كتاب كراء الدور والأرضين
النسخ المقابل عليها 1 - (ت) = نسخه تازه رقم (234 & 243) 2 - (ر) = نسخه الحمزاويه رقم (110)
الجزء: 11 - الصفحة: 5025
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب كراء الدور والأرضين
باب فيمن اكترى دارًا وفيها شجر واشترط ثمرتها
1
ومن "المدونه" قال مالك 2: ومن اكترى دارًا وفيها شجر فاشترط ثمرتها، فإن كانت طابت جاز ذلك قليلة كانت أو كثيرة 3، وإن لم تطب جاز ذلك بأربعة شروط، وهي: أن تكون تبعًا للسكنى في القيمة، ويشترط جملتها، ويكون طيبها قبل انقضاء أمد الكراء، وكان قصده باشتراطها دفع المضرة في التصرف إليها جاز.
وإن قال: أردت بذلك الرغبة فيها خاصة لم يجز.
فمتى انخرم أحد هذه الشروط لم يجز.
فمنع إذا لم تكن تبعًا؛ لأنها مقصودة في نفسها، ويمنع إذا استثنى البعض إذا لم تكن تبعًا 4؛ لأن مضرة الدخول والتصرف باقية 5، ويمنع إذا كان طيبها بعد انقضاء الوجيبة؛ لأن الثمرة 6 تأتي ولا كراء
الجزء: 11 - الصفحة: 5027
له.
فأما كونها تبعًا، بأن تكون قيمتها دون الثلث، ولا يجوز إذا كانت أكثر من الثلث.
واختلف إذا كانت الثلث ولم تزد، فروى ابن القاسم عن مالك المنع 7، وبلغه عنه الجواز.
وقد أجيز الثلث، ولم يجعل في حيز الكثير مساقاة البياض مع الأصول 8، وفي حلية السيف والمصحف أن يباع ما فيه من ذهب أو فضة، ولم ير أن ذلك من الربا لما يدخله من التفاضل.
9
وقياس قوله في الدار أن يمنع ذلك فيها ولا يبلغ به الثلث، ومما جعل الثلث فيه من حيز القليل، هبة ذات الزوج، ووصية المريض، فإنه لا مقال في ذلك للورثة، وإنما مقالهم فيما زاد على الثلث.
ومما جعل الثلث فيه من حيز الكثير: الجوائح، وجناية الخطأ إذا بلغت الثلث حملتها العاقلة.
وقال ابن شهاب: لا تحملها إلا أن يزيد على الثلث.
فأما الثمار فيفضل منها؛ لأن الغالب في السقوط أنه لا يبلغ الثلث، فإذا بلغ ما الغالب فيه السلامة، حط عن المشتري.
وقال ابن القاسم في اعتبار قيمة الثمرة في الدار: إن ذلك 10 على ما عرف من عادتها في كل عام بعد مؤنتها، وقيمة كراء الدار بغير ثمرة، مثل المساقاة إذا كان فيها بياض، يقال: ما قيمة الثمرة فيما عرف من بيعها في مضي أعوامه؟ ثم ينظر إلى قيمة السقي والعلاج فيحط من ذلك، ثم ينظر إلى ما بقي من
الجزء: 11 - الصفحة: 5028
النفقة 11، فقد يكون ثمنها ثلاث مائة وتكون مؤنتها في عملها مائة وكراء الأرض خمسين ومائة، فلو لم تحسب المؤنة جازت المساقاة 12. وفي كلا الجوابين نظر؛ لأنه جعل القيمة في مسألة الدار على السلامة ثم حط ما ينوب السقي وقيمتها على هذه الصفة أعلى من الصفة التي دخل عليها مشتريها.
والصواب أن يقال: كم قيمتها على أن سقيها على مشتريها، وعلى أن المصيبة إن كانت من المكتري، وعلى أنه إن جاءت على خلاف المعتاد لم يكن له مقال؟ لأن ابن القاسم لا يرى له مقالًا متى 13 أجيحت، فينبغي أن تُقوَّم على ما 14 اشتري عليه، فإن كان الكراء بالنقد قُومت الثمرة بالنقد؛ لأنه أبخس لقيمتها، وإن كان الكراء على أنه يقبض مشاهرة قومت الثمرة على ما ينوبها يقبض مشاهرة.
وقوله في مسألة المساقاة: يحط من قيمة الثمرة قدر السقي والعلاج 15 غلط؛ لأن السقي والعلاج ثمن الثمرة فكيف 16 يصح أن يحط أحدهما الآخر، وإنما باع العامل منافعه، وهو ما يتولى من عمل وسقي بالجزء الذي يأخذه بعد الطيب، وإنما يطيب ذلك الجزء على ملك صاحب الحائط، ولهذا قيل: تجب فيه الزكاة إذا كان في جميعها 17 خمسة أوسق وإن كان العامل عبدًا أو نصرانيًّا، فإذا
الجزء: 11 - الصفحة: 5029
كانت قيمتها سالمة ثلاث مائة وقيمة البياض مائة وخمسين، جازت المساقاة ولا يصح أن يحط العمل.
وقد ذكر عن أشهب أنه أجاز اشتراط بعض الثمرة.
والذي رأيت لأشهب أنه إنما أجاز ذلك إذا بيعت الأصول (1)، فاستثنى المبتاع بعض الثمرة أو بيع العبد واستثنى المشتري بعض ماله.
وقوله في هذين حسن؛ لأن ذلك الاشتراط لم يكن لأجل مضرة تدخل على المشتري، واشتراط جميع ذلك جائز مع الاختيار، وكذلك البعض، ولا يجوز ذلك في مسألة الدار؛ لأنها إنما أجيزت للضرورة.
وقد تتوزع في هذا الأصل (2) إذا كانت الثمرة تختلف في سنة أقل من الثلث وفي سنة أكثر وإذا جمع جميعها كان الثلث فأقل، وفي إذا كانت ديارًا ثمرة بعضها أقل من الثلث، وثمرة بعضها أكثر وجميعها الثلث فأقل، هل يجوز ذلك أم لا؟ وأرى أن يجوز ذلك في الدار الواحدة؛ لأنها منافع واحدة والقصد رفع الضرر منها، ولا يجوز في الديار ولا في السيوف إذا كانت جملة حلية (3) بعضها أقل من الثلث والآخر أكثر، وهو بمنزلة صفقة جمعت حلالًا وحرامًا.
فصل [في الثمار إذا دخلت في العقد ثم انهدمت الدار بعد سكنى ستة أشهر]
وإذا دخلت الثمار في العقد لأنها تبع 21 ثم انهدمت الدار بعد سكنى ستة أشهر، فإن كانت الثمرة لم تطب انفسخ البيع فيها ورجعت إلى البائع وحط عن181920
الجزء: 11 - الصفحة: 5030
المكتري 22 ما ينوبها 23. وهذا بخلاف الجائحة؛ لأنها صارت إلى صاحبها فلم يصح أن يأخذها وثمنها.
وإن كانت الثمار قد طابت وهي تبع للماضي، مضى فيها البيع للمكتري، وإن لم تكن تبعًا لماضي السكنى، كان فيها قولان، فقال محمد: يفسخ فيها البيع.
وقال ابن حبيب: لا يفسخ وهي للمكتري 24.
وكذلك في الزرع 25 يشترط مع الأرض ثم تستحق الأرض دون الزرع وقد بدا صلاحه، ففي "المدونة": يفسخ البيع فيه 26. وفي "كتاب محمد": يمضي البيع فيه.
وعلى هذا يجري الجواب إذا اشترى 27 الثمار مع الأصول وهي مأمورة فرد الأصول بعيب بعد طيب الثمرة، فقال في كتاب العيوب: ترد الثمرة.
وعلى القول الآخر: يمضي البيع فيها.
وأن يمضي كل ذلك أحسن؛ لأن العقد فيها كان صحيحًا وعلى وجه جائز لا يتهمان فيه أن يكون عملًا على فسادٍ 28، ولأن منع البيع في الثمار قبل بدو صلاحها لموضع الغرر، وهذا لم يدخلا على غرر وقد اشترى 29 بوجه صحيح وانتقلت وتغير حالها وهي في ضمان المشتري 30.
وقال ابن حبيب: لو استحقت الدار إلا مواضع الشجر وقد سكن
الجزء: 11 - الصفحة: 5031
أشهرًا، رجعت الثمرة إلى المكتري طابت أو لم تطب، جذت أو لم تجذ، وهو بمنزلة من باع ثمرة قبل أن تطيب حين ضمها إلى ما ليس له 31.
قال الشيخ -رحمه الله-: يفترق الجواب بافتراق الوجه الذي كانت به 32 في يديه، فإن كانت بشراء كان الجواب فيها على ما تقدم في الانهدام؛ لأن الغلة للمشتري إلى يوم الاستحقاق، وإذا كانت الغلة له كانت الثمرة مضافة إلى سلعة يملكها، وإن كانت الدار بيده بغصب كان الجواب 33 في الثمرة على الخلاف 34 في الغلة، فعلى أحد قولي مالك أن الغلة للغاصب يمضي البيع في الثمرة بمنزلة المشتري.
وعلى قوله: لا غلة للغاصب 35، تكون قد أضيفت إلى غير ملكه، وإن كانت في يده بميراث وطرأ عليه وارث أقعد منه، كان بمنزلة من أضاف إلى غير ملكه 36.
وعلى هذين الموضعين يصح 37 قول ابن الحبيب إلا أن يكون المكتري غير عالم فيختلف فيها؛ لأن العقد يسلم من الفساد ويكون بمنزلة استحقاق الأرض دون الزرع.
الجزء: 11 - الصفحة: 5032
فصل [في الدار إذا لم تستحق وتقايلا بعد سكنى ستة أشهر]
ولو لم تستحق الدار ولكن تقايلا بعد أن سكن ستة أشهر، فإن طابت الثمرة وكانت الإقالة على أن تبقى 38 الثمرة للمكتري وهي تبع للماضي جاز، وإن لم تكن تبعًا لم يجز؛ لأنهما يتهمان أن يعملا على ذلك.
وإن كانت الإقالة على أن يرد 39 الثمرة مع الأصل بما ينوبها، جاز كانت تبعًا للماضي أو أكثر، وإن لم تطب لم تصح 40 الإقالة على أن تبقى للمكتري، وجازت على أن تبقى للمكري 41 إذا كانت تبعًا للباقي، وإن لم تكن تبعًا امتنعت الإقالة، فيمنعان من بقائها؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك ومن تسليمها؛ لأن الإقالة كابتداء بيع.
الجزء: 11 - الصفحة: 5033
باب في كنس مراحيض الديار وفيمن اكترى دارًا على أن عليه إصلاح ما فسد منها
ومن اكترى دارًا كان كنس مرحاضها مما هو متقدم قبل العقد على المكتري 42، فإن كان لا يصح السكنى إلا بإزالته، جبر صاحب الدار على إزالته.
واختلف فيما حدث بعد العقد، فقال ابن القاسم في "المدونة": كنس الكنيف وإصلاح ما وَهَي من الجدران على صاحب الدار 43. وقال في المجالس: كنس ذلك على الساكن، وفي الفنادق على صاحبه دون المكتري، وأما ما لم يحتج إلى زواله في حال السكنى، فالشأن ألا يطلب 44 الساكن عند خروجه بزوال ذلك، وكذلك الفنادق الشأن أنه ليس على الساكن شيء.
ويختلف في متقبله من صاحبه على ما تقدم في الديار.
وكذلك الحمَّام إذا تَقبَّله رجل من صاحبه يختلف هل ذلك على متقبله أو على صاحبه؟ والجواب القنوات كالجواب في المراحض، فإن سكن المكتري دارًا بحدثان ما كنست 45 تلك القناة وطال 46 سكناه حتى احتاجت إلى كنس، كان على
الجزء: 11 - الصفحة: 5034
الاختلاف المتقدم، هل ذلك على صاحب الدار، أو على الساكن، وسواء كانت تجري بالأثفال 47 أو بالغسالة؟ وإن كانت غير مكنوسة أو كان سكناه الأمد اليسير، لم يكن عليه شيء وكان ذلك كساكن الفنادق.
وقال مالك فيمن اكترى دارًا سنة بعشرين دينارًا على إن احتاجت الدار إلى مرمة رمها المكتري من العشرين دينارًا: لا بأس به 48. يريد: أن الكراء وإن كان مؤجلًا فإن هذا الشرط لا يفسد العقد؛ لأن القصد في ذلك ما يحتاج في الغالب إلى إصلاحه مثل خشبة تنكسر، أو ترقيع حائط، أو ما أشبه ذلك مما يقل خطبه ولا يؤدي تعجيله إلى غرر، فإن طرأ ما تعظم نفقته، مثل سقوط بيت، لم يلزمه الإنفاق فيه، وإن شرط الإنفاق من غير العشرين الدينار كان فاسدًا.
ويختلف إذا نزل وعمل وأصلح، فقال أصبغ في "كتاب محمد": له 49 قيمة ذلك صحيحًا يوم عمله 50. يريد: أن تكون عليه قيمة السكنى من وقت أصلح على أنها مصلحة.
وقد قيل في هذا الأصل: ليس له 51 قيمته يوم أصلح؛ لأنه بنى ذلك وأصلحه وعمله على أنه باق تحت يديه ينتفع به إلى يوم خروجه، فكان بمنزلة من لم يمكن من المبيع.
ثم يختلف هل تكون له قيمته يوم يخرج صحيحًا، أو منقوضًا؟ وقيمة ذلك صحيحًا أحسن؛ لأنه وضعه بإذن المالك ولم يكن
الجزء: 11 - الصفحة: 5035
متعديًا فيعطى قيمته منقوضًا 52. فإن اكترى كراءً فاسدًا فأصلح وبنى بإذن صاحب الدار كانت عليه قيمة ما ارتفق به، يقال: بكم تكرى الدار على أنها على هيئة ما كانت وقت العقد على أن المكتري ينتفع بموضع كذا فيبنيه بيتًا كراء 53 ثم يكون له قيمة ذلك البناء منقوضًا يوم يخرج؛ لأنه فعله بغير إذن، وإلى هذا رجع مالك في "كتاب محمد" 54.
وقال ابن القاسم في "العتبية" فيمن اكترى دارًا سنة فسكن شهرًا، ثم انهدمت فبناها بما عليه من الكراء، ثم قدم صاحبها بعد تمام السنة: فله كراء ما سكن قبل الهدم، وكراء العرصة بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقض بنائه، إلا أن يعطيه قيمته منقوضًا 55.
يريد: إذا بنى بنقض من عنده على ملكه.
ولو بنى ذلك على ملك ربها لكان صاحب الدار بالخيار بين أن يرضى بذلك ويعطيه ما أنفق ويكون له قيمة الكراء على أنها مبنية، أو يعطيه قيمته منقوضًا بعد انقضاء الكراء ويكون له قيمة القاعة على أنها تكرى ممن يبنيها من عنده.
وإن بناها بنقضها، كان لربها أن يأخذ قيمة كرائها قائمة ولا شيء عليه للثاني؛ لأنه إنما أخرج البناء وهو التلفيق 56 ولا شيء له، ويصح أن يقال: لما كان ذلك التلفيق 57 لا يقدر صاحب الدار أن يأخذ كراءها مبنية إلا بذلك كان كالسقي والعلاج.
الجزء: 11 - الصفحة: 5036
وقد اختلف فيه إذا سقى الغاصب، فقيل: له قيمته؛ لأنه لم يكن يقدر على الغلة إلا بتلك النفقة.
ولو اكترى رجل دارًا كراء صحيحًا ثم بنى فيها وزاد بغير إذن ربها، لم يكن عليه 58 كراء ما زاد من البناء؛ لأنه قد اكترى الانتفاع بجميعها، فقد كان له الانتفاع بتلك القاعة التي بناها بيتًا 59، وإذا انقضى الأجل كان صاحب الدار بالخيار بين أن يعطيه قيمة ذلك منقوضًا أو يأمره بقلعه.
واختلف إذا بنى بإذنه، فقال ابن القاسم: له أن يعطيه قيمته منقوضًا كالأول.
وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" عن مالك: ليس له أن يأخذه إلا بقيمته قائمًا 60، ولم يذكر الحكم إذا أَبَى.
وقال محمد بن مسلمة: إذا أَذِنَ للمكتري أن يبني بعشرين دينارًا ففعل ثم انقضت 61 الوجيبة وقال للمكتري: لا حاجة لي بالبناء واخرج، قال: إن أحبَّ المكتري أن يقيم في المنزل حتى يعطيه عمارته بالكراء.
الجزء: 11 - الصفحة: 5037
باب في إجارة الحمَّامات وغيرها من العقار
إجارة الحمَّام للرجال جائزة إذا كانوا يدخلونه مستترين، وإجارته للنساء على ثلاثة أوجه: جائزة إذا كانت عادتهن ستر جميع الجسد، وغير جائزة إذا كانت العادة ترك الستر جملةً، واختلف إذا كانت العادة الدخول بالمئازر، فقيل لسحنون 62 في جامع "المستخرجة" في المرأة تدخل الحمَّام ما حد ما تستتر؟ قال: تدخل في ثوب يستر جميع جسدها.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: اختلف في 63 دخول النساء الحمام في هذا الوقت، فقيل 64: يمنعن، إلا لعلة من مرض لا يصلحه إلا الحمام 65، أو حاجة إلى الغسل 66 من حيض أو نفاس أو شدة برد 67. وقيل: إنما يمنعن لما لم تكن لهن حمامات بانفرادهن.
وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": يحرم دخول المرأة الحمام وإن كانت مريضة أو نفساء، إلا ألا يكون معها فيه 68 أحد.
فأجيز في القول الأول أن تنظر المرأة من المرأة ما فوق المئزر ولم يره عورة.
ومنعه في القول الآخر ورأى أن جميع جسد المرأة مع المرأة عورة ولا يجوز أن ينظر فيه بعضهن
الجزء: 11 - الصفحة: 5038
إلى بعض، وهو أشبه 69؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَدْخُلِ الحُمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحمَّامَ" 70. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، فأجازه للرجال إذا كانوا بمآزر، ومنعه للنساء جملة من غير تفصيل، وهو حديث حسن السند أخرجه الترمذي في مسنده.
وفي هذا الحديث دليل على نبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يكن لهم يومئذ حمامات، وإنما أعلمه الله -عز وجل- أنها ستكون لأمته فكانت، وأقام لهم الشرع فيها بما يجوز وما لا يجوز.
ويعتبر مثل ذلك في إجارة الدور والحوانيت وغيرها، فلا تؤاجر الديار ممن يعلم أنه يأوي إليها بما لا يحل من شرب خمر أو غيره، ولا الحوانيت ممن يبيع فيها الغصوبات 71؛ لأنها معونة على ما لا يحل ويأخذ الأجرة مما لا يحل لفساد ذمته، ولا ممن يبيع فيها السيوف والرماح وغير ذلك من آلات الحرب؛ لأن المعهود اليوم ممن يشتريها أنه يريدها لإيذاء المسلمين أو لحربهم، ويتصدق بالكراء إذا لم يعلم بذلك حتى انقضت المدة، كالذي يكري حانوته ممن يبيع فيها الخمر، إلا أن يكون ذلك مما يراد به الغزو 72 وقتال من على غير الإسلام 73.
وكذلك الفنادق لا يؤاجر منها شيء لمن يأوي إليها الفساد، أو لمن يبيع
الجزء: 11 - الصفحة: 5039
فيها ما لا يحل.
وإذا أكرى حانوته من يهودي أو نصراني وهو يعلم أنه يعمل بالربا، لم يعرض له؛ لأن ذلك من دينهم إذا كانوا يعملون بذلك مع أهل دينهم، وإن كانوا يعملون بذلك مع المسلمين، لم يؤاجر منهم، ولا يؤاجر ممن يعلم أنه يبيع الخمر فيه؛ لأنهم لم يعطوا العهد على أن يعلنوها 74، ولا داره ممن يتخذها كنيسة.
75
واختلف في ذلك إذا نزل على ثلاثة أقوال، فقيل: يفسخ ذلك مع القيام وتؤخذ الأجرة في الفوت ويتصدق بها، قال في كتاب الجعل: يفعل بها إذا قبض أو لم يقبض مثل ما وصفنا لك في ثمن الخمر.
وقال أيضًا: يتصدق بالأجرة أدبًا لهذا المسلم 76، ولم ينزله منزلة الخمر 77.
وقال في "المستخرجة": إذا أجر حانوته ممن يبيع فيه الخمر، فأرى أن يفسخ الكراء إذا لم يفت، فإن فات تم ولم أفسخه.
وإن أكرى دابته ممن يمضي 78 بها إلى الكنيسة، فإنه يمضي ولا يرد 79. وقد اختلف قول مالك في كراء الدابة، فأمضى إجارة الحانوت مع الفوت ولم يره بمنزلة من باع من الذمي خمرًا؛ لأن هذا باع منافع يجوز ملكها وبيعها بما يجوز قبضه وهي الدنانير والدراهم والمكتري يصرف تلك المنافع في ذلك الوجه، وهذا الوجه 80 يرجع إلى قوله أنه
الجزء: 11 - الصفحة: 5040
يتصدق به أدبًا له؛ لأنه يؤدبه مرة في ماله إذا رأى ذلك، أو في بدنه دون المال، وأمضى الإجارة إلى الكنيسة؛ لأنهم أعطوا العهد على إظهار ذلك.
وأما إجارة الدار ممن يتخذها كنيسة، فإن كانوا قد أعطوا العهد على 81 ذلك وأباح لهم الإمام عملها، كان أخذ الإجارة على ذلك أخف.
وإن لم يعطوا ذلك وكانوا متعدين في عملها كان أشد ويتصدق بالإجارة على أحد القولين.
وإن أجّر داره من ذمي على أن 82 يبيع فيها زيتًا أو خلاًّ فجعل يبيع فيها الخمر فلم ينكر عليه ذلك رب الدار، كان له أخذ الأجرة؛ لأن المضرة فيما اكتريت له وفي الخمر سواء، وإذا لم يكن لرب الدار مقال من ناحية المضرة، كان المنع من وجه النهي عن المنكر، وكان رب الدار وغيره في ذلك سواءة غير أنه يؤخذ من الساكن فضل ما بين 83 الكراءين فيتصدق به؛ لأن الكراء لمكان ذكر 84 الخمر أكثر، ولا مقال فيه لرب الدار؛ لأنه لم يضر به.
ولو كان الكراء ليسكن فجعل يبيع الخمر، فإن لم يعلم بذلك المكري، قوم كراء تلك الدار ثلاث قيم، يقال بكم تكرى لتسكن؟ فإن قيل: بعشرة دنانير، قيل: بكم تكرى ليباع فيها ما يكون مضرًّا بها 85 كمضرة الخمر مثل الزيت والخل؟ فإن قيل: باثني عشرة كان للمكري المسمى وديناران، وهو فضل ما بين الكراءين، ثم يقال: بكم تكرى على أن يباع فيها الخمر؟ فإن قيل: أربعة عشر دينارًا، كان على المكري ما زاد على الاثني عشر فيتصدق به، وإن كان المكري عالمًا فتركه
الجزء: 11 - الصفحة: 5041
ولم ينكر عليه، تصدق بجميع ذلك، هذا قول ابن حبيب؛ لأنه إذا أكراه للسكنى كان من حقه أن يمنعه من بيع الخمر للفساد الذي يدخل عليه من تلويث الدار والجدر، وإذا تركه ولم يمنعه كان قد فسخ الأول في الثاني لأنهما جنسان.
وعلى قوله في "العتبية" يترك له ولا يتصدق به عليه 86، بل هو في هذا أخف؛ لأن هذا أكرى 87 كراء صحيحًا فأدخل عليه المكتري 88 عيبًا فترك مقاله في العيب.
قال ابن حبيب: ولو أكراها ممن يبيع فيها الخمر فصرف ذلك إلى السكنى، كان الكراء سائغا للمكري 89.
يريد: لأن الأول كان غير منعقد بانتقالهما إلى الآخر كابتداء عقد، إلا أن تكون قيمة الثاني أقل، ويقول المكتري: لم أرض فيه المسمى، فيحط عنه ما بين الكراءين؛ لأن الزائد كان ثمن ما لا يحل.
وإن تعدى رجل على دار رجل أو حانوته فباع فيها خمرًا، فإن كان المعتدي نصرانيًّا أخذ منه كراءها.
واختلف إذا كان مسلمًا، فلم ير ابن القاسم له شيئًا؛ لأنه مستغرق الذمة يبيع الخمر.
وقال ابن حبيب: له الكراء، إلا ألا يكون له كسب إلا من ثمن الخمر.
والأول أحسن، ولا شك أن من هذا شأنه تستغرق ذمته.
الجزء: 11 - الصفحة: 5042
باب القول فيمن اكترى من رجل نصف عبده أو دابته أو داره
90
قال: وإذا اكترى 91 رجل من رجل نصف عبده أو دابته أو داره، جاز ذلك 92، ثم هما في العبد والدابة بالخيار 93 بين أن يقتسما المنافع يومًا بيوم أو يومين بيومين، فيستعمله المستأجر في الأيام التي يصير إليه، يستخدم العبد ويركب الدابة، وإن شاء أجره من غيره، وإن شاء أن يؤاجر ذلك من أجنبي ويقتسمان الأجرة، وإن لم يكن العبد من عبيد الخدمة وكانت له صنعة لا يمكن الآن تبعيضها 94، ترك لصنعته واقتسما خراجه.
وأما الدار، فإن كانت تنقسم قسمت منافعها وسكن المكتري فيما يصير إليه أو أكراه، وإن كانت لا تحمل القسم أكريت وقسم كراؤها، إلا أن يحب أحدهما أن يأخذها بما يقف عليه كراؤها.
وإن كان العبد أو الدابة أو الدار شركة فأكرى أحدهما نصيبه بإذن شريكه 95، جاز وعاد الجواب في قسمة منافعها إلى ما تقدم إذا كان جميعها
الجزء: 11 - الصفحة: 5043
لواحد منهما، فإن أكرى ذلك بغير إذن شريكه فلم يجز ودعا إلى البيع، كان ذلك له في العبد والدابة والدار إذا كانت لا تنقسم، وإن لم يدع إلى البيع ورضي ببقاء الشركة، لم يكن له رد الكراء، فإن كانت الدار تنقسم ودعا الشريك إلى قسمة المنافع، كان ذلك له 96 وقسمت بالقرعة، فما صار للمكري أخذه المكتري.
وإن أراد المكري أن يقسم بالمراضاة، كان للمكتري منعه من ذلك، وإن دعا الشريك إلى قسم الرقاب، كان ذلك له.
ومن حق المكتري أن يقسم بالقرعة، فما صار للمكري كان حق المكتري فيه 97، فإن اعتدلت قسمة المنافع مع قسم الرقاب، كان ذلك للمكتري 98، وإن كان ذلك صار للمكري أقل من النصف بما لا ضرر على المكتري فيه، حط من الكراء بقدره، فإن صار له أكثر وأمكن أن يصير 99 ذلك القدر الزائد مسكنًا 100، فعل وانتفع به المكري 101، وإن كان لا يتميز ولا يصير فيه مسكن بانفراده، بقي للمكتري ولا شيء عليه فيه؛ لأنه يقول: كنت في مندوحة عنه ولا حاجة لي فيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5044
فصل [في كراء نصف معين]
وإن أكرى منه نصفًا معينِّا، كان الشريك بالخيار بين أن يجيز ويكون له النصف الآخر، أو يقاسمه المنافع، فإن صار النصيب المكرَى 102 للمكتري أخذه، وإن صار للآخر، كان بالخيار بين أن يجيز ويكون له الكراء أو يرد.
وإن صار بينهما وأجاز الشريك الذي لم يكن له الكراء في نصيبه، لزم ذلك المكتري.
وإن رد الكراء في نصيبه، كان المكتري بالخيار في قبول نصيب الذي أكرى أو رده.
وإن قال الشريك الذي لم يكر: أنا أقاسمه الرقاب، كان له ذلك، ثم ينظر حيث يقع نصيب المكري حسب ما تقدم، فإن صار في نصيب المكري مضى عقده فيه، وإن صار للآخر كان فيه بالخيار.
وإن لم يدع الشريك إلى قسمة الرقاب وقال: أنا آخذ بالشفعة، لم يكن ذلك له؛ لأن الكراء وقع على نصيب معين، فإذا أجاز ذلك كانت مقاسمة ولا شفعة فيما قسم.
واختلف إذا كان الكراء في نصيب 103 شائع، فقال مالك مرة: لا شفعة فيه.
وقال مرة: فيه الشفعة.
وهذا إذا كانت الدار تحمل القسمة وأراد، الشريك أن يأخذ بالشفعة ليسكن، وإن أراد ذلك ليكريه، لم يكن له ذلك، وهو بمنزلة من يأخذ بالشفعة ليبيع.
وكذلك الحانوت يكون بين الشريكين فيكري أحدهما نصيبه شائعًا، فلا شفعة فيه للآخر إذا كان لا يحمل القسم، أو كان يأخذ بالشفعة ليكري.
وإن كان يحمل القسمة وأراد أن يأخذ بالشفعة ليجلس فيه للبيع، جاز، فإن كان يكريه ممن يجلس معه لم يكن ذلك له.
الجزء: 11 - الصفحة: 5045
باب فيمن أكرى دارًا بثوب فهلك قبل أن يقبضه أو وجد به عيبًا
وقال ابن القاسم فيمن كرى داره بثوب بعينه على صفة فضاع قبل قبضه وبعد ما سكن المكتري أو استحق: إن المكري يرجع بقيمة السكنى 104. وساوى بين استحقاقه ودعواه الضياع، وعلى قول محمد يكون المكري بالخيار 105 إذا ادعى ضياعه بين أن يفسخ الكراء ويرجع بقيمة ما سكن، أو يلزمه قيمته ويتمادى المكتري.
على سكن بقية السنة، وإن قامت بينة على ضياعه أو كان المكري صدقه على ضياعه 106، كان الجواب فيه كالمحبوس بالثمن، وإن لم يصدقه على ضياعه 107 ولا شهدت بذلك بينة، كانت مصيبته من بائعه وهو المكتري.
وإن قبضه المكري ثم وجد به عيبًا بعد أن سكن المكتري ستة أشهر، كان بالخيار بين أن يتمسك ولا شيء له، أو يرده ويرجع بقيمة السكن عن الماضي 108 وينفسخ الباقي.
وإن حدث عنده عيب واختار التمسك وكانت قيمة العيب العشر، كان لصاحب الدار أن يرجع على الساكن بقيمة عشر الماضي، ويرجع في عين عشر المستقبل إذا كان السكنى ينقسم على تلك الأجزاء، وإلا رجع به قيمة.
وهذا قول ابن القاسم 109. وقال مرة: يرجع بذلك الجزء شريكًا، وهو قول أشهب.
الجزء: 11 - الصفحة: 5046
يريد: وينقلب الخيار للمكتري بين أن يرضى بالشركة أو يرد، ولم يمنع أشهب إذا رجع معه شريكًا أن يكون بالخيار، فإن أحب صاحب الدار أن يرد الثوب 110 رده وحده 111 وحوسب بما نقصه العيب الحادث عنده، فإن كانت قيمة العشر من الأصل 112، رجع في قيمة تسعة أعشار ما سكن ويبقى عشر عن العيب ورجع في تسعة أعشار المنافع في المستقبل ويبقى عشر عن العيب 113، فإن كان ينقسم ورضي المكتري أن يتمسك به، كان ذلك له وله أن يرده؛ لأنه اشترى الجميع 114 ويرجع بما ينوبه من العيب وهو نصف قيمة العيب إذا كانت الشهور متساوية، وإن كان لا ينقسم رده ورجع بنصف قيمة العيب.
الجزء: 11 - الصفحة: 5047
باب في كراء الدار مشاهره أو مساناة
قال الشيخ -رحمه الله- 115: يجوز العقد في الرباع على ثلاثة أوجه، مدة معينة، فيقول: أكريك هذا الشهر أو هذه السنة؛ فهذا عقد جائز لازم للفريقين وليس لواحد منهما رجوع عنه.
والثاني: أن يذكر المدة ولا يعينها، فيقول: أكريك شهرًا أو سنة، فهو جائز أيضًا لازم لهما ويحملان في الابتداء بالسكن على الفور، وهو قول مالك 116 وابن القاسم 117؛ لأن هذا هو القصد بالابتداء، وإن لم يقع سكنى عقيب العقد وتراخيا عن ذلك المدة اليسيرة، كان له أن يسكن جملة المدة التي سمَّيَا 118 ولم يحط من تلك المدة 119 بقدر ما مضى من بعد العقد إلى حين قيامه، وهو في هذا الوجه بخلاف من عين المدة.
والثالث: أن يعقدا عقدًا لا يتضمن غاية ولا يفهم منتهاه، فيقول: أكريك كل شهر أوكل سنة بدينار، أو في كل شهر أو في كل سنة أو الشهر أو السنة بكذا وكذا ويذكر الابتداء، ويقول: أبتدئ بالسكنى من هذا الشهر أو لا يذكره، فاختلف عن مالك في ذلك، فروى ابن القاسم عنه أن العقد غير لازم لما كان لا غاية له ويكون المكري بالخيار، فإن أحب منعه من السكنى جملة، وإن أمكنه من السكنى كان له أن يخرجه متى أحب وللمكتري أن يمتنع من
الجزء: 11 - الصفحة: 5048
السكنى، وإن سكن كان له أن يخرج بقرب ذلك إن شاء.
وروى عنه 120 مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" أنه يلزمهما أقل ما تقتضيه تلك التسمية فإن قال: كل شهر لزمه شهر واحد، وإن قال: كل سنة لزمه سنة واحدة 121، وهو أحسن؛ لأنهما أوجبا بينهما عقدًا ولم يجعلا فيه خيارًا فوجب أن يحملا على أقل ما تقتضيه تلك التسمية.
وان عقدا على أن ينقده كذا وكذا، لزمهما من العقد بقدر ما نقد قولًا واحدًا.
وإن قال: أكريك كل شهر بكذا 122 ونقد كراء شهرين، لزمه شهران.
وإن نقد كراء نصف شهر لم يلزمه على قول ابن القاسم سوى ما نقد، وعلى رواية مطرف وابن الماجشون يلزمه تمام الشهر 123.
وإن قال: أكريك كل سنة ونقد كراء سنتين لزمتا، وإن نقد كراء نصف سنة جرى على الخلاف المتقدم، ومثله إذا لم يشترطا نقدًا ثم تطوع به بعد العقد، فإنه يلزمه قدر ما نقد ما لم يكن ذلك النقد 124 دون ما يوجبه العقد على قول مطرف، وقد يلزم المكتري الصبر إلى مدة وإن لم يسمياها في العقد للعادة في ذلك، كالذي يكتري المطمر 125 يمطمر فيه قمحًا أو شعيرًا أو ما أشبه ذلك
الجزء: 11 - الصفحة: 5049
كل شهر أو كل سنة بكذا وكذا، فليس للمكري (1) أن يخرجه، ولا يجبر الآخر على إخراج ذلك إلا أن تتغير الأسواق إلى ما العادة أن يباع في مثله، فإن لم يبع كان للآخر أن يخرجه، وهذه كانت العادة عندنا في كراء المطامر.
وإن أراد المكتري إخراج ذلك قبل غلائه، لم يكن للآخر منعه؛ لأن البقاء من حق المكتري، ويعفى عما يكون في ذلك من غرر في المدة؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه.
وينظر إلى العادة فى خزن الزيت فيحملان عليها.
وكذلك العادة اليوم فيمن يكري (2) المخزن للطعام في الصيف فيعلم المكتري أن قصده أن يشتي (3) عليه، فليس للآخر أن يخرجه قبل ذلك.
فصل [في كراء البيت شهرًا بعشرة درهم]
وقال ابن القاسم فيمن أكرى 129 بيتًا شهرًا بعشرة دراهم على أن له أن يسكن يومًا واحدًا 130 فكراء الشهر لازم وله أن يكريه ممن أحبَّ: فذلك جائز.
وإن كان على أنه لا يكريه، لم يكن فيه خير والكراء له لازم 131.
يريد: والشرط باطل.
وإن كان على أنه إن خرج رجع البيع إلى صاحبه ولم يحط عنه من الكراء شيء، كان كراء فاسدًا وعليه قيمة ما سكن ويفسخ متى أدركه وإن لم يتم الشهر، وليس للمدة التي يعقد كراء الديار إليها أمد126127128
الجزء: 11 - الصفحة: 5050
يقتصر عليه، وذلك راجع إلى صفة المكرى والأمن عليه فليس الجديد كالقديم، فإن أكراه إلى مدة الغالب بقاء تلك الدار إليها وسلامتها فيه، جاز العقد والنقد، وإن كانت تلك المدة يتخوف ألا تبلغه، جاز العقد دون النقد.
الجزء: 11 - الصفحة: 5051
باب فيمن اكترى دارًا (1) شهورًا فسكن للأهلة أو لغير الأهلة أو اكتراها سنين فمنعه المكري بعضها أو سكن معه طائفة منها وغير ذلك
ومن اكترى دارًا شهرًا فابتدأه بالهلال، فإن كان تسعة وعشرين يومًا، لم يكن له سوى ذلك، وإن ابتدأ السكنى لغير الهلال فكان الشهر الذي ابتدأ فيه تسعة وعشرين يومًا، أتم من الثاني تمام ثلاثين يومًا، وهذا قول مالك 133، فألزمه أتم الشهور، وإن كانت شهور 134 السنة في التمام 135 والنقصان سواءة ستة أشهر تامة، وستة أشهر ناقصة، فلم يكن أحدهما أولى بالنقصان من الآخر.
وقد قال محمد بن عبد الحكم فيمن قال: لله عليَّ صوم شهر، أنه يجزئه من ذلك تسعة وعشرين 136 يومًا، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الصيام، وقول عبد الملك بن الماجشون فيه 137، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرًا فاكتفى من ذلك بتسعة وعشرين يومًا، فقيل له في ذلك، فقال: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشرُونَ يَوْمًا" 138. واستحسن إن تشاحا أن يسكن تسعة وعشرين يومًا ويزيد ليلة إن كان ابتدأ السكنى بالليل، وإن ابتدأ بالنهار زاد يومًا دون ليلة فيكون ذلك132
الجزء: 11 - الصفحة: 5052
عدلًا بينهما، ولو كان سكناه بعدما مضى من ذلك الشهر الشيء اليسير كاليوم واليومين ثم كان ناقصًا، رأيت أن يكون له عدد ما مضى منه خاصة؛ لأنه في معنى من ابتدأه من أوله.
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا ثلاث سنين فمنعه الكري سنة منها: إنه يسقط عنه كراء تلك السنة 139، إذا كان الكراء لا يتغابن فيه، فإن كان فيه غبن على المكتري، كان للمكري 140 أن يأخذ منه ذلك الزائد، وهذا إذا أسكنها الكري، ولو أكراها 141 كان المكتري مخيرًا بين أن يفسخ عن نفسه كراء تلك السنة أو يأخذ قيمة كرائها إن كانت القيمة أكثر من المسمى، أو يأخذ ما أكراها به ويحاسبه من ذلك بالمسمى الذي كان أكرى به.
وإن أمكن صاحب الدار المكتري من السكنى وأخلى الدار له وكان الامتناع من المكتري، كان عليه كراء 142 تلك السنين كلها إن أبقاها صاحبها خالية تلك السنين.
وإن أكراها بأقل من المسمى، حلف أنه لم يفعل ذلك رضّا بالإقالة وأن ذلك نظر له ليكون أخف فيما يغرمه.
وإن أكراها بأكثر وقال: أكريتها لنفسي، كان له ذلك الزائد.
وإن قال للمكتري: سلم ذلك الزائد وإن أشهد عندما أمكنه منها ولم يسكنها أن ترك خصومته ليس رضًا بالإقالة، كان ذلك له قولًا واحدًا.
وقال ابن القاسم: إذا سكن صاحب الدار طائفة منها، فقال المكتري: أنا
الجزء: 11 - الصفحة: 5053
أعطيك حصة ما سكنت، إن ذلك له 143 وإن كان سكناه لأنه لم يمكنه من ذلك المسكن، كان بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه ما ينوبه من ذلك المسكن، أو يأخذه بقيمة ذلك المسكن إن كانت قيمته أكثر من المسمى.
وإن كان قصد الإقالة فيه، سقط ما ينوبه من الثمن.
وإن قال المكتري: ما تركته إلا لأطلبه بقيمة كرائه، حلف على ذلك وكان 144 له فضل كرائه على المسمى.
الجزء: 11 - الصفحة: 5054
باب فيمن اكترى دارًا فأوقد فيها نارًا فاحترقت أو هدمها أو أكراها من غيره فهدمها
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارِّا وشرط عليه ألا يوقد فيها نارِّا فأوقد نارًا 145 لخبزه أو لطبخه فاحترقت: فهو ضامن 146. وإن لم يشترط ذلك واتخذ تنورًا فاحترقت الدار ودور 147 الجيران، قال 148: إن فعل من ذلك ما يجوز أن يفعله، فلا ضمان عليه.
يريد: إن كانت العادة نصب التنور في مثل تلك الدار وأوقد على وجه المعتاد، لم يضمن.
وإن كان لا ينصب فيها مثل ذلك، أو زاد في الوقيد؛ ضمن.
وإن لم يعلم هل زاد على المعتاد، أم لا؟ كان فيها قولان؛ أحدهما 149: أنه لا ضمان عليه، ومحمله على أنه فعل ذلك على الوجه الجائز حتى يثبت غيره؛ لأنه لا يتهم أن يتعمد إلى إحراق بيته.
والثاني: أنه ضامن حتى يثبت أنه فعل ذلك 150 على الوجه الجائز وأنه لم يفرط؛ لأنه الغالب أن ذلك لا يكون إلا عن زيادة في الوقيد وعن إهمال في التحفظ، قياسًا على الصانع والمرتهن يحترق بيته، وقد اختلف فيهما.
الجزء: 11 - الصفحة: 5055
وإن اشترط عليه ألا يوقد نارًا فأوقدها فاحترقت الدار (1) وغيرها، ضمن الدار المكتراة خاصة إذا كان الوقيد على صفة لو أذن صاحب الدار المكتراة فيه لم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن التعدي عليه هو من حقه، وإن كان على صفة يكون لجاره منعه، ضمن جميع ما احترق.
فصل [فيمن اكترى دارًا ثم أكراها لثانٍ فهدمها]
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا ثم أكراها فهدمها الثاني: فضمان ذلك على مكتريها الثاني دون الأول 152. ولم يذكر صفة الضمان ولا الحكم في الكراء.
وكذلك إذا اكترى 153 دارًا فهدمها ولم يكرها، فيختلف في صفة الضمان وسقوط الكراء.
وإن هدمها المكتري، كان صاحب الدار بالخيار بين أن يضمنه قيمتها على أنه لا كراء فيها ويفسخ الكراء، أو يغرمه قيمتها على أنها مستثناة المنافع سنة إذا كان الكراء سنة ويكون له الكراء.
وإن هدمها صاحبها، كان المكتري بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه الكراء 154، أو يأخذ فضل قيمة الكراء إن كان أكثر من المسمى.
وإن هدمها أجنبي؛ سقط مقال المكتري في ذلك الكراء؛ لأن المنافع في ضمان بائعها -وهو 155 المكري- حتى يقبضها المكتري، ويكون صاحب الدار بالخيار بين أن151
الجزء: 11 - الصفحة: 5056
يغرم الهادم قيمتها على ألا كراء فيها، أو يغرمه قيمتها مستثناة المنافع سنة ويأخذه بالمسمى الذي أكرى به؛ لأنه دين كان له على المكتري أبطله بهدمه لتلك الدار 156.
فأما إن أكراها المكتري ثم هدمت، فإنه لا يخلو هدمها من أربعة أوجه: إما أن يكون ذلك من صاحبها، أو من المكتري الأول، أو الثاني، أو أجنبي.
فإن هدمها صاحبها بدئ بالمكتري الآخر، فإن رضي بفسخ الكراء عن نفسه 157، كان المقال بين المكتري الأول 158 وصاحب الدار، وهو بالخيار في ثلاثة أوجه: بين أن يفسخ عن نفسه الكراء، أو يأخذ منه فضل قيمة الكراء على المسمى إن كانت القيمة أكثر، أو يأخذ منه فضل ما أكرى به من الآخر على المسمى إن كان هو أكثرهما؛ لأنه أبطله عليهم بهدم الدار.
وإن هدمها المكتري الأول، كان ربها بالخيار، إن شاء أغرمه قيمتها الآن على أنه لا كراء فيها وينفسخ الكراء، وإن شاء أغرمه قيمتها على أنها لا تقبض وعلى أنها تقبض إلى سنة ويأخذ منه الكراء، ثم يعود المقال بين المكتريين فيكون للمكتري الآخر أن يرجع على من أكرى منه بفضل قيمة الكراء إن كانت القيمة أكثر من المسمى، أو يفسخ عن نفسه الكراء إن كان المسمى أكثر.
وإن هدمها المكتري الآخر، كان لربها أن يغرمه قيمتها بتلًا على ألا كراء فيها، وإن شاء قيمتها على أنها تقبض إلى سنة ويغرمه مع ذلك ما اكترى به من المكتري الأول؛ لأنه دين له أبطله بهدمه الدار، وللمكتري الأول أن يرجع على
الجزء: 11 - الصفحة: 5057
الثاني بقيمة 159 فضل الكراء إن كان فيه فضل.
وإن هدمها أجنبي، كان المقال بين صاحب الدار والهادم، وهو بالخيار بين أن يغرمه قيمتها بتلًا، أو على أنها لا تقبض إلا إلى سنة ويأخذ منه ما كان أكريت به حسبما تقدم وينفسخ الكراء ولا مقال لواحد من المكترين على صاحبه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5058
باب فيمن اكترى دارًا ولم يسم عياله ولا ما يعمل فيها
قال 160: ويستحب لمن اكترى دارًا أن يسمي عياله وما يعمل فيها؛ لأنه أسلم للغرر، فإن لم يفعل جاز.
وله أن يسكن بما أحب من العيال ما لم يتفاحش ذلك ويرى أن ذلك يؤدي إلى تغير الدار وتلويثها فيمنع من ذلك، فإن قدر على أن يحط من ذلك ما يضر، وإلا أكراها ولم يفسخ الكراء.
وإن ذكر عدد عياله ثم أحب أن يتزيد من الملك أو ممن يسكن معه، لم يمنع ما لم يأت ضررا.
ويختلف إذا اشترط عليه صاحب الدار ألا يسكن معه آخر فتزوج أو اشترى رقيقًا، فقال ابن القاسم: ذلك له، إلا أن يكون في ذلك ضرر فيمنع 161.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن اشترط شرطًا ليس بفاسد ولا ينتفع به مشترطه هل يوفي به؟ والقياس في هذه المسألة أن يوفي له بشرطه؛ لأن الشرط ها هنا حماية لما يخاف أن يدخل من الضرر، فأشبه من استأجر أجيرًا ليرعى له مائة شاة وشرط عليه ألا يرعى معها غيرها، وهو لو رعى معها خمسين لم يكن في ذلك ضرر بالمائة، فقال ابن القاسم: يوفي له بشرطه 162. فألزم الشرط وإن كان لا يضر؛ لأن لصاحب الغنم أن يزيد على نفسه في الإجارة ويفعل ذلك حماية لئلا تؤدي الزيادة إلى مضرته.
الجزء: 11 - الصفحة: 5059
وكذلك رب الدار يحط من الأجرة لمكان الشرط حماية لئلا تؤدي الزيادة إلى مضره، وهو أحسن لوجهين؛ أحدهما: أن معلومِّا أن المسكن الذي يسكنه الواحد أنظف وأسلم منه إذا سكنه أكثر من ذلك، مثل: الزوجة، والولد، والعيال.
والوجه (1) الثاني: أن الشرط في هذا ليس لغير معنى، وأن القصد حماية كما تقدم، لئلا يؤدي ذلك إلى الضرر، فإن فعل قوم كراءها على ألا يسكن معه أحد، وعلى من أسكن معه فيكون له المسمى وفضل ما بين الكراءين.
فصل [فيما يجوز للمكري عمله في الدار التي اكتراها]
وأما ما يعمله فيها، فقال ابن القاسم: له أن يعمل فيها ما شاء من الأمتعة والدواب والأرحية والحدادين والقصارين ما لم يكن ضررا 164، وهذا إذا عمل واحد منهم رحاء 165 وجعل يعمل فيها القصار والماشية والنفر عند أهل الرباع ضرر ولا شك فيه، إلا أن تكون من ديار البادية فلا يمنع من الماشية.
وأما الدابة الواحدة للركوب، فإن كان 166 المكري يعلم أنه ممن يركب، وكانت العادة أن دابة الراكب تكون في داره لم يمنع، وإن لم يعلم أنه ممن يركب أو علم ذلك وكانت العادة أن الدابة تكون خارجة عن مسكنه؛ لأن الدابة تلوث الموضع 167 الذي تكون فيه، مُنِع.163
الجزء: 11 - الصفحة: 5060
وكذلك إذا أراد أن يعمل فيها ظروفًا للخل، أو اللبن، أو للدباغ، فإنه يمنع من ذلك.
وكذلك لو أراد أن يجلس فيها ليبيع الزيت أو ما أشبه ذلك، فإنه يمنع من ذلك، إلا أن يكون ذلك الشأن فيما يعمل في ذلك الحانوت أو في ذلك السوق فلا يمنع 168.
الجزء: 11 - الصفحة: 5061
باب فيمن سكن بزوجته في مسكن تملكه أو اكترته (1) أو عند أصهاره أو أبويه
وقال ابن القاسم فيمن بنى بزوجته في دارها ثم طلبته بالكراء عن 170 سكناه: لا شيء لها 171. يريد: لأن العادة أن ذلك على وجه المكارمة.
واختلف إذا كانت فيه بكراء وهو وجيبة، فقال ابن القاسم: لا شيء لها وهو بمنزلة منزلها.
وقال غيره: ذلك لها وعليه الأقل مما اكترت به أو كراء مثل ذلك المسكن 172.
والأول أبين إذا كانت نقدت، فإن لم تكن نقدت، كان الأمر مشكلًا هل أسكنته ليكون هو الذي يدفع أو هي؟، وأرى أن تحلف أنها لم تسكنه إلا ليدفع هو ذلك الكراء، ثم يكون عليه الأقل من ثلاثة أوجه: من 173 المسمى، أو كراء المثل في ذلك المسكن، أو كراء المثل فيما كان يحكم به عليه أن يسكنها إياه إذا كان ذلك المسكن فوق ما يحكم به عليه، إلا أن تكون قد أدت الكراء في تلك الشهور ثم كلمته بعد ذلك فيضعف كلامها عند 174 قيامها، وإن كان قيامها 175 عند شر حدث، كان ذلك أبين ألا شيء لها.169
الجزء: 11 - الصفحة: 5062
وإن كان الكراء مشاهرة ولم تنقد، كان القول قولها.
وكل هذا إذا كانت العصمة باقية، فإن طلقها زال موضع المكارمة وكان لها أن تطلبه بكراء العدة، وسواء كانت في منزل تملكه أو بكراء وجيبة أو مشاهرة، نقدت أو لم تنقد، إلا أن له مقالًا إذا كانت في مسكن فيه فضل عما كان يحكم به عليه؛ لأنه يقول: إنما أغرم عما كان يلزمني أن أسكنها فيه ولو كنت ألزم بالكراء لم أسكن في هذا المسكن.
وإن كان يسكن بها في مسكن لأبيها أو لأمها، كان كمسكنها لا شىء لها عن مدة كانت في العصمة؛ لأن العادة جارية أن ذلك على وجه المكارمة ولا يطلب أحد ذلك إلا عند ما يكون من الاختلاف والمقابحة.
فأما الأخ والعم فالأمر فيهما مشكل، فيحلف ويستحق، إلا أن تطول المدة والسنون وهو لا يتكلم على ذلك فلا شيء له.
ومثله إذا سكن بزوجته عند أبويه ثم طلبا الكراء، فلا شيء لهما وذلك لأخيه وعمه، إلا أن يقوم دليل أن ذلك على وجه المكارمة.
الجزء: 11 - الصفحة: 5063
باب فيمن أكرى دارًا (1) ثم مات أو مات المكتري أو تبين أنه ممن يشرب الخمر أو يأوي إلى الدار بفساد
ومن أكرى داره ثم مات أو مات المكتري، لم ينفسخ الكراء بموت واحد منهما، وإنما يفترق الجواب في تعجيل الكراء، فإن مات المكري لم يعجل، وإن مات المكتري تعجل وإن لم ينقض السكنى؛ لأنه دين ثابت، ولا يصح أن يرثه ورثته قبل قضاء ما عليه من الدين، لقول الله سبحانه في الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
وقد نزلت هذه المسألة في رجل اكترى حمامًا سنة ثم مات قبل انقضائها فتنوزع فيها هل يعجل، أو لا يعجل الدين لأن العوض وهو السكنى لم يقبض؟ والظاهر من قول مالك وابن القاسم أن يعجل؛ لأنه قال فيمن أكرى أرضه من رجل فزرعها ثم مات أو أفلس: إن المكري يحاص 177 الغرماء 178. فجعل له قبض الثمن قبل استيفاء المنافع.
وقال فيمن أكرى إبله إلى مكة لتحمل بزًّا ففلس المكتري ببعض الطريق: إنه أحق بالبز يباع له وتكرى الإبل للغرماء 179. ولا يصح أن يكري منافعه التي بالنقد ويتعجل الغرماء ما يباع به، ولا يقبض هو ثمن المنافع 180، ولا أن176
الجزء: 11 - الصفحة: 5064
توقف عليه.
فإن قيل: إن الميت في تلك المسألة لم يفلس وأن الورثة يضمنون ذلك أو يأتوا بضمين إن لم يكونوا مأمونين، فقيل: ذلك أداء (1).
وقد ذهب إلى هذا أبو الحسن ابن القصار، فقال: إذا مات الغريم قبل الأجل إنما يسقط الأجل بموته؛ لأن الدين كان معلقًا بذمته فلما سقط الأصل المعلق بها انتقل الدين إلى تركته، فإن ضمنه الورثة تعلق بذمتهم، وإن لم يضمنوه قضي من تركته؛ لأن التركة لا يؤمن عليها البقاء.
قال ذلك في تضاعيف كلام وقع له في مسائل اللعان.
فصل [فيمن أكرى داره لآخر فأظهر فيها الفسق وغيره]
وقال ابن القاسم فيمن أكرى داره من رجل فظهرت منه دعارة، أو فسق، أو شرب خمر: فليس لرب الدار أن ينقض الإجارة، والسلطان يكف عنه أذاه وعن الجيران، وإن رأى أن يخرجه ويكريها عليه فعل 182.
وأرى أن يخرجه وإن لم يتيسر كراؤها من يومه وما قارب ذلك وتخلى حتى يأتي من يكتريها، فإن لم يأت مكترٍ حتى خرج الشهر الذي اكتراه، لم يسقط عنه الكراء.
وكذلك لو تبين أنه سارق يخشى على أبوابها وغير ذلك منه، لم يفسخ الكراء وأخليت عليه من يومه وأكريت متى أتاها مكترٍ.
وقال مالك 183 في "كتاب ابن حبيب" في الفاسق يكون بين أظهر القوم في181
الجزء: 11 - الصفحة: 5065
دار نفسه: إن السلطان يعاقبه على ذلك ويمنعه منه، فإن لم ينته أخرجه عنهم وبيعت عليه 184. وأرى أن يبتدئ بعقوبته لجرمه ثم يخرجه، فإن انزجر وإلا أكريت عليه، وإن لم ينته وكان يأتي لإيذاء الجيران ويقول: أنا آتي لداري أو ما أشبه ذلك بيعت عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5066
باب في الرجلين يكتريان حانوتًا ثم يختلفان في صفة الجلوس في ذلك
185
وقال ابن القاسم في قصار وحداد اكتريا حانوتًا ثم تنازعا، فقال كل واحد منهما: أنا أكون في المقدم، ولم يكن بينهما شرط: فإن حمل القسم وإلا أكري عليهما 186.
وأرى إن كان حائكًا وخياطًا والعادة كون الحائك داخلًا والخياط خارجًا، أن يحملا على ذلك ولا يؤدي ذلك إلى فساد، وإن كان فيه شبهة من جمع السلعتين؛ لأن المكري أكرى صفقة واحدة ولم يعين شيئًا لأحدهما، فهو جائز من قبله ولا شركة لأحدهما قبل الآخرة لأن كل واحد يقول: إنما عقدنا على أن لكل واحد منا موضعًا بعينه وليس لك أن تعطيني ما لم أشتره، بمنزلة ما لو اشتريا عبدًا وثوبًا صفقة واحدة 187 من رجل وعقدا بينهما أن العبد لأحدهما والثوب للآخرة فإنهما يقومانهما ويكون لكل واحد ما اشتراه.
ولو كان الحانوت 188 يحمل القسم داخله وخارجه، لقسم على ذلك.
ولو كانا بزازين اكتريا حانوتًا يحتمل القسم لجلوسهما واختلفا في الجانبين لأن أحدهما أفضل لعلاء 189 في القيمة واقترعا عليهما.
الجزء: 11 - الصفحة: 5067
باب فيما يحدث بالمكترى من قطر أو هدم
قال 190: ومن اكترى بيتًا فقطر، فإن أصلحه المكري لزم المكتري، وإن لم يصلحه لم يجبر عند ابن القاسم وكان للمكتري أن يخرج.
وقال غيره: يجبر على الإصلاح.
وأرى أن يجبر في ثلاثة مواضع: إذا كان الإصلاح يسيرًا، وإذا كان كثيرًا ويعلم أن صاحبه لا يدع إصلاحه في تلك المده، وإذا كان يعلم أنه لا يستغنى عن الإصلاح في تلك المدة التي أكرى فيها.
وإن كان على غير ذلك لم يجبر 191.
وإن انهدم شرافات الدار، لم يفسخ الكراء ولم يحط من الكراء لأجلها إلا أن يكون قد زيد في الكراء لأجلها، فإن زال الجص من داخلها وأذهب جمالها، حط من الكراء ولم يكن له أن يخرج، إلا أن يصلحه فلا يحط له شيء 192.
وإن انهدم حائط من داخلها لا منفعة فيه ولا جمال، لم يحط له شيء، وإن كان على غير ذلك حط، وإن كان الحائط مما يلي خارجها وانكشفت لأجله، فإن كانت النفقة فيه يسيرة جبر على إصلاحه، وإلا لم يجبر وكان للمكتري أن يخرج، إلا أن يتطوع المكري بإصلاحه ولا تلحق المكتري مضرة، إلا أن يصلح فلا يكون له أن يخرج.
وقال أصبغ في "كتاب محمد": إن خرج ثم أصلح، فإن تطاول ذلك في البنيان، لم يكن عليه أن يرجع.
وأما الأيام وفوق ذلك قليلًا لا كثير ضرر عليه
الجزء: 11 - الصفحة: 5068
فإن الباقي لازم له (1).
يريد: إذا لم يجر بينهما قول بعد الخروج.
وأما إن كان خروجه على وجه الفسخ وتراضيا بذلك، لم يكن هناك رجوع، وإن كان ليرجع إذا أصلح، جبر على الرجوع.
وإن انهدم بيت من داخلها ولم ينكشف من خارجها وكان البيت أقل المكترى، حط ما ينوبه، وإن كان الجل كان له أن يخرج.
وقال ابن حبيب: إن قال المكتري أنا أصلح ما انهدم من مالي، لم يكن لصاحب الدار أن يمنعه (2)؛ لأنه في منعه مضار لمنعه ما ينفعه ولا مضرة عليه، فإن انقضت الوجيبة أخذه بقيمته منقوضًا، إلا أن يكون بإذنه فيأخذه بقيمته قائمًا.
فصل [فيمن اكترى أرضًا فانهار بئرها أو غار ماؤها وأبى المالك أن يصلحها]
وقال مالك فيمن اكترى أرضًا 195 ثلاث سنين فلما زرع انهارت البئر أو تغور ماؤها 196 وأبى ربها أن يصلح: إن للمكتري أن يصلح بكراء سنة لا أكثر منه، فإن زاد فهو متطوع 197. وقال في المساقي سنين فيغور ماء البئر: إن للمساقي أن ينفق 198 بقدر193194
الجزء: 11 - الصفحة: 5069
نصيب صاحب الحائط سنة لا أكثر 199.
يريد: أن يسلف ذلك من عنده حتى يصلح الثمار للبيع.
وقال في الذي يرتهن الزرع أو النخل ولها بئر فتهور ويأبى المالك من إصلاحه: إن للمرتهن أن ينفق من ماله وتكون نفقته في الزرع وفي رقاب النخل لئلا يهلك رهنه ويبدأ من الرهن بما أنفق، وإن بقي شيء كان لربه، وإن لم يوف لم يكن له على أصله على المالك للزرع والنخل شيء 200. ولم يجبر صاحب النخل 201 والحائط على الإصلاح كما لم يجبر صاحب الدار في الكراء، وجعل للمكتري أن يصلح البئر من كراء تلك السنة ومن نصيبه في المساقاة، لئلا يهلك زرعه وعمله في الحائط.
ولا يخلو فساد البئر وغور الماء إذا أكريت الأرض من أن يكون قبل حرث الأرض، أو بعد أن قلبت ولم تزرع، أو بعد أن زرعت، أو بعد أن رفع زرعه وحدث ذلك في سنة أخرى، فإن لم يكن عمل شيئًا؛ خُيِّر صاحب الأرض بين أن يصلح أو يأذن له في الإصلاح، فإن أبى رد إلا أن يرضى أن يصلح على ألا يحط عنه من الكراء شيء.
وكذلك لو قلبت الأرض ولم تبذر فلا يجبر صاحب الأرض على أن يعمل من كراء تلك السنة؛ لأنه متى ردت الأرض كان كراؤها بينهما هذا بقيمة الكراء غير محروثة، وهذا بقيمة حرثه، فإن لم يوجد من يكتريها عاد الجواب إلى ما تقدم وزرعت 202 لئلا تهلك خدمته فيها.
وأما إن أنفق فكانت النفقة أكثر من سنة 203، فإن كانت الزيادة مما لا يقدر
الجزء: 11 - الصفحة: 5070
على أخذه في مثل استغزار الماء، أو بناء والأحجار لرب البئر، فلا شىء له وإن أتى بما أتم به من الأنقاض 204 من عنده، كان له أن يأخذ تلك الأنقاض، إلا أن يشاء صاحب البئر أن يعطيه 205 قيمتها منقوضة.
وكذلك المساقاة إذا فضل له شيء بعد بيع 206 نصيب صاحب الحائط من الثمرة، فالجواب على ما تقدم.
وعلى قول غيره في الديار: إن صاحبها يجبر على إصلاحها، يجبر هذا على إصلاح البئر وكنسها.
وأرى أن يجبر إذا كانت نفقة الإصلاح يسيرة أو كثيرة وكان متى عادت إليه بادر إلى إصلاحها، أو كان يعلم أنها تحتاج إلى مثل هذا الإصلاح في هذه السنة، وإلا لم يجبر.
وقال ابن القاسم في "العتبية": يجبر الراهن على إصلاح البئر حتى يتم الزرع والثمرة إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيرًا بيع منه 207 ما يصلح به، فإن تطوع المرتهن بالإصلاح ورأى أن ذلك خير لرب الأصل 208؛ جاز وكان الأصل في يديه رهنًا بما أنفق 209، فيجبر الراهن على الإصلاح بخلاف المكري؛ لأنه في الرهن الثمار للراهن وعين متاعه الذي يهلك، وفي الكراء إنما يهلك زرع المكتري.
الجزء: 11 - الصفحة: 5071
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" في المساقي يتوخى فيه 210 قدر فصيب الحائط من الثمرة بعد طرح مؤنته فيها: فيكلف أن يخرج قيمة 211 ذلك معجلًا فينفقه إن كان كافيًا، فإن أعدم، قيل للعامل: أخرج مثله من عندك ويكون نصيبه من الثمرة رهنًا بذلك، وإلا فسلم الحائط إلى ربه ولا شيء لك عليه 212.
الجزء: 11 - الصفحة: 5072
باب في الدعوى في الكراء وإذا اختلفا في قدر الكراء (1) أو في جنسه أو ادعى الساكن أنه سكن باطلًا
214
قال 215: وإذا قال المكتري اكتريت بهذا العبد.
وقال الآخر: بهذا الثوب، تحالفا وتفاسخا، وعلى المكتري إن كان سكن شيئًا كراء المثل والعبد والثوب للمكتري 216. وكذلك إذا قال صاحب الدار: أكريتك بمائة دينار.
وقال المكتري: بمائة إردب قمحًا، أنهما 217 يتحالفان ويتفاسخان وعليه فيما سكن كراء المثل.
وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في الكتاب؛ لأنه قال: وهو بمنزلة ما لو قال هذا بمائة وهذا 218 بعشرة وأتيا بما لا يشبه، أنهما يتحالفان ويتفاسخان وعليه من الكراء قيمة ما سكن.
قال: وهو بمنزلة الاختلاف في السلعتين 219.
يريد: ما 220 لو قال: هذا بعبد وهذا بثوب، فقال: هو بمنزلة إذا أتيا بما لا يشبه، وهذا عمدته في الجواب، وإذا أتيا بما لا يشبه، رجع إلى كراء المثل فلم213
الجزء: 11 - الصفحة: 5073
يقبل قول الساكن لأن الشأن العين.
فقوله: (بقمح) قد أتى فيه بما لم يشبه 221، ولم يقبل قول صاحب الدار في المسمى؛ لأن الساكن أتى بما لا يشبه بالقدر من العين، وإنما كتم 222 أن يكون الكراء بالعين.
ولو قال الساكن: بمائة دينار.
وقال صاحب الدار: بمائة إردب قمحًا، كان القول قول الساكن مع يمينه إذا أتى بما يشبه في القدر، بخلاف المسألة الأولى؛ لأنه الغارم وقد أتى بما يشبه 223 في الجنس والقدر، وفي المسألة الأولى أتى بما لا يشبه في الجنس وكتم القدر.
ولو اتفقا أن الكراء بعين واختلفا في قدره فقال الساكن 224: خمسون.
وقال الآخر: مائة، فإن اختلفا قبل السكنى تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد مضي السنة، كان القول قول الساكن مع يمينه إذا أتى بما يشبمع وإن اختلفا بعد مضي ستة أشهر، كان القول قول الساكن في الماضي وتحالفا وتفاسخا في الباقي، وهذا إذا لم يكن نقد، فإن نقد خمسين دينارًا واختلفا قبل 225 السكنى، تحالفا وتفاسخا على قول ابن القاسم.
وإن كان قد نقد خمسين واختلفا وقد 226 مضت السنة، كان القول قول الساكن مع يمينه أنه لم يبق عنده شيء وأن كراه كان بخمسين، وإن مضت سته أشهر كان القول قول الساكن مع يمينه في الماضي، ويختلف في الباقي، فقيل 227 تلك المدة التي مضت طول في النقد فالقول قول صاحب
الجزء: 11 - الصفحة: 5074
الدار (1) مع يمينه ويسكن الآخر نصف المسكن، إلا أن يقوم بعيب الشركة فيرد.
وقيل: الطول ليس بفوت، فيتحالفان في الباقي ويتفاسخان.
وقد مضى وجه ذلك في كتاب السلم الثاني.
وإن اتفقا في الكراء بقمح أو غيره مما يكال أو يوزن واختلفا في قدره، كان بمنزلة اتفاقهما في العين واختلافهما في قدره (2). وإن اختلفا في المدة، فقال أحدهما: مشاهرة.
وقال الآخر: بالسنة.
كان القول قول من ادعى المشاهرة إذا كانت تلك العادة أو كانت العادة مختلفة، وإن كانت العادة السنة خاصة، كان القول قول من ادعاها من مُكرٍ أو مُكترٍ، والديار والفنادق والحوانيت في ذلك سواء.
فصل [فيما إذا اختلف المتكاريان في التسمية]
وإن اختلفا، فقال الساكن: أسكنتني باطلًا.
وقال الآخر: أسكنتك بكذا وكذا وأتى في التسمية بما يشبه، كان القول قول صاحب الدار مع يمينه ويأخذ التسمية، وهو قول ابن القاسم.
وقال غيره: عليه الأقل من قيمة ما سكن أو ما ادعاه صاحب الدار بعد أيمانهما 230.
ومدعي الهبة على ثلاثة أوجه: فإن لم يكن لدعواه شبهة تكون الهبة لأجلها، كان القول قول المالك بغير يمين.
وإن كانت شبهة ودلائل على الهبة، كان القول قول مدعيها بيمين، وقد تكون تارة بغير يمين.
وإن أشكل الأمر؛228229
الجزء: 11 - الصفحة: 5075
كان القول قول المالك.
واختلف في اليمين، فإن كانا أجنبيين لا قرابة بينهما ولا صداقة ولا فقر تكون الهبة لأجله، كان القول قول المالك بغير يمين إذا كان ما ادعاه من المسمى 231، مثل: كراء المثل فأقل، فإن كان أكثر من كراء المثل إلا أنه يشبه أن يكريه به، حلف المالك 232 وحده عند ابن القاسم؛ لأن الساكن بمنزلة من اعترف بالكراء وكتم التسمية.
وعلى قول غيره: يحلف الساكن وحده أنه لم يكتر منه بما قال ويغرم كراء المثل ولا يمين على الآخر.
وإن كان الذي ادعاه المالك لا يشبه أن يُكترى به على حال، حلف الساكن وحده على القولين جميعًا وغرم كراء المثل.
وإن كانت هناك شبهة لسكناه باطلًا وكان الذي ادعاه المالك مثل كراء المثل فأقل، حلف وحده وأخذ ما ادعاه.
وصفة يمينه أن يحلف أنه لم يسكنه باطلًا لا غير.
وإن كان ما ادعاه فوق كراء المثل إلا أنه يشبه أن يكترى به، حلفا جميعًا، يحلف المالك أنه لم يسكنه باطلًا، ويحلف الآخر أنه لم يكتر بتلك التسمية وغرم كراء المثل.
وإن قام للساكن دليل على أن سكناه كان باطلًا لقرابة أو صداقة لا يشبه أن يسكنه معها بكراء وأن الذي أوجب ذلك اختلاف حدث أو كان، مثل: الأبوين، والابن، أو الزوجة تسكن زوجها، كان القول قول الساكن مع يمينه أنه لم يشترط عليه كراء، فإن لم يدع المالك أنه اشترط عليه كراءة لم يكن عليه يمين.
وإن طالت السنون وهو لا يؤدي كراء وخرج من المسكن وطالت
الجزء: 11 - الصفحة: 5076
السنون 233 وهو لا يطلب كراء، كان أبين في سقوط دعواه، ويشترك الأجنبي مع القريب والصديق في هذا الوجه إذا طالت المدة بعد خروجه ولم يطلبه بشيء في 234 ألا قيام له.
الجزء: 11 - الصفحة: 5077
باب في اختلاف رب الدار والساكن في بعض بنائها وبعض أنقاضها
وإن اختلفا في فرش الدار أو في شيء من أبوابها، كان القول قول صاحب الدار مع يمينه، إلا أن يقوم للآخر دليل على صدقه من جدة البناء أو باب وضعه، ويقول صاحب الدار: كنت وضعته في وقت كذا، لوقت لا يشبه أن يكون كما قال ألا يتغير، فيكون القول قول المكتري.
وإن اختلفا في شيء مقلوع، كان القول قول المكتري، إلا أن يقوم للآخر دليل على قوله، مثل: أن يكون للبيت فرد باب، ويقول: لم يكن له غيره.
ويقول أهل المعرفة: إن هذا المقلوع صاحبه.
أو يختلفان في خشبة وقد زال موضعها من السقف، وهي مثله في النقش والصنعة فيصدق صاحب الدار، وقد 235 يقوم دليل على صدق الساكن؛ لأن هذه جديدة وغيرها قديمة، أو هذه قديمة والسقف جديد.
وإن اختلفا في بيت، فقال المكري: كان فيها.
وقال الآخر: لم يكن فيها 236 أنا بنيته.
فإن كان لا يشبه أن يكون إلا قديمًا؛ صدق صاحب الدار بغير يمين.
وإن كان لا يشبه أن يكون إلا محدثًا؛ قُبِلَ قول المكتري بغير يمين.
وإن أَشْكَل الأمر، كان القول قول صاحب الدار مع يمينه.
وإن أقرَّ أنه أَذِن له في بناء بيت وأَشكَل الأمر فيه هل كان قبل أو بعد؟ قيل لصاحب الدار: فأين الموضع الذي أذنت له يبني فيه؟ فإن ذكر موضعًا لا يشبه أن يعمل فيه بيتًا؛ قُبِلَ قول
الجزء: 11 - الصفحة: 5078
المكتري مع يمينه، وقد يكون هذا البيت هو تمام الدار ولا يعمل في غير ذلك الموضع.
وإن ذكر موضعًا يشبه أن يعمل فيه بيت، كان قد أتى كل واحد منهما بما يشبه، فقال ابن القاسم: القول قول المكتري لأنه عنده مؤتمن 237. فكان القول قوله فيما اؤتمن عليه أن يفعله وهو البناء، وإن كان ذلك يؤدي إلى إبراء ذمته، كما قال في "المستخرجة" 238 إذا أذِنَ لغريمه أن يشتري بالدَّين الذي في ذمته، فقال: اشتريت وضاع 239؛ أنه يقبل قوله.
وقال غيره: لا يقبل قوله؛ لأن الكراء في ذمته فلا يخرجه من الدَّين إلا البينة.
وإن تصادقا أنه بناه وخالفه فيما أنفق فيه، فإن لم يكن حاضرًا في حين الإنفاق صدق المكتري، وإن كان حاضرًا ولم يكن أذِنَ له أن يدفع إلا ما يأمره بدفعه كان القول قول المُكري 240 مع يمينه.
وقوله: ابن لي بيتًا.
بخلاف قوله: كِل لي الطعام الذي عندك ويكون وديعة عندك؛ لأنه في ذمة فلا تصح الأمانة إلا بعد إخراج ما في الذمة.
وكذلك قوله: ادفع لفلان؛ لأن فلانًا إنما يصح كونه أمينًا على ما يصير إليه بعد ثبات البراءة للأول.
وقوله: ابن بالكراء.
كقوله: اشتر بالدَّين سلعة.
فالشراء يصح قبل إخراج ما في الذمة؛ لأنه إذا اشترى وزن وهو أمين على الشراء، وكذلك البناء يصح أن يشتري الآجر ويستأجر ثم يزن وهو أمين على الشراء والإجارة؛ لأن ذلك
الجزء: 11 - الصفحة: 5079
ليس من حق المداينة ولا تعلق للمداينة الأولى به، وكان القول قوله أنه فعل ما اؤتمن عليه، وإذا كان كذلك لم يحمل عليه أنه غصب من اشترى منه ومن استأجره حقوقهم.
فصل [فيمن وكل رجلًا ليكري له داره]
وقال ابن القاسم فيمن وَكَّل رجلًا على أن يكري له دارًا، فأكراها بمحاباة أو وهب سكناها أو تصدق به: فإن فات بالسكنى والوكيل ملي، غرم كراء الدار ولم يرجع به على الساكن، وإن كان فقيرًا، غرم الساكن ولم يرجع الساكن على الوكيل 241.
الجزء: 11 - الصفحة: 5080
باب في تفليس المكتري
ومن "المدونة" 242 قال ابن القاسم فيمن تكارى منزلًا سنة ثم فلس بعد أن سكن ستة أشهر: كان صاحب الدار بالخيار بين أن يسلم باقي السكنى ويضرب مع الغرماء فيه وفي غيره من مال المفلس، إلا أن يدفع إليه الغرماء ما ينوب الباقي 243.
وقد قيل: ليس ذلك للغرماء إلا أن يدفعوا له جميع الكراء إذا لم يكن نقد شيئًا.
والأول أحسن، وإنما يعيدون 244 منه ما له أخذه، ولا أرى أن يخرج الغريم بالحضرة ولا تباع لهم 245 جميع المدة الباقية؛ لأن عليه في ذلك حرجًا أن يخرج لغير إيواء كما لا يترك بغير نفقة، والحاجة إلى المسكن كالحاجة إلى النفقة، فيترك له من تلك المدة ما يرى أنه يَتحيَّل لنفسه في شيء ليكتري به عند انقضائها.
وإن كان كراء السنة باثني عشر دينارًا فقدم من ذلك ستة دنانير ثم فلس المكتري بعد ستة أشهر، كان المكري بالخيار بين أن يسلم باقي السكنى ويضرب بالستة الدنانير، أو يأخذ باقي السكنى، أو يرد ما ينوب ويضرب بالباقي مما ينوب الماضي في جميع مال المفلس وفي الذي يرد.
واختلف إذا دفع أحد الغرماء ذلك من مال نفسه هل يكون أحق بما يباع
الجزء: 11 - الصفحة: 5081
به ذلك السكنى حتى يستوفي منه ما دفع إلى صاحب المسكن، وأن يكون أحق أصوب، وسواء كان المفلس في الحياة أو بعد الموت، وهو في ذلك السكنى أقوى سببًا ممن أحيا شيئًا 246، ثمرة، أو زرعًا لعمله 247. والقياس: أن يكون أحق بربح ذلك السكنى من سائر غرمائه؛ لأن ماله سببه وإنما دفع ماله لمكان ذلك الربح، فيكون أحق به كما تقدم في الأجير أنه أحق لما كان عمله سبب نمائه.
تم كراء الدور بحمد الله وحسن عونه
الجزء: 11 - الصفحة: 5082
أكريه الأرضين
(1)
باب في إجارة الأرضين وما يكره من ذلك
إجارة الأرضين جائزة، وقد يندب إلى ترك أخذ العوض عنها تارة، فإن اشتريت للكراء أو كانت فاضلة عن حراثته ولكرائها قدر أو لا قدر له 249 وهو فقير، جازت إجارتها، وإن كان موسرًا ولا خطب لكرائها، كانت منحتها أحسن 250؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكلمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا".
أخرجه البخاري ومسلم 251.
فندب إلى ترك المشاححة 252 في مثل هذا وإلى المكارمة لما يؤدي إليه ذلك من التواصل والتوادد، وأن يستنوا بمكارم الأخلاق، وهو في القريب والجار والصديق آكد.
ومن شحَّ على حقه وأكرى لم يمنع، وقد يستخف ذلك في الطارئ، ولا يدخل في الحديث إذا كان الطالب لها يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ لقوله -عليه السلام-: "لأَنْ248
الجزء: 11 - الصفحة: 5083
يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ.
. .". يريد: المسلم.
فصل [كراء الأرض]
كراء الأرض جائز للمالك وللمستأجر لها، وكذلك إن كانت عارية وقصد المعير ليتمول المعار تلك المنافع، وإن كان قصده عينه بالانتفاع 253 لم يكن له أن يكريها، فقد يعير الرجلُ الرجلَ 254 ثوبه أو دابته لينتفع بذلك ويكره أن يراه على غيره، وأن يسلم 255 الدابة لمن يركبها والدار لمن يسكنها ولو علم ذلك ما أعاره، فمثل هذا يمنع من إجارته، إما أن ينتفع بنفسه أو يرده.
وكذلك الحبس إذا كان القصد أن يملكه تلك المنافع ليتمولها، كان له أن يبيعها، وإن كان القصد انتفاعه بنفسه، لم يكن ذلك له، فقد يعلم المحبس من المحبس عليه الإتلاف فيريد بالسكنى أو الحراثة استئثاره بذلك فيمنع من بيعها؛ لأنه ضد ما قصده المحبس.
وكذلك الزوجة تُسْكِن الزوج دارها سنين، فليس له أن يخرجها ويكريها تلك السنين، ولو طلقها قبل انقضاء تلك المدة، سقط مقاله في بقية الأجل، ولو مات لم يكن لورثته في بقية الأجل مقال.
وكذلك الصهر يسكن صهره مسكنًا ويضرب أجلًا فيُطلِّق أو يموت الزوج أو الزوجة، فكل هذا إنما يراد به عين المعار.
الجزء: 11 - الصفحة: 5084
فصل [في كراء دور مكة وبيعها]
واختلف في كراء دور مكة وفي بيعها، فمنع ذلك مالك مرة.
وذكر أبو جعفر الأبهري أنه كره بيعها وكراءها، فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ.
والظاهر من قول ابن القاسم في "المدونة" الجواز؛ لأنه قال في فض الكراء في الأرض: إنها إذا انهارت البئر، أنه يفض، قال: في مثل ذلك دور مكة في إنفاقها في أيام الموسم.
ولم يختلف قول مالك ولا أصحابه أنها فتحت عنوة وأنها لم تقسم على السهمان.
واختلف هل منَّ بها على أهلها، أو أقرت للمسلمين؟ وذكر ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَكَّةُ كلهَا مُبَاح (1) لاَ تباعُ رِبَاعُهَا وَلاَ تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا" (2).
فصل [في كراء أرض العنوة]
ولا بأس بكراء أرض العنوة؛ لأنها على ثلاثة أوجه: إما أن يكون قد أقطعها الإمام لمن هي في يديه، فله أن يبيع الرقاب والمنافع أو يكون أقطع المنافع خاصة وقتًا ما فيجوز له بيعها.
أو يكون أبقاها لنوائب المسلمين، فيجوز له أن يكريها ويصرف إجارتها في منافع المسلمين، إلا أن يعلم المتولي لكرائها أنه يأكله ولا يصرفه في وجوه الحق فلا تكرى منه.256257
الجزء: 11 - الصفحة: 5085
وأما أرض الصلح، فيجوز أن تكرى إذا أسلم المصالح عليها أو لم يسلم ولم تكن عليها جزية، فإن كانت عليها جزية؛ كره للمسلم أن يكتريها منه خيفة أن يؤخذ بجزيتها ففيه إذلال له.
ولا بأس أن يكري المسلم أرضه من الذمي.
قال مالك: إذا كان لا يغرس فيها شجرًا فيعصره خمرًا 258.
الجزء: 11 - الصفحة: 5086
باب في الوقت الذي يجوز كراء الأرض فية وما يجوز من اشتراط النقد ومتى يجب النقد إن لم يشرط
اختلف في الوقت الذي يجوز فيه عقد كراء الأرض، هل تُكرى سنين؟ فأجاز مالك وابن القاسم أن تكرى قبل 259 أوان الحرث وإن بعد السنة والسنتين، فإن كانت غير مأمونة جاز العقد وحده 260، وإن كانت مأمونة جاز العقد والنقد.
وذكر سحنون قولًا آخر: أنها لا يمرى إلا سنة واحدة، مأمونة كانت أو غير مأمونة قرب الحرث 261، ولا يجوز كراؤها بالنقد إلا أن تروى ريًّا مبلغًا له كله أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره إلا أن تكون مأمونة كأمن النيل 262.
وقول مالك أحسن، فيجوز أن تُكرى وإن لم يقرب حرثها سنة وسنتين؛ لأن المالك يوقف ماله لما يرى فيه صلاحًا وتنمية، وهو في كرائها سنة أبْيَن؛ لأنه لم يحجر على نفسه الآن انتفاعًا لأنه ليس بوقت انتفاع بها، وإن أحبَّ البيع باع على أنها مستثناة المنافع سنة.
وإن كان أوان حرثها وهي أرض سقي تعمل عملًا متواليًا، جاز أن يكرى سنين؛ لأنها حينئذٍ كالديار منافعها متوالية، فإن أكراها هذه السنة والثالثة دون الثانية، جاز على قول مالك ولم يجز على قول غيره.
الجزء: 11 - الصفحة: 5087
فصل [في اشتراط النقد في كراء الأرض]
وأما اشتراط النقد فراجع إلى صفة الأرض في الأمن.
والأرض أربعة: أرض النيل، وأرض مطر، وذات نهر، وذات بئر.
وأرض النيل ثلاثة: فإن كانت منخفضة تروى وإن نقص النيل، جاز اشتراط النقد.
وإن كانت بعيدة أو مرتفعة يبلغها الماء مرة بعد الوفاء ومرة لا يبلغها، أو لا يطول مقامه عليها، لم يجز شرط النقد وكانت كأرض المطر.
وإن كانت مبسوطة 263 لا يخطئها الماء إذا وفَّى ويقيم على المعتاد، جاز اشتراط النقد، ومنعه عمر بن عبد العزيز حتى يجري 264 عليها الماء 265، فراعى النادر.
وكذلك أرض المطر إذا كانت مأمونة وإنما تخطئ في نادر السنين، جاز اشتراط النقد على قول مالك ولم يجز على قول عمر بن عبد العزيز حتى يجري عليها الماء 266، وإن كانت كثيرًا ما تخطئ لم يجز شرط النقد.
وقد تكون الأرض ذات نشوع يكفيها قليل الماء فإن كثر فسد الزرع، فإن كان الغالب السلامة جاز شرط النقد، وإن كان كثيرًا ما تفسد لم يجز.
وكذلك أرض النهر إن كان كثيرًا مأمونًا بتلك الأرض جاز شرط النقد، وهي حينئذٍ آمن من النيل قبل إتيانه؛ لأن هذا موجود وذلك حين العقد معدوم، وقد لا يأتي وهي بمنزلة أرض النيل بعد وفائه، وإن كان غير مأمون لم
الجزء: 11 - الصفحة: 5088
يجز النقد.
وإن كانت ذات بئر، وكان مأمونًا أو غير مأمون (1)، فإن أصلح وفاء بشرط الإصلاح (2) جاز النقد.
وإن كانت غير مأمونة بعد الإصلاح، أو قال (3) المكري: لا أُصلح، لم يجز العقد، بخلاف أرض المطر؛ لأن أرض المطر يرجى أن يأتي منه ما فيه وفاء.
وإن كانت الأرض غرقة وكان انكشافه مأمونًا لأن له موضعًا يسيل منه فإذا خرج عنها كان فيه غنى عن سواه، جاز شرط النقد كأرض النيل إذا رويت.
وكذلك إن كانت لا يكفيها والغالب أن قليل المطر بعد هذا يكفيها.
وإن كان انكشافه غير مأمون، جاز العقد، فإن انكشف عنها وجب النقد على قول مالك (4) إذا كان الذي أقام عليها كافئا، كأرض النيل إذا لم يشترط النقد حين العقد ثم رويت.
فصل [فيما إذا لم يشترط النقد حين العقد]
وإذا لم يشترط النقد حين العقد افترق الجواب في وقت 271 وجوبه في الأرض المأمونة، فلا يلزم ذلك في أرض النيل قبل أن تروى.
قال ابن القاسم: فإن رويت لزم النقد 272. يريد: إذا انكشف الماء عنها وأمكن قبض المنافع.267268269270
الجزء: 11 - الصفحة: 5089
واختلف في ذات السقي إذا كان النهر أو البئر، فقال ابن القاسم: لا يجب (1) النقد حتى يتم الزرع (2). يريد: إذا استغنى عن الماء، فإن كانت بطونًا فإذا أتم بطنًا دفع ما ينوبه.
وقال غيره: إذا اكترى بطنًا لزمه النقد، وإن كانت بطونًا (3) لزمه ما ينوب كل بطن الآن نقدًا (4). وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن ذلك السقي لم يوجد بعد، وإنما هو شيء تمده الأرض شيئًا بعد شيء، ولو لزم الكراء في ذلك الآن للزم النقد في أرض النيل إذا بدأ الزيادة وإن لم ترو (5).
والقياس: ألا يلزم النقد في أرض النيل وإن رويت؛ لأن المكتري اكترى شيئين، الماء، ومنافع الأرض، فلا يلزمه النقد بقبض أحدهما.
وقد يحمل القول في لزوم النقد على قول مالك في "العتبية" في الصانع يطلب تقديم أجره، قال: ليس ذلك له حتى يبدأ في العمل فيقدم حينئذٍ إليه (6) أجره.
فصل [فيمن اكترى أرضًا فزرعها سنة ثم انهارت البئر]
وقال مالك فيمن تكارى أرضًا ثلاث سنين فزرعها سنة ثم انهارت البئر273274275276277278
الجزء: 11 - الصفحة: 5090
أو انقطعت العين: فإنه يحسب كل سنة على قدرها وتشاحح الناس فيها، وليس كراء الشتاء والصيف سواء، ولا ما ينقد فيه كالذي يستأخر نقده 279.
ويريد: بكراء الشتاء والصيف فيما كان يعمل السنة كلها.
والنقد على أربعة أوجه: فإن شرط ما ينوب كل سنة عند الابتداء فيها أو عند رفع زرعه منها 280، كان الفض على السواء، وهي في ذلك بمنزلة اكتراء 281 الديار والحوانيت مشاهرة أو مساناة فهي على التساوي.
وإن شرط تعجيل جميعه أو تأخيره، فض على القيم، والسنة الأول أرفع قيمة من الثانية ثم الثالثة أقلهن قيمة، وسواء شرط 282 تعجيل جميعه أو تأخيره.
وإن اشترطا تعجيله كان بمنزلة رجل جمع في عقد شراء سلعة نقدًا، وأسلم في أخرى إلى سنة وأخرى إلى سنتين وكلهم في الصفة سواء، ومعلوم أن ما يتعجل قبضه يشترى بأكثر مما يقبض إلى سنة 283، وما يقبض إلى سنة يسلم فيه أكثر مما يقبض إلى سنتين.
وكذلك إن شرطا تأخير الجميع فالأول بمنزلة من أشترى سلعة حاضرة لينقد ثمنها بعد ثلاث سنين، والثانية بمنزلة من شرط أن يدفع الثمن إلى سنتين؛ لأنه إذا قبض المنافع تاخر الثمن ذلك القدر، وفي الثالثة إلى سنة، ومعلوم أن من اشترى ثلاث سلع صفقة واحدة على أن يدفع الثمن مختلفًا إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 5091
ثلاث سنين وإلى سنتين وإلى سنة، إن كان ما بعد الأجل زيد في الثمن، وقد تقدم في الكتاب الأول هل يصلح 284 من الكراء إذا انهارت البئر قبل أن تقلب الأرض أو بعد؟
الجزء: 11 - الصفحة: 5092
باب [فيمن اكترى أرضًا ولم يزرعها]
ومن اكترى أرضًا فلم يتم زرعها، كان في الكراء على ثلاثة أوجه؛ أحدها: ألا كراء عليه، كان امتناع تمامه في إبان 285 الزرع أو بعده.
والثاني: عليه الكراء، كان امتناعه في الإبان أو بعده.
والثالث: لا كراء عليه إذا كان امتناعه في الإبان وذلك عليه بعده.
فإذا كان السبب في ذلك الأرض أو الماء 286، قحط المطر، أو انهارت البئر، أو انقطعت العين، أو كانت الأرض كثيرة النشوع أو الدود أو الفأر، لم يكن عليه كراء، وسواء هلكت في الإبان أو بعده.
وإن كان سبب ذلك طيرًا، أو جرادًا، أو جليدًا 287، أو بردًا، أو جيشا اجتاحه، أو لأن الزَّرِيعَة لم تثبت؛ لزم الكراء، هلك في الإبان أو بعده.
وإن غرقت الأرض افترق الجواب، فإن غرقت في الإبان في وقت لو زال عنها أعاد زراعتها سقط الكراء، وإن غرقت بعد الإبان لزم الكراء.
وإنما سقط الكراء 288 إذا كان امتناع تمامه من قبل الماء؛ لأن الماء مشترى، فإن لم يحصل المبيع لم يستحق العوض، وسقط إذا كان ذلك من سبب الأرض؛ لأن مصيبة المنافع من بائعها حتى تقبض على وجه السلامة بخلاف بيع الرقاب، ولم يسقط إذا كان هلاكه من برد أو مما ذكر معه؛ لأن جميع ذلك عاهات تخص
الجزء: 11 - الصفحة: 5093
الزرع لا سبب للمكري فيها من قِبَل مائه ولا من أرضه، وهو كغاصب غصب الزرع خاصة، ويسقط إذا كان بغرق في الإبان؛ لأن مقام الماء عليها في الإبان كغاصب حال بين المكتري وبين منافع الأرض لو رفع يده لقدر على إعادة زرعه، وهو بعد خروج الإبان كغاصب أفسد الزرع، وبمنزلة البرد والجليد، وإن كان يقدر على إعادة بعضها لو زال؛ سقط عنه كراء ما كان يقدر على حرثه.
وأرى إن غرقت بعد خروج الإبان، ثم ذهب عن قرب بعدما أفسد الزرع ثم لم تمطر بقية السنة وعلم أنه لو لم يفسد لم يتم الزرع، أن يسقط عنه الكراء.
واختلف إذا أذهبه السيل، فقال مالك في "كتاب محمد": عليه الكراء 289. يريد: إذا جاءه السيل بعد ذهاب الإبان.
وأرى إن أذهب السيل وجه الأرض قبل الإبان أو بعده لا كراء عليه.
وقد قيل: إن السيل إذا أذهب وجه الأرض نقص لمنفعتها، وأنه هو المكترى والذي طاب للحرث، هذا إذا كان المرغوب فيه والمقصود وجه الأرض فزال سقط الكراء.
واختلف إذا نبت في أرض الذي جره السيل إليه لمن يكون، فقال في "المدونة": هو للآخر 290. وقال سحنون في "كتاب ابنه": إن جره السيل قبل أن ينبت كان للثاني، وإن جره بعد أن نبت كان لزارعه.
وقال أيضًا: هو للآخر وعليه للأول قيمته مقلوعًا.
وقيل: هو للأول وإن جره السيل وهو بذر وعليه
الجزء: 11 - الصفحة: 5094
كراء الأرض (1). وهو أحسن؛ لأن ذلك ملكه نبت في ملك غيره بوجه شبهة بغير تعدٍّ (2) فوجب أن يكون لمالكه.
وقال ابن القاسم فيمن حصد زرعه في أرض غيره فانتثر منه حب فنبت قابلًا: فلا شيء له فيه وهو لصاحب الأرض (3). فهذه بخلاف الأولى؛ لأن هذا هو الشأن الذي يتبين منه (4) ويرفع الأول على ألا حق له فيه ولو لم يحصده، ولكن أتى عليه برد بعد تمامه فانتثر ونبت قابلًا، كان على الخلاف المتقدم هل يكون للأول أو للثاني.
فصل [فيمن اكترى أرضًا كراء فاسدًا ولم يزرعها]
وقال ابن القاسم فيمن اكترى أرضًا كراء فاسدًا فلم يزرعها: إن عليه كراءها 295.
وكذلك إذا كان الكراء صحيحًا وحبسه السلطان عن زراعتها، أو لم يجد البذر، وليُكْرِها إذا لم يقدر على زراعتها.
وقوله ها هنا في الكراء الفاسد هو المعروف من قوله.
وقال في كتاب الشفعة فيمن أَعْمَرَ عُمْرَى على عوض فاغتلها المعمر: إن291292293294
الجزء: 11 - الصفحة: 5095
الغلة للمعمر؛ لأن الضمان من صاحبها.
وعلى هذا لا يكون على المكتري كراء فاسدًا شيء؛ لأنه تمكين فاسد (1)، وقد كان الواجب ألا يحرثها وصاحبها عالم أنها لم (2) تحرث.
ومحمل قوله في البذر على أن المكتري وحده عجز عنها؛ لأنه قادر على أن يكريها.
ولو كانت شدة فلم يجد أهل الموضع البذر، سقط عنه الكراء.
وكذلك إذا قصد السلطان بحبسه (3) أن يحول بينه وبين زراعتها وكرائها، فلا شيء له عليه، وإذا لم يقصد بذلك وإنما طلبه بأمر ظلمًا فكان ذلك سببًا لامتناع حرثها، لم يكن عليه كراء (4).
فصل [في قحط المطر قبل الزراعه]
وإن قحط المطر قبل الزراعة عن بعض الأرض، لزمه ما سلم، إلا أن يكون السالم الأقل فيكون له رده.
وإن زرع جميعها ثم هلك وسلم الأقل، كان عليه كراء ما سلم، قال مالك: إذا كان له قدر وفيه منفعة، وإن لم يكن له قدر ولا له فيه منفعة، لم يكن عليه فيه كراء 300.
قال ابن القاسم في "كتاب محمد": إذا كان السالم مثل الخمسة فدادين والستة من المائة وشبهها، فلا كراء عليه.
قال الشيخ 301: يريد إذا كان ذلك296297298299
الجزء: 11 - الصفحة: 5096
مفترقًا في جملة الفدادين المكتراة؛ لأن ذلك كالهالك وكثير من الناس لا يتكلف جمع مثله إذا كان ذلك مفترقًا 302، فأما لو سلمت الخمسة فدادين أو الستة على المعتاد من سلامتها لزم كراؤها.
الجزء: 11 - الصفحة: 5097
باب فيمن استاجرأ رضًا ليزرعها فأحبَّ أن يغرسها أو يزرعها في غير ما أكتريت له وإذا انقضت السنون التي
اكتراها وفيها غرس أو زرع
وقال ابن القاسم فيمن استأجر أرضًا عشر سنين يزرعها فأحبَّ أن يغرسها: فذلك له إذا لم يضر بالأرض (1). وكذلك إذا استأجرها ليزرعها شعيرًا فأحبَّ أن يزرعها حنطة، لم يمنع إذا لم يضر.
ويختلف إذا استأجرها على أن لا يزرع فيها إلا الشعير فأراد (2) أن يزرعها حنطة أو غيرها مما مضرته مثل مضرة الشعير، هل يمكن من ذَلك لأنه شرط جائز لا منفعة فيه؟ فقيل: يوفي به لأنه شرط جائز.
وقيل: لا يوفي به لأنه لا يتضمن منفعة.
ويختلف إذا شرط ألا يزرع فيها إلا هذا الشعير، فقيل: الشرط فاسد لأنه حجر عليه أن يتصرف فيه إلا للزراعة.
وقيل: جائز.
فصل [فيمن اكترى أرضًا سنين ليغرسها شجرًا]
فإن اكتراها سنين ليغرسها شجرًا فانقضت المدة المكتراة، كان المكري بالخيار بين أن يأمره بقلعها أو يأخذها بقيمتها مقلوعة.
وإن أحب المكتري أن303304
الجزء: 11 - الصفحة: 5098
يكتريها عشر سنين أخرى، جاز ونقد تلك الشجر، فإذا انقضت هذه السنون كان بالخيار حسبما تقدم في الأول لو لم يكرها منه المدة الثانية، وإن أحبَّ بعد انقضاء العقد الأول أن يكريها من غير المكتري الأول جاز، ويقال للمكتري الأول: أرضِ المكتري الآخر أو اقلع شجرك.
وقال غيره: ليس بمستقيم حتى يتعامل صاحب الأرض والغارس على ما يجوز ثم يكري أرضه، إلا أن يكريه على أن يقلع الشجر (1).
فرأى الكراء فاسدًا لما كان صاحب الأرض بالخيار في أخذ الغرس أو تركه، وحمل الكراء على أنه لم يسقط حقه في الغرس، وأن المكتري دخل على إن أخذ صاحب الأرض الغرس بقيمته كان له ما سوى مواضع الشجر، وإن لم يأخذها كان له جميع الأرض، وهذا غرر، إلا أن يبتدئ صاحب الأرض مع الأول فيأخذها بقيمتها ويكريه ما سوى مواضعها وفنائها، أو يترك حقه فيها ويكريه جميع الأرض، وحمل ابن القاسم الكراء على جميع الأرض وأنه أسقط حقه في الغرس.
ويختلف إذا أسقط حقه في الغرس وأراد المكتري الثاني أن يأخذه بقيمته مقلوعًا، هل له ذلك، أم لا لأن الحق كان في ذلك لصاحب الأرض، فأسقط حقه فيها ومكن الغارس من قلعها؟ وبيان ذلك في كتاب الشفعة.
فصل [فيمن اكترى أرضًا عشر سنين فانقضت وفي الأرض زرع]
وإن انقضت العشر سنين وفي الأرض زرع، لم يكن للمكتري الأول ولا305
الجزء: 11 - الصفحة: 5099
لغيره أن يكتري إلا ما بعد هذا الزرع، بخلاف الغرس.
واختلف في حكم هذا الزرع فيما بين المكري والمكتري على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم: يترك حتى يتم ولصاحب الأرض كراء المثل 306. وفي بحض الروايات: كراء المثل على حسب ما أكراه.
وقال غيره: لم يكن للمكتري إذا لم يبق من شهوره ما يتم زرعه فيه أن يزرع، فإن تعدى وزرع كان عليه فيما بقي لمدة الزرع 307 بعد تمام أجله الأكثر من كراء المثل أو حساب ما أكري 308.
وقال: ليس للمكتري أن يزرع ذلك البطن إذا كان لا يتم في أجله، فإن فعل وهو عالم، كان متعديًا ورب الأرض بالخيار إن شاء حرث أرضه وأفسد زرع هذا، وإن شاء أقره وكان له الأكثر من المسمى أو كراء المثل 309.
وإن زرع وهو يرى أنه يبلغ عند انقضاء الوجيبة فجاوز ذلك بالأيام والشهور، لم يكن له أن يفسده وعليه أن يقره على مثل وجيبته الأولى.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الشهر الباقي داخل في الكراء، ولو كان يتم فيه البطن لعمله 310، فكان من حقه إذا كان لا يتم أن يحط عنه ويرد ما ينوبه من المسمى، إلا أن يتراضيا أن يكريا ذلك البطن ويقتسما ما يكرى به على قدر ما لكل واحد منهما فيه 311، فيجوز إذا عرف ما ينوب كل واحد منهما 312 قبل العقد، فإن بادر
الجزء: 11 - الصفحة: 5100
إلى عمله لم يكن على حكم المتعدي فيقلع عليه؛ لأن له فيه شركًا وهو الشهر الأول، وعليه في الشهر الثاني إجارة المثل؛ لأنه لم يقر أنه رضي بها على المسمى.
ويختلف إذا رضي فيه بالمسمى هل يلزمهما ذلك، أو يرد فيه إلى إجارة المثل لأنه وقت الالتزام لا يدري ما ينوبه من جملة السنة فهو بمنزلة جمع سلعتين.
فصل [فيمن اكترى أرضًا سنين فانقضت وفي الأرض غرس]
وإن انقضت السنون وفي الأرض غرس فاكتراه المكتري الأول عشر سنين أخرى على أن تكون الشجر بعد هذه العشر سنين لصاحب الأرض، لم يجز، وإن نزل ذلك ولم ينظر فيه إلا بعد السنة والسنتين وقد تغيرت الشجر، لم يكن فوتًا، ونقض الأمد 313 فيها؛ لأنه أبقاها على ملكه ما بينه وبين الأجل، ولم يمكن من التمادي إلى بقية الأجل؛ لأنه كراء فاسد.
وإن أحبَّ صاحب الأرض أن يأخذها الآن بقيمتها مقلوعة، كان ذلك له لأنه غرسها لتقلع بعد الأجل، بخلاف الغراسة الفاسدة إذا غرس على أنها لصاحب الأرض بعد الأجل فتؤخذ الآن بقيمتها قائمة؛ لأنه لم يدخل على أن يقلع، وهذا غرس على أن يقلع إذا انقضى الأجل، فإذا أعطى قيمتها مقلوعة لم يظلم بشيء، وكذلك لو قال: أكريك عشر سنين على أن نصف الشجر لي ونصفها لك بعد العشر سنين.
فإن قال: على أن لك نصفها من الآن، جاز عند ابن القاسم.
وقال غيره: لا يجوز وهو فسخ الدين في الدين 314.
الجزء: 11 - الصفحة: 5101
يريد: أنه يمكن أن يكون قد اختار أن يأخذها بقيمتها 315 مقلوعة ثم انتقل إلى أن يدفع عن القيمة منافع الأرض.
وأرى أن يوكل ذلك إلى أمانته ويعلم أنه متى اختار أن يأخذها بالقيمة لم يجز أن يدفع عن ذلك منافع الأرض.
ويجوز على قول أشهب أن ينتقل إلى دفع المنافع؛ لأنه يجيز أن تؤخذ منافع من دين.
والجواب على تسليم القول بفساده، أن يفسخ البيع في ذلك النصف إذا كان معينًا ما لم يتغير، فيمضي بالقيمة يوم تراضيا بالعقد الثاني؛ لأنه مقبوض في أرضه.
ولو قال: على أن لك نصفه من الآن شائعًا ولا تقاسمني حتى ينقضي الأجل فتغير بعد ذلك، لم يكن فوتًا لأنه غير ممكن منه.
وقيل: ذلك فوت وإن كان فيه تحجير، وأما النصف الآخر فهو باقٍ على ملك صاحبه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5102
باب فيمن اكترى أرضًا على أن يغرسها فإذا انقضى الأجل كانت الشجر لصاحب الأرض
وقال ابن القاسم فيمن اكترى أرضًا عشر سنين على أن يغرسها شجرًا وسَمَّيْنا الشجر على أن الثمرة للغارس، فإذا انقضى الأجل كانت الشجر لصاحب الأرض: لم يجز لأنه لا يدري بم أكرى أرضه ولا ما يسلم منها 316. وقال غيره: يدخل في بيع الثمر قبل بدو صلاحه وكراء الأرض بالثمرة 317. ولا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يدخلا على أن يغرس الشجر على ملك الغارس، أو على ملك صاحب الأرض، أو بينهما الأمد فيقولا: إذا خرج كانت الشجر لصاحب الأرض.
فإن شرطا أن يغرس على ملك صاحب الأرض، كان غرسها فوتًا، وهي لصاحب الأرض وعليه قيمتها يوم غرست وقيمة سقيه وخدمته إلى يوم المحاكمة، ولصاحب الأرض على الغارس قيمة 318 ما انتفع به من الثمر.
وقيل: ليس بفوت والغرس على ملك الغارس؛ لأن شرطه أن ينتفع بثمراته تحجير، ولصاحب الأرض على الغارس قيمة ما نفعت الأرض الغرس وثمنه، وللغارس ثمرته إن كان أثمر، ثم اختلف هل تكون له قيمته قائمًا أو مقلوعًا؟ وقائمًا أحسن؛ لأنه غرسه بإذن المالك، ولو كان الحكم أن يعطي قيمته مقلوعًا، لم أر أن يخرج إلا بعد تمام السنن المكتراة؛ لأن عليه في
الجزء: 11 - الصفحة: 5103
إخراجه ضررًا، كما قال في المساقاة سنين يعمل سنة: لا يخرج للمضرة في فسخ ذلك الآن.
فكذلك هذا عليه مضرة في إخراجه، وأن يعطي قيمته مقلوعًا مضرة لعظم نفقته ثم يبطل عليه عمله.
وإن غرسه على مِلْكِ نفسه، لم تتعلق قيمته بذمة صاحب الأرض بنفس الغرس، وعلى المكتري قيمة ما انتفع بالأرض والغرس إلى يوم يحكم به لصاحب الأرض، ثم يختلف هل تكون قيمته قائمًا أو مقلوعًا؟ وقائمًا أحسن، وقد تقدم وجه ذلك؛ لأنه غرس بإذن المالك ليتبقى ذلك.
وإن قال: اغرسها فإذا انقضى الأجل كانت لك ولم يزد على ذلك؛ كان محمله على أنها من الأول على مِلْكِ الغارس، لقوله: فإذا انقضت السنون كانت لك، فهي قبل الانقضاء له، فالجواب فيها على ما تقدم إذا قال: أنا أغرسها على مِلْكي، ويدخله على ما قال غير ابن القاسم بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه إذا انقضى الأجل وفيها ثمر لم يبد صلاحه، وكراء الأرض بالطعام إذا كانت الثمرة حينئذ تراد للأكل 319؛ لأن المفهوم من ذلك تسليم الشجر على ما هي عليه وليس أن يبقى له في الشجر حق.
ولو قال: أكريك عشر سنين على أن تبني فإذا انقضى الأجل كان البناء لك، جاز إذا وصف ذلك البناء؛ لأن الصفة تحصره ويقدر على أن يأتي به على تلك الصفة، ومأمون سلامته من الغرر بتغير حدثه 320 في مثل تلك المدة، وسواء قال: ابْنِهِ على مِلْكك أو على مِلْكي، ذلك جائز.
ولم يجز ذلك في الغرس؛ لأنه إن وصف صفة لم يدر هل تأتي في ذلك الأجل على تلك الصفة أم لا.
ولو قال: على أن الأرض والبناء بيننا نصفين، جاز.
ولا يجوز أن يقول: على
الجزء: 11 - الصفحة: 5104
أن الأرض والغرس بيننا للجهل بما يأتي عليه الشجر.
ولو لم يضرب في الغرس أجلًا وقال: إذا بلغت كذا وكذا سعفة 321 كانت الأرض والشجر بيننا، جاز ذلك.
وأجاز ذلك أشهب وإن ضربا الأجل.
ومنعه محمد بن عبد الحكم وإن لم يضربا أجلًا، ورأى 322 أن الغرر على حاله بمنزلة لو ضربا أجلًا 323؛ لأنه لا يدري كيف يأتي، ولأن المعروف في الجعالة فيما يطول ويشغل عامله 324، أو كان فيما يملك من الأرضين وإن ترك العامل انتفع الجاعل 325، خلاف من اكترى أرضًا عشر سنين فغرسها ثم استحقت فإنه [. . .] 326 من إليه سقى يسقيه 327 العشر سنين ثم يهدم لأنه على ذلك بنى.
الجزء: 11 - الصفحة: 5105
باب فيمن اكترى أرضا متى ينقضي أمدها (1) وهي أرض بعل (2) أو سقي، أو اكترى سنين غير معينة، وإذا أراد المكري أن يشتري ذلك، ومن اشترى زرعًا ليقلعه ثم اشترى الأرض، أو اشترى الأرض ثم اشترى الزرع
330
ومن اكترى أرضًا سنة يزرعها قمحًا أو شعيرًا، كان محمله على بطن واحد، فإذا رفع زرعه انقضت سنة، وسواء كانت عنده بعلًا أو سقيًا، إلا أن تكون عادتهم يزرعونها مرتين بها السنة فيحملون على عادتهم.
وإن لم يسم ما يعمل فيها ولا عادة عندهم، أو كانت العادة مختلفة ولا 331 يختلف كراؤه، كان فاسدًا عند غير ابن القاسم ويعمل إن تعاملا بمال على الطريق، وإن كانت بالسقي استعملها جميع السنة اثني عشر شهرًا.
ولو كانت العادة فيما يعمل فيها مختلفة، كان فاسدًا، مثل القول في كراء الدابة ولا يسمى الصنف الذي يحمل عليها، فأجازه ابن القاسم 332، ويحمل عليها ما لا يضر بها.
ومنعه غيره حتى يسمي ذلك الصنف.328329
الجزء: 11 - الصفحة: 5106
وكذلك الأرض تختلف مضرة ما يعمل فيها من الأشياء، إذا عمل فيها هذه السنة لا يمنع أن يستعمل السنة الأخرى، ومنها ما يذهب بقوتها ويضعفها فلا ينتفع بعملها (1) في السنة الثانية، ومنها ما لا ينتفع بها الثانية ولا الثالثة إلا على ضعف، وما لا يفيد كبير فائدة.
ومضرة الشعير أقل من مضرة القمح، ومضرة القمح أقل من مضرة العلس (2).
فصل (3) فيما إذا أكترى كل سنة بدينار ولم يسم عدد السنين
وإن اكترى كل سنة بدينار ولم يسم عدد السنين؛ كان كل واحد منهما بالخيار ما لم يحرث أو يقلبها في السنة 336، فيلزمه في تلك السنة، ثم هما بالخيار في الثانية 337 ما لم يشرع في العمل، وإن زرعها المكتري، لم يجز لصاحب الأرض أن يشتري ذلك الزرع على البقاء وإن كان في أرضه، ويدخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه.
وكذلك إن باع المكري الأرض لم يجز للمشتري أن يشتري ذلك الزرع، وليس بمنزلة الأرض والزرع لمالك واحد فيبيع الأرض ثم يبيع الزرع من مشتري الأرض.
فقيل: يجوز لأنه يلحقه بالعقد الأول ويصير كأنه بيع واحد.333334335
الجزء: 11 - الصفحة: 5107
وقيل: لا يجوز لأن العقد الأول قد انبرم ولا يصح إلحاقه.
وقيل: يجوز إن قَرُبَ ولا يجوز إن بَعُد.
وقيل: لا يجوز وإن قَرُبَ.
وهو أحسن، فإن بَعدَ ما بينهما لم يجز، والقول بالمنع وإن قَرُبَ أصوب؛ لأن البيع الأول (1) قد انعقد حقيقة والعقد الثاني (2) منفرد لا يصلح دخول فيه.
ولو وهب الأرض، لم يجز لمن وهبت له أن يشتري ذلك الزرع ولا يلحق البيع بالهبة فيصير كأنه وهب الجميع .. وإن جهل مُكري الأرض فاشترى ما فيها من الزرع فلم ينظر في ذلك حتى تغير بنماء أو أصابته عاهة، لكان نماؤه وهلاكه من زارعه وإن كان سقيه على مشتريه؛ لأن سقيه عليه بالحق المتقدم بعقد الكراء، وشراء صاحب الأرض فيه بمنزلة شراء (3) الأجنبي.
وكذلك قول ابن القاسم في الْعَرِيَّة يشتريها المعرِي: إن الجائحة من المعرَى (4) وإن كان السقي على صاحب النخل؛ لأنه يقول: أنا أسقي بالحق الأول الذي تَقدَّم وجوبه علي بالْعَرِيَّة، وشرائي فيها بمنزلة لو اشتراها أجنبي.
فصل [فيما إذا اشتري زرع لم يبد صلاحه على القلع]
وكان اشترى زرعًا لم يبد صلاحه على القلع، ثم استأذن صاحب الأرض في بقائه حتى يبدو صلاحه، أو اكترى الأرض ليقره حتى يبدو صلاحه، لم يجز،338339340341
الجزء: 11 - الصفحة: 5108
لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، ولا شيء عليه 342 فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأن الزرع إذًا بيع على البقاء، ويزيد في الثمن لذلك ولا يدري هل يسلم أم لا، ولو اكترى الأرض ليقره 343 ولا يقلعه، لم يجز ذلك 344.
الجزء: 11 - الصفحة: 5109
باب في اختلاف المتكارين
قال 345: وإن اختلفا هل حرث متعديًا أو بكراء؟ فإن كان حرثه بعلم صاحب الأرض، كان القول قول الزارع أنه لم يتعد، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في المستحق 346 من الكراء هل المسمى أو المثل إن كان كثيرًا؟ فإن كان المسمى الذي يقول المكتري أنه اكترى به مثل كراء المثل فأكثر، غرم ذلك المسمى من غير يمين على واحد منهما.
وإن كان المثل أكثر كان القول عند ابن القاسم قول الزارع مع يمينه إذا كان أتى بما يشبه 347. وقال غيره: القول قول صاحب الأرض مع يمينه ويأخذ كراء المثل.
وإن كان حرثه بغير علم صاحب الأرض كان فيه قولان، هل اختلافهما شبهة يسقط عنه حكم التعدي، أو ليس بشبهة ويكون القول قول صاحب الأرض وهو قول ابن القاسم؟ وجعل غيره ذلك شبهة يسقط عنهه حكم التعدي.
فعلى قول ابن القاسم يحلف صاحب الأرض أنه لم يُكْرِه ويكون معه على حكم التعدي 348، فإن كان في الإبان ولم يبرز الزرع أو برز ولم يكن في قلعه منفعة، كان له أن يأخذ الأرض بزرعها ولا شيء للزارع، وإن كان في قلعه منفعة، كان له أن يأمره بقلعه ولربه أن يقلعه.
واختلف إذا أحب صاحب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعًا فأجيز
الجزء: 11 - الصفحة: 5110
ومنع، والإجازة أحسن، وليس يدخل هذا في النهي عن بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأن ذلك في بيعه على البقاء فيزيد في الثمن لمكان البقاء 349 ولا يدري هل يسلم أم لا؟ وهذا يأخذه بقيمته مطروحًا ولم يزد البقاء شيئًا، فإن سلم فهو له، وإن لم يسلم لم يكن له على البائع شيء، وإن أحبَّ أن يقره بالكراء وكان ذلك قبل بروز الزرع أو بعد بروزه وقبل أن يكون في قلعه منفعة، لم يجز ذلك، ويدخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء؛ لأنه صار لرب الأرض بتنمية 350 أرضه، إلا أن يكون قصده إثبات التعدي.
ويرى رأيه هل يأخذه بالتعدي أو يمضيه له ويطلبه 351 بالكراء؟ فيجري على قولين فيمن خير بين شيئين، وإن كان في قلعه منفعة فأقره لربه بالكراء 352، جاز ذلك على قول من منع أن يأخذه بقيمته مقلوعًا، ويختلف فيه على من أجاز له أخذه بالقيمة، فإذا قدر أنه لم يختر الأخذ 353 جاز، وإذا قدر أنه لما ملك 354 أخذه 355 ثم انتقل إلى تسليمه، لم يجز.
والأول أحسن، ومحمله فيه على أنه لم يأخذه حتى يعترف بأنه أخذه ثم انتقل إلى هذا، وعلى قول غير ابن القاسم: لا يكون له إخراجه، وإنما مقاله في الكراء، فإن كان المسمى الذي ادعى أنه اكتراها به مثل كراء المثل فأكثر، حلف الزارع وحده أنه لم يتعد ولم
الجزء: 11 - الصفحة: 5111
يحرث إلا على تراض منه، وليس عليه أن يحلف على التسمية أن العقد كان به؛ لأن الذي ادعاه 356 يجب إذا كان بوجه شبهة أن ذلك للذي اعترف به، وإن كان كراء المثل أكثر حلف الحارث.
الجزء: 11 - الصفحة: 5112
باب في كراء الأرض بما يخرح منها
الأرض فيما تكرى به على ثلاثة أوجه: جائز، وممنوع، ومختلف فيه.
فيجوز بما ليس بطعام 357 وذلك في ست مسائل:
أحدها: أن يكون مما لا تنبته الأرض، كالحيوان إذا كان مما لا يؤكل لحمه، أو مما يؤكل لحمه ويراد للقنية والصوف والحرير والمسك والعنبر واللؤلؤ.
والثاني: أن يكون مما تنبته الأرض ولا ينبته الناس، كالذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والكبريت، والزرنيخ، والنيل 358، والحشيش، والحلفاء، والسمار 359.
والثالث: ما ينبته الناس وغَيَّرته الصنعة كثيرًا وذلك كالنِّيلُ و 360 كثياب الكتان والقطن.
والرابع: أن يكون مما ينبته الناس 361 ولكنه مما تطول المدة بنباته، كالشجر والخشب 362 والصندل 363 والعود.
الجزء: 11 - الصفحة: 5113
والخامس: ما يكون من الثمر عن الشجر إذا لم تكن تلك الثمرة طعامًا؛ لأنه إذا جاز أن تكرى بذلك الأصل لبُعد نباته، كان بما يكون عنه أولى، وذلك كالورد، والياسمين، والأصماغ التي تكون عنه كالكافور، واللوبان.
والسادس: أن تكرى بأرض بملكها أو بأبعاضها كالياقوت والزمرد والعقيق (1).
فصل [في كراء الأرض بما يزرع في أخرى]
ولا تجوز أن تكرى (2) الأرض بما يزرع في أخرى لا بجملته ولا بجزء منه، ولا تكرى طائفة بما تخرجه طائفة أخرى، ولا تكرى بمكيلة مما تخرجه الأرض المكتراة يكون لأحدهما المكري أو المكتري وللآخر ما بقي، ولا على مكيلة لأحدهما وما بقي بينهما، ولا على جزء ثلث أو ربع وزيادة دنانير أو دراهم أو عروض.
فصل [في كراء الأرض بجزء مما يزرع فيها]
واختلف في اكترائه بجزء بانفراده من غير زيادة أو بمكيلة مضمونة من جنس ما يزرع فيها على ثلاثة أقوال: فمنعه مالك في الوجهين جميعًا.
واختلف فيه عن الليث فأجازه مرة بالمكيلة ومنعه بالجزء، ومنعه مرة بالمكيلة وأجازه بالجزء.
وهذا القسم 366 يستوي فيه الطعام الذي تخرجه تلك الأرض؛364365
الجزء: 11 - الصفحة: 5114
كالقمح، والشعير، والقطاني، وما ليس بطعام، كالقطن، والكتان، والحناء، وذكر ابن شعبان قال: واستئجار الأرض بالعروض التي تتولد عنها، مثل: الكتان، والعصفر، والخضر وما أشبه ذلك، ففيه قولان لأصحابنا، أحدهما: أنه لا يجوز.
والآخر: أنه يجوز.
أو بالحنطة، والشعير، والحبوب، وبالأول أقول وهو قول مالك.
وأما اكتراؤها بما تخرجه إذا اختلف الجنسان وكان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها، فعلى ثلاثة أقسام: إما أن يكونا طعامًا جميعًا، أو غير طعام، أو أحدهما طعام والآخر غير طعام.
فإن كانا غير طعام 367 جاز، مثل: أن يكريها بفطن ليعمل فيها كتانًا.
ويجوز أن تكرى بغير طعام ليعملى فيها طعامًا، كمن 368 اكترى بقطن أو كتان ليعمل فيها حنطة أو شعيرًا.
واختلف إذا اكتريت بطعام ليعمل فيها طعام أو غير طعام، واكتراؤها بطعام مخالف للطعام الذي يعمل فيها.
والطعام أربعة أصناف 369، أحدها: ما لا يحرج منها كاللحم والعسل والسمن والملح.
والثاني: ما يخرج منها ويبعد أَصل نباته، كالجوز، واللوز، والتين، والرمان، وما أشبه ذلك مما يكون على الشجر 370.
والثالث: ما لا يبعد، وهو حبوب تصح إعادته، كالقمح، والشعير،
الجزء: 11 - الصفحة: 5115
والقطاني وغيرها.
371
والرابع: ما لا يصح إعادته ونباته، كبعض البقول والقصيل 372. فمنع في "المدونة" اكتراءها بطعام لا يخرج منها كاللحم، والعسل إذا كان يعمل فيها طعامًا وكان عنده بمنزلة من باع طعامًا بطعام مستأخر 373
ورأى أن ما أخرجت الأرض من الطعام كان صاحب الأرض بائعه.
وأنكر هذا التعليل بعض أهل العلم، قال: ولو كان ذلك لا جاز أن تكرى بالذهب والفضة 374 ويدخله بيع الزرع قبل أن يخرج من الأرض، وبيع المجهول.
وهذا إلزام صحيح، وليس هو 375 ببائع لا تنبته الأرض.
ولو اكتراها بما لا تنبته من الطعام جاز، وقد روي ذلك عن مالك وقاله غير واحد من أصحابه 376.
وحكم ما تخرجه الأرض من ثمار ذوات الأصول حكم ما لا تخرجه؛ لأنه مما يبعد نباته وهو على حكم الأصل الذي ينبت فيه وهي الشجر، فإذا جاز كراؤها بالشجر جاز كراؤها بثمارها.
وقال ابن كنانة في "كتاب ابن حبيب": لا تُكرى بشيء إن أعيد 377 فيها
الجزء: 11 - الصفحة: 5116
نبت، ولا بأس أن تُكرى بغير ذلك من جميع الأشياء كلها، أُكِل أو لم يؤكل، خرج أو لم يخرج.
قال، وقال ابن نافع: تُكرى بجميع الأشياء كلها بما يؤكل منها وما لم يؤكل، خرج منها أو لم يخرج 378، إذا كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها ما عدا الحنطة وأخواتها 379.
قال الشيخ أَبو الحسن 380 - رضي الله عنه -: يختلف على هذا في كرائها بزريعة الكتان وبزيته 381، وبالكتان وبما يسقط منه كالأصطبة 382 إذا كان كراؤها ليعمل فيها، فمنع ذلك ابن القاسم بجميع ما ذكر 383، وأجازه ابن الماجشون بما ليس عمدة فيما تُكرى به كالأصطبة، وقد تلحق بذلك الزريعة وزيتها؛ لأنها حقيرة في جنب ما يعمل فيها وهو الكتان، ويجوز على قول ابن كنانة بالكتان وبزيته مما لا يعاد فيها، ولا يجوز بزريعته.
الجزء: 11 - الصفحة: 5117
باب في كراء الأرض بالأرض
كراء الأرض بالأرض جائز إذا كانتا مأمونتين، كانا يعملان في عام واحد أو في عامين.
وإن كانت إحداهما مأمونة والأخرى غير مأمونة، لم يجز أن يكتريا ليعملا في عام ولا في عامين إذا قدمت المأمونة؛ لأنه نقد في غير مأمون، ولا باس به إذا قدمت التي غير مأمونة فإن سلم زرعها حرثت الأخرى، وإن لم يسلم بقيت لربها.
ولا يجوز إذا كانتا غير مأمونتين، وإن عملتا في عام فقد تسلم إحداهما دون الأخرى، إلا أن تكونا من أرض المطر وهما متقاربتان ويعملا في عام؛ لأن حالهما في المصابة 384 والعدم واحد، الغالب فيهما إما أن يصيبا جميعًا أو يعدما جميعًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 5118
باب إذا اكترى أرضًا ليزرعها فاشترط ثمرتها أو كان فيها زرع فاشترطه
385
قال ابن القاسم فيمن اكترى أرضًا ليزرعها وفيها نبذ من نخل فاشترط ثمرتها: إن ذلك جائز إذا كان الثلث فأدنى، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز.
قال: فإن اشترطها وهي أكثر من الثلث كانت الثمرة لصاحب الأرض وعليه قيمة العمل والسقي، وله في الأرض كراء المثل بغير ثمرة 386. وقد قيل في هذا الأصل: إن له قيمة العمل ما لم يجاوز قيمة الثمرة، فيكون ربها بالخيار بين أن يأخذها ويدفع أجرة العمل، أو يتبرأ منها.
وهو أحسن؛ لأنه لم يستأجره عليها، فيكون له في ذمته الإجارة وإن كثرت وإنما عملها لنفسه، وإن لم يكن فيها فضل لم يكن عليه شيء.
وإن كانت الثلث فأدنى؛ جاز اشتراطها إن كان طيبها قبل أن يرفع الزرع وكانت معه في الأرض أو في موضع واحد والأرض عليها غلق، فإن كانت في طائفة من الأرض ولا غلق عليها، لم يجز ذلك لأنه لا ضرر عليه في تصرف صاحب الأرض إليها.
وكذلك عند ابن القاسم إذا اكترى أرضًا وفيها زرع فاشترطه، فإن كان الثلث فأدنى وكان طيب ذلك الزرع قبل انقضاء مدة الكراء وهو في 387 وسط تلك الأرض ومعه فيها 388 أو في ناحية وعليها غلق، جاز ذلك، وإلا لم يجز 389.
الجزء: 11 - الصفحة: 5119
وإن اشترط نصف ثمر النخل أو نصف الزرع، لم يجز ذلك؛ لأن مضرة التصرف والدخول والخروج قائم، وإنما يجوز ذلك لرفع الضرر في مثل ذلك.
والقياس ألا يجوز اشتراط الزرع وإن كان تبعًا، بخلاف ثمرة النخل؛ لأن النخل يسقط بلحًا وزهوًا ورطبًا وتمرًا 390، ذلك الشأن فيه فيتكرر لذلك دخوله وخروجه.
وكذلك إذا كان فيها بقول، فإنه يأخذه على قدر حاجته إليه، والزرع لا يسقط منه شيء وإنما يجز مرة واحدة، ولا ضرر في المرة الواحدة إلا أن تكون عادتهم افتقاده للتنقية والإصلاح.
وإذا اكترى أرضًا وشرط عليه رب الأرض أن يكريها ثلاث مرات ففعل وكانت ذات بئر فانهارت، كان للمكتري أن يرجع على رب الأرض بقدر ما ينتفع به لقابل من كرائها 391؛ لأن حرثة واحدة لم يكن بد منها فلا يرجع على صاحب الأرض منها بشيء، وحرثتين هما اللتان حرثهما لأجل الشرط ومنفعتهما لهما جميعًا؛ لأن الزرع عن ثلاث أفضل منه عن حرثة، فإن قيل: إنه يبقى منه نصف منفعته رجع بقيمة حرثة واحدة وكان للمكتري حرثتان، واحدة كان يحرثها من غير شرط، وواحدة من اللتن بالشرط.
فإن اكتريت الأرض في هذا العام من آخر، كان الكراء شركة بينهما، لصاحب الأرض كراء أرضه على أن له فيها حرثة واحدة وللآخر قيمة حرثتين، وإن لم تكن في هذا العام وأكريت في العام 392 الثاني وقد ذهب بعض منفعة ذلك الحرث، كان
الجزء: 11 - الصفحة: 5120
الذاهب 393 عليهما أثلاثًا، يقال: بكم تكرى هذه الأرض على أنها غير محروثة؟ فإن قيل: بدينارين.
قيل: فبكم تكرى على ما فيها الآن من الحرث؟ فإن قيل: بثلاثة دنانير، كان لصاحب الأرض ثلثه وللآخر ثلثاه مما ينوبه من المسمى، وهو تسعا 394 المسمى.
وإن بيعت وكان ذلك الحرث لا يزيد في الثمن، لم يكن للمكتري في ذلك الثمن شيء، وإن كان يزيد في الثمن، كان للمكتري من ذلك الزائد ثلثه 395. وإن حرثها المكتري مرة واحدة بالزريعة، كان لصاحب الأرض أن يرجع على المكتري بقدر ذلك من كراء المثل، يقال: بكم تكرى على أن تحرث مرة؟ فإن قيل: ثلاثة دنانير؛ قيل: فبكم تكرى على أن المكتري يحرثها ثلاثًا؟ فإن قيل: بدينارين، كان لصاحب الأرض المسمى ودينار.
الجزء: 11 - الصفحة: 5121
باب فيمن اكترى أرضًا أو إبلًا ثم فلس المكتري (1) أو مات
اختلف فيمن اكترى أرضًا فزرعها ثم فلس أو مات على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في "المدونة": صاحب الأرض أحق في الفلس من الغرماء؛ لأن الزرع في أرضه، ولو مات كان أسوة الغرماء 397.
وفي "كتاب محمد" فهو أحق في الفلس والموت 398.
وعند ابن شعبان أنه أسوة في الفلس والموت.
وقال فيمن اكترى إبلًا ليحمل عليها بزًّا ثم فلس الجمَّال: فالبزاز أحق بالإبل التي في يديه حتى يستوفي كراءه، إلا أن يضمن له الغرماء حملانه ويكترون 399 له من أملياء ثم يأخذون الإبل فيبيعونها.
وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا له حملانه.
وقال سحنون: معنى المسألة إذا كان الكراء مضمونًا 400.
قال مالك: وإن فلس البزاز كان الجمَّال 401 أحق بذلك البَزِّ يباع له حتى يقبض كراءه 402 وتكرى الإبل للغرماء 403.396
الجزء: 11 - الصفحة: 5122
قال الشيخ -رحمه الله-: إذا فلس الجمَّال 404 وكان الكراء على إبل بعينها كان المكتري أحق بها قولًا واحدًا؛ لأن المنافع المعينة كالسلعة المعينة، وليس للغرماء أن ينتزعوها بمثلها، وإذا لم يكن لهم أن ينتزعوها منه جاز أن يراضيهم على تسليمها بمثل رأس المال أو أكثر ومثل تلك المنافع.
واختلف إذا كان الكراء مضمونًا، فقال مالك في كتاب الرواحل: المكتري أحق بما قدم إليه فيه 405 من الغرماء، وليس للجمَّال أن ينتزعه منه 406. يريد: وإن لم يفلس، وكذلك الغرماء.
وقال في "كتاب محمد": المكتري أحق ولو كان الجمال يريد الإبل تحته 407.
وقال غير ابن القاسم في "المدونة": ليس الراحلة بعينها كالمضمون 408. ولم يجعله أحق في الفلس.
واختلف بعد القول أنه أحق إذا ضمن ذلك الغرماء هل يجوز ذلك؟ وأما إذا كان الكراء معينًا، لم يكن لهم ذلك قولًا واحدًا، ويختلف إذا تراضوا 409 بذلك.
تم كتاب كراء الدور والأرضين
والحمد لله رب العالمين
الجزء: 11 - الصفحة: 5123