كتاب العدة وطلاق السنة
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)
الجزء: 5 - الصفحة: 2181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب العدة وطلاق السُّنَّة
باب في طلاق السُّنَّة
1
قال مالك: طلاق السُّنَّة أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة طاهرًا من غير جماع، ثم يدعها حتى تنقضي العدة ولا يتبعها في ذلك طلاقًا 2.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الطلاق يتضمن عددا وحالة تكون الزوجة عليها حين الطلاق.
والعدد على ثلاثة أوجه: جائز، وهو واحدة رجعية، ومكروه، وهو اثنتان 3، وممنوع، وهو الثلاث 4، لقول الله -عز وجل- ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] من الرغبة في المراجعة والندم على الفراق، وقد علم الله -عز وجل- ذلك من عباده، فأمرهم أن يوقعوا طلاقًا رجعيًا تمكن 5 الرجعة معه.
ويكره الاثنتان 6؛ لأن الزائد على الواحدة 7 غير مفيد فيما يريد من
الجزء: 5 - الصفحة: 2183
الفراق، وهو يصل بالواحدة إلى ما يصل إليه بالاثنتين، فكان إيقاع 8 طلقة واحدة أولى، فإذا ارتجع ثم طلق، فأدركه نَدَمٌ، كان له إلى المراجعة 9 سبيل.
وأجاز مالك الخلع، وهو طلقة بائنة 10. وذكر أبو الحسن ابن القصار في تضاعيف كلام له أن ذلك يكره.
وهو أحسن إذا كان كل واحد من الزوجين مؤديًا لحق صاحبه، وإن كان على غير ذلك من الشنآن وفساد الدين لم يكره، ولا يعترض إذا كان على غير ذلك بحديث 11 ثابت بن قيس بن شماس؛ لأنها ذكرت أنها لا تستطيع المقام معه 12، وقالت: أَخَافُ الْكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ 13.
واختلف في الثلاث في كل طهر طلقة، فكرهه مالك 14، وأجازه أشهب.
قال محمد: وكان أشهب لا يرى بأسًا أن يطلق في كل طهر طلقة ما لم يرتجع، فإن ارتجع وهو يريد أن يطلق فالبأس 15 عليه في ارتجاعه على ذلك؛ لأنه يطول عليها العدة، وفي هذا أنزل القرآن فيما بلغني قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، فإن ارتجعها وهو يريد إمساكها، ثم بدا له أن يطلقها
الجزء: 5 - الصفحة: 2184
مكانه، فلا بأس بارتجاعه وطلاقه (1).
وقال أيضًا فيمن أراد أن يطلق زوجته اثنتين أو ثلاثًا فقيل له: إن ذلك لا يجوز، فطلقها واحدة، ثم ارتجعها (2)، ثم طلقها (3) أخرى، ثم ارتجع، ثم طلق الثالثة، فلا بأس بالطلاق على هذه الصفات، وإن كن (4) في يوم.
وقول مالك أبين (5) للآية، ولأن ما يحدث من الندم والرغبة في المراجعة إنما يكون في الغالب (6) بعد الطول، وبعد سكون ما أوجب الفراق.
فصل [في حالات الزوجة عند الطلاق]
والزوجة عند الطلاق على حالات:
حالة يجوز الطلاق فيها، وحالة يكره، وحالة يمنع، وحالة مختلف فيها هل يجوز أو يكره؟ 22 وحالة مختلف فيها هل يجوز أو يمنع 23:
فيجوز إذا كانت طاهرًا من غير جماع.
ويكره إذا كانت في طهر قد جومعت فيه.
واختلف في وجه الكراهية، فقال أبو محمد عبد الوهاب: لأنه لبَّس عليها161718192021
الجزء: 5 - الصفحة: 2185
في العدة، فلا تدري هل تعتد بالأقراء أو بالوضع، إن كانت حاملًا فيدركه الندم 24.
وقيل: المعنى خوف الندم خاصة.
وقد تأول بعض أهل العلم قول الله تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 25 [البقرة: 228] أي: من الحمل قبل أن يوقع الطلاق 26؛ لأن الزوج يحب الفراق 27 ما لم يكن حمل، فإذا علم أنه صار له منها ولد كَرِهَ ذلك، ولا يحب أن يوقع 28 عليها اسم الفراق؛ لأن ذلك يؤدي إلى وصم في حسن المعاشرة متى راجع إن ظهر ولد.
ولا وجه للتعليل 29 أنه لبَّس عليها في العدة؛ لأن العدة لا تفتقر إلى نية، وهي تنتظر في المستقبل، فإن رأت حيضًا بنت عليه، وإن ظهر حمل انتظرت 30 الوضع هي، ولا يكره الطلاق في طهر مس فيه إذا كانت الزوجة ممن لا تحيض لصغر أو كبر أو مرتابة أو مستحاضة أو حاملًا.
قال الشيخ: والمنع والاختلاف يتصور في الحائض، فإن كانت حائضًا مدخولًا بها كان الطلاق ممنوعًا.
واختلف إذا كانت غير مدخول بها، فأجازه ابن القاسم وكرهه أشهب 31.
الجزء: 5 - الصفحة: 2186
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن مالك روايتين، الجواز والمنع 32، فرآه مرة شرعًا فيمنع وإن لم تكن عدة ولا تطويل، ورأى مرة أخرى أن العلة في المنع التطويل، وإذا كانت غير مدخول بها جاز.
ويختلف إذا كانت مدخولًا بها حاملًا، فقال ابن شعبان: يجوز الطلاق وإن كانت حاملًا 33 34.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يتخرج على القولين في غير المدخول بها 35.
يريد: لأن الحامل عدتها بالوضع، حائضًا كانت أو غير حائض، وليس فيه تطويل.
ويختلف في طلاق المستحاضة إذا كانت حائضًا، فعلى القول إن عدتها بالأقراء يمنع الطلاق.
ويختلف على القول أن عدتها بالسنة وتكون كالحامل.
والظاهر من المذهب أنه غير معلل، ولو كانت العلة التطويل، لجاز أن يطلقها في الحيض برضاها؛ لأنه حق لها، ويلزم أيضًا ألا يجبر على الرجعة إلا أن تقوم بحقها في التطويل؛ لأنه حق لآدمي، فلا يقضى به إلا أن يقوم به من له ذلك الحق، وألا يجبر على الرجعة، إذا لم ينظر في ذلك حتى ظهرت؛ لأن المدة التي كان فيها التطويل قد ذهبت ومن خالع في الحيض لم يجبر على الرجعة 36؛ لأن الطلقة
الجزء: 5 - الصفحة: 2187
بائنة فأشبهت الثلاث في الحيض.
قال محمد: ولا يطلق على المجنون والمجذوم والعنين ومن عدم النفقة في الحيض والنفاس 37.
قال الشيخ: وأرى إن أخطأ الحاكم وطَلَّق حينئذ لم يلزم الطلاق، بخلاف طلاق الزوج بنفسه؛ لأن القاضي في هذا كالوكيل على صفة، فيفعل غير ما وكل عليه، ولأنه لو 38 أجيز فعله بجبر الزوج على الرجعة، ثم طلق عليه أخرى إذا طهرت؛ فيلزمه تطليقتان وفي هذا ضرر، إلا العنين فإنه يمضي عليه الطلاق؛ لأن الطلقة بائنة.
واختلف عن مالك في المولي هل تطلق عليه في الحيض 39؟.
وألا تطلق عليه أحسن؛ لأن الطلاق عند تمام الأربعة الأشهر من حق الزوجة، فهي إذا قامت بالطلاق فطلق عليه أجبر 40 على الرجعة وبقيت في العصمة حتى تطهر فلم يفدها ذلك الطلاق شيئًا، وفيه على الزوج ضرر، وقد تقدم ذكر الطلاق في الحيض في كتاب اللعان 41.
الجزء: 5 - الصفحة: 2188
فصل [في فسخ النكاح في وقت الحيض]
وقال مالك في 42 النكاح الفاسد: إذا كان مما يفرق فيه بعد 43 الدخول، أو كان 44 مما يحتاط فيه بالطلاق مثل: نكاح المُحْرِم، والخامسة، والمرأة على عمتها أو خالتها، والتي تواعد في العدة، والموهوبة، والأمة تتزوج بغير إذن سيدها، والذي يتزوج الأمة على أن ولدها حر، فإنه يفسخ في الحيض؛ لأن إقراره أعظم من الطلاق في الحيض 45.
وإن تزوج العبد بغير إذن سيده، أو مولى عليه بغير إذن وليه، وما كان إجازته حلالًا، فلا يفرق فيه 46 في الحيض ولا في النفاس، وذلك بيد السيد وبيد الولى بعد الطهر.
واختلف إذا اختلفا، فقالت: طلقتني وأنا حائض، وقال: طلقتك وأنت طاهرة فقال ابن القاسم في العتبية: القول قول الزوج 47.
وقال سحنون في السليمانية: القول قولها، ويجبر على الرجعة؛ لأنها مؤتمنة على دينها وحيضها وهو لا يعلم حيضها إلا بما أخبرته، وأنكر قول ابن القاسم أن يكون القول قوله.
وأرى أن يقبل قوله، ولأنه لا يخفى على الزوج الوقت الذي تكون فيه
الجزء: 5 - الصفحة: 2189
طاهرًا من الوقت الذي تكون فيه حائضًا، فكان القول قوله إنه أوقع ذلك في وقت جائز له، وهي مدعية أن لها عليه في ذلك 48 حقًا.
ولا تطلق الحائض إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل، وإن فعل: مضى، ولم 49 يجبر على الرجعة، وإن كانت في سفر ولم تجد ماءً فتيممت، جاز له أن يطلقها 50.
والأصل في منع الطلاق في الحيض إذا كانت مدخولًا بها حديث ابن عمر: طلق زوجته وهي حائض، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، ثم يمسك حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم يطلقها إن شاء قبل أن يمس 51.
فإن ارتجع ثم طلق في الطهر الأول مضى ذلك 52.
واختلف إذا لم يرتجع حتى دخلت في الطهر الثاني، فقال ابن القاسم: يجبر على الرجعة 53. وقال أشهب: لا شيء عليه؛ لأنها صارت إلى موضع لو ارتجع لجاز له أن يطلق فيه 54.
الجزء: 5 - الصفحة: 2190
باب فيما يحل ويحرم من الزوجة على زوجها قبل أن يراجعها
قال الشيخ: والزوجة في ذلك على ثلاثة أوجه؛ فيجوز أن يرى وجهها، قال مالك: لا بأس بذلك، وقد يرى غيره وجهها 55. يريد: على غير وجه التلذذ.
ولا يجوز أن يراها متجردة، ولا خلاف في ذلك.
واختلف هل يرى شعرها، أو يخلو معها، أو يأكل.
فقال مالك مرة: لا بأس بذلك إذا كان معها من يتحفظ بها.
ثم رجع عن ذلك، فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها ولا يأكل معها 56 حتى يراجعها.
وقال ابن القاسم: وليس له أن يتلذذ منها بشيء، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها 57. قال: وهذا على الذي أخبرتك أنه كره له أن يخلو معها أو يرى شعرها حتى يراجعها 58، فرأى أن له في أحد القولين أن يتلذذ بالنظر وإن لم يرتجع.
وقال مالك في كتاب محمد: أما شعرها وما لا يجوز لغيره أن ينظر إليه فلا يجوز له أن ينظر إليه حتى يراجعها 59.
الجزء: 5 - الصفحة: 2191
ويختلف على هذا، هل يجوز له أن ينظر إلى معصميها أو ساقيها؟ ولا بأس أن ينظر إلى كعبها 60. وأرى ألا يجوز له النظر إلى شيء من ذلك 61، وقد حرمت عليه 62 بالطلاق حتى يراجع.
الجزء: 5 - الصفحة: 2192
باب في صفة العدد
المعتدات خمس عشرة: ذات حيض، وذات حمل، وصغيرة لم تبلغ الحيض، ومسنة قعدت عن الحيض 63، وشابة تأخر حيضها فلم تحض، ومستحاضة، ومرتابة، ومريضة، ومرضع، وصغيرة ابتدأت العدة بالشهور ثم حاضت قبل أن تخرج من العدة, ويائسة رأت الحيض، ومستحاضة ترى الحيض، ومستحاضة ارتابت، ومرتابة استحيضت، ومرتابة بحس البطن 64.
فعدة الحرة من الطلاق أربعة أنواع: ثلاثة قروء لذات الحيض، وثلاثة أشهر لمن لا تحيض لصغر أو كبر أو تأخر حيضها وهي في سن من تحيض، والوضع لذات الحمل، وسنة للمستحاضة والمرتابة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: من لم تبلغ أن تطيق الرجال فأصيبت 65، فلا يكون وطؤها موجبًا للعدة، وإنما هو جرح وإفساد 66.
وهذا صحيح؛ لأن محمل الآية على من دخلت وأصيبت على الوجه المعتاد؛ لأن العدة عن الطلاق خوف الحمل، ومن تطيق الرجل يخشى ذلك منها، ولا يخشى إذا لم تبلغ أن تطيق الرجل.
والأصل في ذات الحيض قول الله -عز وجل-: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وفي الصغيرة ومن ذكر معها قوله سبحانه: {وَاللَّائِي
الجزء: 5 - الصفحة: 2193
يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فقيل: إن ارتبتم فلم تدروا هل تحيض.
وقيل: إن ارتبتم في الحكم فلم تدروا ما هو 67.
وهو أحسن؛ لقوله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ولا يجتمع اليأس والشك.
وفي الحامل قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وقال سعيد بن المسيب: عدة المستحاضة سنة 68. وإليه ذهب عبد الملك في المبسوط، قيل: أتعتد 69 تسعة أشهر ثم ثلاثة 70؟ قال 71: بل سنة.
وقال ابن القاسم في "المدونة": عدتها ثلاثة أشهر بعد التسعة الاستبراء 72. وقيست المرتابة عليها، وقد اختلف الناس فيهما جميعًا، فقال عكرمة وقتادة والشافعي: عدة المستحاضة ثلاثة أشهر.
وذكر الداودي في "النصيحة" 73 قولًا آخر: أنها تعتد بستة أشهر تختبر بثلاثة، فإن لم تر دمًا اعتدت بثلاثة أشهر.
والقول إن العدة في ذلك ثلاثة أشهر أحسن؛ لأن الله -عز وجل- أباح المعتدة إذا لم تكن حاملًا بوجهين:
الجزء: 5 - الصفحة: 2194
بالحيض لأنه دليل على براءة الرحم، فإن لم يكن فبمضي مدة يتبين فيها الحمل، وهو ثلاثة أشهر، فإن مضت هذه المدة ولم يتبين حمل كان دليلًا على براءة الرحم وحلت فيه (1)، وهذا يستوي فيه معهن المرتابة والمستحاضة، فأما أن تنتظر تسعة أشهر وهو أمد الوضع، فإذا لم تر شيئًا رجعت إلى ثلاثة أشهر وهو أمد الظهور - فلا وجه له.
واختلف في عدة المريضة، فقال مالك، وابن القاسم، وعبد الله بن عبد الحكم، وأصبغ: تعتد في حال مرضها إذا لم تر حيضًا سنة، تسعة أشهر ثم ثلاثة.
وقال أشهب: هي كالمرضع (2)، وعدة المرضع إذا لم تر حيضًا ولا حملًا في حال الرضاع مترقبة لبعد الفطام، فإما حيض وإما سنة بعد الفطام.
فسوى في أحد القولين بين الرضاع والمرض؛ لأن الشأن أن الرضاع يمسك الدم، فإذا انقطع عاد، وكذلك المرض يقل له الدم، فإذا صحت عاد.
وفرق في القول الآخر بينهما؛ لأن المرضع في حال الرضاع ذات دم، وهو موجود، ومنه يتخلق (3) اللبن، والمريضة لا دم عندها، ويلزم من قال في المستحاضة: إن عدتها ثلاثة أشهر، أن يقول مثل ذلك في المريضة والمرضع.
فصل [في الصغيرة يطرأ عليها الحيض في العدة ثم ينقطع]
وإن ابتدأت الصغيرة العدة بالشهور ثم حاضت بعد شهر انتقلت إلى العدة بالأقراء 77، فإن لم يعاودها الدم، صارت في معنى المرتابة تعتد بالسنة من747576
الجزء: 5 - الصفحة: 2195
يوم ذهبت 78 الحيضة، وإن عاودها الدم قبل تمام السنة 79، احتسبت به 80 حيضة ثانية وانتظرت 81 الثالثة، فإن لم يعاودها حتى تمت السنة حلت، وكذلك اليائسة تعتد شهرًا ثم ترى الدم فتسأل النساء، فإن قلن: إن مثلها يحيض، انتظرت بعدها قرأين، فإن انقطعت كانت مرتابة تعتد بالسنة، وإن قلن: إن مثلها لا تحيض، لم تعتد به، ومضت إلى بقية الثلاثة الأشهر 82.
قال الشيخ: واختلف هل يترك 83 له الصلاة والصيام ويمنع زوجها من إصابتها ومن الطلاق فيه؟ فقال محمد في كتاب العدة: تترك له الصلاة والصيام، وتغتسل إن انقطع، وتعمل في ذلك ما تعمل الحائض غير العدة فقط، فإنها لا تنتفع به في العدة.
وقال في كتاب المواقيت: لا يمنع ذلك صلاة ولا صيامًا ولا غير ذلك، والأول أقيس إذا قطع أنه دم حيض، وإن كانت في سن من لا تحيض لأنها حالة لم يرضَ الله -عز وجل- من إمائه التقرب إليه فيها.
الجزء: 5 - الصفحة: 2196
فصل [في اختلاف عادة المرأة في الحيض]
وإذا كانت عادة امرأة أنها تحيض من ستة أشهر إلى مثلها، أو في سنة إلى سنة 84، أو في 85 سنة ونصف إلى مثلها، كانت عدتها الأقراء وإن بعدت 86.
قال محمد: فإن انقضت السنة ولم يأت وقت حيضها، انتظرت وقت حيضتها بعد تمام السنة، فإن لم تحض عند مجيئها، حلت وإن حاضت من الغد 87.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 88: وليس هذا أصل المذهب أن لا تحتسب بالحيض 89 إذا جاء من الغد؛ لأن الحيض يتقدم ويتأخر، وإنما قال ذلك مراعاة للخلاف.
وقد ذكر أشهب في مدونته عن طاووس أنه قال 90: يكفيها ثلاثة أشهر ولا تنتظر الحيض، وحمل الآية في الأقراء الثلاثة على الغالب من حيض النساء أنه يكون طهر وحيض في شهر، فإذا خرجت امرأة عن المعتاد 91 كانت مسألة اجتهاد، فإذا مضى قبل أمد الحيض مدة يظهر 92 فيها الحمل فلم يظهر حلت 93.
الجزء: 5 - الصفحة: 2197
فصل [فيما إذا ذهبت الاستحاضة وصارت في معنى المرتابة]
واختلف إذا كانت مستحاضة فذهبت الاستحاضة بعد ستة أشهر وصارت في معنى المرتابة، هل تتم سنة على ما مضى، أو تستأنف سنة من يوم ارتفعت الاستحاضة 94؟.
والأول أصوب؛ لأن المستحاضة مرتابة بتأخر 95 الحيض، والسنة لم تكن لوجود دم الاستحاضة، وإنما كانت لعدم دم الحيض 96 فما زاد دم الاستحاضة شيئًا.
واختلف أيضًا إذا كانت مرتابة فاستحيضت بعد ستة أشهر، هل تتم سنة على ما مضى، أو تستأنف؟ وأن تتم أحسن.
والمرتابة ترى الدم على ثلاثة أوجه، فإما أن يكون دم استحاضة، أو حيض، أو تشك هل هو حيض أو استحاضة؟ فإن كانت استحاضة، تمت سنة من يوم الطلاق؛ لأنها لم تخرج عن أن تكون مسترابة بتأخر 97 الحيض.
وقول محمد في هذه المسألة- في حمله الدم بعد أن كانت طاهرًا ستة أشهر على الاستحاضة إذا كان خلاف دم الحيض، خلافُ ما ذهب إليه ابن القاسم في كتاب الوضوء: إذا كان بين الدمين ما يكون طهرًا، أن الثاني حيض من غير أن يعتبر لونه هل هو حيض أو استحاضة، فإن كان حيضًا انتقل حكمها إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 2198
الأقراء فتنتظر تمام الثلاثة الأقراء أو سنة من يوم تذهب الحيضة (1).
واختلف إذا لم يعلم أوله هل كان حيضًا أو استحاضة، فقيل: محمله على أنه استحاضة وتكون السنة من يوم الطلاق؛ لأن تماديه استحاضة يدل على أن أوله كان كذلك.
قال محمد: وإنما القياس إذا شكت أن تكون السنة من بعد قرء حيضها والاستظهار وهو أحوط.
وقال أيضًا: إذا شكت فلا بد من ثلاث حيض بعد الاستحاضة (2). يريد: أنه يمكن أن يكون استحاضة، فإن رأت بعد ذلك حيضًا استأنفت ثلاث حيض، ويمكن أن يكون حيضًا فتستأنف السنة من بعد قدر الحيضة.
فصل [في المرتاب]
المرتابة على وجهين، بتأخر الحيض، وبحس بطن.
فإن كانت مرتابة بتأخر حيض، كانت عدتها من الطلاق سنة ومن الوفاة أربعة أشهر وعشرًا.
وإن كانت مرتابة بحس بطن، لم تحل بالسنة.
قال مالك في كتاب محمد: إذا كانت تجد حسًّا، أو علامات يخاف منها الولد، أو تجد الحركة، فعليها أن تقيم إلى أقصى مدة الحمل 100.
يريد: أربع سنين أو خمسًا أو سبعًا، والطلاق والوفاة في هذا سواء، إلا أن تذهب الريبة قبل ذلك فترجع إلى حكم المرتابة بتأخر الحيض، فإن ذهبت9899
الجزء: 5 - الصفحة: 2199
الريبة قبل تمام السنة وهي في عدة من طلاق، تربصت إلى تمام السنة، وإن كانت في عدة من وفاة فإلى تمام أربعة أشهر وعشرٍ، إلا أن 101 يكون 102 ذهاب ريبة الحمل بعد السنة في الطلاق وبعد أربعة أشهر وعشرٍ في الوفاة فتحلّ مكانها، وإن ذهبت ريبة الحمل ورأت الحيض، رجعت على أحكام الحيض، ولو كانت تحيض في حين الطلاق والوفاة، وهذا إذا جاء الدم قبل تمام السنة أو لأربعة أشهر وعشرٍ في الوفاة، وإن أتى الدم بعد انقضاء هذين الأجلين فإنها تبني على ما تقدم.
واختلف إذا جاوزت 103 الخمس سنين فلم تضع.
فقال أشهب عن مالك: تبقى أبدًا حتى تنقطع عنها الريبة، وقال: وعندنا امرأة لبعض ولد أبان بن عثمان حامل منذ خمس سنين لم تضع وقد مات زوجها لا يزال رسولها يأتيني يسألني، ولا أرى المرأة تلد 104 أبدًا إذا كانت ترى الدم حتى يذهب عنها.
وقال أصبغ: إذا جاوزت الخمس سنين فقد احتيط لها وينزّل على أنه ريح 105.
قال الشيخ: الريبة على وجهين، فإن تحقق أنه حمل قائم 106، فإنما كانت الريبة لأجل طول المدة والخروج عن العادة والتشكك 107 هل هو حمل، لم تحل أبدًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 2200
وإذا صح عن بعض النساء أنها ولدت لأربع سنين (1) وأخرى لخمس وأخرى لسبع، جاز أن تكون أخرى الأبعد من ذلك، وإن كانت الريبة والشك هل هي حركة الولد أم لا، حلت ولم تحبس عن الأزواج.
فصل [في عدة الوفاة]
عدة الوفاة إذا كانت الزوجة حرة مسلمة أربعة أشهر وعشرٌ، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234]. وإن كانت حاملًا فالوضع، لحديث سُبيعة الأسلمية: نفست بعد وفاة زوجها بليال، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِى مَنْ شِئْتِ".
اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 109.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المتوفى عنها داخلة في قوله -عز وجل-: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، وهذا غير صحيح؛ لأن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] في الطلاق، ولا خلاف في ذلك، وهو الذي تضمنت السورة من أولها، ثم عطف عليها عدة الحامل.
ولا خلاف أن الحامل المطلقة مرادة بذلك ومعطوفة على ما تقدم من108
الجزء: 5 - الصفحة: 2201
الطلاق، وكذا قوله -عز وجل- فيما بعد هذا من التلاوة، لقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وكل هذا المراد به الزوج المطلق، وليس على الميت أن يسكن ولا ينفق على الحمل ولا يستأجر لرضاعه، والذي تضمنته الآية في التلاوة قبل وبعد على الطلاق، ولا مدخل للمتوفى عنها فيما بين ذلك.
واختلف في ثلاث مسائل: المستحاضة، والمرتابة بتأخر الحيض، ومن عادتها الحيض 110 لأبعد من أربعة أشهر وعشرٍ.
فقيل في المستحاضة، والمرتابة بتأخر الحيض 111: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، وقيل: تسعة أشهر، وهو أمد الوضع، والأول أحسن لوجهين، أحدهما: عموم الآية في قوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 234] الآية.
والثاني: أنها إنما ألزمت 112 التربص إلى أمد حركة الولد، فلا يلزمها أن تنتظر أَمَدَ الوضع.
واختلف أيضًا في التي عادتها أنّها تحيض في كل خمسة أشهر أو ستة أو أبعد من ذلك حيضة، هل تحل بمضي 113 أربعة أشهر وعشرٍ 114، أو تنتظر الحيضة؟ والأول أحسن؛ لأنها إنما ألزمت أن تطلب دليلًا واحدًا وهو الحركة
الجزء: 5 - الصفحة: 2202
فلا يلزمها أن (1) تطلب دليلًا آخر وهو الحيض.
وعدة المريضة والمرضع أربعة أشهر وعشرٌ؛ لأن هاتين لم يتأخر الحيض عنهما لريبة في الحمل، وإنما ذلك لما نزل بهما فنقله (2) وأخره عن وقته.
وكذلك حكم الصغيرة، والكبيرة اليائسة، والتي لم يدخل بها، حكم المدخول بها هن في ذلك سواء ينتظرن أربعة أشهر وعشرًا.
فصل [في عدة الأمة في الطلاق]
وعدة الأمة في الطلاق إذا كانت ممن تحيض حيضتان، ولا تفارق الحرة إلا في هذا الوجه وهما فيما سوى ذلك سواء.
وإن كانت لا تحيض لصغر، أو كبر، أو شابة لم تر حيضًا، فثلاثة أشهر.
وإن كانت مرتابة، أو مستحاضة، فسنة.
وقال ابن الماجشون في المبسوط قال غير واحد من علمائنا الماضين والتابعين: إذا كانت لا تحيض لصغر أو كبر، شهر ونصف.
وقال آخرون: شهران، فشهرٌ ونصف نصفُ عدة الحرة، وشهران مكان كل حيضة شهر، وكل هذا ضعيف؛ لأن الثلاثة أشهر في الحرة إنما كانت لأنها المدة التي يظهر فيها الحمل فكانت الحرة والأمة في هذا سواء، ولو جعلت الأمة في هذا على النصف من عدة الحرة لم تبرئها؛ لأنها مدة لا يتبين فيها براءة الرحم.115116
الجزء: 5 - الصفحة: 2203
واختلف في المستحاضة والمرتابة، هل تعتد بثلاثة أشهر، أو بتسعة، أو بشهرين وخمس ليال؟ فقال مالك في كتاب محمد: ثلاثة أشهر 117. وهذا موافق للقول في الحرة: إذا كانت مرتابة أو مستحاضة، أنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا، لأنها لا تلحق بالحرة، وإن ردت إلى النصف كانت مدة لا يتبين فيها الحمل.
وقيل: تعتد بتسعة أشهر أمد الوضع، وهذا تتساوى فيه الحرة والأمة.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا كانت ترضع اعتدت بشهرين وخمس ليال وإن لم تحض، إلا أن تستريب 118. يريد: بحس بطن، فجعلها على النصف وإن كانت ممن يخشى منها الحمل.
وقال مالك في كتاب محمد: تعتد بشهرين وخمس ليال إن كانت صغيرة لم تبلغ الوطء، أو يائسة، أو لم يدخل بها، وإلا 119 فثلاثة أشهر وهو أقل ما يتبين فيه الولد، فإن تزوجت قبل تمام ثلاثة أشهر فسخ النكاح 120.
وقال محمد: يفسح النكاح 121 إن كانت قد دخل بها وهي ممن يبلغ مثلها الحمل، ولا عقوبة عليهما إلا أن تتزوج قبل شهرين وخمس ليال 122.
اتفقت هذه الأقوال أنها إن كانت ممن تحيض أجزأها شهران وخمس ليال فيهن حيضة 123.
الجزء: 5 - الصفحة: 2204
واختلف إذا عدمت الحيض على ثلاثة 124، فقيل: تعتد بشهرين وخمس ليال، وإن كانت شابة يخشى منها الحمل، وهو قول ابن القاسم في العتبية 125، وقيل: لا يبرئها 126 إلا ثلاثة أشهر 127، وهو أحد قولي مالك 128.
والثالث: أنها إن كانت ممن يخشى منها الحمل فثلاثة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة أو لم يدخل بها فشهران وخمس ليال على النصف، وهو أحسنها.
قال محمد: ويجري الجواب في المريضة على الخلاف المتقدم والتفصيل 129، فأما المرضع وهي شابة مدخول بها، فأرى أن تعتد ثلاثة أشهر على الصحيح من المذهب.
وقال يحيى بن سعيد: إذا كانت ممن لم تحض اعتدت بأربعة أشهر وعشر، إلا أن تحيض حيضة قبل شهرين وخمس ليال.
وفي الطلاق بثلاثة أشهر، إلا أن تحيض حيضتين قبل ذلك.
وإن انقضت الأشهر الثلاثة ثم حاضت حيضة، اعتدت بأخرى 130.
الجزء: 5 - الصفحة: 2205
باب في الإحداد
الإحداد يجب في عدة الوفاة دون عدة الطلاق، والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَة مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ".
أخرجه البخاري ومسلم 131.
وقيل في قول الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] أي: عن الزينة والتزويج ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234] التزويج وأن تتزين وتتشوف وتلتمس الأزواج، وحمل الآية على العموم في كل ما هي ممنوعة منه في العدة من نكاح وغيره، والصغيرة والآيسة في ذلك سواء.
ولا يجب الإحداد في ملك اليمين، فمن مات عن أمة كان يصيبها أو أم ولد أو مدبرة، لم يكن عليها إحداد 132.
والإحداد يجب على المتوفى عنها زوجها 133 إذا كانت مسلمة، حرة كانت أو أمة 134.
الجزء: 5 - الصفحة: 2206
واختلف في أربع: في الكتابية، وامرأة المفقود، والتي تتزوج في المرض، والنكاح الفاسد.
فقال في المدونة: على الكتابية الإحداد.
وقال ابن نافع: لا إحداد عليها 135. وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: عدتها استبراء رحمها، فعلى هذا لا يكون عليها إحداد، وحمل الآية على الغالب من مناكح المسلمين أنهن المسلمات 136، والإحداد عبادة، والكافرة غير مخاطبة بذلك.
والأول أحسن أن تكون كالمسلمة في الشهور والإحداد؛ لأن ذلك مما يتعلق به حق الزوج والولد، فجعل في الزوجة المتوفى عنها العدة 137 والإحداد حماية لئلا تعجل بالنكاح في العدة، وهذا تستوي فيه المسلمة والكافرة.
وقال أشهب في كتاب محمد في المفقود تعتد زوجته أربعة أشهر وعشرًا: عليها الإحداد 138.
وقال عبد الملك في المبسوط: لا إحداد عليها 139؛ لأن الإحداد إنما يقع بحقيقة الموت، ولعله في المفقود طلاق 140، وهذا أحسن والأول أحوط، لإمكان أن يكون وافقت هذه الأشهر الموت.
وأرى أن تعتد بأقصى الأجلين أربعة أشهر وعشرًا مع ثلاث حيض؛ لأن أمره متوقف بين ثلاثة أوجه: إما أن يكون حيًّا فهو طلاق، أو ميتًا وهي الآن في عدة منه فتعتد عدة الوفاة، أو قد انقضت عدتها فلا شيء عليها.
الجزء: 5 - الصفحة: 2207
وقد اتفق المذهب أنه لا يقسم ماله وأنه فيه على الحياة 141، وإذا كان ذلك فتعتد بأقصى الأجلين.
واختلف قول ابن القاسم فيمن تزوج في المرض أو تزوج امرأة في عدتها، فقال: تعتد بثلاث حيض.
وقال: أربعة أشهر وعشرًا 142، فعلى هذا يكون فيه الإحداد.
فقاس الفاسد على الصحيح؛ لأنه نكاح يلحق فيه النسب، وقد جعل الله العدة في الوفاة مدة يتبين فيها الحمل والحركة لمّا كان القائم بالنسب ميتًا والنسب حق للأب والولد.
وقال محمد: إذا استبرئت بحس بطن تبقى على الإحداد ما استرابت.
وقال ابن حبيب: وإن بعد خمس سنين 143.
وقال أصبغ في كتاب محمد في المستحاضة والمرتابة بتأخر الحيض: إن تزوجت بعد تمام الأربعة أشهر وعشر ولم تنتظر التسعة الأشهر، لم يفسخ نكاحها 144، وجعل التمادي إلى التسعة الأشهر على وجه الاحتياط، وعلى قوله يكون الإمساك عن الزينة والإحداد فيها احتياطًا، وإن تمادت ولم تحد فيها لم تأثم.
الجزء: 5 - الصفحة: 2208
فصل [في صفة الإحداد وعما يكون]
الإحداد يتضمن الامتناع من خمس: لباس المصبغات إلا السواد، والحلي والخاتم فما فوقه، والكحل، والطيب، وإلقاء التفث.
قال مالك: تلبس الحاد البياض -الكتان والقطن والحرير- ولم تمنع الحسن من الثياب إذا كانت بيضًا.
ومنع من المصبوغ: الحمر والصفر، والخضر، والدكن 145 وإن كانت من صوف أو قطن أو كتان 146.
وقال أيضًا في عصب اليمن 147: رقيقه بمنزلة المصبوغ من غيره، ووسع في غليظه وإن كان مصبوغًا.
وقال ربيعة: تتقي شهرة الثياب 148.
وإليه ذهب أبو محمد عبد الوهاب، فقال: تمنع من كل زينة من اللباس والطيب وكل ما تتزين به المرأة لزوجها ويدعو الزوج إلى نكاحها ويهيج الشهوة 149.
وهذا أحسن، وأرى أن تمنع من الثياب الحسنة وإن كانت بيضًا؛ لأنها تزيد في الوضاءة وتنظر حينئذ لنفسها ويتشوف لها، وكذلك الرفيع من السواد، وعلى هذا يدل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ
الجزء: 5 - الصفحة: 2209
عَصْبٍ" 150. أنه راعى الجيد من الدنيء.
ولا أرى أن يمنع الأخضر والأزرق الرديء، ويباح النفيس من الحرير.
وإذا لم تجد إلا ثوبًا مصبوغًا فقدرت على بيعه أو تغيير صبغه بسواد فعلت، وإن لم تجد لبست، وقد يستخفُّ 151 بقاؤه على حاله إذا كان في تغييره فساد.
ومنع مالك الحلي- قياسًا على ما جاء في منع المصبوغ والكحل؛ لأن كل ذلك من زينة النساء.- ولا تلبس خاتمًا ولا خرصًا ولا خلخالًا لا فضة ولا ذهبًا 152.
ومنع محمد خاتم الحديد 153.
وقاس أشهب على هذا التفث 154، فقال: لا تدخل الحمام ولا تطلي جسدها، ولا بأس أن تستحدّ وهذا صواب؛ لأن الإحداد أضيق من الإحرام للمرأة.
وقد أجيز للمحرمة لباس الحلي والمصبوغ ومنعت ذلك الحادّ , وإذا كان ذلك ومنعت المحرمة 155 من الحمام وأن تطلي جسدها كانت الحاد أولى بالمنع.
الجزء: 5 - الصفحة: 2210
واختلف في الكحل إذا كان بها رمد، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَنعْ ذلك 156.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا تكتحل بإثمد فيه طيب وإن اشتكت عينها 157. وقال أيضا: لا تجعل الصبر على عينها إلا أن تضطر فتجعله بالليل وتمسحه بالنهار.
وقال مالك: ولا تمشط 158 بشيء من الحناء والكتم ولا بما يختمر في رأسها، ولا بأس بالسدر 159.
وقال في الأمة يموت عنها زوجها، فيريد سيدها بيعها وأن يزينها للبيع، فلا تلبس الثياب المصبوغة ولا الحلي ولا شيئًا 160 من الزينة، ولا تتطيب بشيء من الطيب ولا بأس بالزيت، ولا يضع بها ما لا يجوز للحاد أن تفعله 161.
الجزء: 5 - الصفحة: 2211
باب ما جاء (1) في العدة من النكاح الفاسد، والأمة تعتق وهي في العدة, وفي أم الولد يموت عنها سيدها وزوجها، والعدة من الصبي والخصي
النكاح الفاسد على وجهين: مجمع على فساده، ومختلف فيه.
فإن كانت المرأة في عدة من طلاق وكان مجمعًا على فساده، اعتدت بثلاث حيض 163. وقيل: حيضة استبراء؛ لأن الزيادة على الواحدة تعبد.
وإن كان مختلفًا فيه، اعتدت بثلاث حيض.
وإن كانت في عدة من وفاة وكان مجمعًا على فساده ومات قبل الدخول، لم يكن عليها عدة.
واختلف إذا مات بعد الدخول هل تعتد بثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشرًا.
ويختلف إذا كان مختلفًا فيه، ومات قبل الدخول، فمن جعل فيه الميراث جعل عليها العدة، ومن لم يرَ فيه الميراث لم يجعل عليها عدة، فإن دخل كانت الموارثة وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا.
وذكر محمد عن ابن القاسم في كتاب النكاح فيمن تزوج امرأة 164 في162
الجزء: 5 - الصفحة: 2212
المرض ثم مات، أنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا (1). وذكر عنه في كتاب العدة فيمن تزوج امرأة في عدتها ثم مات عنها؛ أنها تعتد بأربعة أشهر وعشرٍ (2). وقد مضى ذكر وجه قوله في الرسم الذي قبل.
فصل [فيما إذا طلقت الأمة ثم أعتقت]
وقال ابن القاسم في الأمة تطلق طلقة رجعية أو بائنة فاعتدت حيضة أو شهرًا ثم أعتقت: فإنها تبني على عدتها ولا تنتقل إلى عدة الحرائر.
وكذلك إذا كانت عدة من وفاة فاعتدت شهرًا ثم أعتقت، أنها (3) تبقى على عدتها ولا تنتقل إلى عدة الحرة (4).
قال الشيخ: فإن كانت من طلاق رجعي غير بائن ثم أعتقت بعد حيضة أو شهر ثم مات زوجها، انتقلت إلى عدة الحرائر (5) في الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن العتق سبق عدة الوفاة.
فصل [في عدة أم الولد والأمة]
وعدة أم الولد إذا مات سيدها حيضة 170، طلقها زوجها أو مات عنها.165166167168169
الجزء: 5 - الصفحة: 2213
وعدة الأمة إذا طلقت حيضتان، وإن 171 مات عنها 172 زوجها فشهران وخمس ليالٍ 173، وعدتها إذا مات سيدها حيضة 174.
وقال ابن القاسم: وإن مات عنها أو أعتقها وهي في أول دمها، لم يجزئها واستأنفت حيضة، وذلك لاختلاف أهل العلم فيها، فقال بعضهم: عليها أربعة أشهر وعشرٌ.
وقال بعضهم: ثلاث حيض 175.
فأما الأشهر فلأنها حرة تعتد من وطء ميت فقاسها على الزوجة، وأما الثلاثة الأقراء فلأنها حرة تعتد من وطء ميت 176 بغير زوجية.
وقول مالك أصوب؛ لأن المراعى أصل الوطء 177 ليس ما آلَ إليه، فإذا 178 كان بملك يمين كان استبراء وإن طرأ عليه عتق، وإن كان أصله بزوجية كانت على أحكام العدة.
وقد راعى مالك مرة وقت العدة دون الأصل في الإصابة، وقال في النكاح الصحيح يطرأ عليه فسخ: إنها تستبرئ بحيضة ولا تكون عدة 179.
وقياس مذهبه في أم الولد إذا لم يراع الخلاف فأعتقت أو مات عنها سيدها وهي في أول الدم أن تجزئها تلك الحيضة.
الجزء: 5 - الصفحة: 2214
وإذا كانت عادة أم الولد تأخر الحيض لبعد الثلاثة الأشهر انتظرت الحيضة.
والقياس: إذا مرت الثلاثة الأشهر أن تحل، وإذا كانت ذات زوج فمات زوجها وسيدها، فإن مات السيد قبل اعتدت من الزوج أربعة أشهر وعشرًا، وإن مات زوجها قبل اعتدت عدة (1) الأمة، ثم يُنظر إلى موت السيد، فإن كان موته قبل أن تحل لم تعتد منه، وإن كان بعد أن حلت اعتدت منه بحيضة، وإن لم يعلم أيهما مات أولًا اعتدت أربعة أشهر وعشرًا من آخرهما موتًا، لإمكان أن يكون موت السيد أولًا، وحيضة لإمكان أن يكون موت الزوج قبل، وهذا إذا كان بين الموتين أكثر من شهرين وخمس ليال، والحيضة التي تحيضها في خلال الأربعة الأشهر وعشر ليال (2) تجزئها، فإن لم تر حيضًا أجزأت الأربعة الأشهر وعشرة لأنه إن كان السيد آخرهما موتًا (3) كانت عدتها منه حيضة، وإن لم تر حيضًا فثلاثة أشهر تجزئها، فهي قد تربصت أكثر من ذلك وهي أربعة أشهر وعشر، إلا على القول أنها تطلب الحيضة وإن بعدت.
فصل [في عدة زوجة الصبي والخصي]
ولا عدة على زوجة 183 الصبي إذا صالح عنه أبوه أو وصيه بعد البناء، وعليها العدة في الوفاة وإن لم يبْن بها أربعة أشهر وعشرًا 184.180181182
الجزء: 5 - الصفحة: 2215
وكذلك الخصي إذا كان ممسوحًا لا عدة عليها إن طلق بعد البناء، وعليها عدة الوفاة وإن لم يبْن بها 185.
واختلف إذا كان قائم الذكر ذاهب الأنثيين فطلق بعد البناء، فقيل: عليها العدة لأنه يصيب.
وقال ابن حبيب: لا يولد له.
وهذا هو المعلوم وما عُلِم أنه وُلِدَ لمن 186 ذكر، وإذا كان ذلك لم يكن عليها عدة؛ لأن العدة إنما كانت لما يخشى من الحمل ليس بمجرد الوطء، ولو كان ذلك لوجبت العدة من وطء الصبي، فهو يصيب اليوم ثم يطلق فلا يكون عليها عدة، ويصيب غدًا، وقد احتلم فتكون عليها العدة.
الجزء: 5 - الصفحة: 2216
باب في المرأة يجتمع عليها عدتان، وفي المطلقة يموت عنها زوجها وهي في العدة, ومن ارتجع كم مات أو طلق قبل أن يبني
وإذا تزوجت المرأة وهي في عدتها، استأنفت العدة من يوم يفرق بينها وبين الأخير.
وإن كانت في عدة من طلاق وهي ممن تحيض، فثلاث حيض.
وإذا كانت لا تحيض لصغر أو كبر، فثلاثة أشهر.
وإن كانت مرتابة أو مستحاضة، فسنة.
وإن كانت حاملًا من الأول، أجزأها الوضع منهما جميعًا 187.
واختلف قول مالك إذا كان الحمل من الآخر، هل يجزئها الوضع، أو تستأنف بعد الوضع تمام عدة الأول؟ وعدتها في كل ذلك في بيت الأول ولا يدخل إليها واحد منهما، فإن انقضت عدة الأول أتمت 188 في بيت الآخر 189.
وإن كانت في عدة من وفاة، انتظرت أقصى العدتين -أربعة أشهر وعشرًا- من الأول وكانت عدة الآخر على أحكام عدة الطلاق ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر أو سنة.
فإن انقضت عدة الأول قبل، سقط عنها الإحداد وانتقلت إلى بيت الآخر.
وإن انقضت عدة الآخر، بقيت على عدتها وإحدادها.
وإن كانت حاملًا من الأول، بقيت على الإحداد حتى تضع فتحل.
وإن كان الحمل من الثاني، سقط عنها الإحداد إذا مرت بها ستة أشهر من يوم تزوجت الثاني ولم تضع؛ لأنه يحمل على أنه من الثاني إذا كان تزويجها بعد حيضة من الأول.
الجزء: 5 - الصفحة: 2217
فصل [فيمن نعي لها زوجها فاعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها الأول]
ومن نعي لها زوجها فاعتدت ثم تزوجت ودخلت ثم قدم الأول، ردت إليه بعد انقضاء عدتها من الثاني حسب ما تقدم من عدد الطلاق.
وإن طلقها القادم بعد 190 مضي بعض 191 عدتها من الثاني، انتظرت أقصى العدتين وتكون في بيت الثاني؛ لأن العدة منه توجهت عليها فيه 192 قبل طلاق القادم، وإن انقضت عادت إلى بيت الأول 193.
وكذلك إذا 194 توفي الأول اعتدت بأقصى العدتين، من الثاني عدة الطلاق، ومن الأول عدة وفاة 195.
ويلزم الإحداد من يوم وفاة الأول، فإن انقضت عدة الثاني بالأقراء بقيت على الإحداد حتى تنقضي عدة الوفاة 196، وإن انقضت عدة الوفاة قبل، سقط الإحداد.
فإن كانت عدتها من الثاني بالشهور، كان انقضاء عدتها منه قبل انقضاء عدة الوفاة.
وإن كانت مرتابة أو مستحاضة، نظرت أيهما ينقضي قبل؛ لأن عدتها من الثاني سنة ومن الأول أربعة أشهر وعشر أو تسعة أشهر على القول الآخر، وقد
الجزء: 5 - الصفحة: 2218
يكون موت القادم بعد مضي أكثر السنة (1) من الثاني.
وإن كانت حاملًا من القادم، كان الوضع براءة لها.
واختلف إذا كان من الثاني هل يبرئها الوضع، أو تستأنف عدة الوفاة بعد الوضع؟ فإن طلق القادم ومات الثاني وهي غير حامل، كانت عدتها من الثاني ثلاث حيض وليس عدة الوفاة؛ لأنه نكاح فاسد (2).
فصل [فيما إذا مات الزوج والمرأة في العدة]
وإذا كانت المرأة في عدتها من طلاق بائن ثم مات زوجها، لم تنتقل إلى عدة الوفاة.
وإن كان الطلاق رجعيًّا، انتقلت إلى عدة الوفاة 199.
واختلف في سقوط عدة الطلاق، فقال مالك وابن القاسم وغيرهما من أصحابه: إنها ساقطة، وإنما 200 تعتد عدة الوفاة فقط.
وقال سحنون: تعتد أقصى العدتين، فإن انقضت عدة الوفاة قبل، سقط الإحداد، وانتظرت بقية الأقراء 201.
فإن كان الطلاق رجعيًّا فارتجع أو بائنًا فتزوجها في العدة ثم لم يمس حتى طلق أو مات، افترق الجواب، فإن طلق 202 وكان الطلاق الأول رجعيًّا197198
الجزء: 5 - الصفحة: 2219
استأنفت العدة؛ لأن الرجعة هدمت العدة الأولى، وإن كان الطلاق بائنًا ثبتت على العدة الأولى، وإن مات اعتدت العدتين.
قال مالك: تعتد أقصى العدتين، فتتم بقية عدة الطلاق وأربعة أشهر وعشرًا من يوم مات بالإحداد 203.
الجزء: 5 - الصفحة: 2220
باب في عدة من اعترف زوجها أنه كان قد (1) طلقها
وقال مالك في من قدم من سفر فزعم أنه طلق زوجته منذ سنة, قال: إن لم يكن إلا قوله، لم يقبل قوله 205 واستأنفت العدة من يوم أقر، وإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها، وإن حاضت ثلاث حيض من اليوم الذي كان يقول إنه 206 طلقها فيه، فلا رجعة له، فإن أقر بالبتة لم يصدق في العدة, وإن ماتت فيه 207 لم يتوارثا 208. قال 209: وإن شهد شاهدان أنه كان طلقها، كانت العدة من يوم طلق ليس من يوم بلغها، وما أنفقت من ماله قبل أن تعلم، فلا غرم عليها لأنه فرط 210. قال محمد: فان قدم من أعلمها، فإن شهد بذلك رجل أو رجل وامرأتان، لم يكن ذلك بشيء حتى يشهد من يحكم السلطان بشهادته وهو ألْبَسَ 211 على نفسه، وسواء خلف عندها نفقة أو تسلفت فأنفقت 212، قال ابن كنانة: وإن شهد شاهدان بالطلاق وكانا ممن لا يتعقب 213 عليهما ولا يجرح مثلهما لم يتأنَّ الحاكم ليقدم الزوج، قال ابن القاسم: إلا أن يكون الشيء القريب.204
الجزء: 5 - الصفحة: 2221
باب في النكاح والمواعدة في العدة
النكاح والمواعدة في العدة ممنوعان، والتعريض جائز، والأصل في ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ﴾ [البقرة: 235] وقد تضمنت هذه الآية إباحة وجهين؛ وهما: التعريض، وما يضمر 214 في النفس من غير نطق، ومنع وجهين هما أشد من الأولين: المواعدة، والعقد.
واختلف في معنى قول الله سبحانه ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والشعبي والسدي وقتادة وسفيان: لا تأخذ ميثاقها وهي في عدتها ألا تتزوج غيرك 215.
وقيل: السر ها هنا الزنا 216، وليس هذا بحسن؛ لأن الزنا عليه محرم في العدة وغيرها، وإذا كان الزنا محرمًا لم يكن لذكر المواعدة عليه وللاختصاص بذكره في العدة وجه، وإنما ابتدأت 217 الآية بإباحة التعريض، ثم أخبر -عز وجل- أن المواعدة بخلاف ذلك، لئلا يظن أنها مثلها، وأتى بها على وجه الاستثناء من الأول؛ فقال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فكان محمل الاستثناء على أنه مما يتعلق بالأول حتى يقوم دليل على غير ذلك، ثم أبان ذلك باستثناء ثانٍ، فقال:
الجزء: 5 - الصفحة: 2222
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو التعريض الذي ابتدأ بذكره، ثم قال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] فعلم أن المراد بأول الآية ووسطها وآخرها هو مما تختص به العدة من عقد ومواعدة وتعريض، والتعريض: أن يقول إني فيك لراغب، وإنك علي لكريمة، وإن الله لسائق إليك خيرًا، وإنك لنافعة، وإني بك لمعجب، وإني لك لمحب، وأن يقدر أمرًا سيكون.
قال في كتاب محمد: وإني لأرجو أن أتزوجك.
قال مالك: ولا بأس أن يهدي لها 218.
يريد: لأن المفهوم من الهدية التعريض، وهذا الحكم في دخول نكاح على نكاح، والحرة والأمة في ذلك سواء.
ويتصور في الأمة أربعة أوجه: نكاح على نكاح، وملك على ملك، ونكاح على ملك، وملك على نكاح.
فإن كانت في عدة من طلاق أو وفاة، لم يعقد عليها سيدها نكاحًا ولا يواعد عليه 219، ويجوز له البيع والمواعدة عليه لمن يريدها للوطء.
وكذلك في دخول ملك على ملك يجوز، وإن كان في موضع لا يجوز فيه الوطء.
قال مالك: لا يجوز عقد النكاح إلا في موضع يجوز فيه الوطء 220.
الجزء: 5 - الصفحة: 2223
فصل [فيمن تزوج امرأة في العدة هل تحرم عليه أم لا؟]
اختلف في تحريم الزوجة على من تزوجها في العدة على أربعة أقوال: فقال مالك: تحرم إذا دخل في العدة أو بعد انقضائها 221، ولا تحرم إذا فرق بينهما قبل الدخول في العدة.
وقال أيضًا: إن دخل بعد العدة، فسخ وما هو بالحرام البين 222. يريد: حتى يدخل في العدة.
وروى ابن الجلاب أنه روي عنه: أنها تحرم بالعقد وإن فسخ قبل الدخول 223.
واختلف فيه عن عبد العزيز بن أبي سلمة، فقال: تحرم دخل في العدة أو بعدها.
وذكر ابن سحنون عن ابن نافع أنه قال: لا تحرم وإن أصاب في العدة 224.
واختلف إذا قبّل أو باشر في العدة، فقال ابن القاسم: تحرم 225.
واختلف عنه في كتاب محمد، فقال مرة: تحرم.
وقال مرة: لا تحرم وأحب 226 إلي ألا ينكحها من غير قضاء، قال: لأن في الوطء نفسه اختلافًا فكيف بما دونه 227. قال محمد: وإن أرخيت الستور ثم تقاررا على أنه لم يمس 228، لم تحل له أبدًا 229.
الجزء: 5 - الصفحة: 2224
ودخول وطء على وطء على أربعة أقسام: فإن كان الوطئان بنكاح وقع التحريم، إلا ما 230 ذكر عن عبد العزيز 231. وإن كانا بملك يمين لم تحرم.
واختلف إذا كان أحدهما بنكاح، والآخر بملك يمين، بأن تتزوج 232 وهي في الاستبراء من وطء الملك، أو توطأ بالملك 233 وهي في عدة من نكاح؟
فقال مالك: متى وجدتَّ ملكًا خالطه نكاح بعده 234 في البراءة، أو ملكًا 235 دخل على نكاح، فذلك كله يجري مجرى المصيب في العدة.
قال سحنون: وقد روي أيضًا أنه ليس كالتزويج 236 في عدة 237.
فردّه في القول الأول إلى نكاح على نكاح، وفي القول الآخر إلى ملك 238 على ملك.
والقياس: إذا كان الأول نكاحًا أن يحرم وإن كان الثاني ملكًا، وإن كان الأول ملكًا ألا يحرم وإن كان الثاني نكاحًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 2225
فصل [فيما إذا واعد في العدة ونكح بعدها]
واختلف إذا واعد 239 في العدة ونكح بعد- في فسخ النكاح 240، وفي التحريم فيما بعد.
فقال مالك في المدونة: فراقها أحب إليَّ، دخل بها أو لم يدخل وتكون طلقة ثم يخطبها بعد أن تحل 241. فجعل الفراق على وجه الاستحسان، ولم يحرمها.
واختلف فيه قول ابن القاسم 242، فقال مرة: يفسخ بقضاء، وقال مرة: بغير قضاء.
وقال محمد: قال أشهب: يفسخ ولا تحل أبدًا 243.
والقول الأول أحسن؛ لأن العقد لم يكن في العدة، وهذا إذا كانت المواعدة مع الزوجة والأب في البكر أو السيد فأما من لا تتزوج إلا برضاها فلا.
وقال مالك في المرأة تطلق طلاقًا رجعيًّا ثم تتزوج في عدتها ويراجعها زوجها الأول في العدة من قبل أن يفرق بينها وبين الآخر، قال: رجعته رجعة وليس له أن يصيبها حتى يستبرئها من الماء الفاسد بثلاث حيض إن كان دخل بها الآخر 244.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو ارتجع ثم أصاب 245 قبل أن تنقضي عدتها من الآخر
الجزء: 5 - الصفحة: 2226
لم تحرم؛ لأنه مصيب لزوجته وليس هو مصيب في عدة.
وكذلك المنعي لها يقدم زوجها فيفرق بينها وبين الآخر فيصيبها القادم في عدة الآخر فإنها لا تحرم؛ لأنه ليس بمتزوج في عدة.
وكذلك المرأة تزني فيصيبها زوجها في استبرائها من الزنا فلا تحرم عليه؛ لأن التزويج تقدم الزنا 246.
ولو طلق رجل زوجته طلاقًا بائنًا فتزوجت في العدة، لم يجز للأول أن يتزوجها وهي في عدتها 247 فإن فعل كان فاسدًا ويفسخ قبل الدخول وبعده، وتحرم عليه إن كان دخل بها في العدة منه أو من الثاني.
واختلف إذا كانت في عدة من زنا فتزوجت ودخل بها، فقيل: تحرم.
وقيل: لا تحرم، سواء حامل أم لا، قاله ابن القاسم 248، إلا في عدة التزويج خاصة، ثم رجع ابن القاسم فقال: إن كانت حاملًا حرمت وإلا فلا.
وقال أصبغ: لا أحب أن يتزوجها وإن لم تكن حاملًا، ولا يقضي بذلك عليه؛ لأنه إذا كانت عدة النكاح تحرم فالسفاح أحرم 249.
وقال أشهب فيمن اغتصبت زوجته وهي حامل منه: لا بأس أن يصيبها زوجها.
وقال أصبغ: أكرهه وليس يحرم 250. والأول أقيس؛ لأن الحمل منه، وإنما يكره أن يسقي ماءه ولد غيره، وليس يكره أن يسقي ماءه ولده لأجل أن ماء غيره سقاه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2227
وقال فيمن طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، ثم ارتجعها في عدتها، ثم طلقها كما هي 251 في عدتها ولم تعلم برجعته فتزوجت ودخل بها، ثم فرق بينهما: فلا يطأها الثاني إذا أصابها في العدة من الطلاق الثاني.
ولو كان الطلاق الأول بخلع، ثم تزوجها في عدتها، ثم طلق قبل أن يدخل بها، ثم تزوجت بعد أن أوفت 252 العدة، كان الثاني نكاحًا جائزًا؛ لأنه ليس عليها إلا تمام العدة الأولى، بخلاف الأولى 253 فإن عليها عدتين.
وقال مالك فيمن صالح زوجته على إن طلبت ما أعطته عادت زوجة، فطلبت ذلك فراجعها 254 فأصابها ثم فرق بينهما: فلا يصيبها أبدًا 255.
وقال غير واحد من أصحابه: لا تحرم؛ لأنّ الماءَ ماؤه 256، وهو أحسن؛ لأنه قد كان له أن يتزوجها في تلك العدة بولي وصداق.
وقال محمد في امرأة نسيت شوطًا من الطواف الواجب حتى تزوجت ودخل بها ففسخ النكاح فعادت فطافت ثم اعتمرت وأهدت: فلا تحل للزوج الذي تزوجها أبدًا، ثم وقف عن تحريمها 257.
وهذه مثل التي قبلها لا تحرم على زوجها لأن الماء ماؤه.
تم كتاب العدة بحمد الله
الجزء: 5 - الصفحة: 2228