التبصرة للخميكتاب الصلاة الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ح) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ش 2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

الجزء: 1 - الصفحة: 221

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كتاب الصلاة الأول

الصلاة فرض بالقرآن والسنة والإجماع

: فأما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، والأمر بها في غير موضع من كتاب الله تعالى.
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ، وإِيتَاءِ الزَّكاةِ.
. ." 1 الحديث.
وقال - عليه السلام -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ 2، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" 3. أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
وأعلمنا الله سبحانه أعداد الصلوات وأوقاتها في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾

الجزء: 1 - الصفحة: 223

[الإسراء: 78]، فتضمنت هذه الآية ثلاث صلوات: الظهر، والعشاء الآخرة، والفجر.
وهذا قول مالك في "المستخرجة" 4، وروى عنه ابن نافع في "المبسوط" أن المراد به الصلوات الخمس: الظهر والعصر؛ لقوله سبحانه: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، والمغرب والعشاء لقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.
والصبح لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ورواه ابن مسلمة عن مالك في كتاب أبي الفرج وكذلك في الواضحة 5، والقول الأول أحسن؛ لأن تقدمة العصر إلى الزوال، وتأخير المغرب إلى العشاء الآخرة لا يجوز إلا لضرورة، ومحمل القرآن 6 على الأوقات المختارة، ويلزم على هذا القول ألا إعادة 7 على من صلى العصر في أول وقت الظهر، أو قدم العشاء فصلاها مع المغرب؛ قياسًا على الظهر.
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]، واختلف فيما تضمنته هذه الآية على ثلاثة أقوال، فقيل: ثلاث صلوات، وقيل: أربع، وقيل: خمس.
قال أبو إسحاق ابن شعبان: ثلاث صلوات؛ فالصبح طرف، والمغرب طرف، والثالثة العشاء 8. فجعل المغرب من طرفي النهار؛ لأنها تصلى عند طرف النهار، وهو: إذا توارت بالحجاب، والعرب تسمي الشيء 9 باسم غيره إذا كان من سببه أو

الجزء: 1 - الصفحة: 224

مقارنًا له.
وروى ابن نافع عن مالك أنه قال: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الصبح والظهر والعصر، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: العشاء.
فتضمنت هذه الآية 10 أربع صلوات.
وقال ابن حبيب: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.
ووافق مالك في الطرف الثاني أنه الظهر والعصر 11. فتضمنت هذه عنده خمس صلوات، ونسبة الظهر والعصر إلى الطرف توسعة ومجاز.
ومحمل قولهما في الظهر إذا صليت عند آخر القامة ولا تنسب إلى طرف إذا صليت 12 عند الزوال؛ لأن ذلك وسط؛ قال الله -عز وجل- ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الآية [الروم: 17].
فتضمنت أربع صلوات: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب 13؛ لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وهو قول مالك في "العتبية" 14، وقال محمد بن المواز: المغرب والعشاء 15. والأول أحسن؛ لأن تقدمة العشاء عند الغروب لا يجوز مع الاختيار.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

فصل أوقات الصلوات

فلكل واحدة منهن وقتان: فأول وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها أن يصير ظل القائم 16 مثله بعد طرح ظل الزوال.
وأول وقت العصر دخول القامة الثانية، وآخر وقتها ما لم تصفر الشمس.
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب 17 الشفق.
وأول وقت العشاء غيبوبة 18 الشفق وهي الحمرة، ولا ينظر إلى البياض 19، وآخر وقتها ما لم يذهب 20 نصف الليل.
وقال بعضهم: ثلث الليل 21. وأول وقت الصبح طلوع الفجر المعترض في الأفق 22، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس.
وقد اتفق في أول الوقت لهذه الصلوات الخمس إلا العشاء، فإنه اختلف في أول وقتها.
واختلف في آخر الأوقات جميعًا، فاختلف في مشاركة الظهر العصر في أول القامة الثانية، فذهب محمد بن المواز وعبد الملك إلى أنه لا مشاركة بينهما،

الجزء: 1 - الصفحة: 226

وأنه إذا تمّت القامة الأولى خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
ولأشهب في مدونته أنه تشارك العصر في مقدار أربع ركعات من القامة الثانية، فلو صلى حينئذ رجلان أحدهما الظهر والآخر العصر كانا مصليين في وقت، فإذا ذهب ذلك القدر انفردت العصر بالوقت.
واختلف في آخر وقت العصر فقال في الكتاب: ما لم تصفر الشمس 23. وقال في "المختصر": آخر القامة الثانية 24. وقاله 25 محمد بن المواز وابن حبيب.
واختلف في آخر وقت المغرب على ثلاثة أقوال: فقيل: ليس لها إلا وقت واحد، وهو إذا غربت الشمس.
وهو قول البغداديين 26 وروايتهم عن مالك.
وقال مالك في "الموطأ": إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء وخرج وقت المغرب 27. وبه قال محمد بن مسلمة.
وقال أشهب في مدونته: يجوز لمن كان في الحضر أن يؤخر المغرب إلى أن يغيب الشفق ويصلي آخر العشاء بعد مغيب الشفق 28 ويكون إذا غاب الشفق 29 وقتًا لهما، فجعل المغرب تشارك العشاء كما تشارك الظهر العصر في أول القامة الثانية.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

واختلف في آخر وقت العشاء، فقال مالك في المختصر، وأشهب في مدونته: ثلث الليل 30. وقال ابن حبيب: نصف الليل، ويستحب ألا يجاوز الثلث 31. ونحوه عن محمد بن المواز.
واختلف في الشفق الذي بمغيبه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، فقال مالك: هو الحمرة 32. وقال في سماع ابن القاسم: أرجو إذا ذهبت الحمرة أن يكون الوقت قد ذهب والبياض الذي 33 لا شك فيه.
فراعى البياض.
وقال ابن شعبان: في "مختصر ما ليس في المختصر": أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة.
يريد: أنه اختلف قوله فيه.
وذكر عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه البياض، والاختلاف في البياض المعترض 34 ليس المستدق.
وهذه الرواية أقيس من قوله في كتاب الصيام؛ لأن الطوالع أربعة: الفجر الكاذب وهو المستدق، ثم المعترض، ثم الحمرة 35 ثم الشمس، والغوارب أربعة: الشمس، ثم الحمرة، ثم البياض 36 المعترض، ثم المستدق.
وقد أُجمع على أن حكم المعترض حكم الحمرة، وأنهما وقت لصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 228

واحدة، وهي الصبح ما لم تطلع الشمس، ولا حكم للمستدق أول الفجر، فعلى قوله يكون حكم المعترض بعد المغرب: حكم الحمرة.
وقد اختلف عن الخليل في مدة بقاء المستدق، فقيل عنه أنه قال: راعيته وأنه يبقى إلى آخر الليل.
وفي مختصر ما ليس في المختصر عنه أنه قال: 37 إلى نصف الليل.
وإذا اختلف عنه أوقف الخبران، على أن ذلك مما لا يقتصر فيه على قوله؛ لأنه لم يخبر عن أمر فائت، ولا يقدر الآن على معرفته، وإنما أخبر عن شيء موجود يقدر الآن على اختباره، وقد اختبر فلم يكن كما 38 ذكر عنه، وأيضًا فإن المستدق أول تباشير الشمس عند الطلوع، وآخر بقايا الشمس بعد الغروب، فيبتدئ أولًا مستدِقًّا، فكلما دنت منزلة الشمس قوي الضياء، وكذلك في الغروب الحمرة والبياض عن الشمس، فإذا بعدت الشمس عن الأرض 39 ذهبت الحمرة، ثم تبعد فيذهب البياض المعترض، ثم تبعد فيذهب المستدق، فبقاؤه أول الليل وطلوعه 40 آخره - متقارب، وقد ذكر أشهب في العشاء الآخرة أن تأخيرها حتى يذهب البياض إذا اجتمع رأي الجماعة على ذلك.
فهو يَرُدُّ على من قال: إن البياض يبقى إلى آخر الليل 41. واختلف في آخر وقت الصبح فقال في المختصر: الإسفار الأعلى.
ونحوه في المدونة.
وقال ابن حبيب: ما لم تطلع الشمس.
فاتفق في أوائل هذه الصلوات واختلف في أواخرها حسب ما تقدم،

الجزء: 1 - الصفحة: 229

والاختلاف في ذلك متردد بين حديثين: حديث ابن عباس وحديث عبد الله (ب) ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، فحديث ابن عباس أن القول بمشاركة الظهر العصر، وأن آخر العصر القامتان وانفراد المغرب بوقت واحد 42، وأن آخر العشاء ثلث الليل، وأن آخر الصبح الإسفار.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - عِنْدَ البَيْتِ فَصَلَّى بيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، والعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَه، والمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، والعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، والفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ، والعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، والمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالعِشَاءَ ثُلُث اللَّيْلِ، وَالفَجْرَ الإسْفَار 43 " 44. وحديث عبد الله بن 45 عمرو بن العاص أصل للقول بمنع مشاركة الظهر والعصر، وأن آخر العصر ما لم تصفر الشمس، وأن للمغرب وقتين، وآخر العشاء ما لم يذهب نصف الليل، وآخر وقت الصبح ما لم تطلع الشمس: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلّ الرَّجُلِ كَطُولهِ مَا لَمْ تَحْضُرِ العَصْرُ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ المَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاَةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأوسط 46،

الجزء: 1 - الصفحة: 230

وَوَقْتُ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" 47. فهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، فأبان - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الظهر: "مَا لَمْ تَحْضُرِ العَصْرُ" أنه لا شركة بينهما، والأخذ بهذا الحديث أولى؛ لأن الحديثين إذا تعارضا أخذ بآخرهما وأقواهما سندًا، وحديث ابن العاص متأخر مدني، وحديث ابن عباس مكي من أول ما فرضت الخمس، وهو أضعف سندًا.
ووجه ثالث: أنه قد عاضده 48 على مثل ذلك أبو موسى الأشعري وبريدة، فأخرج مسلم عن أبي موسى قال: "أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَائِلٌ فَسَأَلهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلآةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قال: فَأَقَامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ، وَالظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، والمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، وَالعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَخَّرَ الفَجْرَ مِنَ الغَدِ وَانْصَرَفَ القَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ، وَأَقَامَ الظُّهْرَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ، وَالعَصْرَ انْصَرَفَ مِنْهَا وَالقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، وَأَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ ثُمَّ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ "الوَقْتُ مَا 49 بَيْنَ هَذَيْنِ" 50. وأخرج عن بريدة مثل ذلك، وأستحسن أن تكون الفتوى للعامة بالقامتين في العصر، وبالإسفار في الصبح، وثلث الليل في العشاء الآخرة 51؛ لأنه أحوط للصلاة، وأخاف إذا أفتى الرجل

الجزء: 1 - الصفحة: 231

بآخر الوقت أن يتراخى، ويقول: عليَّ بقية من الوقت، فيقع في المحظور، وهو الممنوع أو المكروه، فإذا وكل في هذا إلى قياس معلوم وجعل بينه وبين آخر الوقت في الآخرة بقية كان قد احتاط للصلاة.

فصل [في قدر ما بين الأذان والصلاة]

ومن المدونة قال مالك: أحب إلينا أن يصلي الناس -في الشتاء والصيف- الظهر 52 والفيء ذراع 53. يريد: للجماعة؛ لأن الغالب أن الوقت يدخل على الناس وهم على غير طهارة، فيؤخر ذلك القدر ليتوضأ هذا ويغتسل هذا الآخر ويجتمع الناس.
وأما الفذ فيستحب له أول الوقت، ولأنه أفضل، وكذلك الجماعة إذا اجتمعت أول الوقت ولم يكونوا ينتظرون غيرهم فإنهم يصلون حينئذ ولا يؤخرون، وفي الصحيحين عن أنس 54 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ" 55.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

ومحمل الحديث أن ذلك لاجتماع أصحابه، وأما العصر فإن الجماعة والفذ 56 فيها سواء: تصلى أول الوقت أو تؤخر قليلًا؛ لأن الغالب أن الناس على طهارة الظهر 57، وكذلك المغرب؛ الجماعة فيها والفذ سواء إذا غربت الشمس، ولا تؤخر عنه؛ لأن الناس عالمون بدخول الوقت، متوضئون حينئذ.
وأما العشاء فبقدر اجتماع الناس؛ لأنهم يكونون في بيوتهم وربما استأنفوا الطهارة، فإن اجتمعوا صلى بهم الإمام، وإن تأخروا انتظرهم، ولا يفعل مثل ذلك في الصبح، وينبغي أن يوقعها الإمام أول الوقت اجتمعوا أو لم يجتمعوا.
وقال ابن حبيب: ينبغي أن تؤخر في الصيف إلى وسط الوقت.
والأول أحسن.
وأوقات الصلوات في الفضل على ثلاث مراتب: فأما المغرب والصبح فأول الوقت فيهما أفضل، وآخره في العشاء أفضل.
واختلف في الظهر والعصر، فقيل: أول الوقت أفضل، وقيل: أوله وآخره سواء.
وقال محمد بن سحنون: أجمع أهل العلم على أن أول الوقت في المغرب أفضل.
وثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ما طريق 58 أنه كان يصليها إذا توارت بالحجاب 59. وأما الصبح فورد فيها ثلاثة أحاديث تدل على أن أول الوقت أفضل:

الجزء: 1 - الصفحة: 233

أحدها: أنه كان ينادى لها قبل طلوع الفجر.
وفائدة ذلك إيقاعها في أول وقتها.
والثاني: حديث جابر - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي العِشَاءَ، أَحْيَانًا إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَأَحْيَانًا إِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا - أَوْ كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ" 60. يريد: كانوا أو لم يكونوا، كان يصليها بغلس ولم ينتظرهم بها، ولا يبالي إن فاتتهم الجماعة، بخلاف العشاء.
والثالث: حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ 61. ومعلوم أنه كان يحب ما هو أرفق بأمته، وأن إيقاع هذه الصلاة أول الوقت أثقل عليهم؛ لأن الوقت يدخل عليهم وهم نيام، فلولا عظم الأجر في ذلك لم يتكلف ذلك بهم، ولهذا استحب مالك أن يصلي أول الوقت فذًّا، ولا يؤخرها ليصليها بعد ذلك في جماعة.
وأما ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" 62 فإنه أراد أن يتحقق الفجر؛ لئلا يوقِعَ الصلاة 63 في وقت مشكوك فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 234

فقال: "أسفروا بالفجر"، ولم يقل: أسفروا بالصلاة.
وأما العشاء فالأصل فيها حديث ابن عباس قال: أخَّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ليلة حتى رقد الناس واستيقظوا ثم رقدوا واستيقظوا ثم خرج فصلى بهم، فقال: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هكَذَا" 64. وقال أشهب في مدونته: تعجيلها أحب للأئمة 65؛ لما يدخل على الناس من الضرر في انتظارها، فأما الرجل يصلي لنفسه أو جماعة اجتمع رأيهم على تأخيرها 66 فإني أستحب تأخيرها إلى غيبوبة البياض، وإن أخرت خلف ذلك إلى ثلث الليل فواسع.
وهذا أحسن، ما لم يؤد ذلك إلى اختلال 67 بعبادةِ فاعلِ ذلك من آخر الليل، فينام عن حزبه أو يؤخر الصبح عن أول وقتها، فإنه يؤمر بتعجيلها ولا يؤخرها.
والقول في الظهر والعصر أن 68 أول الوقت أفضل 69؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّلَاةُ لأوَّلِ أَوْقَاتِهَا" ذكره النسائي 70. فوجب حمل الحديث على

الجزء: 1 - الصفحة: 235

عمومه إلا ما ورد النص باختصاصه وهي العشاء.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ الصلاة وغيرها، وبهذا أخذ مالك ولم ير تأخير الظهر إلى آخر الوقت إلا للمسافر إذا جد به السير، وقول مالك في الصلاة في الصيف أنها تؤخر ذراعًا فإن ذلك إذا كان الحر المعتاد في ذلك الزمان، فإذا كان شدة الحر أمر الإمام أن يبرد فوق ذلك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ" 71. واختلف في الوقت الذي تبرد إليه، فقال أشهب في مدونته: لا يؤخرها إلى آخر وقتها.
وقال محمد بن عبد الحكم: يؤخرها أهل المساجد في شدة الحر حتى يبردوا، ولا يجوز الخروج عن الوقت.
فأجاز التأخير إلى آخر الوقت.
= المكثرين من الصحابة، برقم (3548)، وابن حبان: 4/ 340 في باب مواقيت الصلاة، من كتاب الصلاة، برقم (1477)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 236

باب في صفة الأذان والمؤذن ووقت الأذان

والأذان سبع عشرة كلمة: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، ثم يرجع ويرفع ما رفع من 72 صوته، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله مرة واحدة.
واختلف في موضعين: في صفة رفع الصوت بالتكبير في أوله، وفي الترجيع إذا كان المؤذنون عددًا كثيرًا 73، فظاهر الكتاب 74 أن رفع الصوت بالتكبير الأول مساوٍ 75 لما يليه من الشهادة 76. وقال مالك في سماع أشهب: رأيت الأول من المؤذنين إذا أذن يكبر مرتين، ثم يهلل مرتين 77، ثم يتشهد بالرسالة مرتين يخفض صوته بالتهليل والتشهد 78، ثم يرجع رافعًا صوته بالتهليل وبالتشهد بالرسالة، وذكر بقية الأذان.
قال مالك: وما أرى كان الأذان إلا على صفة واحدة؛ يثني كلهم، فلما

الجزء: 1 - الصفحة: 237

كثر المؤذنون خففوا على 79 أنفسهم فصار لا يثني منهم إلا الأول.
فحصل الخلاف في خفض التشهد الأول عن التكبير، وفي إسقاط الترجيع وأنه ثلاث عشرة كلمة، ورفع التكبير الأول ومساواته واسع إذا أعلن 80 التشهد الأول، وإنما ينكر من ذلك ما يفعله بعض المؤذنين اليوم 81 أنه يخفيه ولا يأتي به على صفة يقع بها إعلام، وإنما جعل الترجيع ليكون ذلك أبلغ في الإعلام 82، فإن فات السامع أوله أمكن ألا يفوته ما بعده، ولهذا يؤذن الثاني والثالث، وأما إسقاط الترجيع فيحتمل أن يكون ذلك لما ذكره مالك، أو لاختلاف الأحاديث في الترجيع، فجمعوا بين الأحاديث؛ لأن كل ذلك عندهم واسع.
ويزيد المؤذن 83 في الأذان في الصبح بعد قوله: حي على الفلاح - الصلاة خير من النوم (مرتين) وذلك إذا كان الأذان للجماعة.
واختلف فيمن يؤذن لنفسه هل يثبت ذلك في أذانه، فقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن كان في ضيعة متنحيًا 84 عن الناس فترك ذلك: أرجو أن يكون في سعة.
وقوله هذا أحسن، وإنما زيد هذا في الأذان لإمكان أن يسمع النداء من كان في مضجعه، فيؤثِرَ الصلاة على النوم 85، وينشط للقيام، فأما من كان

الجزء: 1 - الصفحة: 238

وحده أو معه من ليس ينام (1) فلا معنى لذلك.
وقال مالك: التثويب (2) ضلال.
يريد: حي على خير العمل.
وإنما كره ذلك لأنها كلمة استعملها في أذانهم من خالف السنة، وكان مذهبهم (3) التشيع.

فصل [في وقت الأذان وما يشترط في المؤذن]

والأذان للصلوات بعد دخول الوقت، ومن أذن قبل ذلك أعاد الأذان إذا دخل الوقت، إلا الصبح وحدها 89 فإن النداء لها 90 قبل الوقت أفضل؛ لقوله - عليه السلام -: "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ.
. ." 91 الحديث، فأمر بالنداء لها قبل الوقت 92؛ ليوقع في أول الوقت.868788

الجزء: 1 - الصفحة: 239

واختلف في الوقت الذي يؤذن لها فيه، فقال ابن حبيب: إذا أذن بعد خروج وقت العشاء، وهو شطر الليل - فواسع.
وقال ابن وهب: سدس الليل الآخر.
وهو أحسن؛ لأن الأذان قبل طلوع الفجر ليتهيأ للصلاة، وليصلي من له حزب، وإذا 93 كانت عادة المؤذن سدس الليل قام الناس لأذانه، وإذا علم أن عادته نصف الليل لم يقوموا له ولم ينتفع بأذنه.
ويستحب أن يكون المؤذن بليغ الصوت ليبلغ القاصي صوته 94، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، وفي البخاري: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْمُؤَذِّنِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلاَّ فَاعْتَزِلْنَا 95. وقال أشهب: ويكون المؤذن من أفضل الحي.
وهذا هو الحق؛ لأنه أمين على الأوقات: يُصَلَّى بقوله، ويصام ويفطر؛ فينبغي أن تكون فيه خصلتان: الثقة، والمعرفة بالأوقات.
ولا بأس أن يكون المؤذن أعمى إذا كان ثقة لا يخشى عليه أن يفتري 96 في الوقت بالتقدير، وكان الذي يعلمه بالوقت ثقة عالمًا بالأوقات.
واختلف في أذان الصبي والجُنُبِ والقاعد، فكره مالك ذلك للصبي والقاعد، وقال: لا 97، إلا أن يكون من عذر مرض أو غيره، فيؤذن لنفسه لا

الجزء: 1 - الصفحة: 240

للناس 98 وكرهه ابن القاسم في العتبية للجنب 99. وقال أبو الفرج: لا بأس أن يؤذن الرجل قاعدًا أو جنبًا وأن يكون غير بالغ، ولا يقيم على شيء من هذه الوجوه 100. وقال سحنون: لا بأس أن يؤذن الجنب خارج المسجد 101. ولم يختلف أنه لا بأس أن يكون على غير وضوء، وعلى وضوء أفضل، والمنع في الصبي أحسن 102، إلا أن يعلم منه الصيانة والضبط لنفسه، ويكون أذانه تبعًا لمن تقدمه من الرجال.
وقول سحنون في الجنب حسن؛ لأنه غير ممنوع من الذكر والتسبيح وقراءة الآيات، ولا أرى أن يؤذن قاعدًا، وإنما يتبع الناس في ذلك ما مضى عليه السلف الصالح، ومن 103 التواضع لله سبحانه أن يقوم على قدميه 104 ويدعو إليه.
والأذان راكبًا خفيف إن لم يتعمد الركوب لذلك، ولا يقيم إلا وهو نازل على الأرض على طهارة؛ ليصلي معهم، ولا ينبغي أن يقيم وينصرف.
ويؤذن المؤذنون واحدًا بعد واحد، إلا المغرب؛ فإنهم يؤذنون جميعًا احتياطًا ومراعاة لمن يقول 105: إن لها وقتًا واحدًا وهو غروب الشمس.
وأجاز مالك في سماع ابن وهب لمن كان يؤذن في مسجده وأذن فيه - أن يؤذن في غيره، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي فيه.
وكره أشهب إذا كان قد صلى تلك الصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 241

أن يؤذن لها في موضع آخر 106، قال: ويعيدون الأذان والإقامة ما لم يصلوا.
ويستفتح المؤذن أذانه وهو مستقبل القبلة، ثم يدور بجسمه إن شاء، أو يحول صوته إلى حيث يرى أن فيه من يأتي للصلاة.
وقال ابن شهاب: يثبت قدميه إلى القبلة ويبلغ بصوته يمينًا وشمالًا، قال: وهي السنة.
وكره مالك التطريب في الأذان 107، ولا يسلم على المؤذن في حال أذانه، ولا على الملبي في حالة التلبية، فمن فعل رد عليه بعد فراغه من أذانه وتلبيته.
وفي مختصر الوقار: أنه 108 لا بأس أن يَرُدَّ عليه حينئذ بالإشارة، ولا يتكلم في أذانه 109. فإن فعل وعاد بالقرب - بنى على ما مضى، وإن بعد ما بين ذلك استأنفه من أوله.
ومثله إن عرض له رعاف أو غير ذلك مما يقطع أذانه أو خاف تلف شيء من ماله، أو خشي تلف أَحَدٍ؛ أعمى أو صبي أن يقع في أهويةٍ - فإنه يقطع ثم يعود إلى أذانه فيبني إن قرب، ويبتدئ إن بعد.
وقال مالك في المؤذن أراد الأذان فأخطأ فأقام ساهيًا: لا يجزئه، ويعيد الأذان 110. وقال في كتاب ابن حبيب: وإن أراد أن يقيم فأخطأ فأذن إنه يبتدئ.
وقال أصبغ: يجزئه لقول من قال: الإقامة شفع.

الجزء: 1 - الصفحة: 242

وقد رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأذان وقال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا.
. ." 111. الحديث، وقال: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْس وَلاَ شَيءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" 112. وفي كتاب مسلم: قال: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوُل النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" 113، وأخبر أنه مطردة للشيطان فقال: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلآةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَحُولَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُوُل لَهُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، لمِا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُه" 114، وقيل: "حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى" 115. وندب من سمع المؤذن أن يقول مثل قوله، فقال: "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُوُل المُؤَذِّنُ" 116.

الجزء: 1 - الصفحة: 243

واختلف في منتهى ما يحكيه السامع، فقال مالك في المدونة: إنما ذلك إلى هذا الموضع: "أشهد أن محمدًا رسول الله" فيما يقع في قلبي، ولو فعل ذلك رجل لم أر به بأسًا 117. قال سحنون: ولو قال بقية الأذان.
وقيل لمالك في المجموعة: إذا قال مثله أيثني 118 التشهد؟ قال: يجزئه التشهد الأول.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يقول مثل قوله، فإذا بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" قال: لا حول ولا قوة إلا بالله 119، ثم يقول كما يقول بعد ذلك.
وهذا أحسن؛ لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - رضي الله عنه - "إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكْبَرُ.
فَقَالَ أَحَدُكمُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوُل الله.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ.
قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاَحِ.
قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ.
قَال: اللهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ 120 دَخَلَ الجَنَّةَ" 121. فإن أذن آخر قال معه؛ لظاهر الحديث.
وقيل: ليس ذلك عليه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن أقام بعد ذلك فليس ذلك عليه إلا أن يشاء.
= النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يسأل الله له الوسيلة، من كتاب الصلاة، برقم (384).

الجزء: 1 - الصفحة: 244

واختلف إذا سمع النداء من كان في صلاة، فقال مالك قي المدونة: إن كان في مكتوبة لم يقل مثل قوله، وإن كان في نافلة قال مثله (1). وقال ابن وهب: يقول مثله وإن كان في مكتوبة.
وقال سحنون: لا يقول وإن كان في نافلة.
وهذا أشبه؛ لأنه قد تلبس بطاعة، فعليه أن يقبل على ما هو فيه.

فصل [في أقسام الأذان]

الأذان على خمسة أقسام: سنة، ومختلف فيه هل واجب أو سنة؟ ومستحب، ومختلف فيه هل هو مستحب أم لا؟ وممنوع.
فالأول: الأذان في المواضع التي العادة أن يجتمع الناس بها 123، كالجوامع والمساجد، والمواضع التي الشأن اجتماع الناس فيها 124 كعرفة ومنى، والعدد الكثير يكونون في السفر.
وقال في المدونة: وإمام مصر يخرج إلى الجنازة 125 فتحضره الصلاة، فالأذان في هذه المواضع سنة لا تترك، وهو في الجامع والمساجد آكد؛ لأنه حفظ للأوقات ولإقامة الجماعات، فلا يجوز لأحد تركه 126. ولمالك في الموطأ أنه122

الجزء: 1 - الصفحة: 245

واجب 127. ولو ضيع الأذان لم يتحصل لكثير من الناس الأوقات، ولفاتهم أداء الصلاة في الجماعات.
والثاني: الأذان للجمعة، قيل: سنة؛ بمنزلة غيرها من الصلوات.
وقيل: واجب.
وهو أحسن؛ لتعلق الأحكام به من: وجوب السعي، وتحريم البيع والشراء.
والثالث: أذان الفَذِّ في السفر فهو مستحب؛ لحديث أبي سعيد، الخدري - رضي الله عنه - 128 قال: "إِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلاَةِ فَارْفَعْ مِن 129 صَوْتِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى 130 صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيءٌ، إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 131. وقال سعيد بن المسيب: من صلى بأرض فلاة 132 فأذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة 133. والرابع: أذان الفذ في الحضر 134 والجماعة في غير المصر 135 لا يحتاجون إلى إعلام غيرهم، فقال مرة: الأذان حسن.
وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: لم يكن مالك يستحب الأذان لمن يصلي وحده إلا أن يكون مسافرًا.
وقاله ابن حبيب فيمن صلى وحده 136 في منزله أو أم جماعة في غير

الجزء: 1 - الصفحة: 246

المسجد، قال: فلا أذان لهم إلا المسافر 137. وقال ابن المسيب ومالك: وإن أقام فحسن 138. وهذا هو الصواب؛ لأن الأذان لم يكن لنفسه، وإنما جعل ليدعى به الغائب للصلاة، وقد كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير أذان، فلما كثر الناس أرادوا أن يجعلوا علمًا يجتمع له الناس؛ فقال بعضهم: نوّروا نارًا، وقال بعضهم: نجعل ناقوسًا كناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا كقرن اليهود، فأري هذا الأذان في المنام فدعوا إلى الصلاة بالقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، واستفتح بذكر الله وختم به، وهو شأن العرب أن يستفتحوا كلامهم بذكر الله 139. وإذا كان ذلك لم يكن لأذان الفذ وجه؛ لأنه لا يدعو أحدًا 140، وحَسُن في المسافر لما جاء فيه أنه يصلي خلفه الجبال من الملائكة 141، فصار في معنى الجماعة.
والخامس: الأذان للفوائت والسنن كالعيدين والخسوف 142 والاستسقاء والوتر وركعتي الفجر وأذان النساء للفرائض، فذلك مكروه؛ فأما الفوائت

الجزء: 1 - الصفحة: 247

فإنه لا يدعو أحدًا إليها (1) فيزيدها فوتًا.
وأما السنن فالثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن يؤذن لها (2). وأما النساء فإنه ليس من شأنهن الإمامة (3).

فصل [في حكم الإقامة للصلاة]

الإقامة سُنَّة على الرجال؛ كان في صلاة جماعة 146 أو فذًّا، صليت في الوقت أو فائتة.
ولا إقامة على النساء، قال ابن القاسم: وإن أقامت المرأة فحسن 147. ومن شرط الإقامة أن تعقبها الصلاة في الفور، وإن بَعُدَ 148 ما بينهما أعاد الإقامة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التوسعة في ذلك، ففي مسلم عن أنس قال: "أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُنَاجِيه رَجُلٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ" 149، ولم يقل إنه أعاد الإقامة.
ومن ترك الإقامة عامدًا أو سهوًا أجزأته صلاته.
وقال ابن كنانة: يعيد143144145

الجزء: 1 - الصفحة: 248

الصلاة إذا تركها عمدًا 150. والأول أحسن.
واختلف في الأئمة تجمع 151 الصلاتين كالظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، والجمع ليلة المطر، وفي جمع المسافر، فقال مالك: يصليها بأذانين وإقامتين 152. وقال ابن الماجشون في المبسوط 153: بأذان للأولى وإقامتين.
وفي التفريع لابن الجلاب أنه يصليهما بإقامتين، بغير أذان 154. وذكر بعض المخالفين عن ابن عمر أنه أقام للأولى خاصة وصلى الثانية بغير إقامة 155. فأثبت مالك الأذانين؛ لأنه الشأن في صلاة الجماعة، وأسقط عبد الملك الأذان للثانية؛ لأن الأذان إعلام بدخول الوقت ليتطهروا ويكونوا على أُهْبَةٍ 156، وليأتوا الصلاة، وهؤلاء متطهرون مجتمعون، وأسقط بالقول الثالث الأذان فيهما 157؛ لأن الأصل أن يدعى لهما 158 من كان غائبًا وهؤلاء حضور

الجزء: 1 - الصفحة: 249

مجتمعون، وأسقطت الإقامة على القول الآخر للثانية؛ لأن الإقامة أذان في الحقيقة، فالأول إعلام بدخول الوقت ليأخذوا في الطهارة والأهبة للصلاة، والثاني إعلام للدخول في الصلاة ليأتي من لم يأت، وكل واحد منهما متضمن للدعاء إلى الصلاة بقوله فيهما: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وفي الصحيحين 159 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لمِنْ شَاءَ" 160 يريد: التنفل بين الأذان والإقامة، فسمى الإقامة أذانًا، فإذا سقطت الإقامة للثانية- جاز للفذ ألا يقيم.
وهو قول الشعبي والأسود ومجاهد والنخعي وعكرمة وأحمد 161 وأصحاب الرأي.
وقال مالك في المبسوط فيمن أتى المسجد فوجد الناس صلوا، فقال: يقيم لنفسه أحب إلي من أن يصلي بغير إقامة.
فاستحب ذلك ولم يره سنة.
وقال محمد بن مسلمة في المبسوط أيضًا: إنما الإقامة لمن يقيم 162 لنفسه ولمن يأتي بعده، فإن دخل معه أحد كان قد أقام له.
واختلفت الأحاديث في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة، فظاهر حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - "أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ" 163. وفي مسلم من طريق جابر بن عبد الله "أنه بِأَذَانٍ وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ" 164. وفي الموطأ من حديث أسامة

الجزء: 1 - الصفحة: 250

"بِإِقَامَتَيْنِ" 165. وفي مسلم من طريق ابن عمر "بِإِقَامَةٍ وَاحِدَة" 166. وإذا اختلفت الأحاديث رجع إلى ما يعضده القياس، فيؤذن للأولى في الظهر؛ ليعلم بدخول الوقت ويأخذوا في أهبة الصلاة، دون الثانية؛ لأنهم على أهبة مجتمعون، وكذلك في الجمع في المطر.

الجزء: 1 - الصفحة: 251

باب في التكبير للإحرام والتسبيح والدعاء قبل القراءة والتكبير بالعجمية وقراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، وهذا حديث حسن السند ذكره الترمذي 167. قال مالك: ولا يجزئ من التكبير إلا: الله أكبر 168. فالوصف بـ (أكبر) أبلغ من الوصف بالكبير، وبالأكبر.
واختلف في التسبيح قبل القراءة والدعاء وقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فمنع مالك ذلك مرة وقال: إذا كبر قرأ، وليس بين التكبير والقراءة شيء 169. قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى هذا الذي يقوله الناس: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" 170. وفي مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكًا كان يقول ذلك بعد إحرامه.
وفي مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يجهر بذلك في الصلاة 171.

الجزء: 1 - الصفحة: 252

ويختلف على هذا في تقدمة الدعاء قبل القراءة، والجواز أحسن؛ لحديث أبي هريرة قال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ سَكْتَةً.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، سُكُوتكَ بَيْنَ القِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِى مِنَ الخَطَايَا كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالَبرَدِ".
أخرجه البخاري ومسلم 172. وأما قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فليس بواجب ولا مندوب إليه.
واختلف هل يكره في هذا الموضع أو يباح؟ فقال مالك في المدونة: لا يفعل ذلك في المكتوبة سرًّا ولا جهرًا، وعليه أدركت الناس 173. وقال في المبسوط: إن جهر بذلك في المكتوبة فلا حرج.
وفي مسلم: قال أنس: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالحَمْدُ للهِ، وَلاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ القِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا" 174. فانتفى بهذا الحديث أن 175 تكون قراءته فرضًا ولا ندبًا، وكذلك حديث أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قَالَ الله عز وجل: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 253

يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
. ." (1) الحديث.
وهذه حكاية عما يبتدئ به المصلي عند القراءة.
قال مالك: ولا يتعوذ قبل القراءة في المكتوبة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ (2). وقال في المجموعة في قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]: إن ذلك بعد أم القرآن لمن قرأ في غير الصلاة (3). قال الشيخ -رحمه الله-: الشأن فيمن افتتح الصلاة أنه لا يتعوذ، وأرى ذلك؛ لأن الافتتاح (4) بالتكبير ينوب عنه ويجزئ منه، وقد جاء في الحديث أنه "إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ.
. ." (5) الحديث معلوم، وأخبر أن فيه مطردة للشيطان.

فصل [فيمن لا يحسن العربية كيف يفتتح الصلاة]

واختلف في العجمي لا يحسن 181 العربية كيف يفتتح الصلاة، فقال ابن القاسم في "المدونة": لا يفتتح بالعجمية 182. ولم يذكر كيف يفعل.176177178179180

الجزء: 1 - الصفحة: 254

وقال أبو الفرج: لا يجزئه غير التكبير يدخل به، أو بالحرف الذي أسلم به.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: من شيوخنا من يقول: يحرم بلسانه -يريد: بالعجمية- ومنهم من يقول: يعتقد الدخول في الصلاة بقلبه بغير نطق 183. وقال مالك في المدونة: أكره أن يدعو بالعجمية في الصلاة 184. وقال في موضع آخر: واسع أن يدعو به في غير الصلاة.
وقال في الذي يحلف بالعجمية: وما يدريه أن الذي حلف 185 به هو كما قال؟ 186 فعلى هذا لو علم أن ذلك هو اسمه عز وجل بذلك اللسان لجاز أن يدعوه به في الصلاة؛ لأن الله -عز وجل- علّم آدم الأسماء كلها، وسمّى نفسه تعالى بكل لسان وأعلمهم كيف يدعونه بلسانهم فقال -عز وجل-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وقد يحمل ما حكاه أبو محمد عبد الوهاب من إجازة ذلك أن يقول: إن أهل ذلك اللسان نقلوه 187 خلفًا عن سلف على ذلك وقد كان فيهم مؤمنون 188.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

فصل [فيما يلزم من لا يحسن القرآن]

واختلف فيمن لا يحسن القرآن 189، فقال محمد بن سحنون: فرضه أن يذكر 190 الله تعالى في صلاته.
يريد: في موضع القراءة.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ليس يلزمه من طريق الوجوب تسبيح ولا تحميد، ويستحب له أن يقف وقوفًا ما، فإن لم يفعل وركع أجزأه 191. وقال محمد بن مسلمة: يستحب له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة.
وليس هذا بالبين؛ لأن الوقوف لم يكن لنفسه، وإنما كان ليقرأ القرآن، فإن لم يحسن ذلك سقط 192 القيام 193 لغير فائدة، وكذا لا نقول إن فرضه أن يذكر الله؛ لأن الفرض كان لشيء معين، فلم يكن 194 الذكر بدلًا منه إلا بنص أو إجماع، ويستحب ذلك لحديث الأعرابي لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاته فقال له: "إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلاَّ فَاحْمَدِ اللهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ" 195. ولا يجب؛ لأن الثقات من رواة هذا الحديث في البخاري ومسلم لم يذكروا هذه الزيادة 196، وأيضًا

الجزء: 1 - الصفحة: 256

فإنها لم تأت من طريق صحيح.
ويؤمر من لا يحسن القرآن أن يتحرى الصلاة مأمومًا، ويجب عليه أن يتعلم ما يؤدي به فرضه في خلال ذلك، فإن فاتته الجماعة صلى فذًّا حسب ما تقدم.
واختلف إذا صلى فذًّا وهو قادر على أن يصلي مأمومًا، فقال أشهب في مدونته في أمي صلى بقوم فيهم من يقرأ ومن لا يقرأ: صلاته مجزئة.
قال: وإن كنت لا أحب 197 له أن يصلي فذًّا ما دام أمِّيًّا، وصلاة من خلفه فاسدة.
فرأى صلاة الإمام مجزئة وإن كان في الجماعة من يقرأ.
وقال سحنون: لا يجزئه؛ لأنه قال 198 في أمي يؤم الأميين: أرى أن يعيدوا الصلاة أبدًا، إلا ألا 199 يجدوا أحدًا يقرأ بهم ويخافوا ذهاب الوقت.
وإن فرط في التعليم قضى من الصلاة ما صلاها فذًّا بعد مضى قدر ما يتعلم فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 257

باب في تكبيرة الإحرام

تكبيرة الإحرام فرض لا تجزئ الصلاة إلا بها، وهذا في الإمام والفذ 200، واختلف 201 في المأموم هل يحملها الإمام عنه، أو لا؟ فقال مالك: لا 202 يحملها الإمام عنه 203. وروى عنه ابن وهب في سماعه أنه قال: إذا نسي تكبير الإحرام وتكبيرة الركوع أنه يجزئ عنه إحرام الإمام.
ففرق في القول الأول بين حمل الإمام التكبير والقراءة؛ لأن المأموم عند قراءة الإمام يسكت، ولا يسكت عند تكبيرة الإحرام، وكل واحد منهما يكبر.
وقاسه في القول الآخر على قراءة السر أن كل واحد منهما يقرأ، فإن فاتت المأموم القراءة وأدرك الإمام راكعًا- أجزأته تلك الركعة، وكلها أقوال، وإذا لم يحملها الإمام على القول الأول فإنه إن كبر للركوع ينوي بها تكبيرة الإحرام أجزأه، وإن لم ينو بها تكبيرة الإحرام مضى في صلاته وأعاد.
وإن لم يكبِّر للإحرام ولا للركوع حتى ركع أو سجد ولم يكبر للسجود قطع وابتدأ.
وقال أبو مصعب 204: من نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام قطع وابتدأ،

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وإن أحب مضى وأعاد.
واختلف إذا كبر للركوع وكان قادرًا على أن يرفع ويكبر ويدرك الإمام راكعًا، فقال مالك في كتاب محمد: يرجع 205 ويكبر ثم يعود إلى الركوع.
وقال ابن القاسم: أخاف أن يكون قد انعقدت له الركعة بتكبيرة الركوع؛ لما جاء في ذلك من الاختلاف، فإن رفع وركع ثانية كانت خامسة 206. واختلف بعد القول بجواز الرفع هل يسلم ثم يكبر أم لا؟ وأرى أن يرفع ولا يسلم، ثم يكبر ويعود إلى الركوع وتجزئه صلاته؛ لأنه إن كان الحق عند الله تعالى أن الإمام لا يحملها فهو في غير صلاة؛ فلا يحتاج إلى تسليم، أو يكون الحق عنده أنه في صلاة وأن الإمام يحملها، وأن رفعه إذا رفع يبطل ما هو فيه، فلا يحتاج إلى سلام أيضًا، ولا تكون خامسة وإن كان رفعه لا يبطل لما كان متأولًا، وأن الحكم ألا يرجع 207، وأن الواجب أن يعود إلى ركوعه، فلا تكون خامسة، ويكون بمنزلة من رفع قبل إمامه وهو قادر أن يعود قبل رفعه، فإنه يعود وتجزئه صلاته، ولا تكون خامسة.
= على نسخة مصورة عنها في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 347، والديباج، لابن فرحون: 1/ 30، والانتقاء، لابن عبد البر، ص: 62، والتعريف بالأعلام والمبهمات، لابن عبد السلام (بهامش الجامع بين الأمهات بتحقيقنا): 1/ 241، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 57، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 154، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 11/ 467، وفهرس مخطوطات خزانة القرويين: 1/ 588.

الجزء: 1 - الصفحة: 259

وإن كبر بعد أن صار راكعًا ينوي (1) تكبيرة الافتتاح (2) - لم يحتسب بتلك الركعة، واحتسب بالإحرام، وتمادى، وقضى ركعة، وأجزأته صلاته.
وإن لم يكن نوى بها تكبيرة الإحرام أعاد، ومثله لو كبر وهو يريد السجود أو رافعًا منه يريد القيام.
وإلى هذا ذهب محمد، وليس بالبين؛ لأنه عقد الصلاة في غير قيام.

فصل [فيمن نوى الإحرام بتكبيرة الركوع، وفي الإمام ينسى تكبيرة الإحرام]

واختلف في الإمام والفذِّ إذا كبر للركوع ينوي بها تكبيرة الإحرام، فقال مالك: لا تجزئه الصلاة 210. وقال أبو الفرج: هذا على القول أن أمَّ القرآن هي 211 فرض في كل ركعة، ويقول: الصلاة تجزئ على القول أنها فرض في ركعة أو في جل الصلاة؛ لأنه يقرؤها في بقية الصلاة.
وقال ابن شعبان: وإنما بطلت لأنه تركها عمدًا.
يريد: أن قراءتها فرض في ركعة أو في جل الصلاة والزائد سنة، فإن ترك ذلك سهوًا أجزأته، وإن كان عمدًا لم تجزئه.
وإذا نسي الإمام ومن خلفه تكبيرة الإحرام لم تجزئهم صلاتهم، وإن نسيها الإمام وكبر من خلفه وهم عالمون أنه لم يكبر- لم تجزئهم أيضًا 212، وإن كانوا208209

الجزء: 1 - الصفحة: 260

غير عالمين يظنون أنه كبر وهو ناسٍ أجزأتهم الصلاة، قياسًا على أحد القولين إذا أَمَّهُم وهو جُنبٌ أو على غير وضوء ولم يتعمد، وإن كان عامدًا لترك التكبير أو ناسيًا ثم ذكر فتمادى بهم- لم تجزئهم الصلاة.
وإن كبّر المأموم قبل إمامه وهو يظن أن الإمام قد كبّر ثم علم أنه لم يكبر- لم تجزئه، قال مالك: ويكبر بعد تكبير 213 الإمام ولا يسلم 214. وقال سحنون: يسلّم ثم يكبّر.
ولو صلى لنفسه بتلك التكبيرة لم يجزئه على قول مالك وأجزأه على قول سحنون.
وهذا أبين؛ لأنه عقد على نفسه الصلاة بإحرام؛ فلم يسقط حكم الإحرام.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يجزئه إن تمادى 215 على إحرامه.
وهذا اختلاف قول، إلا أن يكون أجاب على أصل قول مالك.
وقال أشهب في المجموعة: إذا سلم الإمام فجاء رجل يظن أنه في الصلاة فأحرم ودخل معه ثم انصرف الإمام- فإنه يمضي على صلاته، وليس عليه أن يستأنفها 216. واختلف إذا كان تكبير الإمام والمأموم معًا، فقال مالك في المجموعة: يعيد الصلاة.
وقال ابن القاسم: يعيد التكبيرة، فإن لم يفعل أجزأته الصلاة 217.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: من أحرم مع الإمام أو سلم معه أعاد الصلاة أبدًا (1). وقال محمد بن عبد الحكم: إن لم يسبقه الإمام بشيء من حروف التكبير لم تجزئه الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذَا كبَّرَ الإِمَامُ فَكَبِّرُوا" (2).

فصل [في الشك يعرض للمصلي]

ومن صلى وحده ثم شك في تكبيرة الإحرام، فإن كان شكه قبل أن يركع كبر بغير سلام ثم استأنف القراءة.
واختلف إذا شك بعد أن ركع، فقال عبد الملك في كتاب محمد: يتمادى ويقضي ولا يخرج من صلاته قبل تمامها، لعلها تامة صحيحة 220. وقال ابن القاسم: يقطع ويبتدئ 221. واختلف أيضًا إذا شك في وضوئه فقال سحنون: يقطع.
وقال أيضًا: يمضى ولا يقطع؛ لإمكان أن يكون على وضوء.
واختلف إذا تمادى وأتم صلاته ثم ذكر أنه على وضوء، فقال محمد بن218219 = يجزئه عنه؟ قال: أرى أن يجزئه عنه، ولو أحرم بعده، كان أجزأ وأصوب) انظر: البيان والتحصيل: 2/ 93.

الجزء: 1 - الصفحة: 262

المواز: الذي لا شك فيه من قول مالك وأصحابه أنها تجزئه.
وقال ابن وهب وأشهب في العتبية: لا تجزئه 222. ويختلف على هذا إذا تذكر أنه كبّر للإحرام هل تجزئه الصلاة؟ وإذا كانت الصلاة لا تجزئ في المسألتين جميعًا لم يؤمر بالإتمام.
وأنا أرى أن يتمادى؛ لإمكان أن يكونا في الصلاة بوجه صحيح، وأن يعيد لإمكان أن يكونا في غير الصلاة: هذا لعدم الطهارة وهذا 223 لعدم التكبير، وليس ذلك بواجب عليهما؛ لأن كل واحد منهما يقول: إنما علي صلاة واحدة ولا أتكلف صلاتين: فيقطع إذا شاء 224 ويصلي صلاة واحدة.
واختلف في الإمام يشك في تكبيرة الإحرام، فقال سحنون: يمضى في صلاته، فإذا سلم سألهم، فإن قالوا: أحرمت، رجع إلى قولهم، وإن شكوا أعاد جميعهم.
وأن شك هل أحدث أو لا؟ 225 استخلف 226؛ لأنه إن لم يكن على وضوء- يصح ما مضى من صلاته لمن 227 خلفه، ولو تمادى لأبطل عليهم، والذي شك في الإحرام إن لم يكن أحرم لم تجزئهم صلاتهم 228، فحكمهم وحكمه سواء بطلت

الجزء: 1 - الصفحة: 263

صلاته أو صحت، وهو يتمادى يتعرض 229 أن تجزئهم إن كان قد أحرم، ويعيد إن كان 230 لم يحرم.
ثم وقف في الوضوء فقال: أليس قد يكون على وضوء؟ 231 فلا يجوز له قطع الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بإمامة غيره.
وهذا أحسن؛ يتمادى بهم، وتجزئه وتجزئهم إن تذكر أنه أحرم أو أنه على وضوء.
وقال سحنون في المجموعة فيمن سلم على 232 شك هل هو في الثالثة أو في الرابعة ثم تبين له أنها رابعة: إن صلاته فاسدة.
وقال ابن حبيب: هي جائزة 233. وقول سحنون أحسن.
إلا أن يكون ممن يجهل ويظن أن له إذا شك أن يسلم، فتجزئه؛ لأنه لم يكن قصد العبث في صلاته، والشك في تكبيرة الإحرام أو في الرابعة سواء؛ لأن من شك في تكبيرة الإحرام مأمور بالتمادي؛ لإمكان أن يكون قد أحرم، وهذا مأمور أيضًا بالتمادي على الرابعة، وألا يسلم على شك، فتمادي الأول على الشك إصلاح، وسلام الآخر على الشك إفساد.

الجزء: 1 - الصفحة: 264

ولو أحرم للظهر ثم شك بعد ذلك هل أحرم للظهر أو للعصر فأتم صلاته، ثم تذكر أنه كان أحرم للظهر- أجزأته صلاته؛ لأنه لم يحدث نية لصلاة أخرى، وليس عليه أن يستصحب النية في جميع صلاته، وقد تمادى على نية القربة لله سبحانه.
واختلف أيضًا إذا ظن أنه في العصر وأتمها على ذلك، ثم تبين أنه في الظهر، فقال أشهب: تجزئه صلاته.
وقال يحيى بن عمر: لا تجزئه 234. واختلف أيضًا فيمن سلم من ركعتين ثم أتى بركعتين بنية النفل، ثم تذكر، فقال ابن القاسم: لا تجزئه.
وقال عبد الملك: تجزئه 235. وهو في مسألة أشهب أبين؛ لأن كليهما 236 فرض.

الجزء: 1 - الصفحة: 265

باب في القراءة في الصلاة

القراءة في الصلاة فرض 237 على الفذ والإمام دون المأموم، ثم هي متعينة بأم القرآن.
والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلاَةَ لمِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَصَاعِدًا" أخرجه البخاري ومسلم 238. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ صَلاَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ" 239. ولا يعترض هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "اقْرَأْ بِمَا تيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" 240 لأنها نازلة في عين والأول شَرْعٌ أقامه لجميع الناس؛ لأن الظاهر من الأعرابي أنه لا يحسن القرآن؛ لأن من لا يحسن الظاهر من الأعمال كالركوع والسجود أحرى ألا يحسن القراءة؛ ولإمكان أن يكون لم ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حين قوله ذلك أنها تختص بفاتحة الكتاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 266

وأما المأموم فإنه لا يقرأ إذا جهر إمامه 241، واختلف إذا أسر، فقال مالك وابن القاسم: يقرأ، وقال ابن وهب: لا يقرأ خلفه، وحكى محمد بن المواز عن أشهب أنه لم يكن يقرأ خلف الإمام 242. وقال محمد بن عبد الحكم: يقرأ خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه؛ لأن الناس مجمعون على أن من أدرك الإمام راكعًا فركع معه أنها تجزئه، ويعتد بها، فلو كان تارك القراءة خلف الإمام لا يعتد بها- لم تجزئه هذه الركعة.
قال الشيخ -رحمه الله-: اختلف الناس في القراءة خلف الإمام على ثلاثة أقوال: فقيل: عليه أن يقرأ، جهر الإمام أو أسر.
وقيل: لا يقرأ على حال.
وقيل: إن جهر لم يقرأ، وإن أسر قرأ.
واحتج من ألزم القراءة في الحالتين بأحاديث الأول: "لاَ صَلاَةَ لمِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" 243، وحمل الحديث على عمومه في الفذ والإمام، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ صَلاَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ".
قيل: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا خلف الإمام.
قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي 244. وفي الترمذي قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ " قلنا: إي والله يا رسول الله، قال: "فَلاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ إلا بِهَا" 245، وهذا حديث صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 267

واحتج من نَفَى القراءة إذا جهر وأثبتها إذا أسر بحديث أبي هريرة قال: "انْصَرَفَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ، فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مَعِي مِنْكُمْ آنِفًا.
فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ الله.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ القُرْآنَ، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُوَلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا جَهَرَ فِيهِ" 246. ومفهوم الحديث أنهم نهوا 247 عن القراءة في الجهر 248. ويحتج لمن قال: لا يقرأ مع الإمام على حال بالحديث الذي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُوا" أخرجه مسلم 249، ولم يفرق بين السر والجهر.
وقال ابن عمر في الموطأ: "إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ"، قال نافع: وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام 250. وقد كان ابن عمر أكثر الناس اتباعًا واقتصاصًا لأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، = أبواب الصلاة، برقم (311) وقال: (حديث حسن)، وأبو داود: 1/ 277 في باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، من كتاب الصلاة، برقم (823)، والنسائي: 2/ 141 في باب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام، من كتاب صفة الصلاة، برقم (920).

الجزء: 1 - الصفحة: 268

والصلاة مما يتكرر في اليوم خمس مرات، فلو كان العمل على القراءة خلف الإمام لَقَرَأَ ابن عمر ولم يفت الناس بخلاف ذلك.
وقال جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام 251. وذكر الطحاوي في شرح معاني الآثار 252 عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ 253 فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ" 254، وعن علي - رضي الله عنه - قال: "مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الإِمَامِ فَلَيْسَ عَلَى الفِطْرَةِ" 255. = برقم (192)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1/ 220 في باب القراءة خلف الإمام، من كتاب الصلاة، برقم (1216). وأخرجه دون قوله: (قال نافع.
. .): الدارقطني في سننه: 1/ 402 في باب ذكر نيابة الإمام عن قراءة المأمومين، من كتاب الصلاة، برقم (2)، والبيهقي في السنن الكبرى: 2/ 161 في باب من قال لا يقرأ خلف الإمام على الإطلاق، من كتاب الحيض، برقم (2727)، وصحح كونه موقوفًا على ابن عمر - رضي الله عنه -.

الجزء: 1 - الصفحة: 269

وعن ابن مسعود قال: ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابًا (1). وقال زيد بن ثابت وابن عباس: لا يقرأ خلف الإمام (2).

فصل الخلاف في وجوب الفاتحة في الكلِّ أو الجُلِّ على الإمام والفَذِّ

واختلف في الفذ والإمام هل تجب عليه قراءة أم القرآن في كل ركعة أو في جُلِّ الصلاة أو في ركعة واحدة فرأى مالك مرة 258 أنها تجب في كل ركعة.
فإن تركها في ركعة واحدة سهوًا 259 ألغى تلك الركعة 260 ولم يعتد بها، كمن نسي ركعة أو سجدة، وإن لم يذكر حتى سلم وطال بطلت صلاته واستأنفها، ورأى مرة أنها فرض في جل الصلاة، فإن تركها في ركعة من الظهر أو غيرها ما سوى الصبح أجزأته صلاته وسجد سجدتي السهو قبل السلام 261. ويختلف على هذا إذا تركها عمدًا هل يسجد وتجزئه صلاته أو يعيدها؟ وإن تركها في ركعتين من إحدى الصلوات الأربع أو من ركعة من الصبح لم تجزئه صلاته، وترجح عنده الأمر مرة هل هي فرض في كل ركعة أم لا 262؟256257 = الصلوات، برقم (3781)، قال ابن عبد البر في الاستذكار: 1/ 470: غير ثابت عن علي.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

فقال: إذا أسقطها من ركعة سجد سجدتي السهو 263؛ لجواز أن تكون ليست بفرض، ويعيد الصلاة؛ لجواز أن تكون فرضًا في كل ركعة.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه قال: إن أسقطها من ركعة واحدة أجزأته سجدتا السهو، كان ذلك من أول صلاته أو من آخرها، إلا أن ينساها في ركعة من الصبح أو الجمعة أو من صلاة السفر التي هي ركعتان- فإنه يسجد لسهوه قبل السلام 264 ويعيد، وكذلك إذا نسيها من ركعتين من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء فإنه يسجد لسهوه قبل السلام ويعيد 265. وعن ابن الماجشون أنه قال: إذا نسيها من ركعة فسواء كان ذلك من الصبح أو الجمعة أو غيرهما من الصلوات، فإن سجدتي السهو تجزئانه ولا إعادة عليه، وإن نسيها من ركعتين، فأرى أن يمضي على صلاته ثم يسجد لسهو قبل السلام ويعيد 266. قال: وإنما ينظر 267 إلى السهو إذا كثر وطال، قال ولا أحدّه بركعة من الصبح إلا كما أحده بركعة من الظهر.
قال: وقول ابن عبد الحكم وأصبغ: إذا نسيها من ركعة من الصبح أو من ركعتين من سواها فإنه يلغي ذلك، ويبني على ما صح ويسجد لسهوه بعد السلام 268.

الجزء: 1 - الصفحة: 271

قال المغيرة في النوادر: إن لم يقرأها من الظهر إلا في ركعة أجزأته، وجعلها فرضًا في ركعة واحدة من أي الصلوات كانت 269. وكل هذا الاختلاف فإنه إذا فات موضع الإتيان بها، فإن لم يفت وذكره وهو قائم قبل أن يركع قرأها.
واختلف هل يعيد قراءة السورة التي قرأها معها إذا كان قد قرأها؟ وفي سجود السهو، فقال علي بن زياد في المجموعة: لا يعيد قراءتها 270. وقال أشهب في مدونته: يعيد قراءتها، وقاله سحنون، قال: ويسجد لسهوه بعد السلام 271. وقال ابن حبيب: لا سجود عليه.
قال الشيخ -رحمه الله-: إعادة قراءتها أحسن؛ ليأتي بها على حسب ما وردت به السنة، والسجود فيها 272 خفيف.
واختلف أيضًا إذا ذكر وهو راكع، فذكر ابن عبدوس 273 عن سحنون أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 272

قال: يرجع فيبتدئ القراءة من أولها، وإن كان قد رفع من الركوع تمادى، واعتد بما يفترض بها أن تجزئه، فإذا سلم أعاد احتياطًا.
وفي كتاب محمد كذلك 274. قال الشيخ -رحمه الله-: أما على القول أنها فرض في كل ركعة فإنه إذا ذكر وهو راكع أو بعد أن رفع رأسه 275 من الركوع أو بعد أن سجد سجدة -فإنه يلغي ذلك كله ويعود إلى القيام والقراءة، وإن ذكر وهو قائم في الثانية- احتسب بها أولى، فإذا أتمها بسجودها لم يجلس؛ لأنها أولى صلاته 276، وإن ذكر وهو قائم في الثالثة- احتسب بها ثانية، ويضيف إلى قراءة أم القرآن سورة، فإذا ركع وسجد جلس؛ لأنها ثانية، وإن ذكر وهو قائم في الرابعة- احتسب بها ثالثة، وأتى بعد تمامها رابعة 277، وسجوده- إذا ذكر وهو في الأولى أو الثانية أو الثالثة وهو قائم فأضاف سورة وجعلها ثانية وجلس 278 وسجد- بعد السلام، وإن ذكر 279 بعد أن رفع 280 من الثالثة فلما أتم السجود جلس أو لم يجلس فذكر في الرابعة- سجد قبل السلام؛ لأن في صلاته زيادة، وهي الركعة الملغية 281، وتقضى 282 السورة وحدها تارة، وتارة الجلوس والسورة، ومثله إذا نسيها من الثانية فذكر وهو في ركوعها أو في سجودها- يلغي ذلك، ويعود إلى القيام، وإن ذكر وهو في الثالثة- جعلها ثانية، وأضاف سورة مع أم القرآن إن كان قائمًا وسجوده

الجزء: 1 - الصفحة: 273

بعد، وإن ذكر بعد أن رفع- أتمها؛ لأنه في فرض -وهو الركوع- ولا يرجع منه إلى سنة وهي السورة التي مع أم القرآن، ويجلس ويحتسب بها ثانية، وسجوده قبل.
وإن نسيها في الثالثة وذكر وهو في الرابعة- احتسب بها ثالثة، وأتى بالرابعة، وسجد قبل، وإن نسيها من الرابعة ألغى ما صار إليه من ركوع وسجود وعاد إلى القيام فقرأها وأتم الرابعة، وسجوده إذا نسيها من الثالثة أو الرابعة- بعد.
وأما على القول أنها فرض في جل الصلاة وكان نسيها من أول ركعة فذكر وهو راكع أو بعد أن رفع فإنه يمضي على صلاته؛ لأنه يأتي بها في الثلاثة الباقية ويسجد وتجزئه، وكذلك إذا نسيها من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فذكر بعد أن رفع من الركوع فإنه يتم عليها ويسجد قبل السلام؛ بمنزلة من سها 283 عن سنة.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا ذكر وهو راكع في أول ركعة أو بعد أن رفع وقبل أن يسجد- فإنه يقطع صلاته بسلام ويبتدئ بإقامة، وإن لم يذكر حتى أتمها بسجدتيها أضاف إليها أخرى وسلم وسجد 284 سجدتي السهو قبل السلام، وإن ذكر وهو في الثالثة أو ركع ولم يرفع من الركوع رجع فسلم من اثنتين وجعلها نافلة وسجد سجدتي السهو ثم سلم، وإن لم يذكر حتى رفع من الثالثة أتمها أربعًا وسلم وأعاد.
قال: وإن قرأها في الأولى ونسيها من الثانية فإنه يتم هذه الثانية ويسجد لسهوه ويسلم منها 285.

الجزء: 1 - الصفحة: 274

وقال أصبغ: لا أرى أن يقطع إن ذكر وهو راكع في أول ركعة، ولا إذا أتمها ركعتين، ولكنه يمضي حتى يتم صلاته، ويسجد قبل السلام وتجزئه إلا أن يشاء أن يعيد، وإن لم يفعل فصلاته تامة (1). فجواب ابن القاسم على أحد قولي مالك المتقدم: أنه ترجح (2) عنده هل هي فرض في كل ركعة أو لا؟ وجواب أصبغ على القول أنها فرض في جُلِّ الصلاة.

فصل الخلاف في السورة التي مع أم القرأن سُنَّة أو واجبة أو مستحبة

واختلف في قراءة السورة التي مع أم القرآن في الصبح وفي الركعتين الأوليين من سواها، هل ذلك سنة أو واجب أو مستحب، فقال مالك في المدونة فيمن ترك ذلك سهوًا: سجد لسهوه قبل السلام 288. قال ابن القاسم في العتبية: وإن نسيها حتى تطاول فلا شيء عليه 289. وقال أشهب ومالك في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه.
لا إعادة ولا سجود 290. فجعلها مستحبة.
واختلف إذا تركها عمدًا؛ فقال ابن القاسم: يستغفر الله ولا شيء عليه 291. وقال عيسى: إن تركها عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا.
فجعلها واجبة، وعلى هذا286287

الجزء: 1 - الصفحة: 275

إذا تركها سهوًا ولم يسجد حتى طال الأمر- تبطل صلاته.
والقول إنها مستحبة أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلاَةَ لمِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَصَاعِدًا" 292 فمفهوم هذا جواز الاقتصار على أم القرآن 293، وهو كقوله: "القَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" 294 فالحكم معلق 295 بربع دينار، والزائد عليه لا يزيد حكمًا.
واختلف هل له أن يقرأ في الركعتين الأخريين بسورة بعد أم القرآن، فقيل: لا يفعل، وإن فعل فلا شيء عليه.
وقال محمد بن عبد الحكم: من فعل هذا 296 فقد أحسن.
وهو أصوب؛ لأنه زيادة فضل، وقد أجاز مالك في مختصر ابن عبد الحكم أن يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالسورتين والثلاث 297، فإذا جاز أن يزيد على سورة في الأوليين: جاز أن يقرأ بسورة في الأخريين.
وقال: ولا بأس إذا قرأ في الأولى بعد الحمد بسورة أن يقرأ في الثانية بسورة قبل الأولى 298، وأن يقرأ بها بعد أحسن، ولا يقرأ بسورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه.
وقال في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن.

الجزء: 1 - الصفحة: 276

فصل في التأمين بعد الفاتحة

يؤمن المصلي 299 عند خاتمة الحمد في خمس مواضع، واختلف في سادس: ويؤمن الفذ في صلاة السر والجهر، والمأموم في صلاة السر عند فراغه من قراءة نفسه 300 وفى الجهر عند فراغ الإمام من قراءتها 301، ويؤمن 302 الإمام في صلاة السر، واختلف في صلاة الجهر فقال مالك: لا يؤمن 303. وقال ابن حبيب: يؤمن.
وقال ابن بكير: هو بالخيار بين أن يؤمن أو يدع.
وقال عبد الوهاب: الأفضل الاجتزاء بتأمين المأموم.
والقول إنه يؤمن أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا" 304. وقال ابن شهاب 305: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "آمِينَ" 306، وفي الترمذي "أنه - عليه السلام - أَمَّنَ" 307.

الجزء: 1 - الصفحة: 277

والقول أن المعنى في الحديث: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا" أي: إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]؛ لأنه دعاء، ولأن هارون - عليه السلام - كان يؤمن، فقال الله -عز وجل-: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] وهذا 308 غير صحيح؛ لأنه لا يقال لمن دعا ولم يكن في دعائه تأمين فقال: "اللهم اغفر لي، اللهم ارزقني" فلا يقال: إنه أمن، فكل مؤمنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مؤمنًا، حتى يكون في دعائه آمين.
واستحب للإمام أن يجهر به ليقتدي به من خلفه؛ للحديث: "إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا" وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد 309 إن كان فذًّا، وإن كان إمامًا قال: سمع الله لمن حمده، ويقول من خلفه: ربنا ولك الحمد.
واختلف هل يقول ذلك الإمام، فمنع ذلك مالك مرة 310، وأجازه في مختصر ما ليس في المختصر، وقاله ابن نافع وعيسى بن دينار 311 عن 312 ابن مزين 313، وهو أحسن؛ لحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "سَمِعَ اللهُ لَمِنْ = التأمين، من أبواب الصلاة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، برقم (250)، وقال: حسن صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 278

حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" (1). وفي سماع ابن وهب عن مالك قال: أحب للمأموم ألا (2) يجهر بالتكبير وبـ"ربنا ولك الحمد"، ولو جهر بذلك جهرًا يسمع من يليه فلا بأس (3). ولم يذكر في الإمام شيئًا، والشأن أن يجهر بذلك وبالتكبير؛ فيقتدي به من خلفه في الركوع والسجود.

فصل في رفع اليدين في الصلاة

واختلف في رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال، وعن مالك في ذلك أربع روايات؛ فقال مالك في المدونة: يرفع مرة واحدة عند الإحرام لا غير ذلك 317. وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يرفع في موضعين: عند الإحرام، وعند رفع314315316 = ونظرائهم، ورحل إلى المشرق؛ فلقي بالمدينة مطرفًا، وروى عنه الموطأ ورواه أيضا عن حبيب كاتب مالك، ودخل العراق فسمع من عبد الله بن مسلمة القعنبى، ومن أحمد بن عبد الله بن يونس، وبمصر من أصبغ وغيره، وألف كتبًا حسانًا منها "تفسير الموطأ" وكتاب في تسمية الرجال المذكورين فيه، واستقصى علل الموطأ في كتاب سماه "المستقصية"، وكتاب في فضائل العلم، وكتاب في فضائل القرآن.
انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 4/ 238، والديباج، لابن فرحون: 2/ 361، وتاريخ ابن الفرضي: 2/ 781، وجذوة المقتبس، للحميدي، ص: 350، وبغية الملتمس، للضبي، ص: 482.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

الرأس من الركوع 318. وقال في سماع ابن وهب: يرفع في ثلاثة مواضع: في الإحرام، والركوع، والرفع منه.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة.
قال ابن القاسم: ولم أر مالكًا يرفع يديه إلا 319 عند 320 الإحرام 321. قال: وأحب إليَّ ترك رفع اليدين عند الإحرام.
وقال ابن وهب: يرفع يديه 322 إذا قام من الاثنتين.
وهذا أحسن أن يرفع في الأربعة المواضع؛ لحديث ابن عمر قال: "رَأَيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَرْكَعُ وَحِينَ يَرْفَعُ مِنَ الرُّكُوعِ".
أخرجه البخاري ومسلم، ومالك في "الموطأ" 323، وزاد البخاري عن ابن عمر "أنه كَانَ يَرْفَعُ إِذَا قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ" 324.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

واختلف في حدّ الرفع، فقيل: حذو الصدر.
وقيل: إلى المنكبين 325. وقيل: حذو الأذنين.
واختلفت الأحاديث نحو ما ذكرنا من الاختلاف في الروايات.
ومحمل ذلك على التوسعة؛ يفعل أي ذلك أحب.
واختُلف في صفة الرفع، والذي آخذ به أن تكون قائمة لا مبسوطة ولا مضمومة، وأما بسطها 326 ففي حالة الدعاء والسؤال رغبًا تارة ورهبًا تارة، وليس المراد برفعهما عند الإحرام: الدعاء، ولا الطلبة لشيء، والقصد به استعظام لما يدخل فيه، وكثيرًا ما يجري من شأن 327 الناس عندما يفجأه أمر يستعظمه رفع اليدين كالفَرخِ منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 281

باب فيمن جاء والإمام راكع: هل يركع في موضع إن خشي أن تفوته الركعة؟

وقال مالك: فيمن جاء والإمام راكع: فليركع إن خشي أن يرفع الإمام رأسه إذا كان قريبًا يطمع إذا ركع فدب أن يصل إلى الصف.
فإن كان بعيدًا فركع أن ذلك مجزئ عنه 328. وأجاز بعد ذلك أن يركع حيث هو 329. واختلف في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: في حد القرب الذي يجوز له أن يركع فيه ثم يمشي منه.
والثاني: هل يتمادى إلى الصف وهو في حال ركوعه أو بعد رفعه؟ والثالث: إذا كان بعيدًا هل يصلي في موضعه أو يتمادى إلى الصف وإن فاتته الركعة؟ فأما حد القرب فقيل: قدر ذلك الصفان 330 يمشي فرجتين.
وقال في العتبية: الصفان والثلاثة 331. وكل هذا واسع خفيف.
وأما صفة لحوقه بالصف إذا كان قريبًا فظاهر الكتاب أنه يدب راكعًا 332، وقال مالك في سماع أشهب: لا أرى لأحد أن يدب راكعًا؛ لأنه لا يدب راكعًا

الجزء: 1 - الصفحة: 282

إلا تجافت يداه عن ركبتيه.
وهذا أحسن؛ لأن اشتغاله حينئذ بما ينبغي أن يكون عليه في تلك العبادة من خشوع وتسبيح وذكر الله تعالى أفضل؛ ولأن المشي في حال الركوع مما يستقبح، فكان تأخيره حتى يرفع رأسه أولى.
وقال مالك في العتبية فيمن جاء والإمام راكع وعند باب المسجد قوم يصلون: فليركع معهم ليدرك الركعة، إلا أن يكونوا قلة فليتقدم إلى الفرج أحب إلي 333. فرأى أن اللحوق بالصف أولى من لحوق الركعة مع النفر اليسير، فإذا كان ذلك فأحرى ألا يصلي وحده إذا كان على بعد وإن فاتته الركعة.
وهو أحسن؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتْوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" 334، فجعل الإتيان على سكينة أفضل من فوت الركعة، وفضل الصف الأول أفضل من الإتيان بالسكينة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" 335. إلا أن يكون في آخر ركعة فليركع؛ لأنه إن تمادى لم يدرك شيئًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 283

باب في الركوع والسجود وهيئتهما وما يفعل عندهما وفيهما من تكبير أو تسبيحٍ أو دعاءٍ

الركوع والسجود فرض؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77].
واختلف في الصفة التي تجزئ من ذلك، فقال مالك في المدونة: قدر ذلك أن يمكن يديه من ركبتيه في ركوعه، وجبهته من الأرض في سجوده، فإذا أمكن مطمئنًّا فقد تم ركوعه وسجوده 336. وفي مختصر ابن الجلاب: الطمأنينة فرض في أركان الصلاة كلها، في قيامها وركوعها ورفع الرأس منها 337، وفي سجودها، وبين السجدتين 338. وقال ابن القاسم فيمن لم يعتدل راكعًا حتى رفع، وفيمن رفع من السجود فلم يعتدل جالسًا حتى سجد: فليستغفر الله ولا يعود 339. فلم يوجب الطمأنينة في شيء من ذلك، ورأى أن الذي يتضمنه القرآن ما يقع عليه اسم الركوع والسجود، والزائد عليه تطوع.
والأول أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي صلى ولم يحسن الصلاة: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ الله، فَأَمَرَهُ بِالتَّكْبِيِر وَالقِرَاءَةِ ثم قال: ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا كَذَلِكَ"

الجزء: 1 - الصفحة: 284

أخرجه البخاري ومسلم 340، فخرج قوله هذا مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة لما تقدم من قوله: "إنك لم تصل"، فأبان بذلك أن الصفة التي أراد الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] أن يكون على هذه الصفة، ويجزئ من ذلك أقل ما يقع عليه اسم طمأنينة، وله أن يزيد على ذلك ويمهل ما أحب إذا كان فذًّا.
واختلف في حكم الزائد، فقال ابن شعبان: من الناس من يجعل ما وقع عليه الحض والترغيب من الزيادة على أدنى ما يجزئ- نافلة، ومنهم من يجعله فرضًا موسعًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: والقول إنه نفل أحسن؛ لأنه إذا كان له أن يقتصر على دون ذلك فهو في الزائد متطوع لا شك فيه، وليس بمنزلة من خير في الكفارة بين الإطعام والعتق لأنه يجبر 341 على امتثال أحدهما، وهذا بالخيار بين أن يفعل أو لا 342 لغير بدلٍ، وكذلك صلاة المسافر أربعًا، واختلف في الاثنتين هل هي فرض أو تطوع؟.
والقول إنها تطوع أحسن؛ لأنّه يجوز له أن يقتصر على الاثنتين ولا يأتي عن بقية الأربع ببدل الأربعة 343. ويطأطئ 344 ظهره، ويساوي برأسه ظهره في الركوع 345 ولا ينكسه ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 285

يرفعه، وفي البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هَصرَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ" (1) وإذا رفع منه اعتدل قائمًا، وإذا سجد مكّن جبهته وأنفه من الأرض.
وقال محمد بن مسلمة: أستحب أن يضع يديه حذو أذنيه.
وهذا أحسن، وفي مسلم: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ" (2). ويستحب ألا يضع ذراعيه بالأرض، قال مالك: إلا فيما طال من السجود من النوافل، ويجافي ضبعيه ويفرجهما تفريجًا متقاربًا، ويرفع بطنه عن فخذيه، وإذا رفع من السجدة اطمأن جالسًا (3).

فصل في السجود على الجبهة والأنف جميعًا

السجود على الأنف والجبهة جميعًا لا يقتصر على أحدهما دون الآخر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ إِلَى الأَنْفِ- وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ" أخرجه البخاري ومسلم 349. واختلف إذا اقتصر على أحدهما على ثلاثة أقوال؛ فقال ابن القاسم: إن346347348

الجزء: 1 - الصفحة: 286

اقتصر على الجبهة دون الأنف أجزأه، وإن اقتصر على الأنف دون الجبهة لم يجزئه وعليه الإعادة وإن ذهب الوقت 350. وذكر عنه أبو الفرج في الحاوي أنه قال: تجزئه صلاته وإن 351 خرج الوقت.
وقال ابن حبيب: يسجد بهما جميعًا، وإن اقتصر على أحدهما فصلاته باطلة 352. قال الشيخ -رحمه الله-: أعظم 353 الأنف والجبهة في معنى الشيء الواحد؛ لأنه سجود بالوجه، ولهذا عده النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعة، ولو كان في معنى العضوين لكانت ثمانية، فرأى ابن القاسم مرة أنه عضو يسجد بعظمه وهي الجبهة فأجزأه ذلك، ورأى مرة أنه يجزئه الأنف 354 قياسًا على مسح بعض الرأس.
والقول إنه يسجد عليهما جميعًا أحسن؛ اتِّباعًا للحديث.
ويختلف إذا كانت بجبهته جراح 355 فقال في المدونة: يومئ بجبهته 356. وعلى قول ابن حبيب يومئ بالجبهة ويسجد على الأنف، وهو الصواب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن الله تعالى أنه أمر أن يكون السجود بالوجه 357 على صفة ولا يجوز 358 غيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

فصل في صفة الجلوس بين السجدتين

وصفة الجلوس فيما بين السجدتين مثل الجلوس في التشهد- يفضي بأليته إلى الأرض 359، ويثنى رجله اليسرى، وينصب اليمنى 360، ويجعل باطن إبهامها إلى الأرض 361. وإذا نهض من بعد السجدتين من الركعة الأولى أو الثالثة 362 فلا يرجع جالسًا ولكن ينهض كما هو للقيام.
وهذا قول مالك 363، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم جواز ذلك 364، ولهذا قيل فيمن فعل ذلك متعمدًا: لا شيء عليه.
واختلف إذا فعله سهوًا، فقيل: يسجد للسهو.
وقيل: لا شيء عليه مراعاة

الجزء: 1 - الصفحة: 288

للحديث.
قال مالك: وجلوس النساء كذلك، يقعدن على أوراكهن وينصبن اليمنى ويثنين اليسرى 365. قال الشيخ -رحمه الله-: وإذا جلس بين السجدتين بسط يديه على ركبتيه، وإذا جلس للتشهد بسط اليسرى وقبض اليمنى وأشار بالسبابة.
واختلف هل يحركها، فقال ابن القاسم في العتبية: رأيت مالكًا يحرك السبابة في التشهد مُلِحًّا 366. وقال ابن مزين: ينصبها ولا يحركها 367. واختلف في تأويل ذلك فقيل المعنى في نصبها الإخلاص فعلى هذا لا 368 تحرك وقيل في تحريكها: لأنها مقمعة للشيطان.
وقال ابن حبيب: روي أن الإشارة بها مقمعة للشيطان وأن ذلك من الإخلاص فعلى هذا لا تحرك 369. وكان يحيى بن عمر يحركها عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله 370.

الجزء: 1 - الصفحة: 289

باب فيمن نعس خلف الإمام أو غفل عنه حتى ركع أو سجد ومن سبق إمامه بالتكبير أو الركوع أو السجود أو السلام

371 واختلف فيمن نعس خلف الإمام وهو قائم أو غفل 372 حتى ركع الإمام ورفع من الركوع، فقال مالك: إن كان ذلك في أول ركعة ألغاها ولم يعتد بها، وإن كان في الثانية أو الثالثة أو الرابعة أتى بالركوع ما لم يرفع الإمام من سجودها 373. وأرى 374 أنه إذا كان ذلك في الأولى لم يحصل له من الصلاة إلا الإحرام والقراءة، وليس ذلك بكبير عمل يبني عليه، فلا يأتي بالركوع؛ لأنه بمنزلة من يقضي، وهو في حكم الإمام.
وقال أيضًا: يلغيها ولا يصلحها، وإن كان في الثانية أو فيما بعدها - ورأى 375 أن ذلك كله قضاء وهو مع الإمام.
وقال أيضًا: يأتي بالركوع وإن كان ذلك في أول ركعة 376. وهو أحسن، ولا يكون قاضيًا؛ لأن القاضي من يأتي بما سبقه به الإمام قبل أن يدخل معه، وهذا كان مدركًا لتلك الركعة ومخاطبًا بأن يصليها مع

الجزء: 1 - الصفحة: 290

الإمام، فعليه أن يأتي بها حينئذ.
واختلف بعد القول أن له أن 377 يتمها في الموضع الذي يكون له أن يأتي بالركوع فيه، فقيل: ذلك ما لم يرفع الإمام من سجودها 378؛ فإنه 379 إذا كان في سجودها فهو فيها لم يخرج منها بعد، وإذا دخل في الثانية صار مخاطبًا بها.
وقال مالك: يأتي بالركوع ما لم يركع الإمام التي تليها 380. وقال أيضًا: ما لم يرفع من ركوعها.
وأرى أن يصلحها ما لم يركع التي تليها؛ لأنهم لم يختلفوا أنه إذا ركع وغفل عن السجود أن له أن يأتي به.
وإن دخل الإمام في التي تليها فليفعل ما لم يركع أو يرفع من الركوع، على القول الآخر؛ لأن 381 القراءة يحملها الإمام، فلو أدرك رجل الإمام وهو راكع فركع معه لاحتسب بها، وإذا كان ذلك جاز لهذا أن يكون حينئذ في إصلاح الأولى، فإن لم يفعل حتى ركع الإمام ألغى الأولى وركع معه؛ لأن الركوع ليس مما يحمله الإمام عنه، ولا يوسع له الإصلاح في حال ركوع الإمام وإن لم يرفع منه؛ لأن معظم الركعة حال الركوع وهو الفرض بغير خلاف.
واختلف في الرفع منه هل هو فرض أم لا؟ واختلف في المزاحم فقال ابن القاسم: إذا لم يستطع أن يركع مع الإمام فإنه يلغي تلك الركعة، سواء كانت الأولى أو غيرها.
قال: والناعس والغافل سواء وليسا كالمزاحم، ويستوي المزاحم والناعس والغافل في أول ركعة 382. وقال عبد الملك في كتاب محمد:

الجزء: 1 - الصفحة: 291

المزاحم والناعس والغافل سواء 383. قال: والمزاحم أعذر لأنه مغلوب، وإذا عقد ركعة كان له اتباع الإمام، وإن رفع رأسه من السجدتين ما لم يرفع رأسه من الركعة التي تليها 384. وعلى أحد أقوال مالك يكون للمزاحم أن يتبعه في الأولى ما لم يركع الثانية؛ لأنه أعذر.
وإذا ركع مع الإمام ثم غفل أو زوحم عن السجود- اتبعه ما لم يركع الثانية أو يرفع من ركوعها على القول الآخر، وليس بمنزلة من نابه ذلك قبل الركوع.
ومن دخل في صلاة إمام قبل أن يركع ثم ركع الإمام ورفع قبل أن يركع هذا الداخل: كان له أن يركع ويدركه على أحد أقوال مالك 385. وإن أحرم والإمام راكع فلم يركع حتى رفع الإمام من غير تراخٍ 386 منه: لم يحتسب بها قولًا واحدًا.
ومن نعس خلف الإمام حتى ركع الإمام وانقضت صلاته- جاز له أن يصلح التي نعس فيها؛ لأن الذي فعله الإمام وهو ناعس لا يحول بينه وبين إصلاحها.

الجزء: 1 - الصفحة: 292

فصل [في وجوب متابعة الإمام]

أفعال المأموم: الإحرام، والركوع، والسجود، والتكبير، والسلام بعد فعل الإمام، فلا يركع حتى يراه راكعًا، ولا يسجد حتى يراه ساجدًا، ولا يفعل شيئًا من ذلك قبله ولا معه.
وهذا هو المستحسن من المذهب، وقال مالك أيضًا: له أن يفعل معه إلا في الإحرام والقيام من اثنتين، والسلام فلا يفعله إلا بعده، أما الإحرام فلا خلاف أنه إن فعله قبل لم يحتسب به 387. واختلف إذا كان ذلك معه هل يحتسب بذلك أو لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك 388. وكذلك أرى جميع أعمال المأموم من ركوع وسجود ورفع وغير ذلك فإنه لا يفعله إلا بعد فعل الإمام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اَللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" 389 ففيه دليلان: أحدهما: قوله: "ليؤتم به" وذلك يفيد أن يبتدئ الإمام بهذه الأشياء؛ لأنهما إذا فعلا معًا لم يأتم به.
والثاني: قوله: "وإذا ركع فاركعوا" فالفاء ها هنا للتعقيب.
وقيل لمالك في سماع أشهب في الذي يسبق الإمام 390 بالسجود ثم يسجد الإمام وهو ساجد: أيثبت الرجل على سجوده أم يرفع رأسه ثم يسجد؟ فقال: لو ثبت كما هو على

الجزء: 1 - الصفحة: 293

سجوده إذا أدركه 391 الإمام بسجوده وهو ساجد 392. وقال في سماع ابن القاسم فيمن ظن أن الإمام قد 393 رفع رأسه فرفع هو رأسه 394 فإذا الإمام لم يرفع رأسه 395 - فإنه يرجع فيسجد ثم يرفع برفع الإمام ولا يتخلف عنه إلا أن يكون لم يتم سجدتها 396 فليتم 397. وهو أحسن أن عليه أن يرجع حتى يكون فعله بعد فعل الإمام.
وقال سحنون في كتاب ابنه، فيمن رفع قبل الإمام ولم يعلم حتى رفع الإمام: إنه يرجع ويسجد القدر الذي فعله الإمام 398. وهذا أتبع 399 للحديث.
وروى ابن وهب عن مالك في الأعمى يخالف إمامه في فعله أنه إن كان ركوعه وسجوده قبل الإمام فليستأنف الصلاة، وإن كان بعد ركوع الإمام وسجوده بقليل فلا بأس به.
يريد: أنه إذا ركع ورفع أو سجد ورفع قبل أن يركع الإمام أو يسجد فذلك لا يجزئه، وإن ركع الإمام ورفع أو سجد ورفع قبل ثم ركع المأموم أو سجد بقرب ذلك- أجزأه، وقياس القول في الغافل والناعس أنه يجزئه وإن بعد.

الجزء: 1 - الصفحة: 294

باب في أداء (1) الصلوات (2) وما يلزم (3) المصلي في صلاته

ومن المدونة قال مالك: لا يعجبني أن يتكئ الرجل على حائط في المكتوبة، ولا بأس به في النافلة 403. يريد: فيما طال من النوافل، ولا ينبغي ذلك اختيارًا، وأرى أن يلزم 404 المصلي الخشوع والإخبات؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]، قيل: غض البصر، وخفض الجناح، وحزن القلب 405. واستحب بعض أهل العلم إذا كان قائمًا أن يجعل بصره موضع سجوده لأنه فيه ضرب من الخشوع واستشعار الحياء ممن وقف بين يديه سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا.
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء وهو في الصلاة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَالُ أَقْوَام يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ؟ ثُمَّ قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ" أخرجه البخاري ومسلم 406. ويكره أن يتلثم 407، وكره ابن عمر تغطية اللحية وقال: هي من الوجه.
واختلف في وضع اليمنى على اليسرى إذا كان قائمًا، فقال مالك في400401402

الجزء: 1 - الصفحة: 295

المدونة: لا أعرف ذلك في الفريضة ولكن في النوافل، إذا طال القيام فلا بأس يُعِينُ بذلك نفسه 408. وقال في العتبية: لا أرى به بأسًا في المكتوبة والنافلة 409. وهو أحسن؛ للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم في ذلك 410. ولأنها وقفة الذليل والعبد لمولاه.
قال ابن حبيب: وليس لكونهما من الجسد حدٌّ 411. وقيل: يجعلهما حذو صدره لقوله الله -عز وجل-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] أن يجعلهما حذو نحره.
وقيل في كراهية ذلك؛ خيفة أن يظهر بجوارحه من الخشوع ما لم يضمره 412 بقلبه 413، وروي عن أبي هريرة أنه قال: أعوذ بالله من خشوع النفاق.
قيل: وما خشوع النفاق 414؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعًا والقلب غير خاشع 415. ويكره أن يجعل يديه حينئذ في خصره، وفي البخاري النهي عن ذلك 416.

الجزء: 1 - الصفحة: 296

ولا يتكئ على حائط، فإن فعل وكان الاتكاء خفيفًا- لم تفسد صلاته، وإن كان كثيرًا؛ لو أزيل الحائط لسقط المصلي لكان كمن ترك القيام، فإن كان عامدًا غير جاهل أبطل صلاته إن كان في فرض، وإن كان سهوًا أعاد تلك الركعة، وقد يقال: تجزئه؛ للاختلاف في القيام في الصلاة هل هو فرض، وإن كان في نفل أجزأته صلاته سهوًا كان أو عمدًا 417. واختلف هل يقرن قدميه، فكره مالك ذلك في المدونة وقال: كان في المدينة من يفعله فعيب عليه 418. وله في مختصر ما ليس في المختصر عكس ذلك فقال: تفريق القدمين في الصلاة من عيب الصلاة.
وقال أيضًا: إلصاق القدم بالقدم في الصلاة والتفريق بينهما في الصلاة 419 واسع على قدر ما تيسر.
ولا يضع رِجْلًا على رِجلٍ، ولا يعبث المصلي 420 بلحيته ولا بخاتمه، وقيل: لا بأس أن يحوله في أصابعه كلها بعد 421 ركوعه خوف السهو 422. ويكره أن يكون لباسه ما يشغله 423 النظر إليه بأعلام أو غيرها.
= (1161)، ومسلم: 1/ 387، في باب كراهة الاختصار في الصلاة، في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (545).

الجزء: 1 - الصفحة: 297

وكره التزاويق في القبلة لهذا المعنى، ولا يلتفت في صلاته، وفي البخاري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذَلِكَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ أَحَدِكُمْ" 424 فينقصه 425 من صلاته ذلك القدر.
ويكره أن يكون في كمه ما يحشوه؛ لأن فيه مشغلة 426، وإن تثاءب وضع يده على فيه وكظم 427. ولا يكفت ثيابه ولا شعره 428 لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك 429، وقال ابن مسعود: إن الشعر يسجد مع المصلي 430. قال مالك: إلا أن يكون ذلك لباسه وهيئته، أو يكون يعمل عملًا فيشمر لذلك العمل فدخل في صلاته كما هو فلا بأس به 431. قال الشيخ -رحمه الله-: وأرى أن يحل ذلك عند الصلاة.
قال مالك في المدونة: لا بأس بالسدل في الصلاة، وإن لم يكن عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 298

قميص 432 إلا إزار أو رداء 433. وليس بحسن أن يصلي حاسر الرأس وإن كان وحده، وإذا سجد أبرز يديه من كميه وباشر بهما الأرض، إلا أن يتقي بكميه حر الأرض أو بردها 434. واختلف إذا لم يبرزهما وفعل ذلك اختيارًا، وذلك في الباب الذي يليه 435. ويحسر عن جبهته ويستحب له 436 أن يباشر بها الأرض من غير حائل حصير ولا غيره.
ومن المدونة: قال مالك: إن شاء اعتمد وإن شاء لم يعتمد 437. وروى عنه أشهب وابن نافع في العتبية مثل ذلك، في الاعتماد على اليدين من القيام 438. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: كان ابن عمر يضع على الأرض ركبتيه ثم يديه ثم جبهته، ثم يرفع جبهته ثم يديه ثم ركبتيه، قال: ومالك يرى أن يفعل من ذلك ما تيسر له 439، ليس عنده فيه حد 440. واستحب في المبسوط أن يضع يديه على الأرض ثم ركبتيه، قال: وهو أحسن في سكينة الصلاة ووقارها.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

وقال عنه ابن القاسم في العتبية أنه قال في القيام من السجود: ولا يعتمد على اليدين.
قال: ولا بأس به، ثم كرهه 441. قال الشيخ -رحمه الله-: أما باب الرفق والسكينة فأن يبدأ في حال الانحطاط باليدين وبالركبتين في حال القيام.
وأما باب استعطاف 442 من يستشعر أنه بين يديه سبحانه وتعالى فإنه لا ينكس رأسه عند الانحطاط ولا عند القيام، ولا يبتدىء وبالركبتين في حال الانحطاط، ويرفع اليدين في حال القيام.
ونهي عن الإقعاء في الصلاة 443، واختلف في صفته، فقيل: هو جلوس المصلي على أليتيه باسطًا فخذيه كإقعاء الكلب.
وقيل: هو أن يجلس على عقبيه 444. وكلتا الصفتين ليس بحسن، والسنة الجلوس حسبما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 300

باب في الصلاة على الثياب والبسط وغير ذلك

يستحب للمصلي أن يقوم على الأرض من غير حائل، وأن يباشر بجبهته الأرض؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "يَا رَبَاحُ عَفِّرْ وَجْهَكَ في الأَرْضِ 445 ". ولأن ذلك المعمول به في الحرمين: مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسجد الحرام الصلاة فيهما على الحصباء والتراب، لم يتخذ فيهما حصير.
وقال - صلى الله عليه وسلم - في المصلي يسوي الحصباء لموضع جبهته: "إن كنت لابد فاعلًا فواحدة" 446. فبان بهذا الحديث أنه كان قديمًا بغير فرش ولا حصير، فإن هو صلى على حائل فيستحب أن يكون مما تنبت الأرض كالحصر 447 وما أشبه ذلك مما لا يقصد بمثله الترفّه ولا الكبر.
واختلف في ثياب القطن والكتان فكرهه في المدونة 448، وأجازه ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 301

مسلمة، والأول أحسن؛ لأن الثياب فيها ضرب من الترفه وموضع الصلاة إنما هو التواضع والخضوع والتذلل.
وكره الصلاة على ما لا تنبت الأرض كالصوف، فإن فعل أجزأته صلاته، وأكره 449 الصلاة على حصر السامان مما عظم ثمنه، والتواضع لله تعالى أفضل.
ويباشر بكفيه 450 الأرض أو ما يسجد عليه ويبرزهما عن كميه، ويحسر العمامة عن جبهته 451، فإن سجد على كور العمامة البارز عن جبهته، لم تجزئه صلاته، وإن سجد على ما علا جبهته وكان كثيفًا لم تجزئه، وإن كان شيئًا خفيفًا أجزأته 452. وقال ابن حبيب: إن كان كثيفًا لم تجزئه، وأعاد ما كان في الوقت إذا مس أنفه الأرض.
وقال محمد بن مسلمة: لا ينبغي أن يسجد على ثوبه الذي على جسده ولا على يديه وهما في كميه حتى يفضي بهما إلى الأرض؛ لأنه كأنه سجد على الأرض بغير وجهه ويديه.
= الثوب إلا من حر أو برد كتانا كان أو قطنا).

الجزء: 1 - الصفحة: 302

باب في صلاة المريض والصلاة في المحمل

وإذا كان بالمصلي ما يمنعه 453 من الركوع والسجود دون القيام والجلوس، فإنه يستفتح الصلاة قائمًا فيقرأ ثم يومئ للركوع ثم يجلس ثم يومئ للسجود 454. وإن كان يشق عليه إذا استوى قائمًا أن يجلس صلى جميع صلاته قائمًا 455، ويومئ للركوع والسجود، وإن كان يقدر إذا صلى جالسًا على السجود صلى جالسًا، وليس كالأول إذا كان عاجزًا عن الركوع والسجود، فكان الواجب أن يأتي بالقيام ولا يخل به، وفي المسألة الثانية فيمن هو قادر على أن يأتي بالسجود، فهو إن أتى بالقيام أخل بالسجود، وإن أتى بالسجود أخل بالقيام، فكان الإتيان بالسجود أولى؛ لأنه مجمع عليه أنه فرض، والقيام مختلف فيه هل هو فرض أو لا؛ ولأن السجود أعظم أركان الصلاة؛ لأنه يعفر وجهه في الأرض 456، وهو أقرب حالات العبد إلى الله عز وجل إلا أنه يستفتح الصلاة قائمًا ويومئ للركوع، ثم يجلس ويسجد، ثم يتم صلاته جالسًا.
وإن 457 كان لا يقدر إذا قام أن يقرأ إلا بأم القرآن وحدها فعل ذلك وصلى قائمًا وركع، ثم يجلس ويسجد، ثم يقوم فيركع؛ لأن الركوع فرض مجمع عليه،

الجزء: 1 - الصفحة: 303

والإيماء ليس بركوع في الحقيقة، والقراءة مختلف فيها، ولا يصلي جالسًا ليقرأ بأم القرآن وسورة؛ لأن القيام فرض، وقراءة السورة ليست بفرض، فإن كان يقدر على القيام دون القراءة- صلى جالسًا وقرأ، وإذا أومأ للسجود يومئ بيديه إلى الأرض، وإن كانت صلاته جالسًا فعل في الركوع مثل ذلك؛ يجعل يديه على ركبتيه في حين إيمائه إلى الركوع، فإذا رفع أزالهما، فإذا أومأ للسجود جعل يديه على الأرض، وإذا رفع جعلهما على ركبتيه، والإيماء بالرأس والظهر جميعًا 458. واختلف هل يجزئه ما يكون إيماء مع القدرة على أكثر منه أم لا؟ وقال في الكتاب 459: إذا صلى 460 قائمًا يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع 461. فكان في هذا بيان أنه ليس عليه أن يأتي بغاية مقدرته.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن رُفِعَ إليه شيء فيسجد عليه قال: إذا أومأ إلى حد طاقته وسجد على ما رفع إليه أجزأه، وإن سجد عليه وهو يطيق 462 من الانحطاط إلى الإيماء أكثر من ذلك فسدت صلاته.
وهذا راجع إلى الاختلاف في الحركة إلى الركوع والسجود هل هما فرض 463، مقصودتان في أنفسهما أو ليستا بفرضٍ، وأن الفرض الركوع والسجود؟ فقيل: إذا سلم من ركعتين 464 وانصرف- أنه لا يرجع إلى الجلوس، ولم يجعل الحركة إلى القيام فرضًا.
فعلى القول إنه فرض في نفسه أتى بأكثر

الجزء: 1 - الصفحة: 304

المقدور 465 عليه، وعلى القول الآخر ليس ذلك عليه.
وإن رفع إليه وسادة أو غيرها لم يسجد عليها، ولا خلاف في ذلك، واختلف في ذلك إن فعل، فقال في الكتاب 466: تجزئه صلاته 467. وقال أشهب في مدونته: لا تجزئه، إلا أن يكون أومأ برأسه.
وتقدم قول مالك أنه لا تجزئه إلا أن يومئ غاية ما يقدر عليه.
قال الشيخ -رحمه الله-: والقياس ألا يجزئه شيء من ذلك إذا كانت نيته ذلك الإيماء خاصة حتى ينوي في حين إيمائه الأرض فيقصدها بالإيماء، فإذا كانت نيته الإشارة إلى الوسادة التي رفعت إليه دون الأرض- لم تجزئه؛ لأن المراد بالإيماء إلى الأرض أن هذا مطيع غير مستكبر عما دعي إليه من ذلك، ويؤيد ذلك قول مالك أنه يحسر العمامة عن جبهته في حال إيمائه.
واختلف في صفة جلوسه في موضع القراءة، فقال في الكتاب 468: تربعًا 469. وقال محمد بن عبد الحكم: بلغني عن كبار أهل العلم وخيارهم أنهم إذا صلوا جلوسًا يتوركون 470 ويثنون أرجلهم على نحو الجلوس بين السجدتين.
وذكر عن محمد بن المنكدر وابن أبي حازم وربيعة أنهم كانوا يفعلون مثل ذلك إذا صلوا النفل.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

قال الشيخ -رحمه الله-: وهذا أحسن؛ وهي الجلسة التي رضيها 471 الله لعباده، وهي أقرب إلى التواضع، وهي جلسة الأدنى بين يدي من فوقه، والتربع جلسة الأكفاء.
وإذا لم يستطع المريض الصلاة جالسًا إلا مستندًا جاز ذلك؛ قال مالك: ولا يستند لجنب ولا لحائض 472. لأنهما -عنده- في حكم النجس، ولذلك منعا المسجد.
وروي عن ابن القاسم إن أمسكته الحائض أعاد في الوقت 473. بمنزلة من صلى بنجاسة، ويجوز ذلك على قول محمد بن مسلمة؛ لأنهما عنده في حكم الطاهر، وأجاز لهما دخول المسجد، واستشهد لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المُؤْمِنُ لا يَنْجُس" 474. وإن لم يستطع فمضطجعًا، واختلف هل يبتدئ بالجنب أو بالظهر، فقال في المدونة: يصلي على قدر ما يطيق من قعود، فإن لم يستطع فعلى جنبه أو على ظهره 475. وقال محمد بن المواز: يبتدئ بالجنب الأيمن، فإن لم يستطع فبالأيسر، فإن لم يستطع فعلى ظهره يجعل رجليه إلى القبلة ورأسه إلى الشمال، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 476 وأصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال سحنون: يصلي على جنبه كما يجعل في لحده.
فإن لم يقدر فعلى ظهره.
قال ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 306

حبيب: قال ابن القاسم: يبتدئ بالظهر قبل الجنب 477. قال: وهو وهم.
واستشهد من قال: يبتدئ بالجنب بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. قال: ذلك في المريض والخائف، وجعل المعنى في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: 103] أي: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة.
لأنه يصح أن يؤتى بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل.
وقيل: المعنى: فإذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله باللسان، وهو قول السدي، وهو ظاهر قول الحسن.
وحمل قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: 103] على الماضي وعلى الذكر باللسان، وهو الحقيقة في الموضعين من الآية.
وقد ورد القرآن أن تُعْقَب الطاعة بالذكر في الحج والصوم والصلاة 478، والآية محتملة للوجهين جميعًا، وإذا كان ذلك 479 - سقط الاحتجاج بها على قول ابن القاسم، ولم يحمل قوله على الوهم، بل هو أشبه باستقبال 480 القبلة.
ولا يحتج على هذا بوضع الميت في قبره؛ لأنه انقطع عمله، وإنما يضطجع

الجزء: 1 - الصفحة: 307

ضجعة النائم، إلا أنه يستحب له أن يكون على جنبه الأيمن.

فصل [فيما يعرض للمريض يريد الصلاة]

وقال محمد بن عبد الحكم: إذا خاف معاودة علة تضر به إن قام- سقط عنه القيام.
وقال فيمن لا يملك خروج الريح منه إذا قام: سقط عنه القيام 481 ويصلي جالسًا.
وقال ابن القاسم في الكتاب: إذا كان لا يستطيع السجود لرمد بعينه أو قرحةٍ بوجهه أو صداع يجده فإنه يومئ للسجود 482. واختلف في الذي يقدح الماء من عينيه ويصلي مستلقيًا، فمنعه ابن القاسم في الكتاب 483 وقال: إن فعل أعاد في الوقت وبعده 484. وأجاز أشهب أن يصلي مستلقيًا على حاله 485. وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب فيما قرب كاليوم وشبهه، وكرهه فيما طال أو كثير من الأيام، وقال: ولو كان يستطيع أن يصلي جالسًا ويومئ برأسه في الأربعين يومًا لم أر به بأسًا 486.

الجزء: 1 - الصفحة: 308

وفرق مالك وابن القاسم بين الجالس والمضطجع؛ لأن الجالس يأتي بالعوض عن الركوع والسجود- وهو الإيماء بالرأس يطأطئه، والمستلقي لا يأتي بعوض وإنما يأتي عند الركوع والسجود بالنية من غير فعل.
ومن افتتح صلاته قائمًا ثم عرض له ما منعه القيام- أتمها جالسًا، وإن افتتحها جالسًا ثم ذهب ما منعه القيام- أتمها قائمًا (1).

فصل [في الصلاة في المحمل]

ولا تجوز صلاة الفرض في المحمل إذا كان قادرًا على أن يأتي بها في الأرض على أتم من ذلك، كالذي يصلي قاعدًا وهو قادر -إذا كان على الأرض- على القيام، أو مضطجعًا وهو قادر على الجلوس، أو يومئ للسجود مع القدرة -لو كان بالأرض- على السجود.
وقد اختلف إذا تساوت الحال وكان عاجزًا عن القيام والسجود، أو كان لا يستطيع الجلوس في الأرض فصلى في المحمل على تلك الحالة جالسًا يومئ للركوع والسجود، أو كان لا يستطيع الجلوس فصلى 488 مضطجعًا- فكره مالك 489 ذلك في الكتاب 490. وإن كان شديد المرض لا يستطيع الجلوس.
فأجازه في العتبية إذا كان لا يستطيع الجلوس، ومنعه إذا كان يقدر 491.487

الجزء: 1 - الصفحة: 309

وقال ابن حبيب: إذا كانت الحال واحدة صلاته بالأرض (1) وعلى الدابة إيماءً فليس عليه أن ينزل بالأرض وليصل على دابته أو في محمله إذا وقفت الدابة واستقبلت القبلة.
وذكره عن ابن عبد الحكم (2)، وفي العتبية عن مالك مثل ذلك.
وقال مالك: لا يجوز أن يصلي في المحمل راكبًا حتى لا يقدر أن يصلي بالأرض جالسًا (3).

فصل النفل يشتمل على ما يشتمل عليه الفرض

النفل يشتمل على ما يشتمل عليه الفرض من القيام والقراءة والركوع والسجود، والأفضل أن يأتي به على حسب ما يفعل في الفرض؛ يقوم ويقرأ ويركع ويسجد، ووإن يسقط القيام فيصلي قاعدًا، ولا يسقط القراءة، وهو بالخيار في الركوع بين أن يقوم ليومئ به، وله أن يومئ به وهو جالس.
واختلف في السجود هل يأتي به إيماءً مع القدرة على السجود بالأرض، فقال ابن القاسم في العتبية: لا يومئ للنافلة إلا من علة 495. وأجازه ابن حبيب وقال: إذا صلى جالسًا فإن شاء سجد، وإن شاء أومأ من غير علة 496.492493494

الجزء: 1 - الصفحة: 310

والقول الأول أحسن؛ لأن الجلوس للسجود كالقيام للركوع، ولو صلى النافلة قائمًا وهو صحيح- لم يجز له أن يومئ للركوع وهو قائم، فكذلك لا يومئ للسجود وهو جالس للسجدة الأولى ولا الثانية.

فصل في سقوط القيام على من خاف معاودة مرض إن قام

واختلف في المتنفل مضطجعًا على ثلاثة أقوال: فأجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة 497 وهو ظاهر المدونة، وفي النوادر: المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري للصحيح 498، واحتج بحديث عمران بن حصين قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى مُضْطَجِعاَّ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ" أخرجه البخاري 499. وقوله: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ" دليل على أنه قادر على القيام.
ويجوز لمن ابتدأ جالسًا أن يتم قائمًا، ولمن ابتدأ مضطجعًا أن يتم جالسًا وقائمًا.
ولا ينبغي لمن ابتدأ قائمًا أو جالسًا أن يتم مضطجعًا 500. ومن ابتدأ قائمًا فأراد أن يتم جالسًا فعلى ثلاثة أوجه: فإن كانت تلك نيته- جاز ذلك، وإن كان التزم القيام لم يكن له أن يتم جالسًا، وإن كانت نيته أن يكملها قائمًا ولم يلتزم ذلك- كان فيها قولان: فأجاز

الجزء: 1 - الصفحة: 311

ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب 501، والإجازة أحسن؛ لأن الإحرام لا يتضمن التزام القيام، وإنما يتضمن التزام ما لا يجوز أن يعمله بعد عقد الإحرام، مثل أن يريد أن يقطع من ركعة، ويجوز أن 502 يحرم على أنه بالخيار بين أن يصلي قائمًا أو قاعدًا، وإذا كان ذلك لم يلزمه القيام بمجرد الإحرام.
وقال مالك: إذا مدّ المصلي قاعدًا رجليه طلب الراحة أرجو أن يكون خفيفًا 503. قال الشيخ -رحمه الله-: وليس بحسن مع الاختيار.
والتنفل في السفر إذا كان يقصر 504 في مثله الصلاة بخلاف التنفل في الحضر في الوجهين؛ فيجوز أن يصلي على الدابة وهو غير متوجه للقبلة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّه كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ إِلى القِبْلَةِ، فَإِذَا كَبَّرَ تَوَجَّهَ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ" 505. وقال مالك: إذا أومأ للسجود يرفع العمامة عن جبهته 506. وأرى أن يومئ إلى الأرض لا إلى الراحلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 312

فصل لا يشترط الاستقبال للخائف في الفرض ولا للمسافر في النفل

وقال مالك فيمن خاف على نفسه السباع وغيرها: فإنه يصلي على دابته حيث توجهت به، واستحب أن يعيد إن أمن في الوقت ولم يره بمنزلة العدو 507. وقال المغيرة: وإن صلى على دابته خوفًا من العدو يعيد ما دام في الوقت.
وكل هذا استحسان، ولا شيء عليه إن لم يعد.
قال الشيخ: وأرى أن ينظر هل هو على يقين من زوال ذلك قبل خروج الوقت، أو على إياس، أو شاك- حسبما مضى في التيمم؟ ويستحب له إذا كان يرجو انكشاف ذلك قبل خروج الوقت أن يؤخر إلى آخر الوقت المختار.
ولا يتنفل المسافر وهو ماش، وليس بمنزلة الراكب 508؛ لأن الراكب كالجالس، وتنفل الجالس جائز، والماشي منشغل بنفسه بما يضاد الصلاة من تصرفه وسعيه في أمور دنياه، والآخر يسار به على بعيره أو في المحمل أو في السفينة، وذلك لا يتأتى في الصلاة 509.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

باب في إمامة الجالس

واختلف في إمامة المريض جالسًا بالجواز والمنع، واختلف بعد القول بالإجزاء هل يصلي الناس خلفه قيامًا أو جلوسًا، فمنع مالك ذلك مرة وقال: إن نزل به -وهو إمام- أمر حتى صار لا يستطيع أن يصلي إلا وهو جالس استخلف ورجع إلى الصف 510. وقال مطرف وابن الماجشون: إن صلى بهم أعاد من ائتم به وإن ذهب الوقت 511. وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز إمامة الجالس وهم قيام 512، وأجاز ذلك أشهب في مدونته وقال أحمد بن المعذل: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم إن جلسوا معه لم آمن أن يكون مخالفًا لما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ائتم به أبو بكر وائتم الناس بأبي بكر - رضي الله عنه - 513، وإن قاموا كان خلافًا لما جاء أنهم صلوا معه جلوسًا 514،

الجزء: 1 - الصفحة: 314

فأحب إلي أن يعتزل الإمامة.
وروي عن أبي هريرة وجابر وأسيد بن حضير وقيس بن قهد - رضي الله عنهم - 515 أنهم قالوا: يصلون خلفه جلوسًا.
وبه قال أحمد بن حنبل والأوزاعي.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس قال: ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسًا، فصرع عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، ثم قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا 516، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.
. ." 517 الحديث.
والحديث الثاني: حديث عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا ثَقُلَ بِهِ مَرَضُهُ قَالَ: مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، ثم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَجَاءَ المسْجِدَ فَجَلَسَ إِلى جَنْبِ أَبي بَكْرٍ، فَصَلَّى قَاعِدًا وَقالو بَكْرٍ وَالنَّاسُ قِيَامًا، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - والنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ" 518. وفي حديث آخر قالت: "يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّاسُ بِصَلاَةَ = 1/ 309، في الصلاة باب ائتمام المأموم بالإمام، من كتاب الصلاة، برقم (412).

الجزء: 1 - الصفحة: 315

أَبِي بَكْرٍ"، أخرجه البخاري ومسلم 519. وفي مسلم: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا يَقْتَدِي بِصَلاَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 520. والثالث: ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: "لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا" 521، ولم يثبت 522 وإذا لم يثبت هذا الحديث، وثبت نسخ حديث أنس بحديث عائشة- كان الصواب جواز إمامته، ويصلي الناس خلفه قيامًا.
واختلف في إمامة المريض للمرضى 523 وأن تجوز أحسن.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

فصل في الإمام يصلي على أرفع مما عليه من خلفه

وقال مالك في الإمام يصلي على أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب: تكون عليهم الإعادة وإن خرج الوقت؛ لأن هؤلاء يعبثون.
وإن كان يسير الارتفاع لم يكن عليهم شيء.
ولو صلى رجل في موضع مرتفع لنفسه فأتى رجل فائتم به لأجزأتهم الصلاة 524. وإذا أراد من في الدار التي بقرب المسجد أن يصلوا بصلاة إمام المسجد جاز ذلك إذا كان إمام 525 المسجد في قبلتهم يرونه ويسمعونه 526، ويكره ذلك إذا كانوا على بُعْدٍ يرونه ولا يسمعونه؛ لأن صلاتهم معه على التخمين والتقدير، وكذلك إذا كانوا على قرب يسمعونه ولا يرونه لحائل بينهم، أو لأنه ليس في قبلتهم؛ لأنهم لا يدرون ما يحدث عليه، وقد يذهب عنهم علم 527 الركعة التي هو فيها، فإن نزل جميع ذلك مضى وأجزأتهم صلاتهم.
وكذلك أهل المسجد يصلون فيه وفوقه، فإن كان الإمام في صحن المسجد ومن فوقه يرونه فلا بأس به إذا ضاق المسجد بمن مع الإمام، ويكره ذلك مع الاختيار؛ لأن السنة كون المأمومين خلف الإمام، وتكره 528 تفرقة الصفوف، فهو في هذا أشد 529.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

ويكره إذا كان الإمام في بيت المسجد وآخرون فوقه، أو كان الإمام فوقه 530 وآخرون في بيته، ويستخف 531 ذلك مع الضرورة إذا ضاق الموضع بمن مع الإمام.
وكره مالك أن يصلي من في السفينة ومن على سقفها بإمام واحد، وليصل كل قوم بإمامهم، وأجاز مالك في جماعة السفن أن يصلوا بإمامة أحدهم إذا كانت السفن قريبة بعضها من بعض 532، ويستحب أن يكون الإمام من الذين في قبلتهم، وإن لم يكن فالصلاة جائزة، وكذلك أصحاب الأسواق، لا بأس أن يصلوا جماعة وإن كانوا على خلاف السنة من تفرقة الصفوف وفرقت بينهم الطريق؛ لأن هذه ضرورة.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

باب في الإمامة في الصلاة ومقام المأمومين خلف الإمام

وإذا اجتمع جماعة للصلاة وتساوت حالهم قدّموا لأنفسهم من شاءوا منهم، وإن رجح أحدهم بحالةِ عِلْمٍ، أو صلاح، أو صيانة أو سن، أو حسن هيئة- كان أحق بالإمامة ممن سواه.
وإن اختلفت حالاتهم وكان لكل واحد منهم وجه يدلي به ولا يدلي به الآخر، فقيه، وعابد، وقارئ 533، وذو سن كان العالم أولاهم، ثم القارئ إذا كان مقرئًا 534 إمامًا في ذلك، ثم الصالح، ثم الأسن 535. وإن رجح رجلان بمعنى واحد، فإن رجحا بعلم فأعلمهما، وإن تقاربا في العلم فأصلحهما، وإن تقاربا في الصلاح فأسنهما.
وعلى هذا يجري الجواب في مقرئين وصالحين.
وأربعة الإمامة إليهم: الأمير، والأب، والعم، وصاحب المنزل، فإن اجتمع أب وابن كانت الإمامة إلى الأب، وكذلك العم وابن الأخ- الإمامة إلى العم.
وقال مالك في المستخرجة: وإن كان العم أصغر فهو أحق بالإمامة إلا بإذن الأب أو العم فيجوز أن يؤمهما 536. قال سحنون: وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثل ابن الأخ 537.

الجزء: 1 - الصفحة: 319

وعلى هذا يكون الابن أولى من الأب إذا كان عالمًا أو صالحًا والأب ليس كذلك.
وصاحب المنزل أحق بالصلاة وإن حضر من هو أفضل منه من فقيه أو صالح؛ أو ذي سن إلا أن يأذن، ويستحب له أن يقدم غيره ممن ذكرنا.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدًا 538. قال الشيخ -رحمه الله-: وإن كان منزلا 539 لامرأة كان الاستخلاف إليها، ويستحب لها أن تستخلف أحقهم بالإمامة لو لم يكن منزلها.
والأصل في هذه الجملة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ -عز وجل-، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إِسْلامًا وَلاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ" أخرجه مسلم في صحيحه 540. وفي رواية أخرى: "أَكبَرُهُمْ سِنًّا" 541. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأهم لأنه كان أفقههم، وإنما كان فقههم من كتاب الله سبحانه، وقدم المتفقه في كتاب الله تعالى على المتفقه في السنة؛ لأن القرآن أصل علم الله تعالى في أرضه على هذه الأمة.
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا

الجزء: 1 - الصفحة: 320

وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا" أخرجه البخاري ومسلم (1). وفي النسائي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا فَلاَ يُصَلِّيَنَّ بِهِمْ" (2).

فصل في إمامة الفاسق

اختلف في إمامة الفاسق، فقيل: الصلاة جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت.
وقيل: لا تجزئ 544، ويعيد من ائتم به في الوقت وبعده.
وقال أبو بكر الأبهري: المسألة على قسمين: فإن كان فاسقًا بتأويل 545 أعاد في الوقت، وإن كان فاسقًا بإجماع، كمن ترك الطهارة عامدًا، أو زنى أو شرب الخمر- أعاد في الوقت وبعده.
قال: وكذلك وجدته مسطورًا، ذكره القاضي أبو الحسن علي بن القصار عنه 546. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن تجزئ الصلاة إذا كان فاسقًا 547 بما لا تعلق له في الصلاة، كالزنا وغصب الأموال وقتل النفس، وكثيرًا ما يُرى من هؤلاء السلاطين542543

الجزء: 1 - الصفحة: 321

التحفظ في أمور صلواتهم، ولا تجزئ إذا كان فسقه بأمر يتعلق بالصلاة كالطهارة، أو يخل بأمر من فروض الصلاة أو يشك فيه، أو وهو سكران.
ويختلف إذا شرب خمرًا ولم يسكر، فقال مالك 548 في كتاب محمد: يعيدون وإن ذهب الوقت؛ لأن الخمر في جوفه 549. يريد: لأن حكم ما في المعدة على غير 550 الطهارة، فصار مصليًا بنجاسة متعمدًا، في موضع من جسده، لم تدع إليه ضرورة.
وعلى القول أن عرق من يشرب الخمر نجس يكون جميع الجسد نجسًا، ويعيد ما قرب.
واختلف في إمامة القدري والألكن ومن يلحن ومن يقرأ بقراءة ابن مسعود، والصبي، والعبد، وولد الزنا، والخصي، والأقطع، والأشل، والمريض يصلي جالسًا، وفي إمامة المرأة للنساء 551. واختلف في الصلاة خلف أهل البدع والأهواء، فقال مالك: لا يصلى خلف القدري 552 الجمعة، ومن فعل ذلك أعادها ظهرًا.
ووقف مرة في إعادة الصلاة خلف القدري، وعلى هذا يصلي 553 الجمعة خلفه.
وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت 554.

الجزء: 1 - الصفحة: 322

وقال سحنون في العتبية (1): لا إعادة على المأموم لا في وقت ولا غيره.
قال: وكذلك يقول جميع أصحاب مالك؛ المغيرة وابن كنانة (2) وأشهب قال: لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام (3). وقال محمد بن عبد الحكم: يعيد أبدًا.
وهذا مثل قول مالك؛ لأنه قال: لا تصلى خلفه الجمعة؛ لأن الجمعة فرض على الأعيان.
واختلف هل يكفر بمآل قوله، فمن كفره بذلك أوجب الإعادة بعد ذهاب الوقت، ومن لم يكفره لم ير الإعادة.
وقد تستحسن الإعادة في الوقت ليخرج من الخلاف.
وقد روي عن مالك أنه قال فيمن يقول بخلق القرآن: هو كافر، فاقتلوه (4). وروي عنه أن يوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب.
وسئل عن تزويج القدري فقال: لا يزوج (5)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]. وإلى هذا يرجع الخلاف المتقدم.

فصل الخلاف في إمامة الألكن

واختلف في إمامة الألكن، فروي عن مالك في المجموعة وفي المبسوط555556557558559

الجزء: 1 - الصفحة: 323

إجازتها ابتداءً (1). وذكر إسماعيل القاضي -ولم أره في المبسوط- أنه قال: إن ذلك إذا كانت لكنته في غير قراءته.
وهذا بعيد؛ لأن اللكنة واللثغة تكونان طبعًا وخِلقَةً في الكلام لا تتغير لقراءة ولا لغيرها، ومع أنه لا يحتاج إلى السؤال عن إمامة من يحسن القراءة من أجل أنه لا يبين كلامه في غير قراءة، كما أنه لا يحتاج السؤال عن إمامة من يحسن القراءة إذا كان يلحن في كلامه من غير قراءة.
فهذا من الأمور البينة التي لا يسأل مالك عنها، ولا أعلمهم يختلفون أن صلاة من ائتم بالألكن ماضية (2) ولا إعادة على من ائتم به، وليس كالذي يلحن؛ لأنا نأمر من كان يلحن أن يصلي مأمومًا، ولا نأمر بذلك الألكن.

فصل في إمامة من يلحن

وفي إمامة من يلحن أربعة أقوال، فقيل: جائزة، وقيل: ممنوعة، وقيل: إن كان لحنه في أم القرآن لم يجز، وإن كان في غيرها جاز 562. وقال أبو الحسن ابن القصار: إن كان لا يغير معنى جازت إمامته، وإن كان يغير المعنى فيقول: "إِيَّاكِ نَعْبُدُ" و"أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ" 563 فيجعل الكاف للمؤنث والإنعام لنفسه- لم تجز إمامته 564. وقاله أبو محمد عبد الوهاب 565.560561

الجزء: 1 - الصفحة: 324

قال: وأما الأعجمي الذي يلفظ بالضاد ظاء، والألثغ الذي يلفظ بالراء خفيف الغين طبعًا فتصح إمامته؛ لأنه ليس في ذلك إحالة معنى إنما هو نقصان حروف.
والقول بالمنع ابتداءً أحسن إذا وجد غيره ممن يقيم قراءته، فإن أم مع وجود غيره مضت صلاته وصلاتهم؛ لأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا، مع أنه لو سُلِّمَ أن ذلك ليس بقرآن لم تفسد صلاته؛ لأنه لم يتعمد كلامًا في صلاته.
وقد اختلف فيمن تكلم جاهلًا في صلاته هل تفسد صلاته؟ فكيف بهذا واللحن لا يقع في القراءة في الغالب إلا في أحرف يسيرة، ولو اقتصر المصلي على القدر الذي يسلم من اللحن لأجزأه.
ولا فرق بين ما يغير معنى أم القرآن؛ لأن القارئ لا يقصد موجب ذلك اللحن، ولا يعتقد من ذلك إلا ما يعتقده من لا لحن عنده.
ويختلف في الإتمام بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود، فمنعه في الكتاب، وقال: يخرج ويتركه ولا يأتم به 566. وروى ابن وهب عنه أنه قال: أقرأ ابن مسعود رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43، 44]، فجعل الرجل يقول: "طعام اليتيم"، فقال له ابن مسعود: "طعام الفاجر"، فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال: نعم، أرى ذلك واسعًا 567.

الجزء: 1 - الصفحة: 325

فعلى هذه الرواية يجزئ الائتمام به، وهذا موافق لقول ابن شهاب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" أخرجه البخاري ومسلم (1)، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الواحد لا تختلف في حلال ولا حرام (2)، وإليه ذهب ابن مسعود؛ أنه يجعل مكان الكلمة كلمة معناهما واحد.

فصل في إمامة الصبي

وفي إمامة الصبي ثلاثة أقوال، فمنعها في المدونة في الفرض والنفل 570، وأجازها في المستخرجة في النفل خاصة 571، وقال أبو مصعب: إن أمَّ في الفريضة مضت صلاة من ائتم به.
وقال أشهب في مدونته في إمامٍ أحدث فاستخلف صبيًّا فأتم بالقوم، قال: إن عقل الصلاة وأمر بها أجزأته، وأعاد من خلفه ما لم يذهب الوقت، فإن ذهب الوقت فلا إعادة 572 عليهم.
فمنع من إمامته في الفرض؛ لأنه غير مخاطب بالصلاة من طريق الوجوب، فكان المؤتم به مفزضًا خلف متنفل، ومنع من إمامته في النفل لأن عقده في568569

الجزء: 1 - الصفحة: 326

حين دخوله في الصلاة غير لازم؛ بدليل أنه لو خرج من الصلاة قبل تمامها لم يكن عليه قضاؤها، بخلاف البالغ، وأجزأت 573 عنه في القول الآخر في الفرض؛ لأن عقده عقد ما لم يخرج منه، وهذا مما لا خلاف فيه.
وقد جاءت السنة في 574 حجه، وفي أمره إياه بالصلاة، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مُرُوهُمْ بِهَا لِسَبْع، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ" 575. فثبت بهذه الأحاديث أنه قد انعقدت عليه قربة، والحل أمر لم يأت بعد، وأنه مصلي الظهر إن كان في ظهر، ولا يقال: إنه مصل غيره، وإذا كان ذلك كذلك كانا في صلاة واحدة ظهرًا أو عصرًا لهما جميعًا.
ويؤيد ذلك حديث أبي 576 جميلة أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين، قال: "وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الحَيِّ: أَلاَ تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوا لِي قَمِيصًا".
ذكره البخاري في آخر المغازي: قال: "وَكَانَ أَبُو جَمِيلَةَ 577 أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الفَتْحِ" 578.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

فصل في إمامة المرأة

إمامة المرأة الرجال غير جائزة، واختلف في إمامتها للنساء، فقال مالك 579 في الكتاب: لا تؤم المرأة 580. ولم يفرق، وروى عنه ابن أيمن أنه أجاز أن تؤم النساء، وهو قول الشافعي 581. وأجاز أبو ثور والطبري إمامتها الرجال والنساء 582. فأما إمامتها النساء فالصواب جوازها ابتداءً عند عدم من يؤمهن من الرجال، وذلك أحسن من صلاتهن أفذاذًا، ويكره مع وجود من يؤمهن من الرجال، فإن فعلن أجزأت صلاتهن لتساوي حالهن؛ ولأنه لم يأت أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنع إمامتهن.
وتمنع إمامتهن الرجال؛ لنقصهن عنهم، وقد اعتل للقول بالمنع بأن كلامهن عورة، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلهُا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلهُا" 583. وجميع هذا إنما تجيء منه الكراهة ولا يجيء منه عدم الإجزاء؛ لأنه لا يختلف أن صلاة أولهن صفًّا جائزة لا تجب إعادتها، وأنه لو

الجزء: 1 - الصفحة: 328

استمع إلى كلام امرأة وهو في الصلاة من غير أن تؤم- لم تفسد صلاته.

فصل في إمامة العبد

واختلف قول 584 ابن القاسم وعبد الملك وأشهب في إمامة العبد، فجعلها ابن القاسم على ثلاثة منازل: جائزة، ومكروهة، وممنوعة.
فأجاز أن يكون إمامًا راتبًا في النوافل وقيام رمضان، وإمامًا غير راتب في الفرائض، وكره أن يكون إمامًا راتبًا في الفرائض، وأما في السنن كالعيدين والاستسقاء والخسوف، فإن أمَّ في ذلك أجزأت صلاته ولم يؤمروا بإعادة، ومنع أن يكون إمامًا في الجمعة، فإن فعل لم تجز الصلاة وأعاد وأعادوا 585. وأجاز عبد الملك أن يكون إمامًا راتبًا في الفرائض، ويجوز على قوله أن يكون إمامًا في السنن، ومنع أن يكون إمامًا في الجمعة.
وأجاز أشهب إمامته في الجمعة وقال: لأنه إذا شهدها صار من أهلها 586. وقول ابن القاسم ألا يكون إمامًا راتبًا في الفرائض أحسن، والحر أولى، إلا أن يكون منقطعًا بالفضل والصلاح 587، ولم يكن في الجماعة مثله في الفقه والقراءة والصلاح 588، وأما الجمعة فإن الناس معه عند ابن القاسم في معنى مفترض خلف متنفل؛ لأنه مخير بين أن يصلي الجمعة أو الظهر، فلما كان دخوله

الجزء: 1 - الصفحة: 329

فيها بالتطوع: أشبه المتنفل.
وقول أشهب أنها تجزئه أحسن؛ لأنه وإن كان متطوعًا بالدخول فيها، فإنها فريضته، وتبرأ ذمته بها عن الظهر.

فصل في إمامة ولد الزنا، والخصي [والأقطع، والأشل]

وكره مالك إمامة ولد الزنا والخصي إذا كان راتبًا 589، وكره ابن وهب إمامة الأقطع والأشل إذا لم يقدر يضع يديه في الأرض 590. وأجاز ابن الماجشون في الواضحة إمامة الأقطع والخصي وإن كان إمامًا 591 راتبًا إن كان عدلًا 592، وأجازه أشهب في ولد الزنا 593، وغيره أحب إلي منه.
قال الشيخ -رحمه الله-: قول مالك في ولد الزنا أحسن؛ لأن ذلك مما يؤذى به، وأما الخصي فجائز إذا كان من أهل الخير والفضل.
ومنع إمامة الأشل والأقطع؛ لأن كل واحد منهما عاجز عما يحاوله من اغتساله من الجنابة ووضوئه وزوال النجاسة والتنظف من الوجه الآخر، وأمرهما في ذلك أضعف شأنًا من الصحيح، والصلاة أولى ما احتيط لها.
فقال ابن حبيب: يكره للرجل أن يؤم قومًا وهم له كارهون أو أكثرهم أو ذوو النهى والفضل منهم وإن قلوا 594.

الجزء: 1 - الصفحة: 330

وقال مالك: إذا كان فيهم من يخاف أن يكرهه فليستأذنهم (1). وقال مالك في العتبية في نصراني أمَّ قومًا في سفر ثم علموا به إنهم (2) يعيدون أبدًا (3)، ولا يقتل (4) بما أظهر من الإسلام.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب مثل ذلك في الإعادة، وقالا: يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولا حجة له إن قال: فعلته عبثًا أو مجونًا (5). وقال سحنون: إن كان في موضع يخاف على نفسه فدارى به لم يعرض له، وأعاد القوم، وإن كان آمنًا عرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يعيدوا، وإن لم يسلم قتل وأعادوا.
وقول مالك أحسن أنه لا يقتل، والقول قوله إن قال: فعلته عبثًا أو مجونًا (6)؛ لأنه قد أتى بما يشبه، ويعاقب ويعيد القوم.
وليس ذلك بمنزلة نصراني مقيم بين قوم يعرف بالنصرانية فأظهر الإسلام فإنه لا يعذر.

فصل في مقام المأموم من الإمام

ومقام المأموم من الإمام إن كان واحدًا- عن يمينه، فإن قام عن يساره أداره من خلفه، ورده عن يمينه، فإن كانا اثنين فأكثر قاما خلفه.
وحكم الصبي إذا كان ممن يعقل ويثبت في صلاته- حكم الرجل، إن كان595596597598599600

الجزء: 1 - الصفحة: 331

وحده أقامه عن يمينه، وإن كان معه آخر قاما خلفه، ومقام المرأة خلفهما 601 أبدًا، فإن لم يكن مع الإمام غيرها قامت خلفه، وإن كان مع الإمام رجل واحد وامرأة قام عن يمينه وكانت خلفهما، وإن كانا رجلين فأكثر قاما خلفه، وقامت 602 هي خلفهم، وسواء كانت المرأة أجنبية أو من ذوي محارمه أو زوجته أو أمته.
وقال مالك فيمن صلى لنفسه ثم أتى رجل فائتم به: إنها له صلاة جماعة 603. قال الشيخ -رحمه الله-: وكذلك الإمام تصير له 604 جماعة أيضًا، فلا يعيد في جماعة أخرى.

الجزء: 1 - الصفحة: 332

باب في إعادة الصلاة في جماعة ومن كان في صلاة فأقيمت عليه تلك الصلاة أو غيرها

ولمن صلى فذًّا أن يعيد تلك الصلاة في جماعة، وذلك في أربع صلوات: الصبح، والظهر، والعصر، والعشاء إذا لم يوتر، واختلف في المغرب وفي العشاء إذا أوتر، فقال مالك: لا يعيد المغرب، وأن أقيمت الصلاة وهو في المسجد فليخرج 605. وقال المغيرة: يعيدها.
وقال مالك في العتبية: لا يعيد العشاء إذا أوتر 606. وقال سحنون في المجموعة: فإن أعادها أعاد الوتر، وقال يحيى بن عمر: لا يعيد الوتر 607. وعلى قول المغيرة: يعيد العشاء ابتداءً وإن كان قد أوتر.
فمن منع إعادة المغرب قال: لأن الآخرة نافلة ولا يتنفل بثلاث.
وقال ابن القاسم: إن أعادها أضاف إليها رابعة لينصرف على شفع 608. يريد: إذا أعادها بنية النفل، ولو نوى رفض الأولى لتكون هذه فرضه- لم يشفعها؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى، فيخرج من الخلاف أن هذه تعود فرضه.
وقال أشهب في مدونته: إن صلى ركعتين وسلم رأيت ذلك واسعًا.
وأرى إن أعاد العشاء بنية النفل لم يعد الوتر، وإن أعادها بنية الفرض أعاد الوتر.

الجزء: 1 - الصفحة: 333

وينبغي إذا كان الوجه في المنع لأن الآخرة نافلة 609 ألا يعيد العصر ولا الصبح، وهو قول عبد الله بن عمر؛ قال في الموطأ: لا يعيد الصبح ولا المغرب 610. وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح ولا العصر.
ورأى 611 أن الآخرة نافلة، وإذا سلّم مالك وغيره من أصحابه أن له أن يعيد الصبح والعصر دل على أن الآخرة ليست بنافلة، وأن يعيد المغرب كما قال المغيرة، وهو أحسن؛ لحديث محجن قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ" 612، فعم، ولو كان ذلك في بعض الصلوات لبيّنه، ولم يجز تأخير البيان 613 في ذلك.
ولحديث معاذ كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه فيؤمهم 614، ولم يخص شيئًا من الصلوات، وفي بعض طرقه أنه كان يصلي المغرب ثم يؤم قومه 615. ولحديث الأسود قال: "شَهِدْتُ الصُّبْحَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّتِهِ بِمَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَأَى رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا، فَقَالَ:

الجزء: 1 - الصفحة: 334

مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا.
فَقَالَ: لاَ تَفْعَلاَ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُم نَافِلَةٌ" 616. أي: زيادة على الواجب، والذي يؤيد أن الآخرة فرض أنهم قالوا: إن صلى فذًا أعاد الآخرة في جماعة؛ ليدرك فضلها، قال أبو محمد عبد الوهاب: ليدرك فضل الجماعة على ما وردت به السنة 617. واحتج بالحديث: "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً".
وإن صلى في جماعة لم يعد، فلو كانت الآخرة نافلة لأعاد من صلى جماعة في جماعة بعد جماعة؛ لأن النفل لا يقف على عدد.
وقال عبد الملك بن حبيب فيمن صلى في جماعة: لا يعيد في جماعة إلا أن يكون التي صلى في جماعة بمكة أو بالمدينة أو بيت المقدس، ثم دخل المسجد الحرام أو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مسجد بيت المقدس فوجد الناس في الصلاة أو أقيمت تلك الصلاة، فإنه يؤمر أن يصلي معهم وإن كان قد صلاها 618 في جماعة، وذلك لفضل الصلاة فيها 619 على غيرها 620. قال: ولهذا استحب مالك لمن صلى في جماعة في غير هذه المساجد ثم دخل بعض هذه المساجد وهم فيها أن يصليها معهم، قال: ألا ترى أنه إنما أمر من صلى وحده ثم أتى مسجدًا وهم فيها أن يصليها معهم؛ لفضل الجماعة على

الجزء: 1 - الصفحة: 335

الفذ.
يريد 621 ليدرك فضل الجماعة السبع وعشرين درجة.
ويلزم على قوله أن لمن صلى في جماعة ثم أتى أحد هذه المساجد- أن يعيد فيها فذًّا؛ لأنه أعظم أجرًا.
وقال مالك فيمن أتى المسجد الحرام أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد صلى 622 أهله، وهو يطمع أن يدرك الجماعة في غيره- أنه يصليها فيه فذا ولا يخرج إلى جماعة في غيرها 623 قال: لأن الصلاة فيها فذًّا أعظم من الجماعة في غيرها 624. وهذا الذي قاله صحيح، ومحمل الحديث أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، أن ذلك إذا صُلِّيَتا جميعًا في مسجده أو جميعًا في غير مسجده، فأما إن صُلِّيَتْ إحداهما في غير مسجده، والأخرى في مسجده فإنها تضعف عليها بألف إذا صليتا جميعًا فذًّا أو جميعًا في جماعة، فإن صليت في غير مسجده فذًّا وصلاها آخر في مسجده جماعة فإنها تفضل 625 بسبع وعشرين ألف درجة 626.

الجزء: 1 - الصفحة: 336

فصل حكم من صلى فذًّا تم أعاد في الجماعة تم تبين أنه كان في إحداهما بلا وضوء

ومن صلى فذًّا ثم أعاد في جماعة، ثم تبين أنه كان في إحدى الصلاتين على غير وضوء- كان الأمر في ذلك إلى نيته في حين إعادته الآخرة، هل دخل فيها بنية 627 الفرض، أو النفل، أو على أن ذلك إلى الله سبحانه؟ فإن كان نوى بالثانية النفل ثم تبين له أنه فيها على غير وضوء- بقي على الأولى، ولم يعد الأولى ولا الثانية، وإن تبين أنه في الأولى على غير 628 طهارة لم تجزئه الثانية وأعاد الأولى، وإن كان نوى بالثانية الفرض، ثم تبين أن الأولى على غير وضوء- أجزأته الثانية، وإن تبين أن الثانية على غير وضوء كان في إعادته الأولى قولان: فقيل: لا يعيدها لأنها لا ترتفض، وقيل: ترتفض ويعيدها.
وإن نوى أن ذلك إلى الله سبحانه؛ يجعل أيتهما شاء صلاته- لم تكن عليه إعادة، وسواء كان منتقض الطهارة في الأولى أو الثانية.
وقد وقع في نصوص هذه المسألة اختلاف، وهو ينصرف إلى هذه الوجوه، وقال مالك في المبسوط فيمن صلى في بيته ثم أتى المسجد فوجد الإمام جالسًا في الصلاة فكبر ودخل معه وجلس ثم سلم الإمام؛ لأنه كان في آخر صلاته قال: إن كانت نية هذا حين دخل مع الإمام 629 أن يجعلها فرضًا 630، وصلاته في

الجزء: 1 - الصفحة: 337

بيته نافلة، فعليه أن يتمها وأمرهما إلى الله سبحانه؛ يجعل أيتهما شاء صلاته، وإن لم يرد رفض الأولى لم يكن عليه أن يتمها (1) وقد أجزأت عنه صلاته في بيته (2).

فصل حكم من صلى ببيته ثم أتى المسجد فأقيمت تلك الصلاة فلا يتقدمهم فيها

وقال مالك في المدونة فيمن صلى في بيته ثم أتى المسجد فأقيمت تلك الصلاة: فلا يتقدمهم فيها، فإن فعل أعاد من خلفه؛ لأنه لا يدري أيتهما صلاته وإنما ذلك إلى الله -عز وجل- 633، فكيف تجزئهم صلاة رجل لا يدري هل هي صلاته أم لا 634؟! قال الشيخ -رحمه الله-: ولا تجزئهم أيضًا إذا نوى بها النافلة إلا على قول 635 من أجاز إمامة الصبي.
ويختلف إذا نوى بالثانية الفرض ورفض الأولى، فمن قال: إنها ترتفض- أجزأتهم صلاتهم خلفه، ومن قال: إنها لا ترتفض- لا تجزئهم إلا أن يتبين أن الأولى كانت على غير طهارة فتجزئهم؛ لأن الآخرة فرض.
وإن نوى أن ذلك إلى الله سبحانه ثم تبين له 636 أن الأولى على غير وضوء631632

الجزء: 1 - الصفحة: 338

أجزأتهم أيضًا.
وقال محمد بن سحنون عن أبيه فيمن صلى في بيته ثم أعادها بالناس: فإنهم يعيدون وإن خرج الوقت ما لم يطل؛ لاختلاف الصحابة في ذلك.
ولا خلاف أنه يجوز أن يصلي متنفل خلف مفترض، واختلف هل يصلي مفترض خلف متنفل، والأصل في ذلك حديث معاذ أنه كان يصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي فيؤم قومه (1). فذهب مالك إلى أن صلاته كانت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بنية النفل.
وقال غيره: بل كانت صلاته خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بنية الفرض ثم يأتي فيؤم قومه (2) على وجه التنفل.
والأشبه أنه كان يصلي لتكون الأولى فرضه (3) ولا يترك صلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي بألف في غيره وخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجعلها نافلة ليكون فرضه أقل أجرًا.

فصل [فيمن ابتدأ صلاة في المسجد، فأقيمت عليه تلك الصلاة]

ومن كان في المسجد في صلاة الظهر وأقيمت عليه الظهر، فإن كان قد صلى ركعة أضاف إليها أخرى وسلم ودخل مع الإمام، وإن صلى ركعتين سلم، ودخل مع الإمام 640 أيضًا، وإن كان قد صلى ثلاثًا أتم الرابعة بنية637638639

الجزء: 1 - الصفحة: 339

الفرض ثم أعادها مع الإمام على أن ذلك إلى الله -عز وجل- 641. وإن أتمها بنية النفل أعاد بنية الفرض.
واختلف قول ابن القاسم إذا كان في المغرب فأقيمت عليه، فقال في المدونة: إذا كان كما افتتح الصلاة 642 أو صلى ركعة قطع، وإن صلى ركعتين أتم الثالثة وخرج 643. وقال أيضًا: إن صلى ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، كان صلى ركعتين سلم، وإن ركع الثالثة وأمكن يديه من ركبتيه أتمها وخرج 644. وقال أشهب: يرجع إلى الجلوس ويسلم من ركعتين ما لم يرفع من الثالثة 645. وعند ابن حبيب: إذا أحرم ولم يركع يتم الركعتين ويسلم 646. وإن كان في نفل ولم يركع فقال في المدونة: يقطع إذا كان ممن لا تخف عليه الركعتان 647. وقال عيسى: يتمها ركعتين، وإن كان قد صلى 648 ركعة أتم نفله ودخل مع الإمام ما لم يخف فوات الركعة مع الإمام فإنه يسلم ولا يتمها 649.

الجزء: 1 - الصفحة: 340

قال الشيخ -رحمه الله-: وكذلك أرى في كل ما تقدم أنه يتم ركعتين وإن كان في فرض، ما لم يخف فوات الركعة مع الإمام؛ فإنَّ ركعة من الفرض في جماعة مع الإمام أولى من تمام ركعتين ليكونا نفلًا.
وقال مالك في المستخرجة فيمن كان في الظهر فأقيمت عليه العصر: إنه إن كان يطمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام فعل وإلا قطع ودخل مع الإمام، ثم يستأنف الصلاتين 650. وقال ابن القاسم: إن كان صلى ركعة أتم ركعتين إلا أن يخاف فوات ركعة الإمام فليقطع.
وجعل الجواب مثل ما تقدم إذا كان في الظهر فأقيمت عليه الظهر 651. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقطع ويتم صلاته التي هو فيها، ويخففها، فإن أدرك مع الإمام شيئًا صلى، وإن لم يدرك صلى لنفسه، فإن لم يكن دخل في الصلاة خرج من المسجد.
وهذا أحسن، ولا يخرج من التي هو فيها للعصر فيزيد الظهر فواتًا، إلا أن يكون إن خرج لم يقدر على صلاة الظهر حتى يمضي القدر الذي تنقضي فيه صلاة الإمام.

الجزء: 1 - الصفحة: 341

باب في المسجد تصلى فيه جماعتان

وإن كان للمسجد إمام راتب كان أحق بالصلاة فيه، ولا يتقدم أحد ليجمع فيه قبله ولا بعد.
ومن أتى مسجدًا وقد صلى إمامه لم يكن له أن يجمع فيه ثانية إلا بإذن الإمام، ولو أقام إمامه الصلاة فلم يأته أحد فصلى وحده- لم يكن لغيره أن يجمع فيه، وإن استخلف إمامه من يصلي بالناس ثم أتى بعد أن صلوا لم يكن له أن يجمع فيه 652. وقال مالك في الواضحة: إن أذن المؤذن فلم يأته أحد فصلى وحده ثم أتى الإمام المسجد والناس معه، أنه إن كان المؤذن ممن يؤمهم إذا غاب إمامهم فهو كالإمام؛ صلاته وحده صلاة جماعة، لا يجوز لهم أن يجمعوا بعد ذلك تلك الصلاة، وإن كان المؤذن ممن لا يصلي بهم 653 إذا غاب إمامهم فهو كرجل من الناس 654. قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كان شأنه أن يصلي إذا غاب إمامه 655 فصلى بهم في وقت صلاة الإمام المعتاد أو بعده بيسير لكان للإمام أن يعيد الصلاة؛ لأن هذه مسابقة له، وإن لم يكن شأنه أن يصلي بهم عند غيبته فأبطأ الإمام، وأضر بالناس انتظاره لطول تأخره- جاز لهم أن يأمروا المؤذن أو غيره أن يصلي بهم.
وإن لم يكن للمسجد إمام راتب جاز أن يصلي فيه جماعة بعد جماعة، وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 342

كان له إمام راتب في بعض الصلوات لم تعد فيه جماعة في الصلوات التي لها إمام راتب، مثل أن يكون له 656 إمام راتب في صلاة الليل دون النهار فإنه لا يجمع فيه في صلاة الليل قبله ولا بعده، ويجوز ذلك في صلاة النهار، فإذا صَلَّتْ 657 فيه جماعة ثم أتت جماعة أخرى كان فيها قولان: هل تصلي، أو تمنع؟ وأن تصلي أحسن؛ لأن الذي قبله ممن 658 لم يكن له حق في الصلاة فيه، وهذا الجواب في الجماعة، وأما الفذ فإنه لا يمنع أن يصليَ الفرض في كل مسجد له إمام راتب؛ يتقدمه أو يتأخر عنه، وإنما يمنع أن يصلي إذا كان الإمام في صلاة، فيصلي هو لنفسه تلك الصلاة على وجه الفرض أو النفل، ويمنع أن يجلس والإمام يصلي أو يخرج بعد أن تقام الصلاة، فحق الإمام في ذلك في اثنتين: في الجماعة أن تجمع قبله أو معه أو بعده، وفي الفذ أن يصلي حين صلاته ولا يأتم به أو يجلس ولا يصلي معه، أو يخرج بعد أن تقام الصلاة؛ لأن في كل ذلك 659 أذىً له، ولا يمنع الفذ أن يتقدمه في تلك الصلاة؛ لأن من الناس من يكون له شغل لا يمكنه معه انتظار الجماعة.
ولا يمنع من يأتي بعد سلامه من أن يصليها؛ لأن كثيرًا من الناس تفوته الجماعة فلا يلحق الإمام بذلك أذى؛ لأنه لما علم أن كثيرًا ما يقع ذلك من الناس من غير قصد لتأخير عن الإمام، ولو علم من أحد أنه تعمد ذلك مخالفًا للإمام لمنع.

الجزء: 1 - الصفحة: 343

والأصل في تعلق حق الإمام في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمحجن وقد جلس في حين صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا لَكَ لَمْ تُصَلِّ مَعَنَا؟ " فقال: يا رسول الله قد كنت صليت في أهلي، فقال: "إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ" 660. وحديث الأسود في 661 صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمسجد الخيف، وقد تقدم.
وكل حالة يكون للإمام فيها حق فإن ذلك في المسجد داخله وصحنه سواء، تمنع المخالفة على الإمام بالجلوس؛ فلا يصلي معه ومن الصلاة فذًّا في صحن المسجد في حي صلاته.

الجزء: 1 - الصفحة: 344

باب في المواضع التي يصلى فيها وما تكره الصلاة فيه من ذلك

يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى بالصلاة 662 في الموضع الطاهر، ولا يصلى في موضع فيه نجاسة، ولا فيما الغالب كون النجاسة فيه وإن لم ير عينها كالمجزرة، والمزبلة، والطريق الكثير المسالك؛ لما يكون من الدواب المارة عليها 663. وفي الترمذي قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الصَّلاَةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبُرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحَمَّامِ، وَأَعْطَانِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ الحرَامِ" 664. وقد اختلف في الصلاة في المقبرة وفي الحمام وأعطان الإبل، وإن بسط 665 ما يصلي عليه، وفي الصلاة في الكعبة وفوق ظهرها، فأجاز مالك في المدونة الصلاة في المقابر وفي الحمام 666، وأجاز ابن القاسم الصلاة في المقابر وإن كان القبر بين يديه 667. وذكر أبو مصعب عن مالك أنه كان يكره 668 الصلاة في المقبرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 345

وقال أبو محمد عبد الوهاب: تكره الصلاة داخل الحمام 669 وفي المقبرة الجديدة 670 في الجملة، وتجوز إن فعلت، وإن كانت قديمة وفيها نبش فلا تجوز إلا أن يجعل حصيرًا يحول بينه وبينها.
وتكره في مقابر المشركين جملة من غير تفصيل 671. فكره الصلاة في المقبرة مع كونها جديدة وطاهرة الموضع للحديث 672، فإن فعل مضى؛ لأن الموضع طاهر، فلم يمتنع 673 الإجزاء.
وهذا أحسن.
وأرى أن تمنع الصلاة في المقبرة وإلى القبر والجلوس عليها والاتكاء إليها، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن تتخذ القبور مساجد 674، وفي كتاب مسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَجْلِسُوا عَلَى القبورِ وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا 675 " 676. ولأن للميت حرمة ومن حقه ألا يمتهن بالقعود عليه والاتكاء.
وفي سماع ابن وهب قال: سمعت الليث يكره الصلاة في القبور والجلوس عليها والاتكاء عليها.

الجزء: 1 - الصفحة: 346

قال مالك: ولا بأس بالصلاة في مرابض الغنم، ولا خير في الصلاة في معاطن الإبل 677. قال في المجموعة: وإن لم يجد غيرها وان بسط ثوبًا فلا يصلي فيها 678. وقال ابن وهب عن ابن مزين: وإنما كره ذلك لأن الناس يستترون بها عند الخلاء، قال: وهذا في المناهل، وأما المزبلة فلا بأس.
وقال ابن حبيب: إن ذلك لاستتار الناس بها 679. قال: فيكره وإن فرش ثوبه، ومن صلى فيها جاهلًا أو عامدًا أعاد أبدًا؛ كمن تعمد الصلاة في الموضع النجس.
وقال مالك: في من صلى وأمامه جدار مرحاض: فلا بأس به 680 إذا كان موضعه طاهرًا 681. قال الشيخ -رحمه الله-: فإن ظهرت النجاسة في ذلك الجدار ببلل أو غيره 682 مما أشبهه لم يُصَلِّ إليه؛ لأنه يصير مصليًا إلى نجاسة، وينبغي أن تنزه الصلاة عن قرب النجاسات 683. وقال ابن حبيب: لو تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدًّا، وينبغي أن تنزه الصلاة عن قرب النجاسة 684 وأن يصلى

الجزء: 1 - الصفحة: 347

عليها، وإن فرش ثوبًا.
وكره مالك الصلاة في الكنائس والبِيَعِ قال 685: لنجاستها ولما فيها من التصاوير 686. وقال الحسن: تكره الصلاة في الكنائس والبِيَعِ؛ لأنها أسست على غير التقوى.
قال مالك: ولا أستحب النزول فيها إذا وجد غيرها.
وكره ابن القاسم الصلاة إلى قبلة فيها تماثيل 687. وقال ابن وهب عن مالك: لا يصلى على بساط فيه تصاوير 688 إلا من ضرورة 689. وقال مالك في الخاتم فيه التماثيل: لا يلبس ولا يصلى به 690. وقال سعيد بن جبير: لا ينقش في خاتمه 691 ذكر الله 692، ولا شيئًا فيه الروح.

الجزء: 1 - الصفحة: 348

باب في الصلاة إلى الكعبة وفيها، ومن يشكل عليه أمر القبلة

الصلاة إلى الكعبة فرض؛ لقوله الله -عز وجل-: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] الآية.
والمصلي إلى الكعبة ثلاثة: مشاهد لها، وغائب عنها وهو بمكة، وغائب عن مكة: فإن كان مشاهدًا لها كان عليه التوجه إليها، فإن انحرف عنها شيئًا - لم تجزئه الصلاة.
وإن كان غائبًا عنها وهو بمكة كان عليه التوجه إليها على وجه القطع، لا على وجه الاجتهاد؛ لأنه قادر على أن يصعد موضعًا مشرفًا هناك أو على أبي قبيس أو على غير ذلك؛ حتى يتحقق أنه إذا كان في بيته كان 693 مصليًا إليها.
وإن كان غائبًا عن البلد كان فرضه الاجتهاد؛ أصاب عند الله -عز وجل- أو أخطأ، فإن صلى إلى موضع خارج عن الجهة التي يجتهد في القبلة إليها أو تطلب فيه متعمدًا - لم يجزئه 694، وأعاد الصلاة وإن ذهب الوقت.
واختلف في الجاهل والناسي والمجتهد المخطئ 695، فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: تجزئه الصلاة ويعيد في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 349

وخالفه ابن حبيب في الجاهل خاصة وقال: لا تجزئه الصلاة ويعيد وإن ذهب الوقت؛ لأنه عنده عامد.
وخالف الشيخ أبو الحسن ابن القابسي في الناسي وقال: إن كان يعرف القبلة وصلى باجتهاد فقوله صحيح، وإن كان بغير اجتهاد لشيء عرض له، فلا يبعد 696 أن يقال فيه: يعيد ما كان في الوقت.
وقال المغيرة وابن سحنون في المجتهد: يعيد وإن ذهب الوقت 697، وقال ابن سحنون 698: هو بمنزلة الأسير يجتهد في صيام رمضان ثم يتبين له أنه صام شعبان، وكالمصلي في الغيم باجتهاد، ثم تبين له أنه صلى قبل الوقت.
وقد قيل: إن الفرق بينهما يعني 699 بين الوقت والقبلة لأنه ينتقل في القبلة من تحر إلى تحر، وفي الوقت ينتقل إلى القطع، وهذا غير صحيح؛ لأن القبلة لا تتحرى عندنا فتطلب في المغرب ولا في الشمال ولا في مطلع 700 الشمس في الصيف، ومن صلى إلى شيء من هذه الجهات كان مصليًا إلى غير القبلة على القطع، فأشبه الوقت، وقد يُحْمَلُ قول مالك في الإعادة في الوقت؛ مراعاةً للخلافِ، لقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] فقيل: نزلت في قوم صلوا في ليلة مظلمة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تبين أنهم صلوا إلى غير القبلة 701. وقد قيل غير ذلك،

الجزء: 1 - الصفحة: 350

ولم يأت شيء من ذلك من طريق فيها صحة.

فصل [فيمن كان بموضع عجز فيه عن تبين القبلة]

ويختلف إذا كان في موضع لا يتبين فيه دليل لطلب القبلة هل يصلي صلاة أو أربعًا؟ وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كان محبوسًا في موضع مظلم بحيث لا يستبين فيه علامات أو غير ذلك من سحاب أو مطر أو كان أعمى ولم يكن يميز القبلة؛ صلى إلى أي الجهات شاء، ليس عليه غير ذلك، قال: ولو قيل: إنه يصلي إلى الجهات الأربع لكان مذهبًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: هذا أصح؛ قياسًا على الأواني إذا كانت أربعًا أحدها طاهر وأربعة أثواب أحدها طاهر ولم يعرفه، فقيل: إنه يتوضأ بكل واحد، ويصلي أربع صلوات، وكذلك الثياب يصلي بكل واحد منها.
فعلى هذا يصلي إلى الأربع جهات.
ولو شك في ناحيتين خاصة لصلى صلاتين.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كانوا جماعة واختلف اجتهادهم فرأى كل واحد منهم غير ما رأى الآخر، لم يكن لهم أن يأتموا بواحد منهم 702. وقد اختلف في هذا الأصل إذا نزل فقال أشهب في كتاب محمد بن سحنون فيمن صلى وراء من لم ير الوضوء من مس الذكر: لا إعادة عليه، وإن صلى وراء من لم ير الوضوء من القبلة أعاد وإن ذهب الوقت؛ لأن القبلة من اللمس، وقال = ليس إسناده بذاك لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث).

الجزء: 1 - الصفحة: 351

سحنون: هما سواء يعيد في المسألتين وليس أبدًا، ولكن بحدثان ذلك (1). وعلى هذا لا يصلي مالكي خلف شافعي؛ لإخلاله بمسح جميع (2) الرأس على قول من أوجب مسح جميعه، ولا شافعي خلف مالكي؛ لإخلاله بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة (3) ويختلف إذا نزل هل تجزئ المأموم الصلاة.
وقال أشهب في مرضى في بيت مظلم صلى بهم أحدهم فإن تبين أن الإمام إلى (4) القبلة وحده (5) -أجزأته صلاته وحده (6) وأعاد من خلفه، وإن أخطأ الإمام القبلة (7) أعاد هو وهم، وإن أصابوا القِبْلَة دونه (8). وفارق هذا الإمام يصلي على غير وضوء وهو ناسٍ أنها تجزئهم؛ لأن هؤلاء قصدوا إلى مخالفته في اجتهاده فصلوا إلى غير الناحية التي صلى إليها.

فصل [في الصلاة في الكعبة وفوقها]

واختلف في الصلاة في الكعبة، فمنعها مالك في الفرض والسنة، وأجازها في النفل فقال: ولا يصلي في الكعبة فريضة ولا الوتر ولا ركعتي الفجر، ولا ركعتي الطواف الواجبتين 711، وأما غير ذلك من ركوع الطواف703704705706707708709710

الجزء: 1 - الصفحة: 352

فلا بأس به 712. وقال أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف: مذهب مالك في صلاة الفرض في داخل الكعبة أنها تكره، وتجزئ إذا فعلت 713. وأجازها أشهب في مدونته في الفرض إن فعل وقال: لا إعادة عليه، وإن كان لا يُسْتَحَبُّ له أن 714 يفعل ذلك ابتداءً.
واختلف -بعد القول بالمنع - في وقت الإعادة إن فعل، فقال مالك في المدونة: يعيد ما دام في الوقت 715. وقال أصبغ: يعيد وإن ذهب الوقت 716. وقال محمد بن المواز: إن صلى في الكعبة ركعتي الطواف الواجب لم تجزئه، وإن ذكر في بلده صلاهما وبعث بدم؛ بمنزلة من نسيهما.
وأرى أن يجزئ الفرض إذا صلى في الكعبة، ولا إعادة عليه 717 في ذلك.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموطأ والبخاري ومسلم أنه صلى النفل في الكعبة 718، وإذا صح ذلك جاز للفذ أن يصلي فيها الفرض؛ لأنه إن كان جدار

الجزء: 1 - الصفحة: 353

الكعبة من داخلها قبلة لمن هو فيها، فذلك في الفرض والنفل، وإن لم يكن قبلة فلا تجوز في فرض ولا نفل، وإذا ثبت الحديث في النفل قِيسَ عليه الفرض.
وقد قيل: إن النفل في ذلك بخلاف الفرض؛ لأن النفل يصلى في السفر إلى غير القبلة؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُصَلِّ فيها الفرض.
وهذا غلط؛ لأن النفل لمن كان في الحضر أو السفر وهو على الأرض في استقبال القبلة والفرض سواء، ولو تنفل رجل في المسجد الحرام في خارج الكعبة إلى غير الكعبة وولاها ظهره لعوقب.
وأما صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرض خارج الكعبة فلأنه كان الإمام، وقد كان معه خلق عظيم.
فلو صلى بهم، هو في الكعبة، وهم خارجون عنها - صارت سنة أن يصلي الإمام على أرفع مما عليه من خلفه وتحت علو، وهذا مما لا يشبه أن يفعله، ولا يقيمه سنة لأمته.
واختلف في الصلاة فوق الكعبة، فقال مالك في المختصر: يعيد من فعل ذلك وإن ذهب الوقت 719. ومنعه ابن حبيب في النفل، وهو عنده بخلاف البطن 720. وأجازها أشهب في مدونته في الفرض حسب ما تقدم لو صلى في بطنها 721. وبه أخذ محمد بن عبد الحكم قال: وهو مثل من صلى على 722 أبي = البيت وقصر الصلاة وتعجيل الخطبة بعرفة، من كتاب الحج، برقم (895).

الجزء: 1 - الصفحة: 354

قبيس، فإنما يصلي إلى حيال الكعبة من السماء إلى الأرض.
وليس هذا بحسن، وإنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة، ومن صلى عليها لم يصل إليها، والمصلي على أبي قبيس يصلي إليها، وكذلك ينوي من غاب عنها، ولو نوى الصلاة إلى ما فوق خاصة - لم تجزئه الصلاة.
ومنع مالك الصلاة في الحجر (1). ولم يقل في التوجه (2) إليه والصلاة إليه من خارج شيئًا، وقد قيل: إن الصلاة إليه لا تجزئ؛ لأنه لا يُقْطَعُ أنه من البيت، وقيل يجزئه لظاهر الأخبار أنه من البيت وقد تواترت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من البيت (3)، ولهذا ترك محجرًا (4) عليه من تلك الناحية دون غيرها، ومرت الأعصار عليه على ذلك والأخبار (5) بمثل ذلك، فلو صلى مصلٍّ إليها لم أر عليه إعادة.
وهذا في مقدار ستة أذرع، وأما ما زاد عليها فإنما زيد لئلا يكون ذلك الموضع مركبًا فيؤذي الطائفين.

فصل [فيما يسقط فرض استقبال القبلة]

يسقط فرض استقبال القبلة في الفرض مع الغزو ومع عدم القدرة على استقبالها، وفي النفل في وجه واحد، وهو إذا كان في السفر على723724725726727

الجزء: 1 - الصفحة: 355

الدابة 728، وإن كان على الأرض كان فرضه القبلة كالفرض.
ويجوز في الفرض للمريض إذا كان لا يُستَطَاعُ تحويله إلى القِبْلَةِ لشدة مشقة ذلك عليه أو لخوف زيادة علة، أو لعدم من يحوِّله إليها، ولا يرجو من يدخل عليه إلا بعد ذهاب الوقت: فيصلي على هيئته أول الوقت.
وإن كان على شك ممن يأتيه فوسط الوقت، وإن كان على يقين فآخر الوقت 729. ويجوز للمكتوف والمربوط وصاحب الهدم والمسايف للعدو والخائف من اللصوص أو السباع إذا كان يخشى، متى وقف أدرَكه العدو أو اللصوص أو السباع 730. وذكر الصلاة في السفينة إلى غير القبلة في كتاب الصلاة الثاني.

الجزء: 1 - الصفحة: 356

باب في وقت الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق ومن يحتلم أو يسلم

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 731. قال مالك: هذا 732 لأهل الأعذار؛ للحائض تطهر، وللصبي يحتلم، وللمغمى عليه يفيق، وللمجنون يفيق 733، والنصراني يسلم 734. وقد اختلف في موضعين: أحدهما: هل يقدر الوقت بعد الطهر أو قبله؟ والثاني: هل المراد أن يدرك ركعة بسجدتيها أو الركوع دون السجود؟ فقيل في الحائض: تطهر 735 الوقت المراعى فيه بعد غسلها 736. وقال سحنون في المجنون يفيق والنصراني يسلم مثل ذلك.
وقال مطرف وابن الماجشون: الوقت فيهما قبل الطهارة 737.

الجزء: 1 - الصفحة: 357

وقيل في الصبي: المراعى فيه بعد الطهر كالحائض 738. وقول سحنون في ذلك حسن، ولا فرق بين الحائض وغيرها، وإنما يتوجه الخطاب أولًا بالطهارة، فإن بقي وقت الصلاة صليت 739، وإلا فلا شيء عليهم.
ويلزم على القول: إن المراعى الوقت دون الطهارة إذا كان الباقي إلى الغروب مقدار ركعة - أن يتيمم ويصليها في الوقت، قياسًا على الحضري يخاف خروج الوقت متى استعمل الماء للوضوء أو كان الباقي مقدار خمس ركعات، فمتى اشتغل المحتلم بالغسل خرج الوقت: أن يتيمم 740 ويصلي الظهر والعصر.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد في الحائض تغتسل ثم يتبين أن الماء الذي اغتسلت به نجس، فإن اغتسلت ثانية ذهب الوقت، قال: القياس أن لا شيء عليها ولو أعادت كان أحوط 741. قيل: فلو كان الماء طاهرًا ثم أحدثت بريح يخرج منها 742 فلما توضأت ذهب الوقت؟ قال: هي مثل الأولى، لا شيء عليها.
قال محمد: وكان قد فرق بينهما وجعل على التي أحدثت الوضوء.
وقال أشهب: إذا اغتسلت ثم علمت بنجاسة الماء -يريد ولم يتغير أحد أوصافه- فإن أعادت الغسل غربت الشمس، فلتصل بذلك الماء في الوقت أحب إلي من صلاتها بماء طاهر بعد الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

فصل [فيما يعتبر من الركعة]

وقال ابن القاسم في الحديث "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً" 743: هو أن يدركها بسجودها.
وقال أشهب: بغير سجود.
والأول أبين، وإنما يعبر بالركعة 744 عما تشتمل عليه من قراءة وركوع وسجود، يقال: الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات.
وأرى أن يراعى قدر الإحرام وقراءة الحمد على القراءة المعتدلة والركوع والسجود.
ويختلف هل تقدر الطمأنينة؟ فمن قال: الطمأنينة 745 فرض 746 في جميع ذلك قدر الطمأنينة في الركوع والرفع منه وفي السجود والجلوس ما بين السجدتين، وعلى القول الآخر يراعى أقل ما يقع عليه اسم ركوع وسجود، وكذلك قراءة الحمد لله على القول أنها فرض في ركعة، فيصح أن يقال: إذا كان يدرك الركعة بسجودها دون القراءة أن الصلاة تجب عليه، ويقال له: اقرأ بها في باقي الصلاة.
ويصح أن يقال: لا شيء عليه؛ لأنه يقول: لي أن أعجلها وأقصر القراءة في الركعة الأولى، فإذا عجلتها لم أدرك الركوع والسجود في الوقت فيسقط عني الخطاب بها.
وإذا كان عليه من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات صلى الظهر

الجزء: 1 - الصفحة: 359

والعصر، واختلف في صلاتي 747 الليل: المغرب والعشاء؛ فقال مالك: إذا كان عليه من الليل ما يصلي فيه أربع ركعات صلى المغرب والعشاء؛ لأنه إذا صلى المغرب بقي عليه ركعة للعشاء 748. وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا بقي ما يصلي فيه إلى طلوع الفجر قدر أربع ركعات فليس عليه إلا العشاء؛ لأنها تستوعب الأربع.
والقول الأول أصوب، والحديث ورد بمراعاة ركعة من جميع العصر 749، فكذلك العشاء.
واختلف في التي تطهر في السفر لمقدار ثلاث ركعات لطلوع الفجر، فقال ابن القاسم وأشهب: تصلي العشاء خاصة 750. لأنها إن بدأت بالمغرب طلع الفجر ولم يبق للعشاء وقت.
وقال ابن عبد الحكم: تصلي الصلاتين جميعًا 751 لأنها إن بدأت بالعشاء بقيت عليها ركعة من الوقت 752. والقول الأول أبين 753.

الجزء: 1 - الصفحة: 360

واختلف إذا طهرت بقدر ما تصلي فيه 754 العصر وحدها، وذكرت صلاة نسيتها، فقال ابن القاسم: تصلي الصلاتين جميعًا، فتبتدئ بالمنسية ثم العصر.
ثم رجع فقال: تصلي المنسية وحدها 755. وقول ابن وهب وأشهب في هذا الأصل أحسن 756؛ أنها تصلي الصلاتين جميعًا وتبتدئ بالعصر ثم المنسية.
وقال مالك في حائض طهرت وقد بقي عليها من النهار -فيما ترى بعد أن اغتسلت - قدر أربع ركعات فصلت العصر وبقي عليها ركعة: إنها تصلي الظهر والعصر 757. قال محمد بن المواز: وذلك إن علمت بالركعة قبل أن تسلم من العصر، فإن لم تعلم إلا بعد أن سلمت فلا شيء عليها 758. وقول مالك أصح؛ لأن أول الوقت للظهر، وهو ها هنا بمنزلة الزوال لغير الحائض، فأشبه من صلى العصر في أول وقت 759 الزوال قبل الظهر، فإنه يعيد أبدًا؛ لأنه لا شركة للعصر في ذلك الوقت، وهو وقت يختص بالظهر، وإنما الشركة بعد 760 مضي مقدار أربع ركعات.

الجزء: 1 - الصفحة: 361

وقال ابن القاسم: فإن كان مقدار خمس ركعات فبدأت بالظهر فلما صلت ركعة غابت الشمس، فإنها تضيف إليها ركعة وتصلي العصر، وإن صلت ثلاث ركعات أضافت إليها أخرى وتجعلها نافلة، وتصلي العصر 761. قال أصبغ: وإن قطعت في الوجهين جميعًا ولم تضف كان واسعًا 762. وهذا هو الخلاف فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعة أو ثلاثًا.
وكل موضع الخطاب فيه للحائض تطهر بالصلاتين جميعًا؛ فإنها إذا كانت طاهرة فحاضت في مثله لم يكن عليها قضاء، وإن كان الخطاب فيه للحائض بصلاة واحدة وهي العصر أو العشاء، كان الخطاب فيه للطاهر تحيض لقضاء الأولى، فإن كانت في النهار قضت الظهر، وإن كانت في الليل قضت المغرب؛ لأنها في الذمة.
وأرى أن تراعى الطهارة في ذلك أيضًا، فإن حاضت وهي على غير طهارة ولم يبق لطلوع الشمس أو غروبها إلا قدر ركعة أو أكثر مما إذا اشتغلت فيه بالوضوء ذهب الوقت - أن يكون عليها قضاء تلك الصلاة، ومثله إذا بقي عليها مقدار خمس ركعات وهي جنب فأخرت الغسل إلى ذلك الوقت في النهار، فإن اغتسلت غربت الشمس - أن يكون عليها قضاء الصلاتين جميعًا.
وإن قدم المسافر في النهار، وقد بقي إلى غروب الشمس قدر خمس ركعات، وهو على غير وضوء، فلما توضأ بقي مقدار أربع ركعات 763 فأقل - صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية.

الجزء: 1 - الصفحة: 362

واختلف في المرأة تبتدئ العصر، وقد بقي لغروب الشمس مقدار ركعة فلما صلتها وغربت الشمس حاضت، هل يكون عليها قضاء تلك الصلاة أم لا؟ وألا شيء عليها أشهر في هذا الأصل، والثاني أقيس، وليس الحائض تطهر كالطاهر تحيض؛ لأن تلك لضرورة، وهذه مختارة، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحائض تطهر إذا بقي عليها للغروب مقدار ركعة أن تصلي العصر؛ لأنها مدركة للركعة، ولا يصح أن تأتي بها بانفرادها، فأُمِرَتْ أن تأتي بها على كمالها، وهذه مختارة للتأخير، ولا أعلم بين الأمة خلافًا أنها مأمورة أن تأتي بجميع أربع ركعات في العصر قبل الغروب، وبجميع الركعتين في الصبح قبل طلوع الشمس، وأنها إذا أخرت إحدى هاتين الصلاتين حتى بقي لطلوع الشمس أو غروبها مقدار ركعة أنها مؤثمة.
وقال بعض المتأخرين: إن الثلاث ركعات إذا صليت بعد ذلك قضاء فكذلك أنها في ذلك قاضية.
وهو الصحيح 764. وإذا حاضت وقد بقي لطلوع الشمس أو غروبها مقدار ركعة - قضت جميع تلك الصلاة؛ لأنه لا يصح أن تأتي بقضاء ما في الذمة بانفرادها بثلاث ركعات من العصر ولا بركعة من الصبح؛ فوجب أن تأتي بجميع تلك الصلاة.
ويلزم على هذا فيمن خرج مسافرًا لمقدار ركعة لغروب الشمس ولم يصلِّ العصرَ أنه يصلي أربعًا؛ لأن ثلاثًا في الذمة، وهو فيها في معنى القاضي، بخلاف الحائض تطهر لمقدار ركعة ثم تسافر.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف: إذا مضى بعد الزوال قدر أربع

الجزء: 1 - الصفحة: 363

ركعات فحاضت أو أغمي عليها فلا قضاء عليهما 765 خلافًا للشافعي 766. يريد: في قوله: عليهما القضاء.
فرأى أنه إذا أغمي عليه أو حاضت المرأة حتى غربت الشمس أن الوقت كان مضيقًا، وأن الواجب أن يأتيا بالصلاة أول الوقت.
وهذا مثل قول مالك -رحمه الله- فيمن أفطر في رمضان لمرض أو سفر ثم صح شوالا أو قدم 767 فإن تمادى به ذلك فقضى في شعبان فلا كفارة عليه، وإن مرض بعد خروج شوال وتمادى به حتى دخل رمضان كانت عليه الكفارة 768. فجعله في القضاء مترقبًا لا على الفور 769 ولا على التراخي.

الجزء: 1 - الصفحة: 364

باب في اللباس في الصلاة

قال الله -عز وجل-: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
قال مالك في العتبية: ذلك في الصلوات في المساجد، فيكره أن يصلي بغير رداء 770. وذهب على أن الهيئة التي يصلى عليها في المسجد أرفع من الهيئة التي تؤدى بها الصلاة في البيوت.
وقال في المدونة: أكره للإمام أن يصلي بغير رداء إذا أمَّهم في مسجد من مساجد الجماعة أو مسجد القبائل، إلا أن يكون أمَّ قومًا في سفر أو موضع اجتمعوا فيه أو في داره، فأحب إلي أن لو جعل العمامة على عاتقه إذا كان مسافرًا أو صلى في داره 771. وقال مالك -في شرح ابن مزين في الآية- الزينة: الأردية، والمساجد: الصلوات.
وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم.
وأرى أن يؤمر المصلي أن يصلي في ثوب ساتر لجميع جسده مغطى الرأس.
واختلف في الواجب من ذلك، فقيل: يجب عليه 772 ستر جميع الجسد.
وقيل: الواجب أن يصلي مؤتزرًا بوسطه، ولا شيء عليه فيما سوى ذلك.
وقيل: يغطي السوأتين جميعًا 773 خاصة.

الجزء: 1 - الصفحة: 365

وقيل: لا يجب ستر سوأته ولا غيرها إذا صلى في بيته.
وقال أبو الفرج: يجيء على المذهب أن يكون فرضًا.
يريد: جميع الجسد، قال: لقول مالك في الكفارة: إن كسا فيها 774 المساكين وكانوا نساء؛ فدرع وخمار، وإن كانوا رجالًا؛ فثوب، وذلك أدنى ما تجزئ فيه الصلاة.
لأن مالكًا لا يرى أن يجزئ المكفر المئزر، وهذا رجوع منه إلى القول أن الآية في الفذ وغيره سواء.
ويؤيد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ" 775. ولأن الزينة لا تقع على من صلى بمئزر في وسطه لا غير ذلك.
وذهب ابن القاسم إلى أن الفرض أن يصليَ بمئزر لا غير ذلك، وإن صلى عريانًا أعاد أبدًا، وإن صلى بمئزر لم يعد في الوقت ولا بعده.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: ولو صلى رجل وانكشف الفخذ لم يعد، وإن صلت امرأة 776 مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت 777. فلم ير الفرض في الرجل إلا السوأتين.
وقال أشهب: من صلى عريانًا أو في ثوب يصف أو في قميص لا يبلغ الركبتين أو يبلغهما، فإن سجد انكشفت عورته أعاد ما دام في الوقت 778. فرأى

الجزء: 1 - الصفحة: 366

أن ستر السوأتين سنة وأن الفخذ عورة.
وقال أيضًا فيمن صلى في تبان أو سراويل أعاد ما دام في الوقت؛ فستر العورة عن أعين المخلوقين فرض 779. واختلف في سترها في الصلاة إذا صلى 780 مخليًا في بيته هل ذلك فرض أو سنة؟ وستر ذلك عن الملائكة مستحب، وهذا في السوأتين.
واختلف في الفخذ في جميع ذلك هل هو عورة أم لا؟ وفي الترمذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ" 781. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ: عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ بالثَّوْبِ الوَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ"، وهذا لفظ البخاري في كتاب اللباس 782. قال مالك في العتبية: اشتمال الصماء: أن يشتمل الرجل بالثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحته وليس عليه مئزر، وأجازه إن كان عليه مئزر، ثم كرهه 783.

الجزء: 1 - الصفحة: 367

قال: والاضطباع: أن يرتدي ويخرج ثوبه من تحت (1) يده اليمنى (2). قال ابن القاسم: وهو من ناحية الصماء (3). وقال أبو محمد عبد الوهاب: اشتمال الصماء أن يلتحف بالثوب ويرفعه على أحد جانبيه فلا يكون لِيَده مخرج، ولذلك سميت الصماء (4). والاحتباء: أن يجلس ويضم ركبتيه إلى نحو صدره ويدير (5) ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ به ركبتيه ويشده حتى يكون كالمعتمد عليه، فهذا إذا كان عليه ثوب يستر العورة، فهو داخل في قسم المباح (6). قال الشيخ -رحمه الله-: فإن لم يكن عليه ما يستر عورته؛ منع لحق الملائكة، ولإمكان أن يقف عليه أحد؛ فيطلع على ذلك منه.

فصل [في هيئة لباس المرأة الحرة والأَمَة في الصلاة]

وتصلي المرأة في درع سابغ يستر ظهور قدميها، ومن اليدين ما سوى كفيها، ويكون عليها شيء 790 سوى الدرع تسترهما به، وخمار تخمر به رأسها وشعرها.
ويختلف هل جميع ذلك فرض أو سنة، أو بعضه فرض وبعضه سنة،784785786787788789

الجزء: 1 - الصفحة: 368

فقال 791 مالك: إن صلت عريانة أعادت أبدًا، وإن انكشف صدرها أو شعرها أو ظهور قدميها أعادت ما دامت في الوقت 792. وعلى قول أشهب 793 جميع ذلك سنة، فإن صلت عريانة أو مكشوفة الفخذين أو ما سوى ذلك من الفخذين أعادت ما كانت 794 في الوقت؛ لأنه قال فيمن صلى عريانًا من الرجال: يعيد ما دام في الوقت 795. والمرأة مساوية للرجل في ستر السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أعلى رتبة في الستر من سوأة الرجل.
وعلى قول مالك في المكفر يكون جميع ذلك واجبًا؛ لأنه قال: يكسوها درعًا وخمارًا، وذلك أدنى ما يجزئها فيه الصلاة 796. وفي الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ الحَائِضِ إلَّا بِخِمَارٍ" 797. يريد: من بلغ المحيض، فجعل ذلك واجبًا لا تجزىء الصلاة إلا به، وإذا لم تجزئها الصلاة 798 إذا لم تخمر رأسها كان أحرى 799 ألا

الجزء: 1 - الصفحة: 369

تجزئها إذا بدا شيء من جسدها 800. ولا تتنقب ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد، وتسدل على وجهها إذا صلت في جماعة مع رجال، بحيث تخشى أن يروها.
وقال مالك في الجارية بنت إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة تستر 801 من نفسها ما تستره الحرة البالغة في الصلاة 802. قال الشيخ -رحمه الله-: ولو كانت بنت ثماني سنين ونحوها؛ لكان الأمر فيها أخف.
وإن صلى الصبي في مئزر- فواسع، وأن يعم 803 ستر جميع الجسد أحسن.
واختلف في الأَمة هل هي في ذلك كالرجل يصلي بمئزر على من أجاز ذلك للرجل، أو هي بخلافه؟ فقال مالك في المدونة: لا تصلي إلا وعليها ثوب يستر جسدها.
قيل: أفتصلي بغير قناع؟ قال: ذلك سنتها 804. وقال أصبغ في الواضحة: تستر الأَمة في الصلاة ما يستره الرجل، ولو صلت مكشوفة البطن ما ضرها ذلك، وعورتها من السرة إلى الركبتين.
قال: والستر على 805 الأمة موضوع عند الرجال 806. وقال مالك في المبسوط: ومما لا يجب على الأمة أن تستره من الرجال ما

الجزء: 1 - الصفحة: 370

فوق ثدييها: اليد والعنق والصدر.
فعلى هذا لا يكون عليها ستر جميع 807 ذلك في الصلاة؛ لأنه ليس بعورة.
ولمالك في كتاب ابن حبيب أنه يكره للرجل أن يكشف من الأمة عند استعراضه إياها شيئًا؛ لا معصما ولا صدرًا ولا ساقًا 808. وقال ابن القاسم في العتبية في أَمة جاءها العتق وهي في الصلاة وقد صلت ركعة قال: إن كان بقربها ثوب فاستترت به رجوت أن تجزئها، وأحب إلي إن كانت قد صلت ركعة أن تضيف إليها أخرى وتجعلها نافلة وتبتدئ الصلاة 809، وكذلك إن لم يكن عندها ثوب، وأعتقت وهي في ركعة، أضافت إليها أخرى وجعلتها نافلة 810. وقال أيضًا: إن لم تجد من يعطيها خمارًا وأتمت فلا إعادة عليها، وإن وجدت من يعطيها خمارًا أتمت به، فإن لم تفعل أعادت في الوقت 811. وقال أصبغ: أرى قول ابن القاسم إن سبق لها العتق قبل دخولها في الصلاة، وأما التي أعتقت وهي في الصلاة فلا إعادة عليها في الوقت، ولا في غيره، بمنزلة المتيمم يطلع عليه رجل معه 812 الماء وهو في الصلاة، فإنه يمضي على صلاته، وإنما استحسن لها الاستتار إذا وجدت.
ولو سبق لها العتق قبل أن تدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 371

في الصلاة كانت مثل الذي نسي الماء في رحله، فإنه يعيد الصلاة أبدًا (1). قال الشيخ -رحمه الله-: الأَمة (2) أعذر؛ لأنها لا علم عندها من العتق، وليست بمنزلة من علم فنسي، ويلزم على قول ابن القاسم أنها تبتدئ إذا عتقت وهي في الصلاة أن يقول مثل ذلك المتيمم يطلع عليه الماء وهو في الصلاة؛ أن يقول: بقطع؛ لأن أمرهما واحد.

فصل [في الرجل لا يجد الثوب يصلي فيه]

وقال مالك في العريان لا يجد ثوبًا يصلي به: فإنه 815 يركع ويسجد ولا يومئ، فإن كانوا جماعة صلوا أفذاذًا وتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ليل مظلم صلوا جماعة وتقدمهم إمامهم 816. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: وإن أمهم أحدهم 817 فليكونوا صفًّا واحدًا وإمامهم في الصف 818. يريد: إذا كان في نهار.
وإن كان معهم نساء صلين جانبًا، ويتوارين عن الرجال ويصلين قيامًا ركعًا وسجدًا، إلا ألا يجدن متوارى عن الرجال فيصلين جلوسًا.
قال الشيخ -رحمه الله-: وإن كان مع أحد الرجال ثوب صلوا به أفذاذًا، وهو813814

الجزء: 1 - الصفحة: 372

أولى من أن يؤمهم به 819 أحدهم؛ لأن ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية، فإن كان الثوب مِلكًا لأحدهم لم يجبر على أن يُعَرَّى منه لِيُصَلُّوا به.
ويستحب إذا كان ذلك 820 الثوب فاضلًا أن يجبر على أن يمكنهم من الصلاة به، وقد ورد الحديث بالمواساة فيما يكون من أمور الدنيا، فهو فيما يتعلق بالدين أولى.
وقال ابن القاسم في العتبية في الذي يصلي عريانًا ثم أتي بثوب بعد ركعة: فإنه يتم به الصلاة، وإن أتم على حاله أعاد في الوقت 821. وقال سحنون: يقطع ويبتدئ.
وقول ابن القاسم أحسن، وطرو 822 الثوب على المصلي بمنزلة طرو 823 الماء على المتيمم في أنه لا يجب عليه 824 القطع، ويفارقه في أنه يجب عليه أن يتم به؛ لأنه مما يتبعض وليس كالتيمم.

الجزء: 1 - الصفحة: 373

باب في قضاء من فاتته بعض صلاة الإمام

اختلف عن مالك -رحمه الله- فيمن أدرك بعض صلاة الإمام، فقال: ما أدرك فهو آخر صلاته ويقضي أولها 825. وقال أيضًا: ما أدرك فهو أولها ويأتي بآخرها ويكون بانيًا 826. وتختلف على قوله هذا نية الإمام والمأموم؛ فالإمام في آخر صلاته والمأموم ينوي أولها، وعلى قوله الآخر يكون في صلاته على حكم إمامه، وهي آخرة لهما جميعًا.
وقال مالك فيمن أدرك مع الإمام ركعتين فسلم الإمام: فإنه يقوم بتكبير؛ لأنه وسط صلاته 827. فجعل الذي أدرك أولها، وعلى القول الآخر أن ما أدركه هو آخرها، فيكون وسط صلاته الركعة الثانية من اللتين يأتي بهما.
وقال فيمن أدرك ركعة من المغرب: تصير صلاته كلها جلوسًا 828. وهذا أيضًا على القول أن الذي أدرك أولها وأنه الذي يأتي بآخرها.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لو كان ما يقضيه أول صلاته لوجب ألا يجلس للركعتين اللتين يقضيهما مرتين 829. وهذا الذي قاله صحيح، وقياس قوله أنه آخرها يأتي بركعتين ولا يجلس

الجزء: 1 - الصفحة: 374

إلا في الآخرة، وقد سلم أنه يقرأ في الركعتين جهرًا وإنما يجهر في الأولين.
وقد قال أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: من فاته بعض صلاة الإمام فإنه يقضي الأولى كما فعل الإمام 830. ومفهوم قوله أنه يفعل مثل فعله في الحركات؛ القيام 831 والقعود.
وقال أيضًا في الإشراف: ما أدرك آخر صلاته وما فاته أولها.
وهذا هو الأولى و 832 المشهور من قول مالك، وروي عنه أن ما أدرك فهو أول صلاته وما فاته فهو آخرها 833 وهو قول الشافعي 834. انتهى قوله.
وهذا يرد على قول 835 من قال: إن القولين يرجعان لشيء واحد وأنه يكون في القراءة قاضيًا، وفي القيام والجلوس بانيًا؛ لأن المسألة مسألة اختلاف بين الشافعية والحنفية وكل واحد منهم يناظر 836 على صحة قوله.
وقد قيل: إن مالكًا قال بالقولين جميعًا، ولا وجه له أيضًا 837، إلا أن تكون الركعة 838 الواحدة أولى في القراءة ثانية في الجلوس وثانية في القراءة وثالثة في القيام، فأما أن يقال: إن الذي يأتي به أولها، فيكون ذلك في القراءة والقيام، أو آخرها 839 فيكون

الجزء: 1 - الصفحة: 375

أيضًا في الوجهين جميعًا.
وأما قول مالك فيمن أدرك ركعة من الظهر فسلَّم الإمام وقام للقضاء 840، فإنه يقرأ بأُمِّ القرآن وسورة فإذا ركع وسجد جلس؛ لأن ذلك وسط صلاته، ثم إذا قام أتى بركعة فقرأ فيها بأم القرآن وسورة 841 - فإنما 842 أجاب على القول أن الذي أدرك أولها.
وأرى أن يحتاط في الركعة الثالثة 843 بزيادة سورة مع أمِّ القرآن؛ مراعاة للخلاف.
وأرى أن يكون قاضيًا في جميع هذه المسائل؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" 844. وفي حديث آخر: "فَاقْضُوا" 845. فمفهوم قوله: "وَمَا فَاتَكُمْ" أي: ما سبقكم به الإمام فصلوه، وذلك يوجب أن يأتي به حسب ما كان الإمام يفعله، ولقوله: "فَاقْضُوا".
وهذا نص منه - عليه السلام - على أن الذي يأتي به هو الذي سبق به الإمام، وإليه يرجع قوله: "فَأَتِمُّوا"؛ لأن من قضى فقد أتم، ومن لم يقض لم يتم.
واختلف في الفذ يسقط سجدة من أول ركعة أو من الثانية، فقال ابن القاسم وغيره: يكون بانيًا.
ففرق بين الفذ وبين 846 المأموم.

الجزء: 1 - الصفحة: 376

وقال ابن وهب وأشهب في مدونته: يكون قاضيًا ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، وسجوده بعد السلام.
وأرى 847 أن كل ركعة تبقى على ما كان نوى، ويأتي بالتي أسقط منها السجدة، وقاله ابن القاسم فيمن صلى وركع ونسي السجود ثم صلى الثانية وسجد ونسي منها الركوع، قال: لا يجزئه هذا السجود من سجود الأولى؛ لأنه نيته في هذا السجود إنما كان لركعة ثانية 848. ومن أدرك من صلاة الإمام ركعتين كبر إذا استوى قائمًا، وإن أدرك ركعة أو ثلاثًا قام بغير تكبير، وقال ابن الماجشون: بتكبير.
والأول أحسن؛ لأن التكبير للرفع من السجود؛ أي: وإن كنت عفرت وجهي في الأرض لله تعالى فإنه أكبر وحقه أعظم.

الجزء: 1 - الصفحة: 377

باب في صلاة النوافل والأوقات التي تصلى فيها

والتنفل عند مالك مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين، والليل والنهار في ذلك سواء 849. قال: ومن زاد ثالثة سهوًا أتمها أربعًا 850، وإن زاد خامسة لم يأت بسادسة.
قال: لأن النفل أربع عند بعض العلماء.
وقال محمد بن مسلمة: إن صلى ثلاثًا وكان في نهار أتم أربعًا، وإن كان في ليل قطع متى ذكر؛ لأنها مثنى مثنى.
والمراعى في النفل خمسة مواضع: العدد الذي يجوز أن يقتصر عليه.
والقراءة هل هي جهرٌ أو سرٌّ؟ وأي ذلك أفضل؛ في بيته أو في المسجد.
وهل تصلى جماعة.
والوقت الذي تصلى فيه.
فأما العدد فاختلف الناس 851 فيه؛ فذهب مالك إلى ما تقدم ذكره أنه مثنى مثنى في الليل والنهار 852، فإن صلى ثلاثًا أتمّ أربعًا لا يزيد على ذلك شيئًا، وسواء على أصله نوى الأربع من الأولى 853 فإنه يؤمر أن يسلم من ركعتين.
فإن دخل على نية ركعتين فأتم صلى 854 ثلاثًا فإنه يؤمر أن يتمها أربعًا.
وقد تقدم قول ابن مسلمة في ذلك.
وقال أبو حامد الإسفرايني: أفضل التطوع بالليل والنهار مثنى مثنى

الجزء: 1 - الصفحة: 378

يسلم من كل ركعتين.
وأما الجواز فإنه لا ينحصر 855 بعدد، بل يجوز ركعة، واثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، وزيادة على ذلك بتسليمة واحدة.
ويجوز أن يدخل في الصلاة ولا ينوي عددًا ثم يسلم عن الكل، وقد روي ذلك عن بعض السلف، قيل له في ذلك، فقال: الذي له أُصَلِّي يعرفُ العددَ.
وقال أبو حنيفة: أفضل التطوع بالليل والنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة، وأما الجواز فإنه يجوز بالنهار ركعتين ركعتين 856 وأربعًا لا يزيد على ذلك، وبالليل ركعتين وأربعًا وستًا وثمانيًا، لا يزيد على ذلك 857. فإن كان الخلاف في ذلك حسب ما ذكرناه، فينبغي إذا صلى خمسًا أن يتم سادسة 858، وإن صلى سبعًا أن يتم ثمانيًا، وإن سلم على وتر ثلاث أو خمس أو سبع لم يقض صلاته، ولا يقال له: أفسدت نفلك - فأعده، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أحاديث كلها تدل على التوسعة في ذلك: أحدها: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" 859. وفي بعض طرقه: "يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتيْنِ" 860.

الجزء: 1 - الصفحة: 379

وحديث ابن عباس قال: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ.
. ." الحديث 861، وهو في معنى الأول.
والثاني: حديث عائشة - رضي الله عنها - "قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا" 862. والثالث: حديث عروة عن عائشة - رضي الله عنها -: "قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لاَ يَجْلِسُ فِيَ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ 863 إِلاَ فِي آخِرِهَا" 864. وقالت أيضًا: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي الثَّامِنَة ثُمَّ يَنْهَضُ وَلاَ يُسَلِّمُ وَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" 865. أخرج هذين الحديثين مسلم.
= الليل، برقم (261).

الجزء: 1 - الصفحة: 380

فكان يقوم - عليه السلام - بثلاث عشرة ركعة وإحدى عشرة ركعة، ثم بتسع، ثم بسبع (1) لما كبر وأسن (2).

فصل [في الجهر بالقراءة في النفل ليلًا]

يجهر بالقراءة في النفل بالليل، واختلف في النهار، فقال مالك في المبسوط: يخافت بالقراءة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب في المعونة: اختلف في ذلك، فقيل: ذلك جائز.
وقيل: مكروه 868. والجواز أحسن؛ لأنه أبلغ في تفهم القارئ له، ولم يرد بمنع ذلك حديث.
وقال مالك: يستحب لمن صلى في منزله أن يرفع صوته بالقراءة 869. وإذا كان نهارًا فتنفل بحضرة غيره لم يجهر بالقراءة.
ولو كان في ناحية المسجد بحيث 870 لا يسمعه أحد لم يكن بأس أن يرفع صوته.
وقال مالك في المدونة: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في ليل أو نهار، وكذلك الرجل يجمع بأهله 871.866867 = المسافرين وقصرها، برقم (746).

الجزء: 1 - الصفحة: 381

قال الشيخ - رضي الله عنه -: التنفل في البيت فذًّا أو مع الأهل أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاتُكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ" (1). فجعل كتمان التطوع أفضل من صلاتِهِ له في مسجده، وإن كانت الصلاة فيه بألف صلاة، وقياسًا على الصدقات في قول الله سبحانه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
. . الآية (2) [البقرة: 271]. وقال مالك: النافلة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - للغرباء أحب إليَّ من صلاتهم في بيوتهم (3).

فصل [في كراهة التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس]

وكره مالك التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس 875. وأوقات الصلوات خمسة: وقت فريضة مع الاختيار، ووقت ضرورة، ووقت مع 876 النسيان، ووقت صلاة سنة، ووقت صلاة نافلة.
وقد مضى في872873874

الجزء: 1 - الصفحة: 382

أول الكتاب وقت الفريضة مع الاختيار، ووقت الضرورة للحائض والصبي يحتلم، والمغمى عليه.
وقال مالك في كتاب الصلاة الثاني في المنسية: إن وقتها حين يذكرها في 877 أي وقت كان من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند 878 غروبها 879. ووقت السنن مختلف في الوتر وركعتي الفجر على أحد القولين أنها سنة 880، ووقت صلاة العيدين والخسوف وسجود القرآن والاستسقاء: فوقت الوتر أوله إذا صلى العشاء، وآخره ما لم يطلع الفجر، هذا مع الاختيار.
واختلف إذا طلع الفجر 881 هل ذهب الوقت أم لا؟ وذلك يذكر في كتاب الصلاة الثاني.
ووقت ركعتي الفجر إذا طلع الفجر، وآخره ما لم يُصَلِّ الصبحَ، فإن صُلِّيَتْ في أول الوقت أو آخره لم تصليا 882 وإن كان قادرًا على أن يأتي بهما قبل طلوع الشمس.
ووقت العيدين أوله أن ترتفع الشمس عن الطلوع قيد 883 رمح من رماح الأعراب، وآخره ما لم تزل الشمس، فإن زالت لم تصل 884.

الجزء: 1 - الصفحة: 383

واختلف في الخسوف فقيل: كالعيدين إن خسف بها في مثل ذلك الوقت صليت، وإن زالت الشمس لم تصل.
وقيل: تصلى في وقت صلاة.
يريد: ما لم تصفر الشمس.
وقيل: تصلى وإن اصفرت الشمس 885؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهَا 886 فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" 887. فأطلق.
واختلف في سجود القرآن، فقال في الكتاب: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس 888. وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر.
وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر.
وقال في الاستسقاء: ذلك ضحى.
يريد: ما لم تزل الشمس.
وقال في العتبية: لا بأس بذلك بعد الصبح وبعد العصر 889. واختلف في الصلاة على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح وعند غروب الشمس.
وبيان 890

الجزء: 1 - الصفحة: 384

ذلك في كتاب الجنائز.

فصل [في الأوقات التي لا يجوز فيها التنفل]

التنفل في الليل جائز ما خلا ثلاثًا: بعد غروب الشمس، وبعد طلوع الفجر وقبل الصلاة، وبعد صلاة الفجر، إلى أن تبرز الشمس، على اختلاف في هذه الثلاثة مواضع.
ويجوز التنفل في النهار كله ما خلا أربعًا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب.
ولا خلاف في هذين، وإذا استوت الشمس حتى ترتفع، وبعد العصر حتى تدنو للغروب، على اختلاف في هذين الوقتين.
فأما المغرب والصبح فيكره التنفل قبلهما؛ لأن الصلاة لهما أول الوقت أفضل، وقد قيل في المغرب: إن لها وقتًا واحدًا، وهو حين تغرب الشمس.
وقيل: لها وقتان.
وأجمعوا على أن أول الوقت في المغرب أفضل، وليس يشتغل بالتنفل حينئذ ويترك فضيلة أول 891 الوقت إن كان ممن يصلي فذًّا، وإن كانت جماعة لم يترك فضيلة أول الوقت والجماعة ويتنفل.
وكذلك الصبح فضيلتها 892 أول الوقت أفضل من التنفل حينئذ، وإن صليت جماعة كان ذلك أبين؛ لأنه لا 893 يترك فضيلة الوقت وفضل الجماعة ويشتغل بالتنفل.
واستحب ذلك لمن فاته حزبه من الليل، ولا بأس بذلك بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 385

غروب الشمس إلى أن تقام الصلاة، وكذلك بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة أيضًا، وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ" قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: "لِمَنْ شَاءَ" 894. يريد: بين الأذان والإقامة.
وفي حديث آخر قال: "صَلُّوا صَلاَةً قَبْلَ صَلاَةِ المَغْرِبِ" 895. وقال عقبة بن عامر الجهني: "كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 896. وأما التنفل بعد صلاة الصبح فالمذهب على منعه؛ لظاهر الحديث.
وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في الطائف حينئذ: لا بأس أن يركع ما لم يسفر.
وقول مالك أنه يؤخر الركوع حتى تطلع الشمس.
فأجاز في القول الأول الركوع للطواف حينئذ؛ لأن صلاة الفجر تجوز على اختيارٍ بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس، وهو بمنزلة صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، حَتَّى لَقِيَ اللهَ -عز وجل-" 897. وأما الصلاة إذا استوت الشمس، فقال مالك في المدونة: ما أدركت أهل

الجزء: 1 - الصفحة: 386

الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون ويصلون نصف النهار 898. وقال في المبسوط: وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة نصف النهار، وليس بمجتمع عليه، وأنا لا أنهى عن الصلاة نصف النهار يوم الجمعة للذي أدركت عليه الناس، ولست أحبها؛ للذي بلغني من النهي فيها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يريد: حديثه في الموطأ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فارقها"، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عَنِ الصَّلاَةِ فِى تِلْكَ السَّاعَاتِ" 899. وفي كتاب مسلم من طريق عقبة بن عامر الجهني نحوه 900. وذهب قوم إلى أنه لا تكره الصلاة إلا في ساعتين؛ عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب.
واحتجوا في ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا" 901. وذكر محمد بن جرير الطبري أن ممن أخذ بذلك: بلال، وعبد الله بن

الجزء: 1 - الصفحة: 387

مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وذُكر عن علي وأبي أيوب الأنصاري وتميم الداري وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يصلون ركعتين بعد العصر، وعن ابن عمر أنه كان يصلي بعد صلاة الفجر، وعن عمر بن الخطاب أنه نهى تميمًا الداري عن الصلاة بعد العصر، فقال له تميم: صليتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له عمر: ليس من أجلكم أنهى أيها الرهط، ولكني أخاف من قوم يأتون بعدكم يصلون بعد العصر إلى المغرب حتى يمر بالساعات التي نهي عنها 902. وذكر عنه أيضًا فيما كان يضرب عليه الناس أنهم كانوا يؤخرون العصر، فإذا قيل لهم قالوا: كنا نصلي ركعتين.
فحمل 903 الحديث في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر أن ذلك حماية؛ لئلا يأتوا بها عند الغروب، أو يعتل 904 الآخرون بها في تأخير العصر.
وذكر عن طاووس وعمرو بن ميمون وشريح ومسروق والأسود أنهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين.
وقد قيل فيمن قرب إلى 905 القتل بعد العصر أن له أن يصلي حينئذ ركعتن، ولو كان ممنوعًا لما جاز أن يتقرب إلى الله سبحانه حينئذ بما لا يجوز، وكل هؤلاء فضلاء 906.

الجزء: 1 - الصفحة: 388

فصل [فيمن شرع في النفل ثم قطعه]

من افتتح نفلًا ثم قطعه متعمدًا قضاه، وإن غلب عليه بحدث أو غيره - لم يقضه إذا لم يكن نذره، فأما إن كان منذورًا مضمونًا قضاه، ويختلف إذا كان منذورًا معينًا في ساعة بعينها فغلب على الصلاة حتى خرج ذلك الوقت؛ قياسًا على من نذر صيام يومٍ بعينه، وإن نسيه (1) حتى خرج الوقت قضاه، واختلف فيه أيضًا.

فصل [فيمن أتى المسجد]

ومن أتى المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس 908. وقال أبو مصعب: إلا أن يكثر اختلافه لحوائجه فيجزئه ركوعه أول ما يدخل.
ومن مر مجتازًا لحاجة فلا بأس أن يمر ولا يركع 909، وكره ذلك زيد بن ثابت أن يمر ولا يركع.
ويكره أن يكثر المرور في المسجد لحوائجه.907

الجزء: 1 - الصفحة: 389

باب في صلاة الصبيان وأدبهم عليها ومتى يفرق بينهم في المضاجع

قال مالك: يؤمر الصبي بالصلاة إذا أثغر 910. واختلف في الوقت الذي يؤدب فيه على تركها ومتى يفرق بينهم في المضاجع وهل ذلك إذا أمروا بالصلاة أو حين يبلغون عشر سنين؟! فقال مالك في العتبية: إذا أثغر الصبي أمر بالصلاة وأدب عليها 911. وقال ابن القاسم: وحينئذ يفرق بينهم في المضاجع 912. وروى ابن وهب في ذلك حديثًا؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجعِ" 913. وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين لم يتجرد أحد منهم مع أحد أبويه ولا مع إخوته ولا مع غيرهم، إلا أن يكون مع كل واحد منهم ثوب 914. وليس هذا بحسن، وأرى أن يفرق بينهم جملة واحدة 915، وسواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، أو ذكرانًا وإناثًا، فإن عمل بذلك لسبع فحسن، وإن أخر

الجزء: 1 - الصفحة: 390

لعشر فواسع.
وأما العقوبة فبعد عشر.
وكره فضيل وسفيان أن يضرب عليها وقالا 916: أرشه عليها.
وهذا حسن لمن يقدر على ذلك، فإن كان ممن لا يقدر 917 أو لم يفعل بعد أن أرشي ضرب عليها؛ وهذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - حماية؛ لئلا يبلغ على التهاون بترك الصلاة، فأمر أن يُمَرَّن 918 عليها ولا يبلغ إلا وقد ألفتها طباعه؛ ولأن فيه تنبيهًا لهم على الألوهية وانقيادًا إلى الطاعات، وأن له معبودًا سبحانه وتعالى، فلا يأتيه البلوغ إلا وقد خامر ذلك قلبه وطباعه.

الجزء: 1 - الصفحة: 391

باب في القنوت

القنوت مستحب وليس بسنة، فمن نسيه لم يسجد له 919، ومن تركه عامدًا لم يُعِدْ في وقت ولا غيره.
وقال ابن سحنون: القنوت سنة.
قال: والقياس أن فيه السهو 920. وكذلك قال الحسن وغيره.
وقال علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته.
والقول الأول أحسن؛ لأن مضمون القنوت الدعاء، يدعو به لنفسه، فأشبه الدعاء في السجود وبعد التشهد؛ لأن كل ذلك يختص بحق الآدميين، ففارق ما يختص به حق الله -عز وجل- من الركوع والسجود.
وليس للقنوت دعاء مخصوص، وله أن يدعو بما أحب من أمر دنياه وأخراه.
والقنوت في الركعة الثانية من صلاة الصبح، وهو بالخيار بين أن يأتي به قبل الركوع أو بعده، ويستحب أن يأتي به قبل 921. وقال مالك في سماع أشهب فيمن فاتته الأولى من الصبح فقضاها: إنه لا يقنت فيها 922. يريد: لأنه يقنت في الآخرة عند قنوت الإمام.
ولو أدركه في الثانية راكعًا ثم قضى الأولى لم يقنت، وإن قنت فواسع؛ لأن الدعاء بعد الفراغ من القراءة في كل الصلوات واسع.

الجزء: 1 - الصفحة: 392

باب في الكلام في الصلاة والنفخ والتنحنح، وهل يسبح للأمر ينزل به. أو يكلم رجلًا أو يجاوبه بشيء من القرآن، أو يفتح على من تَعَايَا في قراءته، أو يُشَمِّت العاطس، والضحك في الصلاة

الكلام في الصلاة على سبعة أوجه: سهو، وعمد -ساهيًا أنه في الصلاة- فلا تفسد بذلك صلاته.
وعامد ذكر أنه في صلاة، وعالم أن ذلك لا يجوز- فتفسد صلاته.
وجاهل يظن أن ذلك جائز، فاختلف فيه، فقيل: تبطل صلاته لأنه متعمد، وقيل: تصح لأنه متأول، ولم يقصد انتهاك حرمة الصلاة.
وعامد مأموم تكلم لإصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه، فاختلف فيه فقال مالك وابن القاسم: لا تبطل صلاته.
وقال المغيرة: لا تجوز، فإن فعل بطلت وعامد تكلم لإنقاذ مسلم؛ لئلا يقع في مهلكة، أو ما أشبه ذلك - فذلك واجب عليه، ويستأنف الصلاة؛ لأنه لم يتكلم لإصلاح صلاته 923 إلا أن يكون في خناق من الوقت فلا تبطل ويكون كالمسايف في الحرب؛ لأن هذا تكلم لإحياء نفس وكذلك العدو.
وإن خاف تلف ماله أو مال غيره وكان كثيرًا - تكلم واستأنف، وإن كان يسيرًا لم يتكلم، فإن فعل بطلت 924 صلاته.

الجزء: 1 - الصفحة: 393

وقال سحنون في الإمام يخاف على صبي أو أعمى أن يقع في بئر، أو ذكر متاعًا له خلفه خاف عليه التلف: أن له أن يخرج لذلك ويستخلف 925. وعلى قول أشهب: يستخلف 926 إن لم يبعد 927 أحد من هؤلاء بنى على ما صلى وأجزأه.
قياسًا على أصله إذا خرج لغسل دمٍ رآه في ثوبه، أو لقيء 928. قال: أحب إلي أن يستأنف، وإن بنى أجزأه.
قاسه بالراعف.
واختلف فيمن ظن أنه رعف أو أحدث فخرج ثم تبين له أنه 929 لم يصبه ذلك: هل يبني؟ وإن كان إمامًا هل يفسد 930 عليهم؟ فقال مالك: يبتدئ الصلاة ولا يبني 931. وظاهر قول ابن القاسم أنه إن كان إمامًا لم يفسد؛ لأنه لم يتعمد.
قال سحنون في المجموعة: لأنه خرج بما يجوز له، ويبتدئ الصلاة خلف الذي استخلفه.
وقال في كتاب ابنه: أبطل عليهم؛ لأنه يستطيع أن يعلم ما خرج منه 932 قبل أن يخرج من المحراب، إلا أن يكون في ليل مظلم.
وقال محمد بن عبد الحكم: يبني ولا يبطل على من خلفه؛ بمنزلة من ظن

الجزء: 1 - الصفحة: 394

أنه سلم فخرج ثم عاد فسلم.
وهو أقيس؛ لحديث ذي اليدين أنه خرج - صلى الله عليه وسلم - وهو يظن أنه أتم، فتكلم ثم بنى 933. واختلف فيمن تنحنح مختارًا أو نفخ أو جاوب إنسانًا بالتسبيح 934 أو بآية من القرآن أو فتح على من ليس معه في صلاة، فقال مالك في النفخ: أراه بمنزلة الكلام 935. وقال في المجموعة: أكرهه، ولا يقطع الصلاة 936. وقال أيضًا: إذا تنحنح يُسْمِعُ إنسانًا فلا شيء عليه 937. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: ذلك كلام؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] وأخذ الأبهري بالقول الأول؛ قال: لأنه ليس له حروف هجاء 938. والقول: إن الصلاة صحيحة إذا تنحنح أو نفخ أحسن، وليس هذا من الكلام المراد بالنهي.

الجزء: 1 - الصفحة: 395

وقال مالك فيمن اضطره أنين من وجع: لم تفسد صلاته.
وإذا سها الإمام سبح به 939 من خلفه من الرجال.
واختلف في المرأة هل تسبح به كالرجل أو تصفق ولا تسبح، فقال في الكتاب: تسبح 940. وقيل: تصفق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ" أخرجه البخاري 941. ولا يضعف هذا بقوله: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ".
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في البيان على 942 التسبيح خاصة، بل قال: "وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ".
وعلق ذلك بما ينوب في الصلاة؛ ولأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، وإنما تكلم الناس هل ينسخ أوله بآخره، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن كلام المرأة فيه شيء، وإذا كانت مندوحة عن ذلك لم تتكلم 943، والتصفيق يبلغ من ذلك ما يبلغ التسبيح؛ لأن التسبيح من الرجال لا يفهم الحادث ما هو 944، وإنما يفهم منه أنه دخل عليه شيء في صلاته، والتصفيق يفهم منه ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 396

ولا بأس على من استؤذن عليه وهو في الصلاة أن يسبح ليعلمه أنه في الصلاة.
وقال ابن حبيب: وما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من الذكر والقراءة فيجوز أن يراجع 945 بذلك رجلًا أو يوقفه؛ وقد استأذن رجل على ابن مسعود وهو في الصلاة فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] 946. ويجري فيها قول آخر؛ أن الصلاة تبطل قياسًا على أحد القولين فيمن فتح بالقرآن على من ليس معه في الصلاة؛ ولأن الحديث: "مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاَتهِ" أنه كان فيما يتعلق بالصلاة؛ "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلي بالناس فسبحوا به فالتفت أبو بكر، ثم تأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -. . ." الحديث 947. وأجاز ابن القاسم في المدونة أن يسلم على المصلي 948. وقال ابن وهب عن مالك في المبسوط: لم يكن يعجبه أن يسلم على المصلي.
وأجاز في المدونة إذا سلم على المصلي أن يرد إشارة 949. وقال ابن القاسم في المدونة فيمن كان في صلاة وبين يديه كتاب فجعل

الجزء: 1 - الصفحة: 397

يقرؤه، قال: إن كان عامدًا ابتدأ الصلاة، وإن كان ساهيًا (1) سجد للسهو (2). يريد: أنه نطق بالقراءة، ولو قرأ في نفسه لم تبطل صلاته وإن كان عامدًا، إلا أن يطيل ذلك.
وإن كان فيه قرآن لم يكن عليه شيء وإن نطق وهو عامد.

فصل [في قراءة الإمام، وجواز الفتح عليه]

وإذا تعايا المصلي في أول 952 قراءته، لم يفتح عليه في أول ذلك، حتى يتردد أو يستطعم الفتح 953، وهو المخير بين أن يترك تلك السورة وينتقل إلى غيرها أو يركع، إذا كان ذلك في غير أم القرآن، أو يستطعم ذلك الفتح فيفتح عليه، ثم هو في جواز الفتح ومنعه على وجهين: فيجوز إذا كانا جميعًا في صلاة واحدة.
ويجوز لمن هو في غير صلاة أن يفتح على من هو في صلاة.
ولا يفتح من هو في صلاة على من هو في غير صلاة، أو في صلاة وليس بإمام له.
واختلف إذا فعل ذلك، فقال ابن القاسم في المجموعة وسحنون في كتاب ابنه: تفسد صلاته.
قال سحنون: يعيد وإن خرج الوقت 954. وقال أشهب في مدونته وعبد الملك بن حبيب في الواضحة: قد أساء ولا950951

الجزء: 1 - الصفحة: 398

تفسد عليه (1) صلاته.
قال أشهب: وقد يجوز به الرجل فيسبح به ليدعوه.
قال ابن حبيب: لأنه قرآن تكلم به (2).

فصل [في أنواع الضحك أثناء الصلاة]

الضحك في الصلاة على وجهين: بغير صوت، وهو الذي يعبر عنه بالتبسم، وبصوت.
فإن كان بغير صوت لم يُفسِد الصلاة؛ وإن كان ذلك تعمدًا.
واختلف في السجود 957، فظاهر قول مالك في المدونة 958 لا شيء عليه 959، وهو قول ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وقال مالك في العتبية: يسجد قبل السلام 960. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: يسجد بعد السلام.
وهو قول سحنون 961. وأرى أن يسجد قبل 962؛ لأن ذلك وَصم 963 في صلاته بمنزلة النقص إذا اشتغل حينئذٍ بما ليس هو فيه، وإن كان قهقة متعمدًا أبطل، فذًّا كان أو مأمومًا955956

الجزء: 1 - الصفحة: 399

أو إمامًا؛ لأنه كلام.
واختلف إذا كان مغلوبًا فقيل: يقطع إذا كان وحده، وإن كان مأمومًا 964 مضى وأعاد، وإن كان إمامًا فقال ابن القاسم في العتيبة: يستخلف من يتم بالقوم ويتم هو معهم ثم يعيدون إذا فرغوا 965. واختلف في الناسي أنه في صلاة، فقال ابن القاسم: ليس بمنزلة الكلام.
وجعل 966 الجواب فيه في كتاب محمد؛ كالمغلوب إن كان وحده قطع، وإن كان مأمومًا مضى وأعاد، وإن كان إمامًا استخلف، وأعاد مأمومًا وأعاد جميعهم 967. وقال أشهب في مدونته: هو كالكلام يمضي وإن كان فذًّا وتجزئه الصلاة.
وإليه ذهب محمد.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الضحك يقطع الصلاة 968. يريد: أنهم فرقوا بينه وبين الكلام؛ لأن فيه أمرًا زائدًا على الكلام، وهو قلة الوقار، وفيه ضرب من اللعب.

الجزء: 1 - الصفحة: 400

باب في اختلاف نية الإمام والمأموم ومن دخل ينوي صلاة فتبين أن الإمام في غيرها، أو لم يدر 969 صلاة إمامه وكان حكمه إذا صلى 970 فذًّا غيرها، ومن دخل في الصلاة على نية الإمام وهو لا يدري في أي صلاة هو، ومن سلم من ركعتين

اختلاف نية الإمام والمأموم تكون لأربعة أوجه: أحدها: أن تكون في فرضين أحدهما في ظهر والآخر في عصر.
والآخر: أن ينوي المأموم الخميس ويتبين أن الإمام في الجمعة، أو ينوي الجمعة والإمام في الخميس.
والثالث: أن تكون ظهرًا لهما إلا أن أحدهما حضري والآخر سفري.
والرابع: أن يحرم وهو يرى أنه في أول ركعة من الجمعة، فيتبين أنه في آخرها، ولم يدرك إلا سجودها.
وأي ذلك كان - فإن صلاة الإمام ماضية على ما نوى.
وإنما يفترق الجواب في المأموم، فإن نوى الظهر فتبين أن الإمام في العصر أو نوى العصر فتبين أن الإمام في الظهر- أعاد المأموم، ولم تجزئه الصلاة.
ويجري فيها قول آخر أنه يعيدها ما لم يذهب الوقت، فإن خرج الوقت لم يعد؛ للاختلاف في ذلك، ومراعاةً لمن قال: إنه يجوز أن يصلي مفترض خلف متنفل، وما جاء في ذلك عن معاذ أنه كان يصلي مأمومًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يؤم قومه 971، وقد راعى مالك وابن القاسم مثل ذلك أنه إذا فات مضى لقول قائل.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

وقال مالك فيمن أحرم ينوي الجمعة ثم تبين أن الإمام في الظهر يوم الخميس 972: إنه تجزئه صلاته، وإن أحرم ينوي الظهر يظنها يوم الخميس ثم علم أنه في الجمعة لم تجزئه 973. وقال في السليمانية: تجزئه الصلاة والإعادة أحوط.
وقال أشهب في السؤال الأول: لا تجزئه الصلاة 974. وقد تقدم الاختلاف في هذا الأصل فيمن رعف مع الإمام يوم الجمعة قبل عقد ركعة، ثم سلم الإمام، هل يتم على ذلك الإحرام الظهر أربعًا وإن كانت نيته لركعتين؟ 975 واختلف أيضًا في المسافر يدخل خلف رجل يظن أنه سفري ثم يتبين أنه حضري فيتم أربعًا 976: هل تجزئه الصلاة؟ وإن كان على رجلين ظهران، فإن كانا من يومين لم يأتم أحدهما بالآخر 977. ويختلف إذا فعل هل تجزئ المأموم، وإن كانا من يوم واحد جاز أن يأتم أحدهما بالآخر.
وإن كان على أحدهما ظهر حضري والآخر سفري - فإن تقدم السفري سلم من ركعتين وأتم الحضري.
= فصلى، من كتاب الجماعة والإمامة في صحيحه، برقم (668)، ومسلم: 1/ 339، في باب القراءة في العشاء، من كتاب الصلاة، برقم (465).

الجزء: 1 - الصفحة: 402

واختلف إذا تقدم الحضري هل يتم السفري خلفه أو يسلم من ركعتين؟ وإن أدرك المسافر الإمام جالسًا يظنه في الجلسة الأولى من الظهر، ثم تبين أنه في الجلسة الأخيرة - جاز له أن يبني على ذلك الإحرام ركعتين، وفيه اختلاف.
وأجاز أشهب في "كتاب محمد" أن يدخل على نية الإمام وإن لم يعلم في أي صلاة هو، فقال فيمن صلى مع إمام وهو لا يدري أهو يوم الجمعة أو يوم الخميس: يجزئه ما صادف من ذلك، وإن دخل على إحداهما فصادف الأخرى لم تجزئه 978. والأصل في ذلك: حديث أبي موسى أنه أحرم وأهل بالتلبية ثم قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة في حجة الوداع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بِمَ أَهْلَلْتَ.
فَقَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنْتَ" 979. وقدم علي من ميقاته 980، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فقال له: بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لَهُ: أَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا.
. ." الحديث 981.

الجزء: 1 - الصفحة: 403

فصل [فيمن التفت وتكلم بعد أن سلم من ركعتين ساهيًا]

وقال مالك فيمن سلم من ركعتين ساهيًا ثم التفت وتكلم: إن تباعد استأنف، وإن كان خفيفًا رجع وبنى.
قال: وقد رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بنى بتكبير 982. واختلف في هذه المسألة في موضعين: أحدهما: إذا لم يكبر هل تفسد صلاته؟ والثاني: هل يرجع إلى الجلوس؟ فقال ابن القاسم 983: إذا رجع لم يجلس، وإن لم يكبر أفسد عليه وعلى من خلفه.
وقال القنازعي: إن لم يكبر أجزأه.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: رأيت لبعض أصحابنا أنه يكبر ثم يجلس ثم يقوم للبناء 984. قال: وأرى أنه إن لم يعمل بعد السلام شيئًا من قيام أو كلام أو استدبار قبلة، لم يكبر، وإن عمل شيئًا من ذلك أحرم، فإن لم يحرم بطلت عليه صلاته.
قال الشيخ -رحمه الله-: الأصل في هذا حديث ذي اليدين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين ثم قام من موضعه وتكلم ثم أتم 985، ومفهوم الحديث أنه لم يجلس؛ لأنه قال: رجع فصلى ركعتين، وأحال السامع على المعهود ممن يصلي ركعتين، ولم يقل: جلس.
والمفهوم من هذا أنه استفتح ركعتين حسب العادة.
وأما

الجزء: 1 - الصفحة: 404

تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحتمل أن يكون نوى به الإحرام، ويحتمل أن يكون أراد التكبيرة التي يأتي 986 بها إذا استوى قائمًا من اثنتين، وإذا احتمل الوجهين جميعًا 987 وكان في حكم الصلاة كان التكبير استحسانًا 988.

الجزء: 1 - الصفحة: 405

باب في صفوف المصلين والتراص في الصف

ويبتدئ الصف من خلف الإمام ثم عن يمينه وشماله حتى يتمّ الصف الأول.
ولا يبتدئ بالثاني قبل تمام الأول، ولا بالثالث قبل تمام الثاني، وهذا الذي يقتضيه قول مالك في كتاب ابن حبيب، وهو أحسن من قوله في المدونة 989؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ تَصُفُّونَ كَما تَصُفُّ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟! ثُمَّ قَالَ: يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ وَيَتَرَاصُّونَ" أخرجه مسلم 990. وإذا جاء 991 رجل وقد تم الصف، فإن وجد مدخلًا من غير ضرورة فعل، وإن لم يجد صلى وحده، ولم يَجُرَّ 992 إليه أحدًا من الصف.
قال ابن حبيب: وأرخص مالك للعالم إذا كان مجلسه في مؤخر المسجد أو وسطه أن يصلي في موضعه مع أصحابه وإن تقدمتهم الصفوف 993. وينبغي للمصلين أن يعتدلوا في الصفوف ويتحاذوا بالمناكب؛ لحديث ابن مسعود قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: اسْتَوُوا، وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنُّهَى" 994. واختلف في الصلاة في الصف بين الأساطين، فأجاز ذلك في المدونة إذا ضاق المسجد للضرورة 995، وأجازها في المبسوط اختيارًا.
وقال في

الجزء: 1 - الصفحة: 406

الصلاة 996 في الصف بين السواري: لم يزل ذلك يعمل به عندنا، ولم أسمع أحدًا أنكره ولا كرهه.
والأول أحسن، ولا أرى الصلاة هناك لفذ ولا لجماعة، فأما الفذ فلبعده من القبلة، وذلك خلاف السنة.
وأما الجماعة فلأنه خلاف الحديث في التراصّ والمحاذاة بالمناكب، وإن كانت ضرورة بسط شيئًا يصلي عليه؛ لأنه موضع يلقي الناس فيه نعالهم، ولا يؤمن منه النجاسة.

الجزء: 1 - الصفحة: 407

باب في بناء المساجد وصفة بنائها وتعظيم حرمتها وما يجب أن تنزه عنه

المساجد بيوت الله في أرضه، أسست على التقوى ليتقرب إليه فيها بالطاعات، ذكرها الله في غير موضع من كتابه، وعَظَّمَ قدرها فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]، وحضَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بنائها فقال: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ".
أخرجه البخاري ومسلم 997. ونهى أن يتباهى في بنائها وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ" 998. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُزَخْرَفَ المسَاجِدُ كَأَنَّهَا البِيَعُ والكنائِسُ" 999. وقال مالك: كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزاويق؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم 1000. وأرى أن يزال كل ما كان يشغل عن الصلاة وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 408

عظم ما كان أنفق فيه.
وبناء المساجد على وجهين: واجب، ومندوب إليه.
فيجب في كل بلد أو قرية لا مسجد فيها؛ ليجتمع الناس إليه للصلاة، ولا يجوز أن يتمالأ على ترك الجماعة؛ لأن في ذلك تضييعًا للصلوات، وإن كان يجب على مثلهم الجمعة فذلك أَبْيَنُ.
وإن كان البلد واسعًا وشق على من بَعُدَ مِنَ الجامع الوصول إليه - كان بناء المسجد في تلك المحلة مندوبًا إليه؛ لأن إقامة الجماعة ليست على الأعيان، وذلك سنة أو فرض على الكفاية، وذلك يسقط بناء الجامع.
وتُعَظَّمُ حرمتها وَتجنَّبُ النجاسات والأقذار واللعب والصبيان والمجانين ورفع الأصوات والخصوم والخوض في الباطل 1001 والبيع والشراء.
ولا تسلُّ فيه السيوف، ولا تنشد فيه ضالة إلا أن يجلس إلى قوم فيسألهم، وقد تقدم ذكر دخول الجنب والحائض.
وفي مختصر ما ليس في المختصر قال: ويجب على من رأى في ثوبه دمًا كثيرًا في الصلاة أن يخرج عن المسجد ولا يخلعه فيه.
قال: وقد قيل: يخلعه فيه 1002 ويتركه بين يديه وَيُخَمِّرُ الدم، أي: يغطيه.
ولا يبصق في جدار المسجد ولا على ظهر الحصباء ولا على الحصير، ولا بأس بذلك إذا واراه أو كان تحت الحصير، وينبغي أن يخلق، ويجمر؛ للحديث 1003. ويجنب الروائح المكروهة.

الجزء: 1 - الصفحة: 409

ومن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أخرج من المسجد؛ لِحَقِّ المسجد والمصلين والملائكة.
فحقُّ المسجد لقول الله -عز وجل-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] وحق المصلين لقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد وجد ريح ثومٍ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِهِ" 1004. وحق الملائكة لحديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَكلَ مِنْ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ وَالثُّومِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" أخرجه مسلم 1005. ولا يجوز حدث الريح فيه، وإن كان مخليًا؛ لحرمة المسجد والملائكة، ولحديث أبي هريرة: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ المَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لم يُحْدِثْ.
قِيلَ: وَمَا الحدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاط" 1006. ولا ينام في المسجد لهذا المعنى إلا لضرورة، قال مالك: للضيف أو لمن لا

الجزء: 1 - الصفحة: 410

بيت له 1007. ومحمل ما كان من النوم اختيارًا قبل هذه الأحاديث.
وكذلك ما روي من لعب الحبش في العيد في المسجد 1008 فمنسوخ بالآية وبالحديث.
قال مالك: ولا تقتل في المسجد قملة ولا يلقيها فيه حية، وأما البراغيث فإنها من دواب الأرض فلا بأس أن تطرح فيه حية 1009. وقال أيضًا: أكره 1010 قتل ما كثر من القمل والبراغيث، وأستخف ما قل من ذلك 1011. ويجوز قتل العقرب والفأرة في المسجد لأذاهما، ولأنه يجوز للحل قتلهما في الحرم وفي المسجد الحرام 1012 ويجوز قتلهما لمن كان في الصلاة، وقتل الغراب والحدأة في الصلاة أثقل، وإن فعل لم تفسد الصلاة، وفي كتاب مسلم عن ابن عمر قال: "أَخْبَرَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الكَلْب العَقُورِ وَالفَأرَةِ وَالعَقْرَبِ وَالغُرَابِ وَالحِدَأَةِ وَالحَيَّةِ.
قَالَ: وَفِي الصَّلاَةِ أَيْضًا" 1013.

الجزء: 1 - الصفحة: 411

باب في حكم من ترك الصلاة

تارك الصلاة ثلاثة 1014:

  • جاحدٌ لها.
  • ومقرٌّ بها، ويقول: لا أصليها.
  • ومقر بها ويقول: أصلي، ولا يفعل.
    فحكم الأولين القتل 1015، واختلف في الثالث إذا لم يصلّ؛ فقيل: يقتل.
    وقال ابن حبيب: يبالغ في عقوبته حتى تظهر توبته.
    ولم يجعل في ذلك قتلًا.
    وإذا كان الحكم القتل فإنه يختلف في الاستتابة، وفي الوقت الذي يقتل فيه.
    فأما الجاحد لها فقيل: يقتل مكانه.
    وقيل: يستتاب بثلاثة أيام.
    قال الشيخ -رحمه الله-: هو مرتد، وقد اختلف في استتابة المرتد، وهل ذلك واجب أو مستحب، وهل يقتل بالحضرة أو يؤخر ثلاثة أيام؟ فحكى ابن القصار عن مالك في تأخيره ثلاثة أيام روايتين: هل ذلك واجب أو مستحب، ورأى 1016 تأخيره ثلاثة أيام واجبًا، والاستتابة، وهو أن يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام، والاعتراف بوجوجها على وجهين: واجب، ومستحسن 1017. فمن كان يعرف أن له التوبة وأن رجوعه مقبول - كانت الاستتابة استحسانًا، ومن كان يجهل ذلك - كان عليه إعلامه أن ذلك مقبول منه واجبًا.
    فإذا أُعْلِمَ مرة كانت

الجزء: 1 - الصفحة: 412

الاستتابة بعد ذلك بأن يقال له: تب وارجع استحسانًا 1018؛ لأنها من باب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال 1019، فهي واجبة فيمن لم تبلغه الدعوة 1020، ومستحبة فيمن بلغته وهذا عالم بما يراد منه، وعلى مَا يقتل.
والأصل في ذلك: حديث ثمامة، كان أسيرًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخّره ثلاثة أيام، فكان يعرض عليه في ذلك الإسلام 1021. والكافر مخاطب بالدخول في الإسلام الآن، عاصٍ في تأخيره ثلاثة أيام، فأخّره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد كونه أسيرًا والقدرة على قتله الآن رجاء أن ينقذه الله من النار.
وإذا جاز ذلك في الكافر ابتداءً جاز ذلك في المرتد؛ رجاء أن يهديه الله -عز وجل- ويعود إلى الإقرار بالإيمان والصلاة.
واختلف إذا كان مقرًّا بالصلاة، فقال مالك في العتبية: يقال له: صل.
فإن صلى وإلا قتل.
وإن قال: لا أصلي.
استتيب، فإن صلى وإلا قتل 1022. وفرق بين الموضعين.
وقال 1023 أيضًا: لا يؤخر إذا قال: لا أصلي، بخلاف الجاحد؛ لأن المقر بها مخاطب بفعلها، ولها وقت لا تؤخر عنه، والجاحد كافر مخاطب بالإيمان بها لا بالصلاة، فإن أقر بفرضها فحينئذ يخاطب بفعلها.

الجزء: 1 - الصفحة: 413

والقول إنه يستتاب أحسن؛ لأن كليهما مخاطب، إلا أن هذا - بالإيمان بها، وهذا بالصلاة، وكلاهما عاص في تأخير ذلك، فإذا جاز أن يؤخر هذا لحرمة القتل؛ رجاء أن يعود إلى الإيمان - جاز تأخير الآخرة رجاء أن يتوب ويعود إلى الصلاة، ولا خلاف أن حرمة الإيمان أعظم من حرمة الصلاة، والكل حق لله -عز وجل-.
ولا وجه لقول عبد الملك إذا قال: أصلي 1024 ولا يفعل- إنه يعاقب، ولا يقتل.
ولا فرق بين أن يقول: لا أصلي أو أصلي ثم لا يفعل؛ لعدم الصلاة منهما جميعًا؛ ولقول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] يريد بالتوبة: الدخول في الإسلام، فأخبر أن القتل إنما يُرْفَعُ عنهم إذا أقاموا الصلاة، وهو الفعل ليس الإقرار بها، ولقول النبي - عليه السلام -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّيَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا" أخرجه البخاري ومسلم 1025. وهذا الحديث طابق القرآن أنه إنما يعصمه من إراقة دمه أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
وعلى القول: إنه تلزم الصلاة قبل خروج الوقت؛ فإن المراعى الوقت الضروري، فإن كان في العصر فإذا بقي لغروب الشمس مقدار الإحرام وركعة دون سجودها - لم يعجل عليه بالقتل قبل ذلك، ولا يراعى قدر القراءة

الجزء: 1 - الصفحة: 414

للاختلاف في القراءة في أول ركعة من الصلاة 1026 وهو يقرأ في الثلاث بعد، ولا قدر لسجودها على قول 1027 أشهب أن حمل الحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلاَةِ.
. ." 1028 أن المراد بذلك الركوع دون السجود، ومن قال: إن الصلاة سنة كان حكمه حكم من جحدها؛ لأن ذلك رد لكتاب الله -عز وجل-.

الجزء: 1 - الصفحة: 415

باب جامع في الصلاة

الصلاة تشتمل على ثلاثةٍ: فرائض، وسنن، وفضائل، واختلف في مواضع منها: أحدها: هل هو فرض أو فضيلة؟ والثاني: هل هو فرض أو سنة؟ والثالث: هل هو سنة أو فضيلة؟ والرابع: هل هو فضيلة أم لا؟ فالفرض شرط في صحة الصلاة لا تجزئ إلا به، فإن أخلّ به عمدًا بطل، وإن أخل به سهوًا أتى به وأجزأته الصلاة على الاختلاف في صفة الإتيان به.
وإن أخل بالسنة سهوًا أجزأته صلاته، ويأتي عن تلك السنة بسجود السهو.
واختلف إذا تعمد هل تصح الصلاة أم لا؟ وإن أخل بالفضيلة سهوًا أو عمدًا أجزأته الصلاة، ولا يأتي عن ذلك بسجود.
فمن فروضها تكبيرة الإحرام وتعيينها بالقول: "الله أكبر"، والقراءة وأنها تتعين بسورة الحمد، والقيام للقراءة، والركوع، والسجود، والجلسة الأخيرة قدر السلام، والسلام.
ومن فروضها وليس مما تشتمل عليه: النية، وكونها مقارنة للدخول أو مقاربة على القول الآخر، والتوجه إلى القبلة مع القدرة على ذلك.
واختلف في التكبير سوى تكبيرة الإحرام هل هو سنة أو فضيلة؟ وفي التسبيح في الصلاة، وفي السورة التي مع أم القرآن، هل هي فضيلة أو سنة؟

الجزء: 1 - الصفحة: 416

وفي التسبيح والتحميد لمن لا يحسن القراءة هل هو واجب أو مستحب؟ وفي الطمأنينة في الركوع والسجود هل هي فرض، ولا تجزئ الصلاة بعدهما، أو فضيلة فتجزئ الصلاة، ولا يأتي عنه بسجود؟ وفي الرفع من الركوع هل هو فرض أو سنة؟ واختلف بعد القول إنه فرض، هل الطمأنينة فيه فرض أو فضيلة.
والرفع بين السجدتين فرض؛ لأنه فصل بينهما، وإلا كانت سجدة.
واختلف في الجلسة بينهما هل هي فرض أو سنة.
واختلف بعد القول فيها إخها فرض: هل الطمأنينة فيها فرض؟ أو فضلية، والجلسة الأولى سنة، وقيل: فرض، ويجزئ فيها سجود السهو، والتشهد الأول سنة.
واختلف في التشهد الآخر هل هو فرض أو سنة؟ وفي الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هو فرض في الصلاة أم لا؟ وكل ذلك مبين في مواضعه في هذا الكتاب وفي الكتاب الثاني، وجمعت ذلك ها هنا ليكون أقرب لفهم القارئ.

فصل [فيما تشتمل عليه الصلاة من أقوال]

الصلاة تشتمل من القول على خمس: قراءة، وتكبيرة، وتسبيح، ودعاء، وحمد لله وثناء عليه، وصلاة على نبيه - عليه السلام -. فالقراءة يؤتى بها في القيام؛ خاصة في أول ركعة، ولا يقرأ في الركوع ولا في السجود؛ للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذلك 1029.

الجزء: 1 - الصفحة: 417

والتكبير يؤتى به للدخول في الصلاة، وللركوع دون الرفع منه، وعند السجود والرفع منه، وإذا قام من اثنتين.
والدعاء حسن في القيام بعد الفراغ من القراءة وفي السجود، وفي الجلوس بعد الفراغ من التشهد، وفي الرفع من الركوع، إلا أنه يختص بقوله: "سمع الله لمن حمده" ولا يؤتى به في الجلوس بين السجدتين، ولا يبتدأ به في الجلوس قبل التشهد.
واختلف هل يبتدأ به في القيام قبل القراءة؟ وقد تقدم ذلك في أول الكتاب.
واستحب مالك ألا يؤتى به في الركوع 1030، وأن يخلص الركوع لله سبحانه خاصة بالتعظيم والتسبيح، ثم يثني لنفسه بالدعاء إن أحب في السجود؛ ولأنه أقرب فيما يرجى من الإجابة، وليس الدعاء في الركوع بممنوع، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" 1031. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: يتأول القرآن.
يريد: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] السورة، وهذا دعاء في الركوع.
والثناء على الله والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بهما في الجلوس، ويبتدئ بالثناء على الله ويقول: "التَّحِيَّاتُ للهِ.
. ." 1032 إلى آخر التشهد، ثم يصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وفي = يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا".

الجزء: 1 - الصفحة: 418

مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي" 1033. وإذا رفع قال: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَملْءَ مَا بَيْنَهُما وَملْءَ مَاشِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ" 1034. وإذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" 1035. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّى، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" 1036. وقال في موضع آخر إنه كان يقول إذا رفع من الركوع: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَملْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُما وَملْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْد، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لمِا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" 1037. تم كتاب الصلاة الأول، والحمد لله رب العالمين 1038

الجزء: 1 - الصفحة: 419

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأول
الصلاة فرض بالقرآن والسنة والإجماعفصل أوقات الصلواتفصل [في قدر ما بين الأذان والصلاة]باب في صفة الأذان والمؤذن ووقت الأذانفصل [في وقت الأذان وما يشترط في المؤذن]فصل [في أقسام الأذان]فصل [في حكم الإقامة للصلاة]باب في التكبير للإحرام والتسبيح والدعاء قبل القراءة والتكبير بالعجمية وقراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾فصل [فيمن لا يحسن العربية كيف يفتتح الصلاة]فصل [فيما يلزم من لا يحسن القرآن]باب في تكبيرة الإحرامفصل [فيمن نوى الإحرام بتكبيرة الركوع، وفي الإمام ينسى تكبيرة الإحرام]فصل [في الشك يعرض للمصلي]باب في القراءة في الصلاةفصل الخلاف في وجوب الفاتحة في الكلِّ أو الجُلِّ على الإمام والفَذِّفصل الخلاف في السورة التي مع أم القرأن سُنَّة أو واجبة أو مستحبةفصل في التأمين بعد الفاتحةفصل في رفع اليدين في الصلاةباب فيمن جاء والإمام راكع: هل يركع في موضع إن خشي أن تفوته الركعة؟باب في الركوع والسجود وهيئتهما وما يفعل عندهما وفيهما من تكبير أو تسبيحٍ أو دعاءٍفصل في السجود على الجبهة والأنف جميعًافصل في صفة الجلوس بين السجدتينباب فيمن نعس خلف الإمام أو غفل عنه حتى ركع أو سجد ومن سبق إمامه بالتكبير أو الركوع أو السجود أو السلامفصل [في وجوب متابعة الإمام]باب في أداء (1) الصلوات (2) وما يلزم (3) المصلي في صلاتهباب في الصلاة على الثياب والبسط وغير ذلكباب في صلاة المريض والصلاة في المحملفصل [فيما يعرض للمريض يريد الصلاة]فصل [في الصلاة في المحمل]فصل النفل يشتمل على ما يشتمل عليه الفرضفصل في سقوط القيام على من خاف معاودة مرض إن قامفصل لا يشترط الاستقبال للخائف في الفرض ولا للمسافر في النفلباب في إمامة الجالسفصل في الإمام يصلي على أرفع مما عليه من خلفهباب في الإمامة في الصلاة ومقام المأمومين خلف الإمامفصل في إمامة الفاسقفصل الخلاف في إمامة الألكنفصل في إمامة من يلحنفصل في إمامة الصبيفصل في إمامة المرأةفصل في إمامة العبدفصل في إمامة ولد الزنا، والخصي [والأقطع، والأشل]فصل في مقام المأموم من الإمامباب في إعادة الصلاة في جماعة ومن كان في صلاة فأقيمت عليه تلك الصلاة أو غيرهافصل حكم من صلى فذًّا تم أعاد في الجماعة تم تبين أنه كان في إحداهما بلا وضوءفصل حكم من صلى ببيته ثم أتى المسجد فأقيمت تلك الصلاة فلا يتقدمهم فيهافصل [فيمن ابتدأ صلاة في المسجد، فأقيمت عليه تلك الصلاة]باب في المسجد تصلى فيه جماعتانباب في المواضع التي يصلى فيها وما تكره الصلاة فيه من ذلكباب في الصلاة إلى الكعبة وفيها، ومن يشكل عليه أمر القبلةفصل [فيمن كان بموضع عجز فيه عن تبين القبلة]فصل [في الصلاة في الكعبة وفوقها]فصل [فيما يسقط فرض استقبال القبلة]باب في وقت الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق ومن يحتلم أو يسلمفصل [فيما يعتبر من الركعة]باب في اللباس في الصلاةفصل [في هيئة لباس المرأة الحرة والأَمَة في الصلاة]فصل [في الرجل لا يجد الثوب يصلي فيه]باب في قضاء من فاتته بعض صلاة الإمامباب في صلاة النوافل والأوقات التي تصلى فيهافصل [في الجهر بالقراءة في النفل ليلًا]فصل [في كراهة التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس]فصل [في الأوقات التي لا يجوز فيها التنفل]فصل [فيمن شرع في النفل ثم قطعه]فصل [فيمن أتى المسجد]باب في صلاة الصبيان وأدبهم عليها ومتى يفرق بينهم في المضاجعباب في القنوتباب في الكلام في الصلاة والنفخ والتنحنح، وهل يسبح للأمر ينزل به. أو يكلم رجلًا أو يجاوبه بشيء من القرآن، أو يفتح على من تَعَايَا في قراءته، أو يُشَمِّت العاطس، والضحك في الصلاةفصل [في قراءة الإمام، وجواز الفتح عليه]فصل [في أنواع الضحك أثناء الصلاة]فصل [فيمن التفت وتكلم بعد أن سلم من ركعتين ساهيًا]باب في صفوف المصلين والتراص في الصفباب في بناء المساجد وصفة بنائها وتعظيم حرمتها وما يجب أن تنزه عنهباب في حكم من ترك الصلاةباب جامع في الصلاةفصل [فيما تشتمل عليه الصلاة من أقوال]
كتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل