيما بينه وبن الآخر: فإن كان لم ينتقد منه الكراء، كان القول قول المكتري: إن الكراء كان 675 إلى طرابلس، ويسقط عنه من 676 المسمى ما بعد قابس إلى طرابلس، وإن كان نقد كان القول قول المكتري 677 أن الكراء كان إلى قابس.
ومحمل القول في أول المسألة أن القول قول من قال إلى قابس ويرجع 678 بها، فإن كان 679 ذلك بعد يمينه، فإن نكل حلف الآخر ومضى بها إلى طرابلس.
فإذا قدم فقال صاحبها: كان الكراء إلى طرابلس، ورجع الآخر إلى قوله، لم يسقط عن الذي قال إلى قابس ما بعد قابس إلى طرابلس؛ لأنه كان ممكنًا منها فتركها اختيارًا، وإن قال صاحبها: كان الكراء إلى قابس.
وقال ابن القاسم في من دفع كتابًا 680 لمن يبلغه من مصر إلى إفريقية بكذا وكذا ثمَّ أتى بعد ذلك، وقال: بلَّغته، وكذَّبه الآخر.
قال: قد ائتمنه على أداء الكتاب.
فإذا قال: قد أديته فيما يعلم أنَّه يصل ويرجع- كان له 681 الكراء.
الجزء: 11 - الصفحة: 5192
قال 682: وكذلك الكراء على الطعام والبَزِّ.
وقال غيره: عليه البينة أنَّه بلغه 683. والأول أحسن، إذا كان على الإجارة؛ لأنه 684 كلما مضى يوم استحق أجره 685، ومعلوم أنَّه لا يكلف بينة تصحبه كل يوم أنَّه مشاه.
وإن كان على البلاغ حسن 686 أن يكلف البينة؛ لأنَّ الأجرة إنما تستحق عن وقت تسليمه إلا أن العادة اليوم أن لا بينة في ذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 5193
باب (1) القضاء في النقد، و (2) في صفته، وفي (3) الموضع الذي يقبض فيه
ومن 690 اكترى لينقد في موضع عقد، كان عليه سكة الموضع الذي عقد 691 فيه الكراء 692، وإن تراخى النقد إلى الموضع الذي اكترى إليه، إلا أن تكون العادة النقد من سكة البلد الآخر، والعادة اليوم في من يكتري 693 إلى الإسكندرية على الأحمال أن يعجل 694 النصف من سكة موضع العقد، ويؤخر النصف فيدفعه من سكة ما يتبايع 695 به أهل 696 الإسكندرية.
وقال ابن المواز فيمن استأجر صانعًا 697 إجارة فاسدة: له نقد يوم 698 الحكم، وهذا غير صحيح، وإنما له على أصل 699 قول ابن القاسم نقد يوم قبض687688689
الجزء: 11 - الصفحة: 5194
الشيء المصنوع.
وهو الأصل في كل من اشترى سلعة شراء فاسدًا، فإن القيمة يوم القبض، وعلى أصل محمَّد بن المواز (1) له نقد يوم وضع الصنعة؛ لأنه قال: إذا ضاع بعد الصنعة ببينة كان له الأجر، وإن كان الكراء إلى البلد الآخر على وجه الجعالة، كان له سكة البلد الذي وصل إليه؛ لأنه لا يستحق شيئًا إلا بعد الوصول إليه (2).
فصل [في من اكترى من جمَّال إلى مكَّة وقال: اخرج بي الآن، وقال الجمال: في الزمان بقية]
وقال ابن القاسم في من اكترى 702 من جمَّال إلى مكَّة وقال: اخرج بي الآن، وقال الجمال: في الزمان بقية.
فللجمَّال أن يتأخر إلى خروج الناس.
وهذا يحسن إذا كان الكراء من المدينة؛ لأنَّ السير يتيسر كل وقت.
والعادة أن الجمَّال يقف بالمكتري ولو كان الكراء في غير إبان الحج، أو في إبان الحج؛ وليس العادةَ أن يقف به 703، وكان سير 704 الناس من ذلك الموضع متيسرًا متى أحبوا كان عليه أن يخرج به 705 الآن.
وإن دعا إلى ذلك الجمال أو المكتري، كان القول قوله إلا أن تكون عادة فيحملا 706 عليها.700701
الجزء: 11 - الصفحة: 5195
وقال ابن القاسم في من تكارى إلى الفسطاط، فليس عليه أن ينزل إذا بلغ أوله، وعليه أن يوصله إلى منزله 707 وإن كان منزله 708 أقصى الفسطاط، وهذا وجه ما يعرف 709 من الذي يتكارى عليه الناس: يجوز الكراء على ذلك وإن لم يعلم الجمّال هل منزله في أول الفسطاط أو وسطه 710 أو آخره؟ وليس بغرر؛ لأنه يسير في جنب المسافة 711.
ولو استأجر من يحمل له شيئًا من المدينة لم يجز إلا أن يسمى موضع داره منها؛ لأنه غرر بخلاف الأوّل.
وقال محمَّد بن عبد الحكم فيمن اكترى من جمَّال على حمل بَزٍّ إلى بلد وبينهما أودية، فربما تخاض، وربما لا يستطاع خوضها، وهناك قوارب تحمل الإبل والمتاع حتى يجاز، فلما أتوا الوادي، قال صاحب الإبل: حمله عليك.
قال: إن لم تكن لهم 712 عادة كان حمل البَزِّ على صاحبه، وحمل الإبل على صاحبها.
الجزء: 11 - الصفحة: 5196
باب (1) في تضمين الأكرياء ما هلك من سببهم
وقال مالك في من اكترى على حمل دُهن أو متاع فعثرت الدابة 714 فانكسرت القوارير أو انقطعت الحبال 715 ففسد المتاع، قال مالك: لا شيء على المكري 716 إن لم يغر من عثار أو ضعف حبل 717.
ولا يخلو هلاك المكترى عليه من أن يكون من غير سبب المكري.
أو 718 من سببه عمدًا أو خطأ من الوجه المأذون له 719 فيه أو من غيره 720، أو لأنه غُرَّ بفعل أو قول، فإن لم يكن من سببه لم يضمن، وإن كان من سببه عمدًا ضمن، وكذلك إذا 721 كان خطأ من غير الوجه المأذون فيه، وإن كان من 722 الوجه المأذون فيه، كان فيه قولان: هل يضمن أم لا؟ وإن كان من غرور بفعل ضمن.
وإن كان غرورًا بقول كان فيه قولان: هل يضمن أم لا؟ 723 وهذا عقد هذا الأصل.713
الجزء: 11 - الصفحة: 5197
فإن لم يغر من عثار لم يضمن للحديث: "جَرْح العَجْماءِ جُبارٌ" 724. وكذلك ما أتى من ضعف الحبال 725، أو خفي ذلك على الجمال كالعفن بحدث، فإن علم وربط بها وسيرها 726 ضمن؛ لأنه وإن كان ربها حاضرًا معاينًا فهو غرور بفعل 727.
وإن سلَّم الحِبال للمكتري فربط بها 728، وكان المكتري هو الذي شدها 729 - كان غرورًا بقول، وإن سيرها الكري 730 بعد ربط المكتري كان تعديًا، وإن ربطها الكري 731 وسيَّرها 732 المكتري، كان الأصل فيه 733 تعديًا بفعل، والهلاك فيه 734 غرور بقول.
وأرى أن يضمن في جميع هذه الوجوه، وإن كان بعضها أقوى وأبين من بعض، ولصاحب الأحمال أن يغرمه ذلك بالموضع الذي حمل منه، أو
الجزء: 11 - الصفحة: 5198
بالموضع 735 الذي هلك فيه فيأخذه بأول تعديه أو بآخره.
وقال ابن القاسم فيمن حمل دهنًا من مصر إلى فلسطين فانكسر بالعريش، وكان قد غرَّ من الدواب 736 وقيمته بالعريش ضعف قيمته بالفسطاط: فله أن يضمنه قيمته بالعريش.
وقال غيره: قيمته بالفسطاط إن أراد 737.
والجوابان يرجعان إلى أنه بالخيار.
فقوله: (إن أراد) تخيير منه، وقول ابن القاسم بالعريش؛ لأنه قال: قيمته هناك ضعف قيمته بالفسطاط.
والشأن أن الإنسان يختار الأكثر ليس أنه يمنع من قيمته 738 بالفسطاط، ثمَّ لا يخلو أن يكونا دخلا على البلاغ أو على الإجارة، فإن كان على البلاغ كان له أن يغرمه بالفسطاط؛ لأن جميع المسافة الماضية فيه 739 والمستقبل كشيء واحد، لا يستحق شيئًا إلا بالوصول إلى فلسطين، فكأنه لم يسلم شيئًا مما كوري عليه، وله أن يغرمه قيمته بالعريش.
بخلاف من غصب شيئًا ونقله؛ لأنَّ الغاصب نقله لنفسه، وهذا نقله لصاحبه 740، وهو يسقط التعدي إلى آخر وقت هلك فيه.
وإن كان على الإجارة كان له أن يغرمه بالعريش؛ لأنه يقول: أنا أرضى أن يكون كل يوم مضى كالتسليم الصحيح 741 فيدفع عنه الأجرة، ويأخذه بآخر
الجزء: 11 - الصفحة: 5199
التعدي، وله أن يقول: لا يستحق عن (1) تلك الأيام أجرة؛ لأنه ليس بتسليم صحيح؛ لأنَّ كل يوم مضى يدك باقية بالتعدي ليتمادى (2) به إلى منهل آخر، فله أن يغرمه قيمته بالفسطاط، فإن كانت قيمته بالموضعين سواء غرمه قيمته بالفسطاط ليسقط عنه الكراء.
فصل [فى ادعاء المكري ضياع ما حمله]
وإن ادَّعى 744 المكري ضياع ما حمله بنفسه أو على دابته أو في سفينته قبل قوله فيما 745 سوى الطعام من المتاع وغيره 746، إلا أن يتبين كذبه أو يذكر أن ذهابه كان على صفة أتى فيها بما لا يشبه، وهذا إذا 747 ادَّعى ضياعه في الطريق، أو بعد الوصول، أو قبل أن يغيب عليه ويحوزه عن صاحبه؛ لأنه إذا ادَّعى ضياعه قبل أن يحوزه عن صاحبه 748 بعد وصوله على حكم الإجارة، فإذا حازه 749 عنه وغاب عليه كان على حكم الرهن، وهو في الطعام على خمسة أوجه:- يصدق في وجه، ولا يصدق في آخر، واختلف في ثلاثة:
فإن كان صاحبه معه والحمل في المدينة أو في السفر في البَرِّ- صُدِّق.
وقال أصبغ في كتاب محمَّد: ولو فارقه في بعض الطريق لم يضمن.
قال محمَّد: لأن742743
الجزء: 11 - الصفحة: 5200
أصل حمله على غير التسليم لمن حمله 750.
وإن لم يكن صاحبه معه وحمله في غير البلد الذي يسافر له في 751 بَرٍّ أو بحر، والطعام مما تدعو الضرورة إليه في الغالب 752 - لم يصدق.
واختلف إذا حمله بالمدينة ولم يصحبه صاحبه، أو في السفر في البحر وصاحبه معه، أو لم يكن معه صاحبه، وليس الطعام مما تدعو إليه الضرورة 753 في الغالب، والمعروف من المذهب أنه غير مصدق إذا غاب عليه وإن حمله في المدينة 754. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: لا ضمان عليه.
يريد: لأنه في المدينة قادر على أن يصحبه من غير ضرر 755 عليه، فإن لم يفعل كان قاصدًا إلى الائتمان.
وأرى أن يضمن الذي يحمل القمح والشعير والقطاني وما أشبه ذلك وإن صحبه صاحبه إذا نقص؛ لأنه قد علم منهم السرقة فأخفى ذلك عنهم مع كون صاحبه معه، وإن ادَّعى ذهاب جميع ما حمله وصاحبه معه صدق وليس العادة جحود جميعه ولا الهروب 756 إذا كان الجمّال واحدًا، وإن كانوا عددًا فتأخر بعضهم لم يقبل قوله إنه 757 غصب عليه وقد عهد من الجماعة أن يتأخر أحدهم تعمدًا ليذهب به، وإن صحبه صاحبه في البحر ثمَّ نقص أو
الجزء: 11 - الصفحة: 5201
ذهب 758 بعضه- صُدِّق عند مالك.
وفي كتاب كرية السفن أنه 759 غير مصدق.
وقال: لأنه حازه وإنما يدخل التأخير 760 وقت إقلاعه.
وهو أحسن؛ لأنَّ الطعام والزيت وما أشبه ذلك يوسق ويغيب عنه صاحبه إلى ليلة المبيت، ولا يدرى ما حدث فيه، وقد عُهِد 761 منهم الخيانة فيه.
وكذلك لو لم يفارقه صاحبه من حين أوسقه 762، فإنهم يخونون فيه بالليل وبعد 763 الوصول وقبل 764 التفريغ؛ لأنَّ صاحبه ينزل عنه 765.
وأما الجنس الذي يضمن فقال مالك وابن القاسم: يضمن الطعام 766 جملة -ولم يفرقا- وقال ابن حبيب: يضمن ما يتقوّته الناس: القمح والشعير والسُّلْت والدقيق والعلس والذرة والدخن 767 دون الأرز لأنه يفكه 768، ويضمن القطاني إلا الترمس 769.
ومن الإدام أربعة: الزيت، والخل، والعسل، والسمن دون الرُبِّ 770
الجزء: 11 - الصفحة: 5202
والمرَيِّ (1) والجبن واللبن والشِّيراز (2).
ولا يضمن رطب الفواكه ولا يابسها إلا ثلاثة: التمر، والزبيب، والزيتون؛ لأنها (3) لاحقة بالأقوات.
ولا يضمن اللحمان والحيتان، ولا الفلفل، ولا الخضر، ولا الإبزار، ولا البيض، ويضمن الملح؛ لأنه لا غنى عنه.
والقول الأول أحسن، وقد علم من حامل الطعام الخيانة وسرعة اليد (4) على اختلاف أنواعه، ولا يقفون (5) عن هذه التي قال دون غيرها.
فصل [فى حكم ادعاء المكري ضياع المحمول بعد الوصول]
وإن ادَّعى ضياع ذلك بعد الوصول أغرمه في الموضع الذي وصل إليه، وحمل على أنَّه وصل به 776 ثمَّ غيبه.
ويختلف إذا ادَّعى ضياعه في بعض الطريق وعلم كيله، هل يغرم 777 مثل تلك المكيلة الآن أو في الموضع الذي اكترى إليه؟ لأنه إن كلِّف غرمه الآن كان في ضمانه، ولم يصدق في تلفه، فلا فائدة في أن يغرمه الآن.771772773774775
الجزء: 11 - الصفحة: 5203
وقال ابن حبيب: لا يضمنه إلا بالموضع الذي اكترى إليه، وسواء كان تلفه بذلك الموضع مجهولًا أو معلومًا بسبب 778 عثار دوابه، أو 779 ضعف حباله، أو كان هو مستهلكه 780.
وقال الشيخ 781: وأرى إذا كانت المنازعة فيه في الموضع الذي هلك فيه أو أهلكه- أن يغرم المثل الآن؛ لأنه 782 يقول: هناك 783 أهلكته وهنا أغرمه.
والأصل أن الغُرم في موضع الذي يهلك 784 فيه الشيء، فقد يكون ها هنا أرخص ولا يضمن 785 إذا وجد 786 بينة على ضياعه.
وإن لم يحاكم فيه، حتى 787 وصل و 788 لم يكن صاحبه معه، فلما وصل حاكمه وعلم أنَّه أهلكه ببعض الطريق أو ادَّعى ضياعه، حسن أن يغرمه في الموضع الذي اكترى إليه، بخلاف لو كان المتعدي غير المكري 789؛ لأنَّ هذا دخل على أن يوصله فألزم ذلك، ولأن في الصبر حتى يعود إلى الموضع الذي تعدى فيه 790 ضررًا، والظالم أحق
الجزء: 11 - الصفحة: 5204
من أن يحمل عليه، وهذا إذا أتى من عثار الدابة وكان الكراء مضمونًا وهو في مستعتب يقدر على خلف دابة أخرى.
فأما إن كانت معينة لم يلزم أن يغرم المثل في الموضع الذي أكري إليه؛ لأنه إذا تبين أنها عثور كان الحكم الفسخ، ولم يلزم المكري (1) أن يحمله على غيرها ولا عليها، فقد تهلكه مرة أخرى.
وكذلك إذا عثرت (2) به ولم يكن ذلك شأنها , فليس على المكري خلف مثل ذلك الطعام؛ لأنه عيب يتقى (3) مثله (4) إن أعيد عليها.
وكذلك إن كان الكراء (5) مضمونًا فهلك في غير (6) مستعتب من سبب الدابة وهي عثور- لم يلزم صاحب الدابة أن يخلف أخرى وليس عليه إلا مثل الطعام.
فصل [فى ذهاب الأحمال بسرقة أو غصب]
فإذا ذهبت الأحمال بسرقة أو غصب كان على المكتري خلفها ولم يتعيّن.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك.
واختلف إذا هلكت 797 من قبل الدابة فقال ابن القاسم: ليس عليه791792793794795796
الجزء: 11 - الصفحة: 5205
خلفها 798. قال ابن حبيب: وكذلك إن دعا 799 إلى ذلك صاحب المتاع وأبى المكتري 800 لم يلزمه حمله.
وقال غيره: على صاحب الحمل أن يخلفه وليس مثل السفن فلا ضمان 801 على أصحاب الدواب فيما كان من سبب عثار، ولهم على أصحاب المتاع أن يحملوهم حتى يبلغوا الغاية 802.
يريد: إذا كان الكراء مضمونًا فيأتي المكري بدابة غير عثور ويخلف الآخر الحِمْل.
وإن كانت الدابة معينة لم يكن على صاحب المتاع أن يخلفه على عثور.
واختلف بعد القول أن لا خلف، هل يغرم كراء الماضي؟ فقال مالك: لا كراء له قال 803 والذي يحمل من السوق على عنقه 804، أو دابته فينكسر ما عليه أو يحمله إلى بلد 805 فيعثر البعير أو الدابة، سبيله سبيل السفن لا كراء له؛ لأنه حمل على البلاغ 806.
وقال ابن نافع في السفن: له بحساب ما بلغت 807. فأجاز مالك البلاغ في البرِّ عن نفسه أو على 808 دابته 809 في المدينة أو في 810 السفر، وهي جعالة
الجزء: 11 - الصفحة: 5206
فيها على الوجوب، وإن أتى من سبب الحمال أو كانت من عند المكتري، كان عليه أن يخلف 811 ما أفسد 812.
ويختلف إذا كانت من عند المكري كالدابة يؤتى من سببها.
وقال ابن القاسم فيمن استأجر على حمل صبي وهو عبد، وأسلمه إلى المكري فساق به فعثرت الدابة فسقط فمات: فلا شيء عليه إلا أن يعنف في السّوْق.
وكذلك البيطار يطرح الدابة فتعطب 813، فلا شيء عليه إذا فعل كما يفعل البياطرة.
ويختلف إذا خرج عن ذلك قليلًا، هل يضمن؛ لأنه أخطا فيما أذن له فيه؟ وإن كان يرى أنَّه عمد أو عن تفريط ضمن 814. وكذلك الصبي إذا زاد في السّوْق قليلًا كان خطأ.
الجزء: 11 - الصفحة: 5207
باب فى (1) تضمين المكتري والراعي وغيرهما
816
قال ابن القاسم في من اكترى دابة فضربها ففقأ عينها بضربة 817، أو كبحها فكسر لحييها: فهو متعدٍّ إلا أن يضرب، كما يضرب الناس.
قال: وقال مالك في الرائض يروض 818 الدابة فيفقأ عينها 819 أو يكسر رجلها: فهو ضامن.
وقال في الراعي يضرب الشاة برمية أو يفقأ عينها: هو ضامن.
قال: وكذلك كل شيء لا يجوز له أن يفعله هو ضامن 820. يريد بقوله: لا يجوز له أن يفعله 821: هو أن يرمي الشاة نفسها بعَصًا 822.
ويختلف إذا رمى قدامها أو جانبها لترجع إلى موضع فوقعت عليها 823؛ لأنه خطأ فيما أذن له 824 فيه 825، ولو كانت هي التي نفرت 826 إلى ناحية الرمية، فوقعت عليها لم يضمن.815
الجزء: 11 - الصفحة: 5208
وقال ابن حبيب: إذا رمى كما يرمي الراعي فأصابها خطأ ولم تكن الشاة هي التي حادت إليها ضمن 827. قال: وقد أجاز الله عز وجل للرجال ضرب 828 النساء عند النشوز، ولو أصاب إحداهن شجة، أو فقأ عين أو كسر يد ضمن وإن كان خطأ 829. وليس السؤالان سواء؛ لأنَّ الزوج يفعل ذلك لحق نفسه وهي مجبورة على ذلك، والراعي وكيل لصاحب الغنم ففعل ذلك لحق صاحبها وما يراه حسن، نظر، وكما لو كان ربها هو المتولي لفعل 830 ذلك فلا ضمان عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5209
باب فى الجمال أو المكتري يهرب
ومن 831 أكرى 832 إبلًا بعينها ثم تركها وغاب 833، كان للمكتري أن يستعملها فيما اكتراها له 834 في حضر أو سفر من غير حاكم.
وأما النفقة عليها, فإنه يرجع 835 إلى الحاكم ليحكم بالواجب في ذلك من مال المكري إن خلَّف مالًا، وإن كانت تحتاج 836 إلى سائق ومن يحفظها استؤجر لها.
فإن لم يخلف مالًا كان المكتري بالخيار بين: أن ينفق ويرجع على ذمة المكري لأنه موسر بالإبل، أو يباع لذلك أحدها ويسقط كراؤها.
وإن كان الكراء على راحلة واحدة كان بالخيار بين: أن يسلفه وتباع له إذا بلغ، أو يفسخ عنه الكراء.
فإن غاب بالإبل كان مقال المكتري في الفسخ لا في الخلف لأنها معينة.
والفسخ على ثلاثة أوجه: فقسم ينفسخ من غير حكم 837، وقسم 838 يفتقر إلى حكم، وقسم 839 يختلف فيه.
فإن كان الكراء شهرًا بعينه انفسخ بمضيه من غير حاكم، وإن كانت 840
الجزء: 11 - الصفحة: 5210
مدة غير معيّنة، ولم يفت ما أكريت له- لم ينفسخ 841 إلا بحكم.
وإن رفع إلى الحاكم نظر فيه: فإن كان لا ضرر على المكتري في الصبر لم يعجل بالفسخ، وإن كان في الصبر مضرة فسخ مثل أن يكون الكراء للحج أو إلى بلد بعينه 842، إن فاته الخروج مع هذه الرفقة فاته 843 ما اكترى له أو غير ذلك من العذر كان فيها قولان: هل يفتقر الفسخ إلى حاكم 844، أو ينفسخ عنه العقد بفوت ذلك؟
واختلف قول مالك إذا أتى بالإبل بعد فوت الحج أو فوت الرفقة فقال في المدونة ينفسخ عنه في الحج وحده 845. وقال في كتاب محمَّد: لا ينفسخ 846. وقال غيره: في غير الحج ينفسخ.
والفسخ في كلا الموضعين أحسن؛ لأنه لا يختلف أنَّه لو رفع إلى حاكم لفسخ عنه لما عليه 847 من الضرر في الصبي 848، وإن كان ذلك لم يسقط 849 حقه في ذلك بترك الرفع.
الجزء: 11 - الصفحة: 5211
فصل [فيما إذا كان الكراء مضمونًا فغاب وخلَّف إبلًا ولم يكن سلَّمها إليه]
وإن كان الكراء مضمونًا 850 فغاب وخلَّف إبلًا ولم يكن سلمها إليه, لم يكن له أن يستعملها إلا بعد حكومة , وإن لم يخلِّف إبلًا 851 وخلَّف مالًا , أكرى له الحاكم منه، وإن لم يخلف مالًا وأحب المكتري أن يسلفه ويكري عليه، جاز إذا علم أن له مالًا وإن لم يحضر ماله.
ويختلف إذا لم يكن له مال، فقال ابن القاسم: له أن يكتري 852 عليه ويرجع 853. ولم يراع هل له مال أم لا؟، وقال محمَّد: إنما يكتري 854 عليه إذا كان له مال معروف.
والأول أحسن، وهذه ضرورة.
ولا يمكَّنُ الاكرياء من اقتطاع أموال الناس ثمَّ يهربون بها ثمَّ يقول: لا أغرم فاقضِ 855 عني وقد كان مجبورًا لو لم يهرب على الكراء له، وأيضًا فإن محمله 856 على اليسر بما قبضه حتى يعلم غيره.
وقد قيل في من اشترى سلعة ثمَّ فلس فوجدها البائع فرضي المشتري
الجزء: 11 - الصفحة: 5212
بتسليمها للبائع فيريد الغرماء أخذها، و (1) دفع الثمن ليكون لهم الفضل: إن ذلك لهم، وإن كره المشتري، ومصيبتها منه (2). ففي هذا أحرى، فإن لم يرض المكتري أن يكري من عنده عاد النظر في الفسخ حسب ما تقدم في المعين، والمضمون، والحاج وغيرهم.
فصل [فى غياب المكتري عما اكتراه]
وأما إن غاب المكتري، فإن لرب 859 الإبل أن يرفع إلى الحاكم فيكريها في مثل ما أكريت له، ثمَّ لا يخلو أن يكون العقد على مدة معينة أو غير معينة، في الحضر أو في السفر.
فإن كانت مدة معينة أكريت 860 في مثل ما اكتريت له، فإن لم يجد ففيما دونها، فإن لم يجد حتى ذهبت تلك المدة قضي للمكري بالكراء ولم يكن عليه شيء.
وإن لم تكن مدة معينة أكريت أيضًا في مثل ما أكريت له، فإن لم يجد تربَّص رجاء أن يجد، فإن لم يجد تربَّص إلى المدة التي كانت تستعمل فيها لو وجد، فإن لم يكن خلي عنه وقضي 861 له بالكراء.
وإن لم تنقض تلك المدة حتى أمكن كراؤها، نظر في ذلك: فإن كانت معقولة موقوفة لم يكن له إلا بقية تلك المدة، وإن لم يكن حيل بين صاحبها وبينها وكان ينتفع بها في التصرف أوفي غيره مما لو كانت في منافع المكتري لم857858
الجزء: 11 - الصفحة: 5213
تكن 862 عليه- رأيت أن يستأنف 863 إجارتها كلها 864.
وهذا استحسان لتغليب أحد الضررين.
وإن كان الكراء ليسافر بها 865 أكريت ممن يسافر بها 866 في مثل ذلك، فإن لم يجد ففي دونه، فإن لم يجد وكان يرجى ذلك في بعض الطريق ألزم بالخروج بها، وأقام الحاكم من يكري 867 عليه وإن كان معلومًا أنَّه لا يرجى ذلك، أو كان سفرهم إلى موضع يعلم أنَّه لا يحتاج مثل ذلك فيه- لم يكن عليه خروج، ثمَّ ينظر، فإن لم يجد 868 من يكريها 869 في الحضر في مثل ذلك، أو يتردد بها في السفر في المواضع القريبة وهو مثل الأوّل في الأمن والسهولة- أكراها فيه 870، وإلا خلى عنه يصنع بها ما أحب وقضى له بالأجرة 871.
وإن كان المكري 872 من أهل مكة وأكراها إلى مكة أو من غيرها، والمكري من البلد الذي أكرى إليه، ومعلوم أن المكتري لو أراد إصرافها إلى غير ذلك البلد لم يمكّن منه 873 - فلا يلزم بالتخلف، ويقضى له بالكراء،
الجزء: 11 - الصفحة: 5214
ويوكل من يقوم بالكراء لعل ذلك يتفق (1) في المستقبل.
فصل [فيمن اكترى إبلًا ليبعثها ثانية بشيء من بلد آخر]
ومن اكترى إبلًا ليبعثها ثانية بشيء من بلد آخر 875 فمضى الجمّال بالإبل، فلم يجد ذلك الشيء لأنه بعث إلى صاحبه إن بيع أو تلف- أكريت في مثله، والمتولي لذلك وكيل الغائب أو السلطان أو الجماعة عند عدم السلطان.
وقال ابن القاسم: فإن لم يكن سلطان طلب المكري وتلوم وأشهد، فإذا فعل ذلك، ولم يأت الوكيل، ولم يجد كراء ورجع- كان له الكراء كاملًا، ورأى 876 أن الإشهاد يجري وإن لم تنظر الجماعة في ذلك 877.
وإن كان سلطان لا يقدر على الوصول إليه كان كالعدم.
وإن كان قادرًا على الدخول إليه 878، ورجع ولم يفعل وعلم 879 أن الكراء على مثل الأوّل معدوم بأمر لا شك 880 فيه- كان له كراؤه ولم يلزم الرجوع.
واختلف إذا كان موجودًا، فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا شيء له 881. وقال ابن القاسم: عليه أن يرجع ثانية.
وهو أحسن؛ لأنه باع منافعه874
الجزء: 11 - الصفحة: 5215
فمنعه (1) من الوفاء بها.
ومحمل قول مالك ألا شيء له في الماضي، ولم يكلم على الرجوع به.
وقال ابن حبيب: إن أكرى لنفسه عند القدرة (2) على السلطان، كان المكتري بالخيار، بين أن يسلم ذلك له ويرجع ثانية، وبن أن يأخذ ما أكري به (3). وإن كان نقصان فعلى المكتري إن أجاز، وإن كان فضل كان للمكري، وسواء أكرى لنفسه أو للمكتري.
وكل موضع يكري فيه على الغالب، فإن لم يكن انتقد وكان الكراء الأول بالنقد أكريت الآن بالنقد ليقضي الأول دينه وإن كان الأول مؤجلًا أكريت الآن إلى مثل ذلك الأجل؛ لأنه أثمن وفيه حسن نظر للغائب، وإن كان الأول انتقد, أكريت (4) الآن على ما يرى أنه حسن نظر للغائب بالنقد أو ليقبض عند آخر المنافع.
فصل [فيمن اكترى من جمَّال على حمل بعينه إلى بلد فأخطأ الجمال فحمل غيره]
ومن المجموعة قال ابن القاسم وأشهب في من 886 اكترى من جمَّال على حمل بعينه إلى بلد، فأخطأ الجمَّال 887 فحمل غيره حتى بلَّغَه 888 البلد -أن882883884885
الجزء: 11 - الصفحة: 5216
صاحبه مخير, فإن أحب ضمّنه قيمته بالبلد الذي حمل منه يأخذها حيث 889 هو، وإن أحب أخذ الحمل ويغرم الكراء 890. وقال أشهب: لا كراء له، وليس للجمَّال أن يقول: أنا أردُّه، ولا لصاحبه أن يلزمه بردِّه، وعلى الجمَّال أن يرجع فيحمل الأحمال التي اكترى عليها 891. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب فيمن اكترى من جمَّال على حمل 892 خمسة أحمال بَزٍّ، وأراه إياها في بيت، وفي البيت أفرية، وخرج المكتري إلى ذلك البيت 893، فغلط الجمّال 894 وأتى بالأفرية: فعلى الجمّال أن يردَّها؛ لأنه متعد في نقلها، وإن شاء صاحب الحمل 895 أن يحبسها ولا كراء عليه إلا أن تكون 896 بقيته وحاجته 897 أن ينقلها 898 إلى ذلك المكان عازمًا على ذلك- يكون عليه 899 الكراء إذا حبسها، وعلى الجمَّال أن يرجع يحمل الذي استكرى عليه 900.
الجزء: 11 - الصفحة: 5217
باب في الإقالة في الكراء
قال الشيخ (1): الإقالة في الكراء إذا لم تكن من المكري أو الجمال زيادة جائزة بعد النقد، وتجوز قبل النقد على القول إن الإقالة حلُّ (2) بيع أو ابتداء بيع، وأن الذمم تبرأ، ومن لم يقل ببراءة الذمم يمنع ذلك في المضمون وهو عنده فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، أخذ (3) الدَّيْن الذي في ذمته وهو الركوب عن الدَّيْن الذي يستحقه عنه (4)، وإن كان الركوب معينًا جاز؛ لأنَّ المكري يتصرف فيها الآن بالبيع وغيره ففارق أخذ الأجنبي منافع (5) من دَيْنٍ (6).
فصل [فيما تجوز به الإقالة وما لا تجوز]
وتجوز الإقالة إذا كانت من المكتري 907 زيادة قبل النقد أو بعده، وقبل أن901902903904905906
الجزء: 11 - الصفحة: 5218
يبين بالنقد، وسواء كانت الزيادة دنانير أو دراهم أو عروضا نقدًا 908، ولا يجوز إلى أجل؛ لأنه فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وهذا إذا كان الركوب مضمونًا؛ لأنه فسخ ركوبًا في ذمته في دَيْنٍ إلى أجل.
وإن كان 909 بان بالنقد , لم تجز الإقالة من أي صنف كانت الزيادة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك فيدخله سلف بزيادة.
واختلف إذا كانت الإقالة بعد أن سار من الطريق ما له قدر وبال، فأجاز ذلك مالك وابن القاسم ولم يحملاه 910 على التهمهَ؛ لأنَّ كثيرًا ما 911 يجري الاختلاف والمضايقة بين الجمّال والراكب فيفترقان لذلك.
وقال غيرهما: لا يجوز, وذلك حماية 912. والأول أحسن، وبه قال محمَّد بن مسلمة في بياعات الآجال في من باع سلعة 913 بثمن إلى أجل، ثمَّ اشتراها بأقل منه 914 نقدًا، إذا فات مضى، فكيف بهذا؟
واختلف إذا كانت راحلة 915 بعينها، هل تمنع الزيادة كالمضمون؟ والجواز أبين؛ لأنَّ المعيّن في معنى بياعات النقود، وإن كانت الزيادة من الجمَّال وكان قصده أن يتحلل راحلته ليتصرف فيها بالبيع وغيره- جاز.
الجزء: 11 - الصفحة: 5219
ويختلف إذا كان ليركبها كما (1) يركبها غيره وليكون بينهما التراجع إن هلكت قبل مضي مدة (2) الإجارة: فأصل ابن القاسم المنع؛ لأنَّ أخذه منافع من دَيْنٍ، ويجوز على قول أشهب.
فصل [فى حكم الزيادة من المكتري قبل النقد في الإقالة]
وإن كانت الزيادة من المكتري قبل النقد 918 والكراء معين أو مضمون- جاز أن تكون الزيادة دنانير، أو دراهم، أو عروضًا، وإن كان الأول دنانير جاز أن يزيده دراهم، إذا كانت دون صرف دينار أو صرف 919 دينارة على أحد قولي مالك بجواز الصرف والبيع، وكل ذلك نقدًا ولا يجوز شيء من ذلك إلى أجل، فإن زاده دينارًا نقدًا 920 كان كأنه أخذه من دينه واشترى الركوب بالتسعة الباقية، وإن زاده عرضًا كانت المبايعة عرضًا وركوبًا بدنانير، فإن زاده دراهم كان ركوبًا ودراهم بدنانير، وكل ذلك جائز، ولو لم يحل الأجل لم يجز، ويدخله إن 921 زاده دينارًا إلى أجل 922 بيع وسلف، اشترى منه الركوب بتسعة على إن آخره بدينار فالتأخير سلف، ويدخله إن زاده دراهم فسخ الدَّيْن في الدَّيْن، والصرف 923 المستأخر، وفي العروض فسخ الدَّيْن في الدَّيْن.
وإن كانت الزيادة916917
الجزء: 11 - الصفحة: 5220
بعد أن نقد 924 العشرة فأقاله على أن يرده تسعة وأن يحبس دينارًا.
وإن كانت الإقالة على أن يرد المكري العشرة ويزيده المكتري عرضًا نقدًا أو إلى أجل- جاز، فيكون المكري قد اشترى دَيْنًا في ذمته، ودَيْنًا يكون له في ذمة المكتري بعشرة، وذلك جائز.
تم كتاب الرَّواحل والدَّواب,
والحمد لله رب العالمين،
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد خاتم المرسلين 925
الجزء: 11 - الصفحة: 5221