كتاب المرابحة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368)
الجزء: 10 - الصفحة: 4583
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب المرابحة
باب في البز يباع مرابحة، وقد اشتري من بلد آخر، أو يستأجر على شرائه وشده، أو كان رقيقًا فأنفق عليه
وقال مالك في البز يُشترى، ثم يحمل من بلد إلى بلد، ثم يباع مرابحةً: لا أرى أن يحمل عليه أجر السماسرة، ولا النفقة، ولا أجر الشدِّ، ولا أجر الطيِّ، ولا كراء بيت، ويحسب الحمل، ولا يحسب له ربحٌ، إلا أن يُعلِمَ البائع المشتري بذلك كله، فإن ربحوه بعد العلم فلا بأس به، ويحسب القصارة والصبغ والخياطة، ويحمل عليها الربح كما يحمل على الثمن، فإن باع ولم يبين شيئًا مما ذكرنا أنه لم يحسب له فيه ربح ولم يفت- فسخ، إلا أن يتراضيا على شيء مما يجوز بينهما 1.
فإن فات حسب الكراء، ولم يحسب له ربح ويحسب نفقة الرقيق، ولا يحسب لها ربح، ولا يحسب ما أنفق التاجر على نفسه.
يريد في الرقيق 2 ما لم
الجزء: 10 - الصفحة: 4585
تكن لهم 3 غلة تُوفي بالنفقة، فإن كانت الغلة أقل حسب له ما عجز عنه، وإن كانت الغلة أكثر كان له ولم يحاسب بشيء، وحسب الحمل؛ لأنه مما لا يستبد من إخراج الثمن عنه، وهو يزيد في الثمن؛ لأن النقل من بلد أرخص إلى بلد أغلى، والمشتري يرغب في ذلك إذا علم به، ولو كان سعر البلدين سواء لم يحسب، ولو كان سعرها بالبلد الذي وصلت إليه أرخص وأسقط الكراء لم يبع حتى يبيّن.
ولم يحسب للحمل ربح؛ لأن المرابحة كانت لما وقع بها شراء الرقاب، ولم يحسب أجر السمسار؛ لأنه لا يزيد في الثمن وكثير من يتولى الشراء بنفسه وكذلك الشدّ، وأصل ذلك أن كل ما دخل المشتري فيه على صفة، فتبين غيره فإنه لا يسقط مقال المشتري حتى يرد إلى ما دخل عليه وما فهمه وقتَ العقد.
وقال مالك: وتحسب القصارة والخياطة والصبغ، ويضرب الربح عليها 4. لأن هذه أعيان مشتراة مضافة إلى المبيع الأول، فأما القصارة فله أن يبيع ولا يبين، وأما الخياطة فلا أرى أن يبيع حتى يبين لوجهين: أحدهما: أن الناس يكرهون السوقيّ من المخيط، والثاني: أن المشتري يظن أنه اشترى مخيطًا؛ لأن الشأن -فيما اشترى قائمًا ثم قطع وخيط- أنه يحطّ ثمنه، فالمشتري يظن أنه كان ذا ثمن فخسر فيه، إلا أن يكون المشتري ممن لا يخفى عليه ذلك، وليس عليه أن يبيّن في الصبغ إذا كان مما يشترى للصبغ، إلا أن يكون قد بار عليه وهو أبيض فصبغه لذلك فلا يبيع حتى يبيّن.
ويختلف إذا باع ولم يبيّن في هذا وفي الخياطة، فأصل ابن القاسم أنها تكون
الجزء: 10 - الصفحة: 4586
مسألة غش؛ فلا يلزم المشتري وإن حطّ عنه ذلك القدر، وعلى مذهب ابن سحنون أنها مسألة كذب، وإن حطّ عليه ذلك القدر لزمه.
والأصول التي تدور عليها مسائل هذا الكتاب سبع مسائل: مسألة كذب، مسألة غش، ومسألة عيب 5، ومسألة يجتمع فيها كذب وغش، ومسألة يجتمع فيها كذب وعيب، ومسألة يجتمع فيها عيب وغش، ومسألة يجتمع فيها كذب وغش وعيب، وبيان ذلك مذكور فيما بعد (إن شاء الله).
الجزء: 10 - الصفحة: 4587
باب في المشتري يستغل ثم يبيع مرابحة، وكيف بما حدث أو تغير المبيع أوحال سوقه وفي بيع المساومة
وإذا استغلَّ المشتري النخلَ أو العبدَ أو الدابةَ أو الدارَ، ولم يتغير كانت الغلة له، وله أن يبيع ولا يبيّن، وقد تقدم ذكر النفقة على العبد إذا كانت أكثر من الغلة أو أقل، وكذلك النخل إن كانت الغلة أكثر من النفقة كانت له ولم يحسب نفقة، وإن كانت النفقة أكثر حسب له الفضل، وإن أنفق ثم باع مرابحة قبل أن يغتل -حسب له النفقة في السقي والعلاج، فإن كانت شاةً فاحتلب لبنها أو جزَّ صوفها، أو كانت حاملًا فولدت، أو ولدت بحمل حدث- كان اللبن غلة يبيع ولا يبيّن 6.
وأما الصوف فإن كان عليها يوم اشترى كان بمنزلة من اشترى سلعتين، فأمسك إحداهما وباع الأخرى على جميع الثمن، فهي مسألة كذب فإن حطّ البائع ما ينوب الصوف لزم المشتري، وإن حدث الصوف عند المشتري ثم جزّه لم يكن للمشتري مقال لأجل الصوف، وإنما ينظر إلى انتقال سنّها، فإن كانت جذعة فصارت ثنية كان له أن لا يبيّن؛ لأنها انتقلت إلى أفضل، إذا لم تتغير في 7 السوق بنقص ولا كانت تعرض فبارت، وإن كانت رباعية فهرمت كان عليه أن يبيّن.
وقال: إذا ولدت الغنم والجارية لم يبع مرابحة حتى يبّين، وسواء حبس
الجزء: 10 - الصفحة: 4588
أولادهما أو ضمهما معها (1). ولم يذكر هل حملت بعد الشراء أو كانت حوامل.
وأرى إذا كانت حوامل في حين الشراء أو قريبة الوضع، فضم أولادها إليها أن يبيع ولا يبين؛ لأن ذلك زيادة، ومعلوم أن المشتري لا يكره ذلك، وهو في الأمة أبين؛ لأنها تباع أولًا بالبخس (2) لما يخشى عليها من الموت.
وإن حملت بعد الشراء أو كانت حوامل وبعيدة الوضع- كان الجواب في الغنم على ما تقدم أن المشتري لا يكره ذلك، وأن الولد زيادة، وإنما يعتبر طول العهد بالشراء وانتقال سنها، فإن لم يتغير السوق بنقص (3) ولا كان يعرضها فبارت وانتقل سنها إلى ما هو أفضل- باع ولم يبين، وإن انتقلت سنها إلى أبخس كان عليه أن يبين.
وأما الجارية تحمل بعد الشراء فإنه عيب وعليه أن يبين، وإن كانت حاملًا بعيدة الوضع فوضعت لم يراع عمرها (4)؛ لأن مثل (5) ذلك لا يتحسس إليه في الأمة، ويراعى تغير سوقها، وهل بارت عليه؟
فصل [في من ابتاع سلعة فحالت أسواقها، ثم باعها مرابحة]
وإذا حال السوق بزيادة ولم يطل مكثه في يد المشتري باع ولم يبين، وإن حال بنقص بيَّن، واختلف إذا لم يبين: فجعله ابن سحنون على معنى الكذب،89101112
الجزء: 10 - الصفحة: 4589
وجعله 13 ابن عبدوس مسألة غش 14. والأول أحسن؛ لأن مقال المشتري لموضع النقص، فإذا حطه البائع سقط مقال المشتري، وإن عاد سوقه عن قرب باع ولم يبين.
وإن طال مكثه ولم يتغير سوقه، ولا تغير في نفسه، ولا كان يعرضه فبار عليه- باع ولم يبين، وإن بار عليه بيَّن؛ لأن الناس يكرهون ذلك، ويرون أن ذلك لأمر خفي عليه، وله حكم الغش إن لم يبين.
وإن تغيرت مع ذلك سوقه، أو تغير في نفسه بنقص؛ لأنه شيء تمرَّث لأجل العرض- كان على قول ابن عبدوس على حكم الغش، وعلى القول الآخر كذب وغش، فطول مكثه غشٌ، ونقصه أو حوالة سوقِه كذبٌ؛ لأن كل عيب حدث عند المشتري، فإن لم 15 يبينه وكتم حدوثه كان له حكم الكذب، وإن تغيرت سوقه بزيادة كان له حكم الغش لمكان الطول، وإن كان في البيع الأول تغابنٌ لا يوفي بزيادة السوق، كان على المشتري الآخر القيمة، وإن لم يكن تغابن كان للمشتري أن يرد مع القيام، فإن فات مضى بالثمن؛ لأن القيمة أكثر.
وبيع ما طال مكثه في يد بائعه مساومةً جائز إذا كان في يديه بغير شراء: كالميراث والهبة والصدقة، أو بشراء ولم يتغير سوقها، وتغيرت 16 بزيادة، ويختلف إذا تغيرت بنقص، فقال مالك: لا يبيع حتى يبين 17. وقال غيره: يجوز ذلك وإن لم يبين وليس بالبين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4590
فصل [في من رقم سلعة ثم باعها مرابحة]
ومن اشترى ثوبًا بعشرة فرقم عليه اثني عشر، فإن باع على اثني عشر كانت مسألة كذب، وإن باع على العشرة كانت مسألة غش، وكذلك إن باعه مساومة فهي مسألة غش؛ لأنَّ المشتري إذا رأى الرقم حسب أنه ذو ثمن، وأن البائع له الأول أو الآخر وضع 18 فيه ذلك غررًا وخديعة.
وإن كان في يديه بميراث فرقم عليه بسوم سماه وزعم أنه اشتراه به 19، ثم باع عليه مرابحة أو 20 مساومة- كانت مسألة غش، وللمشتري أن يرد مع القيام، وإن كره البائع، فإن فاتت كان عليه الأقل من القيمة، أو ما اشتراه به منه.
ويختلف في القيمة متى تكون؟ فعلى القول في المحبوسة بالثمن أنها من البائع تكون القيمة يوم القبض، وعلى القول: إنها من المشتري تكون قيمة يوم البيع، إلا أن يكون المشتري لم ير الرقم، أو رآه ولم يعلم مضمونه؛ لأنه أمِّيٌّ، أو لأنه ليس بعربي- فلا يكون للمشتري مقال في جميع هذه المسائل الثلاث؛ لأنه لم يقع بفعله غرر.
وإن اشترى جارية ثم تبين أنها ذاهبة الضرس فرضيه، فإن كان رضاه كراهية الخصومة أو للد من البائع أو لغيبته- لم يبع مرابحة إلا أن يبين العيب 21، وأنه علمه بعد العقد فرضيه لأجل ذلك، فإن كتم ذهاب الضرس
الجزء: 10 - الصفحة: 4591
كانت مسألة عيب، وإن بينه ولم يبين أنه علمه بعد العقد، وأنه رضيه لأجل ذلك- كانت مسألة غش، وإن كان رضاه رغبة في السلعة ولم يكن نقدًا ونقد ولم ينازعه البائع، وقال: هذا ثمنك فخذه أو ردّ إن شئت؛ كان له أن يبيع ويبين العيب خاصة 22. وكذلك من أخذ سلعة عن دين حال على موسر غير ملدٍّ، والطالب ممكّن من قبضه، فتركه وأخذ السلعة- كان له أن يبيع على ما أخذها به ولا يبين، وإن كان الغريم ملدًّا أو معدمًا أو كان الدين مؤجلًا لم يبع إلا أن يبين، فإن لم يبيّن كانت على القولين: هل هي مسألة غش أو مسألة كذب؟ فيحط قدر ما بين ما يشترى به لو كان الغريم على الصفة الأولى والصفة الثانية، وإن ذهب الضرس بعد العقد كان عليه أن يبيّن الوجهين جميعًا: ذهابه، وأن ذلك كان بعد العقد، فإن كتمه كانت مسألة عيب، وإن بيّنه ولم يبين حدوثه كانت مسألة كذب.
الجزء: 10 - الصفحة: 4592
باب في من اشترى بثمن إلى أجل فباع عليه بالنقد أو اشترى بثمن فنقد غيره
ومن المدونة: قال مالك في من اشترى سلعة بثمن إلى أجل، فباعها به مرابحة نقدًا: ترد السلعة إن كانت قائمة، وإن فاتت كان على المشتري قيمتها يوم قبضها نقدًا 23. ولا يضرب الربح على القيمة.
قال ابن القاسم: فإن قال المشتري: أنا أقبل السلعة إلى ذلك الأجل لا خير فيه، ولا أحب ذلك 24. وجعله بمنزلة من اطلع على عيب، فإن أراد الرد، فقال له البائع: أنا أؤخرك بالثمن ولا ترد.
فلا يجوز أن يشتري رجوعًا بتأخير، وهو سلف جر منفعة، وهذا هو أصل أشهب أن الصلح مع القيام شراء مرجع.
وأرى أن ينظر في ذلك، فإن قام المشتري ليرد، فقال البائع: لا ترد وأؤخرك بالثمن- كان فاسدًا، وإن قال: قد رددت، فقال له: اقبلها وأنا أصبر عليك بالثمن- جاز، وقال سحنون: يقوم الدين بالنقد، فإن كان المسمى إلى أجل عشرة، وباع على عشرة نقدًا والقيمة ثمانية كانت الثمانية كالثمن الصحيح، فإن رضي البائع مع القيام أن يضرب له الربح عليه لم يكن للمشتري أن يرد، ولا يكون له على أصله مقال بعد الفوت إذا رضي البائع أن يضرب الربح على ثمانية، فأجراها على مسألة الكذب.
الجزء: 10 - الصفحة: 4593
فصل [في من اشترى بدنانير فنقد عرضًا، أو بعرض فنقد عينًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن]
ومن اشترى بدنانير فنقد دراهم لم يبع على ما عقد حتى يبين، واختلف هل يبيع على ما نقد ولم يبيّن، فأجازه مالك في كتاب محمد 25. ومنعه ابن حبيب.
وإن اشترى بدنانير فنقد عرضًا لم يبع على ما نقد 26 حتى يبين.
واختلف هل يبيع على ما نقد 27، فمنعه في المدونة 28، وأجازه في كتاب الشفعة من كتاب محمد، قال: وإن نقد طعامًا فليبع على ما نقد 29 كالدنانير والدراهم.
وقال محمد: الطعام في هذا كالسلع، يريد أنه لا يبيع على ما نقد 30.
وإن اشترى بعرض فنقد عينًا أو عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن فظاهر قوله في المدونة ألا يبيع على أحدهم حتى يبين، وعلى قوله في كتاب محمد يبيع على الأول ولا يبين، ولا يبيع على الآخر إلا أن يبين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4594
والصواب في جميع هذه الأشياء 31 إذا كان المشتري مستفتيًا أن يوكل إلى أمانته، فما علم أن البائع منه أخذ ذلك عن الثمن رغبة فيه وقد مكنه من الثمن الذي باع به- كان له أن يبيع على ما عقد ولا يبين؛ لأن كل مشتر مؤتمن على ما يقول أنه اشترى به، ولأنه لو شاء ذكر أكثر مما اشتراه به، وإن لم يكن ذلك لرغبة من البائع، وإنما كان قصدًا من المشتري على الهضيمة- لم يبع حتى يبين.
وإن لم يكن المشتري مستفتيًا وإنما ظهر عليه بعد وقال: لم يكن إلا علا وجه الرغبة من البائع مني 32 - كان القول قوله إذا كان الثمن الأول عرضًا أو عبدًا؛ لأنه ليس بشيء يحط منه عند الدفع، وهي مبايعة مما تختلف فيها الأعراض، فتشترى بمثل القيمة وأكثر وأقل.
وإن كان الثمن الأول عينًا دنانير أو دراهم، والشأن من المتبايعين في ذلك البلد أن ينقد ما انعقد البيع به من غير طلب للمسامحة- قبل قوله أيضًا، وإن كان العادة طلب المسامحة عند الوزن لم يصدق، وحمل على عادته أو عادة البلد.
وإن اشترى بدنانير ونقد دراهم، ولم يتغير الصرف، أو تغيرت الدراهم برخص- جاز أن يبيع على ما نقد ولا يبيّن، وعليه يضرب الربح إن باع على ما عقد به، وإن تغير بغلاء الدراهم لم يبع على واحد منهما، حتى يبيّن ما عقد عليه 33 وما نقد؛ لأن النقد كان ذلك اليوم أقل واليوم أكثر، وإن باع على ما عقد حط من الثمن الذي وقع به العقد قدر سماحة ذلك اليوم، وإن باع على ما نقد؛ فذلك 34 يضرب به الربح على الأول بعد طرح السماحة، وإن نقد عرضًا
الجزء: 10 - الصفحة: 4595
ثم باع على ما عقد، وعلم أنه كانت فيه هضيمة لمكان العقد- حط من الثمن الأول قدر ما استظهر به في ثمن الثاني، إلا أن يعلم أنه لم يكن عنده (1) جميع ذلك مسامحة وأن العادة دون ذلك، والفاضل عنه غبن وقع على قابضه، فلا يحط إلا قدر السماحة.
وإن باع على مثل ما نقد وكانت قيمته مثل ما عقد به بعد طرح المسامحة، أو (2) كانت قيمته أكثر- ضرب الربح على ما يستحقه بالعقد؛ لأنه أقل وأخف، وإن كانت قيمة العرض أقل كان بالخيار بين أن يضرب الربح على ما عقد؛ لأنه أخف، أو على مثل ما اشتراه هو به؛ لأنه أقل، وليس له أن يقول: أعطيه قيمة العرض؛ لأن البائع يقول: إنما بعت على مثل العرض لغرض فيه.
وإن نقد طعامًا وفيه هضيمة فكذلك على مثل ما تقدم إذا نقد عرضًا.
فصل [في من ابتاع سلعة بدين أيجوز له أن يبيعها مرابحة بنقد؟]
ويختلف إذا أخذ عرضًا عن دين: هل يبيع مرابحة ولا يبيّن قياسًا إذا أخذ شقصًا عن دين حالٍّ؟ فقيل: يستشفع بالدين، فعلى هذا ليس عليه أن يبيّن، وقيل: يستشفع بقيمة الدين، فعلى هذا يبيّن في المرابحة، وقد تقدم وجه ذلك، وأنه يراعى الغريم: هل هو موسر غير ملدٍّ أم لا؟ واختلف إذا اشترى بعرض أو بطعام، فاشترى على مثله، وليس المثل في3536
الجزء: 10 - الصفحة: 4596
ملك المشتري، فأجازه ابن القاسم، ومنعه أشهب ورآه من بيع ما ليس عنده 37. والأول أحسن، ومحمل الحديث على بيع معين في ملك غيره.
وإن اشترى بذهب فقال: اشتريت بعرض، وباع على قيمته، وكانت القيمة التي باع عليها مثل الثمن الذي اشترى به فأقل- لم يكن للمشتري مقال، وإن كانت أكثر كانت مسألة كذب.
وإن باع على أن يأخذ المثل كان للمشتري أن يرد، إلا أن يرضى البائع أن يكون الربح على ما اشترى به، فإن رضي نظر إلى قيمة العرض، فإن كانت مثل الثمن فأكثر لزم المشتري؛ لأنه رده إلى مثل ما اشترى به في القدر، وهو أخف فيما يتكلف شراؤه وإحضاره لينقد 38، وإن كانت قيمة العرض أقل لم يلزمه الرضا بالثمن وإن كان أخف؛ لأنه أكثر إلا أن يرضى أن يحط عنه الزائد.
وإن اشترى بعرض فقال: اشتريت بعين، فإن كان الذي باع عليه -وهو العين- مثل قيمة العرض فأقل- لزم المشتري، وإن كان العين أكثر من القيمة عاد الجواب إلى ما تقدم في مسألة الكذب، وإلى هذا يرجع الجواب في اللذين اشتريا عدلًا فقسَماه بالتراضي، ثم باع أحدهما نصيبه على ما اشترى به؛ لأن نصف ما صار إليه مشترى بالثمن الأول، ونصف ما صار إليه من النصف الذي سلمه لصاحبه، فإن باع ولم يبيّن كان للمشتري أن يرد الجميع، إلا أن تكون قيمة نصف ما اشترى مثل نصف قيمة العين الذي باع به، فلا يكون له أن يرد، وإن فات مضى نصفه بالثمن، وضرب له الربح في النصف الآخر على قيمة ما نقد، إلا أن يكون الذي باع به أقل.
الجزء: 10 - الصفحة: 4597
وقال ابن حبيب: إذا تقاوياه بينهما فصار لأحدهما فلا بأس أن يبيع على تلك المقاواة 39. يريد النصف على الثمن الأول، والنصف على ما دفع فيه إلى شريكه، فإن كان ذلك أكثر مما كان اشتراه به رغبة في دفع الشركة لسوء عشرة صاحبه- لم يبع حتى يبين وإن كان؛ لأنها كانت صالحة، أو لأن السوق حال بغلاء لم يكن له أن يبين.
وقال أشهب في كتاب محمد في ثلاثة شركاء في سلعة تقاووها فوقعت 40 على اثنين بهم وأخرجا الثالث، ثم ذهب الثالث فاستوضع البائع دينارًا، فقام عليه صاحباه ليردا عليه السلعة؛ فذلك لهما إلَّا أن يخرج لهما من الدينار، فيقسموه أثلاثًا 41. فأجرى الجواب على مسألة المرابحة لما كانا عالمين بالشراء، وعلى هذا يكون من اشترى سلعة مساومة، وقد كان حضر بيعها أولًا، و 42 كان عالمًا بالثمن، ثم استوضع المشتري الأول البائع الأول 43 منه- يكون للمشتري الآخر في ذلك مقال كالمرابحة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4598
باب في من باع سلعة مرابحة، ثم استقاله منها بمثل الثمن أو أكثر أو أقل
(1)
وقال ابن القاسم في من اشترى سلعة، ثم باعها من رجل مرابحة، ثم استقاله منها بمثل الثمن: لم يبع إلا على الثمن الأول، وإن استقال (2) بأكثر أو أقل جاز أن يبيع على الثاني (3). وقال ابن حبيب: لا يبيع إلا على الأول استقال منها أو اشتراها بأكثر أو بأقل.
والأول أحسن، وله أن يبيع على الثاني إلا أن يعلم من قوم أنهم يظهرون بيعة (4) حادثة ليتوسلوا إلى البيع بأكثر من الأول- فيمنع إذا عادت إليه بأكثر، وإنما منع ذلك وإن عادت إليه بأقل على أنه بقي معه ربح على الأول، مثل أن يشتري بعشرة ثم يبيعها باثني عشر ثم يستردها (5) منه بأحد عشر.
فصل [في من ابتاع نصف سلعة، ثم ورث النصف الآخر ثم باعها مرابحة]
ومن اشترى نصف سلعة بخمسة، وورث نصفها، ثم باعها مرابحة على أن الثمن عشرة- كان للمشتري أن يرد جميعها: يرد ما ورث؛ لأنه لم يشتره،4445464748
الجزء: 10 - الصفحة: 4599
وما اشتراه لعيب الشركة 49، فإن فاتت مضى نصفها بالثمن، ونصفها بالأقل من الثمن أو القيمة، وهذا إذا تقدم الشراء أو تأخر عن الميراث ولم يزد في الثمن لأجل استكمال الملك فيها، فإن زاد لأجل ذلك كان جميعها بالأقل.
وإن باع نصفًا مرابحة ولم يبين- عاد الجواب إلى ما تقدم؛ لأن البيع يكون شائعًا 50 في المشترى والميراث.
واختلف إذا اشترى ثوبين أو أسلم فيهما، ثم أحب أن يبيع أحدهما مرابحة، فمنعه ابن القاسم في الشراء، وأجازه في السلم 51، ومنعه سحنون فيهما جميعًا، وأجازه ابن نافع فيهما، وهو أحسن؛ لأن الشراء كان على معرفته وعلمه، وكذلك التقويم، فلا يمنع خوف الحيف في القيمة؛ لأن الثمن موكول إلى أمانته، ولأنا لا نعلم الثمن في الأصل إلا منه.
وإن أخذ أحد الثوبين المسلم فيهما على هضيمة فلم يبين كانت مسألة كذب على قول ابن سحنون، وإن كان من المسلم تطول في أحدهما قسم 52 ذلك على الثوبين جميعًا، وإن باع على الشركة نصفًا وثلثًا جاز، وإن كان شيء يكال أو يوزن كان له أن يبيع بعد القسمة ذلك الجزء ولا يبين، قال محمد: ويبيع ما بقي مرابحة، ولا يبين أنه باع منه شيئًا.
يريد ما لم يكن شراء الجملة أغلى فيبين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4600
باب في شريكين في عبد اشترياه بأثمان مختلفة، ثم يبيعانه مرابحة
وقال ابن القاسم في عبد بين رجلين اشترى أحدهما نصفه بمائة، والآخر بمائتين، ثم باعاه مرابحة للعشرة أحد عشر، أو بربح مائة: أنهما 53 يقتسمان الربح على قدر رؤوس أموالهما، وإن باعاه مساومة اقتسما ما باعاه به نصفين 54.
وقال أشهب في الدمياطية: إن باعاه مرابحة، كان الربح بينهما شطرين، قيل له: فإن باعاه 55 بربح للعشرة أحد عشر، قال: هو 56 بينهما أيضًا.
فقسم ابن القاسم الربح على رؤوس الأموال، وإن كان المشتري إنما دخل على أن كل نصف بمائة وخمسين، والربح على مثل ذلك، وعلى هذا عهدته عليهما في العيب والاستحقاق، وذهب أشهب إلى أن الربح على مثل عهدته عليهما، والأول أحسن إذا كان المشتري عالمًا أن شراءهما كان على ثمن مختلف، وإن لم يعلم بما بين النصيبين من التغابن.
وأرى إن كان شراؤهما في زمن واحد، وكان السوق على ما اشترى به صاحب المائتين أن يبيعا ولا يبينا، وإن كان السوق على ما اشترى به صاحب المائة لم يبيعا حتى يبينا، وإن كان ذلك لاختلاف السوق، فكان أولهما اشترى بمائة، فلم يطل حتى حال السوق، فاشترى الثاني بمائتين- جاز وأن لم يبينا،
الجزء: 10 - الصفحة: 4601
وإن كان الأول اشترى بمائتين بَيَّنا؛ لأنه اختلاف بنقص.
وإن باعا بوضيعة وكان البيع مساومة اقتسما الثمن نصفين، وإن سميا الثمن، وأنه ثلاثمائة ووضعا مائة- كان الثمن 57 مفضوضًا على قدر رؤوس أموالهم، قال سحنون: وقد اختلف فيها قول الشعبي 58؛ يريد أنه جعل الثمن بينهما نصفين حسبما دخل عليه المشتري أن كل 59 نصف بمائة، وهذا إذا لم يعلم باختلاف الثمن.
الجزء: 10 - الصفحة: 4602
باب في من اشترى سلعة، فباعها مرابحة، أو ولاها أو أشرك فيها، ثم وضع عنه البائع الأول
وضيعة البائع الأول على وجهين: فإن وضع جميع الثمن أو نصفه أو ما يعلم أنه لم يرد به مسامحة في أصل العقد- لم يكن عليه فيه مقال، وكذلك إن قلّت الوضيعة، وعلم أن ذلك مكارمة لصداقة أو غيرها، ولا يراعى في جميع ذلك: هل كان الثاني بيعًا أو تولية أو شركة؟
وإن كانت الوضيعة لأجل البيع افترق الجواب، فقال مالك: إذا كان الثاني بيعًا، فحط الأول مثل ما حط عنه- لزم المشتري، وإن أبى كان الثاني بالخيار بين أن يمسك أو يرد، وكذلك إذا ولي، وإن أشرك حط عن المشرك نصف ذلك على ما أحب أو كره 60.
وقد اختلف إذا باع، فقال ابن القاسم مرة: إن حط عن الثاني مثل ما حط عن الأول لزم المشتري، وإن لم يحط قدر الربح مثل قول مالك 61. وقال أيضًا: يحط بقدره من الربح وإلا رد عليه، وقال عبد الملك: يحط ذلك عن الثاني وإن كره المشتري الأول.
والقول الأول أصوب: أن لا يحط الربح؛ لأنه إذا كان الربح دينارًا والثمن عشرة كان أبين إذا كان الثمن تسعة، وصارت إلى أصلح من الأول: أن لا يحط من الربح، والشأن إذا صلح الثمن زيد في الربح، وإن فاتت ولم يرض المشتري أن يحط ما حط عنه جرت على مسألة الكذب.
الجزء: 10 - الصفحة: 4603
واختلف في الشركة، فقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن وضع الذي ولي الصفقة كان بين جميعهم، وما وضع لأحد ممن أشرك كان له وحده، إلا أن تكون من الأشياء التي تباع في الأسواق، ويلزم الشرك فيها فذلك بينهم، وسواء وضع عن متولي الصفقة أو عمن أشرك؛ لأنهم كأنهم ولوا الصفقة جميعًا، إلا ما كان يراد به الصلة فرخصه 62 ليس على وجه الاستغلاء- فيكون لمن وضع له من كان منهم: المشرك، أو المشترك.
وقال مالك في العتبية: وإن ولوا الصفقة جميعًا فما وضع لأحدهم فهو له وحده 63، وقال ابن القاسم: إن اشتروها شركة في عقد، فما وضع لأحدهم فهو بينهم 64. يريد شركة عقد أي عقدوا على أن 65 يتجروا فيها، والوضيعة ضرب من الربح؛ لأنها إذا صلحت كان الربح أكثر، وأما إن حضر بيع سلعة أو طعام فاشتروا ليقتسموه، أو ليتصرف كل واحد والبيع في نصيبه دون شريكه- فما وضع لأحدهم فهو له وحده؛ لأنه لو ظهر على عيب كان لمن أراد الرد أن يرد الرد كالعقدين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4604
باب في تفسير أحكام ما تقدم ذكره من بيع الكذب والغش والعيب
ومن اشترى سلعة بعشرة فقال: اشتريتها باثني عشر، فإن كانت قائمة كان المشتري بالخيار: بين أن يتمسك ولا شيء له، أو يرد، إلا أن يحط البائع الكذب وربحه، فإن فاتت خيّر البائع بين أن يحط الكذب وربحه، أو يعطى قيمة سلعته يوم قبضتْ، ما لم يجاوز ما باع به، أو ينقص من العشرة وربحها، وهذا قول مالك 66.
وقد اختلف في قيام السلعة وفوتها، فقال عبد الملك في المبسوط: للمشتري أن يرد إذا كانت قائمة وإن حط الكذب وربحه؛ لأنه عامله على الخديعة واستحلال الحرام، وهذا صواب، ومحمل قول مالك على أن المشتري قام بالكذب، فإذا حط عنه سقط مقاله.
فأما إن قال: أنا أرد لإمكان أن يكون استغرقت ذمته من ذلك كان ذلك له؛ ولأن أدنى منازله أن الناس يكرهون مبايعة مثله، فإن لم ينقد الثمن، أو نقده وعرف بعينه، أو كان الثمن عرضًا ولم يفت- كان له أن يرد، كما قال عبد الملك.
وإن استهلكه مضى بالثمن الصحيح؛ لأنه إن رد السلعة أخذ ثمنه من ذمة فاسدة، إلا أن يكون حديث عهد بالجلوس للبيع وبإفادة ذلك المال، فلا رد له إن حط الكذب وربحه، وإن كان حديث عهد بالجلوس للبيع وقديم الكسب
الجزء: 10 - الصفحة: 4605
لذلك المال كان له أن يرد؛ لأنه دليل على أنه غير متوق في كسبه.
وقد اختلف عن مالك فيما يفيتها؟ ومتى تكون القيمة؟ وهل يحط الكذب وربحه وإن كره البائع؟ فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تفيتها حوالة الأسواق، والقيمة يوم القبض، وروى عنه علي بن زياد أنه قال: يفيتها النماء والنقص، والقيمة يوم البيع.
وأرى أن تفيتها حوالة الأسواق كالاختلاف في الثمن تفيته حوالة الأسواق؛ لأنه ليس بعيب في السلعة، وإنما مقاله في كثرة الثمن وقلته، إلا أن يقول: لأجل فساد ذمة البائع، ولم يكن دفع الثمن- فلا تفيت حوالة الأسواق ولا العيوب، ويكون له هو أن يرده وما نقصه العيب.
وأما الاختلاف في وقت القيمة، فهو راجع إلى الاختلاف في المحبوسة بالثمن، فعلى القول إنها على البائع، تكون القيمة يوم القبض، وعلى القول إنها من المشتري؛ تكون القيمة يوم البيع؛ لأنه بيع صحيح تعلق به حق لآدمي، والفاسد ما تعلق به حق لله سبحانه.
وقال في أول الكتاب: يحط الكذب وربحه في الفوت، ولم يجعل للبائع في ذلك خيارًا.
وكذلك في كتاب محمد، وإليه يرجع قوله، وجوابه في من اشترى شيئًا فنقد غيره والقول الأول أحسن، قال مالك: وليس ظلمه وزيادته بالذي يحمل عليه، فيؤخذ بما لم يبع به 67، وهذا صحيح؛ لأنه يمكن لو لم يزد في الثمن لباع بأكثر من ذلك الربح.
الجزء: 10 - الصفحة: 4606
فصل [في من باع سلعة مرابحة فزاد في ثمنها]
وأما الغش والخديعة: بأن يشتري بعشرة، ويرقم عليها اثني عشر ويبيع على العشرة، فيوهمه أنها ذات ثمن، وأنه غلط على نفسه، فهي خديعة، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بالثمن، وليس للبائع أن يلزمه إياها بشيء.
وإن فاتت مضت بالأقل من الثمن الذي بيعت به أو القيمة، ولا يضرب على القيمة ربح (1). وقال ابن عبدوس في هذا الأصل: تفيتها حوالة الأسواق (2). وعلى رواية علي بن زياد لا تفيتها إلا العيوب؛ لأنها في هذا أقوى من الكذب، وإن أحب الرد ردها وما نقصها العيب من القيمة إن كانت القيمة أقل، إلا أن يكون الثمن أقل.
وأرى (3) إذا حط البائع عن المشتري الدينارين اللذين خدعه بهما- أن يلزم المشتري في (4) القيام والفوت؛ لأن مقاله من أجلهما، وإن كان ورثها ثم قال: اشتريتها بعشرة، وباع على الكذب (5) كانت مسألة غش.
فصل [في من ابتاع سلعة ثم ظهر منها عيب]
وأما العيب يجده المشتري في السلعة وهي قائمة، فهو بالخيار بين أن6869707172
الجزء: 10 - الصفحة: 4607
يمسك ولا شيء له، أو يرد، وليس للبائع أن يحط عنه قيمة العيب ويلزمه إياها؛ لأن كثيرًا من الناس لا يرضى المعيب وإن حط لأجله، بخلاف الكذب في البيع؛ لأن مقاله لأجل كثيرة الثمن، فإذا سقط 73 لم يكن له مقال.
فإن علم بالعيب بعد أن فاتت بنماء أو نقص كان له أن يمسك ويحط عنه قيمة العيب من الثمن وربحه، وهذا قول مالك 74. والقياس أن يكون للبائع والمشتري في ذلك مقال.
وإن كان في البيع غش على المشتري اشترى بعشرة ما قيمته ثمانية، والعيب ينقصها الخمس، فأسقط البائع خمس الثمن، وكان الباقي على المشتري ثمانية- قال: المشتري إنما أغرم قيمتها معيبة؛ لأنك لو أسقطت عني هذا الخمس مع القياس لم يلزمني، وكذلك إن فاتت وحططت الدينارين، فأنا أرد قيمتها بدلًا منها.
وإن كان الغبن على البائع لصلاح كان في البيع قال البائع: أنا لا أجيز على أن أحط العيب، كما لم يكن ذلك للمشتري علي في القيام، وقد قال مالك في مسألة الكذب: لا يجبر البائع على أن يحطه في الفوت، قال: وليس ظلمه أن يحمل عليه أن يؤخذ بغير ما لم يبع به 75.
فإن قيل: إن العيب بخلاف الكذب؛ لأنَّ العيب كجزء ذهب، فكان بمنزلة من اشترى سلعتين فوجد واحدة، قيل: هذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان ذلك لوجب أن يجبر على رد ما قابل العيب مع القيام.
الجزء: 10 - الصفحة: 4608
والثاني: أنا نعلم ضرورة أنه ليس كالجزء، ولو كان كذلك لم يرجع في فوت السلعة بشيء؛ لأنا نجد الثوب يكون طوله ثلاثين ذراعًا، وعيبه قدر درهم، فلو نظر قدره من أجزاء الثوب لم يكن له شيء يتحسس إليه.
فصل [في من ابتاع سلعة واطَّلَع على كذب البَائِع، وظهر منها عيب والسلعة قائمة]
وإذا اجتمع الكذب والغش 76 والعيب، فاشترى بعشرة، وقال: الثمن اثنا عشر وربحه دينار، ثم وجد عيبًا، فإن علم بالعيب والسلعة قائمة كان له أن يرد، ولم يلزمه وإن حط البائع الكذب، فإن فاتت بنماء أو نقصان كان ذلك فوتًا في بيع الكذب والعيب.
فعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدأ بإسقاط الكذب وربحه، ثم يحط العيب من الثمن الصحيح، وهي العشرة وربحها.
وعلى القول إن الكذب لا يسقط إلا برضا البائع يبدأ بإسقاط العيب من جميع الثمن صحيحه وسقيمه، فإن قيل: قيمته صحيحًا عشرة؛ لأن الثمن لم يكن فيه تغابن، ومعيبًا ثمانية- كان له ثمانية وأربعة أخماس دينار؛ لأنها الثمن الصحيح بعد طرح الكذب والعيب، وإن كانت القيمة أكثر كان له ما لم يجاوز أربعة أخماس الثمن بكذبه وربحه؛ لأن هذا هو الحكم في العيب.
وإن فاتت بحوالة الأسواق كانت كالقائمة على رواية علي بن زياد، وعلى رواية ابن القاسم فاتت في الكذب، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب وله أن
الجزء: 10 - الصفحة: 4609
يمسك، ثم يخير البائع بين أن يحط الكذب وربحه أو يعطى قيمة سلعته ما لم تكن القيمة أقل من العشرة وربحها؛ لأنه الثمن الصحيح، أو أكثر مما تباع (1) به.
ثم يختلف في الصفة التي تقوم عليها، فقيل: تقوم سالمة؛ لأن المشتري رضي بالعيب، وقد كان له أن يرد به من غير غرم عليه، وهو قول محمد، وقال ابن سحنون وابن عبدوس: تقوّم معيبة، وهو أحسن، ولا يلزم المشتري أن يرد إلا قيمة ما أخذ؛ لأنَّ القيمة بدل من العين التي قبض، والعين التي كان يرد معيبة، وكذلك قيمتها، وليس يلزمه أن يقبض معيبًا، ويغرم سالمًا.
فصل [إذا اجتمع الكذب والغش، فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة]
وإن اجتمع الكذب والغش كأن اشترى بعشرة وقال: اشتريت باثني عشر، وطال زمانها في يديه، وبارت عليه، أو رقم عليها خمسة عشر، فإن كانت قائمة كان للمشتري أن يرد، وإن طرح عنه ما ينوب الكذب رد من جهة الغش، فإن فاتت بنماء أو نقص كان قيامه من ناحية الغش خيرًا له، فإن كانت قيمتها يوم قبضها ثمانية أو تسعة أو فوق ذلك، ولم تبلغ العشرة وربحها- لم يكن عليه غير القيمة، وإن كانت قيمتها فوق ذلك اتفق الجواب على الكذب والغش، فيغرم قيمتها بغير ربح ما لم يجاوز الكذب وربحه، وعلى القول إن الكذب يحط حكمًا كالعيب يبتدآنه 78 فيحط، ثم ينظر إلى قيمتها فيغرمها ما لم تجاوز 79 الباقي.77
الجزء: 10 - الصفحة: 4610
وإن اجتمع العيب والغش فعلم بذلك المشتري قبل فوت السلعة كان له أن يرد، ولا يراعى وإن حط 80 البائع، وإن فاتت بنماء أو نقصان كان للمشتري أن يمسك، ثم يبتدئ بالعيب فيحط قدره من الثمن، فإن قيل: قيمتها سالمة عشرة، ومعيبة ثمانية لم يكن على المشتري سوى ثمانية؛ لأنَّ العيب نقصها الخمسَ، وأربعة أخماس التمام ثمانية دنانير وأربعة أخماس الدينار 81، والثمانية هي التي تلزم من جهة الغش خاصة؛ لأنها لا يضرب لها بربح، وكذلك إن كانت قيمتها سالمة ثمانية ومعيبة سبعة، فليس عليه سوى سبعة؛ لأنَّ الباقي للبائع بعد العيب سبعة أثمان المسمى تسعة 82 إلا ربع، ولها ربح دينار إلا ثمن، فجميع ذلك تسعة ونصف وثمن هذا الذي يثبت من ناحية العيب، ثم يرجع إلى حكم الغش، فليس له إلا قيمتها معيبة، وقد كانت سبعة دنانير، فهي التي تستحق بعد طرح العيب، فيصير المشتري بمنزلة لو لم يشترها إلا معيبة بتسعة ونصف وثمن، ثم علم بما خدعه، فيعطى القيمة ما لم يجاوز الباقي.
وإن كانت قيمتها سالمة اثني عشر ومعيبة عشرةً، سقط حكم الغش؛ لأن الذي نقصها العيب السدس، وهو دينار ان إلا سدس من المسمَّى، والباقي تسعة دنانير وسدس، فكان قيامه بالعيب خيرًا له.
وإن تغيرت سوقها كان فوتًا من جهة الغش خاصة على قول ابن عبدوس، ولم تفت في العيب، فله أن يرد بالعيب، وله أن يمسك ويدفع القيمة
الجزء: 10 - الصفحة: 4611
من ناحية الغش.
ثم يختلف في الصفة التي يقَوَّم عليها، فعلى قول ابن المواز تقوَّم على أن لا عيب فيها؛ لأنها لم تفت من ناحية العيب، وعلى القول الآخر تقوم معيبة، وقد تقدم وجه ذلك.
فصل [إذا اجتمع الكذب والعيب والغش، فعلم بذلك المشتري بعد أن فاتت السلعة بنماء أو نقص]
وإن اجتمع كذب وعيب وغش اشترى بعشرة، وقال: اشتريت باثني عشر وربح دينارًا، ورقم عليها خمسة عشر، ووجد بها عيبًا بعد أن فاتت بنماء أو نقص، فعلى القول: إن الكذب يسقط حكمًا كالعيب يبتدأ بإسقاط الكذب وربحه، وهو ديناران وسدس 83، فيكون الباقي أحد عشر إلا سدس، ثم يرجع إلى العيب فتقوم السلعة صحيحة، فإن قيل 84: عشرة ثم تقوم معيبة، فإن قيل: ثمانية، كان الذي نقصها العيب الخمس، وهو دينار 85 وسدس، فالباقي بعد طرح العيب وربحه ثمانية دنانير وثلثا دينار، هذا الذي يستحقه بعد طرح الكذب والعيب، ثم يقول المشتري: بقي مقالي عما خدعني به من رقمه عليها، أو كتمانه طول مكثها وبوارها، فأنا أعطيه القيمة بغير ربح ما لم تجاوز الباقي، فالقيمة ثمانية دنانير، ولا شيء له غيرها.
فإن كانت قيمتها سالمة ثمانية ومعيبة سبعة أو ستة لتغابن كان في البيع- لم يكن
الجزء: 10 - الصفحة: 4612
للبائع إلا تلك القيمة، فمتى كانت القيمة والثمن متساويين، أو القيمة أقل- لم يكن على المشتري سوى القيمة، وإن كانت القيمة كثير من الثمن، ومِنَ الذي ينوبه من الربح بعد طرح العيب سقط حكم الغش وبقي حكم العيب.
فصل [في الرجل يشتري السلعة من عبده ثم يريد أن يبيعها مرابحة]
وقال ابن القاسم في من اشترى طعامًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن مرابحة فأتلفه، ثم علم أن البائع كذب في ثمنه كان له أن يغرم مثله، إلا أن يحط البائع الكذب وربحه 86. وقال مالك في من باع جارية مرابحة، وقال: اشتريتها بمائة، ثم ثبت أنه اشتراها بمائة وعشرين، فإن كانت قائمة كان المشتري بالخيار بين أن يمسك على ما ثبت أو تبيّن من الثمن وربحه أو يرد، وإن فاتت بنماء أو نقصان كان على المشتري أن يغرم قيمتها ما لم تكن القيمة أقل مما تبايعاها به فلا يحط منه، أو أكثر من مائة وعشرين وربحها فلا يزاد عليه 87. وأرى إذا فاتت بزيادة، وكانت قيمتها يوم قبضها أكثر مما اشتراها به، ولا تتجاوز مائة وعشرين وربحها- أن يكون المشتري بالخيار بين أن يغرم قيمتها أو يردها؛ لأنها أفضل مما كانت، فلا مضرة على البائع، وإن نقصت من غير سبب المشتري، فله أن يردها ناقصة، إلا أن يمضيها له البائع بما باعها به.
الجزء: 10 - الصفحة: 4613
ويختلف إذا كان نقصها من سببه خطأ، هل يضمنها، أو يردها ناقصة ولا شيء عليه؟ وكذلك إن كان المبيع ثوبًا فنقص عنده، ثم طلب البائع فضل الثمن، فإن كان النقص نابه بسببه- لزمته قيمته، ما لم تكن القيمة أقل مما باع به، أو أكثر من مائة وعشرين وربحها، فإن كان النقص بأمر من الله تعالى- لم يضمن قيمته، وله أن يرده بنقصه، إلا أن يبيع له البائع بما باع به.
ويختلف إذا كان النقص لأنه قطعه ولم يلبسه؛ لأن الغلط من البائع، وهو الذي سلطه على قطعه، بمنزلة من باع ثوبًا فأعطى 88 المشتري غيره فقطعه المشتري، فقد اختلف: هل يغرم المشتري ما نقص القطع؟ فقال مالك في كتاب محمد في من قال في شاة: اشتريتها بسبعة دراهم وباعها، ثم قال: ما كنت إلا مازحًا وما قامت عليَّ إلا بعشرة دراهم.
قال: ينظر فيها ساعتئذٍ، فإن كان مثلها لا يباع بسبعة، حلف ما كان إلا لاعبًا، ولم يرد بيعًا، وإن كان يباع بذلك مثلها، لزمه البيع، قال: وربما كسدت السلع، فيرضى صاحبها ببيعها بنقصان 89.
وقال ابن القاسم في من اشترى من عبده أو مكاتبه سلعة: لا بأس أن يبيعها مرابحة، ولا يبيّن إذا باعها مبايعة صحيحة، وهذا صحيح فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بينه وبين المشتري، فإن كان ذلك مما يكره الناس فعليه أن يبين 90.
الجزء: 10 - الصفحة: 4614
وقال في كتاب محمد في من اشترى له نصراني سلعة: فلا يبيعها مرابحة حتى يبين أن النصراني اشتراها، وغاب على أمرها، وقال أصبغ: فإن لم يبين كان عيبًا، وللمشتري أن يرد، فإن فاتت مضت بالقيمة يوم اشتراها 91. يريد: إذا كانت القيمة أقل، وكذلك على قوله إذا تولى شراءها مسلم غير مأمون.
الجزء: 10 - الصفحة: 4615
باب في من اشترى دابة فسافر عليها، أو ثوبًا فلبسه، أو جارية فأصابها أو زَوَّجَهَا، ثم باع مرابحة
وقال مالك في من اشترى دابة فسافر عليها أو ثوبًا فلبسه: لم يبع مرابحة حتى يبين 92. يربد: لأن السفر واللباس ينقص، ولو ركبها في غير سفر الشيء الخفيف لم يبين، وكذلك اللباس إن كان نقص الشيء اليسير لم يبين أيضًا، وإن كان أكثر من ذلك وما يرى أن المشتري يكرهه إذا علم به فليبين، فإن كانت جارية فأصابها لم يبين إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا من العلي بّين؛ لأنه ينقص من ثمنها، وأما الوخش فيسأل عنها التجار، فإن كان لا ينقص ولا ثمن لعذرتها عندهم- لم يبين، وإن كان ينقصها بيّن.
وإن زوّجها لم يبع مرابحة إلا أن يبين أن لها زوجًا، وأنها زوجت بعد الشراء، فإن كتمه الزوج كانت مسألة عيب، وإن بينه ولم يبين أنه زوجها بعد الشراء- كانت مسألة كذب، فتفيتها في الوجه الأول العيوب 93، ويكون بالخيار بين أن يمسك ويرجع بعيب التزويج، أو يرد ويرد ما نقص العيب عنده.
وإن بين الزوج ولم يبين أنها زوجت بعد الشراء كانت مسألة كذب،
الجزء: 10 - الصفحة: 4616
فيختلف هل تفيتها حوالة الأسواق؟
وتستوي بعد الفوت في العيب والكذب في الصفة التي تقوم عليها، فينظر كم قيمتها على أن لا زوج لها، وعلى أنها ذات زوج، فإن كانت الأولى عشرة والثانية ثمانية- كان الذي ينوب العيب أو الكذب الخمُس، فإن كتم الزوج حط الخمس حكمًا؛ لأنه عيب، وإن بينه وكتم حدوثه عنده خيّر البائع بين أن يحط ذلك، وإلا أعطى القيمة، وهي الثمانية، وهذا إذا كان الثمن في الأصل أقل من عشرة، وإن كان عشرة فأكثر- كان حط الخمس وربحه للبائع أفضل؛ لأن الثمانية- التي هي القيمة- لا يضرب لها ربح، وإن كان الثمن عشرة كان لها ربح.
وإن لم يتغير سوق الجارية من يوم بيعت أولًا إلى البيع الثاني- لم يكن في المسألة سوى ذلك، وكذلك إن تغير بزيادة، ولم يطل مكثها، وإن تغير بنقص ولم يطل مكثها- كان ذلك النقص في معنى الكذب عند ابن سحنون 94.
فإن كتم الزوج كان قد اجتمع في المسألة عيب وكذب، وإن بيَّنه ولم يبين أنه الزوج كان الكذب من وجهين: من الزوج، ومن نقص السوق، فتقوّم يوم الشراء الأول كم قيمتها على أن لا زوج لها؟ وعلى أنها 95 ذات زوج على نقص ما صار إليه السوق، فالذي بينهما يحط حكمًا على أحد القولين، وعلى القول الأخير يخير بين أن يحط ذلك، أو يعطى القيمة حسبما تقدم، وإنما قومت أول
الجزء: 10 - الصفحة: 4617
قيمتين؛ لأنه إذا لم يتغير السوق كانت قيمتها يوم الشراء الأول تغني عن القيمة يوم البيع أخيرًا.
وإن طال مكثها وكتم الزوج كان عيبًا وغشًا، وإن بينه كان كذبًا وغشًا، وإن اجتمع الطول ونقص السوق وكتمان الزوج كان غشًا وكذبًا وعيبًا.
تم كتاب المرابحة
بعون الله وتأييده وإحسانه
الجزء: 10 - الصفحة: 4618