كتاب القسم
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)
الجزء: 12 - الصفحة: 5875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب القسم
الأصل في القسمة قول الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: 8].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ".
وفي القسم بالقرعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَهً فَأَصَابَ قَوْمٌ أَعْلاَهَا وقَوْمٌ أَسْفَلَهَا" الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث عمران بن حصين قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَجَزَّأَهُمْ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَثلاَثًا وأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً.
أخرجه مسلم.
وفي شرع من قبلنا قوله سبحانه: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)﴾ [الصافات: 141].
الجزء: 12 - الصفحة: 5877
باب في قسمة الدور والأرضين
ومن المدونة قال ابن القاسم في رجلين اقتسما دارًا على أن أخذ أحدهما العلو والآخر السفل: ذلك جائز، وهو بالتراضي 1.
واختلف في القرعة بالمنع والإجازة، وقال ابن الماجشون في كتابه: إذا كان ذلك بغير سهم جاز، وإن كان على جهة الاستهام وما يجري من التعديل لم يجز إلا أن يكون ذلك هو التعديل، والتعديل إنما يحتاج إليه بالقرعة وَأَمَّا بالتراضي فيجوز، هذا أحسن، وتباين الأغراض فيما بين العلو والسفل أخف من تباينهما في جمع الجديد إلى القديم، وقد أجازه ابن القاسم 2.
ويراعى في قسمة الديار وجهان: موضعها وصفتها، فأما موضعها فإن كانتا في محل واحد أو محلتين متقاربتين -جُمِعَا بالقرعة، وسواء كانتا في وسط البلد أو طرفه، وإن كانت إحداهما في وسطه والأخرى في طرفه أو في طرفين- لم يجمعا، وإن كانتا في وسط وتباين ما بين الموضعين -أحدهما في محلة شرقية، والأخرى مرغوب عنها- لم يجمعا، وقد استخف ذلك في البلد الصغير.
وإن اختلف الورثة في دار سكنى الميت هل تجمع مع غيرها؟ فإن كان جميعها في محلة واحدة -جمعت في القسم، وإن افترقت المحلات- لم تجمع، وقسمت بانفرادها إن حملها القسم، وإلا تبايعوها، إلا أن يكون الورثة عصبة ولم يتقدم لهم سكنى لذلك الموضع، ولم يكن الميت ممن يشرف بسكنى داره،
الجزء: 12 - الصفحة: 5878
فتكون تلك الدار وغيرها سواء.
وأما صفتها فإن اختلفت فكان منها الجديد والقديم والرث وهي ذوات عدد -قسم الجديد بانفراده والقديم بانفراده، وإن كانت دارين: جديدة، وقديمة- جمعا جميعًا 3 في القرعة وهذه ضرورة وليس كالأول؛ لأن له مندوحة عنه، وإنما يبتدأ بما هو أقل غررًا 4 كما قال في الأرضين: يقسم الكريم بانفراده، والدني بانفراده، فإن كانت أرضًا واحدة بعضها جيد وبعضها رديء - قسمت قسمًا واحدًا 5.
قال في كتاب الوصايا: فإن صار لهذا مبذر خمسة أمداء لكرم الأرض، والآخر مبذر أربعين مديا لرداءة الأرض- قسمت بالقرعة، وكذلك الدور 6.
وإن اختلفت قيمة الدارين فكان بينهما يسير، مثل أن يكون قيمة إحداهما مائة والأخرى تسعون-فلا بأس أن يقترعا بينهما على من صارت إليه التي قيمتها مائة أعطى صاحبه خمسة دنانير؛ لأن هذا مما لابد منه، ولا يتفق في الغالب أن يكون قيمة الدارين سواء.
وتجمع الحوانيت إذا كانت في سوق واحد أو في سوقين تتقارب فيها الأغراض، وإن تباينت مما يرى أنه لو علم أحدهما أنه يصير إليه ذلك لم يرض بالقرعة- لم تجمع، ولا تجمع الديار إلى الحوانيت ولا إلى الفنادق ولا إلى الحمَّامات.
وأما جمع فندق إلى حمام فيسأل عنه أهل المعرفة باكتساب الرباع، فإن قالوا
الجزء: 12 - الصفحة: 5879
أنهما مما يتقارب فيهما الأغراض؛ لأنها مستغلات كلها جمعت، وإلا لم تجمع.
ولا تجمع (1) الحوانيت إلى الفنادق، وقد يستخف جمع الحوانيت إلى ديار الغلة إذا قيل أن الغرر في ذلك يسير.
فصل [في قسم الأرضين إذا تقاربت واختلفت في الكرم]
واختلف في قسم الأرضين إذا تقاربت واختلفت في الكرم، فقال ابن القاسم: لا تجمع في القسم 8، وكذلك إن كانت متقاربة في الكرم، وتباعد ما بينهما كاليوم واليومين لم تجمع 9.
وقال أشهب في مدونته: إن كانت متقاربة في نمط واحد ومكان واحد وبعضها أكرم من بعض وبعض الدور أعمر من بعض، فإنها تجمع لمن طلب جمع حصته في مكان واحد 10، إلا أن يكبر 11 حظه عن دار أو أرض، فتجمع له في دار أو أرض أخر، ثم يقسم الذين أرادوا التفرقة على ما يتراضون عليه.
وإن كانت الدور والأرضون متباعدة ليست في نمط واحد قسم الذين أرادوا التفرقة حظوظهم من كل دار أو كل أرض، ثم يقال للذين أرادوا الجمع: اقتسموا كيف شئتم تتراضوا عليه 12 وإنما أراد به أنه إذا كانت متقاربة7
الجزء: 12 - الصفحة: 5880
يبدأ بالقسم لمن أراد الجمع؛ لأن ذلك الحكم، ويوقف الآخرون عن القسم ويسقطون 13 مقالهم في أنفسهم.
فإن كان الذي أراد الجمع واحدًا -كان الضرب على الديار، فيكتب أسماء الديار ويخلط، فأيها خرج أولا- كان له، ثم يرجع الآخرون فيقتسمون كل دار وكل أرض بانفرادها، وإن كانت متباعدة ابتدئ بالذين أرادوا التفرقة، وتقسم كل دار وكل أرض على سهامهم بالقرعة.
فإذا أخذوا ذلك بقي بقية تلك الدار والأرضين 14 على ما كانت عليه الشركة قبل أن يأخذها أولًا الباقون أنصباؤهم 15 ثم يجمع الباقون بالتراضي؛ لأن من أصله أنه يجوز في مثل هذا التراضي لا 16 القرعة.
وقد فسر ابن عبدوس قوله على غير هذا، وأخذ سحنون بقول أشهب في الأرضين وخالفه في الديار قال: لأن الديار تكون في نمط واحد وهي مختلفة النَّفَاقِ 17 قال: ومن داري إلى الجامع نمط واحد وهو شديد الاختلاف 18.
وإن كانت أرضًا واحدة لا يتسع قسم جيدها ورديئها بانفراده، قسمت قسمًا واحدًا وإن صار جيدها ناحية ورديئها ناحية.
وهو قول مالك في كتاب الوصايا وقد تقدم.
الجزء: 12 - الصفحة: 5881
باب في قسمة الشجر ومن ادعى دارًا في يد رجل أو أنه وارث معه
قد تقدم القول أن ما تقاربت الأغراض فيه يجمع، وما تباعدت لم يجمع، فالنخيل والأعناب والزيتون والفواكه هذه الأربعة كل واحد منها صنف لا يجمع إلى الآخر بالقرعة والجبر 19.
واختلف إذا تراضوا على قسمته 20 بالقرعة فأصل ابن القاسم في هذا المنع، وأشهب الإجازة.
21
وأجازه ابن القاسم مرة فيما قلَّ فقال في رجلين بينهما نخلة وزيتونة: لا بأس أن يقتسماها بالتراضي إذا اعتدلتا في القسم وإن كرها لم يجبرا، وإن كانتا لا تعتدلان تَقَاوَمَاهُمَا أو بَاعَاهُمَا 22.
فقوله: إذا اعتدلتا دليل على إجازة ذلك بالقرعة؛ لأن التراضي لا يراعى فيه الاعتدال، وهذا للضرورة فيما قل كما أجاز في الأرض الواحدة، بخلاف أن يكثر النخل والشجر فإنه يقسم كل صنف بانفراده.
والنخيل على اختلاف أجناسها صنف يجمع في القسم، وإن صار لأحدهم برني وللآخر عجوة، ويستحسن إذا كان الجيد ناحية والرديء ناحية، وكل واحد يحمل القسم بانفراده أن يقسم على الانفراد.
والزيتون كله صنف
الجزء: 12 - الصفحة: 5882
وإن اختلفت أجناسه.
والعنب صنف، وإن كان منه الأبيض والأسود والصيفي والشتوي، ويستحسن إذا كان كل نوع ناحية ويحمل القسم بانفراده أن يقسم على الانفراد، فإن لم يفعلوا لم يفسخ وجعل 23 ابن عبدوس تباينها في الفضل، كتباين الأرضين في الكَرَمِ 24 وقد يحمل قوله على الاستحسان.
واختلف في الفواكه كَالتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ والخَوْخ 25 وغيرها.
فذهب ابن القاسم في المدونة إلى أنها صنف، فقال: إذا كان جِنَانٌ فيه تُفَّاح ورُمَّان وخَوْخ وأُتْرُج 26 وأنواع 27 الفواكه وهي مختلطة، جُمِعَ لكل واحد نصيبه في موضع كما قال مالك في الحائط فيه الْبَرْنِيُّ وَالصَّيْحَانِيُّ واللوز وَالجُعْرُورُ أنه يقسم على القيمة ولا ينظر 28 إلى ما يصير في حظ هذا من ألوان التمر، وإن كانت جنات، جنان تفاح على حدة وكل نوع على حدة، وكل واحد يحمل القسم، قسم كل جنان على حدته 29، يريد: وإن لم يحمل القسم جمعت فشبه اختلاف الفواكه باختلاف النخيل.
الجزء: 12 - الصفحة: 5883
وقال عبد الملك في كتابه (1): إذا كانت الثمار مختلطة في الجنان، وكانت شبيهة بالتناصف في اختلاطها جاز جمعها، وإن كان أكثرها صنفًا قسم ذلك الصنف بالسهم، وقسم ما سواه مختلطًا إذا أشبهه وحكاه عن مالك، وإن كان كل صنف على حدته (2) فالقسم في جميعه ممتنع إلا أن يقسم كل صنف على حدته، ويلزم على قول ابن القاسم مثل ذلك في النخيل إذا كان متباين الاختلاف، والجيد يحمل القسم بانفراده والرديء يحمل القسم أن يقسم كل شيء منه على الانفراد؛ لأنه يشبه اختلاف الفواكه باختلاف النخيل.
وقال (3) في الفواكه إذا كان كل صنف يحمل القسم لم يجمع (4)، وهذا قول ابن عبدوس.
فصل [في حكم اختلاف السقي]
ويراعى اختلاف السقي، فقال في المدونة: إن استوت العيون في سقيها الأرض جمعت وإن اختلفت في سقيها الأرض وغورها 34 قسمت كل أرض وعيونها على حدة 35. وعلى قوله لا يجمع البَعْلُ مع ذات العين ولا مع ذات البئر، ولا ذات عين مع ذات بئر، ولا يخلو الأرضان من ستة أوجه: إما أن يكونا بعلًا لا سقي لهما،30313233
الجزء: 12 - الصفحة: 5884
أو تسقيهما العيون، أو يسقيان بالغرب (1)، أو إحداهما بعلا والأخرى ذات عين، أو بعلا وذات بئر، أو ذات عين وذات بئر.
فعلى قول ابن القاسم لا يجمعان إلا أن يكونا بعلًا، أو لكل واحدة عين متساوية في السقي أو متقاربة، أو كل واحدة ذات بئر متقاربة في الغرز فإن برا كانتا على غير ذلك لم تجمعا.
وقال أشهب في مدونته: لا يجمع البعل (2) مع السقي (3)، وهذا مثل قول ابن القاسم.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يقسم البعل مع العيون إذا كان شبيها في الفضل، (4) وهذا خلاف ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب.
وقال محمد بن مسلمة: يقسم البعل مع العيون، ولا يقسم البعل مع النَّضح إلا برضا أهله، ولا وجه لهذا بل البَعْلُ مع النَّضْحِ أقرب من البعل مع العين.
فصل [في صفة القسم]
في صفة القسم، قال ابن عبدوس: يُقَوِّم القاسمُ النخل نخلة نخلة، إذا كان من أهل المعرفة بقيمة ذلك الموضع، ويسأل أهل الخبرة بما عرف من حمل36373839
الجزء: 12 - الصفحة: 5885
كل نخلة، فقد تكون الشجرة لها منظرة قليلة الثمر، وأخرى لا منظرة لها كثيرة الثمرة فإذا فرغ (1) من ذلك جمعها كلها وقسمها على قدر السهام، ثم يضرب بالسهم على أي الطرفين يبدأ، ثم تجمع أسماء الأشراك ثم يخلطها في كمه، ثم يخرج أول سهم ثم الثاني ثم الثالث، فإذا عرف ذلك بدأ بالأول فأعطاه من الناحية التي وقع عليها السهم شجرة شجرة، فإن بقي لأحدهم كسر من القيمة كانا شريكين بما بقي له في شجره.
وأجاز ابن القاسم أن يقسم الدار الغائبة على الصفة (2)، وقال سحنون: لا يجوز.
والأول أحسن إذا كان الباب لا يتغير أو يحدث الثاني في تلك المحلة، وإن كان يفتح إلى محلة أخرى لم يجز إلا أن يكون القاسم عالمًا بفتح الديار بالمحلة الأخرى؛ لأن قيم الدار تختلف مع تساوي البناء لاختلاف المحلات.
فصل [في حكم القضاء في الديار وأهلها غائبون]
ومن المدونة قال مالك في الدار: لا يقضى على أهلها فيها وهم غيب إلا أن تطول الغيبة فيها 42، مثل الأندلس وطنجة فينظر السلطان في ذلك 43، يريد: الأندلس من المدينة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: أما علماؤنا بالمدينة وحكامنا4041
الجزء: 12 - الصفحة: 5886
فقولهم والعمل عندهم أن يحكم على الغائب في جميع الأشياء 44 بعد ضرب الأجل على قدر مسافة البلد الذي هو به، والآجال في الديون أطول منها في الرباع.
قال: ويحضر وكيله، فإن لم يكن فالمعني بأمره من أهله والصديق والصاحب، ومن يستضيف إليه ويعلم من أمره، وأنكر قول ابن القاسم 45.
وإنما رأى أن الآجال في الدين أوسع من القضاء في الديار؛ لأنه إذا ادعيت وحكم جها للمدعي، ثم قدم الغائب فأثبت ما يسقط الدعوى انتزعها، وإن تداولها رجال بالبيع، وإن بيعت لقضاء دين، فأثبت الغائب أنه قد قضاه بعد أن تداولتها بياعات لم يرد، وإنما يأخذها إذا وجد في يد المشتري من القاضي بعد دفع الثمن.
واختلف إذا ادعى ميراثًا، فرأى ابن القاسم الجواب فيها كالأول لا يقضى بها إلا في ما يقضى به لو ادعيت بغير ميراث.
وقال أشهب في مدونته: إذا ادعيت بغير ميراث سمعت بينة المدعي، وأخر القاضي حتى يقدم أو يكتب إليه، إلا أن يكون كونه في يده قريبًا مثل أن يموت أبوه من سنة أو سنتين، أو يعلم أنها في يد الغائب بميراث وأقام هذا البينة أنه ابن الميت، فيقضى له بنصيبه فيها ولا ينتظر 46 قدوم الغائب؛ إلا أن يطول كون الدار في يد الغائب السنين الكثيرة 47، وينقطع الخبر بما صارت 48 إليه، فيلحق نسب هذا ولا يقضى له بالدار حتى يَقْدَمَ الغائب.
الجزء: 12 - الصفحة: 5887
قال الشيخ - رضي الله عنه -: 49 يريد: إذا كان أمر الدار مشهورًا أنها دار الميت قضي له بنصيبه منها 50 الآن، فإن اندرس خبرها وصارت عملها أنها له بالبحث والشهادة، كانت الدعوى فيها بالميراث وغيره سواء.
واختلف بعد القول ألا يحكم على الغائب في الرِّبَاعِ، هل تكون المحاكمة في موضع الدار أو في 51 موضع المحكوم عليه؟
فقال ابن القاسم: إذا كان المدعى 52 عليه غائبًا كتب إليه ليقدم ليخاصم أو يُوَكِّل، وقيل: المحاكمة في موضع المطلوب، والأول أحسن.
ومن حق الطالب أن يسمع بينته ويستقصي منافعه، ثم يكتب إلى الغائب بما ثبت عنده 53 بالخيار بين أن يَقْدمَ فَيَدْفَعَ عن نفسه، أو يكتب إلى القاضي بما عنده ولا يؤخر القضاء بعد ذلك ولا يكلف الطالب أن يخرج فيخاصم؛ لأن ثبات البينات بغير موضع الدار يتعذر ولا يستطاع نقل البينات.
وإن اجتمع المدعي والمدعى عليه في بلد والدار في بلد آخر، فإن 54 كان كل واحد منهما يدعيها لنفسه لم يحكم بينهما؛ لأن البينات ومعرفة الحائز لها يتعذر هناك، وإن كان يدعي أنه باعها منه وأنكر الآخر البيع، كان للمدعي أن يحاكمه ها هنا إن وجد بينة وإلا حلفه، ثم هو على حجته إذا قدم البلد الذي به الدار.
واختلف إذا بعدت الغيبة، هل يقيم القاضي للغائب وكيلا؟
الجزء: 12 - الصفحة: 5888
فقال ابن القاسم في الغائب والصغير ينظر لهما القاضي ولا يقيم لهما وكيلًا 55.
وقال أصبغ: يقام لهما 56 وكيل مأمون وهو أبين؛ لأن الوكيل يبلغ من الكشف والبحث ما لا يبلغه القاضي لسبب اشتغاله، ولو وجد القاضي إلى البحث والكشف سبيلًا لاستغنى عن الوكيل، وهذا في الدعوى على الغائب.
وأما الدعوى له فلا تصح إلا بوكالة من الغائب، إلا أن يغصب له شيء في غيبته أو يأبق له عبد، وما أشبه ذلك من الأمور التي يعلم أنه تُعُدِّي عليه فيها، فينظر له في غير وكالة.
وإن كان له دين على من يخشى فقره، أو على من أراد السفر إلى موضع بعيد، أو كان له طعام يخشى فساده ينظر له في ذلك كله 57.
الجزء: 12 - الصفحة: 5889
باب في قسم الثمار والزرع والبقل واللبن
قال مالك: لا يقسم الثمر حتى يحل بيعه، فيقسم كيلًا ولا يقسم الزرع فدادين ولا مزارعة ولا قَتًّا ولا يُقَسَّمُ إلا كَيلًا، وإن طاب التمر والعنب ولم تختلف حاجتهم، وكان جميعهم يريد الجذاذ يابسًا أو الأكل رطبًا أو البيع لم يقسم في رؤوس النخل، وإن اختلفت حاجتهم فأراد أحدهم أن يأكل رطبًا والآخر أن يثمر جاز القسم بالخَرْصِ إذا وجد من يعرف ذلك 58. قال الشيخ: 59 وأرى إن أراد أحدهم أن يبقى 60 نصيبه لييبس والآخر البيع لم يقسم؛ لأن المشتري يبقي نصيبه لمثل ذلك، وإطلاق البيع يقتضي البقاء حتى ييبس، وإن أراد أحدهما أن يبقى 61 نصيبه والآخر الجُذاذ للأكل قسما ما يقابل ما يراد جِذاذه، وإن أراد أحدهما أن يبيع نصيبه والآخر الجِذاذ فكذلك يقسمان ما يراد جذاذه، وكان من أراد الجِذاذ بالخيار بين أن يقاسم شريكه الآن أو يؤخر ذلك فيقاسم المشتري، وإن جذ 62 البُسْر وهو عَرَاجِين وكان إن نشر لم يَفْسد لم يقسم بالخرص، وإن كان يَفْسد قُسم إن اختلفت الحاجة، وإن كان البيع على الجِذاذ أو كان غرض المشتري أن يجذه لم يقسم قبل، إلا أن تختلف الحاجة لكثرة عيال أحدهما وقلة عيال الآخر.
الجزء: 12 - الصفحة: 5890
والقسم يجوز على التعديل، وعلى أن يفضل أحدهما الآخر على وجه المكارمة، فيأخذ مما خرصه عشرة أوسق 63 والآخر ما خرصه خمسة؛ لأن ذلك معروف.
كما جاز أن يأخذ أحدهما من صُبْرة؛ 64 بينهما ستين والآخر أربعين، إلا أن يكون فضل الكيل لمكان الدناءة 65، ولا يقسم البلح الكبير متفاضلًا.
واختلف هل يقسم على الاعتدال بالخرص إذا اختلفت الحاجة؟ فأجازه ابن القاسم، قال: والخرص بمنزلة الكيل، وقد قبض كل واحد ما صار له فلا بأس بهذا القسم وإن لم يجذ الذي حاجته للأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة إذا لم يتركه حتى يزهي 66، أنكر ذلك سحنون، وقال: المشتري يجذ 67، فقد اجتمعا على الجذاذ، والأول أصوب؛ لأن المشتري يجذ نصيبه مرة أو مرتين ليدرك به 68 الأسواق، والآخر يجذ شيئًا بعد شيء على قدر حاجته وعياله وكذلك إن لم يبع واحد منهما، واختلفت حاجتهما لفضل عيال أحدهما على الآخر جاز أن يقتسما بالخرص القدر الذي يحتاج إليه 69 أكثرهما عيالًا لأنا إن قصرنا أكثرهما عيالًا على ما يحتاجه الآخر أضَرَّ به وإن كلف الاَخر أن يجذ كثيرًا على قدر ما يحتاج إليه صاحبه فسد عليه وإن جذ أحدهما وأبقى الآخر نصيبه حتى أزهى انتقض القسم، وكان الذي أزهى وقيمة الذي لم يزه شركة بينهما والقيمة يوم كان جذ
الجزء: 12 - الصفحة: 5891
على أنه مجذوذ وليس على الرجاء والخوف؛ لأنه جذه بإذن شريكه فأجاز قسمة البلح الصغير متفاضلًا؛ لأنه لا يدخر.
واختلف هل له حكم الطعام؟ فقال مالك: هو علف 70. وقال ابن القاسم هو بمنزلة البَقْل 71، وأرى أن ينظر إلى العادة فيه 72 في ذلك الموضع، فإن كانوا يريدونه للعلف واستعماله للأكل قليل ونادر كان له حكم العروض، وإن كانوا يريدونه للأكل وغيره نادر وكان استعماله في كليهما كثيرًا كان له حكم الطعام، وإذا كان على حكم العلف جازت 73 المقاسمة، وإن لم تختلف الحاجة وإن جذ أحدهما وأبقى الآخر إلى الإتمام 74، وإذا كان ذلك على حكم الطعام لم تجز المقاسمة إلا أن يجذا معًا، ويجوز متساويًا ومتفاضلًا إلا أن تختلف الحاجة فلا بأس أن يجذ أحدهما دون 75 الآخر.
قال ابن القاسم: فإن اقتسماه ولم يجذا حتى صار بلحًا كبيرًا لم ينتقض القسم إذا كانا اقتسماه على التعديل وكان لا يختلف الآن، وإن كانت القسمة على التفاضل وكان إذا كبر تفاضل، نقضت القسمة إلا أن يُزْهِيَ فتنقض إن لم يكن يتفاضل، وإن جذ أحدهما نصيبه حين المقاسمة وترك الآخر حتى كبر ولم يزه لم ينتقض 76 القسم 77.
الجزء: 12 - الصفحة: 5892
فصل [في قسمة الفواكه والسمن والزيت والعسل وغيرها بالخرص]
واختلف عن مالك في قسم الفواكه بالخرص إذا اختلفت الحاجة، فمنعه في المدونة وقال: إنما مضى الخرص في النخل والعنب، وليس الخرص في هذا من عمل الناس.
78
وذكر ابن القاسم عنه أنه أرخص 79 فيه، وروى عنه أشهب في المجموعة الإجازة 80. وقال: في الزرع إن كان يستطاع أن يعدل بينهما فيه بالتحري جاز 81.
واختلف عنه في العرايا فيما سوى النخل والعنب هل تشترى بخرصها؟ فأجازه في المدونة 82، ومنعه في كتاب محمد 83، وكل هذا الاختلاف فليس في فقه، فإن كان لقوم 84 عادة في خرص ذلك الصنف
الجزء: 12 - الصفحة: 5893
جازت المقاسمة وإلا لم تحبز.
واختلف في قسمة البقل إذا اختلفت الحاجة فيه، فقال ابن القاسم: لا يعجبني؛ لأن مالكًا لم يجز الخرص فيما يجوز فيه التفاضل مثل التفاح وغيره 85.
وقال أشهب في مدونته: يقسم إذا بدا صلاحه وجاز بيعه وليس مثل الزرع؛ لأن الزرع يدخله التفاضل ولا يحاط به كما يحاط بخرص الثمار ويجوز البقل اثنان بواحد، فجعل ابن القاسم المنع لعدم من يعرف الخرص.
وأجازه أشهب إذا تبين 86 الفضل وخرجا عن حد الخطأ، وهو قول ابن القاسم في قسمة اللبن قال: إذا اقتسما الغنم للحلب، يحلب كل واحد غنمًا ناحية لم يجز للمخاطرة، وإن فضل أحدهما الآخر على وجه المعروف، على إن هلك ما في يد أحدهما رجع على صاحبه جاز 87.
وقال سحنون: لا يجوز؛ لأنه طعام بطعام ليس يدًا بيد ولو حلباه قبل التفرق 88 جاز 89 والأول أحسن؛ لأنه على وجه المعروف وليس مما تختلف فيه الأغراض فتدخله المبايعة، والتفاضل يجوز في 90 المقاسمة بخلاف البيع فلو كانا شريكين في قفيز طعام فاقتسماه الثلث والثلثين لجاز والتراخي جائز أيضًا
الجزء: 12 - الصفحة: 5894
كما جاز في القرض في أخذ 91 مائة دينار ليردها 92 بعد سنة فلو كان ممنوعًا من أجل التراخي على ما ذهب إليه سحنون لم يمنع لأجل 93 التفاضل وإنما تدخله المبايعة إذا كان متى هلكت إحداهما لم يرجع على الآخر.
وقال ابن القاسم: لا يقتسمان الخس والسريس والسلق فدادين إلا أن يجذا قبل أن يفترقا.
94
وعلى قول أشهب يجوز إذا اختلفت الحاجة وإذا صار مجذوذًا أو محصودًا لم يجز إلا كيلًا أو وزنًا إن كان مما يوزن ولم يجز تحريًا بالخرص بخلافه قبل الجذاذ؛ لأنه إنما أجيز قبل الجذاذ عند اختلاف الحاجة للضرورة، وقد زالت الضرورة لما زال عن الشجر فلا يجوز ذلك، وسواء كان مما يحرم فيه التفاضل أو يجوز، كان مما يكال أو يوزن، طعامًا كان أو غيره؛ لأنه غرر ومخاطرة ويدخله التفاضل إذا كان طعامًا مدخرًا، فإن فضل أحدهما الآخر بالشيء البين حتى خرجا من حد الخطار إلى وجه المكارمة جاز، وإن كان مدخرًا وإن لم يكن على وجه المكارمة، لم يجز إلا أن يكون مما لا يحرم فيه التفاضل.
وقد اختلف فيه قول مالك فقال في كتاب ابن حبيب: كل ما يحرم فيه التفاضل من الطعام فلا يقسم بالتحري وسواء كان رطبًا أو يابسًا.
وكذلك السمن والزيت والعسل فلا يقسم إلا كيلًا أو وزنًا قال: وكل ما يجوز فيه التفاضل فلا بأس بقسمته في شجره على التحري رطبًا أو يابسًا أو
الجزء: 12 - الصفحة: 5895
بالأرض مصبرًا مثل الفواكه الرطبة وثمر البحاير ومثل ذلك الكتان والخبط والنوى والتين تحريًا وإن كان الكتان والحناء قائمًا لم يجمع أو جمع ولم يقسم ما يجوز فيه التفاضل تحريًا إلا ما أرخص فيه من قليل اللحم والجبن والبيض؛ لأن التحري يحيط بقليله وكثيره 95.
وفرق محمد بين ما يكال أو يوزن وأجازه فيما يوزن ومنعه فيما يكال، وقال أشهب في المجموعة: إن كان مما يجوز فيه التفاضل جاز قسمه بالتحري طعامًا كان أو غيره ويجوز ذلك فيما يوزن فيقسم تحريًا ويباع بعضه ببعض تحريًا كالخبز واللحم.
96
وقال ابن القاسم في العتبية: يجوز 97 في اليسير وقد 98 قيل: إنه 99 فرق بين ما يُكال أو يُوزن؛ لأن الكيل لا يفقد ولو بالأكف وليس بصحيح؛ 100 لأن الأكف يختلف ملؤها 101 ولو قال: أبيعك هذا الطعام كل عشر حفنات بكذا ما جاز، وقسمه جزافًا أقل غررًا من قسمه حفنات 102.
وقد قال أبو الحسن ابن القصار: اختلفت الرواية عن مالك في بيع اللحم باللحم والخبز بالخبز على التحري بغير وزن فأجازه في البوادي والقوافل
الجزء: 12 - الصفحة: 5896
وحيث تتعذر الموازين استحسانًا وروي عنه المنع وهو أحسن ألا يجوز بحال 103. وقال ابن القاسم: لا يجوز بيع جزاف بجزاف من صنف واحد وإن كان ترابًا، ورآه من المزابنة والغرر فكذلك المقاسمة 104.
الجزء: 12 - الصفحة: 5897
باب فى قسمة الأصول بالثمار الأرض بما فيها من الزرع
ومن المدونة قال مالك: لا يقسم التمر مع النخل ولا الزرع مع الأرض، ولكن يقسم النخل والأرض 105 ويترك التمر والزرع حتى يقسم بانفراده 106.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: 107 واقتسام التمر والنخل على خمسة أوجه، فإما أن تكون الثمار غير مأبورة، أو مأبورة، أو بلحًا صغيرًا، أو كبيرًا، أو زهوًا.
فإن كانت غير مأبورة 108 لم يجز القسم بحال عند ابن القاسم 109؛ لأن إطلاق المقاسمة يتضمن دخولها في القسم وهي تئول إلى أن تصير طعامًا ولا يجوز استثناؤها لتبقى لأربابها؛ لأن استثناء ما لم يؤبر في البيع لا يجوز.
وإن كانت الثمرة مأبورة أو بلحًا صغارًا أو كبارًا أو زهوًا كان إطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار في جميع ذلك غير 110 داخلة في المقاسمة، وباقية على الشركة فإن اشترطا دخولها في المقاسمة لم يجز؛ لأنها إن لم تكن الآن طعامًا فهي تئول إلى أن تصير طعامًا، فيدخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد.
الجزء: 12 - الصفحة: 5898
قال ابن القاسم: لأن مالكًا قال فيمن يبيع الحائط وفيه ثمر لم يؤبر بقمح نقدًا أو إلى أجل: لا خير فيه 111، فراعى ما يئول إليه وإن كان بلحًا كبيرًا أو زهوًا دخله التفاضل والتأخير، وإن استثنى أحدهما لنفسه ثمرة ما يصير في نصيبه، ويبقى ما 112 في نصيب الآخر على الشركة جاز.
وإن كانت إحدى الثمرتين مأبورة، والأخرى بلحًا صغارًا أو كبارًا أو زهوًا أو كانت إحداهما بلحًا كبارًا والأخرى زهوًا- كان إطلاق المقاسمة على الجواز والثمار غير داخلة في المقاسمة، فإن اشترطا دخولها في القسمة لم يجز، وإن اشترطت إحداهما وبقيت الأخرى على الشركة جاز، وإن كانت إحداهما غير مأبورة والأخرى مأبورة كان إطلاق المقاسمة على الجواز، والتي لم تؤبر داخلة في القسم لمن هي في نخله والمأبورة باقية على الشركة، وإن استثنيا 113 ما لم تؤبر ولم يدخلاها في القسم لم يجز، وإن اشترطت التي أبرت وأدخلت في المقاسمة لم يجز، وهذا كله مذهب ابن القاسم، وقد قيل في جميع هذه المقاسمات: إنها جائزة وهو أحسن إذا كانت الثمار لم تبلغ إلى أن يحرم فيها التفاضل كالزهو والبلح الكبير.
واختلف في استثناء ما لم يؤبر في البيع، فقيل: جائز وهو باق على ملك صاحبه لم يبعه قط، وهو الصحيح من المذهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب البيوع.
وقال محمد بن مسلمة فيمن باع نخلًا وفيها تمر لم يبد صلاحه أبر أو لم
الجزء: 12 - الصفحة: 5899
يؤبر: فلا بأس أن يبيعها بالطعام والشراب من قِبَل أن المقصود بالبيع والشراء الأصل، فإن كان التمر قد بدا صلاحه لم يجز إلا أن يباع بالدنانير والدراهم والعروض ولا يباع بشيء من التمر؛ لأنه بيع التمر بالتمر متفاضلًا ولا بأس أن يباع بالحنطة إذا جدّ التمر 114 مكانه وتوضع فيه الجائحة 115 انتهى قوله.
وقال سحنون في السليمانية فيمن اشترى نخلًا فيه تمر قد طاب أو لم يطب بطعام نقدًا أو إلى أجل: لا بأس به؛ لأن التمر تبع للنخل قال: وذلك بمنزلة العبد يباع ويستثنى ماله فلا بأس به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغى.
قال: وكذلك يقول بعض أصحابنا، قال: وكذلك السيف تكون فيه الفضة تبعًا، والنقد فيه أحَبُّ إليَّ، وإذا كان الخلاف حسب ما تقدم جاز قسمة الحائط إذا كانت الثمار لم تؤبر، على أن تبقى الثمار لأربابها وعلى أن تدخل في المقاسمة، وكذلك إذا كانت مأبورة أو بلحًا صغيرًا جاز أن تدخل في المقاسمة على قول ابن مسلمة، ويجوز على قول سحنون إذا كانت بلحًا كبيرًا أو زهوًا أن تدخل في المقاسمة بمنزلة السيفين وحليتهما، وقول ابن مسلمة في هذا كله أحسن؛ لأن التقابض والمناجزة قد وقعت فيما بينهما، فإن كانت في حين المقاسمة طعامًا فقد حصل التناجز، وإن كانت غير طعام فإنما تفسير طعامًا بعد انتقال الملك عند المشتري لها، ولا يجوز إذا كانت مزهية؛ لأنها مقصودة حينئذ في نفسها 116 فيدخلها التفاضل.
الجزء: 12 - الصفحة: 5900
فصل [في حكم قسمة الأرض بما فيها من بذر أو زرع]
ويختلف في قسمة الأرض بما فيها من بذر أو زرع، فعلى قول مالك وابن القاسم لا يجوز 117، وسواء كان وقت المقاسمة لم يخرج من الأرض، أو خرج ولم يسبل أو أسبل ولم يبلغ أن يكون طعامًا؛ لأنه يئول إلى أن يكون طعامًا، ويجوز على قول ابن مسلمة وهو أبن وقد تقدم وجه ذلك 118. ويختلف إذا اقتسما على أن استثنى ما فيها ولم يدخلاه في القسم، فجعله ابن القاسم كالذي لم يؤبر 119 إن لم يرز من الأرض وكالمؤبر إذا خرج، وقال محمد 120: هو كالذي لم يؤبر وإن برز ما لم يسبل، وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: هو كالمؤبر وإن لم يبرز 121، فعلى قول ابن القاسم لا تجوز المقاسمة قبل أن يخرج بحال؛ لأنه لا يجوز أن يستئنى ولا أن يدخل في المقاسمة، وإن خرج جاز أن يستثنى ولم يجز أن يدخل في المقاسمة (7) وعلى قول محمد تجوز 122 المقاسمة إن لم يسبل وسواء استثنى أو أدخل في المقاسمة 123 وإن أسبل جاز أن يستثنى ولم يجز أن يدخل في القسم وعلى قول 124 القاضي أبي محمد عبد الوهاب:
الجزء: 12 - الصفحة: 5901
يجوز أن يستثنى وإن لم يبرز (1) من الأرض.
ويختلف أيضًا إذا اقتسما ولم يشترطا البذر ولا الزرع.
فعلى هذا القول يكون محمل القسمة على الجواز، وعلى أن البذر باق على الشركة وإن لم يبرز.
وعلى قول ابن القاسم محملها (2) قبل البروز على الفساد، وبعد بروزه على الجواز وعلى أنه باق على الشركة.
وعلى قول محمد يكون (3) محمل القسم على الفساد وإن برز ما لم يسبل والأول أحسن؛ لأن البذر كسلعة أودعت الأرض فوجب حمل المقاسمة على الأرض دون ما فيها، وإن كانت أرضين فيبرز زرع إحدى الأرضين دون الأخرى كان مطلق المقاسمة على قول ابن القاسم على الجواز، ويكون ما لم يبرز لمن صارت له تلك الأرض وما برز على الشركة، فإن استثنى من برز ما في أرضه ذلك الزرع، أو استثنى نصيبه مما لم يبرز لم تجز القسمة على مذهب (4) ابن القاسم.
فصل [في السقي إذا اقتسما الأصول ثم اقتسما الثمار لاختلاف الحاجة]
واختلف في السقي إذا اقتسما الأصول ثم اقتسما الثمار لاختلاف الحاجة، فقال ابن القاسم: على كل واحد منهما أن يسقي نخله وإن كان ثمرها لغيره125126127128
الجزء: 12 - الصفحة: 5902
قال: لأن من باع ثمرة كان سقيها على صاحب النخل.
129
وقال ابن عبدوس: أنكر سحنون ذلك ورأى أن القسمة ليست ببيع 130، وكأن ما صار له من الثمرة عين 131 ميراثه وليس على أحد أن يسقيه له، وإنما السقي على من له الثمرة وليس على من له الأصل، قال: ولو كان حكمه حكم البيع ما كان عليه أن يسقي من الثمرة 132 إلا نصف ما في نخله ونصف ما في نخل صاحبه، وعلى صاحبه أن يسقي النصف 133 من النصيبين جميعًا، والذي يبين الفرق بينهما أن البيع فيه الجوائح؛ لأن السقي على البائع، والمقتسمان ليس بينهما جائحة، ولو كان السقي عليه لكانت عليه الجائحة 134.
وقال عبد الملك بن الماجشون: لو أن رجلين اشتريا ثمرة حائط ثم اقتسماها في رؤوس النخل، ثم أصيبت إحداهما لم يكن على شريكه 135 شيء وإنما يرجع على البائع 136.
قال الشيخ -رحمه الله-: 137 ولم يختلف أن القسمة بالتراضي بيع.
واختلف إذا كانت بالقرعة فقيل: هي 138 تمييز حق وقيل بيع وهو
الجزء: 12 - الصفحة: 5903
أصوب؛ لأنه لا يختلف أن كل نخلة قبل القسم مشتركة وإذا كان ذلك كانت المقاسمة بيعًا؛ لأن الذي صار إليه كان له نصفه، ونصفه 139 لصاحبه، وإذا كان ذلك واقتسما الثمرة كان ما صار لكل واحد منهما من الثمرة نصفه له من أصل الميراث، ونصفه لصاحبه فسقيهما عليهما جميعًا النصف بالملك والنصف بالشراء، وسواء صار لكل واحد ما 140 في نخله أو ما في نخل صاحبه.
وقول ابن القاسم ها هنا راجع إلى قول المخزومي فيمن باع نخلًا دون ثمره: أن السقي على المشتري، قال: لأنه يسقي نخله وتشرب ثمرة هذا 141.
الجزء: 12 - الصفحة: 5904
باب في قسمة الرباع على الغائب
وقال ابن القاسم في شريكين في قرية 142 غاب أحدهما وهلك الآخر فأراد ورثته القسم فذلك لهم 143 قال: وإنما الذي قال مالك في الدور والأرضين تدعى أنه لا يقضى فيها على الغائب قال: وكذلك إذا حضر شريك الأب وبعض الورثة فإنه يقسم ويعزل؛ لأنه على منكر واختلف 144 نصيب الغائب 145، فأجاز القسمة في الرباع على الغائب؛ لأنه مقر ومنع القضاء؛ لأنه على منكر.
واختلف فيمن يقسم على الغائب فقال مالك: يقسم القاضي ولا يقسم صاحب الشرطة 146، وقال أشهب: إن كان صاحب الشرطة 147 غير مغموز عليه وأصاب وجه الحكم جاز؛ لأنه يحكم كما يحكم القاضي ويحد 148، وقد سمعت مالكًا يقول في بعض ولاة المياه 149 ضرب لامرأة المفقود أجلًا ثلاث سنين 150 ثم أمرها بالنكاح ثم جاءت إلى والي المدينة فقال مالك: يضرب لها أجل سنة تمام
الجزء: 12 - الصفحة: 5905
أربع سنين على ما ضرب الأول ورآه جائزًا، وقول مالك الأول أبين؛ لأن الأصل في القضاء إلى أمير المؤمنين وهم الذين كانوا يقضون، ثم أقاموا مكانهم في ذلك لكثرة اشتغالهم 151 وأقاموا قومًا للشرط ولم يقيموهم للنظر في أموال الناس 152 فإذا نظر فيما لم يجعل له فيه نظر كان كالأجنبي، إلا أن يريد أن أمر الأمراء قد فسد، فإذا أقيم لهذا الوجه وكان أهلًا لأن يقام للوجه الآخر مضى فعله.
الجزء: 12 - الصفحة: 5906
باب في قسمة الثياب والعبيد والدواب والحلي والطعام
قسمة الديار والأرضين بالقرعة جائزة.
واختلف في قسمة العروض 153 والعبيد وغيرهم من الحيوان وغيره، فأجازها مالك وابن القاسم وغير واحد من أصحاب مالك 154، واختلف فيه عن عبد الملك بن الماجشون فأجاز ومنع وقال: لا يقسم بالقرعة ما سوى الدور والأرضين ولكن يباع ويقسم ثمنه 155، يريد: أن الأصل منع القرعة؛ لأنها تتضمن وجهين؛ أحدهما: بيع ملك الإنسان بغير رضاه، والثاني الغرر 156 فإن كان بين رجلين عبدان وهما متكافئان كان لكل واحد من الشريكين نصف كل عبد، فإذا أجبر من كره القسم على القرعة كان قد أجبر على أن يبيع نصف ما يصير لصاحبه بنصف ما يصير له في القسم 157، وأما الغرر فقد يكون غرض كل واحد منهما في أحد العبدين ويرجو أن يصير له في القسم، ولو علم أنه لا يصير إليه لم يرض بالقسم، واستخف مثل ذلك في الديار والأرضين لعظم الضرر في خروج الملك إن لم يمكنا من القسمة، كما أجبر المشتري على أن يخرج من ملكه مما اشتراه فيؤخذ منه بالشفعة بخلاف العبيد والثياب، ولأنه يرضى بالقسم وإن صار ما كان يرجوه من تلك الديار والأرضين لشريكه، ولا يرضى بالبيع وخروج ملكه عن الجميع ولو علم أنه يصير إليه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5907
فصل [فيما يجمع في القسم من الثياب]
واختلف بعد القول بجواز القسم بالقرعة في الثياب في الصنف الذي يجمع في القسم على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم فيمن هلك وترك بَزًّا فيه الخَز والحَرير والكَتَّان والقطن والجِبَابُ والأفرية أنه يجمع في القسم، ولا يقسم كل نوع على حدته فتجعل الجباب قسمًا على حدة والسراويل قسمًا على حدة، ولكن يجمع ذلك كله في القسم وقال أيضًا: يجمع في القسم إذا كان كل نوع لا يحمل القسم بانفراده.
158
وقال أشهب في مدونته: كل ما كان من هذا يصلح أن يباع منه اثنان بواحد إلى أجل لم يجمع في القسم؛ لأنه ليس منه ولو كان منه ما جاز أن يسلم واحد منه في اثنين إلى أجل وليس الخز مثل الكتان والصوف، ولا الصوف مثل الكتان وما كان لا يسلم بعضه في بعض فهو صنف يجمع في القسم.
159 فعلى قوله تكون العمائم والأردية والقُمُص والسَّراويلات أصنافًا لا تجمع في القسم وإن كانت كتانًا كلها أو قطنًا؛ لأن منافعها مختلفة ويجوز سلم بعضها في بعض.
وهو أحسن 160 واعتبار ذلك فيما تتقارب الأغراض فيه وتتباين بالسلم صحيح.
وقول ابن القاسم في البُسُط والوسائد لا تجمع مع الثياب، وإذا لم تجمع
الجزء: 12 - الصفحة: 5908
مع الثياب فإنه يجمع ذلك كله في القسم على أصله إذا لم يكن كل صنف يحمل القسم.
ويختلف على قوله إذا كانت البسط تحمل (1) القسم بانفرادها والوسائد، وأما على قول أشهب فلا يجبر من أبى من جمعها في القسم إذا كانت بُسطًا ووسائد؛ لأنها مما يسلم بعضها في بعض.
فصل [فيما يجمع في القسم من العبيد والخيل والبغال والحمير]
واختلف في العبيد فقال ابن القاسم: يجمعون في القسم وإن كان فيهم الصغير والكبير والهرم والجارية الفارهة، 162 وقال محمد في غنيمة الرقيق: يقسم النساء المشبهات بعضهن ببعض بانفرادهن والوصفاء كذلك، وأما إذا كان كل صنف لا يحمل القسم الجواري والرجال والصبيان فإنهم يجمعون في القسم على قول ابن القاسم.
ويختلف فيهم على أصله إذا كان كل صنف يحمل القسم على الانفراد هل يجمعون أم لا 163 قياسًا على قوله في المتاع وعلى قول أشهب: يجمع ما تقارب 164 ولم يجز أن يسلم بعضه في بعض ولا يجمع ما تباعدت الأغراض فيه إلا بالتراضي.
وقال ابن القاسم: الخيل والبراذين صنف يجمع في القسم ولا يجمع161
الجزء: 12 - الصفحة: 5909
البغال إلى الحمير 165.
قال الشيخ 166 ويختلف في المسألتين جميعًا، فلا تجمع الخيل والبراذين 167 على قول أشهب 168؛ لأنها صنفان في السلم فإن لم يكن في كل صنف ما يحمل القسم بيعا إلا أن يتراضوا بالقسم، فيجوز إن كان بالقرعة وكذلك الخيل إذا كان فيها سابق 169 فلا يجمع مع غيره على قوله 170 بالقرعة بالجبر.
وقال ابن القاسم: البغال والحمير في السلم صنف واحد 171 وإذا منع سلم بعضها في بعض كان القسم أولى بالمنع؛ لأنه أجاز أن يجمع الصنف في القسم وإن تباين تباينًا ويجوز أن يسلم بعضه في بعض ويجمع الإبل في القسم إذا تقاربت صفاتها ولم يجز أن يسلم بعضها في بعض.
ويختلف إذا تباينت وجاز سلم أحدها في الآخر 172 فعلى أحد قولي ابن القاسم: يجوز ذلك اختيارًا وإن كان الجيد يحمل القسم بانفراده وكذلك إذا كانوا صغارًا وكبارا وعلى قوله الآخر: لا يجوز إلا أن لا يحمل كل صنف القسم بانفراده، وعلى قول أشهب: لا يجوز بالجبر وإن لم يحمل القسم على الانفراد.
الجزء: 12 - الصفحة: 5910
باب في قسم الحلي والطعام
وقال ابن القاسم في امرأة ماتت وخلفت زوجًا وأخًا وحليًا 173 أنه يقسم وزنًا 174، يريد: ثم يتراضيان فيأخذ هذا هذا ويأخذ 175 الآخر هذا، وبالقرعة إذا استوى الوزن والقيمة، فإن اختلفت لم يجز بالقرعة، ولو تراضيا على أن يأخذه أحدهما ويدفع إلى الآخر مثل وزن نصيبه ذهبًا جاز وإن اختلفت الجودة مع الذهب 176؛ لأن الوزن سواء وإن اختلف الوزن فكان أقلهما وزنًا أجود لم يجز، وإن كان أدنى أو مثله في الجودة جاز، قال: وإن كان في الحلي لؤلؤ وجوهر قيمته الثلثان، والذهب والفضة الثلث فأدنى جاز أن يقسم بالقيمة، وكذلك لو ورثوا سيوفًا حليتها الثلث والنصول الثلثان فلا بأس أن تقسم بالقيمة، ولا بأس إذا كان ما فيه من الفضة الثلث فأدنى أن يباع بالفضة، ولا بأس بهذا السيف بالفضة والعروض والسيفان تكون فضتهما أقل من الثلث، أو فضة أحدهما أقل والآخر 177 أكثر فتبايعاهما يدًا بيد فلا بأس.
178 فأجاز قسمة الحلي والسيوف إذا كانت الفضة الثلث فأقل، كان كان ذلك الثلث كثيرًا في نفسه فلو كان ما فيه من الفضة خمسمائة درهم 179 وقيمة ما سواه ألف لجاز على قوله
الجزء: 12 - الصفحة: 5911
إذا كان يدًا بيد ويجوز (1) على القول الآخر، وان كان أحدهما نقدًا والآخر مضمونًا إلي أجل.
واختلف إذا كان كل واحد من العلي ذهبًا وفضة بغير جوهر، والذهب أو الفضة الثلث فأقل فقال عبد الملك (2): هل يباع أحدهما بالآخر وكذلك إذا كانت فضة أحدهما أقل من الثلث وذهب الآخر أقل من الثلث، وأن يجوز جميع ذلك على القول أن الأتباع غير مراعاة في نفسها أحسن، ولا فرق بين أن يكون الثلث فضة والثلثان ذهبًا، أو يكون الثلثان جوهرًا أو نصول سيوف، فإما أن يقال أن الأتباع غير مراعاة فيجوز جميع ذلك أو مراعاة فيمنع الجميع.
فصل [في اقتسام الطعام بين الشريكين]
وإن كانا شريكين في طعام غلث 182 أو عفن وهو صُبرة واحدة جاز أن يقسماها وأجازه ابن القاسم في الصُّبرتين إذا كان الغلث أو العفن يشبه بعضه بعضًا قال: وإن تباين لم يجز 183. وأرى إذا تباين وكان أقلهما غلثًا أو عفنًا وهو أجود 184 أو كانا سواء أن يجوز؛ لأنه تفضل من أحدهما على الآخر وإن كان أدنى جودة لم يجز.180181
الجزء: 12 - الصفحة: 5912
وإن كانت إحدى الصُّبرتين نقية والأخرى غلثة وهما في الكيل سواء 185 جاز أن يأخذ أحدهما النقية والآخر الغلثة؛ لأن ذلك تَفَضُّل من أحدهما على الآخر ما لم تكن الغلثة أطيب قمحًا 186 فلا تجوز، وإن كانت إحداهما صحيحة والأخرى عفنة جاز أيضًا إذا استوى الكيل، إلا أن يكون قمح العفنة أطيب ويرغب فيه أكثر من الصحيحة فلا يجوز للتفاضل 187؛ لأن العفن والسوس أذهب بعضه، وإن كان أحدهما غلثًا والاخر عفنًا أو مسوسًا لم يجز، إلا أن يكون الغلث إذا أزيل كان الباقي مثل ما يصح من السوس بعد ذهاب تلك الأجزاء التي أذهبها 188 السوس والعفن مساويًا للآخر في الجودة أو هو أجود فيجوز 189، وكل هذا يجوز في القسم ولا يجوز إذا لم تكن شركة، وكان إنما 190 أتى كل واحد منهما بطعام فباعه من الآخر بطعام إلا أن يتساوى الكيل، فقد يستخف ذلك فيما قل إذا أراد أحدهما مُكارمة الآخر ولم يقصد المبايعة، كما أجيز بدل الدينارين والثلاثة على وجه المعروف.
وقال أشهب في مدونته: إذا كان العفن مختلفًا فلا بأس إذا كان الطعام يسيرًا مثل الدنانير اليسيرة بالدنانير، وإن كان الطعام كثيرًا والعفن مختلفا أو كان في أحدهما لم يصلح مثل الدنانير الكثيرة بالدنانير الكثيرة النقص بأوزن 191 منها،
الجزء: 12 - الصفحة: 5913
وكذلك القمحان أحدهما كثير التراب فلا يصلح ذلك 192 إلا في اليسير.
وقال ابن القاسم في أخوين ورثا ثلاثين إردَبًّا من قمح 193 وثلاثين درهمًا، فأخذ أحدهما عشرة أرادب وعشرين درهمًا، والآخر عشرة دراهم وعشرين إردبًّا، فلا بأس إذا كان القمح صبرة واحدة، ولا يجوز إذا كانا صبرتين؛ لأنه تدخله المبايعة.
ولو ورثا مائة إردب قمح ومائة إردب شعير، فأخذ أحدهما ستين قمحًا وأربعين شعيرًا جاز 194 ولا يجوز مثل ذلك في البيع 195.
وقال أشهب في خلي عنب وتمر 196: يقسم كل واحد منهما بانفراده؛ لأنه لا يصح 197 متفاضلًا 198 وخل العنب أجود فإن رضيا أن يقسماه مثلًا بالمثل بالقرعة لم يجز؛ لأنه مخاطرة وإن عدلاه بالقيمة لم يجز؛ لأنه تفاضل.
الجزء: 12 - الصفحة: 5914
باب في قسمة الجذع والثوب واللؤلؤة والمصراعين والنعلين وما أشبه ذلكـ
وقال ابن القاسم في الجذع والثوب بين الشريكين: ليس لأحدهما أن يدعو إلى قسمه وكذلك الثوب الملفق مثل العدني 199 وكذلك المصراعان والنعلان والخفان والخُرْجُ والحبل 200، وقال في المحمل: ينظر فيه إلى المضرة ونقصان الثمن فإن كان فيه 201 مضرة أو نقصان من الثمن لم يقسم وكذلك الغِرَارَتان ينظر هل في قسمة ذلك فساد أو نقصان من الثمن 202.
وقال في الفص واللؤلؤة والياقوتة 203 والخاتم: لا يقسم، وإن اجتمع من كل صنف شيء كثير، قسم ذلك الصنف بانفراده ولم يجمع بعضه إلى بعض 204.
ومحمل قوله في منع قسم الجذع والثوب والمصراعين والنعلين على أحد قوليه في منع قسم الحمَّام 205، وأما على قوله أن الحمَّام يقسم فإنها تقسم جميع هذه الأشياء، ولا يراعى فساد ولا نقص في الثمن ولا تعطيل استعماله.
وفساد ما يدخل الحمَّام ونقصان الثمن وتعطيله وانتقال ما يراد له أشد.
الجزء: 12 - الصفحة: 5915
والقول بمنع القسم في جميع هذه الأشياء أحسن.
وأما الفص واللؤلؤة والياقوتة فلا تقسم وإن تراضيا على قسمته؛ لأنه من الفساد وإضاعة المال، والقسم يمنع لحق الله تعالى ولحق آدمي وهو الشريك فحق الله تعالى ما يكون من الغرر مثل أن يكون من أحد الجانبين ديار، والآخر 206 أرضون أو متاع أو عبيد فتمنع القسمة بالقرعة وتجوز بالتراضي.
والثاني: أن يكون صنفًا واحدًا وتباين بالجودة والدناءة فاختلف هل تجوز قسمته بالقرعة؟
والثالث: ما يدخله من الربا إما تفاضلًا وإما نسيئة، كاقتسام الثمار بعد الزهو أو قبل 207 إذا قاربت أن تصير زهوًا، أو كالطعامين إذا اختلفت الصفة والكيل والحلي وما أشبه ذلك، فتمتنع 208 القسمة بالقرعة والتراضي إلا أن يسلما من الربا.
والرابع: ما يدخل القسم من الفساد وإضاعة المال، كقسم اللؤلؤة والياقوتة والفص لحق آدمي لمكان نقص المقتسم في نفسه، أو نقصان ثمنه كقسم الدار اللطيفة 209 والحمَّام والخشبة والثوب والمصراعين، وما أشبه ذلك على اختلاف فيه إلا أن يتراضيا فيجوز بالقرعة وغيرها، ولو قيل في الحمَّام يمنع ولو تراضيا كما يمنع من قسم اللؤلؤة والياقوتة لكان وجهًا، وفيما ذكرنا ما يدل على ما سواه من هذا النوع.
الجزء: 12 - الصفحة: 5916
باب في التداعي في القسم والبيع
قال ابن القاسم: 210 إذا اقتسم أهل الميراث وادعى أحدهم الغلط، لم يقبل قوله إلا بأمر يستدل به ببينة 211 أو تفاحش ذلك أنه غلط لا شك فيه، فيكون القول قوله مع يمينه كبيع المرابحة يدعي البائع وهمًا فلا يقبل قوله إلا ببينة أو يأتي من رقم الثوب ما يستدل به أنه غلط.
212
قال الشيخ - رضي الله عنه -: دعوى الغلط بعد القسمة على أربعة أوجه:
أحدها: أن يعدلا ذلك بالقيمة ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة، ثم يدعي أحدهما غلطًا فهذا ينظر إليه أهل المعرفة فإن كانا سواء أو قريبا من السواء وإلا نقض القسم، وكان القول قول من ادعى الوهم والغلط.
والثاني: أن يقولا هذه الدار تكافئ هذه وهذا العبد يكافئ هذا من غير ذكر القيمة، ثم يقترعان أو يأخذان 213 ذلك بغير قرعة فالجواب فيه كالأول؛ لأن مفهوم ذلك القصد إلى التعديل والمساواة في القيم، وكذلك إذا قالا هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هؤلاء 214 العبيد، ثم أخذ كل واحد منهما أحد الصنفين بالتراضي بغير قرعة، ثم يتبين أن القيم مختلفة.
الجزء: 12 - الصفحة: 5917
والثالث: أن يقول أحدهما خذ 215 أنت هذه الدار أو 216 هذا العبد وآخذ أنا هذه الدار أو 217 هذا العبد من غير تقويم ولا ذكر مكافأة، فإن كانت القسمة بالتراضي مضت المغابنة على من كانت في نصيبه كما تمضي في البيع، إلا على قول من لم يمض المغابنة في البيع وإن كانت القسمة بالقرعة وهما عالمان بما بينهما من المغابنة 218 كانت فاسدة فتفسخ بالجبر وإن لم 219 يدع واحد منهما إليه؛ لأن القرعة على ذلك غرر، وإن كانا يظنان أنهما سواء 220 كانت جائزة والقيام في ذلك كالعيب، فإن قام بذلك من عنده ذلك العيب فسخت وإن رضي به مضت.
والرابع: أن يختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة 221 مثل أن يتقاسما عشرة أثواب فكان في يد أحدهما ستة أثواب وقعت عليها القسمة 222 وقال: هي نصيبي وعلى هذا اقتسمنا وقال الآخر: هذا الواحد منها لي وقد كانت قسمتنا خمسة وخمسة 223 دانما سلمته غلطًا فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم: القول قول الحائز له مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يتقاسم الناس عليه؛ لأن الآخر أقر بالقسم وادعى ما في يد صاحبه 224.
الجزء: 12 - الصفحة: 5918
وقال أشهب في مدونته: القول قول الحائز له إذا أقر 225 الآخر أنه سلمه إليه عطاء 226 ولا يمن عليه، كان قال: سلمته على وجه الإيداع، كان القول قوله مع يمينه إن قاسمه خمسة وخمسة 227، ثم يكون الآخر بالخيار بين أن يسلمه أو يحلف أنه قاسمه ستة وأربعة ويتفاسخان القسمة كلها.
وقال محمد بن عبدوس: يتحالفان ويتفاسخان ذلك الثوب وحده 228، وقال ابن حبيب: إن كانت القسمة بالتراضي لم ينظر إلى الدعوى كان بأن الغلط؛ لأنه كبيع المساومة فيلزمه التغابن وإن كانت بالقرعة على تعديل القيم 229 لم يقبل قوله إلا أن يتفاحش الغلط فترد القسمة 230، وأرى إن كانت القسمة بالقرعة أن ينظر إلى القيم فإن كانت 231 متساوية على ستة وأربعة مضت ولا يمين لمدعي السادس، وإن كان التعديل فيها خمسة وخمسة كان القول قول مدعي الخامس؛ لأن الآخر ادعى أن القسمة فاسدة وأنها كانت بالقرعة على تفاضل، وإن كانت القسمة بالتراضي بغير قرعة نظر إلى الستة، فإن كانت تقابل الأربعة في القيمة أو تقارب ذلك، فإن أضيف السادس المتنازع 232 فيه إلى الأربعة تباينت القيم لم يقبل قول مدعي الخامس؛ لأنه أتى بما لا يشبه فإن كان الاعتدال فيها خمسة
الجزء: 12 - الصفحة: 5919
وخمسة لم يقبل قول من السادس في يديه؛ لأنه إذا كان الاعتدال خمسة وخمسة وعادت ستة وأربعة، تباين الفضل وصار من في يديه ستة قد أتى بما لا يشبه، والأصل إذا اختلف المتبايعان وأتى أحدهما بما لا يشبه، لم يقبل قوله كانت السلعة قائمة أو فائتة، وكان ها هنا من في يديه السادس بالخيار بين أن يسلمه بعد 233 يمين مدعيه أو يتحالفا ويتفاسخا جميع القيمة 234؛ لأن جملة ذلك بعضه ثمن لبعض، فإن أشكل الأمر مع بقاء القسمة ستة وأربعة كان القول قول من هو في يديه إذا أقر الآخر أنه سلمه على وجه الغلط؛ لأنه أقر أنه سلمه على وجه الملك فلا يقبل قوله في غير ذلك، وإن قال على وجه الإيداع تحالفا وتفاسخا قال ابن القاسم: كان اختلفا في بيت من الدار وليس البيت في يد واحد منهما تحالفا وتفاسخا 235 القسمة كلها، وإن كان حازه 236 أحدهما كان القول قول الحائز مع يمينه فإن نكل حلف الآخر وأخذه، قال: كان اختلفا في حد الدار فقال أحدهما: الحد من ها هنا ودفع عن جانبه، وقال الآخر: الحد من ها هنا ودفع إلى جانب صاحبه، نظر فإن كان قسمة الساحة والبيوت معًا فسخ جميع القسم وإن قسمت الساحة ناحية تحالفا وتفاسخا في الساحة وإن ادعى أحدهما معرفة الحد وشك الآخر، كان القول قول من ادعى التحقيق واختلف في يمينه، وإن شكَّا قسما ما شكَّا فيه 237.
الجزء: 12 - الصفحة: 5920
فصل [في الاختلاف في البيع]
وإن كان الاختلاف في بيع وليس 238 مقاسمة فقال: بعتك هذه التسعة الأثواب بعشرة دنانير والعاشر وديعة، وقال الآخر: العشرة بعشرة فإن أتيا بما يشبه ولم تفت الأتْواب تحالفا وتفاسخا، وإن فاتت بحوالة أسواق فما فوق كان فوتًا في التسعة دون العاشر؛ لأنه لم يفت ببيعه، فيحلف المشتري أنه اشترى العشرة بعشرة، ويغرم ما ينوب التسعة على أن ذلك العاشر داخل في البيع ويرد العاشر على ما هو به من عيب، ولا شيء على المشتري إذا لم يكن العيب من سببه، فإن كان من سببه وكان العيب يسيرًا أخذه صاحبه وما نقصه العيب، وإن كان كثيرًا غرم جميع قيمته إلا أن يكون الثمن أكثر فيمضيه له بالثمن؛ لأنه قد أقر أنه اشتراه بذلك الثمن، وإن باعه المشتري كان لصاحبه الأكثر من ثلاثة من قيمته يوم باعه المشتري، أو الثمن الذي باعه به، أو ما ينوبه من الثمن في العقد الأول وإذا كان الثمن الأول أكثر فحلف المشتري استغنى عن يمين البائع وإن كان عبدًا أعتقه رد العتق؛ لأنه لم يقر ببيعه وإن هلك من غير سبب المشتري قبل التنازع أو بعده وقبل أن يوقف سقطت الآن 239 الأيمان عنهما جميعا وغرم المشتري عشرة دنانير؛ لأن التنازع حينئذ لا يفيد واحدًا منهما؛ لأن المشتري يقول: إن كان الأمر كما قلت فمصيبته منك والبائع يقول: أنت مقر أن العشرة دنانير لازمة لك لأن مصيبته منك، ولو أوقفه الحاكم فهلك في الوقف ثم ثبت أنه دخل في البيع، كان المشتري بالخيار
الجزء: 12 - الصفحة: 5921
بين أن يحط عن نفسه ما ينوبه من ثمنه أو يغرمه قيمته؛ لأن البينة شهدت أنه كان متعديًا في منعه، وإن ثبت أن البيع في تسعة أغرم المشتري عشرة دنانير وقيمة العاشر.
فصل [في القاسم والقاضي إذا غلطا]
وإن لم يلوا القسم بأنفسهم ووكلوا من قسم بينهم ثم قال بعضهم: غلط القاسم أو جار 240 رفع الأمر إلى السلطان فإن وجد على التعديل مضى فإن رضي جميعهم بنقضه ليستأنفوا القرعة أو التراضي بقسمته لم يجز؛ لأنهم ينتقلون من معلوم ما صار إلى مجهول ما يكون في المستقبل، ولو تراضوا بنقضه بشرط أن يأخذ كل واحد شيئًا معلومًا معينًا جاز، كان وجد على غير تعديل نقض وسواء كان القسم برضا الورثة أو ببعثة من السلطان.
وقال ابن القاسم: ولم ير مالك قسم القاسم بمنزلة حكم الحاكم 241، يريد: أن القاضي والقاسم اجتمعا في أن كل واحد عمل باجتهاده، ثم الجواب مفترق فإن حكم حاكم باجتهاده لم ينقض اجتهاد غيره، واختلف هل ينقضه هو إذا تبين أنه خطأ؟ ويجوز ذلك في القسم أن ينقضه هو وغيره إذا تبين فيه خطأ بَيِّنٌ؛ لأنه كمخالفة النص لأنه إنما وكَّل على التعديل، والغلط تدرك معرفته قطعًا؛ فينقضه 242 هو وغيره والاجتهاد في القسم بخلاف ذلك.
وقال أشهب: القاضي والقاسم في هذا سواء إذا أخطأ أو غلط غلطًا بينًا
الجزء: 12 - الصفحة: 5922
ردّ، وإن كان ذلك مما يكون من القاسم جاز على من أسهم له، ونظر في الحصص التي بقيت فإن كان إن أعيدت قسمته خرج على 243 ما هو أحسن نقض الأول، وكذلك قال في القاضي إذا حكم بشاذ مباين للحق نقضه غيره، وإن لم يتباين لم يكن لغير القاسم أن ينقضه ولا ينقض اجتهاده لاجتهاد غيره، ويختلف هل ينقضه القاسم نفسه إذا تبين له أن غير الأول أصوب؟ ولو كانت دارًا أجراها على السهام فأعفى 244 بعضهم، ثم تبين أن غير ذلك أحسن أعاد القسم مما لم يقرع عليه.
ويختلف فيما مضى هل ينقض فإن لم يتبين الغلط حتى وقع هدم لم يكن على من يرجع عليه في الهدم شيء، ويختلف هل يفيته البناء لأنه بنى بإذن من الورثة 245.
الجزء: 12 - الصفحة: 5923
باب في قسمة الوصي على من يلي عليه من صغير أو سفيه أو على الغائب الكبير
قسمة الوصي على من يلي من صغير أو سفيه على ثلاثة أوجه:
فإن كان المولى عليه واحدًا جاز أن يقسم له من هو رشيد من غير مطالعة حاكم؛ لأنه لا يتهم أن يميل عمن هو في ولاية إلى الرشيد.
واختلف إذا كانا صغيرين ورشيدًا، هل يجوز كالأول أو يكره لإمكان أن يكون ميله لأحد الصغيرين أكثر 246 فيأخذ له ما هو أفضل إلا أن يكون الذي يأخذ له شائعًا.
والثالث: أن يكونوا صغارًا لا كبير معهم.
فاختلف في قسمته بالمنع والجواز والكراهية، فقال في المدونة: لا يقسم بينهم إلا السلطان 247.
وقال أيضًا: يكره فإن نزل مضى، وقال سحنون: ذلك جائز 248.
وقال ابن القاسم في كتاب الرهن: يجوز للأب أن يشتري لابنه الصغير من ابن له صغير 249 فعلى هذا يجوز أن يقسم بينهم.
واستحسن أن يرفع الأمر إلى القاضي ليجعل معه غيره، أو يحضره عدلين ليجتهدا معه خيفة أن يكون له ميل مع أحدهما، وذلك أسلم وأحوط وإن لم
الجزء: 12 - الصفحة: 5924
يفعل مضت قسمته؛ لأن محمله على الاجتهاد لجميعهم حتى يعلم غير ذلك.
وإن كان الكبار غيبًا كان نظره في المقاسمة أو البيع من غير مقاسمة على خمسة أوجه:
فالأول: المقاسمة بين الصغار والكبار.
والثاني: المقاسمة لوصية الميت إن أوصى بالثلث.
والثالث: البيع للوصية إذا لم يوص بجزء.
والرابع: البيع لقضاء ما على الميت من دين.
والخامس: البيع من غير وصية ولا دين.
فأما المقاسمة بين من يلي عليه وبين الغيب الكبار فيجوز في العين.
قال محمد: له أن يقاسم للصغار 250 العين ثم لا يقسم أيضًا ما صار للصغار بينهم، ولا يقسم ما صار للكبار، ولو فعل ما جاز وإن تلف ما أوقف 251 له رجع على من سلم 252 له وكان التلف من جميعهم 253، وجعله بمنزلة ما لم يقسم ولا يضمن ما تلف لأنه إنما زاد فيه.
واختلف في قسمة المكيل والموزون فمنع ذلك محمد وقال إنما ذلك في العين خاصة 254، وأجازه أشهب في 255 مدونته إذا كان الطعام صنفًا واحدًا قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 5925
وقسمة ذلك بينهم بمنزلة أخذه النفقة منه 256 للأصاغر، وإقراره حظ الغائب حتى يقدم بمنزلة نفقته عليهم وعلى الميت دين وأنفق من الفضل على الدين فيجوز ذلك، فإن تلف مصابة الغائب أو دين الغريم لم يرجع على الوصي، ولا على الورثة بما أنفق عليهم بعد حبس ما عليه من الدين.
وأرى 257 إن كان الطعام صُبرة واحدة أو صبرًا وكان يقسم كل صبرة أن يجوز وإن كان يأخذ لمن يليه صبرة ويوقف 258 للغائب الآخر فليس بحسن؛ لأنه مما تختلف فيه الأغراض فقد يكون الذي أوقف لهم أدنى عند غيره ممن هو أبصر منه، ولا يجوز ذلك في العروض والعبيد.
قال محمد: فإن فعل فهلك ما أوقف للغائب كانت 259 مصيبته من جميعهم، وكان الغائب على حظه في الذي صار للصغير، وإن هلك ما صار للصغير كانت مصيبته منه، وأجاز إذا أوصى بالثلث أن يقسم ذلك على الغيب 260، ويأخذ الثلث للموصى لهم ويوقف الثلثين 261.
واختلف هل يبيع جميع التركة ثم يقسم العن أثلاثًا أو يبيع الثلث خاصة؟
وأجاز أن يبيع الدور والحيوان لقضاء دين الميت.
ويجوز على هذا أن يبيع للوصية إذا لم تكن الوصية بجزء وكانت بدنانير أو غيرها.
الجزء: 12 - الصفحة: 5926
قال محمد: وليس قسمة الدور وغير العين 262 بين الصغار والكبار كقسمة الوصي الثلث بين الموصى لهم إن كانوا كبارًا فذلك جائز عليهم؛ لأن الذي أوصى 263 بالثلث ولاه رجلًا وذلك جائز.
264
وقال أشهب: وإن لم يكن على الميت دين ولا وصى بشيء والورثة بعيدو الغيبة، فله أن يبيع الحيوان والعروض.
يريد: يبيع الحيوان لما يتكلف من حفظه والإنفاق عليه وقد تستغرقه النفقة، ويبيع العروض إذا كان يخاف عليها الفساد 265.
وقال ابن القاسم: يرفع ذلك إلى الإمام حتى يأمر ببيعه 266 وهو أحسن، وهو أصل المذهب أن لا يبيع على الغائب إلا الإمام.
وأجاز في أحد القولين إذا أوصى بالثلث أن يبيع جميع التركة، خيفة أن تختلف القيم فيما يأخذ الورثة، فقد تكون القيمة عند بعض أهل العرفة أقل، فكان بيع الجميع لرفع التنازع في ذلك والقياس ألا يباع ثلثاهم.
وأصل المذهب والمعروف منه أن لا يقسم الوصي على الغيب الكبار، ولا يبيع لدين ولا لغيره، ولوجاز أن يقسم الثلث من الثلثين، لجاز أن يقسم بين الصغار والكبار.
الجزء: 12 - الصفحة: 5927
فصل [فيما إذا دعا الكبار من الورثة إلى المقاسمة]
وإذا دعا الكبار من الورثة إلى المقاسمة كان الوصي في جميع نصيب الأصاغر، وتفرقته على ما يراه من حسن النظر، فإن رأى التفرقة أحسن فرق وإن كان الجمع أفضل جمع.
ويجوز أن يجمع نصيبان في القسم بالتراضي.
واختلف هل يجوز ذلك بالقرعة فمنعه ابن القاسم 267 وأجازه أشهب 268، قال: وليس في تفرقة ذلك وجه يرتفق به لهم، وإنما ينبغي أن يقسم للكبار 269 الذين طلبوا القسم، وإن هو قسم ذلك متفرقًا لم يجمع ذلك بعد، فعلى قوله إن كان كبيرًا واحدًا وصغارًا كتب رقعتين وسمى فيهما كل طرف، فأي الطرفين خرج له أخذه وبقي ما سواه على الشركة، وإن كانا كبيرين أو أكابر وصغارًا كتب أسماء الكبار خاصة، وخلطها وأقرع على أي الطرفين يكون لمن خرج سهمه أولًا، فإذا لم يبق إلا كبير واحدٌ كتب رقعتين يذكر الطرفين فأيهما خرج له 270 أخذه وكان الباقي على الشركة بين الأصاغر.
الجزء: 12 - الصفحة: 5928
باب فيمن له نخلة في أرض غيره فسقطت هل يجعل غيرها مكانها أو خرج في أرضه عرق من شجرة غيره أو عين لغيره
وقال مالك فيمن له نخلة في أرض غيره فقلبتها الريح له أن يغرس مكانها أخرى 271.
قال ابن القاسم: وله أن يغرس غير النخل، إذا كان لا يضر بالأرض ولا يكون أكثر انتشارًا 272، يريد: أن يعمل مكان الأولى ما لا يضر بباطن الأرض مما يكون عروقه أكثر انتشارا أو أقوى من الأولى، فيهلك ما يجاوره ولا يضر في أعلاها مما تكون فروعها أكثر فيستر المشمس من الأرض فتضعف منفعتها.
وقال ابن القاسم في العتبية في رجل تفقأت الأرض من جنانه عن عروق من شجر في جنان غيره.
273 قال: إن كانت فيه منفعة إن قلع كان لمن هو من شجرته أن يقلعه ويغرسه في مكان آخر، وإن لم تكن له فيه منفعة ولا عليه فيه مضرة بقي لصاحب الأرض إلا أن يكون لو قلع له ثمن الخشبة أو الحطب فيأخذ قيمته مقلوعًا 274.
وقال عيسى: وإن كان إقراره بحاله مضرًّا بأصل الشجر التي هو منها لم يكن له أن يضره إلا برضا صاحب الشجرة 275.
الجزء: 12 - الصفحة: 5929
قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن لم يرض وكان إن قطع في الأرض ما بين الفرع والشجرة التي هو منها، ثبت قطع ما بينهما وأعطى قدر قيمته مقلوعًا، وإن كانت لا تثبت قطع وأخذه صاحبه.
وقال ابن القاسم فيمن له نهر يصر في أرض غيره، قال: لصاحب الأرض أن يغرس في 276 حافتي النهر شجرًا وليس للآخر منعه من ذلك، فإن غرس فاحتاج النهر إلى الكنس طرح الطين على حافتي النهر فإن لم يقدر إلا على طرحه على الشجر لكثرة الشجر، طرحه عليها إذا كانت العادة أنه يطرح على حافتي النهر 277، فجعل حق صاحب النهر في موضع جريان الماء خاصة، والحافتان ملك لصاحب الأرض يغرسها إن أحبَّ، ولا يطرح الآخر عليها إلا لعادة، ولصاحب النهر أن يمنع صاحب الأرض من غراسة حافتي النهر، إذا كان يضر بالماء لما يشرب منه في أصول 278 الشجر، ولأن عروق الغرس تعترض في النهر فتضر بجريانه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5930
باب في الورثة يقسمون تركة ميتهم ثم يطرأ غريم أو وارث أو موصى له
وقال ابن القاسم فيمن مات وعليه دين وترك دورًا فاقتسمها الورثة وجهلوا أن على الميت دينًا أو جهلوا أن الدين يخرج قبل الميراث قال: ترد القسمة حتى يخرجوا الدين إن أدرك مال الميت بعينه وإن أتلف بعضهم ما صار إليه كان للغريم أن يأخذ جميع ما أدرك في يد الآخر إلا أن يكون حقه أقل فيأخذ مقدار دينه، ويطرح هذا الدين فلا يحسب وينظر إلى ما بقي في يده وما أتلف الآخر، فيكون ذلك كله مالًا للميت، وينظر إلى ما بقي في يد هذا 279 فيكون له ويتبع جميع الورثة بما بقأنه من ميراثه، ويضمن له الورثة ما أكلوه واستهلكوه، وما مات في أيديهم من الحيوان والرقيق، وما 280 تلف من الأمتعة بأمر من السماء ولهم على ذلك بينة فلا ضمان عليهم فيه.
وإن جني على شيء من ذلك قبل لحوق الدين اتبع جميعهم الذي جنى، وإن بيع شيء من ذلك بغير محاباة مضى البيع واقتسموا الثمن 281.
قال: وإن طرأ وارث على ورثة أخذ من كل واحد قدر ما يصير عليه 282 من ميراثه، وليس له على هذا الذي بقي في يده مال الميت إلا ما يصيبه، لو لم يتلف ما أخذه أصحابه 283.
الجزء: 12 - الصفحة: 5931
وجعل الجواب في غريم طرأ 284 على غرماء مثل ذلك، ليس له على الموسر إلا ما ينوبه لو كان بقية الغرماء مياسير.
والطارئون 285 ثلاثة: غريم، ووارث، وموصى له.
فالغريم: يصح رجوعه على كل من وضع يده على تركة الميت من غريم ووارث وموصى له.
والوارث: يصح رجوعه على الورثة وعلى الموصى لهم، وكذلك الموصى له: يصح رجوعه على الورثة وعلى الموصى لهم.
فأما الغريم فإنه لا يخلو أن يطرأ على الغرماء بانفرادهم؛ لأنه قد تقدم قبله غرماء ولم يفصّل عنهم شيء أو على الورثة؛ لأنه لم يتقدم قبله غرماء أو تقدم وفضل عنهم بأيدي الورثة ما يوفي بدينه.
أو على الورثة والغرماء، إلا أن الباقي لا يوفي بدينه، فإن كان ما خلفه الميت أخذه الغرماء قبله كان رجوعه على أولئك الغرماء، ولا رجوع له على الورثة إذا لم يعلموا بدين الطارئ، ولا كان موصوفًا بالدين، فإن أعسر بعضهم أو غاب لم يرجع على الموسر الحاضر إلا بما ينوبه لو كان بقية الغرماء حضورًا مياسير.
وإن طرأ غريم 286 على ورثة فإنه لا تخلو التركة من أن تكون عينًا أو عروضًا أو ديارًا، والدَّيْنُ يغترق جميع التركة أو بعضها فإن كان يغترق، والتركة عين وذلك قائم بأيدي الورثة أخذ جميع ذلك من أيديهم، فإن أكلوه
الجزء: 12 - الصفحة: 5932
ضمنوا، وإن ادعوا الضياع لم يصدقوا.
واختلف إذا قامت لهم البينة على الضياع فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم.
وقال أشهب: يضمنون وهو أصله في العواري أنها مضمونة مع قيام البينة على الضياع 287، والأول أحسن؛ لأن هذا استحقاق لا يضمن مع قيام البينة على التلف، إلا أن يحبسوا ذلك لأنفسهم مع علمهم بالدين، أو كان الميت موصوفًا بالدين 288 لم يضمنوا، وإن لم تشهد بينة بالضياع إذا وقفوا ذلك عند أمن أو عند أحد الورثة وهو مأمون.
وإن كان الدَّيْنُ يغترق بعض تركة الميت وكلهم حاضر موسر غير مُلِدٍّ أخذ من يد كل واحد ما ينوبه، ولم يأخذ جميع حقه من أحدهم، فإن أعسر بعضهم أو غاب أو كان مُلدًا، أخذ جميع حقه من الحاضر الموسر وممن هو غير مُلدٍّ واتبع المأخوذ منه أصحابه.
واختلف إذا كانت تركة الميت ديارًا، وكانت القسمة وهم عالمون بالدَّيْنِ فقال مالك في كتاب محمد: القسمة فاسدة منتقضة وسواء رضي الورثة بقضاء الدَّيْنِ أم لا 289. واحتج يقول الله -عز وجل-: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
وأرى أن القسمة لم يتعلق بها حق لله سبحانه، وإنما يتعلق بها حق لآدمي فإن رضوا بقضاء الدَّين لم تنقض، وإن يرضوا واختلفوا فرضي أحدهم ببقاء
الجزء: 12 - الصفحة: 5933
القسم، وأن يقضي ما ينوبه ولم يرض الآخرون نقضت، وقضي الدَّين، واستؤنف القسم في الباقي، وإن كان لا يبقى بعد قضاء الدَّين شيء كان القول قول من دعا إلى قضاء ما ينوبه ولا ينتزع ما في يده.
وقال أشهب وسحنون: القسمة جائزة إذا كان جميع المقتسم موجودًا ويفض الدَّين على ما في أيديهم بالحصص، فإن كان الدَّين يغترق نصف التركة وفي أيديهم ثلث التركة، وفي أيدي الآخرين الثلثان، بيع نصف ما في يد كل واحد إلا أن يكون على الغريم في ذلك ضرر فيما يباع له من حصة كل واحد لافتراقه، وقلة الرغبة في شراء البعض أو يكون ما صار لأحدهم أدنى ثمنًا فينقض القسم 290.
قال الشيخ -رحمه الله-: وعلى قوله لو بنى أحدهما في نصيبه وقيمته مائة، فصارت قيمته مائتين لبيع منه للغريم ربعه؛ لأنه هو نصفه قبل البناء إلا أن يشاء أن يدفع قيمة نصف ذلك يوم قاسم قيل يوم بنى؛ لأن البناء فَوت.
وإذا انهدم ما في يد أحدهما ولم يبن الآخر نقض القسم وليس الانهدام فوتًا.
وإن قال أحد الورثة لا تردوا القسم وأنا أقضي جميع الدَّين من مالي كان القول قوله ولم ينقض القسم، وهو في ذلك بمنزلة أجنبي قال للغريم: أنا أقضيك دينك، فإن القسم يمضي على كل حال وإن كان الدَّين يغترق جميع التركة، وقد هلك في يد أحدهما لم يضمنه وسواء كانت القسمة بالقرعة أو بالتراضي؛ لأن مقال الغريم معه من باب نقض القسم وهو كالاستحقاق فلا يضمن له شيئًا ولا يضمن الأخ لأخيه شيئأ؛ لأنه لا يستحق ميراثًا إلا بعد قضاء الدَّين.
الجزء: 12 - الصفحة: 5934
فلو رجع الأخ على أخيه بقيمة نصف ما قبضه إذا كانت القسمة بالتراضي رجع عليه الغريم فأخذه منه؛ لأن الدَّين مبدأ على الميراث، وكذلك إذا كان الدَّين يغترق جميع الحاضر وبعض الهالك، لم يضمن من هلك بيده شيئًا.
واختلف إذا كان يغترق بعض الحاضر والقسمة بالقرعة، فقيل لا يرجع من استحق ذلك من يده ولا يرجع عليه، وأرى أن القسمة تمييز حق ويكون بمنزلة ما لو قضى ذلك الدين أجنبي وهو أحسن، وقيل يرجع عليه ولا يرجع، وقيل هي بيع فيرجع ولا يرجع عليه، وإن كانت القسمة بالتراضي رجع ولم يرجع عليه.
وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
فإن كانت التركة عينًا وديارًا، وكان في العين وفاء بدين الطارئ قضي الدَّين من العن ومضى القسم في الديار، ولا قول لمن أراد نقض قسمة الديار.
وإن كانت التركة عينًا وعروضًا وديارًا، وقد قسم جميع ذلك قضي الدين من العين، وإن كانت التركة دورًا وعروضًا قضي من العروض؛ لأنها أقرب بيعًا ومن حق الغريم أن يبدأ بما هو أسرع بيعًا، ويمضي القسم في الديار وإن اقتسما ديارًا وعبيدًا فانهدم أحدهما أو حدث بالعبد عيب فبيع جميع السالم؛ لأنه أقرب بيعًا رجع على أخيه فقاسمه تلك الديار وذلك العبد على ما هما عليه من الانهدام والعيب قولًا واحدًا، وإن بيع نصف السالم فكان رد النصف الباقي وانتقاض القسم أفضل له، أو أراد ردَّ ذلك لغرض له في الرد، وإن كان أبخس عليه كان ذلك له بغير خلف أيضًا.
وإن اختار التمسك؛ لأن ذلك أفضل له كان ذلك له على أحد القولين، وقيل لأخيه أن يرجع عليه فمتى كان له 291 رجوع من بيع ذلك من يده لم يراع
الجزء: 12 - الصفحة: 5935
فضل ولا خسارة؛ لأن رجوعه نقض للقسم، فإن انتقض القسم ارتفع مراعاة ذلك، ومتى لم يرجع من بيع ذلك من يديه لم ينتقض القسم، وبقي كل واحد منهما على ما في يده من ربح أو خسارة، ومعلوم أنه متى علم أن الرد أضر به لم يرجع، ولا يختار أبدًا إلا ما هو أفضل له ولا فرق بين أن يقول أجنبي: "أنا أقضي هذا الغريم دَينه ليمضي القسم"، أو يقول ذلك صاحب الدَّين "أنا أرضى أن أسقط دَيني ليمضي القسم"، أو يقول ذلك أحد الورثة "أنا أقضي جميع الدَّين أو أبيع بعض ما صار في في الميراث وأقضي جميع الدين" فالأمر في جميع ذلك سواء في أن القسم الأول باق على هيئته وهذا أحسن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (1) فإذا لم يرجع من رجع عليه الغريم، لم يكن لمن نقض ذلك من يديه مقال.
فصل [إذا أقر أحد الورثة بعد المقاسمة بدَين]
واختلف إذا أقر أحد الورثة بعد المقاسمة بدَين، فقال مالك: للمقر له أن يحلف ويأخذ حقه 293، يريد: إذا كان عدلًا، قيل لابن القاسم: أو لا ترى أن هذا يريد أن ينقض القسم بإقراره؛ لأنه إذا ندم أقر بعشرة دراهم ليبطل القسم ليجد منفعة كثيرة، قال: أرى أن يقال للورثة إذا حلف المقر له 294 إن شئتم292
الجزء: 12 - الصفحة: 5936
فادفعوا إليه ما استحق بإقرار هذا أنتم والمقر وينفذ قسمكم، وإلا أبطلنا القسم وأُعطي هذا دَينه ثم قسم ما بقي (1). وقال أشهب في مدونته: إن كان اقتسموا ثلاثة أعبد بِيع من كل عبد بقدر ما يصيبه من الدَّين ثم يكون ما بقي على ما اقتسموا عليه ولا ينقض القسم وإن كان من سوى الشاهد غيبًا بما صار لهم في القسم والشاهد حاضر بالعبد، وكان أن بيع عبده في الدَّين ورجع على أخويه (2) فيما صار لهما بالثلث بما (3) هو زيادة له في ميراثه على ما كان قاسم إما بغبن وإما بما أنماه الله لهما زيادة لها بال يرغب في مثلها، فإن الشهادة باطل ولا يمين لصاحب الدين وليأخذ من الذي شهد له ما كان نصيبه من الدَّين لو جازت شهادته، ولا أرى هذا بمنزلة ما لو ثبت الدَّين بشاهدين قال: وهذا استحسان؛ لأنه لو قضي عليه بمثل ما قضي إذا ثبت الدَّين بشاهدين ولم يشهد الوارث فكان في ذلك منع الشهادة (4).
قال الشيخ -رحمه الله-: قول ابن القاسم بجواز الشهادة مخالف للمعروف من المذهب والأصل أنه إذا اتهم أن تسقط الشهادة.
وقول أشهب: إذا كان موجب الشهادة انتقاض القسم حسن وهو الأصل.
فصل [في طُرُوِّ وارثٍ على الورثة بعد القسم]
وإن طرأ وارث على ورثة وهم أملياء والتركة عين أخذ من كل واحد ما ينوبه واختلف إذا وجد أحدهم معسرًا فقال ابن القاسم: ليس له أن يأخذ295296297298
الجزء: 12 - الصفحة: 5937
الموسر إلا بالنقد الذي كان يأخذه منه لو كان الجميع موسرًا 299. وقال أشهب وابن عبد الحكم: له أن يقاسم الموسر فيما صار له كأن لم يترك الميت غيرهما ويتبعان المعسر متى أيسر ورأيا أن القسمة فاسدة وإن لم يعلموا بالطارئ 300. والظاهر من مذهب عبد الملك أنها جائزة إلا أن يكونا عالمين بالطارئ فتكون فاسدة وأصل ابن القاسم أن ليس لأحد الشريكين أن يقسم العين دون شريكه وأمضى القسمة ها هنا لما كان غير عالم ولو كان عالمًا لم يجز، وأصل أشهب ألا يجوز 301. وقد اختلفا إذا بيعت دار الميت وكان الثمن على يد الوصي فحل الأجل، فقال ابن القاسم: لا يزكى نصيب الصغار حتى يحول الحول من يوم المقاسمة 302، وقال أشهب: إذا حل 303 الحول من يوم 304 قبض الثمن زكى نصيب الصغار 305، وهذا إنما يصح على القول: له أن يقاسم الصغار من غير رضا بقية الورثة، وهذا رجوع من قول كل واحد منهما إلى قول الآخر، فإن أجاز القسم كانت الزكاة من يوم قبض ولا يدخل الطارئ على الموسر إلا بالزائد على نصيبه، وإن كان لا تجوز المقاسمة إلا برضا جميع الشركاء لم تجب
الجزء: 12 - الصفحة: 5938
الزكاة إلا بعد حول من يوم المقاسمة ويكون للطارئ أن يقاسم أخاه بالسواء ثم يتبعان المعسر متى أيسر، وهذا بخلاف أن يطرأ غريم على غرماء، فإنه لا يتبع الموسر إلا بما ينوبه لو كان جميعهم موسرًا؛ لأن الورثة في القضاء مقام السلطان وقضاؤهم ومقاسمتهم صحيحة، وليس كذلك مقاسمة الورثة فيما بينهم؛ لأخهم يقسمون لأنفسهم، وفي الغرماء إنما قسموا لغيرهم فقاموا مقام الحاكم.
وإن كانت التركة شيئًا مما يكال أو يوزن فاختلف فيه فقيل لهم المقاسمة فيه كالعين وقيل ليس لهم مقاسمة بخلاف العين.
فصل
وإن كانت التركة عقارًا فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون دارًا واحدة، أو دارين، أو جماعة ديار، فإن كانت دارًا واحدة فاقتسماها نصفين، كان الطارئ بالخيار بين أن يجيز القسم، ويكون شريكًا لكل واحد من إخوته بثلث ما في يديه، أو يرد فيجمع نصيبه.
وإن كانت دارين فأخذ كل منهما دارًا لم يكن للطارئ أن يرد القسم، وإنما له أن يرجع على كل واحد من أخويه في ثلث الدار التي في يديه؛ لأنه لو أدركهما ولم يقسما لم يكن له سوى ثلث كل دار فلم يدخلا عليه بقسمتهما مضرة، 306 فإن كانتا مما تحملان 307 القسم قسمتا وأخذ ثلث كل دار وإلا بيعتا إن دعا إلى البيع.
الجزء: 12 - الصفحة: 5939
وإن أراد الأخذ بالشفعة فإن كان قسمتهما بالقرعة لم يكن ذلك له، على القول أن القرعة تمييز حق، وإن كانت بالتراضي جرت على اختلاف قول مالك في المناقلة هل فيها شفعة؟ 308 وإن كانت ثلاثًا اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارًا 309 واحدة وبقيت الثالثة، وكانت لا تشبه أن تدخل في القسم مع الدارين اللتن اقتسما؛ لأنها أشرف أو أدنى كان الجواب في الدارين اللتين اقتسما على ما تقدم ويكون شريكًا في ثلث كل دار.
وإن كانت الثالثة مشابهة للدارين أو مقاربة لهما أقرع على الديار الثلاث، ويكون للمقتسمين أن يكتبا ثلاث رقاع بأسماء الديار على أيهما خرج كان للطارئ، فإن خرجت رقعة الدار الموقوفة للغائب مضت القسمة في الدارين على حال ما كانت، وإن وقعت على إحدى الدارين اللتن اقتسما انتقض القسم الأول فيما بين الحاضرين، وإن كان الحاضران اقتسما الديار أثلاثا أخذ هذا دارًا وهذا دارًا واقتسما الثالثة بينهما نصفين، فإن كانت الدار المقتسمة مباينة للاثنتين كان الجواب على ما تقدم، يمضي قسم الآخرين في الدارين ويكون للغائب ثلث كل واحدة وينتقض القسم في الثالثة، فإن كانت تحمل القسم على ثلاثة سهام قسمت وإلا بيعت إن دعا أحدهم إلى البيع، وإن كانت الثالثة مشابهة أو مقاربة للاثنتين ضرب بالقرعة على الثلاث فإن وقعت قرعة الغائب على التي اقتسماها نصفين مضى القسم في الدارين، فإن وقعت على إحدى الدارين التي صارت لأحدهما كان الأخوان بالخيار في الدارين الباقيتين، فإن شاءا أن يمضيا قسمهما في الدار المقسومة على الحالة الأولى، وتكون 310 الدار التي صارت لأحدهما بينهما
الجزء: 12 - الصفحة: 5940
نصفين، وإن شاءا نقض القسم الأول ويقترعان عليها (1)، والجواب إذا كانت التركة (2) عروضًا على هذا إن كانت تنقسم أو لا تنقسم.
فصل [في طرُوِّ موصى له على الورقة بعد القسم]
وإن طرأ موصى له فإنه لا تخلو وصيته من ستة أوجه: إما أن تكون بمعين: عبد أو دار أو بعبد مبهم، أو يقول: "له دار من دوري" ولم يعين، أو بجزء من عبيده أو دياره، أو بتسمية من العين أو بجزء من العين أو بجزء من ماله ولم يخص، فإن كانت بعبد بعينه أو دار بعينها والثلث يحملها، كان له أن يأخذ ذلك من الوارث كالاستحقاق ويرجع الوارث المأخوذ منه على الورثة، كأن الميت لم يخلف ذلك، وإن باع ذلك الوارث كان الموصى له بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن أو يرد البيع ويأخذ عينه، وإن بأن به مشتربه كان له الثمن وإن هلك بيد الوارث بأمر من السماء، فإن كان صار إلى يد الوارث بمقاسمة بالقرعة لم يرجع الموصى له بشيء، وإن صار إليه بالتراضي بغير قرعة أو صار إليه 313 بوجه المبايعة كان له أن يجيز البيع فيه ويأخذ ثمنه من يد البائعن ويسقط من الثمن نصيب الوارث الذي اشتراه؛ لأنه لم يشتر نصيب نفسه وإنما اشترى نصيب الورثة، فإن لم يحمله الثلث كان الموصى له في الاتباع 314 فيما يحمل الثلث منه على نحو ما مضى311312
الجزء: 12 - الصفحة: 5941
إذا حمله الثلث.
وإن كانت الوصية بعبد أو دار غير معين كان شريكًا للورثة في تلك التسمية وهو في ذلك بمنزلة وارث طرأ على ورثة، فإن خلف الميت ثلاثة أعبد أو ثلاث ديار كان شريكًا بالثلث، كان كانوا أربعة فالربع، فإن كان العبيد والديار تعتدل في القسم حتى يخرج له عبد أو دار- كان له أن ينقض قسمة الورثة ثم يقرع بينهم فيأخذ ما يخرج من القسم، وإن كانوا لا يعتدلون في القسم لم ينقض القسم الأول، وكان شريكًا في كل عبد وفي كل دار بقدر وصيته.
وكذلك إذا كانت الوصية بجزء فقال له: ثلث عبيدي 315 أو ثلث دياري، فالجواب على ما تقدم إذا أوصى له بعبد مبهم.
وإن كانت الوصية بجزء من العين والتركة عين كان فيها قولان، فقيل يكون كوارث طرأ على ورثة، فإن وجد أحدهم موسرًا كان له أن يأخذ منه ما ينوبه في المحاصة لو كان البقية مياسير وهو قول مالك 316.
وعلى قول أشهب وابن عبد الحكم يقاسم الموسر جميع ما في يديه، ثم يرجعان جميعًا على الوارث 317. وفي كتاب محمد قول ثالث: أنه بمنزلة غريم طرأ على ورثة يستوفي من الموسر جميع وصيته ثم يرجع على أخيه، فقال: إذا أخذ أهل الوصايا وصاياهم ثم فضلت فضلة أخذها الورثة فإن كان فيها وفاء
الجزء: 12 - الصفحة: 5942
بوصية الطارئ فإنها تحسب عليه ولا يتبع 318 بها إلا الورثة 319، قال: ولو أوصي لثلاثة بمائة دينار والثلث مائتان وخمسون فأخذ الحاضران مائتين والورثة خمسين ثم قدم الثالث بعدُ 320 - كان يجب له ثلاثة وثمانون وثلث، على كل واحد من الموصى لهما سبعة عشر إلا ثلثا لا يأخذ الملي منهما عن المعدم وله أن يأخذ الوارث بجميع ما صار إليه من الخمسين، ثم يتبعان جميعًا باقي الورثة.
قال: وكذلك كل من يرجع على وارث من غريم أو موصى له فليستوعب 321 من الملي منهم جميع ما صار إليه من ذلك فأما غريم على غرماء 322 أو موصى له على موصى لهم فلا يتبع الملي إلا كما يتبع المعدم 323، وأظنه 324 ذهب في تبدية الموصى له وأنه كالغريم لقول الله -عز وجل-: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، وقال ابن حبيب: لحوق الوصية للرجل بالثلث أو للمساكين أو بعدة دنانير بمنزلة لحوق الدين في انتقاض القسم، وفي ضمان الورثة فيما يضمنونه في جميع ذلك 325، وهذا مثل قول محمد.
وقال ابن القاسم 326: إذا اقتسم الورثة مال الميت والمال عين أو عرض، ثم
الجزء: 12 - الصفحة: 5943
طرأ وارث أو موصى له بالثلث، فإنما يتبع كل وارث بما صار إليه من حقه، ولا يتبع الملي بما على المعدم (1)، فساوى بين الموصى له والوارث؛ لأن الميت شريك للورثة بالثلث، فكان كمشاركة أحد الورثة.
وإن كانت الوصية بتسمية من العين مثل أن يوصى بمائة دينار، والثلث محمل الوصية، والتركة عروض أو عقار كان بمنزلة غريم طرأ على ورثة، وإن كانت الوصية بجزء بثلث ماله أو بربعه كان كوارث طرأ على ورثة؛ لأن الميت شرّكه معهم.
فصل [فيمن أثبت الوصية بعبد بعينه فأخده ثم طرأ آخر فأثبت الوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة]
وإن أثبت رجل الوصية بعبد بعينه فأخذه، ثم طرأ آخر فأثبت الوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة كان رجوعه على من هو في يديه 328، فإن كان الثلث يحملهما أخذ جميعه وإن كان لا يحملهما الثلث أخذ منه ما كان ينوبه في المحاصة ثم يرجع الورثة على الموصى له الأول بما فضل عنده فيما ينوبه في الحصاص، وإن أثبت الثاني الوصية بعبد أو دار غير معينة 329 والثلث لا يحملهما أعني العبد الأول، والتسمية الثانية كان الطارئ شريكًا للورثة بتلك التسمية.
وكذلك إن أثبت الثاني الوصية بعين والثلث 330 يحمل الوصيتين جميعًا 331327
الجزء: 12 - الصفحة: 5944
كان مقاله مع الورثة دون الموصى له الأول.
وإن كان الثلث لا يحمل الوصيتين كان له أن يرجع على الفريقين، فيرجع على الموصى له بما فضل عنده لو كان حاصه بمنزلة غريم طرأ على غرماء، ويرجع على الورثة بما فضل عندهم من ثلث الميت، ثم يختلف هل يكون بمنزلة وارث طرأ على ورثة، فيتبع الموسر بما كان يتبعه لو كان جميعهم موسرًا؟ أو بمنزلة غريم طرأ على ورثة، فيبدأ بوصيته من جميع ما يبدأ الموسر؟ والقول أنه كالشريك إذا كانت الوصية بجزء أحسن، وأما إن أوصى بعدة دنانير وهي أقل من الثلث فأرى أن يُخير هذا الوارث الموسر بين أن يدفع إلى هذا ما أوصى له به ويتبع الورثة بما ينوبهم من ذلك، أو يخرج من ثلث ما في يديه ويكون لهذا الموصى له إذا لم يجز أن يتبع بثلث الميت، وإن طرأ وارث على ورثة وموصى له فإن أوصى له بثلث ماله والتركة عين أو بدنانير مسماة من الثلث فأقل كان رجوعه على الوارث 332 على الورثة، وكذلك إن أوصى له بعبد بعينه أو بدار بعينها وهي الثلث فأقل برجوعه- على الورثة، وإن أوصى له بثلث ماله والتركة عروض أو عقار فقاسمه الورثة كان للغائب أن يرد القسمة كلها لأن قسمتهم عليه لا تجوز، وإن ملك ما وهب للغائب كان من جميعهم الورثة والموصى له، وكذلك إن أوصى له بعبد من عبيده أو بدار من دوره ولم يعينها له 333 لم يقاسمه الورثة لم تجز القسمة 334 وكان للغائب أن يرد ما في يد الموصى له ويستأنف القسم وإن أوصى له بالعين وترك للورثة ما يتعذر بيعه أو أوصى
الجزء: 12 - الصفحة: 5945
بالحاضر وترك لهم الغائب أو أوصى بالخدمة وترك لهم المرجع أو أوصى بالمرجع وترك لهم الخدمة والرقبة أكثر من الثلث فأجاز الورثة في جميع ذلك، ثم قدم الغائب فلم يجز كان له أن يرجع على الموصى له في نصيبه منه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5946
باب في الشريكين أو الورثة يجد أحدهما بعد القسمة عيبًا أو يستحق ما في يديه
وقال ابن القاسم في شريكين اقتسما دورًا أو رقيقًا أو عروضًا ثم أصاب أحدهما عيبًا، قال: أرى ذلك مثل البيوع، فإن وجد العيب بوجه ما أخذ أو أكثره رد جميع ذلك، ويكون ما رد وما أخذ صاحبه بينهما نصفين، إلا أن يفوت ما في يد صاحبه ببيع أو هبة أو صدقة أو حبس أو هدم فيأخذ نصف قيمة ذلك يوم قبض، وإن وجد العيب بالنصف رده وحده ورجع شريكًا فيما ينوبه، وإن وجد العيب بأقل ما في يديه رده، فإن كان السبع أو الثمن رجع في نصف قيمة سبع ما في يدي صاحبه، أي نصف ثمنه فيأخذ ذلك ذهبًا أو ورقًا ولا يرجع شريكًا مما يأخذه صاحبه، قال: وكذلك إن أخذ أحدهما نخلًا أو دورًا وأخذ الآخر حريرا أو عطرًا أو جوهرًا وتراضيا بذلك فأصاب أحدهما ببعض ذلك عيبًا، فإنه ينظر إلى الذي أصاب به العيب فإن كان وجه ما صار له رد جميعه، فإن لم يكن وجه 335 ذلك رده وحده بحال ما وصفته لك 336، فساوى 337 في العيب إذا كان المقتسم صنفًا واحدًا أو أصنافًا فأخذ أحدهما صنفًا والآخر صنفًا آخر، وقد اختلف في هذه الوجوه 338 الثلاثة: فاختلف إذا كان العيب في النصف هل له أن يرد السالم فلم ير له 339 ذلك ابن القاسم في مسألة الجاريتين
الجزء: 12 - الصفحة: 5947
يستحق نصف ما في يد أحدهما.
وقال أشهب في مدونته: هو بالخيار بين أن يتمسك بالباقي أو يرد الجميع 340. واختلف إذا كان المعيب أيسر ما في يديه فقال ابن القاسم: يرده ويرجع بما ينوبه قيمة 341 دنانير أو دراهم، وقال أشهب في مدونته: يرجع شريكًا 342، وقال محمد: إذا استحق مما في يد أحدهما شيء انتقض 343 القسم ولم يفرق بين قليل ولا غيره، وأرى إذا كانت القسمة بالتراضي أن يجري الجواب في جميع وجوه هذه المسألة على ما قاله ابن القاسم، فإن كانت بالقرعة كان القول قول من دعا إلى نقض القسمة، وإن كان العيب 344 يسيرًا لأن في 345 زوال ذلك من يد أحدهما بالرد بالعيب أو بالاستحقاق يبين أن القرعة وقعت في غير موضعها وأنها لا تعتدل، ولا فرق بين الاستحقاق والعيب إلا أن المعيب إذا رد عاد إلى أصل الشركة فيكون بينهما على أجزاء الشركة التي تقدمت.
وإذا كان الحكم الرجوع في عين ما سلم فوجده قد مات، فإن كانت القسمة بالتراضي كان الجواب على ما قاله ابن القاسم تفيته حوالة الأسواق فما فوق من نقص أو زيادة، إلا الديار فلا تفيتها حوالة الأسواق ويفيتها الهدم والبناء، ويفيت الجميع البيع والصدقة والحبس والهبة والقيمة في ذلك يوم قاسم.
الجزء: 12 - الصفحة: 5948
واختلف إذا كانت القسمة بالقرعة على ثلاثة أقوال: فقيل هي بيع والجواب كالأول.
وقال أشهب في مدونته: ليست القسمة بالقرعة بيعًا وليس حوالة الأسواق ولا النماء والنقصان فوتًا ولكن إن باع أو دبر أو حبس فهو فوت يرجع بالقيمة 346 يوم قاسم بخلاف البيع وذلك أن البيع؛ المشتري فيه ضامن والمقاسم غير ضامن لما قاسم.
قال ابن عبدوس: ويدخل على أشهب ما ذكر في الموت يقال له فلو ذهبت يده بعد القسم ثم أعتقه فأوجبت عليه قيمته صحيحًا يوم قاسم وهي مائة وقيمته يوم العتق خمسون فأغرمته مائة فقد ضمنته ما لم يكن في ضمانه وقد كان التسليط موجودا والضمان مرتفعًا.
قال: فأما سحنون: فإنما ضمنه القيمة يوم العتق، قال سحنون: فإن باع أحدهما واستحق عبد الآخر كان الثمن بينهما وإن كانت أمة فحملت منه ضمن قيمتها يوم حملت وعند أشهب يوم قاسم وإن وهب أو حبس فعلى أصل سحنون، تجوز الهبة في نصيبه ويأخذ شريكه نصيبه من الموهوب له وإن كان مما ينقسم قاسمه وإن أعتق ضمن قيمة نصيب أخيه يوم قاسم.
قال: وعلى أصل سحنون 347 يعتق نصيبه، ويُقَوَّم عليه شريكه نصيبه يوم التَّقويم إن كان مليًّا انتهى قوله.
فاتفق أشهب وسحنون إذا لم يخرج من اليد أن النماء والنقصان بينهما وليس بفوت.
واختلف إذا خرج من اليد ببيع أو هبة أو صدقة أو حبس أو عتق فجعله
الجزء: 12 - الصفحة: 5949
أشهب فوتًا والقيمة يوم قاسم؛ لأنه كان بتسليط من الشريك.
واختلف فيه قول سحنون فرآه مرة فوتًا والقيمة يوم فات 348؛ لأنه كان بتسليط من الشريك وجعله مرة كالمستحق فيرجع في عينه إن وهب أو تصدق وإن أعتق كان الاستكمال في العتق يوم الرجوع؛ لأن ذلك التسليط كان بالجبر إذا دعا إليه صاحبه ففارق التسليط اختيارًا، وإذا كان التقويم الآن كان الذي يرجع بالخيار بين أن يعتق أو يقوم على شريكه، ففارق مسألة الأمة بين الشريكين يعتقها أحدهما فإنه يمضي عتق جميعها؛ لأن الشريك عالم بالتزام القيمة وهذا غير عالم أن معه شريكًا، فإن مات العبد بعد العتق وقبل رجوع الشريك 349 لم يضمن نصيب صاحبه على أحد قولي سحنون وتكون الدار بينهما؛ لأن ابن القاسم وأشهب يقولان إذا صبغ الثوب، ثم اطلع على عيب أن الصبغ ليس بفوت وله أن يرد ويكون شريكًا بالصبِغ، وهذا محمل البيوع والقسمة ليس فيها فوت.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول ابن القاسم أحسن وليس الهدم والبناء كالصبغ، والهدم فوت كما قال فيمن اشترى ثوبًا فقطعه تبابين 350 أو بنيانًا فهدم 351 أنه يرجع بالعيب ولا يرد والبناء فوت كالصغير يكبر وهذا إذا كانت قاعة فبناها، أو كانت مما تعظم فيها النفقة فإن لم تكن قاعة وكان البناء يسيرًا أو الهدم يسيرًا كان كالصبغ.
الجزء: 12 - الصفحة: 5950
واختلف بعد القول أن لا تكون القيمة يوم القسم، فقيل القيمة في الأرض يوم بنى كما قيل في الاستكمال في العتق يوم أعتق؛ لأنه كان بتسليط من المالك.
وقال ابن عبدوس عن سحنون أنه قال: يشاركه في قاعته بما بنى ثم يعملان في البناء على حديث حميد 352 بن قيس 353.
واحتج في الهدم فعلى قوله هذا إن أعاد فيها نقضها كان شريكًا بالتلفيق وحده، وإن زاد فيها كان شريكًا بالزائد والتلفيق.
وإن انهدم ذلك وغصب جميع النقض قبل الأخذ بالعيب لم يضمن أحدهما للآخر شيئًا وكانت الشركة في القاعة كالاستحقاق.
وعلى القول الأول تكون مصيبته من الباني وعليه قيمة نصيب شريكه من القاعة والأنقاض.
فإن هدم الشريك ولم يبنه حتى قام شريكه رجع فيه مهدومًا والهدم بخلاف البناء لأنه على أحد أمرين، إما أن يقال أن ذلك بتسليط من الشريك فلا شيء عليه والبناء إذا كان بتسليط فوت أو يقال: إنه كالمستحق فلا شيء على من هدم ثم استحق، كما لا يضمن لو تلف من يديه وإنما يضمن بالهدم على القول أن القسمة بيع وتكون القيمة يوم قاسم.
الجزء: 12 - الصفحة: 5951
باب فيمن اشترى (1) عبدًا فباع نصفه ثم استحق ربعه وإذا اقتسما عبدين فاستحق أحدهما أو نصفه وكيف إن طرأ أخ بعد القسمة وقد هلك ما أخذ
قال ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فباع نصفه ثم استحق ربعه قال: فيأخذ المستحق ربعه من المشتري الأول والآخر، ويكون المشتري الآخر بالخيار بين أن يتمسك بالباقي أو يرده ويرجع بالثمن، ويكون للمشتري الأول على بائعه مثل ذلك يكون بالخيار 355. وقال أشهب: يأخذ المستحق ربعه من البائع الأول خاصة ولا رد له 356؛ لأن الجزء الذي اشترى له بحاله، ولا رد للمشتري الأول على بائعه؛ لأنه باعه إياه كله فليس له أن يرد بعضه فجعل الاستحقاق في نصيب البائع وحده، وقول ابن القاسم أبين، وإنما يجعل البيع في نصيبه إذا كان عالمًا بالشريك، وأما مع 357 عدم العلم فإنما باع نصفا من جملة يرى أنها له، فلا يحمل على المبيع 358 أنه من أحد النصفين دون الآخر، وللمشتري الآخر أن يرد بعيب الشركة في الاستحقاق؛ لأنه اشترى نصفًا ليختدم يومًا والبائع يومًا وإذا استحق ربعه استخدمه المستحق يومًا من أربعة وذلك عيب عليه؛ لأنه يغيب عنه يومين، وعيب آخر أنه إذا اختدمه المستحق يومًا استخدمه المشتري يومًا والبائع يومًا،354
الجزء: 12 - الصفحة: 5952
وبقي يومًا شركة لا يقدران على قسمة خدمة (1) ذلك اليوم، وهذا خلاف أن يكون العبد بين شريكين فيبيع أحدهما نصفه من ثالث (2) فلا مقال لصاحب النصف الذي لم يبع؛ لأن القسمة الأولى لا تتغير وهو على حقه؛ لأنه يختدمه يومًا والذين (3) اشتروا يومًا على الأصل الذي كان قبل البيع؛ لأن من حق الأول مع البائع أن يختدمه يومًا بيوم والذين اشتروا يحلون محل البائع في ذلك، وكذلك لو كان عبد بين رجلين فباع أحدهما نصف نصيبه لم يتغير القسم الأول فيختدمه من لم يبع يومًا والبائع والمشتري منه يومًا، وإن قال المشتري الثاني: (4) أنا أتمسك ولا أرد وقال المشتري الأول: أنا أرد الربع والثمن الباقي في يدي- كان البائع الأول بالخيار بين أن يقبل ذلك أو يمنعه الرد ويعطيه قيمة عيب الشركة بالربع؛ لأنه يقول: إن رددت عليَّ كان عليَّ في مقاسمة المشتري الخدمة منك عيب؛ لأن للأول يومًا من أربعة وتبقى ثلاثة أيام يختدمه البائع الأول يومًا والمشتري الآخر يومًا، ويبقى يوم لا يقدران على قسمته إلا على حرج أو يكون بعض يوم وبعض يوم.
فصل [إذا اقتسم الشريكان عبدين ثم استحق نصف عبد أحدهما]
واختلف إذا اقتسم الشريكان عبدين ثم استحق نصف عبد أحدهما، فقال ابن القاسم: يرجع المستحق من يده في ربع العبد الذي في يد صاحبه؛ لأنه ثمن الذي استحق من نصيبه إن كان قائمًا وإن كان فائتًا فقيمته يوم قبضه ولا يكون359360361362
الجزء: 12 - الصفحة: 5953
الذي يرجع بالخيار في رد الباقي وأجرى القول على أن القسمة بيع 363.
وقال أشهب المستحق من يده 364 بالخيار فإن أحب أمسك الباقي في يده ورجع في ربع العبد وإن أحب رد ويكون النصف الباقي والعبد الآخر بينهما نصفين 365 قال: لأن القسمة ليست ببيع.
وأرى أن يكون له الرد وإن كانت القسمة بالتراضي، إذا قال المستحق من يده إنما أردت دفع ضرر الشركة.
وإن استحق جميع العبد رجع في نصف العبد الذي بيد صاحبه إن كان قائمًا، وإن تغيرت سوقه أو تغير في نفسه أو خرج من يده 366 ببيع أو هبة أو صدقة أو عتق، وكانت القسمة بالتراضي- كان فوتًا ورجع بالقيمة يوم قاسم، وإن كانت بالقرعة عاد الخلاف المتقدم فمن قال: إن القسمة بالقرعة بيع رجع على شريكه بالقيمة يوم قاسم، وعلى قول سحنون وابن عبدوس يكون له في البيع نصف الثمن 367.
واختلف قوله في الهبة والصدقة والعتق، هل يمضي بالقيمة يوم وهب أو تصدق أو لا يضمن ذلك ويتبع الشريك الموهوب له أو المتصدق عليه، ويكون في العتق بالخيار بين أن يعتق نصيبه أو يقومه الآن على المعتق؟
وإذا كان العبد الذي يرجع فيه قائمًا وقد اغتل كل واحد منهما عبده، فإن كانت القسمة بالتراضي لم يرجع أحدهما على الآخر في شيء من الغلة وكان
الجزء: 12 - الصفحة: 5954
لكل واحد منهما ما اغتله، وكذلك إذا كانت القرعة على القول أنها بيع، وعلى القول أنها تمييز حق يكون المستحق من يده بالخيار بين أن يمسك غلة العبد المستحق من يده ولا يرجع على أخيه بشيء ولا يرجع أخوه عليه بشيء، وإن شاء رد الغلة فكانت مع العبد الذي لم يستحق وغلته (1) بينهما نصفين وهذا قول ابن عبدوس (2).
فصل [فيمن ورثوا عبيدًا واقتسموهم ثم مات أحد العبيد واستحق آخر]
وقال أشهب: قال مالك في ثلاثة إخوة ورثوا ثلاثة أعبد فاقتسموهم، وصار لكل واحد منهم عبد ثم استحق أحدهم ومات آخر قال: يرجع الذي استحق من يديه فيأخذ ثلث الحي ويبقى ثلثاه لمن هو في يديه ولا يرجع الذي مات العبد في يديه بشيء 370، يريد: ولا يرجع عليه.
وقال أشهب: فلو كانت المقاسمة بيعًا رجع من استحق عبده على الذي مات في يده بثلث قيمته يوم دفعه 371، وقد قيل أيضًا: إنه وإن كانت القسمة تمييز حق فإن لمن مات عبده أن يرجع في ثلث الحي؛ لأنه كشف الغيب أن الشركة كانت في عبدين بين ثلاثة فلا يصح فيها قرعة 372.
قال أشهب: فإن رجع الورثة بثمن العبد المستحق كان ثلثا ذلك الثمن وثلث العبد الباقي للمستحق منه، وثلث الثمن وثلثا العبد الباقي للذي العبد368369
الجزء: 12 - الصفحة: 5955
في يديه، فإن كان الثمن أكثر فالزائد بين الإخوة الثلاثة أثلاثًا، وعلى القول الآخر يكون العبد الباقي والثمن المرجوع به بين الإخوة الثلاثة أثلاثًا (1). وإن كانت القسمة بالتراضي كان الجواب في نصفي (2) العبدين الحي والميت على ما تقدم؛ لأنه لم يقع فيهما بيع وإنما تبايعا نصف أحدهما بنصف الآخر، فإذا استحق أحدهما كشف الغيب أن ما وقع عليه البيع من نصفيهما بينهما أثلاثًا، فيقول الذي في يديه الحي: اشتريت نصفًا وأنا أرى أنه للبائع مني فتبين أن ثلثه لي وثلثه للغائب وليس لبائعه إلا ثلثه وفيه يصح البيع، ويقول الذي مات في يديه العبد: اشتريت نصفًا وأنا أرى أنه للبائع مني، فتبين أن الذي للبائع ثلثه وثلثه للغائب وثلثه لي وإنما يصح البيع في ثلثيه ولم يسلم عن هذين الثلثين إلا ثلثا وبقي عنده ثلثا لم يسلم عنه شيء، فيكون ذلك الثلث وثمن (3) الحي الذي صح فيه البيع بين الأخوين نصفين، فيرجع الحاضر على من مات عنده بقيمة نصف الثلث بمنزلة من باع عرضًا بعرض، ولا شيء للغائب على من مات في يديه لأنه مستحق.
فصل: في أخوين ورثا عبدين واقتسماهما ثم مات أحد العبدين وطرأ أخ
وقال محمد في ميت ترك ولدين وعبدين فاقتسماهما قسمة، ثم مات أحد العبدين وطرأ أخ قال: القسمة باطل ويكون العبد الباقي بين ثلاثتهم كأن الميت لم يترك سواه، قال: ولو صار لكل واحد منهما عبد بشراء اشتراه من أخيه بثمن معلوم، أو من وصي أبيهما لكانت مصيبة نصف العبد الميت بين الإخوة الثلاثة؛ لأنه لم يشتره والنصف الذي اشترى منه وحده، ثم يكون نصف العبد373374375
الجزء: 12 - الصفحة: 5956
الحي الذي لم يقع عليه شراء، والنصف الذي وقع عليه الشراء يكون الأخوان بالخيار في إنفاذ بيعهما منه.
قال محمد: بل الطارئ وحده بالخيار في إنفاذ بيعه منه وهو السدس، فإن أنفذه رجع بثمنه على من قبضه 376.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قوله إذا كانت قسمة يكون العبد الباقي أثلاثًا هو أحد قولي مالك.
وعلى القول الآخر لا يكون لمن مات عبده 377 فيه شيء ويكون ثلثاه لمن هو في يديه وثلثه للطارئ.
وإذا تبايعاهما فإنما وقع البيع في نصفيهما، فإن أخذ أحد الأخوين نصف العبد الذي في يديه بثلاثين وهو الحي منهما، وأخذ الآخر نصف العبد بخمسة عشر، كان نصف الحي شركة بين ثلاثتهم ومصيبة نصف الميت أيضًا من جميعهم، ويرجعان إلى ما وقعت فيه البياعات فيقول الذي في يديه الحي لأخيه الذي مات العبد في يديه بعتني نصفًا بثلاثين كشف الغيب أن الذي يملك منه الثلث وثلثاه لي وللغائب فَردَّ علي عشرة التي 378 ينوب نصيبي وعشرة عن نصيب الطارئ فإن أجاز البيع كان في نصيبه وأخذها وإن لم يجز كان نصيبه له وأخذتها 379 ثم يرجعان إلى المقال في نصف الميت، فيقول الذي مات في يديه للذي باع منه بعتني نصفًا كشف الغيب أن ثلثه لي، فرد علي ثمنه وهو خمسة ويبقى ثلثاه يمضي فيهما البيع.
ثلث هو نصيب من كان ولي البيع وثلث
الجزء: 12 - الصفحة: 5957
للطارئ وهو لا يختار إلا إجازة البيع؛ لأنه مات فالذي يصير لمن مات عبده سدس الحي وهو خمسة دنانير وللطارئ سدس العبد وخمسة دنانير ولمن في يديه العبد ثلث جميعه بميراثه عن أبيه وسدسه بشرائه من أخيه الذي مات العبد في يديه ويبقى سدس وهو نصيب الطارئ الذي بيع بعشرة دنانير وإن أجاز الطارئ البيع فيه أخذ العشرة وكان ذلك السدس لمن هو في يديه فيستكمل به ثلثي (1) العبد وإن لم يجز البيع كانت العشرة للذي في يديه العبد ويصير للطارئ ثلث العبد.
فصل [في الجاريتين تستحق إحداهما بعد القسم]
ولو اقتسما جاريتين فأولداهما ثم استحقت إحداهما كان الجواب في المستحقة على ما تقدم في كتاب الاستحقاق.
ويختلف هل يعطي المستحق قيمتها يوم حملت، أو قيمة الأم والولد يوم الحكم، أو يأخذ الأم وقيمة الولد؟
وقال ابن القاسم: يأخذ قيمتها إلا أن يكون عليه في ذلك ضرر 381، يريد: أن يكون علقها فهو أحق بماله، ويعود المقال بين الأخوين في الجارية التي لم تستحق، فإن كانت القسمة بالتراضي أو بالقرعة على القول أنها بيع يكون على من هي في يديه نصف قيمتها يوم قاسم.
واختلف بعد القول أنها تمييز حق، فقال ابن القاسم: يوم قاسم، وقال380
الجزء: 12 - الصفحة: 5958
سحنون: يوم حملت 382، يريد: إذا كان موسرًا ويختلف إذا كان معسرًا فعلى قول 383 ابن عبدوس في العبد يعتق أنه يكون على الأخ نصف قيمته يوم التقويم 384، ويكون للشريك أن يأخذ نصف الأمة ويتبع بنصف قيمة الولد؛ لأنه أنزله في العتق بمنزلة المستحق ويكون له نصفه في العتق 385 على أصله إذا كان معسرًا وكذلك الأمة، وهو قياد قوله في الدار يقتسمانها ثم يستحق ما بيد أحدهما وقد بنى الآخر، أنه يرجع على أخيه كما يرجع المستحق ويأخذ نصفه من القاعة، ويدفع قيمة البناء ولم يراع ما كان من تسليط المقاسمة.
الجزء: 12 - الصفحة: 5959
باب في قسمة الطريق والجدار والبئر والمأْجَل (1) والحمَّام والدار الصغيرة
وإذا اقتسم الشريكان دارًا وأبقيا الطريق شركة بينهما، ثم دعا أحدهما إلى القسمة أو مقاواته لم يكن ذلك؛ لأن قسمته فساد وقد رضيا ببقائه بينهما، إلا أن يكون واسعًا إن قسم صار لكل واحد منهما طريق على المعتاد لمثل الدار فيقسم.
واختلف في قسمة الجدار يكون بين الدارين، فقال ابن القاسم: يقسم إذا لم يكن في ذلك ضرر 387.
وقال أشهب في مدونته: لا يقسم؛ لأن في قسمته ضررًا على من أبى وليس منه شيء إلا وله فيه مرفق 388 يضع فيه خشبة ويضرب فيه وتده ويربط إليه دابته 389.
قال ابن القاسم: وإن كان لكل واحد منهما عليه جذوع 390 تقاوياه ولم يقسم 391، وليس هذا بالبين؛ لأن الحمل الذي عليه لا يمنع القسم كما لا يمنع386
الجزء: 12 - الصفحة: 5960
قسمة العلو والسفل وحمل العلو على السفل.
وأرى أن يقسم طائفتين على أن من صارت إليه طائفة كانت له وللآخر عليه الحمل.
وقد أجاز ابن القاسم المقاواة، وإنما تصح المقاواة على أن من صار إليه الحائط كان ملكه له وللآخر عليه الحمل، وإذا جازت المقاواة على هذه الصفة كانت القسمة 392 أولى، وصفة القسمة فيه إذا كان جاريًا من المشرق إلى المغرب أن يأخذ أحدهما طائفة تلي المشرق، والآخر طائفة تلي المغرب وليست القسمة أن يأخذ أحدهما مما يلي 393 القبلة والآخر مما يلي الجوف؛ لأن ذلك ليس بقسمة؛ لأن كل ما يضعه أحدهما عليه من خشب فثقله ومضرته على جميع الحائط، وليس يختص الثقل والضرر بما يليه، إلا أن يريد أن يقتسما الأعلى مثل أن يكون أرضه شبرين فيبني كل واحد منهما على أعلاه 394 شبرًا مما يليه لنفسه، ويكون ذلك قسمة للأعلى وجملة الحائط على الشركة الأولى، أو يكونا أرادا قسمته بعد انهدامه فيقسمان أرضه ويأخذ كل واحد منهما نصفه مما يليه.
وأما البئر فلا يصح قسمتها ولا مقاواتها؛ لأنها مرتفق لهما ولكل واحد إليها ضرورة ولا يستغني الساكن عنها، وكذلك المأجل لا يقسم ولا يتقاوياه إلا أن يكون واسعًا فإن ضرب بينهما حائط صار 395 لكل واحد منهما ما ينتفع به، قال أشهب: إن قسمت الدار وترك المأْجَل فلا يقسم وإن لم تقسم الدار
الجزء: 12 - الصفحة: 5961
قسم مع قسم الدار 396، يريد: وإن كان يصير المأجل في إحدى الطائفتين ويسقط حظ الآخر منه ولم ير في ذلك ضررًا إذا اعتدلت القيمة.
واختلف قول مالك في قسمة الحمَّام، وأن لا يقسم أحسن ولو رضي الشريكان لمنعهما السلطان لحق الله تعالى ونهيه عن إضاعة المال.
وكذلك اختلف قوله 397 في الدار الصغيرة فقال مالك وابن القاسم: تقسم وإن صار لكل واحد ما لا ينتفع به لقول الله -عز وجل-: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7] 398، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8]، وقال أيضًا ابن القاسم 399: لا تقسم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 400، ولهذا يرجع قوله في الساحة أنها لا تقسم إلا أن يصير لكل واحد ما ينتفع به؛ لأن الفساد الذي يلحق من خراب البناء أشد من ضيق الساحة 401، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب إذا كان لا يصير لكل واحد منهما 402 ما ينتفع به لم يقسم وإن كان يصير لكل واحد منهما ما ينتفع به دون الآخرين قسمت 403.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 404: إذا كان يريد بالقسم أن بعضهم ينتفع بنصيبه فيعطاه ويبقى الآخرون على الشركة -فحسن يجمع نصيبهم ويصير الآخرون كأهل
الجزء: 12 - الصفحة: 5962
سهم، وإن كان يريد أنه يقسم عليهم فيعطون ما لا ينتفعون به فليس بحسن، وهذا الاختلاف إذا كانت الدار ميراثًا أو للقنية، وإن كانت للتجارة لم تقسم قولًا واحدًا؛ لأن فيه نقصًا للثمن وهو خلف ما دخلا عليه، وتقسم الساحة مع البيوت إذا كان يصير لكل واحد من الساحة ما ينتفع به لحوائجه ومدخله ومخرجه، وإن كان يصير له ما لا ينتفع به عاد الخلاف المتقدم في قسمة الدار إذا كان متى قسمت لم يصر له ما ينتفع به، وكذلك إذا قسمت البيوت دون الساحة، ثم دعا أحدهم إلى قسمتها فيختلف في ذلك حسب ما تقدم.
وقال مالك: الارتفاق بالساحة سواء فإن كان يصير لأحدهم طريقه فقط، وللآخرين ما ينتفعون 405 به لم يقسم 406.
وقال محمد: الانتفاع على قدر عدد البيوت ولم يراع إن كان أحدهم كبيرًا والآخر صغيرًا 407، وكل هذا إنما يصح إذا كانت القيم في حين القسمة على ذلك يحط القليل النصيب من البناء بقدر ما يزاد من الساحة؛ لأن الأصل في الساحة أن الشركة فيها قبل القسم على مثل الأجزاء في البيوت، فلو كانت دار بين ثلاثة: لواحد النصف ولآخر الثلث وللآخر السدس وقيمتها مائة وعشرون لأعطي صاحب النصف من البيوت والساحة ما قيمته ستون، والآخر ما قيمته أربعون والثالث ما قيمته عشرون، ولو أعطي هذا نصف المساكن والآخر ثلثها والآخر سدسها وجعلت الساحة بينهم أثلاثًا، لكان في ذلك ظلم على صاحب النصف، وتصير قيمة النصف دون الستين والسدس
الجزء: 12 - الصفحة: 5963
من فوق العشرين، وإذا قسمت البيوت ثم قسمت الساحة، فإنها تقسم بالتراضي ويعطى كل واحد نصيبه أمام بيته ولا تقسم بالقرعة؛ لأنه قد يقع نصيب أحدهم عند الآخر، وقال مالك: إذا كانت الساحة واسعة ولم يكن للبيوت حجر قسمت ويحجر 408 كل واحد على نصيبه وإن لم يكن حجرًا لم تقسم وبقيت مناخًا 409 لإبلهم ومرفقًا لهم.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا تقسم مع البيوت وإن لم يكن لها حجر 410، والأول أحسن، ولا وجه لهذا أن يكون ملكًا بين شركاء يمنعون من قسمته، وإنما قال ذلك مالك فيما وقف بعد التحجير.
وقال: إن 411 الشركاء يقصدون وقفه كالحبس، وما لم يتقدم فيه قسم فلا يقال ذلك فيه، ولو قال ذلك فيما قسمت بموته لو 412 لم يحجر عليه لكان له وجه أن يكونوا وقفوه عن قسمتهم ليبقى مرفقها مشاعًا، فأما إن لم تقسم البيوت فلا يمنعون من قسمتها مع قسمة البيوت، والصواب أن يقسم ويجعل كل واحد تحجيرًا يستر 413 به عن صاحبه ولا يجوز الرضا بغير تحجير؛ لأن فيه كشفة لحريمهم في تصرفهم ودخول بعضهم على بعض.
وإذا سكن أحدهم خارجًا عن الدار كان له أن ينتفع بالساحة إذا لم يسكن نصيبه غيره.
الجزء: 12 - الصفحة: 5964
فصل [في الانتفاع بمرافق ما يقسم من الدور]
وقال ابن القاسم: إذا قسمت الدار فأخذ أحدهم العلو والآخر السفل، كان لصاحب العلو أن ينتفع بساحة السفل 414، وهذه العادة عندهم، والعادة اليوم 415 أن صاحب السفل لا يختص بالساحة، وعلى مثل ذلك تكون القيم، ويقوم سقف السفل مع السفل 416، وإن فسد منه شيء كان إصلاحه على صاحب السفل، فأما ما فسد من أجل تصرف صاحب العلو فإن إصلاحه عليه دون صاحب السفل.
وأما خشب الأجنحة فلصاحب العلو إلا أن تكون ممدودة إلى سقف صاحب السفل ينتفع 417 بها كإحدى خشبه 418، فيكون ما كان خارجًا منها لصاحب العلو وما كان داخلًا لصاحب السفل، وهذا إذا كان الملك لواحد فباع أحدهما دون الآخر، وأما إن كان مشتري العلو أحدث تلك الخشب فإن جميعها له.
وإن كان لصاحب العلو خشب يصعد عليها إلى علوه ويبني عليها درجًا أو كانت سطحًا له- كان خشبها له، وإن كانت مجنبة للسفل كان خشبها لصاحب السفل.
الجزء: 12 - الصفحة: 5965
فصل [فيما يلزم صاحب السفل عند انهدام البيت]
واختلف إذا انهدمت الدار وكان سفلها لرجل وعلوها لآخر فقال ابن القاسم: يخير صاحب السفل بين أن يبنيه أو يبيعه ممن يبنيه 419.
وقال سحنون: إنما يجوز البيع على هذا للضرر إذا كان البائع لا مال له ولو كان له مال لم يجز البيع بشرط البناء 420، يريد: ويجبر على أن يبني، وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: يجبر صاحب السفل على البناء إلا أن يختار صاحب العلو أن يبنيه من ماله، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيه ما أنفق.
وأرى أن يخير صاحب السفل بين أن يبني أو يبيع ممن يبني 421 أو يمكن صاحب العلو من البناء إذا رضي له بذلك، ثم يكونان شريكين في السفل هذا بقيمة كراء القاعة، والآخر بقيمة كراء البناء إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائمًا يوم أخذه.
وإن كان سبب الانهدام وهاء العلو، وكان صاحب السفل حاضرًا عالمًا ولم يتكلم على ذلك لم يضمنه.
واختلف إذا كان صاحب السفل غائبًا وكان وهاء العلو مما لا يخفى سقوطه هل يضمن أم لا يضمن؛ لأنه لم يقدم إليه والأول أحسن، وإن قدم إليه فلم يفعل ضمن قولًا واحدًا وكذلك إذا كان سبب الانهدام وهاء السفل
الجزء: 12 - الصفحة: 5966
وصاحب العلو حاضر ولم يقدم أو كان غائبًا.
واختلف إذا وهى السفل على من تعليق العلو حتى يصلح السفل، هل ذلك على صاحب العلو أو على صاحب السفل؛ والذي أستحسن أن يكون على صاحب العلو؛ لأن البيع 422 فيهما كان على السلامة وعلى أن حمل العلو على بناء بعينه، والمالكان لا يعلمان ما توجبه الأحكام عند فساد ذلك البناء، فإذا رث ذلك المعين لم يكن عليه أن يحمله على خشب وإنما عليه أن يخلفه جديدًا حتى يحمل عليه وما كان بين ذلك فلم يدخلا عليه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5967
باب في الحكم في (1) الطريق وفي صفة القرعة
وإذا اقتسما دارًا على أن يبقى الطريق شركة بينهما، أو يكون ملكًا لأحدهما وللآخر الطريق أو يفتح الآخر في نصيبه بابًا جاز، وسواء كانت القسمة بالتراضي أو بالقرعة؛ لأن الأغراض في ذلك لا تتباين، ولا أرى أن يجبر على أن يبقى الطريق عند أحدهما؛ لأن ذلك ضرر 424 عليه وهو مما تعظم مضرته، وإذا كان لأحدهما التطرق إلى الآخر حط من نصيبه لمكان 425 تطرقه ذلك؛ لأن فيه عيبًا على من عنده التطرق 426 فإن كان يفتح بابًا في نصيبه زيد له في نصيبه ذلك لمكان رفع عيب التطرق 427 عن صاحبه ولما يتكلف من الإنفاق في الفتح وفي شراء الباب حتى يعتدلا في القيمة 428، وإن كان الباب الذي يفتح أحدهما يصير إلى محلة أخرى هي أدنى أو أشرف، قُوِّم ذلك النصيب على ما يكون من قيمة الديار بتلك المحلة التي يفتح إليها، فإن كانت أبخس زِيدَ في نصيبه بقدر ذلك البخس، وإن لم يكن لأحدهما مكان يفتح فيه لم يجز القسم بالقرعة ولا بالتراضي إلا على بقاء الطريق، وإن اقتسما ولم يذكرا رفع الطريق ولا بقاءه فإن كان بين النصيبين كان باقيًا على الشركة.423
الجزء: 12 - الصفحة: 5968
واختلف إذا صار (1) الباب في حظ أحدهما، فقال ابن القاسم: الطريق (2) شركة على حاله حتى يشترط رفعه (3)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: تنقض القسمة وتعاد على معرفة وكذلك مجرى الماء إذا صار في نصيب أحدهما، وهذا أبين إذا لم يفهم أحدهما عن الآخر رفعه ولا بقاءه، إلا أن يكون لأحدهما دليل رفعه أو بقائه، فإن لم يكن لمن ليس عنده الباب موضع يفتح فيه كان دليلًا على بقائه، وإن شرطا أن يضربا حائطًا بين النصيبين مادًّا (4) إلى خارج كان دليلًا على رفعه، فإن كان له موضع يفتح فيه وإلا كانت القسمة فاسدة.
فصل [في قسمة السهام]
وإن خلف الميت زوجة وابنًا ودارًا وكانت تحمل القسم قسمت أثمانًا وكتبت رقعتان بأسمائهما، واستحب أن يختم عليها بطين ثم يرميا على الطرفين، فإن رميت إحداهما على طرف أغنى عن رمي الأخرى، فإن كانت التي خرجت اسم الزوجة أخذت ذلك الثمن وكان البقية للابن، وإن كانت باسم الابن أخذت الزوجة الثمن من الطرف الآخر وكانت البقية للابن.
واختلف إذا كان الولد عددًا، فقال مالك مرة: هم كأهل سهم واحد فيكون القسم كالأول، يقسم أثمانًا فيا صار للزوجة أخذته وما صار للأولاد استأنفوا قسمه إن كان ينقسم أو باعوه إن لم يحمل القسم.429430431432
الجزء: 12 - الصفحة: 5969
وقال أيضًا: كل واحد صاحب سهم فيقسم على أقلهم، ورأى ابن القاسم أنهم ليسوا كأهل سهم وأجاز أن يتراضوا على أن يجتمعوا، ويضرب لهم سهم واحد للاختلاف في ذلك 433.
وإن كانت زوجة وأخ أو 434 ابن عم كان كالولد الواحد.
ويختلف إذا كانوا عددًا هل هم كأهل سهم واحد فيقسم أرباعًا أو على أقلهم سهمًا، والصواب في الولد والإخوة والأعمام أنهم كأهل سهم؛ لأن الذي 435 لهم الباقي بعد السهمين 436.
وإن كن أربع زوجات ضرب لهن بسهم واحد قولًا واحدًا، وإن كان الذأنه ولد فبالثمن وإن لم يكن فبالربع، وإن كن زوجات وجدات وعصبة كتب ثلاث رقاع إحداهن باسم الزوجات، والأخرى باسم الجدات والأخرى باسم العصبة وختم عليها وخلطت، فإن اتفقوا على أن يبدأ بالضرب على أحد الطرفين، وإلا أقرعوا على الطرف الذي يبدأ به، فإن خرج قسم الزوجات أخذنه ثم قسمنه بينهن إن كان ينقسم، فإن خرج كان سهم الجدات أولًا أكمل لهن مما يليهن سدسًا، وإن خرج 437 سهم البنين أو العصبة أكمل لهم عليه سبعة عشر سهمًا.
وإن كن زوجات وجدات وبنات وعاصبًا فأقلهم سهمًا العاصب؛ لأن له
الجزء: 12 - الصفحة: 5970
سهما من أربعة وعشرين، فيقسم على أربعة وعشرين إن كانت تنقسم وإلا لم يقسم، واستحسن إذا كان ينقسم أثلاثًا ولا ينقسم ذلك الثلث على البقية أن يقسم، فيأخذ البنات أنصباءهن وتبقى الشركة فيما لا يحمل القسم، والجواب في هذا بخلافه إذا كان القسم على جميعهم إلا العاصب؛ لأن كل واحد من الورثة يقول: أنا آخذ نصيبي بانفراده ويبقى العاصب معك، فإذا دفع كل واحد عن نفسه ولم يكن أحق بانفراده من الآخر بقيت الشركة على حالها، وإن رضي أحدهم ببقائه معهم جاز وقسمت الدار، واستحسن إذا لم يرض أحدهم أن يقترعوا على من يبقى شريكًا له، فمن وقع سهمه معه قسم وضرب لهما بسهم.
وإن اجتمع لأحدهم أسهم من وجوه شتى: من ميراث بعد ميراث، أو ميراث وشراء من بعض الورثة، أو من ملك تقدم قبل الميراث أو ميراث وهبة - أن 438 من حقه أن يجمع له كل ذلك في موضع واحد ويضرب له عليه بسهم، فإن أكثر السهام وتشاحوا في أي الطرفين يبتدأ به أقرع على أيهما يبتدأ به، فإن أوقع على طرف ابتدئ بالقسم عليه 439، فإن أخذه أحد الورثة زال سهمه وعاد ما يليه كأنه طرف، فإن اختلفوا أيضًا أقرع عليه وعلى الطرف الآخر هكذا حتى لا يبقى إلا سهمان فيقسمان من غير قرعة؛ لأن الضرب على أحدهما ضرب على الآخر 440.
الجزء: 12 - الصفحة: 5971
باب (1) في الشريكـ أو الجار يحدث بابًا أو يحدث حانوتًا أو يجعل الجار داره مسجدًا أو حمامًا أو فندقًا أو فرنًا
وقال ابن القاسم في الشريكين في دار يريد أحدهما أن يفتح بابًا لدار له أخرى: فإن كان الحائط الذي فيه شركة منع.
قال: وإن كان له خاصة لم يمنع وينتفع له بالتطرق إلى دار الشريك، فإن أراد الشريك القسمة؛ قسم على أنه إن صار الباب الآخر سد وإن أراد البيع سد ثم بيع؛ لأنه كونه عيب في ثمن الدار 442.
واختلف في هذا الأصل، هل يباع ذلك في حين لا يضر، فإذا أضر منع ولم يمنع الآن خيفة أن يطول الأمر وينسى كيف كان فيدعى بعد ذلك أنه حق له؟ والذي يقتضيه حال الناس اليوم المنع، وقد يكون شريرًا أو ملكًا فلذلك أبعد في الشر عليه وهو في الرجل الصالح أخف، والمنع أحسن؛ لأن الأمر يطول والموت يحدث ولا يدرى كيف الحال مع ورثته، واختلف في الذي يحدث طاقًا يسترها، فقيل: لا يمنع، وقيل: يمنع؛ لأنها تتعين ويحتاج إلى منازعة في إعادة السترة وهذا أحسن.
وإن أراد المقاسمة وقال: صاحب المنفردة أعطني ما يقابل داري لم يكن ذلك له، وإنما يقرع بينهما فإن صار ذلك له وإلا لم يكن له، فقال: فإن كان زقاق غير نافذ ولرجل هناك باب فأراد أن يحوله، فقال ابن القاسم: ليس له أن يحدث ذلك حذاء باب جاره أو قربه؛ لأنه يقول: كنت في سترة وأقرب441
الجزء: 12 - الصفحة: 5972
لحمولتي إلى جاري 443.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وذلك إذا كانت ضيقة، وإن كانت واسعة لم يكن عليه أن يبعد عنه وإنما عليه أن ينكب عنه لئلا يكشف، وله أن يجعل ظلة إذا كانت لا تضر بالضوء متى أحدث من يقابله ظلة مثل ذلك، ويبقى ما لا يضر وليس لمن ليس له في تلك الرائغة 444 باب أن يحدث عندهم بابًا، ولا يحدث عندهم ظلمة إذا كان له عندهم حائط، وأهل الرائغة أحق بقاعتها وسمائها ولو أرادوا أن يضيفوها إلى ديارهم لم يمنعوا من ذلك، وإذا كانت سكة نافذة لم يمنع من إحداث باب.
واختلف هل عليه أن ينكب، فقال ابن القاسم: ليس ذلك عليه، وقال سحنون: عليه أن ينكب من ذراع أو ذراعين 445، وأن ينكب أحسن، وليس ضرر الباب كضرر المارة؛ لأن المار لا يواجه الباب، وإنما يكون في الغالب جنب الباب والذي يقابل يواجه الموضع من يخرج من عنده ويجزئه من ذلك ما يرفع الكشفة وإن قل، والمعتبر من الكشفة القدر الذي يفتح من البابين؛ لأن فتح المصراعين لا يحتاج إليه إلا في النادر.
واختلف في إحداث الحانوت هل يكون بخلاف الدار فيمنع في مثل لو كان باب دار؟ لم يمنع 446 والمنع أحسن؛ لأنه مجلس ثابت وربما جلس عنده غيره، ويشق على مَنْ في الدار خروجهم ودخولهم، وكذلك الرجل يراعون جميع حاله وتجره وعيشه إلا أن يحدث في موضع فيه حوانيت، فلا يمنع إذا لم يقابل الباب حتى
الجزء: 12 - الصفحة: 5973
يكشف مَنْ في الدار أو سقيفته إن فتح الباب ويمنع من إحداث فندق؛ لأن الناس يجلسون على بابه، ومن إحداث فرن لمضرة الدواب التي توقف ببابه وقربه، والعمال الذين يقعدون ويبيتون في الصيف هناك.
والحَمّام في هذا خفيف، هذا إذا كان الموضع متسعًا ولا يصل منه الدخان وإلا منع.
وإذا كان بالموضع حمَّام فأراد صاحبه أن يجعل مكانه فرنًا مُنع لمضرة الدواب والخدمة، وإن كان فرنًا كان له أن يجعله حمامًا بندى في حق من يقابله إلا مقال من أجل الكشفة فإن كان الدخان الأول يصل إلى ما يقابل، سئل أهل المعرفة هل المضرتان سواء أو الثاني أضر؟ وأما في حق من يجانبه فإن له أن يمنع أن يجعل أحدهما مكان الآخر؛ لأن المضرة مختلفة فالحمَّام يضر بالبناء الذي يلاصقه بالبخار 447 والندى، والغالب أن يفسده ويشق، والفرن يضر هذا الرحاء إلا أن يجعله لحريق الخبز دون الطحين، وكذلك لو كان يخبز الخبز وحده لم يجعل رحى وإن كان الطحين لم يجعله لحريق الخبز وإن كان رحى بلدية لم يجعله رحى فارسية، وإن كانت فارسية لم يجعل مكانها بلدية والفارسية أضر من البلدية في حين الطحين؛ لأنها تهز الحيطان والبلدية أضر في حين طرحها للإصلاح أو غيره؛ لأن لها حدة ووجْبة وهدة.
وإن أحدث مسجدًا لم يكن مقال لمن عن يمينه وشماله وأما الديار التي تقابله فلها مقال؛ لأن الناس يجلسون على دكاكينه وصحنه ولا يمنع إذا كان المقابل له فندقًا أو حمَّامًا.
تم كتاب القسم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على
سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
الجزء: 12 - الصفحة: 5974