كتاب الطهارة
(النسخ المقابل عليه) 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم- تيشيت (شنقيط)
الجزء: 1 - الصفحة: 4
كتاب الطهارة قال الشيخ الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر اللخمي: (1)
باب في وجوب الطهارة للصلاة، وأعدادها ومفروضها ومسنونها وفضائلها
الطهارة للصلاة فرض؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ"، أخرجه البخاري ومسلم 2. وقوله: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ" أخرجه مسلم 3. ولا خلاف بين الأمة في ذلك.
ومن "المدونة": قال سحنون 4:. . . . . . . . . . . . .1
الجزء: 1 - الصفحة: 5
قلت لابن القاسم 5: أرأيت الوضوء أكان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟ قال: لا 6، إلا ما أسبغ، ولم يكن مالك يوقت 7.
وقد اختلفت الآثار في التوقيت، وقال مالك: إنما قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا = وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 45، والديباج، لابن فرحون: 2/ 30، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 11، ومقدمة المدونة، ص: 11 و 12، طبعة السعادة 1323 هـ، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 1/ 69، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 156، وعلماء إفريقية للخشني، ص: 296، والأنساب، للسمعاني: 1/ 197، والفهرست، لابن خير، ص: 240، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 3/ 180، والبيان المغرب: 1/ 109، ومعالم الإيمان: 2/ 77، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 12/ 63.
الجزء: 1 - الصفحة: 6
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] قال ابن القاسم: وما رأيت عند مالك في الغسل والوضوء توقيتًا، ولكنه كان يقول: يتوضأ ويغتسل ويسبغهما جميعًا 8. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: قوله: وقد اختلفت الآثار في التوقيت 9. اتساع في العبارة، وإنما أراد اختلفت الآثار في الأعداد؛ لأن الموقت هو الواجب، ولم تختلف في الواجب كم هو، وإنما اختلفت الآثار في الأعداد 10؛ وأخرج البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ومَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا" 11 فثبت بهذه الأحاديث أن الفرض واحدة، وأن الزائد فضيلة؛ لأنه لا يجوز أن يقتصر على واحدة والفرض اثنان أو ثلاثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 7
فصل [في الوضوء]
الوضوء في أعداده على ثلاثة أقسام: فرض، وفضيلة، وممنوع تارة، وتارة مستحب.
فالفرض واحدة، والفضيلة اثنتان، تمام الثلاثة، والممنوع الرابعة إذا أتى بها عقيب الثالثة أو بعد ذلك وقبل الصلاة بذلك الوضوء، فإن كان قد صلى به صلاة كان تجديد 12 الطهارة لكل صلاة يصليها بعد ذلك، وإن لم تنتقض طهارته- فضيلة.
فإن توضأ في الأولى ثلاثًا فلمّا صلى، جدد الطهارة لصلاة أخرى بثلاث 13، فصارت بإضافتها إلى الأولى ستًّا جاز ذلك، فمنع الرابعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلاثِ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ" 14، وجاز ذلك لصلاة أخرى؛ لحديث أنس قال: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ.
قِيلَ لَهُ: فَكَيفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كَانَ يُجْزِىُء أَحَدَنَا وُضُوؤُهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ".
أخرجه البخاري ومسلم 15.
الجزء: 1 - الصفحة: 8
وأجاز مالك في المدونة أن يتوضأ مرة إذا أسبغ 16. وقال أيضًا: لا أحب الواحدة إلا من العالم 17، وقال 18 في سماع أشهب: الوضوء مرتان مرتان، وثلاث ثلاث، وقيل له: فالواحدة؟ قال: لا 19. وقال في "مختصر ابن عبد الحكم": لا أحب أن ينقص من اثنتن إذا عمَّتا 20.
وهذا احتياط 21 وحماية؛ لأنّ العامِّي إذا رأى من يُقتدَى به يتوضأ مرة مرة، فعل مثل ذلك وقد لا يحسن الإسباغ بمرة 22 فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به، وإن لم يسبغ في الأولى وأسبغ في الثانية، كان بعض الثانية فرضًا وهو إسباغ ما عجز عن الأولى وبعضها فضيلة 23 وهو ما تكرر منها على الموضع الذي أسبغ أولًا، وله أن يأتي برابعة يخصُّ بها الموضع الذي عجز عنه أول مرة، ولا يعمُّ في الرابعة فيدخل في النهي.
والفرض في الغسل من الجنابة والحيض والنفاس مرة واحدة 24، ولا فضيلة في تكراره عقيب الغسل، ولا عند كل صلاة، وهو في ذلك بخلاف الوضوء، إلا ما وردت به السنة في الاغتسال للجمعة والعيدين، وما قيل في
الجزء: 1 - الصفحة: 9
الاغتسال للإحرام ولدخول مكة ولوقوف عرفة 25.
فالفرض للغسل والوضوء مرة مرة؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، و ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، و ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فورد الأمر في جميع ذلك على صيغة واحدة، فلم يلزم بمجرد الأمر -لقوله تعالى في الغسل والطهر- إلا مرة واحدة، وكذلك الوضوء.
وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على السائل عن الحج: هل هو في كل عام 26؟ فأخبر أن الفرض مرة 27، وأنه كان يكتفي في ذلك بما ورد فيه عن السؤال، والرجوع في ذلك إلى إخبار 28 النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمر يقتضي فعل مرة واحدة، أولى من الاحتجاج بقول من أنكر عليه سؤاله، وأخبره أن سؤاله وقع غير موقعه.
وأما ما قيل: إن الفرض في الوضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة- فغلط؛ لحديث أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ" 29، وإن أمَّته كانت على خلاف ذلك تلتزم الواجب فتصلي الصلوات بوضوء واحد، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك للفضيلة، وإنما سأله عمر عن مخالفته لعادته 30، ولحديث سويد
الجزء: 1 - الصفحة: 10
ابن النعمان "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وَهُوَ بِالصَّهْبَاءِ العَصْرَ وَالمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَر"، وهي سنة ست وقيل: سنة سبع، وفتح مكة كان في سنة ثمان، وهو حديث صحيح، رواه مالك في "الموطأ" وأدخله البخاري ومسلم في صحيحيهما 31، فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة.
والوضوء يشتمل على 32 ثلاث: فرض، وسنة، وفضيلة، فالفرض: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين 33، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس.
والسنة: المضمضمة، والاستنشاق 34، ومسح داخل الأذنين.
والفضيلة: السواك، وتكرار مغسوله.
وهذه جملة متفق عليها.
واختلف في غير موضع من مفروضه ومسنونه وفضائله؛ فاختلف في التسمية 35 هل هي من فضائله؟ وفي غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء: هل هو = بوضوء واحد، من كتاب الطهارة، برقم (277)، من حديث بريدة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه! قال: "عمدًا صنعته يا عمر".
الجزء: 1 - الصفحة: 11
من سننه أو من فضائله؟
وفي الوجه في أربعة مواضع: في البياض الذي بين العذار 36 والأذن، وفي تخليل اللحية، وفي صفة التخليل، وفي غسل ما طال منها عن الذقن.
وفي اليدين في ثلاثة مواضع: في المرفقين هل هما داخلتان في الوضوء 37، وفي تخليل الأصابع، وتحريك الخاتم.
وفي الرأس في ستة مواضع:
في مسح جميعه، وهل يعمُّه بالماء أو يجزئه عمومه بالمسح إذا ذهب الماء عند مسح بعضه؟ وفي تكرار مسحه في الثالثة، وهل تتعلق به فضيلة؟ وفي مسح ما طال من الشعر ومنتهاه هل إلى الجمجمة أو إلى آخر 38 منبت الشعر.
وفي مسحه بفضل ذارعيه.
وفي الأذنين في موضعين:
هل مسحهما فرض أو سنة، وفي استئناف الماء لهما.
وفي الرجلين في ثلاثة مواضع:
في الكعبين ما هما، وهل هما داخلان في الفرض، وفي تخليل الأصابع.
واختلف في ترتيب الوضوء وفي موالاته، وهل من شروط الوضوء والغسل إمرار اليد 39 مع الماء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 12
وأما التسمية فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فذكر أبو جعفر الأبهري 40 عن مالك: أنه استحب ذلك، وبه قال علي بن زياد 41 وابن حبيب 42، وروي أنه من فضائله.
الجزء: 1 - الصفحة: 13
وروى عنه الواقدي أنه قال: ليس ذلك مما يؤمر به، من شاء فعل ذلك، ومن شاء لم يفعله، فجعله بالخيار في الفعل والترك، ولم يقدم أحدهما على الآخر، وروى عنه علي بن زياد أنه أنكر ذلك وقال: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح (1)؟!
وقوله الأول أحسن؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك (2)، وليخرج من الخلاف، ولما يرجى من بركة ذكر الله تعالى.
واستحب له أن ينوي بذلك التبرك والتعوذ من الشيطان مما يدخل من الوساوس حينئذٍ؛ لأن فيها معنى التعوذ، وقد أمر الله سبحانه وتعالي نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يستفتح القراءة بالتسمية فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] فقيل: المراد بذلك التعوذ من الشيطان.
فصل في السواك
والسواك مندوب إليه؛ لقول - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ"، أو "كُلِّ وُضُوءٍ" 45.4344
الجزء: 1 - الصفحة: 14
وهو مخيّر في أن يجعل ذلك عند الوضوء أو الصلاة، واستحسن إذا بعد ما بين الوضوء والصلاة أن يجعله عند الصلاة، وإن جعله عند وضوئه أن يعيده عند صلاته.
وإن حضرت صلاة أخرى وهو على طهارته تلك أن يتسوك للثانية.
ويتسوكُ بكل عود يابس ورطب، وبالأخضر أحسن؛ لأنه أبلغ في النظافة، إلا أن يكون صائمًا خيفة أن يصل طعمه إلى حلقه.
وكره ابن حبيب التسوك بعود الرمان والريحان من ناحية الطب 46. ومن لم يجد سواكًا تسوك بإصبعه.
واختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء، هل هو سنة أو فضيلة، وذلك في موضعين، لمن كان وضوؤه عند قيامه من النوم، أو هو بعيد العهد بالماء.
واختلف إذا كان قريب العهد بالماء، فقال ابن القاسم في "العتبية" فيمن أخذ في الوضوء ثم أحدث فاستأنف الوضوء: أحب إلي أن يغسل يده قبل أن يدخلها في إنائه 47. وقال أشهب 48: لا شيء عليه.
والأصل في الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا
الجزء: 1 - الصفحة: 15
اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُؤئهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" 49، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدري أين باتت" خرج على الغالب من النوم أنه بالليل، قال الله -عز وجل-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67]، فمن نام نهارًا أُلحق حكمه بنوم الليل، وقد يفرق بينهما؛ لأن الشأن في الليل أن الإنسان ينام متجردًا، فتجول يده على جميع جسده، والغالب في النهار أنه لا يتجرد فلا تجول يده على جميع جسده، فإن تجرد ألحق بحكم الليل ودخل في معنى الحديث.
فمن كان يعلم من حاله أنه طاهر الجسم أو فيه نجاسة وهو في زمن لا يعرق فيه، كان غسل يده ندبًا؛ لأن مرور اليد على النجاسة وهي غير رطبة لا يؤثر في طهارتها.
ولا فرق في ذلك بين النائم واليقظان.
ومثله إذا كان في زمن يعرق فيه وهي في موضع لا تمر عليه اليد في الغالب، وإن كانت في موضع تمر عليه جرت المسألة على قولين في الماء اليسير تحل فيه = والديباج: 1/ 307، وما بعدها، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 29، والانتقاء، لابن عبد البر، ص: 52، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 59، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 150، والتاريخ الكبير، للبخاري: 2/ 57، والمعرفة والتاريخ، للفسوي: 1/ 195، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 2/ 342، والثقات لابن حبان: 8/ 136، والفهرست لابن النديم، ص: 339، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 1/ 238، وتهذيب الكمال، للمزي: 3/ 296، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 14/ 64.
الجزء: 1 - الصفحة: 16
النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد أوصافه، فاختلف فيه: هل ينجس بذلك أم لا؟
فمن جعله نجسًا أوجب عليه غسل اليد، ومن رأى أنه لا ينجس لم يوجبه وكان غسلها ندبًا.
وإذا كان وضوؤه من غير نوم وهو بعيد العهد بالماء ولم يغسل يده أمر أن يغسلها على وجه التنظف؛ لإمكان أن يكون مرت يده على بعض أرفاغه 50 أو لاقت وسخًا، فمن لم يفعل فلا شيء عليه.
وقد اختلفت الأحاديث في مثل ذلك، فالمشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبتدئ وضوءه بغسل يديه 51.
وأخرج البخاري عن ابن عباس حديثًا واحدًا أنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدأ بالمضمضة ولم يغسل يده 52.
الجزء: 1 - الصفحة: 17
والمضمضة والاستنشاق سنتان لفعله - صلى الله عليه وسلم - لهما ولقوله: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" 53 وليس بواجب؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] والوجه ما واجه، وهذه بواطن.
وإن أدخل المتمضمض إصبعه ودلّك بها أسنانه فذلك حسن، فإن طرح الماء صافيًا وإلا غسل تلك الإصبع قبل إعادتها في الإناء وأعاد المضمضة، ويبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائمًا ويضع يده على أنفه عند نثره؛ لأنه أبلغ في النظافة وفي طرح ما هناك.
وأنكر مالك في "المجموعة" أن يستنثر 54 من غير أن يضع يده على أنفه 55.
ومن ترك المضمضة أو الاستنشاق أتى بما ترك، ولم يستأنف الوضوء ولم يعد الصلاة إن كان ناسيًا.
واختلف في المتعمد، فقيل: لا إعادة عليه، وقال ابن القاسم في "العتبية": أحب إلي أن يعيد ما دام في الوقت 56.
قال الشيخ -رحمه الله- والإعادة في العمد والنسيان أحسن وأحوط ليخرج من الخلاف ومن القول أنهما فرض.
= أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه.
. ثم قال هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ).
الجزء: 1 - الصفحة: 18
والفرض في الوجه غسل جميعه، وأول ذلك منبت الشعر من الجبهة إلى آخر الذقن، والنزعتان 57 من الرأس تمُسحان ولا تغسلان.
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في شعر الصدغين: "من الرأس" 58، يريد ما لم يكن منه داخلًا في دور الوجه فإنه يغسل لأنه من الوجه.
وغسل ما بين المنخرين 59 وظاهر الشفتين فرض.
وفي البياض الذي بين العذار والأذن ثلاثة أقوال، فقيل: يغسل لأنه من الوجه.
وقيل: لا يغسل وليس من الوجه، وقيل: يغسله الأمرد والمرأة، والخفيف العذار 60 من الرجال، ولا يغسله الكثيف العذار؛ لأنه ساتر لما وراءه.
وعلى الأول فقهاء الأمصار؛ الشافعي 61 وأبو حنيفة 62.
وأرى أن تغسل ذلك المرأة ومن ذُكر معها؛ لأن ذلك مواجه منهم.
وفي الكثيف العذار نظر، فيصح أن يقال: إنه واجب؛ لأن الخطاب بوجوب الطهارة يتوجه قبل الالتحاء، فلا يزول ذلك الفرض بحدوث ساتر، وأن يقال: إن الفرض الأول سقط، وإن الخطاب يتوجه على ما يقع عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 19
المواجهة في حين أداء الفرض.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب 63 في بعض كتبه أن غسله سنة 64.
واختلف في تخليل اللحية وفي غسل ما خرج عن الذقن، فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يخلل، وروى عنه في "العتبية" أنه قال: اللحية من الوجه ويُمِرّ عليها 65 الماء.
وكأنه ذهب إلى أن الخطاب في الوجه ما واجه الآن، وليس ما كان حين البلوغ، نحو ما تقدم في البياض الذي بين العذار والأذن.
وقال محمد بن عبد الحكم 66: عليه أن يخلل.
الجزء: 1 - الصفحة: 20
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري 67: ليس عليه غسل ما طال عن الذقن وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً" 68، ومعلوم أن نقل الماء مرة لا يستوعب غسل الوجه وتخليل أصول شعر اللحية.
وروى الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ" 69. وقد يحمل هذا = أحكام القرآن"، وكتاب "الرد على فقهاء العراق"، وغير ذلك.
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 4/ 157، والديباج، لابن فرحون: 2/ 163، والتعريف بالأعلام والمبهمات لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 60، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 67، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 99، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 7/ 300، وطبقات الفقهاء الشافعية، لابن الصلاح: 1/ 191، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 4/ 193، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 12/ 497.
الجزء: 1 - الصفحة: 21
على أنه كان يخلل الظاهر؛ لأن الماء ينبو عن بعض الشعر لارتفاع بعضه عن بعض، فيكون التخليل 70 ليستوعب غسل جميع الوجه الظاهر، ويكون ذلك وفقًا بين الحديثين.
ويبدأ في اليدين باليمنى لقول عائشة - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره".
أخرجه البخاري ومسلم 71. فإن هو ابتدأ باليسرى أجزأه.
ويتمادى بالغسل إلى المرفقين، واختلف في المرفقين، فذهب مالك وأصحابه إلى أنهما داخلان في فرض اليدين، وذهب أبو الفرج 72 وغيره إلى أنهما غير داخلين في الفرض 73.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: حمل الآية على إدخال المرفقين أولى احتياطًا واستظهارًا، فجعل ذلك من باب الأحوط.
= أبواب الطهارة برقم (31)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 22
واحتج من نصر القول الأول بأن حروف الجر يُبْدَل بعضها من بعض، وأن معنى قوله سبحانه: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مع المرافق، ولما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - "أنه كَانَ يُدِيرُ اَلماءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ" 74.
والحجّة لمن نصر القول الآخر أن (إلى) بابها الغاية، وهي على ذلك حتى يقوم الدليل على أنها أريد بها غير ذلك، مما تستعمل فيه مجازًا، وأنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأشرع في العضد وفي الساق، وقال: "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجيلَهُ فَلْيَفْعَلْ" 75.
فبان بهذا الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يزيد في ذلك على الفرض للفضيلة.
واختلف في تخليل أصابع اليدين: هل هو واجب أو مستحب؟ وفي تخليل أصابع الرجلين: هل هو مرغب فيه أم لا؟ فذهب ابن حبيب إلى أنه واجب في اليدين مستحب في الرجلين 76.
وقال ابن شعبان 77:. . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 23
مستحب في اليدين 78.
وقال مالك في مدونة أشهب 79 في تخليل الرجلين: ما علمت ذلك، ولا من الجنابة، ولا خير في الغلو والجفاء 80. وروى عنه ابن وهب 81 أنه رجع إلى تخليل أصابع يديه ورجليه 82. وبه قال ابن وهب، وبه أقول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا تَوَضَّأْتَ = الخولاني وجماعة، ألّف: "الزاهي في الفقه" كتاب مشهور، وكتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "مختصر ما ليس في المختصر"، وكتاب "الأشراط"، وكتاب "المناسك".
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 5/ 274، والديباج، لابن فرحون: 2/ 194، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 212، وشجرة النور الزكية: 1/ 80 وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 16/ 78.
الجزء: 1 - الصفحة: 24
فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ" 83. وهذا الحديث ذكره الترمذي.
وفائدة التخليل: إيصال الماء وإمرار اليد؛ لأنه بذلك يسمى غاسلًا، فإن لم يستوعب الماء تلك الأصابع 84 أو شك في عمومه وجب إيصاله باليد.
وإن أيقن بوصول الماء كان التخليل على الخلاف في التدليك، والمشهور من قول مالك أنه لا يجزئ الوضوء إلا بإمرار اليد، وبه يسمى غاسلًا.
وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عليه أن يحرك الخاتم في وضوء ولا غسل 85.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إن كان ضيقًا فليحركه، وإن كان واسعًا فلا 86.
وقال ابن شعبان: يحركه، ضيقًا كان أو واسعًا 87.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: وأرى أن يحرك الضيق لإيصال الماء فإن أيقن بوصول الماء فيه وفي الواسع، كان تحريكه بدلًا من إمرار اليد.
وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنَّه مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، بَدَأَ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِما إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ" 88.
الجزء: 1 - الصفحة: 25
والبداية في المسح من أول منبت الشعر من الوجه والنهاية آخر الجمجمة.
وقال ابن شعبان: إلى آخر منبت الشعر 89. وليس بحسن؛ لأن ذلك من العنق وليس من الرأس.
ويمسح النزعتين وما ارتفع إلى الرأس من شعر الصدغين، ويمسح البياض الذي بين الأذن وشعر الرأس، ولا خلاف أنه يؤمر بمسح جميع الرأس ابتداءً؛ اتباعًا للحديث.
واختلف إذا اقتصر على بعضه على أربعة أقوال:
فقيل: لا يجزئه إلا مسح جميعه.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو الحسن ابن القصار 90 وابن الجلاب 91 وغيرهما، وقال محمد بن مسلمة 92: إن مسح الثلثين = صحيحه برقم (183)، ومسلم: 1/ 210، في باب في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الطهارة، برقم (235)، ومالك في الموطأ: 1/ 18، في باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة، برقم (32). [. . . . .] ص: 26
الجزء: 1 - الصفحة: 26
فأكثر أجزأه 93، قال لأن 94 المسح لا يستوعب كل شيء مرّ عليه.
وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ مَرَّةً 95. وقال القاضي أبو الفرج: إن اقتصر على الثلث أجزأه؛ لأن الثلث في حيز الكثير في غير موضع.
وقال أشهب 96 في "العتبية": إن مسح المقدم أجزأه.
قيل له.
فإن مسح بعض رأسه ولم يعم؟ قال: يعيد؛ أرأيت لو غسل بعض وجهه أو بعض ذراعيه 97. وذهب إلى التفرقة بين المقدم والمؤخر، والأول أحسن.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ 98، وهو المبين لأمته عن الله تبارك وتعالى، ولو كان يجزئه البعض لفعله وأبانه؛ لأنه كان يحب ما خف على أمته.
وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مَسَحَ بِنَاصِيَتهِ وَعَلَى العِمَامَةِ 99. فحجّة للقول بمسح = وشعيب بن طلحة، روى عنه أبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 131، والديباج، لابن فرحون: 2/ 156، وشجرة النُّور، لمخلوف: 1/ 56، والانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، لابن عبد البر، ص: 102، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 147.
الجزء: 1 - الصفحة: 27
جميعه، ولو كان مسح البعض يجزئ، لاقتصر على ما مسح من الناصية، فتماديه بالمسح على الحائل -وهي العمامة- كالمسح على الخفين.
وقيل: ومحمل مسحه على العمامة أن ذلك كان لأمر أوجب ذلك، إما لفساد هواء يخشى مع الكشف أذاه، أو لعارض كان برأسه.
ولم يُختلف أنه لا يجزئ في التيمم مسح بعض الوجه، وإن كان الخطاب فيه بـ (الباء).
ولا حجة في كونه بدلًا من الوضوء؛ لأن التيمم في اليدين يجزئ إلى الكوعين 100، والأصل في ذلك العضو في الوضوء بالماء إلى المرفقين، وليست الباء ها هنا للتبعيض؛ لأنه يجوز أن يقال: امسح برأسك كله، ولو كانت للتبعيض لكان كلامًا متنافيًا ولم يصح أن يؤكده بـ"كله".
ويجوز أن يقول: امسح ببعض رأسك، فلو كانت الباء للتبعيض لكان الكلام مستحيلًا، أو يكون أمر ببعض البعض؛ لأن الباء عنده للتبعيض، ويصير الأمر بالبعض من بعض الأول، وهذا مما لا يفهمه أحد من قول الرجل: امسح ببعض رأسك: وهو بمنزلة قوله -عز وجل-: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17].
واختلف إذا ذهب الماء من اليد قبل استيعاب مسح جميع الرأس، فقال أشهب في سماعه عن مالك: قلت: أحب إليك أن يمسح مرتين مرتين 101؟ قال: ذلك يختلف بكثرة الماء، فتكون المسحة الواحدة، وبقلته 102 فتكون اثنتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 28
وذكره ابن حبيب عن مالك في مسح المرأة رأسها 103، وقال ابن القاسم في "العتبية": إن مسح رأسه بإصبع واحد أجزأه 104، ومعلوم أن الإصبع لا تعم بالماء.
وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي لأنه لا يراعي ما بلغ الماء حين المسح، وشبّهه بالتيمم، وقد يستخف مثل ذلك 105 للاختلاف في مسح جميع الرأس إذا كان ذهاب الماء بعد مسح الناصية أو الثلث أو الثلثين على الاختلاف المتقدم.
والقياس أن يعمَّ جميعه ببلل يديه، كما عليه أن 106 يعمّ غيره من أعضاء الوضوء بالغسل.
والفرض في مسح الرأس واحدة، وبلوغ اليدين إلى مؤخره، ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما أجزأه، والسنة ردهما من القفا إلى مقدم الرأس 107.
قال القاضي أبو الحسن علي بن القصار 108: ولو بدأ رجل من مؤخر رأسه
الجزء: 1 - الصفحة: 29
إلى مقدمه لكان المسنون أن يَرُدَّهما من المقدم إلى المؤخر 109.
واختلف في رد اليدين ثالثة، فقيل: لا فضيلة في ذلك.
وعلى هذا غير واحد من البغداديين.
وقال إسماعيل القاضي 110: جاءت أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسح الرأس ثلاثًا 111. قال: ويمكن أن يكون ذلك أن يُمِرّ اليدين من المقدم إلى المؤخر ثم يردهما إلى المقدم ثم يردهما إلى المؤخر؛ نحو ما روي عن عطاء، يريد ولا = لمخلوف: 1/ 92، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 142، وتاريخ بغداد: 12/ 41، واصطلاح المذهب عند المالكية، لمحمد إبراهيم علي، ص: 260.
الجزء: 1 - الصفحة: 30
يستأنف الماء للثانية ولا للثالثة.
وقد يدخل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح ثلاثًا في الحديث أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا 112؛ لأنه لم يخص ما سوى الرأس، ولا فائدة في إعادة اليد الثانية والثالثة إلا أن يكون قد بقي في اليد بلل.
والغالب بقاء البلل في اليد.
والمرأة في مسح الرأس بمنزلة الرجل تمسح جميعه، ويختلف في مسحها الدلالين وما طال من الشعر عن القفا، نحو ما تقدم فيما طال من شعر اللحية عن الذقن.
وقال في "المدونة": تمسح الدلالين.
قال: وكذلك الرجل الذي له الشعر الطويل 113.
وقال في "الواضحة": إذا كان شعرها مرسلًا انتهت إلى آخره 114. وهذا هو أحد القولين، وعلى القول الآخر ليس عليها أن تمسح إلا ما قابل الجمجمة.
وإن كان معقوصًا 115 مسحت على عقصتها 116 وتباشر الشعر بالمسح، ولا تمسح على الوقاية 117، ولم يرها مالك في ذلك بمنزلة الخفين 118، وكذلك الحناء تكون برأسها، فإن عمّته بالحناء لم يجزها المسح عليها.
وإن سترت الحناء بعض الشعر
الجزء: 1 - الصفحة: 31
جرى على الاختلاف فيمن مسح بعض رأسه فينظر القدر الذي ظهر، إلا أن تكون فعلت ذلك لعلة فيجزئها المسح.
وإن سترت الحناء جميعه، فإذا أزالتها أعادت مسح ما تستر (1)، وإن ذهب أو انتثر بعضه مسحت ما ظهر منه على قول لمالك، وعلى قول أشهب لا تعيد المسح إذا لم يذهب ما على الناصية.
وعلى قول أبي الفرج ومحمد بن مسلمة: لا تعيد إذا كان قدر الذي لم يذهب منه لو اقتصر عليه بالمسح لأجزأ.
واختلف فيمن حلق رأسه بعد مسحه، فقال مالك: ليس عليه أن يعيد المسح.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يعيد.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: ولو قطعت يده أو (بضعة) (2) من مواضع الوضوء بعد أن توضأ لغسل ما ظهر بعد ذلك أو مسحه إذا كان له عذر عن غسله؛ لأن الخطاب بالوضوء يتوجه عن القيام إلى الصلاة، والوضوء قبل ذلك توسعة، فإذا لم يتلبس بالصلاة حتى صار إلى حالة يكون بها ناقص الطهارة لم يجزه ما تقدم.
وكذلك من كانت له وفرة فحلقها قبل أن يصلي، فإنه يعيد المسح.
فصل اختلفت الأحاديث في تجديد الماء لمسح الرأس
اختلفت الأحاديث في تجديد الماء لمسح الرأس، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ 121. وذكر البخاري في باب119120
الجزء: 1 - الصفحة: 32
غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة أنه لم يجدد الماء لمسح رأسه 122.
ولم يختلف المذهب أنه يجدد الماء، ويختلف إن هو لم يفعل، ومسح بفضل غسل ذراعيه إذا بقي فيهما من الماء ما يعم به رأسه قياسًا على من توضأ بماء قد توضأ به.
وقال ابن الماجشون 123: إذا كان بلحيته بلل وبعد منه الماء فليمسح به 124.
والأذنان يُمسحان ولا يُغسلان.
واختلف هل مسحهما فرض أو سنة؟ وهذا في أشراف الأذنين ظاهرهما وباطنهما.
فأما الصماخان 125 فسنة قولًا واحدًا.
وقال مالك في "المدونة": والأذنان من الرأس، يستأنف لهما الماء 126، يريد أنهما بعضه، ولهما حكمه في المسح.
= أقف عليه في صحيح البخاري.
الجزء: 1 - الصفحة: 33
وقال محمد بن مسلمة: مسحهما فرض، وقال عبد الملك بن حبيب: مسحهما سنة 127.
واختلف بعد القول إنهما 128 فرض، إذا لم يمسحهما، فقال محمد بن مسلمة: لا إعادة عليه؛ لأن المسح لا يستوعب، وهو أصله إذا ترك من الرأس الثلث.
وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لم يوجب مالك الإعادة عليه لأن الخلاف فيهما من وجهين:
أحدهما: هل من الرأس؟ والثاني: هل يجب إيعابه جميع الرأس؟
وقال أبو جعفر الأبهري: قال قوم من أصحابنا: إن ترك ذلك عمدًا أعاد الوضوء، وحملوا قول مالك على النسيان استحبابًا.
واختلف في تجديد الماء لهما، فقال مالك: يستأنف الماء لهما 129، وقال محمد بن مسلمة: إن شاء مسحهما مع رأسه 130. والأحاديث الصحاح تقتضي أنه لم يكن يستأنف الماء لهما 131، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - الناقلين لحديثهم كانوا يعتقدون أنهما من الرأس، وبعضًا من أبعاضه؛ لأنهم إذا بلغوا في صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم- مسح الرأس قالوا: مسح برأسه وغسل رجليه، وقال عبد الله بن زيد بن عاصم: بدأ من مقدم رأسه حتى بلغ بهما قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه 132.
الجزء: 1 - الصفحة: 34
فكان عندهم أن قولهم: "مسح برأسه" يفهم منه أن الأذنين داخلتان في ذلك؛ وأنهم لا يحتاجون إلى ذكرهما مع تسليمهم أنهما من أعضاء الوضوء وأنهما يمسحان، وهكذا رويت أحاديث الوضوء في الموطأ، والبخاري، ومسلم: لا يذكرون أنه مسح أذنيه.
فصل فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين
فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين.
واختلف في الكعبين ما هما؟ وهل هما داخلان في فرض الرجلين؟ فقال في "المدونة": الكعبان 133 هما اللذان في الساقين والقطع تحتهما 134. قال في "المختصر": وليس الظاهر في ظهر القدم 135.
وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: هما اللذان في ظهر القدمين عند معقد الشِّرَاك 136.
والقول الأول أصح، وهو الذي عليه أهل اللغة؛ قال ابن فارس في "مجمل اللغة": الكعب هو عظم طرف الساق عند ملتقى القدم والساق 137.
وقال الخليل بن أحمد: الكعب ما أشرف من الرسغ فوق القدم، والعير العظم الناتئ فوق القدم 138. والعير هو الذي ذكر عن مالك أنه هو الكعب في
الجزء: 1 - الصفحة: 35
إحدى الروايتين.
واختلف في الكعبين هل هما داخلان في الفرض كالاختلاف المتقدم في المرفقين.
ولم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه غسل كعبيه إلا ما روي أنه شرع في الساق على وجه الفضيلة 139. وقد يفرق بينهما وبين المرفقين أن الحد في الكعبين من غير جنس المحدود.
الجزء: 1 - الصفحة: 36
باب في المياه
المياه ستة: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وطاهر مختلف في تطهيره، ونجس، ومختلف في طهارته، ومختلف فيه هل هو نجس أو طاهر مطهر.
فالأول: مياه السماء والأنهار والآبار والبحار وما يكون عن البرد والجليد.
كل هذه المياه مطهرة.
وقال مالك في "المجموعة" فيما يجتمع من الندى: يتوضأ به 140.
والأصل في هذه الجملة قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18].
ومياه الأنهار والآبار وغيرها 141 مطهرة؛ لأنها من السماء أسكنت في الأرض، وداخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48].
والطهور: المطهر؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 142، أي: مطهرة؛ لأن التراب كان قبله طاهرًا، وإنما خص بأن يكون مطهرًا، أي يتيمم به فيقوم مقام الماء عند عدمه.
وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضًا فقال: "لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله" 143، يريد أن المرض
الجزء: 1 - الصفحة: 37
مطهر من الذنوب، ولم يرد أن المرض طاهر.
والقسم الثاني: المياه المستخرجة من الرياحين والورد وغيرها من الأشجار والفواكه: طاهرة غير مطهرة.
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وغيرهم -إلا من شذ- أن المياه التي خوطبنا بالطهارة بها غير هذا الصنف، وأنها المياه المشهورة المعروفة.
فهذان الصنفان أصل المياه: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وما سوى هذين فإنما هو لما يدخل على الماء المطهر ويخالطه، والذي يخالطه ثلاثة: طاهر ينفك منه، وطاهر لا ينفك منه في الغالب، ونجس.
فإن خالط الماء أحد المياه الطاهرة المستخرجة من الرياحين وما أشبهها أو غيرها من المائعات، كاللبن والطعام، ولم يتغير أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، كان على أصله طاهرًا مطهرًا.
وإن تغير أحد أوصافه وكانت أجزاء ما خالطه أكثر، كان غير مطهر.
وإن كانت أجزاؤه قليلة كان في المسألة قولان، والمعروف من المذهب أنه غير مطهر ويتيمم إن لم يجد غيره، فإن توضأ به أعاد وإن ذهب الوقت.
وروى عن مالك: أنه مطهر، وأن تَرْكه مع وجود غيره على وجه الاستحسان.
وقال في "المجموعة" في الغدير ترده الماشية فتبول فيه وتروث حتى يتغير لونه وطعمه: ما يعجبني أن يتوضأ به من غير أن أحرمه 144. = (3420)، ولم أقف عليه في صحيح مسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 38
فعلى هذا تجزئ الصلاة به، وتستحسن الإعادة ما لم يخرج الوقت.
وإن عدم غيره لم يقتصر على التيمم ويتوضأ به ويتيمم.
وفي "السليمانية" في البئر يقع فيه ورق النخل أو ورق الزيتون أو التين فيتغير لون الماء، قال: لا يتغيّر لونه إلا وطعمه قد تغّير، فلا يتوضأ به، فإن فعل وصلى أعاد ما لم يذهب الوقت.
وهذا نحو الأول.
فصل في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض
فإن تغيّر لون الماء مما يتولد عنه، كالطحلب وخز الماء 145 والضريع، أو ما يحدث عن قراره كالحمأة، أو من قراره كالتراب والكبريت والزرنيخ والشبّ والنحاس والحديد، كان طاهرًا مطهرًا.
وسواء كان تغيره منه وهو في قراره، أو صنع منه إناء فتغير الماء منه.
وقد فرّق بعض أهل العلم بين تغيّر الماء من هذه الأشياء في حال كونها قرارًا لها أو طرح فيه، ولا فرق بين الموضعين.
ولم يكره أحد ممن مضى الوضوء من إناء الحديد على سرعة تغير الماء فيه، ومعلوم أنه يغير طعم الماء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ من إناء صفر 146، ومعلوم أنه يغير طعم الماء.
وكان عمر بن عبد العزيز يسخن له الماء
الجزء: 1 - الصفحة: 39
في إناء من صفر (1).
فصل في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب
وإن خالط الماء نجاسة فتغير بذلك لونه أو طعمه كان نجسًا قولًا واحدًا.
وإن لم يتغير لونه ولا طعمه وكان الماء قليلًا كالجرة والإناء يقع فيهما اليسير من النجاسة، والبئر القليلة الماء تقع فيها الفأرة أو الوزغة أو الدجاجة- فاختلف فيه على أربعة أقوال:
فقيل: هو على أصله طاهر مطهر.
وقيل: هو مكروه ويستحب تركه مع وجود غيره.
وقيل: نجس.
وقيل: مشكوك في حكمه هل هو طاهر أو نجس؟ فروى أبو مصعب عن مالك أنه قال: الماء كله طهور، إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه لنجاسة حلت فيه، معينًا كان أو غير معين 148. فعلى هذا يتوضأ به من غير كراهية.
وقيل في طين المطر يكون فيه البول أو الروث فيصيب الإنسان منه شيء: إن له أن يصلي به ولا يغسله 149.147 = وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ).
الجزء: 1 - الصفحة: 40
وفي مختصر ابن الجلاب: إذا وقع في الماء ما له نفس سائلة من سائر الحيوان في بئر فماتت فيه فلم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فهو طاهر مطهر، إلا أنا نكره استعماله مع وجود غيره 150.
وقال أشهب في "مدونته" عن مالك في البئر تقع فيه الفأرة فتنسلخ أو لا تنسلخ أنه ينزح منها، قيل له: أرأيت ما أصاب الثوب؟! قال: يرشه وأرجو أن يكون من ذلك في سعة.
ولم يأمره بغسله.
وقال ابن القاسم في "المدونة"، ومالك في "المجموعة" وعبد الملك بن حبيب: إنه نجس 151.
وقال في "المدونة" في الدجاج والإوز تأكل القذر فتشرب من الإناء: لا يتوضأ به، وإن لم يجد غيره تيمم.
وإن توضأ به وصلى أعاد ما دام في الوقت 152. فأباح الاقتصار على التيمم، وهذا دليل على أنه عنده نجس، وأمضى الصلاة به إذا خرج الوقت مراعاة للخلاف.
وقال ابن حبيب في الجلالة من الدواب تأكل القذر: فلا يتوضأ بسؤرها، وليتيمم من لم يجد غيره، لأنه نجس 153.
وقال عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة في "المبسوط": هو مشكوك فيه.
أي مشكوك في حكمه لا يُقطع بأنه طاهر ولا نجس، وقالا: يتوضأ به ويتيمم ويصلي ليكون قد أدى صلاته على وجه مجمع عليه لترجح الدلائل عندهما، فلم يترجح القول أنه طاهر فيقتصر عليه، ولا أنه نجس فيقتصر على التيمم.
الجزء: 1 - الصفحة: 41
وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون 154، إلا أنه قال: يتيمم ويصلي قبل أن تنجس أعضاؤه بذلك الماء ثم يتوضأ ويصلي 155. وهو أحسن؛ لأن التيمم إنما كان خيفة أن يكون نجسًا، فينبغي أن يبتدئ بالتيمم فيصلى به، ثم يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن حضرت صلاة أخرى وهو على وضوئه ذلك تيمم، وصلى صلاة واحدة، وإن انتقضت طهارته توضأ بما بقي من ذلك الماء وتيمم، ويصلي صلاة واحدة أيضًا.
والقول إنه طاهر أحسن، ويستحسن تركه مع وجود غيره ليخرج من الخلاف.
فإن هو توضأ به وصلى مضت صلاته، وإن لم يجد غيره استحسنت له أن يحتاط فيتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي.
فإن هو اقتصر عليه أجزأه 156 وإن اقتصر على التيمم لم يجزه وأعاد، وإن ذهب الوقت؛ لأن الإجماع على طهارة الأنهار كالنيل والفرات وما دونها مع كون النجاسات العظيمة تردهما من المدن المبنية عليهما لا ينقطع جَرْي قنيها 157 إليها،
الجزء: 1 - الصفحة: 42
وهي كأنهار نجسة تصبّ في أنهار طاهرة، والإجماع على أن ذلك لم يكن لكونها أنهارًا؛ وأنه متى كان منها موضع متغير بنجاسة أن ذلك نجس، فدل ذلك على أن المُراعى ظهور أحد أوصاف النجاسات وعدمها، وأنها متى وجدت كان نجسًا، ومتى عدمت كان طاهرًا.
وإذا كان ذلك لم يكن فرق بين القليل والكثير.
والإجماع على أنه لا يتوضأ باللبن ولا بالعسل، وأنه متى حلّ شيء من ذلك في ماء ولم يغير أحد أوصافه -أنه مطهر، لا ينقله ما حلّ فيه عن حكمه في الأصل، ولا يقال: إنه يتوضأ بعسل أو لبن، فلو نقله الأول إلى النجاسة نقله هذا إلى الإضافة؛ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بئر بضاعة، وقيل له: أيتوضأ منها، وهي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " 158. ومعلوم أنه لم يرد أنه طهور مع ظهور عين النجاسة، فصحَّ أن الماء طاهر إذا لم تتغير أحد أوصافه.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ" 159، فذلك على وجه الحماية لما يؤدي إليه فعل ذلك من فساد الماء.
والفقه والقياس المنع، ولو لم يرد فيه حديث؛ لأنه متى أبيح إلقاء النجاسة في الماء الراكد 160 والبول والاستنجاء وغسل
الجزء: 1 - الصفحة: 43
النجاسات فيه، كثرت النجاس لكثرة الواردين على الماء وبخاصة ما كان قرب المدن، فيتغير لكثرة ما يحلّ فيه، وقد يظن أن ذلك لما جرت به العادة من التغير لطول المكث بالشمس وغيرها فكان الوجه منع 161 ذلك؛ لئلا يفسد ذلك على الناس فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء والاختلاف المتقدم في الماء القليل.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، كالآبار 162 الكبيرة، والمصانع العظيمة: فإنه لا ينجسها ما حل فيها إذا لم يتغير أحد أوصافه، واختلف إذا تغير ريح الماء خاصة؛ فقول مالك وغيره من أصحابه: إنه نجس 163. وقال عبد الملك: هو طاهر.
والقول الأول أبين.
وإن كانت الرائحة عن المجاورة دون الحلول لم ينجس، وليس حكم الرائحة على انفرادها حكم الجسم يحلّ في الماء، ولو كان ذلك لوجب على الإنسان غسل ثوبه إذا علقت به رائحة النجاس.
وكذلك روائح الطيب وغيرها إن كانت عما حل فيه من الطيب كان مضافًا، وإن كان عن مجاورة لم يضف، إلا ما كان من البخور؛ فإن له حكم المضاف لأن النار تصعد بأجزاء منه، ويوجد طعم ما يبخر به من المصطكى 164 وشبهها، ويرى عليه منها كالدهنية.
ولهذا قيل فيما طبخ بعظم الميتة: إنه لا يؤكل.
= وأصل الضغث الخلط.
انظر: شرح غريب ألفاظ المدونة، للجُبِّي، ص: 17.
الجزء: 1 - الصفحة: 44
فصل [الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة]
والسادس: الماء المطلق تجتمع فيه الإضافة والنجاسة، فإن تقدمت النجاسة ثم حل فيه ما أضافه مما هو طاهر كاللبن أو مياه الرياحين، كان الجواب فيه على ما تقدم أنه طاهر على المستحسن من المذهب.
وإن تقدمت الإضافة ثم حلت فيه نجاسة كان نجسًا، لأن المضاف والمائعات لا تدفع عن نفسها.
ويجري فيه 165 قول آخر: إنه طاهر مطهر قياسًا على قوله في "المجموعة" وما ذكر 166 في "السليمانية"، إلا أن تكون أجزاء ما أضافه 167 أكثر فلا يكون مطهرًا.
ويختلف في نجاسته إذا كانت النجاسة تافهة على ما قاله مالك في "العتبية" في الطعام أو في 168 الودك 169 تقع فيه النقطة من الخمر أو البول، قال: لا ينجس إلا أن يكون الطعام يسيرًا 170.
وقال ابن نافع في جبابٍ تكون بالشام للزيت تقع فيها الفأرة: إنه طاهر.
قال: وليس الزيت كالماء، وكذلك سمعت.
. قال: وسئل مالك عن جباب الزيت تقع فيه الفأرة- فكرهه 171.
وإذا غسل ثوب أو عجن طعام بما حلّت فيه نجاسة، فإن تغير أحد أوصافه نجس الثوب وطرح الطعام، وإن لم يتغير أحد أوصافه وكان الماء
الجزء: 1 - الصفحة: 45
كثيرًا، كان طاهرًا ويؤكل الطعام ولا يغسل الثوب (1). وإن كان الماء قليلًا كالإناء يقع فيه اليسير من النجاسة، أو البئر القليلة الماء تقع فيه الفأرة أو الدجاجة ولم يتغير أحد أوصافه، كان الحكم في الطعام وغسل الثوب على الخلاف المتقدم في الوضوء بذلك الماء، فعلى القول الأول: يؤكل الطعام ويصلى بالثوب.
وعلى القول الآخر: يستحسن غسل الثوب.
وإن صلى به قبل غسله لم يعد، ويستحسن طرح الطعام إن كان يسيرًا، ولا يطرح إذا كان كثيرًا لأنه من إضاعة المال.
وعلى القول بأنه مشكوك فيه: يعيد الصلاة ما لم يخرج الوقت، ويطرح الطعام وإن أكثر، ولا يجبر على ذلك.
وعلى القول الآخر (2) أنه نجس: يعيد الصلاة وإن خرج الوقت إذا كان ذلك من مذهبه فصلى به وهو عالم، ويطرح الطعام وإن كثر جبرًا إذا كان ذلك من مذهبه.
فصل [في الوضوء بالماء المتوضَّأ به]
واختُلف في الماء الذي قد تُوضئ به، فقيل: يتوضأ به، وهو طاهر مطهر.
وهو قول ابن القاسم، إلا أنه يستحسن ألا يتوضأ به مع وجود غيره 174.
وقيل: هو طاهر غير مطهر ولا يتوضأ به، ومن لم يجد سواه تيمم.
وهو
قول مالك في "مختصر" ابن أبي زيد 175،. . . . . . . . . . . . . . .172173
الجزء: 1 - الصفحة: 46
وابن القاسم في كتاب ابن القصار 176، وأصبغ 177 في كتاب ابن حبيب.
وقيل: يتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة.
ذكره ابن القصار عن الشيخ أبي بكر الأبهري ورآه في معنى المشكوك في حكمه 178.
والقول الأول أقيس؛ لأن الوضوء به لا يخرجه عن أن يسمى ماء، ولم يأت حديث ولا إجماع أنه لا يتوضأ 179 به إلا عبادة 180 واحدة , فوجب أن يكون على أصله، ويكره ذلك ابتداءً لأنه لا 181 يسلم من دهنية تخرج من الجسم فتخالطه.
= وسمع من ابن الأعرابي، وإبراهيم بن محمد بن المنذر، وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي، واستجاز ابن شعبان , والأبهري، والمروزي، وأخذ عنه من أهل القيروان أبو القاسم البراذعي صاحب التهذيب واللبيدي، وأبو عبد الله الخواص، وغيرهم، ومن الأندلسين أبو بكر بن موهب المقبري أوَّل شرَّاح الرسالة، وأبو عبد الله بن الحذاء وغيرهما.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 6/ 215، والديباج، لابن فرحون ص: 221، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 43، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 57، وفهرست ابن النديم، ص: 283، وفهرس مخطوطات خزانة القرويين: 1/ 588.
الجزء: 1 - الصفحة: 47
باب في الماء والطعام يموت فيه خشاش الأرض
ومن "المدونة" قال مالك: كل ما وقع من خشاش الأرض 182 في إناء أو في 183 قدر 184 فإنه يتوضأ بالماء ويؤكل ما في القدر 185. ويحمل قوله على أنها أُخرجت من الماء والطعام بقرب ذلك، فإن طال مكثها حتى خرج منها شيء أو تفرقت أجزاؤها، فإنه يعود الجواب فيه إلى حكم ما حلّت فيه النجاسة، ويختلف في الماء القليل إذا لم يتغير أحد أوصافه ويطرح الطعام؛ لأنه قال في الجراد والحلزون 186 وما أشبه ذلك: لا يؤكل إلا بذكاة 187. وقال أبو محمد عبد الوهاب في "التلقين": كل ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والصرار وبنات وردان وشبه ذلك حكمه حكم دواب البحر؛ لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه منها 188. فعلى هذا يستعمل الماء ويؤكل الطعام، وكذلك إن طال مكث ذلك فيه وتفرقت أجزاؤه وتغير الطعام به، وإن تغير الماء كان طاهرًا غير مطهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 48
فصل [في اللحوم والأطعمة تطبخ بالماء النجس]
واختلف عن مالك في اللحم يطبخ بماء نجس، فقال في "العتبية": يغسل ويؤكل 189.
وقال عنه أشهب: لا يؤكل.
وهو أحسن؛ لأن اللحم يقبل ما طبخ فيه ويخالطه، ويوجد فيه طعم ما يطبخ به.
وكذلك الزيتون يطرح في ماء نجس، يختلف فيه حسب ما تقدم، وقال مالك في "المبسوط": إن سقطت فأرة في جرة زيتون طرح ما سقطت فيه 190. وإن طبخت بيضة بماء نجس لم تؤكل قياسًا على قوله هذا.
وقال ابن القاسم في البيضتين في إحداهما فرخ طبخا معًا: لا تؤكل السالمة 191، ورأى أن الفاسدة أنجست الماء بما خرج منها، ثم أنجس الماء السالمة بما وصل إليها منه.
وعلى أحد قولي مالك تؤكل السالمة.
وأرى أن يطرح الزيتون؛ لأنه يقبل ما عمل فيه، وتؤكل البيضة؛ لأنها لا تقبل، ومعلوم من الماء يطبخ فيه البيض أنه لا يتغير له لون ولا طعم، ويطبخ في الشيء المتغير اللون والطعم وما فيه أبزار 192 ثم يزال قشره فلا يوجد من ذلك التغير ولا من ذلك الطعم فيه شيء.
واختلف في الجراد يطبخ وفي بعضه ميت، فقال أشهب: لا يؤكل منه
الجزء: 1 - الصفحة: 49
شيء، وقال سحنون: يؤكل (1) بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر (2). وقول أشهب أحسن؛ لأن الجراد يخرج منه في حين الطبخ ما يغير الماء ويقبل الماء الذي يطبخ (3) فيه وهو يسقي (4) بعضه بعضًا بخلاف البيض.
فصل (5) في الوضوء بسؤر بني آدم والدواب وغيرها، من الحيوان وذكر أعراقها وألبانها وأبوالها وأرواثها
ومن "المدونة": قال مالك: لا بأس بالوضوء بسؤر البغل والحمار 198، وإن أصاب غيره فهو وغيره سواء 199، ولا بأس بعَرَقِ البرذون والبغل والحمار.
وقال في "سماع ابن وهب" في الوضوء بفضل الحمار والبغل والفرس وغير ذلك من الدواب، فقال: غيره أحب إلي منه، وإن اضطر إنسان إلى ذلك فلا بأس به.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- سؤر بني آدم والحيوان كله -على اختلاف أجناسه- في أسآرها وأعراقها على الطهارة، كان مما يؤكل لحمه أم لا يؤكل، فإن أصاب ثوب رجل لم ينجسه.
وإن حلّ في طعام لم يفسده، يؤكل الطعام ويتوضأ بالماء ما لم يتغير أحد أوصافه أو يكون شيء من ذلك شأنه إصابة النجاسة ما خلا الكلب والخنزير فإنه اختلف في سؤرهما هل يتوقى شرعا أو193194195196197
الجزء: 1 - الصفحة: 50
لا؛ لأنها تصيب النجاسة 200؟.
وأبوال الحيوان وأرواثها على ثلاثة أوجه: طاهرة، ونجسة، ومختلف فيها، وهي في الجملة تابعة للحومها، فما كان منها محرمًا كان ما يكون 201 منها نجسًا، وما كان فيها يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم وسائر الوحش ما لم يكن ذا ناب من السباع- طاهرًا، أو ما كان مختلفًا في أكله كالخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع يختلف فيما يكون عنها؛ فعلى القول أنها محرمة يكون ذلك نجسًا، وعلى القول أنها مكروهة اللحمان، يتوقى ولا يقطع بنجاسته.
والألبان ثلاثة: حلال طاهر، وحرام نجس، ومختلف فيه هل هو حلال طاهر 202 أو حرام نجس؛ فلبن ما يؤكل لحمه تابع لِلُحمانها حلال 203 طاهر.
ولبن الخنزير تابع للحمه حرام نجس، ولبن بنات آدم مخالف للحومهن حلال طاهر؛ لأن تحريم لحومهن إكرام لهن، ولبن ما سوى ذلك كالأتن والسباع والكلاب وما أشبهها مختلف فيه، فقيل: تابع للحومها حرام، وقيل: مكروه وقيل: بخلاف لحومها هو حلال طاهر 204.
وقال ابن وهب: قال مالك: إن أهل العلم لا يرون على ما أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم- شيئًا 205، وإن أصاب ثوبه فلا يغسله.
ويرون على من أصاب ثوبه شيء من أرواث الدواب: الخيل والبغال والحمير أن يغسله.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
قال: والذي فرق بين ذلك أن تلك يشرب ألبانها وتؤكل لحومها، وأن هذه لا تؤكل لحومها ولا تشرب ألبانها، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صَلَّى فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ 206.
وفي كتاب مسلم: قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ "نَعَمْ" 207. وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنهُ طَافَ عَلَى بَعِيره 208، فلو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يُدْخلها المسجد؛ لأنه لا يؤمن ما يكون منه في حين دخوله ولا طوافه عليه، فلا يجوز أن يعرض المسجد لنجاسة.
وأباح للعرنيين أَنْ يَشْرَبُوا أَبْوَالَ الإِبِلِ 209، فلو كانت نجسة لم يبحها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا شِفَاءَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ" 210،
الجزء: 1 - الصفحة: 52
فكل هذا دليل على طهارة ما يكون مما يؤكل لحمه.
وقال المغيرة 211 في "المجموعة" في لبن الأتن: إن صلى به أعاد ما دام في الوقت 212.
وقاله يحيى بن يحيى 213. . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء: 1 - الصفحة: 53
في "العتبية" 214 وقال محمد 215: لا يعجبني ذلك، ولحوم بنات بني آدم محرمة وقد جعل لبنهن غذاءً للأبناء 216.
وليس هذا بالبيّن؛ لأن تحريم لحوم بني 217 آدم إكرام لهم، ولحوم هذه رجس، إلا أن القياس أن يكون طاهرًا؛ لأن الحيوان في نفسه على الطهارة، وكذلك عرقه.
وإذا كان ذلك فحكم 218 الوعاء الذي فيه اللبن طاهر، فوجب أن يكون مثل عرقها وغيره، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّهُ رَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا وَأَجْرَاه 219، = 105، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 152، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 10/ 519.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
والشأن في الخيل إذا أجريت أن تعرق، فلو كان عرقه نجسًا لَتوقّاه ولم يركبه على تلك الصفة.
وسؤر الجنب والحائض وأعراقهما طاهرة، واختلف قول مالك في سؤر شرب النصراني، فأجازه ومنعه (1). وسؤر شرب من يشرب الخمر من المسلمين مثله يختلف فيه.
ولا يتوضأ مما أدخل النصراني يده فيه (2)، وهو في ذلك بخلاف شربه؛ لأن الماء الذي يلقى نجاسة شفتيه في حين شربه يصير إلى فيه ويشربه.
فصل واختلف في الحيوان يصيب النجاسة
واختلف في الحيوان يصيب النجاسة هل ينقلها عن حكمها قبل أن تصيب تلك 222 النجاسة.
فقيل: هي على حكمها في الأصل في أسآرها وأعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها.
وقيل: ينقلها، وجميع ذلك نجس.
واختلف في عرق النصراني لما كان يشرب الخمر ويأكل الخنزير، وفي عرق السكران هل هو نجس أو طاهر، وفي أكل لحوم الجلّالة وألبانها، فقال مالك: تؤكل ولا بأس بها 223. وقال ابن حبيب: يكره ذلك.
ويختلف على هذا في لبن المرأة تشرب الخمر، وفي لبن 224 ما يأكل النجاسة،220221
الجزء: 1 - الصفحة: 55
فقال ابن القاسم في جدي رضع خنزيرة: أحب إليّ أن لا يذبح حتى يذهب ما في جوفه، ولو ذبح مكانه أكل.
واستشهد على ذلك بالجلّالة 225.
وقال في الطير تصاد بالخمر: يؤكل 226، وعلى القول في عرق السكران إنه نجس -لا يحل أكل شيء من ذلك كله حتى تذهب منفعة ما تغذى به من ذلك.
وقال مالك في أرواث ما يأكل النجاسة وأبوالها: إنه نجس 227. وجمعه في الجواب ما يكون من ذلك من بني آدم 228، وترجح فيه مرة، فذكر أشهب عنه في مدونته، فقيل له: أتعاد منه الصلاة؟ فقال: لا أدري.
ولأشهب في "النوادر": إنه طاهر 229، والقول الأول أحسن؛ فإن الجسم ينجس بما حلّ فيه من تلك النجاسة؛ لأنها تشيع فيه، والجسم لا يدفع عن نفسه، فأشبه مخالطة النجاسة المائعات.
وفي الترمذي والنسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نَهَى عَنْ لُحُومِ الجَلاَّلةِ وَألبَانِهَا" 230، وإذا نجس الجسم حرم أكله، وينجس اللبن بنجاسة الوعاء، وقد قال ابن القاسم في لبن الميتة: إنه نجس 231.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
ويختلف على هذا في لحوم المواشي إذا شربت ماءً نجسًا قد تغيّر أحد أوصافه (1). واختلف في البقول تسقى بالنجاسة، إلا أن يبعد عهدها به.
فصل [وفي ولغ الكلب (2) في الآنية وسؤر الخنزير والهر]
ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 234، وفي كتاب مسلم قال: "فَليرقْهُ ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 235، وقال أيضًا: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" 236.
والجواب عن هذا الحديث من أربعة أوجه:
أحدها: هل يجب استعماله؟
والثاني: إذا وجب استعماله هل يحمل الحديث على عمومه في جميع الكلاب، أو في بعضها، وهو ما لا يجوز اتخاذه؟.
والثالث: هل ذلك في جميع الأواني، أو على ما يكون فيه الماء دون الطعام؟
والرابع: هل يغسل تعبّدًا أو لأنه نجس؟.232233
الجزء: 1 - الصفحة: 57
فقال مالك في "المدونة": قد جاء هذا الحديث وما أدري ما حقيقته.
وقال: إن كان يغسل ففي الماء وحده 237. فلم يعزم 238 على الأخذ به؛ لقوله: إن كان يغسل 239؛ لأن الحديث عنده معارض لظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]، وأنه يؤكل من غير غسل.
وقال أيضًا: يغسل.
وحمل الآية على أن المراد بها أن فعل الكلب ذكاة، وإن لم تدرك ذكاته، وغسل مواضع ذلك من الصيد معنىً آخر ليس هو المراد، مع أن المعلوم أنه لا بد من غسل تلك المواضع؛ لأن الكلب يدميها، فحمل الحديث على جميع الكلاب مرة، ومرة على ما لا يؤذن في اتخاذه , ومرة على بعض الأواني وهو الماء وحده، فقال في"المدونه": لا يطرح الطعام، وأراه عظيمًا أن يعمد إلى رزق من رزق الله تبارك وتعالى فيلقيه لكلب ولغ فيه 240!.
ورى عنه ابن وهب أنه قال: يؤكل الطعام ويغسل الإناء 241 اتباعًا للحديث فجعل اغسله تعبدًا.
وقال سحنون: كل كلب لم يؤذن في اتخاذه نجس 242، وإن كان مأذونًا في اتخاذه فهو طاهر 243.
الجزء: 1 - الصفحة: 58
وقال عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد: إن شرب من اللبن وكان بدويًا أكل، وإن كان حضريًا طرح، وإن شرب من الماء طرح بدويًا كان أو حضريًا، فإن عجن به طعام طرح.
قال: لأنه نجس، وقال مطرف 244: البدوي والحضري سواء في اللبن، إن كان كثيرًا أكل، وإن كان قليلًا طرح.
يريد عبد الملك أنه أذن للبدوي في اتخاذه ولم يؤذن للحضري.
فعلى القول أن غسله تعبد، وأنه طاهر يتوضأ به عند عدم غيره، ويستحب له تركه مع وجود غيره.
وعلى القول الآخر: أنّه نجس يتيمم به ويدعه، فإن توضأ وصلى أعاد.
وحمل الحديث على جميع الكلاب وجميع الأواني أحسن؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص شيئًا دون غيره، بل حمله على ما يتخذ أولى؛ لأن ما لا يتخذ قد أمر بقتله 245 أو يصرف لمن يجوز له 246 اتخاذه.
ولا يغسل الإناء بما فيه من الماء للحديث "فليرقه"، ولا يجوز أن يحمل على الصحابة أنهم لم يمتثلوا أمره فيها في إهراقها.
الجزء: 1 - الصفحة: 59
- واختلف في سؤر الخنزير، فقال مالك في "المختصر": لا يتوضأ به 247.
وقال ابن القصار: روى عنه مطرف أنه قال: يغسل سبع مرات اعتبارًا بالكلب 248.
وقيل: يغسل الإناء منه لأنه لا يتوقى النجاسات.
وهذا أحسن.
ولا بأس بسؤر السباع ما كان منها لا يفترس، أو كان يفترس إذا كان الماء كثيرًا، فإن كان قليلًا عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في الجلّالة وما يأكل النتن.
وقد اختلف في ذلك، فقال مرة: يتيمم ولا يتوضأ به.
وقال أيضًا: إن شرب من اللبن ما يأكل الجيف من الطير والسباع والدجاج، فإن تيقنت أن في منقاره أذىً لم يؤكل، وما لم تر في منقارها أذى فلا بأس به 249، وليس بمنزلة الماء؛ لأن الماء يطرح.
وهذا اختلاف قول؛ لأنه أباح الطعام مع كونه لا يدفع عن نفسه.
وطرح الماء على هذا القول على وجه الاستحسان، وعلى قوله في الماء أنه نجس ويتيمم يفسد الطعام.
وكذلك روى علي بن زياد عن مالك؛ أن الماء والطعام واحد 250. - وسؤر الهر طاهر 251، وإن كان مما يفترس؛ لأن ذلك نادر، ويحمل على الغالب من عيشه، إلا أن يعلم أنه أصاب من ذلك شيئًا ثم شرب من الماء بفور ذلك، فيجتنب منه الوضوء، ويختلف في نجاسته إذا لم يتغير أحد أوصافه.
وقال علي بن زياد عن مالك: السباع كلها كالكلب إلا الهر إن لم
الجزء: 1 - الصفحة: 60
يكن 252 بخطمه أذى 253.
وقال مالك: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة، قال: ويغسل بوله 254. فأما غسل ذلك، فهو على أحد القولين في كراهية أكلها.
ولا بأس بسؤر ما شربت منه أو أكلت؛ لأن محملها فيما تناله على أنه غير نجس حتى يعلم أنها أصابت نجاسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 61
باب في آداب الأحداث
وينبغي لمن أراد الغائط أو البول أن يبعد عن الناس، وروى المغيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان إِذَا أَتَى 255 حَاجَتَهُ أبْعَدَ فِي المَذهبِ" 256. وروي عنه "أنه كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا كَمَا يَرْتَادُ مَنْزِلًا" 257.
ومحمل الحديث "أنه - صلى الله عليه وسلم - أتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، 258: أن ذلك لضرورة؛ لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يغشاه الناس والوفود، ويقوم بأمر الأمة، فنزل به من ذلك ما يضر به الصبر إلى وصوله لبيته أو لا يستطيع إمساكه.
وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنه -: "مَنْ حَدَّثكمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلاَ تُصَدِّقُوهُ" 259. وهذا يؤيد أن ذلك كان مخالفًا لعادته لضرورة.
واستخف مالك أن يبول الرجل قائمًا إذا كان لا يتطاير عليه وكان مستترًا عن الناس 260.
الجزء: 1 - الصفحة: 62
ولا يرفع الرجل ثوبه للحدث حتى يدنو من الأرض، ولا يبول في مهواة ولا في الماء الراكد، وقد تقدم وجه ذلك، ولا بأس به في الماء الجاري، ولا يتكلم على طوفه 261.
ويستحب أن يستعيذ بالله قبل التلبس بذلك 262 إذا كان في صحراء، وإن كان في الحاضرة فقبل دخوله الخلاء، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد دخول الخلاء قال: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ" 263.
قال الخطابي: أهل الحديث يقرءون "الخبث" بإسكان الباء والصواب بضمها 264 جمع خبيث وهو الشيطان.
ولا يمس ذكره بيمينه، ولا يستنجي ولا يستجمر بيمينه.
واختلف إذا كان في شماله خاتم فيه اسم الله تعالى، هل يستنجي به وهو يزيده.
وألا يفعل أحسن، لحديث أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الجلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ ". ذكره الترمذي 265.
وفي الصحيحين: "أنه نَهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه" 266. فإذا نزّهت
الجزء: 1 - الصفحة: 63
اليمن عن ذلك فذكر الله أعظم، وقد كره مالك أن تعطى الدراهم فيها اسم الله تعالى ليهودي أو نصراني (1)، فهو في هذا أولى.
فصل ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط
ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لبول ولا لغائط إذا كان في الصحاري، واختلف عن مالك في ذلك في المدن، فأجازه في "المدونة" 268، وقال في "مختصر" ابن عبد الحكم: ذلك في الصحاري والسطوح التي يقدر على الانحراف فيها، فأما المراحيض 269 التي قد عملت على ذلك فلا بأس 270. فأمره في الحاضرة بالانحراف عن القبلة، إلا أن تكون أبنية فتكون
ضرورة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لأن الأبنية قد تضيق ولا يمكن إلا على تلك الصفة 271.
واختلف في تعليل الحديث فقال من نصر القول الأول: إن ذلك لحقّ من يصلي في الصحاري من الملائكة وغيرهم؛ لئلا ينكشف إليهم.267
= الوضوء في صحيحه, برقم (152)، ومسلم: 1/ 225، في باب النهي عن الاستنجاء باليمين، من كتاب الطهارة، برقم (267).
الجزء: 1 - الصفحة: 64
واحتج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "ارْتَقَيْتُ عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ 272 فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى لَبِنَتْين لِحَاجَتِهِ مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ" 273.
وقيلَ: إن ذلك لحرمة القبلة تعظيمًا لها وتشريفًا.
وهذا تستوي فيه الصحاري والمدن، وهو أحسن.
قال أبو أيوب: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ إِلَى القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ" 274.
وعلى من أحب بناء ذلك أن يجعله لغير القبلة إلا أن لا يتسنى ذلك له؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ لِبَوْل وَلا لِغَائِطٍ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" 275.
فنص على القبلة ألا ينكشف إليها بقبل ولا دبر، ويلزم من قال النهي لأجل المصلين أن يجيز لمن جلس لحاجته أن ينكشف بقبله أو دبره للقبلة إذا سدل ثوبه لناحية المصلي هنالك، فيكون قد خالف نص الحديث، ولا يجوز الخروج عن النص على القبلة إلى المصلين إلا بنص أو دليل.
والاحتجاج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - غير صحيح لوجوه:
الجزء: 1 - الصفحة: 65
أحدها: أنه إذا نهى أمته عن شيء وفعله كان فعله مقصورا عليه، وكان الواجب على الناس امتثال ما أمروا به أو نهوا عنه من ذلك.
والثاني: أنه إذا ورد حديثان تعارضا، أحدهما نازلة في عين، والآخر مطلق لجميع الناس، وجب المصير إلى العام؛ لإمكان أن تكون لتلك النازلة علة أوجبت خروجها عن الأصل، وفعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك مرة كنازلة في عين.
والثالث: إذا كان مضمون أحد الحديثين يفتقر إلى توقيف والآخر لا يفتقر إلى ذلك وجب المصير إلى ما لا يفتقر إلى توقيف 276، وصفة جلوس الإنسان لا 277 تفتقر إلى توقيف ذلك، فالواجب الأخذ بما ورد من النهي في ذلك؛ لأنه نقل عن الأصل 278، وأوجب حكمًا.
والرابع: أنه إن كان فعله ذلك متقدمًا كان الحكم إلى الآخر، وإن كان متأخرًا فإنه يجب أن يبين لأمته - صلى الله عليه وسلم -.
والخامس: أنه لا يختلف أن مجرد النهي لا يقتضي موضعًا مخصوصًا ولا يجوز أن يحمل أنه خصه بمثل هذا بما فعله في بيته ليطّلع عليه في تلك الحال، والواجب أن ينزه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ولا يحسن أن ينسب مثل ذلك إلى أحدنا، فكيف بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
والسادس: أنه ترك أمته على ما نهاهم عنه، ولا علم عنده هل علم ذلك منه أحد أو لا؛ وفي مسند البزار قال علي - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ القِبْلَةِ فَذَكر فَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِجْلالًا لهَا لمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَغْفِرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 66
اللهُ لَهُ" 279.
وقال ابن القاسم في الجماع مستقبل القبلة: لا بأس به.
قال: لأن مالكًا لم ير بأسًا بالمراحيض في المدائن وإن كانت مستقبلة القبلة 280.
والجواب عن ذلك في المدائن والقرى؛ لأنه الغالب، والشأن في كون أهل الإنسان معه , وهذا إذا كانا منكشفين فيمنع في الصحاري، ويختلف في المدن.
وإن كانا مستترين جاز في الموضعين جميعًا.
وقال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلاَ يَتَجَرَّدْ تجرُّدَ العَيْرَيْنِ" 281.
الجزء: 1 - الصفحة: 67
باب في الاستنجاء والاستجمار
والاستنجاء من النجاسات: البول، والمذي 282، والودي 283، والغائط، ولا يستنجي من الريح، والقول: يُستنجى من هذه- توسعة ومجاز؛ لأن الاستنجاء إزالة النجو، والبول والودي ليس بنجو.
واختلف في زوال ذلك هل واجب أو سنة على الأصل في الاختلاف في أحوال 284 النجاسات، فمن صلى ولم يستنج ولم يستجمر أعاد أبدًا، على القول أن ذلك فرض، وما لم يذهب الوقت، على القول إنه سنة.
والاستنجاء يصح بشيئين: بالماء، والأحجار، فالماء لحديث أنس - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ الخَلاَءَ فَأَتْبَعُهُ بِإِدَاوَةٍ 285 مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ".
أخرجه البخاري ومسلم 286.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا 287 بِالمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُهُ" 288.
والأحجار لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "آتى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَخَذَ الحجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا رِجْسٌ" 289.
واختلف في الاستجمار مع وجود الماء فقيل: تجزئه صلاته 290، والاستحسان ألا يفعل.
قال مالك: وليغسل ما هنالك فيما يستقبل 291.
وقال عبد الملك بن حبيب: لا يجوز ذلك 292. وقد ترك الاستجمار ورجع الأمر والعمل إلى الماء، ولا نبيح الفتوى بذلك، ولسنا نجيز اليوم الأحجار إلا لمن لم يجد الماء، وقال مالك: ترك ذلك وجرى الأمر بخلافه 293. وهذا هو الحق؛ لأن الأحاديث بالاستجمار إنما نقلت 294 عما كان في السفر، وقد يكون ذلك لعدم الماء، والأصل في زوال النجاسات الماء، والصلاة أولى ما احتيط لها.
= الوضوء في صحيح, برقم (151)، ومسلم: 1/ 227، في باب الاستنجاء بالماء من التبرز، من كتاب الطهارة، برقم (271).
الجزء: 1 - الصفحة: 69
فصل [فيما يراعى في الاستجمار]
يراعى في الاستجمار وجهان: الصنف الذي يستجمر به، والعدد الذي يقتصر عليه.
والأشياء التي يستجمر بها في الجواز والمنع على خمسة أقسام:
فصنف يجوز الاستجمار به، وصنف يمنع الاستجمار به، واختلف في الإجزاء إذا نزل، وثلاثة مختلف فيها في الجواز وفي الإجزاء إذا نزل.
فالأول: الأرض على اختلاف أنو اعها من صخر أو مدر وكبريت وزرنيخ وغير ذلك.
فهذا يجوز الاستجمار به.
والثاني: ما كان استعماله في ذلك سرفًا، كالذهب والفضة والجوهر والياقوت، وما له حرمة كالطعام والملح فلا يستجمر به.
واختلف إذا نزل، فقيل: لمجزئ؛ لأن المراد زوال النجاسة وقد أزالها، وإن كان متعديًا فيما فعل به.
وقيل: لا تجزئه؛ لأن الصنف الذي أمر به غير ذلك.
والثالث: العود والخرق والفحم وما أشبه ذلك مما هو طاهر ولا حرمة له، ولا يتعلق به حق وليس من أنول الأرض، فروى ابن وهب عن مالك إجازته، ومنعه أصبغ وقال: إن فعل أعاد في الوقت.
يريد: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل الأحجار؛ ولأن للأرض تعلقًا بالطهارة وهو التيمم.
والرابع: ما كان طاهرًا وليست له حرمة ويتعلق به حق الغير، وهو العظم والبعر.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
والخامس: ما كان من النجاسة جامدًا روثًا أو غيره واختلف في ذلك عن 295 مالك، فروى ابن وهب عنه في سماعه أنه قال: ما سمعت فيه بنهي 296 عام، وقد سمعته هكذا ولا أرى به بأسًا 297 وكرهه في سماع ابن القاسم 298.
والقول في جواز ذلك بالعود والخرق أحسن؛ لأن المراد إزلة النجاسة، وما روي في الأحجار فلأنها أوجد وأيسر.
ولا يجوز بالروث لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - 299. ولا بالعظم والبعر 300 لحديث جابر - رضي الله عنه -: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يمْسَحَ بِهِمَا" 301، فإن فعل أجزأ؛ لأنه قد أنقى.
واختلف في العدد الذي يُكتفَى به، فقيل: إن أنقى بحجر واحد أجزأ، وقيل: لا يكتفى بدون ثلاثة آخرهن نقية 302.
وهو أحسن لحديث سلمان - رضي الله عنه - وفي بعض الأمهات أن جابرًا 303 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَسْتَنْجِي 304 أَحَدُكُمْ بِدُور ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" أخرجه مسلم 305.
ولأنه موضع غير مرئي، ويمكن أن تلقى يده أول مرة غير الموضع الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 71
فيه الأذى.
وإنما اقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على حجرين 306 لعدم الثالث، وهذه ضرورة.
ويمكن أن يكون استعمل من أحد الحجرين رأسيها، وإذا لم يقع الإنقاء إلا بأربع تمادى إلى خمس، وإن أنقى بستة تمادى إلى سبع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" 307.
الجزء: 1 - الصفحة: 72
باب في الأسباب التي تنقض الطهارة
ينقض الطهارة الصغرى ثلاثة:
أحدها: ما يخرج من أحد السبيلين، كالبول، والمذي، والودي، والربح، والغائط 308.
والثاني: النوم وما في معناه مما يذهب العقل، كالجنون، والإغماء 309، والسكر.
والثالث: اللذة إذا قارنها مس من قبلة أو ملامسة أو مباشرة, أو مس ذكر.
والأصل في الغائط قول الله -عز وجل-: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6].
وفي الريح حديث عباد 310 بن تميم عن عمه قال: شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لاَ يَنْفَتِلْ -أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ- حَتَى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" 311.
وفي المذي حديث المقداد - رضي الله عنه - سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يدنو من امرأته
الجزء: 1 - الصفحة: 73
فيمذي، قال: "مِنْهُ الوُضُوءُ" (1). أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة.
يريد أنه فرض بالسنة بما تلقته الأمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينزل فيه قرآن يتلى.
وقيل: هو فرض بالقرآن وداخل في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]؛ لأن من ذهب إلى الغائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- تكون منه هذه الأحداث الثلاثة.
وهذا غير صحيح لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والربح، وإذا كان ذلك كان الصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هنالك.
والثاني: أن هذين لم تسمهما العرب الغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما، ولذلك سموه نجوًا؛ لأنهم كانوا يستترون لذلك بالنجوة، وهو المكان المرتفع من الأرض، ولم يسموا البول والريح نجوًا.
والثالث: أنه إذا كان الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض إنما يقصد لغير البول والربح، كان المقصود بالآية ما كان يؤتى ذلك المكان له، وإن كان يكون في خلال ذلك غيره.
فصل الخلاف في الوضوء من مسِّ الذَّكَر
اختلفت الأحاديث في الوضوء من مس الذكر، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" 313، وروي عنه أنه سُئل عن الرجلِ312
الجزء: 1 - الصفحة: 74
يَمَس ذكره في الصلاة فقال: "وَهَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ " 314.
واختلف عن 315 مالك في ذلك، فأخذ مرة بالحديث الأول وقال: منه الوضوء 316، ومرة بالحديث الآخر 317. وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة 318.
واختلف فيه عن ابن القاسم أيضًا فقال: منه الوضوء، وروى عنه سحنون أنه قال: إعادة الوضوء منه ضعيف 319.
واختلف -بعد القول إن منه الوضوء- في صفة المس الذي يكون منه الوضوء، فالمتفق عليه من ذلك إذا مسه بباطن الكف من غير حائل ذاكرًا غير ناس ووجد اللذة.
واختلف إذا مسه بباطن الأصابع من غير حائل، أو بباطن الكف بحائل ثوب = (89)، والنسائي في المجتبى: 1/ 100، في باب الوضوء من مس الذكر، من كتاب الطهارة, برقم (163)، وابن حبان: 3/ 396، في باب نواقض الوضوء، من كتاب الطهارة في صحيحه، برقم (1112).
الجزء: 1 - الصفحة: 75
أو غيره 320 ناسيًا أو عامدًا ولم يجد لذة، أو بظهر اليد أو الذراع ووجد اللذة.
فقال ابن القاسم في "المدونة": باطن الأصابع كباطن الكف 321. وقال أشهب في سماعه عن مالك: سئل مالك إذا مسّه بباطن الأصابع فقال: الذي يأخذ بنفسي 322 إذا مسّه بباطن الكف.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا مسّه على غلالة خفيفة فلا وضوء 323.
وقال في مس ذكره في غسله من الجنابة: يعيد وضوءه 324. وروى عنه ابن وهب أنه إذا مسه ناسيًا فلا شيء عليه 325، ويختلف إذا كان عامدًا ولم يجد اللذة قياسًا على من لامس امرأته ولم يجد اللذة، وقال: إذا مسه بظهر الكف أو الذراع فلا شيء عليه، وقيل: عليه الوضوء إذا وجد اللذة؛ قياسًا على ملامسة النساء.
وهو أقيس؛ لأنه متى وجد اللذة كان عليه الوضوء، وإن كان ناسيًا أو عن حائل أو بظهر الكف، وإن لم يجد اللذة فلا شيء عليه على أي وجه كان مسه.
واختلف إذا صلى ولم يعد الوضوء، فقال مالك في "المجموعة": لا أوجب الإعادة.
فروجع فقال: إن كان في الوقت وإلا فلا 326.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
وهذا مثل قوله: الوضوء منه حسن وليس بسنة 327.
وقال ابن القاسم: لا يعيد في وقت ولا غيره 328. وهذا مثل قوله قبل: إن إعادة الوضوء منه ضعيف.
وقال ابن نافع: يعيد في الوقت وبعده.
وقال ابن حبيب: إن كان عامدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت 329.
وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبّل للذة: يعيد وإن خرج الوقت، وإن طال وجاوز اليومين والثلاثة فلا إعادة عليه 330.
واختلف في مس المرأة فرجها، فقال مالك: لا وضوء عليها 331. وإنما سمعت في مس الرجل ذكره.
وروى عنه ابن أبي أويس 332: أن عليها الوضوء إذا ألطفت 333.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
قال الشيخ -رحمه الله-: أما مس الظاهر منه فلا شيء عليها فيه، وهو كالعانة للرجل، وإن مست موضعًا تجد منه اللذة أو وجدتها توضأت، وإلا فلا شيء عليها.
فصل في أقسام النوم الأربعة
النوم أربعة: خفيف قريب لا وضوء 334 فيه، وخفيف طويل يستحب الوضوء منه, وثقيل طويل يجب الوضوء منه، وثقيل قريب اختلف فيه، فقيل: لا ينقض الطهارة؛ لأن النوم ليس بحدث، وإنما هو سبب له، والغالب في القرب السلامة من ذلك، وذكر أبو الفرج عن ابن القاسم أنه قال: هو حدث.
قال أبو الفرج: وهذا الصواب؛ قياسًا على المغمى عليه؛ إذْ لم يشترطوا فيه تصرف أحواله.
وهو قول أبي هريرة: "مَنِ اسْتَحَقَّ نَوْمًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ" 335.
وقاله ربيعة 336 وابن أبي سلمة 337.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
فأما على القول إنه سبب للحدث فإنه تراعى 338 الحالة التي كان عليها النوم، وهي ثمانية: قائم، وراكع، وساجد، وجالس غير مستند، ومستند 339 ومحتبٍ، ومضطجع، وراكب.
فقال ابن حبيب: إن كان قائمًا أو راكبًا أو راكعًا أو جالسًا غير مستند، كان على طهارته؛ لأن القائم والراكب والراكع لا يثبتون 340.
وإن كان ساجدًا أو جالسًا مستندًا أو مضطجعًا، فعليه الوضوء إذا خالط النوم قلبه وذهب عقله ولم يدر ما فعل.
وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار: من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا فعليه الوضوء 341. وسوّى بين هذه الوجوه؛ وهذا يصح على القول 342 أن النوم حدث؛ لأن القائم 343 لا يصح منه اجتماع الاستثقال والطول، وليس الغالب أيضًا في تلك الحالة تصرف ذلك وخروجه.
وللمحتبي ثلاث حالات: فإن استيقظ وحبوته بحالها فهو على طهارته، وذلك دليل على أنه لم تستغرقه آفة النوم.
فإن استيقظ لانحلالها كان على أحد القولين: أن النوم حدث في نفسه- تنتقض طهارته، وعلى القول الآخر: هو على طهارته, وكذلك إذا انحلت ولم يشعر ولم يطل، فإن طال وكان مستندًا انتقضت طهارته.
ومثله إذا كانت بيده مروحة، فإن لم تسقط من يده كان على طهارته، بن استيقظ لسقوطها كان على
الجزء: 1 - الصفحة: 79
القولين، إلا أن يطول وهو غير مستند.
الخلاف في الإغماء والجنون
ويختلف في المغمى عليه والمجنون، فقال مالك: عليه الوضوء.
وقال ابن القاسم: لو خنق قائمًا أو قاعدًا كان عليه الوضوء (1). وهذا موافق لما ذكر عنه أولًا أن النوم حدث.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الجنون والإغماء: إنها أسباب للحدث (2).
فعلى هذا لا يجب على من خنق قائمًا وضوء، وكذلك إذا خنق قاعدًا بحضرة قوم ولم يظهر لهم منه شيء.
وفي سماع ابن وهب: قال مالك في الرجل يصاب حتى يذهب عقله هو بمنزلة النائم لا يدري ما هو فيه، فعليه الوضوء.
وفي كتاب مسلم: قال أنس: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" (3).
وفي هذا بيان أنهم لم يكونوا يرون أن النوم حدث في نفسه.
فصل رفض الأفعال والخلاف في الرِّدة والمتكرر من الحدث
وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن تصنع للنوم ثم لم ينم:344345346
الجزء: 1 - الصفحة: 80
إنه يتوضأ.
وقال أيضًا في كتاب آخر فيمن كان في سفر فقدم سفرته ليفطر، ثم علم أنه لا ماء معه فلم يفطر: أستحب له القضاء 347.
ولا أرى على أحد من هذين شيئًا، لأن هذا إنما نوى أن يفطر بالأكل فلم يفعل، وأراد الآخر أن ينقض طهارته بالنوم فلم ينم، ولو وجب انتقاض الطهارة لهذا لوجب على من أراد أن يصيب أهله فلم يفعل الغسل.
ورفض الأفعال على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يرفض ذلك العمل وهو فيه لم يتمه.
والثاني: أن يرفضه بعد تمامه ولم يبق فيه حق يتعلق به.
والثالث: أن يتعلق به حق في المستقبل.
فإن كان في صلاة أو في صوم ونوى رفضه ثم أتمّه ليس على القربة لله سبحانه لم يجزه، وإن أتمّه على نيّة القربة لله إلا أنّه قال: أجعل ذلك تطوعًا، ثم أقضيه وكان في إحدى الصلوات الخمس، أجزأه ويقضيه استحسانًا.
وإن نوى رفض ذلك بعد الفراغ منه، كان فيه قولان: وجوب القضاء، ونفيه.
والقياس أنه لا يرتفض على أحد أمرين: إما أن يريد رفض العمل الماضي أو رفض ثوابه، فإن أراد رفض نفس العمل لم يصح؛ لأن ذلك مما يستحيل رفضه بعد انقضائه، وإن أراد رفض ثوابه كان الأمر فيه إلى الله سبحانه إن شاء أثبت له ثوابه وإن شاء لم يثبته.
وسقوط الثواب لا يوجب عليه قضاءً؛ لأن القضاء فرض ثان يحتاج إلى أمر ثان.
الجزء: 1 - الصفحة: 81
والثالث: الوضوء ينوي رفضه بعد تمامه، فهو في معنى الصلاة؛ لأنه فعل مضى ومخالف لها؛ لأنه قد بقي عليه أن يؤدي به طاعة.
وقد اختلف فيه أيضًا هل يرتفض أو لا؟ والرفض ها هنا أشكل من الصلاة؛ لأن له أن يخرج منه بالحدث، وإذا كان ذلك ونوى أنه يبقى على غير (1) تلك القربة استحب له أن يستأنف الوضوء، ويختلف على هذا إذا نوى رفض اغتساله من الجنابة، هل يجب عليه أن يستأنف؟ واختلف في الارتداد هل ينقض الطهارة.
فصل غَسْل الذَّكَر من المذى
وقال مالك في المذي إذا كان من سلس من إبردة 349 أو ما أشبه ذلك قد استنكحه 350 ودام به، فلا وضوء عليه، وإن كان من طول عزبة إذا تذكر خرج منه، أو كان إنما يجده المرة بعد المرة، فإنه يغسل ما به ثم يعيد الوضوء 351.
فأوجب الوضوء إذا كان من عزبة أو من غير عزبة ولم يتكرر، وأسقط الوضوء منه إذا تكرر.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: من سلس مذيه لطول عزبة 352 يمكنه رفعها348
الجزء: 1 - الصفحة: 82
بتسرٍّ أو النكاح فعليه الوضوء لكل صلاة 353.
والصواب أن يتوضأ لكل صلاة وإن لم يمكنه رفعها؛ لأن خروج ذلك على وجه المعتاد ينقض الطهارة قولًا واحدًا.
ويجب الوضوء من الأحداث الثلاثة: البول، والربح، والغائط إذا كان خروجه على إرادة أو غلبة من غير إرادة ولم يتكرر.
واختلف عن مالك إذا تكرر على ثلاثة أقوال:
فقال مرة: لا وضوء عليه.
وقال أيضًا: لا شيء عليه إذ كان في زمن يشتد عليه الوضوء فيه.
وقال أيضًا في سلس البول 354: يتوضأ لكل صلاة، وإن كان الشتاء واشتد عليه الوضوء، وقرن بين الصلاتين، لم أر بذلك بأسًا 355.
وهذا هو الصواب لأنه منتقض الطهارة في جميع هذه الوجوه، فإن كان في زمن لا يشتد عليه فيه 356 الوضوء كان على الأصل في وجوب الطهارة.
ويختلف فيه إذا كان في زمن يشق 357 ذلك عليه، هل تكلفه الطهارة حينئذ حرج فتسقط عنه، أو لا حرج فيه؟
وقول مالك: إنه يجمع بين الصلاتين فيصلي الظهر والعصر في آخر وقتهما، والمغرب والعشاء في أول وقتهما حسن، فيكون قد أدى الصلاة بطهارة، ولا حرج في ذلك ولا ضرورة تدعو إلى إيقاع الصلاة في غير هذين
الجزء: 1 - الصفحة: 83
الوقتين، ويختلف إذا لم يجمعا قياسًا على المستحاضة.
وكذلك الجواب فيمن تكرر منه المذي، إلا أن يكون لا تسلم لواحد منهما صلاة بطهارة.
وقد سئلت عن رجل إن توضأ لم تسلم له صلاة حتى تنتقض طهارته، وإن تيمم لم يحدث به شيء حتى تتم صلاته، فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى.
واختلف في خروج الدم أو الدود من المخرجين، فقال مالك في "المدونة" في الدود 358: إنه لا ينقض الوضوء 359. وقال ابن نافع: إلا أن يخرج بأذى 360.
وقال مالك في "المجموعة" مثل ذلك في الدم: لا وضوء عليه 361.
وقال ابن القاسم 362 في الحصاة تخرج من الإحليل: لا وضوء عليه 363. إلا أن يخرج بإثر ذلك بول.
وقال محمد بن عبد الحكم 364 فيمن خرج من دبره دم صاف أو دود نقي: فيه الوضوء 365. فأوجب الوضوء من الدود لأنه كالميتة في حكم النجس، ولأنها تخرج بِبِلّة، وكذلك الحصاة تخرج ببلّة أيضًا.
واختلف في المستحاضة فقال مالك: لا وضوء عليها.
وقال أيضًا: أحب
الجزء: 1 - الصفحة: 84
إليَّ أن تتوضأ لكل صلاة 366.
وقال في كتاب محمد: إذا جمعت الصلاتين بوضوء واحد تعيد الآخرة في الوقت 367.
والقول بوجوب الوضوء أحسن، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله عنها -: كانت تستحاض فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ"، ثم أمرها أن تتوضأ لكل صلاة.
ذكره الترمذي 368.
وهو حديث صحيح فيه فائدتان:
إحداهما: أن الدم إذا خرج من الذكر أو الدبر ينقض الطهارة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه عرق وليس بحيضة 369، وأوجب منه الوضوء ولم يوجب منه الغسل، وإذا لم يكن حيضٌ فلا فرق بين خروج ذلك من فرجها أو من دبرها، أو من مثل ذلك من الرجل.
والأخرى: أن تَكرّر 370 ما ينقض الطهارة لا يوجب بقاء الإنسان على طهارته؛ لأن الاستحاضة مما تتكرر.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
فصل [في قدر ما يغسل من المذي]
واختلف فيما يجب غسله من المذي، فقيل: زوال الأذى فقط.
وقيل: جميع الذكر 371. وهذا غلط، وقد قال مالك في "المدونة" في المذي إذا كان يخرج منه المرة بعد المرة: ينصرف فيغسل ما به ثم يعيد الصلاة 372.
فلم يجعل عليه سوى إزالة النجاسة.
وقد قال البغداديون: معنى قول مالك: "المذي أشد من الودي " إنه 373 لا يستجمر منه، ولا يجزئ منه إلا الماء؛ لأنه لا يتكرر كالبول.
وقيل في غسل الأنثيين 374: إن ذلك لتنقطع عنه مادة المذي.
وقال ابن مسلمة: النضح 375 لمن خشي أن يشككه ذلك بعد الوضوء فينضح لينقطع الشك عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
فصل في المباشرة والملامسة [والقبلة]
المباشرة والملامسة والقبلة على خمسة أوجه 376:
فإن قصد اللذة ووجدها توضأ، وكذلك إذا كان ذلك عن غير قصد ووجد اللذة، وإن قصد اللذة ولم يجدها، أو لم يقصد ولم يجد لم يتوضأ، وفي هذين اختلاف.
واختلف أيضًا إذا وجد اللذة على حائل ثوب أو غيره، فقال مالك في "المجموعة": ليس في قبلة أحد الزوجين للآخر بغير شهوة وضوء في مرض أو غيره.
وقال أيضًا فيمن قبّلته زوجته وهو يدفعها عن نفسه ويكره ذلك، ولم يجد اللذة فعليه الوضوء 377.
وقال أيضًا في قبلة أحد الزوجين الآخر على الفم لشهوة: عليها الوضوء، وكذلك أيضًا إذا أكرهها على الفم لشهوة, وإن قبلها على غير الفم لشهوة فلا وضوء عليها، ولا فرق بين الموضعين الفم وغيره إذا لم تكن لذة, والوضوء موكول 378 إلى أمانة الإنسان، فمن علم من نفسه أنه لم يلتذ فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
وقال ابن القاسم في كتاب محمد 379 في مريض ناقه لا يجد اللذة للنساء ولا ينشط، فأراد أن يجرب نفسه، فوضع يده على امرأته ينظر هل يتحرك منه شيء فلم يجد لذة، فإنه يتوضأ لأنه للذة وضعها 380. وهذا يصح على القول أن الوضوء ينتقض بالنية؛ لأنه نوى نقض الطهارة.
وقد اختلف في ذلك، والصواب في هذا أن يبقَى على طهارته؛ لأنه إنما نوى اختبار شيء هل يكون أو لا، فليس كالعازم على رفض الطهارة جملة، وأرى ألا تنتقض الطهارة مع عدم اللذة لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهَا.
قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" 381.
وفي الترمذي: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "رُبَّما اغْتَسَلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الجنَابَةِ ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ" 382.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
والحكم في اللمس والمباشرة على مثل ذلك، إن وُجدت اللذة توضأ وإن عُدمت فلا وضوء عليه (1).
وقال مالك في "المدونة": إذا مس امرأته من فوق الثوب للذة فعليه الوضوء (2)، وروي عنه أنه قال: إن كان خفيفًا فعليه الوضوء كان كثيفًا لا يصل جسّه إلى جسمها فلا شيء عليه (3).
وهذا أحسن إذا كان مرور اليدين، فأما إذا ضمها، فالكثيف وغيره سواء.
وقال في "المدونة" في المرأة تمس ذكر الرجل (4) فعليها الوضوء إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه فلا شيء عليها (5).
وقال فيمن يمس شعر امرأته تلذذًا فعليه الوضوء، إلا أن يكون ذلك لمرض أو نحوه (6) فلا شيء عليه، وقال أيضًا: ما علمت من يمس شعر زوجته تلذذًا (7).
فصل في الإنعاظ
واختلف في الإنعاظ إذا لم يكن معه مسيس، فقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي.383384385386387388389 = باب في الجنب يستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل، من كتاب الطهارة وسننها، برقم (580) قال القاري: سنده حسن.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
وقيل: عليه الوضوء؛ لأنه لا ينكسر إلا عن مذي.
وهذا مع عدم الاختيار.
وأرى أن يحمل على عادته، فإن كان شأنه أنه لا يمذي عن ذلك كان على طهارته، وإن كانت عادته 390 أنه يمذي توضأ، وإن اختلفت عادته توضأ أيضا، وإن اختبر ذلك بالحضرة أو بعد التراخي فلم يجد شيئًا كان على طهارته.
وإن أنعظ 391 وهو في الصلاة وكانت عادته أنه لا يمذي مضى عليها، وإن كان ممن يمذي قطع، إلا أن يكون ذلك الإنعاظ ليس بالبين ولا يخشى من مثله المذي وإن كان شأنه المذي بعد زوال الإنعاظ ولا يخشى ذلك قبل أن يتم الصلاة 392 فإنه يتمها، إلا أن يتبين له أن ذلك كان قبل أن يتم الصلاة 393 فيقضي الصلاة، ولو شك، فيختلف هل تجزئه الصلاة أم لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 90
باب في الشك في الوضوء والصلاة
الشك في الوضوء على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشك هل توضأ أو لا؟
والثاني: أن يشك في بعض وضوئه.
والثالث: أن يكون كامل الطهارة ثم يشك هل حدث ما ينقضها أم لا.
فإن شك هل توضأ أم لا - كان عليه أن يتوضأ إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه، فإن كان ممن يتكرر عليه نظر، فإن كان عنده في الأول أنه لم يتوضأ وجب عليه الوضوء، وإن كان عنده في الأول أنه على طهارة 394 ثم شك لم يكن عليه شيء 395.
وإن شك في بعض وضوئه وكان ذلك بحدثانه، فإن كان بذلك العضو بلل كان دليلًا على أنه غسله، وإن لم يكن به بلل غسله، وإن طال ذلك مما يجف فيه لو كان غسله, فإن عليه غسله، إلا أن يكون ممن يتكرر ذلك عليه.
وإن كان على طهارته وشك هل حدث ما ينقضها، فإن كان ممن يتكرر ذلك عليه لم يكن عليه شيء.
واختلف إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه على خمسة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يتوضأ.
قال: وهو بمنزلة من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا 396.
الجزء: 1 - الصفحة: 91
وعلى هذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأن من شك في الرابعة يجب عليه أن يأتي بها.
وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ 397.
قال: وروي عنه أنه قال: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع.
وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك.
قال: وروي عنه أنه قال: يقطع وإن كان في صلاة 398. وقال ابن حبيب.
إن خيل إليه 399 أن ريحًا خرجت منه فلا يتوضأ إلا أن يوقن به، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه.
قال: بخلاف من شك هل 400 بال أو أحدث؟ فإنه يعيد الوضوء 401.
فأما على القول إن الوضوء واجب فلا فرق بين أن يكون شك وهو في الصلاة أم لا، فإنه يقطع 402، واختلف على القول إن الوضوء استحسان، فقيل: يستحسن ألا يصلى به.
وإن شك وهو في الصلاة إنما يستحب له أن يقطع؛ لأن الشك إنما هو عن شيء تقدم قبل الدخول في الصلاة، وقيل: لا يدخل في الصلاة به، فإن فعل أو شك وهو في الصلاة لم يقطع؛ لأنها صلاة جائزة؛ فيكون قد أبطل عملًا
الجزء: 1 - الصفحة: 92
صحيحًا، وهذا في أحد الحدثين البول والغائط.
والشك في الريح على وجهين:
فإن شك هل كان ذلك منه فنسيه أم لا، عاد الجواب فيه إلى ما تقدم من الشك في غيره، وإن شك في شيء أحسه هل ذلك ريح أم لا، أيكن عليه شيء، سواء وجد ذلك وهو في صلاة أو قبل، ويجوز له أن يبتدئ الصلاة به.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب 403؛ لأن الشكين ليسا سواء 404، فليس من شك هل كان ذلك فنسيه مثل من هو مجتمع الحس والذكر، ولا يدري هل كان أو لا 405؟
وقيل: هو مثل الأول؛ لأن كل ذلك منه شك.
وإن كان هذا أضعف.
واستشهد من نفى الوضوء منه بحديث عباد بن تميم - رضي الله عنه - وقد تقدم 406، وبحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ أَمْ لاَ، فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" أخرجه مسلم 407.
وقال أيضًا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجدِ فَوَجَدَ رِيحًا بينَ أَلْيَتَيْهِ، فَلاَ يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" ذكره الترمذي وقال: حديث صحيح 408.
الجزء: 1 - الصفحة: 93
وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن الشيطان هو يفيش 409 بين أليتي أحدكم.
وقال الليث: أغفل أبو هريرة واحدة تخرج لا ريح لها ولا صوت 410. وقد صدق الليث، إلا أن الأول أولى 411؛ لأن الغالب الوجه الآخر أنه يكون الصوت أو الريح، وللحديث، ولِمَا ذكر أن الشيطان يُدخل على الإنسان الشك بمثل ذلك.
فإن شك في الصلاة هل صلى أم لا؟، وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة ما لم يتكرر ذلك عليه، فإن تكرر، وكان يسبق إليه أنه لم يصلِّ وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة أيضًا، وإن كان يسبق إليه أنه قد صلاها ثم دخله شك وتكرر ذلك عليه، لم يكن عليه شيء.
ومثله إذا شك في الرابعة فإن عليه أن يأتي بها إذا لم يتكرر ذلك عليه أو تكرر وكان الأول عنده أنها ثالثة.
وإن كان الأول عنده 412 أنها رابعة ثم شك لم يكن عليه شيء.
واختلف إذا سلم وهو على شك ثم استيقن أنها رابعة- فقال ابن حبيب: تجزئه الصلاة، وقال سحنون: أفسد على نفسه 413. = أبواب الطهارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم (75)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 94
باب في تنكيس الوضوء وموالاته القدر الذي يكتفي به من الماء
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ على نحو ما وردت به التلاوة في القرآن" 414.
واختلف في فعله هل هو على وجه الاستحباب أو سنة لا ينبغي تركها أو واجب؟ فإن لم يفعل ونكس هل يجزئه أو لا 415، فقال مالك في "المدونة": صلاته مجزئة.
قيل: أفيعيد الوضوء؟ قال: ذلك أحب إلي 416.
فجعله استحبابًا.
وقال أبو جعفر الأبهري عنه: إن الترتيب سنة.
وروى عنه علي بن زياد مثل ذلك أنه قال: يستأنف الوضوء والصلاة.
ثم قال: لا يعيد الصلاة وإن كان في الوقت.
وقال أبو مصعب: إن صلى به صلوات ابتدأ الوضوء ولاءً على كتاب الله، وأعاد الصلوات 417 كلها.
فجعل الترتيب فرضًا لأن الصلوات لا تكون إلا من وقتين، فتضمن قوله: "أعاد" إعادة الصلاة بعد خروج الوقت، والإعادة بعد خروج الوقت تكون لإسقاط الواجب.
وقال محمد بن مسلمة: إذا غسل يديه ثم رجليه ثم وجهه فإنه يغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه حتى يكون على نسق القرآن، وكما جاء عن
الجزء: 1 - الصفحة: 95
النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن طال ذلك استأنف الوضوء كله، قال: وهو بمنزلة من غسل وجهه بداية ثم ذهب حتى طال فليس له أن يبني.
فجعل كل ما قدمه على الوجه كأنه لم يفعله، ورأى أن الترتيب واجب.
والقول الأول أبين؛ لأن التلاوة في الأمر بالوضوء لم تأت على صفة توجب الترتيب، ألا ترى أنه لو نزل بعد ذلك آية أخرى بالأمر ببداية اليدين على الوجه أو الرجلين لم تكن نسخًا، بل يحمل على البيان الأول، ويحمل فعله - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون على وجه الاستحباب والابتداء بما بدأ الله -عز وجل- به، فلا يتعلق فرض بمحتمل.
وكذلك الصفا 418 لم تكن البداية بها بمجرد التلاوة، ولا بمجرد فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ لاحتماله أن يكون على وجه الاستحباب، وإنما رجع في ذلك إلى الإجماع، وليس تبدئة الركوع على السجود من هذا الباب في شيء؛ لأن الأمر بالصلاة ورد مجملًا بقوله -عز وجل-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 83].
فهو مجمل لا يعلم بمجرد التلاوة، كيف يقيمها ولا ما 419 يتضمن ذلك الأمر، وكانت الصفة التي فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب؛ لأنها من باب بيان المجمل إلا ما قام الدليل عليه أنه غير واجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 96
فصل [في الموالاة في الطهارة من الحدثين وما يعرض لها]
وينبغي موالاة الوضوء والغسل، فإن غُلب على ذلك بعد أن أَخذ من الماء قدر ما يكفيه، ثم غُصبه أو أُهراق له، جاز أن يبنأنه على ما مضى منه وإن بعد طلبه للماء.
واختُلف إذا فرّقه متعمدًا أو ناسيًا على أربعة أقوال، فقال مالك وابن القاسم: إن فرقه ناسيًا أجزأه، وإن تعمد فرقه لم يجزئه 420.
وقال ابن وهب: لا يجزئه ناسيًا كان أو متعمدًا.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه في الوجهين جميعًا في العمد والنسيان.
ولمالك عند ابن حبيب قول رابع: أنه إن فرق ناسيًا لم يجزئه في المغسول ويجزئه في الممسوح.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - "أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالسُّوقِ إِلاَّ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى جَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا" 421.
وفي سماع ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل مسح على خفيه ثم نزعهما وأقام طويلًا: يستأنف الوضوء أحب إلي، فإن غسل رجليه رجوت أن يجزئه 422.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
وكلا هذين القولين موافق لما ذهب إليه محمد بن عبد الحكم، وقد قيل: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنه كانت في رجليه علة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه كان يغسل رجليه، فإن كان له عذر ولم يجد من يغسلهما له لم يجز أن يبتدئ الوضوء إلا في الوقت الذي يتيسر له فيه غسل رجليه؛ إذ البداءة بالوضوء قبل ذلك غير مفيد؛ إذ كان لا يستبيح الصلاة إلا بعد تمامه، مع كونه يعلم 423 أن ذلك لا يتعذر عليه في السوق، وظاهر القرآن 424 يقتضي الموالاة لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، فكان ذلك لحق الصلاة إذا قام إليها؛ لأنه لا يصح أن يصلي ببعض الطهارة.
فأما إذا رأى 425 أن يتوضأ قبل دخول الوقت أو بعده ولا يتلبس بالصلاة حينئذ، فأتى به متفرقًا فإنه يجزئه، لأنه داخل في امتثال ما أمر المصلي به أنه لا يصلي إلا بطهارة في أعضاء وقد فعل.
فأما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في مرة واحدة؛ فإن الإتيان به في مرة أسهل على المتوضئ والمغتسل من تفرقته، وهذا موجود في النفوس أنه متى شرع الإنسان في الغسل وفي الوضوء لا يجب 426 ترك بعضه ليأتي به في زمن آخر، ولو كان الفرض من الله سبحانه أن يؤتى به متفرقًا لكان ذلك أشق من الإتيان به في مرة واحدة 427، وهو في زمن البرد أشد، وهو في الغسل إذا فرقه أعظم مشقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 98
فصل [في القصد في استعمال الماء في الطهارة وغيرها]
ويستحب القصد في الماء في الوضوء والغسل ويكره السرف في ذلك، وفي مسلم "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُغَسّلُهُ الصَّاعُ وُيوَضِّئُهُ المُدُّ"، وفي البخاري مثل ذلك 428.
وقال مالك في "المجموعة": رأيت عياش بن عبد الله بن معبد -وكان فاضلًا- يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه، فأعجب مالكا ذلك 429.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، فسمعته يقول: "قطرًا قطرًا" إنكارًا لذلك 430.
قال مالك: وكان ربيعة أسرع الناس لبثًا في الوضوء والبول، وقال ابن حبيب: كان ابن هرمز بطيء الوضوء بطيء التنظف من البول 431.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: الناس في الاستبراء من البول مختلفون، وليس الرجل المرطوب كغيره, فمن كان يعدم من نفسه أنه بنفس الفراغ تنقطع مادته لم يكن عليه غير ذلك، ومن كان لا تنقطع عنه بفور ذلك فعليه أن يستبرئ نفسه.
ومن كانت عادته أنه يمسك عنه فإذا قام نزل ذلك منه، فذلك عليه أن يقوم ثم يعود ويستبرئ، فإن لم يفعل ذلك وخرج منه شيء بعد الوضوء استأنف.
الجزء: 1 - الصفحة: 99
باب في غسل القيء والمحاجم والقرح ينفجر في الصلاة والصلاة في الخفين والنعلين تكون فيهما النجاسة وفي درع المرأة تصيبه النجاسة
قال مالك: القيء قيآن: فما يخرج بمنزلة الطعام فليس بنجس، وما تغيّر عن حال الطعام فإنه يغسل 432. يريد إذا تغير إلى أحد أوصاف النجاسة التي تنقض الطهارة.
وقيل: لا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من الموضع المعتاد.
والقياس أن يعيد الوضوء؛ لأن انتقاض الطهارة إنما كان لأجل خروج تلك النجاسة ليس لأجل ذلك الموضع.
ولو جرح رجل جائفة 433 وكان يخرج منها إحدى النجاستين لكان عليه الوضوء إذا صار خروجه على وجه المعتاد قبل ذلك، وإن تكرر على غير العادة عاد الجواب فيه إلى ما تقدم في سلس البول.
قال مالك: ويغسل موضع المحاجم ولا يجزئه المسح.
ومن مسح ذلك ولم يغسله ثم صلى أعاد في الوقت 434.
وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه، وما روي عن سعيد بن المسيب في فتل الدم بين الأصابع أكثر من هذا 435.
قال: ولا شيء على من بصق دمًا في الصلاة ما لم يتفاحش كثرته.
فراعى
الجزء: 1 - الصفحة: 100
قدر النجاسة لا قدر موضعها؛ لأن ما يبقى في موضع المحاجم بعد المسح لو كان مجتمعًا- يسير، وراعى مالك الموضع النجس لأنه كثير، وظاهر قوله في الإعادة في الوقت أن ذلك وإن كان متعمدًا، وهذا مراعاة للخلاف.
واختلف إذا بولغ في مسح موضع النجاسة (1) فلم يبق منها شيء، أو غسل بشيء من المائعات هل يطهر الموضع أولا؟
وأن يطهر أحسن؛ لأن النهي ألا يتقرب إلى الله -عز وجل- وعليه نجاسة، وهذا لا نجاسة عليه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في الدم يصيب السيف: يجزئه مسحه؛ لأنه صقيل لا تتخلله نجاسة، ولأن به ضرورة إلى ذلك، لأنه متى غسل فسد (2).
فراعى زوال عين النجاسة، وهذا هو الصحيح.
وكذلك الفم يطرح منه الدم ثم يطرح معه بصاقًا نقيًا، فإن الريق يطهره على أحد القولين.
فصل [فيمن كانت به قرحة فنكأها]
وقال مالك فيمن كانت به قرحة فنكأها 438 وهو في الصلاة فسال منها دم: إن كان يسيرًا فتله ويمضى في صلاته، وإن كان كثيرًا قطع 439. قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: ولو سال بنفسه وكان بحضرته ماء فغسله436437
الجزء: 1 - الصفحة: 101
جاز له أن يتمادى في صلاته؛ قياسًا على أحد قولي مالك فيمن تبين له أن في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة؟ أن له أن ينزعه ويتمادى في الصلاة 440.
وبيان ذلك يأتي فيما بعد.
وقال مالك في معنى الحديث في الدرع: "يُطَهِّر مَا بَعْدَهُ" 441: ذلك في القشب اليابس.
يريد أنه يمر على غيره فيذهب ما يتعلق به من النجاسة 442. وقيل: ذلك في الرطب؛ لأن الذيل للمرأة كالخف للرجل؛ لأن المرأة ندبت إلى أن ترخي ذيلها شبرًا، فيصير ذلك مما تدعو الضرورة إليه.
وقد اختلف قول مالك فيمن وطئ بالخف على أرواث الدواب، فقال مرة 443: يغسله.
ثم قال: يدلكه 444.
فأجاب في الأول بالغسل على الأصل في النجاسات أنها تزال بالماء، ثم رأى أن ذلك مما يتكرر فيصير ضرورة فيجزئه الدلك كالاستجمار في غير ذلك، وكذلك ذيل المرأة، وإذا كان تصرف الرجل والمرأة على الأرض الطاهرة في الغالب ولا يصيبها 445 ذلك إلا نادرًا، لم يجزئها في الرطب إلا الغسل.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
واختلف في النعلين يطأ بهما على ما يكون من أرواث الدواب، فقال مالك: يدلكهما ويصلي فيهما.
وقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك لخفة نزعهما، وهذا أبين.
وقال مالك فيمن وطئ على دم أو عذرة 446 بخفيه: لم يصل فيهما حتى يغسلهما 447.
يريد لأن كون ذلك في الطرق نادر، ومن مشى حافيًا فأصاب رجليه شيء مما يكون من الدواب مسحهما وصلى على أحد قولي مالك في النعلين، وأرى ألا يجزئه إلا الغسل، إلا أن يكون فقيرًا يشق عليه شراء ما يصون به رجليه من ذلك.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في مسافر على طهارة، وكان مسح على خفيه فوطئ بخفيه على نجاسة ولا ماء معه: أنه ينزعهما ويتيمم ويصلي؛ لأنه أُرخص في الصلاة بالتيمم، ولم يرخص في الصلاة بالنجاسة.
وقال مالك في سماع أشهب فيمن توضأ ثم وطئ على المكان القذر الجاف: لا بأس بذلك؛ قد وسع الله على هذه الأمة، ثم تلا: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] 448.
وقال أبو بكر بن اللباد 449: ذلك إذا مشى بعد ذلك على أرض طاهرة؛ لما
الجزء: 1 - الصفحة: 103
روي: أن الدرع يطهره ما بعده 450. وليس هذا الذي أراد مالك، وإنما أراد أن 451 الرجل إذا أراد 452 رفعها بالحضرة لم يمنع من تلك النجاسة شيء إلا شيئًا لا قدر 453 له.
= مناقب مالك".
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 5/ 286، والديباج، لابن فرحون: 2/ 196، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 597، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 84، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 160.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
باب في غسل الدم وغيره من النجاسات
وقال مالك في "المدونة" في الرجل يصلي وفي ثوبه دم يسير من دم حيضة أو غيرهما ثم يراه وهو في الصلاة: فإنه يمضي على صلاته ولا ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا.
فإن كان دم كثير نزعه واستأنف الصلاة بإقامة 454.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: على المصلي أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بجسد طاهر وثوب طاهر في موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك، فأمر بغسل المذي لحديث المقداد 455، وبغسل المني 456 لحديث عمر أنه ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال له: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" 457.
وبغسل دم الحيض من الثوب بحديث أسماء 458، ومر - صلى الله عليه وسلم - على قبرين فقال: "إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ
الجزء: 1 - الصفحة: 105
فكَانَ لاَ يَسْتبرِئُ مِنَ البَوْلِ" 459 أي: لا يتوقاه.
وقيل: المعنى: لا يستتر من الناس، والأول أحسن؛ لأن الأول حقيقة لقوله: "لا يستبرئ منه"، والثاني مجاز وخروج عن النص.
وجميع هذه الأحاديث اجتمع عليه الصحيحان البخاري ومسلم؛ وقال الله -عز وجل- ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: 28]، فجعل العلة في منعهم المسجد لأنهم في معنى النجس.
قال قتادة: الأنجاس: الأخباث 460.
إذا منع موضع الصلاة من النجاسة كان منع الصلاة أولى، وأجمع أهل العلم على أن على المصلي ألا يتقرب إلى الله - صلى الله عليه وسلم - بالنجاسة.
واختلف بعد ذلك في إزالة النجاسة على ثلاثة أقوال:
فذهب مالك إلى أن ذلك فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، فإن صلى بنجاسة متعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت 461.
وقال ابن وهب: يعيد أبدًا ناسيًا كان أو متعمدًا 462. وجعل ذلك فرضًا مع الذكر والنسيان.
وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا في الوقت ناسيًا كان أو متعمدًا 463. ورآه
الجزء: 1 - الصفحة: 106
سنة، والأول أحسن، فيعيد إذا كان ذاكرًا وإن ذهب الوقت؛ للقرآن والحديث والإجماع 464، ولا يعيد إذا ذهب الوقت وكان ناسيًا، للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَخَلعَ نَعْليْهِ لِنَجَاسَةٍ فِيهِمَا، فَأتمَّ الصَّلاَةَ" 465. فاجتزأ بالماضي لأنه كان غير عالم، فكذلك يجزئ جميعها إذا علم بعد الفراغ.
واختلف فيمن رأى في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، فقال مالك في "المدونة": يقطع وينزع الثوب ويستأنف الصلاة 466. والقطع على أصله استحسان؛ لأنه يقول: إذا لم يعلم حتى فرغ من صلاته أنه يعيد ما دام في الوقت 467. وهذا استحسان.
وإذا كان ذلك الماضي من صلاته جازئًا، فإعادته استحسان.
وقال في "المبسوط": إن كان يستطيع نَزْعه نَزَعه ومضى على صلاته، وإن كان لا يستطيع نزعه أو كانت النجاسة في جسده قطع.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يستطيع نزعه نزعه 468 وإلا
الجزء: 1 - الصفحة: 107
تمادى وأعاد.
وقال أشهب في "مدونته": إذا خرج لغسل النجاسة من ثوبه أو بدنه ثم بنى أجزأه قياسًا على الراعف 469.
والقول: إنه ينزعه ويبني، أحسن، للحديث: "أنه خلع نعليه وأتم" 470.
وذهب أحمد بن المعذل إلى قول أشهب أن الإعادة عليه ما دام في الوقت، قال: لأنه لو حضرته الصلاة ولم يجد إلا ثوبًا نجسًا وخاف فوات الوقت صلى فيه.
واختاره على تأخيرها ليصليها في ثوب طاهر.
قال: ولو أن رجلين تعمدا فصلى أحدهما في الوقت بثوب نجس، وهو ذاكر قادر على غيره، وأخر الآخر الصلاة وهو ذاكر حتى خرج الوقت وصلاها بثوب طاهر ما استوت حالاتهما عند مسلم ولا قربت، فيعيدها الأول ليأتي بأكمل منها 471، وإن خرج الوقت لم 472 يعدة لأنه يأتي بأنقص.
قال الشيخ -رحمه الله-: واختلف بعد القول إن الإعادة في الوقت- هل ذلك الوقت المختار أو الضروري؟ فقيل: هو الوقت المختار، فيعيد الظهر والعصر ما لم تصفرّ الشمس.
وقال مالك في "المبسوط" وعند ابن حبيب: النهار كله في ذلك وقت إلى غروب الشمس، والليل كله إلى طلوع الفجر.
وقد يحمل هذا على القول أنه غير مؤثم إذا أخر إلى مثل ذلك متعمدًا، ومن قال: إنه مؤثم، أعاد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وينبغي أن يعيد الظهر ما لم تخرج القامة أو
الجزء: 1 - الصفحة: 108
لمقدار أربع ركعات من الثانية؛ لأنه الوقت المختار وهو نظير الاصفرار في العصر، وكذلك في صلاتي الليل يعيد الغرب ما لم يغب الشفق والعشاء ما لم يذهب نصف الليل، ولا وجه لقول من قال: يعيد إلى طلوع الفجر؛ قال: لأن جميع الليل وقت للنفل بخلاف النهار؛ لأن النفل بعد الاصفرار مكروه.
وليس ذلك بالبّين؛ لأن الإعادة لم تكن لأنها نفل، وانما كانت ليأتي بالفرض بأكمل منه أولًا.
وقال ابن حبيب: إذا أبصر النجاسة في ثوبه فلما همّ بالانصراف نسي وأتم صلاته، فإنه يعيد وإن ذهب الوقت؛ لأنه حين أبصرها انتقضت صلاته، وكذلك إذا ذكرها بعد الفراغ وقبل خروج الوقت ثم نسي الإعادة حتى خرج الوقت أنه يعيد (1) وكذا القولين بعيد؛ لأن القطع إذا ذكره وهو فيها وهو قادر على طرح الثوب استحسان، وقد قال مالك: يخلعه ويمضي، وكذلك الإعادة إذا ذكرها بعد الفراغ، وفي الوقت الإعادة استحسان.
فصل [في يسير القيح والصديد ودم الحيض يصيب الثوب]
واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد ودم الحيض، فقال مرة: يعفى عن يسيره مثل غيره من الدم لما كان من جنس ما تدعو الضرورة إليه 474. وقال من "المبسوط": دم الحيض والقيح كالبول والرجيع 475 قليل ذلك473
الجزء: 1 - الصفحة: 109
وكثيره سواء، والصديد مثله 476. وهذا حسن؛ لأنه ليس مما تدعو الضرورة إليه، والقيح والصديد تجوز الصلاة بكثيره متى كانت العلة ال كائن عنها قائمة، فإن ذهبت وبرأ صاحبها كان الحكم في قليله وكثيره سواء؛ لأنه لا ضرورة إليه.
وكذلك دم الحيض لأنه 477 مما ينفك منه الرجل، وليس ذلك مما يكون في ثياب الرجال، وليس هو أيضًا مما تدعو الضرورة إليه للنساء؛ لأن المرأة إنما يطرأ عليه 478 أيام الحيض، فإذا طهرت لم تره إلى مثلها، والبول يتكرر أكثر منه، فلم يعف عن يسيره.
ويختلف على هذا في الدم اليسير إذا كان في ثوب غيره فلبسه.
وفي اليسير من دم الشاة؛ لأن كل ذلك مما ينفك منه 479.
والدم على ضربين: نجس، ومختلف فيه، هل هو نجس أو طاهر، فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا كان خروجه في حال الحياة أو في حال الذبح؛ لأنه مسفوح.
واختلف فيما يبقى في الجسم بعد الذكاة وفي دم ما ليس له نفس سائلة من الحيوان البرّي، وفي دم الحوت هل هو نجس أو طاهر، فقال مالك في "المدونة" في دم البراغيث: إذا تفاحش يغسل 480.
قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يفرق بين الدم، ويجعل دم كل شيء سواء.
الجزء: 1 - الصفحة: 110
قال 481: وسألته عن دم القراد 482 والذباب 483 والسمك؟ فقال: ودم السمك 484 أيضًا يغسل 485.
واختلف في غسل هذه الدماء هل تغسل على وجه الوجوب لأنها نجسة أو استحسانًا وأنها طاهرة؟ فقال مالك في سماع أشهب: دم الحوت ودم الشاة وغيره 486 سواء، كله نجس.
وقال أيضًا في الثوب يكون فيه الدم يتجفف فيه من الغسل، قال: إن كان كثيرًا كثيفًا يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بلّه فأخرج منه ما أصاب جسده، فأرى أن يغسل جسده.
قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك؛ قال الله -عز وجل-: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] 487.
وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الأطعمة 488
الجزء: 1 - الصفحة: 111
وما يحل أكله من ذلك وما يحرم.
فصل [في الاحتلام أو البول يصيب الثوب ولا يدرى موضعه]
وقال مالك في الثوب يصيبه البول أو الاحتلام فيخطئ موضعه فإنه يغسله كله.
وإن شك هل أصابه ذلك أو لا نضحه 489، وهو الشأن، وهو من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه، كان عرف موضعه وشك في غيره غسل ما علم ونضح ما لم يعلم.
واتفاقهم على النضح مع الشك وألا يغسل، يقضي على ما اختلفوا فيه إذا شك في الريح، وأن القول قول من قال: إنه لا يتوضأ.
واختلف إذا صلى ولم ينضح، فقال ابن القاسم في "المجموعة" و"العتبية": يعيد الصلاة 490. وبه قال سحنون وعيسى بن دينار 491.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
وقال أشهب في أصل سماع أبي زيد من ابن القاسم وابن نافع 492 في شرح ابن مزين وابن الماجشون في "الواضحة" لا إعادة عليه.
وهذا الاختلاف فيمن أصابته جنابة فغسل ما رأى ولم ينضح بقية الثوب.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: النضح استحباب 493. وهو أحسن، ولو كان ذلك على الوجوب لوجب الغسل، وقد قال ابن القاسم فيما يتطاير من البول مثل رؤوس الإبر: إنه يغسل 494.
واختلف فيمن أصاب ثوبه الماء المشكوك فيه، فقال مالك في سماع أشهب فيمن غسل ثوبه بماء سقطت فيه فأرة: لو رشّهُ لرجوت أن يكون في ذلك سعة 495.
وقال في مختصر ابن شعبان في الثوب الرفيع يصيبه الماء المشكوك فيه وغسله يفسده أنه يصلي فيه بغير غسل 496، ولو كان الماء نجسًا لا شك فيه 497 غسل الرفيع وغيره، وظاهر قوله أن الثوب إذا لم يكن رفيعًا غسله، وعلى رواية
الجزء: 1 - الصفحة: 113
أشهب عنه (1)، ينضح الرفيع لأن ذلك لا يفسده.
فصل في المسح على الجبائر
ويجوز المسح على الجبائر 499 وإن لم تشد على طهارة، بخلاف الخفين؛ لأن مباشرة الماء للجرح يفسده، ولأن غسل 500 الجبائر للضرورة، فلم يكن عليه أن يتوضأ في موضع لم يخاطب فيه للصلاة.
وكذلك من خشي أن يمسح برأسه عند الوضوء، يجوز له أن يمسح على العمامة وإن لم يكن لبسها على وضوء.
ويجوز لمن حدثت به جنابة وخشي إن كشف رأسه وغسله- أن يمسح على الحائل، وإن لم يكن لبسه على وضوء.
وقال مالك: في الظفر يكسى الدواء: لا بأس أن يمسح عليه 501.
وقاله ابن القاسم: في المرارة يكسى الظفر بها.
وقيل في العلك يعمل على الظفر مثل ذلك 502.498
الجزء: 1 - الصفحة: 114
وفي الذرور 503 يعمل على الجرح: إنه يمسح عليه، وإن لم يجعل عليه خرقًا، فإن برأ وزال غسل ذلك الموضع وإن لم يكن صلى بالطهارة الأولى.
وقال مالك فيمن أجنب وبه جرح، فاغتسل ومسح على ذلك الجرح، ثم برأ- غسل 504 ذلك الموضع، فإن نسي حتى صلى صلوات، وكان في موضع لا يصيبه الوضوء مثل المنكب والظهر- لم تجزئه الصلاة 505.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان الجرح في الرأس لأعاد الصلاة؛ لأن فرضه في الوضوء المسح وفي الجنابة الغسل، والمسح لا يجزئ عن الغسل، ولو كان في الوجه، أو الذرل أو الرجل- لأجزأه ذلك إذا كان قد توضأ للصلاة، ولم يكن عليه أن يعيد غسل ذلك بنية الجنابة؛ لأن نية الوضوء تجزئ عن نية الجنابة.
وإذا عصبت الجبائر بعصابة، وكان حلّها يؤدي إلى فساد ما عملت عليه الجبائر جاز له أن يمسح على العصائب، وإلا حلّت، وغسل ما تحت العصائب، وكذلك الفصادة 506 تحل العصائب ويغسل ما تحتها ويمسح موضع الفصد ثم يعيد الرباط إن شاء.
= فيجعل عليها عِلْكًا، لأنْ تَنْبُتَ , أيَتَوَضَّأُ على العِلكِ؟ قال: أرجو أن يكون في سَعَة).
الجزء: 1 - الصفحة: 115
باب في غسل بول الغلام والجارية وحكم المرأة فيما يصل إليها من ذلكـ
وقال مالك: يُغسل بول الغلام والجارية وإن لم يأكلا الطعام، أصاب ذلك رجلًا أو امرأة، وأما الأم فأحب إلي أن يكون لها ثوب سوى الذي ترضع فيه إن كانت تقدر، وإن لم تقدر على ذلك فلتصل في ثوبها، ولتغسل ما أصاب من البول ثوبها جهدها 507.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" أنه قال: لا يغسل الثوب من بول الصبي ولا الصبية حتى يأكلا الطعام.
وقال ابن وهب مثل ذلك في الصبي دون الصبية، ولم يختلف في أثفالهما 508 أنها نجسة تغسل وإن لم يأكلا الطعام.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أُتي بصبي لم يأكل الطعام، فبال على ثوبه , فنضحه 509.
وفي كتاب مسلم: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ" 510.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
ومحمل ذلك أنه نجس؛ ولو كان طاهرًا لم يصبّ عليه ماءً لا على وجه الغسل ولا على وجه النضح، ومعلوم أن النضح لم يكن إلا ليكون له تأثير في ذلك البول، ولولا ذلك لم يكن لنضحه وجه، والتأثير رفع حكمه , وحكمه إنما يرفعه بأن يصبّ عليه من الماء ما يذهبه، وذلك يصح بالصبّ من غير غسل باليد؛ لأن البول كالماء، وإنما يحتاج إلى اليد إذا جف، والنضح يصح أن يعبر به عما يصب من الماء القليل والكثير، والعرب تسمي الإبل التي يُسقى عليها نواضح، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": يقال للسانية: ناضح، وقد يكون ذلك على وجه النسبة، أي: ذات نضح، كما قالوا: تامر، ولاحم، أي: ذو تمر ولحم.
قال: ويقال: نضح فلان عن نفسه، أي: دافع عنها بحجة 511.
فإن قيل: إنما فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التنظف، قيل: فلا ينظف منه إلا ما أكثر من الماء، وإذا كان ذلك عاد الجواب إلى أنه أراد إزالته، وإذا كان ذلك ولم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه طاهر ولا نجس- حمل على أنه مثل غيره من أبوال بني آدم، وأنه مثل أثفاله حتى يثبت عنه نص أنها طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
باب في الانتفاع بالماء النجس وتطهير ما وقع فيه من بئر وغيره
اختلف في الانتفاع بالماء النجس، فأجري الانتفاع به مجرى الانتفاع بالميتة، فقيل: لا ينتفع به بحال، ولا يسقى بهيمة ولا نباتًا.
وقيل: لا بأس بالانتفاع به في هذين الوجهين.
وقيل: لا بأس أن يسقى ما لا يؤكل لحمه من البهائم وما لا ينتفع به بقرب السقي من النبات؛ لأنه عنده ينجس ما يشربه من حيوان أو نبات.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إن غلب على ماء البئر ما وقع فيها من نجاسة فما عولج به من عجين أو طعام فلا يجوز أن يطعم لدجاج ولا الحمام ولا النصراني، وهي كالميتة 512.
وقال ابن وهب عن مالك في "المبسوط": لا بأس بذلك أن يسقى الدواب وأصول الثمر والزرع.
قال: وكأنه كره ما يسقى به مما يؤكل من المواشي 513.
وقال أبو مصعب مثله: إنه لا يسقى ما يؤكل لحمه، ولا بأس أن يسقى الزرع والنخل.
وكل هذا موافق للقول إن عرق السكران نجس، وعلى القول: إنه طاهر.
لا بأس أن يوكل لحم 514 ما شرب منه، وإن ذبحت الغنم أو قلع البقل بالحضرة.
وعلى القول الأول لا يؤكل إلا أن يطول بعد شربه، فتخلفه أعراض أخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
وقال في "المدونة" في العسل ينجس: لا بأس أن يعلف النحل (1). وعلى قول عبد الملك يمنع من ذلك.
فصل [في تطهير الآبار مما مات فيها]
وأما تطهر ما وقعت فيه، فقال مالك في "المدونة" في البئر من آبار المدينة تقع فيه الوزغة، أو الفأرة: يسقى منها حتى تطيب وينزحون 516 منها على قدر ما يظنون أنها قد طابت.
وفي "المجموعة": إذا تزلعت الدابة التي تقع في البئر أو سال من دمها أو فرثها ولم تتزلع فلتنزف إلا أن يغلبهم الماء، فإن غلبهم نزع حتى لا يبقى من النجس شيء، وإن لم تتزلع ولا سال من دمها شيء فلينزح منها شيء، فإن أروحت نزع منها حتى تذهب الرائحة 517.
وقال أبو مصعب: ينزف ذلك الماء كله، وذكر عن المغيرة وابن الماجشون: ينزع منها خمسون دلوًا.
وقال ابن أبي أويس: سبعون دلوًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: النجاسة على ضربين: فإن كانت مما يمازج الماء كالدم515
الجزء: 1 - الصفحة: 119
والبول وما أشبه ذلك نزع جميعه؛ لأن أعلاه وأسفله سواء في الحكم.
وهذا إذا كانت النجاسة ليست 518 في بئر أو ما أشبه ذلك، فإن كانت في بئر فإذا ذهب منه ما كان متغيرًا وخلفه غيره فهو طاهر.
وإن كانت النجاسة دهنية وما أشبه ذلك مما يعلو الماء ويطفو عليه ولا تمازج جملته، أجزأ من ذلك زوال أعلاه إذا أحكم زوال ذلك وصار يطلع الباقي ولا دهنية عليه.
وأما ما ذكره عمن حدد ذلك فيمكن أن يكونوا حصروا ذلك للعامة لقلة ميزهم، وإلا فالأصل ما تقدم ذكره.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
باب في صفة الغسل من الجنابة والحيض والتدلكـ في الغسل والوضوء وعلى من يجب الغسل والنية في جميع ذلكـ
يبتدئ الجنب بغسل مواضع الأذى، ثم يغسل تلك المواضع بنية الغسل عن الجنابة.
وإن نوى ذلك في حين إزالة النجاسة وغسل غسلًا واحدًا أجزأه, ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة, وينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه , فإن أتمّ وضوءه وعجل غسل رجليه فحسن، ثم يأخذ في الغسل، وإن أخر غسلهما فلا بأس.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه فعل الأمرين جميعًا فعجل غسلها تارة وأخره تارة 519. ثم يفيض على رأسه ثم على جسده، فإن كانت له وفرة غمس يديه في الماء ثم خلل بهما أصول شعره ثم يفيض عليه الماء ويخلل
الجزء: 1 - الصفحة: 121
بيديه حتى يصل الماء إلى أصول شعره.
وقد اختلف عن مالك في تخليل اللحية فقال: ذلك عليه في الغسل والوضوء.
وقال أيضًا: ليس ذلك عليه فيهما جميعًا.
وقال أيضًا: يخلل الجنب ولا يخلل المتوضئ 520.
وقال ابن حبيب: من لم يخلل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه 521.
وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أن تخليل اللحية من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض 522.
والقول الأول أحسن، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخلل أصول شعره في غسله من الجنابة 523، ولم يفرق بين اللحية وغيرها.
وروى عنه الترمذي: "أَنَّهُ كَانَ يُخَلّلُ لحيَتَهُ في الوُضُوءِ" 524، ويحتمل أن
الجزء: 1 - الصفحة: 122
يكون ذلك في الوضوء ليعمّ الظاهر من الشعر؛ لأن الماء ينبو عن بعض الشعر؛ لأن الظاهر بعضه أعلى من بعض، وليس مروره عليه كمروره على البشرة.
وصفة اغتسال المرأة من الجنابة والحيض على مثل ذلك، وتخلل أصول شعر رأسها وليس عليها أن تنقضه.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
فصل [في التدليكـ للمغتسل والمتوضئ]
وعلى المغتسل والمتوضئ أن يمر اليد مع الماء في حين غسله ووضوئه، فإن انغمس في الماء في حين غسله، أو صبّ الماء على مواضع الوضوء، أو غمسها في الماء، ولم يمر اليد مع ذلك، لم يجز الغسل ولا الوضوء عند مالك (1).
وقال أبو الفرج: إنما يُخرّج ذلك عندي -والله أعلم- أنه لما (2) كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابّه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المبالغة المأمور به وجب لذلك عليهما أن يمرا أيديهما، فأما إن طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبِّه عليه من غير أن يمر يده على بدنه (3)، فإنه ينوب له عن إمرار اليد.
وإلى هذا المعنى ذهب مالك، والله أعلم.
وذكر الطبري في "جامع البيان" في موضع غسل الرجلين أن الغسل يقع على ما لم تمر عليه اليدُ (4).
فصل [أحكام الغسل وعلى من يجب]
الغسل ثلاثة: فرض، وسنة، وفضيلة.
فالفرض: غُسل الجنب، والحائض، والنفساء، والكافر يُسلم.525526527528
الجزء: 1 - الصفحة: 124
والسنة: غسل الجمعة، والعيدين، وقيل في غسل العيدين: إنه مستحب.
والفضيلة: الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة.
والأصل في الغسل للجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]، وفي الحائض قوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وتدخل النفساء 529 في ذلك؛ لأن دم النفاس حيض، وإن كانت الولادة ولم تر دمًا لم يكن عليها غسل، واستحب مالك الغسل وقال: لا يأتي من الغسل إلا خير.
وأما الكافر يسلم بعد البلوغ فيغتسل لأنه جنب 530، وفي الجمعة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ جَاءَ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" 531، وفي العيدين قوله في الجمعة: "هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا" 532، فإذا جُعل الغسل للجمعة لأنه عيد، كان
الجزء: 1 - الصفحة: 125
الغسل للعيد مثله.
والغسل للعمرة والحج مذكور في كتاب الحج.
والغسل يجب على الرجل بوجهين: بالوطء إذا غابت الحشفة وإن لم يكن إنزال، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، في يقظة كان أو نوم، ويجب على المرأة بأربع: بمغيب الحشفة من الرجل وإن لم ينزل، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، وبالحيض والنفاس 533.
واختلف في أربع مسائل:
أحدها: إذا وطئ ولم ينزل، فاغتسل فأنزل بعد ذلك.
والثاني: إذا لاعب أو قبّل أو تذكر ولم ينزل، ثم أنزل بعد ذلك لغير لذة.
والثالث: إذا أنزل من إِبْرِدّة أو ضرب أو لدغ عقرب.
والرابع: إذا أنزل عن حكةٍ أو ماء سخن.
فاختلف في هؤلاء على أربعة أقوال: فقيل: يجب الغسل وقيل: لا غسل عليهم.
وقيل: يجب على من لامس أو لاعب؛ لأنه مني لم يغتسل منه، ويسقط عمن جامع.
قال محمد: لأنها جنابة قد اغتسل منها 534. بخلاف من تذكر ثم أنزل فإنه يغتسل لأنها جنابة لم يغتسل منها.
واختلف -بعد القول أن لا غسل في ذلك- في وجوب الوضوء، وفي إعادة الصلاة، فقال مالك في "المجموعة" في سماع ابن القاسم: ليس في ذلك إلا الوضوء ويعيد الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
وقال ابن القاسم عند محمد: إذا وطئ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل- أنه يتوضأ ولا غسل عليه 535. وقاله سحنون، ثم قال: يغتسل ثانية، قال: وقال بعض أصحابنا: يعيد الغسل والصلاة، وقال آخرون: يعيد الغسل ولا يعيد الصلاة 536.
وقال مالك في "المجموعة" فيمن لاعب فوجد اللذة ثم صلى ثم أنزل: يغتسل ويعيد الصلاة.
وقاله ابن كنانة 537.
وقال ابن القاسم: لا يغتسل، وليس بالقوي.
ثم قال: يغتسل.
وقال أصبغ عند محمد: يغتسل ويعيد الصلاة؛ لأنه لم ينزل إلا وقد خرج وصار إلى قناة الذكر وما والاها.
وفي كتاب "التفريع": الوضوء استحباب 538.
وقال ابن سحنون فيمن لُدغ أو ضرب أسواطًا فأنزل: لا غسل عليه.
قال: وإنما يكون الغسل في الماء الذي يخرج باللذة.
وذكر ابن شعبان في ذلك قولين، واختار الغسل 539.
قال: واختلف إذا كانت به حكّة في بدنه فحكها، أو نزل في الماء السخن فأنزل، وليس هذا بحسن؛ لأنه عن لذة أنزل، وأما مع عدم اللذة فيحسن الخلاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
فوجه القول بوجوب الغسل على جميع من تقدم ذكره حمل الآية على عمومها في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، ووجه القول بسقوط الغسل حمل الآية على الإنزال المعتاد، والمعتاد مقارنة اللذة، وغير ذلك نادر، وليس الشأن نزول القرآن على ما يكون نادرًا، ولم يلحقه بحكمه؛ لأنه أنقص رتبة، وأما تفرقة محمد بين من اغتسل ومن لم يغتسل فلا وجه لها؛ لأن المخالطة بانفرادها توجب الغسل، والإنزال بانفراده مع عدم الوطء يوجب الغسل، فاغتسل أولًا للمخالطة ويغتسل الآن للإنزال.
وأرى إذا سقط الغسل ألا يسقط الوضوء، ويكون له حكم المذْي، وإنما لم يوجب الوضوء عليه في القول الآخر؛ لأنه رآه بمنزلة المذي يخرج سَلَسًا.
ومغيب الحَشَفَة يوجب الغسل، وقد عُبّر عن ذلك بـ "التقاء الختانين" 540 والمراد المقابلة، كقوله: التقى الرجلان والفارسان، وليس يصح اجتماعهما إلا عند الإصابة, وإذا تقابل الختانان جاوزت الحشفة موضع افتضاض المرأة، فإن غاب بعض الحشفة لم يجب الغسل.
والدبر والقبل في ذلك سواء يجب الغسل عليه وعليها، وهذا إذا كانا بالغين.
واختلف في غسلها إذا كانت غير بالغ والآخر بالغًا، فقال محمد بن سحنون: تغتسل، وإن كانت صلت بغير غسل أعادت، قاله أشهب.
وفي مختصر الوقار 541: لا غسل عليها.
وهذا هو الأصل لأنها غير مخاطبة إلا بالبلوغ، والأول أحسن لتتعلم
الجزء: 1 - الصفحة: 128
وجه ذلك، ولئلا تتهاون بمثل ذلك بعد البلوغ.
واختُلف أيضًا في غسلهما إذا كانت بالغة وهو غير بالغ،
فأما الصبي فالخلاف فيه على ما تقدم فيها إذا كانت غير بالغة، وأما المرأة فقال في كتاب "العدة" من "المدونة": لا غسل عليها من وطئه إلا أن تلتذ (1)؛ لأن التذاذ المرأة بعض إنزالها، وقال أصبغ، عند ابن حبيب: تغتسل (2).
وهذا أيضًا على وجه الاحتياط والحماية؛ لئلا تعتاد ترك الاغتسال.
فصل الشكـ في الجنابة
ومن شكّ، هل أجنب أو لا؟ اغتسل.
ويختلف: هل ذلك واجب، أو استحباب؟ حسبما تقدم إذا أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فإن اغتسل ثم تذكر أنّه كان جنبًا أجزأه غسله، وذلك أنه بمنزلة من شكّ هل أحدث أم لا فتوضأ ثم ذكر أنه كان محدثًا، وبمنزلة من شكّ في الظهر فصلاها ثم تذى أنه لم يكن صلاها، فإن صلاته تلك تجزئه، فإن قال: أنا أتخوف أن أكون أجنبت، وليس بشك عنده، إلا أنه يقول: يمكن أن يكون ونسيت- لم يكن عليه غسل، فإن 544 اغتسل ثم تذكر أنه كان أجنب اغتسل، ولم يجزئه الغسل الأول فإن وجد بللًا فقال: لا أدري هل ذلك مني أو مذي 545، وأيقن أنه ليس بعرق، فوقف مالك فيه في "المجموعة" وقال: لا أدري.
وقال ابن نافع: يغتسل 546،542543
الجزء: 1 - الصفحة: 129
وعلى قول ابن حبيب لا يغتسل، وهو بمنزلة من وجد حسًا وقال: لا أدري هل هو ريح أم لا، والغسل أحوط.
وإن 547 أيقن أنه مني، وشك متى حدث فإنه يغتسل، ويختلف فيما يعيده من الصلوات، فقال مالك في "الموطأ": يعيد من أحدث نوم نام فيه.
وقال في كتاب ابن حبيب: إلا أن يكون يلبسه ولا ينزعه فإنه يعيد من أول نوم نام فيه 548.
وقال ابن القاسم في المرأة تجد في ثوبها دم حيضة ولا تدري متى أصابها ولا هل أصابها أم لا -فإنه إن كان لا يفارقها ليلًا ولا نهارًا تبيت فيه ويلي جسدها- فتغتسل وتعيد كل صلاة صلتها من يوم لبسته، وتعيد الصيام الواجب إن كانت صامت فيه، وإن كانت تلبسه وتنزعه وتلبسه المرة بعد المرة أو تنزعه بالليل فلا تنام فيه وتلبسه بالنهار، فتنظر إلى أحدث لبسة لبستها فتغتسل 549، وتعيد ما صلت فيه، وهي بمنزلة الذي يجد في ثوبه احتلامًا لا يدري متى أصابه 550.
وقال ابن حبيب: إنما تعيد صوم يوم واحد؛ لأنه دم حيضة انقطع مكانه، فصارت كالجنب 551.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما التفرقة بين من ينزع ذلك في النهار وبين من لا
الجزء: 1 - الصفحة: 130
ينزعه، فلا وجه له 552؛ لأنه إنما يشك هل أصابه في الليل أو النهار 553 وفي كل تلك الليالي هو لابسه بل الذي لا ينزعه عنه 554 أولى بألا يعيد إلا لأحدث نومة؛ لأنه لو كان متقدمًا لم يخف عنه في تلك الأيام ويخفى عنه مثل ذلك إذا كانت تغيب 555 رؤيته له بالنهار، وهو في الحيض أبين إذا كانت لا تنزعه، لأن الدم لا يخفى إذا كان في الثوب.
وأرى أن يؤمر بإعادة الصلاه من أول نوم وليس بواجب، وأما الصوم فلا قضاء عليها إذا كانت تبيت فيه ثم تنزعه قبل طلوع الفجر، وإن كانت تنزعه بعد طلوع الفجر أو كان يكون عليها بالنهار فأرى أن تنظر إلى الدم، فإن كان نقطة أو موضعًا واحدًا ولا يشبه أن تكون إلا عن دفعة واحدة، لم تقض إلا صوم يوم، وإن كانت نقطًا أو مواضع وأمكن أن تكون تلك النقط والمواضع عن أيام- قضت بعدد ذلك ما لم يجاوز عددُها عادتَها في الحيض، ولا أرى أن تزيد على عادتها لأنه يمكن أن يكون جميع ذلك عن يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك.
وليست بمنزلة من زادت عادتها حقيقة.
ولو كان يكون عليها في النهار، وتتفقده ثم وجدته في موضع لو كان متقدمًا لم يخف عليها، لم تقض من الصلوات ولا من الصوم إلا من آخر نوم 556.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
وقال مالك في النصرانية تحت المسلم: تجبر على الاغتسال من الحيضة؛ لأنه لا يجوز له أن يصيبها حتى تغتسل 557. وروى عنه أشهب أنها لا تجبر 558، فأما الجبر فلعموم قوله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]. وأما نفيه فحمل 559 الآية على الغالب من نساء المؤمنين وهن المسلمات؛ ولأن الاغتسال لا يصح إلا بنية ولا نية للنصرانية، ولقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾ [البقرة: 222]، والنصرانية غير داخلة فيمن يحبه الله، وليست من التوابين ولا من المتطهرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
باب في وضوء الجنب والوضوء لقراءة القرآن، مس المصحف, والنية في الوضوء والجنابة, ومن اغتسل للجمعة هل يجزئه من الجنابة؟
ومن "المدونة" قال ابن القاسم: كان مالك يأمر الجنب ألا ينام حتى يتوضأ جميع وضوئه، غسل رجليه وغير ذلك 560.
والأصل في ذلك حديث عمر - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" 561.
واختلف في الحديث هل هو على الوجوب أو على الندب؟ واختلف في تعليله، فقال مالك في "المجموعة": هو شيء ألزمه الجنب ليس على وجه الخوف عليه، وجعله واجبًا.
وقال ابن الجهم: المعنى أنه كان حقه ألا ينام حتى يغتسل، فرخص له - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يصير إلى أخف الطهارتين خوف أن يدركه الموت وهو جنبٌ لم ينل شيئًا من الطهارة.
وقيل: إن 562 ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل.
فعلى القول: إن الوضوء ليبيت على إحدى الطهارتين إن أحدث قبل أن ينام أعاد الوضوء، ويتيمم عند عدم الماء، وهو قول ابن حبيب إنه يتيمم، وعلى القول أن ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل لا يعيد الوضوء 563. وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب، وعلى هذا إن عدم الماء لا يتيمم، فإن كان معه من الماء ما لا
الجزء: 1 - الصفحة: 133
يكفيه للغسل لم يتوضأ، ويحمل الحديث على الندب، ولا يجب الوضوء إلا للصلاة وما أشبهها مما يتعلق به قربة لله تعالى.
وفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَبِيتُ جُنُبًا لاَ يَمَسُّ مَاءً" 564.
وفي البخاري ومسلم "أنَهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ" 565، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنها لم تكن هي تتوضأ لأنها لم تذكر أنها كانت تتوضأ، ولا أمرها بذلك، والجنابة تكون بينهما جميعًا.
وحديث البراء - رضي الله عنه - "أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يستحب ألا ينام الإنسان إلا على طهارة" 566، فاستحب للجنب ما يخف من ذلك وهو أدنى 567 الطهارتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
فصل في أحكام الوضوء
والوضوء خمسة: فرض، وفضيلة، ومختلف فيه، هل هو واجب أو فضيلة، ومباح، وممنوع.
فالفرض: الوضوء للصلاة فرضها وسننها ونوافلها، ولسجود القرآن؛ لأن السجود بعض أركان الصلاة.
والفضيلة: ما زاد على الواحدة إلى الثلاث، وتجديد الطهارة لكل صلاة، والوضوء للنوم، ولقراءة القرآن، ولرد السلام، وللدعاء.
والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للبراء: "إِذَا آديْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوعَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ.
. ." 568 الحديث.
وقال أبو الجهم: "أَقْبَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ".
أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 569.
فالوضوء لتلاوة القرآن أولى منه لرد السلام، وفي كتاب مسلم أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - "سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَدْعُوَ لِعَمِّهِ أِبِي عَامِرٍ، فَدَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 1 - الصفحة: 135
بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ وَدَعَا لَهُ" (1).
والثالث، واختلف فيه هل هو واجب أو فضيلة، وقد تقدّم.
واختلف أيضًا في الوضوء لمس المصحف هل هو واجب أو مندوب إليه.
والمباح: الوضوء للدخول على الأمير، أو ليكون على طهارة لا يريد به صلاة (2).
والممنوع: ما زاد على الثلاث، إلا أن يصلي به ثم يريد صلاة أخرى وهو على طهارة، فيجوز له أن يجدد طهارته أيضًا.
فصل [فيمن له مس المصحف]
ولا يمس المصحف إلا طاهر؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ [الواقعة: 79]، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: "لاَ يَمَسُّ القُرْآنَ إِلاَّ طَاهِر" 572. واختلف في معنى الآية فقيل: هو خبر عن مس الملائكة كقوله سبحانه: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)﴾ [عبس: 13 - 16]، وقيل: يصح حمل الآية على النهي لنا وإن كان لفظه لفظ الخبر، كقوله سبحانه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، والحكم في كتابة المصحف كالحكم في مسّه.570571
الجزء: 1 - الصفحة: 136
فصل [في اختلاف نية الوضوء بين الفضيلة ورفع الحديث]
واختلف فيمن توضأ للفضيلة ثم تبين أنه على غير وضوء هل يستبيح به الصلاة؟.
فمنع من ذلك سحنون ومحمد بن عبد الحكم، ولمالك في مثله أنه يصلي به.
ورأى أشهب أنه إن فعل وصلى به أجزأه ولا يصلي به فيما يستقبل.
وقيل فيمن توضأ للصبح 573 ونسي أن يمسح بوأسه ثم توضأ للظهر 574 للفضيلة وصلى الظهر ثم ذكر أنه نسي مسح رأسه: يعيد الصلاتين جميعًا ولا يجزئه الوضوء في 575 الثاني.
وقيل: يجزئه وله أن يصلى به الصبح.
وقال أشهب: يجزئه للظهر ويتوضأ للصبح.
فأمضى الظهر؛ لأنها طهارة على قول، مراعاة للخلاف، وأمره أن يمسح رأسه لما لم يصل ليأتي بها على وجهٍ مجمع عليه.
واختلف أيضًا إذا توضأ للنوم، وللدخول على الأمير- هل يرتفع حكم الحدث فيصلي به، فقال مالك في كتاب 576 أشهب فيمن توضأ يريد الطهر ولا يريد به الصلاة: إنه يصلي به.
قال: وربما أرسل إليّ الأمير فأتوضأ أريد به الطهر ثم أصلي به 577.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
وقال ابن حبيب: إذا توضأ للنوم فله أن يصلي به (1). وخالف أبو محمد عبد الوهاب في جميع ذلك ورأى أن من تطهر لما يصح فعله بغير وضوء لا يصلي به، ولا يرفع حكم الحدث (2). وقول مالك أحسن؛ للحديث المتقدم أنه تيمم لرد السلام وتوضأ لدعاء (3)، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك إلا لينتقل عن الحكم قبل التيمم وقبل الوضوء، وكذلك الوضوء للنوم لو كان لا تأثير له لم يأمر به، ولا أرى أن يجزئه إذا اغتسل للجمعة عن الجنابة؛ لأن القصد به التنظف، ولا إذا توضأ للفضيلة؛ لأنه لم ينو به رفع (4) الحدث.
فصل [في نية الطهارة لصلاة هل تجزئ عن غيرها؟]
قال الشيخ 582 أبو الحسن ابن القصار: من نوى الطهارة لصلاة هل يصلي بها غيرها؟
قال: يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: إنه لا ترتفع الطهارة فإنه يصلي بها التي نوى وغيرها؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء ولا ترتفع.
وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بذلك الوضوء الصلاة التي نواها وبطل ما بعد ذلك، فلا يصلي به صلاة أخرى؛ لأنه لا يصلي وقد رفع من578579580581
الجزء: 1 - الصفحة: 138
صلاته النية (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: ويلزم على هذا إذا اغتسل من الجنابة ينوي استباحة صلاة واحدة، فإنه لا يصلي به إلا تلك الصلاة على أحد القولين.
فصل النية في الوضوء والغسل
الوضوء والغسل عبادتان يفتقران إلى نية، كالصلاة والصيام، ومن فعل ذلك لتبرُّدٍ أو لسباحة لم تجزئه؛ لأنه لم يتقرب إلى الله سبحانه؛ ولأن امتثال أوامره يتعلق بها الثواب والمخالفة يتعلق بها الإثم والعقاب إن شاء، ولا يكون ممتثلًا منقادًا لأمر الله -عز وجل- إلا بنية لذلك الفعل، فيثاب لامتثال أمره وانقياده له، ويكون قد أطاعه في أمره.
وأجاز ابن القاسم إذا لم تكن النية مقارنة للوضوء والغسل وقرب ما بينهما، فقال فيمن دخل الحمام ليغتسل من الجنابة فخرج للطهور فتطهر وهو ناسٍ- يجزئه 584.
قال: وكذلك الذي يأتي النهر ليغتسل فيه فاغتسل وهو ناسٍ للجنابة، وقال سحنون: يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام 585.
وهو أبن، إلا أن يكون دخل قاصدًا للطهور ولم يشتغل بغيره.
وإذا أقام في الحمام حسب العادة، ثم اغتسل ناسيًا لم يجزئه، لبعد ما بين النية والفعل؛ ولأن العادة في مثل ذلك الاغتسال عند الخروج لو لم يكن جنبًا،583
الجزء: 1 - الصفحة: 139
وعلى قوله: تجزئه الصلاة إذا لم تكن النية مقارنة للفعل 586.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا تجزئه الصلاة إلا أن تكون مقارنة للدخول فيها 587، وعلى قوله: لا يجزئه الاغتسال إلا أن تكون النية مقارنة للفعل.
فصل 588
والنية في الوضوء تجزئ عن الغسل، وفي الغسل تجزئ عن الوضوء؛ لأن كليهما فرض.
ولو توضأ ثم تذكر أنه جنب، أجزأه أن يبني على المغسول من وضوئه.
ومن اغتسل ثم تذكر أنه غير جنب أجزأه من الوضوء.
وإن أجنبت امرأة، ثم حاضت ثم طهرت اغتسلت غسلًا واحدًا تنويهما جميعًا، وإن نوت الحيضة أجزأها عن الجنابة 589.
واختلف إذا نوت الجنابة، فقال ابن القاسم في سماعه: إنه يجزئها، وقال ابن سحنون عن أبيه: إنه لا يجزئها.
وأرى أن حكم الجنابة سقط بدخول الحيض 590.
والقول الأول أحسن، وهي جنب حائض ويستحب لها أن تنوي الغسل عنهما جميعًا، وقد قال الحسن وعطاء والنخعي: عليها غسلان.
واختلف في الغسلين جنابة وجمعة هل يجزئ أحدهما عن الآخر فقال في "المدونة" 591: لا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة 592.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
وقال ابن حبيب: أجمع مالك وأصحابه على 593 أن غسل الجنابة لا يجزئ عن غسل الجمعة، وإن نوى الجمعة ونسي الجنابة أجزأه 594.
وروى ذلك مطرّف وابن الماجشون وابن كنانة وابن نافع وابن وهب وأشهب عن مالك وأفتوا به.
وروى ابن القاسم: أنه لا يجزئه 595.
ولمالك في "المبسوط" فيمن اغتسل للجنابة أنه يجزئه عن غسل الجمعة.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه غسل الجنابة عن الجمعة ولا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة؛ لأنه تطوع وللتنظف.
وهو أحسن، والوجه فيه كما قال.
واختلف إذا اغتسل غسلًا واحدًا ينوي به الجنابة والجمعة، فقال مالك في "كتاب الصلاة الثاني" لا بأس بذلك.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: لا يجزئه عن واحد منهما 596.
قال: ويحتمل أن يجزئه عن جمعته ولا يجزئه عن جنابته.
وقال مالك فيمن اغتسل للعيد والجمعة: لم يجزئ عن الجمعة 597.
وهذا صحيح على أصله؛ لأن شرط غسل، الجمعة عنده أن يكون متصلًا بالرواح.
ويجوز على قول ابن وهب 598.
الجزء: 1 - الصفحة: 141
باب في إمامة الجنب ومن هو على غير وضوء
وقال مالك في الجنب يؤم وهو ناس لجنابته: فصلاة من ائتم به جائزة 599.
وقال ابن الجهم: إن قرءوا خلفه أجزأتهم صلاتهم، وإن لم يقرءوا لم تجزئهم.
ويجري فيه قول ثالث: إنها لا تجزئهم، وإن قرءوا قياسًا على أحد قولي ابن القاسم: إذا أمّ وعليه صلاة ثم ذكرها وهو في الصلاة أنهم يعيدون.
قال: وإنما هم بمنزلته يجب عليهم ما يجب عليه 600.
فجعل صلاتهم متعلقة بصلاته وإن لم يتعمد، ففي الجنب أحرى أن تجب عليهم الإعادة؛ لأنه لا يحتسب بها بحال.
والآخر: تجزئه إذا ذهب الوقت.
وقال مالك فيمن ذكر أنه جنب بعد أن صلى بهم ركعة: يستخلف من يتم بهم 601.
وعلى قول ابن الجهم: إن قرءوا صح أن يبنوا على ما صلى بهم، وإن لم يقرؤوا قطعوا.
وعلى القول في الناسي لصلاة: يقطعون؛ لأنهم كانوا مأمورين بالإعادة بعد الفراغ، وأنها لا تجزئهم فيقطعون الآن 602.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
وإذا كان ذاكرًا أو هم عالمون وهو ناس لم تجزئهم.
وقال مالك في الإمام ينسى تكبيرة الإحرام: إن صلاة من ائتم به غير جائزة 603. وهذا موافق لقول ابن القاسم 604: إنه يجب عليهم ما يجب عليه، وعلى قوله في الجنب: يجزئ هؤلاء الآخرين 605 صلاتهم وإن لم يكبر إمامهم 606.
وكل هذا يقضي بالخلاف في صلاة المأموم هل تفسد بفساد صلاة الإمام إذا لم يتعمد؟ وإن تعمد لم تجز بلا خلاف.
واختلف إذا كانت صلاته صحيحة ثم قطعها متعمدًا و 607 خرج، فقال ابن القاسم: أفسد على من خلفه 608.
وقال أشهب: لا يفسد عليهم إلا أن يعلمهم بعد ذلك.
ويختلف في صلاة الجنب بهم الجمعة 609 وهو غير ذاكر، فقال مالك: تجزئهم الجمعة 610. وعلى قول ابن الجهم لا تجزئهم وإن قرءوا خلفه؛ لأن من شرطها الإمام، فكأنهم صلوا أفذاذًا.
وإذا كان في ثوبه نجاسة فلم يذكر حتى سلم أعاد في الوقت 611، ويختلف في إعادتهم حسب ما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
وإن ذكر بعد ركعة كان حكم الإمام على حكم الفذ، فقيل: يقطع، وقيل: إن خف نَزْعُهُ نَزَعَه وأتم، وإن كان لا يخف نزعه قطع 612.
وقيل: يتمادى إذا لم يخف نزعه، فإذا كان حكمه التمادي أتم من خلفه أيضًا.
وعلى القول إنه يقطع يختلف فيهم، فيصح أن يقال: إنهم يقطعون؛ لوجهين:
أحدهما: أنهم 613 بمنزلته يفسد عليهم ما يفسد عليه.
والثاني: أن قطع الإمام فيه ضرب من العمد لما كان تماديه يجزئه على أحد القولين.
ويصح أن يقال: يتمون كالجنب.
وإن لم يذكر الإمام ورأى ذلك من خلفه، فإن كان قريبًا منه سبح به وأراه إياه 614.
قال ابن حبيب: وله أن يدنو منه ويخبره متكلمًا، فإن استخلف بنى الذي كلمه لأنه كلمه لإصلاح الصلاة.
وقال سحنون: إذا كان بينه وبين الإمام صفوف فلا بأس أن يخبره متكلمًا، ويبتدئ الذي أخبره، وإن أخبره بإشارة بنى المخبر إذا لم يعمل خلفه عملًا بعد علمه بالنجاسة، يريد يخرج من إمامته ويتم على حكم صلاته 615.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
باب في الصلاة بالثوب النجس عند عدم الطاهر أو بثوب حرير
ٍ
وقال مالك فيمن معه ثوب نجس، وليس معه غيره: يصلي به، ويعيد إن وجد غيره في الوقت 616.
قال محمد: والوقت: في الظهر والعصر إلى غروب الشمس.
وهذا على أحد قوليه فيمن صلى به ناسيًا أنه يعيد إلى الوقت الضروري وهو غروب الشمس، وعلى القول الآخر يعيد ما لم تصفرّ الشمس.
والعادم أعذر من الواجد الناسي.
وإن لم يجد إلا ثوب حرير صلى به ولم يصل بالثوب النجس 617.
وقال ابن القاسم: إن كان معه ثوبان نجس وحرير طاهر صلى في الحرير وأعاد في الوقت 618.
وقال أصبغ في كتاب محمد: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة عليه 619.
واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال أشهب في كتاب محمد: يصلي عريانًا أحب إلي 620. وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، وهذا خلاف قوله في "المدونة" في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان
الجزء: 1 - الصفحة: 145
غيره نجسًا.
وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر، والنهي لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أَبَاحَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِبَاسَهُ لِمَنْ بِهِ حِكَّةٌ 621، فهو في ستر العورة في الصلاة أعذر.
واختلف أيضًا فيمق صلى به مختارًا، فقال أشهب: يعيد ما دام في الوقت 622؛ لأنه بمنزلة من صلى عريانًا.
وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا 623.
واتفقا إذا كان عليه ما يستره ألا إعادة عليه 624.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه وإن كان متعمدًا ولا شيء عليه غيره، وليس كالعريان؛ لأن المرأة تصلي في ثوب حرير فيجزئها، وإنما هو عاصٍ بمنزلة المصلي في ثوب غصب، فإن صلاته تجزئ 625.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
باب في صلاة الحقن (1) ومن به قرقرة أو غثيان (2) أو دهمه هم
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" أخرجه مسلم 628.
يريد في الطعام إذا كان جائعًا تتعلق 629 نفسه به، فإن لم يكن كذلك جاز له البداية بالصلاة؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضّأ 630.
وصلاة من حضره الطعام على أربعة أوجه: فإن لم يكن متعلق النفس به جاز أن يبدأ بالصلاة.
وإن كان متعلق النفس به ولا يعجله عن الصلاة استحب له البداية بالطعام 631، وإن لم يفعل فلا بأس، وإن كان يعجله فيستحب له الإعادة ما لم يذهب الوقت، وإذا شَغَل خواطره 632 ولم يدر كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت 633.626627
الجزء: 1 - الصفحة: 147
وكذلك من به حقن أو قرقرة 634 أو غثيان أو نزل به ما يهمه 635، فإن كان ذلك بالشيء الخفيف استحب له البداية بما يذهب ذلك، فإن لم يفعل وصلى به مضت صلاته، وإن أعجله ذلك، وهو يقيم حدودها ويشغل قلبه بالأمر الخفيف، إلا أنه زائد على المعتاد له، استحب له الإعادة ما دام في الوقت، وإن شغل ذلك نفسه حتى لا يعرف كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت، وإن أم 636 من نزل به ذلك أعاد وأعادوا 637 وإن ذهب الوقت؛ لأنه بمنزلة من أفسد صلاته متعمدًا 638.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
باب الصلاة في ثوب الكافر ومن لا يتوقى النجاسة من المسلمين، ومن ابتاع ثوبًا لبيسًا هل يصلي فيه قبل غسله؟
قال مالك في المدونة 639: ولا يصلَّى بثياب أهل الذمة التي لبسوها، ولا بأس بما نسجوا، مضى الصالحون على ذلك، ولا يصلَّى بخفي النصراني اللذين لبسهما 640.
فمنع ما لبسوه لأنهم لا يتوقون النجاسة، وقد كان القياس فيما صنعوه مثل ذلك لأنهم يستعملونه في مياههم؛ وهو يقول: لا يتوضأ بسؤر يده 641. وقد قال في "العتبية" نسجوه: أنهم يبلون الخمر ويحركونه 642 بأيديهم فيسقون الثياب قبل أن تنسج، وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس به؛ لم يزل الناس على ذلك 643. فسلم ذلك العمل.
وأما ما يلبسه المسلم فإن علم بائعه أنه ممن يصلي، فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كان ممن لا يصلي لم يصل به حتى يغسله، وإن لم يعلم بائعه فينظر إلى الأشبه ممن يلبس مثل ذلك، وإن شك فيه فالاحتياط بالغسل أفضل.
وهذا في القمص وما أشبهها، وأما ما يستعمل للرأس من منديل أو عمامة فالأمر فيه أخف؛ لأن الغالب سلامته من النجاسة، كان البائع له ممن يصلي أم
الجزء: 1 - الصفحة: 149
لا، إلا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلي فيه حتى يغسله، وأما ما يلبس في الوسط فلا أرى أن يصلي فيه حتى يغسله، كان البائع له ممن يصلي أو لا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يحسن الاستبراء من البول، وإن كان لا يتعمد الصلاة بالنجاسة.
وأما ما ينام فيه فلا يصلي فيه حتى يغسله، كان بائعه من كان؛ لأن الشأن قلة التحفظ لوصول النجاسة إليه.
ومحمل قُمُص النساء على غير الطهارة؛ لأن الكثير منهن لا يصلين، إلا أن يعلم أنه كان لمن تصلِّي منهن.
ومن باع ثوبًا جديدًا وفيه نجاسة ولم يبين كان ذلك عيبًا فيه؛ لأن المشتري يجب أن يستمتع به جديدًا قبل غسله.
الجزء: 1 - الصفحة: 150
باب في اغتسال النصراني يسلم
قال مالك: وعلى النصراني إذا أسلم أن يغتسل.
قال ابن القاسم: لأنه جنب فإذا أسلم اغتسل، وإن لم يجد الماء تيمم، وإن أدرك الماء اغتسل 644.
وقال إسماعيل القاضي: لا غسل عليه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
وليس بحسن؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله من السيئات، ولو كان الأمر على ما قال لوجب ألا يتوضأ حتى يحدث بعد الإسلام؛ لأن الطهارة تجب للصلاة؛ فالغسل لمن أجنب والوضوء لمن أحدث.
فإذا لم يحتسب بالجنابة المتقدمة لم يحتسب بالحدث، ومن لم تتقدم له جنابة قبل الإسلام اغتسل للتنظف مما يكون بجسده من النجاسة، وإن لم يجد الماء تيمّم 645، فإن كان حديث عهد بالاغتسال أو التنظف لم يكن عليه شيء وإن كان الماء موجودًا.
وما روي في الحديث من اغتسال ثمامة 646 فإن محمله أنه كان للجنابة؛ لأنها
الجزء: 1 - الصفحة: 151
الغالب من الرجل المتزوج وغيره.
وقال ابن القاسم: إن اغتسل قبل أن يسلم وكان قد أجمع على الإسلام فإنه يجزئه 647.
يريد أنه وقع في قلبه المعرفة فإذا عرف الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان مسلمًا كان لم ينطق بذلك إذا كانت نيته أنه ينطق به، ليس أن يجحد الإقرار به.
ولو اغتسل للإسلام ولم ينو به جنابة وإنما يعتقد التنظف وزوال الأوساخ 648 لم يجزه من غسل الجنابة.
ولو أسلمت امرأة ولم يتقدم لها احتلام ولا أصابها زوج ولا حاضت لم يجب عليها اغتسال، إلا أن يكون بجسدها نجاسة فتزيلها، وإن كانت جنبًا من احتلام أو زوج اغتسلت، وكذلك إذا أسلمت وهي حائض فإذا طهرت اغتسلت.
= والسير، برقم (1764). والرواية الثانية أخرجها أحمد في مسنده، برقم (8024)، وابن خزيمة في صحيحه: 1/ 125، في باب الأمر بالاغتسال إذا أسلم الكافر، من كتاب الوضوء، برقم (253) ولفظ أحمد: (عن أبي هريرة أن ثمامة بن أثال أو أثالة أسلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل".
الجزء: 1 - الصفحة: 152
باب في الرعاف
الرعاف 649 أربعة: يسير يذهبه الفتل 650، وكثير لا يذهبه الفتل، ولا يرجو صاحبه انقطاعه متى خرج يغسله لعادة علمها من نفسه.
فهذان لا يخرج 651 من الصلاة لهما، يفتل هذا ويكف الآخر ما استطاع ويمضي في صلاته.
وكثير يرجو انقطاعه متى غسله، فهذا يخرج لغسله ويعود.
وكثير يذهبه الفتل لثخانته 652، واختلف فيه هل يفتله ويمضى في صلاته أو يخرج لغسله؟
فقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب، فيغمس أصابعه في حصى 653 المسجد ويردها ثم يمضِي في صلاته.
وقال مالك في "المبسوط": إذا خرج من أنف المصلي دم ففتله، فإذا كان يسيرًا فلا بأس به، وإن كان كثيرًا فلا أحب ذلك حتى يغسل أثر الدم.
فراعى عبد الملك قدر النجاسة ولم يراع قدر الموضع وأنه لا يبقى إلا اليسير، وراعى مالك موضع النجاسة الذي حلت فيه وهو كثير.
وقال سعيد بن المسيب 654 في رجل رعف فلم ينقطع عنه الدم:
الجزء: 1 - الصفحة: 153
يوميء إيماءً 655.
قال محمد بن مسلمة: هذا إذا كان الرعاف يضر به إذا سجد، مثل الأرمد ومثل 656 من يضر به السجود تضرب عليه 657 عيناه أو رأسه.
وقال عبد الملك بن حبيب: إذا كان يتلطخ بالدم إذا ركع أو سجد فإنه يوميء، وليس عليه أن يركع ولا يسجد 658 ولا يقوم ولا يقعد 659.
وإذا خرج الراعف لغسل الدم جاز له أن يبني على ما كان صلى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم - أنهم خرجوا في الرعاف لغسل الدم، ثم بنوا على ما صلوا 660.
وقال مالك: لو لم يكن في الرعاف إلا الرأي لرأيت أن يتكلم ويغسل الدم ثم يبتدئ؛ ولكن قد 661 جاء في ذلك عمن يقتدى به ما قد جاء 662.
وقال أيضًا: أحب إلي أن يبتدئ.
= مخزوم بن يقظقع القرشي المخزومي، الإمام العلم المتوفى سنة 94 هـ، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين، رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدًا، وعائشة وأبا هريرة وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم.
انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5/ 119، وتاريخ البخاري: 3/ 510، والمعارف، لابن قتيبة، ص: 437، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 4/ 217.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
ويجوز البناء للراعف إذا كان مأمومًا أو إمامًا 663، واختلف في الفذ، فأجاز مالك ومحمد بن مسلمة أن يبني 664.
ومنعه عبد الملك بن حبيب 665، والأول أبين، وليس البناء لأجل فضل الجماعة.
واختلف أيضًا في الموضع الذي إذا عقده من الصلاة جاز له أن يخرج وهو في حكم الصلاة، وإذا رجع فيما يكون له أن يبني عليه من تلك الركعة، فقال مالك فيمن رعف في أول ركعة أو الثانية أو الثالثة: إما أن يخرج لغسل الدم، وهو في حكم الصلاة، ويلغي كل ركعة لم تتم بسجدتيها، فإن رعف في أول ركعة بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، فإنه يلغي ذلك ويحتسب بالإحرام.
وإن رعف في الثانية بعد أن قرأ أو ركع أو سجد سجدة، ألغى جميع ذلك واحتسب بالركعة الأولى.
وقال أيضًا: فإن رعف في أول ركعة قطع، فإن رعف في الثانية لم يقطع 666.
وقال ابن الماجشون مثل ذلك: إن رعف في الأولى قطع، وإن رعف في الثانية بنى على ما صلى منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 155
وقال ابن حبيب: له أن يبني على صلاته، وإن رعف وهو مع الإمام في الأولى أو في الثانية وقد فرغ من قراءة تلك الركعة، فإذا رجع ركع، وإن لم يكن فرغ من القراءة قرأ من الموضع الذي كان انتهوا 667 إليه فأتمه 668 ثم ركع، وإن رعف وهو راكع ثم رفع تمت له تلك الركعة، ولا يرجع حين يرجع إلى الركوع ولكنه يبدأ فيخر ساجدًا 669.
وكذلك لو رعف وهو ساجد و 670 رفع رأسه من سجوده برعافه، فهو تمام لها، فإذا رجع للبناء لم يعد لسجودها.
وإن رعف وقد تم تشهده ثم قام لرعافه فهو قيام من جلسته تلك، وإنما يرجع للقراءة.
وإن رعف في مبتدأ جلسته قبل أن يتشهد رجع إلى الجلوس والتشهد.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إن رعف في الأولى بعد الركوع أو بعد سجدة 671، فليأتنف 672.
قال: وقال قبل ذلك: لو بنى على ما بقي منها لأجزأه 673.
وهذا مثل قول ابن حبيب، وهو أبين.
واختلف إذا رعف في الأولى 674 من الجمعة قبل أن يكملها ثم أتى بعد أن
الجزء: 1 - الصفحة: 156
فرغ الإمام، فقال في "المدونة": يبتدئ الظهر أربعًا 675.
وقال سحنون: يبني على إحرامه ظهرًا.
وقال أشهب: استحب له أن يتكلم ويبتدئ الظهر أربعًا، وإن بنى على إحرامه أجزأه.
وإن كان قد سجد سجدة فسجد أخرى وصلى ثلاثًا أجزأه.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن فاتته الأولى من الجمعة وأدرك الثانية ثم ذكر بعد سلام الإمام سجدة: فإنه يسجدها ويأتي بركعة وتجزئه جمعته 676.
فعلى هذا تجزئ الراعف الجمعة إذا رعف في الأولى وقد بقي منها سجدة، فيأتي بسجدة وركعة وتجزئه.
وإن عقد الأولى ورعف في الثانية وأتى بعد سلام الإمام، لم يحتسب بما كان عمله من قراءة أو ركوع على قوله في "المدونة"، وعلى القول الآخر له أن يحتسب به وتجزئه تلك الركعة.
وإن رعف في الأولى قبل أن يستكملها، ثم أتى والإمام في الثانية وهو قادر على أن يأتي بما بقي من الأولى قبل أن يركع الإمام، احتسب بالإحرام خاصة ودخل مع الإمام في الثانية.
وعلى القول الآخر يحتسب بما كان عمله ويأتي بما بقي منها ثم يركع مع الإمام ويكون مدركًا للجمعة 677.
وإذا كان للمأموم أن يحتسب بما كان عمل مع الإمام من قراءة أو ركوع أو سجود كان لم يكملها، فإن ذلك له في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يدرك الإمام قائمًا في التي رعف فيها.
والثاني: أن يدركه في الثالثة أو الرابعة وهو قادر على أن يأتي بما سبقه به
الجزء: 1 - الصفحة: 157
الإمام من ركعة قبل أن يركع التي وجده فيها.
والثالث: أن يجده فرغ من صلاته وقد سلم.
وأي ذلك كان فإنه لا يحول بينه وبين إتمام ركعته ما عمله إمامه بعد خروجه؛ لأنه لم يكن حينئذٍ مأمورًا باتباعه، ولا يحتسب الراعف بما عمله بعد رعافه وقبل خروجه لغسل الدم، وأجاز ذلك ابن حبيب في ثلاث 678:
إذا رعف وهو راكع أو ساجد فرفع، أو جالس فقام، ورأى أن ركعته أو سجدته تتم بذلك، وإن كان جالسًا لم يرجع للجلوس 679.
وهذا يصح على القول أن الرفع ليس بفرض، وكذلك القيام؛ لأن الحركة له ليست بفرض، وأنه متى وجد قائمًا سهوًا أو غيره لم يعد إلى الجلوس ليأتي به.
وقال في "المدونه": إذا رعف بعد سلام الإمام سلم وأجزأته صلاته 680، وإن رعف قبل سلام الإمام انصرف لغسل الدم.
يريد إذا لم يسلم الإمام بالحضرة، فإن سلم الإمام 681 قبل أن ينصرف لغسل الدم سلم وأجزأ عنه، على أصله.
فاستخف سلامه بالنجاسة لوجوه:
أحدها: أن السلام مختلف فيه هل هو فرض أم لا؟
والثاني: أنها كلمة واحدة من أسماء الله عز وجل، فكان قوله إياها بالنجاسة أخف من زيادته في صلاته وخروجه.
والثالث: أن السلام دعاء يريد به تارة من عن يمينه أو الملائكة، إن لم يكن عن يمينه أحد، فلم يكن بمنزلة غيره مما تختص به القربة لله سبحانه.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
فصل [في المصلي يصيبه الرعاف فيغسل الدم]
وإذا غسل الراعف الدم أتمّ في موضعه إذا كان فذًا أو مأمومًا، وكان إن رجع لم يدرك شيئًا من صلاة إمامه، فإن تبين له أنه أخطأ في التقدير، وأنه كان يدركه لو رجع، أجزأته صلاته.
وهو قول ابن القاسم في "المبسوط".
وإن رجا أن يدركه رجع، فإن وجده قد أتم، أتم هو ولم تفسد عليه صلاته.
واختلف في الجمعة إذا علم أنه لا يدركه على ثلاثة أقوال:
فقال مالك 682 في "المدونة": يرجع إلى الجامع 683.
وقال المغيرة: إن حال بينه وبين الرجوع واد، فليضف إليها أخرى ثم يصلي أربعًا 684.
وقال ابن شعبان: الاختيار أن يرجع إلى أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإمام فيتم هناك؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد، فإن أتم في موضعه لم أر عليه إعادة 685.
فرأى أن الرجوع إلى الجامع مع القدرة على ذلك 686 مختلف فيه.
وهذا أحسن، وإنما يجب الرجوع إلى الجامع إذا كان يأتي بشروط الجمعة، فأما إذا كان يصليها فذًا، أو 687 لا يأتي بها على شروطها كانت صلاته
الجزء: 1 - الصفحة: 159
في موضعه أحسن.
فصل [في الرعاف يعرض للمأموم]
وقال مالك فيمن رعف مع الإمام في الظهر بعدما صلى معه ركعة فخرج فغسل الدم عنه، ثم جاء وقد صلى الإمام ركعتين- إنه يتبع الإمام فيما يصلي ولا يصلي ما فاته به الإمام حتى يفرغ، فإذا فرغ قام فقضى صلاة الإمام وهو غائب عنه 688.
فجعله قاضيًا، فيقرأ في الأولى بأم القرآن وسورة، وفي الثانية بأم القرآن وحدها.
وقد يجتمع في صلاة الراعف قضاء وبناء وذلك في ثلاث مسائل:
- وهو أن تفوته الأولى ويدرك الوسطيين ويرعف في الرابعة.
- أو يدرك الثانية ويرعف في باقي الصلاة
- أو يدرك الثالثة ويرعف في الرابعة.
فهو فيما سبقه به الإمام قاضٍ، وفيما رعف فيه بأن.
واختلف بأي ذلك يبتدئ، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يبني ثم يقضي 689، وقاله ابن حبيب.
وقال سحنون: يبتدئ بالقضاء 690. فعلى القول الأول يقرأ فيما يبني بأم القرآن وحدها، وسواء كان الباقي 691 ركعة أو ركعتين؛ لأنه إنما يكون بانيًا في الثالثة والرابعة أو في واحدة منهما لا غيرهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
وإنما يفترق الجواب في الجلوس، فإن أدرك الوسطين ثم أتى بالتي رعف فيها قرأ بأم القرآن وحدها.
ثم اختلف في الجلوس، فقال ابن القاسم: يجلس لأنها رابعة إمامه، وقال ابن حبيب: لا يجلس لأنها ثالثته.
وهو أحسن، وليس ذلك بموضع جلوس له، وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، فإن أدرك الثانية وحدها كان بانيًا في ركعتين يجلس في الأولى منهما لأنها ثانية له، ويختلف في الأخرى حسبما تقدم، وإن أدرك الثالثة وحدها كان بانيًا في ركعة، فإذا أتى بها جلس لأنها ثانية له ورابعة إمامه، فاتفق فيها الجلوس بالوجهين جميعًا.
فإذا فرغ مما رعف فيه أتى بما سبقه به الإمام وقرأ فيه بأم القرآن وسورة، وإن سبقه بركعتين أتى في كل واحدة منهما بأم القرآن وسورة.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" فيمن أدرك الثانية من الظهر: يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانية له ثم يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة 692.
وعلى قول سحنون يبتدئ بالقضاء، فإن أدرك الوسطيين كان القضاء ركعة يبتدئ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم لأنها ثالثة في الهيئة، وإن أدرك الثانية وحدها، كان القضاء ركعة أيضًا إلا أنه يجلس إذا أتى بها لأنها ثانية له، فإن أدرك الثالثة وحدها كان القضاء ركعتين، يجلس في الأولى منهما وحدها، وإذا فرغ من القضاء أتى بما رعف فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 161
وقال سحنون في "المجموعة" فيمن فاتته الأولى وأدرك الثانية ورعف في الثالثة وأدرك الرابعة: أنه يبتدئ بالتي سبقه بها الإمام ثم بالتي رعف فيها (1).
فصل [في استدبار القبلة للراعف وكلامه حين طلب الماء]
وإن استدبر الراعف القبلة لطلب الماء لم تبطل صلاته، ويطلب الماء ما لم يبعد جدًا.
كان تكلم في ذهابه أو رجوعه عمدًا بطلت صلاته.
واختلف إذا كان سهوًا؛ فقال ابن حبيب: إن تكلم في ذهابه أبطل صلاته، كان تكلم في رجوعه لم تفسد 694.
وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم قبل أن يفرغ الإمام حمل ذلك الإمام عنه 695.
وقال سحنون: إن أبطل الإمام صلاته بعد أن خرج الراعف عنه لم تبطل عليه 696، وإن سها الإمام لم يكن عليه هو من سهوه شيء إلا أن يرجع فيدركه في الصلاة 697.693
الجزء: 1 - الصفحة: 162
باب في المسح على الخفين
المسح على الخفين جائز في السفر، واختلف عن مالك فيه في الحضر، فمنعه ثم رجع إلى إجازته، وقال في "المجموعة": إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط في ملأ من الناس: قد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم - رضي الله عنهم -، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، وإنما جاءت الأحاديث بالقول 698، وكتاب الله -عز وجل- أحق أن يتبع ويعمل به.
قال ابن وهب: فرأيته يكره المسح في الحضر والسفر، قال: وسمعته يقول: أما أنا فلا أمسح على الخفين 699.
وقال مالك في كتاب آخر: لم يكن ربيعة ولا محمد بن أبي الرجال يمسحان.
واختلف بعد القول بالمسح على الخفين 700 هل لذلك حد؟
قال مالك في "المدونة": ليس لذلك حد 701. وذكر عنه أنه قال في التوقيت: للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسْحِ فِي السَّفَرِ عَلَى الخُفَّيْنِ 702، وروي عنه في
الجزء: 1 - الصفحة: 163
كتاب مسلم والترمذي "أَنَّهُ وَقَّتَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَاليَها، وَللْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً" (1).
وقد تضمن هذا الحديث فائدتين: جواز المسح في الحضر، والتوقيت في الحضر والسفر.
وهو أحسن؛ لأن الأصل الغسل والمسح رخصة، وقد اختلف في وقتها، فوجب أن تستعمل فيما اتفق عليه، ويبقى ما عداه على أصله وهو الغسل.
فصل [في الاختلاف في صفة المسح]
واختلف في صفة المسح، هل يبتدئ من مقدم رجله إلى مؤخرها أو من مؤخرها إلى مقدمها، أو تكون العليا من المقدم والسفلى من المؤخر؟
وكل ذلك واسع وجائز 704، غير أنه لا يمر اليد التي بها من تحت الرجل 705 على شيء من وجه 706 الرِّجل لا عقب ولا غيره، خيفة أن تكون لاقت نجاسة في أسفل الخف فيمر بها على موضع لم تدع الضرورة إليه فيه، وهو وجه الخف.
وإذا مسح اليمنى لم يمسح اليسرى حتى يغسل اليد التي مر بها من تحت الخف 707.703
الجزء: 1 - الصفحة: 164
وقال مالك: ولا يتبع الغضون -وهو الكسر الذي على ظهر القدمين-، وإن كان في أسفل الخف طين مسحه حتى يصل الماء إلى الخفين.
واختلف فيمن اقتصر على أعلى الخف أو أسفله، فقيل: إن اقتصر على أسفله لم يجزه وأعاد أبدًا، كان اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت.
وقال ابن نافع: إن اقتصر على الأعلى لم يجزه وأعاد أبدًا، وروى ابن عبد الحكم 708 عن أشهب أنه يجزئه 709، وإن اقتصر على الأسفل.
وقاسه على مسح الرأس إذا مسح الثلث.
وقول ابن نافع في ذلك أحسن؛ لأن المسح بدل من الغسل فيبلغ به حيث يبلغ بالغسل إلى الكعبين، وفي الترمذي: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلَ" 710.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
فصل [في الجرموق والخف وشروط المسح عليهما]
واختلف في المسح على الجُرْموقين 711 وعلى الخف إذا لبسه على خف، ولم يكن مسح على الأسفل، فقال ابن القاسم: قال مالك في الجُرْموقين أسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد مخروز: يمسح عليهما، ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما 712.
وقال ابن حبيب: هما الخفان الغليظان لا ساقين لهما 713. وهذا خلف قول ابن القاسم أنه شيء يعمل من غير جلد، ويعمل عليه جلد 714.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: في الجوربين عليهما جلد مخروز اختلاف، فوجه المنع لأنهما دون الخف في متابعة المشي وفي خفة النزع 715.
وعلى ما قاله ابن حبيب: إنهما الخفان لا ساقين لهما، ولا يقاس على الخف إلا ما كان مثله في جميع وجوهه.
= شعبة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله) قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، وبه يقول مالك والشافعي وإسحق، وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، قال أبو عيسى وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 166
ووجه الإجازة: أن الخفاف ليست سواء؛ فقد يكون الخف ضيقًا 716 لا يداوم فيهما 717 مشي، أو واسعًا يسهل نزعهما 718، ولا يكون ذلك مما يمنع المسح عليه.
والمسح على الخفين يصح بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون لباسه إياهما وهو كامل الطهارة.
والثاني: أن يكون لباسه على العادة؛ ليس ليخفف عن نفسه غسل رجليه إذا انتقضت طهارته.
والثالث: أن يكون متوضئًا لا متيممًا.
والرابع: أن تكون طهارته الآن للوضوء لا للغسل عن جنابة ولا غيرها.
فهذه جملة متفق عليها.
والأصل في منع المسح إذا لبسهما وهو محدث: حديث المغيرة قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ".
فمسح عليهما.
أخرجه البخاري ومسلم 719.
واختلف فيمن توضأ فلما غسل رجله اليمنى أدخلها في الخف، ثم غسل اليسرى فأدخلها، فقال مطرف: يمسح عليهما 720. وقال سحنون: لا يمسح 721.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
واختلف أيضًا إذا نكس وضوءه وبدأ بغسل رجليه ثم لبس خفيه ثم كمل وضوءه، فقال مالك في "العتبية": لا يفعل، فإن فعل فلا شيء عليه 722.
وعلى قول سحنون لا يجزئه المسح.
والقول بالإجزاء في جميع ذلك أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْهُما فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فدخل بهذا في عموم الحديث.
وإن نزع اليمنى في السؤال الأول ثم أعادها أو نزعهما جميعًا في السؤال الآخر ثم أعادهما، جاز المسح قولًا واحدًا.
واختلف فيمن كان على طهارة فقال: ألبس خفي كيما أمسح عليهما إذا انتقضت طهارتي، أو فعلت ذلك امرأة وقد خضبت رجليها بالحناء كيما تمسح عليها إذا انتقض وضوؤها، فقال في "المدونه": لا خير في ذلك 723.
وقال سحنون: على من فعل ذلك وصلى أن يعيد 724.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: يعيد وإن ذهب الوقت.
ورأى أن الرخصة إنما جاءت فيمن لبسه للحاجة إلى لباسه، ليس ليخفف عن نفسه تلك العبادة.
وقال عبد الملك بن الماجشون في "ثمانية أبي زيد": لا إعادة في ذلك.
واختلف فيمن تيمم ولبس خفيه قبل الصلاة ثم وجد الماء، فقيل: لا يمسح عليهما، وقال أصبغ: يمسح عليهما 725. وجعل التيمم يرفع حكم الحدث
الجزء: 1 - الصفحة: 168
ويصير به في حكم من أدخلهما طاهرتين.
واختلف عن مالك فيمن لبس خفًا على خف ولم يمسح على الأسفل منهما، هل يمسح على الأعلى؟ فأجاز ذلك مرة، ومنعه أخرى وقال 726: إلا أن ينزع الأعلى ويمسح على الأسفل 727.
وإن لبس الأسفل على طهارة ثم أحدث فتوضأ ومسح عليه، ثم لبس الآخر ثم انتقضت طهارته، جاز له أن يمسح على الأعلى قولًا واحدًا 728.
ومن مسح على خفيه ثم نزعهما غسل رجليه بالحضرة ولم يستأنف وضوءه 729، وإن نزع خفًا نزع الآخر وغسلهما.
ولم يجتمع عنده أن تكون إحدى رجليه غسلًا والأخرى مسحًا، ولو لم ينزع الآخر لم أر عليه الإعادة 730.
الجزء: 1 - الصفحة: 169
باب في التيمم وصفته
التيمم واجب عند عدم الماء بالقرآن والسنة والإجماع.
وفصول التيمم سبعة:
فالأول: صفة التيمم والأعضاء التي تيمم.
والثاني: ما يتمم به.
والثالث: الأعذار التي تبيح التيمم.
والرابع: هل يتيمم للحدث الأصغر دون الجنابة أو لهما جميعًا؟.
والخامس: هل يتيمم للسنن والنوافل؟.
والسادس: هل يصلي بتيمم واحد صلوات؟.
والسابع: الأوقات التي يتيمم فيها.
فصل [فيما ييمم من الأعضاء وصفة التيمم]
التيمم في عضوين: الوجه واليدين دون ما سواهما من أعضاء الوضوء.
والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6].
وصفة التيمم عن الوضوء والجنابة في ذلك سواء، فأمّا الوجه فيمسح جميعه، ويبلغ به حيث يبلغ بوضوئه 731 بالماء.
واختلف في اليدين في أربعة مواضع: في تجديد التيمم لهما بعد الوجه، وفي مبلغ التيمم منهما، وفي صفة مرور اليد، وفي تخليل الأصابع:
الجزء: 1 - الصفحة: 170
فأما تجديد التيمم فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "المدونة": يستأنف لهما التيمم 732. وقال في كتاب محمد: إن لم يفعل وتيمم بضربة واحدة أجزأه ولم يعد 733.
وقال ابن حبيب: يعيد ما لم يخرج الوقت، وقال ابن نافع: يعيد وإن خرج الوقت 734.
وقال ابن الجهم: يتيمم بضربة واحدة، لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، معناه: فاقصدوا، فكان القصد مرة؛ إذ لم يذكر مرتين.
وهذا أبين؛ لظاهر القرآن، ولحديث عمار - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أَجْنَبَ وَتَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ: "أَمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِما ثُمَّ مَسَحَ بِهَما وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ".
أخرجه البخاري ومسلم 735.
وقد تتوجَّه المسألة على وجهين:
- فعلى القول بجواز التيمم على الصفا وما لا يعلق باليد يتيمم بضربة واحدة.
- وعلى القول أنه لا يتيمم إلا بالتراب تجزئه ضربة واحدة إذا بقي في اليدين بعد الوجه ما يعم به اليدين، وإن بقي ما لا يعم به استأنف الضرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
واختلف في مبلغ التيمم من اليدين، فقال مالك في "المدونة": يتيمم إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت 736. وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون 737 ": يعيد أبدًا 738. وذكر ابن الجهم، وأبو الفرج عن مالك أن الفرض إلى الكوعين، ويستحب ذلك إلى المرفقين 739. والقول الآخر 740 أحوط لمعارضة عمر لعمار في نفس 741 الحديث، وإذا رُجِعَ في المسألة إلى القياس كان حمل الآية في التيمم على الوضوء أولى من حملها على آية القطع 742؛ لكونهما طهارة تستباح بهما الصلاة، وإذا كانت آيتان مقيدتين
الجزء: 1 - الصفحة: 172
وثالثة مطلقة كان رد المطلقة إلى المقيدة من جنسها أولى من ردها إلى ما ليس من جنسها.
وقال ابن شهاب: يتيمم إلى المنكبين 743.
وذكر الداودي عن بعض أهل العلم أنه قال: الفرض إلى الكوعين، وإلى المرفقين سنة، وإلى المنكبين فضيلة.
وأما صفة تيمم اليدين فقال مالك في "المدونة": يبدأ باليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكفين 744 إلى المرفقين، ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين، ويمر اليمنى على اليسرى مثل ذلك 745.
يريد: ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض.
وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في ذلك حد.
وأراهم التيمم ومسح 746 بطون 747 الكفين ومسح الذراعين على نحو الغسل في الوضوء، وقال: لا فرق بينهما.
وقول مالك أحوط وأعم بالتراب، وإن فعل على الصفة الأخرى أجزأه إذا أبقى في يديه من التراب ما يعم به.
وأما على القول أنه يتيمم بالصفا فلا يبالي ما فعل.
ويختلف في تيمم ما تحت الخاتم وفي تخليل الأصابع، فقال محمد بن عبد
الجزء: 1 - الصفحة: 173
الحكم: ينزع الخاتم ثم يتيمم.
وقال ابن شعبان: يخلل المتوضئ أصابع يديه: قال: وهو في التيمم أقوى سبيلًا؛ لأن الماء يبلغ ما لا يبلغ التراب (1).
وقال محمد بن مسلمة: ليس ينبغي لأحد أن يتعمد ترك شيء من العضو الذي يمسح في التيمم ولا في الوضوء، فإن ترك القليل من ذلك أجزأه؛ لأن المسح لا يعم العضو ولا بد أن يبقى بعضه.
فعلى هذا القول يصح تيممه وإن لم ينزع (2) الخاتم أو لم يخلل الأصابع.
فصل [في أقسام المتيمم به من الأرض]
المتيمم به من الأرض على ثلاثة أقسام:
جائز: وهو التيمم بالتراب الطاهر، وهو إذا كان على الأرض ولم ينقل عنها، كانت تلك الأرض من الجنس المعهود غالبًا أو على غير ذلك، كالكبريت والزرنيخ ومعدن الحديد والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك.
وممنوع وهو: التيمم بالتراب النجس، لقول الله سبحانه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والطيِّب ها هنا: الطاهر، وبما لا يقع به التواضع لله، كالزبرجد والياقوت وتبر الذهب، ونقار الفضة وما أشبهه، فهذا وإن كان أحد أبعاض الأرض لا يصح التيمم به، ولو أدركته الصلاة وهو في معدنه ولم يجد سواه جاز أن يتيمم على تلك الأرض.748749
الجزء: 1 - الصفحة: 174
ومختلف فيه: وهو التيمم بالتراب إذا لم يكن على الأرض، والتيمم بالأرض إذا كانت صفا لا تراب عليها، كالجبل والصخور والرمل الغليظ؛ وما له حرمة الطعام، كالملح.
وما يكون على الأرض وليس من جنسها، كالخشب والحشيش.
وشاركه في هذا الوجه الملح الذي ليس بمعدني، أو صعد عليها وليس منها؛ كالثلج والجليد والبرد والماء الجامد 750، فأجاز ابن القاسم في "كتاب محمد" أن يؤتى المريض بالتراب ليتيمم به 751، ومنعه ابن بُكير 752 واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 753، قال: ولا يكون ذلك إلا بمباشرة الأكف الأرض.
والأول أصوب؛ للحديث المتقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم على جدار 754؛ ولأن المعنى المقصود من الأرض موجود فيما نقل عنها.
ومثله لو أتي المريض بصخرة على قول 755 من قال: إن التيمم بالصفا يجوز،
الجزء: 1 - الصفحة: 175
ولم يجز على قول ابن بكير.
ولا يختلف المذهب أن البداءة بالتراب أولى.
وهو ظاهر "المدونة" في قوله: يتيمم على الحصباء 756 والجبل إذا لم يجد المدر 757.
ولا يختلف أيضًا أنه يجوز التيمم بما لا تراب عليه عند عدم التراب.
واختلف في جواز التيمم به مع وجود التراب فقيل: ذلك جائز، وقيل: لا يجوز.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: الصعيد 758 عند مالك: الأرض 759. يريد: كان عليها تراب أم لا.
وقال عبد الملك بن حبيب: الصعيد: التراب 760. فمن تيمم على الحصباء أو الجبل ولا تراب عليه وهو يجد ترابًا- أساء، ويعيد ما دام في الوقت، وإن كان غير واجد للتراب فلا إعادة عليه.
وقال ابن شعبان: لا يتيمم على رمل لا تراب فيمع ولا على حجر قد سقط ترابه 761. وفي "المبسوط": سئل مالك عن التيمم على الحجارة أو الثلج أو الماء الجامد إذا لم يجد الصعيد، فقال: لا بأس به 762، قال: وإذا وجد الصعيد فأحب إلي أن يتيمم به.
وهذا مثل قول ابن حبيب لأنه قال: فإذا وجد الصعيد، ولم يجعل
الجزء: 1 - الصفحة: 176
الأول 763 صعيدًا.
واختلف أهل اللغة في ذلك فقال بعضهم: الصعيد وجه الأرض، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": الصعيد: التراب.
وقال في كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي: خُذ من غباره 764.
وفي كتاب مسلم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لِي طَهُورًا" 765.
واحتج من نصر هذا القول أن القرآن نزل على الغالب من الماء وهو المطلق، وعلى الغالب 766 من الأرض دون النادر، والغالب من الأرض التراب، ولا يكاد يعدم ذلك إلا نادرًا.
ولا يتيمم على المصنوع من الأرض كالآجر والجص والجير بعد حرقه، فإن فعل مع القدرة على غير مصنوع من الأرض 767 أعاد في الوقت وبعده 768.
وإن تيمم عليه مع عدم غيره أجزأه؛ لأنه قد كان له أن يصلي على أحد الأقوال بغير تيمم.
واختلف الناس في التيمم بالملح فأُجيز ومنع، وقيل: يجوز بالمعدني ولا يجوز بغيره، وأجازه القاضي أبو الحسن علي بن القصار جملة من غير تفصيل
الجزء: 1 - الصفحة: 177
لمعدني 769 ولا غيره 770.
قال الشيخ 771: والذي أختاره الوقوف عن التيمم به؛ لأنه طعام يحرم فيه التفاضل، ويمنع من بيعه قبل أن يستوفَى، وهو في غير المعدني أبين؛ لأنه ماء جامد خارج عن الصعيد، ولا خلف أن حكمه في الاستجمار به غير حكم الصعيد، وقد يفرق بين حكم التيمم والاستجمار لملاقاته النجاسة.
ويجوز التيمم بتراب السباخ إذا لم يصر ملحًا قولًا واحدًا.
واختلف عن مالك في التيمم بالثلج، فأجازه في الكتاب 772، ومنعه في مدونة أشهب 773 وإن لم يجد ترابًا، وهو عنده كالعدم.
وقال عبد الملك بن حبيب: من تيمم به وصلى وهو قادر على الصعيد أعاد وإن ذهب الوقت، وإن كان غير قادر أعاد ما لم يذهب الوقت 774.
ويختلف في الماء الجامد والجليد قياسًا على الثلج، وأجاز القاضي أبو الحسن ابن القصار التيمم على الحشيش 775، وأجاز في "مختصر الوقار" التيمم على الخشب.
وأرى أن يعيد من تيمم بشيء من ذلك وإن ذهب الوقت، وإن لم يجد سواه تيمم به وصلى وذلك أولى من صلاته بغير تيمم؛ لأنه لم يبق إلا التيمم أو يدع الصلاة، أو يصلي بغير تيمم على القول الآخر، وصلاته بمختلف فيه أولى وأحوط من تركه الصلاة 776.
الجزء: 1 - الصفحة: 178
فصل [فيمن يباح له التيمم]
أباح الله -عز وجل- في كتابه التيمم لرجلين: مريض مقيم، وصحيح مسافر، وللمريض خمسة أحوال يجوز له التيمم فيها:
وهو أن يعدم الماء، أو يجده ويعدم من يناوله إياه، أو يجد من يناوله ويخاف متى استعمله (1) موتًا أو زيادة مرض أو تأخر بُرْءٍ.
والأصل في هذين إذا خاف زيادة مرض أو تأخر برء قول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقوله -عز وجل-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ولأنها حالة تبيح الفطر للصائم وإن كان يتأخر الأداء (2) إلى زمان آخر فكان التيمم أجوز، وإذ جاز التيمم مع وجود الماء إذا أغلى (3) عليه في الثمن، كان لما يلحقه من الضرر في الجسم أبين، وهذا القسم إذا خشي الموت أو دخول علة يستوي فيها المريض والصحيح والمقيم والمسافر.
فصل [في تيمم المسافر ومتى يصح؟]
التيمم للمسافر يصح عند عدم الماء، ومع وجوده إذا كان يخاف موتًا أو مرضًا ينزل به أو حمى أو سباعًا أو لصوصًا حالت بينه وبين الماء، أو كان معه من هو غير مأمون متى فارق رحله ذهب به، أو كان معه من الماء قدر شربه وهو يخاف العطش، وإن استسقاه غيره وخاف عليه كان عليه أن يسقيه إياه777778779
الجزء: 1 - الصفحة: 179
ويتيمم.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية" 780.
وإذا وجد الماء بثمن، وكان قليل الدراهم جاز له التيمم، وإن كان موسعًا عليه كان عليه أن يشتريه ما لم يَغْلُ عليه في الثمن.
ورَوى عنه أشهب في سماعه أنه قال: يشتريه بثمن مثله.
قيل له: لو وجد قربة بعشرة دراهم وهو ذو دراهم كثيرة؟ فقال: ما هذا على الناس، إنما عليه أن يشتريه بالثمن المعروف في ذلك الموضع 781.
وقال أبو القاسم ابن الجلاب: يحتمل أن يحدّ غلاؤه بالثلث 782 زائدًا 783، يريد: فإذا بلغ ذلك جاز له التيمم.
وأرى أن ينظر إلى ثمنه بذلك الموضع، فإن كان رخيصًا كان عليه أن يشتريه، وإن زيد في ثمنه مثله أو مثلاه، مثل أن يكون ثمنه بذلك الموضع الدرهم والدرهمين- فلا مضرة في شرائه بثلاثة وأربعة؛ لأن جميع ذلك لا خطب له، والصلاة أولى ما احتيط لها، وقد يكون ثمنه بذلك الموضع غاليًا، فتكون الزيادة الكثيرة مع 784 الثمن الأقل 785 مما يضر 786 به.
الجزء: 1 - الصفحة: 180
فصل [في تيمم الصحيح المقيم]
ويصح التيمم للصحيح المقيم وهم ثلاثة:
- من يخاف على نفسه متى استعمل الماء، وقد تقدم ذكره.
- ومسجون.
- ومن ضاق عليه الوقت.
فإن لم يتيمم خرج الوقت.
فيجوز التيمم للمسجون لأنه كالمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء ويمنعه المرض من تناوله، والسجن والمرض يمنعان من الطلب 787. ومثله إذا كان الماء موجودًا وهو مربوط، أو غير مربوط والماء في بئر وعدم الآلة التي ينتزع بها 788. واختلف إذا لم يكن مسجونًا وهو في ضيق من الوقت، فإن طلب الماء خرج الوقت- على ثلاثة أقوال: - فأجاز له مالك أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت.
- وقال أيضًا: يعيد الصلاة إن وجد الماء في الوقت.
- وقال في "كتاب محمد": يطلب الماء وإن خرج الوقت 789. ولم ير له أن يتيمم؛ لأن القرآن ورد في التيمم للمقيم بشرط المرض.
والقول الأول أحسن؛ لأن المعنى الذي جاز به التيمم للمسافر وإن كان صحيحًا وللمريض المقيم- إذا عدم الماء في الوقت لئلا يخرج الوقت عنه وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 181
بغير صلاة ولا مُؤد لتلك العبادة.
وإن كانا قادرين على استعمال الماء بعد ذهاب الوقت، فقدم الله سبحانه فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء.
وهذا المعنى موجود في الحاضر الصحيح، وإنما خصّ الله -عز وجل- المريض المقيم والصحيح المسافر دون الحاضر الصحيح؛ لأن الغالب عدم الماء لمثلهما، وليس ينزل ذلك بالصحيح الحاضر إلا نادرًا، فإذا نزل به مثل ذلك ألحق في الحكم بهما.
ثم لا يخلو الصحيح المقيم من أربعة أحوال:
إما أن يكون عادمًا للماء فإن طلبه في طرف المدينة خرج الوقت، أو واجدًا للماء عادمًا للآلة التي ينزعه بها، أو واجدًا للالة فإن تشاغل بانتزاعه واستعماله خرج الوقت، أو كان في إناء فإن توضأ به 790 خرج الوقت 791.
وقد تقدم الكلام على عادم الماء، وعادم الآلة التي يتناول بها مثله، أنه يدخل في جملة من لا يجد، ولا فرق بين عدم القدرة على أداء الصلاة والطهارة في الوقت للاشتغال بطلب الماء أو بطلب الآلة.
وأما إذا كانت الآلة موجودة وكان فوت الوقت لاشتغاله بنزع الماء واستعماله، أو لاستعماله من الإناء خاصة، فلا يقع 792 عليهما اسم العدم، ولا أنهما 793 غير واجدين، إلا أنهما يتساويان في أنهما متى اشتغلا بشيء من سبب الطهارة بالماء خرج الوقت، وقد استقرئ من كتاب الله -عز وجل- فضيلة الوقت على فضيلة الطهارة بالماء، فلم يفترق أن يكون ذلك لسبب الماء أو لسبب استعماله، وهذان الوجهان يشترك فيهما المقيم والمسافر، وقد قال مالك في "المدونة" في الذي يأتي البئر آخر الوقت فإن نزع الماء بالرِّشاء 794 وتوضأ خرج الوقت:
الجزء: 1 - الصفحة: 182
فليتيمم (1). فراعى الوجهين جميعًا: قدر نزع الماء واستعماله، فيجيء على هذا إذا كان الماء في الإناء أن يراعى قدر استعماله.
وإن خشي خروج الوقت أو لا يدرك ركعة من الصلاة- تيمم، ولو منع هذا من التيمم لراعى في الأول قدر نزع الماء وحده.
وقال أبو جعفر الأبهري: قال مالك: ويجوز التيمم إذا خاف فوات الوقت متى تشاغل بالغسل أو الوضوء.
فصل [فيمن فقد الماء ومن في حكمه]
قول الله -عز وجل-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] يتضمن طلب الماء و 796 منع التيمم إلا بعد الطلب وإعوازه.
وهذا يتوجّه على من يقدر على استعمال الماء ويرجو بطلبه وجوده، فأما من كان لا يقدر على استعمال الماء لمرض أو كان مجدورًا 797 أو محصوبًا 798، أو هو صحيح يخاف على نفسه متى استعمله، أو كان بمخافةٍ 799 يعلم أنه لا ماء بها، فالطلب عنه ساقط؛ وكثير من المواضع يعلم أنه لا ماء بها وأن الماء بأماكن معلومة لا يطلب إلا بها.
وإن كان ممن يقدر على استعمال الماء، وبمكان يشك به الماء أو طلبَهُ 800 فيما795
الجزء: 1 - الصفحة: 183
قرب وعلى صفة لا يدركه فيها 801 مشقة- فإن الدِّين يسر، وليس طلب من كان نازلًا في منهلٍ كمن هو على ظهر يخاف مفارقة أصحابه، وليس الشيخ كالشاب ولا المرأة كالرجل، ولكل واحد منهم ما يطيقه من غير مشقة.
وإن كان في موضع لا ماء فيه وهو في رفقة معهم الماء، فإن كانوا ممن يمنعون من سألهم 802 لبعدهم عن الماء الذي أمامهم، جاز له التيمم من غير سؤال لهم، وهو قول مالك في "العتبية".
وإن كان يرجوهم إذا سألهم كان عليه أن يسألهم، فإن كانوا نفرًا قليلًا سأل جميعهم، وإن كانت رفقة كثيرة قال مالك: فليس عليه أن يطلب أربعين رجلًا 803.
وقال ابن جيب عن أصبغ: يطلبه في الرفقة الكبيرة 804 ممن حوله ومن 805 قرب، فإن لم يفعل هذا: فقد أساء، ولا يعيد، وإن كانت رفقة قليلة فلم يطْلب 806 أعاد ما دام في الوقت، وإن كانت مثل الرجلين والثلاثة أعاد أبدًا 807.
فجعل طلبه من الرفقة الكبيرة استحسانًا، وهذا ضعيف، وتوجه الخطاب في الطلب من النفر اليسير 808 من الرفقة الكبيرة كتوجهه لو كانوا بانفرادهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 184
ولا وجه أيضًا لإيجابه الإعادة بعد خروج الوقت إذا كانوا نفرًا مثل الرجلين والثلاثة، وأرى إن كان الغالب عنده أنهم يعطونه إذا سأل 809 أعاد أبدًا في الموضعين جميعًا، وإن أشكل الأمر ولم يغلب أحد الأمرين جاز أن يقال: يعيد في الوقت؛ لأن الأصل العلم، وكون الماء ملكًا لغيره، فلا تجب الإعادة بالشك، وأن يقال: الإعادة أبدًا لأن الأصل الطلب، ولا يصحُّ التيمم إلا بعد العلم واليأس في الغالب، ولم تأت هذه الحالة بعد.
واختلف عن مالك فيمن تيمم ومعه ماء فنسيه، فقال في "المدونة": إن صلى أعاد ما دام في الوقت 810.
وقال في "المجموعة": لا إعادة عليه.
وروي عنه أنه قال: يعيد أبدًا.
وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 811 وأصبغ، في كتاب ابن حبيب.
فلم يوجب عليه الإعادة في القول الأول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأُ وَالنِّسْيَانُ" 812؛ ولأنه مخاطب عندما نسي ألا يدع الصلاة وأن يتيمم ذلك الوقت.
الجزء: 1 - الصفحة: 185
فصل [فيمن تيمم ثم وجد الماء]
المتيمم يجد الماء على أربعة أوجه:
إما أن يجده قبل أن يتلبس بالصلاة وهو في سعة من الوقت.
أو في وقت لا يقدر على استعماله والصلاة قبل ذهاب الوقت.
أو في حين كونه في الصلاة.
أو بعد فراغه منها وقبل ذهاب الوقت.
فإن وجده قبل أن يتلبس بالصلاة، وهو في سعة من الوقت بطل تيممه وتوضأ 813، وإن كان في ضيق من الوقت إن توضأ لم يدرك الصلاة، لم يجب عليه استعماله على الصحيح من المذهب، والمراعى من التشاغل باستعماله على قدر ما تدل عليه الآثار من صفة 814 وضوئه - صلى الله عليه وسلم - 815، ليس على ما يكون من التراخي وبعض الوساوس.
فإن طرأ عليه الماء وهو في الصلاة لم يجب عليه استعماله، وإن كان في اتساع من
الجزء: 1 - الصفحة: 186
الوقت وأتم على ما هو عليه 816. ويجري فيها 817 قول آخر: إنه يقطع، قياسًا على أحد القولين في الأمة تعتق وهي مكشوفة الرأس في الصلاة، والعريان يجد ثوبًا وهو في الصلاة 818 ومن ذكر صلاة نسيها وهو في الصلاة 819، أو كان مسافرًا في حضر فنوى الإقامة بعد ركعة 820، أو صلى بقوم ركعة من الجمعة فقدم والٍ بعزلته 821.
فجميع هذه المسائل مختلف فيها، فقيل: يتمادى ولا شيء عليه، وأن الخطاب يتوجه بذلك قبل أن يتلبس بالصلاة، وقيل: يقطع.
وإن وجد الماء بعد الفراغ وقبل ذهاب الوقت كانت المسألة على وجهين: فإن كان وجود الماء بأن طرأ عليه أو كان بموضع لا يعلمه 822، لم تكن عليه إعادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
وإن كان يعلم بموضعه، وقدَّر أنه لا يصل إليه إلا بعد ذهاب الوقت فوصل إليه قبل (1)، وقد تبين أنه أخطأ في التقدير، أو كان مريضًا يقدر على استعمال الماء ولم يجد من يناوله إياه ثم أتى من يناوله (2) - أعاد في الوقت استحسانًا (3).
فصل [في الجنب لا يجد الماء]
ومن أجنب ولم يجد ماءً- تيمم.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء.
. . .﴾ الآية [النساء: 43]، والملامسة واللمس والمباشرة كناية عن الجماع؛ قال الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].
وقال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
وأصل الملامسة واللمس: الاختبار 826؛ قال الله -عز وجل- حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8].
وَنَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ 827، وهو الذي يختبر جودة ما يشتريه من دناءته باليد من غير نظر.
وقول الله سبحانه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] يريد به المسافر، يتيمم ويصلي،823824825
الجزء: 1 - الصفحة: 188
وليس المراد موضع الصلاة لاستحالة أن يراد بالكلمة الواحدة متضادان: فيراد 828 بها نفس الصلاة في السكارى وموضعها في ﴿عَابِرِى سَبِيل﴾، وهي كلمة واحدة، وإنما ورد النهيان عن شيء واحد وهي الصلاة.
وعلى أنه لو ذكرت الصلاة في موضعين من الآية لم يجز إخراجها عن الحقيقة وهي الصلاة إلى المجاز وهو الموضع إلا بدليل.
وحديث عمران بن حصين قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا معتزلا لم يصل فقال له: "يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ.
فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ كافِيك" 829.
وحديث عمارٍ - رضي الله عنه - قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنما يكفيك أن تفعل 830 هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض ومسح وجهه وكفيه.
وهذان الحديثان أخرجهما البخاري ومسلم 831.
فصل [في أنواع الصلوات التي يتيمم لها]
الصلوات أربع: فرائض، وسنن، وفضائل، ونوافل 832 على الأعيان وعلى الكفاية 833.
الجزء: 1 - الصفحة: 189
فأما المسافر فيصح تيممه لجميع هذه الصلوات.
وهذا قول مالك وأصحابه 834.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم للنافلة لأنه في غير ضرورة منها، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها 835.
وظاهر قوله منع التيمم لما كان من السنن على الكفاية، وقد لا يمنع ما كان منها على الأعيان لأنها في معنى ما لابد منه.
وحكم المريض المقيم فيما يتيمم له حكم المسافر، يتيمم للفرض، ويختلف في تيممه للنفل.
واختلف في تيمم الصحيح المقيم للفرائض، وقد تقدم ذكر ذلك.
ويختلف في السنن إذا كانت على الأعيان كالوتر وركعتي الفجر.
ولا يتيمم للنوافل ولا للسنن إذا كانت على الكفاية، كالجنائز والعيدين على القول إنها على الكفاية.
وقال ابن القاسم في "المدونه" 836 في المسافرين والمرضى لا يجدون الماء؛ إنهم يتيممون لخسوف الشمس أو القمر، ولا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين 837.
قال مالك: لا يصلي على الجنائز بالتيمم إلا المسافر الذي لا يجد الماء 838.
قال: ولا بأس أن يتيمم لمس المصحف، ويقرأ حزبه من لم يجد الماء إذا كان
الجزء: 1 - الصفحة: 190
في السفر 839.
وقال ابن سحنون: سبيل السنن في التيمم سبيل الفرائض الوتر وركعتي الفجر والعيدين والاستسقاء والخسوف، يتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض.
وقال محمد بن عبد الحكم: قال ابن وهب: إذا خرج للجنازة طاهرًا فأحدث ولم يجد ماءً تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم.
يريد أن هذا قصد إلى التيمم اختيارًا، والأول كان متطهرًا فانتقضت طهارته.
وإذا جاز أن يصلي السنن بالتيمم عند عدم 840 الماء، فإنه يختلف فيه مع وجوده إذا كان إذا توضأ فات إدراكها إما لخروج وقت في الوتر وركعتي الفجر أو بفراغ الإمام في العيدين والاستسقاء والجنائز.
وقال مالك في "مختصر ابن عبد الحكم": لا يصلي في الحضر على الجنازة بالتيمم وهو يجد الماء 841. يريد إذا كان متى توضأ فاتته تلك الصلاة.
وعلى القول الآخر يتيمم ويصلي.
وهو أبين للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بالمدينة على الجدار لرد السلام 842.
وقال القاضي أبو الحسن ابن القصار وأبو جعفر الأبهري: قال بعض أصحابنا: إذا خاف فوات الجمعة تيمم لها 843. يريد: لما كانت الجمعة فرضًا على الأعيان، وكان اشتغاله بالوضوء يؤدي إلى فوتها، وأنه لا يقدر على الإتيان بها بعد
الجزء: 1 - الصفحة: 191
فراغ الإمام أشبه ما يخاف ذهاب وقته من غيرها من الصلوات.
وقيل: لا يتيمم لها لأنّ الوقت باق للظهر وهو بدل من الجمعة إلا أنه بدل عن فائت.
وقال أشهب في "مدونته" فيمن أحدث في صلاة الجمعة: فلا يتيمم وإن خاف إن ذهب يتوضأ أن تفوته الجمعة، كان فعل لم يجزه.
فصل في الأوقات التي تؤدى فيها الصلاة بالتيمم
الأوقات التي تؤدى فيها الصلوات بالتيمم أوقات الاختيار، لا أوقات الضرورات، فكل وقت تؤدى فيه الصلاة بالوضوء ولا يجوز تأخيرها عنه مع الاختيار هو الوقت الذي تؤدى فيه الصلاة بالتيمم لا تؤخر عنه.
والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمر بأداء الصلاة عند عدم الماء بالتيمم في الوقت الذي تؤدى فيه بالوضوء، وما ذكر في الروايات من التأخر إلى آخر الوقت فالمراد به آخر وقت الاختيار في الظهر: آخر القامة، والعصر: ما لم تصفر الشمس، وفي المغرب: ما لم يغب الشفق، وفي العشاء: ما لم يذهب نصف الليل 844.
والمسافر العادم للماء ثلاثة أوجه: آيس من وجوده، وموقن بوجوده قبل خروج الوقت، وشاكٌّ.
والشاكُّ على وجهين: هل بذلك الموضع ماء؟، وموقن بوجوده شاك هل يبلغه قبل خروج الوقت أو لا 845.
فمن كان على إياس من وجوده تيمم أول الوقت، ومن كان على يقين منه
الجزء: 1 - الصفحة: 192
أخَّر إلى آخره، ومن كان على شك تيمم أوسطه.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في تأخير الموقن: إن ذلك ليجمع بين الوقت وكمال الطهارة، وفي تقديم اليائس: لأن في تأخيره فوات الأمرين، وفي الشاك لأنه لم يبلغ به قوة الرجاء أن يؤخره ولا ضعفه أن يقدمه 846.
واختلف فيمن كان على يقين من بلوغه قبل ذهاب الوقت فلم يؤخر وتيمم أوله، فقال ابن القاسم في "المدونة": يعيد ما دام في الوقت 847، وقال ابن حبيب: يعيد كان ذهب الوقت.
والقول الأول أحسن؛ لقوله سبحانه: ﴿إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فأمره بالصلاة بالتيمم في الوقت الذي أمر فيه بالصلاة بالوضوء، ولم يفرق 848، وإيقاع الصلاة آخر الوقت توسعةٌ على المصلي لا حقٌّ عليه، وإن كان ذلك فمن حق من تعبد 849 بصلاة إذا دخل الوقت أن يُقدم على أدائها 850، وله أن يبرئ ذمته منها، فإن وجد ماءً توضأ، كان لم يجده تيمم.
ولو أراد من كان على إياس من الماء أو شاكٍّ أن يؤخِّر التيمم والصلاة إلى آخر الوقت، كان ذلك له كما ذلك له في الوضوء.
وإنما التعجيل فمن باب أولى.
ويتيمم المريض الذي لا يقدر على استعمال الماء، وإن كان يقدر على
الجزء: 1 - الصفحة: 193
استعماله وهو على إياس ممن يناوله إياه تيمم أول الوقت، وإن كان على شك تيمم وسط الوقت 851.
وقد اضطرب المذهب في الوقت الذي يتيمم فيه، فروى السنن وهب وابن نافع عن مالك أنه قال: لا يتيمم أحد من أهل التيمم إلا أن يخاف فوات الوقت 852.
وروى عنه ابن عبد الحكم في "المختصر" أنه قال: يتيمم المسافر في أول الوقت 853. ولم يزد، ولم يفرق بين آيس ولا غيره 854.
وقال 855 في "المجموعة": من لم يجد الماء تيمم وسط الوقت، وإن رجاه فمتى يخاف فوات الوقت، وجعله على قسمين 856.
ولمطرّف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 857 في كتاب ابن جيب فيمن كان على إياس: فأول الوقت ومن سواه آخر الوقت 858.
فجعلوه أيضًا على قسمين ولم يجعلوا وسطًا.
والذي أختاره أن لكل عادم للماء وهو يائس أو شاك أو موقن بإدراكه
الجزء: 1 - الصفحة: 194
قبل ذهاب الوقت أن يوقع (1) الصلاة بالتيمم أول الوقت أو وسطه أو آخره، وهو في ذلك بالخيار حسب ما يفعله المتوضئ بالماء.
هذا في باب ما يجوز له، والاستحسان ما ذكره ابن القاسم عن مالك.
فصل [في رفع حكم الحدث بالتيمم والخلاف فيه]
واختلف في التيمم هل يرفع حكم الحدث أم لا؟ واختلف بعد القول: إنه لا يرفع حكم الحدث 860 هل يصلي به صلوات إذا كان ممن لا طلب عليه كالمجدور والمحصوب والمريض الذي لا يقدر على مس الماء، أو مسافر بموضع لا يرجو الماء فيه.
فذهب غير واحد من البغداديين إلى أنه لا يرفع حكم الحدث.
وقال ابن القاسم في "المدونه" في الحائض ترى الطهر وتعدم الماء فتتيمم، قال: ليس لزوجها أن يطأها؛ لأن حكم التيمم طهر لما كانت فيه، فليس لزوجها أن يدخل عليها ما ينقض ذلك 861، فأوقع على التيمم اسم الطهارة وأن المس ينقضها.
وقال أصبغ فيمن تيمم ثم لبس خفيه قبل أن يصلي بذلك التيمم: أن له أن يمسح على الخفين متى أحدث 862.
وجعله بذلك التيمم في حكم من أدخل رجليه في الخف وهما طاهرتان.859
الجزء: 1 - الصفحة: 195
وقال ابن القرطي: إذا تطهرت الحائض بالماء أو بالتيمم حل له ما كان محرمًا منها 863. وقال محمد بن مسلمة في المبسوط 864: المتيمم يؤم المتوضئين: لا بأس به 865. قال: لأنه قد تطهر بالتيمم الذي أمره الله -عز وجل- به كما يطهر بالماء الذي أمرهم الله به.
وقال مالك في "الموطأ": ليس الذي وجد الماء بأطهر منه 866.
وأجمع هؤلاء على أن التيمم يرفع حكم الحدث، وهذا هو الصحيح من القول؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" 867 فوصف التيمم بما وصف الله سبحانه به الماء بقوله -عز وجل-: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، ولا وجه للقول أنه تستباح به الصلاة ولا يرفع حكم الحدث، وهذا كلام متنافٍ؛ لأن حكم الحدث إنما يمنع الصلاة، فإذا أبيحت بالتيمم ارتفع الحكم الأول وهو المنع، وقد قال أبو محمد عبد الوهاب في المتوضئ بالماء معنى رفع الحدث: إنما ينوي استباحة كل شيء كان الحدث مانعًا منه 868.
وهذا كلام صحيح؛ لأن حكم الحدث قبل الوضوء يمنع الصلاة، فإذا توضأ استباحها، وإذا استباحها ارتفع حكم الحدث وهو المنع.
الجزء: 1 - الصفحة: 196
ولا يعترض هذا بكونه لا تؤدى به إلا صلاة واحدة؛ لأنّا لو تعبدنا في الوضوء بالماء ألا نؤدي به إلا صلاة واحدة لم نقل إن حكم الحدث لتلك الصلاة لم يرتفع، وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ أنه كان يرى أن الوضوء واجب لكل صلاة وأن ذلك باق إلى الآن لم ينسخ 869، أفتراه يقول: إن حكم الحدث لم يرتفع للصلاة الواحدة؟!
وقيل أيضًا: إن الفرض كان قبل فتح مكة أن يتوضأ لكل صلاة.
ولا يصح أن يقال لم يكن حكم الحدث يرتفع لتلك الصلوات التي كانوا يصلونها قبل الفتح، ولا حكم للحدث إلا الامتناع من الصلاة قبل الوضوء والتيمم، وارتفاع حكمه ارتفاع الامتناع، وارتفاع الامتناع الاستباحة لما كان ممنوعًا قبل.
ولا يصلي فرضين بتيممٍ واحد 870، واختلف في الإجزاء إن فعل 871، ولا بأس أن يصلي نفلين، فأكثر بتيمم واحد إذا أتى بذلك متتابعًا.
وإن كان فرضًا ونفلًا نظرت، فإن قدّم النفل استأنف التيمم للفرض كالفرضين 872. واختلف في الإجزاء إن هو لم يفعل، وإن قدّم الفرض جاز له أن يعقبه بالنفل 873، كالنفلين.
وإن كان فرض وسنة فإن قدم الفرض جاز له أن
الجزء: 1 - الصفحة: 197
يصلي به السنة، كالعشاء والوتر، وقاله ابن حبيب 874.
واستحب سحنون أن يستأنف التيمم للوتر، وإن قدم السنة كركعتي الفجر قبل 875 صلاة الفجر استأنف التيمم لصلاة الفجر، واختلف إن هو لم يفعل فقال ابن القاسم: يعيد ما دام في الوقت، وقال أشهب: لا إعادة عليه 876.
وقال ابن القاسم في "المدونة" فيمن تيمم لفرض فركع به ركعتين قبل أن يصلي ذلك الفرض، قال: فليعد التيمم؛ لأنه لما صلى به النفل انتقض تيممه.
فعلى هذا يعيد وإن ذهب الوقت لأنه قال: انتقض تيممه 877.
واختلف أيضًا فيمن تيمم للنفل فصلى به فرضًا قبل أن يصلي به ذلك النفل، أو بعد ما صلاه: هل يعيد ما دام في الوقت أو أبدًا 878؟!
واختلف إذا صلى فرضين بتيمم واحد على ثلاثة أقوال:
فقال في كتاب محمد: إن فعل ذلك ناسيًا أو جاهلًا جمعهما 879 أو فرقهما أعاد الآخرة في الوقت 880.
وقال أيضًا: يعيدهما وإن ذهب الوقت.
وقال أصبغ: إن جمعهما وهما من وقت واحد أعاد الآخرة في الوقت، وإن جمعهما وهما من وقتين مثل الصبح والظهر أعاد الآخرة وإن ذهب الوقت 881. ولم يذكر إذا فرقهما وهما من وقت واحد 882، وقال مالك في "المدونة" في
الجزء: 1 - الصفحة: 198
المجدور والمحصوب: يتيممان لكل صلاة أحدثا أو لم يحدثا 883.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في بعض كتبه: من أصحابنا من يجيز أن يجمع في الفوائت 884. والمريض الذي لا يقدر على مس الماء 885. قال الشيخ -رحمه الله-: والصحيح إذا كان بموضع لا يرجو به الماء مثل المريض؛ لأنهما متساويان في سقوط الطلب.
وقاله أبو الفرج في المنسيات إذا أتى بها في فور واحد أنه يصلي جميعها بتيمم واحد 886.
وقد تضمنت هذه المسائل أربعة أقوال:
فالأول: وجوب التيمم لكل صلاة على أي حال كان المصلي من مرض أو غيره، وعلى أي حال 887 كان الأداء من جمع أو تفرقة أو منسيات أو غير ذلك لإيجابه الإعادة وإن ذهب الوقت من غير اعتبار لشيء من هذه الوجوه.
واحتج من نصر هذا القول بقوله -عز وجل-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا.
. .﴾ الآية [المائدة: 6]، فاقتضت تجديد الطهارة عند القيام لكل صلاف فسقط تجديد الطهارة بالماء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى صلاتين من وقتين بتيمم واحد 888، وعن الصحابة في ذلك أنهم قالوا: يجزئ أحدنا وضوءه ما لم يحدث 889، 890، وبقي التيمم على الأصل
الجزء: 1 - الصفحة: 199
أنه يجب كلما 891 قام إلى الصلاة.
والقول الثاني: أن تجديد التيمم استحباب؛ لأنه لم ير عليه إعادة إذا خرج الوقت، وإن فرق الأداء ولم يجمع ولم يعتبرها هل هي من وقت أو وقتين؟.
والحجة لهذا القول: الآية، وأن الله سبحانه أمر بالوضوء وبالتيمم عند عدم الماء، فكان الحكم أن ينوب منابه ويحل محله، وقد أبان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أنه ليس يجب كلما قام إلى الصلاة، وأن ذلك إذا انتقض الأول بأحد الأحداث المتقدم ذكرها في أول الكتاب، وليس فعله نسخًا للتلاوة.
وإذا كان ذلك 892 لم ينتقض التيمم إلا بوجود الماء أو بأحد الأحداث.
والقول الثالث: ما حكاه أبو الفرج أنه يجوز أن تؤدى به صلوات كثيرة إذا توجه الخطاب بالأداء في وقت وكان الأداء متتابعًا، فيكون في معنى القيام الواحد.
وإلى هذا يرجع قول أصبغ 893 لأنه راعى فعلين: الجمع، وكونهما من وقت.
ومحمل قوله في الإعادة على أنه عجل العصر وأشركها مع الظهر؛ لأنه لو فعل ذلك في الوضوء بالماء لأعاد العصر ما لم يذهب الوقت، ولو أخر الظهر ثم جمع بينهما في وقت العصر لم يعد لتوجه الخطاب فيهما حينئذ كالمنسيتين.
وإن صلى الظهر في آخر القامة وصلى العصر في أول القامة الثانية أعاد العصر ما لم يذهب الوقت؛ لأنه تيمم لها قبل دخول وقتها المختار.
والرابع: تيمم من لا يقدر على مس الماء أنه يجوز له أن يصلي به صلوات لما كان ممن لا طلب عليه.
وفي جميع هذا نظر، والقياس أن لا فرق بين أن تكون الصلوات كلها
الجزء: 1 - الصفحة: 200
فرضًا أو كلها نفلًا، أو بعضها فرض وبعضها نفل، فقدم الفرض أو النفل؛ فإن الجواب على تسليم القول أن مقتضى الآية وجوب التيمم كلما أحدث صلاة، وأن تيممه منتقض بسلامه من الفرض فلا يصلي به فرضًا آخر، أي: لا يصلي به نفلًا للإجماع على أنه لا يصلى نفل بغير تميم.
ولا يصح أن يقال: إن تيممه باق منتقض في حال واحدة، للفرض منتقض، وللنفل باق.
فإن قيل: إن كل ما أتى به نسقًا في معنى القيام الواحد، ولهذا جاز أن يُعْقِبَ الفرض بنفل.
قيل له: فيجوز 894 إذا سلّم من نفلٍ أن يُعْقِبَه بفرض وأن يعقب الفرض بفرض؟!
وإن قيل: إنه غير منتقض التيمم إذا صلى به نفلًا، فإن له أن يصلي به نفلًا آخر، فإن لم يصله بالأول جاز له أن يصلي به فرضًا وإن لم يصله بالنفل إذا كان تيممه الأول بعد دخول وقت الفرض أو قبل ذلك إذا لم يكن مخاطبًا بطلب الماء 895.
وقال مالك في "سماع أشهب" في مسافر تيمم لركعتي الفجر: أيتيمم للصبح تيممًا آخر؟! فقال: نعم؛ لا يأتي من ذلك إلا خير؛ الأرض تحت قدميه.
فأبان أن قوله في التجديد للتيمم على وجه الاستحسان، وعلى قوله إذا صلى فرضيين بتيمم واحد ولم يجمع بينهما أنه يعيد الآخرة ما لم يذهب الوقت، يكون تجديد التيمم إذا تباعد ما بين النفلين أو ما بين النفل والفرض استحسانًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 201
فصل [يتيمم من به جراحات]
ومن كانت به جراح متفرقة في جسده، ولا يقدر على غسل السالم إلا بضرر يصل إلى الجراحة تيمم، وإن كان في شق - غسل ما صح ومسح على ما لم يصح.
وسواء كانت الجراحة في أكثر الجسد أو في أقله، ما لم يكن السالم قليلًا جدا كاليد والرجل فيتيمم.
واختلف في الجنب يتيمم للصلاة ناسيًا للجنابة، فقال في "المدونة": لا يجزئه وعليه أن يتيمم ويعيد الصلاة 896، وروي عنه أنه تجزئه.
وقاله محمد بن مسلمة في المبسوط 897؛ لأن التيمم جعل حدًا واحدًا بدل الوضوء والغسل 898.
ويختلف إذا نوى بالتيمم الجنابة ثم أحدث هل ينوي ثانية 899 بالتيمم الحدث الأصغر أو الجنابة؟
فعلى الظاهر من المذهب ينوي بالثاني الجنابة، وعلى ما قاله ابن شعبان أن له أن يصيب الحائض إذا طهرت وتيممت 900 - ينوي بالثاني الحدث الأصغر.
وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في "المدونة" لأنه قال في الحائض تطهر وهي في السفر ولا ماء معها فتيممت وصلت ثم أراد زوجها أن يطأها، قال: ليس له ولا لها أن يدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء، فإن وقع الجماع فقد أدخلا على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء وهو الغسل 901.
الجزء: 1 - الصفحة: 202
فصل [في فاقد الطهورين الماء والصعيد]
واختلف فيمن لم يجد ماءً ولا وجد للصعيد سبيلًا على أربعة أقوال 902:
فذهب مالك وابن نافع إلى أنه غير مخاطب بالصلاة في الوقت ولا بالقضاء بعد الوقت 903.
وقال أشهب: يصلي ولا يقضي.
وقال ابن القاسم: يصلي ويقضي، وإن ذهب الوقت.
وقال أصبغ: لا يصلي ويقضي.
وروى معن بن عيسى عن مالك في "كتاب ابن سحنون" في أسارى ربطهم العدو ليالي ثم خلى عنهم 904 قال: لا يصلون ما مضى 905.
قال سحنون: وكان ابن نافع لا يرى على الذين ينهدم عليهم الحائط 906 الصلاة بعد زوال الوقت 907.
وقال مالك في "المدونة": يقضون ما فاتهم لأن معهم عقولهم 908.
وهذا خلاف ما روى عنه معن، إلا أنه لم يذكر ما أوجب القضاء لأنه كان
الجزء: 1 - الصفحة: 203
عليهم أن يصلوا قبل كما 909 قال أشهب، فلما لم يصلوا وجب القضاء، أو لأنه لا تصح منهم الصلاة بغير تيمم ويجب القضاء كما قال أصبغ.
والذي أختاره أن يصلي على حاله ولا يقضي؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلِى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ".
أخرجه البخاري ومسلم 910.
فثبت أنه مخاطب بالصلاة دون القضاء من وجهين:
أحدهما: أنه لم ينكر عليهم فعلهم؛ فلو كان 911 غير جائز لأبانه 912؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإذا كان فعلهم جائزًا كانت الصلاة واجبة؛ لأنه إذا جاز أداء الفرض على تلك الصفة لم يسقط وجوبه متى كان قادرًا على أدائه على وجه الجواز.
فإن قيل: إن ذلك منسوخ بآية التيمم.
قيل: إنما نسخ أداء الصلاة بغير تيمم مع القدرة عليه، فإذا عدم القدرة على استعمال التيمم عاد الأمر إلى ما كان مخاطبًا به عند عدم الماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 204
وقال الشيخ أبو الحسن 913 في "الممهد" في المربوط: ينوي التيمم إلى الأرض بوجهه ويديه حسب طاقته، إذ لا يمكن أكثر من ذلك كما ينوي السجود إلى الأرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 205
باب في الحيض وأحكامه والنفاس والحامل تحيض
والحائض ست: مبتدأة، ومعتادة، ومن اختلط أمرها فدخل الحيض على الطهر، ومستحاضة، ومن جاوزت سن الحيض، وحامل.
فأمَّا المبتدأة، وهي التي لم يتقدّم لها حيضٌ ترى الدم، فإنّ محمله على أنه حيض يمنع الصلاة والصوم ويمنع زوجها منها.
واختلف إذا تمادى فقال مالك: تجلس ما بينها وبين خمسة عشر يومًا 914. وقال في "كتاب محمد": تنظر إلى أترابها ولا تستظهر 915. وقال أصبغ: تستظهر 916 بثلاثة 917. وقال ابن المنذر: تنظر إلى قراباتها: أمهاتها وخالاتها وعماتها 918.
قال الشيخ -رحمه الله-: ولو قيل تنظر إلى أترابها من أقاربها وإلى ما كان عليه أمهاتها وخالاتها وعماتها في سنها لكان حسنًا.
وهذا مع تمادي الدم على الرقة، وما يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟
فأمَّا إن كان على لون دم الحيض في لونه وريحه - فإنها تصبر ويحمل على أنه محيض، وأما قول أصبغ إنها تستظهر؛ فليس بحسن؛ لأنّا نحملها على أعلى
الجزء: 1 - الصفحة: 206
سن 919 أترابها ليس على أدناهم، كما قالوا في النفساء يزيد بها الدم: إنها تحمل على أكثر ما يكون بالنفساء ثم لا تستظهر.
واختلف في المعتادة يزيد دمها على عادتها على خمسة أقوال: فقال مالك: تنتظر خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة.
ثم رجع فقال: تنتظر عادتها وتستظهر بثلاثة أيام، ثم 920 تحتاط فتصلي وليست عليها، أحب إليَّ من أن تترك الصلاة وهي عليها 921.
فعلى هذا إذا كان عادتها سبعًا - كانت على حكم الحائض إلى تمام العشر، ثم تعمل إلى تمام الخمسة عشر على الاحتياط، فتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها.
ولابن القاسم في "كتاب محمد" أنه بعد الاستظهار بالثلاث على حكم الطاهر ولزوجها أن يصيبها.
وقال المغيرة في "المبسوط": إذا زادت على عادتها، فلم تدر: هل ذلك انتقال أو استحاضة؟ فإنها تغتسل إذا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم ولا يصيبها زوجها احتياطًا، ثم ينظر إلى ما يصير إليه أمرها: فإن كان انتقالًا لم يضرها، وإن استمر استحاضة كانت قد احتاطت 922.
قال أبو مصعب: هذا قولنا، وبه نفتي 923. وقال ابن الجهم عن محمد بن عبد الحكم: إنه لا يأخذ بالاستظهار.
الجزء: 1 - الصفحة: 207
فوجه القول الأول أنها على الحيض بيقين، وانتقالها عنه مشكوك فيه، فأبقاها على الأصل وهو الحيض، وهذا هو القول باستصحاب الحال.
وأرى في القول الآخر أنها حالة يشك فيها، فكان الاحتياط أولى، وهو أحسنها؛ لأن الحيض يزيد وينقص، فتصلي وتصوم لإمكان أن يكون استحاضة، ويمنع الزوج لإمكان أن يكون حيضًا.
فإن انقطع الدم عند تمام 924 الخمسة عشر يومًا وتمادى طهرًا كاملًا تبين أن ذلك التمادي انتقال عادة، فإن كانت احتاطت للصلاة والصوم قضت الصوم ولا شيء عليها في الصلاة.
وإن تمادى الدم بعد الخمسة عشر أو انقطع ثم عاد عن قرب 925 تبين أن ذلك التمادي استحاضة، فإن كانت احتاطت في الصلاة والصوم أجزأها، وإن لم تكن صلت ولا صامت - قضت.
وهذا إذا كان الدم رقيقًا يشبه أن يكون حيضًا أو استحاضة، وإن كان على صفة دم الحيض في لونه وريحه عملت على أحكام الحيض، ولم يجز لها أن تحتاط لصلاة ولا صوم.
واختلف فيمن عادتها خمسة عشر يومًا، فقيل: لا تستظهر.
وقال مالك في كتاب الحج من كتاب محمد: تستظهر 926 بيوم أو يومين 927. وقال ابن نافع في "كتاب ابن سحنون": إنها تستظهر بثلاث بعد الخمسة عشر يومًا 928.
الجزء: 1 - الصفحة: 208
وهو أحسن؛ لأن الحيض يزيد وينقص ولا يستحيل فيمن كانت عادتها خمسة عشر يومًا أن يزيدها الدم، وقد كان نساء (1) الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا، وإذا كانت الزيادة على لون دم الحيض وريحه كان ذلك أبين أن تستظهر.
فصل [في الحيض يتقطع على المرأة ويختلط عليها]
واختلف إذا اختلط أمر المرأة وكانت تحيض يومًا وتطهر يومًا، أو يومين ويومين 930، أو تحيض يومًا وتطهر 931 يومين: فقال مالك: إذا كان هكذا - احتسبت أيام الدم 932 وألغتْ ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها دمًا، فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها استظهرت بثلاثة، ثم اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة 933. وقال محمد بن مسلمة: إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا فليست بمستحاضة لأنها إنما حاضت من الشهر خمسة عشر يومًا وطهرت خمسة عشر؛ فهي امرأة حاضت أكثر ما يحيض له النساء، وطهرت أقل ما يطهرن له، فليست بمستحاضة 934 حتى تلغي من الدم أكثر من خمسة عشر يومًا في الشهر ومن الطهر أقل من خمسة عشر يومًا 935. ورأى أنها إذا كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا أو تحيض يومًا وتطهر يومين لا تكون مستحاضة وإن تمادى على ذلك عمرها.929
الجزء: 1 - الصفحة: 209
فصل [في أحكام المستحاضة]
وإذا رأت المستحاضة الحيض أمسكتْ عن الصلاة والصوم ولم يأتها زوجها، فإن تمادى بها الدم بعد انقضاء أيام عادتها في الحيض فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يتمادى على ما عهدتْه قبل ذلك من دم الاستحاضة، أو على دم الحيض، أو يشكل أمره: هل هو حيض أو استحاضة؟
فإن انتقل إلى ما عهدته قبل ذلك من لون دم الاستحاضة - لم تستظهر، واغتسلت وصلت وَحَلَّتْ لزوجها 936، وإن تمادى على لون دم الحيض وريحه بقيت على حكم الحائض، وإن شُك فيه: هل هو حيض أو استحاضة؟ لاشتباه لونهما؛ لأن آخر دم الحيض رقيق، فإذا أشكل آخره 937 كان فيه ثلاثة أقوال:
فقيل: تستظهر بثلاثة أيام.
وقيل: لا تستظهر وهي من الآن حلال.
وقيل: تجلس خمسة عشر يومًا مثل غير 938 المستحاضة.
ولا أرى أن تستظهر بشيء، ويحمل على أنه استحاضة؛ لأن هذه امرأة لها عادة في دمين: حيض واستحاضة، فإذا اشتبها ومضى قدر الحيض حمل على أنه استحاضة؛ لأنه أتى في زمنه، وبعد انقضاء زمن الحيض.
وإن أشكل الأمر؛ لأن لونه فوق دم الاستحاضة ودون دم الحيض - حُمِلَ على أنه حيض؛ لأنها حائض بيقين، فلم يأتها ما ينقلها عنه 939؛ لأن الحيض يزيد
الجزء: 1 - الصفحة: 210
وينقص 940 واللون هو إلى الحيض أشبه، فبقيت عليه.
واختُلِفَ إذا اغتسلتْ عند انقضاء الحيضة مع وجود دم الاستحاضة، ثُمَّ ذهب دم الاستحاضة: هل تغتسل؟
فقال مرة: لا غسل عليها 941. ثم رجع فقال: تغتسل 942. والأول أقيس؛ لقول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ 943 " 944. ولأنها كانت طاهرًا تصلي مع وجوده وتحل لزوجها، فلم يوجب عدمه غسلًا.
وقال مالك في امرأة رأت الدم خمسة عشر يومًا ثم رأت 945 الطهر خمسة أيام ثم الدم أيامًا ثم الطهر سبعة أيام، فقال: هذه مستحاضة 946. يريد في الأيام التي بين الطهرين الخمسة والسبعة، وأما الدم الذي جاء بعد السبعة فإنها تنظر إلى لونه، فإن كان لونه 947 لون دم الاستحاضة بقيت على ما كانت عليه من الصلاة والصوم، وإن كان دم حيض أمسكت وعملت على أحكام الحيض 948.
واختلف في المرأة ترى الدم وقد جاوزت سن المحيض: فقال محمد: إذا كان مثلها لا تحيض توضأت وصلت 949. وقال في كتاب "العدة": تترك 950 الصلاة والصوم، وإن طلقها فيه زوجها جبر على الرجعة، ولم يختلف أنها لا تعتد به.
وهذا أحسن؛ لأن الله -عز وجل- منع التقرب إليه بهاتين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود الحيض، ولم يفرق بين الطاعتين الصلاة والصوم مع وجود
الجزء: 1 - الصفحة: 211
الحيض (1)، ولم يفرق بين وجود الحيض في الصغر أو في الكبر ومنع الوطء فيه، وقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]. فهو أذى في الشابة والمسنة، ولم تعتد به لأن العدة فيمن بلغ ذلك السن بالأشهر (2) تعتد.
فصل [في الدم يعرض للحامل]
واختلف في الحامل ترى الدم: فقال مالك وقوم 953 من أصحابه: هو حيض.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمد" في المطلقة تعتد بثلاث حيض ثم يظهر بها حمل: لو أعلم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها 954. فنفى عن الحامل الحيض.
يريد: لأن الحيض جعله الله دليلًا على براءة الرحم وعلى عدم الحمل، ولو صح اجتماع الحيض والحمل لم يكن فيه دليل على البراءة.
والقول الأول أحسن؛ لأن الشأن في الحيض أنه لا يأتي إلا من عدم الحمل ويطرأ الحيض على الحمل في نادر من النساء، فيحمل في البراءة به على الغالب، فإن وجد في نادر من النساء غير ذلك كان لها حكم الحيض، وإذا كان حيضًا 955 فإنها لا تخلو أن ترى الحيض على 956 أوقاتها المعتادة قبل الحمل لم 957 يمسك عنها الحمل شيئًا 958، أو أمسك لأجل الحمل ثم أتى بعد ذلك، فإن أتى بعد ذلك، فإن أتى في أوقاتها 959 المعتادة ولم يحتبس لأجل الحمل - جلست قدر حيضة واحدة قولًا واحدًا.
وهو معنى قول أشهب: إلا أن تكون استرابت من951952
الجزء: 1 - الصفحة: 212
حيضتها شيئًا من أول ما حملت فهي على حيضتها 960. ويختلف في قدر تلك الحيضة حسب ما تقدم في غير الحامل.
واختلف إن احتبس عنها على 961 العادة، فقال مالك مرة: تجلس حيضة واحدة كالحائل 962. وقال: وما حبس الحمل من حيضتها بمنزلة حبس الرضاع والمرض 963، 964.
وقال أيضًا: ليس أول الحمل مثل آخره، إن رأته في أوله أمسكت 965 قدر ما يجتهد لها 966.
وقال ابن القاسم: إن رأته في ثلاثة أشهر أو نحوها احتبست 967 خمسة عشر يومًا ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر احتبست 968 عشرين يومًا ونحوها 969.
وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": إن رأته في أول شهور الحمل تركت 970 قدر أيامها والاستظهار، فإن كان في الشهر الثاني جلست مثلي ذلك ولم تستظهر، وفي الثالث مثل أيامها ثلاث مرات، وفي الرابع تربعها كذلك حتى تبلغ ستين ليلة، وإن تمادى بها الدم لم تزد 971.
وقال ابن وهب: تُضَعِّف 972 أيام حيضتها ثم تغتسل؛ لأن دمها أكثر من دم الحائض 973.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
وقال مالك في "المبسوط": تكف عن الصلاة، وليس لذلك وقت، ولكن إذا استرابت من طوله ويُرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل- رأيتُ أن تغتسل وتصلي وتصنع ما تصنع المستحاضة.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما القول إنها كالحامل فليس بالبين؛ لأن هذه تقدم لها سبب في حبس الدم واجتماعه، ولهذا كان حكم النفاس حكم الحيض وإن بلغ ستين يومًا على أحد الأقوال، ولم يجعل الزائد على الحيضة المعتادة استحاضة.
والقول إنه (1) تجلس بقدر احتباسه من عدد الحيض المتقدم حسن (2)، ولو قيل مثل ذلك في غير الحامل إذا كانت صحيحة وليست بمرضع احتبس الدم عنها أشهرًا، ثم أتاها وتمادى على العادة على لون دم الحيض وريحه.
ولا أحملها في الزائد على الخمسة عشر يومًا على الاستحاضة.
فصل [فيما تبرأ به الحائض من حيضها]
وإذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء برئت بها.
واختلف: هل تبرأ بالجفوف؟ فإن كانت ممن ترى الجفوف خاصة برئت به.
واختلف: هل تبرأ بالقصة؟ وقيل: الجفوف 976 أبرأ من القصة فتبرأ به من عادتُها القصةُ، ولا تبرأ بالقصة مَنْ عادتُها الجفوفُ.
وقيل عكس ذلك: أن القصة أبرأ وهو أحسن؛ لأن القصة دليل على انقضاء الدم؛ لأن الحيض إذا استكمل خرج أوله مسودا، فكلما مرت به الأيام ضعف974975
الجزء: 1 - الصفحة: 214
عن الذي قبله حتى يكون آخره رقيقًا صافيًا، ثم يأتي آخر ذلك أبيض كالجير، وذلك لانقضاء الدم، والجفوف يعرض مع بقاء الدم على قوته، ومع كونه مسودا ينقطع ثم يأتي مسودًا، ولهذا قال مالك في المرأة تحيض يومًا وتطهر يومًا: إنها على حكم الحائض إذا أتاها، وعلى حكم الطاهر إذا انقطع عنها، فلم يكن ذلك الجفوف دليلًا على انقطاع الحيضة بل يجمع إلى الأول حتى يكون حيضًا (1).
فصل [في دم النفاس ومن لم تر دما في نفاسها]
وإذا نفست الحامل كانت بدم النفاس في حكم الحائض، ثم لا يخلو أن ينقطع عنها عند العادة للنفساء أو يزيد على العادة أو ينقطع قبلها، فإن زاد أمسكت إلى ستين يومًا ثم هي مستحاضة.
ثم رجع وقال: يُسأل عن ذلك النساء وأهل المعرفة، فتجلس أبعد 978 ذلك.
وإن انقطع قبل مضي عادة النفساء اغتسلت وصلت، فإن عاودها عن قرب ضمت ذلك إلى دم النفاس، ثم ينظر: هل يزيد جميعه على العادة أم لا؟ وإن بعد ما بينهما مقدار طهر انقطع حكم النفاس، ولم تضم الثاني إليه، وكانت هذه حيضة مستأنفة.
وقال مالك في "العتبية" في التي تلد ولا ترى دمًا: تغتسل، أو في ذلك شك! لا يأتي من الغسل إلا خير 979. وهذا استحسان؛ لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.977
الجزء: 1 - الصفحة: 215
واختلف في الحامل تلد ولدًا ويبقى في بطنها ولد آخر فتضعه بعد شهرين والدم من الأول متمادٍ: فقال ابن القاسم: ينظر إلى أقصى ما يكون النفاس، ولزوجها عليها الرجعة حتى تضع (1) الآخر (2). وقد قيل: حالها كحال الحامل.
والأول أصح؛ لأن هذا الدم هو المعتاد الذي يجتمع مدة الحمل، ثم يخرج بعد خروج الولد، فليس بقاء الولد الثاني يخرجها عن أن تكون نفساء.
فصل [في الحيض والجنابة وما يمتنع بهما وما يحل]
الحيض يمنع من قُرَبٍ أربع: الصلاة والصوم والاعتكاف؛ لأنه يتضمن الصلاة والصوم، والطواف بالبيت.
ولا يمنع السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف بعرفة.
واختلف: هل يمنع دخول المسجد وقراءة القرآن؟ ولا يمنع ذكر الله سبحانه بالتسبيح والاستغفار وإن كثر، ويمنع ممّا ليس بقربة شيئين: الطلاق والوطء.
واختلف في دخول الحائض والجنب المسجد: فمنعه مالك، وأجازه زيد بن أسلم للجنب 982 إذا كان عابر سبيل، وأجازه محمد بن مسلمة جملة وقال: لا ينبغي للحائض أن تدخل المسجد؛ لأنها لا تأمن أن يخرج من الحيضة ما ينزه المسجد عنه، ويدخله الجنب؛ لأنه لا يخاف ذلك منه.
قال: وهما في أنهما طاهران سواء وليسا بنجسين.
وعلى هذا يجوز كون الجنب فيه، وكذلك الحائض إذا استثفرت بثوب.
كما قال مالك في المستحاضة لا بأس أن تطوف إذا استثفرت بثوب 983.980981
الجزء: 1 - الصفحة: 216
واختلف قول مالك في قراءة القرآن للحائض، فمنع ذلك مرة وأجازه مرة خوف النسيان 984؛ لأن الحيض يتكرر.
وأجازه محمد 985 بن مسلمة نظرًا إذا كان من 986 يُقلب لها الورق.
ومر 987 على أصله في أنها في حكم محدث وليس في حكم نجس.
واختلف قول مالك 988 في قراءة الجنب القرآن، فالمشهور عنه المنع 989. وقال في سماع أشهب: يقرأ اليسير، وقال 990: وأنا 991 أشتهِي 992 أن يقرأ الجنب القرآن، وددت أني وجدت في ذلك رخصة، ولكني سمعت أنه لا يقرأ إلا اليسير 993 وأجاز ذلك مالك 994 في "مختصر ما ليس في المختصر" قليلًا كان أو كثيرًا.
وقد اختلفت الأحاديث في هذا الأصل: ففي الصحيحين 995 عن أبي هريرة قال: "لَقِيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، وَأَنَا جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ وَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟.
قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا جُنُبٌ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" 996. فعلى هذا يجوز له أن يقرأ القرآن وأن يجلس في المسجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
وفي الترمذي قال: قال علي - رضي الله عنه -: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ لَنَا 997 القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا" 998. قال الترمذي: حديث صحيح.
وروي عنه أنه قال: "لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لجُنُبٍ وَلاَ لحِائِضٍ" 999. وإذا تعارضت الأحاديث كان الأخذ بالأحوط أولى.
واختلف فيما يحل من الحائض: فقال مالك: أعلاها، ما فوق المئزر 1000. وقال أصبغ في منع ما دون المئزر: ذلك حماية للذريعة، وليس بضيق إذا اجتنب الفرج 1001.
الجزء: 1 - الصفحة: 218
واختلف إذا رأت الطهر ولم تغتسل: فقال مالك: لا تحل حتى تغتسل (1).
وقال ابن بكير: المنع استحسان.
فأنزلها بمنزلة الجنب، فيجوز الإصابة وتمنع الصلاة.
فإن كانا في سفر ولم يجدا ماءً وطال السفر جاز له أن يصيبها، واستحب لها أن تتيمم قبل ذلك وتنوي الطهر من الحيض.
فصل [في الصفرة والكدرة تعرض للمرأة؟]
الصفرة والكدرة في آخر الحيض من الحيض؛ لأن الشأن آخر الدم يرق 1003. واختلف إذا رأت ذلك في غير أيام الحيض، فقال مالك في "المدونة": ذلك حيض 1004. وقال عبد الملك بن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا اغتسلت الحائض أو النفساء ثم رأت قطرة من دم أو غسالة دم 1005 لم تعد الغسل ولتتوضأ 1006، وهذا يسمى الترّية 1007، 1008.1002
الجزء: 1 - الصفحة: 219
وقال مالك في "مختصر ابن عبد الحكم" في الحائض 1009 ترى العرق من الدم الكدرة أو الصفرة: فلتدع الصلاة حتى ينقطع ذلك عنها 1010.
وفي البخاري: قالت أم عطية: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ شَيْئًا" 1011. وفي كتاب أبي داود: قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَلاَ الكُدْرَةَ 1012 بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا" 1013، وحمل على أنه عرق وليس بحيض.
تم كتاب الطهارة، والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 220