كتاب تضمين الصناع
النسخ المقابل عليها 1 - (ت) = نسخة تازة رقم (243 , 234) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 10 - الصفحة: 4865
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب تضمين الصناع
باب في الصانع يصنع خلاف ما استؤجر عليه من نسج أو بناء أو غيره
وقال ابن القاسم فيمن استأجر حائكًا لينسج له غزلًا سبعة في ثمانية فنسجه سبعة في ستة: كان صاحبُ الغزل بالخيار بين أن يأخذ ذلك الثوبَ ويدفع إليه أجره كله، أو يسلمه ويضمّنه قيمةَ الغزل 1.
واختلف في هذه المسألة في ثلاثة 2 مواضع: أحدها: إذا أخذ الثوب، فقال ابن القاسم: للصانع الأجر كله.
وقال غيره: له بحساب ما عمل 3.
والثاني: إذا ضمن، فقال ابن القاسم: له قيمة الغزل.
وقال غيره: له أجر 4 مثله 5، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إذا كان يوجد مثله 6 غرم المثل، وإن لم يوجد فقيمته.
والثالث: الإجارة في المستقبل، فقال ابن القاسم: تنفسخ الإجارةُ، وقال أصبغ: الإجارة ثابتة 7. وقيل: إن كان ذلك
الجزء: 10 - الصفحة: 4867
للفاسد فالإجارة منفسخة، وإن كان تاجرًا وذلك شأنه لم تنفسخ، وهذا إذا كانت الإجارة على غزل بعينه 8 وقُضي فيه بالقيمة، فأما إذا كان الغزل موصوفًا، أو كان معينًا وقُضي فيه بالمثل- فإن الإجارة ثابتة، وعلى الحائك أن يعمل مثل الغزل ثانيةً، ولا أرى عليه إذا أخذ ذلك الثوبَ من الأجر 9 إلا بحساب ما عمل.
ولا يصح أن يستأجر على قيسٍ فيعمل دونه ويستحق عنه جميع الأجرة، وقد قيل: إنه يحتمل أن يكون ذلك 10؛ لأنه أدخل جميعَ الغزل في ذلك المصنوع 11، وهذا غير مستقيم؛ لأن مَن اسْتُؤجر على صفة فعمل أحسنَ وأقلَّ - لم يستحق بذلك المسمَّى، وقد قيل: المعنى أن له الأجر كله؛ أي ما ينوب ذلك من المسمى، وليس أن يُردّ إلى إجارة المثل.
وأرى إذا كان الحكمُ القضاءَ بالقيمة في الغزل وهو ثوب لابس 12 - أن يكون المستأجر بالخيار: فإن شاء فسخ عن 13 نفسه الأجرة، وإن شاء أن يتكلّف المثل ويعمل له؛ لأن التعيين من حقه ليس من حق الصانع.
وإن كانت الإجارة على أن يعمل له رداءً فعمل له عمامةً، فأحب أن يأخذ العمامة، كان فيها إجارة المثل، كان أكثر من المسمى أو أقل، إلا أن يقر الصانعُ أنه عمله على المسمّى، فيكون على المستأجر الأقلُّ من المسمّى أو إجارة المثل، فإن دفع المسمَّى لم يبقَ بينهما إجارةٌ، وإن دفع إجارة المثل عاد الجواب في بقاء العقد وفسخه على ما تقدم في أول المسألة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4868
فصل [في خيار المستأجر إذا خالف الصانع صفة في المصنوع]
ولو استأجر رجل 14 صائغًا ليصوغ له ذهبًا أو فضة على صفةٍ فصاغه على خلافها- كان الصانع بالخيار 15 بين: أن يعيد صنعته على ما اسْتُؤجر عليه بعد أن يُصفيه من اللحام 16 الذي خالطه، أو يغرم مثل الذهب أو الفضة، ثم يصوغه ثانية 17، إلا أن يكون الصانع فاسدَ الذمة، فيكون لصاحب الذهب أن يجبره 18 على كسره و 19 إعادته، ولا يلزمه أن يأخذ المثل من ذمته ولا تنفسخ الإجارة.
ولو كان ثوبًا فصبغه على غير الصفة، فإن قال له: أكحل، فصبغه أزرق 20، أعاده للصبغ حتى يعمله على ما وصف 21، وكذلك أخضر 22 شديد الخضرة فصبغه خفيف الخضرة, فإن قال له: أزرق، فصبغه أكحل، أو قال: خفيف الخضرة، فصبغه فوق ذلك، فإن كان ذلك 23 الصبغ ينقصه عن قيمته أبيض كان له قيمة ذلك النقص ولا يكون له أن يضمّنه قيمة ذلك الثوب إذا كان النقص يسيرًا، وإن كان لا يزيد في قيمته ولا ينقصه أخذه ولا شيء عليه، وإن كان يزيد في قيمته كان عليه الأقل مما زادت قيمته أو المسمّى من الإجارة.
وإن استأجره على أن يصبغه أحمر، فصبغه أخضر أو أزرق، كان له أن يضمّنه
الجزء: 10 - الصفحة: 4869
قيمة الثوب أو يأخذه ويدفع قيمة الصبغ؛ لأنه قد 24 ملك التضمين، ويصح أن يجري الجوابُ فيه على ما تقدَّم: أنه يعتبر في ذلك الصبغ: هل نقصه أو زاده أو لم يزد ولم ينقص؟ لأن صاحب الثوب يقول: أنا لا أحب أن أضمن ولا أزيل ملكي عن ثوبي وأنت قد أفسدته، فيجري علي حكم من أفسد مِلْكَ الغير, قال عبد الملك بن حبيب: إلا أن يقول المالك: أنا أضمن ويأبي الصانعُ, فلا يكون له من زيادة الصنعة شيءٌ؛ لأنه قد أمكن من أخذ 25 صنعته.
وإن كانت الإجارة على قصارة فأخرجه أسودَ، فإن كان يقدر على إعادته- من غير فساد أعاده، والقول قول من دعا إلى ذلك منهما، فإن دعا صاحب الثوب إلى أنه 26 يغرمه قيمته، أو قيمة ما نقص، كان للصانع أن يأبى من ذلك، وكذلك إذا دعا إلى ذلك الصانع كان للآخر أن يجبره 27 على العمل، وإن كان لا يقدر على إعادته غرم قيمته أسمر 28، قال سحنون في كتاب ابنه: إلا أن يكون الفسادُ يسيرًا فيغرم قيمة ذلك العمل على حاله 29.
قال الشيخ -رحمه الله-: إنما تقوّم الصفة التي شُورِطَ عليها والصفة 30 التي عمل، فيحط من المسمّى بقدر ذلك، إلا أن تكون زيادة الصنعة على قيمته أسمر أقلَّ، فلا يكون عليه سوى ما زادت القيمة، أو تكون قيمته مصبوغًا أقلَّ من قيمته أسمر، فيكون له أن يرجع على الصانع بما نقصت قيمته ولا يغرم له شيئًا؛ لأنه أفسده.
الجزء: 10 - الصفحة: 4870
وإن كانت الإجارة على خياطة الثوب، فخاطه مقلوبًا وذلك مما يحط من ثمنه، ومتى فُتق وأُعيد زال ذلك النقصُ، أو كان ذلك أقلَّ لعيبه، كان القولُ قولَ من دعا إلى فتقه وإعادته، وإن تساوى النقص فكأن النقص 31 الآن لأجل كونه مقلوبًا، وإذا أعيد وفتق 32 نقص لما يلحقه من التمريث، سواء كان القول قول صاحبه، فإن شاء أقرّه، وإن شاء أمره بفتقه وخياطته, وإن كان فتقه أشد لعيبه كان القولُ قولَ 33 الصانع، إلا أن يفتق ويغرم ما حط من ثمنه الآن، وليس عليه أن يدخل نفسه في أكثر من عيبه هذا، إلا أن يحب صاحبه ألا يغرمه أكثر من عيبه قبل فتقه، فيجبر الأجير 34 على إعادته.
وإن كان الفساد لرداءة الخياطة، كان له أن يأمره بفتقه وإعادته على ما يخاط مثله، ويكون على الصانع الأقل من نقصه الآن، أو مما ينقص بعد 35 فتقه ولا أجرة له في الخياطة إذا دخلت الخياطة في القيمة وجبر بها النقص، وإن قال الصانع: إذا أنا 36 قلبته أنا أغرم ما ينقصه الفتق قبل إعادة خياطته ويكون لي 37 المسمى في الخياطة، كان ذلك له، وإن حدث به عيبٌ من غير الخياطة، حرقُ نارٍ، أو وقع عليه ما شانه، أو قطع منه شيء من غير موضعه- كان عليه قيمة عيبه ذلك قبل أن يخاط وله المسمَّى من الأجرة؛ لأن العيب ليس في الخياطة.
وإن كانت الإجارة على بناء دار فأخطأ في البناء كان عليه أن يهدمه
الجزء: 10 - الصفحة: 4871
ويعيد 38 البناء على صفة ما شُورِط عليه، ويغرم قيمة ما أتلف من جير أو غيره، ويغرم ما نقصت القيمة من الآجُر والحجارة الآن 39 عن قيمته قبل بنائه، وإن أحب صاحبُ الأرض أن يقر ذلك البناء ولا 40 أجرة للعامل فيه؛ لأنه قد ملك نقضه ولا قيمة له فيما إذا نقض- لم يكن له ثمن ولا قيمة عليه فيما ينقض 41 من قيمة الأحجار و 42 الآجر لو نقض 43؛ لأنه لم ينقض بعدُ.
الجزء: 10 - الصفحة: 4872
باب في تضمين الصناع
الصُنّاعُ على ضربين: مُنْتَصِب لتلك الصناعة، وغَيْر مُنْتَصِبٍ.
فالمنتصب: من أقام نفسَه لعمل تلك الصناعة التي اسْتُعْمل 44 فيها، كان يعملها في سوقها أو في داره.
وغير المنتصب: من لم يُقِمْ نفسَه لها 45، ولا منها معاشُهُ.
وفائدة الفرق بينهما: دعوى التلف، ودعوى الرد، وما يطرأ من الفساد في ذلك المستصنع.
فالمنتصب على الضمان فيما يقبضه ويغيب عليه، لا 46 يصدق في دعوى الضياع، واخْتُلِفَ في دعواه 47 الرد: هل يصدق أو يكون على الضمان حتى يثبت الرد؟ وهو فيما يكون فيه من فساد من سبب الصنعة على حكم المتعدي ضامنٌ، إلا فيما الغالب فيه حدوث مثل ذلك.
وغير المنتصب على الأمانة فيما يقبضه، فإن ادَّعى تلفًا أو ردًا قُبِلَ قولُه وحلف وبرئ، وسواء غاب عليه أو عمله في دار صاحبه، وإن أتى به وبه عيبٌ، خَرْقٌ أو حَرقُ نار كان القول قوله أنه من غير سببه ولا تفريطَ ويُسْتَظْهَرُ عليه في ذلك باليمين، إلا أن يكون مبرزًا في حاله وعدالته.
وإن كان العيب من شما الصنعة كان فيه 48 قولان: هل يضمن أم لا؟
الجزء: 10 - الصفحة: 4873
وهذا الأصل في كل من أخطأ فيما أُذِنَ له فيه، والصوابُ أن لا ضمانَ عليه، إلا أن يعلم أنه غُرَّ من نفسه: بأنه لا يحسن تلك الصنعة، أو يقال: إن ذلك لا يكون إلا عن 49 تفريط- فيضمن.
ويتفق 50 المنتصب وغره إذا اختلفا فقال: أمرتك بغير تلك الصنعة، وقال الآخر: بل بما عملته، فإن ادَّعى المنتصب التلف فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يغيب على ما يعمله فيعمله في حانوت نفسه أو في بيته، أو يعمل 51 بحضرة صاحبه، أو يدعوه صاحبه إلى داره فيعمله عنده، فإن غاب عليه كان ضامنًا له 52 ولم يصدق في تلفه؛ لأن الغالبَ من الصناع عدمُ الأمانة، فلو صُدِّقُوا لاجْتَرَؤوا 53 على أموال الناس، وإذا علموا أنهم لم يُصدَّقُوا لم يَجْتَرِئوا عليها، قال مالك: يضمنون 54؛ لأن ذلك على وجه الحاجة إلى عملهم وليس على وجه الاختيار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لاجترؤوا عليها، ولم يجد الناس مستعملًا 55 لتلك الأعمال فيضمنوا لمصلحة تلك الناس.
قال: ومما يشبه ذلك من منفعة العامة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ" 56،
الجزء: 10 - الصفحة: 4874
"وَلاَ تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلى الأَسْوَاقِ" 57 58. وإن دعاه لعمل ذلك عنده 59، كان القولُ قولَ الصانع في تلفه, وسواء حضر صاحب المتاع في حين عمله، أو غاب عنه فهو المصدق، ويختلف إذا عمله الصانع في حانوتِ نفسِهِ بحضرة صاحبه، فقال محمد: القول قول الصانع في تلفه، وفي كتاب ابن حبيب في مثل ذلك: أنه ضامن 60، وليس بحسن.
واختُلِف في سقوط الضمان في موضعين: أحدهما: إذا قامت البينة على الضياع، والآخر: إذا اشْتَرَطَ الصانعُ أنه مصدَّقٌ في ضياعه- هل يكون له شرطه؟ فأما إذا قامت البينة على الضياع لم يكن عليه ضمانٌ عند مالك وابن القاسم 61، وعلى أصل أشهب يكون ضامنًا قياسًا على 62 قوله في الرِّهان والعَواري: أنه ضامن مع قيام البينة، وعلى قوله في الورثة يقتسمون العين ثم يثبت على الميت دين، فإن ذلك مضمون مع قيام البينة 63 على الضياع 64، والأول أحسن؛ لأن أخذَ الصانعِ والمرتهنِ 65 والمستعيرِ لذلك- لم يَنْقِلْ ملك صاحبه عنه، ومصيبة كل ملك من مالكه ما لم يكن من الأجير 66 تعدٍّ, ولأن علةَ الضمان خوف الجحودِ، وإذا لم يكن جحود بَقِيَ على الأصل: أنه من مالكه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4875
وقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: إذا اشترط الصانع أن لا ضمان عليه فشرطه ساقط 67، قال مالك: ولو مكِّن من ذلك ما عمل منهم أحد حتى يشترط ذلك ولا بدَّ للناس من عمل ثيابهم 68. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن أشهب 69 أن لهم شرطَهم، يريد: ما لم يكثر ذلك منهم، فإن كَثُرَ اشتراطُهُم سقط ولم يوفَّ لهم بذلك.
واختلف بعد القول أنه شرط لا يوفى به، فقيل: الإجارة لازمة والشرط باطل، وقيل: إن أسقط الصانعُ الشرطَ 70 صَحَّت الإجارةُ، وإن تمسَّك به 71 فسخت إن لم يعمل، فإن عمل كان له الأكثر من المسمَّى أو إجارة المثل، ويجري فيها قول ثالث: أنَّ الإجارة فاسدة تفسخ مع القيام وإن أسقط الشرطَ، وتكون له مع الفوات إجارةُ المثلِ قلَّتْ أو كَثُرَتْ، قياسًا على قول مالك: إذا استؤجر على رعي الغنم، وعلى أنه غير مصدق فيما هلك، فقال مالك: الإجارة فاسدة وله إجارة المثل 72. فهذا شرط أن لا ضمان عليه 73 فيما عليه ضمانه، والآخر شرط ضمان ما لا ضمان عليه فيه، ولأن الصانع يحط من أجرته ليتمكن له ما 74 يجب من الخيانة وأن يذهب بما يعمله.
الجزء: 10 - الصفحة: 4876
والفرّان ضامن لما يأخذه من قمحٍ ليطحنه، أو عجينٍ ليخبزه، وهو في ذلك على حكم الصنَّاعِ.
ويختلف في القمح: هل يضمنه قمحًا أو دقيقًا؟ وفي العجين: هل يضمن مثله أو قيمته؟ وحاملُ ذلك إلى الفرّان ضامنٌ، لا يُصَدَّقُ إن ادَّعى التلفَ وإن لم يكن صانعًا؛ لأن حاملَ الطعامِ لما 75 يضمن، لما كانت أيديهم تُسْرِع إليه وإلى الخيانة فيه، والجواب إذا اختلف 76 حامله مع الفرّان في تسليمه إليه أو 77 في قبضه منه بعدما سلمه إليه مذكور فيما بعد هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 4877
باب في الوقت الذي يضمن (1) فيه الصانع إذا ادعى الضياع، أو تعدى على ما استصنع فيه قبل العمل أو بعده أو (2) فلس أو وهب أو باع
وإذا ادَّعى الصانعُ تلفَ الثوب قبْل أن يصنعه، واختلفت قيمته يومَ قبضِهِ عن قيمته يومَ قُيِّم عليه، فإن قال: هلك يوم قبضته- غَرِمَ قيمته يومئذٍ، وإن قال: هلك الآن، وكانت قيمتُهُ اليومَ أقلَّ ضَمِنَ قيمتَه يومَ قبضه؛ لأن الدافعَ يكذبه، ويختلف إذا صدَّقه أو قامت البينةُ أنَّه رُئِيَ عنده بالأمس وقال: ضاعَ اليومَ، فقول ابن القاسم: الجواب كالأول، والقيمة يوم القبض 80. وقيل في 81 الرهن: القيمة فيه لآخر يوم رُئي عنده.
فعلى هذا يكون 82 في الصانع القيمة لآخر يوم 83 رئي عنده.
واختلف في الخياط يقطع الثوب، ثم يغيب عليه بعد قطعه، فقال في كتاب محمد: عليه قيمته صحيحًا قبل قطعه، ولو كانت شقة فقطع منها ثوبين، ثم ادعى ضياع أحدهما كان عليه قيمة 84 نصف الشقة صحيحة 85 لا قيمة نصف صحيح 86. وقال ابن القاسم في مختصر ما ليس في المختصر: يغرم قيمته7879
الجزء: 10 - الصفحة: 4878
مقطوعًا، وهذا أحسن؛ لأنه إنما غاب عليه مقطوعًا، فإن كان تعدَّى (1) فإنما تعدى على مقطوع.
ويختلف على هذا إذا أفسده الخياطُ بالخياطة أو بالقطع، فعلى قوله في الموازية (2): يغرم قيمته صحيحًا في الوجهين جميعًا (3)، وقال ابن شعبان: إذا (4) كان الفساد في القطع غرم قيمته صحيحًا، وإن كان في الخياطة غرم قيمته مقطوعًا.
وهذا فقه حسن، وهو بناء على قول ابن القاسم إذا غاب عليه أنه يغرم قيمته مقطوعًا، وإن كان (5) قيمته على حال ما غاب عليه، وإن كان الفساد في القطع كان الخطأ عليه وهو صحيح.
فصل [في قيمة المضمون تكوق يوم قبضه غير معمول]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم: فيمن دفع إلى قصّار ثوبًا ليغسله، أو إلى خياط ليخيطه ففعل، ثم ضاع بعد الفراغ، قال: عليه قيمته يوم قبضه غير معمول، قال: وإن أراد صاحب الثوب أن يؤدِّيَ الكراء ويُضَمِّنَه قيمته مقصورًا لم يكن ذلك له، قال: وإذا فرغ الخياط أو 92 الصانع من عمل ما في يديه، ثم دعا صاحب المتاع فقال: خذ متاعك فلم يأت حتى ضاع المتاع عند الصانع، قال: هو ضامن على حاله 93. يريد أنه لم يحضره، ولو كان قد أحضره ورآه صاحبه مصنوعًا 94 على صفة ما شرطه 95 عليه،8788899091
الجزء: 10 - الصفحة: 4879
وكان قد دفع الأجرة إليه 96 ثم تركها عنده فادعي ضياعها- لصدق 97؛ لأنه خرج عن حكم الإجارة فصار إلي الإيداع.
وكل هذا علي أصله أن الضمان وقت وضع يده عليه.
وعلى القول أنه يغرم لآخر وقت رئي عنده يكون لصاحب الثوب ألا يدفع الأجرة ويغرمه قيمته 98 غير مقصور.
وعلى أصل 99 قول محمد: إذا ضاع بعد الفراغ ببينة أن للصانع الأجرة 100؛ لأنه قد أسلم الصنعة ووضعها في الثوب، يكون لصاحب الثوب أن يغرم الأجرة ويغرمه قيمته مصنوعًا.
وإن باعه جرى الجواب على الخلاف المتقدم، فعلى قول ابن القاسم في "المدونة" يكون صاحب الثوب بالخيار: بين أن يغرمه قيمته يوم قبضه، أو يجيز البيع ويكون له 101 من الثمن ما ينوب الثوب دون الصنعة، وعلى القول أن له أن يأخذه بأعلى القيم يكون صاحب الثوب بالخيار: بين أن يأخذه بقيمته يوم البيع لو كان غير مصنوع، أو بما ينوبه من الثمن، وعلى القول أن الصنعة قد سلمت إلى الثوب يكون له أن يغرم الأجرة ويأخذ الثمن الذي يبيع 102 به، والذي آخذ به أن يكون بالخيار: بين أن يأخذ الامصر من قيمتها يومَ باعها، أو 103 ما ينوبها من الثمن من 104 غير معمولة 105، أو يأخذ جملة الثمن الذي يبيع 106 به ويدفع الأجرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4880
باب في ضمان أجير الصانع
وإذا دفع القصّار أو الخياط شيئًا مما استصنعه لأجير 107، فقال الأجير: ضاع ذلك، فإن لم يكن بان به ولا غاب عليه كان القولُ قولَه مع يمينه، وبرئ ويبقى الضمانُ على الأول، وإن بان به عن حانوت الصانع ضمن كما يضمِّنون الصناع 108.
وقال أشهب في "كتاب محمد": إذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت 109: ضمن 110، وقال في الخياط يدفع إلى أجرائه الثياب فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت: يضمنون 111. ورأى أن الضرورة تدعو الصناع إلى تسليمهم ذلك إلى أجرائهم وإن كانوا غير مأمونين، كما دعت إليهم في أنفسهم، ولصاحب المتاع أن يغرم الأجير إن شاء، فإن كانت القيمة يومَ قبض الأجير أكثرَ من القيمة يوم قبض الصانع كان ذلك له، وإن كانت القيمة أقلَّ رجع بتمام القيمة على الصانع؛ لأن الأجير صار غريمَ غريمِهِ، وعلى القول الآخر لا شيء على الصانع إذا ثبت أنه سلَّمه لأجيره.
وإن فسد شيء من سبب الصنعة لم يكن على الأجير شيء، والغرم على الصانع، إلا أن يكون الأجير قد فرَّط أو ضيع فيكون لصاحبِ الثوبِ أن يطلب الأجيرَ إن أحبَّ، وإن أحبَّ أغرم 112 الصانعَ ورجع الصانع 113 على الأجير.
الجزء: 10 - الصفحة: 4881
باب في ضمان الصانع ما لاصنعة له فيه إذا (1) كان المستصنع لا يستغني عنه
وذلك كالكتابِ المستنسخ منه، والثوبِ يُطرز على مثله، أو ما يُصاغ عليه، وجَفْنِ السيف إذا كان متى أُسْلِمَ إلى الصانع بغير جفن فسد، وظرفِ القمحِ والعجينِ.
واختلف في ضمان الكتابِ الذي يُنتسخ 115 منه، والدملجِ الذي يُصاغ عليه، والمثالِ يطرز عليه 116، فقال محمد بن المواز: الصانع ضامن لذلك.
وقال سحنون: لا ضمان عليه 117. والأول أحسن؛ لأن تسليم ذلك إليهم لم يكن 118 على اختيار ولا رضًا بأمانتهم، وإنما كان ذلك ضرورة، كما اضطر إلى تسليم ما يصنع له، ولو كان ذلك لا يضمن لم يضمن الصانع إلا لما له صنعة في جميعه: كالنسج، والصبغ، والخياطة إذا كان بقيمته من الأصل، ولا يضمن الشقة إذا أخذها ليطرزها؛ لأن صناعته في طرف و 119 في جزء منها يسير، وما سوى ذلك الطرف لا صنعة 120 له فيه، وكذلك الثوب يأخذه ليصلح طوقه أو أسفله، فلما سلموا أنه ضامن لجميع ذلك الثوب لما كانت الضرورة تدعو إليه، وأنه لا يقدر على تسليم الذي يضع الصنعة 121 فيه إلا بتسليم جميعه، وكذلك يضمن 122 ما لا صنعة له فيه من هذه الأشياء للضرورة إلى ذلك.114
الجزء: 10 - الصفحة: 4882
وقال محمد بن المواز: يضمن الصيقل السيف دون الجَفْن إذا لم يستأجر على شيء من إصلاحه، ولا يضمن الظرف الذي يكون فيه القمح والعجين 123. وهذا خلاف لقوله الأول أنه يضمن المثال، وأن يضمن ذلك أحسن؛ لأن تسليم ذلك عليه 124 لم يكن على وجه الاختيار.
الجزء: 10 - الصفحة: 4883
باب في الصانع يدعي الرد، وكيف إن جعل له أن (1) يسلم ذلكـ إلي غيره فقال: قد فعلت, وخالفه الآخر
واختلف في الصانع يدعي الرد وينكره الدافع، فقال مالك وابن القاسم: هو ضامن إلا أن يقيم البينة على الرد 126. وقال عبد الملك بن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا أخذ ذلك من غير بينة كان القول قوله في الرد مع يمينه، وإن أخذه ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة 127. والأول أحسن.
وكل ما كان مضمونًا كان حكمه في ذلك حكم الدين، من ذلك: الرهن، والعواري، وما بيع على خيار 128، وكل ذلك مضمون إن ادعى التلف، ولا يقبل قوله في الرد وكذلك الصناع 129 لا يقبل قولهم في الرد كما لا يقبل قولهم في التلف؛ لأنهم لم ينزلوا في ذلك منزلة الأمن، ولأنَ الوجهَ الذي يترقب من الصانع في دعوى التلف يُتخوف مثلُه في دعوى الرد، إلا أن يكون الرهن والعارية والمبيع على خيار- حيوانًا، فيكون القولُ قوله في التلف وفي 130 الردِّ، ولو كان شيئًا مما يغاب عليه في إجارةٍ أو قراضٍ أو وديعةٍ - لكان القولُ قوله في الرد كما يقبل قوله في التلف.
واخْتُلف إذا جعل له أن يسلمه بعد الفراغ لغسَّالٍ أو طرَّازٍ فقال: قد فعلتُ، وأنكره الآخر أو صدقه وقال: ضاع عندي، فقال ابن الماجشون في125
الجزء: 10 - الصفحة: 4884
"كتاب ابن حبيب": القول قول الصانع أنه دفعه، كما يقبل قوله في رده 131.
وقال أصبغ في "ثمانية أبي زيد": لا يقبل قولُه.
وهو أصل ابن القاسم إذا كذبه الغسال أو الطراز، لوجهين: أحدهما: أنه لا يقبل قوله في الردِّ فكيف لا يقبل قوله في تسليمه في آخر، والوجه الثاني: أنه يقول لا يقبل قول المودع في تسليم الوديعة إلى يد آخر، وهو 132 في هذا أبين ألا يقبل قوله.
وأرى أن لا يُقبل قولُهُ في التسليم، كما لا يُقبل قولُه في الردِّ 133، ويختلف إذا صدقه وقال: ضاع مني، وأن يُقبل قوله أحسنُ فيحلفان جميعًا: يحلف الصانعُ لقد سلَّمه إليه، ويحلف الآخرُ: لقد ضاع مني 134، وتكون مصيبتُه من صاحبه، إلا أن يكون الثاني منتصبًا، فيضمن، إلا أن تقوم له بينة.
وعلى هذا يجري الجواب في حامل القمح والعجين، فإن قال: سلمتُ ذلك إلى الفرّان، وكذَّبه، حلف الفرانُ وضمن الحاملُ.
واختلف بعد تسليمه في رده إلى الذي يحمله، فقال الفرّان: وديعة رددتُه إليه، وكذَّبه الحاملُ، حلف الحاملُ أنه لم يأخذ منه وغرم الفرانُ، وإن قال أحدهما: صَدَقَ وصل إليَّ وضاع عندي، برئ من ادَّعى تسليمَه؛ لأنَّ الشأنَ تسليمُ ذلك بغير بينة، وضمن الآخرُ.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" في الطَّحَّان يدَّعِي تلفَ القمحِ: أنه يَغْرَمُ مثلَه دقيقًا على ما عرف النَّاسُ.
قال محمد: بل يغرم مثلَه قمحا 135. فرأى ابنُ القاسم أن يُغَرِّمَهُ دقيقًا؛ لأن الشأنَّ بِمِصْرَ أنَّ القمحَ يُدْفَعُ إلى
الجزء: 10 - الصفحة: 4885
الطحانِ بوزنٍ ويسلمه الآخرُ دقيقًا بوزنٍ، فهو إن أخذه بالوزن قمحًا كان عليه طحنه ويسلمه دقيقًا بوزن، فلم يكن في 136 إغرامه إياه قمحًا فائدةٌ لما كان عليه طحنه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4886
باب في الثوب وغيره يفسد عند الصانع وما يضمن من ذلكـ
لا يخلو إفسادُ الثوبِ عند الصانع من ثلاثةِ أحوالٍ: إما أن يكون ذلك 137 من سبب الصانع، أو من سبب غيره من الآدميين، أو من 138 غير هما: كالفأرِ، والسوسِ، والنارِ.
فإن كان الفسادُ من قِبَلِ الصانعِ في القِصارةِ أو الطِّرازِ أو الخياطةِ، وكان يستطاع أن يعادَ القِصارةُ، أو يُفْتَقُ الطَّرْزُ والخياطةُ ويعمله على ما شرطه عليه- لزمه ذلك، وإن كان لا يستطاع ذلك، وكان الفساد يسيرًا غَرِمَ النقصَ ولم يضمن جميعَه، وإن كان كثيرًا ضَمِنَ جميعَه وقد تقدَّم ذلك.
وإن كان ذلك من فعلِ غير 139 الصانعِ وعَلِمَ ذلك ولم يكن في ذلك 140 من الصانع تفريطٌ - كان الغُرْم على الأجنبيِّ دون الصانعِ، وإن كذبه الدَّعَى عليه حلف وبَرِئَ، وكان الغُرْمُ على الصَّانعِ، وإن صدَّقَهُ برئ الصانعُ وغرم 141 الأجنبيُّ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ أنْ يُواطِئَهُ على الإقرار في مثل ذلك.
وإن كان هلاكُهُ منهما جميعًا، فكان من الصانع تفريطٌ ومن الآخر إفسادٌ 142 - كان لصاحب الثوب أن يُطالبَ بقيمة ثوبِه أيهما أحبَّ، فإن أخذ بذلك الصانع رجع الصانعُ على الأجنبيِّ، وإن أخذ بذلك الأجنبيَّ لم يَرجع الأجنبيُّ على الصانع بشيء، وإن كان من الصانع تسليطٌ بغلط أو عَمْدٍ كان
الجزء: 10 - الصفحة: 4887
لصاحب الثوب أن يبتدئ بالصانع.
واختُلف: هل له أن يبتدئ بالأجنبيِّ؟ فإن ابتدأ بالأجنبي (1) لم يرجع الأجنبيُّ على الصانع، وإن ابتدأ بالصانع، نظرتَ: فإن كان ذلك التسليط بعمد لم يرجع على الأجنبي بشيء، واختلف إذا كان تسليطه (2) بغلط.
فصل (3) [في تضمين الصانع إذا تعمد التفريط في المضمون]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم في القَصَّار ينشر الثوبَ على حَبْلٍ، فيمرّ إنسانٌ بحملٍ فيخرقه: إن الغُرْمَ على الذي خرقه ولا شيءَ على القصار وإن كان الذي خرقه عديمًا 146.
قال الشيخ -رحمه الله-: وإن كان من القصار في ذلك مشاركة؛ لأنه لم يُعَلِّه 147 عن المارة، أو ينشره 148 في موضع يخاف عليه فيه لكان لصاحب الثوب أن يُغَرِّم أيهما أحب، فإن غَرَّم 149 الأجنبيَّ لم يرجع بذلك على القصّار، وإن غَرَّم 150 القصارَ رجع به 151 على الأجنبيِّ، هذا ظاهر المذهب، واستحسن أن لا يكون عليه شيء إذا لم يتعمد ولم يرد ذلك؛ لأن القصار عرض به لما خرج بفعله عن المعتاد.
وقال ابن القاسم فيمن وضع قلالًا في طريق الناس، فعثر عليها إنسانٌ فكسرها: إنه ضامن 152. قال محمد: وإن انكسرت رِجْلُ الذي عَثَرَ عليها فلا شيء عليه، كان وضعها في غير موضع عمدًا أو ليرفعها مكانه وليس ليعثر143144145
الجزء: 10 - الصفحة: 4888
عليها أحد (1). قال الشيخ -رحمه الله-: وأرى إذا وضعها استراحةً ثم يرفعها أو ما أشبه ذلك- أن يضمن له ولا يضمن هو ما حدث عنها، وإن جعل ذلك موضعًا لها وهو موضع المارة ضمن ما حدث عنها ولم تضمن له، إلا أن يتعمد الآخرُ كسرَها، ولو مرَّ بها إنسان في ليل فكسرها لم يضمنها له، إلا أن يتعمد الآخرُ (2)، وسواء كان الآخر جعل ذلك موضعًا لها أو استراحةً ليرفعها؛ لأنه غرّر بها وكان عليه أن يقف عندها ليصرف المارة عنها.
فصل [في تضمين الصناع ما يتلف في أيديهم إلا إذا أقاموا بينة على عدم التفريط]
وقال مالك 155 في "المدونة" في القَصّار يأتي بالثوب وفيه أثر يزعم أنه قرضُ فأرٍ، قال: هو ضامن إلا أن تقوم له بينة أنه قرضُ فأرٍ وأنه 156 لم يفرط 157. وقال ابن حبيب: إذا ثبت أنه قرضُ فأرٍ أو أنه لَحْسُ سُوْسٍ لم يضمن القصارُ ولا المرتهنُ.
وإن ادّعى المالك أنهما ضيعا حلفا 158؛ لأن الفأر والسوس غالبٌ، وقولُ مالك في القَصّار أنه ضامن حتى يثبت أنه لم يفرط- حسنٌ؛ لأنه قد علم منهم استعمالَ المتاعِ، ويحملون فيه 159 اللحم والسمك وغيره من الطعام مما هو السبب في قرض الفأر.153154
الجزء: 10 - الصفحة: 4889
وأما الخياط 160 وما أشبهه 161، فمحمول على أنه لا سبب له في ذلك الفساد، وأيضًا فإنه ليس كل مصنوع يتحفظ به أو يجعل في تابوت أو صندوق، ولا كل مصنوع يخشى عليه من الفأر، فما كان الشأن أنه لا يجعل في غلق ولا 162 يخشى ذلك عليه- فلا شيء على الصانع فيه، ولا يكلف البينة أنه لم يفرط.
وأما السُّوْسُ فإن كان السببُ في ذلك طولَ 163 مَطْلِ الصانعِ ولم يتفقده بالنَّفض والنَّشر- كان مفرطًا وضمن، وهو في الرهان أشكل؛ لأن صاحبه دخل على بقائه إلى مدة يتسوس فيها 164 ولم يُلْزِم المرتهنَ تفقُّدَه.
وقد قال ابن وهب في "الدمياطية" في المرتهن: يضمن الرهن إذا اسْتاسَ عنده 165.
ولم ير ابن القاسم في "المدونة" على الصانع في الحريق شيئًا إذا ثبت احتراقُه أو ثبتتْ سرقتُه 166، وسوّى بين الحرق والسرقة 167. وقال مالك 168 في "كتاب محمد" في الحريق: يضمن وإن رُئي ذلك في النار، وكذلك الرهن.
قال محمد: ذلك صواب حتى يعلم أن النار ليست من سبب الصانع 169. فرأى ابن القاسم أن النار فاعلة بنفسها فأشبهتْ الفأرَ والسوسَ، ورأى مالك أن الإنسان سببها وهو موقدها وأن إحراقها لمجتمل أن يكون؛ لأنه تصرف بها فيسقط منها ما، أو لأنه جعلها مجاورة لما أحرقت فترامى إلى غيره، أو لأنه لم يحسن حفظها، وكذلك هو السبب فيه، وهو أشبه من القول الأول.
الجزء: 10 - الصفحة: 4890
باب في سقوط الضمان عن الصانع فيما حدث عن صنعته إذا كان الغالب حدوث ذلكـ من غير تفريط
و 170 قال مالك وابن القاسم وأشهب في "كتاب محمد" في الصانع يدفع إليه القوس يغمزه، والرمح يقومه، والفص 171 ينقشه فينكسر ذلك: لا ضمان عليه إلا أن يغر أو يفرط.
وقال محمد: و 172 لا يضمن من دفعت إليه لؤلؤة ليثقبها فتنكسر 173، قال أصبغ في "العتبية": إذا انخرم الثقب فلا 174 يضمن 175، ولو نفد الثقب لضمن 176 177. يريد: إذا وضع الثقب في غير موضعه.
واختُلف إذا احترق الخبزُ عند الفران، والغزلُ عند المبيض، فقيل: لا ضمان عليه؛ لأن النار تغلب، وقال محمد بن عبد الحكم: هو ضامن 178.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى الثقات من أهل المعرفة بتلك الصنعة، فإن قالوا: إن مثل ذلك يكون من غير تفريط لم يضمن، وإن قالوا: إن ذلك عن تفريط لأنه زاد في الوقيد أو أفرط 179 في التأخير ضمن، وليس كل الاحتراق سواء، وكذلك إذا أخرجه عجينًا فينظر: هل ذلك لتقصير في الوقيد أو لتعجيل في الإخراج؟
الجزء: 10 - الصفحة: 4891
وكذلك الغزل يحترق، فإن قيل: إن ذلك من سبب قلة الماء أو فساد في القدر ضمن.
وإن قيل: إن ذلك يكون من غير تفريط لم يضمن، وهذا إذا أحضر الغزل أو الخبز محترقًا وعرف أنه الذي استؤجر عليه أو صدقه فيه، فإن لم يأت بشيء وقال: فسد فطرحته، لم يصدق وكان ضامنًا إذا لم يحضره 180، وإن أتى بالخبز 181 ولم يعلم أنه الذي استؤجر عليه ولم يصدقه صاحبه فيه ضمن إذا كان يعمل مثل ذلك لنفسه؛ لأنه لا يدري هل الذي أفسده متاعه أو متاع الناس؟ ويتهم أن يكون ذلك متاعه، وإن كان عمله للناس 182 خاصة صدق؛ لأن تمييز ذلك إليه ولا يعلم إلا منه، ولا يتهم أن يفر من أحدهما إلى الآخر، وكذلك إذا كان يخبز لنفسه وكان ذلك مما لا يختلط؛ لأن أحدهما نقي والآخر ليس كذلك، أو كان أحدهما كبيرًا والآخر لطيفًا، فإذا تبين أنه ليس من الصنف الذي يخصه قُبِلَ قولُه وبَرِئَ 183.
الجزء: 10 - الصفحة: 4892
باب في الخياط والصيرفي والدليل يخطئ فيما استؤجر عليه
وإذا استُؤجر خياطٌ على قَيْس ثوبٍ، فقال له: إن كان يقطع ثوبًا اشتريته.
فقال له: إنه يقطع ثوبًا فاشتراه على قوله، ثم وجده دون ذلك، فإن لم يكن غَرَّ من نفسه لم يضمن، واختلف في الأجرة، وإن غَرَّ من نفسه لم تكن له أجرة واختلف في ضمانه.
وإن استُؤجر صيرفيٌّ ينتقد دراهمَ، ثم وجد فيها بعد ذلك 184 زيوفًا، فإن لم يكن غَرَّ من نفسه 185 لم يضمن.
ويختلف في الأجرة حسب ما تقدم، وإن غَرَّ ضمن وله أجره، وهذا بخلاف الأول؛ لأن هذا يأخذ منه جيادًا، فصار إلي غرضه فيما بدل 186 له 187 العوض، والآخر لم ينتفع بما بدل 188 له العوض وإن ضمنت له القيمة.
ولو قال للخياط: إن كان يُقْطَعُ قميصًا فاقطعه وإن كان لا يكسو قميصًا فلا تقطعه، فقطعه، ثم تبين له أنه عاجز، فإن غَرَّ من نفسه ضمن قولًا واحدًا؛ لأن هذا غرور بفعل، والأول غرورٌ بقول؛ لأنَّه قاس ولم يقطع، وألزم مالك في المسألة الأولى الثوب للمشتري 189. والأحسن 190 أن له أن يرده عليه لأنه قد علم أنه لو علم أنه 191 لا يكسو لم يشتره.
وإن كان البائع عالمًا أنه لا يقطع قميصًا كان ذلك أبين في رده عليه، إلا أن يكون قيس الخياط وكلام المشتري
الجزء: 10 - الصفحة: 4893
معه 192 على قياسه في غيبة صاحبه.
وإن قال: دلّني على جاريةِ فلانٍ أشتريها لصفة 193 بلغتْهُ عنها فَدَلَّهُ على غيرها فاشتراها، فإن لم يَغرَّ لم يضمن، واختلف في الجعل، وإن غَرَّهُ لم يكن له جعل، واختلف في ضمانه، وإن كان البائع عالمًا قبل البيع أن المشتري إنما اشتراها لأنه يراها أنها أمةُ فلانٍ - كان له أن يردها عليه.
وكذلك إذا قال له: دلّني على ابنة فلان لأتزوجها، فَدَلَّه على غَيْرِها، فالجواب 194 على ما تقدم، وقد قيل: لا شيء له من الأجرة في الدلالة على النكاح وإن لم يخطئ بخلاف الدلالة على البيع، وأراه جائزًا ولا فرق بينهما؛ لأن ذلك يأخذه لمكان عنائه معه.
وإن استُؤجر لِيَدُلَّ على طريقٍ فأوصله إلى غيره ولم يَغرَّ من نفسه، فقال في "كتاب محمد": له الأجرة.
وقال أشهب في "كتاب ابن القرطي": لا أجرة له 195. وهو أحسن؛ لأن الطريق التي 196 استؤجر عليها لم يمر عليها، ولو أخطأ من بعض الطريق لكان له من الأجرة بقدر ما يصل منه 197، وإن كان على البلاغ لم يكن له شيء، وإن غَرَّ من نفسه لم يكن له أجرة.
ويختلف: هل يضمن ما 198 هلك لأجل خطئه من بهيمة أو لصوص أكلوهم في تلك الطريق؟ وإن كان عالمًا بمن كان في تلك الطريق من اللصوص كان أبين؛ لأنه غرور بفعل.
الجزء: 10 - الصفحة: 4894
باب في اختلاف الصانع ومن استأجره في الصفة التي استأجره عليها، وكيف إن قال: ليس (1) هدا الثوب الذي كنتُ (2) استأجرتُك عليه
وإذا نسج الحائك الغزل سبعًا في ست، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآخر: بل بثمان في سبع 201، أو كان اختلافهما في خياطة، فقال أحدهما: عربية، وقال الآخر: رومية، وأتيا جميعًا بما يشبه النسج 202 والخياطة، أو اختلفا في صبغ فقال أحدهما: أحمر، وقال الآخر: أخضر، أو ما أشبه ذلك وأشبه ما قالا؛ لأن الصباغ 203 يصبغ الصبغتين 204 والثوب مما يحسن أن يصبغ بهما- كان في المسألة قولان: فأصل مالك وابن القاسم أن 205 القول قول الصانع أنه لم يتعدَّ، وأن الإجارة كانت على ما صنعه، ويسقط عنه حكم التعدي 206، ويستحق المسمى من الإجارة 207 208، وهو قول مالك في العتبية أن القول قول الحائك 209. وفي "المدونة": أن القول قول الصباغ 210. وقال سحنون: القول قول الصانع في طرح التعدي، والقول قول صاحب الثوب في الأجرة، ويكون عليه الأقل من المسمى أو إجارة المثل 211. يريد: مع199200
الجزء: 10 - الصفحة: 4895
يمينه، إلا أن يكون المسمّى أقلَّ فلا يمين عليه، وإن أحبَّ أن يبقى الصانع معه شريكًا بالصنعة كان ذلك له، ويجري فيها قول آخر: أن يكون القولُ قولَ صاحب الثوب مع يمينه: أنه لم يستأجره على ذلك، ويضمنه قيمة الثوب إن أحبَّ قياسًا على أحد القولين في الوكيل يشتري ثمرًا، ويقول بذلك أمرتني، ويقول الآمر: أمرتك بقمح، فقال ابن القاسم مرة: إن 212 القول قول الآمر ولا يلزمه الثمن لأنهما أمينان، فهذا أمن على ما يشتريه 213، وهذا أمن على ما يصنعه 214.
وهذا في الصانع أبين 215 أن لا يقبل قوله لأنه بائع لسلعته أو منافعه فكان 216 القول قول المشتري أنه لم يشتر منه هذا وإن أتى الصانع بما يشبه دون الآخر؛ لأن عادته أن يصنع جنسًا واحدًا وهو الذي صنع، أو كانت عادته الصنفين 217، ولا يصنع في مثل ذلك الثوب 218 إلا الصنف الذي عمله الصانع - كان القول قوله مع يمينه: أنه لم يتعدَّ، ويستحق المسمَّى قولًا واحدًا، فإن أتى صاحب الثوب بما يشبه دون الآخر حلَف، وكان القول قوله لأنه الغارم، فيحلف 219 أنه لم يشتر منه 220 هذا الصبغ.
ومثله لو اختلفا في صنفين، فقال أحدهما: أزرق، وقال الآخر: أحمر، وقال صاحب الثوب: أنا أسقط مقالتي في التضمين، وأحلف أني لم أستأجره على هذا فأدفع عن نفسي غرم الإجارة في هذه الصنعة ويكونان شريكين-
الجزء: 10 - الصفحة: 4896
كان ذلك له.
ولو صبغه أزرق فقال 221 الآخر: كانت الإجارة على أكحل- لكان القول قول صاحب الثوب على القولين جميعًا؛ لأن ذلك الصبغ ليس بفوت وهذا قادر على أن يعيده على صفة ما حلف عليه الآخر، فإن رضي بذلك الصانع أن يصبغه أكحل، وإلا حلف ولم يستحق من المسمى إلا بقدر ما حلف عليه 222 صاحب الثوب؛ لأن القول قول الصانع: أنه لم يبع الزائد على الصفة التي صبغ.
وقال مالك في "المدونة" في الصواغ تدفع إليه فضة فيصوغها سوارين، فقال الآخر: استعملتك لتعملها خلخالين- فالقول قول الصواغ 223. يريد فيدفع عن نفسه العداء؛ لأنها لو كسرت وأعيدت نقصت، وعلى قول سحنون يكون القول قول صاحب الفضة أنه لم يستأجره ليعملها 224 سوارين، والقول قول الصانع أنه لم يتعدَّ ويكونان شريكين، هذا له قدر الفضة والآخر قدر الصنعة، إلا أن يحب صاحب الفضة أن يعطيه إجارة المثل إذا كانت أقل والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 4897
باب في القصار (1) يخطئ فيدفع الثوب إلى غير صاحبه، فيقطعه الآخر أو يخيطه أو يلبسه
ومن "المدونة" قال ابن القاسم في القصار يخطئ فيدفع الثوب إلى غير صاحبه فيقطعه الآخر أو يخيطه، ثم يأتي صاحبه: إن له أن يأخذه ويدفع إلى الخياط أجر الخياطة، فإن أبى أن يدفع أجر الخياطة كان الذي خاطه بالخيار بين أن يعطيه قيمته صحيحًا أو يسلمه بخياطته، فإن أسلمه كان صاحبه بالخيار بين أن يمسكه أو يسلمه للقصار ويغرمه قيمته 226. وقال سحنون: إذا أبى صاحب الثوب أن يعطي أجر الخياطة، لم يكن له إلا أن يضمن القصار ثم يقال للقصار: أعطه أجر خياطته، فإن أبى أعطاه الآخر قيمته غير مخيط، يريد مقطوعًا، قال: فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه وهذا بخياطته 227. قال الشيخ -رحمه الله-: لا خلاف أن لرَبِّ الثوبِ أن يُغرم القصارَ قيمة ثوبه صحيحًا، وإنما الخلاف في حكم القصار ورب الثوب مع القاطع، فاختلف في أربعة مواضع: أحدها: هل يغرم القصار ما نقصه القطع؟ والثاني: هل لصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه في الخياطة؟ والثالث: إذا لم يكن على القاطع أن يغرم عن القطع شيئًا وتمسك به لمكان خياطته: هل يغرم قيمته صحيحًا أو مقطوعًا؟ والرابع: إذا لم يختر أن يمسكه لموضع خياطته وسلمه: هل يسقط225
الجزء: 10 - الصفحة: 4898
مقاله في الخياطة أو يكون شريكًا بها؟
فأما الغرم عن القطع ففيه ثلاثة أقوال: فرأى ابن القاسم 228 شيء لصاحبه على القاطع بما 229 كان قادرًا على أن يأخذ قيمته من القصار صحيحًا ولا يكون للقصار على القاطع شيء 230؛ لأنه سلَّطه على القطع، إلا أن يكون القصار عديمًا فيرجع على
القاطع بما نقصه القطع؛ لأنه مستحقٌّ لثوبه في يد من قطعه.
و 231 القول الثاني: أن 232 للقصار أن يغرمه قيمة القطع قياسًا على قول مالك في "كتاب محمد" فيمن اشترى ثوبًا فأعطاه البائع غيره فقطعه المشتري: إن عليه قيمة القطع 233، يريد: لأن البائع سلمه، وهو يرى أنه مجبور على تسليمه، وكذلك القصار القول قوله 234.
والقول الثالث 235: أن لا شيء على القاطع وإن كان القصار عديمًا قياسًا على أحد القولين فيمن اشترى عبدًا فقتله خطأ فقد قيل: لا شيء على القاتل، فكذلك 236 القاطع، إلا أن يقوم دليل أنه عالم أنه 237 غير ثوبه؛ لأنه أجود بالشيء البين، أو أطول بالشيء الكثير - فلا يصدق أنه لم يعلم.
وأما الخياطة، فقال ابن القاسم: لا يأخذه صاحبه إلا أن يدفع أجرة الخياطة 238. وقيل: إن نقصت الخياطة من قيمته كان لصاحبه أن يأخذه بلا
الجزء: 10 - الصفحة: 4899
غُرمٍ إن أحب، وإلا ضمن القصار.
وهذا راجع إلى الخلاف: هل تكون الشركة بقيمة الخياطة أو بما زادت؟ والصواب أن تكون الشركة بما زادت الصنعة فإن لم تزد لم يكن له شيء، ويجري فيها قول ثالث: أن لا شيء له وإن زادت، قياسًا على أحد القولين فيمن استحق قمحه وقد طحن: أن لا شيء على المستحق؛ لأن الطحن 239 والخياطة ليست بسلعة أضيفت إليها كالصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا أبى المستحق أن يدفع أجرة الخياطة وأمسكه القاطع لموضع خياطته: أنه يغرم قيمته صحيحًا 240. وقيل: يغرم قيمته مقطوعًا.
وهو 241 أحسن؛ لأن ابن القاسم لم يجعل عليه للقطع شيئًا إذا أسلمه، وكذلك 242 ينبغي إذا أمسكه أن لا يكون عليه في القطع شيء.
وقال ابن القاسم فيمن اشترى ثوبًا فأعطاه البائع غيره فقطعه: إن لصاحبه أن يأخذه مقطوعًا ولا شيء على القاطع، وإن خاطه لم يكن له أن يأخذه، إلا أن يدفع أجر الخياطة، فإن أبى قيل للآخر: أعطه قيمته صحيحًا، فإن أبى أسلمه بخياطته.
وقال سحنون: إذا أبى هذا أن يعطي أجر الخياطة وأبى الآخر أن يعطيه قيمة الثوب كانا شريكين 243.
وقال مالك في "كتاب محمد": إذا قطع المشتري الثوب، فإن أدركه البائع أخذه، وإن لم يدركه لم يكن عليه فيه شيء وكان للمشتري ثوبه 244؛ لأنه يقول: لا أريد ثوبين وإنما اشتريت ثوبًا بدينارين ولم أرد ثوبًا بعشرين 245. وإن كان الثاني
الجزء: 10 - الصفحة: 4900
دون ثوبه لكان له أن يرده وما نقصه القطع ويأخذ ثوبه، وله أن يدفع قيمته يوم قبضه، ثم يكون بالخيار في ثوبه: فإن أحبَّ أخذه، وإن أحب لم يأخذه؛ لأنه يقول: لم أرد إلا ثوبًا ولم أرد ثوبين، فيلزمه ما نقصه 246 القطع.
وقول ابن القاسم أبين 247؛ لأن البائع أخطأ على ماله وسلطه على قطعه, ولو باعه لمن أسلمه 248 إليه لم يكن عليه سوى الثمن الذي باعه به، وإن ضاع وثبت ضياعه ببينة كانت مصيبته من البائع، ويأخذ المشتري ثوبه في جميع ذلك.
ومحمل قول مالك أن الثاني يمضي في الأول وإن كان الثاني أثمن - على أنه تلف ببينة؛ لأن البائع طالب الفضل فإذا ضاع قال: أنا 249 أسقط مقالتي في ذلك الفضل وأمضيه له بثوبه.
وكذلك إذا فات بلباس ولم يُصَوِّن به مالَهُ؛ لأن الأول كان يغني عن الثاني، وإن فات ببيعٍ كان للبائع أن يأخذ ما بيع به ويسلم الثوب الذي بقي عنده، ويتفق في هذا الموضع مالك وابن القاسم، إلا أن يُرَى أن فضل ما بين الثوبين لا يخفى على مثل ذلك المشتري، فيحمل على أنه قطعه بعد معرفته أنه غير ثوبه، ويلزمه غرم قيمته ويأخذ ثوبه.
وقال مالك: إذا أمر البزاز بعض قومه أن يدفع الثوب إلى مبتاعه، ثم قال بعد ذلك: إن الثوب المقبوض غير المبيع، أحلف بالله ورد عليه الثوب، ولو كان هو دافعه لم يصدق إلا أن يأتي بأمر يعرف فيه صدقه من رقم الثوب أنه أكثر مما باعه به أو شهادة 250.
الجزء: 10 - الصفحة: 4901
فصل [في ضمان اللابس للثوب ما نقصه]
وإن لبس الثوب الذي سلمه إليه القصار فلم ينقصه اللباس - لم يكن عليه للمستحق شيء، وإن نقصه شيئًا 251 نظر إلى قيمة ذلك النقص، فإن كان نصف دينار ولو لبس ثوبه لنقص نصف دينار- كان عليه أن يغرم لصاحبه قيمة ذلك النقص، وسواء ها هنا كان القصار موسرًا أو معسرًا؛ لأنه صَوَّن ماله بخلاف القطع، ومثله إذا كانت قيمة نقصه نصف دينار ولو لبس ثوبه لنقصه دينارًا 252. ولو 253 كان نقص هذا الملبوس دينارًا، ولو لبس ثوبه لنقصه نصف دينار - لغرم اللابس نصف دينار وغرم القصار نصفًا إن كان موسرًا؛ لأن اللابس لم يُصَوِّن مالَهُ وصار في هذا الوجه كالقطع، وإن كان معسرًا غرم اللابس على أصل ابن القاسم جميع الدينار 254. وقال أشهب: إذا لبس كل واحد منهما 255 ثوب صاحبه 256 ضمن كل واحد منهما 257 ما نقص ثوب الآخر، فإن 258 أخلقاهما ضمن كل واحد قيمة ثوب الآخر ولا شيء على الغسَّال 259. وعلى أصل ابن القاسم يتبع الغسال بفضل ما بين القيمتين، فإن لم يجد 260
الجزء: 10 - الصفحة: 4902
له شيئًا فحينئذٍ يغرم اللابس، وإن كان 261 اللابس عالمًا كان عليه أن يغرم ما نقصه اللباس، وسواء كان القصار موسرًا أو معسرًا، فإن كان اللابس معسرًا رجع على القصار ثم يتبع القصار اللابس، وإن لبس كل واحد منهما ثوب صاحبه وهو عالم رجع من له الفضل على صاحبه، فإن كان معسرًا غرم القصار ذلك الفضل ثم أتبع به اللابس 262.
الجزء: 10 - الصفحة: 4903
باب في من اشترى سلعة ثم مات هو والمشتري (1) وجهل ورثتهما معرفة الثمن
وقال ابن القاسم في "المدونة" فيمن اشترى سلعةً ثم مات هو والبائعُ قبلَ دفع الثمن، وجهل ورثتُهما الثمنَ قال: يحلف ورثة المشتري أنهم لا يعلمون بما 264 اشتراها به أبوهم، ويحلف ورثة البائع على مثل ذلك، ثم تُرَدُّ السلعُ 265 إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كانت فائتة، قال: وإن ادَّعى أحدُهما معرفةَ الثمن وادَّعى الآخرون 266 الجهلَ - كان القولُ قولَ من ادَّعى المعرفةَ منهما إذا أتى بأمر سداد يشبه 267، فيفسخ 268 البيع إذا كانت قائمة 269 بعد أيمانهما على جهل الثمن بمنزلة إذا ادعيا التحقيق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وأرى ألا يُفسخ البيعُ ويغرموا 270 الأوسط من القيمة؛ لأنهما متفقان أن في الذمة دينًا 271 لا يدريان 272 كم هو، فوجب أن يغرم الأوسط 273 مما شك فيه.
ولو كان ورثةُ الميتين عصبةً وممن يُرَى ألا 274 علم عندهم - لم يكن بينهم يمين ورُدَّتْ على أصله مع القيام، وغرم الأوسط من القيمة مع الفوت من غير263
الجزء: 10 - الصفحة: 4904
يمين على أحد من 275 الفريقين.
وإن كان يُرَى أنَّ عند أحد الفريقين علمًا دون الآخر - كانت اليمين في جنبة من يرى أن عنده علمًا 276 خاصة.
وإذا كانت اليمين على الفريقين؛ لأنهما ممن يظن بهم العلم فحلف أحد الفريقين ونكل الآخر - نَظرْتَ: فإن حلف ورثةُ المشتري غرموا الأقلَّ مما يشبه، وإن حلف ورثةُ البائع كان لهم الأكثرُ 277 مما يشبه، وقيام السلعة ها هنا وفوتها سواءٌ، بمنزلة لو ادعيا التحقيق فحلف أحدهما ونكل الآخر: أن السلعة لا ترد مع القيام، ويكون القولُ قولَ من حلف منهما من بائعٍ أو مشترٍ.
فإن ادَّعى أحدُ الفريقين العلمَ بالثمن وأتى بما يشبه، ثم نكل عن اليمين وأشبه أن يكون عند الفريق الآخر من ذلك علم - حلفوا أنه لا علم عندهم، ثم ينظر إلى من نكل: فإن كان ورثة البائع كان لهم أقل مما 278 يشبه أن تباع به, وإن كان ورثة المشتري كان عليهم أكثر ما يشبه أن تباع به، وإن نكل من ادَّعى الجهلَ وصار النكولُ من الفريقين جميعًا رُدَّتْ على قول ابن القاسم إن كانت قائمةً، أو قيمتَها على أوسط ما تباع به إن كانت فائتة، وإن نكل من ادَّعى العلمَ وكان الفريق الآخر ممن لا يُظن به علمٌ - لم يكن عليهم يمين، وعاد الجواب فيمن لا يمين عليه إلى ما تَقدَّم لو حلفوا مع كونهم ممن يظن بهم العلم، ومثله إذا أتى من ادَّعى العلم بما لا يشبه، وحلف 279 الآخرون أنهم لا علم عندهم، أو لم يحلفوا؛ لأنه لا يظن بهم علم - فإن لمن أتى بما لا يشبه الأقلَّ إن كانوا 280 ورثة البائع 281، وعليهم الأكثر إن كانوا ورثة المشتري.
الجزء: 10 - الصفحة: 4905
باب في النفقة على اللقيط، وكيف إن اعترفه أبوه بعد الإنفاق عليه
وقال مالك في كتاب الإجارة: النفقة على اللقيط من بيت المال 282، وقال محمد: نفقته على ملتقطه 283. وقول مالك أصوب؛ لأن نفس أخذه لا يوجب عليه شيئًا، والملتقط بالخيار: بين أن يمسكه وينفق عليه، أو يمسكه ويطلب النفقة له 284 من بيت المال إن كان بيت مال 285 أو من الناس، أو يرفعه إلى السلطان يرى فيه رأيه ويكون هو المتولي لحفظه، وقد يقول: أخذته لأختبر: هل يعرفه 286 أحد؟ وإلا أرسلتُه.
وقوله في جميع ذلك مقبول.
واختلف فيمن أنفق على صغير على أن يتبعه عندما لم يوجد من ينفق عليه، فقال ابن القاسم: لا يتبعه بشيء 287. وقال أشهب: يتبعه 288.
فوجه الأول أن النفقة على الصغير واجبة وعلى الناس مواساته 289، ثم لا رجوع عليه 290 إذا كبر، وإذا كان ذلك كان رجوع هذا على من كانت تجب عليه نفقته متى قدر عليهم؛ لأنه حق كان عليهم.
ووجه القول الآخر أن ذلك يؤدي إلى ضياعه وهلاكه؛ لأنه متى علم هذا أن لا رجوع له - تركه فضاع أو هلك، فكان من حسن النظر أن يجعل له
الجزء: 10 - الصفحة: 4906
الرجوع عليه إذا أنفق.
واختلف فيمن أنفق على صغير وكان قد طرحه أبوه متعمدًا وهو موسر، فقال ابن القاسم: له أن يرجع على الأب بتلك النفقة، وقال أشهب: لا شيء له 291، يريد: لأنه أنفق على وجه الاحتساب والأجر، وذلك محسوب له لا يزول باعتراف أبيه له، والأول أبين؛ لأنه يقول: لو علمت أن له من تلزمه نفقته لم أنفق إلا على اتباع 292 بها.
وأرى أن يرجع على الأب وإن 293 لم يكن طرحه كالأول؛ لأنه لو علم أن له أبًا وقال: أنا أنفق على أن أرجع على الأب - كان ذلك له، وإذا كان له أن يرجع مع العلم بالأب كان له أن يرجع إذا لم يعلم به؛ لأنه يقول: لو علمت أن له من تلزمه نفقته إذًا أنفقت على الإتباع لم أنفق على وجه الحسبة، ولو تبيّن أن للصبي مالًا كان له أن يرجع في عين ذلك المال، فإن تلف لم يتبعه، وعلى أصل أشهب لا يرجع في ذلك المال بشيء؛ لأنه أنفق على وجه الحسبة، والأول أبين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4907
باب في من سقط له دينار في دنانير لغيره, وفي التداعي في الثواب على أجزاء مختلفة
وإذا سقط دينار في مائة دينار لآخر فاختبراه فلم يعرف، ثم ضاع منها دينار - كان الذاهب بينهما 294 على قدر جملة الدنانير؛ لأنه لما اختبر قبل الضياع فلم يعرف ثبتتْ 295 الشركةُ به في الجميع، فكان الضياع بعد ثبوت الشركة.
واختلف إذا لم يُنظر في ذلك حتى ضاع دينارٌ، فقال مالك: الضائع بينهما 296 على قدر جملة الدنانير كالأول، وقال ابن القاسم: لصاحب المائة تسعة وتسعون ويقتسمان دينارًا بينهما نصفين؛ لأنه لا يشك أن تسعة وتسعين لصاحب المائة، فكيف يدخل الآخر 297 فيما يستيقن أنه لا شيء له فيه 298.
وقول مالك أبين؛ لأن الشركة وجبت قبل الضياع؛ لأنه لو اختبر قبل ذلك لم يعرف إذا كانت السكة واحدة.
ولو كانت ستة دنانير لثلاثة نفر: لواحد ثلاثة، ولآخر ديناران، ولآخر دينار، فاختلطت، ثم ضاع منها دينار: فإن كان الضياع بعد أن اختبرت فلم يدرِ كلُّ واحد منهم 299 دنانيره، وثبتت الشركة، كان الذاهب من جميعهم والباقي بينهم أسداسًا 300، وإن كان الضياع قبل الاختبار جرتْ على الخلاف
الجزء: 10 - الصفحة: 4908
المتقدم، فعلى قول مالك يقتسمون 301 الخمسة أسداسًا، وعلى قول ابن القاسم يبدأ صاحب الثلاثة بدينارين وصاحب الاثنين بدينار؛ لأنه لا منازعة لأحد منهم على الآخر في ذلك، ويبقى ديناران 302 لا منازعة لصاحب الدينار الواحد عليهما في واحد منهما ويسلمه، ثم يقتسمانه بينهما نصفين لتساويهما في العاجز عنهما؛ لأن الباقي لهما بعد الثلاثة التي أخذاها ديناران لكل واحد دينار، فكل واحد يجوز أن يكون له جميعه، ثم يعودان إلى الدينار الخامس فيقتسمونه أرباعًا: لصاحب الدينار الواحد نصفه، ولكل واحد من الآخرين ربعه؛ لأن العاجز عنهما دينار واحد، لكل واحد نصفه، جميع العاجز عنهما دينار وللآخرين دينار 303، فكان مجموع دعواهما مثل دعوى الآخر وحده.
ولو تنازع رجلان ثوبًا، فقال أحدهما: لي جميعه، وقال الآخر: لي نصفه فاقتسماه على قول مالك أثلاثًا، وعلى قول ابن القاسم أرباعًا - فلمدعي جميعه ثلاثة أرباعه: نصف بتسليم صاحبه له، ونصف النصف لتساوي دعواهما فيه، وقال أشهب: يقتسمانه نصفين؛ لأن يد كل واحد منهما على نصفه 304.
ولو تنازعه ثلاثة: فادَّعى أحدُهم جميعه، وآخرُ 305 ثُلُثيه، والآخر ثُلُثَهُ، فإن تصادق مُدَّعِي ثلثَيْه ومُدَّعِي ثلثِهِ على ما يدعيه كلُّ واحد منهما وأنكر مدعي جميعه - كان الثوبُ بينهم أسداسًا: لمدعي ثلثِهِ سدسُهُ 306، ولمدعي ثلثَيْه ثلثُهُ، ولمُدَّعِي جميعِهِ نصفُهُ؛ لأنَّ دعوى الاثنين مقابلةٌ لدعوى من قال: لي جميعه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4909
وإن كذَّب كلُّ واحد من مُدَّعِي الثلثين والثلث الآخرَ، عاد الجوابُ فيها إلى مسألة الدنانير، فيقول 307 مُدعِي الجميع للآخرين: أنتما مُقِرَّان لي بالثلث، وإنه لا شيءَ لكما فيه، فيختصُّ به دونهما، ثم يقول لمُدَّعِي الثلث: أنت مُقِرٌّ أن لا حق لك بعد ثلثه فارْفعْ يدَكَ عنه، ثم يرجع مقاله فيه مع مُدَّعِي ثلثيه، فيقتسمان ذلك الثلث بينهما نصفين؛ لتساوي دعواهما فيه, فإنّ كل واحد منهما يقول: لي جميعه، ثم يعود مقالهم 308 في الثلث 309 الباقي وهو ثلثه، وكل واحد منهم يقول: لي جميع ذلك الثلث، فيقتسمونه أثلاثًا، فيكون الثوبُ 310 بينهم على ثمانية عشر جزءًا: لمدعي 311 جميعه أحد عشر جزءًا، ولمدعي ثلثيه خمسةُ أجزاء، ولمدعي الثلث جزءان.
وعلى قول أشهب يكون بينهم أثلاثًا 312.
الجزء: 10 - الصفحة: 4910
باب في من سقط له زيت في زنبق لغيره أو شعير بقمح
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن سقط له رطل زيت في زنبق لآخر: إن صاحب الزنبق بالخيار بين أن يغرم مثل ذلك الزيت، أو يسلم رطلًا من الذي وقع فيه 313. وقال سحنون: ليس على صاحب الزنبق أن يشتري مثله 314، ولا أن يعطي مثل 315 تلك المكيلة من ذلك الزنبق، ولكن يباع بمنزلة القمح والشعير يختلطان، فإن الشعير يعيب القمح والقمح لا يعيب الشعير 316، وهذا أحسن أن يباع فيقسمان الثمن على قيمة الزنبق معيبًا والزيت غير معيب، ويجوز أن يقتسماه على مثل الأجزاء التي يقتسمان الثمن لو بيع عليها 317؛ لأن التفاضل فيه جائز، فيأخذ كل واحد منهما ما ينوبه من ذلك.
وإن صار لكل واحد منهما بعض ملك الآخر، مثل 318 الأرض تبنى بوجه شبهة ثم تستحق، ويأبى المستحق من دفع قيمة البناء، والآخر من دفع قيمة الأرض فيكونان شريكين - فمن دعا منهما بعد ذلك إلى القسم قُبِلَ قولُه، وإن صار لصاحب الأرض بعضُ بناءِ صاحبه، ولصاحب البناء بعضُ أرضِ الآخر، ولو كان المختلط قمحًا وشعيرًا كانا شريكين فيه على القيم: على قيمة القمح معيبًا والشعير غير معيب يباع ويقتسمان الثمن على مثل ذلك، ويتفق في هذا ابن القاسم وأشهب 319.
الجزء: 10 - الصفحة: 4911
ولو تراضيا على قسمته على القيم لم يجز إلا نصفين على قوليهما جميعًا، وهما ها هنا بخلاف أن يتعدّى فيه متعدٍّ؛ لأن لهما في التعدي ذمةً تطلب، فإذا أخذاه كان أخذه عمَّا وجب في الذمة على أحد القولين فيمن خُيِّرَ بين شيئين، فإذا اختلط من غير فعل آدمي ولم تكن هناك ذمة تتبع - كانت الشركةُ على القيم قولًا واحدًا، وإذا صحت الشركةُ على القيم اقتسما الثمن، فيكون كل واحد منهما قد أخذ ثمن شيئه، وإذا اقتسماه على القيم كان أخذ كل واحد منهما بعض متاعه وبعض متاع صاحبه وذلك ربا.
ولو سقط من يده زيتٌ على زنبقٍ وشعيرٌ على قمحٍ كان ضامنًا: لهذا مثل زنبقه 320، ولهذا مثل قمحه.
ولو طرحت الريحُ ثوبًا في خابية 321 الصبَّاغ لم يضمن صاحبُ الثوبِ للصباغ 322 شيئًا، ولا الصباغُ لصاحبِ الثوبِ شيئًا 323، وكانا شريكين فيه: هذا بقيمة ثوبه، وهذا بما زاد الصبغ، إلا أن يحب صاحب الثوب أن يعطيه قيمة تلك الزيادة وإن لم يزد لم يكن له شيء، ولو سقط من يده ضمن للصباغ قيمة ذلك الصبغ، ليس ما زادت قيمته في الثوب 324.
الجزء: 10 - الصفحة: 4912