كتاب الوصايا الثاني
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)
الجزء: 8 - الصفحة: 3617
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم
كتاب الوصايا الثاني
باب في اختلاف الشهادة (1) في الوصية
2
وإذا شهد شاهدان بوصية الثلث، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق هذا العبد وهو الثلث، وكانت الشهادة عن مجلسين، لم ينظر إلى أعدل البينتين، وكانت الشهادة بالعتق أولى إذا كان العبد ممن لا يرغب في ولائه.
واختلف إذا كان ممن يرغب في ولائه، وكان في الورثة نساء أو لم يكن، فقال ابن القاسم: الشهادة بالثلث أولى 3. وقال محمد: الشهادة بالعتق أولى 4. وهو أحسن؛ لأن الولاء أمر يبعد رجوعه ولا يتهم فيه الآن، وأرى الشهادة بالثلث أولى ليس للتهمة في الولاء، والتهمة ها هنا في الفرار من الشركة في كل ما يخلفه الميت من ثوب ومسكن وغيره، فيسكن معهم الدار ويستخدم العبد 5 ويدعوهم إلى البيع، ولو كانت الوصية بالثلث للمساكين، لكان1
الجزء: 8 - الصفحة: 3619
أخف، وإن اختلفت 6 الشهادة عن مجلس واحد، كان 7 تَكَاذُبًا، فإن كان العبد ممن لا يرغب في ولائه قضي بأعدل البينتين للعتق أو للثلث، وإن تكافأتا في العدالة وقف بعضها بعضًا، ويعتق العبد بإقرار الورثة إذا لم يكن معهما غيرهما، وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل: قد اتفقت الشهادات على وصية الميت، وأنها تستغرق الثلث، فعلى الورثة أن يخرجوا من الثلث لأهل الوصايا فيقتسمونه بينهم، فيأخذ الموصى له بالثلث نصف وصيته، ويعتق نصف العبد، وهو أبينها.
وإن شهد شاهدان أنه وصى بالثلث، وشهد وارثان أنه رجع عنه إلى عتق هذا العبد، وكان ممن لا يرغب في ولائه، كان العتق أولى على مذهب ابن القاسم، وإن شهد وارثان بالثلث لرجل، وشهد شاهدان أنه أوصى بالثلث لآخر 8، والشهاداتان عن مجلسين قضى بجميعهما وكان الثلث بين الموصى لهما نصفين، وإن كانت الشهادتان عن مجلس قضى بأعدلهما.
واختلف إذا تكافأتا 9 هل تقسم بينهما أو يكون لمن شهد 10 له الورثة؟ وأن يقسم 11 بينهما أحسن.
وإن كان الورثة أدنى عدالة فقضي بالثلث للآخر، كان لمن شهد له الورثة ثلث الباقي، وقيل: له الثلث كله، وكذلك في العتق إذا كان الحكم أن يبدأ بالثلث، ثم صار العبد إلى الشاهدين من الورثة، فقال ابن
الجزء: 8 - الصفحة: 3620
القاسم: يعتق جميعه ويكون الغصب على الورثة.
وقال أشهب: يعتق ثلثاه، وهذا إذا اقتسما حتى صار العبد إلى الشاهدين، فأمَّا مع بقاء الشركة مع البنات، فإنه لا يعتق من العبد شيء؛ لأنَّ عتق نصيب من أقرَّ عيب على البنات.
الجزء: 8 - الصفحة: 3621
باب فيمن أوصى بخدمة عبد وبمرجعه إلى عتق، أو إلى فلان أو أوصى مع ذلكـ بدنانير أو بالثلث
وقال مالك فيمن أوصى بخدمة عبده 12 لرجلٍ سنة ثم هو حر فلم يحمله الثلث ولا أجازت الورثة: عتق منه ما حمل الثلث بتلًا، وسقطت الخدمة 13. وقال أيضًا: ينظر إلى ما حمل الثلث منه فيخدم فلانًا سنة ثم يعتق ذلك الجزء بعد انقضائها 14.
ولم يختلف أنه إذا جعل المرجع بعد الخدمة إلى فلان فضاق الثلث أنه لا يبدى أحدهما على الآخر، وإنما يقطع لهما من ذلك العبد بما حمل الثلث، ثم يختدم الموصى له بالخدمة ذلك الجزء، فإذا انقضت عاد إلى من جعل له المرجع ولم يجعل صاحب الخدمة بمنزلة من جعل له التبدية من الثلث فيقطع له بجميع الثلث إذا لم يحمل 15 الوصايا، وإنما قصد الميت قسمة ذلك بينهما فجعل لهذا خدمة ولهذا مرجعًا، ولهذا قال مالك مرة: إنه إذا جعل المرجع إلى عتق لا يبدأ العتق؛ لأن الميت ساوى بين الوصيتين ولم يبدِ إحداهما على الأخرى.
وإن قال: يخدم عبدي فلانًا سنة ولم يحمله الثلث ولم يُجِزْ الورثة، قطع للموصى له بالثلث شائعًا، وإن قال: له خدمته حياة العبد قطع له في عين 16
الجزء: 8 - الصفحة: 3622
العبد بخلاف الأول؛ لأنَّ هذا أخرج العبد جملة عن الورثة فأشبه إذا أوصى برقبته، والأول فيه معاوضة؛ لأنه أخذ من خدمة العبد فوق نصيبه على أن أعطاهم 17 ماله 18 فيه من المرجع، وكذلك إن قال: يخدم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فيه معاوضة من الميت، فإن لم يجيزوا قطعوا له بالثلث.
كان قال: يخدم فلانًا سنة ثم ورثتي سنة ثم مرجعه لفلان فلم يحمله الثلث، قطع للموصى لهما بالثلث شائعًا هذا بقيمة خدمته سنة والآخر بقيمة المرجع بعد سنتين، وإن أوصى بخدمة عبد وبعتق آخر وضاق الثلث، يدي بالعتق، وإن أوصى برقبة الآخر 19 لفلان تحاصا هذا بقيمة الخدمة على غررها والآخر بقيمة الرقبة، فما ناب المخدم أخذه شائعًا، وما ناب الآخر قطع له به في العبد، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو لفلان، وقال في آخر: هو لفلان، تحاصا فيضرب الموصى لهما 20 بالخدمة والمرجع بقيمة ذلك العبد بتلًا؛ لأنَّ الميت أخرج جميعه لهما ويضرب الآخر بقيمة العبد، فما ناب المخدم خدم الموصى له بالخدمة ما حمل الثلث منه, ثم كان مرجع ذلك القدر لمن جعل له، وما ناب الآخر أخذه في عين ذلك العبد أيضًا، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا عشر سنين ثم هو حر ولفلان مائة دينار، فكان الثلث: العبد وخمسين دينارًا، أخذه الموصى له بالمائة وهي نصف وصيته وأخذ الآخر نصف الخدمة, ثم تحاصا في باقي الخدمة هذا بخمسين دينارًا وهذا بقيمة نصف 21 الخدمة، فإن
الجزء: 8 - الصفحة: 3623
كانت قيمتها خمسين كانت 22 الخدمة بينهما نصفين، وإن كان العبد كفاف الثلث تحاصا في 23 خدمته، هذا بقيمة الخدمة وهذا بمائة دينار، فإن كانت قيمة 24 الخدمة مائة اقتسماها نصفين، فإن مات العبد بعد خمس سنين كان فيه قولان: فقيل: ذلك حكم مضى ولا رجوع لأحدهما على الآخر، وقيل: ينقض الأول ويرجعان إلى ما كشف الغيب وقد كان الحكم المحاصة 25 بالخدمة خمس سنين فيحاص الآن بقيمة الخدمة على ألا غرر فيها 26، والآخر بالمائة فيغرم المخدم الفاضل عنده, وإن خلف العبد مائة دينار أخذها الموصى له بالعين 27، ورجع المخدم على صاحبه بقيمة ما أخذ من الخدمة, وإن خلف العبد خمسين دينارًا 28 أخذها الموصى له بالعين وهو نصف وصيته، ويكون للمخدم نصف الخدمة وهي سنتان ونصف وقد صارت إليه، ثم يرجع على صاحبه في سنتين ونصف 29 يتحاصان فيها، والقول الأول أحسن لأنَّه 30 حكم قد مضى وقد كانت القيمة 31 في الخدمة 32 تلك العشر سنين على غررها، وإنما قومت ما تساوى 33 مع إمكان أن يموت
الجزء: 8 - الصفحة: 3624
العبد قبل، فلا يكون لمشتر تلك المنافع سوى ما قبض، وإذا كانت القيمة على هذه الصفة فلم يكشف الغيب أكثر مما كانا دخلا عليه، ويتحاص على غير هذا القول مما ترك العبد على ما كان يتحاصان في الخدمة قبل موته (1)، وإن لم يحمل الثلث إلا نصف العبد، ولم يجز الورثة أعتق نصف العبد بتلًا، وسقطت الخدمة والوصية بالمال، فإن قال الورثة: نحن نجيز عتق جميعه إلى الأجل، وسلم أهل الوصايا نصف الخدمة، كان ذلك لهم، ولم يكن للموصى لهما في ذلك مقال؛ لأنَّ الورثة لم ينتفعوا من ثلث الميت (2) بشيء، ولو قال الورثة: نجيز لأهل الوصايا جميع الخدمة ثم يعتق نصف العبد إلى الأجل لم يكن ذلك لهم.
فصل [فيمن أوصى بخدمة عبد من غير توقيت أو أوصى بالخدمة لرجل وبالرقبة لغيره]
وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ولم يوقت، كان محمله على حياة المخدم.
واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي، فقال ابن القاسم: محمله على حياة العبد 36.
وقال أشهب: على 37 حياة المخدم 38. قال: ولو أراد حياة العبد أعطاه العبد بتلًا، والأول أحسن؛ لأن متضمن قوله له 39 خدمة عبدي على جميعها،3435
الجزء: 8 - الصفحة: 3625
ويصح أن يعطيه جميع الخدمة، ولا يعطيه الرقبة، ويبقى ميراثه وجنايته لنفسه، أو يحب أن يرى صنيعه فيه، أو يبقيه في يديه كالحبس لئلا يتلفه، وإن قال: يخدم عبدي فلانًا ومرجعه لفلان، خدم فلانًا حياته، فإن مات رجع إلى الآخر.
واختلف إذا قال لفلان: خدمة عبدي ولفلان رقبته، فقال ابن القاسم: يتحاصان هذا بقيمة جميع خدمة العبد، والآخر بقيمة الرقبة 40. يريد على ألا خدمة فيها؛ لأنه يستحيل أن يكون جميع الخدمة لواحد حتى يموت، وللآخر الرقبة، وإنما يصح أحدهما خدمة بلا رقبة أو رقبة بلا خدمة، فلما استحال ذلك، حمل قوله على أنه أراد الحصاص، وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة، وإن كان اختلف لفظ أول المسألة وآخرها لأنه قال في أول 41 السؤال إذا قال: يخدم عبدي فلانًا، ثم قال: فأما إذا جعل لأحدهما الخدمة وللآخر 42 الرقبة، وعلى قوله في آخر المسألة: يصح جوابه، وهو أن يقول: لهذا خدمته ولهذا رقبته.
وأما إذا قال: يخدم فلانًا ورقبته لفلان، فيبدأ من جعلت له الخدمة ويكون للآخر المرجع، وظاهر قول غيره إذا جعل لواحد خدمته ولآخر رقبته 43 أنه 44 يخدم فلانًا حياته ثم يكون مرجعه للآخر.
الجزء: 8 - الصفحة: 3626
فصل [فيمن أوصى بوصيتين لا يصح إنفاذهما معا]
وإن أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلث ماله، فإن أجازت الورثة تحاصا في ماله أو باعا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يستحيل إنفاذ الوصيتين، فحمل على أنه أراد الحصاص، وكذلك إن لم يجز الورثة تحاصا في ثلثه أرباعًا، وكذلك إن أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثي ماله، تحاصا في جميعه في الإجازة أسباعًا أو 45 الثلث إن لم يجيزوا أسباعًا 46.
واختلف إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بعبد وهو ثلثه في القيمة فأجاز الورثة، فقيل: يكون للموصى له بالثلث ثلثا الثلث، وللموصى له بالعبد ثلثاه، ويكون ثلث العبد بينهما نصفين؛ لأنه وصى بثلثه مرتين.
وقيل: يكون لمن وصى له بالثلث جميع الثلث وللآخر جميع العبد؛ لأنه يصح مع الإجازة إنفاذ الوصيتين.
وإن لم يجز الورثة , كان الثلث بينهما نصفين.
وقيل: يبدأ صاحب الثلث ولا شيء للمعين 47؛ لأن الميت إنما وصى به من ثلثي الورثة.
وإن قال: لفلان عبدي هذا وقيمة ثلث ماله، ولفلان خدمة هذا الآخر وأجاز الورثة لصاحب الخدمة، كان له أن يختدمه ويقوم الورثة مقامه في المحاصة بالخدمة، فما نابه أخذوه.
وقال محمد فيمن أوصى بخدمة عبده لرجل وبعشرة دنانير لآخر، ولا مال له سوى العبد فأجاز الورثة للمخدم الخدمة: فإنه يباع ثلث العبد،
الجزء: 8 - الصفحة: 3627
ويتحاصان 48 فيه هذا بالعشرة والآخر بقيمة الخدمة فما صار للمخدم أخذه، ثم يختدم ثلثي العبد حتى يموت فيرجع العبد إلى الورثة.
يريد إذا صار له في المحاصة قيمة ثلث الخدمة فأقل، فإن صار له أكثر، سلم الفاضل للورثة، ولا يزاد على وصيته، وهو بمنزلة رجل وصى لرجل 49 بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة للموصى له بالنصف، فإنه يحاص الموصى له بالثلث بجميع النصف، فما صار له في الحصاص أخذه، ثم أعطى الورثة تمام النصف وقد ذكرت فيما بعد إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله فأجاز الورثة لصاحب النصف 50.
الجزء: 8 - الصفحة: 3628
باب فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده , ولآخر بما بقي من ثلثه وما أشبه ذلكـ
وقال ابن القاسم فيمن أوصى لرجلٍ بخدمة عبده حياته، ولآخر بما بقي من ثلثه فكان العبد كفاف الثلث: أنفذتْ الخدمة لمن أوصى له بها، وكان للآخر مرجع العبد إذا انقضت الخدمة (1). وكذلك إن حبس دارًا على رجل حياته وهي كفاف ثلثه كان له مرجعها بعد موت المحبس عليه.
وكذلك إذا ضرب أجلًا، كان له المرجع بعد انقضاء الأجل، وإن فضل عن العبد أو الدار شيء أخذه الآن، والمرجع بعد، وإن لم يحمل الثلث قطع بثلث الميت للمخدم، وللمحبس عليه بتلًا، ولا شيء لمن وصى له بباقي الثلث؛ لأنه لم يبق من الثلث شيء، وأرى إذا قال لفلان خدمة عبدي، ولفلان (2) ما بقي بعده فخرج الورثة من ثلث الميت، أن يكون للموصى له بالخدمة قيمتها، وما فضل بعده للآخر.
فصل [فيمن أوصى لثلاثة نفر بعبده وبعشيرة دنانير وبباقي الثلث, فمات العبد قبل النظر في الثلث]
وقال محمد فيمن أوصى لرجل بعشرة دنانير، ولآخر بعبده، ولآخر بباقي الثلث، فمات العبد قبل النظر في الثلث، قال: يأخذ الموصى له بالعشرة وصيته من كل ما بقي بعد العبد كأنه لم يكن، ثم يحيى العبد بالذكر فتضم قيمته إلى ما5152
الجزء: 8 - الصفحة: 3629
ترك الميت، ثم يخرج من ثلث الجميع العبد والعشرة، فإن بقي شيء كان لصاحب باقي الثلث، وإلا فلا شيء له 53.
وكذلك لو 54 باع ذلك العبد، لم يكن لصاحب باقي الثلث إلا ما بعده كأنه لم يبعه، أوكانت أمة فأولدها، لم يكن له إلا ما بعد قيمتها.
قال مالك: وإن قال: لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي، ولفلان عشرة، كانت العشرة مبدأة كمثل الذي قال له ما بقي من ثلثي؛ لأن أول الوصية وآخرها سواء 55.
قال أشهب: هو بمنزلة قوله لفلان عشرة، ولفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي 56.
قال محمد: وإن قال لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي بعدها، ولفلان عشرة، نظر ما بقي من الثلث بعد العشرة الأولى فيكون كشيء مسمى أوصى له به، ويحاص به صاحب العشرين، فما صار لصاحب باقي الثلث، أتم منه 57 لصاحب العشرة الأولى عشرته، ويصير الحصاص للأول أو لصاحب باقي الثلث جميعًا بالثلث، ثم يفضل الأول من ذلك بعشرة، وهذا إذا كان الثلث أكثر من عشرة، فإن كان عشرة فأقل فلا حصاص لصاحب باقي الثلث، والثلث بين صاحبي العشرتين 58 نصفين، وإن كان
الجزء: 8 - الصفحة: 3630
الثلث ثلاثين، كان لصاحب العشرة الأخرى سبعة ونصف، وللأول مثلها، ويأخذ تمام عشرته، ثم يبدأ بصاحب باقي الثلث، ويبقى لصاحب باقي الثلث اثنا عشر ونصف 59.
وقال أشهب: تخرج العشرة الأولى من الثلث، فإن بقي خمسة، تحاص فيها صاحب باقي الثلث، وصاحب العشرة المبهمة، فما وقع لصاحب الباقي أخذه، وما وقع 60 لصاحب العشرة الآخرة أتبعه مع صاحب الأولى، فاقتسماه نصفين 61. والأول أبين؛ لأن الميت لم يبد الأول على الآخر بل سوى بينهما.
وقال مالك: إذا قال: ثلثي لفلان، ولفلان من ثلثي عشرة دنانير، يدي صاحب العشرة، وإن قال: ولفلان عشرة، ولم يقل: من ثلثي، تحاصا، ثم رجع فقال يتحاصان وإن قال: من ثلثي 62. والأول أبين؛ لأنه انتزع العشرة من الثلث، وقد قال فيمن حبس على ولده وأجنبيين حائطًا وسمى لبعضهم كيلًا، وأبهم الآخرين يدي من سمى له كيلًا وهم أولى بما يخرج الحائط من الآخرين.
وقال في العتبية فيمن أوصى لثلاثة نفر بثلثه 63، ثم قال لفلان عشرة، ولفلان عشرون، وسكت عن الثالث فقال: للذي سكت عنه ثلث الثلث، ويعطى لهذا عشرة، وللآخر عشرون، ثم يقسم الباقي على ثلث الثلث، وعلى العشرة والعشرين بالحصاص 64.
الجزء: 8 - الصفحة: 3631
وقال أصبغ في كتاب محمد: يأخذ المسكوت عنه ثلث الثلث، ويقسم الباقي بين المسمى لهما أثلاثًا، لصاحب العشرة جزء وللآخر جزءان 65.
وعلى قول مالك في مسألة الحائط: يبدأ صاحب العشرة والعشرين، ويكون ما بقي للمسكوت عنه.
وقال ابن وهب في العتبية: إذا أوصى فقال: ثلثي لفلان، ولفلان عشرة دنانير، ولا تنقصوا صاحب الثلث شيئًا، كان الثلث كله له، ولا شيء للآخر، ولو قال: لفلان ثلثي، ولفلان عشرة، ولا ينقص منها شيء 66، والثلث عشرة، كانت له ولا شيء للآخر فجعلها منتزعة من الثلث، وإن قال: لا تنقصوا صاحب الثلث، كانت العشرة من ثلثي الورثة إن رضوا وإلا فلا شيء له 67.
الجزء: 8 - الصفحة: 3632
باب فيمن أوصى بعمارة مسجد، أو بإطعام مساكين أو إطعام رجل بعينه
الوصيةُ بالمجهول على وجهين:
أحدهما: ما لا غاية له كقوله: اسقوا كل يوم راوية، أو أطعموا خبزة.
والثاني: ما له غاية تنقطع بها فيضرب أجلًا ويقول: أعطوا فلانًا كل يوم درهمًا أو خبزة.
فاختلف إذا كانت الوصية للمساكين، أو لعمارة مسجد، ولم يضرب أجلًا، فقيل: محمل الموصي على أنه أراد جميع المال، فيقال للورثة: أجيزوا وصيته، فإن لم يفعلوا فحينئذ يرجع إلى الثلث.
وقيل: محمله على الثلث، ولا يقال للورثة شيء وهو أبين، وليس القصد من الميت أن يخرج ولده وأهله من جميع المال.
واختلف إذا اجتمع في الوصية مجهولان 68، عمارة مسجد وإطعام مساكين، فقيل: هو بمنزلة من وصى بمجهول واحد وقد جمعهما الثلث، وقيل: لكل وصية ثلث، فإن أجازت الورثة خرج ثلثا المال، وإن لم يُجزْ ردت إلى الثلث.
ويختلف في صفة القسمة، فعلى القول الأول إن ذلك وصية واحدة بثلث واحد يفض الثلث على قيمة ما يخرج منه كل يوم، لكل واحد بانفراده، وعلى القول إنها وصايا، ولم يجز الورثة يكون الثلث بينهما نصفين، وإن وصى مع
الجزء: 8 - الصفحة: 3633
ذلك بمعلوم، عاد الخلاف المتقدم في القدر الذي يحاص به المجهول إن كان مجهولًا واحدًا هل (1) يحاص بالثلث، أو بجميع المال ومن جعلها وصايا ضرب لكل مجهول بجميع المال، أو بالثلث على القول الآخر، والقول إن بجميعها ثلثا واحدا (2) أحسن، فإن ضرب أجلًا فقال: اسقوا كل يوم راوية وأطعموا كل يوم خبزة سنة أو سنتين، نظر (3) إلى ما ينفق في تلك السنة من تلك (4) الوصية، فإن كان أكثر من الثلث قيل للورثة إن لم تجيزوا فاخرجوا من ثلث الميت، وإن كان ذلك أقل من الثلث (5) وأخذ الورثة بقية الثلث، ثم غلا السعر، انتزع منهم تمام الثلث، وإن كان مع ذلك وصية بمعين، كان الحصاص بقدر ما ينفق في تلك السنة.
فصل [فيمن أوصى بالنفقة على رجل بعينه]
فإن أوصى بالنفقة على رجل بعينه، فإن الوصية على ثلاثة أوجه: إما أن يسمى السنين أو حياته، أو يطلق الوصية فلا يذكر سنين ولا حياة، فإن أطلق الوصية، كان محملها على حياة المنفق عليه.
واختلف إذا قال: حياته في حد التعمير.
فقيل: تسعين سنة.
وقيل: ثمانين.
وقيل: سبعين.
وقيل: مائة، وهذا إذا كانت الوصية لواحد 74.6970717273
الجزء: 8 - الصفحة: 3634
واختلف إذا كانت الوصية لجماعة بعد القول إنَّ الحد تسعون أو 75 مائة، فقال مالك: ثمانين لكل واحد 76.
وقال محمد: سبعين؛ لأن الجماعة يحمل بعضها عن بعض فيموت بعضهم قبل السبعين، ويتأخر الآخر.
والقول بالسبعين في الواحد أحسن.
وإن كان الموصى له ابن سبعين، زيد عليها.
وروي عن مالك أنه قال: إن كان ابن ثمانين عمر تسعين، وإن كان ابن تسعين، عمر مائة 77. والوصية بالنفقة على وجهين: مقيدة مثل أن يقول يعطى كل شهر دينارًا 78، وكل يوم خبزة، ومطلقة.
فإن كانت مقيدة، أنفذت حسبما رسمه الميت، وإن كانت مطلقة، كانت له نفقة مثله، فليس ما يعرض للرجل
الجزء: 8 - الصفحة: 3635
المتوسط، ومن له الهيئة كالمعروف بالبذاذة 79 والسؤال.
وقال مالك في كتاب محمد: يفرض الطعام والإدام، والماء والحطب والدهن، والثياب، ولا أدري ما ثياب الصون 80.
وقال ابن أبي حازم في كتاب المدنين: له النفقة بغير كسوة.
وهو أقيس؛ لأن الذي عليه الناس اليوم أن النفقة غير الكسوة، وإنما يقولون نفقة وكسوة، ولا يرون أن ذكر النفقة يغني عن ذكر الكسوة، ولا يدخل عليه 81 في ذلك، وإن أوصى بدينار 82 كل شهر، ووصى مع ذلك بوصايا، وضاق الثلث، ضرب للموصى له بالنفقة بما وصى له على 83 التعمير.
واختلف فيما يصير له في المحاصة 84 على ثلاثة أقوال: فقال محمد، وابن نافع في المجموعة: إن صار له نصف وصيته، أنفق عليه نصف دينار في كل شهر 85.
وقال مطرف: يعطى كل شهر دينارًا 86.
وقال أصبغ: يدفع إليه 87 ما صار له في الحصاص 88 بتلًا؛ لأن الوصية
الجزء: 8 - الصفحة: 3636
عالت 89. وأرى أن ينظر في ذلك، فإن كان قصد الميت أن يعطي ذلك 90 كل شهر لما يعلم من تبذيره، لم يعجل له، ودفع إليه دينار كل شهر؛ لأنَّ الميت قصد أن يوسع 91 عليه ذلك القدر من النفقة، وإن كان يعلم أن ثلثه يضيق عن جميع الوصايا، كان آكد ألا ينقص من الدينار 92، وإن كان قصد الميت رفق الورثة ليخرجوه من غلات، ولئلا يبيعوا في ذلك الرقاب، أو ما أشبه ذلك، عجل للموصى له ما صار في المحاصة.
وإن أشكل الأمر ولم يعلم قصده، لم يعجل، ويحمل على الظاهر أن الميت لم يرد تعجيل ذلك، وفي الباب الذي بعد: إذا أوصى بدينار 93 من غلة حائطه بقية ما يتعلق بهذا المعنى.
وقال محمد: التعمير والنفقة من يوم الموت 94.
واختلف إذا وقف ذلك لينفق عليه فمات قبل انقضاء التعمير، وقبل أن ينفَّذ ما صار له في المحاصة، فقال مطرف: إذا صار 95 له في المحاصة خمسون دينارًا، وكان أوصى له بدينار في كل شهر فأنفق عشرة، رجعت الأربعون للموصى لهم، فإن استكملوا وصاياهم، وفضل شيء رجع إلى الورثة فاقتسموه على قدر مواريثهم، وانتقاض القسمة ها هنا والرجوع إلى ما كشف الغيب حسن؛ لأن المحاصة كانت بما عمر على الكمال، ولم ينقص منها شيء لمكان
الجزء: 8 - الصفحة: 3637
الغرر (1)، ولا أرى للورثة في الفاضل شيئًا؛ لأنهم لم يجيزوا وصية الميت، وخرجوا من ثلثه فنماء ذلك الثلث، ونقصانه ومصيبته للموصى لهم وعليهم.
فصل [فيمن أوصى أن تكرى أرضه من فلان]
ومن أوصى أن تكرى أرضه من فلان بثمن سماه، والثلث يحملها أو لا يحمل، وأجاز الورثة، عرضت على فلان 97 بما سماه الميت، فإن أبى إلا أن يحط عنه من تلك التسمية، لم يكن ذلك له، وسقطت وصيته، وهو في هذا بخلاف من قال: أكروها منه، ولم يسم فإنه يوضع عنه ثلث الكراء، إلا أن يكون في التسمية هضيمة بينة مثل أن يقول: أكروها منه بعشرة، وكراؤها عشرون فيعلم أنه أراد أن يهبه نصف المنافع، فيعطى ذلك النصف بغير شيء، وإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، قطعوا له جميع 98 ثلث الميت في الأرض، وغيرها.96
الجزء: 8 - الصفحة: 3638
باب في اختلاف الوصايا واختلاف أحكامها
الوصية عشرة 99 فالأول: أن يكون قدرها الثلث، ويجعلها في صنف 100 لا يلحق الورثة بإخراجه 101 منه ضرر.
والثاني: أن يعول على ثلثه 102، ويجعله بحيث يجوز حسب الأول.
والثالث: أن يوصي بالثلث، ويجعله فيما يضر بالورثة إخراجه كالذي يأخذ الحاضر ويترك الغائب، أو يأخذ النَّاضَّ ويجعل لهم الدين.
والرابع: أن يعاوض ورثته ويبايعهم فيأخذ المنافع والغلات، ويترك لهم المرجع، أو يترك 103 لهم المنافع، ويجعل لنفسه المرجع، أو يأخذ حاضرًا دون الثلث، ويترك كثيرًا غائبًا.
والخامس: أن يقصد الضرر بورثته دون البر لنفسه، وما لا ينفع في عاجل الدنيا ولا في آجل 104 الآخرة.
والسادس: أن يجتمع في الوصية شيئان: العول على الثلث، ويجعلها فيما يضر بهم، أو يتعذر بيعه.
والسابع: أن يجتمع العول والمبايعة.
الجزء: 8 - الصفحة: 3639
والثامن: أن يجتمع العول والمبايعة، ويجعلها فيما يضر بهم.
والتاسع: 105 أن يجتمع في ذلك ما يريد به الضرر، وما يريد به البر 106.
والعاشر: ألا يكون عول، ويريد بر نفسه، وضرر الورثة، فإن كانت التركة صنفًا عبيدًا أو ديارًا أو عروضًا فوصى بشيء بعينه من ذلك وهو الثلث فأقل، جاز وليس للورثة أن يقولوا له 107: الثلث شائعًا وليس له أن يأخذ ذلك المعين لنفسه.
وكذلك إن كانت عبيدًا، أو متاعًا فأراد أن يأخذ أحد المصنفين، وهما في إنجاز 108 البيع إن أريد سواء، وليس لهم أن يقولوا: إنما يأخذ ثلث كل صنف.
وكذلك إن كانت التركة عينًا فوصى بالدراهم دون الدنانير، أو بالدنانير دون الدراهم، وهو في القيمة الثلث فأقل أو كانت كلها دنانير، وهي مختلفة السكك فوصى منها بما 109 قيمته الثلث وهو أجود سكة 110، وأدنى وزنًا أو أوزن وأدنى سكة، فترك فضل العدد لمكان جودة السكة، أو ترك فضل الجودة لمكان كثرة العدد، فذلك جائز، وإن كره الورثة، ولم ير ذلك من الرِّبا بينه وبين الورثة، وإن كانوا شركاء له بالموت.
وكذلك لو خلف عينًا، ودينًا والدين دنانير ودراهم فأوصى بالدين، جاز
الجزء: 8 - الصفحة: 3640
إذا حمل الثلث عدده.
واختلف إذا كان في العدد أكثر من الثلث، وفي القيمة الثلث فأقل، فقيل: تجوز الوصية؛ لأنَّ الدين كعرض فلو وصى له بعرض، وله عين لجاز إذا حمل الثلث قيمته، وقيل يجعل 111 في الثلث العدد.
قال مالك: وليس له أن يوصي بالعين ويترك لهم 112 الدين.
وأرى إذا كان الدين حالًا على موسر حاضر غير مُلِدٍّ، أو مؤجلا لا يتعذر بيعه وقيمته إن بيع الثلثان فأكثر أن تجوز الوصية، وإن كره الورثة.
كما قال: لو أوصى بالعين، وجعل لهم عرضًا وهو مما لا يتعذر بيعه.
وكذلك إن كانت التركة ديارًا، أو حمامات، أو حوانيت، أو عبيدًا، أو متاعًا 113، فله أن يجعل ثلثه في أي ذلك أحب، وإن لم يرض الورثة إلا أن يكون الذي ترك لهم مما يتأخر بيعه بالأمر البين ويعلم أن غرضهم فيما يصير إليهم 114 من التركة 115 البيع ليس الاقتناء.
والقسم الثاني: إن جعل الوصية بحيث يجوز له حسبما تقدم، وعال على ثلثه، مضت وصيته في الصنف الذي جعلها فيه، ويكون المقال للورثة في الزائد على الثلث خاصف فإن أجازوه وإلا كان لهم رد الزائد خاصة إذا كانت التركة دنانير ودراهم أو مكيلًا أو موزونًا، وإن كان فيها ربا مما لا يجوز
الجزء: 8 - الصفحة: 3641
بين الأجنبيين مثل أن يخلف مائة شعيرًا ومائة قمحًا فوصى بالشعير وهو الثلث، فإنه يمضي ويصير إلى الورثة المائة القمح على 116 الثلثين.
واختلف عن مالك إذا كانت التركة ديارًا أو عبيدًا أو متاعًا، فقال مرة: إن لم يجز الورثة، قطعوا بالثلث شائعًا 117. وقال أيضًا: يحط ذلك الزائد من الموصى به خاصة، وهو أحسن؛ لأن للميت أن يجعل ثلثه في تلك العين، وإنما مقالهم في الزائد.
والقسم الثالث: إن وصى بالثلث فأقل، وجعله مما يضر بالورثة فوصى بالحاضر، وترك لهم الغائب، كان الورثة بالخيار فإن لم يجيزوا كان للموصى له ثلث الحاضر، وثلث الغائب.
واختلف إذا كان عينًا وعقارًا أو عينًا وعبيدًا، وأوصى بالعين.
فقال مالك: ليس له أن يأخذ العين، وبقيهم في العروض 118.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى بعشرة دنانير، ولم يخلف عينًا غيرها، وله عروض وشوار ورقيق ودواب 119، قال: تدفع الدنانير في الوصية وإن كره الورثة، قال: وسواء أوصى 120 بعشرة بعينها، أو قال: عشرة 121.
وقال ابن الماجشون في المجموعة: إذا كان ما سوى العشرة بعيد الغيبة، أو بطئ
الجزء: 8 - الصفحة: 3642
البيع، خير الورثة بين أن يدفعوا الدنانير، أو يقطعوا له بالثلث من الجميع 122. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن وصى بعشرة دنانير، وليس له إلا مال غائب، أو ديون على الناس فيريد 123 الموصى له أن يتعجل العشرة ويقول الورثة: إذا تقاضينا أعطيناك قال: يخير الورثة بين أن يعجلوا له ذلك، وبين أن يقطعوا له بالثلث، فينظر قدوم الغائب، أو يتقاضى 124 لنفسه 125. وقال في كتاب محمد: لا يخير 126 هنا، ويباع للوصية 127. قال: ومن أوصى بعشرة دنانير لرجل، وليس له إلا مائة دينار دينًا فقبض من المائة عشرة أفيخير الورثة؟ قال: لا؛ لأنه على 128 علم أن ماله دين، وإنما أشركه في المائة بعشرة، ولم يقل من أولها، ولا 129 من آخرها وقد أوصى بعشرها 130، قال: ولو كان 131 الميت قبض منها خمسة عشر قبل أن يموت، أو كانت عنده خمسة عشر من غيرها، خير الورثة بين دفع العشرة نقدًا، أو القطع بالثلث 132.
الجزء: 8 - الصفحة: 3643
القسم الرابع 133: فإن أوصى بالخدمة، أو بالسكنى وترك لهم المرجع، أو ترك لهم الخدمة 134 مرة وأخذ المرجع والرقاب جميع مال الميت 135، كانت مبايعة منه لهم؛ لأنَّ الورثة يستحقون ثلثي الرقاب بتلًا فقد أخذ ثلثي مالهم بتلًا 136، من الخدمة، وأعطاهم ثلث الرقبة، أو أعطاهم ثلث الخدمة، وأخذ منهم ثلثي المرجع، فإذا كان ذلك، كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوا وصيته 137، أو يقطعوا لأهل الوصايا بالثلث بتلًا؛ لأنَّ مقال الورثة لم يكن لأنه عال 138 على الثلث فيحط الزائد، وإنما كان مقالهم لمكان ما حبس من الرقاب، أو المنافع.
وكذلك إذا كان أخذ حاضرًا 139، ولم يستوعب الثلث، وترك لهم الغائب، وهو 140 أكثر من الثلثين 141 ولم يجز الورثة، خرجوا من الثلث شائعًا؛ لأنَّ مقال الورثة لم يكن للزائد فيقطع في عين الموصى به.
وروي عن أشهب أنه قال: يقطع في عينه 142. يريد لأنه إذا قطع في عينه صار له من الخدمة فيه أكثر مما يكون إذا قطع له من جميع التركة، فكان ذلك من جميع التركة 143، وكان ذلك أقرب لقصد الميت.
الجزء: 8 - الصفحة: 3644
القسم الخامس 144: إن قصد بالوصية ضرر الورثة من غير منفعة له مثل أن يوصي بدار أن تهدم أو شجر أن تقطع أو ثوب أن يحرق، وأن يبقى ذلك موقوفًا لا يسكن ولا يستغل، ولا يقام عليه ويترك حتى يهلك، وكل هذا الوصيةُ به باطل، فلا تنفذ إن قصد الضرر، ويقول الله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [سورة النساء آية: 12]، ولا إن لم يقصد الضرر لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة آية: 205].
القسم السادس 145: فإن قصد بالوصية ضرر الورثة، وجعلها فيما يتعلق به قربة لله سبحانه، لم يجز.
قال مالك وابن القاسم وأشهب فيمن أوصى لوارث بثلث ماله، وقال: فإن لم يجز ذلك الورثة فهو في سبيل الله: لم تجز للوارث، ولا في سبيل الله؛ لأنه من الضرر 146. وإن قال: ذلك في سبيل الله 147 إلا أن يدفعها ورثتي لابني، أنفذت في سبيل الله إن لم ينفذوها للابن.
وقال ابن القاسم: إن قال غلامي هذا لابني وله ولد سواه، فإن لم يجيزوه له فهو حر كان ميراثًا، ولا حرية له 148. ولو قال: هو حر إلا أن ينفذوه ورثتي لابني، كان كما قال 149.
الجزء: 8 - الصفحة: 3645
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يجوز وهو من الضرر 150، وسواء عنده قال: هو لابني فإن أبوا فأعتقوه، أو هو عتيق إلا أن ينفذوه لابني.
وحملوا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12] على العموم فيما يكون ضررًا 151، وإن كان الثلث.
وقيل: معنى قوله سبحانه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12] ألا 152 يوصي بأكثر من ثلثه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إنه عتيق قدم ذلك أو أخره، وهو أحسن؛ لأن العتق مما يراد به البر، وإنما أراد أن يؤثر به ولده، فإن لم يكن قدمه لآخرته، وأدنى منازله مشكل هل أراد الضرر أم لا؟ وليس هذا مما يقطع به 153 أنه أراد به الضرر، فلا تسقط وصيته 154 بالشك.
واختلف في مثل ذلك في الزوجة تتصدق بثلثها إرادة الضرر بزوجها، فقال مالك في كتاب ابن حبيب 155: ترد صدقتها 156.
وقال ابن القاسم: ذلك ماض والأمر فيهما واحد، الزوجة والموصي 157، وأرى أن تجوز الوصية إذا كانت الثلث، وإن قصد بها ضرر الورثة، ومحمل الآية على ما زاد على الثلث؛ لأنه حينئذ قد وصى بأموالهم وذلك ضرر حقيقة، وأما إذا كانت الوصية بالثلث فهو ماله، له أن يجعله في العتق والصدقة أو أي
الجزء: 8 - الصفحة: 3646
القرب أحب، وإن كان قد أشرك في النية ألا يتركه لورثته، وقد يكون وارثه ولدًا 158 عاقًّا، أو سفيهًا يتلف ماله فيما لا يحل، أو عاصيًا يكون عدوًا له، فلا يجب أن يترك ثلثه لمثل هؤلاء فلا يمنع من الوصية.
وإن أراد أن يوصي لموسرٍ وغير ذلك مما لا يراد به الأجر لأشبه أن يمنع إذا أراد ضرر الورثة.
وقال 159 في كتاب محمد فيمن قال: غلامي يخدم فلانًا لبعض ورثته حتى يبلغ، ثم هو حر، فإن لم يجز الورثة فثلثي صدقة، كانت الخدمة لجميع الورثة، ثم يكون حرًا إذا بلغ الوارث، وهذا إذا أخرج من الثلث 160.
قال محمد: وإنما وقع الضرر ها هنا في الوصية بالخدمة، وأما الحرية فجائزة قائمة إلى وقتها.
القسم السابع 161: فإن عال على الثلث، وأخذ الحاضر، وترك لهم الغائب، كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوا الوصية حسبما وصى 162، أو يجمعوا له ثلثه في 163 الحاضر حسبما 164 قصد، ويرد الزائد على الثلث، أو يقطعوا بثلث الحاضر والغائب.
الجزء: 8 - الصفحة: 3647
القسم الثامن 165: وإن اجتمع فيها عول ومبايعة وجعلها فيما يضر بهم، وإن أوصى بمعينات، وصى لهذا بعبد، ولهذا بدار، ولهذا بثوب، وضاق الثلث، تحاصوا، وضرب لكل واحد بقيمة وصيته.
وكذلك إذا اشتملت على أجزاء، وأوصى هذا بسدس ماله، ولهذا بثلثه، ولهذا بنصفه ولم يجز الورثة، تحاصوا الثلث أسداسًا 166 وأخذ الموصى له بالسدس سدس الثلث، والآخر ثلثه، والآخر نصفه.
واختلف إذا اشتملت على جزء وشيء 167 بعينه على ثلاثة أقوال:
فقال مالك في المدونة: يتحاص جميعهم في الثلث 168.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: فيها ثلاث روايات:
إحداها: البداية بالجزء.
والثانية: أن تبدأ التسمية على الجزء.
والثالثة: أنهم يتحاصون بقدر وصاياهم 169.
فأما تبدية الجزء إذا وصى هذا بثلثه، ولآخر بعبد، ولآخر بدار؛ فلأن الثلث للميت يصرفه 170 حيث أحب، والعبد والدار من الثلثين، وهما حق للورثة، فإذا لم يجيزوا، سقطت وصيتهم، ولو أوصى لرجل 171 بسدس ماله،
الجزء: 8 - الصفحة: 3648
ولآخر بدار هي قدر ثلثه، بدي بالسدس، ويخير الورثة بين أن يجيزوا الدار، أو يقطعوا له منها بتمام الثلث.
وأما تبدية العبد أو الدار على الثلث فإنه حمل الميت 172 في وصاياه على أن يريد بها الثلث، ولا يزيد فيها 173 شيئًا من غيره كأنه انتزع التسمية ممن الثلث، وجعل الباقي لصاحب الثلث، ويلزم على هذا ألا يقال: إنه عال في وصيته، ولا يقال 174 للورثة إنه قد وصى بأكثر من الثلث فهل تجيزون؟
والقياس تبدية الثلث؛ لأنه أوصى به؛ لأنه هو الذي يملك من التركة، ولا مقال فيه عليه، وما سوى ذلك فقد جعله من الثلثين، فإن أجازت الورثة، وإلا سقط.
وقيل أيضًا 175: إذا أوصى بثلثه لرجل، وبعبد لآخر إنَّ ثلث العبد قد وصى به مرتين؛ لأن ثلثه داخل في الوصية لصاحب الثلث، فيكون الثلث بينهما نصفين، وقيل فيمن أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلثه فإن أجازت 176 الورثة لصاحب النصف، ولم تجز للآخر فإن الثلث يضرب فيه الموصى له بالنصف بثلاثة أسهم والآخر بسهمين، فيصير لصاحب النصف ثلاثة أخماس الثلث، ويتم له الورثة من مال الميت تمام النصف، وإن أجازوا لصاحب النصف، ولم يعلموا بالموصى له بالثلث، كان للموصى له بالنصف سدس المال
الجزء: 8 - الصفحة: 3649
بإجازة الورثة، ثم يضرب 177 هو والموصى له في الثلث 178 بضرب الموصى له بالنصف بثلاثة أسهم 179، ويضرب الآخر بسهمين فيصير له خمسَا الثلث، وللآخر ثلاثة سهام والسدس 180.
الجزء: 8 - الصفحة: 3650
باب [فيمن أوصى بعتق عبد وله مال غائب ولا يحمله ثلث المال (1) الحاضر]
وقال مالك فيمن أوصى بعتق عبد وله مال غائب ولا يحمله ثلث الحاضر، قال: يوقف العبد حتى يقدم الغائب 182. قال ابن القاسم: وإن كان الغائب بعيدًا، أو أجله بعيدًا، لم يعتق ثلث الحاضر 183. وقال سحنون: إلا أن يخاف تلف الحاضر فيكون في الوقف ضرر على الموصي، والموصى له فما يشتد 184 وجه طلبه 185، ويعسر 186 جمع 187 المال 188، فالغيبة 189 على ثلاثة أوجه: فإن كانت قريبة، انتظر جمع 190 المال، ثم 191 يعتق وإن كان بعيدًا كخراسان من مصر والأندلس، فيعتق الآن ما حمل الثلث، وإن كان على غير ذلك، وقف عند ابن القاسم 192؛ لأن الورثة يقولون: نحن شركاء الميت فيما خلفه، فليس له أن181
الجزء: 8 - الصفحة: 3651
ينتفع منه بشيءٍ دوننا، فيعتق ما حمل ثلث الحاضر، ويحال بيننا وبين التصرف بالبيع وغيره فيما رق 193 منه، فإما أن يقال 194 ننتفع 195 جميعا 196 أو نمنع 197 جميعا 198.
وقال أشهب وسحنون: يعتق ما حمل الثلث الآن، فإن لم يخلف سواه، أعتق ثلثه ووقف ما بقي، وكلما حضر من الغائب شيء، زيد في عتق العبد بقدر ثلثه 199، وهذا أقيس؛ لأنَّ وقف عتق 200 ثلث العبد مضرة عليه من غير منفعة للورثة.
وإذا كان الغائب في مثل خراسان أو الأندلس وأعتق منه ثلثه، جاز للورثة بيع الثلثين، ثم يختلف إذا قدم الغائب هل ينقض البيع ليستكمل ما بقي، أو لا ينقض؛ لأن البيع كان مع العلم بهذا المال؟
واختلف فيمن مات عن زوجة حامل، ولا ولد لها، أو لها 201 ولد هل تعطى الآن شيئًا، أو حتى تضع؟
فقيل: تعطى 202 الثُّمن، فإن أسقطته، أو ولدته ميتًا، أتم لها الربع أو لا
الجزء: 8 - الصفحة: 3652
تعطى الآن 203 شيئًا حتى تضع وكذلك إذا كانت حاملًا ولها ولد فقيل: لا تعطى شيئًا ولا ولدها شيئًا حتى تضع، وقيل تعطى الثمن 204، وللولد نصف الباقي، لإمكان أن يكون ذكرًا.
وقيل: ثلثه لإمكان أن يكون الحمل غلامين.
وقيل: الربع، لإمكان أن يكونوا ثلاثة، وقيل: الخمس، لإمكان أن يكونوا أربعة.
وأرى أن تعطي الزوجة الآن الثمن كان لها ولد سوى الحمل أم لا، وأن يعطى الولد إن كان نصف الباقي؛ لأن الغالب من الحمل واحد وقد 205 يحتمل أن يكون ذكرًا وغيره نادر، ولا يراعى النادر.
الجزء: 8 - الصفحة: 3653
باب [فيمن أوصى لرجلين أحدهما وارث]
ومن أوصى لرجلين أحدهما وارث، ولا وارث له غيره، جازت وصية الأجنبي 206 إذا كانت الوصية لهما بثلثي المال فأقل؛ لأن الذي ينوب الأجنبي الثلث، وكذلك إن كانت الوصية بأكثر من الثلثين، ولم يجز الوارث، فإن للأجنبي الثلث 207، وكذلك إن كانت وصيتان، لكل واحد شيء بعينه، وهما في القيمة الثلثان، فكانتا متكافئين 208 فتجوز وصية الأجنبي.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد فيمن هلك عن وارث واحد، وأوصى بثلثه لأجنبي، ثم قال: ثلثي لفلان يعني الوارث، أو قال: ثلثي لفلان الوارث، ثم قال: ثلثي 209 لفلان الأجنبي، قال 210: فإن كان الأجنبي هو الآخِر، كان له الثلث كله، وإن كان الوارث الآخِر، كان له الثلث كله؛ لأنه انتزاع من الأجنبي.
فجعل الثلث بمنزلة العبد المعين 211 يوصي به مرتين، فجعله للآخر منهما.
وإن كان للميت ورثة سوى الموصى له، وكان جميع الوصية الثلث فأقل، مضت الوصية للأجنبي، وكان الورثة بالخيار في نصيب الوارث، وإن كانت أكثر من الثلث، ولم يجز بقية الورثة، تحاص الموصى لهما، فما صار للوارث،
الجزء: 8 - الصفحة: 3654
دخل فيه جميع الورثة، وإنما لم يجعل في المسألة الأولى محاصة؛ لأن ما ينوب الوارث ليس بوصية في 212 الحقيقة، فليس يأخذه بالوصية، وإنما يأخذه بالميراث بكتاب الله عز وجل، وإن كان معه وارث، كان ما فضل به أحدهما على الآخر وصية؛ لأنه يعطيه أكثر مما جعل الله تعالى له بالميراث 213.
واختلف فيمن مات عن ثلاثمائة دينار 214، وخلف ابنًا وابنة 215، وأوصى بثلث ماله لأجنبي، وأوصى أن تقسم 216 المائتان بين الذكر والأنثى بالسواء في صفة الحصاص، فقال ابن القاسم: تضرب للابنة بخمسين؛ لأنه سمى للذكر مائة، فيكون للبنت خمسون، والزائد وصية.
217 وقيل: يضرب بثلث المائة؛ لأن حقها من المائتين ثلثها 218، والزائد وصية.
وقد قيل فيمن أوصى بالثلث، وبتسمية: إنه لا يضرب صاحب التسمية مع صاحب الثلث بشيءٍ، فعلى هذا لا تضرب الابنة مع الأجنبي؛ لأن له ثلثه أخرجه فيما أحب من وجه البر، وبقي الثلثان فضل فيه أحد الولدين على الآخر، ولم يقصد أن يدخل شيئًا من المائتين في الثلث.
وقال محمد فيمن أوصى بثلث ماله وألا تنقص 219 أمه من السدس، قال: يعزل
الجزء: 8 - الصفحة: 3655
الثلث، ويقسم الباقي على الورثة ثم ينظر ما بقي للأم إلى تمام السدس ففيه تحاص، فما صار لها فإن أجازه 220 الورثة وإلا رجع ميراثًا، ولو أجازوا لها وللأجنبي، خرجوا من نصف المال، وقسم الورثة الباقي على مواريثهم بالذي تقوم منه الفريضة من 221 ثمانية عشر، للموصى له بالثلث ستة، وللأم السدس من الباقي، وهو اثنان الباقي إلى تمام سدس الجملة واحد فيه تحاص، فيقسم الثلث بينهما أسباعًا فيكون للموصى له بالثلث ستة أسباعه، وللأم سبع الثلث 222. وقال في امرأة خلفت زوجًا، وأمًا، وأختين لأم، وأختين شقيقتين 223، أو لأب، وأوصت ألا تنقص الأم من السدس شيئًا، فأجاز الورثة، فإن الوصية بالعول من عشرة، للأم منها سهم فأسقط 224، وتبقى تسعة فتعطى الأم سدسها من رأس المال، ويقسم الباقي على تسعة، قال: وكذلك لو تركت الأم نصيبها للورثة، أو قالت: نصيبي عندي، ولم يكن وصي لها بشيء 225.
الجزء: 8 - الصفحة: 3656
باب في الوصية بالحج
ومن أوصى أن يحج عنه، أنفذت وصيته، فإن لم يعين من يحج عنه استؤجر حر بالغ غير صرورة، وإن استؤجر صرورة أجزأ.
واختلف في العبد، والصبي بالجواز 226 والمنع 227، واختلف بعد القول بالمنع هل يجزئ؟
فقال ابن الجلال: ذلك جائز، ومنعه ابن القاسم 228، فإن فعل لم يجز في الصبي، وأجزأ في العبد إذا كان يظنه حرًّا واجتهد.
يريد: ويستأجر حرًّا من بقية الثلث.
وقال غيره: الوصي ضامن، وإن جهل أنه عبد، ويجري فيه قول آخر: ألا شيء عليه.
وإن كان عالمًا أنه عبد، وجاهلًا بوجه العلم كما قال في أحد الشريكين: يشتري شراء فاسدًا.
قال: 229 لا شيء عليه، وليس كل الناس فقهاء، فهو في العبد أبين ألا شيء على الوصي للاختلاف في جواز استئجاره ابتداء، وأرى أن يجزي؛ لأن العبد ممن يصح منه التقرب بهذه العبادة، وإن لم تفرض عليه، وإذا صح منه التقرب بها 230، صح أداؤها عن غيره، وإن كان الموصي غير صرورة، أو صبيًا، كان أبين في الجواز، وإن قال الميت: يحج عني فلان، لم 231 يعدل عنه إلى غيره إن رضي، وإن لم يرض، وكان الموصي صرورة،
الجزء: 8 - الصفحة: 3657
دفعت إلى غيره؛ لأن 232 قصد الميت بالوصية رجاء أن تبرأ ذمته بذلك وفي الحديث قال ابن عباس: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله 233 إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر أفأقضيه 234 عنها؟ قال: ولَوْ كَانَ عَلَيهَا دَيْنٌ أَكنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ 235 قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" 236 فجعل فعل الحي عن الميت قضاء.
واختلف إذا كان غير صرورة، ولم يرض الموصى إليه بالحج.
فقال ابن القاسم: يرجع المال ميراثًا 237، وقال غيره 238: يدفع لغيره.
قال: وليس مثل الصدقة على مسكين بعينه، ولا العبد 239 بعينه يقول: اشتروه فأعتقوه وهو أحسن؛ لأن الميت إنما وصى 240 بأن تشترى منه منافعه، فإن لم يبعها صرف 241 ذلك البر 242 في غيره وإن عين الموصي عبدًا أو صبيًا أنفذت الوصية إليه كان الموصي صرورة أو ممن قد حج فإن لم يرض سيد العبد
الجزء: 8 - الصفحة: 3658
كان 243 المال ميراثًا على قول ابن القاسم، وصرف 244 لغيره على القول الآخر، وإن لم يرض ولي الصبي، وقف المال حتى يبلغ الصبي، فإن بلغ، ولم يرض رجع المال 245 ميراثًا على قول ابن القاسم.
وعلى القول الآخر: يدفع إلى غيره يحج به، ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن وصى، وقال: أحجوا 246 فلانًا حجة، ولم يقل: عني قال: يعطى من الثلث قدر ما يحج به، فإن أخذ المال، ولم يحج به 247 رد منه 248.
قال الشيخ: أما إن لم يقل عني، فإنه يعطى ما يقوم به لحجه 249 لكراء ركوبه، وزاده وثياب سفره، وغير ذلك من آلة السفر، وكراء سكناه بمكة أيام مقامه حتى يحج، والنفقة في ذلك على ما يعتاده 250 مثله، فإن انقضت أيام الرمي، سقطت نفقته عن الموصي، إلا أن تكون العادة في مثل هذا أن ينفق عليه حتى يعود إلى أهله، وإن قال: يحج عني، كان الأمر فيما يحج به على قدر المراضاة، فإن رضي يرخص، وهو لا يقوم به، جاز وإن لم يرض إلا بأكثر من إجارة مثله 251، زيد ما بينه وبين ثلث إجارة مثله 252، فإن لم يرض استؤجر
الجزء: 8 - الصفحة: 3659
غيره إن كان صرورة، ولو كان الموصي أوصى 253 بأن يُحَجَّ وارث، فإن قال: أحجوا 254 فلانًا، لم يعط شيئًا؛ لأنها 255 وصية لوارث وإن قال: عني أنفذت، وأعطى إجارة مثله، ولم يزد ثلث الإجارة كما يزاد 256 الأجنبي.
وقال ابن القاسم في المدونة: يعطى نفقته وكراؤه 257. وهذا 258 أحسن 259 إذا رضي أن يأخذ النفقة، والكراء ذاهبًا وراجعًا 260؛ لأن خروجه للميت وعنه، وإن أبى إلا بإجارة المثل، كان ذلك؛ لأن ثمن المنافع في ذلك كثمن الرقاب، وهو يأخذ قيمة منافعه، وإن قال: يحج عني بثلثي، دفع إليه قدر نفقته، وكرائه، ورد الزائد ما لم 261 يدع إلى إجارة المثل فإن ذلك له.
الجزء: 8 - الصفحة: 3660
باب [فيمن أوصى بدينار من غلة داره، أو بأوسق من غلة بستانه، أو أوصى بغلته للمساكين]
وإذا أوصى 262 الرجل بدينار من غلة داره 263 كل سنة، فغلَّت 264 سنة 265 عشرة دنانير، أخذ منها 266 الموصى له دينارًا، وكانت التسعة الفاضلة للورثة من الآن، فإن بارت الدار بعد ذلك أو انهدمت 267، لم يكن للموصى له من تلك التسعة شيء.
وإن قال: لك 268 دينار كل سنة من غلتها، أو لك 269 من غلتها دينار كل سنة، فبارت الدار أو انهدمت، 270 أخذ كل سنة دينارًا من التسعة الباقية حتى تنجز 271، ولو بارت من أول ثم بعد سنين أغلت 272 قضى له مني هذه الغلة عن ماضي السنين، إلا أن يكون ما غلت بعد موت الموصى له، فلا يقضي منها عن الفارط في حياته، وإذا أغلت 273 أول سنة عشرة دنانير فأخذ دينارًا،
الجزء: 8 - الصفحة: 3661
وبقيت تسعة، نظر في ذلك، فإن كانت الدار مأمونة؛ لأنها 274 لا تبور 275، وإن بارت تأتي كل سنة بأكثر من دينار، أخذ الورثة من 276 التسعة.
وإن 277 كان يخشى ألا تأتي بذلك، وقف منه ما يخاف ألا تأتي به، إلا أن يكون الوارث مأمونًا 278 غير ملد، ولا ممتنع 279، ورضي أن يأخذها 280 في ذمته فيكون أحق بها؛ لأن له 281 فيها شبهة الملك، والوقف غير مقيد 282 للموصى له، وإن أكراها الميت منه 283 بالنقد، لم يكن للموصى له من ذلك الكراء شيء، وكان حقه فيما 284 تكرى 285 به بعد وإن أكراها بغير النقد، كانت الوصية فيما يقبض من ذلك الكراء، وإن أكراها الورثة سنة بالنقد، أخذ الموصى له منه دينارًا، وإن أكروها 286 سنة بدينار كل شهر، كان للموصى له من كل دينار نصف سدسه، ويسلم الباقي للورثة، إن كانوا مأمونين، وإن كانوا غير مأمونين أخذ الموصى له جميع الدينار المتقدم 287؛ لأن وقف بقيته ضرر على جميعهم من غير منفعة،
الجزء: 8 - الصفحة: 3662
كان اختلفا هل تكرى بالنقد، أو مؤجلًا 288 إلى آخر السنة، حملا على العادة في تلك الديار 289، فإن عدمت العادة، أكريت مشاهرة؛ لأنَّ كراء جميع السنة بالنقد فيه على الورثة بخس، وهو بمنزلة من أسلم في سلعة لتقبض 290 إلى أجل، وإن أكريت سنة كل شهر بدينار، ثم انهدمت بعد مضي شهر، كان له ذلك الدينار 291 إذا قال يعطى من الغلة كل سنة دينارا، وإن قال: يعطى من غلة كل سنة دينارا، كان له منه نصف سدسه هذا على مراعاة الألفاظ، إلا أن يكون قصده مما حصل 292 من الغلة كل سنة، وكذلك إن مات الموصى له بَعْدَ شهر، كان له نصف سدس دينار، وإن كانت الوصية بأوسق من غلة جنانه 293 فقال لهم: أعطوه 294 خمسة أوسق من غلة كل سنة، فغل خمسين وسقًا، أخذ الموصى له خمسة أوسق 295، وكان الباقي للورثة، فإن بارت بعد ذلك لم يرجع عليهم، وإن قال: له خمسة أوسق كل سنة من الغلة، وقف الباقي خوف أن يحبس 296 الحائط فيما بعد فيقضى ذلك 297 من الموقوف، أو قدر ما يرى أنه 298 يحتاج إليه.
فإن جاءت الثمرة لقابل أخذ الموصى له الخمسة من الجديد؛ لأنه إنما
الجزء: 8 - الصفحة: 3663
وقف خيفة ألا يجد، ولو كان مأمونًا، لم يوقف، وإن مات الموصي، وفي الحائط ثمر مزهية، لم يكن للموصى له منها شيء، وإن أزهت بعد موت الموصي أخذ منها الموصى له وصيته.
وقال ابن القاسم في الموصى له بدينار من غلة عبده كل شهر، أو من غلة حائطه يريد حياته: فإن ضمن له الورثة ذلك، وإلا وقف العبد، والحائط لذلك 299.
وقال فيمن أوصى 300 لمواليات 301 بآصعٍ من ثمره 302، فقال الورثة: نحن نضمن لك مكيلة مالك، فليس ذلك عليها 303، إلا أن يرضى ففرق بين الوصية بعين، والوصية 304 بالثمار 305؛ لأن 306 الوصية بالثمار كالسلعة المعينة، فليس لهم أن يشتروها بغير رضى الموصى له، والدينار لا تختلف فيه الأغراض، ولو علم أن قصد الميت بذلك الإمساك على الموصى له لئلا يتلف ذلك إن أخذه جملة، لم يجز 307 رضاه، وكان على الورثة أن يغرموا له وصيته كل سنة.
وقال محمد: إن انهدمت الدار في حياة الموصي، وهي تخرج من الثلث،
الجزء: 8 - الصفحة: 3664
كان ما بين القيمتين ميراثًا، وتكون الوصية على حالها في القاعة، فإن هدمها بعد الموت، غرّم ذلك الهادم، وبنيت له (1) تلك الدار، وتكون الوصية فيها على حالها، وكذلك لو كان حائطًا فقطع نخلَه (2)، أو شَجرَه (3)، لكان على ما وصفت لك في الدار (4).
فصل [فيمن أوصى بغلة حائطه للمساكين فلم يحمله الثلث]
وإن أوصى بغلة حائطه للمساكين فلم يحمله الثلث، ولا أجاز الورثة، قطع بثلث الميت في ذلك الحائط، ولم يجعل شائعًا؛ لأنه وإن كانت الوصية بالغلة فليس فيها معاوضة؛ لأن المساكين لا يعوضون 312، ولا ترجع الرقبة بحال، وإن ضرب أجلًا دخله المعاوضة، ويكون شائعًا في 313 جميع التركة، ويكون ثلث الحائط حبسًا فما خرج من غيره فرق على المساكين، ولو جعل في مثله لكان حَسَنًا.
وعلى قول أشهب: يجمع ثلث الميت في ذلك الحائط، وإن لم يضرب أجلًا 314 وقال: يعطى من ثمرة كل عام خمسة أوسق، ولا مال له سواه، والأوسق قدر308309310311
الجزء: 8 - الصفحة: 3665
ثلث غلته في الغالب، ولو لم يجز الورثة، قطع للمساكين بثلثه 315، فإن كان الأوسق أكثر من ثلث الغلة، خير الورثة بين أن يجيزوا 316، أو يخرجوا من ثلث الحائط، وكذلك إن كان له مال سواه، والأوسق أكثر من ثلث غلته، فيخير الورثة بين أن يجيزوا 317، ويوقف جميع الحائط، أو يخرجوا من ثلث الميت، فيكون ثلث الحائط حبسًا، وما سواه يفرق في المساكين، أو يشترى به ما يجعل في مثله 318.
وقال محمد فيمن أوصى بثلث غلة حائطه: وقف جميعه، ولم يقسم 319؛ لأن مقتضى الوصية عنده أن تقسم الغلة إذا اجتمعت، فلو قسم الحائط لأمكن أن يصيب الثلثين 320 دون الثلث.
قال: وإن أوصى بغلة الثلث، قسم، ولم يوقف جميعه.
وقد قيل: يوقف كالأول وهو أبين؛ لأن الميت لو أراد القسم لوصي بثلث الحائط، ولم يتكلف فيقول: غلة الثلث 321، وإذا كان الحكم وقف جميعه فلم يحمله الثلث، ولم يُجِزْ الورثة عاد الجواب إلى ما تقدم فيختلف هل يقطع بالثلث شائعًا أو في عينه؟.
الجزء: 8 - الصفحة: 3666
باب [فيمن أوصى بخدمة عبده أو سكنى داره فأحب الورثة شراء الوصية أو الموصى له شراء (1) المرجع أو يَكُنْ ذلك من الورثة أو من أجنبي]
ومن أوصى بأن يخدم عبده فلانًا حياته، جاز للورثة أن يشتروا تلك الخدمة، واختلف عن مالك هل يشتري الموصى له منهم المرجع، فأجاز ذلك في المدونة؛ لأن القصد عنده أن يتصرف في الرقبة بالبيع، وغيره.
وقال في المستخرجة في رجل حبس على أمه وصيفة حياتها 323 فحازتها ثم توفي الابن، وعليه دين، فأرادت الأم أن تبتاع مرجع الجارية من الغرماء لتكون لها بتلًا، فقال: لا يصلح ذلك حتى تموت الأم، فيتحاص فيها الغرماء 324.
وأصل سحنون في هذا: لا يجوز، إلا لضرورة فلس، أو ما أشبه.
وكذلك أرى في شراء الورثة الخدمة: لا تجوز، إلا لضرورة تنزل بالمخدم، ويجوز على قول مالك لبعض الورثة أن يشتري نصيبه من الخدمة، ولا يجوز له أن يشتري نصيب شركائه، إلا أن يشتري جميع الخدمة السنة والسنتين، كما يجوز للأجنبي فإن انقضت السنتان، عاد في خدمة الموصى له، وإن هلك قبل ذلك رجع الوارث ببقية الإجارة، فإن كانت الوصية بالخدمة عشر سنين، جاز أن يشترط322
الجزء: 8 - الصفحة: 3667
تلك المدة، فإن هلك العبد قبل تمام المدة، رجع عليه الورثة، إلا أن يكون قصدهم بالشراء التحلل في الرقاب، فلا يرجعوا، والثمن في ذلك مختلف فليس ما يباع به على ألا رجوع، إن هلك قبل انقضاء تلك المدة مثل ما يباع به على الرجوع.
فصل [فيما أراد المخدم أن يبيع الخدمة أو يكريها]
وإن أراد المخدم أن يبيع الخدمة من أجنبي نظرت هل الخدمة مؤقتة 325 بأجل، أو حياة المخدم، أو حياة العبد، فإن كانت مؤقتة بأجل حياة المخدم، أو حياة العبد 326، جاز أن يبيع جميع تلك الخدمة ما لم يبعد الأجل.
وأجاز ابن القاسم إذا كان الأجل عشر سنين أن يكريه بالنقد في العشر سنين؛ لأنه يقول: إن مات المخدم قبل انقضاء العشر سنين، خدم الورثة بقية الأمد 327، ولا يجوز عند ابن نافع؛ لأنه قال: إن مات المخدم بعد سنة أو سنتين، رجع العبد إلى سيده.
وقال ابن القاسم: إن كانت الخدمة حياة المخدم أَجّرَهُ السنة، والسنتين، والأمد القريب؛ لأن الغرر فيه من وجهين: حياة العبد، وحياة المخدم.
وإن كانت الخدمة حياة العبد، جاز على أصل ابن القاسم أن يؤاجره 328 عشر سنين؛ لأن الغرر فيه من وجه واحد، وهي حياة العبد فأشبه لو آجر عبد نفسه تلك المدة؛ لأن الغرر من 329 حياة العبد وحده.
الجزء: 8 - الصفحة: 3668
وقد 330 قال في الدار يوصى بسكناها: إنه لا يكريها، إلا الأمد القريب السنتين ونحوها 331.
وقال ابن ميسر: لا بأس أن يكري الثلاث والأربع 332. قال: ولو كرهت هذا القدر، أو أكثر منه 333 لكرهت أن يؤاجر عبده سنتين 334، والحال فيهما سواء ولا بأس بالنقد فيه 335، وهذا صحيح؛ لأن الغرر في الدار من ناحية واحدة وهي حياة الوصى له؛ لأنها مأمونة فأشبه عبد نفسه أن الغرر فيه من ناحية واحدة وهي حياة 336 العبد وحده، ولو أراد الموصى له أن يؤاجر الدار و 337 العبد عشر سنين بغير نقد لجاز على القولين جميعًا.
وأجاز ابن القاسم للموصى له أن يؤاجر العبد، وإن كان من عبيد الحضانة إذا كان الموصى له ليس يحتاج إلى حضانة 338، أو كان يحتاج إلى حضانة، والعبد ليس من عبيد الحضانة، فإن اجتمع الوجهان فكان من عبيد الحضانة، والموصى له يحتاج إلى حضانة، لم يؤاجره.
وقال أشهب: يجوز أن يؤاجر في مثل تلك الحضانة 339، والأول أحسن؛ لأن
الجزء: 8 - الصفحة: 3669
الموصي بمثل ذلك يكره أن يؤاجر آخر عبده، وكذلك أرى في الرجل الذي له القدر يوصي بأن يخدم عبده فلانًا أو يخدمه إياه من غير وصية سنين معلومة، فمعلوم أنه لا يريد أن يكون عبده في الإجارة عند الناس، وإنما يريد بر صديقه أو قريبه بذلك، وكذلك دابة ركوبه يعيره ركوبها شهرًا (1)، فليس له أن يؤاجرها، وكذلك دار سكناه، وإلى هذا ذهب ابن نافع فقال في كتاب (2) المدنيين في من وصى (3) فقال: يخدم عبدي فلانًا سنة، فمات في بعضها: إنه يرجع إلى ورثة الموصي، ولا شيء لورثة الموصى له فيه (4)؛ لأنه إنما يريد أن يخدم عين (5) ذلك الرجل، ولم يرد أن يوله تلك الخدمة، وكذلك الرجل يسكن صهره الدار سنين، ثم يفارق بنته (6) في بعضها، أو تموت الابنة فلا شيء له من بقية المدة؛ لأنه إنما يريد رفقه ومجاملته لتكون ابنته في تلك الدار وألا يخرجها إلى مساكن الناس أو يبعد بها عنه (7).
فصل [فيمن أوصى لرجل بثمرة حائطه، هل يجوز للورثة أن يصالحوه عنها بما يبذلونه؟]
وقال ابن القاسم فيمن أوصى لرجلٍ بثمرة حائطه، والثلث يحمله، فصالحه الورثة على مال ليخرج من وصيته في الثمرة، جاز 347. يريد: إذا كانت340341342343344345346
الجزء: 8 - الصفحة: 3670
الوصية بالثمرة سنين، وليس فيها وقت الصلح ثمرة، أو كانت وهي غير مأبورة؛ لأنه ممنوع من بيع الرقاب، فأجيز الشراء ليتوصلوا (1) إلى بيعها، وإن كانت الوصية بالثمرة عامًا واحدًا وهي مأبورة، لم يجز شراؤها؛ لأن بيع الرقاب جائز.
وعند ابن سحنون يجوز بيع الرقاب، ويستثنى الثمار السنة والسنتين، فعلى هذا لا يجوز شراء (2) الثمار لأن بيع الرقاب متأت، وإن كانت الوصية خمس سنين أو أكثر، جاز أن يشتروا ما سوى (3) هذه الثمرة.
فصل [فيمن أوصى بثمرة حائطه وفيه ثمرة مأبورة أو مزهية]
وإن قال: لفلان ثمرة حائطي، وفيه ثمرة مأبورة أو مزهية، كان محمل الوصية على عين تلك الثمرة، وإن لم يكن فيها ثمر 351 كان محمله على ما يكون من الثمرة حياة الموصى له.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا أوصى 352 له بولد أمته أنها إن كانت حاملًا، كان له ذلك الحمل عاش أو مات، أو أسقطته قبل تمامه، وإن لم تكن حاملًا كان له ما تلد إلى أن تموت الأمة 353 أو ترتفع عن الحمل 354. وعلى قول أشهب:348349350
الجزء: 8 - الصفحة: 3671
ذلك له ما لم يمت الموصى له بالولد، وإن ضرب أجلًا في الثمرة فانقضى الأجل وفيها ثمرة لم تؤبر، كانت للورثة وإن أزهت كانت للموصى له.
واختلف إذا أبرت هل تكون للورثة أو للموصى له؟ وألا شيء له 355 فيها أحسن، إلا أن تزهي، وإن كانت الوصية بما تلد أمته فانقضى الأجل وهي حامل، كان للورثة دون الموصى له؛ لأنه إنما وصى له بما تلد في تلك السنين، وهذا يولد في غيرها.
وقال محمد فيمن أوصى بثمرة حائطه الآن لرجل، وبغلته فيما يستقبل 356 لآخر والحائط، لا يخرج من الثلث، فإن كانت الثمرة أبرت أو طابت، قومت ثم قومت الغلة التي تأتي إلى حياة الموصى له، فإن كانت قيمتها سواء، كان لصاحب المأبورة شطر ثلث الميت في عين الثمرة، وكان للآخر شطر الثلث شائعًا في جميع ما ترك الميت، وإن لم تؤبر قطع لهما بثلث مال الميت، وكان بينهما على قدر وصاياهما.
= (من كتاب ابن المواز، وأراه لأشهب: وإذا أوصى بولد أمته لرجل وبرقبتها لآخر، فهو كذلك، هذا ما تلد ما دام حيا، وعليه نفقتها، فإذا مات فرقبة الأمة للموصى له بالرقبة قال ابن المواز: وهذا إن لم تكن حاملًا يوم أوصى.
فإن كانت حاملًا يومئذ فليس له إلا حملها ذلك فقط).
الجزء: 8 - الصفحة: 3672
باب في (1) غلات الموصى به وولده وماله والجناية عليه
ومن أوصى لرجل بحائط وفيه ثمر مأبورة 358، لم تدخل الثمرة في الوصية، وهي للورثة، ويكثر بها مال الميت وإن لم تؤبر، كانت للموصى له، فإن لم ينظر في الثلث حتى أزهت، كانت للموصى له بالحائط.
واختلف هل تدخل 359 في القيمة، أو يقوم الأصل بانفراده؟ وأرى أن تدخل في القيمة؛ لأن الاعتبار في قيم الرقاب يوم ينظر في الثلث، فإن زادت أو نمت قومت على هيئتها يوم ينظر في الثلث، فكذلك الغلات، وتكون النفقة عليها 360 من مال الميت، وعلى القول الآخر: إنَّها 361 لا تدخل في القيمة، تكون نفقتها على الموصى له، وإن أوصى 362 بعبد أو أمة، كان ما ولد لهما قبل موت الموصي غير داخل في الوصية، وإن كان الحمل بعد موته دخل في الوصية، وقوم مع الأم أو العبد قولًا واحدًا بخلاف المال، فإن كان الحمل في حياته والولادة بعد وفاته، كان ولد الأمة للموصى له، وولد العبد من أمته للورثة، وسواء كانت الوصية فيهما بالعتق أو لفلان.
وأما المال فهو على ثلاثة أوجه: فإن مات الموصي وفي يد العبد أو الأمة مال من الخراج كان للورثة، وسواء كانت الوصية فيهما 363 بالعتق أو لفلان.357
الجزء: 8 - الصفحة: 3673
وإن كان المال من غير الخراج، والوصية بالعتق تبعه المال.
واختلف إذا كانت الوصية لرجلٍ فقال مالك مرة: المال للورثة.
وقال مرة: إني لأراه شبيهًا بالعتق، وأن يكون لمن أوصى له به.
قيل له 364: أتراه مخالفًا للهبة والصدقة إذا تصدق به أو وهبه، قال: نعم وإن كان المال من ربح المال الذي كان في يديه، كان حكمه حكم رأس المال، فإن كانت الوصية بعتق تبعه، وإن كانت 365 لرجلٍ كان على الاختلاف في رأس المال، وإن كان ذلك من فائدة كان للموصى له 366، ثم يختلف هل يدخل في القيمة.
والجناية على العبد في حياة السيد لورثته ويكثر به ماله، وكذلك إذا كانت الجناية بعد موته، وقد وصى بعتقه؛ لأنه 367 جنى 368 عليه، وهو عبد 369 ولو قتل لكانت قيمته لهم، إلا أن تكون له أموال مأمونة، فإن كان له مال مأمون، وقال: إن مت فهو حر، كان حرًّا بنفس الموت، والجناية عليه جناية حر، فله قيمة الجناية إن كانت دون النفس، ولورثته إن قتل.
وقال محمد: إن أوصى به لرجلٍ فجنى عليه، كانت الجناية لورثة السيد بمنزلة الموصى بعتقه.
وقال ابن القاسم: قال مالك في العبد الموصى به لرجلٍ يموت عن مال
الجزء: 8 - الصفحة: 3674
قبل النظر في مال الميت: إن مال العبد للموصى له به 370. فعلى هذا تكون الجناية عليه إن جرح، أو قتل للموصى له به، وهو أحسن؛ لأنه بنفس موت الموصي ملك للموصى له به، وقد أخرجه الميت عن الورثة وإنما بقي موقوفًا لاعتبار القيمة.
الجزء: 8 - الصفحة: 3675
باب فيمن أوصى لرجلٍ بوصيتين
ومن أوصى لرجل بوصيتين فإنه لا يخلو أن يكونا معينتين أو إحداهما معينة 371 أو غير معينتين 372 بتسمية أو بأجزاء، أو إحداهما بتسمية 373 والأخرى بجزء، فإن كانتا معينتين، فقال لفلان: ناصح، ثم قال في تلك الوصية أو غيرها له 374: مرزوق أو 375 علين دارًا ثم عبدًا ثم 376 ثوبًا، كان له الوصيتان إذا حملهما الثلث أو ما حمل منهما، وكذلك إذا كان معينًا وغير معين، فقال له: عبدي فلان، ثم قال: عبد من عبيدي، فله الوصيتان جميعًا.
قال أشهب في المجموعة: له العبدان 377. يريد المعين و 378 عبد مما سواه، وهذا صواب إذا كانتا بكتاب واحد 379 أو نسقهما في كلام 380 بغير كتاب.
وإن لم يكن نسقًا وصى له أمس ثم اليوم بغير كتاب ففيها نظر، فإن هو قدم النكرة ثم عين كان أشكل هل أراد بالتعيين بيان ما أبهم أو وصية ثانية؟ وإن كانا من جنسين فقال: له عبدي فلان، ثم قال في تلك الوصية أو في غيرها: له دار من
الجزء: 8 - الصفحة: 3676
دوري، كان له الوصيتان.
وكذلك إن كانتا غير معينتين وهما من جنسين فقال: له عبد من عبيدي، ودار من دياري 381، أو ثوب من ثيابي، أو عشرة دنانير، أو عشرة أقفزة قمحا 382، كان له الوصيتان، وسواء كان ذلك كلامًا بغير كتاب، أو بكتاب واحد، أو بكتابين.
واختلف إذا كانتا 383 من جنس واحد، فقال: له عشرون دينارًا، ثم قال: له عشرة، أو قال عشرة 384 ثم قال: له عشرون على ثلاثة أقوال: فقال مالك وابن القاسم في المدونة: ليس له سوى عشرين وهو أكثر الوصيتين، وسواء تقدمت الوصية بها أو تأخرت 385.
وقال علي بن زياد عن مالك: إن أوصى بعشرة 386 ثم بعشرين، كان له عشرون، وإن أوصى بعشرين ثم عشرة 387، كان له ثلاثون 388.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: وسواء كان ذلك في كتاب أو كتابين 389.
وقال ابن الماجشون 390: إن كانتا في كتابين، كان له أكثر الوصيتين، كانت
الجزء: 8 - الصفحة: 3677
هي الأولى أو الآخرة مثل قول ابن القاسم، وإن كانتا في كتاب فقدم الأكثر كانتا له، وإن تأخر الأكثر كان له بانفراده مثل أن يكون بين الوصيتن وصايا.
قال في أولها: لزيد كذا، وقال 391 في آخرها: لزيد كذا.
وكان الذي بينهما ليس بوصايا، وإنما قال في أولها 392: لزيد كذا، ثم قال: انظروا فلانًا، فإنه فعل كذا، ثم قال: ولزيد عشرون فله ثلاثون.
واختلف أيضًا إذا استوى العددان 393 قال: لزيد عشرة، ثم وصى له بعشرة، فقال محمد: ليس له 394 إلا عشرة واحدة.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب 395: له 396 الوصيتان، كانتا بكتاب أو بكتابين، وأرى إذا كان كلامًا نسقًا أو بكتاب أن يأخذهما، وسواء كانت الآخرة الأقل أو الأكثر، وإن لم تكونا نسقًا أعطي الأخيرة 397 منهما 398 إذا كانت أكثرهما؛ لأن الشأن أن 399 الإنسان يوصي بالشيء ثم يستقله فينقله إلى أكثر، وإن كانت الأولى أكثر أخذها 400 وحملت الثانية على أنها زيادة إلى الأولى، وإن استوى العددان وصى 401 له بعشرة ثم بعشرة بكتاب واحد
الجزء: 8 - الصفحة: 3678
كان له عشرون ولا يحمل على أنه أراد نسخ أول 402 الوصية بآخرها وهي مثلها إذ لا فائدة لذلك 403 إلا الزيادة.
وإن كانتا في كتابين نظر إلى الثانية، فإن كان فيها زيادات لأقوام حمل عليه في هذه مثل تلك، وإن كان فيها نسخ لبعض من في الأول 404 حمل عليه في الثانية أنه أراد أن يبين من أثبت ولم ينسخ، وكذلك إذا كانتا بجنس واحد 405 من غير العين بعبيد أو ديار أو ثياب، فأوصى بعبدٍ ولم يعينه ثم بعشرة أعبد، أو بعشرة أعبد ثم بعبد، أو بثوب ثم بعشرة أثواب، أو بعشرة أثواب ثم بثوب، فعلى قول ابن القاسم يأخذ أكثر الوصيتين، تقدمت أو تأخرت، ويجري فيها 406 الخلاف المتقدم في الدنانير عن مالك، ومطرف، وابن الماجشون.
وكذلك إذا كانت الوصيتان بجزئين، فعلى ما تقدم في الدنانير فإن استوى الجزءان كان له على قول محمد أحدهما، وعلى ما عند ابن حبيب جميعهما، وإن اختلف الجزءان وصى له بثلث ماله ثم بسدسه، أو بسدسه ثم بثلثه، كان له على أحد قولي مالك الثلث وحده، تقدم أو تأخر، وعلى القول الآخر يكون له الثلث، إن تأخر والنصف إن تَقَدَّمَ الوصية بالثلث وأجازت الورثة، ويدخل في ذلك قول مطرف وابن الماجشون، وهل كانتا بكتاب أو بكتابين؟ وكذلك إذا كانتا بجزء وتسمية، والتركة من جنس واحدة دنانير، أو ثياب، أو عبيد، أو ديار.
الجزء: 8 - الصفحة: 3679
واختلف إذا كانت التركة عينًا أو ثيابًا أو عبيدًا أو ديارًا، فقال لفلان: عشرة دنانير، ثم قال: له ثلث مالي.
فقيل: له ثلث 407 ماله 408 سوى العين.
ويكون له من العين الأكثر حسبما تقدم إذا أوصى بعشرة وعشرين، فإن كان 409 ثلث العين الأكثر 410 أخذه، وإن كانت العشرة أكثر أخذها إن أجازت الورثة، وقيل: له العشرة وثلث التركة قبل إخراج العشرة إن أجاز الورثة، بمنزلة لو كانت الوصيتان لرجلين، وكذلك إذا قال: له دار من دوري أو عبد من عبيدي، ثم قال: له ثلث مالي كان على الخلاف المتقدم إذا وصى 411 بدنانير ثم بجزء.
واختلف إذا أوصى بدنانير ثم بدراهم، فقال محمد: يأخذهما.
وقال ابن حبيب: هما كالشيء الواحد بمنزلة لو كانتا 412 كلاهما بدنانير أو بدراهم.
قال محمد: فإن كانت دراهم وسبائك فضة أو قمحًا أو شعيرًا، أعطي جميعها 413.
الجزء: 8 - الصفحة: 3680
باب فيمن أوصى لرجل (1) بشيء ثم أوصى به لآخر، وما يعد من ذلك رجوعا
415
وقال مالك فيمن أوصى لرجل بعبد ثم أوصى به لآخر: كان بينهما نصفين 416.
قال محمد: كان ذلك في كتابٍ أو كتابين، إلا أن يقوم دليل على رجوعه بلفظ أو بمعنى 417.
قال أبو القاسم: ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان، كان رجوعًا وكان جميعه للآخر 418.
قال محمد: لو قال: بيعوه من فلان كان رجوعًا، اشتراه الآخر أو لم يشتره.
قال: وكذلك لو قال: بيعوه ولم يقل من فلان واستحب أن يجوزا جميعًا 419. والأول أصوب وهو رجوع.
ولو قدم البيع من فلان أو لم يسمه، ثم وصى به لآخر، كان للآخر.
قال محمد: ولو قال: هو لفلان وبيعوه من فلان في كلام واحد، لبيع من هذا بثلثي ثمنه، وأعطي ذلك الثلثان فلانًا، فإن لم يشتره كان ثلث ثمنه للورثة،414
الجزء: 8 - الصفحة: 3681
ولو 420 وصى به لفلان وبعتقه في كتابين أو في كتاب، لكان على ما وصى به آخرا 421 من عتق أو لفلان 422.
وقال أشهب: الحرية أولى، تقدمت أو تأخرت 423. والأول أبين، وهو رجوع.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد فيمن هلك عن وارثٍ واحد، وأوصى بثلثه لوارثه، ثم قال ثلثي لفلان، أو قال: هو لفلان.
وهو أجنبي، ثم قال: لفلان وهو الوارث، كان ثلثه للآخر منهما وهو انتزاع من الأول، وجعل الثلث كالشيء المعين يوصى به مرتين، وعلى قوله لو كان عبدًا أو أوصى به لأجنبي ولوارثه، كان للآخر منهما 424 ويلزم على قوله إذا أوصى به لأجنبي 425 أن يكون رجوعًا عن الأول، ويكون للآخر.
وقال محمد 426 فيمن قال: عبدي مرزوق لمحمد، ولسعيد مثله قال: يعطاه 427 محمد ويشتري لسعيد مثله في قيمته، ونحوه ولو قال: مرزوق لمحمد وسعيد مثله، كان خلاف الأول، وكان بينهما نصفين، وحمل قوله مثله، أي مثل محمد في الوصية 428.
الجزء: 8 - الصفحة: 3682
باب فيمن أوصى بمثل نصيب أحد بنيه أو أحد ورثته
وإذا خلف الميت ثلاثة من الولد، وأوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه، كان له الثلث، وإن كانوا أربعة فالربع أو 429 خمسة فالخمس، وهذا قول مالك 430.
وقال ابن أبي أويس في ثمانية ابن أبي زيد: له السدس إذا كانوا خمسة.
وإن قال: أنزلوه منزلة أحد ولدي، أو اجعلوه كأحدهم كان له السدس إذا 431 قولًا واحدًا، وكذلك إن 432 قال له نصيب أحد ولدي، ولم يقل مثله.
واختلف أيضًا إذا كانوا ذكرانًا وإناثًا، فقال مالك وابن القاسم: ينظر إلى عددهم، فإن كانوا ثلاثة كان له الثلث، أو 433 أربعة كان له 434 الربع 435.
وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: له نصف نصيب ذكر، ونصف نصيب أنثى.
وقول مالك في المسألة الأولى أحسن؛ لأن نصيب ولده إن كانوا ثلاثة الثلث فمثله هو الثلث والربع دون المثل، فكان حمله على الثلث أولى حتى يقوم دليل أنه أراد أن يجعله مضافًا إليهم، وقول عبد الملك في المسألة الأخرى
الجزء: 8 - الصفحة: 3683
أحسن، وهو أعدل 436 في الوصية ألا يكون له نصيب أعلاهم وهو الذكر، ولا نصيب أدناهم وهو 437 الأنثى، فإن قال: له مثل نصيب أحد ولدي، وله زوجة وأبوان، عزل نصيب الزوجة والأبوين، ثم ينظر إلى ما ينوب كل واحد من الباقي، فيعطى مثل 438 نصيب أحدهم، ثم يجمع نصيب الزوجة والأبوين إلى الباقي بعد ما أخذه الموصا له فيعطى مثل نصيب أحدهم ثم يجمع فيقتسمونه على فرائض الله تعالى.
وقال مالك إن قال: له مثل نصيب أحد ورثتي، جمع عدد البنين والزوجات والأبوين، فإن كانوا عشرة أعطي العشر 439، وقياد 440 قول عبد الملك يعطى ربع 441 نصيب ذكر وربع نصيب أنثى، وربع نصيب زوجة 442، وربع نصيب أحد الأبوين، واختلف إذا وصى بسهمٍ من سهام ماله.
الجزء: 8 - الصفحة: 3684
باب [فيمن أوصى لرجلٍ ولولده فمات بعضهم قبل القسم، وولد له (1) آخرون، وما تحمل الوصية فيه على التعيين (2) وعلى غير التعيين وإذا أوصى لأقاربه أو لأهله أو لعصبته أو لجيرانه أو لمواليه]
وصية الميت على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: هؤلاء 445 النفر، فهؤلاء معينون، فمن مات منهم بعد موت الموصي وقبل القسم، كان ورثته مقامه، ومن توالد لهم لم يكن لولده شيء، والغني والفقير في ذلك سواء.
والثاني: أن يقول: لتميم أو لقيس، فهذه لمن أدرك القسم، فمن مات قبل القسم سقط نصيبه، ومن توالد دخل في القسم، ويؤثر الفقير على الغني.
والثالث: أن يقول: لأعمامي، أو لأخوالي، أو لموالي، أو لفلان وولده، فقيل: هم كالمعينين فمن مات لم يسقط نصيبه، ومن توالد لم يدخل في الوصية، والغني والفقير سواء، وقيل: هم كالمجهولين، والوصية لمن أدرك القسم كالذي قال: لتميم.
والأول أحسن؛ لأن هؤلاء يعلم عددهم، إلا أن يدخل العقب، فيقول: لفلان وعقبه 446، فيكون لمن يتوالد بعد، أو يقول:443444
الجزء: 8 - الصفحة: 3685
لفلان وولده حبسًا، فيعلم 447 أنه أراد مجهول من يكون عند كل قسم.
وإن أوصى 448 لولد فلان، ولا ولد له، وله حمل حملت 449 الوصية على أنها لذلك الحمل، فإن ولد كانت له الوصية، وإن أسقطته أو ولدته ميتًا، سقطت الوصية، ولا شيء لمن يولد بعد، وإن لم يكن حمل، والموصي يظن أن له ولدًا، أسقطت الوصية، وإن كان عالمًا حملت الوصية على من يولد بعد، وإن كثروا، فإن ولد له ولد تجر له بذلك المال، ثم كذلك كما ولد له ولد تجر له 450 مع الأول، ومن بلغ التجر تجر لنفسه، فإن خسر فيه أو ضاع منه شيء في حين يتجر 451 به للصغير، لم يضمن؛ لأنَّ الصغير لا تعمر ذمته بذلك، وقد رضي الموصي 452 بالوصية له على ما توجبه الأحكام في الضمان، فإن بلغ وتجر لنفسه ضمن الخسارة والتلف، وإن أوصى لميت والموصي 453 لا يعلم بموته، سقطت الوصية، وإن كان عالمًا قضى بها دينه وورث عنه إن لم يكن عليه دَيْن.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: الوصيةُ ساقطةٌ.
ولم يجعل لورثته ولا لغرمائه شيئًا.
وأرى أن الميت لا يملك، وأن الوصية 454 لمن يستحيل أن يوصى له.
الجزء: 8 - الصفحة: 3686
فصل [فيمن أوصى لبني فلان أو لأقاربه أو لأهله أو لعصبته أو لجيرانه أو لمواليه]
ولو قال: لبني فلان، كانت الوصية لبنيه الموجودين دون من يأتي، بخلاف الحبس 455، وكذلك قوله لولد فلان هو للموجودين الذكران والإناث دون من يأتي.
وإن قال: لإخوتي، كانت لإخوته لأمه وأبيه، ولإخوته لأبيه، ولإخوته لأمه دون بنيهم.
وإن قال لبنيهم دخل بنوهم 456 الموجودون على القول إنه يقتضي التعيين، ومن قال: إنهم كالمجهولين ويكون لمن أدرك القسم يكون لمن يوجد بعد موت الموصي وقبل القسم.
وإن قال: لآبائي، كانت للآباء والأمهات والأجداد والجدات، فإن لم يجز بقية الورثة للآباء حوصص الأجداد والجدات بما ينوبهم، وكان ما ينوبهم ميراثًا.
وإن قال: لأعمامي، كان للعمومة والعمات من حيث كانوا.
كان قال: لعصبتي، دخل في ذلك نسب الأب الذكور وإن بعدوا، ولم يدخل فيه الإناث، ولا من كان من قبل الأم ذكرانًا كانوا أو إناثًا.
واختلف إذا قال: لأهلي، فقال ابن القاسم: أهله وآله سواء وهم العصبة والأخوات والعمات، ولا شيء للخالات 457. فجعل الوصية لمن كان من قبل الأب ذكرانًا كانوا أو إناثًا دون من كان من قبل الأم.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: يدخل في ذلك الأخوال والخالات،
الجزء: 8 - الصفحة: 3687
وبنوهم الذكران والإناث، وبنوا البنات ذكورهم وإناثهم 458. واختلف إذا قال: لقرابتي، أو لرحمي، كالاختلاف الأول، فقال مالك 459 في كتاب محمد: يقسم للأقرب 460 فالأقرب بالاجتهاد 461، ولا يدخل في ذلك أحد من قبل الأم، إلا أن لا 462 تكون له قرابة من قبل الرجال 463، وروى عنه علي بن زياد أنه قال: يدخل فيه قرابته من قبل أبيه وأمه 464، وبنو البنين وبنو الإخوة، ويعطى فقراء أبناء من يرثه 465، وقاله ابن كنانة، قال: يعطي من كان من قبل الأب والأم 466. قال أشهب: ولا يفضل الأقرب، فأسعدهم به أحوجهم 467. وقال ابن كنانة: إن قال: صدقة لم يعط إلا الفقراء، وإن لم يقل 468 صدقة فأغنياؤهم وفقراؤهم سواء 469، وإن قال: لرحمي، كان لمن هو من قبل الرجال والنساء.
الجزء: 8 - الصفحة: 3688
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم، ألا شيء في ذلك لمن كان من قبل النساء، والأول أحسن.
واختلف إذا قال: لجيراني، فقيل: إن كان في دار كبيرة جامعة وهو يسكن بعضها، قسمت الوصية على أهلها من أدرك القسم وإن سكن قبل ذلك بيوم، ولا حقَّ لمن انتقل عنهم قبل ذلك، وإن كان ساكنًا جميعها، كان الجوار لمن واجهه، وهو معه في الحومة 470 المستقبل بعضها بعضًا، يجمعهم الطريق والمدخل، وما وراء ذلك مما يلصق بالمنزل وجنابيه 471 فقط، يقسم على أحرارهم ولا يقسم لزوجة ولا لمن تلزمه النفقة 472 من ولد، ويقسم لمن كان بالموضع في إجارة أو ضيف إذا كان حرًا، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَرْبَعُونَ دَارًا جَار" 473. ولم يثبت.
الجزء: 8 - الصفحة: 3689
وقال الزهري: أربعون من كل جانب (1). وقال بعض أهل العلم: ومن سمع الإقامة فهو جار.
وقال (2): الجيران أهل المحلة الذين يجمعهم المسجد أو مسجدان لصيقان متقاربان (3).
فصل [في الوصية للموالي]
وقال ابن القاسم إذا قال: لموالي فلان، فمات بعضهم قبل القسم، وولد آخرون وأعتق فلان آخرين، كانت الوصية لمن أدرك القسم 477. قال سحنون: وقد بينا هذا الأصل 478. يريد، أنه اختلف فيه، هل يكونون كالمعينين ولا يدخل من ولد ولا من أعتق ولا يسقط نصيب من مات وُيسَوَّى 479 بين الغني والفقير؟ وقال مالك في كتاب محمد فيمن أوصى لمواليه: يدخل في ذلك أمهات أولاده المعتقون بعد موته، ومدبره إذا أخرج 480 من ثلثه وفضلت فضلة 481،474475476 = أبي هريرة وفي إسناده عبد السلام بن أبي الجنوب وهو متروك ورواه الطبراني من حديث كعب بن مالك نحو سياق أبي داود وينظر في إسناده)
الجزء: 8 - الصفحة: 3690
والمعتق إلى أجل، والمكاتب إذا انقضى الأجل وأدى الكتابة قبل القسم، فإن سبقهم القسم، فلا شيء لهم.
وقال في العتبية: يدخلان الآن 482 في الوصية، فيقسم بينهما بالسواء، فما صار لهما وقف فإن انقضى الأجل وأدى المكاتب أخذا 483 ذلك، وإن مات هذا قبل الأجل أو عجز المكاتب، رجع حقهما إلى بقية الموالي 484. والأول أحسن.
واختلف إذا قال: لموالي وله موال 485 أنعم عليهم، وموال أنعموا عليه، فقال ابن القاسم: الوصية للموالي الأسفلين 486. وروى أشهب أن ذلك محتمل أن يراد به الأسفل والأعلى، فجعله بينهما نصفين، وإن اختلف العدد فكان إحدى الطائفتين خمسة، والأخرى عشرة، كان بينهما نصفين، وإن كان 487 إحدى 488 الطائفتين ثلاثة فما فوق، والأخرى واحدة أو اثنتين، كان للجماعة، كانوا أعلى أو أسفل؛ لأن الواحد والاثنين لا يقع عليهما اسم موالي، وإن كان إحدى الطائفتين واحدة، والأخرى اثنين، كان بينهما أثلاثًا لأنه لا يقع عليهم اسم موالي 489 إلا بضم بعضهم إلى بعض.
واختلف إذا قال: لموالي، هل يدخل في ذلك موالٍ ولده وآبائه وإخوته
الجزء: 8 - الصفحة: 3691
وأعمامه 490؟
فقال مالك في العتبية فيمن حبس على مواليه: لا يكون الحبس إلا لمواليه الذين أعتق وأولادهم، وقال بعد ذلك: يدخل في ذلك موالي الأب والابن 491. وقال أيضًا: يدخل في ذلك 492 موالي الأب والأم، وموالي الموالي وأولادهم.
وفي المجموعة: يدخل فيهم موالي الولد، وولد الولد، والأجداد والأم، وموالي الموالي وأولادهم 493 والجدة، والإخوة، ولا يدخل في ذلك موالي بني الإخوة والعمومة 494. والأول أحسن، أن تقصر الوصية على مواليه الذين أعتق حتى يقوم دليل أنه أراد غيرهم، أو لا 495 يكون له موالي لنفسه فيعلم أنه أراد الآخرين.
الجزء: 8 - الصفحة: 3692
باب فيمن أوصى لجماعة، فمات أحدهم أو لم يقبل
اختلف عن مالك فيمن أوصى لثلاثة نفر، لكل واحدٍ منهم بعشرة 496 دنانير ولم يحمل الثلث، فمات أحدهم في حياة الموصي، أو لم يقبل فقال مرة: لورثة الموصي أن يحاصوا أهل الوصايا بنصيبه، علم الموصي بذلك أو لم يعلم 497، وقال أيضًا: لا يحاصوا به، علم أو لم يعلم، وقال أيضًا: 498 إن علم لم يحاصوا بنصيبه، وإن لم يعلم حاصوا به.
فأما قوله يحاصوا 499 به إن علم، فإنه مبني على أحد 500 أقواله إنَّ محمل الميت في الوصايا إذا عال على ثلثه، أنه يقصد دخول بعضهم على بعض، وقد تقدم ذلك إذا أوصى بالثلث وبتسمية، أن التسمية تنزع 501 من الثلث.
وأما تفرقته بين ما علم ومن لا 502 يعلم، فهو بناء على القول إنه إذا عال في الوصية يريد به 503 الزائد من الثلثين، فيكون كما لم يعلم به.
وأمَّا قوله: لا يحاص به وإن لم يعلم، فإنه محتمل لوجهين:
الجزء: 8 - الصفحة: 3693
أحدهما: أن يكون ذلك على أحد 504 القولين في دخول الوصايا فيما لم يعلم به.
والثاني: أن يكون ذلك؛ لأنه كان مترقبًا للرد.
وهذا أحسن، ومحمل الميت في مثل 505 هذا أنه يريد إنفاذ جميع وصاياه من الثلث 506 وغيره، رجاء أن تتم له الورثة ذلك، فإذا طرأ له مال كان أبين أن تنفذ منه وصيته، وكذلك إذا أوصى لواحد بثلث ماله، ولآخر بسدسه أو نصفه 507، فلم يجز الورثة ومات أحد الموصى لهما 508 أو رد، فيختلف في نصيبه حسبما تقدم، وأما إن أوصى لهم بثلثه، فلم يقبل أحدهم أو مات، فإن لورثة الموصي أن يحاصوا بنصيبه قولًا واحدًا؛ لأن الميت إنما أعطى لكل واحد منهم 509 ثلث الثلث فلا يزاد على ما وصى له به، وهو في هذا بخلاف ما تقدم إذا وصى 510 لكل واحد منهم 511 بعشرة أو لثلاثة بثلث.
الجزء: 8 - الصفحة: 3694
باب إذا (1) أوصى بأكثر من ثلثه، فأجاز الوارث ثم رجع بعد موته، وكيف إذا (2) كان على الوارث دين فأجاز وصيته إليه (3) بأكثر من ثلثه، أو أقر أن على أبيه دينًا، أو عنده وديعة، أو أوصى بوصية
515 وإذا أوصى المريض بأكثر من ثلثه، فأجاز الوارث في حياته ثم رجع بعد موته، فإنه لا يخلو الوارث من أن يكون ولدًا، أو عاصبًا، أو زوجة، فإن كان 516 ولدًا أو عاصبًا رشيدًا وليس في نفقة الميت، لزمه ذلك، ولم يكن له أن يرجع، وسواء كانت إجازته بالطوع منهم 517 أو بعد أن استأذنهم 518، وكذلك إن 519 كان رشيدًا في نفقته أو في رفقه فأجاز قبل أن يستأذنهم، وإن كانت الإجازة بعد أن استأذنه فقال 520 بعد ذلك: أجزت خيفة أن يصح فيقطع عني معروفه- حلف على ذلك ولم تلزمه الإجازة.512513514
الجزء: 8 - الصفحة: 3695
واختلف في الزوجة فقال مالك: لها أن ترجع 521.
وقال أشهب في كتاب محمد: ليس كل زوجة لها أن ترجع، رب زوجة لا ترهب منعه ولا تهاب ذلك، فهذه لا ترجع قال: وكذلك الابن الكبير يكون في عيال أبيه وهو غير سفيه، فلا رجوع له إذا كان ممن لا يخدع 522، وقوله في الزوجة حسن، فأما الولد فالقول الأول أصوب، إلا أن يعلم أنه كان في حياة الأب، لا يرهبه، وأنه كان لا 523 يتكلف النفقة عليه والولد على وجه الاستعلاء وقلة الخضوع، وإن كان الولد صغيرًا أو كبيرًا سفيهًا موليًا 524 عليه، لم تجز إجازته وإن لم يكن في نفقته، ويختلف إذا كان غير مولى عليه، فمن أجاز هباته أمضى إجازته.
واختلف إذا استأذن الأب ولده الرشيد عند سفره فأجاز، فقال محمد: لا يلزمه ذلك.
وقاله ابن وهب في العتبية 525، وقال ابن القاسم: هو كالمريض.
وقال مالك في الموطأ: إن أذن الورثة للصحيح أن يوصي بأكثر من ثلثه، لم يلزمهم؛ لأنهم أذنوا في وقتٍ لا منع لهم 526. وفي كتاب الصدقة من كتاب محمد فيمن قال: ما أرث من فلان صدقة عليك، وفلان صحيح قال: يلزمه ذلك 527 إذا كان في غير يمين، والأول أشهر، وهذا أقيس؛ لأنه التزم ذلك بشرط الملك،
الجزء: 8 - الصفحة: 3696
فأشبه من أوجب الصدقة بما يملك إلى أجل أو في بلد سماه (1)، أو بعتق ذلك، أو بطلاق ما يتزوج فيه.
وقال ابن القاسم في العتبية في مريض أوصى بجميع ماله وليس له وارث إلا ابن مريض فأجاز الابن وصيته، وقال الابن: ثلث مالي صدقة على فلان، ولا مال له إلا ما خلفه أبوه، وهو ثلاثمائة دينار.
قال: يبدى بوصية الأب مائة دينار، ثم يتحاص من وصى له الأب، ومن وصى له الابن يَضْرِبُ الأول بمائتين، والآخر بثلث المائتين (2). يريد، فيتحاصان في ثلث المائتين إن أَرْبَاعًا؛ لأن المائتين تصير بموت الأب مالًا للابن، وهو جميع ماله، ووصى بجميعه لرجل، وبثلثه لآخر ووصيته ترجع إلى ثلثه، والفريضة تخرج من ثمانية عشر، فيأخذ من وصى له الأب ثلثها، وهو ستة، وتبقى اثنا عشر وهو ميراث الابن، يخرج ثلثها للموصى له، وهي أربعة، ولمن وصى له الأب (3) منها ثلاثة أسهم، وللآخر سهم.
فصل [فيما إذا أوصى بأكثر من ثلثه فأجاز الوارث وكان على الوارث دين]
واختلف إذا أوصى الأب بأكثر من ثلثه، فأجاز الابن وعليه دين، فقال ابن القاسم: للغرماء أن يردوا ذلك 531. وقال ابن القصار: إذا أجاز الوارث ما528529530
الجزء: 8 - الصفحة: 3697
أوصى به الميت من الزيادة على الثلث أو الوصية للوارث، كان ذلك تنفيذًا لفعل الميت، ولم يكن ذلك ابتداء عطية من الوارث والأول أحسن؛ لأن الزيادة على الثلث ملك للوارث، ولم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للميت من تركته إلا الثلث، وإذا كان ذلك كانت الزيادة عطية من الوارث، وهو أصل أشهب في كتاب محمد 532. واختلف إذا أجاز الوارث ولا دين عليه، فلم يقبض ذلك الموصى له حتى استدان الوارث أو مات، فقال ابن القاسم 533: غرماء الولد وورثته أحق بها؛ لأنها هبة منه، ولم تحز عنه 534. وقال أشهب: يبدى بوصية الأب قبل دين الابن 535. والأول أحسن؛ لأنها هبة منه، فإذا لم تجز عنه حتى فلس سقطت، وإن اعترف 536 الابن بدين على أبيه، أو بوديعة أنها لفلان عنده، والمُقَرُّ له حاضر، جاز إقراره، وإن أنكر ذلك غرماء الابن، قال ابن القاسم: ويحلف المقر له إذا كان إقرار الابن قبل أن يقوم عليه غرماؤه 537. ولا مقال لغرماء الابن في ذلك 538. واختلف إذا أقر أن أباه أوصى لفلان بوصية، فقال ابن القاسم: يجوز إقراره ولا مقال لغرماء الابن في ذلك 539. وقال أشهب: لا يجوز إقراره، ولا
الجزء: 8 - الصفحة: 3698
شهادته أن أباه أوصى بعتق، ولا بوصية إذا لم يصدقه غرماؤه، كما لو فعل هو ذلك في ماله 540. قال: وليس بمنزلة إقراره على أبيه بالدين؛ لأنه لو أقر بذلك على نفسه للزمه 541. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لم يصنع معروفًا، فيرد فعله، وإنما اعترف أن أباه أبقى الثلث لنفسه، ووصى فيه بوصايا، وهذا مما يفعله الموتى ولا يتهم الابن في ذلك.
تَمَّ كِتَابُ الوصايا الثاني
والحمدُ للهِ تعالى
الجزء: 8 - الصفحة: 3699