التبصرة للخميكتاب الصلاة الثاني
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

الجزء: 2 - الصفحة: 421

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كتاب الصلاة الثاني

باب في سجود القرآن، ومواضعه من القرآن والمواضع التي يوقع فيها من الصلوات وغيرها، والوقت الذي يسجد فيه

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ".
أخرجه مسلم في صحيحه (1).

فصل [مواضع سجود القرآن]

اختلف في سجود القرآن، فقال مالك في المدونة: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، أولهن المص، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل 2. وقال في الموطأ: عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس منهن في المفصل شيء.
يريد: هذه المتقدم ذكرها.1

الجزء: 2 - الصفحة: 423

واختلف في الثلاث التي في المفصل، وهي: النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، هل يمنع السجود فيها، أو يباح، أو يؤمر به؛ لأنها من العزائم؟ فقيل: لا يسجد فيها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك السجود فيها، وقال أبو جعفر الأبهري: هو مخير إن شاء فعل وإن شاء ترك.
ولمالك في "المبسوط" مثل ذلك، قيل له: أيسجد في: "والنجم"؟ قال: لا بأس.
فأباح ولم يأمر.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن مالك أنه قال مرة: عزائم القرآن أربع عشرة سجدة، وأثبت الثلاث التي في المفصل وجعلها من العزائم.
وقال ابن شعبان: عن علي بن أبي طالب 3 وابن مسعود 4 وابن عباس 5 - رضي الله عنهم -: العزائم أربعة: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، لأنه أمر بالسجود، والبقية وصف 6.

الجزء: 2 - الصفحة: 424

وقال ابن وهب وابن حبيب: سجود القرآن خمس عشرة 7. وأثبتا ثانية الحج.
وليس بحسن؛ لأن المفهوم والمراد بها الركوع والسجود في الصلاة.
والقول بإثبات السجود في الثلاث التي في المفصل، وأنها من العزائم أحسن، لحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وقد اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 8، وزاد مسلم عنه أنه قال في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1]: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بهَا حَتَّى أَلْقَاهُ" 9. = يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وفي الحج قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
غير أن هذا لا يطرد في سجدة آية الحج الثانية قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذه ليست بسجدة عند جمهور المالكية ولذا قال ابن الحاجب في الجامع بين الأمهات: 1/ 117: (وَرُوِيَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الحَجِّ) وقال الشيخ خليل في مختصره، صـ 38: (لا ثانية الحج)، فعلى هذا تخرج من كلام المؤلف، ويتبين مراده.
انظر: الزاهي، لابن شعبان، لوحة رقم: [25 / أ].

الجزء: 2 - الصفحة: 425

وثبت عنه أنه سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بمكة 10، ولم يأت عنه في حديث صحيح أنه سجد في سوى المفصل إلا في (ص).
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في البخاري: ليست من العزائم 11. وفي النسائي: قال - صلى الله عليه وسلم -: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" 12. وإذا ثبت السجود في المفصل ولم يثبت نسخه لم يترك السجود فيها، وقد احتج من نفى السجود فيها بقولٍ يذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى شَىْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ تحَوَّلَ إِلَى المَدِينَةِ" 13. ولحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ" 14. = انْشَقَّتْ}، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، من كتاب الصلاة، برقم (555).

الجزء: 2 - الصفحة: 426

والاعتراض بهذين غير صحيح، فأما ما ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنه - فقد لا يثبت ذلك عنه؛ لأنه لم يشهد جميع إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وإنما كان قدومه سنة ثمان بعد الفتح.
ويعترض بحديث أبي هريرة، وأنه سجد خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما تقدم، فكان الأخذ به أولى، لصحة سنده؛ ولأن من أثبت أولى ممن نفى؛ ولأن النسخ 15 لا يصح إلا بأمر لا يشك فيه، وأن يكون تاريخ الترك متأخرًا، ولأنه لو ثبت أنه متأخر لأمكن أن يكون ذلك في غير صلاة، أو في غير إبان صلاة، ولإمكان أن يكون اجتزأ بسجود الركعة؛ لأن السجود في المفصل في أواخر السور.
وقد قال ابن حبيب في مثل هذا: إن القارئ بالخيار بين أن يسجد أو يركع ويسجد 16، ويحتمل حديث زيد في ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود؛ لأن زيدًا كان القارئ فلم يسجد زيد لأنه كان على غير طهارة أو في غير إبان صلاة؛ لأنه لم يقل: سجدت فلم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - معي؛ ولأن السجود ندب، وقد يترك مرة ليُعلم أنه ليس بحتم، وقد فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - سجد مرة وترك مرة، وقال: إن الله تبارك وتعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء 17. وقال ابن القاسم: كان مالك لا يوجبها، ويأخذ في ذلك بقول عمر - رضي الله عنه - 18. واختلف في موضع السجود في حم تنزيل، فقال مالك: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ = كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (577).

الجزء: 2 - الصفحة: 427

تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] 19. وقال ابن عمر وابن وهب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] 20 وهو أبين؛ لأن سجود القرآن يتضمن ثلاثة معان: مدح من سجد، وذم من عنَد، وأمرٌ بالسجود 21. ففي سورة الرعد والنحل والحج 22 مدحُ من سجد، فنُدبنا عند ذكرهم إلى المبادرة لامتثال ما امتثلوه، وفي سورة الفرقان 23 وغيرها ذم من عند فنُدبنا للسجود عند نفورهم، وأمرنا بالسجود في النجم 24 وغيرها، وقد تضمن أول هذه الآية أمرًا بالسجود وآخرها ذم 25 من عند، ومدح من امتثل وأطاع.
فكان السجود عند ذكر من عند واستكبر أولى؛ لأن زيادة ذلك القدر من التلاوة لا يخرج عن حكم السجود على القول الأول، ويكون قد أتى بسجود مجمع عليه، وذلك أحوط.

الجزء: 2 - الصفحة: 428

فصل [أحوال المصلي القارئ لآية السجدة]

لا يخلو قارئ السجدة من ثلاث: أن يكون في نفل، أو فرض، أو في غير صلاة.
فإن كان في نفل سجد.
وإن كان في فرض في جماعة كره له إذا كان يخشى أن يخلط على من معه، وذلك في موضعين: في الجماعة الكثيرة في صلاة الجهر، وفي الجماعة القليلة في صلاة السر.
فإن فعل وقرأ سورة فيها سجدة استحب له ألا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن قراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا" 26. واختلف إذا كانت الجماعة قليلة والقراءة جهرًا، أو كان فذًّا، فظاهر قوله في الكتاب المنع 27. وأجاز مالك ذلك في العتبية للإمام 28. وعلى قوله هذا يجوز للفذ، وأجازه ابن حبيب للإمام والفذ، وهو أحسن،

الجزء: 2 - الصفحة: 429

لحديث أبي هريرة قال في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -" (1)، والمعروف أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفرض بهم.
وقال أيضًا: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي الصُّبْحِ بـ ﴿الم (1) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (2). وكان عبد العزيز بن مروان يصلي بالناس بمصر يوم الجمعة بـ ﴿الم (1) تَنْزِيلُ﴾، وروي عن أبي بكر بن حزم أنه كان يؤم بها في الصبح يوم الجمعة.

فصل [في أحوال القارئ لآية سجدة في غير الصلاة]

والقارئ إذا كان في غير صلاة على ثلاثة أوجه: فإن كان على طهارة وهو في وقت صلاة سجد، وإن كان على غير طهارة أو على طهارة وبعد الإسفار أو الاصفرار لم يقرأها وتعداها.
واختلف إذا لم يسفر ولم تصفر الشمس فقال مالك في المدونة: يسجد.
وقال في الموطأ: لا يسجد لا بعد الصبح ولا بعد العصر.
واحتج بالحديث في النهي عن الصلاة حينئذ 31.2930

الجزء: 2 - الصفحة: 430

وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر (1). وهذا فرق حسن، ولو قيل: يسجد بعد الإسفار (2) لكان له وجه؛ لأنه وقت للفريضة مع الاختيار، والاصفرار وقت ضرورة.

فصل [في من نسي السجود للتلاوة]

ومن نسي أن يسجد للتلاوة وهو في صلاة نفل، فإن تجاوزها بالآية والآيتين سجد ولم يعد لقراءتها، وإن كان على غير ذلك أعاد قراءتها وسجد، وإن لم يذكر حتى ركع 34 ورفع قرأها في الثانية وسجد.
واختلف إذا ذكر وهو راكع أو جالس أو بعد السلام، فقال مالك في العتبية: إذا ذكر وهو راكع يمضي على ركوعه ولا يسجد.
وكذلك لو انحط يسجد فنسي فركع، فإنه يرفع للركوع وتجزئه الركعة 35، وقال أشهب: ينحط للسجود، وإن كانت نيته في حال انحطاطه للركوع.
وقال ابن القاسم: إذا كانت نيته للسجود فإنه يخر ساجدًا؛ لأن ركعته تلك لا تجزئ عنه ولو رفع منها 36. يريد بخلاف من كانت نيته من أول3233 = الصلاة في صحيحه، برقم (559)، ومسلم: 1/ 566، في باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (825).

الجزء: 2 - الصفحة: 431

الركوع، فإنه 37 يمضي لتمامها.
والقول إنه إذا كانت نيته للركوع إنه يمضي لها أحسن 38؛ لأنه تلبّس بفرض فلا يسقطه لنفل، ولم يختلفوا فيمن نسي الجلوس حتى تلبس بالفرض وهو القيام، أنه لا يرجع منه إلى الجلوس، والجلوس سنة مؤكدة تَفْسُدُ الصلاة بتعمد تركه في المشهور من المذهب، فناسي السجدة أولى.
وأما إذا كانت نيته في الانحطاط للسجدة، فإن مالكًا ذهب إلى أن الفرض أن يخر راكعًا فتماديه عليه بنية الامتثال للركوع جازٍ عنه 39. وذهب ابن القاسم إلى أن الانحطاط للركوع فرض في نفسه، فلم يجز عنه الانحطاط بنية السجود لأنه لنفل، فلا يجزئ عن فرض 40. واختلف فيمن سلّم من ركعتين، فذكر وهو قائم هل يُحْرم ولا يجلس 41 أو يجلس ثم يقوم؟ ولم يختلف النص فيمن سبقه الإمام بركعة فظن أن الإمام سلم، وقام للقضاء وسلم الإمام وهو قائم - أنه لا يرجع إلى الجلوس، وقد كانت الحركة إلى القيام في حكم الإمام في موضع لا يحتسب بها 42، فإن ذكر وهو جالس أو بعد السلام لم يكن عليه شيء عند ابن القاسم 43، إلا أن يدخل في نفل آخر.
ولأشهب في مدونته: أنه إن ذكر وهو جالس ولم يسلِّم أنه يسجد،

الجزء: 2 - الصفحة: 432

وإن ذكر بعد السلام سجد.
وهو (1) أبين؛ لأن سجود التلاوة إنما كان في صلاة، وقضاؤه استحسان.

فصل [فيمن سمع آية سجدة]

وعلى من سمع السجدة أن يسجد، وذلك بخمسة شروط: أن يكون القارئ بالغًا، وعلى وضوء، ويسجد حينئذ، ولا يكون قراءته ليسمع الناس حُسْن قراءته، والسامع ممن قصد الاستماع، فهذه جملة متفق عليها 45. وإن كان القارئ ممن لا يؤتم به كالمرأة أو الرجل الفاسق أو على غير وضوء، أو 46 كان السامع ممن لم يقصد الاستماع، لم يكن عليه سجود.
واختلف إذا كان القارئ صبيًّا، أو على 47 وضوء ولم يسجد القارئ، وكان قصد الاستماع لقراءته، فقال في المدونة: لا يسجد إذا كان صبيًّا 48. وإن كان رجلًا على طهارة 49 ولم يسجد، سجد المستمع، وكذلك إذا كانت قراءته ليسمع الناس وسجد 50. وأجاز في العتبية إمامة الصبي في النافلة 51، فعلى هذا يسجد بسجوده.44

الجزء: 2 - الصفحة: 433

وقال مطرف وابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع 52. وهذا أقيس؛ لقوله: إن القارئ إمام.
فإن كان صبيًّا أو امرأةً لم يسجد.
والأول أحسن؛ لأن سجود التلاوة مما ندبا إليه جميعًا ليدخلا في جملة من أمر ومدح بامتثاله، أو ليخرجا من جملة من عند وعصى.
وكذلك إذا كان القارئ صبيًّا أو امرأةً أو على غير وضوء، وهذا ما لم يكونا في صلاة، فلا يسجد المأموم إذا لم يسجد الإمام 53، ولا يخالف لورود النهي ألا يختلف عليه.
وأرى أن يسجد لسجود القارئ الفاسق 54؛ لأن الظاهر أنهم في طاعة، والسرائر إلى الله سبحانه.
واختلف في المعلم، فقيل: يسجد هو ومن يتعلم عليه أول مرة.
وقيل: لا شيء عليه 55. والأول أبين؛ لأنهما في أول مرة على الأصل في الندب إلى السجود.
وإذا كرر المتعلم ذلك العُشْر سقط حينئذ.
وإن أتى آخر فقرأ تلك السجدة - سجدها المتعلم وحده، وإن قرأ غيرها سجدا جميعًا؛ لأن قارئ جميع القرآن إذا تهجد به أو قرأه نهارًا - سجد كلما مرت عليه سجدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 434

فصل [في التكبير والتسليم لسجود التلاوة، وفي سجدة الشكر]

ويكبر للسجود وللرفع منه إذا كان في صلاة، ويختلف إذا كان في غير صلاة، والتكبير أحسن، لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ".
ذكره أبوَ داود في مسنده 56. ولا يسلم منه.
ولم ير مالك السجود عند القراءة ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98]؛ لأنه يختص به - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
واختلف في سجود الشكر فكرهه مالك 57 مرة 58. وذكر القاضي أبو الحسن ابن القصار أنه قال: لا بأس به.
وبه أخذ ابن حبيب، وهو الصواب؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سجدة (ص): "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَأَسْجُدُهَا شُكْرًا" 59، وحديث أبي بكرة قال: "أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرٌ

الجزء: 2 - الصفحة: 435

سُرَّ بِهِ فَخَرَّ سَاجِدًا".
ذكره الترمذي 60. وحديث كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله سبحانه عليه خر ساجدا 61. أخرجه البخاري.

الجزء: 2 - الصفحة: 436

باب في الصلاة إلى سترة

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا كان في سفر أو خرج إلى العيدين ركزت له الحربة أو العَنزة فيصلي إليها 62، وأنه كان يصلي إلى بعيره 63. ولا خلاف في ذلك إذا كان المصلي بحيث يخشى من يمر بين يديه.
والإمام والفذ في ذلك سواء.
واختلف إذا كان لا يخشى ذلك، فأجاز 64 في المدونة أن يصلي إلى غير سترة 65، ومنعه في العتبية 66، وهو أحسن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ

الجزء: 2 - الصفحة: 437

شَيْطَانٌ" 67. وقال في كتاب مسلم: "فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ" 68، يريد: قرينه من الجن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينٌ مِنَ الجِنِّ.
قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَإِيَّايَ إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَعَانَني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ" 69، فكأن الشَيطان الذي معه يحمله على ذلك، وقال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحُولُ بَيْنه وَبَيْنَهَا" 70. فأبان أنه إذا دنا لم يقدره الله -عز وجل- على الجواز، وقد أمر بتخمير الإناء من الشيطان أو يعرض عليه عودا، فإن ذلك يمنعه منه وإن كان مكشوفًا 71. قال: وإذا مر رجل بين يدي المصلي إلى سترة كان الإثم على المار، وإن كان إلى غير سترة، وليس للمار مندوحة في السير إلا بين يديه، وكان يشق عليه الصبر إلى أن يفرغ - كان الإثم على المصلي، إلا أن يكون الغالب أنه لا يمر

الجزء: 2 - الصفحة: 438

أحد بذلك الموضع - فلا إثم على واحد منهما، وإن كان للمار مندوحة عن المرور بين يديه كان الإثم على المار.
والأصل في تعلق الإثم حديث أبي جهيم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 72. واختلف في القدر الذي يكون بين يدي المصلي، فقيل: قدر شبر، لحديث سهل بن سعد قال: "كَانَ بينَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبيْنَ الجِدَارِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ" 73. وقدر ذلك شبر، وقد كان شيخنا أبو الطيب رحمة الله عليه ورضوانه.
إذا قام إلى الصلاة دنا من الجدار ذلك القدر، لهذا الحديث، وإذا ركع تأخر، وقيل: قدر ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال - رضي الله عنه -: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فِي الكَعْبَةِ وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبيْنَ الجِدَارِ ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ" 74. وإن ذلك يرجع إلى حديث سهل؛ لأنه إذا كان قيام المصلي من ثلاثة أذرع بقي بعد سجوده إلى الجدار نحو شبر.
وقال الداودي 75: ذلك واسع، وأكثره ثلاثة أذرع، وأقله ممر شاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 439

فصل [فيما يجوز اتخاذه سترة]

السترة تجوز بكل طاهر لا يشغل المصلي، إذا كان يثبت حتى تنقضي الصلاة، وكان في الارتفاع شبرًا فأكثر، في غلظ الرمح.
وكره مالك السوط، فإن فعل أجزأه.
وإذا صلى إلى مثل الرمح أو الحربة فليجعله على جانبه الأيمن، للحديث: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى عَمُودٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَلاَ يجْعَلْه نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ" 76، وقال المقداد: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي إِلَى عَمُودٍ أَو عُودٍ أَو شَجَرَةٍ إِلاَّ جَعَلَهُ إلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ، لاَ يَصْمُدُ إِلَيهِ صَمْدًا" 77. = وغيرهم، وكان من أئمة المالكية بالمغرب، بأطرابلس ثم تلمسان، وكان فقيهًا، فاضلًا، عالمًا، متيقظًا، مجُيدًا، مؤلفًا، له حظ في اللسان والجدل.
وله تآليف منها: النامي في شرح الموطأ، أملاه بطرابلس، وشرح صحيح البخاري، والراعي في الفقه، وكتاب الأموال والإيضاح في الرد على البكرية، وكتاب الأصول، وكتاب البيان وغير ذلك.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 7/ 102، والديباج، لابن فرحون: 1/ 165، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 110، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 28/ 56، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 245، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 121، والأعلام للزركلي: 1/ 264.

الجزء: 2 - الصفحة: 440

ويكره أن يصلي إلى الحجر الواحد، ولا بأس بالحجارة يكومها 78 ويصلي إليها، ولا بأس أن يصلي إلى ظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له حتى تنقضي صلاته.
ولا يصلي إلى وجهه ولا إلى جنبه؛ لأن ذلك مما يشغله.
واختُلِفَ في الصلاة إلى الحَلْقة، فأجيزتْ؛ لأن الذي يليه ظهر أحدهم، وكرهتْ؛ لأن وجه الآخر يقابله.
ويُختلف على هذا في الصلاة إلى سترة رمح أو عَنَزَة إذا كان وراء السترة رجل جالس يستقبل المصلِّي بوجهه.
ولا يصلي بلى النائم، وليس بحسن؛ لأنه لا يأمن أن يحدث منه مما تنزه الصلاة عنه، وفي مسند ابن سنجر قال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إِلَى النَّائِمِ وَالمتَحَدِّثِينَ" 79. ولا إلى ظهر امرأة، امرأته كانت أو أجنبية.
ولا بأس بالصلاة إلى الطائفين من غير سترة؛ لأنهم في معنى من هو في صلاة.
ويجوز أن يصلي إلى البعير؛ لحديث ابن عمر "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، فَإِنْ ذَهَبَت أَخَذَ الرَّحْلَ فَعَدَّلَهُ وَصَلَّى إِلَيْهِ" 80. قال مالك في العتبية: ولا يصلي إلى الخيل والحمير؛ لأن أبوالها نجسة، = من العمل في الصلاة، برقم (3285).

الجزء: 2 - الصفحة: 441

وأبوال الإبل والبقر والغنم طاهرة (1)، قال ابن القاسم: كأنه لا يرى بأسًا بالسترة إلى البقرة والشاة (2).

فصل [في السترة للمأموم]

ومن صلى مأمومًا فليس عليه أن يصلي إلى سترة، وذلك على إمامه، فإن صلى الإمام إلى غير سترة لم يُؤتم به.
وقال مالك: لا بأس أن يمر الرجل بين يدي الصفوف 83. واختلف في توجيه ذلك، فقال مالك: لأن الإمام سترة لهم 84. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لأن سترة الإمام سترة له ولمن خلفه؛ لأن المار يعلم أنه في صلاة فيمتنع من المرور بين يديه؛ ولأنه لا يقع ذلك بين الإمام والصف 85، وإنما يقع بين المصلي إلى الفضاء 86، وقال البخاري: سترة الإمام سترة من خلفه 87. وهذا مثل ما قاله أبو محمد عبد الوهاب.8182

الجزء: 2 - الصفحة: 442

باب في الجمع ليلة المطر

اخْتَلَفَ قول مالك في الجمع بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، فأجاز ذلك مرةً، وأن تقدم العشاء فتصلى قبل مغيب الشفق جماعة 88. فقدم فضل الجماعة على فضيلة الوقت.
ومنع ذلك في "مختصر ما ليس في المختصر" وقال: لا يجمع بالمدينة إلا في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما مساجدها فلا.
وأرى أن الأصل إيقاع الصلوات في مواقيتها، ولا يستعمل خلاف ذلك إلا فيما جاء فيه العمل، وهو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، ولا يقاس عليه سائر المساجد؛ لأنها دونه في الفضل.
ويستخف فعل 89 ذلك في المسجد الحرام، للاختلاف في قدر المساواة بينهما في الفضل.
وإذا منع الجمع فإنه يجوز لمن عاد إلى بيته أن يصلي العشاء في بيته ويترك فضل الجماعة للضرورة في الرجوع، وذلك إذا حدث المطر والناس في بيوتهم قبل أن يأتوا لصلاة المغرب، وأنه يجوز لهم ألا يأتوا، ويتركوا الجماعة، وكذلك شدة الريح وشدة البرد، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنَّه إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ،- وفي حديث آخر: لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَرِيحٍ - يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ يَقُول: أَلاَ صَلُّوا فِي الرَحَالِ" 90.

الجزء: 2 - الصفحة: 443

فصل [في الجمع بين الصلوات]

الجمع يجوز بين المغرب والعشاء إذا كان المطر، أو طين وظلمة وإن لم يكن مطر.
وفي العتبية قيل لمالك: وربما تجلى المطر وبقي الطين أَيَجْمَعُونَ؟ قال: نعم 91. وظاهر هذا إجازة الجمع إذا كان الطين، وإن لم تكن ظلمة، وقال أيضًا: إذا كان الطين والوحل الكثير أرجو أن له سَعَة أن يصلي في بيته.
وعلى هذا يجوز إذا كان في المسجد أن يجمع إذا كان الوحل.
واختلف في وقت الجمع، وفي الأذان للثانية، وفي التنفل بين الصلاتين.
فأما وقت الجمع فقال في الكتاب: إذا كان مطر، أو طين وظلمة يؤخرون المغرب شيئًا قليلًا ثم يصلونها ثم يصلون العشاء وينصرف الناس وعليهم إسفار قليل 92. وقال عنه محمد بن عبد الحكم: يجمع أول وقت المغرب.
وقال أشهب في مدونته: إذا كان المطر تؤخر المغرب إلى عند غيبوبة الشفق ثم يجمع 93. وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: تؤخر المغرب، ثم تصلى، ثم يؤذن للعشاء ويصلون حتى يغيب الشفق أو معه، ثم يصلي، ولا يتنفل بينهما 94. وأجاز ابن حبيب التنفل بينهما، وقال: الذي رأيت أهل العلم يستحبون: أن يؤذن للمغرب في وقتها ثم تؤخر قليلًا ثم يصلونها، فإذا فرغوا

الجزء: 2 - الصفحة: 444

أذن للعشاء في صحن المسجد أذانًا ليس بالعالي، فيتنفل من أحب 95. وقوله في المدونة: في العشاء يصلونها وعليهم إسفار قليل 96 أحسن؛ لأن تقديمها قبل ذلك لم تدع إليه ضرورة، وتأخيرها عن الإسفار تأخير عن وقت الضرورة، ويؤدي إلى الانصراف في الظلمة، وأما في المغرب فَهُم بالخيار بين أن يصلوها إذا غابت الشمس؛ لأنه الوقت الأفضل ولم تدعُ ضرورة إلى تأخيرها عنه، أو يؤخرونها لتجمع مع العشاء.
ومحمل قول مالك أنها تؤخر عن الوقت الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها فيه، وفي الصحيحين 97 عن رافع بن خديج قال: "كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلاَةِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَرَى مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" 98 فأما اليوم فالشأن تأخيرها، فمن جمع اليوم في الوقت المعتاد أجزأه من التأخير.
واختلف فيمن صلى المغرب في بيته ثم أتى المسجد وقد صلوا المغرب أيضًا، فقال ابن القاسم: يجمع معهم 99. وقال مالك في المختصر: لا يجمع 100. والأول أحسن؛ لأن الوجه أن تقدم الصلاة لأجل فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 445

ولا يجمع بين الظهر والعصر إذا كان المطر؛ لأن الناس حينئذ ينصرفون إلى أشغالهم في أمر دنياهم بخلاف الليل، فكان سعيهم لصلاتهم أولى.
وهذا فيمن أراد أن يقدم العصر إلى الظهر، فأما إذا كان الجمع أن تصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها فلا بأس؛ لأن ذلك يجوز من غير مطر.
وهو قول عبد الملك في كتاب محمد.
وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ" 101. وقال في كتاب مسلم: "وَلاَ مَطَرٍ" 102. أنه أخر الأولى إلى آخر وقتها وعجل الآخرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 446

باب في جمع المريض

اختلف في الوقت الذي يجمع فيه المريض، فقال مالك في المدونة: إن خاف أن يغلب على عقله - جمع عند الزوال وعند الغروب.
وإن كان لطرح المشقة فيما يتكلفه من الحركة جمع في النهار وسط وقت الظهر، وفي الليل عند مغيب الشفق.
وفي كتاب ابن حبيب: إذا لم يخف على عقله، وكان الجمع أرفق به لشدة النهوض والوضوء لكل صلاة - فليجمع في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وبمقدار إذا سلم من المغرب غاب الشفق.
ووافق ذلك إذا خاف أن يغلب على عقله أن يجمع إذا زالت الشمس وإذا غربت.
وجعل مالك في مختصر ابن عبد الحكم ذلك قسمًا واحدًا إذا خاف أن يغلب على عقله أو يشق عليه الوضوء.
قال: فلا بأس أن يجمع: يؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء 103. وفي مختصر ما ليس في المختصر: يجمع أول وقت الظهر وأول وقت المغرب قسما واحدًا أيضا، وقال عيسى إذا جمع أول الوقت؛ لأنه خاف أن يُغلب على عقله فلم يذهب عقله أعاد الأخيرة.
وأرى لمن خاف على عقله الخيار بين أن يجمع إذا زالت الشمس؛ لأن له إيقاع الظهر أول الوقت، وله أن يُعجِّل العصر، وله أن يؤخرها فإن سَلِم صلاها، وإلا فلا شيء عليه.
ولا يجب تعجيل العصر وإن علم أنه يُغلب على

الجزء: 2 - الصفحة: 447

عقله، وله أن يؤخر الظهر إلى آخر القامة؛ لأن تعجيل الصلاة أول الوقت ليس بواجب، ويعجل العصر حينئذ إن شاء وإن شاء أخرها ما لم تصفر الشمس.
ولو أخرها بعد الاصفرار وهو يعلم أنه وقت نوبة إغمائه حتى تغيب الشمس لم يكن عليه قضاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 448

باب في جمع المسافر

جمع المسافر يصح في الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح.
والجمع يجوز على ثلاثة أوجه، ويمنع في أربعة: أحدها: أن يقدم العصر فيصليها إذا زالت الشمس مع الظهر، ويقدم العشاء فيصليها إذا غربت الشمس مع المغرب.
والثاني: أن يؤخر الظهر فيجمع بينهما آخر وقت العصر، ويؤخر المغرب فيجمع بينهما آخر وقت العشاء.
والثالث: أن يصلي كل واحدة في وقتها، فيصلي الظهر والمغرب في آخر وقتهما، والعصر والعشاء في أول وقتهما.
وإن زالت الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه إذا رحل كان نزوله بعد الغروب أو غربت وهو في المنهل ونزوله إذا رحل بعد طلوع الفجر - جمع في أول وقت الأولى.
وإن كان نزوله قبل الاصفرار وقبل ذهاب ثلث الليل - لم يجمع وصلى الأولى ورحل وأخر الآخرة حتى ينزل.
وإن زالت الشمس أو غربت وهو على ظهر وكان نزوله قبل الاصفرار أو 104 قبل ذهاب ثلث الليل - أخّر الأولى وجمع في آخر وقت الآخرة 105 إذا نزل.
وإن كان نزوله بعد الغروب أو بعد طلوع الفجر - جمع وصلى الأولى في آخر وقتها، والآخرة في أول وقتها؛ لأنه إنما يتكلف نزولًا واحدًا، وهو قادر على أن يوقع الصلاتين في الوقت المختار، ولا حاجة به إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 449

أن يجعل نزوله أول الوقت ولا آخر الوقت.
وإن زالت الشمس وهو في المنهل، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - جاز ألا يجمع، ويصلي الظهر وحدها، ويؤخر العصر حتى ينزل، وصلاتها حينئذ أخف من تقديمها عند الزوال؛ لأن ذلك يخصها، ولا يتعلق على المصلي حينئذ إثم (1)؛ لأن ذلك للضرورة.
ومثله إذا زالت الشمس وهو على ظهر، وكان نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب - فإنه يجوز له أن يؤخر ليجمع إذا نزل.
وإلى هذا ذهب ابن مسلمة قال: أحسن ما يجمع فيه أن من خرج وأجمع السير يومه كله إلى الغروب - جمع إن شاء، وكذلك جمع أهل عرفة حين راحوا، قال: ولا نرى إلا أن وقتها للضرورة من الزوال إلى الغروب.
فجعل له أن يؤخر ما بينه وبين الغروب.

فصل [فيما يبيح الجمع]

واختلف في الوجه الذي يبيح الجمع، فقال مالك: لا يجمع إلا أن يَجِد به السير، ويخاف فوات أمر 107. وسوى في ذلك بين الجمع عند الزوال، أو الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت، وقال ابن حبيب: يجوز ذلك إذا أراد قطع السفر 108، وقال أشهب في كتابه: يجوز ذلك اختيارًا.
وللحاضر من غير سفر أن يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها.106

الجزء: 2 - الصفحة: 450

قال: وذلك أن يصلي 109 الظهر وقد صار ظل كل شئ مثله.
ويبتدئ صلاتها إذا كان الفئ قامة.
وإذا صلاها أقام وصلى العصر أو يصلي 110 المغرب وقد غاب الشفق 111، وإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العشاء.
وقال مالك عند ابن شعبان: يكره الجمع في السفر للرجال، ويرخص فيه للنساء.
وقال أيضًا: إذا ارتحل المسافرون عند الزوال فلا يجمعون.
يريد: إن كان نزولهم قبل الغروب فلا يجمعون 112. وقول أشهب إنه يجوز الجمع إذا كان يصلي هذه في آخر وقتها والعصر في أول وقتها اختيارًا للمسافر والمقيم - حسن.
ولا خلاف أن تأخير الظهر إلى آخر وقتها اختيارًا جائز، ولا يجوز تقدمة العصر أول وقت الظهر، ولا تأخير الظهر فيصلى قبل الاصفرار إلا لضرورة.
وإذا كان ذلك فلا يجوز 113 إلا للضرورة، مثل أن يخاف على نفسه إذا نزل أو يتكلف مشقة في لحوقه بأصحابه.
وإن كان وحده أو معه النفر اليسير ينزلون لنزوله - فلا يباح ذلك له.
ويختلف إذا كان يخف عليه اللحوق بهم إلا أنه يصلي فذًّا، وإن صلى قبل أن يرحل صلى جماعة؛ قياسًا على الجمع ليلًا لأجل المطر، فقدم مالك مرة فضيلة الجماعة على فضيلة الوقت، ومنعه مرة.
وكذلك تأخير الظهر ليصليها مع العصر في الاصفرار- لا يجوز إلا للضرورة أن يخاف أن يتأخر عن أصحابه، أو يكون وحده ويخاف ذهاب دابته.
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 451

ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلً فَجَمَعَ، وَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ".
أخرجه البخاري ومسلم 114. وزاد مسلم عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ فَيَجْمَعُ، وُيؤَخِّرُ الَمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبيْنَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ" 115. والثاني: حديث معاذ قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوةِ تَبُوك إِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ المَغْرِبِ" 116. والثالث: صلاته - صلى الله عليه وسلم - بعرفة والمزدلفة: قدمَ العصر حين زالت الشمس؛

الجزء: 2 - الصفحة: 452

لأنهم يركبون في الوقوف ولا يدفعون حتى تغرب الشمس، وأخر المغرب؛ لأن الوقت يدخل عليهم وهم ركبان فلا ينزلون إلا بالمزدلفة.
ومحمل الحديث أنه كان إذا زالت الشمس قبل أن يرحلوا - صلى الظهر خاصة على ما يكون نزوله منه قبل الاصفرار، ومحمل الحديث في الجمع على ما كان يعلم أن نزوله يكون بعد غروب الشمس، وكذلك في الليل يُحمل ما روي عنه أنه كان يجمع إذا غربت الشمس، وهو في المنهل على ما يعلم أنه ينزل بعد طلوع الفجر، ولو كان نزوله قبل ذهاب نصف الليل- صلى المغرب وحدها.
ويصح أن يحمل الحديث في صلاة الظهر وحدها فيما يكون نزوله بعد الاصفرار وقبل الغروب، وقد جمع الصلاتين بعرفة حين زالت الشمس؛ لأنهم يتلبسون بأمر لا ينقضي إلا لغروب الشمس، وأخر المغرب بالمزدلفة؛ لأن الشمس تغرب وهم ركبان ويصلون قبل ذهاب نصف الليل.

الجزء: 2 - الصفحة: 453

باب في قصر المسافر الصلاة

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - كانوا يقصرون 117 الصلاة في السفر مع الأمن، وأتم عثمان صلاته في بعض 118 خلافته بمنى خاصة.
واختلف في القصر في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] الآية، هل هو قصر عدد أو قصر هيئة؟ فذهب عمر ويعلى بن أمية وغيرهما 119 إلى أن ذلك قصر عدد، وأخرج مسلم عن يعلى بن أمية "أنه قال لعمر: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟! فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتهُ" 120. وذكر الطبري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: نزلت ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم بعد حولٍ نزلت ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، وحكي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين، فقالت: إنه كان خوف، فهل تخافون أنتم؟ 121. قال: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتم

الجزء: 2 - الصفحة: 454

في السفر (1) فقال: عائشة وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - (2). وذكر الطحاوي في شرح معاني الأخبار (3): عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "قَصَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّ" (4). وعن المسور وعبد الرحمن بن عبد يغوث وحذيفة أنهم كانوا يتمون (5).

فصل [فيما يقصر من الصلوات وحكم القصر]

تُقصر من الصلوات ثلاثٌ: الظهر، والعصر، والعشاء.
واختلف في حكم القصر، فقال مالك في المبسوط: القصر سنة 127. وذكر أبو جعفر الأبهري عن الشيخ أبي بكر الأبهري أنه مخير بين القصر والإتمام.
وقال إسماعيل القاضي وابن سحنون: إنه فرض؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتينِ رَكْعَتيْنِ فَزِيدَ فِي صَلاةِ الحضَرِ، وَأُقِرَّتْ صلاَةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى" 128.122123124125126

الجزء: 2 - الصفحة: 455

والتخيير أبين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" 129. وهذا يقتضي كونه توسعة ورخصة وتخفيفًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: وليس هذا لفظ الإيجاب، وهو كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
أن التأخير ليس بواجب، وله أن يقدمه.
وإذا ثبت التخيير - صح أن يقال: إن القصر سنة، بمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل من الأمرين القصر.
ويُحمل حديث عائشة - رضي الله عنها -: "أُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ" 130 أي: جعل له أن يأتي بها ركعتين، ولم يوجب أكثر، وبين ذلك أنها كانت أتمت في السفر.
ولا يُعترض هذا بأنها أمُّ المؤمنين؛ لأنه لا يختلف أن المرأة لو سافرت إلى أولادها وهم خمسة وبينها وبين كل واحد منهم عشرة أميال، وهي تريد أقصاهم - ما وجب عليها الإتمام، وإِن وطنَ أولادِها ليس بوطن لها، وأن الأم وغيرها في ذلك سواء.
فعلى القول إنه مخير إن أتم لم يُعِدْ، وعلى القول إنه سنة - يعيد ما دام في الوقت.
وعلى هذا قول مالك وأصحابه لا إعادة إذا ذهب الوقت 131. واختلف في صلاة المسافر خلف المقيم بعد القول إنه سنة، أيُّ ذلك أفضل: القصر أو الجماعة إتمامًا؟ لأن الجماعة أيضًا سنةٌ، ويضاعف فيها الأجر بسبعة وعشرين 132 جزءًا، وكان ابن عمر يقدم فضل الجماعة، وإذا قدم مكة

الجزء: 2 - الصفحة: 456

صلى مأمومًا.
وهو الظاهر من قول مالك.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس بصلاة السفري 133 خلف المقيم لِفَضْلِهِ وَسِنهِ 134 وَفَهْمِهِ.
وقال في ثمانية أبي زيد: لا يُصلي خلف المقيم وإن كان في مسجد، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا أن يكون بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومكة والبصرة والكوفة والأمصار الكبار.
وقال مطرف: إنما كان مالك يكره للمسافر أن يدخل في صلاة المقيم، فإن فعل فلا إعادة عليه، فقدم مرة فضل الجماعة، ومنع ذلك في القول الآخر إلا أن تعظم الجماعة، وهذا مثل ما ذكر ابن حبيب أن فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم أجرًا.
ويلزم على قوله: إن الفرض ركعتان - أن يقول: يعيد وإن ذهب الوقت.
وإن صلى خلف حضري نوى ركعتين، فإذا صلى الإمام ركعتين سلم هو أو يجلس ولا يتبعه حتى يسلم بسلامه.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون في رجلين ذكرا صلاة واحدة من يوم واحد، إلا أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية فأمّ الحضريُّ، قال: إذا صلى ركعتين ثبت السفري حتى يتم الحضري فيسلم بسلامه.
وقال أيضًا: يتم معه أربعًا، وقال سحنون بالقولين جميعًا.
وفي التفريع في مسافر يأتم بحضري أنه يتم معه أربعًا، ثم يعيد في الوقت وبعده 135. وهذا جواب من ترجح عنده الخلاف، فأمره أن يتم مراعاة للقول إنه ليس بفرض، ويعيد وإن ذهب الوقت على القول الآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 457

فصل [في محل النية في صلاة السفر]

الخيار يصح قبل الدخول في الصلاة، فيلتزم قبل أن يتلبس به لأحد الأمرين.
ويصح أن يدخل على أنه بالخيار بين أن يتمادى إلى أربع أو يقتصر على ركعتين.
واختلف إذا دخل ينوي ركعتين فأتم أربعًا، أو نوى أربعًا فسلم من ركعتين، فقيل: الصلاة جائزة ويعيد ما لم يذهب الوقت.
وهذا استحسان.
وقيل: يعيد وإن ذهب الوقت.
وقال في المدونة فيمن أحرم ينوي أربعًا ثم سلم من ركعتين: لا تجزئه؛ لأن صلاته على أول نيته 136. قال محمد: وهو الذي ثبت عليه ابن القاسم.
يريد: أنه اختلف قوله، وثبت على أنها لا تجزئه.
وقال مالك في مسافر صلى بمسافرين فقام بعد ركعتين فسبحوا به فلم يرجع، قال: أرى أن يقعدوا ويتشهدوا ولا يتبعوه 137. قال محمد: ولمالك قول آخر: إنهم يصلون معه ويعيدون.
قال: والقول الذي رجع إليه أنهم يسلمون وينصرفون، وهو قول مالك في المختصر 138، فجعل لهم في أحد الأقوال أن يتبعوه في الأربع، وإن كانت نيته ونيتهم ركعتين، ولولا ذلك لم يسبحوا به.
وقيل لمحمد: إذا أتم المسافر بمن خلفه ساهيًا، ولعله إنما أراد ركعتين،

الجزء: 2 - الصفحة: 458

قال: ذلك سواء 139. وإليه رجع ابن القاسم أن العمد والسهو في ذلك واحد 140؛ لأن الزيادة في صلاة السفر قد اختلف الناس فيها، فقيل: لا تجزئه إلا أربع.
قال: ولذلك قال مالك إذا أتمها وخرج الوقت لا إعادة عليه 141. واختُلف في مثل ذلك في الصوم إذا تلبس بصوم يوم من رمضان في السفر، فقال مالك: لا يفطره 142. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: هو بالخيار وله أن يفطر 143، واحتج بفطر النبي - صلى الله عليه وسلم - بِالكَدِيدِ 144. والصواب في الصوم المنع؛ لأنه تلبس بطاعة فلا يبطلها، وقد كان إفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعذر: أصاب الناس عطش وأبوا أن يفطروا حتى رأوه أفطر، وليس كذلك الصلاة؛ لأنه يعمل إحدى الطاعتين التي يصح الاقتصار عليها، وهي ركعتان أو أربع، فإن نوى أربعًا كانت نيته قد اشتملت على فرض وهما الركعتان الأوليَانِ، وما هو في معنى التطوع، وهما الركعتان الأخريان، فإن سلم من ركعتين أجزأه ولم يلزمه الوفاء بما نواه من الزائد؛ لأنه لم يتلبس به، وإن دخل في الثالثة لزمه تمام الأربع؛ لأنه حينئذ نية وفعل، فإن سلم قبل تمام الأربع أفسد صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 459

ولا يخلو المسافر في صلاته أربعًا من أن تكون تلك نيته حين دخوله في الصلاة، وهو من أهل الاجتهاد وذلك رأيه، أو يكون 145 يجهل ويظن أن صلاة السفر والحضر سواء، أو عالمًا بالقصر ونسي حين الدخول في الصلاة، وجرى على العادة في الحضر فنوى أربعًا، أو ناسيًا أنه في سفر، أو نوى ركعتين ثم أتم أربعًا ساهيًا يظن أنه في الركعتين ثم علم بالزيادة، أو ساهيًا أنه في سفر، أو عامدًا يرى جواز ذلك وأن له أن ينتقل إلى الأربع: فإن كانت تلك نيته من الأول 146 لأربع؛ لأنه من أهل الاجتهاد أو مقلد وقلد 147 من ذلك رأيه - مضت صلاته ولا يؤمر بإعادة، وليس لنا أن ننقل المجتهد عن اجتهاده إلى اجتهاد ثان، ولا المقلد إلى تقليد غير من قلده.
فإن فعل ذلك جهلًا يرى أن صلاة المسافر والحاضر سواء - مضت صلاته على قول من قال إنه بالخيار، وأعاد على القول إنه سنة في الوقت، وعلى القول إنه فرض وإن ذهب الوقت.
وإن كان بالبلد فقهاء ثلاثة كل واحد منهم متمسك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى - جاز لهذا العامي أن يقلد أيهم أحب.
وإن كان عالمًا واحدًا وترجحت عنده الأقوال جرت على قولين: أحدهما: أن للمفتي أن يحيله 148 على أيهما أحب.
والثاني: أنه في ذلك كالناقل، وإنما يخبره بالقائلين، وهو يقلد أيهم أحب؛ بمنزلة لو كان القائلون أحياء.
وقد مضى في كتاب الوضوء إذا أحرم للجمعة

الجزء: 2 - الصفحة: 460

ثم رَعَفَ وفاتته الجمعة: هل يبني على إحرامه أربعًا وإن كان الإحرام لركعتين؟ وفي كتاب الصلاة الأول: إذا أحرم وهو يظنه يوم الجمعة فكان يوم الخميس، أو يوم الخميس فكان يوم الجمعة.

فصل [في أنواع السفر]

السفر خمسة، واجب: وهو السفر لحجّة الفريضة أو للعمرة على القول أنها فرض، وللجهاد إذا تعين النفير.
ومندوب إليه: وهو ما يتعلق به طاعة وقربة لله سبحانه ليست بواجبة أو لبر الوالدين أو لصلة رحم أو لتنفيس كربة عن مسلم.
ومباح: وهو السفر للتجارة إلا أن يكون ليعود به على من به خصاصة فيكون مندوبًا إليه.
والقصر يصح في هذه الأسفار الثلاثة.
ومكروه: وهو السفر للصيد واللهو.
وممنوع: وهو السفر في معصية، كالخارج للتلصص أو لقطع طريق أو لقتل رجل ظلمًا.
واختلف في القصر في هذين: هل يجوز أو يمنع؟ وأرى أن يجوز في الصيد، ويمنع في سفر المعصية، وكذلك الإفطار؛ قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. فمن خرج في معصية لا يراد به اليسر إنما حكمه المنع من ذلك السفر جملة.

الجزء: 2 - الصفحة: 461

فصل في مدة السفر الذي تقصر فيه الصلاة

واختلف في مدة السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، وفي الموضع الذي يبتدأ منه القصر إذا خرج، أو يبقى فيه على القصر إذا رجع، وفي المدة التي إذا أقامها بموضع ينقطع بها حكم السفر، وفيمن أخذ في السفر ثم رجع لحاجة أو لغي ها قبل مُضيِّ مدة تقصر فيها الصلاة - هل يبقى على حكم السفر؟ فأما مدة السفر فقال مالك مرة: يومان.
وقال: يوم وليلة.
وهو راجع إلى قوله: يومان؛ لأن السفر ليلًا ونهارًا أشد من 149 سفر نهارين بغير ليل.
ثم ترك ذلك، وقال: يقصر في ثمانية وأربعن ميلًا 150، وهو قول ابن عباس.
فإذا حمل قوله في اليومين للسفر بالإبل والتجارة وأصحاب الأحمال كان موافقًا للأول؛ لأن السفر المتوسط منهم في يومهم أربعة وعشرون ميلًا.
وقال في العتبية فيمن خرج إلى ضيعة على خمسة وأربعين ميلًا: يقصر 151 وقال في المبسوط: يقصر في أربعين ميلًا، وقال ابن القاسم في العتبية: إن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه 152. وقال يحيى بن عمر 153: يعيد أبدًا.
وقال عبد الله بن عبد الحكم: يعيد في

الجزء: 2 - الصفحة: 462

الوقت، وإن قصر في دون ذلك أعاد وإن ذهب الوقت؛ لأنه غير مسافر؛ لأنه لم يختلف فيه 154. يريد: لم يختلف المذهب، وقد اختلف الناس فيه.
وثبت عن ابن عمر أنه كان يقصر في ثلاثين ميلًا.
وقال مالك في المبسوط في مسافر البحر: لا يقصر حتى ينوي اليوم التام؛ لأن الأميال والبُرُدَ لا تعرف في البحر.
وفي السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقَلَشَانة - أنه يتم.
قال: لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه، وإنما وجب عليه الفرض من قلشانة.
وعلى قوله لا يقصر من احتلم من الصبيان أو حاض من النساء إلا أن يكون الباقي من سفرهما ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن صلاة الصبي إن كان يصلي قبل ذلك تطوع، وفي المرأة تسافر وهي حائض ثم تطهر في بقية سفرها ولم يبق منه ما تقصر في مثله الصلاة - نظر.
ولو كان مجنونًا فأفاق لنظر الباقي من سفره هل يقصر في مثله أم لا؟ = "الرد على الشافعي" وكتاب "اختصار المستخرجة" المسمى بالمنتخبة، وكتاب الرؤية.
وكتاب "الوسوسة"، وكتاب "أحمية الحصون" وكتاب "فضل الوضوء والصلاة".
وكتاب النساء.
وكتاب الرد على الشكوكية.
وكتاب الرد على المرجئة.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 357، والديباج، لابن فرحون: 2/ 354، وطبقات الفقهاء للشيرازي، ص: 163، وعلماء إفريقية للخشني، ص: 184، وتاريخ ابن الفرضي: 2/ 181، وجذوة المقتبس، للحميدي، ص: 354، وبغية الملتمس، للضبي: 505، ومعالم الإيمان، للدباغ: 2/ 233، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 13/ 462.

الجزء: 2 - الصفحة: 463

فصل المراعى في السفر السير

والمراعى في السفر السير، ولا يضاف إليه الرجوع، فمن خرج لسفر أربعة وعشرين ميلًا ثم يعود من فوره - لم يقصر.
وقال مالك في الرجل يدور في القرى وليس بين منزله وبين أقصاها أربعة برد أنه لا يقصر 155. يريد: أنه لا يحسب من ذلك ما كان في معنى الرجوع.
وإن خرج يمينًا ثم أمامًا ثم شمالًا ثم يعطف راجعًا حتى يدخل البلد الذي خرج منه فإنه يحسب ما كان يمينًا وأمامًا وشمالًا ما لم يستدر فيصير وجهه -في تصرفه ذلك الذي كان يدور فيه- إلى البلد الذي خرج منه؛ لأنه كالراجع فلا يحتسب مع ما تقدم إذا كانت نيته الرجوع إلى البلد الذي خرج منه، إلا أن يكون فيما خرج به لبيعه، ويطوف به على تلك الأماكن مما يشك هل ينقضي بيعه فيه قبل أن يسير ما تقصر بمثله الصلاة، فإنه يتم؛ لأن الأصل الإتمام، فلا ينتقل إلى القصر بالشك في غاية سفره.
والشك على ثمانية أوجه: أولها: أن يشك هل يسافر أم لا؟ كالذي يبرز للسفر، فإن أدركه صاحبه سافر، وإلا لم يسافر، أو يكون طريقه على صاحب له لا يسافر إلا بسفره.
والثاني: أن يكون عازمًا على السفر، ولا يدري متى يفصل من المكان الذي يبرز إليه 156. والثالث: أن يكون الشك في مدة السفر، كالذي يخرج لطلب آبق أو ضالة لا يدري يقرب وجود ذلك أم لا، أو خرج يطوف القرى بما يبيعه، ولا يدري

الجزء: 2 - الصفحة: 464

يقرب البيع والرجوع أم لا.
والرابع: أن يصح سفره ويشك هل يرتفع حكم سفره؟ كالذي يتقدم له سفر يقصر فيه 157 ثم يقدم بلدًا لِبَيع ما معه ولا يدري أيقيم أربعة أيام أم لا؟ والخامس: أن يخرج عن بلده أميالًا ثم يذكر حاجة فيبعث 158 رسوله ليأتيه بها.
والسادس: أن يرجع بنفسه.
والسابع: أن يكون سفره في البحر فترده الريح.
والثامن: أن يرده الغاصب.
فإن برز ليدركه صاحبه وكان لا يسير إلا بسيره وهو على شك هل يدركه أم لا - أتم.
وإن كان على وعد وثقة من لحوقه قبل أربعة أيام - قصر، وإن كان على شك هل يلحقه قبل أربعة أيام أم لا - أتم.
وقال مالك في سماع أشهب في الذين يكترون من مصر إلى الحج، ويبرزون على بريد ويحبس الناس هناك اليوم واليومين، قال: أحب إلي أن يتموا؛ لأنهم لا يدرون متى يسار بهم 159. فهؤلاء عازمون على السفر، إلا أنهم لم يسيروا منه ما تقصر فيه الصلاة، وأمرهم في فصولهم بيد غيرهم، فكانوا على الأصل وهو الإتمام.
وإن خرج لطلب آبق أو ضالة فإنه يتم؛ لأنه لا يدري هل يقرب وجوده

الجزء: 2 - الصفحة: 465

أم لا، قال مالك: ولو سافر أيامًا فإنه يتم فإذا رجع قصر 160. واستحسن إذا سافر مدة تقصر في مثلها ثم أخذ في التمادي في الطلب - أن يقصر حينئذٍ، بخلاف من كانت نيته لسفر قريب ثم زاد عليه؛ لأن هذا كان شاكًّا في مبتدأ سفره فتبين بعد ذلك أنه بعيد، فيعمل في التمادي على ما تبيّن.
وإذا قدم من بلد بعيد وكان يقصر الصلاة ليبيع تجارة معه، وهو على شك في مدة إقامته في البلد الذي قدمه والتصرف فيما معه هل ذلك أربعة أيام أو أكثر أو أقل فإنه يتم؛ لأن غاية سفره قد بلغه وانقضى، والرجوع إحداث سفر ثان.
قال مالك في المبسوط: إلا أن تكون حاجتهم عند من يعلم أنه سيفرغ منها في يومين أو ثلاثة فليقصر، فإن شك أتم.
وفي كتاب محمد فيمن سافر فلما بلغ أقل من أربعة بردٍ وجّه رفيقًا كان معه إلى المنزل الذي خرج منه إلا أن هذا لا خروج له للوجه الذي أراد، حتى يرجع إليه رسوله، قال: لا يزال مقصرًا.
ورأى أنه لما 161 كان باقيًا بنفسه أنه على حكم السفر، وإن شك في مقامه إلى أن يعود رسوله هل يقيم أربعة أيام أم لا؟ واختلف إذا رجع بنفسه ففي كتاب محمد أنه في رجوعه على حكم السفر - يقصر حتى يدخل البلد، فإذا دخله وكان له بها أهل أتم، وإن لم يكن له بها أهل قصر.
وإن كان قبل سفره يتم بها فإنه لا يتم الآن؛ لأنه خرج رافضًا لذلك المقام لما لم تكن نيته الرجوع إليه 162. قال محمد: وقد اخْتَلَفَ في هذا الأصل قول مالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 466

وقال ابن القاسم في المجموعة: يتم في رجوعه.
ورأى أن حكم السفر قد سقط لما أخذ في الرجوع فيتم في رجوعه، وفي البلد الذي يعود إليه إذا كان قبل خروجه يتم به.
واختلف فيمن خرج مسافرًا في البحر فسافر أيامًا ثم ردته الريح، قال مالك: يتم الصلاة 163. يريد: في رجوعه، وفي البلد الذي أقلع منه وإن لم يكن وطنه إذا كان يتم فيه؛ لأنه لم يصح رفضه.
وقال سحنون: يقصر إذا لم يكن له مسكنًا.
يريد: لما لم يكن رجوعه باختيار من نفسه فكان كالمكره على الرجوع.
والقول الأول أبين؛ لأنه في شك من أول سفره إذا كان سفره بالريح، فكان الحكم فيه بمنزلة ما تقدم ذكره 164 فيمن لا يسير إلا بسير صاحبه، ولو رده غاصب لكان على القصر في رجوعه وفي إقامته إلا أنه لا يقصر ثانية إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام 165. وقال مالك فيمن دخل مكة فأقام بها بضع عشرة ليلة، ثم بدا له فخرج 166

الجزء: 2 - الصفحة: 467

إلى الجُحْفَة ليعتمر منها ثم يقيم بمكة اليوم واليومين ثم يخرج أنه يتم بمكة؛ لأنها كانت له وطنًا (1). وقال أيضا: يقصر بها (2). وهو أبين؛ لأنه قد سافر إلى مدة يقصر في مثلها الصلاة، فصار بذلك رافضًا للمقام الأول.
ولو خرج من مكة ليعتمر من التنعيم ثم يخرج من فوره لأتم في خروجه إلى العمرة وفي رجوعه وفي مكة إذا رجع؛ لأن هذه كانت نيته لما خرج: العودة إلى مكة؛ فلم يصح رفض مقامه الأول لما كان خروجه إلى الأميال اليسيرة، يفارق بذلك من كان خروجه على ألا يعود ثم حدثت نيته في العودة.

فصل في مبتدأ القصر

وأما مبتدأ القصر فقال مالك مرة: إذا برز عن بيوت القرية قصر، وإذا رجع قصر حتى يدخل البيوت أو قربها 169. وقال أيضًا: إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال، وإذا رجع قصر إلى حد ذلك.
وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها عن يمين وشمال، وليس ذلك عليه في مزارعها.
وقال ابن حبيب: إذا جاوز البيوت وانقطع منها انقطاعًا بينًا قصر، كانت مما يجمع أهلها أو لا يجمع.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر في مسافر البحر: يقصر إذا توارى عن البيوت.
وقال أيضا: إذا خلفها.
وهو قول محمد.167168

الجزء: 2 - الصفحة: 468

فصل في الإقامة التي ترفع حكم السفر

واختلف في الإقامة التي ترفع حكم السفر: فقال محمد: ذلك أن ينوي ما يقيم فيه عشرين صلاة.
وقال ابن القاسم في العتبية: أربعة أيام، ولا يحتسب باليوم الذي يدخل فيه 170. وهو أحسن؛ للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة فبات بذي طوى ثم دخل صبح رابعة من ذي الحجة، ثم خرج يوم التروية، وهو اليوم الثامن، بعد أن صلى الصبح، ولم يزل يقصر حتى خرج 171. وذلك إحدى وعشرون صلاة سوى صلاته بذي طوى.
وقد تنازع الناس في هذه المسألة، فقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم الصلاة.
وروي عن علي وابن عباس عشرة أيام 172. وقال الأوزاعي: اثنا عشر يومًا.
وروي عن عمر خمسة عشر يومًا.
واختلف عن ابن عمر فروي عنه أنه قال مثل ذلك، وروي عنه اثنا عشر يومًا مثل قول الأوزاعي.
واختلف فيه عن ابن عباس أيضًا، فقال في البخاري: "أقامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ نَقْصُرُ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا" 173.

الجزء: 2 - الصفحة: 469

وقال أنس: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتيْنِ رَكْعَتيْنِ حَتَّى رَجَعَ.
قِيلَ لَهُ: أَقَمتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا".
أخرجه البخاري.
واختلف إذا نوى الإقامة وهو في الصلاة بعد أن صلى منها ركعة، فقال مالك: يجعلها نافلة ثم يبتدئ صلاة مقيم 174. وقال ابن القاسم في العتبية: وإن كان إمامًا قدم غيره، وخرج وابتدأ هو الصلاة معهم 175، وقال عيسى: يبتدئ هو وَهُم الصلاةَ.
وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: إذا عقد 176 ركعة أضاف إليها أخرى وأجزأته عن صلاته فذًّا كان أو إمامًا، وإن لم يعقد 177 ركعة وكان فذًّا - أتم على إحرامه أربعًا، وإن كان إمامًا يستخلف.
يريد: ويتم على إحرامه أربعًا.
وأرى أن يتم ما هو عليه ركعتين وإن كان كما أحرم وتجزئه، وإنما يخاطب بالأربع في صلاة أخرى، وهو في هذه بمنزلة من دخل بالتيمم ثم طرأ عليه الماء.
واختلف في الناعس والغافل في أول ركعة، هل الإحرام ركن يبني عليه؟ وقال مالك فيمن أراد مكة من مصر يسير يومًا ويقيم يومًا: أنه يقصر في جميع سفره وإقامته حتى يأتي مكة 178. وكذلك الجواب إذا كان يسير يومًا ويقيم

الجزء: 2 - الصفحة: 470

يومين، أو يسير يومًا ويقيم ثلاثة - يقصر في سفره وإقامته.
وإن كان يقيم أربعة أيام - أتم في إقامته، ثم ينظر في سفره فيما بينه وبين ذلك، فإن كان فيه ما تقصر فيه الصلاة - يقصر.
واختلف إذا كان فيما بين ذلك ما لا تقصر فيه الصلاة هل يتم الصلاة؛ لأن أيام الإقامة فاصلة بين السفرين، أو يقصر؛ لما كانت نيته من الأول يسير جميع ذلك؟ والأول أقيس.
وقال مالك في المجموعة فيمن خرج إلى ضيعتين له بينه وبين الأولى ثلاثون ميلًا، وبين الأولى والثانية مثل ذلك، وينوي إقامة عشرة أيام لا يدري كم يقيم في كل ضيعة - إنه يقصر حتى يجمع على إقامة أربعة أيام في الأولى 179. فأمره بالقصر؛ لأن نيته سفرٌ جملته ستون ميلًا، وهو شاكّ في الفصل فيه، والشك لا يرفع حكم السفر.
وقال محمد بن مسلمة، فيمن قدم مكة ينوي المقام بها، وهو يريد الحج، وليس بينه وبين الخروج إلى منى إلا أقل من أربعة أيام: إنه يقصر حينئذ حتى يرجع إلى مكة بعد حجه؛ لأنه إنما قدم مجتازًا يريد المقام بعد الرجعة.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يتم الصلاة بمكة قبل الخروج.
والقول الأول أبين، ولا تضم إقامته الأولى إلى ما بعدها كما لا يضم السفر الأول إلى ما بعده إذا كان بينهما إقامة أربعة أيام.
وقول مالك في هذا موافق للقول في تلك المسألة في تلفيق السفرين.
وقال مالك في المجموعة في الرعاة يتبعون الكلأ بماشيتهم: يتمون 180.

الجزء: 2 - الصفحة: 471

وكذلك إذا خرج أهل الجيش بمحشرهم: يتمون الصلاة.
يريد: أهل الخيل يركبونها للرعي، والخيل المحشرة 181 يترك ركوبها وتخرج للرعي، فأمرهم بالإتمام؛ لأن الشأن في مثلهم أنهم يسيرون الأميال اليسيرة ثم ينزلون بالموضع يقيمون به الأيام ثم ينتقلون إلى غيره، فأما من كان يسير الأميال الكثيرة العشرين والثلاثين ثم ينزل فيقيم دون الأربع فهو يقصر في سيره وإقامته، وإن كان يقيم أربعة أيام فأكثر أتم في إقامته، ويختلف في قصره في سيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 472

باب في انتقال نية المسافر

وقال مالك فيمن خرج مسافرًا فمر في طريقه على رجل فواعده أن يسافر معه وبينهما ما لا تقصر فيه الصلاة، فإن كان لا يسير إلا بسيره لم يقصر حتى يجاوز بيوت صاحبه، وإن كان عازمًا على السفر، وإن لم يسر من واعده - قصر إذا جاوز بيوت قريته.
وقال ابن القاسم فيمن تقدم قومًا للخروج إلى موضع تقصر فيه الصلاة، ينتظرهم في الطريق حتى يلحقونه: إنه إن كان عازمًا على السفر وإن لم يسر من ينتظره - قصر إذا جاوز بيوت قريته، وإن كان لا يبرح إلا بهم أتم حتى يلحقونه 182. قال الشيخ -رحمه الله-: فإن عزم بعد ذلك على السير وإن لم يلحقوه - قصر إذا بقي من سفره ما تقصر في مثله الصلاة، ومثله إذا كان طريقه على من واعده، وكان لا يسير إلا بسيره ثم عزم على السفر، وإن لم يسر صاحبه فإنه يقصر إذا بقي من سفره ما يقصر في مثله.
وإن خرج وهو عازم على السفر وكان يقصر، فلما صار ببعض الطريق عزم ألا يسير إلا بسيره - رجع إلى الإتمام إذا لم يكن بين الموضع الذي خرج منه وبين صاحبه ما يقصر فيه.
ومثله إذا خرج من بلد ومن نيته أن يمر ببلده ويدخل على أهله، ثم عزم على ألا يدخل، وإن كانت نيته ألا يدخل ثم عزم على أن يدخل إليهم - أتم إذا لم يكن بين الموضع الذي خرج منه وبين أهله

الجزء: 2 - الصفحة: 473

ما يقصر في مثله، وإن كانت نيته أن يدخل ثم رجع إلى ألا يدخل - قصر إذا كان الباقي من سفره ما يقصر فيه.
واختلف في صلاته في ذلك المنهل الذي نوى التمادي به، فقيل: يتم حتى يرتحل (1) منه؛ لأنه كان في حكم المقيم.
وقال ابن حبيب: يقصر؛ لأنه رفض الإقامة.
وليس هو عنده بمنزلة من نوى السفر من وطنه.
ويختلف على هذا لو قدم بلدًا لتجارة ومن نيته أن يقيم به أربعة أيام، فلما كان بعد يوم أو يومين عزم على السفر، فعلى قول ابن حبيب يقصر وإن لم يخرج؛ لأنه لم يكن وطنه.
وإن كانت نيته أن يخرج إليه أهله ثم يتمادى على سفره، فإن كان خروجهم إلى موضع لا يجب على من به أن يأتي الجمعة - بقي على القصر، ويختلف إذا كان على دون ذلك.

فصل ومن خرج لسفر ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي للغروب ثلاث ركعات صلاهما سفريتين

ومن خرج لسفر ولم يكن صلى الظهر ولا العصر وقد بقي لغروب الشمس مقدار ثلاث ركعات - صلاهما سفريتين، فإن بقي مقدار ركعة أو ركعتين صلى الظهر حضرية؛ لأنه سافر بعدما خرج وقتها، والعصر سفرية؛ لأنه خرج 184 في وقتها.
ويختلف هل يبتدئ بالظهر، وإن كان فيها قاضيًا؟ أو بالعصر؛ لأنه فيها مؤد؟ وإن قدم من سفره وقد بقي للغروب خمس ركعات صلاهما183

الجزء: 2 - الصفحة: 474

حضريتين، وإن كان مقدار ركعة إلى أربع صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، إلا أن ها هنا يبتدئ بالظهر؛ إذا بقي للغروب أربع ركعات، أو ثلاث؛ لأنه إذا بدأ بالظهر وهي ركعتان بقي وقت العصر ركعة أو ركعتان، فإن كان الذي بقي للغروب مقدار ركعة أو ركعتين جرت على القولين هل يبتدئ بالظهر أو بالعصر؟ واختلف إذا خرج لمقدار ركعتين وقد صلى العصر ونسي الظهر، هل يصلي الظهر سفرية أو حضرية؟ وأن يصليها حضرية أحسن، ولا مشاركة للظهر مع العصر حينئذ.
واختلف أيضًا في مشاركة العصر للظهر عند الزوال، فقيل: إذا زالت الشمس اختص ذلك الوقت بالظهر، فمن صلى العصر حينئذ قبل الظهر كان بمنزلة من صلى الظهر قبل الزوال: يعيد وإن ذهب الوقت، وقيل ذلك وقت مشترك لهما، والإعادة ما كان في الوقت.
والقول الأول أصوب؛ فالزوال يختص بالظهر أربع ركعات للمقيم، وركعتان للمسافر، وكذلك آخر النهار يختص بالعصر أربع ركعات للمقيم، وركعتان للمسافر؛ لأن الزوال وقتٌ للظهر بإجماع، وجاءت السنة بمشاركة العصر في السفر وما أشبه ذلك أن يصلي بعد الظهر، فاتبع ذلك على ما جاءت به السنة والآثار.
ولم يأت في حديث ولا غيره أن العصر صليت قبل الظهر، وكذلك عند الغروب جاءت السنة أن آخر الوقت للعصر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ". . .مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 185. وقاس العلماء مشاركة الظهر لها فيما قبل ذلك قياسًا على مشاركة العصر للظهر، ولم تأت سنة ولا إجماع بأن آخر

الجزء: 2 - الصفحة: 475

قبل ذلك قياسًا على مشاركة العصر للظهر، ولم تأت سنة ولا إجماع بأن آخر الوقت يكون وقتًا للظهر، فوجب أن يبقى للعصر خاصة.
وإن خرج مسافرٌ في آخر الليل ولم يكن صلى المغرب ولا العشاء، أو قدم من سفر في آخر الليل ولم يكن صلاهما - فإن المعتبر مقدار ركعة لطلوع الفجر لا غير ذلك، فإن بقي لمن خَرَجَ مقدار ركعة - صلى العشاء سفرية، وإن قدم لمقدار ركعة صلاها حضرية؛ لأن المغرب لا يتغير حكمها لمسافر ولا لمقيم، وإنما يفترق الجواب في العشاء ولها آخر الوقت، ويفترق الجواب أيضًا بماذا يبتدئ؟ فإن بقي مقدار ما يصلي أربع ركعات بدأ بالمغرب، وإن بقي مقدار ركعتين أو ثلاث - دخل الخلاف المتقدم (1)؛ لأنه إن بدأ بالمغرب صار قاضيًا للعشاء، ومذهب ابن وهب أنه يبتدئ بالتي حضر وقتها على القضاء.
وأرى أن يبتدئ بالمغرب إذا بقي مقدار ثلاث ركعات؛ لأنه إن بدأ بالعشاء بقي مقدار ركعة.

فصل من ذكر صلاة حضرية في سفر صلاها صلاة حضر

ومن ذكر صلاة حضر في سفر - صلاها صلاة حضر؛ لأنه العدد الذي عمرت به ذمته، فسفره لا يحط بعض ذلك عنه. وإن ذكر صلاة سفر في حضر صلاها ركعتين، فإن صلاها أربعًا أجزأته؛ لأنها صلاة منسية، فبالفراغ منها خرج الوقت؛ فلم تجب إعادة على القول أنها سنة، ولا على القول أن القصر فرض؛ للاختلاف في ذلك، والقول إنه مخير أَبينُ؛ لأن ذلك له جائز مع بقاء الوقت.186
= الموطأ: 1/ 6، في باب وقوت الصلاة، من كتاب وقوت الصلاة، برقم (5).

الجزء: 2 - الصفحة: 476

وقال مالك: صلاة الأسير في دار الحرب أربع، إلا أن يسافر به 187. وصلاة الجيش في أرض الحرب ركعتان.
وإن حاصروا حصنًا شهرين أو ثلاثة قصروا 188، وليس دار الحرب كغيرها.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان الجيش مثل الطوائف نزلوا بنية المحاصرة وهم الظاهرون ولا يخشون ممن يجليهم عن ذلك الموضع وهم يعلمون أن إقامتهم تطول- لأتموا.

الجزء: 2 - الصفحة: 477

باب في الصلاة في السفينة وهل يركب البحر إذا كان لا يأتي بالصلاة على شروطها؟

قال مالك: يكره ركوب البحر لما يدخل على الإنسان من نقص في صلاته وغير ذلك 189. قال الشيخ -رحمه الله-: ركوب البحر على ثلاثة أوجه:

  • جائز: إذا كان يعلم أن من شأنه أنه يأتي بفرضه قائمًا، ولا يميد 190.
  • ومكروه: إذا لم تتقدم له عادة بركوبه، ولا يعلم إذا ركبه هل يميد فيعطل صلاته، أم لا؟ ولا يقال: إنه ممنوع؛ لأن الغالب السلامة.
  • وممنوع 191: إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر على أداء الصلاة، أو كان لا يقدر على الصلاة لكثرة الراكب، أو لا يقدر على السجود.
    وقال مالك في سماع أشهب: إذا لم يقدر أحدهم أن يركع أو يسجد إلا على ظهر أخيه فلا يركبون لحج ولا لعمرة؛ أيركب حيث لا يصلي؟! ويل لمن ترك الصلاة 192.

الجزء: 2 - الصفحة: 478

ويكره أيضًا إذا كان لا يقدر على الصلاة إلا جالسًا.
وقال في المبسوط فيمن أراد ركوب البحر في وقت صلاة الظهر، فأراد أن يجمع الظهر والعصر قبل أن يركب قائمًا؛ لما يعلم من شدة البحر وأنه لا يصلي فيه قائمًا، قال: يجمعهما في البر قائمًا أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يصليهما في وقتهما قاعدًا 193. وقال في العتبية: إذا لم يقدروا على القيام قعدوا، ولا بأس أن يؤمهم أحدهم 194. ومحمل قوله في هذين السؤالين على ما يفعله من ركب أو عزم على ركوبه، ليس على ما يختاره له من الركوب أو الترك.
واستحب مالك لمن كان في السفينة وهو قادر على الخروج - أن يخرج فيصلي في البر 195. لأن صلاته في البر 196 أقرب للسكينة والوقار، وليعفر وجهه في التراب.
وقال مالك: إذا كانوا لا يقدرون على الصلاة جماعة تحت سقفها إلا أن يحنوا رؤوسهم - أنهم يصلون على ظهرها 197 أفذاذًا؛ لأن في ذلك نقص هيئة، فإن فعلوا ووفوا بالقيام - مضت صلاتهم، وعليهم أن يستقبلوا القبلة، فإن دارت السفينة داروا إلى القبلة 198. وهذا في الفرض.
واختلف في النفل،

الجزء: 2 - الصفحة: 479

فجعله في المدونة مثل ذلك، بخلاف الدابة 199، وقال في المختصر: لا يتنفل في السفينة إلا إلى القبلة 200، وأجاز ابن حبيب أن يتنفل على حاله.
والأول أحسن، ولا مشقة في ذلك بخلاف الدابة.

الجزء: 2 - الصفحة: 480

باب في ركعتي الفجر

الأصل فيهما حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" 201. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لهما أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا".
أخرجه مسلم 202. واختلف هل هما سنة أو من الرغائب؟ فقال مالك: يستحب العمل بهما 203. وقال أصبغ: هما من الرغائب.
وقال أشهب: هما سنة وليستا كالوتر 204. واختلف فيما يقرأ به فيهما؟ وهل القراءة سرًّا أو جهرًا؟ فقال مالك: الذي أفعل أنا في القراءة بأم القرآن وحدها 205. وقال في كتاب محمد: سرًّا.
لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إِنِّي لأَقُولُ: أَقَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ أَمْ لاَ؟ " 206. وقال أيضًا في "مختصر ما ليس في المختصر": يقرأ فيهما بسورتين من قصار

الجزء: 2 - الصفحة: 481

المفصل.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (1). وروي عن ابن عباس أنه قرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا.
. .﴾ الآية [البقرة: 136]، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] (2). وفي هذا دليل على أنه كان في بعض الأوقات يجهر بالقراءة.
ولا وجه للقول أنه يسر فيهما؛ لأنهما من صلاة النهار؛ لأن بعدهما صلاة الصبح والقراءة فيها جهرًا.

فصل يؤتى بهما بعد الفجر

ويؤتى بهما بعد الفجر، ومن صلاهما قَبْلُ أعاد 209. ويستحب له أن يأتي بهما في بيته، وإن خرج إلى المسجد قبل أن يركعهما - ركعهما فيه.
واختلف هل يأتي بركعتين تحية المسجد قبلهما؟ وإذا أتى بعد أن ركعهما هل يركع تحية المسجد ثم يجلس؟ فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يركع للحديث: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكعْ.
. ." 210. وقال في العتبية:207208

الجزء: 2 - الصفحة: 482

كل ذلك قد رأيت من يفعله، وأما أنا فأحب إلي أن يقعد 211. وقال أيضًا مثل قوله الأول.
ويختلف على هذا إذا أتى المسجد ولم يركع، فعلى قوله الأول: هو بالخيار بين أن يبتدئ بتحية المسجد ثم بركعتي الفجر، أو بركعتي الفجر خاصة؛ لأن الابتداء بالفرض قبل الجلوس ينوب عن تحية المسجد، فكذلك ركعتا الفجر تنوب عن تحية المسجد.
وعلى القول الآخر يأتي بركعتي الفجر خاصة، وهذا راجع إلى الخلاف في النفل بعد طلوع الفجر، فعلى من أجاز ذلك - يركع تحية المسجد وركعتي الفجر، ويتنفل بعد ذلك ما أحب.
وقد قال مالك وأشهب: لا بأس أن يصلي بعد الفجر ست ركعات.
وقال في الذي يفوته حزبه من الليل: له أن يصليه بعد الفجر.
وأجاز التنفل حينئذ، وإنما يكره ذلك ابتداءً حمايةً؛ لئلا تُوقع الصبح في آخر وقتها، ويتهاون بقيام الليل فيأتي به بعد الفجر.
وأما من أتى المسجد ولم يأت الإمام، أو كان قد أتى وتأخر عن إقامة الصلاة: فلا بأس أن يتنفل الآخر ما شاء ما لم تقم الصلاة.
وقال مالك فيمن أتى المسجد ولم يركع ركعتي الفجر والناس في الصلاة، فإن لم يكن دخل المسجد ركعهما إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة، فإن خاف = أبواب المساجد في صحيحه، برقم (433)، ومسلم: 1/ 495، في باب استحباب تحية المسجد بركعتين، من كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (714)، ومالك في الموطأ: 1/ 162، في باب انتظار الصلاة والمشي إليها، من كتاب قصر الصلاة في السفر، برقم (386). وانظر: الاستذكار، لابن عبد البر: 2/ 305، 306

الجزء: 2 - الصفحة: 483

أو كان دخل المسجد - صلى مع الإمام وتركهما 212. وقال ابن الجلاب: يخرج من المسجد ويركعهما إذا كان الوقت واسعًا 213. وقول مالك أحسن لوجهين: أحدهما: أن في خروجه حينئذ أذى للإمام.
والآخر: أن صلاته للفرض جماعة تضاعف له على صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة - أولى من صلاته ركعتين نفلًا.
وركعتا الفجر عند مالك تفتقران إلى نية.

الجزء: 2 - الصفحة: 484

باب في الوتر وهل هو واجب؟ وما يقرأ فيه

الوتر سنة، واختلف في وجوبه، وعدده، وهل يفتقر إلى نية؟ وهل يختص بقراءة؟ وفي آخر وقته.
فقال سحنون: يجرح تاركه.
وقال أصبغ: يؤدب من تركه.
فجعلاه واجبًا.
وقال أبو جعفر الأبهري وأبو محمد عبد الوهاب: ليس بواجب 214. وهو أبين؛ للحديث "أن أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ.
. .، فَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" 215. فيه دليل أن الوتر ليس بواجب من خمسة مواضع: أحدها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ" ولو كان واجبًا لقال: ست صلوات.
والثاني: قوله عند قول الأعرابي: هل علي غيرهن؟ قال: "لا".
والثالث: قوله: "إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ".
فجعل ما بعد الخمس تطوعًا، إن شاء فعل.
والرابع: قول الأعرابي: لا أزيد.
والخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" فسلم له قوله: "لا أزيد".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً

الجزء: 2 - الصفحة: 485

تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" 216. أي: توتر له تلك الصلاة التي هي مثنى مثنى، وصلاة الليل ليست بواجبة، فكذلك ما يوترها - وسئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الوتر: "أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ" 217. واختلف في عدده، فقال مالك: الوتر واحدة 218. وقال في كتاب الصيام: يوتر بثلاث 219. وهو خلاف قوله الأول.
وقال في المسافر: لا يوتر بواحدة 220. وروى عنه عليّ بن زياد أنه يوتر بواحدة.
وقال سحنون فيمن أوتر بواحدة: يشفعها بأخرى إن كان بالحضرة، وإن تباعد أجزأه.
وقال ابن المواز فيمن ذكر سجدة لا يدري من الشفع أو من الوتر: إنه يسجد سجدة ثم يعيد الشفع والوتر.
فجعل الوتر ثلاثًا، فإن أوتر بواحدة لم تجزئه؛ لأنه إن كانت السجدة من الوتر فقد أصلحه، وإن كانت من الشفع بطل، وسلم الوتر.
واختلف بعد القول إنه ثلاث، هل من شرطه أن يؤتى بهما معًا؟ فقال مالك في المجموعة فيمن تنفل بعد العشاء ثم انصرف: فلا ينبغي أن يوتر بواحدة ليس قبلها شيء 221. وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا بأس بذلك 222.

الجزء: 2 - الصفحة: 486

وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صلى مع الإمام أشفاعًا ثم انصرف ثم رجع فوجده في الوتر فدخل معه، قال: لا يعتد به، وأحب إلي أن يشفعها بركعة ثم يوتر.
قيل له: فإن فعل؟ قال: إن فعل فالوتر ليس بواحدة.
وفي رواية أخرى: فالوتر ليست بواجبة 223. واختلف هل يفتقر إلى نية؟ فقال مالك في كتاب محمد فيمن أحرم بشفع ثم بدا له أن يجعله وترًا، أو أحرم لوتر ثم أراد أن يجعله شفعًا، قال: ليس ذلك له في الأمرين جميعًا.
وقال أصبغ: إن فعل أجزأه 224. وقال محمد: لا يجزئه إذا أحرم بشفع 225 ثم جعله وترًا، ولعله يجزئه إذا أحرم بوتر فشفعه.
فجعله شفعًا فجعله أصبغ جائزًا وإن لم ينوه في حال الإحرام.
وهذا ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ". . . إِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" 226. وظاهر هذا أنه إذا خشي الصبح وهو في الشفع انصرف من ركعة.
واختلف في إعادة الوتر إذا صلى بعده شفعًا، فقال مالك: لا يعيده.
وقال في المبسوط فيمن أوتر ثم ظن أنه لم يصل إلا ركعتين فأوتر بركعة ثم تذكر بعد أن فرغ أنه كان أوتر قال: يضيف إليها أخرى ثم يستأنف الوتر.
واختلف فيمن زاد في الوتر ركعة ساهيًا، فقال مالك: يجزئه ويسجد لسهوه 227.

الجزء: 2 - الصفحة: 487

وقال في المبسوط: يستأنف وتره.
وهذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاِتكُمْ بِالليلِ وِتْرًا" (1). فإن شفع وتره بركعة أو صلى بعده شفعًا - أعاده.
وأما القراءة فيه فقد اختلفت فيها الأحاديث، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وروي عنه: أنه كان يقرأ في الآخرة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين (2). وبهذا أخذ مالك في الآخرة.
وروي عنه في مختصر ما ليس في المختصر أنه كان يقرأ في الأولى والثانية بمثل ما جاء في الحديث الأول.
وقال في المجموعة: إن الناس ليلتزمون في الوتر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين وما ذلك بلازم، وإني لأفعله، وأما الشفع فما عندي فيه شيء تستحب القراءة به فيه (3). وهو أبين؛ للحديث: ". . فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً.
." (4) ففيه دليل أن الشفع لا يفتقر إلى نية ولا لقراءة.

فصل أول وقت الوتر بعد صلاة العشاء

أول وقت الوتر بعد صلاة العشاء، فمن قدمه على الصلاة لم يجزئه، وإن صلى بعد العشاء ثم تبين أن صلاة العشاء كانت على غير طهارة لم يجزئه.228229230231

الجزء: 2 - الصفحة: 488

واختلف في آخر وقته، فقال مالك: يصلى بعد الفجر ما لم يصلِّ الصبح 232. وقال أبو مصعب: لا يقضي بعد الفجر.
وقال ابن الجهم 233: إنما قال مالك: يُصَلَّى بعد الفجر وإن كان من صلاة الليل، للاختلاف في الفجر، فقال قوم: هو من الليل.
وقال قوم: هو من النهار.
وقال قوم: حال بين حالين.
فلتأكيده أحب قضاءه في هذا الموضع، ولا أرى أن يُقْضَى بعد الفجر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ" أخرجه مسلم 234، وقوله: ". . .فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكعَةً.
.". واختلف بعد القول إنه يصَلَّى بعد الفجر إذا ذكره بعد أن تلبس بصلاة الصبح، أو لم يتلبس بها وضاق الوقت فإن أوتر أدرك ركعة من الصبح، فقال مالك: إذا ذكر وهو في جماعة قطع؛ لأن الوتر سنة، فهو إن ترك فضل الجماعة

الجزء: 2 - الصفحة: 489

صلى صلاة هي سنة.
وقال أيضًا: لا يقطع 235. وقال ابن وهب عنه: إن شك تمادى مع الإمام، ثم أوتر، ثم أعاد الصبح.
يريد: يتمادى بنية النفل.
وقال في المدونة في الفذ: يقطع 236. ففرق بينه وبين من كان في جماعة.
وقال في المبسوط: لا يقطع.
وقال في كتاب ابن حبيب في الإمام: يقطع.
وعلى القول الآخر لا يقطع.
ولا خلاف أنه إذا ذكر بعد الفراغ من الصبح أن صلاته ماضية ولا يوتر.
وإن استيقظ وقد بقي لطلوع الشمس قدر ركعتين صلى الصبح وترك الوتر 237. وقال أصبغ: يصلي الوتر والصبح، وكذلك إذا بقي مقدار أربع ركعات.
فعلى قول ابن القاسم يوتر بواحدة ويصلي الصبح.
وقال أصبغ في كتاب محمد: يوتر بثلاث ويصلي الصبح.
والقول إنه لا يقطع 238 إذا تلبس بالصلاة، وألا يزاحم بالوتر الصبح - أحسن، وقد ذهب وقت الوتر بطلوع الفجر، فكيف بمن دخل في الصلاة أو ضاق عليه الوقت؟

الجزء: 2 - الصفحة: 490

باب في قضاء الصلاة بعد خروج وقتها

قضاء الصلاة ساقط عن الحائض والنفساء والمجنون والمغمى عليه، وواجب على الناسي والمتعمد والنائم.
واختلف فيمن يصح منه الأداء وغلب على الطهارة والتيمم، وقد تقدم ذلك، والقضاء على النائم والناسي على الفور، بخلاف قضاء الصوم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله -عز وجل- يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] " 239. فتضمن هذا الحديث وجوب القضاء على الناسي والنائم وأنه على الفور؛ لقوله: ". . .إِذَا ذَكَرَهَا.
. ." في أي وقت ذكر؛ من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس أو غروبها قضى فيه، وقياسًا على الحائض تطهر حينئذ فإنها تصليها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبْحِ.
. ." الحديث 240، فكل واحد من هؤلاء له عذر في الصلاة حينئذ.
ثم لا يخلو الناسي من أربعة أحوال: إما أن يذكر وهو في الصلاة، أو بعد الفراغ منها وقبل خروج وقتها، أو بعد أن خرج الوقت، أو قبل أن يتلبس بها.
فإن كان في صلاة كان فيها قولان: هل تفسد، أو يستحب له القطع في بعض الحالات؟ فقال مالك: إن كان مأمومًا مضى على صلاته، ولم يستحب له

الجزء: 2 - الصفحة: 491

القطع؛ لأنه في فضل الجماعة.
وإن كان في المغرب سلم من ثلاث ولم يضف إليها رابعة؛ لأنها فرضه، والإعادة استحسان.
وفي رواية أخرى أنه يضيف إليها رابعة.
وهذا مبني على القول إنها تفسد.
واختلف إذا كان إمامًا، فقيل: يقطع ويقطعون ولا يستخلف؛ لأن القطع استحسان.
ولو تمادى ولم يقطع لأجزأت، فكان في قطعه شبه من العمد، وفارق الحدث؛ لأن القطع هنالك مجمع عليه.
وقال ابن القاسم عند محمد: يستخلف، كالحدث لما لم يقطع عابثا.
وإن كان في آخر ركعة جاز أن يتم بهم.
وإن كان فذًّا وذكر بعد الإحرام وقبل الركوع قطع.
ولمالك في العتبية: إنه يتم ركعتين ثم يسلم، وإن كان قد ركع أضاف ثانية وسلم، فإن كان صلى ركعتين سلم، ولو كان صلى ثلاثا أضاف رابعة وكانت هي فرضه والإعادة استحسان.
وقال: يقطع بعد ثلاث، والقطع في جميع ما تقدم استحسان.
ولو ذكر عندما أحرم ثم أتم أجزأته صلاته؛ لأنه قال فيمن صلى صلوات وهو ذاكر لصلاة نسيها: إنها تجزئه ويعيد الآخرة في الوقت.
وقال ابن حبيب: تفسد عليه التي ذكر فيها، وتجب عليه الإعادة أبدًا.
وقال أشهب فيمن ذكر الصبح وهو في صلاة الجمعة وكان إن خرج أدرك الصبح وركعة من الجمعة قطع، وإن كان لا يدرك ركعة تمادى ثم يصلي الصبح ولا يعيد الجمعة، بمنزلة صلاة خرج وقتها.
وأرى فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة أن يتمادى في صلاته فذًّا كان أو إماما أو مأموما، وهو بمنزلة من طرأ عليه الماء وهو في الصلاة بالتيمم، ولا يتوجه الخطاب بالمنسية وهو متلبس بأخرى.

الجزء: 2 - الصفحة: 492

فصل من ذكر شيئًا بعد أن سلم من صلاته

وإن ذكر بعد أن سلم من صلاته صلى ما نسي، وأعاد التي سلم منها ما لم يخرج الوقت.
واختلف في الوقت الذي يعيد فيه، فقال مالك: يعيد الظهر والعصر ما لم تغرب الشمس 241، والمغرب والعشاء ما لم يطلع الفجر.
وقال في المبسوط: إذا ذكر الظهر بعد أن صلى العصر فإنه يصلي العصر ما لم تصفر الشمس.
قال: وكذلك المغرب والعشاء.
يريد: أنه يعيد العشاء ما لم يذهب نصف الليل، وهو الوقت المختار.
فعلى هذا إن ذكر الصبح بعد أن صلى الظهر والعصر ولم تصفر الشمس أعاد العصر وحدها، وإن صلى الظهر وحدها أعادها ما لم تدخل العصر.
وكذلك في صلاتي الليل تعاد الصلاة ما لم يخرج وقت الاجتهاد؛ لأنه إنما تعاد الصلاة ليؤتى بها على أفضل ما أتى بها قبل، وصلاتها في ذلك الوقت أفضل.
واختلف إذا ذكر الإمام صلاة نسيها في الوقت وأعادها، هل يعيد من ائتم به في تلك الصلاة؟ فقال ابن القاسم مرة: لا يعيد 242. وقال أيضا: هم بمنزلته، يجب عليهم ما يجب عليه 243. وأن لا إعادة عليهم أحسن؛ لأن إعادته ليأتي بالترتيب، ليس لأنه بمنزلة من لم يصل، ولم يخلواهم بشيء من ذلك.
واختلف فيمن ذكر صلاة نسيها بعد أن صلى الجمعة، فقال مالك وابن

الجزء: 2 - الصفحة: 493

القاسم في كتاب محمد: يعيد الجمعة ظهرًا (1). وقال الليث وأشهب: لا إعادة عليه، والفراغ من الجمعة بمنزلة خروج الوقت.
قال: وأما إذا نسيها حتى يدنو من الغروب فلا يعجبني أن يصلي الجمعة ولو كان عند آخر وقت الظهر أو بعده بقليل (2).

فصل من ذكر صلاة كبل أن يلتبس بالصلاة التي هو في وقتها

وإن ذكر صلاة 246 قبل أن يتلبس بالتي هو في وقتها بدأ بالتي نَسِيَ، إلا أن يكون في آخر وقت الأخْرَى، مثل أن يَذْكُرَ الصبحَ عند غروبِ الشمسِ ولم يصلِّ العصرَ أو العشاءَ عند طلوع الشمس ولم يُصلِّ الصبحَ، فإن بدأ بالتي نسي غربت الشمس أو طلعت - فقال مالك وابن القاسم: يبدأ بالتي نسي 247. وكذلك إذا نسي ثلاث صلوات 248 أو أربعًا، وإن نسي سِتًّا فأكثر - بدأ بالتي هو في وقتها، واختلف قولُهُ إذا كانت خمس صلوات: فقال: يبدأ بها وهي يسيرة 249. وقال: يبدأ بالتي هو في وقتها 250. وقال ابن وهب: يبدأ بالتي هو في وقتها وإن كانت المنسيةُ صلاةً واحدة.244245

الجزء: 2 - الصفحة: 494

وقال أشهب في مدونته: يبدأ بأيّتهما أحب (1). قال: وذلك واسع لاختلاف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: يبدأ بالأولى، وهو قول مالك وابن شهاب، ومنهم من قال: يبدأ بالآخرة، وهو قول سعيد بن المسيب وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال محمد بن مسلمة: يبدأ بالمنسيات وإن كَثُرَتْ إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة.
قال: ولو أن رجلا صلى جُنبًا شَهْرينِ وَلَمْ يَعْلَمْ - فإنه يبتدئ بها قَبْلَ صلاةِ يومِهِ وإن خَرج وقتُها إذا كان لا يفرقها حتى يصلي جميعها.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كانت صلواتٌ كثيرةٌ، فإن صَلاها كلها فاته وقت التي حضر وقتها - فإنه يُصَلِّي بعض تلك الصلوات، فإذا خاف فواتَها صلاها ثم صلى بعدها ما بَقِيَ.
وقولُ ابنِ وهب أبين، وإنما يتوجه القضاءُ على الفور إذا لم يتعين ذلك الوقت للصلاة، وإن تعين لم تزل عن وقتها؛ فتكُونَان فائتتين جميعا.

فصل اختلف إذا ذكر صلاة وهو في أول وقت التي هو فيها

واخْتُلف إذا ذَكَرَ صلواتٍ كثيرة وهو في أول وقت التي هو فيها: في أول الظهر 252، أو في أول وقت العصر.
فقال ابن القاسم: إذا كان يقدر على أن يصلي 253. ما نَسِيَ والظهرَ والعصرَ قَبْلَ أن تغرب الشمس - بَدَأَ بما نَسِيَ، وإلا251

الجزء: 2 - الصفحة: 495

بدأ بالتي هو في وقتها (1). واختُلف فيه عن مالك: فرُوِيَ عنه مثلُ ذلك: أن المُراعَى إلى غروب الشمس، ورُوِيَ عنه اصفرار الشمس (2). وقال أشهب وابن حبيب: المُراعَى في ذلك الوقت المختار.
وقال ابن حبيب: إذا كان إن (3) أخر الظهر إلى وقت يجوز لغيره تأخيرُها- أَتَم ما ذَكَرَ، بدأ بها وإن كَثُرَتْ، وإن كان إن بدأ بها خَرَجَ الوقتُ- بدأ بالظهر، إلا أن تكون المنسيةُ خمسَ (4) صلوات فأقلّ (5). وعلى قوله إذا ذَكَرَ في أولِ وقتِ العصرِ فإنه يقدم (6) ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ.
وعلى قول ابن مسلمة يبدأ بِهِن وإنْ كَثُرْنَ وغربتِ الشمسُ إذا كان لا يفرقها.
وعلى قول محمد بن عبد الحكم يبدأ بالمنسياتِ، فإذا خاف فواتَ وقت التي هو فيها صَلاها ثم صَلى ما بَقِيَ، والقول إنه يبتدئ بالمنسيات ما لم يخرج الوقت المختار- أحسن، ولا يخرجها إلى الوقت المذموم وهو قادر على الوقت المختار.

فصل القضاء في المنسيات على الفور

القضاء في المنسيات على الفَوْرِ، ولا يؤخرُها إذا كان قادرًا على الإتيان بجميعها من غير حَرَجٍ، فإن كثرت وكان لا يقدر على الإتيان بجميعها مرةً إلا254255256257258259

الجزء: 2 - الصفحة: 496

على مشقةٍ - أَتَى بما يقدر عليه من ذلك حتى يوفي 260 جميعَها، والترتيب في ذلك واجبٌ، يقضي الأُولَى فالأُولَى.
ويُختلف إذا أخّرَ الأُولَى، فعلى قول ابن القاسم في 261 المدونة: تجْزِئُهُ ولا يعيدُ 262 قِياسًا على قوله فيمن صَلى صلواتٍ وهو ذاكرٌ لصلاة، فإن فعل ذلك نَاسِيًا ذِكْرَ ظهرِ أمس، فلما صلاها ذَكَرَ صبحًا قَبْلَهَا- لم يُعِدِ الظهرَ؛ لأنه بالتسليم منها بمنزلةِ صلاةٍ خَرَجَ وقتُها، ويُختلف إذا ذَكَرَ وهو فيها، هل تفسد عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 497

باب في السهو في الصلاة

وقال مالك في إمامٍ 263 سَلمَ من ركعتين فَسبحوا به فلم يفقهْ، فقال له رجل ممن معه في الصلاة: لم تتم.
فالتفتَ إلى القومِ فقال: أحقٌ ما يقول هذا؟ قالوا: نعم.
قال: يُصلِّي بهم ما بَقِيَ من صلاتهم، ويصلي معه بقيةَ صلاتهم، الذين تَكَلموا والذين لم يتكلموا، ويفعلون في ذلك مثل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذي اليدين 264. وقد اختُلِفَ في هذه المسألة في ثلاثةِ مواضعَ: أحدها: هل تفسد صلاة من كَلم الإمامَ؟ والثاني: إذا كان الإمامُ على يقين أنه أَتَم، هل يرجع إلى قولهم أو ينصرف؟ والثالث: إذا شك، هل يجوز له أن يسألهم، أو يُتِمُّ ولا يسألهم؟ فقال مالك: تصح صلاة من كلم الإمام؛ للحديث، كان ذلك في الركعة الثانية أو غيرها 265. وقيل: إن تكلم في الثانية صَحتْ، وإن كان ذلك في الأولى أو الثالثة لم تَصَح؛ لأن الحديثَ كان في اثنتين.
وقال ابن كنانة: تبطل صلاةُ من تَكَلمَ في أيِّ ركعة تَكَلمَ.
قال: وإنما كان ذلك لمن خَلْفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصةً؛ لأن الفرائضَ كانت تُنْسَخُ والوحيُ يَنْزِلُ.

الجزء: 2 - الصفحة: 498

وهذا يفسد من نفس الحديث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه لم يُنسخْ، لقوله: "مَا قَصُرَتْ" ثم سأل فقال: "أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا"؟ فقالوا: نعم.
ثُم أَتَم هو ومن مَعَهُ، فلم تبطل صلاتُه ولا صلاتُهم، ولا فرقَ بين الثانية وغيرها؛ لأن كل ذلك مما تدعو إليه الضرورةُ لإصْلاح الصلاةِ.
وفي كتاب مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - تَكَلمَ في الثالثة 266 وَأَتَم 267. فالإمام بعد إخبارهم على ثلاثة أوجهٍ: إما أنْ يذكر أنّه لم يُتم، أو يبقَى على يقينِه، أو يَشُكَّ.
فإنْ تذكّر أنّه صلّى ركعتين أتمّ ولم يكلِّمهم.
واختُلِف إذا بقِي على يقينه: هل يتمّ بهِم أو ينصرف؟ فذكر ابنُ القصَّار عن مالك في ذلك قولين.
وقال محمد بن مسلمة: إن كثُر منْ خلْفهُ صدّقهُم وأتمّ بِهِم، وإن كان الاثنانِ والثلاثةُ لم يصدقهم وانْصرف وأتمُّوا هُم.
وهذا أحسنها؛ لأنّ الغالب في العدد الكثير أن السهو مع الإمام.
وأما إذا شك الإمامُ عند قولهم، فالمعروفُ من المذهب أنه يَبْنِي على ما تَيَقنَ، ولا يسألهم.
وقال أَصْبَغُ في كتاب ابن حبيب: يسألهم، وليس ذلك عنده بمنزلة من شَك قبل السلام.
وأجاز محمد بن عبد الحكم أنْ يسألَهم وإنْ لم يكنْ سَلم، ورأى أن ذلك كله لإصلاح الصلاةِ، وخارجٌ عن الكلامِ المَنْهِيِّ عنه، فلا فرقَ بين أن يكون

الجزء: 2 - الصفحة: 499

قبلَ السلام أوبَعْدَه، ولا تفسد عليه ولا على من كَلمَهُ.
وعكسه أَن يرى الإمامُ أنه في ركعتين ويقوم للإتْمَام، ويرى من خَلْفَهُ أنه أَتَم فَسَبحوا به وأشاروا إليه (1) فلم يفقَهْ، فإنّه يكلمه واحدٌ من الجماعة، فإنْ تذكرَ أو شَك رَجَعَ إليهم وسَلمَ.
وإن بَقِيَ على يقينِهِ وكان معه النفرُ اليسيرُ أَتَم صلاتَه ولم يَرْجِعْ إلى قولهِم.
ويُخْتَلَفُ إِذا كان معه العَدَدُ الكثيرُ، فَعَلَى قول محمد بن مسلمة يرجع إليهم؛ لأن الغالبَ أن الوَهْمَ مَعَهُ، وإذا كان له أن يتمادى لقلةِ من خَلْفَهُ فإنه يختلف فيمن خلفه: هل يسلمون الآن أو ينتظرونه حتى يتم ثم يُسَلِّمُ بِهِم ويسجد من خلفه سجود السهو؟ لأنهم على يقين أن الإمامَ قد سها فزاد الركعتين.
وعلى القول أن الصلاة تَبْطُلُ إذا زِيْدَ فيها مثلُ نصفِها- ينتظرونه مَا لَمْ يَدْخُلْ في السادسة؛ فيسلمون ولا ينتظرونه (2).

فصل إذا شك الإمام ومن خلفه فأخبرهم عدلان أنهم أتموا

وإذا شَك الإمامُ ومن خلفه فأخبرهم عَدْلان أنهم أَتَمُّوا رَجَعَ 270 إليهما وسَلمَ.
واختلف إذا أخبره عدلٌ واحدٌ فقال مالك مرةً: لا يَجتزئ بذلك.
ولم يرَ أن تبرأ ذمتُهُ بقول الواحدِ.
وقال في كتاب محمد: إذا أخبره واحدٌ أنه أتم طوافه - أَرْجُو أن يكون في ذلك بعض السعة.
وأراه من باب الإخبار لا من باب268269

الجزء: 2 - الصفحة: 500

الشهادات.
وعلى هذا يَجتزئ بخبر (1) الواحدِ العدلِ في الصلاة إذا أخبره أنه أَتَم، والحر والعبد والمرأة في ذلك سواء.
وإن شك فأَخْبره واحدٌ أنه لم يتم- عَمِلَ على أنْ يأتي بما شك فيه؛ لأنه الحكم لو لم يخبره.
وقول المخبر: أَتْممْتَ.
بخلاف قوله: إنك في ركعتين.
وإن كان على يقين أنه أتَم، أو أنه في ركعتين- لم يَرْجِعْ لقول من ليس معه في صلاته، إلا أن يكونوا عددًا كثيرًا -عَلَى قول محمد بن مسلمة- فيَرجعُ إليهم إذا (2) قالوا: أَتْممْتَ.
أو: إنك في ركعتين.

فصل [في نسيان سجدة من الصلاة]

وإذا نَسِيَ سَجْدَةً من الرابعة سجدها وأعاد التشهدَ وسجد بعد السلام- وإن نَسِيَ سجدة من الثالثة بَطَلَتْ؛ لأن الرابعة حالتْ بينه و 273 بين إصلاحها وأتى بركعة وسجوده 274 بعد السلام.
وإن نَسِيَها من الأولى أو الثانية كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: يكون بانيًا فيقرأ في الركعة 275 التي يأتي بها بأمِّ القرآن وَحْدَها، وسجوده قبل السلام؛ لأنه زاد الركعة الملغاة 276، وعادت الثالثة ثانية؛ فنقص منها السورة التي مع أم271272

الجزء: 2 - الصفحة: 501

القرآن والجلسة (1). وقال ابن وهب وأشهب في مدونته: يكون قَاضيًا فيقرأ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ، وسجوده بعد السلام (2). وإن نَسِيَ سجدتين مجتمعتين كان الجوابُ فيها مثلَ ما تقدم في السَّجدَة الواحدة، وإن كانتا مفترقتين، إحداهُما من الرابعة والأخْرَى من الثالثة- خَر إلى سجدةٍ يُتِمُّ بها الرابعة ثُم أَتَى بركعةٍ بأمِّ القرآن، وسجوده بعد.
وإن كانت واحدة من الثالثة والأخْرى من الأُولَى أو الثانية كان بانيًا على قول ابن القاسم، فإن ذكر بإثرِ سجودِ الرابعة جَلَسَ وتَشَهدَ؛ لأنها ثانية، ثُم يَأتِي بركعتين بأمِّ القُرْآن، وسجوده قَبْلُ؛ لأنه زاد الملغيتين ونقص السورة التي مع أمِّ القرآن من الثانية.
وعلى القول الآخر يكون قاضيًا فيأتي بالأُولَى بالحمد وسورةٍ، والثانية بالحمد، وسجوده بَعْدُ.

فصل من شك في سجدة من الرابعة

فإن شَك في سجدةٍ من الرابعة- سَجَدَها وتَشَهدَ وسَلمَ وسجد بعد السلام، وإن شَك: هل هي من الثالثة أو الرابعة؟ كان فيها قولان: فقول ابن القاسم يسجد الآن؛ لإمكان أَن تكون من الرابعة، ثم يأتي بركعة؛ لإمكان أن تكون من الثالثة.
وقال أشهب: يأتي بركعة ولا يسجد الآن؛ لأنه إنما عليه سجدةٌ أو ركعةٌ،277278

الجزء: 2 - الصفحة: 502

والركعةُ تنوب عن السجدة (1). وإن شَك في سجدتين: هل هما مجتمعتان أو مفترقتان؟ أو هل هما من الثالثة أو الرابعة؟ فإنّه يأتي الآن بسجدتين؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الرابعة، ثم بركعةٍ؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الثالثة أو مفترقتين إحداهما من الثالثة والأخرى من الرابعة.
وإنْ شَك: هل هما مفترقتان أو مجتمعتان من الركعتين الأوليين؟ أتى بركعتين؛ لإمكان أن تكونا مفترقتين، ثم يختلف هل يكون فيهما قاضيًا أو بانيًا؟

فصل من صلى خامسة ثم ذكر سجدة من الرابعة

وإن صلى خامسةً ثم ذكر سجدةً من الرابعة كان فيها قولان: فقيل: يأتي بسجدة يتم بها الرابعة؛ لأن الخامسةَ زائدةٌ فهي ملغيّة لا تحول بينه وبين إصلاح الرابعة.
وقيل: بطلت الرابعةُ بالخامسة.
واختُلِفَ بعد القول ببطلانها، فقيل: يأتي بها.
وقيل: لا يأتي بها؛ لأن الخامسة تعود رابعةً، وقد أتى بها بنية الرابعة.
وإن شَك أنْ تكون السجدةُ من الخامسة أو الرابعة- فعلى القول الأول يأتي بسجدة؛ لإمكان أن تكون من الرابعة ويسلم وسجوده بعد 280. وعلى القول الثاني يأتي بركعةٍ؛ لإمكان أن تكونَ من الرابعة وقد بَطَلَتْ،279

الجزء: 2 - الصفحة: 503

والخامسة لا تنوب عنها.
وعلى القول الآخر يُسَلِّمُ ويَسْجُدُ لسهوه، ولا شيءَ عليه غير ذَلِك؛ لأنه يقول: إذا كانت السجدةُ من الخامسة فقد سَلِمَتْ الرابعةُ، وإن كانتْ من الرابعة فقد بَطَلَتْ وسَلِمَت الخامسةُ، وهي تنوب عنها.
وإن قال: لا أدري أسقطتُ سجدةً أو سجدتين مجتمعتين أو مفترقتين؟ فعلى القول الأول يكون بمنزلة من لم يصلِّ الخامسةَ؛ فيأتي بسجدتين ينوي بههما تَمَامَ الرابعة؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين منها، والخامسةُ ملغية لا تحول بين إصلاحها.
وعلى القول الثاني يأتي بسجدة ينوي بها الخامسة؛ لإمكان أن تكونا مفترقتين؛ فتكون الرابعةُ قد بَطَلَتْ بالخامسة، والخامسةُ تَنُوبُ عنها وهي ناقصة سجدة.
ولا يأتي بسجدتين بحال؛ لأنه إن كانتا مجتمعتين من الخامسة فقد سَلِمَتْ الرابِعَة، وإن كانتا من الرابعة فَقَدْ سَلِمَتْ الخامسةُ وهي تَنُوبُ عنها.
وعلى القول الآخر يأتي بركعة؛ لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الرابعة أو إحداهما وقد بَطَلَتْ، والخامسة تمنع إصْلاحها، فكان عليه أن يأتي بركعة.
وقال ابن القاسم في إِمَامٍ سها في الظهر فَصَلى خمسًا؛ فتبعه قومٌ سَهْوًا وقوم عَمْدًا، وقولم قعدوا ولم يتبعوه: فإنه يعيد من اتبعه عامدًا، وتَمّت صلاةُ من سواه من إمامٍ أو مأمومٍ 281. قال محمد: فإن قال بعد السلام: كنتُ ساهيًا عن سجدةٍ- بَطَلَتْ صلاةُ من جَلَسَ، وتمتْ صلاةُ من اتبعه سَهْوًا أو عَمْدًا 282. يريد: إذا أسقطوها هم

الجزء: 2 - الصفحة: 504

أيضا.
والصواب أن تَتِم صلاةُ من جلس ولم يتبعه؛ لأنه جلس متأولا، وهو يرى أنه لا يجوز له اتباعُه، وهذا أعذر من الناعس والغافل.
وتَبْطُلُ صلاةُ من اتبعه عَمْدًا إذا كان عالما أنه لا يجوز له اتباعُهُ، وإن كان جاهلا يظنُّ أن عليه اتباعَهَ- صَحتْ صلاتُهُ.
وقد قال مالك فيمن أَدْرَكَ الإمامَ في الثانية فَسَها الإمامُ وصَلى خامسة فَصَلاها معه وهو لا يعلم: صَحتْ صلاتُهُ، وكملت له رابعة، ولو عَلِمَ بَطَلَتْ صلاتُهُ.
فأبطل الصلاة مع العمد وإن تبين أنها رابعة.
واخْتُلِفَ إذا ذكرَ الإمام في تشهد الرابعة أنه لم يسجد في الأُولى وكان سجدها من خلفه: قال محمد: تمَتْ صلاةُ القوم، ويقضي الإمامُ تلك الركعة كما فاتَتْه بعينها، ولا يتبعه فيها أحدٌ دَخَلَ معه تلك الساعة، فصار الإمام بمنزلة المستخلف بعد ركعة 283. وقول سحنون لا تُجزئهم تلك الركعةُ التي سجدوا فيها دوُنَهُ 284 ولا يحتسب جميعُهُم إلا بثلاثِ ركعات، ويأتي الإمامُ بركعة ويتبعونه فيها.
واختُلف إذا ذَكَرَ الإمامُ وهو قائم في الثانية: فقيل: يُستحب لمن خَلْفَهُ أن يعيد سجودَها معه، وهو بمنزلة من رفع من الركعة أو السجدة قبل إمامه، فإن لم يرجع مع الإمام أجزأته ركعته.
وقال سحنون: يجب عليهم أن يسجدوها معه 285. وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسجدوها معه، وسجدتُهم الأولى تُجْزئهم،

الجزء: 2 - الصفحة: 505

فإذا أتمُّوا قام الإمامُ ومن سها بسهوه فَصَلَّوا ركعةً بسجدتيها يؤمُّهم فيها الإمامُ (1). قال: وأحب إلي أن يعيدَ (2) الذين سجدوا دون الإمام، وهو أحبُّ إلي من أن يأمرهم أن يسجدوا ثانيةً فيزيدوا في صلاتِهم متعمدين أو يقوموا معه، ولا يسجدوا فيكونوا قد صَلوا خمسًا (3).

فصل من نسي السجود في الأولى فذكر وهو قائم في الثانية

ومن نَسِيَ السجودَ من الأولى 289 فَذَكَرَ وهو قائم في الثانية عاد إلى سجودها، وإن ذَكَرَ بعد أن رفع من الثانية بَطَلَتْ الأُوْلَى وعادتْ الثانيةُ أُوْلَى.
واختُلِفَ إذا ذَكَرَ وهو راكعٌ، فقيل: ذلك عقدٌ للركعة؛ فيمضي فيها، وقد بَطَلَت الأُولى 290. وقيل: ليس بعقدٍ لها، ويعود إلى إصلاح الأُولى 291. وجعله محمد بالخيار بين أن يمضي على التي هو فيها، أو يمضي على إصلاح الأولى؛ لما كان لا تصح له سوى رَكْعَةٍ 292، وإِنما يفترق الأمرُ في النية، وإما أن يرفع ويَنْوِي تَمَامَ ما هو فيه أو 293 إصلاح الأولى، وفي 294 كلا الأمرين286287288

الجزء: 2 - الصفحة: 506

إنما يأتي بسجوده.

فصل في هيئة العود للإصلاح

295 واختُلِفَ بعد القول أنه يعود إلى إصلاح الأُولى: هل يرفع لينحطّ إلى السجود من القيام حسبما كان يفعل لو لم يسهُ؟ وإن نَسِيَ وسجد واحدةً- لم يعد إلى القيام؛ لأنه كان انحط إلى السجود من قيام.
واختُلِفَ: هل ينحط للسجود أو يجلس ثم يسجد إذا لم يكن جلس؟ والقولُ إن وضع اليدين على الركبتين عقد الركعة أحسنُ؛ لأن المقصودَ من تلك القُرْبَةِ أن يمْتثل الخضوعَ لله سبحانه على تلك الصفة، والمراد بالرفع أن ينحط إلى السجود من قيام؛ لأنه أبلغ للتواضع لتلك القربة الأخرى.
وأما إذا نَسِيَ سجدةً فالصوابُ أن يجلسَ ثم يسجد، وهو في هذا بخلاف من قام من الجلسة الأولى قبل التَشَهُّدِ، فإن ذلك لا يرجع إلى الجلوس؛ لأنه تلبس بالفرْضِ الذي بعد تلك السُّنة، فلا يسقطُهُ لسُنةٍ، وهذا تَلَبُّس بفرضٍ حكمه أن يسقط لأجل فرض وهي السجدة، فإذا سقط لأجل فرض 296 ولم يعتد به كان بمنزلة من لم يتلبس به، ووجب أن يأتي بالجلوس ثم يسجد.
وإن نَسِيَ السجودَ من الأُولى والرُّكوع من الثانية وأتى بسُجُودِهَا- كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: لا يجزئه هذا السجودُ عن سجود الأولى 297؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 507

نيتَهُ كانت فيه للثانية 298. وقال محمد بن مسلمة فيمن سها عن سجودِ الرابعة وأَتَى بسجدتين عن سَهْوٍ دَخَلَ عليه في صلاتِهِ قَبْلَ السلام، ثم ذَكَرَ أَنه لم يَسْجُدْ في الرابعة: إن سجدتي السهو تجزئانه عن سجدتَي الرابعة.
وعلى هذا تجزئه سجدتا الثانية عن الأولى، بل هو في هذه أَحْرَى؛ لأنه فرضٌ كلُّهُ، وهذا نفل عن فرض.
وإن قرأ وسجد ونسي الركوعَ فقال مالك في سماع أشهب: يرجع قائما ثم يركع 299. قال: ولو أنّه قَرَأَ قبل أن يركع كان أحب إلي، ويجري فيها قولٌ آخرُ: أنه يرجع مُحْدَوْدِبًا؛ فيطمئنُّ راكعًا ثم يرفع فتجزئه، وهذا على القول أن الانحطاطَ من الركوع ليس بفرضٍ 300. وإِنْ رَكَعَ وسَها عن الرفع من الركوع وانحط للسجود فقال مالك في العتبية: تجزئه 301. فجعل الرفعَ سنةً.
وقال أَيْضًا: يَتَمَادَى وَيُعِيدُ 302. وهذا جوابُ من ترجح 303 عنده الأمرُ 304: هل هو فرضٌ أو سنة؟ فلم يأمرْهُ (5) الرجوع إلى الرفع؛ لإمكان أن يكون سنة،

الجزء: 2 - الصفحة: 508

وأَمَرَ بالإعادة؛ لإمكان أن يكون فَرْضًا.
وقال محمد: يرجع إلى الركوع مُحْدَوْدِبًا ثم يرفع ويسجد بعد السلام، وإن رَجَعَ إلى القيام أعاد صلاتَهُ.
فَجَعَلَ الرفْعَ فَرْضًا.
وقال ابن حبيب: يرجع إلى القيام مُعْتَدِلًا كالرافع من الركوع.
وهذا أحسنُ؛ لأن القصد من الرفع أَن ينحط منه للسجود.
قال: وإن لم يذكر حتى رَكَعَ التي تليها مَضَى في صلاتِهِ حَتى يُتِمها على تلك الركْعَةِ وَيُعِيدُ.
قال: ولم يأمرْهُ أَن يُلْغِيَ تلك الركعة للاختلاف.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: وقياس القول أنه يرجع إلى القيام إذا كان في تلك الركعة- أن يقول: يلغيها إذا حال بينه وبين إصلاحها ركعةٌ أخرى.
ويختلف إذا تَرَكَ الرفعَ متعمِّدًا، هل تَبطل صَلاته، فَقال ابنُ حبيب: يَمْضِي ويعيد للاختلاف.
وقياس قول محمد تفسد عليه، والصحيح أن الرفع فرض لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: ". . .ارْجعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكلعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا.
. ." الحديث 305. وإن نَسِيَ الجلسة الأُولى 306 حتى استوى قائمًا لَمْ يرجع، لحديثِ ابن بحينة قام من اثنتين فسبحوا به فلم يرجع، فلما فَرَغَ من صلاتِهِ سجد ثم سلم، وقال: "هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -".
وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي 307، وليس

الجزء: 2 - الصفحة: 509

في حديث الموطأ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبح به وهو قائم.
واختلف إذا لم يستوِ قائمًا، فقال مالك في المدونة: إن استقل عن الأرض تمَادى (1). وقال في الواضحة: يرجع ما لم يستوِ قائمًا (2). وهو أحسنُ، فيرجع ما لم يتلبس بالفرض الذي بعد الجلوس وهو القيام.
وإن رجع بعد أن استوى قائما سَهْوًا- لم تفسد صلاتُهُ.
وسجد عند ابن القاسم بعد السلام.
وقال أَشْهَبُ: قَبْلُ (3). وهو أَبْيَنُ؛ لأنه اجتمع عليه سهوان، زيادة ونقصان.
وقال سحنون: إذا رَجَعَ فليتمّ جلوسه ولا يقوم، ويكون سجودُهُ على هذا بعد السلام (4). والأولُ أصوب؛ لأن حكمَ الجلوسِ سقط بالقيام، وكذلك إذا رجع عامدًا وظَن أن ذلك الواجب عليه، فإن صلاتَهُ تَصِحُّ.

فصل في السهو عن الأقوال

وهذا الجوابُ عَنْ تَرْكِ الأفعال، وأما الأقوال فهو أن يسهو في القراءة فيسر فيما يجهر فيه، أو يجهر فيما يسر فيه، أو يسهو عن التكبير مما سوى تكبيرة الإحرام، أو عن قول: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَهُ، أو عن التشهدَيْنِ أو عن السلام.
فقد تَقَدَم في الكتاب الأول 312. إذا سها عن تكبيره الإحرام، وعن القراءة.
فإن سها فأسر في الجَهْر أَو جَهَرَ في السرِّ حَتى رَكَعَ- مَضَى في صَلاته ولم يرجع308309310311

الجزء: 2 - الصفحة: 510

لتلك القراءة؛ لأن سهوه ذلك عن سنةٍ، فلا يعود إليه بعد أن 313 تَلَبسَ بفرض، وسجوده إذا جَهَرَ فيما يسرُّ فيه بعد السلام.
واختُلِفَ إذا أَسَر فيما يُجْهَرُ فيه، فقال ابن القاسم: يسجد قبل السلام 314. وقال أشهب عن مالك في مدونتِهِ: يسجد بعد السلام.
قال 315: وهو أحبُّ إلي مِن أَن يسجدهما قبل.
وإن ذَكَرَ قبل أن يَرْكَعَ وكان 316 قد أسر فيما يجهر فيه أعاد القراءة جَهْرًا.
واختُلِفَ في السّجود، فقال ابن القاسم في العتبية: يسجد بعد السلام.
وقال أشهب: لا سجودَ عليه.
والأول أحسنُ؛ لأن السجودَ يُتَقَربُ بِهِ إلى الله سبْحانَهُ؛ لأجل غفلته في حين تقربه إليه حتى دخل عليه ذلك السهو، ولو كان إتيانُه بتلك السنة التي سها عنها يسقط عنه السجود- لم يسجد إذا سَها عن فَرْض؛ لأنه لا بد له أنْ يَأْتِيَ بذلك الفَرْض.
واختُلِفَ إذا أَسَر فيما يجهر فيه عَمْدًا، فقال ابن القاسم في العتبية: يُعيد ويُعيدون 317. وقال عيسى بن دينار: ويعيدون في الوقت 318. وقال أصبغ: يستغفرون الله، ولا شيءَ عليهم 319.

الجزء: 2 - الصفحة: 511

وعلى هذا يجري الجواب إذا جهر فيما يسرُّ فيه عَمْدًا، وكذلك من تعمد ترك شيءٍ من السنن، فقد اختلف فيه على أربعة أقوال: فَقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يعيد ما دام في الوقت.
وقيل: تبطل صلاته.
وقيل: يسجد سجود السهو.
وهو أبينها، ولا تبطل الصلاة؛ لأنه 320 لم يترك واجبًا، ويأتي بالسجود تقربًا إلى الله -عز وجل-.
ولا يكون في ترك السُّنّة أدنى رتبة ممن سها عنها، وذكر ابن الجلاب هذه الأقوال، إلا الإعادة في الوقت 321. واختلف في الإمام يسرّ فيما يجهر فيه فسبحوا به فلم يجهر، فلما فرغ قال: قرأت سّرًا.
هل يصدق؟ قال مالك: ما أراه قرأ، وليعد من صلى خلفه 322. وقال ابن القاسم في العتبية: إن قال: كنت ناسيًا سجد وسجدوا، وإن قال: كنت عامدًا أعاد وأعادوا.
فصدّقه إذا ادعى سهوًا 323. قال الشيخ أبو الحسن: وأرى أن يصدق إذا كان لا يُتهم في دينه فإن كان على 324 غير ذلك لم يصدق، إلا أن يكون نظروا إليه حين قيامه، فيعمل 325 على ما يتبين لهم حينئذ.
وفي الصحيحين: "قِيلَ لِخَبَّاب: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ" 326. فإن رُئِيَ ذلك من هذا الإمام، وإلا لم = وانظر: البيان والتحصيل: 2/ 34، والنوادر والزيادات: 1/ 355.

الجزء: 2 - الصفحة: 512

يصدق؛ ولأن القراءة في النفس لا تجزئ إذا لم يحرك بها لسانه.
واختُلِفَ في السجود إذا سها عن تكبيرة أو تكبيرتين: فقال مالك: من نَسِيَ تكبيرة فليسجد 327. وقال أيضا: لا يسجد 328، وإن نسي تكبيرتين سجد 329. وفيمن نسي "سمع الله لمن حمده" مثل ذلك.
واختُلِفَ إذا جعل موضع "سمع الله لمن حمده" "الله أكبر"، وموضع "الله أكبر" "سمع الله لمن حمده": هل يسجد أم لا؟ فقال في الواضحة: يسجد؛ لأنه زاد ونقص 330. فإن نسي ثلاثَ تكبيرات فأكثر، أو نسي التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام - سجد قبل السلام، فإن لم يسجد قبل سجد بعد، فإن لم يسجد حتى طال الأمرُ أعاد الصلاة.
وهو قول ابن القاسم في المدونة 331، وهذا يصح على القول أنه إذا تعمد ذلك يعيد.
وخالف أشهب في جميع ذلك فقال في مدونته فيمن نَسِيَ التكبيرَ في الرُّكوع والسُّجود: ما أرى عليه في ذلك سجودًا واجبًا، أرأيتَ لو سها عن التسبيح في الرُّكوع والسُّجود، أكان عليه في ذلك سجدتا السهو! قال: وأحبُّ إلي أن يسجد بعد السلام؛ لأني لا أراه لازمًا 332. = برقم (727)، ولم أقف عليه في صحيح مسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 513

وأوجب (1) السُّجود إذا نَسِيَ التكبير السبع أو الخمس في العيدين.
الخلاف فيمن ترك سُنَّة عمدًا ويختلف إذا ترك (2) التكبيرَ كله سوى تكبيرة الإحرام عمدًا: هل تبطل صلاته أم لا؟ وعلى قول أشهب- لا شيءَ عليه؛ وأنه عنده بمنزلة من ترك (3) التسبيح.
وعلى القول أنه سنة- يعيد الصلاة.
وقيل: لا يعيد ويسجد.
وكل هذا في الإمام والفذِّ، وأما المأموم فلا سجودَ عليه إن سها في جميع التكبير، ولا إعادة إن تعمد ذلك.

فصل وإن نسي التشهد الأول قبل أن يفارق الأرض رجع

وإن نَسِيَ التشهدَ الأول ثُم ذكر 336 قبل أن يفارق الأرضَ- رَجَعَ فتشهدَ، ويختلف إذا فارق الأرضَ ولم يستوِ قائمًا حسبما تقدم فيمن نَسِيَ الجلوس؛ لأن الجلسة إنما كانت ليتشهدَ فيها، فإذا جلس ولم يتشهد- رَجَعَ فتشهدَ، فإن استوى قائمًا لم يرجع وَيَسْجُدُ قبل السلام، فإن لم يسجد قبلُ سجد بَعْدُ، فإن لم يسجد حتى طال ذلك- سجد ولم يعدِ الصلاة.
واختُلف في التَّشَهُّدِ الأخير 337، فجعله مرةً مثل التَّشَهُّدِ الأول، وقال في333334335

الجزء: 2 - الصفحة: 514

المبسوط: إذا انصرف وكان على طهر قريبًا من مُصلاه- رجع إليه وجَلَسَ وكبرَ وتشهدَ لسهوه ثُم سَلمَ، وإن بعد مُصلاه وهو على طهْره- جَلَسَ حيثُ هو وكبر ثم تشهدَ، وإن لم يذكر حتى انتقض وضوؤُه- توضأ واستأنف الصلاةَ في الوقت وبعده 338. وقد اشتمل هذا الجواب 339 على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يرجع إلى مُصلاه إذا كان قريبًا، ولم يجعله في مكان ذَكَرَ فيه.
والثاني: أنه جعل التشهدَ واجبًا تُعاد له الصلاةُ وإن ذَهَبَ الوقتُ.
والثالث: إصلاح الصلاة من الواجب وإن طال.
وهذا مثل قول ربيعة فيمن نسي بعضَ صلاتِهِ- أنه يأتي به وإن بعد ما بينهما ما لم تنتقض طهارتُهُ.
قال ابن نافع: قال مالك: فإن كان إمامًا نَسِيَ التشهدَ- صَنَعَ كما يصنع من نَسِيَ ذلك وحدَه، وإن طال حتى تجب عليه الإعادة فليس على الناس أن يستأنفوا معه.
يريد إذا تشهدُوا.
قال: وإن كان مأمومًا حمله عنه 340 الإمام.
وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا نَسِيَ تشهد الأخير حتى سلم الإمامُ- فليتشهدَ ولا يدعو ويسلِّم 341.

الجزء: 2 - الصفحة: 515

فصل فيمن نسي السلام

وإنْ 342 نَسِيَ السلامَ فإنه لا يخلو أن يذكره وهو بموضعه ولم يطل، أو بعد أن فارق الموضع ولم يطل، أو بعد أن طال.
فإن ذكر وهو بموضعه- استقبل القبلة وسَلمَ، ولم يكن عليه أن يكبِّرَ ولا أن يتشهد، ويسجدُ لسهوه بعد السلام.
واختُلف إذا فارق الموضع هل يكبِّر؟ وهل يكون تكبيرُهُ وهو قائم أو بَعْدَ أَن يجلس؟ وهل يَتَشَهَّدُ؟ فقال مالك في المختصر: يكبّر ثم يجلس 343. وقال ابن القاسم في المجموعة: يجلس ثم يكبِّرُ وَيَتَشَهَّدُ ويسلِّم ويَسجدُ بعد السلام 344. وقال في كتاب ابن سحنون: يجلس ويسلم.
ولم يذكر تكبيرا 345، وفي كتاب محمد: يكبِّرُ وهو قائم.
ولم يجعل عليه 346 أن يتشهدَ.
ولا أرى عليه تَكْبيرًا بحال؛ لأنه لم يخرج من الصلاة لما لمْ يُسلِّم، وهو بخلاف من سلم من اثنتين وخالف بموضعه، فإنه يرجع بتكبير على اختلاف فيه، إلا أن يطول 347 ذلك مراعاة لمن قال إنه يخرج من الصلاة بغير سلام؛ لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 516

لما نَسِيَ السلام نوى في حين انصرافِهِ الخروجَ من الصلاة.
وإعادةُ التشهدِ استحسانٌ، وقد استحسن مالك فيمن قَرأَ ونَسِيَ الركوعَ حتى سجد فعاد إلى الركوع -أن يعيد القراءةَ قبل أن يركع (1)، وإن طال الأمرُ وانتقضتْ طهارتُهُ- اسْتَأنْفَ الصلاة، وإن لم تنتقضْ فَسَدَتْ على أصله في المدونة (2)، ولم تفسد على قوله في المبسوط إذا نسي التشهدَ.
وقال ابن القاسم فيمن شك في السلام: سَلّمَ ولا سجود عليه (3). قال: لأنه إن كان سلم فسلامُه هذا لغير شيء، وإن لم يسلم فسلامُه هذا يجزئُهُ (4). يريد: إذا كان في مقامه ولم يطل، فإن فارق الموضع (5) وطال- عاد الجواب في السجود وفي إعادة الصلاة إلى ما تَقَدمَ إذا لم يكن سلم؛ لإمكان أن يكونَ لم يسلِّمْ.

فصل في أحاديث السهو

وأحاديثُ السهْوِ ثلاثةٌ: حديثُ ابن بحينة قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام 353.348349350351352

الجزء: 2 - الصفحة: 517

وحديث ذي اليدين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سلم من اثنتين ثم قام إلى خشبة في المسجد، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: "كل ذلك لم يكن.
. ." 354، وفي حديث آخر: "ما قصرت وما نسيت"، ثم قال لأصحابه: "أحق مما يقول هذا؟ " قالوا: نعم.
فصلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين 355. واختلفت الرواية: هل سَلمَ بعد سجوده؟ 356. والثالث: حديث ابن مسعود "أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا.
فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِى الصَّلًاةِ؟ فَقَالَ 357: وَمَما ذَاكَ؟.
قِيلَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا.
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَالتَّسْلِيمِ" 358. وقد اجتمع على هذه الأحاديث البخاري ومسلم.
وأبان في الحديث الأول أن الجلسة الأُوْلَى ليست بفرضٍ؛ لأنها لو كانت فَرْضًا لم يُجْزِ عنها سجودُ السهو.
وأبان في حديث ذي اليدين أن فِعل ما يضاد الصلاةَ إذا كان على سهو - لا يفسدها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى الخروجَ من الصلاة واسْتَدْبَرَ القبلةَ ومَشَى وجَلَس وتَكَلمَ، وكلُّ ذلك إذا فَعَل المُصَلِّي منه واحدًا عَمْدًا- بَطَلَتْ صلاتُه.
فأخذ مالك بهذا فيما قرب أن الصلاة لا تَبْطُلُ 359، واختلف عنه فيما طال = باب السهو في الصلاة والسجود له، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (570).

الجزء: 2 - الصفحة: 518

وبعد، فقال مرةً: تبطُلُ الصلاةُ.
وقال في المبسوط في مسألة التَشَهدِ: لا تبطُلُ.
وقد تَقَدمَ.
وقال ربيعة: لا تبطُلُ، فلو نَسِيَ ركعة من الظهر فذَكَرَها عند المغرب 360 وهو على طَهَارَةٍ لأتى بها وأجزَأت عنه.
وإليه ذهب أشهبُ في مدونته فقال فيمن سَلم من ركعتين: يَبنِي ما لم يَخرج من المَسْجِدِ، قال: وذلك استحسان.
قيل له: فإن كان في صَحْن السجد؟ 361 قال: فإن تجاوز الصفوفَ بقدر ما لا ينبغي أن يصلي بصلاتهم اسْتُحْسِنَ ذلك 362. قال: والقياس أن يقال: ما لم ينتقض وضوؤه 363، ويقول: إذا خطا خطوةً انتقضتْ صلاتُهُ.
وذَكَرَ قَوْل ربيعة.
يريد: أن ذلك مما يضاد الصلاة، وإما أن يُقال: قليله وكثيره يُفْسِدُ الصلاةَ.
أو يُقال: لا يفسدها لما كان سَهْوًا.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين 364، إن ذلك لا يفسد الصلاة، ولم يزل به في أكثر، واستأنف الصلاة، والقياس يُلْحقه به؛ لأن الصلاةَ لم تَفْسد في حديث ذي اليدين؛ لأجل كونه قليلًا، وإنما كان لأجلِ كويهِ على وجهِ السَّهُوِ.
وأبان في حديثِ ابن مسعود 365 أن الزيادةَ في العدد لا تُفسدُ الصلاةَ، وذلك أيضًا كان سَهْوًا، وكانت الزيادةُ يسيرةً وهي ركعة.
واختُلِفَ إذا كَثُرَ السَّهْوُ فقال عبد الملك بن الماجشون: يُعيد الصلاة،

الجزء: 2 - الصفحة: 519

وزيادةُ الركعتين في الظهر طولٌ.
قال: وليس هذا من قِبل أنها نصف الصلاة؛ لأنِّي لا أرى زيادةَ ركعةٍ في الصبح طوُلًا وهي نصف الصلاة (1). وقال ابن نافع وابن كنانة في ثمانية أبي زيد: يُراعى نصف الصلاة، فتفسد الصبحُ وصلاة الجمعةِ والمسافرِ بزيادةِ ركعة، والظهرُ في الحضر بزيادة ركعتين (2). وقال مطرّف عن مالك: لو صَلى الظهْرَ ثمانيًا، والمسافرُ أكثرَ من أربع لم تَبْطُلْ صلاتُهُ.
ففرق مطرف بين ذلك وبن من أطال في غير صلاةٍ؛ لأن هذا في قربة بطاعة لله سبحانه فلم تَبْطُل.

فصل في أحاديث الشك

وأحاديث الشك ثلاثة:

  • حديث أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لًا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ" 368.
  • وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلَاتهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ366367

الجزء: 2 - الصفحة: 520

سَجْدَتيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا كَانَتْ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" 369.

  • وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ". . . إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ وَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ.
    . ." 370، وقال أيضًا: ". . .فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ.
    . ." 371، وقال: ". . فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ.
    . ." 372. فأما الحديثان الأولان فقد تَعارضا؛ لأنه لم يجعل عليه في الأول أن يأتي بما شَك فيه، وجَعَلَ ذلك عليه في الحديث الآخر وأجاز بعض أهل العلم أن يأخذ بأيهما أحب، لعدم الترجيح 373، ومنهم من أخذ بحديث أبي سعيد؛ لأنه ترجّح على الأول بالقياس؛ لأن محمل من شك، هل صَلى؟ على أنه لم يصلِّ حتى يعلم أنه صَلى؛ لأن الأصل عدم الفعل حتى يعلم أنه فعل، ولأن الركعة في الذمة بيقينٍ، فلا يبرأ منها بشكّ، وقياسًا على من شك في جملةِ الصلاة: هل صلى أو لم يصلِّ؟ فإنه لا يبرأ من ذلك بالشكّ.

الجزء: 2 - الصفحة: 521

ومن الناس من تأول الحديثَ الأول على من يتكرر 374 ذلك منه 375، وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا وجد ذلك أحدكم" فإنه بأول الوجود.
والثاني: أنه فَتوى لمن نزل ذلك به، وليس بنازلة في عين، فيقال: إنه فهم من السائل أنه يتكرر عليه.
وهذا مع تساوي الشك فإنه يأتي بما شك فيه، واختُلِفَ إذا غلب على ظنه أنها أربع: فقيل: الجواب كالأول، وعليه أن يأتي بركعة.
وقيل: تجزئه صلاتُهُ ولا يأتي بركعة 376؛ لحديث ابن مسعود، وأنه يتحرى أقرب ذلك إلى الصواب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا ترجح له أنها رابعةٌ والشكُّ في نفسه بعد ذلك قويٌّ - فإنه يأتي بركعة.
وإن ضَعُفَ الشكُّ وصار عنده كالوَسْوَسَةِ في التحري؛ فيستحسن أن يجتزئ بها من غير ركعة.
وكل هذا إذا لم يتكرر عليه الشكُّ، وإنْ تكررَ حمل على أَنها أربع ولم يكن عليه أَن يأتي بالرابعة.
وهذا إذا كان السابقُ إليه أنه في أربع ثُم شكّ أنْ يكون في ثلاثة.
وإن سبق إليه أنه في ثلاثة ثُم شَك: هَل هي رابعة؟ أتى بالرابعة أبدًا.
وقال مالك في كتاب محمد: فإن كَثُرَ عليه الشكّ في صلاتِهِ: لا يدري سها أم لا- فإنه يسجد بعد السلام، وإن كَثُرَ عليه السهوُ تَرَكَ سجودَ السهو 377.

الجزء: 2 - الصفحة: 522

قال محمد: وهي خلاف التي قبلها (1). يريد: أن من كثر عليه الشكُّ ليس عليه أن يأتي بما شك فيه، فلم يسقط عنه سجودُ السهوِ، والآخر كَثُرَ عليه السهوُ (2) ولم يشك فيه فكان عليه أن يَأْتِيَ بما سَهَا.
وأَسْقَطَ عنه سجودَ السهو؛ لتكرره عليه.
وقال ابن حبيب: اختَلَفَ قَوْلُ مالك في الذي يكثر عليه السهوُ، فأَمَرَهُ مرةً بالسُّجود، ومرةً قال: لا سجودَ عليه (3).

فصل في الخلاف في سجود السهو في إيقاعه

اختُلِفَ في سجود السهْوِ في ستة مواضعَ: أحدُها: هل يُوقِعُهُ قبلَ السلام أو بعده؟ والثاني: هل يَتَشَهَّدُ له إذا كان قبلُ؟ والثالث: هل يُسلم منه إذا كان بعدُ؟ والرابع: إذا كان سهوان: زيادة ونقصان، هل يجزئُهُ سجودٌ واحدٌ قبل السلام؟ أو يأتي بسجودين قبلُ وبعدُ؟ والخامس: إذا كان سهوُهُ مع الإمام وقد سَتقَهُ بركعة ثُم أتى بها فدخل عليه سهو آخر- هل يسقط حكم سهوه ويبقى على 381 سهو الإمام، بمنزلة لو378379380

الجزء: 2 - الصفحة: 523

لم يَسْهُ، أَوْ أتى بسجودٍ لسوه؟ والسادس: إذا لم يَسجدْ حتى طال الأمرُ، وقد كان سجو قبلَ السلام.
فقال مالك: يسجد للنقصان قبل السلام وللزيادة بعد 382. فيسجد للنقص لحديث ابن بحينة، والزيادة لحديث ذي اليدين.
وقال في المجموعة: ما كان الناس يَحْتَاطون في سُجودِ السهْوِ لا قبلُ ولا بعدُ، كان ذلك كفُه عندهم سهلًا 383. وقال أشهب في كتاب محمد 384: إذا جعل سجدتَيْ الزِّيادةِ قبلَ السلامِ أعاد الصلاةَ.
وقال ابن القاسم: يعيدهما بَعْدَ السلام 385. وقال أصبغ: لا شيءَ عليه 386. قال: وهو قول مالك.
قلتُ: وهو قول ابن القاسم 387 في المدونة: إن كان السجود لنقص فجعله بعد السلام أجزأته صلاته وسجوده 388. وقيل لمالك: يؤمنا 389 قومٌ يرون خلاف ما ترى، فيجعل سجودَ النقصِ بعد السلام؟ فقال: اتبعوه فإن

الجزء: 2 - الصفحة: 524

الخلاف شر 390. وقال ابن القاسم فيمن جَعَلَ سجودَ الزيادةِ قبلَ السلام: أجزأه على قول مالك في الإمام يَرَى خلاف ما يَرَى من خَلْفَهُ، فلم يَرَ عليه شيئا في الوجهين جميعا إذا قَدمَ سجودَ الزيادةِ أو أَخرَ 391 سجودَ النقْصِ 392. وقد رُوِيَ عَنْ عليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن الزبير: أن السجودَ كلهُ بعدُ.
وهو قول الحسن البصريِّ، والنخْعي، وابن أبي لَيْلَى، والثوريِّ، والحسن بن صالح، وأصْحَابِ الرأي.
وقال أبو هريرة، والزُّهْري، وربيعةٌ، والأوزاعي، والليثُ، والشافعيُّ: السجودُ كلُّه قبلُ 393. وقال مالك: إذا اجتمع سهوان: زيادةٌ ونقصان- سجد لهما قبل السلام.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يأتي بسجودين للنقص قبلُ، وللزيادة بعدُ 394. وأرى ذلك كله واسعًا في الزِّيادة والنقص، يوقعه إنْ شَاءَ قَبْلُ، وإن شاء بَعْدُ؛ لأن السجودَ ليس يجبر به شيءٌ على الصحيح من المذهب، وإنما هو ترغيم للشيطان، ولِيَأتي بقربة لموضع غفلته عن أن يكون قلبه فيما وجب عليه لله -عز وجل- من تلك القربة.
وقد أبان ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري.

الجزء: 2 - الصفحة: 525

فقال 395: ". . .إن كانت صلاته إتمامًا كان ترغيمًا للشيطان" 396. ومن سها خلفَ إمامه ولم يَسْهُ الإمامُ- فالإمام يحمل ذلك عنه.
وإن سها الإمامُ دون المأمومِ- سجدا جميعًا الإمام والمأموم، فإن تقدم سهو الإمام ثم دخل هذا معه في بقية صلاته سجد لسهوِ إمامِهِ، فان كان سجودُ ذلك السهو قبلَ السلام سجد إذا سجد الإمامُ لسهوِهِ فإذا سَلمَ الإمامُ 397 قضى هو ما سَبَقَهُ به.
وإن كان سَهْوُ الإمامِ يُسجد له بعدَ السلام- لم يسجد المأموم إلا بعد قضائه لما سَبَقَهُ به الإمامُ.
واختلف إذا دخل على المأموم فيما يقضي سهو آخر، فقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إذا كان سجودُ الإمام قبلَ السلام سجد هذا لسهوه ثانيةً: إن كان قبلُ فقبلُ، وإن كان بعدُ فبعدُ 398. قال محمد: وإنْ كان سهوًا 399 الإمامِ بَعْدُ فَدَخَلَ على المأموم سهوٌ آخر، وكان السهوُ الثاني مما يُسْجَدُ له قَبْلُ- سجد لهما قَبْلُ وأَجْزَأتا عَنْهُ، وصَارَ كأنهُ وَجَبَ عليه سَهْوانِ قَبْلُ وبَعْدُ، فَإِنْ كان السهوُ الثاني يُسْجَدُ له بَعْدُ- فسجدتاه بعد السلام تجزيانه 400. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا سجد مع الإمام

الجزء: 2 - الصفحة: 526

سجودَ السهْوِ قَبْلَ السلام، ثم دخل عليه سهو فيما يقضيه لنفسه- فلا يسجد له، كان له قَبْلُ أو بَعْدُ؛ لأنه لا يَسْجد لسَهْوينِ إِنْ كانا في صلاةٍ واحدةٍ إلا مَرةً وَاحِدَةً (1). قال ابنُ حبيب: وإِنْ كان سُجُودُ سَهْوِ الإمامِ بَعْدَ السلام فَقام الرجل لقَضاءِ مَا عَلَيْهِ فَسَها فِيما يَقْضِي سَهْوًا (2) قبلَ السلام- والسجدتان اللتان وَجَبَتا عليه لسَهْوِ الإمامِ تَجْمعان له السهْوَيْنِ جميعًا (3). قال الشيح: القولُ إذا سجد مع الإمام قبلَ السلام، ثُم دَخَلَ عليه سَهْوٌ آخر- أَن يَسْجُدَ له أَحْسَنُ؛ لأَن ذلك السجودَ كان تقربًا وترغيمًا عن السهوِ الأولِ، والثاني لم يتقرب عنه بشيء، وإنْ كان سَهْوُ الإمامِ مما يُسْجَدُ له بَعْد أَن يجزئه سجودٌ واحدٌ؛ لأَن السهْوَ- وإنْ تكررَ (4) في الصلاةِ الواحدةِ- يجزئه عن جميعِهِ سُجُوْدٌ واحدٌ.
ومن كان سهْوُ إمامِهِ قَبْلُ فَلَمْ يَسْجُدْ مع الإمام وسَجَدَ بعد قضاء ما فاته به الإمام، وإن كان سجودُ الإمام بعدَ السلام فَسَجَدَ معه قَبْلَ القضاءِ- أَجْزَأهُ ذلك، ولم تفسد صلاتُهُ، ولم يُعِدِ السجود.

فصل لا إحرام لسجود السهو

وقال مالك في كتاب محمد: لا إحْرامَ 405 لهُما: كانَتَا قبل السلام أو بعدَهُ.
وقال أيضًا: يحرم لهما إذا كانَتَا بعد السلام.401402403404

الجزء: 2 - الصفحة: 527

وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا كانَتَا بعْدَ السلام ونَسِيَ أَن يسجد لهما حتى طال فليسجدهما 406 ولا إحْرامَ علَيْهِ.
ثُم رَجَعَ فَقال: يُحْرِمُ لهما 407. قال محمد: فإن سلم ثم ذكر اللتين قبل السلام فليرجع بإحرام ويسجدهما 408، وكذلك كل من يرجع لإصلاح ما بقي من صلاته فيما قرب 409. قال مالك: ويتشهد لهما، قال محمد: كانتا قبل السلام أو بعده 410. قال: وكان ابن القاسم يوجب التشهد فيهما 411 قبلُ وبعد، ورواه عن مالك 412. وكان ابن عبد الحكم يوجبه بعد السلام، ويستحبه قبل السلام 413، ولم يَرَ عبدُ الملك فيما قبل السلام تشهُّدًا 414. قال الشيخ - رضي الله عنه -: مفهوم الحديثين حديث ابن بحينة وحديث ذي اليدين أنه سجد وسلم ولم يتشهدْ ولم يكِّبر للإحرام لهما في حديث ذي اليدين.
ولا أرى الإخلالَ بشيء من ذلك من تكبيرٍ أو تشهدٍ مما يوجب إعادتهما، ولا خلاف أنهما يفتقران إلى طَهَارةٍ إذا كانَتَا بعد السلام.
فإن كان على طهارة وانتقضتْ بَعْدَ أنْ سجد سجدةً- توضأ واستأنفهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 528

واختُلِفَ إذا انتقضتِ الطهارةُ بعدَ أن سَجَدَهما وقبلَ أن يسلم: فقال مالك: يتطهر ويستأنفهما (1). وقال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يعدهما أَجْزَأتَا عَنهُ (2).

فصل من نسي سجدتي السهو

ومن نَسِيَ سَجْدَتَيِ السهوَ حتى طال، فإن كانَتا بعدَ السلام سجدهما ولم تبطل صلاتُهُ.
واختلف إذا كانتا قبل السلام: فقال مالك في المدونة: من سَها عن ركعةٍ أو سجدةٍ أو سَجْدَتَيِ السهوِ قبلَ السلامِ فطال ذلك فَلْيُعِدْ 417. فساوى بين من نَسِيَ السجدتَيْنِ أو ركعةً، ولم يُفرِّق عن أي شيء كان سجودُهُ.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كانَتَا عن القيامِ من اثنتين، أو ترك أم القرآن من ركعةٍ بَطَلَتْ صلاتُهُ، وإن كانتا عن غير هذين 418 لم تَبْطُلْ 419. وقال محمد بن المواز: اختلف قول ابن القاسم في إيجاب الإعادة إذا كانتا عن 420 نقص الثلاث تكبيراتِ، أو عن قَوْلِ "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ" ثلاث مرات 421. وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادةَ عليه وإن كانَتَا عن القيامِ من اثنتين أو415416

الجزء: 2 - الصفحة: 529

تَرْك القراءة من ركعةٍ، فإن ذكر السجدتَيْنِ من فريضةٍ وهو في فريضة، فإن كانتا بعد السلام- مضى في صلاتِهِ وسجدهما إذا فَرَغَ منها 422. ويختلف إذا كانَتَا قبلَ السلام حسبما تَقَدمَ، فقال في المدونة: تَفسد صلاتُهُ هذه ويكون بمنزلةِ من ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاةٍ 423. وعلى قول ابن عبد الحكم يمضي في صلاتِهِ ولا شيءَ عليه؛ لأن الأُولى لم تفسد بعد 424، وإذا فرغ منها سَجَدَ.
وعلى قول مالك في المختصر إن كانتا عن القيام من اثنتين أو تَرْك أمِّ القرآن من ركعة تفسد التي هو فيها على القول أن من ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاة بطلت التي هو فيها.
وقول ابن عبد الحكم في هذا أحسن؛ لأَن الأُولى لا 425 تَبْطل، وإذا لم تبطل تلك مضى في هذه.
وقد تقدم ذكرُ الخلافِ فِي من ترَكَ شيئًا من السُّنَن عَمْدًا: أنه لا تبطل صلاتُهُ، وإذا لم تبطل في ترك ذلك عمدا لم تبطل على من ترك السجود عنه سهوًا حتى طال.
ومن سها في سجود السهو فَسَجَدَ ثلاثًا، فإن كان سُجُوْدُ قبلُ- كان قد زاد 426 في صلاتِهِ سجدةً 427، وليسلم ثم يسجد سَجْدَتَيِ السهْو بعد، وإن كان سجوده بعد السلام أَجْزَأَهُ ولا شيءَ عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 530

فصل من ذكر سجدة أو ركعة من صلاة بعد أن تلبس بأخرى

ومن ذَكَرَ رَكْعَةً أو سَجْدَةً مِنْ صلاةٍ بعد أن تلبس بأخْرَى- فإنه لا يخلو أن يكون ذَكَرَ 428 ذلك من فَرْضٍ وهو في فرضٍ، أو نفلٍ، أو ذَكَرَ ذلك من نفلٍ وهو في نفل أو فرض.
فقال ابن القاسم: إِنْ ذَكَرَ ذلك من فَرْضٍ وهو في فَرْضٍ أو نفلٍ 429، ولم يطل ما بينهما، ولا أطال القيام، ولا ركع 430 - عاد إلى إتمْام الأُولى، فإنْ أطال القيامَ أو رَكعَ بَطَلَتْ الأُولى، وكان بمنزلة من ذَكَرَ صلاة وهو في صلاةٍ وإن لم يكن رَكَعَ- قَطَعَ وصلى الأُولى، وإن كان ركع- أضاف إليها أخرى وسلم وصلى الأُولى، وإن نَسِيَ 431 ذلك من نفلٍ وذَكَرَ وهو في نفلٍ ولم يركع- رَجَعَ إلى إصلاحِ النفل، وإن ركع أبطل الأول وأتَم الثاني ولم يقضِ الأُولى؛ لأن من دخل في نفل فغلب على تمامِهِ لم يقضِهِ، وإن ذَكَرَ من نفلٍ وهو في فرضٍ لم يقضه ولم يرجعْ إلى النفل وإن قرب وإن لم يركع.
وهذا أصل قوله في المدونة 432. واختُلِفَ إذا ذَكَرَ ذلك من فرضٍ وهو في فَرْضٍ فِيْما يحول بَيْنَهُ وبيْن إصْلاح الأول 433 على أَرْبَعةِ أَقوال: فقال ابن القاسم في المدونة: إن كان قريبًا

الجزء: 2 - الصفحة: 531

رَجَعَ إلى صلاتِهِ، وإن تباعد وهو في 434 القيام أو ركع- انتَقَضَتْ صلاته التي أسقط منها 435. وقال ابن وهب في كتاب محمد: إن صَلى في الثانية 436 ركعةً خفيفةً لم تَبْطُل الأُولى وأتمها، وإن تطاول ذلك جدًّا- أعاد.
ورَوَى ابن وهب عن مالك في المبسوط في هذا الأصل إن كان صلى ركعةً كان بالخيار: بين أن يقطع ويرجع إلى إصلاح الأُولى، أو يمضي على صلاته ويعيد تلك.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: من سَهَا عن شيءٍ من فريضتِهِ حتى أَحْرَمَ لنافلةٍ - بَطَلَتْ عليه صلاتُهُ.
فأبطل الأُصلى بنفس الإحرامِ للثانية.
وقال أشهب: لو صَلى سبعَ ركعاتٍ - عاد إلى المكتوبة.
وإلى هذا ذَهَبَ مطرف في ثمانية أبِي زيد فقال: من دَخَلَ مِن مكتوبةٍ في نافلةٍ قبل السلام 437 فذلك خفيفٌ، وإنْ ذَكَرَ بَعْدَ أنْ رَكَعَ ركعتين فإنما عليه سجودُ السهوِ، ولا يكون أسوأ حالًا من الذي يصلِّي خمسًا أو ستًّا وكلّها صلاة، وليس كمن فَارَقَ الصلاة واشتغل بحديثٍ أو طعامٍ أو عملٍ وطال ذلك منه.
وقول أشهب ومطرف في هذا أحسن: ألا تبطل الأُولى وإن طال؛ لأنه في قربة، وقد تقدم ذكر الاختلاف 438 إذا طال فيما يُضاد الصلاةَ من كلامٍ ومشي

الجزء: 2 - الصفحة: 532

واستدبارِ قبلةٍ، وهو في هذا أخفُّ.
واختُلِفَ إذا ذكر ذلك من نفل وهو في فرض، فقال ابن القاسم: لا يرجع إلى إصلاح الأولى.
وقال محمد بن عبد الحكم: يرجع، فإن صَلى ركعتين نافلةً فسلم منها، ثُم دَخَلَ في المكتوبة، فلما صلى منها ركعةً أو ركعتين ذَكَرَ سجدة من النافلة، قال: يعود إليها فيصلحها بسجدة، ثُم يتشهدُ، ثُم يسلِّمُ.
قال: وكذلك لو سَهَا عن السلام من النافلة -وإن كان في الرابعة من المكتوبة- فإنه يرجع للنافلة فيسلم منها، ثُم يسجد، ثُم يبتدئ الفرض.
ورأى أنه إن كان الابتداء تطوعًا فقد صار التمامُ فرضًا، فأشبه من ذكر ذلك من فرضٍ وهو في فرضٍ.
وقال مطرّف في ثمانية أبي زيد فيمن دَخَلَ من نافلةٍ في مكتوبة قبلَ أن يُسلِّم من النافلة: وإن ذكر قبل أن يركع جَلَسَ، ثُم سلّم من نافلتِهِ، وإن لم يذكر حتى ركع- مَضَى إلى الرابعة لينصرف على شفع، ثُم يسجد لسهوه قبل السلام؛ لتركه السلام من الركعتين الأوليين.
ويُخْتَلفُ إذا ذَكَرَ ذلك من نفلٍ وهو في نفلٍ: فقال ابن القاسم: يرجع إلى إصلاح الأُولى ما لم يركع 439. وعلى قول ابن عبد الحكم يرجع إليه وإن ركع.

الجزء: 2 - الصفحة: 533

فصل ومن صلى ركعتين نفلًا ثم قام إلى ثالثة سهوًا رجع فجلس وتشهد

ومن صلى ركعتين نفلًا ثُم قام إلى ثالثة 440 سهوًا- رَجَعَ فَجَلَسَ وتشهدَ وسلم.
واختُلِفَ إذا ذَكَرَ وهو راكع: فقال مالك: يرفع ويتمُّها أربعًا.
وقال أَيْضًا: يَرْجع إلى الجلوس.
وبه أَخَذَ ابنُ القاسم 441. وإن ذكر بعد أن رفع من الثالثة أتمها أَربعًا، وإن ذَكَرَ بعد أَن رَفَعَ من الخامسة 442 رَجعَ إلى الجلوس ولم يأتِ بسادسة 443، وسواء كان رَفَعَ من الخامسة أم لا، وسجوده إذا رجع بعد أن قام إلى الثالثة- بعد السلام 444. واختُلِفَ إذا أتم الرابعة: فقال مالك: يسجد بعدُ 445. وقال ابن القاسم: يسجد قبلُ؛ لأنه نقصان 446. وقال محمد بن مسلمة: لأنه نقص الجلوس.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إن جَلَسَ بعد تمامِ الاثْنَتين لم يكن عليه سجودٌ قبلَ السلام ولا بعدَه؛ لأن الأربعة صحيحة عند بعض أهل العلم، إلا أن يقال: عليه السجودُ لسهوِه واشتغالِهِ عن تلك الطاعة التي كان فيها حتى دَخَلَ

الجزء: 2 - الصفحة: 534

في الثالثة والرابعة؛ لأنه لم يفعل ذلك تعمدًا على قول قائل.
وقد قيل: إن السجود ها هنا لنقص السلام.
وهذا غير صحيح؛ لأن السلام قد أتى به، ولو كان ذلك لنقص السلام لكان سجود من صلى الظهر خمسًا قبل السلام؛ لأنه عنده نَقَصَ سلام إذ لم يأتِ به عقب الرابعة كما لم يأتِ به عقب الثانية.
واخْتَلَفَ قولُهُ في المدونة 447 إذا صلى النفل خمسًا: هل يسجد قبلُ أو بعدُ.
وأرى إذا لم يكن جَلَسَ في الثانية أن يَسجد قبلُ؛ لأنه نَقَصَ الجلوس وزاد الخامسة، وإن جلس في الثانية 448 سجد بعد السلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 535

باب صفة التشهد، وصفة السلام، وعدده

الأصل في التَّشَهُّدِ حديثُ عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام على الله من فلانٍ وفلان، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى اللهِ مِنْ فُلانٍ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلًامُ، وَلكِنْ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهَ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَّيرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ".
وهذا حديث صحيح اجتمع عليه البخاريُّ ومسلم (1). فأمر بالتشهد وبين صفته، وأن الدعاء بعد التشهد، وحمل اللفظ على العموم بقوله: "أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِح فِى السَّماءِ وَالأَرْضِ"، يريد: من بني آدم والجن والملائكة، وأرى أن ينويهم الإنسان حين سلامه.

فصل السلام من الصلاة فرض

ٌ السلام من الصلاة فرضٌ، واختُلِفَ في عدَدِه، وفي صفِتِه.
فأما عددُه: فقال مالك في الفذِّ: يُسلِّم واحدةً قبالة وجهِهِ ويتيامن قليلًا 450. وقال في سماع ابن وهب: يُسَلِّم تَسْليمتين عن يَمِينِهِ وعن يَسارِهِ.449

الجزء: 2 - الصفحة: 536

وقال في الإمام: يُسلِّم واحدةً قُبالة وجهِهِ ويتيامن قليلًا 451. كالفذِّ في قولِهِ الأول.
وقال في سماع أشهب في الإمام يُسلِّم تَسْليمتَيْن، قال: ولا يسلِّم من خَلْفَهُ حتى يفرغ منهما 452. وقال أبو الفرج عن مالك: يُسلِّم تسليمةً تِلْقاءَ وجهه، وإن كان على يساره أحدٌ رَد عليه تسليمةً ثانيةً.
يريد: إن كان معه واحد يسلم واحدة، وإن كان عن يساره أحدٌ 453 سلم أخْرَى على من كان على يساره.
وهو أحسن.
وقد أخرج مسلم في ذلك حديثين عن سعد بن أبي وقاص 454 وعبد الله بن مسعود 455 "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتينِ".
قال سعد: يسلم عن يمينه ويساره حتى أرى بياض خَديه.
واختلف في المأموم يسلم عن يساره ولم يسلم عن يمينه حتى تكلم، فقيل: بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وقال مطرّف: صلاتُهُ تامةٌ، عامدًا كان أو ناسيًا، فذًّا أو إمامًا 456. قال الشيخ -رحمه الله-: إن تَعَمدَ الخروجَ بها لم تبطل وإن سلمها للفضل، ولكن يعود

الجزء: 2 - الصفحة: 537

ويسلم الأولى فيخرج بها من الصلاة، ثُم إنْ نَسِيَ وانصرفَ وطال الأمرُ- بَطَلَتْ صلاتُهُ.
وإن فعل ذلك سهْوًا فظن أنه سلم الأُولى ويرى أن الثانية يصح الخروج بها من الصلاة لم تَبْطُلْ، وإن كان يرى أنها فضيلة وطال 457 الأمرُ بَطَلَتْ.
وإذا فات المأمومَ بعضُ صلاة الإمام فقضى ما فاته بَعْدَ سلامِ الإمامِ، فإن كان الإمام لم ينصرف ولا من كان عن يسار المأموم- رَد عليهما.
واختُلِفَ إذا انصَرَفَ: فقال مالك مرة: لا يردُّ عليهما.
وقال مرةً: يردُّ.
وهو أحسن؛ لأن السلامَ يتضمّن دعاء حقًّا، وهو تحية تقدمت منهم يجب رَدُّها، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ". . إِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِى السَّماءِ وَالأَرْضِ" 458. وأما صفةُ السلام فقال مالك في السليمانية: الأَوْلى أن يقول: السلام عليكم 459. ويقول: سلام عليكم 460. قال: وهي تحيةُ أهل الجنة، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: 24]، ولا يقول في الأُولى: عليكم السلام.
وقال في الثانية: ذلك واسع، السلام عليكم أو عليكم السلام، وأحبُّ إليّ السلام عليكم 461. وقال في المبسوط: يستحبّ لمن أراد أن يُسلِّم أن يقول: السّلام عليك أيُّها

الجزء: 2 - الصفحة: 538

النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين 462. قال محمد بن مسلمة: أراد ما جاء عن عائشة 463 وابن عمر 464 أنهما كانا يقولان عند سلامهما إذا قضيا التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 539

باب الإمام يستخلف، وفيمن لم يصلِّ مع خليفة الإمام، وإذا لم يَستخْلفْ واستخلفوا لأنفسهِم، أو صَلَّوا وحْدانًا، أو طائفتين بإمامين

ومن المدونة قال مالك: وإذا أحْدَثَ الإمامُ فله أَن يستخلف.
قِيلَ لابن القاسم: فإن قَدم الإمامُ رجلًا هل يكون إمامًا قبل أن يبلغ موضع الإمام الأول؟ قال: لم أَسْمَعْ من مالك فيه شيئًا، إلا أن مالكًا قال: إذا أَحْدَثَ الإمامُ فله أن يستخلف 465. قال الشيح: إذا قَبِلَ استخلافَ الإمامِ كان إمامًا في موضعه ذلك، فإن كان موضعُ الإمام قريبًا تقدم إليه، وإن كان بعيدًا صلى بهم في موضعِهِ.
ويُستحب للإمام الأول أنْ يَستخلفَ من الصفِّ الأول، قال ابن القاسم: وإن استخلف بكلام وقال: يا فلان تقدم بهم، لم يَضُرهُم؛ لأنه في غير صلاةٍ.
وقال في العتبية: وإن قَدمَهُ في بعض القراءة قرأ الثاني من حيثُ انتهى الأولُ 466. وإن أحْدَثَ راكعًا فليرفع رأسَهُ ويستخلفُ من يدب راكعًا فيرفع بهم 467. وقيل: يستخلف قبلَ أَن يرفَعَ رأسَهُ؛ لِئلا يرفعوا برفعه 468. قال ابن القاسم: وإن استخلف في الجلوس تقدم بهم جالسًا، وفي القيام يتقدم بهم قائمًا 469.

الجزء: 2 - الصفحة: 540

وقال سحنون في كتاب ابنه: وإن استخْلَفَ الإمامُ رجلًا فلم يتقدم؛ حتى تقدم غيرُه وصلى المُسْتَخْلَفُ وراءَهُ- فصلاتهم تَامةٌ 470. فلم يَرَ استخلافَ الإمامِ مما يَلْزَمُ المستخلَفَ قبولُهُ، ولا يكون باستخلافِهِ إمامًا، وحمل قول مالك: له أن يستخلف- أن ذلك جائزٌ؛ لأن ذلك من حسن النظر لهم لما كانوا ممنوعين من الكلام، وليس بلازم له ولا لهم أن يستخلف؛ لأنهم إنما التزموا إمامَةَ الأول، ولم يجعلوا له أن يستخلف؛ لأن ما حدث على الإمام أمرٌ طَرَأَ لم يتحسسُوا إليه في حين ائْتِمَامِهِم 471 به فيجعلوا له أن يستخلف عليهم فيه، فإذا غلب الإمام 472 على تمام الصلاة- كانوا في حكم أنفسهم، فإن استخلف الإمام الأولُ رجلًا مكانَه كان المستخلَفُ بالخيار بين القبول والترك، وإن قَبِلَ أيضًا كانوا بالخيار بين الصلاة خَلْفَهُ أو يَسْتَخْلِفُوا غيرَهُ.
وهذا الذي يقتضيه قولُ سحنون.
واختُلِفَ في ثلاثةِ مواضعَ: أحدها: إذا صَلَّوا وحدانًا بغير إمامٍ.
والثاني: إذا صَلَّوا بإمامين.
والثالث: إذا استخلَفَ الأمام من فاتَته ركعةٌ، فقام بعد فراغِهِ من صلاة الإمام للقضاء، فيما يفعله من خَلفَه؟ فقال ابن القاسم في المدونة: إذا صلّوا وحدانًا كانت صلاتهم تامةً 473.

الجزء: 2 - الصفحة: 541

وقال ابن عبد الحكم في كتاب محمد: لا تجزئهم.
قال: ومن ابتدأ الصلاةَ بإمامٍ فأتمها فذًّا، أو ابتدأها فذًّا وأتمها بإمامٍ فَليعِد 474. قال: وكذلك من لَزِمَه أن يقضي فذًّا فقضى بإمامٍ.
يريد: مثل من فاتَتهم ركعةٌ فلا يقضونها بإمام 475. وقول ابن القاسم في الذين قَضَوا بعد حَدَث الإمام أفذاذًا- أحسن؛ لأنهم إنما دخلوا على إمامة رجل بعينه، فلما غلبوا عليه بَقوا أفذاذًا بغير إمامٍ، فصلّوا على ما بَقوا عليه، ولم تلزمهم إمامة آخر؛ لأنهم لم يكونوا التزموها.
وقال أشهب في مدونته: إن قدّموا رجلين فأم هذا طائفةً وهذا طائفةً- كانت صلاة جميعهم مجزئةً، وبئس ما صنعت الطائفة الثانية بتقديمها الإمام.
وهذا موافق لقول ابن القاسم؛ لأنه إذا صح أن يصلّوا كل واحد لنفسه- صح أن يصلوا بإمامين، أو بعضهم بإمام وبعضهم لنفسه.
وعلى قول ابن عبد الحكم لا يصلُّون طائفتين، وإن فعلوا صحت صلاة من استخلف أولًا، إلا أن يكون الثاني أحق بالإمامة.
وقال أشهب في مدونته: إن أحدث الإمام وهو مسافرٌ وخلفه مسافرون ومقيمون، فقدم رجلًا من المقيمين، وكان الإمام صلى بهم ركعةً بسجدتيها: فإن هذا المقيم يصلّي تمام صلاة المسافر، فإذا تشهد قام فصلى لنفسه تمام صلاة المقيم 476. وإن تأخر إذا تشهد من غير أن يسلّم وقدم رجلًا من المسافرين فسلم بهم، ثم قام المقيمون فقضوا ما بقي عليهم من صلاتهم وحدانًا بغير إمامٍ-

الجزء: 2 - الصفحة: 542

رأيت ذلك جائزًا، وإن قام فصلى لنفسه بقية صلاة المقيم فاتبعه المقيمون وثبت المسافرون جلوسًا حتى أتم بالمقيمين ثم سلم بهم وسلّموا جميعًا بسلامه المقيمون والمسافرون- رأيت ذلك مجزئًا عنهم جميعًا.
وعلى قول ابن عبد الحكم تفسد صلاة من اتبعه من المقيمين.
وذكر سحنون في المجموعة قولًا ثالثًا: أن الإمام إذا استخلف من فاتته ركعةٌ فقام لقضائها بعد فراغه من صلاة الإمام ومعه من فاتته تلك الركعة- أن لهم أن يقوموا لقضائها فيصلّيها كلّ واحد منهم لنفسه ثم يسلمون بسلامه 477. قال الشيخ - رضي الله عنه -: كل ذلك واسع وأرى من فاتته ركعة إذا كان المستخلف من فاتته ركعة وقام لقضائه بالخيار بين خمسة أوجه: إن شاؤوا صلّوا تلك الركعة وسلموا وانصرفوا، قياسًا على الطائفة الأولى في صلاة الخوف، أنها تتمّ الآن وتنصرف، ولا تنتظر فراغ صلاة الإمام.
وإن شاؤوا استخلفوا من يسلم بهم كما قال أشهب: وإن شاؤوا قضوا معه ما سبقهم به الإمام أو أفذاذًا 478. وإن شاؤوا أمهلوا حتى يسلموا بسلامه؛ لأنه إذا كان كلّ واحد منهم في قضاء لم يكن بين فراغهم بعدٌ.
وإن شاءوا صبروا حتى يقضي المستخلف ركعةً ثم يقضون، قياسًا على حديث ابن عمر في الطائفة الأولى في صلاة الخوف 479:

الجزء: 2 - الصفحة: 543

أنهم لا يتمّون حتى تنقضي صلاة إمامهم.
وبه أخذ أشهب (1).

فصل من دخل على الإمام وهو رأحع فأحدث جاز استخلافه

ومن دخل مع إمامٍ وهو راكعٌ وأحدث واستخلفه- فإن كان إحرامه بعد أن أحدث الإمام- لم يصح استخلافه، وإن كان قبل صح وركع، فإذا ركع صار كأحدهم، ثم يرفع بهم، وإن أدركه بعد أن رفع ولم يسجد، فأحرم ثم أحدث الإمام ثم استخلفه- لم ينبغ له أن يسجد بهم؛ للاختلاف في إمامته بهم في السّجود، فإن فعل ذلك كان فيها قولان: فقيل: لا تجزئهم؛ لأن ذلك السّجود في معنى التطوع؛ لما كان لا ينوب عن فرضه، فأشبه صلاة مفترض خلف متنفّلٍ.
وقيل: يجزئهم 481؛ لما كان اتباعه الإمام فيها قبل أن يحدث واجبًا عليه.
وذكر محمد بن المواز القولين جميعًا 482. وقال محمد فيمن أدرك الركعة الآخرة من الجمعة فأحرم والإمام راكعٌ فلم يركع حتى أحدث الإمام فاستخلفه- أنّه يركع بهم مكانه، والقوم على حالهم480 = سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجدتين)، وأخرجه مسلم، في صلاة المسافرين وقصره، في باب صلاة الخوف، من كتاب صلاة المسافرين وقصره، برقم (839).

الجزء: 2 - الصفحة: 544

ركوعا، ثم يرفع بهم 483 ويكون ممن أدرك تلك الركعة، وتجزئه جمعةً 484. قال: وإن رفع القوم بغير إمامٍ قبل أن يرفع 485 لم يضره، وعلى المستخلف أن يخر راكعًا ويرجعون 486 هم إلى ركعتهم مثل من رفع قبل إمامه، وإن لم يفعلوا لم تجزهم 487. وقال فيمن صلى وحده ركعةً من الصبح ثم أحرم معه رجلٌ في الثانية، ثم أحدث الأول: فإن هذا يصلّي ركعةً ثم يجلس يتشهد 488 ثم يقضي الأولى وإن كان وحده 489. وقال ابن القاسم في مسافرٍ أمه حضريٌّ فأحدث الحضريّ قبل أن يركع أول ركعة فخرج وترك المسافر: كان على المسافر أن يصلّي أربعًا 490. واختلف في الإمام يحدث فيستخلف ثم يتوضأ، فإذا جاء أخرج المستخلف وأتم بهم، فقال ابن القاسم في العتبية: لا ينبغي ذلك، فإن فعل فينبغي إذا تمت الصلاة أن يشير إليهم حتى يقضي لنفسه ثم يسلم ويسلّمون.
قال: وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلّي بالناس فتأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - 491.

الجزء: 2 - الصفحة: 545

وقال يحيى بن عمر: لا يجوز هذا لأحدٍ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - 492. قال الشيخ أبو الحسن: وقول ابن القاسم في هذا أحسن؛ لأن الحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولنا أن نقتدي بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - , ولم يأت ما ينسخ ذلك، وقد أخرج البخاري ومسلم أن أبا بكر كان يصلي بالناس في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة فخرج إلى المسجد وأبو بكر يصلي بالناس، فتأخر أبو بكر وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه يسمع الناس تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من آخر فعله لم ينسخه شيء 493.

الجزء: 2 - الصفحة: 546

باب في الجمعة ووجوبها

الجمعة فرضٌ، لقول الله -عز وجل-: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] الآيتين، فأمر بالسعي إليها، ومنع البيع، وذم على الترك، وكل ذلك يقتضي الوجوب.
وفي الصحيحين: "أَقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ بطعامٍ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَائِم يَخْطُبُ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ فَنزلَتِ الآيةُ.
. ." 494، وفي النسائي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الرَّوَاحُ حَق عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" 495، وفي الترمذي، قال: "مَنْ ترَكَ الجُمُعَةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا.
. ." 496، وفي النسائي: "مِنْ غَير ضَرُوةٍ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ" 497، وفي مسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيَنْتَهِينَّ أَقْوَام عَنْ

الجزء: 2 - الصفحة: 547

وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَن اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ" 498 وقوله: "أقوام" إشارة إلى معينين، ويحتمل أن يكونوا منافقين، كما قال في الحديث الآخر: "إنه يحرق بيوتًا على من فيها يتأخرون عن العشاء" 499. = في باب ذكر الدليل على أن الوعيد لتارك الجمعة هو لتاركها من غير عذر، من كتاب الجمعة في صحيحه, برقم (1856)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 2/ 420، رواه أحمد وإسناده حسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 548

باب في الغسل للجمعة، وعلى من تجب والأعذار التي تسقط وجوبها، وهل تنعقد بمن لا تجب عليه؟

500 الغسل للجمعة سنةٌ، واختلف في وجوبه، وهل من شرطه أن يكون متصلًا بالرواح؟ ولا خلاف أنه ليس بشرط في الإجزاء، وَأنَّ من صلى بغير غسلٍ ناسيًا أو عامدًا أجزأته صلاته، فقال ابن حبيب: لا يأثم تاركه 501. وقال أبو جعفر الأبهري: اختلف أصحاب مالك في ذلك: فقال بعضهم: هو سنةٌ مؤكدةٌ، لا يجوز تركها إلا لعذرٍ.
وقال بعضهم: هو مستحبٌ.
قال: واستدل من قال بوجوبه يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِب عَلَى كل محتلِم" 502. واستدل من قال: إنه مستحب بحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ النَّاسُ عمَالَ أنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، وَكَانَ يَكون لَهُمْ تَفَلٌ 503، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لهم: لَو اغْتَسَلْتُمْ" 504، وبقوله: "مَنْ تَوَضَّأ فَبِهَا ونعمَتْ، وَمَنِ اغتسَل فَالغسْل أفْضل" 505.

الجزء: 2 - الصفحة: 549

قال الشيخ: الغسل لمن لا رائحة له- حسنٌ، ولمن له رائحةٌ واجبٌ، كالحوات والقصاب وغيرهما، وعلى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا نيئًا 506 أن يستعمل ما يزيل ذلك عنه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذه الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا" 507. فأسقط حقه من المسجد، وإذا كان من حق المصلّين والملائكة والمسجد أن يخرج عنهم، وكان حضور الجمعة واجبًا -وجب عليه أن يزيل ما عليه من تلك الروائح، وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن كان يوجد منه الريح: ". . . لو اغتسلتم" ولم يوجب ذلك، فإن تلك 508 الروائح قد ألفها بعضهم من بعضٍ ولم يستثقلوها 509، وليست رائحة العباء كغيرها.
ومن شرط الغسل عند مالك أن يكون متصلًا بالرواح، وإن نام بعد الغسل أو تغدى- استأنفه، وإن راح ثم انتقضت طهارته توضأ وأجزأه غسله.
واختلف فيمن اغتسل في الفجر ثم غدا 510 به وأقام لوقت الصلاة 511، أو لم يواصل به الرواح - ثلاثة أقوال:

  • فقال ابن القاسم في كتاب محمَّد: من اغتسل للجمعة في الفجر لم يجزه.
  • وقال مالك في العتبية فيمن يغتسل يوم الجمعة ويغدو إلى المسجد = كتاب الطهارة برقم (354)، والترمذي: 2/ 269، في باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، من أبواب الجمعة, برقم (497)، وقال: حديث حسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 550

ويصلّي الصبح ويقيم في المسجد حتى يصلّي الجمعة: لا يعجبني ذلك (1). ولم يعجبه الغسل تلك الساعة.

  • وقال ابن وهب (2): لا بأس إن اغتسل بعد الفجر ونوى (3) به الجمعة أن يروح به، والأفضل أن يكون غسله متصلًا بالرواح.
    فأجاز الغسل وإن لم يكن متصلًا، يغتسل في الفجر ثم يروح به، والرواح عند الزوال إلى ما بعد، وهذا أشهر (4)؛ لحديث عائشة (5): أن الغسل كان بسبب ما يوجد من تلك الروائح، فإذا لم يحدث بعد الغسل روائح أجزأه غسله.
    وعلى قول مالك: هو سنة، وليس علته التنظف.

فصل الجمعة واجبة على الرجال الأحرار المقيمين

الجمعة واجبةٌ على الرّجال الأحرار المقيمين، قال مالك: ولا جمعة على النّساء، ولا على الصبيان، ولا على العبيد 517. ولا على المسافرين.
فسقطت عن النّساء بإجماعٍ، والإجماع فيهن في موضعين أحدهما: سقوطها، والآخر: أنهن إن حضرنها وصلينها أجزأت عن الظّهر.
وأما الصبيان ففرض الصلاة ساقطٌ عنهم، الجمعة وغيرها.
وأما العبيد512513514515516

الجزء: 2 - الصفحة: 551

فاختلف فيهم في ثلاثة مواضع: أحدها: هل تجب عليهم؟ والثاني: إذا لم تجب عليهم هل تنعقد بهم؟ والثالث: هل يصحّ أن يقيمها العبد بالأحرار؟ ولا خلاف أنه إن صلاها مأمومًا أجزأته عن الظّهر، والمعروف من قول مالك أنها غير واجبة على العبيد 518. وقال ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر: المشهور من قول مالكٍ أنها غير واجبةٍ على العبيد 519، يريد: أنه اختلف قول مالك فيها.
وقال أيضًا: على من قدر من العبيد إتيان الجمعة أن يأتيها، يلزمون ذلك، ويقامون إليها من حوانيت ساداتهم.
وفي موطأ ابن وهب المؤرّخ قال: سئل مالك عن العبيد: هل عليهم جمعة؟ فقال: أما من قدر عليها منهم فنعم.
فرأى أن الأصل في الصلوات تساوي الحرّ والعبد فيها، وهي صلوات كلها، إلا ما خصه نصّ أو إجماعٌ، ولا حق للسيّد في وقت الصلوات، وروى عنه أبو مصعب أنه قال: لا أحبّ للمكاتب ترك الجمعة.
واختلف في إمامة العبد في الجمعة بعد القول أنها غير واجبة عليه، فمنع ذلك مالك في كتاب الصلاة الأول 520. وقال ابن القاسم: فإن فعل أعاد وأعادوا 521. وفي كتاب ابن حبيب: الإعادة وإن ذهب الوقت 522.

الجزء: 2 - الصفحة: 552

وأجاز أشهب في كتاب محمَّد: أن يؤم فيها، وقال: إذا كانت تجزئه مأمومًا وتصير 523 هي الفريضة لشهودها وواجبة عليه- أن تجزئهم 524. ورأى أنها ساقطة في حقّ السيّد، وإذا حضرها وجبت عليه كسائر الصلوات.
ورأى مالك أن فرضه أربع، فإذا أمهم كان قد أتى بركعتين عن أربع، وذلك غير مجزئ، ويجزئ إذا كان مأمومًا بالإجماع، وذكر انعقادها به يأتي فيما بعد.
وسقطت في السفر؛ لأن من شرطها العصر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مر عليه في سفره جمعٌ ولم يجمّع، وكان وقوفه في حجته 525 يوم الجمعة فلم يجمّع 526. وكذلك إذا دخل المسافر الحضر هو على حكم المسافر في القصر، فلا تجب عليه جمعةٌ.

الجزء: 2 - الصفحة: 553

واختلف إذا شهدها وصلاها مأمومًا، واستخلف على إقامتها: فقال مالك: إذا صلاها مأمومًا أجزأت.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: لا تجزئه وإن كانت صلاته للظهر ركعتين؛ لأنه صلاها على نية الجمعة (1). وقول مالك أحسن، وأن تجزئه قياسًا على المرأة، فالجمعة ساقطة عنها، وإن شهدتها أجزأتها عن أربع.
وقال مالك في العتبية: إذا أحدث الإِمام فاستخلف المسافر- لم تجزهم، ويعيدون الخطبة والصلاة ما لم يذهب الوقت، فإن ذهب الوقت أعادوا ظهرًا أربعًا (2). وأجاز أشهب أن يستخلف (3) إن حدث على الإِمام شيءٌ قبل دخوله في الصلاة أو بعد، وقاله سحنون (4)، ومنع مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب قبل الإحرام، وقالا (5) يعيد ويعيدون، وإن استخلف بعد الإحرام أجزأته وأجزأتهم؛ لأنها بالإحرام منعقدةٌ عليه وصار تمامها عليه فرضًا.

فصل الأعذار التي تجيز التخلف عن الجمعة

الأعذار التي تجيز التخلف عن الجمعة أربعةٌ، وهي: ما يتعلق بالنفس، والأهل، والدّين، والمال.527528529530531

الجزء: 2 - الصفحة: 554

فأما ما يتعلق بالنفس فالمرض الذي يشقّ معه 532 الإتيان إليها، أو علةٌ لا يمكنه اللبث في الجامع حتى تنقضي الجمعة لنزول به، أو غير ذلك، أو كان مقعدًا ولا يجد مركوبًا، أو أعمى ولا يجد قائدًا ولا يهتدي للوصول 533 بانفراده.
واختلف في المطر الشديد: هل يكون عذرًا؟ فقال مالك: عليه أن يشهد 534. وقال أيضًا: ليس ذلك عليه.
ومن العذر أن يخاف سلطانًا إن ظهر قتله أو عاقبه أو ضاره، وقال سحنون: إذا خاف غريمًا أن 535 يحبسه- لم يسعه 536 التخلف، كان له مالٌ أو لم يكن.
وقوله: إذا لم يكن له مال، ليس بحسن.
واختلف في تخلّف العروس، فقال مالك: لا يتخلف عن الجمعة ولا غيرها 537. وقال سحنون: قال بعض الناس: يتخلف ولا يخرج، وهذا حق لها بالسّنة 538. وهذا لا يصح، إلا أن يقول: إنها من فروض الكفاية.

  • والعذر في الأهل أن تكون زوجته أو ابنته أو أحد أبويه قد اشتد به 539 المرض أو احتضر أو مات؛ فيجوز له التخلّف، وكذلك لو كان مريضًا يخشى

الجزء: 2 - الصفحة: 555

عليه الضيعة ولم يكن له من يقوم به.
وإن كان أجنبيًّا ومات 540 واحتيج إلى مواراته فقد اختلف في هذا الأصل: فقال مالك في الرجل يكون مع صاحبه فيمرض ويشتدّ عليه مرضه: لا يدع الجمعة إلا أن يكون في أسباب الموت 541. وقال في الرجل يهلك في يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل من إخوانه ينظر في شأنه: لا بأس به 542. وروي عن ابن عمر أنه دعي لعثمان 543 ابن زيد بن نفيل وقد كان احتضر، فمضى إليه وترك الجمعة.
وذكر ابن نافع عن مالك أنه قال في رجلٍ بلغه موت بعض أهله، يخرج إلى جنازته وهو قريبٌ من المدينة ويدع الجمعة؟ فقال: لا، وأرى أن يؤثر الجمعة.
وقال سحنون: يحضر الجمعة إذا لم يخف تغير 544 الميت.

  • وأما الدين فإن كان إن ظهر خاف أن يلزم بأمر لا يجوز، من قتل رجل، أو ضربه، أو سبّه، أو بيعة من لا يجوز العقد له 545 - جاز له التخلف، وهو قول مالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 556

  • وأما المال فإن كان يخاف سلطانًا إن ظهر أخذ ماله، أو يخاف أن يسرق بيته، أو يحترق شيءٌ من ماله- جاز له التخلف.
    واختلف إذا اجتمع العيد والجمعة: فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يشهد الجمعة (1). قال مالك: ولم يبلغني أن أحدًا أذن لأهل العوالي إلا عثمان (2). وفي الواضحة عن ابن وهب ومطرف وابن الماجشون أنهم سمعوا مالكًا يرى الأخذ بذلك ولا يستنكره (3).

فصل [فيمن تجب الجمعة بحضوره من أصحاب الأعذار]

وإذا سقطت الجمعة عمن تقدم ذكره من صاحب عذرٍ من مرضٍ أو غيره أو صبيّ أو امرأةٍ أو عبدٍ أو مسافرٍ - فإنهم إذا حضروها على ثلاثة أصناف:

  • فصنفٌ إذا حضر تجب 549 عليهم وتجب بهم على غيرهم وهم أصحاب الأعذار من الرجال الأحرار 550، فإذا حضروا وجبت عليهم لوجوبها قبل العذر، فإذا لم يكن في عدد من سواهم من تجب عليهم الجمعة إلا بإضافتهم إليهم وجبت عليهم.546547548

الجزء: 2 - الصفحة: 557

  • وصنفٌ لا تجب عليهم مع 551 حضورهم ولا تنعقد، وهم الصبيان.
  • وصنفٌ لا تجب عليهم، واختلف هل تنعقد بهم؟ وهم النساء والعبيد والمسافرون، فقال أشهب: إذا نفر الناس عن الإِمام ولم يبق معه إلا عبيدٌ - صلى بهم الجمعة، وكذلك إذا لم يبق معه إلا النساء وليس معهن رجلٌ - فإنه يصلي بهن ركعتين 552. قال: وليس بين العبيد والنساء اختلاف، وكذلك على أصله إذا لم يبق معه إلا المسافرون 553. وقال سحنون: لا يجمع إلا أن يبقى معه من الرجال الأحرار جماعةٌ دون العبيد والمسافرين والنّساء، وينتظرهم إذا كان يطمع برجوعهم حتى لا يبقى من النهار إلا قدر ما تصلى فيه وركعةٌ من العصر 554. واختلف أيضًا إذا هربوا عنه بعد أن صلى بهم ركعة أو ركعتين وقبل أن يسلّم، فقال ابن القاسم وسحنون: لا تصحّ له جمعةً 555. وإن كان قد صلى ركعةً أضاف إليها أخرى، ولو صلى الإِمام بهم ركعة، ثم نفر هو عنهم- أبطل عليهم عند ابن القاسم، ولم تبطل على قول أشهب.
    وقد قال أشهب 556 في مدونته في إمام أحدث متعمّدًا وهو يتشهد: يقدم القوم رجلًا منهم فيسلم بهم ويتوضأ هو ويعيد الصلاة؛ لأن 557 تحليل الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 558

السلام، فمن لم يسلم لم يقض صلاته.
فلم ير أنه أبطل عليهم الماضي من صلاتهم وهم فيه على حكم الجماعة قبل أن تبطل على نفسه، ولهذا قال: إذا هربوا عنه بعد ركعةٍ أنه تصح له جمعةً؛ لأن إبطالهم التمادي لا يبطل عليهم ما قد صلى بهم، وبقيت له ركعةٌ على حكم الجماعة، كما إذا أبطل هو صلاته لا تبطل عليهم، وقد تقدم في كتاب الوضوء إذا صلى بهم وهو جنبٌ: تجزئهم 558 الجمعة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 559

باب فيمن زوحم يوم الجمعة عن الركوع والسجود

اختلف فيمن زوحم عن الرّكوع: فقال ابن القاسم: يلغي تلك الركعة، وسواء زوحم في الأولى أو في الثانية، قال: وليس بمنزلة الناعس 559. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يلغيها، وهو أعذر من الناعس 560. وهذا أحسن؛ لأن الناعس والغافل معه شيءٌ من التفريط.
وإن ركع ثم زوحم عن السّجود أتى به على القولين جميعًا، فقال مالك مرة: يأتي به إن كان في أول ركعة ما لم يركع الثانية 561. وقال أيضًا: ما لم يرفع من الركوع.
وقد مضى ذلك في الكتاب الأول.
فإن صحت الأولى وزوحم عن سجود الثانية- أتى بالسجود عند ابن القاسم ما لم يسلم الإِمام، وعند أشهب: يسجد وإن سلم 562. وهو أحسن، وليس السلام كعقد ركعة، وإنما يحول بينه وبين سجود الأولى ركوع الثانية؛ لأنه مخاطب أن يصلّي التي تلي ما غلب على سجودها، ويتبع الإِمام ولا يخالف، وليس كذلك السلام.
واختلف أيضًا إذا فاتته الأولى، وأدرك ركوع الثانية، وزوحم عن السجود حتى سلم الإِمام- فقال ابن القاسم: لا تجزئه الجمعة 563. ورأى أنه لا

الجزء: 2 - الصفحة: 560

يكون مدركًا، إلا أن يصلّى ركعة بسجدتيها مع الإِمام.
وقال أشهب: إنه يسجد ويأتي بركعة، وتجزئه جمعة 564. واحتج يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدة" 565. واختلف بعد القول إنها لا تجزئه جمعةٌ، فقال عبد الملك في كتاب محمَّد: يتمّ عليها أربعًا 566، يريد: أنه يتمّ سجودها ويأتي بثلاث ركعات.
وقال محمَّد: يسلّم ويستأنف الصلاة أربعًا، وقال أصبغ: يتمّ سجود الأولى ويأتي بركعة ثم يستأنف الصلاة أربعًا 567. واختلف فيمن أدرك من الجمعة ركعةً فلما سلم ذكر هذا الرجل سجدةً من التي صلى 568 مع الإِمام: فقول ابن القاسم: تبطل الجمعة، وقول أشهب: يخرّ إلى سجدة ويأتي بركعة وتجزئه الجمعة، وقول أصبغ: يتمها جمعةً ويعيدها 569. وعلى القول أنها لا تجزئه- يختلف: هل يبني عليها أربعًا وتجزئه عن

الجزء: 2 - الصفحة: 561

الظهر؟ أو يسلّم ويستأنف الظهر أربعًا؟ وقال محمَّد: فإن أتى بركعةٍ بعد سلام الإِمام 570، ثم شك في سجدة لا يدري من أيّ ركعةٍ هي، فقال ابن القاسم: يسجد سجدة ويأتي بركعة ويسجد لسهوه ويعيدها ظهرًا.
وقال أشهب: يأتي بركعة ويسلم ويسجد لسهوه ويعيدها ظهرًا، وقال ابن عبد الحكم وأشهب في المجموعة مثل قول عبد الملك.
قال أشهب: ولا يقال له أثبت بركعة؛ لأنها إذا بطلت التي أدرك خرج من أن تكون جمعةً، وصار عليه ظهرٌ، وليس الإتيان في هذه بركعة من صلاح فرضه، فخالفت غيرها 571. والذي حكى ابن المواز عنه خلاف لحافي المجموعة عنه 572. قال عبد الملك: لا يأتي بركعة، ولكنه يسجد ثم يتشهد ويسلّم، ويسجد لسهوه بعد السلام، ويعيدها ظهرًا 573. قال مالك 574: وهذا أحب إلى يسجد خوفًا أن تكون من الآخرة 575 ولا يأتي بركعة؛ لأنها إن كانت من الركعة الآخرة 576 فهي جمعة تامة لا يحتاج فيها إلى ركعة، وإن كانت من الأولى فلا جمعة له، وعليه الظهر أربعًا، ولا تنفعه

الجزء: 2 - الصفحة: 562

الركعة التي أتى بها 577. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أرى أن يأتي بسجدة ينوي بها تمام التي صلى مع الإِمام، ثم يأتي بركعة ويسلّم، وتجزئه جمعة على القول أن كل ركعة لا يعتدّ بها لا تحول بينه وبين إصلاح التي قبلها، وهو قول مطرّف، والتي ركعها بعد سلام الإِمام لا يعتدّ بها من الجمعة لما لم تتم التي قبلها، وإذا كان لو سلم 578 واشتغل ذلك القدر في كلام أو غيره، ثم ذكر لم تفسد عليه صلاته- كان من اشتغل ذلك القدر في القربة لله -عز وجل- أحرى ألا يحول بينه وبين الإصلاح.
وقال مالك فيمن لم يستطع السجود إلا على ظهر أخيه: لا تجزئه، وعليه الإعادة وإن ذهب الوقت 579. وقال أشهب: يعيد ما دام في الوقت.
وقال محمَّد بن عبد الحكم: إذا أدرك الأولى وزوحم عن سجود الثانية فسجد على ظهر أخيه وسلم الإِمام ولم يسلّم هذا وتطاول- فإنه يسجد، وتجزئه صلاته.
فرأى أشهب أنه إذا لم يستطع السجود بالأرض كان فرضه الإيماء، وإنما عليه أن يأتي من ذلك بحسب قدرته مع الإِمام، ولا يؤخر عنه حتى يأتي بها على الأرض بعد ذلك، وإذا كان فرضه أن يأتي به معه إيماء فسجد على ظهر أخيه، أشبه من كان فرضه الإيماء، فرفعت له وسادة فسجد عليها.
ورأى مالك: أن له أن يؤخر ذلك، فإذا قام 580 الإِمام إلى الثانية سجد هو

الجزء: 2 - الصفحة: 563

على الأرض، إلا ألا يقدر ويركع الإِمام فيومئ هو ويدركه في الثانية.
وإن زوحم عن سجود الثانية أمهل حتى يجلس للتشهد، فيسجد على الأرض، فإن خشي أن يسلم الإِمام -أومأ للسجود على القول أن السلام كعقد ركعة، وعلى القول أنه ليس كعقد ركعة- يؤخر حتى يسلّم الإِمام، فيسجد على الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 564

باب في المواضع التي تجب فيها الجمعة

الجمعة تجب في الأمصار والقرى العظام التي تشبه الأمصار، واختلف فيما سوى ذلك: فقال مالك مرةً: تقام في القرية المجتمعة التي قد اتصلت دورها وفيها الأسواق 581. وقال مرةً: المتصلة البنيان.
ولم يذكر الأسواق 582. وقال في سماع أشهب: إذا كانت القرية بيوتها متلاصقةً، وطرقها في وسطها، ولها أسواق، ومسجد يجمعون فيه الصلاة- فإنهم يجمعون الجمعة 583. وكل هذا جنوح إلى ما يشبه المدن؛ لأن الأصل ما أقيمت فيها، وإلى هذا ذهب سحنون: أنها تقام في المدن وما أشبهها.
وسئل محمَّد بن سحنون عن القرى التي أحدثت فيها المنابر فقال: لا أرى ذلك؛ لأنه أمر اختلف فيه، ولو كان ذلك واجبًا على أهل القرى لأقامها سحنون إذ صلي كما أقامها لأهل قلشانة وسوسة وصفاقس، فما أجاز ذلك فيها إلا زحفا 584. وأنكر ابن سحنون على ابن طالب حين أقامها بأولج وقرقورية.
قال الشيخ: وقد أخبرني بعض أهل أولج أن بها عشرة مساجد، وقال يحيى بن عمر: الذي أجمع 585 عليه مالكٌ وأصحابه 586 أن الجمعة لا تقام إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 565

بثلاثة: المصر، والجماعة، والإمام الذي تخاف مخالفته، فمتى عدم شيءٌ من هؤلاء لم تكن جمعة.
فجميع هذه الروايات يشدّ بعضها بعضًا، أنها إنما تقام بالمدن والأمصار وما كان من القرى يشبهها 587. وراعى مالك مرةً العدد، فروى عنه مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أنه قال: إذا كانوا ثلاثين رجلًا أو ما قاربهم جمَّعوا 588. قال ابن حبيب: وهو مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتمع ثلاثون بيتًا.
. ." 589 والبيت: مسكن الرجل الواحد.
وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: إذا كانت قرية فيها خمسون 590 رجلًا ومسجد يجمّعون فيه الصلوات - فلا بأس أن يصلوا صلاة الخسوف، وعلى هذا لا يصلون الجمعة إلا أن يكونوا هذا القدر؛ لأن الجمعة أولى بطلب ذلك فيها.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لا حد لهم.
وقال أبو الحسن ابن القصار: وليس عند مالك للجماعة التي تجب عليهم الجمعة حدّ محدود، غير أني رأيت لمالك نصًّا: أنها لا تقام بالثلاثة ولا بالأربعة، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: إنهم لا حد لهم، إلا أن يكونوا عددًا يمكنهم الثواء وتتقرى بهم قرية 591.

الجزء: 2 - الصفحة: 566

والرواية المتقدمة في مراعاة القرى ترد ما ذهب إليه البغداديون أنه لا حد لهم، وقد قال مالك في المدونة في الأمير يمرّ بقرية لا تجب فيها الجمعة فجهل فجمع بهم: فلا جمعة له ولا لهم 592. ولم يختلف المذهب أن الجمعة مفارقةٌ للصلوات الخمس، وأن ما سوى الجمعة يقام بالواحد والاثنين، وأن للجمعة حكمًا آخر، وصفة تطلب، وقدرًا تقام الجمعة بحصوله وتسقط بعدمه، وإذا كان ذلك وجب ألا تقام إلا على صفة 593 مجمع عليها، وأن الخطاب يتوجه بها، فمتى عدم لم تقم لمختلف فيه؛ لأن أصل الظهر أربع، فلا ينتقل عنه بمشكوك فيه.
وقال مالك في أهل الخصوص، وهم جماعة، واتصال تلك الخصوص كاتصال البيوت: إنهم يجمِّعون الجمعة وإن لم يكن لهم والٍ 594. ولم يقل إذا كان 595 لهم مسجد، وقال في العتبية: ليس على أهل العمود جمعة؛ لأنهم عنده ليس لهم قرار 596. ويختلف في أهل الخصوص والقرى الآن؛ لأنها ليست تشبه بالمدن، وقال مالك في سماع ابن وهب في حصون تكون على الساحل، فقال: إنما هي على أهل القرى والمدن، فأما غير أهل القرية، فلا أدري 597.

الجزء: 2 - الصفحة: 567

ولم ير سحنون على أهل المنستير جمعةً (1)، وقاله محمَّد بن عبد الحكم، وقال: لا تكون الجمعة إلا في العيال والولد والأسواق.
وقال زيد بن بشر: إذا كان الحصن على أكثر من فرسخ وفيه خمسون رجلًا فأكثر جمعوا (2).

فصل الخلاف فيمن يقيم الجمعة ويصليها بالناس

واختلف فيمن يقيم الجمعة، ويصليها بالناس، فقال مالك في المدونة في أهل مصرٍ مات واليهم، ولم يستخلف عليهم أحدًا قال: إذا حضرت الصلاة قدّموا رجلًا منهم، فخطب، وصلى بهم الجمعة، وكذلك القرى التي لأهلها أن يجمّعوا، وقال: إن لله فرائض في أرضه لا ينقضها إن وليها والٍ، أو لم يلها، نحوً من هذا.
يريد: الجمعة.
600 وقال محمَّد بن مسلمة في المبسوط: لا يصليها إلا سلطان أو مأمور أو رجل مجمع عليه، ولا ينبغي أن يصليها إلا أحد هؤلاء، قاله في باب الصلاة في العتبية 601. وقد تقدم قول يحيى بن عمر إنها لا تقام إلا بثلاث، قال: والإمام الذي تخاف مخالفته، وهذا آكد من قول ابن مسلمة، قال يحيى: وأتى قوم عمرو بن العاص فسألوه أن يأذن لرجل منهم أن يؤمهم في الفطر والأضحى، فأذن لهم،598599

الجزء: 2 - الصفحة: 568

ثم جاؤوه فسألوه أن يأذن لهم في الجمعة، فقال: هيهات، لا يقيم الجمعة إلا من أخذ بالذنوب وأقام الحدود، وأعطى الحقوق، وقول مالك أبين, لأنها قربة أمر الله سبحانه بأدائها، فلا وجه لتعلقها بإمام يخاف، وقد قال مالك، وابن القاسم: إذا منع الإِمام الناس من إقامتها وقدروا على إقامتها فعلوا (1). وفرق أشهب بين الإِمام أن يمنعهم أو يكون ممن لا يمنع، فصلوها بغير أمره (2)، ولم يختلفوا أنه إذا كان إمامًا مقامًا من الأمير فخطب أو صلى بعض الصلاة، ثم حدث عليه ما نقض طهارته أو غير ذلك أن له أن يستخلف ولا يفتقر في ذلك إلى الأمير، ولو ذهب كان لهم أن يستخلفوا، وهذه ضرورة (3).

فصل الجمعة تصلى في الجامع لا على ظهره

الجمعة تصلى في الجامع، لا على ظهره، ولا خارجًا منه في الطريق، ولا في الديار، ولو كانت قريبة منه، واختلف فيمن صلاها في شيء من هذه المواضع الثلاث، هل تجزئه صلاته؟ فقال ابن القاسم في المدونة فيمن صلاها على ظهر المسجد: يعيد وإن ذهب الوقت 605. وقال مالك، ومطرف وابن الماجشون وأصبغ في ثمانية أبي زيد: صلاته جائزة ولا إعادة عليه.
قال ابن الماجشون: لا بأس أن يصلي المؤذن على ظهر المسجد؛ لأنه موضع أذانه إذا قعد الإِمام على المنبر، وإذا صلى خارج المسجد في الطريق أجزأته صلاته عند ابن القاسم 606 ولم602603604

الجزء: 2 - الصفحة: 569

تجزه عند سحنون، وقال: صلاتهم باطلة، وكان يقول: إذا مر على الذين يجلسون للصلاة في الطريق: ضع رجلك على عنقه وجز، ويأمرهم بالدخول، ويقول: إن صليتم ها هنا فصلاتكم باطلة، وهذا أحسن، لقولهم: إن الجامع من شرط الجمعة، فمن تركه مختارًا، لم تجزئه 607، والصلاة على ظهر المسجد أخف وأولى أن تجزئ من الصلاة في الطريق؛ لأن لظهره من الحرمة ما لبطنه.
وأما الصلاة في الديار التي حول المسجد، فقال مالك: لا تصلى فيها وإن أذن أهلها 608، وقال ابن القاسم عند ابن مزين: فإن فعل فعليه الإعادة وإن ذهب الوقت، وقال ابن نافع: يكره أن يتعمد ذلك إذا لم تتصل الصفوف، وإن امتلأ المسجد والأفنية واتصلت الصفوف، فلا بأس بذلك، قال: وقد صلي في حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ضاق المسجد 609. = بينهما فصلى في تلك الأفنية بصلاة الإِمام ولم تتصل الصفوف إلى تلك الأفنية فصلاته تامة.
قال: وإن صلى رجل في الطريق وفي الطريق أرواث الدواب وأبوالها؟ قال مالك: صلاته تامة، ولم يزل الناس يصلون في الطريق من ضيق المساجد وفيها أرواث الدواب وأبوالها.
قلت: وكذلك قول مالك في جميع الصلوات إذا ضاق المسجد بأهله).

الجزء: 2 - الصفحة: 570

فصل الجمعة تقام في جامع واحد

الجمعة تقام في جامع 610 واحد، وإن كان بالمصر جامعان أقيمت في الأقدم منهما، وإن أقيمت في الأحدث وحده أجزأت، وإن أقيمت في الجامعين مع القدرة على الاكتفاء بواحد أجزأت من صلاها في الأقدم وأعادها الآخرون، قاله مالك في مختصر ما ليس في المختصر، وقال بعض الناس: تجزئ من أقامها أولًا، ويعيد من أقامها بعد، وإذا لم يسعهم جامع واحد جاز أن تصلى في جامعين، وقال محمَّد بن عبد الحكم: أما مثل الأمصار العظام مثل مصر وبغداد فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين 611. قال الشيخ: إقامتها في مسجدين أولى إذا أكثر الناس، ويعيد من يصلي في الأفنية من الجامع؛ لأن الصلاة لهم حينئذ لا يأتون بها على حقيقتها، وقد يكون الإِمام في السجود وهم في الركوع، وقال أبو الحسن ابن القصار: إذا كانت المدينة ذات جانبين كبغداد فيشبه أن يجيء على المذهب أن يجمّعوا في الجانبين 612 يريد اختيارًا، وأنها تفسير بذلك كالمدينتين.
= المسجد).
انظر: المدونة: 1/ 233.

الجزء: 2 - الصفحة: 571

فصل في الخلاف هل المراعى في شهودها ثلاثة أميال

وعلى من كان خارجًا عن المدينة شهودها إذا كان قريبًا على ثلاثة أميال، واختلف هل المرَاعى ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة، فقال مالك في المجموعة: عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء، وذلك ثلاثة أميال 613، وظاهره من المنار، وقاله أبو محمَّد عبد الوهاب: إن المراعى من المنار 614، وقال محمَّد بن عبد الحكم: إنما ينظر إلى ثلاثة أميال من العصر، وحيث يقصر الصلاة المسافر في خروجه, وليس ينظر إلى المسجد، وقد يكون بين المسجد وآخر البلد أكثر من ثلاثة أميال.

الجزء: 2 - الصفحة: 572

باب في البيع، والشراء يوم الجمعة بعد النداء للجمعة ووجوب السعي إليها

النداء للجمعة يوجب السعي إليها ويمنع البيع والشراء، لقول الله -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
وهذا فيمن كان قريب الدار إذا سعى بعد النداء أدرك الخطبة فما بعدها، وإن كان بعيد الدار، وجب عليه أن يسعى قبل ذلك بما يعلم أنه إذا سعى أدرك، ويمنع البيع والشراء حينئذ، وليس من هو في طرف المدينة كمن هو في وسطها, ولا المدينة الكبيرة كالصغيرة.
واختلف فيمن باع أو أشترى بعد النداء، فقال مالك في المدونة: يفسخ البيع 615، وقال في المجموعة: البيع ماضٍ وليستغفر الله 616، وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت، فإن فات بتغير الأسواق مضى بالثمن 617، وقال ابن القاسم وأشهب في الواضحة: يفسخ ما لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة 618. واختلف في القيمة متى تكون؛ فقال ابن القاسم: حين قبضها مشتريها، وقال أشهب: بعد صلاة الإِمام وحين يحل البيع 619، وقال عبد الملك بن

الجزء: 2 - الصفحة: 573

الماجشون في ثمانية أبي زيد: إذا كان قوم اعتادوا البيع ذلك الوقت، فسخت تلك البياعات كلها، وإن لم تكن عادة زجروا عن ذلك، ولم يفسخ البيع.
واختلف بعد القول أن البيع يمضي، في الربح، فقال مالك: الربح للمشتري، ولا أراه عليه حرامًا، وقال ابن القاسم في العتبية: لا يأكل الربح، وأحب إلى أن يتصدق به، وقال أصبغ: يكره أن ينتفع بذلك الربح، لمّا كان اشتغاله به عن العبادة 620، وقد فعل مثل ذلك سليمان - عليه السلام - لما اشتغل بالخيل فقتلها 621. قال الشيخ: وقول المغيرة في ذلك حسن، أنه ينقض البيع مع القيام، عقوبة وحماية، لئلا يعودا إلى مثل ذلك، فإن فات مضى؛ لأن الثمن والمثمون صحيحان لا فساد فيهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 574

واختلف بعد القول بفسخ البيع في فسخ ما لا يتكرر نزوله، فقال محمَّد بن عبد الحكم في الإقالة والشركة والتولية والأخذ بالشفعة: يفسخ؛ لأنه بيع.
وقال ابن القاسم في العتبية في النكاح: إنه يمضي بالعقد ولا يفسخ (1)، قال: والهبة والصدقة نافذة، إلا في البيع، وقال أصبغ في النكاح: يفسخ؛ لأنه بيع (2). قال الشيخ: قول ابن القاسم في هذا أحسن، فلا يفسخ النكاح ويحتاط للفروج، ولا تباح لأحد مع قوة الخلاف، وتمضي الهبة والصدقة بالعقد، بخلاف البيع؛ لأنه في البيع يرد إلى كل واحد ماله، فلا يلحقه كبير مضرة، وليس كذلك الهبة والصدقة؛ لأنه ملك شيئًا بغير عوض، فيبطل عليه، إلا أن تكون الهبة للثواب؛ لأنها بيع، انتهى.

فصل الأذان الثاني هو الذي يمنع البيع

الأذان الذي يمنع البيع، الأذان الثاني، وهو إذا قعد الإِمام على المنبر، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: للجمعة أذانان، أذان عند الزوال، والآخر عند جلوس الإِمام على المنبر 624.622623

الجزء: 2 - الصفحة: 575

وذكر البخاري أن الثاني حدث في زمان عثمان بن عفان 625، فجعل ابن عبد الحكم الثاني واجبًا 626، لما يتعلق به من الأحكام من وجوب السعي، وتحريم البيع، وقد يقع التحريم، ووجوب السعي لبعض الناس بالأذان الأول، إذا كان بموضع بعيد إن سعى ذلك الوقت 627 أدرك الإِمام على المنبر.

الجزء: 2 - الصفحة: 576

باب في سلام الإِمام على الناس إذا خرح عليهم, أو صعد المنبر، وجلوسه قبل الخطبة, وقيامه للخطبة, وما يلزمه في خطبته, وما يلتزم به السامعون من استقباله والإنصات له, في التنفل بعد خروج الإِمام قبل الخطبة, وفي حال الخطبة

وإذا خرج الإِمام على الناس سلم على الذين يخرج عليهم، واختلف في سلامه إذا صعد المنبر، فقال مالك في المدونة: لا يسلم 628، وقال عبد الملك بن حبيب: ينبغي للإمام أن يسلم إذا جلس للخطبة ويسمع من يليه، وذلك إذا كان أوان دخوله المسجد، كان ممن يرقى المنبر، أو ممن يجلس يخطب إلى جانبه، وينبغي لمن سمعه أن يرد عليه 629. قال ابن حبيب: وحدثني ابن أبي أويس عن محمَّد بن بلال قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يخلع نعليه إذا رقي المنبر، ورأيته يسلم إذا رقي المنبر، لا يخفي صوته بذلك، وإذا صعد الإِمام المنبر يوم الجمعة، جلس حتى يؤذن المؤذنون.
واختلف هل يجلس إذا صعد للخطبة في العيدين، والاستسقاء، ويوم عرفة؛ فقال مالك في المدونة: يجلس إذا صعد المنبر قبل أن يخطب 630، وقال في المبسوط: لا يجلس، وإنما يجلس في الجمعة انتظارًا للمؤذن أن يفرغ 631،

الجزء: 2 - الصفحة: 577

قال عبد الملك: وكان يرى إذا استوى على المنبر خطب قبل أن يجلس في العيدين؛ لأنه لا ينتظر فيهما مؤذن.
قال الشيخ: وقوله في المدونة أحسن؛ لأن جلوسه ذلك أهدى له لما يريد أن يفتتحه، وفيه زيادة وقار، ويخطب الإِمام قائما، متوكئا على عصا، قال ابن شهاب: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام للخطبة أخذ عصا فتوكأ عليها وهو قائم.
ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك 632، قال مالك: وذلك مما يستحب للأئمة أصحاب المنابر أن يخطبوا ومعهم العصي 633. ويستقبله الناس بوجوههم، ويرمقونه بأبصارهم، وليس ذلك عليهم إذا جلس وقبل أن يأخذ في الخطبة، قال ابن القاسم في المدونة: رأيت مالكًا متحلقًا في أصحابه قبل أن يأتي الإِمام، وبعد أن يأتي الإِمام وهو قاعد لا يقطع حديثه ولا يصرف وجهه إلى الإِمام، فإذا سكت المؤذن وقام للخطبة، تحول هو وأصحابه إلى الإِمام واستقبلوه بوجوههم 634. وسئل مالك عن التفات الرجل يوم الجمعة والإمام يخطب، قال: لا بأس به؛ إن الرجل ليحول ظهره إلى القبلة والإمام يخطب 635، فلا يكون به بأسٌ، ولم ير على من كان في الصف الأول أن يستقبل الإِمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 578

فصل الإنصات للخطبة والاستماع لها واجب

الإنصات للخطبة والاستماع لها واجب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ انصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" 636 وإذا كان من استنصت المتكلم لاغيًا، كان المتكلم الأول ابين أنه لاغ، وفي كتاب مسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَرَّكَ الحَصْبَاءَ فَقَدْ لَغَا" 637 فلا يجوز حينئذ أن يحرك شيئًا له صوت، كتاب، ولا ثوب جديد، ولا ما أشبه ذلك؛ لأن ذلك مما يشغل السامع، وقال مالك في المبسوط: إذا تكلم رجلان فلا بأس أن يشير إليهما بيده ينهاهما أو يغمزهما أو يسبح بهما ولا يرفع صوته بالتسبيح.
وقال في الاستغفار، والتهليل، والاستجارة من النار، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا مر الإمام بذكر ذلك: لا بأس به، ما لم يرفع صوته أو يشتغل بذلك عن الاستماع، ولا بأس أن يتكلم الإِمام في الخطبة إذا كان في أمر أو نهي، ولا بأس أن يجاوبه من كلمه الإِمام، وقد قال عمر بن الخطاب لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تأخر 638: أي ساعة

الجزء: 2 - الصفحة: 579

هذه؟ فأجابه الآخر: ما زدت على أن توضأت" 639. واختلف في الإِمام إذا تكلم بما لا يجوز من سبّ من لا يجوز سبّه أو مدح من لا يجوز مدحه، هل يسكت الناس عند ذلك؟ فقال مالك في المجموعة: لا ينبغي الكلام وإن خرج إلى ما لا يجوز له.
640 وقد قال عبد الملك بن حبيب: إذا لغا الإِمام في خطبته، أو تكلم بغير ما يعني الناس، أو خرج إلى اللعن أو الشتم، لم يكن على الناس الإنصات عند ذلك، ولا التحول إليه، قال: وقد فعل ذلك سعيد بن المسيب لما لغا الإِمام أقبل سعيد على رجل يكلمه، فلما رجع إلى الخطبة سكت سعيد 641، وهذا هو الصواب، والأول حماية، لئلا يعود الإِمام إلى ما يجوز من القول وهم فيما أخذوا فيه لم يعلموا برجوعه، فيكونوا قد لغوا، وحماية خوف أن ينالهم من الإِمام إذا فعلوا ذلك بعض ما يكرهون.
وقال مالك في العتبية في الإِمام يأخذ في قراءة كتاب ليس من أمر الجمعة، فليس على الناس الإنصات 642، ومن المدونة قال مالك: ويجب على من لم يسمع الإِمام الإنصات، ومن عطس والإمام يخطب فليحمد الله سرًّا في نفسه، ولا يشمت، قال: ولا يتكلم أحد إذا جلس الإِمام بين الخطبتين، ولا بأس بالكلام إذا نزل من المنبر إلى أن يدخل في الصلاة 643.

الجزء: 2 - الصفحة: 580

فصل فيمن افتتح الصلاة يوم الجمعة فلم يركع حتى خرج الإِمام

وقال مالك في المدونة فيمن افتتح الصلاة يوم الجمعة، فلم يركع حتى خرج الإِمام، قال: يمضي على صلاته، ولا يقطع، وإن أتى بعد ما خرج الإِمام أو قبل أن يأتي الإِمام، فلم يركع حتى خرج الإِمام، فليجلس ولا يركع 644. واختلف إذا لم يجلس وأخذ في الصلاة، فقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يقطع، وقال سحنون في العتبية فيمن دخل المسجد والإمام جالس والمؤذنون يؤذنون، فأحرم للصلاة ساهيًا، فلم يفرغ من الركعتين حتى فرغ المؤذنون، وقام الإِمام يخطب: فإنه يمضي في صلاته ولا يقطع، قال: وإنما يكره ذلك ابتداء، فإذا فعل ذلك أحد مضى ولم يقطع، وقد روى ذلك ابن وهب عن مالك 645، وهو أحسن، وقد أخرج البخاري ومسلم: أن رجلًا أتى والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فجلس ولم يركع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قُمْ فَارْكَع رَكعَتينِ، وَتجوَّزْ فِيهِما"، ثم قال: "إِذا جَاءَ أَحَدُكمْ المَسْجِدَ، وَالإمَام يَخْطُب فَليرْكعْ رَكْعَتينِ، وَلْيتجَوَّزْ فيهما" 646، فأمر بتحية المسجد لكل من أتى حينئذ.

الجزء: 2 - الصفحة: 581

باب في أحكام الخطبة

واختلف في الخطبة في أربعة مواضع، اختلف، هل هي فرض أو سنة؟ واختلف بعد القول: إنها فرض، هل الطهارة لها فرض؟ أو تجزئ بغير طهارة؟ وهل الفرض خطبتان أو خطبة؟ وهل يجزئ من ذلك ما قل؟ أو لا يجزئ إلا ما له قدر وبال؟ فقال مالك وغير واحد من أصحابه: الخطبة فرض فمن صلى بغير خطبة لم تجزئهم 647، وأعادوا في الوقت وبعده، ولم يذكر وجوب الطهارة، وقال سحنون: الخطبة فرض، والطهارة لها فرض، فمن صلى بخطبة وهو على غير طهارة لم تجزئهم وأعادوا أبدًا 648، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: الخطبة فرض 649. والطهارة لها مستحبة، فمن صلى بغير خطبة لم تجزئهم، فإن صلى بخطبة على غير طهارة، أجزأتهم 650. وقال عبد الملك بن الماجشون: الخطبة سنة 651، وقال في ثمانية أبي زيد: من صلى بغير خطبة أجزأه، ولم يعد، والقول: بوجوبها دون الطهارة لها أحسن، لقول الله -عز وجل-: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] الآيتان، ودليل وجوبها من وجوه:

الجزء: 2 - الصفحة: 582

أحدها: تحريم البيع حين النداء، فلو كانت غير واجبة، لم يحرم البيع إلا عند الدخول في الصلاة.
والثاني: قوله سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وأول الذكر في الجمعة الخطبة، فكان محموله على أول ذكر يكون بعد النداء، وهي الخطبة، إلا أن يقوم دليل أن المراد الذكر الثاني، وهو ما يكون في الصلاة، والثالث: أن الأحاديث الصحاح وردت أن السبب في نزول الآية كان في الذين فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم يخطب (1)، لعير قدمت من الشام، فنزل ذمهم بذلك، والذم يكون لترك واجب.
ولا تجب الطهارة لها؛ لأنه ذكر الله -عز وجل- وحمد وثناء وصلاة على نبيه عليه السلام ووعظ، ولا خلاف في أن هذا الصنف لا يفتقر إلى طهارة، فوجب أن يرد ما اختلف فيه من ذلك إلى ما أجمعوا عليه، ولا حجة في أن الشأن كون الإِمام في ذلك متطهرًا؛ لأن ذلك للصلاة التي هي عقيب الخطبة، وليس بحسن أن يخطب (2) ثم يخرج للوضوء أو يتوضأ في الجامع.

فصل في الخلاف هل الخطبتان معًا فرضٌ أو واحدة

واختلف بعد القول أن الخطبة فرض، فقيل: الفرض أن يأتي بخطبتين، فإن خطب واحدة، لم تجزئهم، وأعادوا الجمعة، وكذلك إذا خطب خطبتين ولم يخطب من الثانية ما له من الكلام قدرٌ وبالٌ لم تجزئهم، وهو قول ابن القاسم 654. وقال652653

الجزء: 2 - الصفحة: 583

مالك في كتاب ابن حبيب: من السنة أن يخطب الإِمام خطبتين، فإن نسي الثانية أو أحصر عنها، فتركها فالأولى تكفيهم، ولو لم يكن أيضًا أتمّها، إلا أنه أثنى على الله -عز وجل- وتشهد، أو أمر أو نهى أو وعظ وقال خيرًا وإن كان خفيفًا جدًّا، فذلك يجزئ عنه، قال: وإن أحصر أيضًا في الثناء على الله -عز وجل- والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل، فذلك يجزئه، ولا يبالي أصابه ذلك في الأولى أو في الثانية (1). قال الشيخ: وأرى أن تجزئ الخطبة الواحدة، وألا يجزئ من ذلك إلا ما له قدرٌ وبالٌ؛ لأن الشيء اليسير في معنى العدم.
وقال ابن حبيب: وليقصر الخطبتين والثانية أقصرهما، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع أن يقرأ في خطبته ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله ﴿فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70] (2) وينبغي، أن يقرأ في الخطبة الأولى بسورة تامة من قصار المفصل، وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ تارة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وتارة ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (3).

فصل [خطبة الإِمام وحده ومن تفوته الخطبة]

وقال أبو الحسن ابن القصار: ليس عن مالك في الإِمام يخطب وحده دون من تنعقد به الجمعة نصٌّ، والذي يوجبه النظر: أن لا تصح إلا بحضرة655656657

الجزء: 2 - الصفحة: 584

الجماعة، وبه قال الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز 658، ولا خلاف أنه إذا خطب بجماعة تنعقد بهم جمعة، ثم أتى من فاتته الخطبة أنه يجوز له أن يصلي مع الإِمام، وتجزئه جمعةً، كما تجزئ من فاتته الخطبة وركعة واحدة مع الإِمام، فإنه يقضي ركعة وتجزئه جمعةً، ولو ابتدأ الإِمام فخطب وصلى ركعة واحدة ثم أتاه الناس، فأتم بهم جماعة لم تجزئهم 659. ومن شرط الخطبة أن تكون مُقَدَّمَةً على الصلاة فإن قدم الصلاة ثم خطب لم تجزئه الصلاة، وأعادها حتى تكون بعد الخطبة، وهو قول ابن القاسم 660.

الجزء: 2 - الصفحة: 585

باب في استخلاف الإمام, وكيف إن عزل بعد الخطبة وقبل الصلاة, أو وهو في الصلاة

وقال مالك فيمن قدم رجلًا فخطب عنه وصلى هو بالناس الجمعة: لا تجزئهم، ويعيدون ظهرًا، يريد: إذا خرج الوقت، ويلزم على قوله إذا خطب الإِمام ثم قدم من يصلي بالناس اختيارًا ألا تجزئهم الجمعة، بخلاف ما تدعو إليه الضرورة من أن تنتقض طهارته أو يرعف، فيجوز له أن يستخلف.
فإن نابه ذلك في بعض الخطبة أتم الثاني ما بقي، وإن كان بعد تمام الخطبة صلى بهم المستخلف، وإن كان بعد أن صلى ركعة صلى بهم الركعة الثانية، ولم يستأنف المستخلف شيئًا مما 661 فعله الأول، فإن ذهب ولم يستخلف، استخلفوا لأنفسهم، فإن لم يستخلفوا لأنفسهم وأتموا أفذاذًا، لم تجزئهم 662. واختلف إذا أتى الأمر بعزل الأول، فقال مالك في المدونة: إن خطب الأول ثم قدم والٍ سواه لم يصلّ بهم بالخطبة الأولى، وليبتدئ هذا القادم الخطبة 663. قال محمَّد: وإن قدم الثاني حين صلى الأول بالقوم ركعة، فإنه يتم بهم الركعة الثانية ويسلم، وتعاد الخطبة والصلاة من أولها, ولا يجوز أن يصلي الثاني من الجمعة ركعة ولا أقل بلا خطبة؛ لأن خطبة الأول باطلة 664. وقال ابن حبيب: إذا جاء الأمر بعزل الأول وهو يخطب أو بعد أن فرغ من

الجزء: 2 - الصفحة: 586

خطبته، فلا بأس أن يصلي الوالي القادم بالناس على خطبة المعزول، ولا يجدد خطبة 665. ولا خلاف أنه لو قدم الثاني بعد أن فرغ الأول من الصلاة أنها جائزة، ولا تعاد.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن تمادى المعزول فصلى بالناس الجمعة وهو يعلم بعزلته، قال: أرى أن يعيدوا وإن ذهب الوقت، وإن أذن له الوالي القادم فصلى بهم، كانت صلاته جائزة، إذا كان إذنه له قبل الصلاة، وإن كان إذنه له بعد أن صلى بهم فعليهم الإعادة 666. يريد: إذا كان الأول عالمًا بعزلته ثم صلى.
قال: وإن جاء الوالي الآخر وقد خطب الأول، فأرى أن يخطب خطبة أخرى ولا يصلي بهم بخطبة غيره، فإن أذن له في الصلاة وقد خطب فأرى أن يبتدئ خطبة ثانية 667.

الجزء: 2 - الصفحة: 587

باب في صفة صلاة الجمعة والقراءة فيها، وهل يتنفل بعدها

صلاة الجمعة ركعتان، فمن صلاها أربعًا أعاد وصلى ركعتين، ولم يعد الخطبة إذا لم يبعد ما بينهما، فإن بعد أعاد الخطبة والصلاة، ويختلف إذا لم يعد الصلاة حتى خرج وقت الجمعة، هل يعيدها ظهرًا قياسًا على من صلى الظهر قبل صلاة الإِمام؟ فقيل: يعيدها وإن ذهب الوقت، وقال ابن نافع: لا يعيدها؛ لأنه إنما يعيد أربعًا، وكذلك صلاها (1)، وكذلك هذا لا إعادة عليه بعد ذهاب الوقت؛ لأنه إنما يعيد أربعًا، وهذا إذا تعمد الأربع (2). ويختلف إذا نوى ركعتين وزاد ركعتين سهوًا، فقيل: لا تجزئه؛ لأنه زاد في الصلاة مثلها، وقيل: تجزئ، وكثرة السهو لا تفسد الصلاة (3).

فصل القراءة في صلاة الجمعة جهرًا

والقراءة فيها جهرًا، قال مالك في المدونة: أحبّ إلى أن يقرأ فيها بسورة الجمعة، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 671، وقال أيضًا: يقرأ في الثانية بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: وهم يقرؤون اليوم بالتي تلي الجمعة 672.668669670

الجزء: 2 - الصفحة: 588

قال الشيخ: وكل ذلك وأسع، ليس في الثانية شيء مؤقت، وأما الأولى فينبغي أن يلتزم قراءة سورة الجمعة؛ لأن آخرها متضمن لوجوبها، ووجوب السعي لها، وترك البيع والشراء، ففي قراءتها تذكرة لوجوبها، وتحضيض على أن لا يفرط فيها.
وقال مالك في المدونة: إذا سلم الإِمام، فأحبّ إلى أن ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد، فإن ركعوا فواسع 673، وقال في غير المدونة: لا بأس أن يركعوا في المسجد.
قيل: إنما يترك التنفل إذا كانوا ينصرفون ولا يجلسون، فأما إن كانوا يقيمون في المسجد فلا بأس أن يركعوا، فأجرى التنفل بعدها في أحد القولين على صلاتي العيد إذا صليتا في المسجد، فاختلف هل يتنفل قبلهما وبعدهما 674، أم لا؟ وكذلك تنفل الإِمام إذا أتى، فقال ابن حبيب: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد رقي المنبر ولم يتنفل" 675. قال سحنون في العتبية: وكذلك ينبغي للإمام أن يفعل؛ لا يركع قبل أن يرقى المنبر 676.

الجزء: 2 - الصفحة: 589

باب فيمن صلى الظهر يوم الجمعة (1) قبل صلاة الإمام, أو صلاها في سفر ثم دخل إلى حضره هل يعيدها

مع الإمام؟ ومن فاتتهم صلاة الجمعة فهل يصلون الظهر جماعة؟

واختلف فيمن صلى الظهر يوم الجمعة بعد الزوال وقبل صلاة الإِمام، فقال المغيرة وابن القاسم وأشهب وعبد الملك في المجموعة: لا تجزئه، وليعدها إن فأتته الجمعة، قال أشهب: وسواء صلاها سهوًا، أو وهو مجمع على ألا يصلي الجمعة إذا صلى في وقت لو مضى لأدرك الجمعة أو ركعة منها، وإن لم يدرك منها ركعة لم يعدها، وسواء أيضًا صلاها والإمام فيها أو قبل أن يحرم، وقال ابن نافع في كتاب ابن سحنون: إن صلاها في بيته وهو لا يريد الخروج لم يعدها، قال: وكيف يعيدها أربعًا وقد صلاها كذلك؟! (2) والقول الأول أقيس، إلا أن يترجح يقول من قال: إن الجمعة ليست بفرض.

فصل في المسافر يصلي [الظهر ويدرك الجمعة في وطنه]

اختلف في المسافر يصلي الظهر ركعتين، ثم دخل وطنه قبل صلاة الجمعة وهو قادر على أن يصليها مع الإِمام، فقال مالك في كتاب محمَّد: يصلي الجمعة وقد انتقضت صلاته، قال: وكذلك المريض يصلي الظهر ثم يفيق في وقت يدرك من الجمعة ركعة من غير تفريط، فإن انتقضت طهارتهما وهما في الصلاة،677678

الجزء: 2 - الصفحة: 590

فليعيدا الظهر أربعًا (1). وقال ابن دينار عن ابن القاسم: لو أحدث الإِمام فقدمه فصلى بهم لأجزأهم (2). وقال سحنون في كتاب ابنه: ليس عليه إذا دخل من سفره أن يصلي الجمعة، إلا أن تكون صلاته الظهر على ثلاثة أميال من وطنه، وقال أشهب في المجموعة: إذا صلاها جماعة في سفره ثم قدم فصلى الجمعة، فالأولى فرضه (3)، قال: وكذلك ينبغي ألا يأتي الجمعة، وكذلك غير الجمعة لا ينبغي إذا دخل حضرًا وكان صلاها في جماعة أن يعيدها في جماعة، ولو صلاها فذًّا كان له أن يعيدها جمعة أو ظهرًا في جماعة، والله أعلم أيتهما صلاته (4).

فصل فيمن فاتتهم الجمعة هل يصلون جماعة

واختلف فيمن فاتتهم الجمعة، هل يصلونها جماعة؟ فقال مالك في المدونة 683 فيمن فاتتهم صلاة الجمعة: فلا يجمّعون، وليصلوا الظهر أفذاذًا، وأجاز ذلك لأصحاب الأعذار: المرضى، وأهل السجون، والمسافرين 684، وقال في المجموعة في الذين تفوتهم الجمعة: لا بأس أن يجمّعوا 685. وروي عن ابن القاسم أنه قال: لا يجوز الجمع، لا للمرضى ولا للمسجونين 686، وليس679680681682

الجزء: 2 - الصفحة: 591

هذا بحسن، ولا وجه يمنع الجمع لأصحاب الأعذار، وأما من ترك الجمعة اختيارًا، فيصح ألا يمنعوا؛ لأنهم وإن تعدوا في الأول في ترك الجمعة، فلا يمنعوا الآن من فضل الجماعة، فيفوتهم فضل الوجهين جميعًا، ويصح أن يمنعوا جماعة 687؛ لئلا يتهاون بالجماعة، ولأن فيه أذى للإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 592

باب في وقت الجمعة، وإذا كان الإِمام يؤخر الجمعة عن وقتها، هل يصلي الناس الظهر أربعًا، أو ينتظرونه؟

أول وقت الجمعة إذا زالت الشمس، واختلف في آخر وقتها، فقيل: ما لم يدخل وقت العصر، فمن أخرها حتى دخل وقت العصر لم يصلّها، وصلى الظهر أربعًا، وذكر أبو محمَّد عبد الوهاب في الإشراف عن الشيخ أبي بكر الأبهري أنه قال: فإن صلى ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر، فإنّه يتمّها جمعة، وإن صلى دون ذلك، بني وأتمّها ظهرًا 688، وقيل: يصلي جمعة ما لم تصفرّ الشمس 689. وقال سحنون: ما لم يبق للغروب بعد الجمعة إلا أربع ركعات للعصر 690. وقال ابن القاسم: ما لم يبق إلا ركعة للعصر، وروى مطرف عن مالك: أنها تصلى ما بينهم وبين غروب الشمس، وإن لم يصل العصر إلا بعد الغروب 691. وأما قول من قال: ما 692 لم يدخل وقت العصر، فقد تقدم في باب: من نسي صلاة فذكر بعد أن صلى الجمعة 693، وقال سحنون: ربما تبين لي 694 أن

الجزء: 2 - الصفحة: 593

وقت الجمعة ما لم يبق من النهار إلا مقدار أربع ركعات للعصر، فذكر له قول من قال: وقتها ما لم تصفرّ الشمس، فأنكره ولم يقل به 695. وقال مطرّف عن مالك في الواضحة: لو أن إمامًا صلى الجمعة بغير خطبة سهوًا أو عمدًا لغيبة إمامهم، أن عليهم أن يعيدوا الصلاة بالخطبة ما بينهم وبين غروب الشمس، ولو لم يصلوا العصر إلا بعد غروب الشمس، قال ابن حبيب: وكان ابن الماجشون يرى وقتها ما بينه وبين العصر، فإن لم يصلوها حتى صلّوا العصر، صلّوا الظهر أربعًا 696. قال الشيخ: أما أول الوقت، فالأصل فيه حديث أنس قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تميلُ الشَّمْسُ".
أخرجه البخاري 697، وحديث سلمة بن الأكوع قال: "كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ".
أخرجه مسلم 698، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ رَاح في السَّاعَةِ الأُولَى فكَأنما قَرَّبَ بَدَنَة.
. ." 699.

الجزء: 2 - الصفحة: 594

والرواح: بعد الزوال، وأما حديث أبي سهيل بن مالك وقوله 700: "كُنَّا نُصَلِّي الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ" 701. فإنه يريد أن القائلة التي اعتادوا في غير الجمعة وهي قائلة الضحاء يجعلونها 702 بعد انقضاء الجمعة؛ لأن التبكير إلى الجمعة يمنعهم منها، والضحاء الممدود: بعد الضحى، وأما آخر وقتها، وهل تصلى بعد الاصفرار وعند الغروب فإنه لم يأت فيه 703 حديث، إلا أن العمل كان على أنهما تصلى في وقت الظهر المختار، وليس الوقت الضروري، فأجري وقتها 704 مرة على ما ورد عليه العمل، فإذا ذهب ذلك الوقت لم تصل، وصليت ظهرًا أربعًا قياسًا على العيدين أنهما تصلى ضحوة إلى الزوال، فإذا زالت الشمس لم تصل، وكذلك صلاة الجمعة.
وأجري مرة على وقت الظهر في الضرورة والاختيار؛ لأن الظهر تسقط بوجوبها وتحل في وقتها، وإذا كان ذلك فيجب أن يؤتى بها في وقت إن خطب وصلى بقي للعصر ركعة، بمنزلة من كان عليه صلاتان -صلاة الظهر والعصر- وقد تقدم أن ذلك وقت للضرورة، وأبى أصحاب الاختيار تقدير الوقت لهم أن يصلوا الظهر وجميع العصر قبل الغروب، فإنه مؤثم إن صلى بعض العصر بعد الغروب، وإليه يرجع قول سحنون أن الوقت أن تصلى الجمعة وأربع

الجزء: 2 - الصفحة: 595

ركعات قبل الغروب (1).

فصل [في الإِمام يؤخر الجمعة]

وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كان الإِمام يؤخر صلاة الجمعة ويأتي من ذلك ما يستنكر، أنهم يجمّعون لأنفسهم إن قدروا على ذلك، فإن لم يقدروا صلوا لأنفسهم الظهر أربعًا، ويتنفلون بعد صلاتهم 706، ولم يذكر الوقت الذي يستنكر متى هو، والجواب فيه يرجع إلى الخلاف المتقدم، فعلى القول الأول: يؤخرون ما لم يخافوا إن صلوا الظهر أن يدخل وقت العصر، فإن خافوا ذلك صلوا الظهر أربعًا وانصرفوا، إلا أن يخافوا الانصراف، فيتنفلون بصلاتهم معه.
وعلى القول الآخر: يؤخرون إلى أن يبقى من الوقت إلى الغروب ما يصلى فيه ثماني ركعات الظهر والعصر، فإذا بقي ذلك القدر صلوا وانصرفوا.
قال ابن حبيب: فإن بلغت بهم المخافة في صلاتهم إياها في وقتها كانوا كخائف من عدو أطل عليه لا يقدر أن يركع قائمًا خيفة أن يفجأه، فأجاز له العلماء الصلاة إيماء 707، فكذلك هؤلاء يومئون برؤوسهم 708.705

الجزء: 2 - الصفحة: 596

باب في سقوط الجمعة عن الحاج

ولا جمعة على الحاج، وهي السّنة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّهُ وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَلَمْ يُجَمِّعْ" 709. والحاج على وجهين: مسافر، فالجمعة ساقطة عنه كان في حج أو غيره، ومن هو من أهل مني أو عرفة، فالجمعة ساقطة عنهم؛ لأنهم لو لم يكونوا في حج لم تجب عليهم الجمعة؛ لأنه ليس بقرار تجب في مثله الجمعة، وعلى ما قال مالك 710: إن الجمعة تجب فيما كان شبيهًا بالأمصار؛ ولأن أسواقها أيام الحج خاصة، وقال مالك في المدونة: لا جمعة في أيام مني كلها, ولا يوم عرفة ولا يوم التروية, وقال فيمن قدم مكة, فأقام بها أربعة أيام قبل يوم التروية، ثم حبسه كريّه 711 يوم التروية بمكة حتى يصلي أهل مكة الجمعة, قال: أرى عليه الجمعة؛ لأنه قد صار مقيمًا 712. وقال محمَّد بن عبد الحكم: يلحق بالإمام، فإن أدرك الظهر بمنى، وإلا صلاها في الطريق أفضل من أن يصلي الجمعة بمكة.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما من كان يقصر بمكة، ثم أدركه يوم التروية، فلا جمعة عليه، ويلحق بمنى، وأما من كان يتم؛ لأن نيته كانت إقامة أربعة أيام، فأدركه يوم التروية وهو موضع الخلاف، فرأى مالك أنه مقيم، فدخل في جملة من دخل في الجمعة، ورأى ابن عبد الحكم: أن سنة الحاج في ذلك اليوم أن تكون صلاته الظهر بمنى.

الجزء: 2 - الصفحة: 597

باب في السفر يوم الجمعة

اختلف في السفر يوم الجمعة قبل الزوال 713، فأجيز وكره، واختلف فيه بعد الزوال، فكره ومنع، وقال مالك في كتاب ابن حبيب: لا بأس بذلك ما لم تزل الشمس فإن زالت لم يخرج، وقد وجب عليه شهودها 714، وقال أيضًا في رجل يسافر يوم الجمعة بعد ما أصبح: لا ينبغي إلا من عذر، فكرهه قبل الزوال، وأجازه في السؤال الأول.
وقال أيضًا: من أحب السفر يوم الجمعة، فأحب إلى أن لا يخرج حتى يشهد الجمعة، فإن لم يفعل، فهو في سعة، وقال أيضًا: إن زالت 715 الشمس فلا يخرج 716، وأرى ذلك كله استحسانًا وهو بعد الزوال آكد، وليس بواجب، ولا تجب إلا أن يسمع النداء، ولو كان شهودها بعد الزوال يجب لوجب على من اشترى بدنانير سلعة عندما قارب الحول أن يزكي تلك الدنانير؛ لأن الزوال في معنى المقاربة، والوجوب بالنداء.

الجزء: 2 - الصفحة: 598

باب في صلاة الخوف

الأصل في صلاة الخوف طائفتين بإمام واحد- قول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102]، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها بأصحابه في السفر طائفتين ركعة بكل طائفة (1)، ولا خلاف في المذهب في جواز ذلك في السفر، واختلف فيه في الحضر، فأجازه مالك (2)؛ قياسًا على السفر، ومنعه عبد الملك بن الماجشون في المبسوط، وقال: إنما تأولها أهل العلم في السفرة لقوله تعالى سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101] ولأن صلاته - صلى الله عليه وسلم - كانت على تلك الهيئة في السفر، ورأى أنها رخصة تتبع على حالها (3)، ولا يقاس عليها.

فصل صلاة الخوف طائفتين بإمام توسعة ورخصة

صلاة الخوف طائفتين بإمام توسعة ورخصة، ولهم أن يصلوها بإمامين، قال محمَّد بن المواز: صلاة الخوف توسعة، قال: ولو صلوا بإمام واحد أو بعضهم بإمام وبعضهم لنفسه، لكانت صلاتهم جائزة 720. فعلى هذا يجوز أن تصلى طائفتين بإمامين، ولو كان الوجه في صلاة الطائفتين بإمام أن لا يختلف717718719

الجزء: 2 - الصفحة: 599

على الأئمة ما جاز أن يصلي بعضهم أفذاذًا؛ لأن ذلك غير جائز لمن جمعه مع الإِمام المسجد.
وصلاة الخوف كصلاة الأمن في العدد، في السفر ركعتان، وفي الحضر أربع، ولا تأثير للخوف في أعدادها، فإن كان في سفر صلى بكل طائفة ركعة، وإن كان في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين، والمغرب الطائفة 721 الأولى ركعتين، والثانية ركعة، والسفر والحضر فيها سواء، فإن صلى بهم الظهر في السفر صلى ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتم المأمومون 722 ركعة، ثم انصرفوا إلى القتال، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها ركعة ويسلم، ثم يقضون الركعة التي سبقهم بها الإِمام، وإن كانت صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا تشهد قام وأتم القوم الركعة التي بقيت عليهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، ثم أتم القوم ما سبقهم به 723. وقد اختلف في الإِمام والطائفة الأولى والثانية، فأما الإِمام إذا تشهد فاختلف فيه في ثلاثة مواضع: فقال مرة: يقوم ثم يتم القوم 724، وقال مرة: يثبت جالسًا ويتمون 725. وهذا الموضع لم تأت فيه سنة فتتبع، والأمر فيه واسع إن شاء الله، إن شاء قام وإن شاء جلس، وأن يجلس حتى يأتي الآخرون أحسن؛ لأنه أرفق به.

الجزء: 2 - الصفحة: 600

واختلف في قراءته على القول أنه يقوم، فقيل: يقرأ الحمد لله 726 على العادة، وقيل: لا يقرأ 727 حتى يأتي الآخرون، ولأشهب في مدونته ومحمد بن سحنون في 728 المبسوط أنه يستفتح القراءة بالطائفة الثانية بالحمد، ولم يريا له أن يقرأ قبل أن يأتي القوم 729، وهو أصوب؛ للحديث أن الطائفة الآخرة أتت فصلى بها ركعة 730، وظاهر هذا أنه قرأ بهم، فلو كان يقرأ قبل أن يأتوا لقال: ركع بهم لما أتوا، والوجه الآخر: إذا أتم بالطائفة الثانية ركعة, فقال مرة: يسلم ويتم القوم لأنفسهم 731، وقال: يثبت حتى يتموا ثم يسلم ويسلمون 732. واختلف في الطائفة الأولى فقال: لا تتم، فإذا صلى بها الإِمام ركعة انصرفت للقتال، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فإذا صلى بها ركعة سلم، ثم قضت الطائفتان 733 وقال أشهب في مدونته 734: تتم هذه الطائفة الآخرة ثم تنصرف، ثم تأتي الطائفة

الجزء: 2 - الصفحة: 601

الأولى فتقضي، وقد عارض ابن حبيب أشهب وحمل عليه أن الطائفتين تقضي معًا 735. وليس قوله كذلك، وفي بعض أحاديث ابن عمر أن القضاء للطائفتين بعد سلام الإِمام كان مختلفًا لم يقضوا معًا 736، وقيل في الطائفة الثانية: إنها تحرم مع الإِمام وهي في القتال، وكل هذا الاختلاف لاختلاف الأحاديث، وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أربعة أحاديث؛ حديث يزيد بن رومان - رضي الله عنه -: "أن الطائفة الأولى أتمت ثم انصرفت للقتال، ثم أتت الطائفة الأخرى، فصلى بها ركعتين، ثم ثبت حتى أتمت وسلم بهم" 737، وحديث ابن عمر، قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاة الخوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتينِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ اَنْصَرَفُوا وَقَامُوا مَقَام أَصْحَابِهِمْ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِم، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ قَضى هَؤُلاء رَكْعَةً، وَهَؤُلاَءِ رَكْعَةً" 738. وبهذا الحديث أخذ أشهب 739. وحديث القاسم بن محمَّد: أنه سلم لما أتم بالطائفة الأخرى، ثم أتموا 740. وحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "قَامَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَبَّرَ

الجزء: 2 - الصفحة: 602

وَكَبَّر النَّاسُ مَعَه, ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الناس مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَآتتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى.
. ." الحديث 741. خرّج هذه الأحاديث البخاري ومسلم والموطأ، وإن كان 742 بعضهم يزيد على بعض، ومحملها على أنها صلوات، وكل ذلك توسعة ورخصة، يفعل الإِمام والمأمومون أي ذلك شاؤوا، إلا أن الترجيح يختلف مع كون الآخر سائغًا، وسلام الإِمام إذا أتم بالطائفة الآخرة أحسن؛ لأن العمل على أن الإِمام لا ينتظر تمام صلاة من خلفه، ولو أن إمامًا صلى ركعة فذًّا، ثم أتى قوم، فصلى بهم بقية الصلاة لم ينتظرهم، ولا خلاف في ذلك، فصلاة الأمن والخوف في ذلك سواء؛ لأن تعجيل سلامه وتأخيره في باب الخوف واحد.
وأما قضاء الطائفة الأولى، فقول مالك: إنهم لا ينصرفون قبل أن يتموا 743. أبين؛ لأنهم قادرون علي أن يأتوا ببقية الصلاة، وإذا جاز ذلك كان الأخذ به أولى من أن ينصرفوا، فيفعلوا ما يضاد الصلاة قبل تمامها، ورجح أشهب 744 حديث ابن عمر 745؛ لأن الأصل أن المأموم لا يأتي بما بقي عليه من = كتاب الصلاة، برقم (1239)، والبيهقي: 3/ 254، في باب من قال تقوم الطائفة الثانية فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية بعد سلام الإِمام، من كتاب صلاة الخوف، برقم (5811)، من حديث القاسم بن محمَّد عن صالح بن خوات الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة موقوفًا عليه, والحديث في صحيح البخاري دون ذكر التسليم.

الجزء: 2 - الصفحة: 603

صلاته من قضاء وبناء حتى يخرج من حكم الإِمام.
واختلف إذا كان العدو في القبلة، هل يصلي بهم جميعًا أو طائفتين؟ فقال أشهب في مدونته: لا يفعل؛ لأنه يتعرض إلى (1) أن يفتنه العدو أو يشغله (2)، قال (3): فإن فعل أجزأه وأجزأهم.
وفي كتاب مسلم: "أن العدو لما كان في القبلة، صف النبي - صلى الله عليه وسلم - خلفه صفين، فكّبر وكّبروا معه، وركع وركعوا معه، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي سجد معه, وانحدر الصف المؤخر، فسجدوا، ثم قاموا وتقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركع جميعهم معه، ثم سجد هو (4) والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر، فسجدوا، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم جميعًا" (5) وهذه صفة حسنة، وليس يخشى فيها ما يخشى إذا كان سجودهم كلهم معًا.

فصل إذا كان الخوف في الحضر ومعهم مسافرون

وإذا كان الخوف في الحضر ومعه مسافرون، فيستحسن أن يكون الإِمام من أهل السفر؛ لئلا يتغير حكم صلاتهم؛ لأنهم يصلون ركعتين، ولو كان أهل السفر746747748749750

الجزء: 2 - الصفحة: 604

الاثنين والثلاثة لتقدم الحضري، وإذا تقدم السفري صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتم من خلفه من أهل الحضر ثلاث ركعات، والسفر ركعة، ثم أتت الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، ويأتي أهل السفر بركعة وأهل 751 الحضر بثلاث ركعات 752، ويكون في صلاتهم قضاء، وهي الركعة التي سبقهم بها الإِمام، وبناء وهي الركعتان الآخرتان، وقد اختلف في ذلك، هل يبدأ بالقضاء أو بالبناء؟ وقد تقدم ذكر ذلك في باب الرعاف.
وقال محمَّد بن مسلمة في المبسوط 753: إذا صلى الإِمام بطائفة ركعة وقام ينتظر أن يتموا لأنفسهم، فأتم بعضهم وانصرف، وبقي بعضهم لم يتم حتى ذهب الخوف أجزأت صلاة 754 من أتم وانصرف، وأما من لم يصلّ الركعة الثانية، فلا يفارق الإِمام، ولا ينتظر الإِمام أحدًا، ويقرأ الإِمام ويتبعه من لم ينصرف، فإن كان في الظهر وهم مقيمون فصلى ركعتين ثم ذهب الخوف وهو قائم، وكان بعضهم لم يصلّ شيئًا، وبعضهم صلى ركعة، وبعضهم صلى ركعتين، قال: يتبعه من لم يصلّ الركعتين، ويمهل من صلى 755 ركعة حتى يصليها الإِمام ثم يتبعه في الرابعة، ويمهل من صلى الركعتين حتى يسلم بسلام الإِمام، وهذا معنى ما ذهب إليه.
وإن صلى بهم طائفة واحدة؛ لأنه لم يكن خوف، فلما صلى ركعة حدث الخوف، فينبغي أن يقطع بعضهم فيكونوا وجاه العدو، ويصلي بالذين معه

الجزء: 2 - الصفحة: 605

ركعة إن كانوا في سفر، ثم يسلم ويتمون، ثم ينصرفون، ثم تأتي الطائفة الأولى فتصلي لأنفسهم ركعة بقية صلاة الإِمام.

فصل وإذا دخل على الإِمام سجود سهو في أول صلاته

وإذا دخل على الإِمام سجود سهو في أول صلاته فأتمت الطائفة الأولى قبل أن تنصرف، سجدت عن ذلك السهو، إن كان نقصًا فقبل، وإن كان زيادة فبعد، ولا يسجد الإِمام إلا بعد تمام صلاته، فعلى حديث القاسم 756: يسجد ويسجدون معه 757، إن كان عن 758 نقص وينصرف، وإن كان عن زيادة سلم وسجد وانصرف وسجد من خلفه إذا أتموا.
ويختلف على حديث يزيد ابن رومان 759 إذا كان السجود قبل، هل يسجد بهم الآن قبل أن يتم من خلفه؟ أو

الجزء: 2 - الصفحة: 606

بعد أن يتموا؟ فقال ابن القاسم: يسجد بهم بعد فراغهم (1). وقال مالك في العتبية في إمام صلى ركعة ثم دخل معه قوم فأحدث فقدم أحدهم، وكان على الأول سجود سهو قبل السلام، قال: يسجد يهم إذا قضى الركعة التي سبقه بها الإِمام (2)، وقال أيضًا: يسجد قبل أن يقضي تلك الركعة (3)، وهو أحسن.

فصل صلاة الخوف بحسب الطاقة

صلاة الخوف بحسب الطاقة، فإن كان يقدر على أن يقف مستقبل القبلة ويركع ويخاف عند السجود خاصة, أتى بها على ذلك وأومأ للسجود، وإن كان يخاف إذا ركع أومأ للركوع، وإن كان العدو لغير القبلة وخاف إن استقبل القبلة صلى مستدبرها، وإن كان يخاف متى وقف وأمسك عن القتال حتى يصلي صلى وهو يقاتل، وإن احتاج إلى الكلام وأن ينذر غيره تكلم ولم تبطل صلاته.
واختلف إذا انهزم العدو، هل يقف لتمام صلاته؟ أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب: صلاتهم بالأرض أحسن، وإن كان طلبه أثخن في قتلهم، وقال ابن حبيب: هم في سعة؛ لأنهم مع عدوهم لم يصيروا إلى حقيقة الأمن 763.760761762

الجزء: 2 - الصفحة: 607

وقال محمَّد في قوم خافوا العدو فصلّوا صلاة الخوف على سنتها طائفتين ولم يعاينوا عدوًّا أن ذلك مجزئ عنهم، قال أشهب: وكذلك لو أنهم نظروا إلى سواد فظنوه عدوًّا فصلوا صلاة الخوف طائفتين ثم تبين أن ذلك السواد إبل 764 أو غيرها أن صلاتهم تامة، قال محمَّد: وأحبّ إلى أن يعيدوا الصلاة 765.

الجزء: 2 - الصفحة: 608

باب في صلاة الخسوف

الصلاة عند خسوف الشمس والقمر سنة، والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد خسفت الشمس: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، لاَ يَخْسِفَانِ لمِوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لحَيَاتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَة حَتَّى تَنْجلي" 766. وصلاة خسوف الشمس: أربع ركعات يستفتح الصلاة فيقرأ ويركع، ثم يرفع فيقرأ ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيقرأ ويركع، ثم يرفع فيقرأ ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين ثم يسلم، ويطيل القراءة والركوع 767. واختلف في أربعة مواضع: أحدها: في الطول هل هو محدود أم لا؟ والثاني: في السجود هل هو مطول، أم على المعتاد في غيرها من الصلاة؟ والثالث: في قراءة الحمد في الثانية والرابعة.
الرابع: الجهر بالقراءة.
فقال مالك في المختصر: يطيل أول ركعة قدر سورة البقرة، وفي الثانية قدر سورة آل عموان، والثالثة: قدر سورة النساء، والرابعة: قدر سورة المائدة، ويمكث في الركوع في كل ركعة قدر قيامه فيها 768. وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: يستحب تطويلها ما أمكن، ولم يضر بمن خلفه إن كان إمامًا ولم.
يجد

الجزء: 2 - الصفحة: 609

في ذلك حدًّا 769. واختلفت الأحاديث في ذلك، فلم يُرْوَ في أكثرها حدٌّ في القيام، وروى ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في الأولى نحوًا من سورة البقرة، ثم دون ذلك 770. ولم يُرْوَ عنه - صلى الله عليه وسلم - في الركوع حدٌّ.
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه أمر بالصلاة حتى تنجلي لا أكثر من ذلك 771. ومعلوم أن أمد الخسوف مختلف، يقرب مرة فلا تطال الصلاة، ويبعد مرة فتطال، ما لم يضر ذلك بالمصلين فلا يكلفوا 772 ما يضر بهم ويشق، فذًّا كان أو إمامًا أو مأمومين، ويرجع إلى الدعاء.
واختلف في السجود فقال ابن القاسم في المدونة: يطال 773. وقد قال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يطال 774.

الجزء: 2 - الصفحة: 610

والأول أحسن؛ لحديث عائشة قالت: "مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْه".
أخرجه البخاري ومسلم 775، وهذا أيضًا ما لم يضر بأحد، وليس صبر الناس على طول السجود سواء.
وقال مالك في المدونة: يستفتح كل ركعة بالحمد.
وقال محمَّد بن مسلمة: ليس ذلك عليه في الثانية من الأولين، ولا في الرابعة 776؛ لأن كل ركعتين 777 مقام ركعة، وليس يقرأ في كل ركعة بسورة الحمد مرتين، والقول الأول أبين؛ لأن الركوع حال بين القراءتين، ولا فرق بين أن يحول بين القراءتين ركوع بانفراد 778، أو ركوع وسجود، وهو في الحقيقة مستأنف للقراءة.
وقال مالك: لا يجهر بالقراءة، ولو جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعرف ما قرأ 779، وذكر الترمذي عن مالك أنه قال: يجهر بالقراءة، وهو أحسن؛ للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم أنه جهر بالقراءة 780، وقياسًا على غيرها من السنن التي يؤتى بها نهارًا؛ الاستسقاء والعيدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 611

فصل في الخلاف في الوقت التي تصلى فيه صلاة الخسوف والموضع الذي توقع فيه

اختلف في الوقت الذي تصلى فيه، والموضع الذي توقع 781 فيه، ومن المخاطب بها؟ وهل من سنتها الجماعة؟ فقال مالك في المدونة: تصلى ما لم تزل الشمس 782، وجعلها في الوقت كالعيدين، وروى عنه ابن وهب أنه قال: تصلى في وقت صلاة وإن زالت الشمس 783، وقال مطرف وابن الماجشون: تصلى بعد العصر ما لم تحرم الصلاة 784، وهذا أحسن، وليست كالعيدين، وهذه صلاة أمر بها عند حادث يحدث فوجب أن تصلى عنده ما لم يكن الوقت مَنْهِيًّا عنه.
وأما الموضع الذي تصلى فيه فقيل: تصلى في المسجد 785 كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن حبيب: إن شاء صلاها في المسجد تحت سقفه وإن شاء في صحنه، وإن شاء برز إليها خارجًا من المدينة 786، قال الشيخ: أما المصر الكبير فلا ينبغي أن يعدو بها المسجد لوجهين: أحدهما: تكليف الناس الخروج، وقد يشق ذلك على كثير منهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 612

والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمبادرة إلى الصلاة، وإذا خرجوا إلى الصلاة خارج العصر (1) في البراز مضى صدر (2) مما أمروا أن يكونوا فيه في صلاة، وقد تنجلي قبل البلوغ إلى البراز (3)، وأما إن كان البلد الصغير كان ذلك واسعًا؛ لأن الشأن في السنن التي يجتمع الناس لها أن تقام خارجًا.

فصل في الخلاف فيمن يخاطب بها

واختلف فيمن يخاطب بها، وهل من 790 سنتها الجماعة دون الفذ؟ فذهب في المدونة إلى أنها على المسافر والمقيم والفذ 791، قال ابن حبيب: والصبيان والعبيد 792، وقال أشهب في المجموعة: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإِمام من النساء والضعفاء فلهم أن يصلوها أفذاذًا أو بإمام، ومع الناس أحب إليّ لمن قدر 793. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمِّعون فيه الصلوات فلا بأس أن يجمِّعوا صلاة الخسوف،787788789

الجزء: 2 - الصفحة: 613

فأجراها مجرى الجمعة فيمن تجب عليه، وكالعيدين في أحد الأقوال، وهذا خلاف قوله في المدونة (1)، وقال ابن حبيب: من فاتته مع الإِمام فليس عليه أن يصليها، فجعل من شرطها الجماعة إلا أن يكون انقضاء صلاة الإِمام بعد أن تجلت فلا تصلى قولًا واحدًا.

فصل في الخلاف في صلاة خسوف القمر وفي صفتها

اختلف في صلاة الخسوف 795، وفي صفتها، وفي الموضع الذي تصلى فيه، وفي الجمع لها.
فقال مالك في المدونة: تصلى ركعتين كالنافلة ويدعون ولا يجمعون 796. وقال عبد العزيز ابن الماجشون 797: هي كصلاة خسوف الشمس وتصلى أفذاذًا 798. وأما الموضع الذي تصلى فيه فقال مالك في المجموعة: يفزع الناس في794

الجزء: 2 - الصفحة: 614

خسوف القمر إلى الجامع ويصلون أفذاذًا (1)، والمعروف من المذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم ولا يكلفون الخروج ليلًا؛ لمشقة ذلك عليهم.
واختلف هل يمنعون من الجمع فقال مالك في المدونة والمجموعة (2): لا يجمعون (3)، وأجاز أشهب الجمع (4)، وهو أبين؛ لأن المنع من إلزامهم الخروج لمشقة (5) ذلك، فإذا صاروا إلى الجامع لم يمنعوا الجمع قياسًا على خسوف الشمس.

فصل فزع الناس إلى الصلاة عند الأمر يحدث

وأرى أن يفزع الناس إلى الصلاة عند الأمر يحدث مما يخاف أن يكون عقوبة من الله سبحانه كالزلازل، والظلمات، والريح الشديدة، وهو قول أشهب في الظلمة والريح الشديدة، وقال: يصلون أفذاذًا أو جماعة إذا لم يجمعهم الإِمام ويحملهم عليه 804. وكره في المدونة: السجود عند الزلازل، وسجود الشكر 805، وروي عنه:799800801802803

الجزء: 2 - الصفحة: 615

أنه أجاز السجود عند النعمة والشكر، وعلى هذا يجوز السجود عند خوف الزلازل وغيرها 806، يسجد هذا شكرًا وهذا خوفًا، وأما الصلاة حينئذٍ فتجوز قولًا واحدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 616

باب في الاستسقاء والصلاة له, والصدقة, والصوم

الأصل في الاستسقاء قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 60] الآية، وفي شريعتنا حديث أنس قال: "جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَائم يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، قَحَطَ النَّاسُ وَهَلَكَتِ المَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله أَنْ يَسْقِيَنَا.
فَدَعًا فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، تهَدَّمَتِ البُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ المَوَاشي.
فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ.
فانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ" 807، وحديث عباد بن تميم قال: "خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى المُصَلَّى لِيَسْتَسْقِيَ، فتوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ قَائِمًا يَدْعُو، وَقَلَبَ رِداءهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتْينِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ وَانْصَرَفَ".
اجتمع على هذين الحديثين الموطأ والبخاري ومسلم 808.

الجزء: 2 - الصفحة: 617

فصل [فيما يكون له الاستسقاء وأحكامه]

الاستسقاء يكون لأربع:

  • للمحل والجدب يحل بالقوم فيستسقوا ليحيا به الزرع أو غيره.
  • والثاني: استسقاء القوم عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو لدوابهم ومواشيهم كالقوم يكونون في سفر في صحراء، أو في سفينة، أو في حضر، وقد أخذوا زرعهم ثم احتاجوا إلى ذلك.
  • والثالث: استسقاء من لم يكن في محل، ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه كانوا في دون السعة، فلهم أن يستسقوا، ويسألوا الله المزيد من فضله، قال مالك: كل قوم احتاجوا إلى زيادة على ما عندهم فلا بأس أن يستسقوا 809.
  • والرابع: استسقاء من كان في خصب لمن كان في محل وجدب، قاله بعض أهل العلم.
    وهذه الأربعة الأقسام في الحكم على ثلاثة أوجه: سنة لا تترك، ومباح، ومندوب إليه.
    والقسمان الأولان: سنة لا يسع 810 تركها، وفي مثلها جاء الحديث 811، قال مالك: الاستسقاء سنة 812. يريد: على من نزل به مثل ذلك؛ لأن في تمادي المحل

الجزء: 2 - الصفحة: 618

والجدب هلاك النفوس، وفساد الدين، وإضاعة الحريم، فيلجأ إلى الله سبحانه في رفع ذلك.
والقسم الثالث: مباح؛ لأن عندهم ما يأمنون عليه 813 هذه الوجوه.
والرابع: مندوب إليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الرقية: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ" 814، وقال: "دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ.
. ." أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 815. والاستسقاء يصح لنزول الغيث، ولمدّ نهر إذا أمسك عن عادته، قال أصبغ في كتاب ابن حبيب: وقد فعل ذلك عندنا بمصر، واستسقوا خمسة وعشرين يومًا متوالية، يستسقون على سنة صلاة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروا ذلك 816. قال الشيخ: والأصل في تكرار الاستسقاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي" 817. زاد مسلم: "قِيلَ: يَا رَسُولَ

الجزء: 2 - الصفحة: 619

الله مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيتحَسَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدع الدُّعَاءَ" (1). ويدعى بالاستصحاء (2)، إذا أضر المطر بالناس في زروعهم أو غير ذلك من أملاكهم، وقد تقدم الحديث في مثل ذلك (3).

فصل يخرج للاستسقاء ثلاثة: الرجال، ومن يعقل من الصبيان, والمتجالات من النساء

يخرج للاستسقاء ثلاثة: الرجال، ومن يعقل الصلاة من الصبيان، والمتجالات من النساء.
واختلف في خروج أربعة: من لا يعقل الصلاة من الصبيان، والشواب من النساء، وأهل الذمة، والبهائم، وأباح في المدونة خروج أهل الذمة 821، ومنع ذلك أشهب في مدونته.
واختلف بعد القول بجواز خروجهم في الوقت الذي يخرجون فيه: فقال ابن حبيب: يخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية 822، ولا يخرجون قبل818819820 = في باب ما جاء في الدعاء، من كتاب القرآن، برقم (497).

الجزء: 2 - الصفحة: 620

الناس ولا بعدهم؛ لأنه يخشى إن استسقوا قبل أو بعد أن يوافقوا نزول الغيث فيكون في ذلك فتنة للناس.
وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: لا بأس أن يخرجوا بعد، والقول بمنعهم جملةً أحسن، ولا يتقرب إلى الله سبحانه بأعدائه، وقال بعض الناس: من أعظم العار أن يتوسل إليه سبحانه أولياؤه بأعدائه، ومنع في المدونة من خروج من لا يعقل من الصيبيان والحيض من النساء، وجعل النساء على ثلاثة منازل: متجالة يحسن خروجها، وشابّة طاهرة يكره خروجها، وإن خرجت لم تمنع، وحائض تمنع من الخروج (1). وعلى أصله في منع هؤلاء يمنع من خروج البهائم، وأجاز ذلك موسى بن نصير؛ حيث استسقى بأهل القيروان فأمر بالولدان على حدة، وبالنساء على حدة، وأخرج الإبل والبقر والغنم على حدة (2)، قال ابن حبيب: فرأيت الحزامي وغيره من علماء المدينة يستحسنون فعله ذلك ويقولون: إنما أراد بإخراج المواشي، وتفرقة الولدان من آبائهم (3) أن يستدعي بذلك رقة القلوب، والاجتهاد في الدعاء (4).

فصل يأمر الإِمام الناس قبل صلاة الاستسقاء بالتوبة

وينبغي للإمام أن يأمر الناس قبل الاستسقاء بالتوبة وبالخروج من المظالم إلى أهلها وأن يتقربوا إلى الله سبحانه بالصدقة.823824825826

الجزء: 2 - الصفحة: 621

واختلف: هل يؤمرون بالصوم؟ فقال مالك مرة: ما علمت أنه يصام قبل الاستسقاء، وأنكر ذلك 827، وقال أيضًا: إنه يصام 828، واستحب عبد الملك بن حبيب أن يقدموا صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه 829، وهو أحسن، ولا فرق بين الصوم في ذلك والصدقة، وكلما أكثر من القرب 830 كان أرجى لما يراد من إدراك تلك الحاجة، وقد استحب العتاقة عند الكسوف وكذلك هذا.
ويخرج الناس مشاة متواضعين في ثياب تواضع وعلى حال استكانة، وجلين، بخلاف يوم العيد؛ لأن ذلك يوم سرور وزينة، ويخرج الإِمام على مثل ذلك، فيصلي بهم ركعتين، ويخطب خطبتين، ويقرأ في الركعتين بسورتين من قصار المفصل جهرًا 831. واختلف في تقدمة الخطبة على الصلاة، فقدم في المدونة الصلاة على الخطبة 832، وقال أشهب في مدونته: اختلف الناس في ذلك، واختلف فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختلف فيه قول مالك، فكان من قوله الأول أن الخطبة قبل الصلاة 833 كالجمعة، ثم رجع إلى أنها بعد كالعيدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 622

ويخطب مستقبل الناس بوجهه مستدبر القبلة ثم يحول وجهه، ويستسقي مستقبل القبلة مستدبر الناس، والخطبة مقدمة على الاستسقاء، ويجري في الخطبة على العادة، وأنه 834 يعظهم ويذكرهم، ويعلمهم أن ذلك بما كسبت أيديهم، ولا يدعو يومئذٍ للأمير، فليس هو يوم ذلك، ويخلص الأمر لله سبحانه, وينبغي إذا أخذ في الدعاء للاستسقاء أن يكثر من الاستغفار، ويقلّب الإِمام رداءه فيجعل ما يلي الجسد 835 إلى السماء، فيصير ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين 836، فإذا فرغ من الاستسقاء قال مالك: ثم ينزل فينصرف 837 وقيل: إن شاء انصرف على ذلك، وإن شاء تحول إليهم فكلمهم بكلمات ورغبهم في الصدقة والتقرب إلى الله سبحانه ثم ينصرف 838. واختلف في الوقت الذي يحوّل فيه رداءه، وفي تحويل المأمومين من الرجال -ولا يحول النساء بحال 839؛ لأن في ذلك كشفة لهن- فقال في المدونة: يحول إذا فرغ من الخطبة، واستقبل للاستسقاء 840، وقال في المجموعة: بين الخطبتين، وقال ابن الماجشون: بعد صدر من الخطبة 841، وقال مالك في المدونة: يحول الناس أرديتهم وهم قعود 842. وقال الليث: لا يحول إلا الإِمام (1)، وهو أحسن؛ لأن الأحاديث وردت أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 2 - الصفحة: 623

يحول إلا الإِمام 843، وهو أحسن؛ لأن الأحاديث وردت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حول رداءه وحده 844. واختلف هل يخطب ويستسقي على المنبر؟ فمنع من ذلك في المدونة 845، وأجازه في المجموعة 846. وأما الأمر برد المظالم الآن وإن كان ذلك من الواجب قيل لوجهين: أحدهما: أنه يخاف 847 أن يكون ما اقترفوه السبب لمنع الغيث لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30].
والآخر.
أن يكون ذلك السبب لمنع إجابة الدعاء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ". . . في الرَّجُل يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغبرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذيَ بِالحَرَامِ، فَأنى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ"، أخرجه مسلم 848.

الجزء: 2 - الصفحة: 624

وكذلك ما كان من التباعات لله سبحانه من تضييع صلاة، ومنع زكاة، أو غير ذلك، وندبوا إلى الصدقة 849 والصيام؛ لأن ذلك قربان يقدمه قبل سؤال حاجته، وأمروا أن يكونوا مشاة متذللين غير متزينين؛ لأنه صفة سير المذنب إذا أخذ بذنبه وكان يسعى في الفكاك منه، وقال ابن عباس: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَم يَزَلْ في الدعَاء وَالتَّضَرُّعِ وَالتَكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتْينِ كَمَا يُصَلِّي في العِيدِ"، وهذا 850 حديث صحيح، ذكره الترمذي 851 في مسنده 852. وأما تقدمة الصلاة والاستسقاء، فالذي في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قدم الاستسقاء ثم صلى 853، والقياس أن تقدم الصلاة؛ لأنها عن أعظم ما يتوسل به، وتقدم بين يدي الحوائج، وقد كان- النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد حاجة توضأ وصلى، ثم سأل, وقال - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء عند الاستخارة: "أِذَا هَمَّ أَحَدُكمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ.
. . الحديث" 854.

الجزء: 2 - الصفحة: 625

واستحب أن يكثر الخطيب من الاستغفار؛ لقوله -عز وجل- في قصة نوح - عليه السلام -: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 10، 11] وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه استسقى فلم يزد على الاستغفار حتى انصرف 855، وفي هذا أيضًا تنبيه أن إمساك الغيث باكتساب الذنوب، فكان التوسل لنزوله بسؤال غفرانها، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ الميتَ" 856. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قلب رداءه في الاستسقاء 857، وقيل: إنه تفاءل بذلك؛ لانقلاب الجدب إلى الخصب، والتحويل 858 عند الاستسقاء أحسن؛ لأنه قبل ذلك غير مستسقٍ، فلم يأت الوقت الذي يسأل فيه ذلك، وليس في الحديث أن الناس حوّلوا لتحويله، وذلك واسع.
والخطبة بالأرض أصوب وأقرب للتواضع، وهو يوم استكانة وخضوع، فكونه في الأرض 859 أقرب لما يحاول من نفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 626

باب في صلاة العيدين، والغسل لها ومن المخاطب بها

860؟ صلاة العيدين: الفطر والأضحى سنة على من هو مخاطب بالجمعة، وهم الرجال الأحرار المقيمون، واختلف فيمن سواهم من النساء والعبيد والصبيان والمسافرين وأهل القرى الذين لا تجب عليهم جمعة، فقال مالك في المدونة: في النساء والعبيد والإماء لا تجب عليهم ولا يؤمرون بالخروج إلى العيدين 861، وقال في العتبية: إنما يجمع في العيدين من تلزمهم الجمعة 862، فعلى هذا تسقط عن المسافرين، وقال مطرّف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: صلاة العيدين سنة لجميع المسلمين النساء، والعبيد، والمسافرين، ومن عقل الصلاة من الصبيان، ويلزم هؤلاء أن يصلوها في بيوتهم وحيث شاؤوا وإن لم يشهدوها في جماعة.
قال الشيخ: تلزم أهل 863 القرى الصغار قياسًا على قوله في المسافرين.
واختلف بعد القول بسقوطها عن هؤلاء على ثلاثة أقوال: فقيل: لمن شاء أن يتطوع بالصلاة بها 864 فذًّا أو جماعة.
وقيل: لا يتطوع بها بحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 627

وقيل: يتطوع بها جماعة ولا يتطوع بها فذًّا.
فقال مالك في المدونة فيمن فاتته الصلاة مع الإِمام: إن شاء صلى وإن شاء لم يصلّ، وإن صلى فليصلّ مثل صلاة الإِمام ويكبر مثل تكبيره في الأولى والثانية 865، وقال في النساء إذا لم يشهدن العيد: فإن صلين فيصلّين أفذاذًا 866. وعلى هذا يصليها المسافرون وأهل القرى الصغار، إن شاؤوا أفذاذًا وإن شاؤوا جماعة بغير خطبة عليهم 867، وقال ابن القاسم في العتبية: إن شاء من لا تجب عليهم الجمعة 868 أن يصلوها بإمام فعلوا, ولكن لا خطبة عليهم، وإن خطب فحسن، واستحب ذلك أشهب 869، وهذا كله أصل واحد أنه يؤتى بها بعد سقوطها، قال ابن القاسم: ورأيته يستحب أن تصلى 870. وقال مالك في المبسوط في 871 الإِمام يكون في السفر فتحضره صلاة الفطر والأضحى قال: ليس ذلك عليهم، ولم أسمع أحدًا ممن مضى صلى الفطر والأضحى وهو مسافر، وقال أيضًا: ليس ذلك عليهم لا جماعة ولا فرادى 872، ولم أسمع أحدًا ممن مضى صنع ذلك، وعند ابن شعبان في قرية فيها عشرون رجلًا: لا أرى أن يصلوا صلاة العيد، ولا يصليها إلا من تجب عليهم صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 628

الجمعة 873، فمنع في هذين القولين أن يتطوع بالصلاة بها جماعة، وفي القول الآخر ولا فرادى 874، وجعلها ابن حبيب على كل من يصلي 875؛ لحديث أم عطية قالت: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في صَلاَةِ العِيدَينِ أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ وَالحُيَّضَ، وَأَمَرَ اَلحُيَّض أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ، وَيشْهَدْنَ الخيرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لها جِلْبَابٌ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"، أخرجه البخاري ومسلم 876. ورأى 877 مالك أنها لا تكون أعلى رتبة من الجمعة؛ لأنها صلاة يجتمع لها الناس بموضع واحد، وهي ركعتان جهرًا، ويخطب لها، ثم لم تجب على كل 878 من هو مخاطب بالصلاة، فكذلك العيدان، ومحمل حديث أم عطية في الأمر بخروج النساء على الندب بدليل الأمر بالحيَّض 879، ولا يختلف أن ذلك غير واجب عليهن.
قال مالك: ولا أحب أن 880 يسافر أحد حتى يصليها 881.

الجزء: 2 - الصفحة: 629

فصل غسل العيدين ليس بواجب

ومن المدونة قال مالك: في غسل 882 العيدين أراه حسنًا، ولا أوجبه كوجوب غسل الجمعة 883. قال الشيخ: حديث ابن شهاب في الموطأ يتضمن الغسل للعيدين والمساواة بينه وبين غسل الجمعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة: "إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا" فأمر بالاغتسال في الجمعة؛ لأنه شابه العيد، ومن به 884 روائح وأحب شهود العيد، وجب عليه الاغتسال لإزالة ذلك، قال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: والغسل للعيدين قبل الفجر واسع 885، وقال ابن حبيب: وبعد الفجر أفضل 886، وكل هذا واسع؛ لأن الغدو من الأمصار حينئذٍ يفارق الجمعة إذا اغتسل في الفجر.
قال مالك: وتستحب الزينة والطيب 887، والمشي إلى العيدين 888. قال الشيخ: وهذا في الذهاب إلى الصلاة بخلاف الرجوع؛ لأنه في أول ذهاب إلى ربه ليتقرب إليه، فينبغي أن يذهب راجلًا متذللًا، وهو سير 889 العبد

الجزء: 2 - الصفحة: 630

إلى مولاه، ففارق الرجوع، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يخرج إلى العيدين ماشيًا، ويرجع راكبًا (1).

فصل صلاة العيدين تقام بالبِرَاز

صلاة العيدين تقام في البراز خارج المدينة، ولا تقام في المسجد، ولا في الجامع 891، قال مالك: من السنة أن يخرج أهل الأمصار 892 في العيدين إلى المصلى فيصلون فيه؛ لخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، إلا أهل مكة فإن السنة أن يصلوا العيدين في المسجد الحرام، ولا يخرجون عنه إلى غيره 893. ويكبر في حين خروجه, وفي كونه في المصلى حتى يأتي الإِمام، وبعد أن يأتي حتى يأخذ في الصلاة 894، وهذا هو المستحسن من المذهب 895، وهي رواية ابن وهب عن مالك، واضطرب القول 896 في مبتدأ التكبير وفي منتهاه، فقال مالك في890

الجزء: 2 - الصفحة: 631

المدونة: يكبر إذا خرج لذلك عند طلوع الشمس تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه وفي المصلى، فإذا خرج الإِمام قطع 897، وقال في المجموعة: ومن غدا قبل طلوع الشمس فلا بأس، ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس 898، وهذا مثل الأول، وقال ابن حبيب: ومن غدا إلى العيدين فلا يكبِّر حتى يسفر 899، وقال مالك في المبسوط: يكبر للعيدين بعد صلاة الفجر 900، وقال عبد الملك ابن الماجشون 901: وكنا رأينا أن ذلك؛ لأن رمي الجمرة بعد الفجر، وقال محمَّد بن مسلمة في المبسوط: التكبير من حين يغدو الإِمام يتحرى غدوه، فيكبر حتى يصلي الإِمام 902 فإذا كبر في الخطبة كبر الناس معه، وقال مالك في العتبية: يكبر حين يصل 903 إلى المصلى إلى أن يرقى الإِمام المنبر 904، وإلى أن يسكت على المنبر 905، قال مالك في الخروج إلى العيدين: بقدر ما إذا بلغ حلت 906 الصلاة 907، وقال أيضًا: من غدا إليها قبل طلوع الشمس فلا بأس 908. قال الشيخ: الغدو في ذلك يختلف، ولا يمهل من كان في البلد الكبير إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 632

طلوع الشمس فتفوتهم الصلاة إذًا 909، وأن 910 يبكر الناس كل قوم إلى موضعهم بقدر ما يرون أنهم يكونون مجتمعين قبل وصول الإِمام.
وأما خروج الإِمام فبقدر ما إذا بلغ حلت الصلاة 911، فإذا وصل أخذ في الصلاة، وهو أن ترتفع الشمس وتبيض وتذهب عنها الحمرة، وفي النسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوقت الذي تحل فيه النافلة أن تشرق الشمس وترتفع قدر 912 رمح ويذهب شعاعها 913، يريد رمحًا من رماح الأعراب 914، وهي هذه التي تسمى القناة، وهذا أول وقتها، وآخره ما لم تزل الشمس، فإن أتى العلم بذلك أنه يوم عيد قبل أن تزول الشمس وبقي من الوقت ما إن خرجوا صلوها قبل أن تزول الشمس 915 خرجوا وصلوا، وإن أتى العلم بعد ذلك لم تصل في بقية ذلك اليوم ولا في غيره 916 وهذا قول مالك -رحمه الله- 917، وفي النسائي: "أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الهِلاَلَ وَأَتَوُا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الغَدِ" 918، وبه آخذ.

الجزء: 2 - الصفحة: 633

فصل لا يؤذن لصلاة العيدين

ولا يؤذن لصلاة العيد 919، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصليها بغير أذان ولا إقامة 920. وإذا صلى العيدين بالمصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، واختلف إذا صليت في المسجد فقال مالك 921: يتنفل قبل الصلاة وبعدها، وقال في الواضحة: لا يتنفل قبل ويتنفل 922 بعد 923، وقال في المبسوط: إذا صلى الإِمام العيدين في المسجد، فلا أرى أن يصلي فيه أحد قبل الصلاة ولا بعدها، بذلك مضت السنة، يريد: أنه لا يتنفل يوم 924 العيد قبل الصلاة ولا بعدها, ولا 925 فرق بين أن تصلى في المصلى ولا 926 في المسجد.
= من الأنصار، برقم (20598)، وأبو داود: 1/ 370، في باب إذا لم يخرج الإِمام للعيد من يومه يخرج من الغد، من كتاب الصلاة برقم (1157).

الجزء: 2 - الصفحة: 634

واختلف هل يتنفل في بيته، فأجازه مالك في المدونة 927، وقال ابن حبيب: وقال قوم هي: سبحة ذلك اليوم، فليقتصر عليها إلى الزوال، قال: وهذا أحب إلى 928. فصل صلاة العيدين ركعتان جهرًا صلاة العيدين ركعتان جهرًا، يستفتح 929 الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، والثانية بخمس إذا استوى قائمًا قبل القراءة سوى التكبيرة التي يقوم بها من الثانية.
قال أشهب في كتاب محمَّد: وإن كبّر الإِمام في الأولى أكثر من سبع وفي الثانية أكثر من خمس 930 لم يتبع 931، ومن نسي التكبير من الأولى أو الثانية حتى قرأ فإن لم يركع عاد إلى التكبير وأعاد القراءة، قال مالك: ويسجد لسهوه بعد السلام 932، وقد قيل في هذا: الأصل لا 933 سجود عليه؛ لأنه زيادة قرآن، فإن لم يذكر حتى ركع مضى على صلاته وسجد قبل السلام، إلا أن يكون مأمومًا فلا

الجزء: 2 - الصفحة: 635

يسجد؛ لأن الإِمام يحمل ذلك 934 عنه.
واختلف فيمن دخل مع الإِمام وهو في القراءة، هل يقضي التكبير والإمام في القراءة؟ فقال ابن وهب: يكّبر واحدة 935، وقال ابن الماجشون في المبسوط، وابن القاسم في العتبية: إن أدركه قائما في الأولى كبّر سبعًا، وإن وجده راكعًا كبر واحدة ولا شيء عليه، وإن أدركه بعد أن 936 رفع من ركوع الأولى- قضى بعد سلام 937 الإِمام ركعة يكبر فيها سبعًا، وإن وجده قائما يقرأ في الثانية كبر معه خمسًا، وإن وجده جالسًا فأحرم وجلس ثم سلم الإِمام قام فصلى ركعتين يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسًا 938، وقال أيضًا: يكبر في الأولى ستًّا، مثل قوله في المدونة 939. ورأى ابن وهب أن التكبير كالقراءة يسبق بها الإِمام، فإنها 940 لا تقضى 941؛ لأنها أقوال من الإمام بخلاف الأفعال، ولأن الإِمام إمام في التكبير أيضًا؛ لأنه لا يكبر تكبيرة من السبع وغيرها إلا بعد تكبير الإِمام، ورأى ابن القاسم أن التكبير بخلاف القراءة؛ لأن المأموم عند قراءة الإِمام ساكت، وهذا يكبر معه فافترقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 636

ويختلف إذا وجده في الثانية هل يكبر خمسًا أو سبعًا؟ فعلى القول الأول 942 أن ما أدرك آخر صلاته يكبر خمسًا ويقضي سبعًا، وعلى القول أن الذي أدرك أولها، يكبر سبعًا ويقضي خمسًا.
واختلف في رفع اليدين في التكبر، فقال مالك في المدونة: يرفع في الأولى 943، وروى عنه ابن كنانة ومطرف: أنه يستحب الرفع في جميع التكبير، وقال في المجموعة: وليس رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله 944. ومن المدونة قال مالك: ويقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وبـ ﴿سَبِّحِ﴾ ونحوهما 945، وفي الموطأ وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفطر والأضحى، بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ 946، واستحب ذلك ابن حبيب 947، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس الناس اليوم في النية والخير على ما كانت عليه الصحابة، وقد أطال معاذ بقومه الصلاة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفتان أنت يا معاذ" 948،

الجزء: 2 - الصفحة: 637

وأنكر عليه التطويل.

فصل لا تصلى العيدان في مواضع

ومن المدونة قال مالك: ولا تصلى العيدان في موضعين 949، وقال سحنون في أهل مدينة حضرهم العيد وأصابهم مطر شديد ولم يقدروا على الخروج، فصلوا في المسجد فلم يحملهم المسجد ولا الأفنية: لا أرى لمن بقي أن يجمعوا الصلاة، وإن أحبوا صلوا أفذاذًا.
قال الشيخ: إن كان الباقي جمعًا كثيرًا، فإنه يختلف فيهم، هل يجمعون في مسجد آخر، قياسا على الجمعة، هل تصلى في جامعين؟ 950 وقد تقدم ذكر ذلك 951، وإن بقي النفر اليسير فيختلف فيهم هل يجمعون في غير المسجد قياسًا على من لم يصلِّ الجمعة مع الإِمام؟ وقد اختلف 952 فيهم، وهؤلاء كأصحاب الأعذار في الجمعة، وقال مالك في المبسوط، فيمن يلقاه الناس 953 منصرفين من صلاة العيد-: إن شاء مضى فصلى في المصلى، وإن شاء في بيته، وإن شاء ترك 954.

الجزء: 2 - الصفحة: 638

فصل (1) [في صفة الخطبة في العيد]

ويخطب للعيدين خطبتين، يستفتح كل خطبة بالتكبير، وكلما مضى في الخطبة عاد إلى التكبير، واختلف في ثلاثة مواضع: أحدها: في عدد التكبير.
والثاني: هل الإكثار منه أولى أو التقليل؟ والثالث: هل 956 يكبر الناس بتكبيره؟ فقال مالك في المبسوط: يستفتح الإِمام الخطبة إذا سعد بالتكبير، قال: ومن السنة أن يكبّر تكبيرًا كثيرًا، ثم في الثانية أكثر من الأولى، ويكبروا بتكبيره 957، وقال ابن حبيب: يستفتح الأولى بسبع تكبيرات تباعا، ثم إذا مضت كلمات كبر ثلاثًا، وكذلك في الثانية إذا استفتحها، وإذا مضى في خطبته، وقال المغيرة في المبسوط: كنا نعد الإكثار من التكبير عيا، ويستراح إليه في الخطبة, ولم ير أن يكبر الناس بتكبير الإِمام فيها 958. والخطبة في العيدين بعد الصلاة وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب بعد الصلاة 959،955

الجزء: 2 - الصفحة: 639

قال أشهب: ومن خطب قبل 960 الصلاة أعادها بعد، فإن لم يفعل فقد أساء وتجزئه 961. واختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فقال مالك في المبسوط: أول من فعل ذلك عثمان - رضي الله عنه - 962 قال: وإنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة، والسنة أن تقدم الصلاة، قال: وبذلك عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر 963 وعثمان صدرا من خلافته 964، وفي البخاري ومسلم "أن أول من فعل ذلك مروان، فكلمه في ذلك أبو سعيد الخدري وجبذه لما أراد أن يصعد منبرا -صنعه له كثير ابن الصلت من طين- ثم قال له أبو سعيد: أين الابتداء بالخطبة؟ فقال له مروان: قد ترك ما تعلم، فقال له أبو سعيد: ما أعلم خير مما لا أعلم" 965، وقال في موضع آخر: ". . . إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا.
. ." 966، وإنما كان امتناع

الجزء: 2 - الصفحة: 640

الناس من الجلوس؛ لأنه كان يؤدي في خطبته من لا يحل أذاه، فينصرف الناس لئلا يسمعوا ذلك منه، فقدم الخطبة على الصلاة.
قال الشيخ: ولا ينبغي أن يؤتى للصلاة إذا كان يفعل ذلك، ومن قدر أن يأتي بعد فراغ 967 الخطبة للصلاة فحسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 641

باب في التكبير أيام التشريق

قال مالك: التكبير أيام التشريق على الرجال، والنساء، وأهل البوادي، والمسافرين، وغيرهم من المسلمين 968. وقد اختلف في ثلاثة مواضع من التكبير: أحدها: في صفته.
والثاني: في عدد الصلاة التي يكبر في أعقابها.
والثالث: هل يكبر في غير 969 أعقاب الصلوات؟ فقال مالك في المدونة: يقول، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثًا 970، وقال أيضًا: ليس في ذلك حد، إن شاء كبر 971 ثلاثًا، وإن شاء أربعًا، وإن شاء خمسًا، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: التكبير خلف الصلوات أن يقول، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وإن كبر ثلاث تكبيرات أجزأه.
قال: والأول أحب إلى 972. قال مالك: وأول التكبير دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخره في الصبح من آخر أيام التشريق، يكبر في الصبح ويقطع في الظهر 973. وقال سحنون: بعض أصحابنا يرون التكبير بعد صلاة الظهر من آخر

الجزء: 2 - الصفحة: 642

أيام التشريق، ويحتج بالرمي يريد لما كان الناس ذلك اليوم بمنى إلى وقت الظهر والرمي بعد الزوال.
وأما التكبير في غير أعقاب الصلوات في تلك الأيام فقال مالك في المدونة: قد رأيت الناس يفعلون ذلك، فأما الذين أدركتهم وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات 974. وقال في موضع آخر: لا بأس بتكبير أهل الآفاق في أيام منى في غير دبر الصلوات، وأما الذين أدركت وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات 975. وقوله هذا أحسن؛ لأن تكبير الناس في الآفاق 976 اقتداء بتكبير أهل مني، وهم يكبرون دبر الصلوات وغيرها 977، ولا وجه إلى أن يقتدي بهم في بعض ذلك دون بعض.
وقال ابن حبيب: يكبر أهل الآفاق دبر الصلوات وفي خلال ذلك ولا يجهرون، وأهل مني يجهرون في كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع فيرمون، ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر بالمحصب ثم ينقطع التكبير 978. وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا رمى في اليوم الرابع انقطع التكبير،

الجزء: 2 - الصفحة: 643

وإن كان بمنى، ومن تعجل في النفر 979 الأول فإنه يكبر بعد فرائضه مثل من لم يحج.
قال مالك: فإن نسي الإِمام التكبير حتى قام وذهب، فإن كان قريبًا قعد وكبر، وإن تباعد فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: فإن ذهب الإِمام والقوم جلوس كبروا 980. وفي الواضحة: قال مالك في قول الرجل لأخيه في العيدين: تقبل الله منا ومنك، وغفر لنا ولك، ما أعرفه، ولا أُنكره 981، قال ابن حبيب: لم يعرفه سنة، ولا أنكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به، ولا ينكرونه 982 على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، قال: ولا بأس عندي أن يبتدئ به 983. تم كتاب الصلاة الثاني من التبصرة وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم

الجزء: 2 - الصفحة: 644

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثاني
باب في سجود القرآن، ومواضعه من القرآن والمواضع التي يوقع فيها من الصلوات وغيرها، والوقت الذي يسجد فيهفصل [مواضع سجود القرآن]فصل [أحوال المصلي القارئ لآية السجدة]فصل [في أحوال القارئ لآية سجدة في غير الصلاة]فصل [في من نسي السجود للتلاوة]فصل [فيمن سمع آية سجدة]فصل [في التكبير والتسليم لسجود التلاوة، وفي سجدة الشكر]باب في الصلاة إلى سترةفصل [فيما يجوز اتخاذه سترة]فصل [في السترة للمأموم]باب في الجمع ليلة المطرفصل [في الجمع بين الصلوات]باب في جمع المريضباب في جمع المسافرفصل [فيما يبيح الجمع]باب في قصر المسافر الصلاةفصل [فيما يقصر من الصلوات وحكم القصر]فصل [في محل النية في صلاة السفر]فصل [في أنواع السفر]فصل في مدة السفر الذي تقصر فيه الصلاةفصل المراعى في السفر السيرفصل في مبتدأ القصرفصل في الإقامة التي ترفع حكم السفرباب في انتقال نية المسافرفصل ومن خرج لسفر ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي للغروب ثلاث ركعات صلاهما سفريتينفصل من ذكر صلاة حضرية في سفر صلاها صلاة حضرباب في الصلاة في السفينة وهل يركب البحر إذا كان لا يأتي بالصلاة على شروطها؟باب في ركعتي الفجرفصل يؤتى بهما بعد الفجرباب في الوتر وهل هو واجب؟ وما يقرأ فيهفصل أول وقت الوتر بعد صلاة العشاءباب في قضاء الصلاة بعد خروج وقتهافصل من ذكر شيئًا بعد أن سلم من صلاتهفصل من ذكر صلاة كبل أن يلتبس بالصلاة التي هو في وقتهافصل اختلف إذا ذكر صلاة وهو في أول وقت التي هو فيهافصل القضاء في المنسيات على الفورباب في السهو في الصلاةفصل إذا شك الإمام ومن خلفه فأخبرهم عدلان أنهم أتموافصل [في نسيان سجدة من الصلاة]فصل من شك في سجدة من الرابعةفصل من صلى خامسة ثم ذكر سجدة من الرابعةفصل من نسي السجود في الأولى فذكر وهو قائم في الثانيةفصل في هيئة العود للإصلاحفصل في السهو عن الأقوالفصل وإن نسي التشهد الأول قبل أن يفارق الأرض رجعفصل فيمن نسي السلامفصل في أحاديث السهوفصل في أحاديث الشكفصل في الخلاف في سجود السهو في إيقاعهفصل لا إحرام لسجود السهوفصل من نسي سجدتي السهوفصل من ذكر سجدة أو ركعة من صلاة بعد أن تلبس بأخرىفصل ومن صلى ركعتين نفلًا ثم قام إلى ثالثة سهوًا رجع فجلس وتشهدباب صفة التشهد، وصفة السلام، وعددهفصل السلام من الصلاة فرضباب الإمام يستخلف، وفيمن لم يصلِّ مع خليفة الإمام، وإذا لم يَستخْلفْ واستخلفوا لأنفسهِم، أو صَلَّوا وحْدانًا، أو طائفتين بإمامينفصل من دخل على الإمام وهو رأحع فأحدث جاز استخلافهباب في الجمعة ووجوبهاباب في الغسل للجمعة، وعلى من تجب والأعذار التي تسقط وجوبها، وهل تنعقد بمن لا تجب عليه؟فصل الجمعة واجبة على الرجال الأحرار المقيمينفصل الأعذار التي تجيز التخلف عن الجمعةفصل [فيمن تجب الجمعة بحضوره من أصحاب الأعذار]باب فيمن زوحم يوم الجمعة عن الركوع والسجودباب في المواضع التي تجب فيها الجمعةفصل الخلاف فيمن يقيم الجمعة ويصليها بالناسفصل الجمعة تصلى في الجامع لا على ظهرهفصل الجمعة تقام في جامع واحدفصل في الخلاف هل المراعى في شهودها ثلاثة أميالباب في البيع، والشراء يوم الجمعة بعد النداء للجمعة ووجوب السعي إليهافصل الأذان الثاني هو الذي يمنع البيعفصل الإنصات للخطبة والاستماع لها واجبفصل فيمن افتتح الصلاة يوم الجمعة فلم يركع حتى خرج الإِمامباب في أحكام الخطبةفصل في الخلاف هل الخطبتان معًا فرضٌ أو واحدةفصل [خطبة الإِمام وحده ومن تفوته الخطبة]باب في استخلاف الإمام, وكيف إن عزل بعد الخطبة وقبل الصلاة, أو وهو في الصلاةباب في صفة صلاة الجمعة والقراءة فيها، وهل يتنفل بعدهافصل القراءة في صلاة الجمعة جهرًاباب فيمن صلى الظهر يوم الجمعة (1) قبل صلاة الإمام, أو صلاها في سفر ثم دخل إلى حضره هل يعيدهافصل في المسافر يصلي [الظهر ويدرك الجمعة في وطنه]فصل فيمن فاتتهم الجمعة هل يصلون جماعةباب في وقت الجمعة، وإذا كان الإِمام يؤخر الجمعة عن وقتها، هل يصلي الناس الظهر أربعًا، أو ينتظرونه؟فصل [في الإِمام يؤخر الجمعة]باب في سقوط الجمعة عن الحاجباب في السفر يوم الجمعةباب في صلاة الخوففصل صلاة الخوف طائفتين بإمام توسعة ورخصةفصل إذا كان الخوف في الحضر ومعهم مسافرونفصل وإذا دخل على الإِمام سجود سهو في أول صلاتهفصل صلاة الخوف بحسب الطاقةباب في صلاة الخسوففصل في الخلاف في الوقت التي تصلى فيه صلاة الخسوف والموضع الذي توقع فيهفصل في الخلاف فيمن يخاطب بهافصل في الخلاف في صلاة خسوف القمر وفي صفتهافصل فزع الناس إلى الصلاة عند الأمر يحدثباب في الاستسقاء والصلاة له, والصدقة, والصومفصل [فيما يكون له الاستسقاء وأحكامه]فصل يخرج للاستسقاء ثلاثة: الرجال، ومن يعقل من الصبيان, والمتجالات من النساءفصل يأمر الإِمام الناس قبل صلاة الاستسقاء بالتوبةباب في صلاة العيدين، والغسل لها ومن المخاطب بهافصل غسل العيدين ليس بواجبفصل صلاة العيدين تقام بالبِرَازفصل لا يؤذن لصلاة العيدينفصل لا تصلى العيدان في مواضعفصل (1) [في صفة الخطبة في العيد]باب في التكبير أيام التشريق
كتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل