التبصرة للخميكتاب الوصايا الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (367) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)

الجزء: 8 - الصفحة: 3535

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وسلم تسليمًا

كتابُ الوصايا الأول

باب في الوصايا ومنازلها في الوجوب والاستحباب والمنع

الأصلُ في الوصايا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12].
وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أصناف: دينًا، ووصية، وميراثًا، فكان المفهوم أن الوصية التي تنفذ هي 1 ما يعطيه الميت بالطوع من غير الصنفين المذكورين: الدين، والميراث.
ولما جعل الله سبحانه ألا ميراث إلا بعد إنفاذ الوصايا، دلَّ على وجوب إنفاذها.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتْينِ إلَّا وَوَصِتيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ" 2. واختلف في الآية الأولى، فقيل: المراد بها من لا يرث من الأبوين، كالعبد

الجزء: 8 - الصفحة: 3537

والنصراني، ومن الأقارب من لا يستحق الميراث، ولم تنسخ، وقيل: هي منسوخة في الأبوين (1)، ثابتة في الأقارب، وقيل: منسوخة في الفريقين بآية الميراث، ورجح محمد بن جرير الطبري وغيره القول الأول، وقال: لا يجوز حمل الآية على النسخ مع إمكان استعمالها، إلا بآية، أو سنة، أو إجماع (2). ويؤيد هذا القول قول على بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس وعائشة والنخعي (3) وقتادة، إن الخير المراد (4) في الآية: المال الكثير، أي: إنما تجب الوصية للوالدين والأقربين إذا كان المال كثيرا، فلا يضر الورثة ما يخرج عنهم بالوصية للوالدين والأقربين.
ولو كان المراد بالآية الوالدين والأقربين الذين يستحقون الميراث، لم يكن لتخصيص الوصية بالمال الكثير وجه؛ لأنَّ ذلك الذي يخلفه (5) لهم قليلًا كان أو كثيرًا.

فصل [في وصية المريض وما يعرض لها من جواز ومنع واستحباب]

وصيةُ المريضِ على خمسة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، ومكروهة وممنوعة، فتجب بما قبله من تباعات الله سبحانه وتعالى، زكاة، أو كفارة يمين، أو ما أشبه ذلك مما فرط فيه أو لم يفرط، أو لآدمي من مداينات، أو قراض، أو وديعة لم يتقدم الإشهاد بها؛ لأن ترك الإشهاد الآن يؤدي إلى تلف ذلك على34567

الجزء: 8 - الصفحة: 3538

أربابها، وإنما رضوا بترك الإشهاد مع الصحة ورجاء السلامة.
وإن كان قَبِلَهُ غصب أو تعدٍّ، فعليه أن يشهد به ليبرأ منه 8، وما سوى هذا القسم فهو راجع إلى ما تطوع به الموصي.
فإن كانت الوصية يتعلق بها حق الله سبحانه وتعالى 9، ولا تضر بالورثة، أو تضر بهم لقلة المال، وكان ما يرجى فيها من الأجر أعظم مما يرجى من الترك للورثة 10، كانت مستحبة.
وإن كان ما يرجى من الترك أعظم أجرًا كانت مكروهة، وإن تقاربا كانت مباحة، وإن كان لا يتعلق بها 11 طاعة ولا معصية ولا مضرة على الورثة، كانت مباحة.
وإن كان يتعلق بها معصية كانت ممنوعة، فإن كان الورثة مياسير لم يكن في الوصية كراهة من جهتهم، وسواء كان المال قليلًا أو كثيرًا.
ثم ينظر في الموصى له، فإن كان موسرًا كانت مباحة، وإن كان معسرًا كانت مستحبة، وإن كان معسرًا وله قرابة 12 كانت آكد في الاستحباب، وإن كانا فقيرين قريبًا وأجنبيًا، استحب أن يجعلها في القريب، ومكروة له أن يجعلها في الأجنبيِّ دونه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: "ضَعْها فِي أَقارِبِكَ وَبَنِي عَمِّكَ" 13.

الجزء: 8 - الصفحة: 3539

وإن كان الورثة فقراء والمال قليلًا كرهت الوصية لأجنبي، فقيرًا كان أو موسرًا، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثتَكَ أَغْنياء خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكَفَّفُونَ النَّاسَ".
14 ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ" 15. فهو عند الموت إلى ذلك أحوج.
وإن جعل الوصية في قريبٍ فقيرٍ وهو أقرب قرابة 16 من الوارث كانت مستحبة.
فقد يحرم الأقرب الميراث، ويأخذ الأبعد بالتعصيب كبنت الأخ، والعم، والعمة، وابن العم.
وكذلك إذا كانت منزلتهم سواء، كبني الأخ، والأعمام، وبني الأعمام رجالًا ونساء، وكلهم 17 فقراء، فهي مستحبة في الإناث؛ لأن الميراث للذكور، فيكون قد وصل رحمه وعمَّ نفع ماله جميعهم.
وإن كان الإناث صغارًا، كان ذلك آكد على الحثِّ في الوصية لهم.
وإن كان للوارث ولد فقير والمال قليل، كره له الوصية حملًا على الحديث: "ابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ" 18. وإن كان صغيرًا كان آكد في الكراهة.

الجزء: 8 - الصفحة: 3540

فصل [في وصية الصحيح إذا كان في ذمته حقٌّ لله سبحانه]

وأمَّا الصحيح فإن كان في ذمته حقٌّ لله سبحانه، كان عليه إيصال ذلك إلى مستحقه الآن، ولا يجعله وصية.
وإن كان قبله مداينة، أو وديعة، أو قراض، لم يتقدم الإشهاد به أمر بالإشهاد به 19. واختلف هل ذلك واجب أو مستحب؟ وذلك راجع إلى الأمر، هل هو على الوجوب أو الندب؟ في قول الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] الآية.
وهل ذلك منسوخ أم لا؟ وأرى ذلك اليوم واجبًا لما حدث من فساد الناس، والفجور، وقلة الأمانة، فيجب الإشهاد؛ حفظًا للأموال وللأديان، لترتفع الأيمان والتنازع.
وإن كانت الوصية بما يتقرب به، كانت مستحبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ يُوصِي فِيهِ" 20 الحديث.

الجزء: 8 - الصفحة: 3541

باب فيمن أوصى أن تشترى رقبة لتعتق تطوعًا أو عن واجب

وإذا قال: اشتروا رقبةً فأعتقوها.
لم تكن حرة بنفس الشراء حتى تعتق، فإن قال: فإذا اشتريتموها فهي حرة، كانت حرة بنفس الشراء.
واختلف إذا قال: أعتقوها.
فهلكت بعد الشراء وقبل العتق، فقال في المدونة: تشترى أخرى إلى مبلغ الثلث 21. وبه قال أصبغ.
وقال ابنُ القاسم في كتاب محمد: تشترى من ثلث ما بقي كأنه لم يكن مال، إلا ما بقي 22. وقال ابن حبيب 23: القياس ألا يرجع في بقية الثلث شيء، واستحسن أن يشتروا من بقية الثلث، وقال ابن المواز: إن عزل ثلثه للوصية، وقسم الورثة الثلثين، كان لجهم بقية الثلث الأول، ولا وجه لهذا؛ لأن الميت لم يوص بجزء، فيكون عليهم أن يقسموه، وإنما وصى بشراء رقبة لا غير ذلك 24. وقول ابن حبيب في هذا أحسن.
وقال أشهب في كتاب محمد: فيمن أوصى أن يحج عنه، فدفع مال لمن يحج عنه على البلاغ، فسُرقت النفقةُ في بعض الطريق، قال: يحجوه، أو غيره مما بقي من ثلث الميت، بمنزلة من أوصى أن يعتق رقبة، فماتت قبل العتق، فعليهم ذلك ما بقي من الثلث الأول شيء 25.

الجزء: 8 - الصفحة: 3542

قال الشيخ: إلا أن يعترفوا أنهم قصدوا بالشراء جملة المال، وليخرج بالقيمة، فيؤخذوا باعترافهم ويخرجوا ثلث الباقي.
واختلف إذا أوصى أن تشترى رقبة لتعتق تطوعًا، أو عن الظهار فيما تشترى به، فقال ابنُ القاسم في المدونة: ينظر إلى قلة المال وكثرته، فيجتهد في ذلك، وليس من ترك مائة دينار بمنزلة من ترك ألفًا 26. وقال في كتاب محمد: وبذلك يحاص أهل الوصايا، وقال أشهب: يشترى وسطًا من الرقاب، ولا ينظر إلى قدر المال وبه يحاص.
والقياس أن يحاص بأدنى القيم 27 فيما يجزئ عن الظهار والقتل.
قال: والأوّلُ أحبُّ إلي الوسط كما قيل فيمن تزوج على خادم 28. قال الشيخ: الوسط حسن مع عدم الوصايا، فأمَّا إذا كانت الوصايا وضاق الثلث، رجع إلى أدنى الرقاب وإلى حكم المال القليل؛ لأن المعلوم من الميت أنه يقصد إنفاذ وصاياه جملة، فإذا علم أن المال لا يبلغ إلى الأعلى ولا إلى الوسط، رجع إلى الأدنى ما خلا الرضيع والمعيب؛ لأنهما لا يقصدهما الميت، ثم ينظر 29 إلى ما يصير في المحاصة، فإن كان يوجد به رضيع وكان عن واجب اشترى؛ لأنه تبرأ ذمته، أو معيبًا إن كان تطوعًا.
وإن لم يبلغ ذلك العتق عن ظهار أطعم عنه إن وفى بالإطعام أو ما بلغ منه.
وإن كان فوق الإطعام ودون العتق أطعموا وكان الفضل لهم، وهذا القياس.
والاستحسان أن يتصدق به.

الجزء: 8 - الصفحة: 3543

وإن كان العتق عن قتل أشرك بما ينوب العتق في رقبة وإن كان تطوعًا، فكذلك يشرك بينه وبين آخر.
قال مالك: أو يعان به مكاتب (1).

فصل [فيما إذا طرأ دين لم يعلم به إلا بعد عتق الوصي]

واختلف إذا طرأ دين لم يعلم به إلا بعد عتق الوصي، فقال ابن القاسم في المدونة: لا شيء على الوصي، ويرد العتق ويباع للدين، إلا ألا يغترقه الدين فيباع بقدره، ويعتق ثلث الباقي 31. وقال في كتاب محمد: يمضي العتق ويغرم الوصي 32. والأول أحسن؛ لأنه وكيل لغيره، ولم يعتق عن نفسه، ولم يكن عليه سوى ما فعل، وكذلك من وكل على شراء جارية وأن يعتقها فأعتقها، ثم استحق الثمن فيختلف في رد العتق، وكذلك إن تلف الثمن قبل أن يزفه 33 إلى البائع، وأرى أن ينظر إلى تلف الثمن، فإن كان بعد العتق لم يرد ورجع بالثمن على الآمر، وإن تلف قبل العتق خير الآمر بين أن يغرم المال ويمضي العتق، أو لا يغرم ويكون للوكيل أن يرد العتق.
وقال مالك فيمن أوصى أن يباع غلامه رقبة فبيع بوضيعة الثلث وأعتقه المشتري ثم طرأ على الميت دين، قال: يغرم المشتري ما وضع عنه ويمضي30

الجزء: 8 - الصفحة: 3544

عتقه 34. وقال ابن القاسم: إن كان العبد ثلث مال الميت بيع منه بقدر ثلث الدين وأخذ من الورثة بقدر الثلثين، وإن كان العبد الربع أخذ من الورثة ثلاثة أرباع الدين 35، فجاوب مالك إذا كان الدين يغترق التركة فرجع على المشتري بجميع المحاباة، وتكلم ابن القاسم على أن الدين ثلث التركة أو ربعها فينتقض ربع الجميع بمحاباة ويمضي ما لا يستحقه الدين على ما فيه من محاباة، وقاله أشهب في كتاب محمد.

الجزء: 8 - الصفحة: 3545

باب فيمن قال: بيعوا عبدي واشتروا عبد فلان للعتق أو لفلان

وصيةُ الرجل ببيع عبده على ستة أوجه: فإمَّا أن يقول: بيعوه ممن أحب، أو من فلان، أو بيعوه لا يزيد على ذلك، أو يشترط مع ذلك عتقه فيقول: بيعوه ممن أحب للعتق، أو من فلان للعتق، أو بيعوه للعتق ولا يسمِّي أحدًا، فإن كان ثلث الميت يحمل قيمة العبد ولم يُوص الميت بغير ذلك أنفذت وصيته, فإن قال: بيعوه ممن أحب وأحب العبد أن يباع من أحد بيع منه، فإن لم يشتره بقيمته حط إلى مبلغ ثلث قيمته، فإن لم يرض إلا بأكثر، أو لم يكن له رغبة في شرائه، أو انتقل العبد إلى آخر فعل معه مثل ذلك ما لم يكثر، فإن لم يرض من يختاره العبد إلا بوضيعة أكثر من الثلث، كان فيه قولان: فقال مالك: يخير الورثة بوإن أن يبيعوه بذلك، أو يعتقوا ثلثه 36، وقال أيضًا: يكون رقيقًا 37. وهو أقيس؛ لأنَّ الوصية لم تكن بأكثر مما فعلوه، وإن لم يحمله الثلث ولم يجز الورثة الوصية أعتق منه ما حمل جميع الثلث من مال الميت 38 ليس ثلث العبد، وإن قال: بيعوه من فلان عرض عليه بقيمته، فإن لم يرض حط إلى مبلغ ثلث قيمته.

الجزء: 8 - الصفحة: 3546

واختلف إذا لم يرض إلا أن يحط فوق ذلك، أو قال: لا أشتريه، فقال ابن القاسم في المدونة: له ثلث العبد بغير شيء 39. وقال أشهب في كتاب محمد: لا شيء له 40. وهو أحسن، وقد تقدم وجه ذلك.
واختلف في القدر الذي يحط إذا قال: بيعوه ممن يعتقه، فقال مالك: يحط ثلث قيمته 41، وقال في كتاب محمد: يباع بما أعطي فيه ويجعل ثمنه ثلث الميت ويبدى على الوصايا.
قال: وإنما يمضي ثلث ثمنه إذا قال: بيعوه ممن أحب 42. وهو أصوب؛ لأنه إذا قال: بيعوه ممن أحب 43 يشتريه مشتريه ليتملكه فيحط ما يكون تغابنًا والمشتري للعتق لا يتملكه، وإنما هو معتق على الآخر ولا يبذل فيه للعتق إلا أيسر ثمنه.
وأرى أن ينظر إلى ما يباع به بشرط العتق، فإن قيل: عشرون كانت العشرون كالثمن الصحيح ثم يحط ثلثها؛ لأنه التغابن الذي يقع في بعض البياعات.
وقال أشهب: إذا قال: بيعوه ولم يزد على ذلك لم تنفذ وصيته 44. وحمل قوله أنه لغير فائدة وأن ينفذ أحسن، وليس يوصي الميت بذلك إلا لفائدة، وهو أعلم بفائدة ذلك، وقد يريد صرف الأذى عن العبد؛ لأن 45 كثيرًا ما يجري بين العبد وبين أولاد سيده المفاسدة لما يريدون منه من مال سيده،

الجزء: 8 - الصفحة: 3547

أو يكون عبد سوء ويخشى على ولده منه، فإن كان الوارث عاصبًا فكثيرًا ما تجري المفاسدة بين الأقارب فيحتمي لسيده فيهدده متى ما ملكه، فإن قال: بيعوه ممن أحب للعتق أو من فلان للعتق أنفذ ذلك.
ويختلف في القدر الذي يحط، هل يحط ثلث قيمته أو يباع بما أعطى، وإن لم يحمله الثلث، ولم يجز الورثة عتق ما حمل الثلث، وهذا الجواب في الوصية بالبيع.

فصل [في وجوه الوصية بشراء العبد]

فإن كانت الوصية بالشراء فهي أيضًا على ستة أوجه: إمَّا أن يقول: اشتروا عبد فلان 46 ولا يزيد على ذلك، أو يقول: اشتروه لفلان أو للعتق، أو يقول: اشتروا عبدًا ولا يزيد على ذلك، أو يقول: اشتروا عبدًا لفلان أو للعتق.
فإن قال: اشتروا عبد فلانٍ، اشتري منه بقيمته، فإن لم يبعه زيد إلى ثلث قيمته، فإن لم يبعه إلا بأكثر لم يزد وأعطى له ثلث قيمته، وعلى القول الآخر لا يكون لسيد العبد شيء.
وإن قال: اشتروا عبد فلان لفلان اشتري له ويزاد ما بينه وبين ثلث القيمة.
واختلف إذا لم يبعه بذلك فقال ابن القاسم: إذا أبوا أن يبيعوه ضنًّا منهم بالعبد لم يكن للموصى له شيء، وإن أبوا إلا بزيادة كان للموصى له ما كان

الجزء: 8 - الصفحة: 3548

يشتري به وهو ثمنه وثلث ثمنه قال غيره: لا شيء للموصى له كان ذلك ضنًا منهم بالعبد أو ليزداد 47. وهذا أصوب؛ لأن الميت إنما وصى بعبدٍ لا بعين، والقول الآخر استحسان لما كان ذلك القدر يخرج عن أيدي الورثة والبائع راغب في البيع، وفرَّق ابنُ القاسم بين السؤالين إذا أوصى أن يشتري ولم يزد على ذلك أو قال: لفلان؛ لأن محمل الوصية إذا قال: لفلان أن يملك فلان ذلك العبد، وأمَّا إذا لم يقل لفلان لم تكن فائدة الوصية إلا منفعة بائعه إلا أن يعلم أنه أراد خلاص العبد من إساءة سيده فلا يعط إذا لم يبعه شيئًا، وإن قال: اشتروه للعتق فأبى سيده أن يبيعه ضنًّا منه به أو بزيادة لم يعط سيده شيئًا وسقطت الوصية عند مالك وابن القاسم 48، وأنكر في كتاب محمد قول من قال: إذا يئس من السيد جعل ذلك في رقاب فتعتق 49. قال ابن كنانة في كتاب المدنيين: يجعل ثمنه وثلث ثمنه في رقاب فتعتق.
واختلف في هذا الأصل، فقال ابن القاسم فيمن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه ولم يكن الموصي صرورة، فأبى فلان أن يحج كانت الوصية ميراثًا، وقال غيره: يدفع لغيره؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه 50. يريد: أن الحج عن الميت وإنما يدفع المال لما يرجو فيه من الثواب، وإنما أخذ فلان الثمن على وجه الإجارة، وكذلك الوصية بالعتق.
وإن قال: اشتروا عبدًا لفلان أو للعتق، أنفذت وصيته.

الجزء: 8 - الصفحة: 3549

ويختلف هل يجعل من أوسط الرقاب أو يراعى قدر المال؟ وإن قال: اشتروا عبدًا ولم يزد لم تنفذ وصيته؛ لأن ذلك لا فائدة فيه لما عدا 51 أن يتعلق به حق لله سبحانه أو حق لآدمي.
والذي يعتبر في هذه الأسئلة خمسة أوجه: أحدها: هل يحمل الثلث الوصية؟ والثاني: إذا حمل الثلث هل يعلم البائع والمشتري أن ذلك وصية؟ والثالث: القدر الذي يحط أو يزاد.
والرابع: إذا أنفذت الوصية على ما قال الميت فلم يقبل الموصى له أو منع مانع من نفوذه على ما رسم هل تسقط؟ والخامس: إذا كان الحكم أن ترجع ميراثًا هل ذلك من الآن أو بعد الاستيناء واليأس؟ فأمَّا إعلام البائع والمشتري، فإن كان غير معين لم يعلم وذلك أن يقول: بيعوا عبدي ممن أحب أو للعتق، أو اشتروا عبدًا لفلان أو للعتق.
واختلف إذا كان معينًا فقال: بيعوه من فلان ولم يزد أو قال 52 عبد فلان، فقال ابن القاسم: لا يُعْلَمُ وإن باع هذا بمثل القيمة أو اشترى الآخر بالقيمة ولم يعلمهما لم يكن لواحد منهما مقال 53. وقال أشهب: يعلم وإن لم يعلم وكان قال: بيعوه من فلان رجع بما زاد على ثلثي قيمته 54. والأول أبين، وليس ذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 3550

بوصية من الميت، والأصلُ في البياعات القيم، فرأى مالك أن الثلث يقع تغابنًا في البيع فيمضي قدر التغابن، ولا تبطل وصية الميت.
وإن قال: اشتروا عبد فلان لفلان أو للعتق لم يُعْلَمْ البائعُ؛ لأن القصد بالوصية من يصير إليه العبد أو ما يصير إليه من العتق.
وأمَّا القدر الذي يحط أو يزاد فالثلث إلا في مسألتين: إذا قال: بيعوه من فلان للعتق، أو بيعوه للعتق ولم يسم فلانًا، وأمَّا إذا رضي الورثة بإنفاذ وصية الميت فكان الامتناع من غيرهم 55 كان في المسألة قولان حسبما تقدم أحدهما: أن الوصية ساقطة وترجع ميراثًا، والآخر: أن يكون لكل واحد ما كان ينتفع به ويخرج عن ثلث الميت.
فإن قال: اشتروا عبد فلان أو بيعوا عبدي من فلان، كان لهذا 56 ثلث الثمن، ولهذا ثلث العبد.
وإن قال: بيعوه ممن أحب جعل ذلك الثلث الذي كان يوضع لمن يشتريه في ذلك العبد عتقًا.
وإن قال: اشتروا عبد فلان لفلان كان لمن أوصَى أن يُشْتَرَى له قيمةُ العبد وثلث قيمته.
والقياس ألا فرق بين الامتناع لأنْ يزادوا أو ضنًّا منهم، وإن قال: اشتروه للعتق جعل ما كان يشترى للعتق.
وأمَّا الاستيناء فيفقرق الجواب فيه، فإن كان امتناع إنفاذ الوصية من الموصى له لم يستأن، وذلك قوله: اشتروا عبد فلان فيأبى البيع، أو بيعوا عبدي من فلان فيأبى الشراء، فلا يستأنى في ذلك؛ لأن الموصى له رضي بترك وصيته.
وإن كان امتناع إنفاذ الوصية من غير الموصي كقوله: اشتروه للعتق فيأبى

الجزء: 8 - الصفحة: 3551

فلان البيع، فالعبد له حق في العتق، ولم يكن امتناع إنفاذ الوصية منه، فقال ابن القاسم: يكون الثمن ميراثًا بعد الاستيناء ولم يحد الاستيناء بمدة (1). وقال في كتاب الوصايا الثاني: يكون ميراثًا بعد اليأس (2). وقال في كتاب محمد: يستأنى حتى ييأس منه، لطول زمانه أو فوت العبد أو عتقه.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: يوقف ما كان يشتري به إلا أن يفوت بعتق أو موت (3)، وذكر محمد قولًا آخر: أنه يستأنى إذا عرض على صاحبه فأبى أن يقبل (4)، وعلى هذا يجري الجواب إذا قال: بيعوا عبدي من فلان للعتق فيأبى فلان من الشراء فقال محمد: يستأنى، وعلى القول الآخر: لا يستأنى، ويختلف بعد القول بالاستيناء في حده.

فصل [فيما إذا لم يحمل الثلث الوصية ولم يجز الورثة]

وإذا لم يحمل الثلث الوصية ولم يجز الورثة، جعل جميع ثلث الميت في تلك الوصية وإن كان أكثر من المحاباة، فإن قال: بيعوا عبدي من فلان، وكان 61 ثلثُ الميت ثلثَيْ العبد، دفع إلى الموصى له وإن كان أكثر من وصيته لأنه يقول: وصى في بثلثه، وبملك الثلثين بالبيع ولي غرض في ملك جميعه.
وكذلك قوله: بيعوه ممن أحب ولم يجز الورثة، وكان ثلث الميت ثلثي57585960

الجزء: 8 - الصفحة: 3552

العبد أعتق ثلثاه؛ لأنَّ العبد يقول: إنما 62 كان الثلث بشرط أن أصير إلى من أحب، فإذا لم يجيزوا أسلموا ثلث الميت، وإن كان هنالك وصايا كان القدر الذي يكون تغابنًا في جميع هذه المسائل إذا قال: اشتروا عبد فلان أو بيعوا عبدي من فلان أو ممن أحب حصاصًا، وإن قال: اشتروا عبد فلان للعتق بدئ به على الوصايا.
واختلف إذا قال: بيعوا عبدي للعتق فقال مرة: يبدى، وقال: لا أدري ما حقيقته 63، فوقف لما كان العتق من غيره، بخلاف الذي يقول: اشتروه للعتق؛ لأن العتق من الموصي.
واختلف إذا قال: اشتروا عبد ولدي فأعتقوه.
ومعه ورثة سواه، فقال مرة: لا يزاد على قيمته 64. وقال في كتاب محمد: يزاد ثلث قيمته، قيل له: أفلا يتهم على التوليج، فقال: وهل يعلم هذا أن وارثه يزاد في ثمن عبده ثلث ثمنه قال: وهذا قضاء قُضيَ به 65، وهو يريد قول ابن القاسم إن الزائد لا يعلم به البائع ولا المشتري؛ لأنه ليس بوصية من الميت وإنما هو اجتهاد من المفتي.

الجزء: 8 - الصفحة: 3553

باب [فيمن أوصى بعتق عبده، أو أمته، أو بيعهما للعتق (1) فكرها ذلكـ]

الوصيةُ بالعتق إذا كره العبد ثلاثة: فإمَّا أن يقول: إذا مت فهو حر، أو أعتقوه، أو بيعوه ممن يعتقه.
فإن قال: هو حر كان عتيقًا بعتق الميت والعتق لا يرد بعد وقوعه إذا كره ذلك العبد أو الأمة.
وكذلك إذا قال: أعتقوا أو بيعوا ممن يعتق، فقال: ذلك في عبد أو أمة من الوخش.
واختلف إذا كانت من الحلي فكرهت العتق، فقال مالك: إن قال: أعتقوها لم يكن ذلك لها، وإن قال: بيعوها ممن يعتقها كان ذلك لها 67. وقال غيره: ليس ذلك لها في الوجهين جميعًا.
وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: ذلك لها، وإن قال: أعتقوها.
قال: وهو 68 بمنزلة قوله بيعوها ممن يعتقها، وهو أبين؛ لأن العتق لم ينفذ بعد والضرر في الموضعين سواء، وإن قال: خيروها بين البيع أو العتق خيرت، فأي ذلك اختارت كان ذلك لها.
واختلف إذا اختارت أحد الأمرين ثم أحبت الانتقال إلى الآخر، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لها ذلك ما لم ينفذ 69 فيها الذي اختارته أولًا، أو يكن ذلك بتوقيف من سلطان أو قاض، وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: إذا شهد66

الجزء: 8 - الصفحة: 3554

على اختيارها أحد الوجهين لم يكن لها الرجوع إلى الآخر وهو أبين.
قال مالك: فإن أعتقها الورثة قبل أن تجيز 70 لم يكن ذلك لهم إن أحبت البيع، وكذلك إن قال: بيعوها ممن أحبت فأعتقوها وأحبت البيع رد عتقها 71.

الجزء: 8 - الصفحة: 3555

باب [فيمن اشترى ابنه أو أخاه في مرضه، أو أوصى بشراء ذلكـ]

اختلف في المريض يشتري ولده هل يعتق من الثلث أو من رأس المال؟ واختلف إذا أعتق من الثلث هل يرث؟ فقال مالك في المدونة: إن حمله الثلث أعتق وورث بقية المال إن كان وحده وإن كان مع غيره أخذ حصته من الميراث 72، وعلى قوله إن لم يحمله الثلث أعتق منه ثلث الميت ولم يرث.
وقال أشهب في العتبية: يعتق من الثلث ولا يرث كان ممن يحجب أو لا 73. وقال في كتاب محمد: الذي آخذ به وما أدري ما حقيقته أن له أن يشتريه بمالة كله؛ لأنه صار الآن أولى بمال الميت كله ممن يقوم بمنعه منه ممن كان يرث قبله.
قال: وكذلك أرى في كل من يعتق بالملك ممن يرثه.
وقال أيضًا: يشتريه بجميع ماله إن لم يكن له 74 وارث غيره، وإن كان معه وارث غيره لم يشتره بأكثر من الثلث لأنه حينئذ ينتزع من الوارث بعض ميراثه من ثلثي الميراث 75، قال: ولست أدري من أين أخذ مالك قوله الذي قال فسوَّى بين الولد 76

الجزء: 8 - الصفحة: 3556

وغيره أنه إن كان معه وارث لم يرث وإن حمله الثلث، وإن لم يكن وارث أعتق من رأس المال 77. واختلف في الأب والأم والإخوة والأجداد كالاختلاف في الولد، فقال أشهب في كتاب محمد: يعتقون من رأس المال.
وقال مرة: ذلك إذا لم يكن معه وارث.
وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: يعتق الولد من رأس المال ويرث؛ لأن له استلحاقه، ولا يجوز ذلك في الأب ولا الأم ولا الأخ لأنه لايستلحقهم.
وقال في ثمانية أبي زيد: يشتري الولد وولد الولد 78 خاصة بجميع المال كان له ولد آخر أو لم يكن ويلحقهم بولده.
وقال ابن وهب في المستخرجة: إن كان المشتري يحجب من يرث المشتري حتى يصير جميع الميراث له كان أحق ويشتريه بجميع المال ويرث إن بقي شيء وإن كان ثم من يشركه في الميراث لم يشتره إلا بالثلث ولم يرث؛ لأنه إنما يعتق بعد موت المشتري وقد صار المال لغيره.
واستثقل ابن عبد الحكم في كتاب محمد الميراث، وإن اشترى من الثلث.
وقال: كيف يرثه وهو لو أعتق عبدًا لم تتم حريته حتى يقوم في الثلث بعد موت السيد إلا أن يكون له أموال مأمونة، إلا أنه استسلم لقول مالك 79. قال الشيخ: أصل المذهب يوجب ألا يرث كان للميت ولدًا آخر أم لا؛ لأنه على وجهين: فإن لم يكن له مالك مأمون لم يتم العتق، إلا بعد الموت، وإن كان له مال مأمون كان ذلك إخراجًا للأول عن الميراث أو عن بعضه إن كان

الجزء: 8 - الصفحة: 3557

ثم من يشركه وقد يستخف ميراثه إذا كان ماله مأمونًا للاختلاف في تزويج المريض، وهو إدخال وارث وفي طلاقه وهو إخراج وارث، وإن لم يكن وارث بحال رأيت أن يشتريه بجميع المال، وإن اشتراه ببعضه ورث الباقي ولأن الأصوب فيمن لا وارث له أن يوصي مسألة كله.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن اشترى أخاه 80 في مرضه ورثه إن حمله الثلث، وإن لم يحمله أعتق منه فأحمل الثلث معجلًا.
وقال أصبغ: لا يرثه وإن حمله الثلث؛ لأنه لا تتم حرمته إلا بعد موت الميت، إلا أن تكون للميت أموال مأمونة من عقار وغيرها فيرث ويورث، وإن لم يحمله الثلث لم يعجل عتقه حتى يموت فيعتق في الثلث 81. وقال أشهب: إن اشترى أباه وأخاه في مرضه واحدًا بعد واحد بدئ بالأول وإن كانا في صفقة فقياس قول مالك يتحاصان.
وأمَّا في قولي 82 فيبدى الأب ويرثه وإن لم يحمله الثلث.
يريد: أنه يخرج من جميع المال 83. وقال محمد: إن حمله الثلث بدي وإن كان أقل جعل الفضل في الأخ، وإن اشترى الأخ أولًا ولم يحمله الثلث أعتق منه ما حمل الثلث وأعتق الأب في جميع الباقي ويرث إن فضل شيء، وإن لم يخرج كله لم يعتق منه إلا ما بقي من الثلث بعد الأخ قاله أشهب أيضًا 84.

الجزء: 8 - الصفحة: 3558

وقال ابن القاسم فيمن أوصى برقبة تطوعًا، فلا بأس أن يشترى أبوه أو أخوه ويعتق، وإن كان ظهارًا أو شبهه فغيره أحب إليَّ، وإن أوصى أن يشترى أخوه ولم يقل: أعتقوه، فليشتري ويعتق فإن ذلك قصده 85. وقال ابن عبد الحكم: إن اشترى عمه في مرضه وأعتقه لم يرثه بخلاف الابن.

الجزء: 8 - الصفحة: 3559

باب [في التشهد في الوصية، وهل يشهد عليها وهي مختومة ولم يعرف ما فيها؟ وهل للموصي أن يرجع فيما بتله، وإن علق انفاذ الوصية بصفة هل تنفذ بغيرها؟]

وقال أنس بن مالك: كانوا يوصون أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)﴾ [البقرة: 132] 86، وأوصى إن مات من مرضه ذلك، وهو قول مالك أن يتشهد في أول الكتب، وقال مالك فيمن كتب وصية وطبعها ودفعها إلى الشهود، وقال لهم: اشهدوا عليَّ بما فيها، فذلك جائز إذا عرفوا أن ذلك بعينه، وقال أيضًا فيمن كتب وصيته وطبع عليها ودفعها إلى نفرٍ وأشهدهم أن ما فيها منه وأمر ألا يفض خاتمه حتى يموت فذلك جائز 87. ولا تخلو الوصية من أن يقرها الموصي عند نفسه أو يودعها أو يسلمها إلى البينة لتكون عندهم وهي في كل ذلك مختومة أو غيرير مختومة، فإن كانت عنده فأخرجت بعد موته وكانت غير مختومة فإن عرف أنه الكتاب بعينه وليس فيه محو ولا لحق قُبلت شهادتهم، وإن كان فيها محو أو لحق لا يغير ما قبله ولا ما

الجزء: 8 - الصفحة: 3560

بعده أمضيت، وإن شكَّ هل يغير ما بعده خاصة أو يغير موضعًا منها لم ينفذ منها ذلك الموضع خاصة وأنفذ ما سواه.
وأمَّا إن أودعها وجعلها على يدي أمين أنفذت ولم تبطل لما فيها من محوٍ أو لحقٍ؛ لأنَّ الميت جعله أمينًا عليها وهو بمنزلة من قال: صدقوا فلانًا فيما يقول إنَّه وصى به.
وإن أسلمها إلى البينة فجعلاها في موضع وأغلق عليها فكذلك.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن غاب عليها أحدهما فأجوزهم شهادة من كانت عنده، قال مالك: ولا أدري كيف يشهد الآخرون، وقال أشهب: يشهدون بمبلغ علمهم ويحملون ما تحملوا 88. ولا أرى أن تجوز إلا أن يعلم أنه الكتاب بعينه بعلامة أو بغير ذلك مما يستبينه 89 منه، وإن كان مختومًا عليه وأقره الميت عندهم 90 وأشهدهم على الخاتم جاز أن يشهدوا عليه، وإن كان يجوز أن يكون غيره لأن هذا من حق الميت وقد وصى 91 أن يمضي بعد موته مع إمكان أن تكون قد زيد فيها وغير الطابع وطبع بمثله ففارق بهذا ما يكون من طابع القاضي وغيره مما يتعلق به حق على غير من طبعه.
وقال محمد: إن طبع الميت الوصية ثم أشهدهم عليها فوجد فيها محوًا، فإن كان لا يغير ما قبله ولا ما بعده جازت، وإن غير شيئًا سقط ذلك الشيء 92.

الجزء: 8 - الصفحة: 3561

وأرى أن تجوز، وإن كان فيها ما يغير ذلك الموضع إذا كانت بخط الميت والإصلاح بخطه، وكذلك إذا كان جميعها بخط كاتب الوصية، وكان عدلًا، وإن كان غير عدل أو لم يعرف كاتبها أو أخرجها الورثة وهم جائزون الأمر، لَحُكِم بذلك اللحق إن تضمن زيادة, ولم يحكم به إن تضمن نسخ وبعضها ورجوعه إليهم، وإن كانوا غير جائزي (1) الأمر لم يحكم باللحق وإن تضمن زيادة.
وكل هذا استحسان، والقياس أن تمضي على ما اشتملت عليه زيادة أو نقصا أو تغييرا لأن الميت وصى أن يكون الحكم فيها إلى ما تضمنه الطابع مع إمكان أن يغير.
قال محمد: وقال مالك في مريض حضره قوم، فقالت امرأته: إنه أوصى في بقية ثلثه أن ينفق على بني فلان كل شهر كذا وكذا وهو يسمع ووصيته حاضرة، وقد كانوا قرؤوها عليه ولم يقع ذلك فيها وأقرَّ بها ثم مات، فلا يجوز الذي قالت إلا ما يصيب الزوجة منها (2).

فصل [في الوصية إذا قال: ان مت من مرضي أو في سفري هذا فأنت حرٌّ ولم يكتب كتابًا]

وإن قال: إن مت من مرضي أو في سفري هذا فأنت حرٌّ، ولم يكتب كتابًا فصحَّ أو قدم، سقطت الوصية، وهو في الكتاب بذلك على ثلاثة أوجه: فإن كانت على يدي غيره فلم يأخذها منه بعد صحته أو قدومه أنفذت، وإن9394

الجزء: 8 - الصفحة: 3562

أخذها سقطت.
واختلف إذا كانت من الأول 95 عنده، فقال مالك مرة: تثبت، وقال في المجموعة: لا تثبت 96 لأن أكثر وصايا الناس عند السفر والمرض ثم يزول ذلك فيثق بوصيته أنها موضوعة فيقرها فهي نافذة 97. قال سحنون: والرواية الأخرى أنها إن كانت عنده فهي باطل- أحسن.
وقال أيضًا: إن قال: إن مت من مرضي ثم صحَّ فلم يغير وصيته حتى مرض مرضًا ثانيًا فمات وقد أقرَّ الوصية فهي نافذة، وقاله أشهب قال: لأنه لما أقرها في المرض الثاني فكأنه عناه، قال: وكذلك السفر إن مات في سفر آخر 98. قال مالك: وإن قال: إن مت فيما بيني وبين سنة، فيذكر وصيته فيموت بعد الأجل فهي نافذة 99. وكذلك الحامل تقول: إن مت من هذا الحمل فتموت من غير حمل 100. والأصل متى علق نفوذها بشرط مرض أو سفر أو أجل أو حمل فلم يمت منه أن تسقط لعدم الشرط الذي أوجب نفوذها به، إلا أن يكون القصد عنده نفوذها به متى مات منه أو من غيره، فصار كالذي يقول: إن مت مطلقًا ولم يقيده بشرط فتنفذ إن كانت عنده أو عند غيره ولم ينتزعها وراعى مرة في

الجزء: 8 - الصفحة: 3563

الشرط إن كانت عنده ولم يراعه إذا كانت عند غيره وأقرها، ورأى أن إقراره قَصْدٌ لإنفاذها.
وإذا قبل الوصي الوصية في صحة الموصي أو مرضه ثم رجع عنها في حياته كان ذلك له.
قال أشهب في كتاب محمد: لأنه لم يغره وإن رجع بعد موت الموصي لم يكن ذلك له، قال أشهب: وكذلك إن قبلها بعد موته أو كان منه ما يدل على القبول من البيع والشراء والقضاء والاقتضاء، ولا فرق بين رجوعه قبل ولا بعد إذا كان قبوله بعد 101؛ لأنه لم يغره.
وقال أبو محمد عبد الوهاب وأبو الفرج: إذا قبل الموصى إليه الوصية 102 لم يكن له تركها 103. وهو أحسن؛ لأن قبولها التزام فلا فرق بين رجوعه في الحياة أو بعد الموت إلا أن تطول مدة السفيه بعد البلوغ وهو على السفه، فللوصي أن يُنْتَزَعَ من النظر له؛ لأنه لم يلتزم النظر إلا إلى الوقت المعتاد.
وإن قال: فلان وصي حتى يقوم فلان جاز، ولهذا أن ينظر في جميع ما ينظر فيه الوصي حتى يقدم الغائب، ثم لا يخلو الغائب من أن يقيم هناك أو يموت أو يقدم فيقبل أو لا يقبل.
وقال أشهب في المجموعة: إن مات في غيبته فلا وصية للحاضر وينظر السلطان 104. وكذلك على قوله إذا أقيم فلم يقبل، وهذا الذي يقتضيه مجرد قول الميت إلا أن يكون السبب في إقامة الغائب امتناع الحاضر من قبول الوصية، فقيل له: تكلف ذلك حتى يقدم فلان فإذا كان ذلك السبب جاز أن يتمادى في جميع هذه الوجوه إن أحبَّ ذلك كان كره لم يلزمه لأنه التزم وقتًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 3564

باب [في الوصية لغير عدل، وفي وصية الأم , والجد، والأخ , والوصية إلى الغائب، وفي تصرف الوصي في مال الميت، وما يوجب عزلته, وهل للوصي أن يقيم غيره مكانه عند السفر والمرض والموت؟]

ولا تجوز الوصية بمال اليتامى إلا إلى عدلٍ قيِّم بما يُسْنَدُ 105 إليه من ذلك، وكذلك إن جعله وصيًا على قضاء دين أو اقتضائه خيفة أن يدعي غير العدل الضياع قبل القضاء وبعد الاقتضاء، فإن فعل وادعى الضياع لم يصدق وغرم إذا كان غير مأمون ولأن المال بنفس الموت ملك للوارث والوصي كالوكيل على ذلك، وإذا لم يحسن النظر رد فعله.
ولا تجوز الوصيةُ لذمي يهودي أو نصراني لعدم العدالة، ولأنه غير ناصح للمسلم.
قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون أبوه أو أخوه نصرانيًّا، فلا بأس، يصل بذلك رحمه.
قال في بعض مجالسه: ولا يلي عقد نكاح البنات وليوكل بذلك مسلمًا 106. وأجازه أيضًا إلى زوجته النصرانية وهذا إذا كان الموصى إليه معروفًا بالأمانة والوفاء، فإذا اجتمع ذلك مع القربى لم يخش على الولد ضيعة في مالٍ ولا نفس 107. وتجوز الوصيةُ للعبد إذا كان مأمونًا على ما أقيم له غير عاجز، وسواء كان

الجزء: 8 - الصفحة: 3565

ملكًا للميت أو لأجنبي إذا رضي سيده، وكان السيد ممن لا يخاف أن يغلب على ما في يدي عبده.
وقال أشهب في كتاب محمد: فإن ظعن به سيده أو مشتريه من سيده جعل السلطان وصيًا غيره.
وهذا خلاف المعروف من قوله، والمعروف في هذا الأصل أن للعبد أن يقيم مكانه عند سفره أو غيره من غير حاجة إلى سلطان، ولا فرق في ذلك بين حرٍّ أو عبدٍ، وإن رضي المشتري أن يبقيه على الوصية جاز، وإن أوصى الميت ببنيه الصغار إلى عبده فدعا الكبار إلى البيع فإن رضوا ببيع أنصبائهم خاصة جاز وبقي العبد على حاله في الوصية، وإن دعوا إلى بيع الجميع؛ لأن في بيع أنصبائهم بانفرادها بخسًا كان ذلك لهم على قول مالك، إلا أن يرى أنَّ أخذ بقيته حسن نظر أو يدفع إلى الشركاء قدر ذلك البخس، فلا يباع على الصغار أنصباؤهم.

فصل [في الوصية إلى غير العدل]

والوصية إلى غير العدل تجوز بما يخص الميت كالوصية بالثلث وبالعتق.
قال مالك في كتاب محمد: فإن كانت الوصية بعتق أو بشيء في السبيل ولم يكن وارث لم يكشف عن شيء إلا عما تبقى للورثة منفعتُه مثل العتق لهم الولاء إلا أن يكون الوصي سفيهًا سارقًا 108 فيكشف عن ذلك كله، فرب وصي لا ينفذ من الوصية شيئًا.
وهذا صحيح؛ لأن الميت وإن أوصى إلى غير عدل فإنه لم يرد إلا إنفاذ الوصية فلا يمنع الورثة من الاطلاع على ذلك حتى يعلموا أنه أنفذها، قال مالك: وإن كان الوصي وارثًا فلباقي الورثة أن ينظروا في ذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 3566

ويكشف عنه الوصي (1). وأرى إن كان معلومًا بالعدالة فتبين أنه غير عدل أن ينتزع منه أو يحضر معه عدلان.

فصل [في صحة الوصية من الأب أو الأمِّ]

الوصيةُ تصح من الأب ولا تصح من الأم مع وجود الأب أو وصي الأب ومع عدمهما إذا كان المال كثيرًا، واختلف في اليسير فأجازه ابن القاسم إذا كان يسيرًا كالخمسين دينارًا أو نحوها 110، ومنعه غيره.
ولا تصح وصية الأخ بما يرث عنه أخوه إذا كان يسيرًا، ولا وصية الجد بما يرث عنه ابن ابنه، بخلاف الأب لوجهين: أحدهما: أنه كان الناظر لولده في الحياة والقابض له لو ورث عن أمه أو تصدق عليه، والآخر ما خص به الآباء من الشفقة والحنان وما لا يتهم فيه أحد منهم والإخوة والجد تارة وتارة، ولهذا جاز للأبِ الجبر على النكاح دون الإخوة والجد.
قال ابن القاسم: وإن كان ولد الابن في حجر جده لم تجز وصيته به 111. وقال في كتاب القسم فيمن أوصى لأخيه بمال وهو في حجره: لم يقاسم له ولم يبع، وأجاز ذلك أشهب في مدونته 112. فعلى قوله تجوز وصيته بما يرث عنه إذا لم يكن وصي وكل هذا في الوصية فيما صار له من مال بميراث، وأما ما يتطوع الميت بالوصية به فتجوز الوصية ويكون القابض له من وصية الميت، وإن كان109

الجزء: 8 - الصفحة: 3567

للمولى عليه أب (1) أو وصي لأنه متطوع، فإذا قال: يكون ذلك موقوفًا على يدي فلان حتى يرشد لم يكن للأب ولا لوصيه في ذلك مقال، وإن قال: يدفع إلى المولى عليه يتسع به في ملبس أو مطعم لم يكن لوصيه أن يقبض ذلك ولا يحجر عليه فيه؛ لأنها هبة من الموصي على صفة فلا تغير، وأجاز ابن القاسم لملتقط اللقيط أن يقبض ما وصي له به ويقاسم له، ومنعه في الأخ وإن كان في حجر أخيه, والأخ أولى لأنه جمع القيام به والنسب (2).

فصل [في الوصية المطلقة والمقيدة]

الوصيةُ تجوز مطلقة ومقيدة، فإن قال: فلان وصي ولم يزد على ذلك جاز وكان وصيًا في جميع ما يقام به للولد.
قال مالك في كتاب محمد: إذا قال: فلان وصي قد استقصى له وبالغ 115. وكذلك إن قال: وصي على مالي دخل فيه الولد.
وإن قال على ولدي دخل المال ويدخل في قوله على ولدي الذكران والإناث، وكذلك إذا قال: على بني إلا أن يخص فيقول: الذكران، أو بناتي 116، وإن جعل الوصية إلى ثلاثة، جعل إلى أحدهم اقتضاء الدين، وقضاء ما عليه ولآخر النظر في الفاضل والتصرف فيه بالبيع والشراء، ولآخر تزويج بناته جاز، وليس لأحدهم أن يلي غير ما جعل له فإن تعدى من له النظر في الفاضل فاقتضى أو قضى مضي فعله113114

الجزء: 8 - الصفحة: 3568

ولم يرد قضاؤه ولا اقتضاؤه.
وإن باع أو اشترى من جعل له النكاح رد فعله، وإن زوج من جعل له النظر في المال رد فعله؛ لأنه معزول عن ذلك وقد أقيم له غيره وليس هو (1) بمنزلة قوله "فلان وصي على قضاء ديني وبيع تركتي وسكت عن بناته ولم يقم لهن أحدًا، فقال مالك: إن زوج من جعل له النظر في المال (2) أرجو أن يكون جائزًا واستحب أن يرفع إلى السلطان لينظر هل عليها في ذلك ضرر أو بخس في صداق؟ (3) وقال أشهب: النكاح جائز (4). وقول مالك أحسن.

فصل [في تصرف الوصي]

تصرف الوصي على ثلاثة أوجه: في الإنفاق، والكسوة وما أشبه ذلك، وفي البيع والشراء والنكاح.
فأما الإنفاق فإنه يجري من ذلك الوسط من مثل ذلك المال في قلته وكثرته، ولا يضيق على من له المال الكثير فينفق عليه دون نفقة مثله، ولا كسوة دون كسوة مثله 121، ولا يسرف فينفق ويكسو فوق ما يشبهه ولا فوق ما يحمل ذلك المال، ويوسع في الأعياد حسب المعتاد، ويضحي عنه من ماله، إلا أن يكون قليل المال يضر به ذلك، وينفق على المولى عليه في ختانه وعرسه، ولا117118119120

الجزء: 8 - الصفحة: 3569

حرج على من دعي فأكل، ولا يدعو اللعابين، وهو ضامن لما أنفق في ذلك أو غيره من الباطل.
ووسع ربيعة أن يشتري له اللعب، وقال: إن ذلك مما يشبه.
ويجوز أن يدفع إليه من النفقة ما يرى أنه لا يتلفه الشهر ونحوه، فإن خيف أن يتلفه قبل تمام الشهر أو علم ذلك منه؟ فنصف شهر أو جمعة على قدر ما يعلم منه، وإن كان يتلفه قبل ذلك فيوم بيوم ويحسن أن يتجر له، وليس ذلك عليه، وله أن يعطي ما يراه من ماله قراضًا، وأن يسلم له أو يداين ولا يسلف ماله؛ لأن ذلك معروف إلا أن يكون كثيرًا يتجر له ويسلف الشيء اليسير مما يصلح وجهه مع الناس فلا بأس 122، ويجوز أن يتسلف إذا رأى ذلك حسن نظر لتغير السوق فيما يبيع له أو لتيسر 123 البيع أو ليقدم مال له غائب 124 وتكون المداينة معلقة بعين 125 ذلك المال ويبيع ما يرى أن بيعه حسن نظر.
قال مالك في عبد ليتامى قد أحسن عليهم: ليس للوصي أن يبيعه عليهم ولا يبيع عقارهم إلا أن يكون لذلك وجه يبيع للإنفاق أو يرغب في الثمن ما يرى أن ذلك غبطة أو يخشى سقوطه ويحتاج من النفقة ما يرى أن بيعه والشراء بثمنه أفضل، أو يكون في موضع خراب، أو يخشى انتقال العمارة من ذلك الموضع فيبدله بما هو أعلى منه أويبيعه بعين فيشتري بثمنه ما هو أعلى 126.

الجزء: 8 - الصفحة: 3570

فصل [في التصرف في البيع والشراء إذا كانا وصيين]

وإن كانا وصيين لم يكن لأحدهما أن يتصرف في بيع ولا شراء دون صاحبه، فإن فعل وأراد الآخر رد فعله رفع إلى السلطان، فإن رأى فعل الأول 127 صوابًا أمضاه وإلا رده، فإن فات المشتري بالبيع كان على الذي انفرد بالبيع الأكثر من الثمن أو القيمة، وإن اشترى وفات البائع بالثمن كانت السلعة المشتراة له وغرم الثمن.
قال أشهب: إلا في الشيء التافه الذي لا بدَّ لليتيم منه مثل أن يغيب أحدهما فيشتري الباقي الطعام والكسوة وما يضر باليتيم استئخاره 128، وإن ادعى رجل قَبِلَ الميت دعوى لم يخاصم أحدهما دون الآخر إلا أن يكون الآخر 129 غائبًا، فإن انحصر الحاضر 130 وقضي على الميت وقف الغائب على حجته ونظر ما عنده بعد قدومه، وكذلك إن كان للميت دعوى فلا يخاصم أحدهما دون الاخر، إلا أن يكون ذلك بوكالة من صاحبه أو يكون الآخر غائبًا.
وقال مالك: يكون المال عند أعدلهما ولا يقسم، قال ابن القاسم: وإن كانا في العدالة سواء فأحرزهما وأكفأهما 131. وكل هذا استحسان، ولو جعلاه عند أدناهما عدالة لم يضمنا؛ لأن كليهما عدل.

الجزء: 8 - الصفحة: 3571

قال مالك وابن القاسم: لا يقسمانه 132. قال ابن كنانة في المجموعة: فقد يريد اجتماعهم فيريد أحدهم لأمانته والآخر لكفايته والآخر لرأيه 133. قال مالك في كتاب محمد 134: فإن اختلفوا طبع عليه وجعل عند غيرهم.
وقال علي بن زياد في المجموعة: إن تشاحوا قسموه ولم ينتزع منهم 135. وقال أشهب: لا يقتسمانه فإن اقتسماه لم يضمنا.
قال: ويكون عند هذا حظ فلان وعند هذا حظ فلان.
يريد: ويبقيان بعد القسمة في النظر على الشياع ويديران 136 جميعًا حظ كل واحد ما عنده وعند صاحبه، وليس أن ينفرد كل واحد بالنظر فلا ينظر معه الآخر فيه.
وقال ابن الماجشون: فإن فعلا ضمن كل واحد منهما جميع المال فيضمن ما عنده لاستبداده بالنظر فيه وما عند صاحبه 137. يريد: لأنه رفع يده عنه، وكذلك الوديعة يستودعها الرجلان فيقتسمانها هما ضامنان؛ لأن الموصي والمودع لم يرض أحدهما لذلك إلا أن يكونا اقتسماها على وجه الحفظ وكل واحد نظره مع صاحبه.
وإذا حضرت أحدهما الوفاة فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يموت من غير وصية، أو يجعل صاحبه مكانه في ذلك، أو يشرك معه غيره بمراضاة من صاحبه، أو بغير مراضاة.
فإن مات من غير وصية لم يكن للحي أن يلي النظر

الجزء: 8 - الصفحة: 3572

وحده وينظر السلطان في ذلك، فإما أقره وحده إن رأى ذلك وجهًا أو يشرك معه غيره، وإن مات صاحبه عن وصية وجعل النظر إلى الآخر 138 ورضي له بذلك الحي جاز، وكذلك إن أقام آخر معه 139 ووافقه عليه الحي جاز من غير مؤامرة حكم 140، وإن خالفه فيه رفع إلى السلطان، فإن رآه صوابًا أثبته معه، وإن كره الحي وإلا عزله وأقام غيره أو أقره وحده إن رضي الحي؛ لأنه يقول: لم أكن ألتزم النظر وحدي في جميع ذلك المال، وكذلك إن مرض أحدهما أو سافر فلا يلزم الآخر النظر وحده، ويجوز أن يجتمع رأيهما على نظر هذا وحده أو على آخر 141 يكون مع الباقي المقيم أو الصحيح، فإن رأى ذلك المريض أو المسافر وحده وخالفه الآخر نظر السلطان في ذلك، وكذلك إن لم ينظر المسافر أو الصحيح في شيء من ذلك فعلى الآخر أن يرفع الأمر إلى السلطان فينظر هل يقره وحده أو يجعل معه غيره؟ وهذا أصل قول مالك وابن القاسم أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون غيره ولا أن يقيم غيره في التصرف في الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه، وكذلك عند الموت، وأما إجازة يحيى بن سعيد 142 لأحد الوصيين أن يوصي إلى غيره دون مؤامرة الآخر 143، فليس هو على المذهب.

الجزء: 8 - الصفحة: 3573

فصل [في عزل الوصي]

ويعزل الوصي إذا اطلع منه على خيانةٍ، وهو في العزل على وجهين: فإن كان لبلهٍ 144 أو لقلة ضبط أو تفريط، نزعت منه، وإن كان لكثرة المال أو لكثرة المستغل قوي بآخر ولم ينزع منه، وإن كانت الوصية إلى زوجته فتزوجت لم تنزع الوصية 145 بنفس التزويج، وكشف عن حالها وحال الزوج معها والمال والأيتام؛ لأن الغالب من الزوج أنه يغلب الزوجة على ما في يديها.
قال مالك: فإن عزلت الولد في بيت وأقامت لهم ما يصلحهم كانت أولى بهم، فإن أبت نزعوا منها 146. قال: ولو قال الميت: إن تزوجت 147 فانتزعوهم منها، فتزوجت لم ينزعوا عن وصيتها.
قال محمد: لأن الميت لم يقل: إن تزوجت فلا وصية لها، وإنما قال: انتزعوهم، وهي وصية على حالها فتكلم في أمر الولد إن كانوا في حفظ تركوا، وإن أضاعتهم نزعوا.
قال ابن القاسم: وأما المال فإن كان يسيرًا وهي على اليسر في حالها لم يؤخذ منها، وإن كان له بال وهي مقلة وخيف ناحيتها أخذ منها، وقال أصبغ: وهي على الوصية على كل حال إلا أن تكون مأمونة بارزة والأمن على المال عندها في تزويجها في الحزم والدين والستر فيقر في يدها 148. يريد:

الجزء: 8 - الصفحة: 3574

أنها إن كانت على غير ذلك انتزع المال ووقف على يدي عدل ولم تنتزع منها الوصية وتراعى حال الزوج؛ فليس الموسر كالفقير ولا المعروف بالنزاهة كغيره، إلا أن تكون معروفة باليسار وما يكون في مالها متسع لرضاه، وهذا يعرف عند النزول.

الجزء: 8 - الصفحة: 3575

باب فيمن أوصي بوصيةٍ وقال: أخبرت بها فلانًا فصدقوه , أو قال: جعلت له أن يجعلها حيث رأى, أو قال: من ادعي عليَّ بدين كذا وكذا, فصدقوه

وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال عند موته: وصيتي عند فلان، واشهدوا عليَّ بذلك فأخرج فلان وصيته بعد موته وفيها عتق وغيره: فهي جائزة، وإن كتب نسختين وجعلهما عند رجلين كان أبين، وقال أيضًا: إن أخرجها ولا بينة فيها، وإنما البينة على قوله، فإن كان الذي هي بيده عدلًا جازت، قال سحنون: وكذلك إن كان غير عدل 149. وهو أحسن؛ لأن الميت أمر أن يصدق مع علمه بحاله، ولأنا على يقين أنه مات عن وصية وأمر أن تنفذ، فإذا لم يقبل قوله إذا كان غير عدل بطلت وصيته، وإن قال: وصيت بثلثي لرجل وأعلمت به فلانًا فصدقوه صدق فلان فيما يقول إنه أوصى له به، إلا أن يكون لمن يتهم عليه مثل أن يقول: أوصى به لولدي أو ما أشبه ذلك، فقال مالك: لا يصدق إلا أن يرى لذلك وجه يعرف به صواب قوله 150. وقال أشهب: يقبل قوله، وإن قال: يجعله حيث يرى، فجعله لنفسه أو لابنه لم يجز.
قال في كتاب محمد: ولو أعطى ابنه أو أقاربه 151 كما يعطي الناس 152 حسب

الجزء: 8 - الصفحة: 3576

الاستحقاق جاز، ولا بأس أن يعطي أقارب الميت كما يعطي الناس، قال: وإن كان المتولي محتاجًا، فلا يأخذ منه، قال أشهب: فإن فعل وأخذ حسب استحقاقه لم آخذه منه، وقاله ابن القاسم، والأول أحسن 153، وحماية ذلك أولى وإن جعل إنفاذ ثلثه لرجل يجعله حيث أراه الله -عز وجل- فهلك قبل أن ينفذ ذلك فليأمر القاضي من يرضاه فيضعه حيث يرى.
وقال ابن القاسم فيمن قال: كنت أعامل فلانًا وفلانًا فما ادعوا عليَّ فصدقوهم، فليعطوا ما ادعوا بغير يمين ما لم يدعوا ما لا يشبه.
وقال في العتبية فيمن قال عند موته: ما شهد به عليَّ أبي من دين فهو مصدق إنَّه كالشاهد إن كان عدلًا 154، وإن لم يكن عدلًا أو نكل المشهود له عن اليمين فلا شيء له إلا قدر نصيبه.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يصدق وإن لم يكن عدلًا، وقال مالك فيمن قال: من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه بغير بينة، فذلك جائز، فإن ادعى جماعة كل واحد بأقل من عشرين تحاصوا في عشرين فقط 155. قال ابن القاسم: لأن مخرج قوله على وجه التفرقة من ادعى من ها هنا وها هنا، وإن ادعى واحد أكثر من عشرين لم يكن له شيء 156. واختلف إذا ادعى واحد عشرين، فقال مالك: يحاص، وقال ذلك ابن القاسم مرة: يحاص، وقال أيضًا: لا يحاص من ادعى عشرين، ولا يعجل في

الجزء: 8 - الصفحة: 3577

ذلك وليكتم ولا يفش وتخرج العشرين من رأس المال، وأمَّا إن قال: من ادعى عليَّ دينًا فحلفوه وأعطوه فهذا يكون من الثلث بخلاف الذي وقت العشرين فكأنه أقرَّ بعشرين لا يدري لمن هي، وإن قال: كل من ادعى عليَّ من دينار إلى عشرين فاقضوه مع يمينه بغير بينة, فهذا من الثلث بخلاف المسألة الأولى 157؛ لأنَّ ذلك وقت عشرين واحدة لا يدري لمن هي، وهذا لم يؤقت، فإن استغرقوا ثلثه بمثل هذه الدعوة أخذوه.

الجزء: 8 - الصفحة: 3578

باب فيمن أوصى لأم ولده أو لزوجته بمال على ألا تتزوج

وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأمِّ ولده بدنانير على ألا تتزوج: فلا بأس به، فإن تزوجت انتزعت منها (1)، وكذلك لو كانت حرة فأوصى لها زوجها بمال على ألا تتزوج فتزوجت فأجاز ذلك (2)، وإن كانت معاوضة فيها غرر؛ لأنها تأخذ المال ثم هي بالخيار بين ألا تتزوج ويبقي لها المال أو تتزوج فترد المال، فهو تارة بيع وتارة سلف، وقد تمسك نفسها عن الأزواج عشر سنين ثم تتزوج فَيُرَدُّ جَمِيعُ المال ولا يحط عنها لوقوفها عن الأزواج تلك السنين شيء.
وقال في السليمانية في امرأةٍ وضعت عن زوجها بعض صداقها على ألا يطلقها: فإن طلقها فلها ما وضعت، لم يجز قال: لأنها اشترت شيئًا لا يشترى مثله فإن شاء طلق وإن شاء أمسك وعليه أن يرد ما وضعت (3)، فمضى في هذه المسألة على الأصل في معاوضات الغرر، فعلى قوله لا يجوز أيضًا وصية أم الولد.

فصل [في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه]

وقال ابن القاسم في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه158159160

الجزء: 8 - الصفحة: 3579

فالقول قول اليتيم لقول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النساء آية: 6] 161. وقال عبد الملك في هذا الأصل، إذا أمر المودع أن يدفع لغير من دفع إليه: فالقول قول المودع 162. فكذلك الوصي القول قوله، ومحمل قول الله -عز وجل- في الإشهاد أن ذلك لدفع التنازع والأيمان ليس لأنه إن لم يشهد لم يقبل قوله كما أمر الله -عز وجل- في المداينة بالإشهاد لدفع الأيمان والتنازع.
وقيل: المعنى في الآية في الإشهاد عند دفع ما أكل الوصي بالمعروف وصار في ذمته فإنه يأكل على وجه السلف، ولا أرى أن يقبل اليوم قول أحد من الأوصياء؛ لأنَّ الغالب ممن يلي اليوم 163 مال اليتيم أنه يتسلفه ويصير 164 في ذمته إلا أن تطول المدة بعد الرشد وهو لا يطلب، وإن قال الوصي: أنفقت عليهم ذلك، كان القول قوله إن كانوا عنده ما لم يأت بما لا يشبه فيسقط الزائد، وإن كانوا في كفالة أمهم أو غيرها فأنكروا أن تكون النفقة من عنده كان القول قولها إلا أن يعلم أنها كانت تأخذ النفقة منه، وإن خفي عن البينة تتابع الأخذ إلا أن تدعي الأم أجر شهر وما يشبه أن يتأخر قبضه لما يعلم من لدده أو مطله فتصدق هي فيما يشبه من ذلك أو يُعلم من فقرها وضعفها ما يدل على أن النفقة ليست من عندها، مع ما يرى من تهمة 165 الصبي والقيام به.

الجزء: 8 - الصفحة: 3580

فصل [فيما إذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان]

وإذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان، فإن كان عدلًا حلف المقر له واستحقه إذا لم يخلف سوى ذلك العبد أو خلف غيره، ولا ينقسم جميعهم على سهامهم، أو كانوا ينقسمون إن دخل في القسم فرضي الورثة ألا يُدْخّلّ 166 في القسم، فإن دعوا إلى دخوله في القسم؛ لأنه إن خرج لم تعتدل سهامهم كان ذلك لهم، فإن صار ذلك العبد لمن أنكر أخذ المقر له من المقر ما زاد في قسمه لمكان ذلك العبد.
قال محمد: وإن صار للمقر أخذه المقر له بغير شيء، ولم يره كالفداء 167؛ لأن الفداء 168 ما دخل فيه المفتدي 169 بالطوع، وهذا دخل فيه بالجبر من أخيه فأشبه من غصب عبدًا ثم وضع عليه يد آخر وأخذ عبده بغير رضاه، وقال: يكون ما تركت عندك عوضًا من هذا، فليس هذا بافتداء، ولصاحب العبد الأول أن يأخذ عبده بغير شيءٍ قولًا واحدًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 3581

باب فيمن أوصى لعبده أو لعبد وارثه

وصية الميت لعبده على أربعة أوجه: إمَّا أن يوصي له بجزء من ماله، أو بدنانير، أو بعرض، أو يجمع الوصية بجزء وغيره، أو بمنافع سكنى دار أو خدمة عبد.
فإن أوصى له فقال: له ثلث مالي كان ثلث العبد عتيقًا؛ لأن مقتضى الوصية أن له الثلث من كل شيءٍ من العبد وغيره فيعتق ثلثه بالوصية.
واختلف في عتق الثلثين، فقال مالك: يستكمل عتق العبد في بقية الثلث 170، وجعل الاستكمال على العبد لا على السيد، فقال: لأنَّ العبد بين الرجلين إذا أعتق أحدهما نصيبه استكمل عليه 171 فالعبد في نفسه أحرى أن يستكمل ما بقي منه على نفسه 172. قال ابن القاسم بها كتاب ابن سحنون: وإن كان معه وصية لأجنبي بالثلث تحاصا 173، قال: ولا يبدأ بالعبد لأنه إنما أُعْتِقَ على نفسه 174. وقال المغيرة وعبد الملك 175 ابن الماجشون: يعتق ثلث العبد ولا يستكمل.
ورأيا أن العتق من الميت ولا يستكمل على ميت، وقال المغيرة: فإن كانت معه وصية بمال بدئ بثلث العبد، فإن فضل عن ثلثه شيء حاص به أهل الوصايا، وقال ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 3582

الماجشون: يبدأ إلى منتهى عتقه ثم يكون مع الوصايا حصاصًا 176. واختلف بعد القول بالاستكمال في ماذا يستكمل؟ فقال مالك: يستكمل في بقية الثلث ولا يستكمل في ما في يديه من غير الوصية، وقال ابن القاسم: يستكمل في ما في يديه، قال: ولو لم يستكمل في ما في يديه لم 177 يستكمل في بقية الثلث 178، وعلى هذا يجري الجواب إذا أوصى له بسدس ماله، يعتق سدس العبد، ثم يختلف هل يستكمل خمسة أسداسه؟ فأمَّا من قال: إنه يستكمل على العبد فلا يصح إلا أن يقول العبد بالخيار بين القبول والترك، وإن قبل كان الورثة بالخيار بين أن يعتقوا أو يقوموا، وعلى هذا يصح قول ابن القاسم إنَّه لا يبدى، وقول مالك ألا يستكمل فيما في يديه أبين؛ لأن ثلثي ما في يديه للورثة، وإنما يصح الاستكمال أن يدفع إليهم القيمة من غير ماله ولهذا فرق في القول الآخر، ورأى أن يستكمل فيما وصى له به؛ لأنه لم يتقدم لهم فيها شرك، وإن أوصى له بدنانير أو بثوب أو بعبد والثلث يحمله جاز وأخذ وصيته ولم يعتق منه شيء، ويختلف إذا لم يحمله الثلث ولم يجز الورثة، فعلى القول إنَّه يقطع بالثلث في عين الموصى به لا يعتق منه شيء.
وعلى القول إنَّه يقطع بالثلث 179 شائعا يعود الجواب إلى الأول.
ولو وصى 180 له بثلثه، وأوصى بجزء وبثوب أو عبد وحمل ذلك ثلثه مثل أن يوصي له بسدس ماله وبعبد هو تمام ثلثه، فإنه يعتق سدسه بوصية الميت ثم

الجزء: 8 - الصفحة: 3583

يختلف في الاستكمال، وفي ماذا يستكمل؟ هل في جميع ما في يديه وفيما وصى له به أو فيما وصى له به فقط؟ وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز في الخامس من العتق فيمن أوصى لعبده بمال: لم يكن ذلك عتقًا ودفع إليه ذلك إن خرج من الثلث أو ما خرج منه، وإن أوصى له بشيءٍ معين يستوعب ثلث الميت سوى ثمن العبد، فكذلك لا يعتق منه شيء، وإن كان مما لا يقطع له فيه بعينه مثل السكنى فلا تخرج الدار من الثلث ولم يسلموا كما أوصى الميت، قطع للعبد بالثلث من كل شيء فحينئذ يملك العبدمن نفسه جزءًا فيعتق كله من الثلث.
ومن أوصى لعبده بربع نفسه وثلث ما بقي سوى 181 العبد أعتق من العبد ربعه وأعطى وصيته مالًا، ولو قال: وثلث ما بقي ولم يقل مما سوى العبد، أعتق كله في الثلث.
وقال مالك فيمن أوصى لعبده بخمسين دينارًا ولا مال له غيره، فقال الورثة: نبيعك ونعطيك ثلث ثمنك، فقال: يعتق من العبد قدر الخمسن أو ما خرج منها 182. وقال ابن القاسم فيمن قال: بيعوا عبدي وأعطوه ثمن نفسه أو من ثمنه فعلى ما قال، ولا يعتق منه شيء 183. قال: ومن أوصى لعبده بثلث ماله وترك دينًا ليس فيه إلا شاهد كان للعبد أن يحلف مع الشاهد ولو لم يوص للعبد بالثلث، وإنما قال: عبدي حرٌّ لم يحلف مع الشاهد 184. وقال ربيعة في رجلٍ

الجزء: 8 - الصفحة: 3584

أوصى لعبده ولامرأة له حرة ولأولاد له منها أحرار بثلث ماله، قال: يعتق العبد؛ لأنَّ لولده نصيبًا من أبيهم وقد ملكوا بعضه فهو حر، وما ملك العبد من نفسه حر 185. يريد أنه يعتق نصيب العبد ونصيب الأولاد ويرق الباقي، وهذا الذي يقتضيه آخر جوابه، وهو مثل 186 قول المغيرة، وعلى قول مالك وابن القاسم 187 يستكمل على العبد.
وإن كان الأولاد أربعة أعتق نصيبهم وهو أربعة أسداس، ثلث الميت فإن كانت قيمته ثمانية عشر دينارًا وللميت 188 سواه ستة وثلاثون دينارًا، أعتق منه بالوصية دينار، وهو نصيب العبد من نفسه وبالاستكمال ديناران فيكمل بذلك عتق سدسه.
وعلى قول ابن القاسم يستكمل منه ما رقَّ منه في الدينار وفيما بين يديه من غير وصية، وأمَّا نصيب الولد فإن كانوا قبلوا الوصية أعتق عليهم نصيبهم منه وهو ثلثا 189 ثلثه، ثم يختلف فيما بقي منه بعد ذلك رقيقًا هل يستكمل عليهم إذا كان لهم مال؟ لأنهم فيه بمنزلة من أعتق شركًا له في عبد وقد أعتق بعضه، وقد تقدَّم في كتاب العتق الأول ذكرُ الاختلاف.
وهل زيادة العتق زيادة فساد؟ لأنهم إنما قبلوا ما بعضه حر فلا يستكمل على قول ابن القاسم.
ويختلف إذا لم يقبل الأولاد هل يسقط نصيبه من الوصية؟ فعلى القول إنَّه لا يستكمل عليهم إن قبلوه لا تسقط وصيتهم، وعلى القول إنَّه يستكمل عليهم تسقط؛ لأنهم يردون خوف الاستكمال.
والزوجة في

الجزء: 8 - الصفحة: 3585

نصيبها بالخيار بين أن تقبل ويفسخ النكاح، أو لا تقبل وتبقى زوجة.

فصل [في وصية الرجل لعبده ولعبد وارثه]

وصيةُ الرجل لعبده ولعبد وارثه جائزة إذا لم يكن معه وارث سواه وإن كثرت، فإن كان معه وصايا حاص بوصيته، فإن كانت الوصية لعبد وارثه ومعه ورثة جازت فيما قلَّ مثل الثوب والشيء الخفيف، ويجوز بأكثر من ذلك إذا كان لقضاء دين عليه، وكان القضاء يزيد في ثمنه الشيء اليسير ووصيته لمدبر ولده وأم ولده تجوز في الشيء اليسير وتجوز للمكاتب بالكثير إذا كان يقدر على أداء كتابته من غير الوصية.
قال أشهب: فإن كان لا يقدر إلا بالوصية وكان الأداء أفضل للسيد لم يجز، وإن كان العجز أفضل، جازت.
وأرى أن تجوز وإن كان الأداء أفضل للسيد؛ لأنَّ القصد بالوصية للمكاتب ليخرج بها من الرق.
وقد اختلف فيمن زوَّج ابنته في مرضه وضمن الصداق، فقيل: الضمان جائز وهي وصية للزوج، وإن كانت المنفعة تصير للابنة.
وقيل: لا يجوز الضمان.
والأول أحسن، فإذا أوصى لعبده أو لعبد وارثه بوصية لم يكن للورثة ولا لسيد العبد الوارث أن ينتزعها.
قال ابن القاسم: ولو انتزعها لكانت وصية الميت غير نافذة، وإن باعوه باعوه مسألة، وإذا بيع بمالة كان للمشتري أن ينتزع ذلك إن شاء 190. وقال أشهب: يقر ذلك بيد العبد حتى ينتفع به ويطول زمان ذلك ولا ينتزعوه إن باعوه قبل أن يطول زمانه.
قال: واستحسنت في الكثير ما ذكرت لك، قال: لأن القياس إمَّا أن ينتزعوه مكانه

الجزء: 8 - الصفحة: 3586

أو لا ينتزعوه أبدًا؛ لأنَّ الميت نزعه منهم 191. والأول أحسن ألا ينتزع بحال؛ لأنَّ الميت كما قال انتزعه منهم 192، وكذلك أرى في المشتري ألا ينتزعه؛ لأن البيع على أن ينتزعه المشتري بمنزلة انتزاع الوارث فقد يكون ثمن العبد خمسين دينارًا وفي يديه خمسون، فإن بيع بماله على أن للمشتري أن ينتزع ماله كان ثمنه مائة دينار 193 أو ما قاربها، فكان البائع هو المنتزع إذْ سلطه على ذلك، وأخذ له ثمنًا، ولو بيع على أنه في يديه كالحبس لم يزد في ثمنه كبير شيء.
وأجاز ابنُ القاسم إذا كانت الوصية لعبدٍ 194 أجنبيٍّ للسيد أن ينتزعها، والقياس أيضًا ألا ينتزع كعبد الموصي؛ لأن القصد بالوصية انتفاع العبد ولو لم يرد ذلك لوصى بها لسيد ذلك العبد 195.

الجزء: 8 - الصفحة: 3587

باب فيمن أوصى بخدمة عبد، أو سكنى دار, أو عتق ما في بطن أمته وما تعلق بذلك

وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده سنة، أو بسكنى داره سنة 196: يجعل في الثلث قيمة الرقبة ولا تقوم الخدمة ولا السكنى؛ لأني إذا قومت الخدمة والسكنى كنت حبست الدار والعبد عن أربابه، وهم يحتاجون إلى بيعه 197. واحتجاجه بالبيع لا يصح في الدار؛ لأنه يجوز أن تباع ويستثنى سكناها سنة.
والمعروف من قول مالك وابن القاسم أن يجعل في الثلث الرقاب وإن كانوا قادرين على البيع بالاستثناء وأن لهم حقًا في تعجيل الانتفاع بالرقاب، إلا ما وقع في كتاب محمد فيمن ترك مدبرين وأوصى بوصايا في مرضه، فيقول الورثة: يقوم ما ترك الميت ولا يبيع، ويقول أهل الوصايا والمدبرون: بل نبيع؛ لأن البيع أزيد لنا في ثلثنا من القيمة، فقال ابن القاسم: القول قول أهل الوصايا والمدبرين إذا طلبوا البيع، قال: وكذلك إن طلب الورثة البيع فكذلك الذي لا شك فيه، أنَّ دعا إلى البيع كان أولى ممن دعا إلى التقويم، قال: وأمَّا الورثةُ فيما بينهم فإن كان مما ينقسم فالقسمة أولى 198، وقال أصبغ: القيمة في الوصايا والعتق على الورثة.
وعليهم أحب إليَّ، وليس على الوصي أن يبيع ذلك في السوق ولا على

الجزء: 8 - الصفحة: 3588

الورثة 199. وقال ابن وهب: قال مالك فيمن أوصى لرجلٍ بعبدٍ أو ببيتٍ: أخرج ذلك بالقيمة ولا ينظر إلى ما يعطى به 200. وقول مالك وأصبغ في هذا أحسن، وليس على الورثة أن يبيعوا ذلك.
وقال فيمن أوصى بخدمة عبده فقد أوصى بالغلة، وإن أوصى بالغلة فقد أوصى بالخدمة 201، وليس بالبين، وإن كان عبد خدمة وأوصى بخدمة، لم يكن للموصى له أن يجعله في صنعة، وان كان عبد صناعة فوصى له بغلته لم يكن له أن يعطله عنها ويختدمه.
وقال ابن القاسم فيمن أوصى بخدمة عبده 202 لرجل سنة ثم هو حر، فمات ونظر في الموصى له فكان غائبًا ببلد ثان، قال: أرى للسلطان أن يؤاجره للغائب ثم هو حر إذا وقت السنة، وإن كان عبد حضانة انتظر به وكتب إلى الرجل وأخرج العبد إليه، فإذا وفت السنة من يوم مات السيد فهو حر 203. ومحمل قوله على أن الميت كان يرى أن الموصى له حاضر، وأمَّا إن كان عالمًا بغيبته فالسنة من يوم 204 وصول العبد إليه، وسواء كان من عبيد الإجارة أو الحضانة وخدمة العبد ما بينه وبين وصوله لورثة الموصي ونفقته عليهم وعلى قول أشهب، يكون للسلطان أن يؤاجر العبد إذا كان من عبيد الحضانة في مثل ما كان وصى به إذا كان يظن أنه حاضر.

الجزء: 8 - الصفحة: 3589

وقال ابن القاسم فيمن أوصى بأمة تخدم فلانًا حياته وجعل رقبتها بعد خدمتها لفلان فولدت الأمة أولادًا في حال الخدمة فولدها بمنزلتها يخدمون إلى ذلك الأجل، وكذلك لو أخدم عبدًا فولد له من أمته ولد فإنه يخدم معه، وهذا لأن الوصية كانت بالخدمة حياة المخدم (1)، وكذلك إذا كان إلى أجل بعيد، فأمَّا السنتان والثلاث وما لا يكون للعبد فيه خدمة فإنه يسقط حق المخدم فيه، فإن كان مرجع العبد أو الأمة إلى حرية كان الولد معتقًا الآن؛ لأنه لا فائدة في وقفه، وكذلك إن جعل الموصي المرجع إلى رجل كان له ذلك الولد ملكًا من الآن.

فصل [فيمن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فولد له من أمته ولدًا وأوصى بهما لرجل]

ومن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فوُلد له من أمته وَلَدٌ أو أوصى بهما لرجل، فإن كانت الولادة في حياة الموصي كانت الوصية والعتق في الآباء خاصة وكان الأولاد ميراثًا.
وإن كان الحمل والولادة بعد موت الموصي وقبل العتق وقبل أن يقبض الموصى له بهما، كانت الوصية والعتق في الآباء والأولاد.
وإن كان الحمل في حياته والولادة بعد موته، افترق الجواب فيعتق ولد الأمة بعتق أمه؛ لأن عتق الحامل عتق لما في بطنها، ويرق ولد العبد ويكون للورثة ولا يدخل في وصيته؛ لأن السيد لو أعتق العبد لم يعتق بعتقه حمل أمته، وكذلك إن أوصى بهما كان للموصى له الأمة وولدها والعبد دون ولده.205

الجزء: 8 - الصفحة: 3590

فصل [فيمن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان]

ومن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان، جعل في الثلث قيمة الأم؛ لأن الورثة ممنوعون من التصرف فيها بالبيع، فإن لم يحملها الثلث ولم يجز الورثة، فإن كانت الوصية بعتقه جعل في الثلث الأمة وأعتق منها ومن ولدها ما حمل الثلث، وإن كانت الوصية لرجلٍ قطع له ثلث الميت شائعًا؛ لأن الوصية له معاوضة من الميت أخذ منهم أقل من الثلث، وهو الجنين، ووقف عنهم التصرف في الأم ولم يفعل مثل ذلك إذا أوصى بعتقه فتجعل وصية الميت في الثلث شائعًا؛ لأن من شرط الوصية بالعتق أن يحمل 206 ثلث الميت في عين المعتق؛ لأنه الموصى له، فلما لم 207 يقدر أن يجعل في الجنين خاصة، جمع الثلث في الأم والولد لينال من العتق أكثر مما يكون لو كان شائعًا، وهذا قول محمد، وهو صحيح على قوله إنَّ الأمة لا تباع، ويستثنى ما في بطنها 208. وأجاز الليث بن سعد بيع الأمة 209 واستثناء الولد للعتق 210، فعلى هذا يجعل في الثلث ما ينقص بيعها مستثناةَ الولدِ على بيعها بولدها وإن أوصى بها لرجل وبولدها لآخر جعل في الثلث قيمة الأم على حالها، فإن حملها الثلث كان لكل واحد

الجزء: 8 - الصفحة: 3591

منهما وصيته، وإن حمل نصفها كان لهذا نصف الأم، ولهذا نصف 211 الولد، وإن أوصى بعتق ما في بطنها وبالأم لآخر، فحمل الثلث نصفها أعتق من الولد نصفه، وكان للآخر نصف الأم، وهذا على القول إنَّ العتق يلحق ما في البطن، وعلى القول ألا يلحقه العتق يعتق ما ينوبه من الأم، لينال الولد العتق، وتسقط وصية الآخر.
واختلف إن أوصى بالولد لرجل، وبالأم لآخر وأعتق الأمَّ الموصى له بها، فقال في المدونة: يمضى عتق الأم ويسقط حق الموصى له بالولد 212. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يوقف عتق الأم حتى تضع فيقوم الولد على معتق الأم فيمضي حينئذ عتق جميعها، وقال أيضًا: يوقف عتقها حتى تضع فيأخذ الموصى له بالولد الولد، ويمضي عتق الأم بالعقد الأول 213. وهو أحسن للإجماع على أن عتق الولد لا يسري إلى عتق الأم، وأنهما في ذلك نفسان، وليس بمنزلة من أعتق بعض الأم، وكذلك إذا أعتق الأم لا يعتق الولد بعتقها.
وكذلك لو أوصى بالولد لرجل وأبقى الرقبة 214 للورثة فأعتقها الورثة، فعلى الخلاف المتقدم.
وإن وهب الولد في الصحة ثم أعتق السيد الأمة قبل أن تحاز عنه، مضى عتق السيد وسقط حق الآخر في الولد، وإن كان الموهوب له الولد حاز الأم لم يصح عتق السيد في الأم حتى تضع.
ومن أخدم عبده في مرضه رجلًا سنة ثم هو حر فلم يقبل الموصى له

الجزء: 8 - الصفحة: 3592

بالخدمة، رجعت الخدمة للورثة ولم يعتق حتى تتم السنة، وإن قبلها ثم وهبها العبد أو باعها منه، كان حرًا مكانه، وقيل: لا يعجل عتقه؛ لأن رقبته للورثة حتى تتم السنة، وإن قبل كانت قيمته رقيقًا لهم.
وقال ابن كنانة فيمن أخدم عبده رجلًا حياته ثم هو حر، فمات المخدم فأراد ورثته أن يتبايعوا الخدمة: لم يجز إلا أن يشتروها ليعجلوا عتقه فأما ليخدمهم فلا، وهذا صحيح لما لم يكن له إليهم مرجع؛ لأن مرجعه إلى الحرية.

الجزء: 8 - الصفحة: 3593

باب في وصية المحجور عليه (1) والصبي

وصية السفيه المحجور عليه جائزة إذا أصاب وجه الوصية، وكذلك الصبي.
واختلف في السن الذي تجوز فيه وصيته، فقال مالك: تجوز إذا كان ابن عشر سنين أو أقل باليسير وأصاب وجه الوصية 216. وقال في كتاب محمد: ابن تسع سنين، وقال ابن شهاب وأصبغ في كتاب ابن حبيب: تجوز إذا عقل الصلاة 217. وقال مالك في العتبية: إذا أثغر أُمر بالصلاة وأُدِّب عليها 218. وهذا أقل ما قيل.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا كان يفاعًا مراهقًا جازت وصيته، وذلك إذا بلغ إبصاره والرغبة في حظه وفيما يقدم لنفسه، وهذا أكثر ما قيل، والصبيان يختلف إدراكهم وتمييزهم 219، فمن علم أن عنده تمييزًا 220 جازت وصيته إذا أصاب وجه الوصية فيوصي بما هو قربة لله تعالى أو صلة رحم، فأما أن يجعلها لمن يستعين بها في ما لا يحل من شرب خمرٍ أو غيره، فلا تمضي.
وقال أشهب: إذا أوصى الصبي بوصية وجعل إنفاذها إلى غير الوصي فذلك إلى وصيه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أوصى إلى بكرٍ بمائة دينار ولا وليَّ215

الجزء: 8 - الصفحة: 3594

لها فدفع الورثة ذلك إليها بغير أمر الإمام: فقد برءوا 221. وأرى إن كان لها وصي أن تدفع الوصية إلى وصيها، إلا أن تكون ممن يعلم أن الميت أراد دفع ذلك إليها لتتسع به في مطعم وملبس فيدفع إليها.

الجزء: 8 - الصفحة: 3595

باب في وصية المقتول للقاتل وما يتعلق بذلك

وصيةُ المقتول للقاتل على خمسة أوجه: إمَّا أن يوصي له قبل القتل ثم يموت بفور الضرب، أو بعد حياة ولم يعلم أنه قاتله، أو علم، أو كانت الوصية بعد الضرب وعلم أنه قاتله، أو لم يعلم، والقتل في جميع ذلك خطأ أو عمدًا، فإن وصى له قبل الضرب ثم قتله خطأ، فقال مالك: الوصية من ماله دون الدية، قال: بمنزلة الميراث إذا قتل موروثه خطأ، فله الميراث في المال دون الدية، قال محمد: لأنَّ الدية أديت عنه، وهو أيضًا يؤدي فيها فلا يؤدي عن نفسه لنفسه.
قال ابن القاسم: إن أوصى له بعد أن ضربه خطأ، فإن علم كانت الوصية في المال والدية 222. وفي كتاب محمد: ذلك سواءٌ علم أو لم يعلم الوصيةُ في المال والدية، وإن أوصى له ثم قتله عمدًا ومات بفور ذلك أو بعد حياته ولم يعلم أنه ضاربه سقطت وصيته ولا شيء له في مال ولا دية، وكذلك إن علم ولم تكن الوصية بكتاب.
واختلف إذا كانت بكتاب، فقال محمد: إن علم فأقر الوصية على حالها فهي جائزة من ماله بمنزلة ما أوصى له بعد الجناية 223، وإن أوصى له بعد الجناية 224 ولم يعلم أنه قاتله فلا شيء له.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد علم أنه قتله عمدًا فأوصى له بعد علمه،

الجزء: 8 - الصفحة: 3596

وقال محمد: إذا أوصى له بعد أن جنى عليه وهو يعلم أو لا يعلم فالوصية له نافدة 225. وقوله في الخطأ إنه بمنزلة الميراث فليس بالبين وليس الأصلان سواء؛ لأن منع الميراث من الدية شرع، ولو أوصى بأن يورث منها ما جاز، وإن أوصى لغير وارث أن يعطى ثلث الدية جاز والاعتراض ألا يأخذ مما يؤدي غير صحيح، فلو أوصى لغريمه بثلث ماله كان للغريم من الدين الذي عليه ثلثه, ولو جنى على عبدٍ مريض كان للموصى له ثلث قيمة ذلك العبد.

الجزء: 8 - الصفحة: 3597

باب في الموصى له يموت قبل الموصي أو بعده , ومن وصى لوارث فصار غير وارث، أو لغير وارث فصار وارثًا، وما يتعلق بذلكـ من نكاح أو هبة

وإذا مات الموصى له في حياة الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعده وقبل العلم بالوصية أو علم ولم يقبل ولم يرد حتى مات، كان ورثته مكانه، وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن الأبهري أنه قال: الأشبه أنها لورثة الموصي، قال: لأنها على ملك أبيهم حتى يخرج عنهم بقبول الموصى له (1).

فصل [فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد]

وقال ابن القاسم فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد، فالوصية جائزة؛ لأنه قد تركها بعد ما ولد له فصار مجيزًا لها، قال غيره: الوصية جائزة وإن لم يعلم بالولد 227. وهذا صواب؛ لأن الميت قد كان راغبًا أن تكون له الوصية مع الميراث، فإذا سقط الميراث كان أبين في أنه يمضيها له، وإن ولد له بعد موته وكان عالمًا بالحمل مضت الوصية.
ويختلف إذا لم يعلم، وإن أوصى له وله ولد يحجبه فمات الولد قبل أبيه 228 سقطت الوصية؛ لأنه صار وارثًا ولا وصية لوارث.
ولو أوصى في صحته226

الجزء: 8 - الصفحة: 3598

لامرأة بوصية ثم تزوجها في صحته بطلت الوصية؛ لأنها وارثة، وإن تزوجها في مرضه لم تبطل الوصية.
وكذلك إن أوصى لها في المرض ثم تزوجها في المرض؛ لأن النكاح فاسد وهي غير وارثة.
وإن تزوجها في الصحة ثم طلقها في المرض ثم وصى لها كانت الوصية باطلة؛ لأن الطلاق في المرض لا يبطل الميراث، وإذا كانت وارثة لم تصح الوصية وسواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها.
وأرى إذا كان الطلاق بسؤال منها ألا ميراث لها، ولها الوصية إذا كانت مثل ميراثها فأقل، فإن كانت أكثر لم تعط الزائد؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك.
قال محمد: ولو وهب أخاه هبةً وبتلها له في مرضه وقبضها الأخ ثم مات الولد وصار الأخ وارثًا بطلت الهبة؛ لأنها إنما تخرج من ثلثه 229.

الجزء: 8 - الصفحة: 3599

باب فيمن عال في وصيته (1) على ثلثه , وفي وصية من لا وارث له، وفي دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي

وقال مالك فيمن عال في وصيته على ثلثه: يمضي الثلث ويرد الزائد 231. والأصل في قصر الوصية على الثلث حديث سعد بن أبي وقاص قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، لا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لي أَفَأُوصِي بِمَالي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا" 232 الحديث، وحديث عمران ابن حصين قال: "أَعْتَقَ رَجُلٌ ستَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَسْهَمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُم" 233. وهذا الحديث أصل في الوصية إذا زادت على الثلث أنها تقصر على الثلث، ولا يبطل جميعها.
واختلف إذا كانت الزيادة يسيرة فقيل فيمن أوصى بعتق عبده إن وسعه الثلث فزادت قيمته على الثلث الشيءَ اليسيرَ: يعتق ولا يتبع بشيء.
وقيل: يتبع بذلك القدر.
وقيل: يكون ذلك القدر رقيقًا.
وقيل: يرق جميعه230

الجزء: 8 - الصفحة: 3600

لقول الميت: إن وسعه الثلث فيعتق، والمراد من المسألة في هذا الموضع القول إنه يعتق ولا يتبع بشيء.
واختلف إذا أوصى مسألة كله ولا وارث له، فقيل: ليس ذلك له لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 33]، فلكل ميت وارث، وإن لم يعرف تصدق به عن الوارث، وقيل: وصيته ماضية.
وحكم من بعُد ولم يعرف حكم العلم.
أو يبقى المال على حكم الميت يصرفه لمن أحب قياسًا على الولاء إذا كان العبد المعتق من العرب إنَّه يورث بالولاء، ولو حمل 234 على أنه هناك وارث لا يعرف لتصدق به عنه، ولم يورث بالولاء، وهذا إذا أوصى به للأغنياء أو في وجه لو تولاه الإمام صرفه في غيره.
وأمَّا إن جعله في الفقراء أو فيما لو رفع إلى الإمام لفعل 235 به مثل ذلك أو يراه سدادًا 236 لم تغير وصيته؛ لأنه فعل صوابًا، وللاختلاف في ذلك إذا مات عن غير وصية، هل يجري مجرى الفيء ويحل للأغنياء أو يكون مقصورًا على الفقراء؟ واستشهد من أجازه للأغنياء بمسألة الولاء، ولا يصح أن يسوغ للأغنياء بعد القول إنَّ هناك وارثًا لم يعرف على اللقطة.
وقال ابن نافع وغيره فيمن اشترى أخاه في مرضه ولا يحمله ثلثه: لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، إلا ألا يكون له وارث فيعتق من ماله كله، ويأخذ الفضل وأباه ابن القاسم، ورأى أنه لا يرث إذا لم يحمله الثلث، وإن لم يكن له وارث 237، والأول أبين للخلاف في ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 3601

فصل [في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي]

اختلف في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي، وأرى أن يكون ذلك على ثلاثة أقسام 238: فإن كانت الوصية بالثلث لم يكن لأهل الوصايا سوى ثلث 239 ما علم به كان لواحد أو لجماعة، معينين أو مجهولين؛ لأنه هو الذي أعطاهم الميت فلا يزادون فوق ما أعطاهم.
وإن كانت الوصية بغير الثلث لواجبات عليه من زكاة , أو عتق عن ظهار، أو قتل نفس، أو كفارات، أو هدي، وضاق الثلث أتمت مما لم يعلم به؛ لأن الميت قد قصد أن ينفذ ذلك عنه، وأنه كالدين عليه ورغب في إبراء ذمته ومراعاة لقول ابن شهاب إنَّه لا يتهم في ذلك، وإنَّه يخرج من رأس المال.
وإن كانت الوصية بتطوع، وقال لفلان عشرة، ولفلان عشرون وأعتقوا عبدي فلانًا، وللمساكين كذا، فضاق الثلث، فذلك أشكل فقد قيل: إن قصد الميت إنفاذ جميع ذلك وإتمامه من ثلثي الورثة , ولهذا يقال لهم: أجيزوا وصية ميتكم، فإن لم يجيزوا رجع إلى الثلث وإلى المحاصة أو إلى التبدية بما هو أوكد، فعلى هذا تنفذ الوصية مما لا يعلم به؛ لأنه إذا رغب في إتمام ذلك من غير ماله، وهم الورثة كان أحرى أن ينفذوه من مال نفسه.
وقيل: محمل الوصية على ثلثه لا غير ذلك، فعلى هذا لا يقال للورثة أجيزوا وصية ميتكم؛ لأن الميت لم يعلق الوصية بشيء من الثلثين ولا تدخل الوصايا فيما لم يعلم به 240؛ لأنه إنما قصد

الجزء: 8 - الصفحة: 3602

المحاصة في الثلث.
واختلف عن مالك في المدبر في الصحة والذي ثبت عليه أنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم.
واختلف في المدبر في المرض، والذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل إلا فيما علم 241. والفرق بين المدبرين أن الصحيح قصد إلى عتقه من محصول 242 ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته العشرون سنة وأكثر.
والمدبر في المرض يتوقع الموت من مرضه ذلك، وهو عالم بمالة وإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه، وهذا إذا مات من مرضه ذلك، فأمَّا إن صح ثم مات من مرض آخر أو من غير مرض صار كالمدبر في الصحة.
ويختلف في المبتل في المرض، هل يدخل فيما لم يعلم؟ وأن يعتق فيه أحسن؛ لأن الميت أعتق وهو يرجو أن يجيز له الورثة ذلك من ثلثهم، فهو في إجازة ذلك من ماله لو علم به أرغب، وكل مال مات عنه وهو لا يقدر على التصرف فيه لما تعلق به من حق الغير من خدمة، أو إسكان أو حبس على معين فراجعٌ ذلك مما علم به يدخل فيه الوصايا، وكذلك ما ذهب منه ولم يقطع سقوط ملكه عنه، وفي كتاب محمد: في الآبق إذا عَادَ غاب تدخل فيه الوصايا، وإن كان يئس منه 243. واختلف إذا قيل له: غرقت سفينتك فأيس منها ثم جاءت سالمة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يدخل فيها الوصايا، وقال: يدخل فيها ولا

الجزء: 8 - الصفحة: 3603

يشبه ما لم يعلم، ولو قتل عمدًا فقبل أولياؤه الدية، كان مما 244 لا يعلم به، قال ابن القاسم: ولو قال: إن قبل أوليائي 245 الدية فوصيتي فيها لم تدخل فيها الوصايا 246. قال محمد: ولكن إن عفا هو قبل موته على مال أو أوصى أن يعفى عنه على الدية دخلت فيها الوصايا 247، وإن قتل خطأ ولم يكن له حياة بعد الضرب، كان كمال لم يعلم به يختلف فيه، وإن كانت له حياة كان كمال قد علم به فتدخل فيه الوصايا.
قال: فإن أقر بدين لمن 248 يتهم عليه أو لغير ذلك ليخرج من رأس المال ولم يجز الورثة لم تدخل فيه الوصايا 249، وعلى القول الآخر تدخل فيه، وهذا إذا كان الموصي 250 ممن يجهل ويظن أن إقراره جائز، وإن كان ممن يعلم أن لورثته ألا يجيزوا دخلت فيه الوصايا؛ لأنه كان شاكًا في خروج ذلك للمقر له كالذي يشك في الخبر عن سفينته.

الجزء: 8 - الصفحة: 3604

باب في التبدئة والحصاص في الوصايا

المأخوذ من تركة الميت من غير دين ولا ميراث، واجب ومتطوع به.
والواجب ثلاثة: أحدها: ما يخرج من رأس المال بغير وصية.
والثاني: مختلف فيه هل يخرج من رأس المال بغير وصية؟ والثالث: يخرج من الثلث إن أوصى به، وقد تجتمع هذه الأقسام في الزكاة فإن كانت مما لم يفرط فيها وهي زكاة حب أو ثمار، أخرجت من رأس المال بغير وصية، وكذلك زكاة الماشية إن لم يكن ساع.
واختلف في زكاة العين إذا علم وجوبها ولم يفرط.
فقال ابن القاسم: إن أوصى بها أخرجت من رأس المال، وإلا فلا تخرج من ثلث، ولا رأس مال 251. وقال أشهب: تخرج من رأس المال، وإن لم يوص 252، وهو أحسن لاجتماعهما على زكاة الحب والثمار أنها تخرج من رأس المال وإن لم يوص ولا فرق بينهما، ويقول ابن القاسم إنها بعد الوصية من رأس المال، وإن وصى بزكاة فرط فيها أخرجت من الثلث.
وقال ابن شهاب: من رأس المال.
وقال محمد فيمن علم منه أنه لا يخرج زكاته، ولعله قيل له: في مرضه أخرج زكاة مالك، فقال: لا فإذا برئت أخرجتها: فلا تخرج عنه إن لم يوص بها.
يريد: فتخرج من ثلثه، والقياس أن

الجزء: 8 - الصفحة: 3605

تخرج من رأس المال.
وقال محمد في كتاب العتق الأول فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ثم مات عند انقضاء حجه ونفره ولم يهد عن تمتعه: يؤدى ذلك عنه من رأس المال، وإن فرط لم يؤد من ثلث ولا رأس مال، وعلى هذا من وجب عليه عتق رقبة من ظهار فإن لم يفرط أعتق عنه من رأس المال، وإن كان فرط لم يعتق عنه.
والموصى به أربعة أوجه 253: أحدها: ما جاء به القرآن.
والثاني: ما جاءت به السُّنة.
والثالث: ما أوجبه الموصي عن نفسه.
والرابع: ما أوصى به ولم يوجبه، فإن اجتمع ذلك في وصيته وضاق الثلث ابتدئ بما جاء به القرآن، فإن فضل شيء ابتدئ فيه بما جاءت به السنة، فإن فضل شيء صرف فيما تطوع به وقد يبتدأ بما جاء في السنة قبل ما جاء في القرآن في بعض المسائل، والذي أوجبه الله -عز وجل- في أموال عباده: الزكاة، والعتق عن القتل، والعتق عن الظهار، والإطعام والنسك، والإطعام عن إماطة الأذى، والهدي، والإطعام عن التمتع والهدي، والإطعام عن جزاء الصيد والعتق، والإطعام والكسوة عن اليمين بالله -عز وجل-، فإن اجتمع ذلك في وصية بدئ بالآكد فالآكد 254، فتبدى زكاة الأموال، ثم زكاة الفطر، ثم الهدي، ثم الكفارة عن إفطار رمضان؛ لأن الزكاة لا مدخل له في وجوبها، وما دخل من وصم في الحج والصوم، فهو أدخله على نفسه، ويبدى هدي التمتع على الفدية؛

الجزء: 8 - الصفحة: 3606

لأن المفهوم من القرآن أنه 255 آكد لعموم 256 التخيير فيه، ولأن الصوم عنه عشرة، وعن الفدية ثلاثة.
وتبدى الفدية على هدي الفساد؛ لأنها بالقرآن، ولأنها عن وصم 257 في حج صحيح فكان جبر ما دخل فيه أولى من الهدي عن الفساد؛ 258 لأنَّ الفاسد أتى ببدله صحيحًا، وإنما الهدي عن الحج المتقدم الذي لم يعتد به وصار في حكم الساقط، وكذلك إن كان هدي عن حج صحيح، وكفارة عن تعمد في رمضان بدئ بما كان في الحج؛ لأنه يجبر به ما انثلم من حجة الإسلام والإفطار قد قضاه وأتى به صحيحًا، وإنما الكفارة عن الفاسد الذي سقط حكمه , وإن كان الهدي عن فساد والكفارة عن إفطار لم يقدم أحدهما على الآخر وهما مقدمان على العتق في 259 القتل والظهار؛ لأن الأوليين عن انتهاك القرب التي هي دعائم الإسلام، وعن وصم في فرض فرضه الله -عز وجل-، والآخران عن شيءٍ أدخل نفسه فيه لم يكن أصله فرضًا 260. واختلف في الكفارة عن القتل والظهار، فقيل: تبدى الكفارة عن القتل، وقيل: هما سواء، والأول أحسن؛ لأنه قد فهم أنه آكد لما لم ينقل منه إلى إطعام.
قال ابن القاسم في العتبية: ولأن الظهار مختلف فيه، فقد قال بعض الناس: إن وطئ قبل أن يكفر ثم طلقها فالكفارة ليست بواجبة.
قال: وهو

الجزء: 8 - الصفحة: 3607

قول أهل المشرق، وبعض من أرضى من أهل المدينة (1). وأرى أن يبتدأ بالعتق عن القتل، فإن فضل شيء أطعم عن الظهار.
واختلف بعد القول إنههما سواء، فقيل:] (2) بقرع بينهما، وقيل: ذلك للورثة يعتقون عن أيهما شاءوا ثم كفارة الأيمان (3). وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا أوصى بزكاة فرط فيها وبزكاة فطر وكفارة ظهار وقتل وجزاء صيد وكفارة أيمان، فهذه الواجبات كلها لا يبدى بعضها على بعض (4)، وهذا خارج عن المعروف من المذهب.

فصل [في حكم الوصية إذا كانت بأشياء متعددة ليس بعضها أولى من بعض]

وإن لم يكن في الوصايا شيء مما تضمنه القرآن أو جاءت به السنة وكانت كلها وصية ولم يوجب شيئًا، تحاصوا إلا العتق، فإنه يبدى.
قال مالك: السُّنة المعمول بها أن العتق مبدى على الوصايا إذا كان بعينه 265. وقال أشهب 266: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر قضوا بذلك وإن كانت وصايا وبتل بدي البتل على الوصايا إلا أن تكون الوصية بشيء مما تضمنه القرآن ويعلم أنه أراد به براءة ذمته كالزكاة والعتق عن القتل والظهار فيبدى إذا أوصى بذلك261262263264

الجزء: 8 - الصفحة: 3608

قبل البتل 267 وإن أوصى به بعده يدي ما بتله 268 قبل 269. قال في المدونة: الزكاة تبدى على المدبر في المرض والمبتل 270، فإن بتل عتق عبدين في كلمة، تحاصا.
وقيل: يقترعان، وإن أعتق واحدًا بعد واحد يدي الأول؛ لأنه ليس له أن يحدث ما ينقص عتق الأول، بن اختلفت صفة التبتيل يدي الآكد ومن يرى أن الميت آثره على الآخر.
والتبتيل على خمسة أوجه: وهو أن يقول للعبد: هو حر الآن.
والثاني: هو حر بعد موتي مت أو عشت وأوجبت أَلَّا أُغَيِّرَ ذلك.
والثالث: هو حر بعد موتي وأوجبت له ألا أغير وصيتي 271، وإن عشت فهو رقيق.
والرابع: هو حر ما لم أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر، فبتل له العتق وإن عاش.
والخامس: هو حر بعد موتي ولا أغير وصيتي، وإن عشت فهو حر متى مت، وهذا في المدبر في المرض.
وهذا كله تبتيل؛ لأن البتل: القطع، والإنجاز، ورفع الخيار، إما جملة أو في إحدى الحالات إلا أن أحكامه مختلفة.

الجزء: 8 - الصفحة: 3609

وقال مالك في المدونة: في المبتل والمدبر في المرض يتحاصان 272. وقال في المجموعة: إلا أن تكون لهم أموال مأمونة فيبدى المبتل 273، وكذا على أصله مبتلان: أحدهما: عجل 274 له العتق في المرض، وأخر الآخر لبعد الموت يتحاصان 275، ورأى أن الأمر الذي 276 بينهما يسير فكان بمنزلة موصى بعتقه إذا مات، والآخر إلى أجل قريب أنهما يتحاصان.
وقال مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب: إنَّ المبتل يبدى.
وهو أحسن، وهو أن يبدى من عجل له العتق في المرض على المدبر وعلى المبتل بعد الموت؛ لأن الميت وكل أولئك للفاضل بعد الموت، ثم المدبر في المرض والمبتل لبعد الموت عاش أو مات لا يبدى أحدهما على الآخر على ظاهر المذهب، وقال ابن أبي 277 أويس في المبسوط: يبدى المبتل وهو أحسن 278؛ لأنه آثره إن عاش كان حرًا وأخر الآخر لبعد الموت، ثم من جعل لنفسه فيه الخيار إن عاش، ثم من جعل فيه الخيار ما لم يمت، وكل هؤلاء مبدون على من وصى بعتقه ولم يوجب له العتق في حالة من الأحوال.
وقال محمد: اختلف قول مالك في عتق المبتل في المرض مع عتق الوصية.
يريد: إذا أوصى بعتقه وأوجب ألا تغير وصيته ولم يرد أنه أوصى به وجعل

الجزء: 8 - الصفحة: 3610

لنفسه الخيار.
وقال أشهب: يتحاصان، وكأنه قال: أنتما حران إن مت وإن عشت فأنت يا فلان حر 279. أي أوصى بعتقهما، وله أن يغير وصيته فيهما ما لم يمت فإن مات كانا حرين، كان عاش كان هذا حرًا والآخر رقيقًا فسوى بينهما في المرض ما لم يمت أنه يرجع عنهما إن شاء، وإنما فرق بينهما إذا عاش فالبتل وقع ها هنا لبعد الموت ولم يرد أنه عجل عتقه فيحاص به الموصى بعتقه، وكل هذا إذا كان العتق في كلام واحد بكتاب أو بغير كتاب، وإن كانا مفترقين يدي الأول فالأول إذا كان إيجابًا لا خيار فيه، وإن جعل لنفسه الخيار في واحد ما لم يمت، وإن عاش فهو حر ثم بتل عتق آخر فإن مات بدئ المبتل، وإن عاش أعتقا جميعًا، وإن كان عليه دين بدئ الأول الذي أوجب عتقه؛ لأنه لم يكن له أن يحدث ما يمنع ما أوجب للأول إن عاش، قال محمد فيمن بتل عتق عبده في مرضه ثم استدان دينًا يحيط بمالة فإن صحَّ نفذ عتقه، وإن مات من مرضه بيع للغرماء 280، فإن قال في عبد هو حر بعد موتي وفي آخر هو حر بعد سنة بدئ بالمعجل.
واختلف إذا قال في الآخر: هو حر بعد شهر، فقال مالك وابن القاسم: يتحاصان والشهر قريب 281. وقال أشهب في كتاب محمد: يبدى المعجل إلا أن يكون الأجل اليوم واليومين والثلاثة 282. وقال محمد: وإن كانا مؤجلين بعيدين وأحدهما أبعد تحاصا.
وقال ابن القاسم: إن كان أحدهما إلى سنة والآخر إلى عشر سنين أو عشرين سنة تحاصا 283. والقياس أن يبدى الأقرب؛ لأن المفهوم

الجزء: 8 - الصفحة: 3611

من الميت أنه آثره على صاحبه بتعجيل العتق، ولا فرق بين أن يكون أحدهما عتيقًا من غير أجل والآخر إلى سنة والآخر إلى عشر؛ لأن الميت سوى بينهم في أن جعل في كل واحد عتقا وخالف في التعجيل، وإن عجل عتق أحدهما بغير مال والآخر على مال أو أوصى بأن يكاتب بجعل 284 بدئ بالذي لم يجعل عليه مالًا ولا كتابة.
واختلف إذا عجل المال، فقال ابن القاسم: يتحاصان 285. وقال غيره: التبدية 286 على حالها، وهو أحسن؛ لأن المراعى قصد الميت فيما جعل لهما ليس ما تطوع به الآخر بعد الموت، وإن عجل الميت العتق لأحدهما وأخر الآخر إلى سنة فأسقطت الورثة عنه الخدمة، أو جعل الخدمة لرجل سماه وأسقطها عنه لم يتحاصا، فكذلك تعجيل المال، وإن قال: أعتقوا هذا وضعوا عن هذا كتابته، يتحاصا، وإن قال: ضعوا عن هذا كتابته 287 وكاتبوا هذا، يدي من وضعت كتابته على من يكاتب.
واختلف إذا قال: كاتبوا هذا وأعتقوا الآخر إلى سنة , فقيل: يتحاصان ثم يعتق من كل واحد منهما في الحصاص بتلا 288، وقيل: يبدى المعتق إلى أجل لأن المكاتب يرقب فيه العجز فإن لم يحمله الثلث خُيِّر الورثة بين أن يعتقوه إلى الأجل، أو 289 تكون لهم الخدمة، أو يعتقوا ما حمل الثلث منه بتلًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 3612

واختلف إذا حمله الثلث، فقيل: يعتق إلى الأجل؛ لأن الميت لم يجعل له من المعتق أكثر من ذلك فلا يزاد على ما جعل له الميت بخلاف إذا لم يحمله الثلث، وقيل: يعتق بتلًا؛ لأنَّ الوصايا إذا عالت على الثلث ولم يجز الورثة خرجوا من ثلث الميت، فإن أعتق هذا إلى الأجل بقيت لهم الخدمة وهي بقية الثلث فيكونون لم ينفذوا وصية الميت ولا خرجوا من جميع الثلث، وهذا الجواب فيما كان في ملكه، وإن كانا في غير ملكه فقال: اشتروا عبد فلان وعبد فلان ثم أعتقوهما، والثلث قدر أحدهما ورضي السيدان بالبيع تحاصا، وإن لم يرض أحدهما أعتق جميع الآخر لأن الميت كان يترقب ألا يرضي أحدهما، وقيل في هذا الأصل: إنَّ للورثة أن يتحاصوا بما ينوب الآخر، قاله مالك فيمن أوصى لرجلين لكل واحد منهما بعشرة فلم يرض أحدهما هل يحاص بنصيبه ويكون الذي ينوبه كمال لم يعلم به؟ واختلف إذا كان أحدهما معينًا والآخر غير معين، فقال مالك: يبدأ بالمعين 290. وقال الليث وابن أبي حازم في كتاب محمد: يتحاصان.
والأول أحسن، وإنما الحصاص للمعينين؛ لأن كل واحد منهما يقوم بحقه ويقول: ليس هو أحق به 291 مني ولا مقال لغير معين، ولأن السلامة من عيب الشرك أولى؛ لأن عتق البعض ضرر عليه في الموارثة والخراج وكثير من أموره على أحكام العبدية 292. واختلف إذا كان أحدهما في ملكه والآخر معين في غير ملكه، فقال

الجزء: 8 - الصفحة: 3613

مالك: يتحاصان، وقال في كتاب (1) محمد: يبدأ بالذي في ملكه، وهو أبين لأن الميت مترقب في الذي في غير ملكه هل يباع أم لا؟ وليس يقصد أن يؤخر عتق من في ملكه، حتى ينظر هل يباع الآخر؟ وإن كان الذي في غير ملكه غير معين بدئ بمن هو في يديه قولًا واحدًا.

فصل [فيما إذا كانت هبات وبتلها معًا، وما إذا كانت مفترقة]

وإن كانت هبات وبتلها معًا تحاصا، وإن كانت مفترقة بدئ بالأول فالأول.
ويختلف إذا حوز 294 الثاني هل ينقض ويبدى الأول لأنه بمنزلة صحيح وهب هبة ثم وهبها لآخر وقبضها الثاني ثم تنازعاها ولم يقع فلس ولا موت، فاختلف هل يكون الأول أولى أو الحائز؟ وكذلك حوز الثاني لا ينقض ليتم حوز الأول 295؛ لأنه لو وهب في المرض هبة لرجل ثم وهبها لآخر وحازها الثاني ثم تنازعها من وهبت لهما لكانت على الخلاف؛ لأنه وإن كان هبة المرض لا تحتاج إلى حوز لما كانت في الثلث، فإنها بمنزلة الصحيح إذا حاز الثاني ولم يقع فلس ولا موت فلا يكون حوز الثاني في الهبة الثانية أدنى رتبة من الهبة الواحدة إذا حازها الثاني.
وإلى هذا ذهب ابن الماجشون إلى أنه يراعى الحوز في مثل هذا وإن كانت الهبة في المرض، وخالفه أصبغ 296. وإن بتل293

الجزء: 8 - الصفحة: 3614

هبة في المرض ووصى بأخرى يدي المبتل منها على الموصى له.
ويختلف إذا بتل واحدة في المرض وأخرى لبعد الموت هل يبدى ما بتله في المرض أو يتحاصا حسبما تقدم في المعتقين؟ وإن كان عتقًا وعطية وبتلهما معًا بدئ العتق.
قال ابن الماجشون لحرمته، وكذلك إن لم يكونا معًا وبدي العتق، وإن بتل الهبة ثم أعتق في مجلس آخر فإن كان قد حوز الهبة قبل العتق بديت.
ويختلف إذا لم يحوز الهبة، فقال أشهب وعبد الملك: تبدى الهبة على العتق، وعلى القول الآخر يبدى العتق؛ لأن العبد حائز لنفسه، وإن لم يحرم 297، وعلى القول الآخر إنَّ حوز الثاني فوت يمضي العتق، وعلى القول الآخر ينقض العتق لتتم الهبة، وإن باع في المرض وحابى كان حكم المحاباة حكم هبة التبتيل، فإن كان معه وصية بمال بديت المحاباة، وإن كان معه عتق بتل قارن 298 البيع يدي العتق، وكذلك إن بتل العتق قبل، ويختلف إذا كان العتق بعد المال 299. تمَّ كِتَابُ الوصايا الأول مِن التبصرة, والحمدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ

الجزء: 8 - الصفحة: 3615

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأول
باب في الوصايا ومنازلها في الوجوب والاستحباب والمنعفصل [في وصية المريض وما يعرض لها من جواز ومنع واستحباب]فصل [في وصية الصحيح إذا كان في ذمته حقٌّ لله سبحانه]باب فيمن أوصى أن تشترى رقبة لتعتق تطوعًا أو عن واجبفصل [فيما إذا طرأ دين لم يعلم به إلا بعد عتق الوصي]باب فيمن قال: بيعوا عبدي واشتروا عبد فلان للعتق أو لفلانفصل [في وجوه الوصية بشراء العبد]فصل [فيما إذا لم يحمل الثلث الوصية ولم يجز الورثة]باب [فيمن أوصى بعتق عبده، أو أمته، أو بيعهما للعتق (1) فكرها ذلكـ]باب [فيمن اشترى ابنه أو أخاه في مرضه، أو أوصى بشراء ذلكـ]باب [في التشهد في الوصية، وهل يشهد عليها وهي مختومة ولم يعرف ما فيها؟ وهل للموصي أن يرجع فيما بتله، وإن علق انفاذ الوصية بصفة هل تنفذ بغيرها؟]فصل [في الوصية إذا قال: ان مت من مرضي أو في سفري هذا فأنت حرٌّ ولم يكتب كتابًا]باب [في الوصية لغير عدل، وفي وصية الأم , والجد، والأخ , والوصية إلى الغائب، وفي تصرف الوصي في مال الميت، وما يوجب عزلته, وهل للوصي أن يقيم غيره مكانه عند السفر والمرض والموت؟]فصل [في الوصية إلى غير العدل]فصل [في صحة الوصية من الأب أو الأمِّ]فصل [في الوصية المطلقة والمقيدة]فصل [في تصرف الوصي]فصل [في التصرف في البيع والشراء إذا كانا وصيين]فصل [في عزل الوصي]باب فيمن أوصي بوصيةٍ وقال: أخبرت بها فلانًا فصدقوه , أو قال: جعلت له أن يجعلها حيث رأى, أو قال: من ادعي عليَّ بدين كذا وكذا, فصدقوهباب فيمن أوصى لأم ولده أو لزوجته بمال على ألا تتزوجفصل [في الوصي يقول بعد رشد يتيمه: دفعت إليه ماله وكذبه]فصل [فيما إذا قال أحد الورثة: هذا العبد وديعة عند أبي لفلان]باب فيمن أوصى لعبده أو لعبد وارثهفصل [في وصية الرجل لعبده ولعبد وارثه]باب فيمن أوصى بخدمة عبد، أو سكنى دار, أو عتق ما في بطن أمته وما تعلق بذلكفصل [فيمن أوصى بعتق أمة فولدت ولدًا، أو بعتق عبده فولد له من أمته ولدًا وأوصى بهما لرجل]فصل [فيمن أوصى بعتق جنين أمته أو أوصى به لفلان]باب في وصية المحجور عليه (1) والصبيباب في وصية المقتول للقاتل وما يتعلق بذلكباب في الموصى له يموت قبل الموصي أو بعده , ومن وصى لوارث فصار غير وارث، أو لغير وارث فصار وارثًا، وما يتعلق بذلكـ من نكاح أو هبةفصل [فيمن أوصى لأخيه وهو أحد ورثته ثم ولد له ولد]باب فيمن عال في وصيته (1) على ثلثه , وفي وصية من لا وارث له، وفي دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصيفصل [في دخول الوصايا فيما لم يعلم به الموصي]باب في التبدئة والحصاص في الوصايافصل [في حكم الوصية إذا كانت بأشياء متعددة ليس بعضها أولى من بعض]فصل [فيما إذا كانت هبات وبتلها معًا، وما إذا كانت مفترقة]
كتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل