كتاب المساقاة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
الجزء: 10 - الصفحة: 4689
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
كتاب المساقاة
باب القول (1) في جواز المساقاة
الأصل في ذلك حديث ابن عمر قال: "عَامَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خلافَةِ عُمَرَ، ثم أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء" 2، وقال أيضًا: لما ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خيبر كانت الأرض لله ولرسوله، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم بها على أن يكفوا نخلها ولهم 3 نصف الثمرة، فقال لهم: "نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" 4.1
الجزء: 10 - الصفحة: 4691
وحديث أبي هريرة قال: "قالت الأنصار (1) للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبيْنَ إِخْوَانِنَا مِنَ (2) المُهَاجِرِينَ النَّخِيلَ، فَقَالَ: "لاَ، تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ".
فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
فَكَانَتْ فِي أَيدِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ" أخرجه البخاري في كتاب الشروط وغيره (3).
فصل [في ما تجوز فيه المساقاة]
والمساقاة تجوز على النصف حسبما ورد في الحديث 8، وعلى الثلث والربع، وأكثر من ذلك وأقل؛ لأنها مبايعة، فجاز أن تكون من الرخص والغلاء على ما يتراضيان عليه؛ ولأن الحوائط تختلف في الأعمال، فمنها ما يقل تكلفه فيه فيقل جزؤه، ومنها ما يكثر تعبه فيه فيكثر جزؤه.
وقال مالك: لا بأس أن تكون المساقاة على أن جميع الثمرة للعامل 9.
قال ابن القاسم: لأنه إذا جاز أن يترك بعض الثمرة بالعمل جاز أن يتركها كلها 10.
قال مالك في كتاب ابن حبيب: وذلك أن من الحوائط ما لو اشترط567
الجزء: 10 - الصفحة: 4692
صاحبه من ثمرته شيئًا لم يجد من يساقيه عليه 11، ولا يقوى هو على عمله، وإن تركه هلك ومساقاته كله أنفع له بعد 12 اليوم.
انتهى قوله.
فعلى تعليله تكون مساقاة حقيقة، ويجبر العامل على العمل أو 13 يستأجر من يعمل إلا أن يقوم دليل على أنه أراد الهبة لقلة المؤنة وكثرة الخراج، فلا يجبر على العمل، ويجري على أحكام الهبة، ومتى أشكل الأمر حملا على المعاوضة، لقوله: أساقيك ورب الحائط أعلم بمنافعه وبمصلحة ماله، والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 4693
باب في مساقاة الحائط الغائب
وقال ابن القاسم في من ساقى حائطًا بالمدينة وهو بالفسطاط: إن وصف الحائط فلا بأس 14.
قال الشيخ 15: تصح المساقاة بشرطين: بمعرفة ما يتكلف من العمل، وبمعرفة ما يأخذه عن عمله من العوض.
فأمَّا ما يتكلف من العمل فيذكر ما فيه من الرقيق والدواب أو لا شيء فيه، والماء هل هو بالعيون أو بالغَرْب أو بعل 16، والأرض وما هي عليه من الصلابة وغيرها إذا كان يتكلف أن يقلّبها ويعمر 17 ما بين الشجر.
وأما العوض فيعرف أجناس الثمار، وعدد الشجر، وكم القدر المعتاد فيما يوجد فيها، وإن كان الحائط حاضرًا مشى فيه ونظر 18، ورآه وسأل صاحبه 19 عما يمكن أن 20 يخفى عليه من حمل النخل أو غير ذلك.
ويختلف إذا كان صاحب الحائط عالمًا بما يخرج، هل يجوز 21 إذا لم يعلمه 22
الجزء: 10 - الصفحة: 4694
قياسًا على البائع يعلم كيل صبرته ولا يبين ذلك للمشتري؟ وإذا كان هذا الحائط أول عام 23 يطعم فيه يسأل أهل المعرفة عن المعتاد في إطعام مثل هذا النخل أول عام، ثم يساقيه بعد المعرفة.
وإن كانت المساقاة عامين أو أعوامًا سئل: كم العادة فيما يتتقل إليه حاله ويزيد في كل عام في الغالب؟ فإذا عرف ذلك عقد السقاء، وإذا صحت المساقاة كان على العامل أن يسقي، إن كان بالعيون إذا جاءت تلك النَّوبة، وإن كانت له عيون 24 تخصه سقى على العادة، وكذلك إن كان بالغرب فإنه يسقي في الأوقات المعتادة، فإن كانت العادة 25 أربع سقيات في الشهر، فسقى ثلاثًا وعطل سقيةً من كل شهر لم يستحق الجزء المسمى كله، وإن 26 كان صاحب الحائط بالخيار بين أن يحط من الجزء المسمى ربعه، أو يُغرمَهُ قيمة تلك المنافع التي عطل، وهو بمنزلة رجل باع منافعه بعرض، ثم حبسها تعديًا حتى فات ما اشتريت به، فإن مشتريها بالخيار بين أن يفسخ عن نفسه البيع فيها ويسقط عنه الثمن، أو يغرمه قيمتها ويدفع ثمنها.
وقد قال ابن نافع: يحط من الجزء بقدر ما عطل.
وقال سحنون مثل ذلك في من ساقى زيتونًا على أن يحرثه سككًا فعطل بعضها، يحط من المسمى بقدر ما عطل.
ولم يتكلم إذا أحب 27 أن يدفع المسمى ويغرمه قيمة المنافع 28. وأصل قولهم 29 أن ذلك له.
الجزء: 10 - الصفحة: 4695
ولو ساقاه حائطًا غائبًا على أن يخرج ما فيه من العبيد والدواب ويأتي بذلك من عنده، على القول بإجازة ذلك، فلم يخرجهم وعمل ما بعدهم- كان صاحب الحائط بالخيار بين أن يحط عنه من المسمى بقدر ذلك؛ لأنه عطل ذلك، أو يُغَرِّمهُ قيمة عمل ذلك الرقيق والدواب ويوفيه المسمى 30.
وإن كانت المساقاة على أن يُبقي فيه رقيقه ودوابه، ثم تعدَّى صاحب المال فأخرجهم، وأتم العامل العمل من عنده- كان له أجر ما عمل، ولا يزاد في المساقاة على الجزء الأول؛ لأن ذلك الزائد لم يتعد 31 صاحب الحائط، بخلاف تعدي العامل إذا عطل.
ومن "العتبية" و"كتاب محمد" قيل لمالك: أرأيت إذا أتى الله عزَّ وجلَّ المساقاة بالسيل فدخل الحائط وأقام فيه أيامًا، أترى لصاحب الحائط أن يحاسبه بشيء من ذلك؟ قال: لا يحاسبه بشيءٍ من ذلك 32.
وأرى أن للعامل أن يأخذ جزأه كاملًا وإن لم يتكلف السقي بغرب ولا غيره.
والقياس أن يحاسبه بذلك إلا أن يكون العامل هو الذي رد الماء إلى الحائط، أويكون سقى الحائط بالعيون فلا يُحط عنه لمكان السيل شيءٌ.
الجزء: 10 - الصفحة: 4696
باب في رقيق (1) الحائط ودوابه وأجزائه، والحكم في خلف ما هلك من ذلك، وما يجب على العامل أن يعمله، واشتراط معونة صاحب المال
لا يخلو الحائط في حين 34 المساقاة من أربعة أوجه: إما أن تكون فيه كفاية من الرقيق والدواب، أو لا شيء فيه، أو فيه كفاية بعضه، أو فيه أُجرَاء يعملون 35 بأجر، فإن كان فيه كفاية 36 أو لا شيء فيه- جازت المساقاة على ما هو عليه، ولا يجوز أن يخرج من هذا ما فيه، ولا يعمد الآخر بما ليس فيه 37. وهذا قول مالك وابن القاسم.
وقد اختلف في هذين الموضعين، فقال ابن نافع ويحيى بن عمر في كتاب ابن مزين: إذا كان في الحائط رقيق لا يدخلون إلا بشرط، ولو اختلفا فقال رب الحائط: إنما ساقيتك على ألا يعمل رقيقي 38. وقال الآخر: على أن أعمل بهم، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقال ابن نافع: ولا بأس أن يشترط من الرقيق ما ليس فيه، فرأى مالك33
الجزء: 10 - الصفحة: 4697
أن ذلك سُنة تتبع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساقى خيبر وفيها 39 حوائط كثيرة، فلم ينزع لأحد ولا زاد لأحد، ومعلوم أنها لا تكون على صفة واحدة من العمارة، والقول الآخر أقيس.
وإذا جاز أن يساقي ما فيه كفاية على أن يكون على العامل ما سوى ذلك - جاز أن يعمر الخالي، ويجوز أن يخلي العامر قياسًا على ما هو على 40 الأول غير عامر، ولأنها إجارة يتعين العوض عنها بقدر ما يتكلف فيه فيرخص لما فيه 41 من الكفاية، ويزاد لعدمه.
وقد ذهب مالك مرة إلى القياس ولم يمر على ما وردت به السنة، فقال: إذا كان في الحائط رقيق، كان خلف ما هلك من ذلك على رب الحائط 42. وهذا هو القياس؛ لأنهما إن دخلا على أن يخلفا 43 -كان غررًا، فإن سلموا لآخر مدة 44 السقاء- لم يكن على العامل إلا ما يستوى 45 عملهم.
وإن هلكوا أو أبق العبد أو تلفت الدابة في أول العمل كان عليه أن يأتي بمثل ذلك 46 إلا أنه لم يرو عن النبي -عليه السلام- أنه أخلف لأحد من أهل خيبر شيئًا، وإن كان في الحائط بعض كفايته، كان مطلق المساقاة على قول مالك أن يغرما فيه والتمام على العامل، وعلى قول ابن نافع يكون ما فيه لرب الحائط،
الجزء: 10 - الصفحة: 4698
ويجوز أن يشترط تمام ما يحتاج إليه من ذلك 47 وإن كان في الحائط أُجَراء، والكراء غير وجيبة كان حكمه حكم ما لا رقيق فيه وإن كان وجيبة أو 48 إلى مدة تنقضي فيها المساقاة، كانوا كرقيق الحائط لا يصح إخراجهم على قول مالك 49، ويجوز على قول ابن نافع أن يخرجهم ويجعلهم يعملون له في غيره 50.
وإن انقضي أمد 51 الإجارة في نصف مدة السقاء كان ما بعد أمد الإجارة على الساقي قال 52: فإن مات أحد منهم 53 كان الخلف على رب الحائط إلى انقضاء أمد الإجارة.
واستحب 54 مالك إذا كان الحائط كثيرًا ولا رقيق فيه ولا دواب، أن يشترط العبد الواحد والدابة الواحدة 55. فإن اشترط من ذلك غير معين فأتى به، ثم هلك أو تلف- كان خلفه على رب الحائط، وإن كان معينًا فقال: هذا العبد أو هذه الدابة- لم يجز إلا أن يشترط على رب الحائط خلفه؛ لأن إطلاق 56 العقد يقتضي إذا كان معينًا أن عليه من العمل ما 57 بعده؛ فإن تلف
الجزء: 10 - الصفحة: 4699
في أول كل عام 58 كان عليه جميع العمل، وإن سلم إلى انقضاء السقاء، لم يعمل إلا ما بعده، وهذا غير، وليس الخلف في هذا بمنزلة من استأجر شيئًا بعينه؛ لأن العامل لم يشتر منافع شيء مما في الحائط، وإنما يعملون لربِّ الحائط في ماله، وإنما يدخل العامل على أن عليه من العمل ما بعد ذلك.
ولو أراد صاحب الحائط أن يخرجهم ويأتي بمن يعمل عملهم، لم يكن للعامل في ذلك مقال.
واختلف إذا اشترط العامل معونة 59 رب المال؛ فمنع ذلك ابن القاسم وقال: يرد العامل إلى مساقاة مثله 60.
وقال سحنون: يجوز إذا كان الحائط كبيرًا مما يجوز فيه اشتراط الغلام 61. والأول أحسن؛ لأن اشتراط معونة رب المال بمنزلة اشتراط غلام بعينه، فلا يجوز إلا أن يشترط الخلف، وإلى هذا ذهب ابن القاسم في "المدونة" فقال: لأن مالكًا أجاز اشتراط الغلام إذا كان لا يزول، وإن مات أخلفه، يقول: إنما أجاز ذلك مالك بشرط 62 الخلف، فلو شرط خلف رب المال إن مرض أو مات جاز 63.
وقال مالك في "العتبية" في رجلٍ قال لرجلٍ: تعال اسق أنا وأنت حائطي على أن لك نصف الثمرة، لا يصلح ذلك، قال: وإنما المساقاة أن يسلم الحائط إلى 64 الداخل 65. فجعله كالقراض، فعلى هذا لا يصلح وإن اشترط الخلف.
الجزء: 10 - الصفحة: 4700
فصل [في نفقة رقيق الحائط ودوابه وعماله]
واختلف في نفقة رقيق الحائط ودوابه؛ فقال مالك في "المدونة": ذلك على العامل ولا خير في اشتراطها على رب الحائط 66. وقال في "مختصر ما ليس في المختصر": هي على رب الحائط.
فقدم في القول الأول الحديث؛ لأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملته أهل خيبر أنه تكلف من ذلك شيئًا، وقدم في القول الآخر القياس؛ لأن رقيق الحائط ودوابه تعمل للمالك في ملكه، ومقتضى المساقاة تكلف العمل وأن يعمل ما بعدها، ولأنه يدخله بيع 67 الطعام بالطعام متأخرًا؛ لأن بعض الثمرة عوض عنه.
وقال ابن حبيب: إذا سوقي الحائط وفيه أجراء، أُجْرتُهم على رب الحائط، ولا يصلح أن تشترط على العامل، ونفقتهم وكسوتهم على العامل وإن لم يشترط عليه بمنزلة رقيق الحائط 68. يريد: إذا كانت الإجارة على أن نفقتهم على صاحب الحائط، وعلى أحد قولي مالك تبقى نفقتهم على الذي استأجرهم.
وإذا كانت الإجارة غير وجيبة فتركهم على 69 المساقي يعملون، ولم يعملوا بعقد السقاء- كان على المساقى لهم 70 إجارة المثل، كانت أقل من
الجزء: 10 - الصفحة: 4701
المسمى أو أكثر، فإن كانت أكثر من المسمى قال الأجراء: إنما عملنا بذلك بمعاقدة مع صاحب الحائط، وليس لك معنا عقد.
وإذا كانت أقل قال العامل: إنما تعديت على منافعي (1)، فعلي قيمتها (2)، ولا يلزمني المسمى؛ لأن العقد كان فيه مع غيري (3).
فصل [في ما يجب على العامل وصاحب الحائط]
فأما الدلاء والحبال إذا لم يكونا في الحائط -على العامل، فإن كانا فيه- كان على العامل ما بعد نفادهما 74، فإن سرقا كان الخلف على صاحب الحائط، فإن أخلف جديدين استعملهما المساقي 75 إلى أجل ما يرى أنه بقي من استعمال الأولين، ثم يأخذهما صاحب الحائط، ويأتي العامل بما يستعمل مكانهما حتى ينقضي السقاء؛ لأن الأمد الذي يستعمل فيه هذان معلوم، بخلاف العبد والدابة؛ لأن 76 حياتهما مجهولة، وقد يبقيا حتى تنقضي المساقاة أو يموتا قبل ذلك، فلو دخلا على حياتهما كان غررًا.
وكنس 77 البئر، والعين، وتنقية ما حول النخل ليستنقع فيها الماء، وبناء 78717273
الجزء: 10 - الصفحة: 4702
الزُّرنوق 79، والقفُّ 80 وإصلاحهما إن فسدا على صاحب الحائط، فإن شرط ذلك على العامل- جاز فيما قلت نفقته، ولم يجز فيما تكثر فيه النفقة، وهذا أصل قول 81 مالك، وقد تقدم في هذا القياس على الخبر؛ لأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر من يتكلف شيئًا من ذلك، والظاهر أن كل ذلك كان على العاملين.
واختلف قوله في الإبار، وهو التلقيح فجعله مرة على صاحب الحائط، ومرة على العامل 82. ومنهم من يتأول ذلك ويقول: معنى قوله: على 83 صاحب الحائط؛ الشيء الذي يلقح به، ومعنى قوله: على العامل، عملُ ذلك وتعليق ما يحتاج إلى تعليقه.
وليس بالبين؛ لأن الإبار هو الفعل.
وقال ابن حبيب: سَرْوُ 84 الشَّرَب على العامل 85. وهو أشبه، وقال مالك: على العامل الجداد والحصاد 86. وقال ابن القاسم: الدراس على العامل، قال: لأنهم لا يستطيعون أن يقسموه إلا بعد دراسه كيلًا 87.
الجزء: 10 - الصفحة: 4703
واختلف في عصر الزيتون، فقال ابن القاسم في المدونة، ذلك على ما اشترطا، إن 88 اشترطاه على العامل أو على صاحب الحائط فلا بأس 89. ولم يذكر الحكم في عدم الشرط.
وقال ابن المواز وسحنون: ذلك عليهما.
وقال سحنون: منتهى المساقاة جناه 90.
وقال ابن حبيب: العصر على العامل.
وإن شرط ذلك 91 على صاحب الحائط وكان له قدر لم يجز 92، وردَّ العامل إلى إجارة المثل.
إلا أن يكون تأولًا يسيرًا جاز 93، والأول أصوب، وإنما يتضمن المساقاة عمل ما تحتاج إليه الغلة وهي قائمة، فإذا زايلت الأصول- سقط عنه العمل، وكذلك أرى في الدراس أن يكون عليهما، وسواقط النَّخل: بلحه وليفه، وما يزال من جرائده، وينزع عنه التمر 94 من عراجينه، وتبن الزرع- بينهما، وكذلك ما يكون عن الزيتون بعد عصره.
الجزء: 10 - الصفحة: 4704
باب في مساقاة النخل إذا كان مختلفًا يطعم بعضه دون بعض
ومن "المدونة" 95 قال ابن القاسم فيمن ساقى حائطًا فيه نخل قد أطعمت، ونخل لم تطعم: لم يجز؛ لأن فيه منفعة لرب الحائط يزدادها على العامل في الحائط؛ لأن بيعه قد حلَّ، والحائط إذا أزهى بعضه ولم يزه بعضه- حلَّ بيعه 96.
قال الشيخ 97: مساقاة النخل على أربعة أوجه:
فتجوز في وجه، وهو: إذا كان كثيرًا قد بلغ حدَّ الإطعام، عجز عنه صاحبه أو لم يعجز، كانت فيه ثمرة أو لم تكن، السنة والسنتين أو أكثر من ذلك.
ويمنع في ثلاث مسائل، وهي: أن يكون وديًا لم يطعم، أو كبيرًا وفيه ثمر قد بدا صلاحه على اختلافٍ في هذا الوجه.
ويمنع أن يجتمع 98 في سقاء واحد ما بدا صلاحه وما لم يبد صلاحه، وإذا كان كذلك، فإن الحائط إذا أطعم بعضه دون بعض على ستة أوجه: فإن كان قد أزهى بعضه، وليس بباكور وهو جنس واحد- جاز بيع جميعه 99، وإذا جاز بيع جميعه لم تجز مساقاته على قول مالك في "المدونة" 100. وقال في "كتاب
الجزء: 10 - الصفحة: 4705
محمد" فيمن ساقى حائطًا بثمرة من حائط آخر على أن لصاحب الأصل نصف الثمرة أو أقل أو أكثر، فقال مالك: إذا كان ذلك بعد أن طابت ثمرة صاحب الحائط 101 الذي يعطى منه فلا بأس إذا كان السقي معروفًا فهو بمنزلة الأجرة 102 وأجازه سحنون أيضًا وقال: هذه إجارة، وهو بمنزلة البيع فكما جاز أن يبيع نصفها فكذلك يجوز أن يؤاجره بنصفها.
وإن كان الذي طاب باكورًا وهو بعيد اللحوق بما لم يطب، وكانت المساقاة على أن يسقي جميع الحائط ويأخذ الجزء مما طاب خاصة- جاز ذلك، وتكون إجارة بمنزلة من أعطى حائطين قد طاب أحدهما على أن يأخذ الجزء مما طاب خاصة ومما لم يطب- لم يجز 103. وإن كانت المساقاة على أن يسقي جميعه ويأخذ الجزء مما لم يطب خاصة، أو مما طاب ومما لم يطب- لم يجز ذلك 104. وإذا كانت المساقاة على أن يسقي ما طاب وحده، ومنه يأخذ جزأه- جاز 105 على أحد قولي مالك.
وإن كانت على أن يسقي ما لم يطب ومنه يأخذ جزأه- جاز قولًا واحدًا، وإنما لم يجز أن يسقي الحائط على أن يأخذ الجزء من الثمر 106 مما طاب ومما لم يطب؛ لأنها صفقة جمعت مساقاة وبيعًا، وهو أيضًا جُعْلٌ وبيعٌ، ويدخله مساقاة ما لم يطب بجزء من غيره؛ لأن أجرة ما طاب أقل، وخدمة ما لم يطب أكثر،
الجزء: 10 - الصفحة: 4706
وكل هذا إذا كان كل واحد منهما كثيرًا؛ لأنه مقصود في نفسه.
وإن كانت المساقاة على أن يسقي جميع الحائط، ويأخذ جزأه مما لم يطب وهو الأكثر، والذي طاب يسير مختلطًا بما لم يطب جاز.
قال مالك في "كتاب محمد" فيمن ساقى نخلًا وفيها رمان قد طاب وهو لصيق النخل ومعها يشرب فذلك جائز، وهو لربِّ النخل، ولا يصلح للعامل أن يشترط منه شيئًا 107. ومحمل قول مالك في جواز مساقاة ما قد طاب، إذا لم يكن في الحائط رقيق ولا دواب، أو كانوا فيه وشرط إطعامهم على صاحب الحائط، فإن شرط على العامل فسد، ودخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وعلى قول مالك في مساقاة ما صلح من الثمار: أنها إجارة، تكون الجائحة إن أجيحت قبل اليبس من صاحب الحائط، ويرجع العامل بقيمة إجارته في جميع الثمرة؛ لأنه إنما يسقيها بماء البائع وعمله في ذلك تبع.
الجزء: 10 - الصفحة: 4707
باب في المساقى يعجز عن العمل قبل صلاح الثمرة أو بعده أو يموت وفي الإقالة من المساقاة والعامل يساقي صاحب الحائط أو غيره
108
وقال ابن القاسم في المساقى يعجز بعد صلاح الثمرة فإنه: يباع نصيبه ويستأجر عليه منه، فإن كان فضل كان له، وإن كان نقص اتبع به 109.
وقال سحنون: إذا عجز رُدَّ إلى صاحبه، بمنزلة ما إذا عجز قبل صلاحه، قال: والمساقاة أولها لازم كالإجارة، وآخرها إذا عجز كالجعل يسلم لربه ولا شيء له.
والقول الأول أبين، وقد يخالف 110 هذا الجعل؛ لأنه عقد لازم لا خيار فيه قبل العمل، ويجبر العامل على العمل ويباع فيه ماله حتى يعمل وإذا كان ذلك، كان من حق صاحب الحائط أن تباع الثمرة ويتم له العمل.
وأجاز ابن القاسم أن تعمر ذمة العامل مع فقره؛ لأنها ضرورة إن لم يمكن من ذلك هلكت ثمرته.
وأرى أن يكون صاحب الحائط بالخيار بين ثلاثة: بين أن يباع ذلك النصيب بالنقد ويستأجر بالثمن كما قال ابن القاسم، أو يباع بثمن مؤجل ويجعل الأجل إلى اليبس والجداد ويستأجر أجيرًا إلى مثل ذلك، على أن الأجرة مؤجلة إلى الأجل الذي اشترى إليه المشتري، فإن وفى العمل وزن
الجزء: 10 - الصفحة: 4708
المشتري 111 وقبض الأجير، أو يباع ممن يعمل بذلك الجزء على وجه الإجارة ليس على وجه المساقاة؛ لأنه لا فرق بين بيعها بعين أو بمنافع، ولا فرق في جواز الإجارة بعين أو بثمرة، فإن كان الثمن لا يوفي ولم يرض صاحب الحائط بالسلف- رد إليه الحائط، ثم يختلف هل يكون له عن ذلك العمل 112 عوض أم لا؟
وقال ابن القاسم: إذا عجز قبل صلاح الثمرة ساقى من أحب أمينًا، فإن لم يجد أسلم الحائط إلى صاحبه 113.
قال الشيخ: للمساقي أن يساقي غيره عجز أو لم يعجز؛ لأن العمل في الذمة، ويجوز له أن يدفعه لأمين وإن لم يكن مثله في الأمانة، فإن عجز ولم يجد من يأخذه إلا بمثل الجزء الأول، كان صاحب المال بالخيار بين أن يساقى على ذلك أو يردّ إليه، ويكون أحق بما ساقى به غيره.
وإن كان لا يجد من يأخذه إلا بالثلثين، أو لم يجد من يأخذه إلا على وجه الإجارة- كان صاحب المال بالخيار بين أن يساقيه على ذلك 114 ويحبس السدس، أو يستأجر عليه ويسلفه حتى تباع الثمرة بعد الطيب، فإن لم يف بالسلف اتبعه بالباقي، وبين أن يسترجع حائطه ولا شيء للعامل، وإن مات العامل قبل تمام العمل وخلف يسارًا 115، استؤجر منه حتى يتم العمل، رضي الورثة أو كرهوا؛ لأن العمل مضمون في الذمة، وإن لم يخلف مالًا وعجز الورثة عن القيام به سلم الحائط لصاحبه ولا شيء
الجزء: 10 - الصفحة: 4709
للورثة، وهو قول مالك وابن القاسم.
والقياس أن يكون للعامل على 116 الماضي إذا عجز، ولورثته إذا مات، ولم يخلف شيئًا إذا أتم العمل صاحب المال، وسلمت الثمرة قيمة 117 ما انتفع به من العمل الأول قياسًا على قولهم في الجعل على حفر البئر، ثم يترك قبل تمام العمل اختيارًا، وأتم العمل صاحب البئر: أن للأول بقدر ما انتفع به من عمله، فمن غلب على العمل أعذر.
وأولى أن يكون له بقدر ما انتفع به من عمله 118، ولا يذهب عمله باطلًا فيأخذ ذلك عينًا؛ لأن الثمرة لا تستحق إلا بتمام العمل.
وقال ابن كنانة في "كتاب المدنيين" في شريكين في زرع عجز أحدهما، قال: يقال للشريك أنفق، فإذا بلغ بع، فإن عجز عما أنفق أتبعه بالباقي؛ لأن العمل كان يلزمه وإن كره، وليس مما يستطاع أن يقسم وإن ترك هلك 119.
وللعامل أن يساقي صاحب الحائط على مثل الجزء الأول عمل أو لم يعمل، ويفترق الجواب إذا اختلف الجزء الأول 120: فإن أخذه على النصف ورده على الثلث واستفضل سدسًا جاز إذا لم يعمل، ويختلف فيه إذا عمل فظاهر قوله في "المدونة" أنه جائز، ومنع ذلك مالك في "العتبية" قال أشهب: لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك 121 أن يسقي فيبيع 122 شهرًا ثم
الجزء: 10 - الصفحة: 4710
يعيده إليه 123 قبل طيبه ويأخذ جزءًا بعد الطيب.
وإذا انقضى العام الأول جازت الإقالة إذا لم يعمل من الثاني، ويختلف إذا عمل من العام 124 الثاني، ثم أقاله بجزء موافق أو مخالف يأخذه على النصف وحده 125، ويرده على أن لربِّ 126 الحائط الثلث.
وعلى قول مالك في "العتبية" لا تجوز الإقالة إلا بشرطين: إذا 127 كانت قبل أن يعمل من العام الثاني، والجزء موافق للأول، فإن عمل من الثاني لم تجز عنده الإقالة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا من الأول على أن يعملا 128 عامًا وبعض آخر 129 بثمرة عام، وفي ذلك زيادة من العامل 130، ويتهمان إذا رده على الثلث أن يكونا عملا على أن يسقي عامًا وبعض آخر، ليأخذ من ثمرة الأول النصف، ومن ثمرة الثاني السدس.
وقال محمد فيمن أخذ حائطًا على النصف فرده على أن 131 الثلثين لصاحب 132 الحائط: لا بأس به إذا كانت الزيادة من الحائط بعينه وهذا وهم وغلط في الحساب، ولا يصح أن تكون الزيادة من الحائط؛ لأن لصاحب الحائط من الثمرة النصف، فكيف يزيده من نصيبه؟ ولا يصح أيضًا أن يدفعه
الجزء: 10 - الصفحة: 4711
لغير صاحب الحائط على أن الثلثين للثاني؛ لأنه إن شرط ذلك السدس من تلك الثمرة كان قد باع على صاحب الحائط ما لم يبعه منه، وإن اشترط أن يدفع ذلك من ذمته كان بيع الثمرة على جزأين 133: جزء من الحائط، وجزء من الذمة، وذلك فاسد.
وقال ابن القاسم في المساقي يتبين أنه سارق مبرح يخاف أن يذهب بالثمرة أو يقلع الجذوع، وفي المكتري دارًا 134 يخاف أن يبيع 135 أبوابها، قال: ليس له أن يخرجهما من المساقاة والكراء وليتحفظ منهما 136. وقد قال مالك في من باع سلعة من رجل مفلس بثمن إلى أجل ولم يعلم بفلسه: إن البيع لازم 137.
وفي كل هذا نظر، وهذا عيب على المكري 138 والمساقي، وليس يقدر على التحفظ من السارق، وليس عليه أن يتكلف التحفظ منه.
وأرى أن تكرى 139 الدار عليه، ويساقى الحائط، وهو في المساقاة أشد ضررًا؛ لأنه يخفي ما سرق منه، وصاحب الحائط بالخيار بين أن يساقيه أو يستأجر عليه بالعين، فيعمل في ذلك على ما هو أحسن له، وللعامل الأول ولمن باع من مفلس وهو لا يعلم:
الجزء: 10 - الصفحة: 4712
أن يرد البيع إن شاء ولو كان المشتري مشكوكًا في يساره بما 140 يشتريه، لم يجز البيع إلا بعد معرفته بذمته؛ لأن الثمن إذا بيع من الموسر بخلافه من المعسر، وقد قال مالك فيمن وكَّل رجلًا على أن يأخذ له سلمًا، فقال المسلم: إن أقرَّ لي 141 وإلا فأنت ضامن لم يجز؛ لأنه لا يدري على أي الذمتين دخل.
الجزء: 10 - الصفحة: 4713
باب في المساقاة الفاسدة
ولا تجوز المساقاة على أن يبدأ أحدهما بمكيلة، ثم الباقي بينهما أنصافًا أو أثلاثًا، ولا بأس أن يساقى على أن لأحدهما جزءًا من عشرة أو أكثر، والباقي بينهما نصفين؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء معلوم: لأحدهما خمسة ونصف، وللآخر أربعة ونصف.
قال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إن قال: اسق 142 هذا النخل وأصلحه وألقحه ولك من كل نخلة عَذق، فلا خير فيه، فإن قال: لك 143 من كل نخلة مدّ جاز.
فأجرى الجواب في هذا مجرى الجعالة فيمن قال: بعْ هذا ولك من ثمنه درهم، فهو إن باع أخذ الدرهم من ذلك الثمن، وإن لم يبع أو باع وذهب الثمن منه قبل أن يوصله إلى ربه- لم يكن له شيء، وكذلك الثمرة إن سلمت أخذ ذلك المد، وإن لم تسلم فلا شيء له.
وإن قال: اسق هذين الحائطين على أن ثمرة هذا لك، وهذا لي- لم يجز؛ لأنه غرر، فقد يصيب أحدهما ويخطئ الآخر، فإن نزل كان أجيرًا فيهما، وهذا قول ابن القاسم، فأمَّا ما عمله لصاحب الحائط فله أجره ولا خلاف في ذلك.
ويختلف فيما عمله لنفسه إن أجيحت ثمرته، وألا شيء له أحسن؛ لأن صاحب الحائط لم يساقه فيه، وإنما باع منه ثمرة بيعًا فاسدًا، فإن أجيحت لم يكن له في ذمة البائع شيء، وإن سلمت الثمرة كان له أجر مثله ما لم يجاوز الثمرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4714
وإن قال: ثمرة هذا الحائط بيننا، وثمرة هذا الآخر لي أو لك 144 - لم يجز، ويكون للعامل أجره في ثمرة الحائط الذي شرطا ثمرته لأحدهما حسب ما تقدم.
فإن شرطاها لصاحب الحائط كان له أجره وإن جاوزت الثمرة.
وإن شرطاها للعامل كان له أجره ما لم يجاوز الثمرة.
ويختلف في الذي شرطا ثمرته بينهما هل يكون فيه أجيرًا أو على مساقاة مثله؟ وأرى أن يكون للعامل الأقل من المسمى، أو مساقاة المثل، إن شرطا المنفرد لصاحب الحائط، وإن شرطاه للعامل كان له الأكثر.
وقال ابن حبيب: إذا كانت المساقاة على أن البرني بينهما وما سواه 145 لصاحب الحائط: كان في البرني على مساقاة المثل.
وفي الآخر أجيرًا.
وإن كان ما سواه للعامل كان أجيرًا في الجميع؛ لأن الزيادة إذا كانت لرب المال أخف؛ لأنه يعود إلى تقليل جزء الثاني، وإذا كانت الزيادة للعامل كان أجيرًا؛ لأنه شرط أن تكون الزيادة من غير الحائط.
وقال ابن القاسم فيمن دفع نخلًا مساقاة خمس سنين وفيها بياض على أن يعمله العامل لنفسه أول سنة، ثم يرجع البياض إلى صاحب الحائط يعمله لنفسه لم يجز لأنه غرر، قال: وكذلك لو كانا حائطين يعملهما العامل سنة 146 ثم يجد 147 أحدهما، ويعمل في الآخر سنة لم يجز 148.
الجزء: 10 - الصفحة: 4715
وقال ابن حبيب: إن فات بالعمل قبل مساقاتهما جميعًا أول سنة 149 فإن قيل: النصف، كان له فيهما في تلك السنة النصف، ثم يقال: ما مساقاة الذي بقي في يديه وحده سنتين؟ فإن قيل: الثلث؛ كان له في هذه السنة وحدها 150 الثلث.
وهذا صحيح؛ لأنه قد استحق النصف في أول سنة قبل أن يشرع في الثاني، ثم قوم الثاني عامين؛ لأن مساقاة الحائط عامًا واحدًا، بخلاف مساقاته عامين؛ لأن السنين يحمل بعضها عن بعض كما قيل فيمن ساقى حائطًا عامين مساقاة فاسدة فعمل عامًا، فلا ينزع من يده حتى يُتِمَّ العام الآخر.
وقال ابن القاسم فيمن ساقى حائطًا ثلاثة أعوام وفيه في العام الأول ثمرة قد طابت كان أجيرًا 151 في العام الأول، وفي العامين على مساقاة المثل، فإن نظر في ذلك في أول عام 152 ولم تجد الثمرة أعطي أجر مثله ولم يمكن من التمادي، وإن لم ينظر في ذلك حتى شرع في العام الثاني لم ينتزع منه حتى يتم الثالث 153. وهذ الجواب في كل موضع يرجع فيه إلى أجر المثل فإنه يعطى أجره عن الماضي، ولا يُمَكَّنَ من التمادي.
وكل موضع يكون فيه على مساقاة المثل لا ينتزع منه بعد العمل حتى يتم ما دخل فيه؛ لأن مساقاة المثل إنما يأخذها جزءًا من عين الثمرة، فلو أخرج قبل تمامها ذهب عمله باطلًا، والإجارة متعلقة بالذمة دنانير أو دراهم، فإذا خرج قبل تمام العمل لم يذهب عمله باطلًا.
وأرى في كل موضع يرد فيه إلى مساقاة مثله تكون مساقاة المثل فيه أكثر من المسمى
الجزء: 10 - الصفحة: 4716
أن يرد في عمله كله إلى إجارة المثل؛ لأنه إن أعطي الزائد على المسمى كان قد بيع على صاحب الحائط من الثمرة ما لم يبعه منها، وإن قصر العامل على المسمى ظلم، إلا أن يرضى العامل بالمسمى ويسقط مقاله في الزائد، أو يرضى صاحب المال أن يدفع ذلك الزائد ثمرة، أو يكون الزائد الشيء اليسير.
وقال مالك فيمن له حائط تهوّر بئره ولجاره بئر، فقال له جاره: أنا آخذ حائطك مساقاة وأسقيه بمائي: لا بأس به، قال ابن القاسم: فأجاز هذا على وجه الضرورة 154.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: معنى ذلك إذا كان الماء الذي يسقي به هو فضل بئره؛ لأن لصاحبه أن يأخذه منه على ما أحب أو كره.
فأجازه مالك لأنه لم يزد ذلك 155 عليه بالمساقاة شيئًا، ثم سمعته بعد ذلك يقول: ما يعجبني مسألة مالك؛ لأنه إنما له أن يأخذ ماءه حتى يصلح بئره، وهذا يتركها ولا يعمل 156.
الجزء: 10 - الصفحة: 4717
باب في زكاة الحائط المساقي
157
وتزكى ثمرة الحائط المساقى على ملك صاحبها، فإن كان جميعه خمسة أوسق كان فيه الزكاة، وإن لم يَنُبْ كل واحد إلا وسقان ونصف.
ويزكي العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا.
وإن كان الحائط لعبد أو نصراني لم يزك العامل وإن صار له نصاب وهو حر مسلم، وهذا قول مالك، ورأى أن نصيب العامل إنما يطيب على ملك الدافع، ولهذا قال: إذا أجيحت الثمرة سقط عنه العمل.
وقال أشهب في "كتاب محمد": سألت مالكًا عن المساقى في النخل وغيره تصيبه جائحة أترى فيه 158 جائحة؟ فقال: لا، فقلت: أرأيت الجائحة إذا أصابت الثمرة، أللمساقى أن يخرج؟ قال: لا.
فجعل عليه العمل وإن أجيحت الثمرة.
وهذه الرواية تقتضي أن يكون طيب 159 نصيب العامل على ملكه، وأن يسقيها من الآن لنفسه، ويكون فيها كالشريك، ولا تجب الزكاة إلا على من في نصيبه نصاب إن اختلفت أجزاؤها، وإن أصابا أربعة أوسق ولكل واحد منهما نخل بانفراده، وفيها من الثمرة ما إن أضافه إلى نصيبه من المساقاة كان نصابًا- فإن الزكاة تجب 160 عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4718
فصل [في اشتراط الزكاة من صاحب الحائط أو المساقي]
ويجوز لصاحب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل، وللعامل أن يشترط الزكاة 161 على صاحب الحائط، وقال في كتاب محمد: لا يجوز أن يشترط ذلك العامل على رب الحائط 162 ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] والأول أحسن؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء يقل للعامل إذا اشترط عليه ويكثر إذا اشترط على رب الحائط.
واختلف إذا كانت الثمرة أقل من نصاب، فقيل: يقتسمان الثمرة على عشرة أجزاء، ستة لصاحب الحائط، وأربعة للعامل.
وقيل: اتساعًا على حسب ما كانا يقتسمان ما بعد الزكاة.
وقيل: نصفين.
والأول أقيس؛ لأن الزكاة إنما تخرج عن رب الحائط ولا شيء للعامل فيها، ألا ترى أن الزكاة تجب إذا كان جميعًا خمسة أوسق، وتجب على العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا؟
ويختلف أيضًا إذا كانت المساقاة على النصف فأصاب أقل من نصاب، فعلى القول الأول يكون لصاحب الحائط خمسة ونصف، وللآخر أربعة ونصف؛ لأن الزكاة لو كانت نصابًا إنما تؤخذ عن ملك صاحب الحائط، وقد كان له خمسة ونصف ويُخْرِج منها جزءًا عن الزكاة عن ملكه، وإذا كان دون النصاب كان له.
الجزء: 10 - الصفحة: 4719
باب في المساقاة إلى أجل، ومن أعطى أرضًا لمن يغرسها ثم تكون في يديه مساقاة
المساقاة إلى أجل السنتين والثلاث على وجهين: فإن أريد انقضاء السقاء بانقضاء الثمرة التي تكون في تلك السنين جاز، وإن كان القصد التمادي بالعمل إلى آخر شهور تلك السنة وإن جذت الثمرة- لم يجز، وكان العامل في السنتين: الأولى على مساقاة مثله، وفي العام الآخر من حين تجد الثمرة إلى آخر ذلك العام على إجارة المثل؛ لأن الثمرة التي تطيب بعد انقضاء المدة التي ضربا لم يبعها منه، ولو رد فيها إلى مساقاة المثل لأعطي ما لم يشتره، وبيع على الآخر ما لم يبعه.
وقال مالك في "كتاب محمد" في من ساقى حائطًا من صَفَر سنة إحدى وسبعين ومائة إلى صَفَر من سنة ثلاث وسبعين، فإن وافى الأجل قبل طيب الثمرة وقبل جدادها - لم تخرج من يديه حتى يستكمل المساقاة فيه، وحتى يتم جداده.
ومحمل قوله على أن الجداد قريب من انقضاء ذلك الأمد، وهي 163 أنهما كانا يريان أن الثمرة تطيب في تلك المدة فيكونان قد قصدا إلى بيعها، ولو كان الطيب يتأخر عن تلك المدة بالشيء البيّن لم يصح ذلك؛ لأنه استعمله على بيع منافعه في تلك المدة؛ ليأخذ ثمرة عامين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4720
فصل [في المساقاة إلى أجل]
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن أعطى أرضه لمن يغرسها: فإذا بلغت كانت في يديه مساقاة عشر سنين لم تجز 164.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: فإن نزل هذا وكان الغرس من عند صاحب الأرض، كان الغارس 165 أجيرًا فيما عمله قبل أن يطعم، ويخرج متى عثر على ذلك، ما لم يبلغ الإطعام فيها، فيبقى في يديه على مساقاة المثل بقية ذلك الأجل، وقيل في مثل هذا: يكون له الأقل من المسمى أو سقاء المثل.
واختلف إذا كان الغرس من عند العامل وفات بالعمل، فقيل: ذلك فوت، وله قيمته وقت وضعه في الأرض وقيمة خدمته إلى وقت يخرج من العمل، ما لم يبلغ الإطعام فيمضي على مساقاة المثل.
وقيل: ليس ذلك فوتًا؛ لأنه باعه بيعًا فاسدًا 166 على أن تبقى يده عليه ينتفع بثمرته بعد الطيب، وذلك تحجير عليه من بائعه، وليس بتمكين تام، والغرس له، وعليه قيمة ما أصلحت الأرض ونمت فيه، وله قيمته يوم يخرج عن الأرض قائمًا؛ لأنه غرسه بوجه شبهة وبإذن من مالك الأرض، ويبقى هناك للأبد.
وقيل: قيمته مقلوعًا، والأول أبين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4721
باب في عقد المساقاة هل تلزم بالقول؟ واختلاف المساقيين قبل العمل وبعده
المساقاة تلزم بالعقد، وهو قول مالك وابن القاسم.
وقال أشهب في "العتبية" فيمن أخذ حائطًا مساقاة فلم يعمل حتى خرج منه (1) لصاحب الحائط بربح سدس الثمرة: لا بأس بذلك في قول من يقول: إن السقاء إذا وجب بينهما لم يقدر واحد منهما على الترك وإن لم يعمل فيه (2). فأبان أنها مسألة خلاف.
وقال سحنون: أولها لازم كالإجارة، وآخرها إذا عجز كالجعل؛ لأن الجعل إذا ترك قبل تمامه لم يكن له فيما عمل شيء.
فصل [في الدعوى في المساقاة]
الاختلاف في المساقاة 169 من ثلاثة أوجه: أحدها في الجزء، والثاني في دفعه، والثالث في الصحة والفساد، فإن اختلفا في الجزء، فقال صاحب الحائط: لك الثلث، وقال الآخر: النصف، فإنْ كان اختلافهما قبل العمل وأتيا بما يشبه تحالفا وتفاسخا.
وإن اختلفا بعد العمل كان القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه وأتى الآخر بما يشبه حلف، ولم يكن للعامل إلا ما حلف167168
الجزء: 10 - الصفحة: 4722
عليه صاحبه، فإن نكلا عن اليمين وأتيا بما لا يشبه رُدَّ إلى مساقاة المثل.
ويختلف إذا أتى أحدهما قبل العمل بما يشبه دون الآخر، هل يكون القول قوله مع يمينه وتثبت المساقاة، أو يتحالفان ويتفاسخان؟ فعلى ما ذكره أشهب يكون كالقراض إن رضي أحدهما بما قال الآخر وإلا رد بغير يمينٍ.
وإن قال صاحب الحائط: كانت المساقاة على أن يبدأ العامل بمكيلة كذا، والباقي نصفين.
وقال الآخر: بل الجميع بيننا نصفين، ولا تبدية لي عليك 170. فقد أقر له بأكثر فكان القول قول مدعي الصحة 171، وسواء كان اختلافهما قبل العمل أو بعده، ويحلف 172 على ذلك قبل تمام العمل، وأما بعده: فإن كانت مساقاةُ مثله النصفَ فلا يمين عليه 173، وإن كانت مساقاةُ المثل أكثرَ من النصف حلف صاحب الحائط 174، وإن نكل حلف العامل وأخذ الفضل، وإن قال العامل: شرطت أن أبدأ بمكيلة، والباقي بيننا نصفين، وقال الآخر: نصفين 175 من غير تبدية- كان اختلافًا في الثمن، فيحلف مع القيام مدعي الفساد وحده، وتفسخ المساقاة؛ لأن منزلة من ادعى الفساد منزلة من أتى بما لا يشبه في الثمن، والسلعة لم تفت 176. فإن قال صاحب الحائط: لي صنف كذا، ولك صنف كذا، وقال الآخر: على أن 177 الجميع بيننا نصفين- كان القول قول
الجزء: 10 - الصفحة: 4723
صاحب الحائط مع يمينه، وإن كان مدعي الفساد؛ لأنه لم يقر ببيع شيء من الصنف 178 الذي ادعاه العامل.
وقال مالك في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه سنة أو أكثر، ثم قال العامل بعد فراغها: لم تدفع إليَّ من الثمرة شيئًا؟ فقال: إذا جد- فلا شيء عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4724
باب في المساقى يعري ما سوقي عليه
ولا بأس أن يعري العامل جميع حظه من المساقاة أو جزءًا منه: نصفه، أو ربعه، أو أكثر، أو أقل، أو جزءًا من نخلة 179، أو نخيل بعينها.
وإن أعرى جميع نخلة أو نخيل- جاز قدر نصيبه منها، وليس للمُعْرَى أن يقول بجميع نصيب العامل من جميع المساقاة في هذه النخيل حتى تكمل عريتي 180، وكذلك لو كان المعري هو صاحب الحائط، فالجواب فيه على ما تقدم إن أعرى جميع حظه أو بعضه أو شيئًا بعينه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4725
باب في مساقاة المديان والمريض
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن عليه دين يحيط بماله ثم ساقى حائطه: ذلك جائز، بمنزلة أن لو أكرى أرضه أو داره وعليه دين، فإن قام الغرماء بعد ذلك لم يفسخ الكراء ولا المساقاة، وإن ساقى أو أكرى بعد أن أقام عليه الغرماء، كان لهم أن يردوا فعله 181.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إذا عقده قبل قيام الغرماء عقدًا يمنع من بيع الرقاب- كان لهم أن يردوا عقده في الكراء والمساقاة؛ لأنه يتهم أن يكون فعل ذلك ضررًا بهم، فيمنعون من تعجيل أخذ ديونهم، وإذا كانت المساقاة قبل الدين أو بعده وفي يديه ما يوفي بدينه ثم طرأ عليه ما أذهب ذلك المال- لم ترد المساقاة قبل أمدها أو بعد، وكان مقاله في بيع الحائط دون نقض 182 المساقاة، وسواء كان قيامهم قبل العمل أو بعده.
فقال ابن القاسم: يباع على أن هذا مساقى كما هو، قال 183: وليس هذا باستثناء 184. وقال غيره: لا يجوز البيع ويبقى موقوفًا إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: وإن كانت المساقاة عامًا واحدًا والثمار مزهية جاز بيع الأصل قولًا واحدًا، ثم ينظر في بيع نصيب المفلس من الثمرة، فإن كان بيعها على الانفراد أثمن بيعت على الانفراد، وإلا بيعت مع الأصول، وإن
الجزء: 10 - الصفحة: 4726
كانت الثمار مأبورة جاز بيع الأصل بغير خلاف.
ويختلف في إدخال نصيب المديان في البيع مع الأصل، فأجازه ابن القاسم وقال: ليس هذا باستثناء يؤثر 185 في نصيب العامل إذا لم يدخل في البيع 186. وهو أحسن؛ لأنه قد سبق بيعه بوجهٍ جائزة وإنما يكون الاستثناء فيما بقي على ملكه وهو قادر على أن يدخله في البيع، ويجوز ذلك أيضًا على مذهب أشهب؛ لأنه يجيز ذلك وإن لم تكن مساقاة، إن استثنى نصف الثمرة، وإن أحب المفلس أن يؤخر بيع الثمار حتى تطيب؛ لأنه أثمن، ودعا الغرماء إلى إدخالها في البيع مع الأصل كان ذلك لهم؛ لأن من حقهم أن يباع لهم الآن كما قدر على بيعه، ولا يؤخر لسوق يرجى في ذلك، وإن كانت الثمار غير مأبورة كان الخلاف في بيع الرقاب.
فعلى قول ابن القاسم يجوز بيع الرقاب، ونصيب العامل المفلس 187 من الثمرة، بخلاف ما لم يعقد فيه مساقاة، وعلى قول غيره يوقف بيع الأصل و 188 الثمرة؛ لأن عنده لا يجوز استثناء بعض الثمرة.
وقول ابن القاسم أحسن، وقد تقدم وجه ذلك.
وكذلك إذا كانت المساقاة سنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فيجوز على قول ابن القاسم بيع الرقاب، ونصيب الغريم من الثمرة دون نصيب العامل، وعلى قول غيره يمنع البيع جملة.
واختلف في مساقاة المريض، فقال ابن القاسم: لا بأس بذلك، وإن كان
الجزء: 10 - الصفحة: 4727
فيها محاباة كانت في الثلث 189.
وقال ابن عبدوس: أنكرها سحنون، ولا أحفظ عنه فيها تفسيرًا، والذي أعرف من مذهبه أنه إن زاد على مساقاة مثله بِأَمْرٍ بَيَّنٍ فذلك مثل هبته وما أنفد من عطيته، فيوقف السقاء إلى ما لا يطول ولا يدخل على صاحب الحائط مضرة، فإن صح كانا على شرطهما، وإن مات قبل القسم وحمل ثلثه الحائط تمَّ ما صنع، وإن لم يحمله وحمل المحاباة لم ينظر في ذلك، وخير الورثة بين أن يجيزوا السقاء كما شرط، وإلا قطعوا للعامل بثلث تركة الميت، وفسخت المساقاة، ولا يمكّن العامل في حال الوقف من السقي، فإن طال الوقف وخيف على الحائط أن يضيع فسخت المساقاة، ولم ينتظر صحة ولا موتًا.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: إذا كانت المساقاة سنة واحدة فقول ابن القاسم حسن، فيمكن العامل الآن من العمل ولا يوقف عنه، فإن صحَّ المريض كانت له 190 المحاباة، وإن مات كانت في الثلث أو ما حمل الثلث منها، ولا يجعل الحائط في الثلث؛ لأن الورثة ممكّنون منه، والمحاباة حق للعامل لا عليه، فإن رضي بالعمل على ذلك لم يمنع منه.
وقد اختلف قول ابن القاسم في كتاب العتق في المريض يشتري العبد ويحابي في الثمن، فجعل المحاباة مرة كالهبة المنفردة عن البيع تكون في الثلث، ولا مقال للبائع في المبيع إذا لم تتم المحاباة 191. وقال مرة: لا يتم البيع إلا بتمام المحاباة 192. فعلى القول الأول يجبر العامل الآن على العمل، وعلى القول الآخر
الجزء: 10 - الصفحة: 4728
لا يجبر حتى يموت صاحب الحائط فتتم له المحاباة، وهذا يصح إذا كان العامل ممن يجهل، ويظن أن المحاباة تصح من رأس المال.
وعلى كلا القولين فإن ذلك حق له، فإذا رضي بالعمل لم يمنع، وإن كانت المساقاة سنين صحَّ على 193 قول ابن عبدوس؛ لأن مقال الورثة في حبس الرقاب، وإن لم تكن محاباة فإن حمل الثلث الرقاب صحت المحاباة 194، وإلا رد وقطع له بثلث الميت.
الجزء: 10 - الصفحة: 4729
باب فيما يجوز مساقاته من ذوات الأصول وغيرها
المساقاة 195 ثلاثة أصناف:
فالأول: الشجر، والنخل، والزيتون، والرمان، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما ليس بشجر، وكان إذا جني لم يخْلف كالزرع، والقمح، والشعير 196، والقطاني، والجزر، والبصل.
والثالث: ما ليس بشجر، وإذا جد 197 أخلف: كالقضب والكراث والموز.
فأما الشجر، فتجوز مساقاته اختيارًا وإن لم يعجز عنه صاحبه، كان فيه ثمر أو لم يكن، سنة وسنتين 198، ما خلا شيئين: أن يكون صغيرًا لم يبلغ الإطعام، أو كبيرًا فيه ثمر قد بدا صلاحه على اختلاف فيه إذا بدا صلاحه.
وأما الزرع والقطاني وما أشبهها فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "كتاب ابن المواز" في الذي يضعف عن زرعه ويريد أن يساقيه ما هو بالموطأ حتى يكون مثل النخل، وأرجو أن يكون خفيفًا 199. فأجازه على كراهية، وأجاز ذلك في "المدونة" بثلاثة شروط: إذا عجز عنه، وبرز من الأرض، ولم يبد صلاحه 200. وأجازه ابن نافع في "كتاب ابن سحنون" من غير شرط
الجزء: 10 - الصفحة: 4730
كالشجر، وقال: المساقاة جائزة في الزرع والجزر والبطيخ، والأصول المغيبة وإن لم يعجز عنه صاحبه 201. ولم يفرق في ذلك برز أو لم يبرز.
وقال ابن عبدوس: والقياس ألا تجوز مساقاة الزرع 202.
وأما ما يجز ويخْلف فلا تجوز مساقاته عند مالك قال في "المدونة": لا تجوز مساقاة القصب، قال: لأن المساقاة تقع فيه وقد حل بيعه، وهو يجز جزة بعد جزة، والذي يريد أن يساقيه فليشتره وليشترط لنفسه خلفته 203.
وقال محمد بن المواز في قصب السكر: إن كانت له خلفة فساقى عليه وعلى خِلفته لم يجز؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما لم يخرج من الأرض، فكذلك خِلفته لا تجوز مساقاته، قال: ولو انفرد وحده جاز إذا عجز عنه واستقل من الأرض، ولم يشترط خِلفته؛ فكان في هذا وجهان:
جواز مساقاة ما له خِلفة إذا عجز عنه في وقت لا يجوز بيعه.
والثاني: منع بيع الخِلفة جملة، وأنها بمنزلة الرأس في المنع.
وهذا خلاف ما في "المدونة" 204، وعلى قول ابن نافع تجوز مساقاة الرأس في وقت لا يجوز بيعه وإن لم يعجز عنه.
ففرق مالك بين مساقاة ذوات الأصول وغيرها؛ لأن القياس منع المساقاة جملة؛ لأنها تتضمن بيع الثمر قبل صلاحه.
والثاني: أن العامل يعمل على أنه إن أصيبت الثمرة لم يرجع بشيء، وكان
الجزء: 10 - الصفحة: 4731
عمله باطلًا مع انتفاع الأصول بعمله.
والثالث: أنه لا يدري ما يكون عوض عمله قليلًا أو كثيرًا، ومن شرط الجعل أن يكون معلومًا.
والرابع: أن يدخله إذا كان في الحائط عبيد أو دوابُّ بيعُ (1) الطعام بالطعام ليس يدًا بيد؛ لأنه يطعمهم ويأخذ العوض طعامًا، فأجاز المساقاة في ذوات الأصول للسُّنة، ومنع ما سواها إلا لضرورة، لئلا يتلف الزرع متى منع، والضرورات تنقل الأحكام، وأرى أن يجوز ذلك إذا كان العجز قبل البروز بل هو أعذر، فقد ينتفع بما برز واستقل برعي أو غيره، ولم ينتفع بما لم يبرز.
وقاسه ابن نافع على ذوات الأصول؛ لأن الغرر فيهما سواء.
وقد يكون بعضُ ما ليس له أصل كالجزر واللفت -وَلَهُ الشِّرْبُ المأمونُ- آمَنَ مِنَ الثمار؛ لأنه يَقْرُبُ أخذه، والانتفاع به، "وَقَدْ سَاقَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ (2) " (3) وإذا جازت المزارعة بالجزء كانت المساقاة عليه أجوز.
فصل [في مساقاة الورد والياسمين والمقاثي وشجر البعل]
وأجاز مالك مساقاة الورد والياسمين 208 وثمرة نَوْره 209، واختلف عنه في المرسين وهو الريحان فأجاز مساقاته ومنعها، وأجازها ابن وهب، واختلف فيه205206207
الجزء: 10 - الصفحة: 4732
عن ابن القاسم، ومنعه أصبغ 210، قال: لأنه وإن كان له أصل 211 فالمأخوذ منه ورقه، وهو بمنزلة ما يجز ويخلف، وهو موجود أبدًا ومتتابع لا ينقطع، وهو في وقت مساقاته يجوز بيعه وبيع خلفته، وإذا جاز البيع لم تجز المساقاة، وإذا جازت المساقاة على أحد قولي مالك جاز أن يشترط الخلفة على القول بإجازة بيعها مع الأصول.
واختلف عن مالك في مساقاة المقاثي فأجازها في "المدونة" 212.
وقال في "كتاب محمد": إنما ذلك في الزرع إذا عجز عنه 213. والأول أبين، والأمر فيهما سواء.
وأما مساقاة القضب وقصب السكر وغيرهما مما يجز ويخلف، فإنه لا تخلو مساقاته من أن تكون في أول بطن قبل بروزه، أو بعد بروزه، وقبل صلاحه أو بعد صلاحه، أو بعد أن جز أول بطن ولم يبد الثاني.
فإن كان في أول بطن ولم يبد صلاحه كان الجواب فيه على ما تقدم في الزرع، فيجوز على قول مالك إذا برز وعجز عنه؛ لأنه حينئذٍ لا يجوز بيعه.
وعلى قول ابن نافع يجوز وإن لم يعجز، فإن بدا صلاحه امتنعت المساقاة، فلم يجز في الرأس ولا في الخلفة على الاجتماع ولا على الانفراد؛ لأنه قادر على البيع فيهما جميعًا، وعلى هذا الوجه تكلم في "المدونة"، وعلى قوله في "كتاب محمد" يجوز في الرأس وحده، وتكون إجارة باع نصفها بعمله، ولا يجوز أن يجمع
الجزء: 10 - الصفحة: 4733
الخلفة في العقد مع الرأس؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما بدا صلاحه مع ما لم يبد صلاحه، وقياد 214 قوله أنها إجارة يجوّز ذلك.
وقال مالك: لا بأس بمساقاة شجر البعل، وقال ابن القاسم: تجوز مساقاة زرع البعل مثل زرع مصر وافريقية، إذا كان يحتاج إلى ما يحتاج إليه شجر البعل من المؤنة، فإن ترك خيف عليه الضيعة، وإن كان لا مؤنة فيه ولا عمل لم تجز المساقاة، وإنما يقول له: احفظه واحصده وادرسه ولك نصفه، فهذا لا يجوز 215.
الجزء: 10 - الصفحة: 4734
باب في مساقاة الحائطين صفقة واحدة إذا كانا جنسًا واحدًا، أو مختلفي الجنس كالنخل والعنب والتفاح والرمان
ولا بأس بمساقاة الحائط الواحد يكون مختلف الثمرة فيه الجيد والرديء 216 على جزء واحد، ولا بأس بمساقاة الحائطين في صفقة واحدة على جزء واحد إذا كانت ثمرتهما سواء في الجنس والجودة والقيام بهما أو متقاربًا.
واختلف إذا كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، أو أحدهما سيحًا والآخر بعلًا، أو الآخر يسقى بالغرب، فأجاز مالك أن يدفعا في عقد واحد على جزء واحد 217، ولم يُجِزهما على جزء مختلف، ولو أراد على قوله أن يساقي كل واحد منهما على ما يساقي عليه الآخر 218 على الانفراد لم يجز 219.
وقال ابن القاسم في "المستخرجة": لا بأس أن يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو الثلث إذا كانا متساويين، فإن لم يكونا متساويين فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدهما إلا لمكان صاحبه 220.
وقال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: أما إجازة ذلك على سقاء واحد وإن اختلفا فاستنانًا بما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خيبر؛ لأنه عاملهم في جميعها على النصف، ولا
الجزء: 10 - الصفحة: 4735
شك أنها تختلف، وفيها الجيد والرديء، فإن أرادا أن يخالفا بين الأجزاء (1) على قدر ما يتكلف منه (2)، ويجعلا لكل واحد قسطه من الجزء- جاز ذلك، وليس في الحديث ما يمنع من ذلك.
وإذا وردت الرخصة على صفة تتضمن الغرر أو الفساد من وجوه، فأراد قوم أن يسقطوا بعض تلك الوجوه التي توجب الفساد لم يمنعوا من ذلك؛ لأن مساقاتهما على جزء واحد يؤدي إلى مساقاة حائط بجزء من الآخر.
وإذا ساقاهما على جزء واحد وأحدهما كثير الثمرة قليل المؤنة، والآخر كثير المؤنة قليل الثمرة، أو أحدهما سيحًا والآخر يسقى بالغرب فمعلوم أنه يأخذ العوض عما يكثر عمله مما تقل مؤنته.
وأما قول ابن القاسم في المنع فإنه قدم القياس على الحديث، ولو قال: لك من الجيد -وهو القليل العمل- الثلثان، ومن الكثير المؤنة القليل الثمرة الثلث، لم يجز قولًا واحدًا.
فصل [في من ساقى حائطًا فيه أنواع من الثمار في عقد واحد]
مساقاة أنواع الثمار في عقد واحد على ثلاثة أوجه:
فإن كان جميع ذلك في حائط واحد ومختلطًا كانت المساقاة على جميعه في عقد واحد جائزة.
وقال مالك 223 في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه وفيه أنواع مختلفة، نخل، ورمان، وتين، وعنب على سقاء واحد كان على الداخل سقي الحائط221222
الجزء: 10 - الصفحة: 4736
كله حتى يفرغ منه كله ومن جميع الثمرة 224.
وإن كانت حوائط وكانت مساقاة كل واحد لو أُفرد مثل مساقاة الآخر جاز ذلك أيضًا.
وإن كانت تختلف المساقاة فيها لو ساقاها على الانفراد، فساقاها على جزء واحد- جاز على قول مالك، ولم يجز على قول ابن القاسم، وقد تقدم ذلك.
وإن كان يجمعها حائط واحد، وكل ثمرة ناحية غير مختلطة إلا أنها يسيرة لا يساقى الصنف منه على انفراده لقلته فيكون كالمختلط، وإن كانت كثيرة فكالحوائط.
وقال مالك فيمن ساقى حائطًا وفيه رمان أو غيره قد أثمر وطاب، فإن كانت لصيقة النخل ومعها تشرب بماء النخل فذلك جائز، وهي لربِّ النخل، ولا يصلح أن يشترطها العامل 225. ومحمل جوابه على أن المساقاة سنة واحدة، فإن كانت سنين دخلت في المستقبل في المساقاة وكان للعامل جزؤه منها، إلى أن يأتي العام الذي يخرج فيه بجداد النخل، فإنه يخرج ولا يكون له فيما سوى النخل مما لم يأت إبانه شيء، ولو جعل له في سقي ذلك مقال وأن يتمادى في السقي والعمل حتى يطيب ما سوى النخل فيأخذ جزأه لأدى ذلك إلى ألا ينتزع الحائط؛ لأنه إذا مكن من السقي حتى يطيب بما سوى النخل فيأخذ جزأه منه- قال: لم أصل إلى 226 ذلك الذي أسقيت بالنخل فلا يذهب عملي فيه، والتمكين من ذلك تمكين من سقى ما سواه فيؤدي إلى ما لا غاية له.
الجزء: 10 - الصفحة: 4737
فصل [في مساقاة ذوات الأصول من النخل والعنب، وفيما ليس بأصل كالزرع والقطاني]
مساقاة كل ذات أصل من النخل والعنب والزيتون مع ما ليس بأصل كالزرع والقطاني وما أشبه ذلك صفقة واحدة- جائزة إذا كان كل صنف ناحية عن الآخر، وكانت المساقاة على ما يجوز لو كانا عقدين، فيجوز في ذوات الأصول وإن لم يطلع فيها ثمرة ولم يعجز عنها، وفيما ليس بأصل إذا برز وعجز عنه.
وعلى قول ابن نافع وإن لم يعجز، وعلى قول ابن القاسم في "المستخرجة" تجوز المساقاة إذا كانا متساويين في السقاء لو أفرد لكانا على جزء واحد 227، وإن كانا مختلطين وكل واحد منهما مقصود في نفسه متناصفًا أو قريبًا من التناصف، أو كان الزرع هو الأكثر والنخل الأقل- كان الجواب كما تقدم لو كان منفردًا.
وإن كان الزرع الأقل -الثلث فأدنى- جازت المساقاة فيه وإن لم يظهر من الأرض ولم يعجز عنه، لم يكن 228 داخلًا في المساقاة، وعلى مثل جزء النخل على قول مالك، ولا يجوز أن يلغى لأحدهما، ولا أن يكون فيه من الجزء على خلاف النخل.
وروى ابن وهب عن مالك في "كتاب محمد" أن حكم القليل حكم الثمرة تكون في الدار فتكرى 229. وجعله للعامل خاصة ولم يجز أن يكون بينهما 230 بحال لا على مثل جزء الكثير ولا غيره، فإن كان النخل الأكثر كان
الجزء: 10 - الصفحة: 4738
الزرع للعامل، وإن كان الزرع الأكثر والنخل الثلث فأدنى كانت ثمرته للعامل، وهذا خلاف المشهور من المذهب (1) عنه.
قال سحنون (2): ولم أعرف أحدًا استحسن هذا (3).
فصل [في مساقاة الحائط ما جُد منه وما لم يجد]
وقال مالك في "كتاب محمد" في الحائط يجد وتبقى منه نخلات أن على العامل أن يسقي الحائط كله 234 ما جُد منه وما لم يجد 235.
ولو بقيت نخلات يسيرة وهي عدائم وهي 236 المتأخرة الطيب، لكان عليه أن يسقي الحائط كله حتى يجد، ولو كان فيه الألوان المختلفة من النخل والرمان والتين على سقاء واحد، كان على الداخل أن يسقي الحائط كله حتى يفرغ من ثمرته، ويرد إلى صاحبه 237. فسوى بين أن تكون الثمرة من جنس أو مختلفة الأجناس، متقاربة الطيب أو متباينة.
وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا بقي من العدائم النخلة والنخلات كان سقاء الحائط كله على صاحب الحائط، عدائمه وما جد231232233
الجزء: 10 - الصفحة: 4739
منه، ويوفى المساقى نصيبه من العدائم.
وإن كانت العدائم الأكثر؛ لأنه يقول كان 238 على العامل أن يسقي الحائط كله، وإن كان متناصفًا أو متشابهًا كان على العامل أن يسقي 239 العدائم، وعلى صاحب الحائط أن يسقي غيرها.
وإن كان الحائط أصنافًا من الفواكه: تينًا وعنبًا ورمانًا وفرسكًا فطاب بعض ذلك وجني، فقال ابن الماجشون: سبيله سبيل العدائم، وقال مطرف: كلما قطعت ثمرة وانقضى جنيها من البستان فقد انقضى السقاء بها، وسقطت مؤنته قليلًا كان أو كثيرًا 240.
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: القياس أن يسقط عنه سقي ما جدت ثمرته، قليلًا كان أو كثيرًا، جنسًا واحدًا كان أو أجناسًا، ويسقي ما بقيت ثمرته خاصة قليلًا كان أو كثيرًا.
الجزء: 10 - الصفحة: 4740
باب في مساقاة النخل يكون فيها (1) البياض
وإذا ساقى نخلًا يكون فيها 242 بياض فإنه لا يخلو البياض من أن يكون كثيرًا مقصودًا، أو تبعًا لجميع الثمرة، أو لنصيب العامل، أو يعقد المساقاة على النخل ولا يذكر البياض، أو يذكراه ويستثنيه صاحب الحائط ولا يدخله في السقاء، أو يدخلاه في السقاء على أن يكون ما خرج فيه للعامل أو لصاحبه، أو بينهما على أن البذر من عند العامل أو من عند صاحب الحائط أو من عندهما.
فهذه أحد عشر وجهًا، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز إدخاله في السقاء وجاز بقاؤه لربه، وإن عقدا المساقاة ولم يذكراه كان العقد صحيحًا، وكان باقيًا لربه، ولم يدخل في السقاء، وإن كان 243 الثلثَ فأدنى جاز إدخاله في المساقاة، وجاز إبقاؤه لربه.
واختلف إذا عقدا المساقاة ولم يذكراه، فقال مالك في "كتاب ابن سحنون": هو لربه وإن زرعه العامل بغير علم صاحب الحائط كان عليه كراء المثل 244.
وقال محمد: هو للعامل وحده، وهي سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قاله مالك.
والأول أحسن؛ لأن مفهوم المساقاة أن يسقي ما يحتاج إلى السقي -وهي النخل- بجزء من الثمرة، والبياض خارج عن هذا، ولو كان داخلًا في241
الجزء: 10 - الصفحة: 4741
المساقاة بمجرد العقد لوجب أن يكون لصاحب الحائط جزء منه مثل ما له في السواد؛ لأن العقد يتضمن أن يكون ما يكون فيه من عمله بينهما، لا يستبد بها أحدهما دون صاحبه 245.
وإن شرطا إدخالهما 246 في المساقاة جاز إذا كان ما يخرج فيه بينهما أو للعامل 247 وحده.
واستحب مالك أن يكون للعامل خاصة قال: وهو أحله، ولا يجوز أن يكون لصاحب الحائط 248. وأما البذر فيكون من عند العامل وحده، ولا يجوز أن يكون من عندهما، ولا من عند صاحب الحائط وسواء كان ما يخرجه بينهما أو للعامل، فإنه لا يجوز أن يكون البذر من 249 عند مالك الحائط بحال، قال 250: فإن نزل ذلك وكان البذر من عند صاحب الحائط ليكون الزرع له أو للعامل أو بينهما - كان الزرع في جميع هذه الوجوه 251 عند ابن حبيب لمخرج البذر كائنًا من كان، فإن كان العامل خرج البذر كان الزرع له وعليه كراء الأرض إذا زرعه لصاحب الحائط أو 252 ليكون بينهما، وإن أخرجه صاحب الحائط كان الزرع له وعليه للعامل أجرة المثل 253. وبناه على الشركة الفاسدة في
الجزء: 10 - الصفحة: 4742
أحد القولين أن الزرع لمخرج البذر، وأرى أن يكون الزرع لمن زرع له إذا زرع على ألا يشركه فيه، فإن كان البذر من عند العامل وزرعه لرب الحائط كان له، وعليه للعامل مثل بذره وإجارة عمله؛ لأن صاحب الحائط اشترى من العامل بذرًا 254 شراءً فاسدًا، وأمره أن يجعله في أرضه ويسلمه فيها، فأشبه من استأجر على صبغ ثوب إجارة فاسدة، أو اشترى عصفرًا شَراءً فاسدًا ليصبغ له به البائع ثوبًا، فذلك فوت، وللبائع أن يرجع على صاحب الثوب بمثل ما اشترى به 255 من العصفر وإجارة المثل.
وإن كان البذر من عند صاحب الحائط ليزرعه العامل لنفسه كان للعامل، وعليه مثل البذر وكراء الأرض؛ لأنه اشترى البذر شراءً فاسدًا، وقبضه وزرعه على ملكه، وذلك فوت.
ولا خلاف فيمن اشترى من رجل بذرًا واكترى أرضًا، وكان ذلك صفقة واحدة وكان العقد فاسدًا، أن الزرع للمشتري وعليه مثل البذر وكراء الأرض، وإن شرطا أن يكون بينهما نصفين 256، كان النصف لصاحب الحائط؛ لأنه بذره وزرعه على ملكه.
ويختلف في الأجر 257 هل يكون للعامل؛ لأنه اشتراه شراءً فاسدًا وقبضه وأفاته بالزراعة، أو يكون لبائعه؛ لأنه بيع فيه تحجير وعدم التمكين، وهو بمنزلة من باع نصف 258 هذا القمح على أن يزرع جميعه بينهما، بخلاف من اشترى جميعه؛ لأنه لا تحجير فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4743
وإن شرطا أن يكون جميعه لصاحب الحائط لم يكن للعامل فيه شيء، ولا مقال (1) ولا معاوضة في ذلك، وإن كان البذر من عندهما بالسواء على أن يكون (2) الزرع بينهما كذلك كان بينهما على ما شرطا، ويتراجعان في الأجرة، فيكون للعامل أجرة المثل في عمله، وللآخر إجارة نصف أرضه.
وإذا كان البذر (3) من عندهما وشرطا أن يكون لأحدهما كان بينهما على ما شرطا (4).
قال ابن حبيب: وينبغي أن يكون جميعه للعامل إن شرطه لنفسه، وعليه مثل بذر صاحبه، وكراء جميع الأرض، وإن اشترطا لصاحب الحائط (5) كان له، وعليه للعامل مثل بذره وأجرة مثله (6).
ويختلف فيما يكون للعامل من النخل إذا فسدت المساقاة لهذه الوجوه، فقال أصبغ: له مساقاة المثل.
وقال محمد: إجارة المثل (7). وأرى أن يكون له الأكثر إذا كانت الزيادة من صاحب الحائط أو الأقل إن كانت الزيادة منه.
فصل [في اشتراط العامل ثلاتة أرباع البياض]
وقال ابن القاسم: إذا اشترط العامل ثلاثة أرباع البياض لم يجز إلا أن يلقى كله للعامل وإما أن يكون على سقاء واحد، وقال أصبغ: ذلك جائز؛ لأنه259260261262263264265
الجزء: 10 - الصفحة: 4744
إذا جاز أن يكون كله للعامل جاز أن يكون له ثلاثة أرباعه 266. وإنما يكره أن يكون لصاحب الأصل أكثر من النصف 267.
واختلف إذا اشترطه العامل لنفسه وكان تبعًا، فظاهر قول مالك أنه يجوز إذا كان تبعًا لجميع الثمرة.
وقال ابن عبدوس: لا يجوز إلا أن يكون تبعًا لنصيب العامل وحده.
وهو أبين؛ لأنه إنما 268 يراعى ما يصير 269 للعامل.
كَمُلَ كتابُ المساقاةِ
والحمدُ للهِ 270
الجزء: 10 - الصفحة: 4745