التبصرة للخميكتاب اللعان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحسنية رقم (12929) 3 - (ق 10) = نسخة القرويين رقم (370) 4 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 5 - (ش 1) = نسخة الشيخ أبَّاه - النباغية (شنقيط)

الجزء: 5 - الصفحة: 2423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

كتاب اللعان

باب في اللعان بين الزوجين وصفته

الأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيات [النور: 6] وحديث عويمر العجلاني قال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا".
فَتَلاَعَنَا، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُهَا.
فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ذَاكُمُ 1 التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاَعِنَيْنِ، وقال: أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، قالَ ابن عمر 2: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ، قال سهل: كَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لأُمِّهِ 3. وقذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وألحق الولد بالمرأة، وقد اجتمع على هذين الحديثين البخاري ومسلم 4.

الجزء: 5 - الصفحة: 2425

فصل [في صفة اللعان للرؤية، ولنفي الحمل]

واختلف 5 في صفة اللعان للرؤية، ولنفي الحمل، فأما الرؤية فأحسن ذلك أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، إني لمن الصادقين، لرأيتها تزني زنا كالمِروَد 6 في المُكحُلة 7، يقول ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم تقول المرأة: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إنه لمن الكاذبين، وما رآني أزني، تقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويستحب أن توقف المرأة عند الخامسة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الخامسة "أَقِيمُوهَا فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ" 8. وقد اختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا قال: أشهد بالله، ولم يزد أو أقسم بالصفة، فقال: أشهد بعلم الله، أو قال: أقسم بالله، ولم يقل: أشهد، أو قال: أشهد بالرحمن، ولم يقل: بالله.
والثاني: إذا لم يقل: إني لمن الصادقين، أو جعل مكان ذلك إن كنت كذبت عليها، أو جعل مكان اللعنة الغضب، أو جعل مكان الغضب اللعنة 9. = 2/ 1134، من كتاب اللعان، برقم (1496).

الجزء: 5 - الصفحة: 2426

والثالث: إذا لم يقيد 10 الزوج لعانه، فيقول: كالمرود في المكحلة، فقال في المدونة: يقول أشهد بالله 11، وفي كتاب الأقضية من كتاب محمد: يزيد: الذي لا إله إلا هو 12. وهو أبين؛ لأن العمل على 13 ذلك في الأيمان في الأموال، واللعان أعظم حرمة 14، فإن لم يفعل أجزأه 15 عند مالك ولم يحزئه عند أشهب 16، وكذلك إذا حلف بالصفة، فقال مالك في كتاب محمد: يقول: أشهد بعلم الله 17، وعلى أصل أشهب: لا يجزئه؛ لأنه قال: إذا حلف في الأموال، فقال: والله، ولم يزد أو قال: والذي لا إله إلا هو، لم يجزئه 18، والحالف بالله الذي لا إله إلا هو حالف بالذات عنده 19، فإذا لم يجزئه اليمين عنده بالله 20 لم يجزئه اليمين بالصفة.
وفي شرح الرسالة: إذا جعل مكان أشهد أقسم، أو مكان قوله: بالله بالرحمن، قال: النظر يقتضي أنه لا يجوز إلا ما نص عليه.
وهذا خلاف لقول مالك؛ لأنه أجاز اللعان بالصفة أن يقول: أشهد بعلم الله 21. وأرى: إذا حلف بالذات بأي أسمائه حلف أجزأه، وهو المراد بالقرآن أن يحلف به، وليس أنه مقصور على ذلك الاسم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" 22 ولا يختلف أن الحالف بالرحمن حالف بما

الجزء: 5 - الصفحة: 2427

يجوز له، وداخل فيما أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف به 23، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في قسمه: "لاَ 24 وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ" 25، وأجاز في المدونة ألا يثبت في لعانه: إني لمن الصادقين 26، وأثبت ذلك في كتاب محمد 27 وهو أحسن لورود القرآن به، وفي البخاري، قال: أمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن يتلاعنا بما في القرآن 28. وفي كتاب محمد: إذا جعلتْ مكان: "إن كان من الصادقين"، "إنه لمن الكاذبين" أجزأها 29، وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا جعل مكان اللعنة الغضب أو مكان الغضب اللعنة، النظر يقتضي ألا يجوز لمخالفتهما 30 القرآن 31.

الجزء: 5 - الصفحة: 2428

وأجاز في المدونة أن يقتصر على القول: لَرَأْيتُها (1)، وقال مالك في كتاب محمد: يقول كما يقول الشهود، ويوقف على ذلك، وقال أصبغ: يقول ذلك في كل مرة كالمرود في المكحلة (2). وهو أحسن؛ لأن أيْمانه بمنزلة الشهادة (3) توجب رجمها متى نكلت، فوجب أن يُثبت في لعانه ما تثبت البينة؛ لأنه لو قال: لرأيته عليها أو مضاجعها لم يوجب رجمها، فقد يريد بقوله ذلك القدر (4)، وليس عليها أن تثبت ذلك في لعانها، وقولها: ما رآني أزني كافٍ.
واختلف إذا بدأت المرأة باللعان، قبل الرجل، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجزئها، وليس عليها أن تعيد اللعان ثانية بعد لعان الرجل، وقال أشهب: تعيد الأيمان بعد لعان الرجل، وكذلك في الحقوق إذا بدأ الطالب ثم علم أن اليمين على المطلوب (5). يريد: ثم نكل المطلوب، أن اليمين ترد على الطالب.
وقول أشهب في اللعان أبين؛ لأن أيمان الرجل كالشهادة عليها بالزنى، فليس تسقط بأيمانها بينةٌ لم تشهد عليها بعدُ، ولأنها تحلف أنه لمن الكاذبين في أيمانها.

فصل [في صفة اللعان بنفي الحمل]

اختلف في صفة اللعان بنفي الحمل، فقال ابن القاسم في المدونة: يقول:3233343536 = لأن النص أوجب تعيين لفظ مخصوص كإيجاب عدد الشهادات) انظر: المعونة: 1/ 617.

الجزء: 5 - الصفحة: 2429

أشهد بالله لزنت، وتقول هي: أشهد بالله 37 ما زنيت 38، وقال في كتاب محمد: يقول: أشهد بالله إني 39 لمن الصادقين، ما هذا الحمل مني، وعلى هذا تقول هي: إنه لمنه 40. وقال أصبغ: يقول: أشهد بالله لزنت، وما هذا الحمل مني، وتقول: هي ما زنيت وإنه لمنه 41. وقال في العتبية، وهو في كتاب محمد: وأحب إلي أن يتبع مع قوله: ما هذا الحمل مني، ولزنت، في كل مرة نحو قوله في الرؤية 42، يريد: أن يقول: لزنت زنىً كالمرود في المكحلة وقال ابن شعبان: قال بعض أصحابنا، ويقول: ولقد استبرئت 43. وأرى أن يكون اللعان مبنيًا على الوجه الذي ينفي به ذلك الولد، فيثبت ذلك في لعانه، وقد اختلف في الوجه الذي 44 يجوز به النفي، وهل يصح ذلك بالاستبراء بانفراده، أو بالرؤية بانفرادها، أو بمجموع ذلك؟ والاستبراء 45 والرؤية على وجوه تذكر فيما بعد إن شاء الله 46.

الجزء: 5 - الصفحة: 2430

فمن أجاز نفيه بالاستبراء بانفراده؛ أثبت في لعانه الاستبراء لا غير 47، فيقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين، لقد استبرأتها 48، ويزيد: إنه كان من وقت كذا 49، وإن قال: رأيتها؛ لا عن للرؤية، وأنه رآها كالمرود في المكحلة.
ثم يختلف 50 هل يذكر التاريخ للرؤية؟ فعلى القول إن اللعان للرؤية ينفي الولد، وإن كانت حاملًا لا 51 يذكر هذا تاريخًا، وعلى القول: إنه لا 52 يراعى 53 الوقت الذي أتت به من وقت الزنا، يسأل عن الوقت الذي رآها فيه، فإن كان ستة أشهر فأكثر، قيل له: أثبت ذلك في لعانك، وعلى القول إنه لا ينفي إلا بالاستبراء والرؤية، يثبت جميع ذلك في لعانه، وقوله: إنه 54 يجزئه: قوله 55 ما هذا الحمل مني على القول 56 إنه يبرأ 57 بالاستبراء بانفراده، فيذكر ذلك، ولا يكون 58 عليه أن يقول: لزنت، لإمكان أن تكون غصبت، وقوله في المدونة: لزنت 59 يصح أن يُرَدَّ إلى القول أنه لا ينفى إلا باجتماع الرؤية والاستبراء.

الجزء: 5 - الصفحة: 2431

وقول ابن شعبان في إثبات الاستبراء في اللعان أحسن (1)، وكل هذا وإن لم يكن في الأحاديث، فإنه مما يُخصُّ به عمومها؛ لأن التعانه يوجب رجمها عند نكولها، فكان من حقها أن يثبت في التعانه ما يوجب ذلك عليها فيه (2)، فإن أحب أن يلتعن على صفة يكون فيها تلبيس على الوجه الذي يوجب ذلك عليها أو يكون فيه حق للولد، لا ينتفي معه، لم يمكّن منه، ويثبت كل (3) ذلك في الأربع كلما كرر (4) الشهادة.

فصل [في الموضع الذي يلتعن فيه وفي وقته]

واختلف في الموضع الذي يلتعن فيه وفي وقته، فقال في المدونة: في المسجد وعند 64 الإمام 65، وقال عبد الملك في المبسوط: في المسجد أو عند الإمام.
يريد: أن يكون في 66 أحد هذين: المسجد وإن لم يكن إمام، أو 67 الإمام وإن لم يكن مسجد.
وأما الوقت فقال ابن القاسم: في دبر الصلوات بمحضر من الناس 68. وفي كتاب محمد: وأي ساعة من النهار إن شاء الإمام، وعلى إثر المكتوبة أحب إليَّ 69. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر ولم 7060616263

الجزء: 5 - الصفحة: 2432

يكن 71 سنة، وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي 72. وأرى أن يكون اللعان في الجامع، وحيث يعظم منه 73، وليس يبعد 74 أن يكون عند القاضي والفقيه الجليل، ويجمع الناس لذلك؛ لأن الترهيب يقع بذلك، وأما ما كان من لعان 75 عويمر في المسجد بمحضر من 76 النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد 77 فيحتمل 78 أن يكون لو كانت النازلة، وسؤاله وهو في غير المسجد، للاعن بينهما في مكانه أو يبعثهما إلى المسجد أو يحضر معهما، وإذا احتمل ذلك لم يؤخذ من الحديث أصل بيّن.
وكونه دبر الصلوات حسن، لقول الله سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] فجعل لليمين بعد الصلاة تأثيرًا وحقًا للطالب أن يحضره لليمين في ذلك الوقت، وأما قوله بعد العصر فلقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] فأخرج البخاري ومسلم أنها نزلت فيمن حلف بعد صلاة 79 العصر فِي سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى فِيهَا مَا لَمْ يُعْطَ 80. فقال ابن شعبان: بعد العصر والصبح 81.

الجزء: 5 - الصفحة: 2433

وأظنه ذهب في ذلك لأنهما مشهودتان، يشهدهما 82 ملائكة الليل، وملائكة النهار، للحديث: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ" 83. وكذلك ينبغي أن تكون الأيمان في القسامة وما يعظم من الأموال والجراح.
وإن كان أحد الزوجين مريضًا أحلف في مكانه ذلك الوقت، وإن كانت الزوجة حائضًا أخرت حتى تطهر؛ لأن الحائض تمنع من 84 المسجد، ولأن اللعان في أحد القولين طلاق، والطلاق في الحيض ممنوع، وإن أحب الزوج أن يلتعن وتؤخر هي حتى تطهر، جاز ذلك 85، وإن قال بعد التعانه: أنا أرضى أن تلتعن هي في غير المسجد، لم يكن ذلك له 86؛ لأن التعانهما يتعلق به حق لله سبحانه، وهو الحد، إن نكلت فليس للزوج أن يسقط ما يتعلق بذلك من الترهيب في الجامع 87، ولو رضيت هي بالْتعانه في غير الجامع لم يكن لها ذلك إذا كان الْتعانه لنفي الحمل 88؛ لأنه حق للولد، فقد ينكل عن اليمين في الجامع، ولا ينكل إن لم يحلف فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 2434

باب في اللعان بين الزوجين الحرين، وإذا كان أحدهما عبدًا أو كافرًا أو غير بالغ، أو كانت الزوجة يائسة أو الزوج عنينًا أوحصورًا أو خصيًا أو مجبوبًا أو شيخًا فانيًا (1) أو أعمى أو أخرس

اللعان يجب بين الزوجين دون ملك اليمين، ثم هو على أقسام: فإن كان الزوجان حرَّين مسلمين بالغين، والزوجة محصنة غير يائسة 90 وجب اللعان بينهما إن قامت بحقها، فإن الْتعنا 91 وقع الفراق 92، وإن نكل حُدّ حدّ القذف ثمانين وبقيت زوجة 93، فإن لاعن ونكلت حدّت حد الزنى مائة جلدة 94 إن كانت بكرًا، ولم يدخل بها وبقيت زوجة، وإن كانت ثيبًا رجمت 95، وكذلك إن كانت الزوجة حرة والزوج عبدًا يجب عليه اللعان، فإن نكل حُدَّ حَدَّ القذف، وإن لاعن ونكلت وجب عليها بالتعانه حد الزنى الجلد أو الرجم، وإن كانت الزوجة مسلمة، والزوج نصرانيًا؛ لأنها أسلمت دونه أو تعدت وتزوجته على القول إنها لا تكون بتزوجه زانية وجب عليها اللعان لقذفها، وإن نكل حُدَّ حد القذف، وإن لاعن ونكلت لم تحد 96 بأيمان الكافر؛89

الجزء: 5 - الصفحة: 2435

لأن الأيمان مقام الشهادات.
قال ابن القاسم: ولا لعان بين الحر والأمة والمسلم والنصرانية إلا في نفي الحمل 97. وإن نكل لحق به الولد، ولم يحدّ، وإن لاعن وجب على الأمة اللعان، فإن لاعنت وقعت الفرقة، وإن نكلت حدت حد الزنى خمسين، وبقيت زوجة، وسواء كانت مدخولًا بها أم لا، وإن كانت نصرانية لم يجب عليها إذا لاعن أن تلاعن وبقيت زوجة.
قال محمد: وإن الْتعنت وقعت الفرقة 98، وليس وقوع الفرقة بالبين، وإذا لم تكن نصرانية داخلة في قوله -عز وجل-: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] وأن 99 المراد بالآية المسلمة، وأن لا عذاب على هذه، كان من حق الزوج أن يمنعها 100 اللعان، وتبقى زوجة، فإن التعنت لم يقع بذلك فراق؛ لأنها أوقعت اللعان في غير موضعه، وإن كان الزوج غير بالغ لم يكن بينهما لعان؛ لأنَّ قذفه لا يلزمه به حد، فإن أتت بولد لم يلحق به، ويفترق الجواب إذا كان بالغًا وهي غير بالغ، فإن كانت في سن من لا يطيق الرجال 101 لم يكن عليه شيء؛ لأن قذفه إياها لم يُلحق بها معرة.
ويختلف إذا كانت في سن من يطيق ولا يُخشى منها حمل، فقال ابن القاسم: يلاعن، فإن نكل حد ولا لعان عليها إن لاعن 102؛ لأنها إن أقرت بما

الجزء: 5 - الصفحة: 2436

رماها به، أو قامت عليها به 103 بينة لم تحدَّ.
وقال ابن الماجشون: لا حدَّ على قاذف من لم يبلغ من الإناث.
فعلى هذا لا يجب عليه لعان ولا حد، ويجري فيها قول ثالث: إنه يحدّ ولا يلاعن قياسًا على أحد قولي مالك إن اللعان لا يكون إلا لنفي الحمل خاصة 104. وإن كانت في سن من يخشى منها الحمل، كان له أن يلاعن قولًا واحدًا إن ادعى رؤية؛ لأنه يخشى الحمل، وإنما الخلاف هل يجب ذلك عليه؟ فعلى قول مالك يجب بحقها في القذف، وعلى قول عبد الملك لا يجب؛ لأنه لا يحد قاذفها، وله أن يلتعن إن أحب ويوقف أمرها، فإن ظهر حمل لم يلحق به، ووجب عليها اللعان؛ لأن الحمل لا يصح إلا من بالغ، فظهور الحمل يبين أنها كانت بالغًا حين وطئت، فإن نكلت حُدَّت حد البكر، لإمكان أن يكون بلوغها بعد إصابة الزوج وقبل الإصابة التي رماها به 105، ولو لم تقم هي بقذفها حتى ظهر الحمل وجب عليها 106 اللعان قولًا واحدًا، فإن نكل حد؛ لأنه قذفُ بالغٍ 107 ولحق به الولد، وإن لاعن وجب عليها اللعان، فإن نكلت حدت حد البكر، وإن كانت ممن قعدت عن المحيض وادعى رؤية، تلاعنا على قول ابن القاسم وأحد قولي مالك 108، وعلى القول أن اللعان لنفي الحمل خاصة يحدُّ الزوج ولا يلاعن.

الجزء: 5 - الصفحة: 2437

وقال محمد في امرأة الخصي والمجبوب تحمل وهو ينكر، فإن كان لا ينزل كان ولد زنى، ولا لعان بينهما إلا أن يدعي رؤية فيلتعن لمكان القذف، وإن اختلف فيه أهل النظر، فقال بعضهم: يولد لمثله.
وقال 109 بعضهم: لا يولد له 110 لم يكن بد من اللعان 111. وقال ابن حبيب: إن كان مقطوع الأنثيين والذكر لم يلحق به ولا يلاعن وتعتد زوجته إن مات، ولا تعتد إن طلق، وإن بقي أنثياه، أو اليسير أو معه من عسيبه بعضُه لحق به، ولاعن، واعتدت من الطلاق 112. وإن ادعى رؤية وكان لا يحمل له لاعن على أحد القولين وحد على القول الآخر، ولا يلاعن.
قال محمد: إن كان شيخًا كبيرًا أو عنينًا، كان عليه اللعان في الرؤية وفي نفي الحمل 113؛ لأنها تدعي أنه يصيب.
وقال ابن القاسم في المدونة: في الأخرس يقذف امرأته بالإشارة أو بالكتابة يلتعن إذا فقه ما يقول، وما يقال له 114. وقال في العتبية فيمن ادعى رؤية، وزوجته بكماء صماء لا تسمع ولا تفهم، قال: يعمل منها على ما يفهم وتفهم 115 من الإشارة، فإن صدقته إذا التعن حدت فإن التعن ثم 116 التعنت بالإشارة، فإن نكلت حدت 117.

الجزء: 5 - الصفحة: 2438

ويلاعن الأعمى إذا نفى الحمل؛ لأنه يدعي الاستبراء، وكذلك إن لم ينف حملًا، فقال: مسست.
واختلف إذا قذفها، ولم يدع استبراءً ولا مسيسًا، فقال ابن القاسم: يلاعن، لعموم قوله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 118 وقال مالك: يحمل ذلك في دينه 119. وقال 120 ابن القصار عن مالك: إنه لا يصح أن يلاعن إلا أن يقول: لمست فرجًا في فرجها.
وهذا أحسن؛ لأن لعان الزوج يوجب حدها، وهو مقام البينة، وإذا كان ذلك لم يجز أن تحد؛ لأن ذلك أمر 121 مشكوك فيه، ومن قذف زوجته برؤية وهي غير محصنة؛ لأنها ممن ثبت زناها قبل ذلك- لم يكن عليه لعان؛ لأنه لو أقر أنه كذب عليها لم يحد، وإذا أحب لاعن، فإن لاعن وجب عليها اللعان، ووقع الفراق إن التعن، فإن انتفى من حملها ولم يلتعن، ألحق به ولم يحد، وإن التعن لم يلحق به، ولاعنت.

الجزء: 5 - الصفحة: 2439

باب فيما (1) يجب فيه اللعان من الرؤية ونفي الحمل اللعان يجب بوجهين: لرؤية، أو لنفي الحمل

وهو للرؤية على ثلاثة أقسام فيصح في قسمين إذا كان عن 123 تلك الرؤية حمل 124 أو يخشى أن تحمل 125 منه، وفي مثل هذا كانت الحادثة التي نزل 126 فيها القرآن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا، فَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا" فأتت به على النعت المكروه... الحديث.
واختلف إذا كان لا يخاف عن 127 تلك الرؤية حملًا؛ لأنها كانت -حين رأى ذلك منها 128 - حاملًا 129، وهو معترف به، أو كانت في سن من لا تحمل لصغر أو قد قاربت أو يائسة، أو لأن الزوج خصي أو مجبوب، فقيل: يلاعن لعموم الآية.
وقيل: لا يلاعن.
فقال مالك في كتاب محمد: إذا كانت بينة الحمل وهو مقرٌ به، فقال: رأيتها تزني، فأنا ألاعن، فقال: كل من لاعن لم يلحق به 130 الولد، وإن اعترف به بعد اللعان حد، يقول: فكذلك هذا إذا اعترف به قبل 131 حد، ولم يلاعن 132.122

الجزء: 5 - الصفحة: 2440

قال محمد: وهذا إغراق من قوله 133. وقال أبو محمد عبد الوهاب تعليلًا لهذا القول: قال: لأن الأصلَ أن اللعانَ لنفي النسب، ويتعلق به سقوط الحد، فإذا لم يكن مفيدًا لإسقاط الولد، لم يكن له أن يلاعن، وإذا لم يكن له أن يلاعن لزمه الحد 134. فقصر 135 الآية على مثل ما نزلت فيه أنها كانت فيمن خُشي منها الحمل، ثم ظهر على ما ذكره 136، ولأن الأصل في قذف المحصنات الحد للزوج 137 وغيره، والأصل في الولد أن الاعتراف والإنكار به 138 إلى الأب، وله أن ينكر ما ليس من مائه، والضرورة تدعو إلى ذكر ذلك، لئلا يلحق به من ليس منه، فجعل الله له مخرجًا من ذلك بأيمانه، وإذا صح أن ينفيه بأيمانه- لم يصح أن يحد لقذفها؛ لأن ذلك يؤدي إلى التنافي، يكون صادقًا كاذبًا في حال؛ لأنه إذا حمل على 139 الصدق صح نفيه، وسقط 140 الحد، وإن حمل على الكذب بطل 141 نفيه، وحد، فلما جعل القول قوله مع يمينه أنه ليس بولده، صح سقوط الحد، ولم ينتقض 142 الحكم، فيصدق في نفيه، ويحد فيه، ثم جعل 143 القول قولها في حقها 144 في نفسها مع يمينها لما كان القول قوله في حقه في النسب.

الجزء: 5 - الصفحة: 2441

وإذا لم يكن ولد (1) ولا خوف حمل، بقي على الأصل أنه قذف (2).

فصل [في أقسام اللعان على نفي الولد]

واللعان على نفي الولد على سبعة أقسام: يصح في أربعة، ويختلف 147 في ثلاثة: فيصح إذا اجتمع الاستبراء والرؤية، وأتت به من بعد الرؤية لستة أشهر فصاعدًا.
والثاني: أن ينفيه بالأمد وإن لم يدع رؤية ولا استبراء، فيقول: لم أصبها منذ كذا، لأمد لا يلحق به الولد لأكثر من أربع سنين أو خمس أو سبع على الاختلاف في ذلك.
والثالث: أن يقول لم أصبها بعدما وضعت ولدًا كان قبل هذا، مما يعلم أنه بطن 148 ثان.
والرابع: أن يقول لم تلديه.
فهذه أربعة أقسام لا خلاف فيها.
وقال أشهب فيمن قال لامرأته- ولم يكن رأى منها حملًا حتى وضعت: لم تلدي هذا الولد 149، وقالت: قد ولدته، فقال: إن انتفى منه لاعن 150، وإن قال: هو ولدي ولم تلديه لحق به ولم يلاعن.145146

الجزء: 5 - الصفحة: 2442

وأرى إن هو نفاه، ثم نكل عن اللعان لم يحدّ؛ لأنه لم يقذفها، وإنما قال: التقطته ونسبته 151 إليّ، ولأن صفة لعانه أن يشهد في الأربع أنها لم تلده لا غير ذلك، فهو لم يثبت عليها زنى ولا ادعاه، ولا لعان عليها، وتبقى زوجة على حالها.
واختلف في نفيه بالاستبراء بانفراده من غير رؤية، وفي نفيه بالرؤية بانفرادها من غير استبراء إذا أتت به من بعد الرؤية لستة أشهر، وفي نفيه إذا كانت حين الرؤية 152 ظاهرة الحمل، أولم تكن ظاهرة الحمل أو أتت 153 به لدون 154 ستة أشهر، فأما نفيه بالاستبراء فقال 155 مالك 156 مرة 157: ينفيه به 158. ورأى مرة ألا ينفى 159 به 160؛ لأن الحيض يأتي على الحمل، وهو قول أشهب في كتاب محمد 161. واختلف بعد 162 القول بجواز نفيه بالاستبراء، فقال مالك والمغيرة يجزئ 163 في ذلك حيضة، وقال أيضًا: لا ينفيه إلا بثلاث 164، وذكر ابن الماجشون في كتابه عن المغيرة أنه قال: ينفيه بثلاث حيض 165، وقال أيضًا: لا

الجزء: 5 - الصفحة: 2443

ينفيه إلا بخمس 166 سنين.
يريد: بالأمد لا بالاستبراء.
واختلف عن مالك 167 في نفيه بالرؤية بانفرادها إذا كان الزوج قد أصابها في ذلك الطهر وأتت به لستة أشهر فأكثر، فقال المغيرة في المدونة في هذا ينفيه 168. واختلف عن ابن القاسم في هذا الأصل، فقال في كتاب محمد فيمن باع أمة قد أصابها وأصابها المشتري في ذلك الطهر، فأتت بولد من بعد وطء 169 الثاني لستة أشهر فأكثر إنه للثاني 170، وإن كان أصابها هذا اليوم والآخر غدا فعلى هذا يكون للزوج أن ينفيه باللعان الثاني كما قال المغيرة، والمعروف في هذا أن تدعى 171 له القافة 172. فجعل مالك له 173 أن ينفيه لظاهر حديث عويمر أنه نفاه للرؤية، ولم يذكر استبراءً، وخصه مرة بالقياس؛ لأنهما ماءان اختلطا، حلال وحرام، فلم يجز أن يحمل على أنه للحرام دون الحلال.
وقال محمد بن عبد الحكم: كيف إذا اجتمع الحلال والحرام 174 يحكم به للحرام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بالولد للفراش في ولد زمعة، وقال لسودة: "احْتَجبِي مِنْه" لما رأى من شبهه بعتبة 175، وهذا الاحتجاج 176 صحيح قياسًا

الجزء: 5 - الصفحة: 2444

على التي تتزوج 177 في عدتها قبل حيضتها 178، أو تأتي بولد 179 لستة أشهر من يوم أصاب الثاني أنه للأول، ولا 180 يدعى له القافة، فهو في الزنا أبين ألا يجعل للثاني، إلا أن للزوج أن يقول: قد جعل للزوج الأول 181 إذا تزوجت في العدة مخرج 182، لئلا يلحق به ولد غيره بالقافة، ولم يجعل له 183 ذلك في الزنا، بل 184 يقال له: تمنع من نفيه باللعان، ولا يدعى له القافة، ويلحق به مع إمكان 185 أن يكون جميعه من الزنا.
وقال الليث بن سعد 186: تدعى له القافة، فإن ألحق بالزنا لم ينسب إليه.
ويحتمل أن يكون حمل حديث ولد زمعة أن يكون 187 اشتركا فيه، وكان الغالب شبهه بزمعة، وللآخر بعض الشبه 188؛ لأن وطء عتبة كان في الكفر، وقد كان النسب يلحق فيه بالزنا 189، وتدعى فيه القافة للحرائر، وإذا لم يكن من نفيه بالرؤية لم يحد لقذفها، وكان له أن يلاعن لسقوط الحد؛ لأنه يقول: ذكرت 190 ذلك خيفة من لحوق النسب، ولا علم لي بما تقدم من حملها، ولا أرى أن ينفى بالاستبراء بانفراده؛ لأن من قول مالك وأصحابه يصح أن تحيض، وإنما اختلف في القدر الذي تترك له الصلاة، وهل أول الحمل وآخره سواء 191. وقال في المعتدة تقول: حضت ثلاث حيض ثم تأتي بولد، وتقول إن المرأة

الجزء: 5 - الصفحة: 2445

تهراق الدم على الحمل: إن الولد للزوج 192، وإذا صح أن الحامل تحيض، لم يصح نفيه بالاستبراء؛ لأن الزوج لا علم له 193 من زناها، وليس عنده أكثر من أنها حاضت.
فإن قيل: يلزم على 194 هذا ألا تحل للأزواج؛ لأنها على شك من البراءة.
قيل: لا تمنع؛ لأن ذلك نادر، فلا تمنع 195 من أجل النادر.
فإن قيل: قد جعلت الولد للنادر 196 إذا أصابها الثاني بعد حيضة، وأتت به لستة أشهر من وطء الثاني أن الولد للثاني 197، والوضع لستة أشهر نادر.
قيل: لما اجتمع الشيئان 198: حيض والغالب منه البراءة، وحدوث وطء بعده- جعل 199 الولد للمحدث؛ لأنَّ الحيضة فصلت بين الوطئين.
وإذا لم ينف الولد بالاستبراء لم يحد؛ لأنه يقول: ظننت أن الاستبراء دليل على أنه ليس مني، كما لو أنكر لونه فلم يصح نفيه بذلك، لم يحد.
واختلف إذا لاعن للرؤية ثم ظهر حمل، فقال ابن القاسم: يكون ذلك اللعان الذي كان- نفيًا للولد 200. وقاله أشهب في كتاب محمد، وقال ابن الماجشون لا ينفيه إلا بلعان ثاني 201؛ لأن اللعان لم يكن للولد ولولا ذلك لم يكن عليه أن يسأل عن

الجزء: 5 - الصفحة: 2446

الاستبراء، وقاله أصبغ 202. وهذا راجع إلى الخلاف المتقدم، فعلى القول: إنه يكتفي في لعانه للنفي 203 بقوله: زنت يجزئ اللعان الأول، وعلى القول أنه يقول: وما هذا الحمل مني، ولقد استبرئت يلتعن لعانًا ثانيًا يثبت ذلك فيه، وإن أكذب نفسه في اللعان الثاني لحق به الولد، ولم يحدّ؛ لأنَّ اللعان الأول لم يسقط إلا على ما ذكره عبد الوهاب 204. ويختلف إذا أكذب نفسه في الرؤية هل يحدُّ؛ لأنه يعود إلى النفي بالاستبراء بانفراده؟ فعلى القول إنه لا ينتفي يحد للأول 205؛ لأن الرؤية لم تصح لإكذابه نفسه، والنسب لم يسقط لانفراده عن الرؤية.
واختلف إذا التعن لعانًا واحدًا للرؤية ولنفي النسب، ثم استلحق الولد، فقال محمد: إذا استلحق الولد؛ فإن كان لاعن للرؤية أو للرؤية ولإنكار الولد، لم يحدّ، وإن كان لإنكار الولد وحده حدَّ 206. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا لاعن للرؤية ثم ظهر حمل 207، فقال: قد كنت استبرأت منه 208، فانتفى منه بذلك، ثم أكذب نفسه في الاستبراء إنه يحد 209. والأول أحسن؛ لأن الرؤية والاستبراء شيئان 210، وليس كذبه في أحدهما كذبًا في الآخر، ولو رجع عن الرؤية لحد.
= ثان).

الجزء: 5 - الصفحة: 2447

فصل [فيما إذا قال الزوج زنت، ولم يقل رأيت أو قال ليس الولد مني ولم يقل استبرأت]

واختلف قول مالك إذا قال: زنت، ولم يقل: رأيت، أو قال: ليس الولد مني، ولم يقل: استبرأت، فقال مرة: يلاعن ولا يسأل عن شيء (1)، وقال مرة: لا يلاعن إلا أن يدعي رؤية أو استبراء (2). وهذا هو الصحيح، ولا يُمَكَّنَ من اللعان من غير كَشفٍ، وللزوجة والولد (3) في ذلك حق، فقد يعترفُ (4) عند السؤال بأمر لا يوجب لعانًا، ولا يسقط نسبًا، ولأن لعانه وقع (5) موقع (6) البينة فيما يجب عليها من (7) حد أو غيره فوجب كشفه كما تكشف البينة، ولأن الوجه الذي ينفى به الولد مختلف فيه، فعلى الحاكم أن يكشفه عن ذلك، ليعلم هل ينفى به وهل هو موافق لرأيه؟

فصل [في صفة من ينفى منها الولد]

الولد ينفى من ملك اليمين، ومن زوجة حرة محصنة مدخولٍ بها، أو أمة أو كتابية، ومن معترفة 218 بالزنى، ومن منكرة مشهود عليها بالزنا، ومغتصبة وغير مدخول بها، فأما ملك اليمين فله نفيه بغير لعان، ويحلف يمينًا واحدة إن ادعت أنّه منه، وإن اعترفت أنه من زنًا، لم يحلف، وإن كان من زوجة حرة211212213214215216217

الجزء: 5 - الصفحة: 2448

مسلمة أو أمة أو كتابية تدعي أنه منه، لم ينفه إلا بلعان، وإن اعترفت أنه من زنا، وقالت: إنه كان استبرأ قبله، كان فيه قولان، فقال مالك مرة: لا ينفيه إلا بلعان، وبه أخذ 219 المغيرة وابن دينار وابن الماجشون وابن عبد الحكم، وقال مرة ينفيه بغير لعان 220، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب 221. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وكذلك إذا اعترفت بالزنا وقالت هو من الزوج فله نفيه بغير لعان 222، وكل هذا إذا قامت البينة 223 على قولها حتى تحد، وإن رجعت عن اعترافها لم ينفه إلا بلعان، وقال ابن القاسم في كتاب الرجم: إذا أشهد 224 عليها أنها زنت منذ أربعة أشهر، وكان زوجها غائبًا، ثم ظهر حمل، فأخرت حتى وضعت، فإن قالت 225: هو للزنا -لأنه تقدمه استبراء- كان للزوج أن ينفيه بغير لعان.
وإن قالت: هو من زوجي 226، أو لم تسأل حتى رجمت لم ينفه إلا بلعان 227. وهذا اختلاف قول؛ لأن الشهادة والاعتراف بالزنا سواء، وعلى 228 قوله

الجزء: 5 - الصفحة: 2449

في كتاب محمد: أنها (1) إذا اعترفت بالزنا، وقالت في الولد: إنه من الزوج، أن له أن ينفيه بغير لعان، يكون ذلك له إذا شهدت البينة بالزنا، فله أن ينفيه بغير لعان، وإن ادعت أنه منه.
وعلى أحد قولي مالك في المعترفة بالزنا، وأنه ليس منه، لا يكون للزوج أن ينفيه إذا شهدت البينة بالزنا (2) أو اعترفت (3) الزوجة أنه من زنا، لا ينفيه (4) إلا بلعان، فمنع مالك نفيه في القول الأول بغير لعان، لعموم الآية، ولم ير ذلك على الزوج في القول الآخر، قياسًا على ملك اليمين أنه لما انفرد النفي لحقِّ الولد، كان القول قوله فيه بغير لعان إذا حُدّت الزوجة.

فصل [في نفي الولد بغصب]

وإن نفى بغصب فإنه لا يخلو من أن يثبت الغصب 233 ببينة، أو يعترف بذلك الزوجان، أو يدعي ذلك الزوج وحده أو الزوجة وحدها، فإن ثبت الاغتصاب ببينة كان كثبوت 234 الزنا، فيختلف إن قال: ليس مني، وقد كنت استبرأتها 235 أو 236 ينفيه بلعان أو بغير لعان.
واختلف قول ابن القاسم إذا أكذبته 237، وقالت: بل هو منه، فإذا كان الحكم ألا ينفى إلا بلعان، كان 238 اللعان على الزوج وحده، فإن نكل لم يحد،229230231232

الجزء: 5 - الصفحة: 2450

وإن لاعن لم يكن عليها لعان؛ لأنها تقول: يمكن أن يكون من الغاصب 239. وأرى ألا ينفى إلا بلعان، لاتفاقهم إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية ألا ينفى 240 إلا بلعان، وإن كان لا حد عليه في قذفهما 241. وإن تصادق الزوجان على الغصب، لم ينفه إلا بلعان لحق الولد 242 قال محمد: يلتعنان جميعًا، يلتعن الزوج 243، وتلتعن المرأة: أن قد غصبت على نفسي، ويفرق بينهما، فإن نكلت رجمت 244. ولا يعلم 245 لرجمها وجهًا 246؛ لأن الزوج لم يُثْبِتْ عليها في لعانه زنًا، وإنما أثبت عليها 247 غصبًا، فلا لعان عليها، كما لو ثبتت البينة بالغصب، ولو لاعنت لم يفرق 248 بينهما؛ لأنها إنما أثبتت بالتعانه الغصب، وتصدق الزوج، ولها 249 أن تقول في الأربع: أشهد بالله إنه لمن الصادقين، أو لقد صدق، وهذا خارج عما ورد فيه القرآن مما يوجب الحد في نكولها، أو يوجب الفراق إن حلفت.
ويختلف إذا ادَّعى الزوج الطوع، وادعت الغصب، فعلى قول ابن القاسم: لا لعان عليه، وتحد هي؛ لأنها مقرّة بالإصابة مدعية للغصب، وعلى قول أشهب: لا تؤخذ بغير ما أقرت 250 به، ويلاعن الزوج، فإن نكل لم يحد؛

الجزء: 5 - الصفحة: 2451

للاختلاف هل يقبل قوله؟ وإن لاعن حلفت لقد أصبت وبرئت، وسواء ظهر بها حمل أم لا، وهي في ظهور الحمل ها هنا بخلافه لو لم يكن لها زوج؛ لأن ذات الزوج قادرة على أن تنسبه إلى الزوج، وإن ادَّعى الغصب وأنكرت أن تكون أصيبت جملة، فعلى ما قال محمد: يلتعنان جميعًا.
والصواب إذا التعن الزوج أن لا لعان عليها؛ لأن الزوج إنما أثبت في التعانه اغتصابًا، فإن نكل الزوج عن اللعان مع ثبات البينة بالغصب أو تصادقا على الغصب بغير بينة لم يحد، فكذلك إذا ادَّعى الغصب وأنكرت أن يكون أصابها أحد لم يحد؛ لأن محمل قول الزوج محمل الشهادة، وليس محمل التعريض.

فصل [في إنكار حمل الزوجة غير المدخول بها فتصدقه]

وإن كانت الزوجة غير مدخول بها فأنكر الحمل وصدقته صدق بغير لعان على قول مالك وابن القاسم، وقال ابن الماشجون في كتاب محمد: لا ينفيه إلا بلعان 251. الأوّل أحسن؛ لأنه لم يعلم خلوة ولا ادعت ذلك، وإن ادعت أنه منه لم ينفه إلا بلعان، يلتعنان جميعًا، إلا أن تأتي الزوجة به لأقل من ستة أشهر من يوم العقد، وهو غائب، وبينهما من المسافة ما إن قدم بعد العقد كان الباقي أقل من ستة أشهر أو أكثر، ويشهد من هو بينهم أنه لم يغب طول تلك المدة أو غاب ما لا يكون مدة لذهابه ورجوعه.
واختلف في الصداق إذا أتت به لما يشبه وتلاعنا، فقال في المدونة: لها

الجزء: 5 - الصفحة: 2452

نصف الصداق 252، وقال ابن الجلاب: لا شيء لها 253. وقد يحمل 254 هذا على القول أن اللعان فسخ، والأول على القول أنه طلاق، فإن نكل حد، ويكون الصداق عليه 255 وبقيت زوجة، وإن لاعن ونكلت حدت حد البكر، وبقيت زوجة، فإن طلق لم يكن عليه سوى 256 النصف، وإن لم يطلق لم يمسها حتى تضع، إلا أن يقر الزوج أن الحمل كان قبل عقد النكاح فيؤخذ بإقراره، ولا تقر تحته، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر فسخ النكاح، ولا شيء لها من الصداق، دخل أو لم يدخل؛ لأنها غارة تعلم بما أحدثت، وان أتت به لأكثر من ستة أشهر، وكان في حين العقد غائبًا ولم يمر من الزمان ما يقدم فيه؛ ثبت النكاح، ويحمل على أنه حدث بعد العقد، وهذا على المشهور من أصل مالك، ولو قيل: يفسخ ويحمل على أنه متقدم لكان وجهًا؛ لأن الوضع لستة أشهر من النادر.
وإن اختلفا في وقت العقد، فقال: تزوجتك مذ خمسة أشهر، وقالت: مذ سبعة، وقد أتت بولد، تلاعنا، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما تزوجتها إلا مذ خمسة أشهر، وتقول هي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ما تزوجني إلا منذ سبعة 257 أشهر، وإنه لمنه.
وإن طلق قبل البناء، وتصادقا على أنه لم يصب، ثم ظهر حمل لستة أشهر فأكثر، فإنهما لا يخلوان من أن: يتماديا على نفي الإصابة، أو يرجعا إلى أنه أصاب، أو يرجع هو وحده، ويقول: أصبت وتنكر هي، أو تدّعي الإصابة وينكر هو.

الجزء: 5 - الصفحة: 2453

فإن تماديا على نفي الإصابة صدق بغير لعان، وحدت حد البكر.
وإن رجع ألحق به الولد، وأكمل الصداق، وله الرجعة إن لم تكن وضعت.
وإن ادعى الإصابة وأنكرت لحق به الولد، وحدت حد البكر، لإقرارها على نفسها، وأكمل لها الصداق إن أحبت.
وإن أنكر الإصابة وادعتها لاعن، فإن نكل أكمل الصداق ولحق به الولد، وإن لاعن ونكلت حدت حدّ البكر، وإن ظهر الحمل بعد موته وادعت أنه منه ألحق به وورثت 258. واختلف في ميراثها وإكمال الصداق، فقال ابن القاسم: لا ميراث لها، ولا يكمل الصداق 259. وقال محمد: ترثه، ويكمل لها الصداق، إلا أن يكون طلاقه ثلاثًا، فيكمل الصداق ولا ترث 260. وإن مضت على قولها أنه لم يصب صدقت، ولم يلحق به، وهو ظاهر قول ابن القاسم؛ لأنه قال: يلحق به الولد 261؛ لأنها لم تثبت على قولها وتصديقها، فيتم سقوط الولد، وإن ظهر الحمل في حياة الزوج وأنكره وكذبته ولم يلتعن حتى مات، لحق به الولد، قاله ابن القاسم وأشهب، قال أشهب: ويكون 262 لها الصداق، فإن قال: الولد مني، ولم أدخل -لحق به، لقوله: هو مني، وحد

الجزء: 5 - الصفحة: 2454

لقوله: لم أصبها 263. قال محمد: وإن قال لزوجته: أقررت عندي 264 أنَّكِ زنيت، حدّ ولم يلاعن، وكذلك إن قال: رأيتك تزني قبل أن أتزوجك حدّ ولم يلاعن 265، وإن قال: لم أجدها 266 عذراء لم يجب فيه حدّ ولا لعان؛ لأن العذرة 267 تذهب من القفزة، ومن غير فعل 268 سوء 269. وإن أنكر لون ولده لم يلاعن ولم يحد، للحديث أن أعرابيًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ.
فَقالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: "فَمَا أَلْوانُها؟ ". قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: "فَهَلْ مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: إِنَّ فِيها لَوُرْقًا.
قَالَ: "فّأَنَّى تُرى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ ". قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَها.
قَالَ: "فَلَعَلَّ هَذا عِرْقٌ نَزَعَهُ" 270، ولم ير عليه نفيه بذلك.
ولا أرى 271 عليه -في قوله- شيئًا؛ لأنه إنما ظن أنما ذلك يكون لسبب، ونزوع العرق أن يكون بعض الأجداد -وإنْ بَعُدَ- أسود، فيكون ذلك في

الجزء: 5 - الصفحة: 2455

بعض الأولاد.
وانظر إذا كان الأبوان أسودين قدما من الحبشة، فولدت أبيض هل ينفيه بذلك؛ لأنها لا يظن أنه كان في آبائه أبيض؟ وإن قال: ما أصبتها منذ سنة، وليس الولد مني، فإنه يلحق به، ولا يحد؛ لأن لحوق الولد لأربع سنين لا يعرفه كثير من الناس، وكذلك إذا أنكر الولد، وقال: كنت أعزل أو أصيب في الدبر.
قال محمد: وكذلك كل موضع لو نزل عنه شيء لوصل إلى الفرج فإنه يلحق به الولد 272. يريد: إذا أصاب بين الفخذين وما أشبه ذلك فإن الولد يلحق به، ولا لعان عليه ولا حد؛ لأن النفي إنما كان أنه ظن ألا يكون عن وطئه حمل.
وكذلك إذا وطئ جاريته فأنزل ثم أصاب امرأته ولم ينزل فحملت به 273، فإن الولد يلحق به 274، ولا لعان له، فقد يكون الحمل 275 لفضل ما في إحليله من الماء الأول 276. وقال مالك فيمن طلق امرأته فقالت: إني حامل، فقال: استأجر امرأة تكون معها؛ لأنها ليست بمأمونة، فجعل معها امرأة فاسترابت، فقال: كنت اعترضت عنها ولا أعلم أنه كان مني إليها شيء.
قال مالك: ويحتجون عليه بأنهم قد جعلوا معها أمينة، قال: جهلت ذلك، فإن لم يأتوا بالبينة لاعن، وإن

الجزء: 5 - الصفحة: 2456

جاءوا بالبينة كان الولد منه، ولا حد عليه فيما قال؛ لأنه ما نفى ولدها، ولا قال: رأيتها تزني (1)، وإنما قال: لا أعلم أني أصبتها، وقد تحمل المرأة ولا يبلغ ذلك منها (2). انتهى قوله.

فصل [هل من شرط اللعان أن يعمل الزوج بمقتضاه فلا يمس بعد الرؤية وأنه يسارع بنفي الحمل؟]

اللعان للرؤية يصح إذا لم يصب الزوج بعدها 279، قال مالك: وإن أصابها بعد ذلك حد وإن 280 لم يلاعن، وجعل ذلك إكذابًا منه لقوله 281. واختلف في نفي الحمل إذا لم يقم بنفيه عندما علم، فقال ابن القاسم: إذا رآه فسكت كان سكوته إقرارًا منه، قال: فإن رآه يومًا فسكت لم يكن له أن ينكره 282. وقال أبو الحسن ابن القصار: إن أَخَّرَ ذلك حتى وضعت، وقال: رجوت أن يكون ريحًا فأستريح منه؛ كان ذلك له إلا أن يجاوز ثلاثة أيام 283 بعد277278

الجزء: 5 - الصفحة: 2457

الوضع 284 أو يظهر منه ما يدل على الرضى مثل أن يقبل التهنئة قبل الثلاث، وإن لم يظهر ذلك منه في أمره فسحنا له ثلاثة أيام واستشهد بحديث المُصَرَّاة 285. وقال عبد الملك في كتاب محمد فيمن قال في زوجته: لم أرها تزني، وليس الحمل مني قال: لست ممن يرى اللعان بالحمل، ولا أراه قاذفًا حتى تضع، فإن جاء ولدًا أو أسقطت فقد صار قاذفًا، ووجب له وعليه ما يكون بين المتلاعنين، وذلك أنه قد يحول فلا يكون في بطنها ولد ولا يكون قاذفًا 286. قال محمد: السنَّة أن يلاعنها حاملًا 287 وقد لاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عويمر وهي حامل 288. وليس قوله هذا بالبين؛ لأن عويمرًا ادَّعى رؤية ولاعن خوف أن يكون عنها حمل، وأيضًا فقد وجب اللعان لقذفها بالرؤية، وإنما الخلاف 289 إذا لم تكن رؤية، أو كانت ولم يقم 290 لقذفها، فإن التعجيل ليس بحق عليه، فهو يؤخر؛

الجزء: 5 - الصفحة: 2458

رجاء ألا يصح أو تسقطه قبل ذلك، أوتضعه بعد التمام ميتًا، فيستغنى عن ذكر ذلك وعن فضيحتها، ولأن الناس يستعظمون أمر النفي، وإن كان الزوج عاميًّا كان أبين في عذره؛ لأن عند العامة أنه إذا ذكر ذلك ونفاه حُدَّ، ولا يعرف أن له أن يلاعن.
ولم يختلف المذهب أنه إذا رآها وسكت، ولم يذكر ذلك إلا بعد مدة، أو بعدما ظهر الحمل -إلا أنه لم يصب بعد الرؤية- أن له أن يلاعن.

الجزء: 5 - الصفحة: 2459

باب في أحكام لعان الزوجين

291 وإذا نكل أحدهما أو أكذب الزوج نفسه بعد تمام اللعان يتعلق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحد عن الزوجين، ونفي الولد والفراق وتأبيد التحريم على اختلاف بين الناس في هذين القسمين الأخيرين، فإن التعنا سقط عن الزوج حد القذف، وعنها حد الزنا الذي أثبته بالتعانه، ويسقط نسب الولد.
واختلف في وقوع الفراق فقال مالك وابن القاسم: يقع الفراق بنفس اللعان، ولا تحل له أبدًا 292. وقال محمد بن أبي صفرة 293: اللعان لا يرفع العصمة، لقول عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها.
فأحدث طلاقًا قطع به العصمة، نزه نفسه على أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلَ عويمر سنةَ المتلاعنين، وهذا هو قول أبي حنيفة 294، وقاس عثمان البتي: لا تأثير للعان في الفرقة، وإنما يُسْقِط النسب والحدود، وهما على الزوجية كما كانا 295، وحمل فعل عويمر أنه 296 على الندب؛ لأن الزوج مندوب إلى فراق

الجزء: 5 - الصفحة: 2460

زوجته إذا علم منها الزنا، لئلا يلحق به غير ولده، وهو لا يعلم، ولأن 297 التعانه أربعة شهادات كالبينة، فهو إذا ردت شهادته بشهادتها الأربع أبين ألا يفرق بينهما، ولو شهد عليها بالزنا أربعة، وهي بكر، لم يفرق بينهما، وقد يحمل الفراق والتحريم في اللعان على ما كان في قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3] ثم نسخ، فإن نكل الزوج عن اللعان أو أكذب نفسه حُدَّ حَدَّ القذف إن كان حرًّا ثمانين، وإن كان عبدًا أربعين 298. وقيل: ثمانين.
وإن التعن ونكلت الزوجة أو اعترفت، لم يقع فراق، وحدت حدّ الزاني، فإن كانت حرة مسلمة مدخولًا بها رجمت وورثها زوجها، وإن كانت غير مدخول بها جلدت مائة، وبقيت زوجة، وإن كانت أمة جلدت خمسين دخل بها أو لم يدخل، وإن كانت كتابية عوقبت، وعلى قول المغيرة تحد حد البكر، وإن أكذب الزوج نفسه ثبت نسب الولد، وكذلك إن كان سقط نسبه بالتعانه ثم أكذب نفسه قبل التعان الزوجة أو بعد فإنه يثبت نسبه، واختلف هل تحل الزوجة إذا أكذب نفسه بعد اللعان؟ فذكر ابن شعبان عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال: تحل بنكاح جديد، وهو في ذلك ثابت، قال: وأشهب ينحو إليه 299. وقوله: بنكاح جديد لأنه يرى أن اللعان فسخ، وعلى القول إنه طلاق، ترجع إليه على طلقتين بقيتا له.
واختلف إذا نفى الولد بالاستبراء، ثم قال: لم أستبرئ، فقال مالك وابن

الجزء: 5 - الصفحة: 2461

القاسم: إن أكذب نفسه حد (1). ولم يفرق بين أن يكون اللعان للرؤية أو للاستبراء.
وقال أبو الحسن ابن القصار: إن نفاه بالاستبراء فليس بقاذف؛ لأنه يجوز أن يكون وقعت منه الشبهة.
وليس قوله بالبين، ولو كان الجواب على ما قال: لم تحد حد الزنا إذا نكلت؛ لأن الزوج على قوله لم يثبت عليها زنا، ولكن لو لم يمكن من نفيه بالاستبراء على القول أن الحيض يأتي على الحمل -لم يحد؛ لأنه إنما ظن ألا يكون مع الاستبراء ولد.

فصل [في إذا وجب اللعان بين الزوجين فمات الزوج]

وإذا وجب اللعان بين الزوجين فمات الزوج قبل أن يلاعن أو بعد أن لاعن، وقبل الخامسة ورثته، ولا لعان عليها 301. واختلف إذا مات بعد أن تم لعانه، فقال مالك في المدونة: يقال لها: التعني وادرأي 302 العذاب عن نفسك ولا ميراث لك، فإن لم تلتعن حُدَّتْ، وكان لها الميراث 303. وقال ربيعة ومطرف في كتاب ابن حبيب: ترثه، وإن التعنت؛ لأن الفراق إنما يقع بالتعانها 304. وهو أحسن؛ لأنه مات وهي زوجة، والميراث حينئذ قائم، وإن ماتت300

الجزء: 5 - الصفحة: 2462

الزوجة بعد التعان الزوج، أو بعد التعانهما وقبل الخامسة من التعانها- ورثها، وإن ماتت الزوجة قبل أن يلتعن الزوج، كان له الميراث، ثم ينظر في التعانه، فإن كان لها من يقوم بقذفها -ابن أو أب أو أخ- قيل للزوج: التعن، فإن نكل حد، وإن لم يكن لها من يقوم بذلك ممن ذكرنا، لم يكن عليه شيء على القول أن القذف حق لآدمي، وعلى القول أنه حق لله تعالى يقوم به السلطان.

فصل [فيمن قذف امرأتيه]

وقال محمد فيمن قذف امرأتيه، فقامت عليه إحداهما، فقال: كذبت عليك، فجلد الحد، ثم قامت الأخرى: فلا حد عليه؛ لأن ذلك الضرب لكل من 305 قذف قبل ذلك، فإن قال لها بعد أن ضرب: قد صدقت عليك أو 306 على صاحبتك، كان عليه الحد، إلا أن يلاعن، وسواء فيمن قال ذلك لها منهما، هذا 307 قول ابن القاسم 308. وقال عبد الملك: يحد للأول 309 ولا لعان له فيها؛ لأنه قذف ثان فقد أكذب نفسه فيه 310. قال محمد: ولو قال للثانية: أما أنت فصدقت عليك، وكذبت على صاحبتك لاعن الثانية 311. وهو 312 قول ابن القاسم ها هنا أنه يلاعن عن الأولى إذا رجع بعد أن أكذب نفسه، خلاف المعروف من المذهب، وخلاف الأصول.

الجزء: 5 - الصفحة: 2463

وقال محمد إذا قال بعد أن لاعنها: والله ما كذبت عليها، أو قَذْفِها بالزنا: ما سمعت فيها من أصحاب مالك شيئًا، ولا أرى عليه شيئًا؛ لأنه لاعنها 313. وقال ابن شهاب: يحد؛ لأنه قذفها، وليست له بزوجة 314.

الجزء: 5 - الصفحة: 2464

باب في المرأة تتزوج في عدتها فتأتي بولد وإذا أتت بولدين في بطن فأقر الزوج بأحدهما

وإذا تزوجت المرأة في العدة 315 فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر كان ابنًا للأول، وسواء أصابها الثاني في الطهر الأول أو في الثاني 316. واختلف إذا أصابها في الطهر الأول، فأتت بولد لستة أشهر فصاعدًا، هل يكون للأول أو تدعى له القافة، وإذا أصابها في الطهر الثاني هل يكون الولد للثاني أو للأول أو تدعى له القافة؟ والقافة إذا أصابها في طهر واحد أحسن، وإذا اجتمع ما أمكن أن يخلق الولد من الأول أو من الثاني، أو يشتركان فيه، وقد جُعِلَ 317 للقافة مدخل في تمييز ذلك.
وقال أشهب: إنما كانت القافة 318 في الحرائر 319. وأيضًا: فإنه لا يختلف في أن اجتماع الماءين في الحرة والأمة -فيما يمكن تصوره من ذلك- واحد، ولا يجوز أن يقال: إذا كانت الأمة زوجة لم يخلق إلا من الأول، لا من الثاني، وإذا استحال ذلك وكان الأمر في تصوره في الموضعين سواء، كان الصواب أن تدعى له القافة، وأما إذا فصلت بينهما حيضة فكونه للثاني أحسن.

الجزء: 5 - الصفحة: 2465

فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني وادعى الأول الاستبراء أو أتت به من بعد استبرائه لستة أشهر فأكثر -لاعن وكان لا أب له.
وإن ادعى الأول استبراء وأتت به من وطء الثاني لستة أشهر فأكثر وكانا أصابا في طهر -لاعن الأول، وكان ابنًا للثاني، ولا لعان عن المرأة؛ لأنَّ الأول نفاه لأب يلحق به نسبه، فلو نفاه الثاني لأنه أنكر الوطء، أو قال استبرأت، وأتت به بعد استبراء لستة أشهر فأكثر ولاعن -التعنت حينئذ المرأة؛ لأن الآخر نفاه لغير أب، وإذا صح نفيه بالتعانهما جميعًا ثم استلحقاه لحق بمن سبق إلى استلحاقه منهما دون الآخر.
واختلف إذا استلحقه الأول بعد أن التعن، وقبل أن يلتعن الثاني، فقال محمد: لا يلحق به؛ لأنّه بنفيه صار ابنًا للثاني، وقال: لا فدية على الأول إن استلحقه وأكذب نفسه قبل لعان الثاني أو بعده؛ لأنه نفاه إلى أب، ولم ينفه إلى زنى، وإن أكذب الثاني نفسه واستلحقه حدّ، وسواء استلحقه بعد لعانه أو قبل 320. وهذا قول محمد، ومحمل قوله على أنه أنكر الوطء، فلهذا يصح أن يلحق بالأول.
وأرى أن يحدّ الثاني إن أقر بالإصابة وادعى الاستبراء؛ لأنه نفاه إلى زنا، وإن أنكر الإصابة ألا يحد؛ لأنه يقول لا هو ابن الأول، وكذب في لعانه فلم ينفه إلى زنا.
قال محمد: إذا كان وطء الثاني بعد حيضة وأتت به لستة أشهر، فنفاه كان له أن يلاعن ولو أقر بالإصابة 321، ويلحق بالأول إلا أن يلاعن 322. يريد: إذا

الجزء: 5 - الصفحة: 2466

نفاه الثاني بأن قال: لم أصب، فيبقى ابنًا للأول، إلا أن يلاعن، ولو أقر بالإصابة وادعى الاستبراء والتعن لا يصح أن يعود إلى الأول.
ومن المدونة: قال ابن القاسم في المرأة تلد ولدين في بطن واحد، وأقر الزوج بالأول، ونفى الثاني، قال: يلزمه الولدان جميعًا، ويضرب الحدَّ، وإن كان بين الوضعين خمسة أشهر فهو بطن واحد، وإن كان بينهما ستة أشهر فصاعدًا كانا بطنين، وإن أقر بالإصابة في الأول خاصة لاعن، وإن أقر بهما جميعًا، وقال: لم أجامعها بعدما ولدت، سئل النساء، فإن قلن: إنَّ الحمل يتأخر هكذا لم يحد، وإن قلن: إنه لا يتأخر جلد الحد 323. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإن ادعى رؤية، وأتت بولدين في بطن واحد 324، أحدهما شبيه بمن رماها به، وقال: أنا ألتعن له وحده، قال: لم أصبها بعد الرؤية، كان ذلك له على قول المغيرة، وابن دينار في المسبية تلد توأمين في بطن أنهما يتوارثان بالأم خاصة، قالا: لأنه قد يشترك الاثنان في الولد 325 الواحد، فهما في الاثنين أحرى أن يكون من واحد ولد، ومن الآخر ولد، فلا يكون الأب واحدًا، فكذلك هذا إذا ولدت توأمين، فلا يكون أبوهما واحدًا، ويكون واحد منه، وواحد من الذي رماها به فيلتعن منه.

الجزء: 5 - الصفحة: 2467

باب في المرأة تدعي على الزوج أنه قذفها أو يدعي هو أنه وجد مضاجعا لها

ومن المدونة: قال ابن القاسم: إذا ادعت امرأة على زوجها أنه قذفها، ثم أنكر فأقامت عليه البينة حد، إلا أن يدعي رؤية فيلاعن؛ لأنه يقول: كنت أريد أن أكتم، فأما إذا قامت البينة فأنا ألتعن 326. قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا قذف زوجته ثم جحدها ثم أقامت عليه البينة، فإنه لا يخلو أن يكون قذفها بأن قال: يا زانية، أو قال: رأيتك تزني، ثم جحد القول، فقال: ما قلت ذلك، أو جحد الرؤية، فإن قال: يا زانية، ثم جحد، فلما قامت عليه البينة قال: رأيتها تزني، كان له أن يلتعن، وعلى هذا تكلم ابن القاسم 327، ولا يختلف في ذلك؛ لأنه لم يتقدم منه ذكر رؤية، ولكن جحوده للرؤية، والذي رجع إليه غير ما كان فيه الجحود والمنازعة، وإن قال: رأيتك تزني، ثم جحد القول، وقال: ما قلت ذلك، فلما أثبتت عليه البينة قال: قُلْتُ، وكنت رأيتك تزني، كان له أن يلتعن؛ لأن جحوده للقول ليس بجحوده بالرؤية، وهو يقول: أردت سترًا، وإن جحد أن يكون رآها، وكان قد قال لها: رأيتك تزني، ثم قامت البينة -لم يصح أن يلاعن على المشهور من المذهب؛ لأنه قد أكذب نفسه.
وفي كتاب محمد فيمن قذف امرأتيه، فقامت عليه إحداهما، فكذّب نفسه،

الجزء: 5 - الصفحة: 2468

فجلد الحد، ثم قامت الأخرى، قال: لا حد عليه؛ لأن ذلك الضرب يجمع كل من قذف قبل ذلك، قال: وإن قال لها بعد أن ضرب: قد صدقت عليك أو على صاحبتك، كان عليه الحد إلا أن يلاعن، وسواء فيمن قال ذلك لها منهما، وهذا قول ابن القاسم، وقال عبد الملك يحد في الأولى ولا لعان عليه؛ لأنه قذف ثان، وقد أكذب نفسه فيه، قال محمد: ولو قال للثانية: أما أنت فصدقت، وأما صاحبتك فكذبت، لاعن للثانية 328. فقول ابن القاسم في الأولى إنه يلاعن إذا رجع بعد أن كذب نفسه، فقال: صدقت -خلاف المعروف من قوله، وخلاف الأصول.
قال محمد: وإذا قال بعد أن لاعنها: والله ما كذبت عليها أو قذفها بالزنى، قال محمد: ما سمعت فيها من أصحاب مالك، ولا نرى عليه 329 شيئًا؛ لأنه لاعنها بقذفه إياها 330. وقال ربيعة: يحد؛ لأنه قذفها، وليست له بزوجة 331. ومن المدونة قال ابن القاسم: إذا قال: وجدت مع امرأتي رجلًا في لحافها أو مضاجعًا لها أو تجرّدت له، يؤدب ولا يحد 332.

الجزء: 5 - الصفحة: 2469

قال محمد: ولو كان ذلك منه في أجنبية، كان عليه الحد، إلا في القبلة وحدها 333. فإن ذلك من التعريض الذي يراد به القذف، قال: وقد روى لنا عن ابن القاسم وأشهب أنهما قالا: من عرض لامرأته بالزنا فهي مثل غيرها، يجب عليه الحد ولا يلاعن 334. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا أتى إلى القاضي شاكيًا أو ذكر ذلك لجيرانه، ولم يكن على وجه المشاتمة لم يحد.
واختلف في عقوبته؛ لأن محمل قول الزوج إذا لم يكن في مشاتمة محمل الشهادة.
وقد اختلف في الشاهد الذي قال: رأيته بين فخذيها، قال ابن القاسم: يعاقب 335. وهو مثل قوله ها هنا في الزوج أنه يؤدب، وقال غيره: لا يعاقب الشاهد 336، وعلى قوله لا يؤدب الزوج.
وهو أحسن إذا كان ذلك في غير مشاتمة، وإن كان ذلك على سبيل المشاتمة حَسُن أن يقال: يحدُّ، إلا أن يدعي رؤية، وأن يقال: لا يحدُّ، لإمكان أن يكون ظهر على ذلك وأراد سترًا، فأرى أن يحد إذا كانت الزوجة معروفة بالدين والصيانة، وألا يكون عليه شيء إذا كانت ممن يظن بها ذلك لا حد ولا عقوبة.
قال محمد فيمن ادعى على امرأته أنها أقرت عنده أنها زنت: أنه لا يحد ولا يلاعن 337. وإذا قال الزوج: رأيتها تزني قبل نكاحي إياها، حد ولم يلاعن 338.

الجزء: 5 - الصفحة: 2470

باب في لعان المطلقة وذلك على أربعة أوجه: أحدها: أن يدعي رؤية وهي زوجته، فلم يقم به حتى طلقت وبانت منه.
والثاني: أن يطلقها، ثم يدعي رؤية كانت قبل الطلاق.
والثالث: أن يدعي رؤية بعد الطلاق في العدة، فإن ادعى الرؤية قبل الطلاق، ثم قال به بعد الطلاق، كان اللعان بينهما سواء كانت أيمًا أو تزوجت، فإن لاعن وجب عليها اللعان، وإن نكلت رجمت، وإن طلقها ثم ادعى رؤية تقدّمت الطلاق، حد ولم يلاعن إذا كان الطلاق بائنًا، وإن كان الطلاق رجعيًا، كان له أن يلاعن، قال محمد: وذلك أنه لم يتكلم حتى طلق 339. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وليس ذلك بالبين؛ لأنه يقول لما اطلعت على ذلك منها طلقتها، وكرهت إمساكها، وذلك كان سبب الطلاق، وكذلك إن قال: رأيتها تزني بعد الطلاق، فإن كان الطلاق رجعيًا لاعن، وإن كان بائنًا حد 340. وروى ابن القاسم أنه يلاعن، فإن مات قيل لها: الْتَعني بعده، وعدتها ثلاث حيض لا ترجع إلى عدة الوفاة 341. وإن ادعى رؤية بعد انقضاء العدة حدّ، ولم يلاعن قولًا واحدًا 342، وسواء

الجزء: 5 - الصفحة: 2471

كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا، فإن لم 343 يحدّ حتى ظهر بها حمل كان له أن يلاعن، وسواء قال: رأيت قبل الطلاق أو بعده أو في العدة أو بعدها.
قال محمد: من ملّك امرأته فلم تختر ولم يفترقا حتى قال: رأيتها البارحة تزني- كان له أن يلاعن؛ لأنها زوجته، فله أن يلاعن وإن اختارت نفسها، وإن حلف بالطلاق ألا يفعل أمرًا 344 ففعله، ثم قال: رأيتها تزني قبل ذلك حدّ ولم يلاعن 345. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا قدم الزوج بعد موت زوجته فقال: رأيتها تزني: إنه يحدُّ، ولا يلاعن، وهو كمن رمى امرأة طلقها 346، وقال مالك فيمن ادعى الرؤية وسمى الرجل: إنه يلاعن الزوجة، ويحد للرجل 347. وقال بعض أهل العلم: لا حد عليه للرجل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنْ جاءَتْ بِهِ عَلَى كَذا، فَلا أُراهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيها" إن جاءت تدعي نعت الرجل الذي ذكره عويمر 348، وحديث ابن عباس: قال: قذف هلال بن أمية زوجه بشريك بن سحماء، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرْبَعَةٌ، وإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" فنزلت آية اللعان 349 فسقط الحد باللعان.

الجزء: 5 - الصفحة: 2472

وإذا حُدَّ الرجل ثم نكل عن اللعان لم يحدَّ للمرأة؛ لأن الحد الذي تقدم كاف لكل من قذف قبله، وهذا إذا لم يذكر بعد حده أنه صدق عليها، فإن قال: صدقت عليها، ثم نكل، كان في استئناف حده قولان، قوله صدقت عليها كقوله: صدقت عليها 350، وهو بمنزلة رجل قذف رجلًا فحد له، ثم قال: صدقت عليك، فقيل: يحد.
وقيل: لا حدّ عليه.
وليس عليه أن يرجع، وقد جلد أبو بكرة، وقال عمر - رضي الله عنه - ارجع عن قولك، وتقبل شهادتك 351، فلم ير عليه في تماديه شيئًا، وهو في مسألة اللعان أبين؛ لأنه لا خلاف أن له تلاعَن 352، وإنما ثبت التعانه بما تقدم من قوله.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن ضرب بطن امرأته فألقت جنينًا ميتًا فانتفى منه الزوج والْتعن؛ كان الغرة للأم، ومن يرث الجنين مع الأم مثل ولد الملاعنة 353 وإن ولدت المرأة اللاعنة ولدًا، ثم مات قبل أن يعلم به الزوج أو كان الزوج غائبًا، فمات في غيبته، فلما قدم انتفى منه: إن له أن يلاعن؛ لأنه قاذف، وكذلك لو ولدته ميتًا له أن يلاعن، لبقاء الزوجية، وكذلك إن ماتت الزوجة، وبقي الولد، فإن له أن يلاعن، وإن قدم بعد أن ماتا جميعًا كان له أن يلاعن لنفي الولد، وإن ادعى رؤية بعد موتها ولم ينف حملًا حد ولم يلاعن 354، وإن انتفى من ولد وهو حي، ثم استلحقه بعد أن مات، وقد

الجزء: 5 - الصفحة: 2473

خلف مالًا فقال: إن كان للولد المستحق ولد لحق به، وإن لم يكن له ولد لم يلحق؛ لأنه يتهم لوراثته وهو يحد في الموضعين جميعًا 355. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأمر في حده راجع إلى ما تقدم في صفة اللعان، فإن كان نفيه 356 بالرؤية والاستبراء- لم أر أن يحد إذا قال: هو ولدي، إلا أني كذبت في الاستبراء، فإن كان نفيه بالرؤية بانفرادها على من رأى أنه ينفيه بذلك حد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى أحدهم الزوج، ولاعن 357 الزوج، ويحد الثلاثة 358. ويختلف في تعجيل حدهم قبل لعان الزوج أو بعد لعانه، فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن قذف امرأة بالزنى بعد التعان الزوج، وقبل التعانها: أخر الحد عنه؛ لأن لعان الزوج أربع شهادات أوجب عليها الحد، فإن التعنت حد القاذف، وإن نكلت لم يحد.
وقال أشهب: يحد ولا يؤخر 359. فالقول الأول أحسن، وقال محمد: إن لم يلتعن حتى مات لم يحد، وظاهره على القولين جميعًا، وقياد القول أنه يحد ولا يؤخر لنكولها، أن يقول: يحدّ وإن ماتت، وعلى هذا يجري الجواب 360 إذا كان أحد الأربعة زوجها، ولم ينظر في ذلك حتى التعن الزوج، أنه لا يحد الثلاثة على قول ابن القاسم حتى ينظر هل تلتعن

الجزء: 5 - الصفحة: 2474

هي أم لا؟ فإن التعنت حدوا، وإن نكلت رجمت ولا يحدون.
وأما قبل التعان الزوج فلا يؤخرون على قول ابن القاسم في المدونة فيمن شهد على رجل غائب بالزنى أنه لا يؤخر حتى يأتي.
وقال أبو الفرج يؤخر.
وعلى هذا يؤخر الشهود 361 الثلاثة حتى ينظر هل يلتعن الزوج، وهل تنكل هي أم تلتعن؟ وإن لم يعلم أن أحدهما زوجها حتى رجمت كان حكمًا مضى في دمها خاصة.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: لا شيء من ديتها على زوجها ولا على الشهود، ولا على الإمام ولا على العاقلة؛ لأن ذلك ليس بخطأ صراح، وهو مما يختلف فيه الحكم 362. ويقال للزوج لاعن، فإن نكل حد، قال محمد: ولا حد على الثلاثة لاعن الزوج أو نكل 363. وقال ابن حبيب: إن نكل الزوج حدوا، وإن لاعن لم يحدوا 364. قال ابن القاسم: وله الميراث وإن نكل عن اللعان، إلا أن يعلم أنه تعمد الزور فلا يرثها 365. وقال أصبغ: لا ميراث له إذا نكل 366 وأرى فيه تهمة العامد لقتل وارثه.
وله في موضع آخر غير ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 2475

باب في الملاعنة هل لها السكنى أو نفقة أو متعة، وهل يلاعن في الحيض

قال ابن القاسم في المدونة: تلاعن وهي حامل إنه لا نفقة لها 367. يريد: إذا كان اللعان لنفي الحمل، وإن كان لرؤية، وهو مقر بالحمل، كانت لها النفقة، وإن التعن لنفي الحمل ثم استلحقه، كان لها أن ترجع عليه بالنفقة إن كان في حال حملها موسرًا، وإن كان معسرًا وهو الآن موسر، لم ترجع عليه بشيء، فإن كان موسرًا ببعض ما يلزمه من نفقة الحمل، أو موسرًا في بعض تلك المدة، رجعت بما كان فيه موسرًا.
واختلف في سكناها إذا كانت غير حامل، فقال ابن القاسم: لها السكنى؛ لأنها في عدة منه 368، وقال ابن شعبان: اختلف في السكنى، وأحب إلي أن تسقط لأنها لا مطلقة ولا متوفى عنها 369. وهكذا أتى في الخبر، ولأن الحمل لا يلحق به، وأرى إذا لاعن للرؤية، وهو غير منكر للولد متى أتت به، كان لها السكنى، وإن لاعن للرؤية ولنفي الحمل، لم يكن لها سكنى.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهو أحسن؛ لأن الأصل في وجوب السكنى، خوفًا من أن تكون حاملًا من الزوج، وقد أسقط التعانه ذلك؛ فليست بمحبوسة من أجله، وليست في عدة منه، وإنما هي في عدة من زِنَاهَا به، وكذلك لو كانت حاملًا، فانتفى من حملها، فإن لها السكنى على قول ابن القاسم، ولا سكنى لها على القول الآخر.

الجزء: 5 - الصفحة: 2476

وهو أبين في سقوط السكنى؛ لأن الزوج يقول: ليس الحمل مني، وهي لو لم تكن حاملا انقضت عدتها بالحيض في شهرين أو نحو ذلك فالزيادة على ذلك إلى أن تضع الحمل من غيري.

فصل [في سقوط متعة الملاعنة]

ولا متعة للملاعنة 370، وسواء كان اللعان لرؤية دون نفي الحمل، أو نفي الحمل دون الرؤية، أو لهما جميعًا للرؤية والحمل.
واختلف في وجه ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة؛ لأن الفراق من قبلها جاء حين أنكرت 371، وقال إسماعيل القاضي: أحسب أن ذلك لأن اللعان فسخ والمتعة والفراق للمطلقات، وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كانت المرأة حائضا لم يلاعن السلطان بينهما 372، وقال محمد: إذا أراد الزوج أن يلاعن مخافة أن ينزل به ما يرافعه عن اللعان فيلزمه الولد، فذلك له، وله أن يلتعن هو وتُؤخَّر هي حتى تطهر، وقال عبد الملك 373 في ثمانية أبي زيد؛ لأن اللعان طلاق 374، ولا تطلق امرأته وهي حائض، ولأن اللعان لا يكون إلا في المسجد والحائض لا تدخله.
تم كتاب اللعان والحمد لله حق حمده

الجزء: 5 - الصفحة: 2477

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعان
باب في اللعان بين الزوجين وصفتهفصل [في صفة اللعان للرؤية، ولنفي الحمل]فصل [في صفة اللعان بنفي الحمل]فصل [في الموضع الذي يلتعن فيه وفي وقته]باب في اللعان بين الزوجين الحرين، وإذا كان أحدهما عبدًا أو كافرًا أو غير بالغ، أو كانت الزوجة يائسة أو الزوج عنينًا أوحصورًا أو خصيًا أو مجبوبًا أو شيخًا فانيًا (1) أو أعمى أو أخرسباب فيما (1) يجب فيه اللعان من الرؤية ونفي الحمل اللعان يجب بوجهين: لرؤية، أو لنفي الحملفصل [في أقسام اللعان على نفي الولد]فصل [فيما إذا قال الزوج زنت، ولم يقل رأيت أو قال ليس الولد مني ولم يقل استبرأت]فصل [في صفة من ينفى منها الولد]فصل [في نفي الولد بغصب]فصل [في إنكار حمل الزوجة غير المدخول بها فتصدقه]فصل [هل من شرط اللعان أن يعمل الزوج بمقتضاه فلا يمس بعد الرؤية وأنه يسارع بنفي الحمل؟]باب في أحكام لعان الزوجينفصل [في إذا وجب اللعان بين الزوجين فمات الزوج]فصل [فيمن قذف امرأتيه]باب في المرأة تتزوج في عدتها فتأتي بولد وإذا أتت بولدين في بطن فأقر الزوج بأحدهماباب في المرأة تدعي على الزوج أنه قذفها أو يدعي هو أنه وجد مضاجعا لهاباب في الملاعنة هل لها السكنى أو نفقة أو متعة، وهل يلاعن في الحيضفصل [في سقوط متعة الملاعنة]
كتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل