كتاب المديان
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 12 - الصفحة: 5541
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب المديان
باب في حبس المديان وهل يقبل منه حميل ومن يحمل على الفقير وهل يقام بعد الفلس من السوق ويمنع من البيع والشراء
ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: لا يحبس الحر ولا العبد في الدين ولكن يستبرأ أمره فإن اتهم بأنه قد خبأ مالًا أو غيبه حبسه، وإلا خُلِّي سبيله إلا أن يحبسه قدر ما يتلوم له من اختباره، وعليه أن يأخذ عليه حميلًا، وإن عرفت له أموال غيبها حبسه أبدًا حتى يأتي بماله ذلك، قال مثل هؤلاء التجار الذين يقعدون على أموال الناس ويقولون ذهبت منا وهو في موضعه لم يسرق ماله ولم يحترق بيته 1. وقال في كتاب محمد: إذا زعم أنه أصيب ماله، وشهد له أنه ما عنده شيء 2. قال: وكيف يعلم أنه ما عنده شيء، وأرى أن يسجن ولا يعجل بسراحه 3، وقد اختلف في هذه المسألة في ستة مواضع:
الجزء: 12 - الصفحة: 5543
أحدها: هل يحمل الغريم على اليسير.
والثاني: هل يقبل منه حميل حتى يثبت فقره.
والثالث: في سجنه وفي صفة السجن.
والرابع: في صفة الشهادة على فقره.
والخامس: هل يحلف وكيف صفة اليمين.
والسادس: هل يقام للناس ويقام من السوق ويتوزع متاعه 4.
ويفترق الجواب 5 في سابع: هل يؤاجر 6 في الدين إذا كان ذا صنعة فالمعروف من المذهب أن يحمل الغريم على اليسر من غير اعتبار بحاله ولا السبب الموجب للدين، وقال مالك في المبسوط في كتاب البيوع: لا يفلس إلا الرجل التاجر المعروف بالتجارة والغنى، وأما الرجل ليس يتهم أن له مالًا كتمه، وليس بتاجر فلا يفلس ولا يستحلف؛ يريد: من كان مثله معروفًا بقلة ذات اليد.
والديون ثلاثة:
أحدهما: ما أخذ له عوض يتمول دار أو عبد 7.
والثماني: أن يكون العوض ما لا يتمول كالصداق والخلع والكتابة؛ لأن العوض نفس المكاتب، وكالثوب يشتريه للباس والطعام يأكله.
والثالث: ما لم يقبض منه عوض كالحمالة والجناية ونفقة الولد والوالدين
الجزء: 12 - الصفحة: 5544
والاستكمال على من أعتق بعض عبده، فإن كان الغريم 8 معروفًا باليسار واللدد، وقلة الإنصاف في القضاء لم يقبل قوله، وسجن وضيق عليه، ولم يقبل منه حميل، وإن أشكل أمره هل يصدق 9 في دعواه الفقر وفي ذهاب ماله، وإن كان ظاهره الملاء، لم يصدق وحبس حتى يثبت فقره، ولم يضيق عليه في السجن، وإن أتى بحميل لئلا يسجن، وليسعى في منافعه قبل منه، وإن كان ظاهره الفقر لبذاذة حاله وصناعته كالبقال والخياط 10 وغيرهما من الصنائع مما شأن أهلها العدم قبل قوله، ولم يحبس وعلى مثل هؤلاء يحمل قول مالك في المبسوط إلا أن تكون الدعوى في يسير مما عومل عليه في صنعته فلا يحمل على الصدق حتى يثبت ذلك، وهذا الجواب في كل ما أخذ له أعواضًا يتمول وفي الحمالة بالمال 11، وإن لم يكن أخذ عنها عوضًا؛ لأن المفهوم أني أقوم عليه فهو إقرار باليسر، وليس كذلك الحمالة بالطلب إذا فرط حتى لزمه المال فإنه ينظر إلى الغالب من حال مثله، وإن كان حميل وجهٍ, وقال: إن لم أحضره غرمت عنه فذلك إقرار منه باليسر بما تحمل به، وأما الصداق فيحمل أيضًا على الغالب من حال مثله، فقد علم من كثير من الناس أنهم يتزوجون بما ليس معهم، ثم يسعى ويجمع للنقد ولا يقدر على المهر وبخاصة أهل البوادي وكذلك جناية الخطأ لو جنى جناية تبلغ ربع الدية لم يحمل الجاني على اليسار بذلك دون أن يعتبر حال أمثاله، أو كانت الجناية مأمومة أو جائفة عمدًا على القول إنها في مال الجاني.
الجزء: 12 - الصفحة: 5545
قال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: فيمن أعتق بعض عبد (1) وقال: ما عندي ما أعطي منه قيمة الباقي.
قال: إن لم يكن له مال ظاهر سُئل جيرانُه، ومن يعرفه، فإن قالوا: لا نعلم له مالًا حلفَ، وتركَ (2). قال سحنون: جميع أصحابنا على ذلك في العتق إلا في اليمين فإنه لا يستحلف عندهم (3). فهذه المسألة أصل في كل ما لا يؤخذ عنه عوض أنه لا يحمل فيه على اللدد ولا على الملاء ومثله نفقة الوالدين، فأما نفقة الولد فإن محمل الأب فيها على الملاء؛ لأن الغالب من الناس القيام بالولد والتحيل (4) له من صناعة أو غيرها.
فصل [في حبس الغريم إلى أن يثبت فقره, ثم يأتي بحميل ليسعى في منافعه]
وإذا حبس الغريم في دين حتى يثبت فقره ثم أتى بحميل ليسعى في منافعه كان ذلك له عند ابن القاسم ولم يسجن 16. ومنعه سحنون 17، والأول أحسن، إلا أن يكون معروفًا باللدد فلا يقبل منه حميل؛ لأن السجن أقرب لاستخراج الحق من أمثاله، فإن قبل الحميل وغاب المتحمل له فأثبت الحميل فقر الغريم برئ من الحمالة؛ لأنَّ اليمن بعد ثبات الفقر أنه لم يكتم شيئًا استحسان واستظهار، إلا أن يكون ممن يظن به أنه كتم وممن 18 لو لم يغب12131415
الجزء: 12 - الصفحة: 5546
ونكل عن اليمين لم يصرح 19.
واختلف في صفة السجن فقال سحنون إذا سجن في دين زوجته أو غيرها فأرادت زوجته أن تدخل إليه لتبيت معه لم تمكن من ذلك؛ لأن المراد من سجنه التضييق عليه 20. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا أراد الطالب أن يفرق بين الغريم وزوجته وطلب الزوجان أن يجتمعا فذلك لهما إذا كان السجن خاليًا 21. وهذا أحسن فيمن أشكل أمره هل هو في معنى اللدد أم لا؟ فأما من علم منه اللدد، فالقول الأول أحسن، وكذلك من ثبت فقره، وعرف بأكل أموال الناس فإنه يسجن، ويضيق عليه أدبًا له ويمنع منه ولده، ومن يعز عليه.
وقال محمد بن عبد الحكم: ولا يخرج المحبوس للجمعة ولا للعيدين واستحسن 22 إذا اشتد مرض أبويه أن يخرج يسلم عليهما، ويؤخذ كفيل بوجهه، ولا يفعل ذلك في غيرهما من القرابات، ولا يخرج لحجة الإسلام، وإن كان أحرم بحجة الإسلام 23 أو بعمرة أو بنذر أو حنث ثم قيم عليه بالدين حبس، وبقي على إحرامه، قال: وإن وجب عليه الدين يوم 24 نزوله بمكة أو بمنى أو بعرفة، استحب 25 أن يؤخذ منه كفيل حتى يفرغ من الحج، ثم يحبس بعد النفر الأول، ولا يخرج ليغير على عدو ولا لمرض إلا أن يذهب عقله فإن
الجزء: 12 - الصفحة: 5547
عاد عقله رد، وإن اشتد مرضه، واحتاج إلى أمة تباشر ذلك منه، فلا بأس أن تجعل معه حيث يجوز (1). وقوله: في الجمعة يصح على القول أنها على الكفاية، وأما الأمة فإنها تباع للغرماء، إلا أن ينزل به ذلك قبل البيع فتكون ضرورةً لحاجته لمن يقوم به ممن يتكشف إليها فلا تباع.
فصل [فيما إذا عجز الغريم عن إثبات فقره, ثم شهدت بينة بالفقر]
وإذا عجز الغريم عن إثبات فقره لم يخرج من السجن، فإن شهدت له بينة بالفقر سئلت، كيف علمت ذلك فإن كان من قول الغريم وشكواه - ذهب ما في يدي وخسرت وما أشبه ذلك، لم تكن شهادة، وإن قالوا: كنا نرى تصرفه في بيعه وشرائه، وقدر أرباحه أو نزول الأسواق عليه ونفقته على عياله ونقص رأس ماله شيئًا بعد شيء، وإن ذلك يؤدي إلى ما ادعاه كانت شهادة، وقد تنزل مسائل لا يقبل فيها العجز عما طولب به، وإن كان المطلوب فقيرًا فمن ذلك الرجل يطلب بدين عليه مناجمة، ويدعي العجز بعد قضاء بعضها، ويأتي لمن يشهد بفقره وحالته لم تتغير الآن عن وقت الأداء والرجل يطلب برزق ولده بعد طلاق الأم فلا تسمع بينته بالفقر ولا بالعجز؛ لأنه بالأمس قبل الطلاق كان ينفق عليهم، فهو اليوم أقدر لزوال نفقة الزوجة عنه إلا أن تشهد بينة أنه نزل به ما نقله عما كان يقدر على الإنفاق من أجله.26
الجزء: 12 - الصفحة: 5548
فصل [فيما إذا ثبت فقره]
وإذا ثبت الفقر أحلف أنه لم يكتم شيئًا، وأنه لا دين له ولا وديعةً ولا رهن ولا شيء يقدر على القضاء منه، وكان الخليفتان (1) يزيدان في يمينه، ولئن وجدت له قضاء حيث لا يعلم لأقضينه، وهذا التغليب أحد الضررين؛ لأنَّ الغالب من الغريم كتمان ما يفيده، والنادر من يأتي للقضاء إذا أفاد شيئًا، فكان في اليمين الآن حسن نظر للطالب والمطلوب، لئلا يقوم به بعد ذلك، وتطلب يمينه إذا مرت به مدة يمكن أن يفيد فيها، واليمين على من عرف بالملاء في الجامع؛ لأن من يعلم أنه ينتزع من ماله يستعد ويدخر ويتحيل لما يجده (2) بعد.
فصل [في إقامته من السوق أو للناس]
واختلف هل يقام من السوق ويختلف هل يقام للناس لئلا يغتروا بالبيع منه، فقال مالك في كتاب محمد فيمن تعمد إتلاف أموال الناس: يقام من السوق فعلى هذا يقام للناس كما قال في السفيه إذا حجر عليه، وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في المفلس لا يقام للناس 29، وهذا حسن فيمن لم يتعمد تلف ذلك فلا يقام للناس ولا يقام من السوق.2728
الجزء: 12 - الصفحة: 5549
فصل [في إجارة الحر في الدين]
قال مالك: ولا يؤاجر الحر في الدين (1)، قال الشيخ - رضي الله عنه -: المفلس ثلاثة تاجر وصانع عامل الناس على صناعته، وصانع باع صنعته فإن كان تاجرًا لم يؤاجر فيما عليه؛ لأنه لم يعامل على ذلك، وعلى ذلك تكلم مالك، وإن كان صانعًا يداين ليعمل ويقضي من عمله، ثم عطل جبر على العمل فإن أبى استؤجر في صناعته تلك، وإن باع منافعه لينسج لرجل ثيابًا أو يخيط متاعًا مدة معلومةً جبر على أن يعمل تلك المدة، ويفترق الجواب إذا كان محتاجًا إلى ما ينفق، فأما من يداين ليعمل ويقضي فإنه يبتدئ بنفقته (2) ونفقة عياله، ثم يقضي دينه (3) من الفاضل، وإن باع منافعه مدة معلومة بدي الذي استأجره، وإن أدى ذلك إلى أن يتكفف؛ لأن منافعه صارت ملكًا لمن اشتراها فأشبه من باع سلعةً، فلم يسلمها حتى افتقر فإنه يسلمها، وإن تكفف الناس إلا أن يخاف عليه الموت فيخير الذي استأجره بين أن يسلفه ما يعيش به دون عياله حتى يتم عمله أو يتركه يعمل عند غيره بمثل ذلك لأنه إن منع هلك ولم ينتفع المستأجر بشيء.
فصل [في حبس من عليه دين]
ويحبس النساء في الدين وغيره بموضع لا يكون فيه رجلٌ 33، والأمين303132
الجزء: 12 - الصفحة: 5550
عليهن امرأةٌ مأمونةٌ لا زوجَ لها أو لها زوجٌ مأمونٌ معروفٌ بالخيرِ، ويحبس الولد في دين الأبوين، ويفترق الجواب في حبس الأب.
فقال ابن القاسم: لا يحبس الأب في دين الولد 34، وقال محمد بن عبد الحكم: يحبس إذا امتنع من النفقة على ولده الصغير؛ لأنَّ ذلك يضر بهم، وليس كدين الولد 35 على أبويه 36، وقال أيضًا: يحبس الأب إذا كان في يده مال للولد، يريد: إذا لد عن 37 تسليمه إلا أن يكون المال عينًا، وله مال ظاهر يقدر على الأخذ منه، فيؤخذ ولا يحبس، وإذا ادعى الفقر كلف إثبات ذلك من غير حبس بخلاف الأجنبي، ويسأل عنه فإن علم أنه على اللدد، والمال له قدر، ولم يوجد له مال ظاهر يقضي به دينه 38 حبس حتى يقضي وإن أشكل أمر يسره أو كان الذي يطلب يسيرًا وله قدر وهو حقير في كسب هذا الابن لم يحبس، وهذا الجواب في حبسه.
واختلف في تحليفه له وفي حده إذا قذفه وفي القصاص منه إن قطعه أو قتله فقال مالك في المدونة: لا يحلف الابن الأب 39، وفي كتاب محمد يحلفه وهو بذلك عاق وترد شهادته 40. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: ليس بعقوق ولا ترد شهادته.
الجزء: 12 - الصفحة: 5551
وأرى 41 إذا كانت الدعوى من ناحية التهمة، أتهمه أن يكون أخذ له شيئًا، أو كتمه بعض ما ورثه عن أمه ألا يحلف إلا أن تكون التهمة قوية ظاهرة في شيء له قدر وبال يضر بالولد إمساكه عنده فيحلف، وإن ادعى أنه جحده ما داينه له وله قدر أحلفه، وإن كان يسيرًا لم يحلفه فإن اجترأ وحلفه كان بذلك عاقًّا ساقط الشهادة؛ لأنّ تحامله على تحليف أبيه في مثل ذلك القدر دليل على سقوط مروءته إلا أن يكون الأب من أهل الدين والفضل، ويتهم الابن أن يكون أراد أذاه لشنآن وقع بينهما أو لأنّ الأب امتنع من أن يعطيه أو يهبه فلا يحلف، وقال ابن القاسم: إذا قذف الأب ولده حد له وعفوه عنه جائز، وإن بلغ الإمام 42 ويقتص منه إن قطعه أو قتله 43، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يحد إن قذفه 44، ويقتص منه إن جرحه أو قتله، ولا يقتل بمن قتل إذا كان ولي الدم ابنه وهو أبين، وأراه عظيمًا أن يحده أو يقطع منه عضوًا أو يقتله، وقتل من قتله من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقتل الأب ولده، والقائم بالدم أخو المقتول.
والثاني: أن يكون القائم بالدم 45 عم المقتول، أو ابن عمه.
والثالث: أن يكون المقتول ليس بولد القاتل، والقائم بالدم ابن القاتل، وكل هذا فلا أرى أن يكون على الأب فيه قصاص، وأشدها في المنع أن يقوم
الجزء: 12 - الصفحة: 5552
الابن على أبيه بقتل عمه، أو ابن عمه، ثم قيامه ليقتله (1) في أخيه، وأقربها في القصاص أن يقتل الأب ولده، ويقوم بالقصاص العم أو ابن العم؛ لأنَّ القائم بالدم يقول: ليس بيني وبن القاتل حرمة تمنع القصاص، والأب يقول: أنت تقوم بالقصاص عمن بيني وبينه حرمة، وأشكل من ذلك أن يقوم بالقصاص ابن أخي القاتل، فيريد: أن يقتص من عمه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "العَمُّ صِنْوُ الأَبِّ" (2)، فالحرمة بين القاتل والمقتول؛ لأنه ولده، وبينه وبين القائم بالدم؛ لأنه معه كالأب.
وقال ابن القاسم في كتاب الديات: إذا قال المقتول دمي عند أبي يقسم مع قوله ويستحق الدية في الخطأ على العاقلة وفي العمد من ماله (3) ولم يجعل فيه قصاصًا من غير مراعاة للقائم بالدم، هل هو ولد أو عم أو ابن عم، وقال أيضًا: إذا قتل ولده وكان ولي الدم الولد لم يقتص منه (4).
فصل [في حبس الجد لولد الولد]
وأجاز في المدونة أن يحبس الجد لولد الولد وعلى هذا يحلف وألا يحلفه أحسن؛ لأن له حرمة الأب 50.46474849
الجزء: 12 - الصفحة: 5553
واختلف في القصاص منه، ويحبس السيد في دين مكاتبه (1) إلا أن يكون قد حل من نجومه ما يوفي بدينه أو يكون في قيمة المكاتب إن بيع ما يوفي بدينه (2)، ويحبس المكاتب في دين السيد إن كان الدين من غير الكتابة، ولا يحبس (3) في الكتابة (4) إلا على القول أنه لا يعجزه إلا السلطان فإن له أن يسجنه إذا كان يرى أنه كتم ماله رغبة في العجز (5).
فصل [فيما إذا أقر الغريم بالملاء, ولدّ عن القضاء]
وإذا أقر الغريم بالملاء 56 ولدّ عن القضاء 57، فإن وجد له مال ظاهر قضى منه، وإلا سجن، فإن قضى وإلا ضرب حتى يقضي ما عليه، وإن سأل الصبر لإحضار ما عليه، وقال: ليس لي ناض 58 كان ذلك له 59.
واختلف في حدّ التأخير، وهل يؤخذ منه حميل، وهل يحلف أنه عاجزٌ عن إحضاره الآن.
فقال سحنون: يؤخر اليوم وشبهه ويعطي حميلا فإن لم يعط حميلًا سجن 60. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ذلك على حالات5152535455
الجزء: 12 - الصفحة: 5554
المطلوب والشيء الذي يطلب به ففرق بين أجل التأخير ولم يحده بوقت 61.
وقال مالك في المبسوط: ذلك فيختلف 62 في الملي والمعدم، وقلة المال وكثرته فرجل عليه مائة دينار وآخر عليه ثلاثمائة.
وأرى أن يؤخر الملي ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا وما له حد معلوم، ولم يجعل عليه في ذلك حميلًا، وهذا حسن أن يعتبر 63 حال الرجل، وقدر المال فيؤخر بقدر جمعه لذلك، ومتى أشكل الأمر لم يحمل على اللدد إلا أن يكون مثل ذلك الدين ما يتعذر على مثله ليسره وقلة الدين، فيلزم بالقضاء بالحضرة، وإذا كان الحكم التأخير لم يلزم حميلًا؛ لأن المداينة لم تكن بحميل، ولا ظهر منه ما يوجب نقله عن ذلك؛ لأنه مقر باليسر وليس بمنزلة من ادعى الفقرة لأنه عند دعوى الفقر يخشى منه الفرار والتغيب إلا أن يكون هناك ريب نزل على تغيبه أو أنه يريد سفرًا أو يكون ملدًا، وإلزامه بالحميل أقرب لاستخراج الحق منه فيلزم بالحميل، وإن كان مقرًا باليسر وكان 64 يقدر على القضاء من يومه ببيع ما يشق عليه بيعه وخروجه من ملكه مثل جاريته وعبده التاجر ومركوبه وما يدركه من بيعه مضرة أو معرة لم يؤخذ ببيعه؛ لأنَّ الشأن القضاء من غير ذلك وإلى هذا ذهب مالك -رحمه الله- في المبسوط.
فقال قد يكون للرجل العروض 65 التي يحتاج إليها، وإن باعها أضر به فلا بأس أن ينظر الإمام في مثل هذا، ويضرب أجلًا لا يشق على الطالب والمطلوب.
الجزء: 12 - الصفحة: 5555
باب في الوصي أو الوارث يقضي بعض غرماء الميت
وإذا كان على الميت مائتا 66 دينار لغريمين فقضى الوصي أو الورثة أحدهما ثم طرأ الآخر فإنه لا يخلو أن تكون تركته مائة دينار أو مائتين أو مائة وخمسين، فإن كانت مائة فقضاها الوصي أو الورثة، وهم غير عالمين بالآخر ولم يكن الميت موصوفًا بالدين، كان مقال الغريم الطارئ مع صاحبه دون الوصي أو 67 الورثة فيأخذ منه نصف ما أخذ، وإن كانوا عالمين بدين الطارئ أو كان موصوفًا بالدين وقضوا مبادرة من غير استيناء كان للطارئ أن يرجع على صاحبه، وأن يبتدئ به؛ لأن عين حقه في يديه 68. واختلف إذا أراد أن يبتدئ بمن كان قضاه دون القابض، وهو قادر على أخذ ذلك من صاحبه؛ لأنه حاضر موسر غير ملد فجعل له 69 مدة البداية بالغريم؛ لأن البداية بالوصي أو الورثة ضررٌ عليه من غير فائدة للقادم وجعل مدة له 70 أن يبتدئ بمن كان قضى؛ لأنه المتعدي، والأول أحسن إذا تساوى قبضه من القابض أو المتولي الدفع، أو كان تناول الحق من الغريم أقرب، وإنما كان له أن يبتدئ بالقابض خلاف الغاصب؛ لأنَّ الغاصب واهب ومتى غرم 71 لم يكن له على الموهوب له شيء، والوارث غير واهب؛ لأنه دفع على
الجزء: 12 - الصفحة: 5556
وجه القضاء فإن غرم رجع فكأن 72 البداية بغرم من لا رجوع له أولى من غرم من يرجع من غير فائدة للقابض الآن إلا أن يكون 73 تناول ذلك 74 من الوصي أو الوارث أقرب بالأمر البين؛ لأنَّ معه ناضًا، والذي عند الآخر مما يطول بيعه أو كان ملدًا أو غاب فيبتدأ بالوارث أو الوصي قولًا واحدًا، وإن خلف الميت مائتين دينار فقبض الحاضر مائة وفضلت 75 بأيدي الورثة مائة 76 كان مقال الطالب مع الورثة؛ لأنه قد بقي من تركة الميت ما يوفي بحقه، ثم لا تخلو المائة التي أخذ الورثة من ثلاثة أوجه:
إما أن تكون قائمةً بأيديهم، أو أكلوها، أو ضاعت ببينة أو بغير بينة، فإن كانت قائمة العين أخذها، وإن أكلوها ضمنوها، وإن ضاعت كان الجواب في ضياعها على ثلاثة أقسام:
فإن أمسكوها لأنفسهم، وهم عالمون بدين الطارئ، ضمنوها كانت لهم بينة على ضياعها أم لا، وإن لم يعملوا بدينه، ولم يعلم ضياعها إلا من قولهم لم يصدقوا وضمنوها، وإن كانت لهم بينة لم يضمنوها، وكانت مصيبتها من الميت.
وقال أشهب: يضمنوها مع قيام البينة، والأول أصوب؛ لأن كل مستحق منه 77 لا يضمن ما كان في يده إلا أن يكون تلفه من سببه عمدًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 5557
واختلف إذا كان خطأ فإن لم يكن له في ذلك سبب عمدًا ولا خطأ لم يضمنه إلا أن يكون متعديًا في وضع يده عليه، وإن وقفوها (1) للغريم لم يضمنوها.
واختلف هل تكون مصيبتها ممن وقفت له، فقال مالك وابن القاسم: المصيبة من الميت، ولأشهب في كتاب محمد: المصيبة ممن وقفت له، وذكْر ذلك يأتي في كتاب القسم (2)، وإن مات الميت عن مائة وخمسين، فأخذ الحاضر مائة كان للطارئ أن يرجع على الورثة بخمسين، ويرجع على صاحبه بخمسة وعشرين، ثم يراعى فيها ما تقدم، ذكره هل كان القضاء من الورثة، وهم عالمون أو غير عالمين، وهل الغريم حاضر أو غائب موسر أو معسر، ويراعى في الخمسين، هل هي قائمة أو فاتت أكلوها أو ضاعت؟.
فصل [فيما إذا كانت التركة عروضًا فباعها الورثة]
وإن كانت 80 التركة عروضًا فباعها الورثة فإنه لا يخلو بيعهم من ثلاثة أوجه: أما أن تكون للقضاء، أو لأنفسهم، فإن كان للقضاء مضى 81 البيع وكان مقال الطارئ إذا أتى أن يتبع بماله مع صاحبه إلا أن يكون الوارث عالمًا بدينه، أو يكون الميت موصوفًا بالدين، فيعود الجواب إلى ما تقدم هل يبتدئ الطالب بالغريم أو بهم، وإن باعوا لأنفسهم، وهم عالمون بدين الطارئ أو غير عالمين، وهو موصوف بالدين وباعوا مبادرة كان له رد البيع.
قال محمد: إلا أن يحب7879
الجزء: 12 - الصفحة: 5558
المشتري أن يدفع قيمة ما نمى عنده، أو نقص قيمته يوم قبضه بذلك له، ويتبع المشتري الورثة بما دفع إليهم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أو يكون الورثة مياسر، ولا بخس في الثمن أو يكون فيه بعد البخس ما يوفي بالدين فلا يرده.
واختلف إذا لم يعلموا بدين الطارئ، ولا كان موصوفًا بالدين، فقال مالك: البيع ماضٍ، ولا شيء للغريم على المشتري لا في أعيان السلع ولا في قيمتها إن كانت فائتة، وإنما مقاله مع الورثة.
وفي كتب الجنايات لغير ابن القاسم إذا خلف الميت جارية فباعها الورثة ولا علم عندهم بدين أبيهم، قال: إن فاتت عند المشتري بعتق أو باتخاذها أم ولد لم يكن لهم إلى رد العتق سبيل، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا أتبعوا به من أخذه 82، وظاهر قوله أن لهم رد المبيع إذا كان قائمًا لم يفت بعتق، وإن فات بحوالة الأسواق، وقال عبد الملك في كتاب محمد: إذا باعوا للقضاء ولأنفسهم فالبيع ماضٍ، والقضاء فاسد، ويرجع الطارئ على الغريم بما ينوبه في جميع ما قبضه ولا يحسب عليه ما في يدي الورثة 83، وقول مالك وابن القاسم في هذا أن القضاء فيما ينوب الحاضر صحيح، وقد اختلف في المفلس أحد غرمائه غائب إذا قضى القاضي للحاضر بحقه، وبقي نصيب الغائب في الذمة، هل يمضي للحاضر نصيبه أو يكون جميع القضاء فاسدًا؟.
الجزء: 12 - الصفحة: 5559
باب في قضاء المريض والمفلس ورهنه
وقال مالك وابن القاسم في المريض يقضي بعض غرمائه: ليس ذلك له؛ لأن قضاءه الساعة على وجه التوليج 84.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قضاؤه على ستة أوجه يصح في خمسة، ويختلف في واحد، فيصح إذا قضى ثمن سلعته بيد بائعها لم يسلمها بعد أو يسلمها وهي قائمة العين لأنه 85 لو لم يقضه لكان أحق بها أو مستهلكة, والغرماء عالمون بفلسه، وتركوه للبيع والشراء، ولم يقوموا عليه, أو كانوا على شك من اختلال 86 حاله لأمور حدثت أو كان ظاهر اليسر ومعلوم من غرمائه أنهم لو علموا بفلسه لم يقوموا بما يرجون من معاملته لغيرهم، ويقضي مما يدخل عليه أو ليجبر الخسارة، ويختلف إذا كانوا لا يتركون الضرب عليه 87 لو علموا.
وقد قال ابن القاسم في العتبية: إذا اجتمع رأي 88 غرمائه على فلسه، فبادر أحدهم إليه واقتضى منه أن للغرماء أن يدخلوا عليه 89. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: هو أحق ولا يدخلون عليه 90. وقول ابن القاسم أحسن.
الجزء: 12 - الصفحة: 5560
باب في المريض يؤخر غريمه بدينه
91 وإذا أوصى المريض لرجل بدين له عليه وهو مائة دينار أن يؤخر عنه سنة، ولم يحمل ثلثُهُ ذلك خُيِّرَ الورثةُ بين أن يجيزوا الوصية أو يقطعوا له بثلث الميت بتلا فيسقط عنه ثلث ما عليه ويأخذ الثلث مما سواه 92 وإن أوصى مع ذلك بوصايا وصاروا إلى الحصاص ضرب الموصى له بالمائة بقدر ربحه فيها فإن كان تاجرًا أو بزازًا أو ما أشبه ذلك ممن يدير نُظر إلى قدر ربحه فيها سنة على المعتاد عندهم فإن قيل: خمسون دينارًا فضت تلك الخمسين على أيام السنة ثم ينظر إلى ما ينوب كل يوم من تلك الدنانير، فإذا علم ذلك قومت تلك الخمسون كم تساوي لو بيعت بالنقد على أنها تقبض مؤجلة كل يوم كذا وكذا، وإن لم يكن الموصى له ممن يدير قيل في كم تسلم هذه المائة على المعتاد مما يسلم فيه بذلك البلد على أنه يقبض إلى السنة، فإذا عرف ذلك قيل: بكم يرى أنه 93 يباع ذلك عند حلول السنة، فإن قيل: بمائة وخمسين علم أن الربح خمسون فتقوم تلك الخمسون بما تباع به بالنقد على أنها تقبض إلى سنة، ثم يحاص أهل الوصايا بذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 5561
باب في إقرار المريض
إقرار المريض على ستة أوجه: لأجنبي، أو لصديق ملاطف، أو لوارث، أو لأجنبي وصديق، أو لأجنبي ووارث، أو لأجنبي وصديق ووارث.
فإن أقر لأجنبي، جاز، وإن أقر لصديق ملاطف، جاز إقراره بشرطين ألا يكون عليه دين لأجنبي، وأن يكون ورثته أولادًا ذكورًا أو ذكورًا وإناثًا.
فإن كان عليه دين لأجنبي أو كان ورثته عصبة، لم يجز إقراره.
واختلف إذا كان وارثه إناثًا أو عصبة أو أبويه فقيل: إقراره ساقطٌ، وقيل: جائز، وهو أحسن؛ لأن إقراره على العصبة إقرار على البنت، والفرار عنهم فرار عنها إلا أن تكون هناك تهمة في الصديق أن يرده للبنت.
وقال ابن القاسم في كتاب الوصايا الأول: الأبوان كالعصبة يتهم في الفرار عنهم 94. وأجاز ذلك في كتاب محمد 95 وهو أبين، ولا يتهم أن يفر عن أبويه إلى صديقه 96.
واختلف إذا لم يجز إقراره مع العصبة هل يجوز إذا حمل ذلك الثلث، أو يرد إلى الثلث قياسًا على قوله في السيد يقر في مرضه أنه قبض كتابة مكاتبه.
فقال: إن حمله الثلث؛ جاز؛ لأنه لو شاء أعتقه، وإن لم يحمله، لم يجز قوله؛ يريد: حمله الثلث، ولم يشغل الثلث بوصية فتضعف التهمة لما كان قادرًا على أن
الجزء: 12 - الصفحة: 5562
يجعلها وصيةً في الثلثِ فعلى هذا يجوز إقراره للصديق إذا حمله الثلث فيخرج من رأس المال، فإن احتيج شيء من المال بعد موته، وقبل النظر في التركة حتى صار لا يحمله الثلث أخذ ذلك من رأس المال؛ لأن محمل إقراره كان على الصحة، ويجري فيها قول آخر: أنه إذا كان قوله في الأصل لا يحمله الثلث أنه يرد إلى الثلث، ويسقط الزائد قياسًا على قوله في كتاب العتق: أنه يجعل الفضل الذي اتهمه فيه في الثلث.
فصل [فيما إذا أقر للزوجة والوارث ولد]
فإن أقر للزوجة وورثته ولد جاز إلا أن يقوم دليل تهمة فيها، إما لأنه معروف بالميل إليها، أو تعلق النفس بها 97 أو تكون شابة وهو شيخ وله ولد من غيرها 98 فالشأن أنها تستميله، وتصده عن ولده، وكذلك إذا كان جميع ولده منها وبعضهم صغير قال في كتاب محمد: إن أقر لها وهي مطلقة وله ولد منها فإنه يتهم 99 فاتهمها في الولد الصغير، وإن كانت الزوجة في غير العصمة.
قال ابن القاسم: أو يعلم منه البغضة لولده فكل هذا قرائن تدل على التهمة 100، وهذا إذا كان إقراره بدين من غير الصداق، ولا يقبل إقراره بمقدم صداقها قبل الدخول، ويقبل إقراره بالمهرة لأنَّ الشأن بقاؤه في الذمة وكأنه لو ادعى دفعه لكان القول قولها، وإن أقر لها بدين وورثته عصبة لم يصدق فإن
الجزء: 12 - الصفحة: 5563
كانت بنتًا وعصبة جرى على الخلاف المتقدم.
فصل [فيما إذا أقر للولد مع الزوجة]
وإن أقر للولد مع الزوجة لم يصدق إلا أن يعلم منها 101 البغضة له 102، وإن أقر لأحد ولديه ولا زوجة له 103، ولا يعلم منزلتهم منه في الحب والبغض، لم يصدق، وإن كانا صغيرًا وكبيرًا، لم يصدق في إقراره للصغير 104.
واختلف في إقراره للكبير وأن يجوز أحسن؛ لأنه لا تهمة هناك، وكذلك إن كانا كبيرين بارًّا وعاقًّا، لم يجز إقراره للبار.
واختلف في إقراره للعاق فأجاز ابن القاسم في الرابع من الوصايا من كتاب محمد 105، وإن كانا صغيرًا وكبيرًا بارًّا وعاقًّا، لم يجز إقراره للصغير ولا للبار ويجوز للعاق على المستحسن من القول، وإن كانا ابنًا وبنتًا فأقر للابن جاز إن كانت الابنة بكرًا، ولم يجز إن كانت الابنة 106 ثيبًا ذات زوج؛ لأن المعروف ميل الأب حينئذٍ للابن، وإن أقر للبنت بعكس هذا فيجوز إن كانت ذات زوج، ولا يجوز إن كانت بكرًا؛ لأنها في معنى الصغير، وإنما تتزوج
الجزء: 12 - الصفحة: 5564
ويرغب فيها لمكان مالها ولشورتها، وهذا مع الزوجة فإن كانت للميت زوجة جرى الجواب على قولين؛ لأنه لا تنال الزوجة مضرة إلا نال الولد أخرى 107، ولا أرى أن يجوز إقرار الأم لأحد الولدين ويرد إقرارها للابنة، وإن كانت مدخولًا لما علم من ميلها إليها وإيثارها على الذكور، ويرد إقرارها للابن؛ لأنه يتهم أن يكون استمالها حتى أقرت له، والنساء يضعفن عند الاستمالة.
وإن كان وارث المريض بنات أو عصبة, فأقر للبنات أو لإحداهن، لم يجز إقراره، وإن أقر للعاصب أو للعصبة إقرار سواء، وإن أقر لأحدهما فعلى الخلاف المتقدم 108، إذا أقر للصديق ووارثه ابنة وعصبة، وكل من تقدم القول فيه أنه لا يقبل الإقرار له.
فإنه إن كان هناك دليل على ما أقر به قبل قوله.
قال مالك: إذا كان المقر له أو وكيله يقتضي من المقر في صحته قُبِل إقراره، يريد: ما لم يقر له بأكثر مما يشبه أن يكون له عنده، فكل من لا يصح له الإقرار بالدين فلا تصح البراءة له مما له عنده من دين.
109 محمد: وإن أقر المريض أنه قبض دينًا كان له على بعض ورثته، ثم مات الذي له عليه الدين قبل، لزم الباقي إقراره وسقط دينه ما لم يكن ورثة أخيه ورثة الباقي 110 المقر أنه قبض دينه 111.
الجزء: 12 - الصفحة: 5565
قال: فإن أقر المريض أنه اشترى بهذه السلعة من ابنه بعشرين دينارًا، ودفع إليه الثمن، والسلعة قائمة بيد الأب، وأقر الابن بمثل ذلك غرم العشرين الدينار، ولم يأخذ السلعة 112، وإن أقرّ الأب أنه قبض وديعته التي عند ابنه جاز إقراره إذا لم يودعها ببينة.
قال: وقد قيل لو كان أصلها ببينة كان إقرار الأب بالقبض جائزًا؛ لأن الابن لو قال: ضاعت مني جاز قوله.
وفي كتاب التفليس: إذا أقر لأجنبي ولصديق ملاطف أو لأجنبي ولصديق ملاطف ووارث، وسيأتي مستوعبًا إن شاء الله.
الجزء: 12 - الصفحة: 5566
باب في إقرار الوارث والوصي
إقرار الوارث على أربعة أوجه: فإن كان عدلًا رشيدًا، جاز إقراره في نفسه وجازت شهادته على غيره فيحلف المقر له مع شهادته ويأخذ جميع حقه، وإن كان رشيدًا غير عدلٍ حلف المنكر من الورثة وبرئ.
ثم يختلف في القدر الذي يغرمه المقر من الورثة 113 فقال مالك مرة 114: يغرم قدر 115 ما ينوبه، وبه أخذ ابن القاسم 116، وروى عنه أشهب أنه قال: يغرم جميع الدين إذا كان في نصيبه وفاء به 117، وروى عنه أيضًا أنه قال: يغرم قدر ما ينوبه مثل رواية ابن القاسم، وقال: أخاف إن أخذ بجميع الدين ألا يقر أحد، وهذا مثل ما قيل فيمن أقر بشهادة الزور أنه لا يعاقب خوف أن لا يقر أحد فأسقط ها هنا حق الله تعالى، وهناك 118 حق لآدمي، وإن كان سعيها غير عدل سقط إقراره وشهادته.
واختلف عن مالك في قبول شهادته إذا كان سفيهًا عدلًا 119، وأرى أن تجوز ويحلف المشهود له، ويأخذ جميع دينه من الرشيد؛ لأنه إنما أخذ ذلك بشاهدة 120 ويمين، ويكون الشاهد حينئذٍ بمنزلة أن لو كان غير وارث، وهذا
الجزء: 12 - الصفحة: 5567
إذا أقر بدين، وإن أقر له بمعين بعبد أو ثوب كان له نصيب المقر وحده إذا نكل عن اليمين، أو كان المقر غير عدل، وهذا إذا لم يخلف الميت إلا عبدًا أو أكثر ولا يحمل القسم.
واختلف إذا حمله القسم (1) فقيل: له نصيب المقر كالأول، وهو أيضًا ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الوصايا من المدونة؛ لأنه قال: إذا ترك الميت رقيقًا كثيرًا كان له من ذلك العبد قدر مورثه (2)، وقيل: إن لم يرض المنكر بتسليم نصيب المقر قسموا، فإن صار ذلك العبد للمنكر كان للمقر له أن يأخذ من المقر قدر ما زاده القسم لدخول ذلك العبد في المقاسمة، وإن صار ذلك العبد للمقر أخذه المقر له بغير شيء، وليس هو بمنزلة من افتدى عبدًا من اللصوص؛ لأنّ الافتداء بالطوع وهذا أجبر على دخوله في المقاسمة، فأشبه ما لو سلمه إليه الغاصب بالجبر وأخذ منه آخر على وجه المعاوضة.
فصل [في إقرار الوصي على من يلي]
إقرار الوصي على من يلي عليه جائز بشرطين:
أحدهما: أن يقر بما تولاه لنفسه فيقول: بعت هذا العبد أو اشتريته أو قبضت من هذا الدين.
والثاني: أن يقر وهم في ولاية ما لم يرشدوا بعد فإن قال: باعه الميت أو اشتراه أو اقتضى ما على فلان لم يقبل قوله، وكان شاهدًا للمقر له فإن حلف121122
الجزء: 12 - الصفحة: 5568
مع بشاهده 123، وإلا رجع إلى ما كان يوجبه الحكم لو لم يشهد له، وإن خالفه الغريم وقال: بل قضيتك ولم أقض الميت، كان القول قول الوصي مع يمينه، وتسقط شهادته 124 للغريم، ويكون على الغريم أن يغرم ذلك للمولى عليه.
واختلف هل يلزم الوصي النظر فيه فقيل: ليس ذلك له 125 عليه؛ لأنه يقول: أخذ بغير حق 126، ولا شيء عليه ولا يجوز لي أن أتصرف فيما ظلم فيه.
واختلف إذا نكل الوصي 127 عن اليمين، فقال مالك: إن كان ذلك يسيرًا غرمه الوصي، ووقف إذا كان كثيرًا وقال: لا أدري.
وقال ابن هرمز وابن القاسم: يضمن، وإن كان كثيرًا 128 129، وهذا يحسن، إذا كان الوصي ممن يظن به، وإن كان مبرزًا في الدين والفضل لم أر عليه شيئًا؛ لأنَّ مثل ذلك ينكل عن حق نفسه، وليس يمين الآخر دليلًا على أنه قبض ذلك، وإن كان على الميت دين فقضاه بغير بينة، وأنكره الغرماء حلفوا وغرم الوصي؛ لأنه فرط إذا قضى بغير بينة.
وقال أشهب في كتاب محمد: ولو قال: أشهدت وماتوا أو غابوا لضمن إذا حلف 130 الغرماء 131.
الجزء: 12 - الصفحة: 5569
وقال سحنون في المجموعة: إذا طال الزمان حتى يرى أنهم نسوا أو ماتوا فعسى أن يقبل منه (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا طال الزمان لم يقبل قول الغرماء في تأخير الدين.
فصل [فيما إذا اعترف الوصي بدين على الميت وخفي له أن يوصله إلى مستحقه]
وإذا اعترف الوصي بدين على الميت، وخفي له أن يوصله إلى مستحقه فعل وإلا رفع 133 إلى الحاكم، وكان شاهدًا.
وقال أشهب في المجموعة: للوصي أن يقضي دين الميت بغير أمر القاضي إذا كان فيه شهود عدول، قال: والثقة أن يرفع إلى القاضي؛ لأنه لو بلغ اليتيم فجرح الشهود ضمن، وأخذ ذلك ممن قبضه، وإن كان بأمر القاضي لم تقبل جرحتهم 134، وأرى ألا ضمان عليه، وإن لم يرفع إلى القاضي؛ لأنه كالحاكم عليهم وهو وكيل فعوض إليه، ولو رفع فإنما يعذر فيهم إليه فإذا كان يعلم منهم 135 العادلة لو أعذر إليهم القاضي فيهم لسلم لم يكن عليه شيء، وإن جرحوا بما كان متقدمًا رجع على الغريم، ولا يرد ما أخذ 136 بما أحدثوا من الجرحة بعد.132
الجزء: 12 - الصفحة: 5570
فصل [فيما إذا رشد اليتامى، وقال الوصي: كنت قبضت ما على الغرماء]
واختلف إذا رشد اليتامى فقال: كنت قبضت ما على الغرماء، فقال محمد: هو شاهد يحلفون ويبرؤون، وإن لم يكن عدلًا غرم الغريم ورجع على الوصي إذا لم يثق 137. وقال سحنون: قوله مقبول.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا كان قوله ذلك عندما أراد أن يسلم إليهم أموالهم وعند المحاسبة فقوله: مقبول، كأنه كان وكيلًا على القبض، ولم يسئل عنه إلا الآن، فإن حاسبهم، ثم قال: قبضت من فلان وأنسيت ذكره، فإن لم يكن تقدم له ذكر بقبض ولا بغيره، فكذلك يقبل قوله إذا طالت مدة المداينة؛ لأنَّ القول قول الغريم أنه دفع إذا طالت المدة، وإن كانت المداينة قريبة فهو أشكل.
وقد اختلف في العامل بالقراض يسلم المال، ثم يأتي بعد المحاسبة بالقرب فيقول: أنسيت النفقة، هل يقبل قوله.
الجزء: 12 - الصفحة: 5571
باب فيمن أقر ببضع وما يلزم في ذلك
ومن المدونة قال مالك: فيمن أقر لرجل ببضعة عشر درهمًا، قال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فإن اختلفوا لم يعط إلا ثلاثة 138 إذا زعم ذلك 139 المقر 140.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إن شكَّا جميعًا كان للمقر له 141 ما تيقناه من ذلك.
واختلف هل يقسم الزائد إذا شكَّا فيه، وإن تيقنا أو اختلفا كان القول قول المقر مع يمينه ما لم يدع أنه أقل من الثلاث فلا يصدق.
وإن أيقن أحدهما وشك الآخر كان القول قول من أيقن.
واختلف في يمينه إلا أن يقول الغارم إن دينه لا يبلغ التسعة، وقد ادعاها الطالب فيحلف المطلوب على ما يرى أنها لا يجاوزه، ويكون الآخر بالخيار بين أن يأخذ ما أيقن به المقر بغير يمين، أو يحلف ويأخذ جملة ما شك فيه، وإن مات المقر قبل أن يسأل أخذ من ذمته أقل البضع وهو ثلاثة، وقيل: يقسم الزائد ولا ينظر ها هنا إلى يقين يمين الطالب بعد موت المقر؛ لأنه يمكن أن يكون لو سئل لذكر معرفته إلا أن يكون قد سئل فأخبر أنه شاك فيأخذ الحي ما ادعاه.
قال محمد في مريض قال لفلان عندي مائة ثم مات قبل أن يسئل: كان له
الجزء: 12 - الصفحة: 5572
النصف دراهم والنصف دنانير 142. وعلى القول أنه يعطى أقل ما يتضمنه الإقرار يعطى مائة درهم، ومن رجع ممن كان على شك، وادعى أنه تذكر وعرف حقيقة ذلك قُبل قوله أنه تذكر وارتفع حكم الشك.
وقد اختلف أهل اللغة في البضع فقال ابن فارس 143 وابن قتيبة: هو ما بين الواحد إلى التسع 144.
وقال أبو عبيدة 145: هو ما لم يبلغ العقد ولا نصفه.
يريد من الواحد إلى الأربع 146، وليس بالبين، وقد ذكر الطبري عن غير واحد أن لُبْث يوسف في السجن كان سبع سنين، وهذا يرد قوله، وقد ذكر عن مجاهد وقتادة: أن البضع ما بين الثلاث إلى التسع 147.
الجزء: 12 - الصفحة: 5573
باب فيمن وُصِل بمال ثم وصل به آخر ثم مات أحدهما قبل القبض
ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن استقرض دراهم ثم وهبها لآخر قبل القبض فمات الواهب قبل أن يقبضها الموهوب له: أنها ماضية 148، وقال غيره: لا شيء له فيها 149، وعلى هذا يجري الجواب إذا مات الأول] 150، وهو مقرض فيثبت القرض والصلة على قول ابن القاسم؛ لأنه في معنى المقبوض لما زالت يد المستقرض عنه 151، وصارت يد غيره عليها، وتسقط على قول غيره، ولا تخلو العطيتان من أن تكونا جميعًا صلة أو قرضًا أو أحدهما صلة والآخر قرضًا فإن كانتا صلة 152 ثبتتا على قول ابن القاسم، وسواء مات الواصل الأول أو الثاني.
وإن كانتا قرضًا فمات 153 الأول 154 أخذها الآخر من تركته وقضاها كل واحد منهما عند الأجل الذي اقترض إليه، وإن مات الأوسط قبضها الآخر 155
الجزء: 12 - الصفحة: 5574
وقضاها ورثة الأوسط الآن؛ لأنها حلت عليه بموته, وإن مات الآخر سقط حقه فيها؛ لأنها حلت عليه بموته فلا فائدة في قبض ورثته لها؛ لأنه يحكم عليه بردها إلى الأوسط بالحضرة، ويقبضها الأوسط من الأول، ثم يقبضها عند حلول الأجل الذي اقترض إليه.
وإن كانت الأولى صلة والثانية قرضًا أو الأولى قرضًا، والثانية صلة فمات الأول أو الأوسط كان للآخر قبضها، ويفترق الجواب في موت الأوسط فإن كانت الأولى قرضًا والثانية صلة 156 قضاها ورثته الآن بحلولها على ميتهم، ولا شيء على الآخر لأنها له صلة.
وإن كانت الأولى صلة, والثانية قرضًا كان للآخر أن يقبضها، ثم يقبضها عند حلول أجلها، ولا شيء على ورثة الأوسط لأنها لميتهم صلة، وإن مات الآخر وكانت له صلة قبضها ورثته، وقضاها الأوسط 157 إذا حل أجلها؛ لأنها كانت عليه قرضًا، وإن كانت الأخيرة قرضًا قبضها الأوسط؛ لأنها من الأول صلة، ولم يكن لورثة الآخر قبضها؛ لأنها قرض، وقد حلت عليه بالموت، وعلى أصل غيره إن مات الأول سقطت، ولم يتعلق على ورثته فيها شيء للأوسط ولا للآخر على أي حال كانت من صلة أو قرض.
وإن مات الأوسط سقط حق الآخر سواء كانت له قرضًا أو صلة، ثم ينظر في حق الميت فيها، فإن كانت الأولى صلة قبضها ورثته من الأول، وإن كانت قرضًا لم يقبضوها؛ لأنها حلت على ميتهم بموته، وإن مات الآخر
الجزء: 12 - الصفحة: 5575
وكانت صلة أو 158 الأولى قرضًا والثانية صلة قبضها ورثة الآخر وقضاها الأوسط إن كانت قرضًا عند حلول أجلها.
وإن كانت الآخرة قرضًا سقط حق ورثته فيها لحلولها وكان حق الأوسط قائمًا فيها، وسواء كانت الأولى صلة أو قرضًا، والقياس إذا مات الأول وكانت منه للأوسط على وجه القرض أن يقوم الآخر على الأوسط إذا حل أجل القرض فيغرمه مثل ما كان وصله به؛ لأنه يقول له: أنت رضيت أن تكون قبلك قرضًا ولي صلة، ويغرمها للأول إذا حل الأجل، فأنا آخذك بغرم ما كنت رضيت أن تغرمه.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب فيمن تصدق عليه بصدقة، ثم باعها المتصدق عليه قبل أن يقبضها، فلم يقبضها المشتري حتى مات المتصدق بها: أن ذلك جائز؛ لأن ملكه قد زال عنها إلى ملك من لا حوز عليه.
وقال أصبغ: لا أرى البيع جائزً، يريد لما كانت يد المتصدق باقيةً على صدقته، والأول أبينُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 5576
باب فيمن استقرض رجلًا دراهمَ فأمره أن يقبضها من غريمه فصارفه فيها أو قاصَّه (1) بها من دين له عليه أو أمر رجلًا يقضي (2) عنه دراهم فقبض عنها الغريم دنانير أو عروضًا
ومن استقرض رجلًا دراهم فأمر غريمه أن يدفعها إليه فصارفه المستقرض فيها، جاز، ولا خلاف في ذلك.
واختلف بم يرجع به المقرض؟ فقال ابن القاسم: يرجع بما أمر، قال: وقد اختلف قول مالك فيها 161، وقال في كتاب محمد: اختلف قول مالك فيها ثلاث مرات 162 فقال مرة: يرجع بالدراهم 163، وقال مرة: بالدنانير، وقال مرة: هو بالخيار.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأما قوله: أنه يرجع بالذهب، فهو راجع إلى قوله هو بالخيار؛ لأنه لا يصلح أن يأمره بقبض دراهم فيصرفها 164 من غير وكالة من الآمر ويلزم الآمر فعله، والقول الأول أنه يرجع بالدراهم أحسن؛ لأن المصارفة كانت برضًا من المستقرض.159160
الجزء: 12 - الصفحة: 5577
قال ابن القاسم: ولو أراد المقرض أن يمنعه من بيعها لم يكن ذلك له 165؛ لأنه بيع حادث.
ويختلف لو أخذ عنها عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن حسب ما تقدم، والصواب أنه بيع حادث، ولا يرجع إلا بما أمر به.
وقال ابن القاسم فيمن استقرض رجلًا خمسة دنانير، فأمر غريمًا له عليه خمسة دنانير أن يعطيه إياها، فقاصه بها الغريم من دين له عليه جاز 166، ولا يختلف في ذلك؛ لأنها دنانير كلها وسكة واحدة، ولو قاص بها من دراهم كانت له عليه أو عرض لرجل لدخل الخلاف المتقدم، وقال ابن القاسم: لو أمرت رجلًا ينقد عني رجلًا ألف درهم فباعه بها جارية أو عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن من غير العين؛ جاز، ويرجع بالألف الدرهم 167.
قال سحنون: وقد ذكر عن مالك فيها اختلاف أنه لا يربح في السلف 168، والأول أبين؛ لأنها مبايعة حادثة من المستقرض، وإنما يدخله السلف بزيادة إذا دفع ألفًا ورجع بأكثر، وأما إذا دفع من غير الجنس فلا يدخله ذلك.
واختلف إذا أمره أن يدفع عنه نصف دينار فدفع دينارًا أو دراهمَ أو عروضًا فقال مالك في كتاب محمد: فيمن قال لرجل: اقض عني نصف دينار فدفع دينارًا 169 أنه إذا دفع عنه غير الدراهم ما كان من طعام أو غيره فله بذلك
الجزء: 12 - الصفحة: 5578
نصف دينار على الآمر ما بلغ، وإن دفع دراهم كان الآمر بالخيار إن شاء أعطاه دراهمَ و 170 إن شاء أعطاه نصف دينار 171. وقال أيضًا: إن دفع طعامًا أو ثوبًا فإنه يكون له على الآمر ثمن ذلك دراهم، وإن دفع دراهم 172 كان بالخيار إن شاء دفع مثل عدد ما دفعه عنه، وإن شاء دفع نصف دينار صرف اليوم يوم دفع 173. قال ابن القاسم: ثم رجع عن قوله بالخيار قال: بل يدفع إليه مثل وزن ما دفع 174. وقال مالك: ولو دفع 175 الأمور دينارًا فأخذ الغريم نصفه ورد على المأمور نصفه كان للمأمور على الآمر نصف دينار ما بلغ 176، وقال ابن القاسم: إذا أمره أن يدفع عنه نصف دينار فليس يقع إلا على الدراهم، ولا يكون للمأمور على الآمر إلا عدد ما دفع عنه من الدراهم إن دفع عنه الدراهم 177. ويلزم على قوله إن دفع دينارًا فأخذ الغريم نصفه ورد نصفه أن يكون الآمر بالخيار بين أن يدفع إليه نصف دينار دراهم بصرف يوم القضاء ولهذا قال ابن القاسم: ليس يقع إلا على الدراهم 178؛ لأن الغريم وهو الآمر لم يكن
الجزء: 12 - الصفحة: 5579
يجير على أن يقضي يوم حل عليه الدين إلا دراهم يصرف (1) يوم القضاء، وإما إن دفع عرضًا أو طعامًا، فإنه بيع حادث ويرجع بدراهم على صرفها من نصف دينار من (2) يوم كان القضاء.
فصل [فيمن قال لرجل انقد عني فلانا ألف درهم فأنعم له بذلك]
وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل انقد عني فلانا ألف درهم فأنعم له بذلك، قال: هذه حمالة فإن مات القائل لم تسقط 181، يريد: أنها حمالة اشترط فيها تبدية الحميل، وأن يكون منه ذلك على وجه السلف.
واختلف إذا مات 182 الحميل قبل القبض هل تلزم لأنها حمالة بعد عقد البيع؟
وقال مالك في من قال لرجل: ادفع عني لفلان مائة درهم فقال: نعم، قال: إن كان الغريم اقتعد على موعد وانصرف على ذلك لزمه 183.
فكأنه رأى أن مجرد قوله: نعم محتمل أن يريد بذلك التحمل بقوله ولا يريد ألا يجاب فيكون له الرجوع عنه.179180
الجزء: 12 - الصفحة: 5580
باب فيمن التزم أن يقضي دين ميت, ثم رجع عن ذلك أو قضاه, ثم أراد أن يرجع به في تركة الميت أو قضاء دين عن حي فكره الغريم مطالبته من قضاء ذلك الدين
قال ابن القاسم فيمن قال: أنا ضامن لقضاء دين ميت، ثم رجع عن ذلك لزمه ما ضمن قال: وإن قضاه ولا مال للميت وهو عالم بذلك، ثم طرأ للميت مال لم يرجع فيه بشيء؛ لأن فعله كان على وجه الحسبة (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: والقياس أن يرجع إذا تبين أنه كان له مال؛ لأن القصد في مثل هذا التخفيف عن الميت وليس أن يرث الورثة ماله ويغرم هو عنه ولو وهب للميت مال فقبله ورثته لم يرجع فيه بشيء لأن هذا مال حادث وكذلك أرى إذا ضمن القضاء عن الميت، وكان ظاهر اليسر ثم تبين أنه معسر ألا يكون عليه شيء؛ لأنه يقول إنما تحملت لأرجع ولو علمت أنه معسرٌ ولا أجد ما أرجع به لم أضمن.
فصل [فيما إذا قال أنا أقضيك الدين الذي لك على فلان]
ومن قال لرجل: أنا أقضيك الدين الذي لك على فلان جاز، وإن كره الغريم ولا يرد قضاؤه إلا أن تكون بينهما عداوة، ولا يمكن من طلبه ويرد قضاؤه إلا أن يغيب الطالب بالمال فيقيم القاضي وكيلًا ليقبض ذلك184
الجزء: 12 - الصفحة: 5581
من الغريم 185.
واختلف إذا اشترى رجل دينًا على غريم هل يكون المطلوب أحق به في مثل ذلك الثمن، فإن اشترى رجل دينًا، فإن كره أخذه بالثمن مضى البيع لمشتريه به 186 إلا أن تكون بينهما عداوة فيرد شراؤه، وهو قول مالك 187، وأرى أن يكون المشتري بالخيار بين أن يبيع ذلك الدين، ويسقط مقال الغريم؛ لأن المنع كان بحق آدمي ألا يمكن من أداه بالاقتضاء، وقد زال ذلك بالبيع الثاني أو يرد البيع الأول؛ لأنه يقول: اشتريته، وأنا أرى أني أمكن من قبضه والمنع من ذلك عيب فيرد بالعيب، وإن اشترى نصراني مسلمًا أو مصحفًا كان البيع فاسدًا، وليس كالأول؛ لأن منع الأول لحق آدمي، وهذا لحق الله سبحانه.
واختلف فيه إذا نزل لأن الفساد فيه من قبل العقد ليس في الثمن ولا في المثمون، فقيل: يمضي بالعقد، وقيل: يفسخ فإن فات مضى بالثمن، وقيل: يمضي بعد الفوت بالقيمة، وهذا إذا كانا يجهلان حكم ذلك البيع فإن كانا يعملان كان بمنزلة ما فساده في ثمنه فيفسخ ويمضي بعد الفوت بالقيمة؛ لأن المشتري دخل على ما لا يعلم ما يحكم عليه به إما أن يجبر على الفسخ ولا يمكن منه أويمكن ويجبر على بيعه فيعود إليه كر من ثمنه أو أقل من ذلك وذلك غرر.
تم كتاب المديان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
الجزء: 12 - الصفحة: 5582