كتاب الشهادات
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 11 - الصفحة: 5387
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
كتاب الشهادات
ذكر الله -عز وجل- الشهادة في كتابه في ستة مواضع: في الدَّيْن، وفي الوصية، والطلاق، والرجعة، والزنا، وفيما يدفع الحد عن القاذف.
فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. فأمر في بيوع الآجال بالكتابة والإشهاد، وفي بيوع النقد بالإشهاد دون الكتابة، فقال -عز وجل- في بيوع الآجال: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282].
أي: فلا يدع منه حقًّا ولا يزيد فيه باطلًا، وفيه دليل أن المكتوب بينهم أميون، وأن ذلك موكل إلى أمانة الكاتب، فأمَرَه أن يكتب بالعدل لئلا يكتب غير ما أمليا عليه، وألا يميل مع أحدهما.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282].
فقيل: كما علمه الله من الكتابة بالعدل 1. وقيل: كما فضله بعلم الكتابة بالعدل 2. وهو أحسن؛ لأن الأمر بالكتابة بالعدل قد تقدم، فكان حمله 3 على
الجزء: 11 - الصفحة: 5389
فائدتين أولى، فالكتابةُ على من 4 تعلمها إذا لم يكن بالموضع سواه فرضٌ، وإن كانوا جماعة كان من فروض الكفاية، فإن أطاع أحدهم سقط عن الباقين، وإن امتنع جميعهم اقترعوا، فأيهم خرج سهمه كتب.
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 282]. فأمر الذي عليه الحق 5 بالإملاء دون الطالب؛ لأنه مقر على نفسه 6، والآخر في معنى المدعي، ولأنه مطلوب فكان القول قوله، ولأن ذلك 7 يدفع الشبهة، فقد يقول إذا أملى الذي له 8 الحق بعد اليوم خفي عليَّ بعض 9 الذي أملى.
وفي وعظه أنه 10 لا يبخس منه شيئًا 11، دليلٌ على جواز العقد بغير بينة، ثم يشهدان بعد ذلك.
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]. فقيل: الهاء من ﴿وَلِيُّهُ﴾ 12 عائدة على الذي له الحق، إذا كانت أحد هذه الأعذار الثلاثة.
وقيل: إنه 13
الجزء: 11 - الصفحة: 5390
يملل 14 ولي 15 المطلوب.
واختلف في السفيه والضعيف، فقيل: السفيه: الجاهل بالإملاء من قوله -عز وجل-: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 142] وهم الذين سفهوا الحق وجهلوه.
وقيل: سفيه في المال من صغير أو كبير: لا يحسن الإمساك، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5].
وقيل في الضعيف: هو العاجز عن الإملاء، لعيٍّ بلسانه أو خرس.
وقيل: هو الأحمق، أي: ضعيف العقل.
وقيل في 16 الذي لا يستطيع أن يمل: أن ذلك لغيبة أو عذر.
فأما قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: 282]، فيحتمل أن يكون وجب عليه ذلك الحق؛ لأنه باشر العقد، أو لأنه في ولاء تقدم عليه لم يؤنس منه رشد 17، فعقد عليه وليه ما يحق 18 عليه، والولي هو الذي يملل، وإذا احتمل ذلك كان حمله على ما لا خلاف فيه، أن المداينة كانت صحيحة، وهو حال كونه في الولاء 19 أولى.
وإن كان رشيدًا ضعيفًا عن الإملاء لا يستطيع ذلك، فالولي من وكله المطلوب لذلك.
وقال -عز وجل-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. فأمر بتبدية الرجال، وأن 20 لا
الجزء: 11 - الصفحة: 5391
يستشهد بالنساء 21 إلا عند عدم الرجال؛ لأن التوثق بهم أحوط والجرحة منهم أبعد، ولأن النساء يحتاج متى أريد منهن تبليغ الشهادة مَن يشهد على وجوههن ويعرفهن، والرجال أقرب وأسرع 22 إلى أداء الشهادة والقراءة.
﴿فَتُذَكِّرَ﴾ مخففة ساكنة 23 الذال ومشددة 24 بمعنى واحد، يقال: أَذْكَرَني وذَكَّرَني.
وفي الصحيحين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَدْ أَذْكرَني كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا" 25 ولا وجه للقول أن المعنى أن تُصَيِّر إحداهما الأخرى ذَكَرًا؛ لأن في ذلك إبطال فائدة قوله سبحانه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ وهو أن تنسى.
وقد احتج بهذا أنه لا يقتصر على معرفة الخط دون أمر 26 يذكر الشهادة؛ لأنه إنما يستشهد منهن من تكتب، ولو كانتا ممن لا يحسن الكتابة لم يفد هذا 27 فائدة 28؛ لأن الصحيفة تبقى بشاهد واحد.
واختلف في معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]. فقيل: ذلك حين تكتب الشهادة.
وقيل: إذا دعوا لأدائها عند
الجزء: 11 - الصفحة: 5392
الحاكم 29. وقيل: المراد الأمرين.
والأول أصوب؛ لأن الآية إنما وردت فيما يفعله المتبايعان من التوثق وقت البيع بالكتابة والإشهاد، ومَن يشهد فيه، لئلا تضيع الأموال، ولدفع الأيمان، والذي يدل على ذلك قوله سبحانه فيما بعد: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] أي: إذا كتب 30 ذكر الحق وكتبت الشهادة، كان أقرب لرفع الشك 31 في الشهادة، والتلاوة وردت في ذكر ما يفعل 32 عند كتبه الكتاب لم تنقض بعد.
وقال -عز وجل-: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] فأسقط الكتابة في بيع النقد، وأثبت الإشهاد في بيع النقد 33؛ لأنهما يتناجزان في قبض الثمن والمثمون، فلم يحتاجا إلى كتبه؛ لأن الغالب أن لا يضر 34 35 النسيان في مثل ذلك لقربه.
واختلف في معنى قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]. فقيل: المعنى (لا يُضَارِر) على ما سمى فاعله.
وقيل: (لا يُضَارَر) على ما لم يسم فاعله، فيكلفا الكتابة والشهادة في وقت يشق عليهما.
وهو أحسن؛ لأن أول 36
الجزء: 11 - الصفحة: 5393
التلاوة قد تضمن وعظ الكاتب والشاهد، لقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ [البقرة: 282] ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]، وهذا في الحق الذي عليهما، ثم كان في هذا وعظ من له قبلهما ذلك الحق أن لا يضارر بهما، فكان حمله على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. يريد: إذا كان البيع بثمن مؤُجل، وفيه دليل على أن القول قول المرتهن في قدر الدَّيْن، فيما بينه وبين قيمة الرهن.
واختلف في الأمر المتقدم بالكتابة والإشهاد، ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] هل ذلك على الوجوب أو الندب؟ واختلف هل نسخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: 283]؟ والقول أن الآية ثابتة أحسن، لإمكان أن يريد الودائع وشبهها 37، فلا تنسخ آية ثابتة 38 بمحتمل، وقد جعل الله -عز وجل- الكتابة والإشهاد حكمة منه، لما علم سبحانه مما يقع بين المتبايين عند حلول الدين 39 من اللَّدَد 40 أي 41 والجحود، وإن ترك الإشهاد والكتابة يؤدي إلى الفجور والأيمان الكاذبة 42، والكتابة والإشهاد حفظ لدينهم وأموالهم.
وقال الطبري: أولى ذلك بالصواب، أن ذلك حق واجب على كل بائع ومشترٍ.
وقال -عز وجل-: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 5394
مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106]
واختلف في معنى قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهو ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فقيل: منكم: مسلم.
ومن غيركم: غير مسلم 43. وقيل: من غير قبيلتكم؛ لأنه شرط العدالة في المسلم، فإذا كان ذلك لم تجز شهادة الكافر.
وقيل: إنما شرطت العدالة إذا كانت الشهادة في الحضر.
والوقف في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ والابتداء من 44 ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 106] فتجوز للضرورة، وعلى هذا تجوز شهادة المسلم في السفر، وإن لم يكن عدلًا.
وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، فأمر بالإشهاد على الرجعة أو الفرقة 45 أيهما اختار، فتضمنت الإشهاد على الطلاق، ولأن الرجعة لا تكون إلا عن طلاق، فالإشهاد على الرجعة إشهاد على تقدم الطلاق.
وكذلك الإشهاد على الفراق هو إشهاد على الطلاق؛ لأن العدة والفراق لا يكونان إلا عن طلاق.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15].
وقال: فيما ينفى به الحد عن القاذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4].
الجزء: 11 - الصفحة: 5395
باب في شهادة الأجير لمن استأجره، والغريم لمن له عليه دين والخصم والعدو على عدوه أو ولده
46
ومن المدونة قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره، إلا أن يكون مبرزًا، وإن كان في عياله لم تجز 47. وقال سحنون: من ليس في عياله هم الصناع 48. وأما الذي يصير عمله للذي استأجره، فلا تجوز شهادته له وإن لم يكن في عياله، وإن دفع إليه أجرته.
وظاهر قول ابن القاسم: إن المنع إذا كان في نفقته، كانت النفقة بالطوع 49 أو من الإجارة، والظنة تتعلق بالوجهين جميعًا، إذا كان في نفقته أو 50 منقطعًا إليه؛ لأنه يخشى إن لم يشهد له أن يصرفه 51، وكذلك الأجير المشترك: القَصَّار والطَّرَّاز، يشهد لمن شأنه التجر بذلك؛ لأنه يتهم في شهادته له أن يخصه بأعماله.
وتجوز شهادة المستأجر للأجير؛ لأنه هو المتفضل عليه، إلا أن يكون أجيرًا مرغوبًا في عمله ومن يتشاح فيه، وتجوز شهادة الغريم للطالب، والطالب
الجزء: 11 - الصفحة: 5396
للغريم إذا كان الغريم موسرًا، وسواء شهد بمال أو عرض 52، ولا تجوز شهادة الغريم إذا كان معسرًا، للطالب بمال ولا بعرض ولا غيره 53؛ لأنه يتهم أن يشهد لينظره أو يرفق به.
وقال ابن حبيب: لأنه صار كأسيره، ولا تجوز شهادة الطالب له بمال، وتجوز بغير مال بعرض أو غيره.
وإن كان الغريم موسرًا، إلا أنه ملد مطول، لم تجز شهادة الطالب له بمال ولا غيره، إلا أن يكون الدين يسيرًا، وكل هؤلاء فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلاَ ظنينٍ، وَلاَ جَار لِنفْسِهِ، وَلا دَافِعٍ عَنْهَا" 54. فشهادة الخصم والعدو غير جائزة فكذلك المتاجران.
واختلف إذا اصطلحا فقال محمد 55: الشهادة 56 جائزة 57. وقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: إن كانت الشهادة بحدثان الصلح لم تجز، وإن طال وامتحن صلحهما، وظهرت براءتههما من دخل العداوة والخصومة، جازت الشهادة 58. وقال ابن كنانة: في الهجرة إن كانت خفيفة 59 عن أمر خفيف جازت 60. وهذا يحسن في المبرز.
الجزء: 11 - الصفحة: 5397
وقال ابن الماجشون: إن سلم عليه ولم يكلمه لم تجز الشهادة 61. وقال سحنون -في كتاب ابنه-: إن كانت العداوة غضبًا لله لجرمه وفسقه فالشهادة جائزة 62، وذلك أنّا نشهد على أهل البدع والملل.
وهذا أحسن إذا لم يعلم من الآخر منهما 63، عند مهاجرته مقابحة بقول أو فعل.
وقال ابن القاسم -في أربعة أتوا متعلقين برجل، فشهدوا عليه بالزنا-: لم تجز شهادتهم عليه 64 لأنهم خضماؤه 65، وفي كتاب ابن حبيب: الشهادة جائزة 66. وهو أحسن لأن أصل 67 المنازعة من سبب الدين.
وقال ابن سحنون عن أبيه -فيمن شهد على رجل، ثم شهد المشهود عليه على الشاهد بعد ذلك بشهرين-: ترد شهادته 68. وقال أصبغ فيمن شهد على رجل حاضر، فلما أتم الشهادة قال للمشهود عليه 69 والقاضي يسمع: إنك تشتمني وتشبهني بالمجانين-: لا تطرح شهادته إلا أن تتبين العداوة من قبل 70. وطرحها أحسن؛ لأن الشاهد مقر بتقدم ما يوجب العداوة والشحناء، إلا أن يكون
الجزء: 11 - الصفحة: 5398
مبرزا في حاله، بعيد التغير عند الأداء 71، فذلك أخف.
واختلف فيمن كانت عنده شهادة، وكان يذكرها ثم عاداه، واحتيج إلى القيام بها وقبولها، ها هنا أخف إذا كانت قد قيدت.
واختلف في شهادة الرجل على ابن عدوه 72 بمال أو بما لا يلحق الأب منه معرة، فأجازها محمد وإن كان الأب حيًا والابن في ولاء أبيه 73.
وقال ابن الماجشون: لا ترد إذا لم يكن في ولائه، وقال أيضًا: لا تجوز بمال إذا كان الأب حيا 74. وبمال إذا لم يكن الأب حيًا 75 يريد وإن كان رشيدًا قال: فإن شهد بعد موته بمال على الصبي جازت، وإن شهد بمال على الأب لم تجز، وإن كان المال صار للولد.
وقال ابن القاسم: لا تجوز إذا كان عدو الأب على 76 الصبي، ويشهد بعد موته ولو كان مثل ابن 77 أبي شريح وسليمان بن القاسم 78.
واختلف أيضًا إذا شهد على صبي في ولاء عدو الشاهد.
فأجازه ابن القاسم 79. ومنعه مطرف وابن الماجشون؛ لأنه يخرج ما في يدي ولي 80 الصبي 81.
الجزء: 11 - الصفحة: 5399
باب في شهادة الفقير والسائل
الفقير أربعة: من لا يقبل الصدقة وفقير 82، وسائل متكفف، وسائل غير متكفف، وغير سائل فإن أعطي أخذ، فإن كان لا يقبل الصدقة جازت شهادته في القليل، واختلف في الكثير فقيل: تجوز.
وقال ابن كنانة: لا تقبل فيما يكثر كالخمسمائة 83 دينار 84. يريد إذا كانت بوثيقة؛ لأن العادة 85 أن يقصد بالوثائق طبقة غير هؤلاء 86. وأما إن قال سمعته أقر بذلك، فأرى أن تقبل وإن كثر، وكذلك إذا كان منقطعًا في الصلاح، أو ممن اشتهر في الشهادة ويقصده الناس بالكتابة بوثائقهم، فالريبة عنه منتفية وإن كثر المال.
واختلف إذا كان متكففًا، فقيل: تجوز في اليسير.
وقال ابن وهب -في العتبية: الحسن الحال 87، الظاهر الصلاح، يسأل الصدقة مما يتصدق به على أهل الحاجة، أو يسأل الرجل الشريف أن يتصدق عليه، وهو معروف بالمسألة ولا يتكفف الناس-: لم تجز شهادته، إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، أو إذا فرقت وصية رجل، وكذلك المعترض 88 لإخوانه تجوز شهادته 89.
الجزء: 11 - الصفحة: 5400
وقال ابن كنانة: إن كان يسأل الناس في 90 مصيبة في مسألة 91 نزلت به، أو دية وقعت عليه لم ترد 92 شهادته 93. وأرى إذا كان ممن لا يسأل وان كان أعطي أخذ أن تجوز شهادته 94 ولا تجوز شهادة أحد من 95 هؤلاء لمن عادته رفقه أو يرجو ذلك منه.
الجزء: 11 - الصفحة: 5401
باب في شهادة الزوج لامرأته بالعتق والسيد لعبده بالطلاق والمعتق لمن أعتقه
ولا تجوز شهادة الزوج 96 لزوجته بالعتق، وإن كان معه غيره.
وإن كان الزوج عبدًا فاختارت نفسها كانت طالقا؛ لأن الزوج مقر أن اختيارها صحيح ولم يجز له إصابتها.
واختلف إذا اختارت البقاء على الزوجية، هل يمنع منها، لئلا يرق ولده، أو لا يمنع لأن له حقًا في الإصابة؟ والتعدي من السيد في 97 حال ثان.
وأرى أن يمنع؛ لأن ذلك معونة منه على إرقاقه، وهو المسبب لذلك الباطل، إلا ألا ينزل، أو يعزل العزل البين، وكذلك إذا كان الزوج حرًا فردت شهادته؛ لأنه زوج يختلف في إصابته إياها.
وإن شهد السيد لأمته أن زوجها طلقها، أو على عبده أنه طلق زوجته، لم تجز الشهادة؛ لأنه يتهم أن يفرغ أمته وعبده، فإن صدقت الأمة السيد، لم يجز لها أن تمكن الزوج منها 98، ولا يأتيها إلا وهي كارهة.
وتجوز شهادة المعتق لمن أعتقه، ولا تجوز شهادة الرجل لسيد أبيه، ولا تجوز 99 لسيد ولده، وشهادته لسيد ولده أبين في المنع؛ لأنه يتهم أن يجر بذلك
الجزء: 11 - الصفحة: 5402
إلى ولده، ورفقًا به 100 فيما للسيد 101 عليهما من خدمة وغيرها وقال سحنون: لا تجوز شهادة الرجل على سيد ولده أنه باعه أو وهبه.
يريد إذا علم ممن هو عنده الإساءة إليه أو يصير إلى من هو أرفق به وإلا فهي جائزة.
الجزء: 11 - الصفحة: 5403
باب في الشهادة بين الأقارب والزوجين والأصهار والصديق
ولا تجوز شهادة الوالدين للولد، ولا شهادته لهما، ولا شهادة الأجداد ولا الجدات لولد الولد، ولا شهادته لهم.
واختلف في شهادة الأب لأحد ولديه على الآخر، إذا لم يعلم 102 كيف منزلتهما عنده، فأجيز ومنع، لإمكان أن تكون شهادته لأقربهما منه رأفة، ولا تجوز شهادته لصغير على كبير، ولا لسفيه في ولائه على رشيد بمال؛ لأنه يتهم في بقائه تحت يده، ولا لبار على عاق، وتجوز للكبير على الصغير، وللعاق على البار، وهو قول ابن القاسم، إلا أن يتهم في المشهود له، بانقطاع ومحبة وإيثار، وجفوة للآخر 103، منع 104. يريد إن كانا كبيرين وليس من أحدهما عقوق.
ومنع سحنون ذلك جملة قال: لما جاء من السنة في منع شهادة الأب 105. والأول أحسن.
ولا ترد شهادة العدل، إلا أن تعتريها تهمة، ولا تهمة في الصفة التي أجازها ابن القاسم.
ويختلف إذا كانا صغيرين أو سفيهين، أو صغير وسفيه كبير، هل تجوز شهادته لأحدهما على الآخر، إذا لم يعلم كيف منزلتهما من نفسه؟
واختلف في شهادة الابن 106 لأحد أبويه على الآخر، فقال مالك -في
الجزء: 11 - الصفحة: 5404
المجموعة، وهو في كتاب محمد-: لا تجوز إلا أن يكون مبرزا في حالة 107، ويكون ما شهد فيه يسيرًا.
قال: والابن يهاب أباه وربما ضربه 108، فمنع شهادته للأب لهذا الوجه، وللأم 109 لإمكان أن يكون ميله إليها 110 أكثر.
وقال ابن نافع: شهادته لأحدهما على الآخر 111 جائزة، إلا أن يكون الابن في ولاء الأب، أو تزوج على أمه فأغارها، فيتهم أن يغضب لأمه 112. والأول أبين؛ لأن كثيرًا من الولد يميل إلى أحد الأبوين 113 أكثر من الآخر، لحنانه ورفقه 114 به أكثر من الآخر، فلا تحمل شهادته على المضي، لإمكان أن تكون الشهادة لمن هو إليه أميل إلا أن يثبتا أن شهاداته على من هو إليه أميل 115، فتجوز كشهادة الأب للكبير على الصغير، ويلزم على قول ابن نافع أن تجوز شهادة الأب، بين الكبيرين أو الصغيرين أو السفيهين، وإن لم تعلم منزلتهما منه، وتجوز شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه، إذا كانت منكرة لذلك 116.
واختلف إذا كانت هي القائمة بالشهادة 117، فمنعها أشهب 118، وأجازها
الجزء: 11 - الصفحة: 5405
ابن القاسم جملة من غير تفصيل، لإنكار أو غيره، وهو أبين إذا كان مبرزًا في حالة، وإن شهد بطلاق غير أمه لم تجز، إذا كانت أمه 119 في عصمة أبيه، وأجيزت إذا كانت أمه 120 ميتة 121. واختلف إذا كانت حية 122 مطلقة، فمنعها ابن القاسم، وأجازها أصبغ 123، وكل هذا إذا كانت الأجنبية منكرة.
واختلف إذا كانت هي القائمة بشهادة الوالدين 124، والأم في عصمة الأب، فأجازها أصبغ.
ومنعها سحنون بعد أن قال: هي جائزة 125، والقياس أن تمنع سواء كانت الأم في عصمة الأب، أو مفارقة أو ميتة، كانت الأجنبية منكرة أو قائمة بالشهادة؛ لأن العادة جارية بين زوجة الأب وربيبها بالعداوة والبغضاء، وإن كانت شابة كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد فيشاركه في الميراث، ويميل بماله إليها، ويرضي أمه بفراقها إن كانت حية، وإن كانت الأم مفارقة.
الجزء: 11 - الصفحة: 5406
فصل [في شهادة الأخ لأخيه]
شهادة الأخ لأخيه على سبعة أوجه: في الأموال وفيما ليس بمال، وهو مما يدرك 126 في مثله في الحمية والغضب 127، أو ما يدفع بها عن نفسه معرة، أو يكسب بها جاهًا ومنزلة 128، أو تعديله إياه وتعديله من شهد له، وتجريحه من جرحه 129، وتجريحه من شهد عليه، وتجريحه من جرح من شهد له، فلا تجوز شهادته له 130 في ثلاث: فيما يدرك في مثله الحمية والغضب له 131، ولا فيما يكسب بها حظوة ومنزلة، ولا فيما يدفع بها معرة.
واختلف في شهادته له في الأموال 132 على أربعة أقوال: فقيل جائزة، وقيل: لا تجوز.
وقيل: إن كان حوزًا 133 جازت وإلا لم تجز.
وقيل: تجوز في اليسير دون الكثير.
وأرى أن ترد في الكثير الذي يؤدي إلى شرفه، ولا ترد في الوسط إذا كان مبرزا، ولا في اليسير مع عدم البروز، إلا أن يكون قد جرى 134 بين الأخ المشهود له والمشهود عليه، شنآن ومقابحة وما تدرك في مثله الحمية
الجزء: 11 - الصفحة: 5407
والغضب 135، فلا تجوز بحال.
وإن كان أحد الأخوين في نفقة الآخر، لم تجز شهادة المنفق عليه للمنفق.
ويختلف في شهادة المنفق على المنفق عليه حسبما تقدم، إلا أن تكون نفقته عليه لفقره 136، ولئلا تدركه في ذلك ضيعة أو معرة، فلا تجوز؛ لأنه يدفع عن نفسه 137 بشهادته مؤنة الإنفاق أو معرة الترك، وإن شهد له بتزويج امرأة وأنكرت، فإن كان يشرف بمثلها 138، أو علم تعلق نفسه بها، أو لها يسار والمشهود له فقير، لم تجز، وإن عريت عن هذه الوجوه التي يتهم في مثلها، جرت على الخلاف المتقدم في الشهادة بالمال فتجوز وتمنع، وتجوز بشرط البروز وتمنع 139 مع عدمه، ولا تجوز شهادته أن فلانًا قذفه؛ لأنه يدفع بها معرة.
ويختلف في شهادته في جراح الخطأ؛ لأنها مال حسبما تقدم في الشهادة بالمال.
واختلف في شهادته في جراح العمد، فالمعروف من المذهب المنع؛ لأنه مما يدرك في مثله الحمية.
وأجازها أشهب في العتبية 140. والأول أحسن.
وقال -في كتاب محمد-: تجوز شهادته أن فلانًا قتل أخاه، إذا كان الولي والوارث غيره 141. قال أصبغ: وفيه اختلاف 142، قال 143 وهذا أحب إلينا.
وأجاز الشهادة
الجزء: 11 - الصفحة: 5408
في مثل 144 العمد، وإن كان مما تدرك فيه 145 مثله الحمية؛ لأن المثل 146 موجود، ولابد أن يكون هناك قاتل، إلا أن يكون قوم يلطخون بالقتل غير القاتل، لئلا يبطل دمه فلا تجوز الشهادة، وكل موضع تمنع 147 فيه شهادة الأخ لأخيه 148، فلا يجوز تعديله من 149 شهد له بذلك، ولا تجريحه من جرح شاهده به، ولا تجريح من شهد عليه، بما إذا 150 ثبتت الشهادة أدى إلى عقوبة الأخ أو حده أو قتله 151 أو قطعه.
واختلف إذا كان الأخ هو الشاهد، هل يجوز تعديل أخيه له؟ وأن لا يجوز أصوب؛ لأن ذلك مما يزيده شرفًا ويدفع عن نفسه 152 معرة، وهذا إذا شهد بمال أو بما لا 153 يؤدي إلى عقوبة الأخ إذا لم تثبت شهادته، وإن شهد في زنا أو غيره، مما يلزمه إذا لم تثبت شهادته حد أو عقوبة لم تجز.
ولا يجرح من جرح أخاه في زنا أو غيره 154؛ لأنه يدفع به معرة وهو في هذا بخلاف التعديل.
قال محمد: وإن جرحه بهجرة أو عداوة جاز 155، يريد بخلاف الجرحة بالإسفاه.
قال
الجزء: 11 - الصفحة: 5409
محمد (1): ولا يجرح من جرح عمه (2)؛ لأنه يدفع عن نفسه عيب من هو وجهه ولسانه، وأجاز ذلك في ابن الأخ وابن العم (3). وأرى أن لا يجوز تجريحه لأحد هؤلاء، الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وإن كانت الجرحة بالعداوة والهجران؛ لأن رد الشهادة وصمٌ على الشاهد في الجملة، وهو مما تدرك به الحمية، ولأن مضمون رد الشهادة، وإن كانت من ناحية العداوة، أنه يتهم أن يكون شهد بزور وباطل لأجل ما بينهما.
فصل [في شهادة الأقارب والأصهار والأصدقاء]
وشهادة الرجل 159 لابن أخيه ولعمه وابن عمه بالمال جائزة، ما لم يكن الشاهد في نفقة المشهود له، ولا تجوز فيما تجمعهم فيه الحمية والغضب 160، ولا فيما يدفع معرة أو يجتلب فيه شرفًا، وهم في هذا الوجه كالأخ.
وقال ابن القاسم -في كتاب الديات-: إذا أقر أنه قتل فلانًا خطأً، قال: إن كان الذي أقر له 161 ممن يتهم أن يكون أراد غنى ولده، مثل الأخ والصديق لم يقبل قوله.
ورأى أنه مال كثير يشرف به، فلم تجز الشهادة لولد الأخ ولا لولد الصديق، فآباؤهم أحرى أن لا تجوز.156157158
الجزء: 11 - الصفحة: 5410
وقال ابن كنانة -في كتاب ابن سحنون-: تجوز شهادة الرجل لأخيه وابن أخيه ولعمه، في الأمر اليسير من الدراهم والثوب، وكذلك الرجل المنقطع إلى الرجل 162، ولا تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر بمال ولا غيره، مما يدفع به معرة أو يجتلب به شرفًا.
واختلف في شهادة الأصهار، فقال ابن القاسم -في العتبية 163 -: لا تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولا لزوجة ولده 164.
وقال ابن كنانة -في كتاب ابن سحنون-: ولا تجوز لابن امرأته، ولا لزوجة ولده إلا أن يكون الشيء اليسير 165. وقال سحنون: تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولأبويه ولابن امرأته 166 ولأبويها، إلا أن تكون الزوجة ممن ألزم السلطان ولدها 167 النفقة عليها، لفقر الزوج 168. ووقف الشهادة في جميع هؤلاء أحسن، إلا أن يكون المبرز في العدالة، المنقطع في الصلاح والخير.
فيستخف في أبوي امرأته، وأبوي زوجة ابنه 169، وكل من لا تجوز الشهادة له، فلا تجوز الشهادة لعبده 170 بمال.
الجزء: 11 - الصفحة: 5411
ويختلف في شهادة الصديق الملاطف 171، فقال مالك 172: الشهادة 173 جائزة إذا كان لا يناله معروفه ولا صلته 174. وقال ابن كنانة: تجوز في اليسير 175، ولا تجوز شهادة الملاطف للملاطف في المال ولا غيره، وتجوز شهادة 176 غير 177 الملاطف على الملاطف في المال وغيره.
الجزء: 11 - الصفحة: 5412
باب في شهادة البدوي على الحضري
شهادة البدوي بين الحضريين، جائزة في القذف والجراح والقتل، وما أشبه ذلك مما لا يقصد في مثله الإشهاد، وتجوز في الأموال والنكاح وغيرهما، إذا لم يستشهد وقال مررت بهما، أو كنت جالسًا في موضع فسمعته أقر له بكذا، أو باع منه سلعة، أو جرت منازعة في نكاح فاعترف أحدهما بالعقد، ولا تجوز في الوثائق ولا في الصدقات، ولا فيما يقصد فيه 178 الاستعداد بالشهادة لما بعد اليوم؛ لأن ذلك ريبة أن يعدل عن أخذ حظوظ أهل الموضع، والاستعداد بشهادتهم إلى مثله 179، إلا أن يعلم أنه مخالط لهما 180، أو يكون جميعهم سفرًا، وكذلك شهادته بين حضري وبدوي لا تجوز، إلا حسب ما تقدم ذكره 181 بين الحضريين، إلا أن يكون البدوي من قرية 182 الشاهد، فيشهد بمداينة كانت في قريته، أو في الحاضرة إذا كان معروفًا بالعدالة، وممن يعدل في المداينة على مثله.
الجزء: 11 - الصفحة: 5413
باب في شهادة النساء في الولادة والاستهلال، وما يقتصر فيه على الرجال أو على النساء، أو تجوز فيه شهادة الجميع
وقال مالك -في شهادة امرأتين في الاستهلال-: جائزة 183. قال محمد: بغير يمين 184. فيورث ويرث، فأجاز في هذا شهادة امرأتين بانفرادهما، وأقامهما مقام رجلين لما كان ذلك مما لا يحضره الرجال، والشهادة تختلف في العدد 185، واختصاصهما 186 بالرجال ودخول النساء فيها، والأيمان، واختلاف المشهود فيه، وموضعه من الحرمة، لقول الله -عز وجل- في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]، فأجاز شهادة النساء في الأموال، وقال -عز وجل- في الطلاق والرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ولم يجعل 187 للنساء في ذلك مدخلًا.
وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15]، وقال في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4]، ففاضل بين الشهادات لاختلاف حرمة المشهود فيه، والمشهود فيه على ستة عشر قسما: فالأول: الشهادة على الأموال في 188 البيع 189 والقرض 190 والقراض، والوديعة والإجارة والكفالة بالمال، ودية الخطأ والعمد
الجزء: 11 - الصفحة: 5414
إذا كان لا قود فيه.
والثاني: الشهادة على النكاح والطلاق والرجعة والإحلال والإحصان، والعتق والولاء والنسب، والسرقة والفرية.
والثالث: الشهادة على مال وهي تؤول إلى ما ليس بمال، مما يتعلق بالأبدان من عتق أو طلاق، كالشهادة للمكاتب أنه دفع كتابته، وأن فلانًا باع عبدًا من أب العبد، أو ابنه أو أنه باع أمة من زوجها.
والرابع: الشهادة على ما ليس بمال ولا يتعلق بمال 191، والمستحق به مال كالشهادة على الوكالة بمال، والنقل عمن شهد بمال، والشهادة على كتاب القاضي، إذا كان متضمنه مالًا، وعلى النكاح بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلانًا أعتقه، أو على نسبه أنه ابن فلان أو أخوه، إذا لم يكن هناك أحد ثابت النسب.
والخامس: الشهادة على التاريخ بما يتضمن مالًا، وهي تؤول إلى ما يتعلق بالأبدان، كالشهادة 192 على التاريخ لمن حلف بطلاق زوجته، أو بعتق عبده ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر، فشهد بعد الأجل أنه قضى قبله، وعلى من أعتق عبده أن عليه لفلان دينًا قبل العتق، ولمن وطء أمة أنه ابتاعها من سيدها قبل ذلك.
والسادس: الشهادة على قتل 193 العمد.
والسابع: الشهادة 194 على جراح العمد.
والثامن: الشهادة على الزنا.
والتاسع: الشهادة على الإقرار بالزنا 195، وعلى كتاب القاضي بالزنا وأن القاضي حد فلانًا في الزنا، أو على معتق أن سيده كان 196 تبرأ من زناه في حين بيعه 197.
الجزء: 11 - الصفحة: 5415
والعاشر: شهادة النساء على ما لا يحضره غيرهن، كالولادة والاستهلال والحيض وعيوب الفرج والرضاع.
والحادي عشر: شهادتهن على من شهد منهن بمثل ذلك.
والثاني عشر: شهادتهن فيما يقع بينهن في الصنيع والمأتم والحمام من الجراح والقتل.
والثالث عشر 198: ما يقع بين الصبيان والصبيات من الجراح والقتل.
والرابع عشر: الترجمان والقائف والطبيب، ومقوم العيب والقاضي ومكشفه، يسأل الرجل عن التعديل أو التجريح، إذا لم يأت على وجه الشهادة.
والخامس عشر: الشهادة على الاستفاضة.
والسادس عشر: الشهادة 199 على السماع، وكل هذه مختلفة الأحكام.
فأما الشهادة على الأموال فتستحق بأربعة أوجه: بشهادة رجلين وبرجل وامرأتين وبرجل ويمين وبامرأتين ويمين 200. وأما النكاح وما ذكر معه فيستحق بوجه واحد، بشهادة رجلين ولا مدخل فيه 201 للنساء، ولا يستحق بشاهد 202 ويمين، إلا السرقة فيصح أن يستحق بما يستحق به المال؛ لأنها تتضمن حقين، حقا لآدمي وهو المال المسروق، وحقا لله -تعالى- وهو القطع، فلا يستحق القطع إلا برجلين، فإن شهد رجل وامرأتان استحق المال ولم يستحق القطع 203، وإن شهد رجل وامرأتان حلف واستحق المال ولم يقطع 204.
الجزء: 11 - الصفحة: 5416
وأما الشهادة على مال، إذا كانت تؤول إلى غير مال، فإنما تجري على الأصل في الشهادة على المال، ولا يغير ذلك ما يؤول إليه، فإن شهد رجل وامرأتان لمكاتب أنه دفع كتابته لسيده، أو لرجل أنه باع أمته من أبيها أو من زوجها، جازت الشهادة وأعتق المكاتب والأمة على أبيها، ووقع الفراق بين الزوجين.
واختلف إذا شهد رجل وامرأتان على رجل، أنه أوصى بخمسين دينارًا يشتري بها رقبة فتعتق.
فقال محمد: لا تجوز الشهادة؛ لأنها إن اشتريت لم أقدر على 205 أن أنفذ عتقها إلا بشهادة رجلين، وإن شهدوا بذلك لعبد 206 رجل بعينه، أجزت الشهادة وزدت لصاحبه مثل ثلث ثمنه، إن لم يشهدوا على ثمن مسمى 207.
وقال مالك -في النوادر فيمن أوصى بشراء رقبة بعينها، أو بغير عينها وشهد على ذلك رجل وامرأتان-: أن الشهادة جائزة، كما لو شهدوا أنه قال بيعوا عبدي فلانًا رقبة، أي 208: للعتق 209.
وأما الشهادة على ما ليس بمال، والمستحق بها مال، كالوكالة وما ذكر معها فاختلف فيها، فأجراها ابن القاسم على حكم الشهادة على المال، لما كان المستحق بها مالًا، وأبقاها أشهب وعبد الملك على الأصل؛ لأنها ليست على
الجزء: 11 - الصفحة: 5417
مال، كالنكاح وما أشبهه (1). فإن شهد رجل وامرأتان على نكاح (2)، بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلانًا أعتقه، أو على نسب أن هذا ابنه أو أخوه، ولم يكن له وارث ثابت النسب، صحت الشهادة على قول ابن القاسم، وكان له الميراث، ولم تجز على قول أشهب؛ لأنه قال: لا يستحق الميراث إلا بعد ثبات الأصل بشهادة رجلين، فإن ثبت ذلك ثم شهد واحد، أنه لا يعلم له وارثًا سوى هذا، جازت واستحق المال.
وأجاز ابن القاسم شهادة رجل وامرأتين على الوكالة، وعلى النقل عن شهادة رجلين، ومنع ذلك عبد الملك وسحنون وقالا (3): كل موضع لا يجوز فيه شاهد ويمن، فلا تجوز فيه شهادة النساء، داذا لم يكن للنساء في ذلك مدخل لم تجز إلا بشهادة رجلين (4).
فصل (5) [في الشهادة على التاريخ]
وأما الشهادة على التاريخ، فاختلف فيها على 215 نحو الاختلاف على 216 ما ليس بمال والمستحق بها مال، فمن ذلك الرجل يحلف بالطلاق ليقضين فلانًا حقه لأجل سماه 217، مضى الأجل ثم ادعى أنه قضاه قبل الأجل، فرأى 218 مالك210211212213214
الجزء: 11 - الصفحة: 5418
أن الطلاق قد وقع بمضي الأجل 219، فلا يرتفع حكمه إلا بما يقع به 220، وهو شهادة رجلين، ورأى مرة أنه يسقط بسقوط الدين، إما بإقرار الطالب بالقبض، أو يمين المطلوب عند نكول الطالب، أو بشاهد ويمين، وكذلك إذا شهد أربعة على رجل، أنه وطئ أمة فلان، فزعم الواطئ أنه اشتراها من سيدها، فلم ير ابن القاسم عليه حدًا متى ثبت الملك، إما بإقرار السيد بتقدم الشراء، أو بشاهد ويمين، أو بيمين الواطئ عند نكول السيد.
وقال أشهب: يحد ولا يسقط الحد إلا بشهادة رجلين 221، ولا يسقط بإقرار السيد ولا بشاهد ويمين، واستحسن إذا شهد رجل وامرأتان بتقدم الشراء، أن يدرأ الحد، وكذلك إذا أعتق رجل 222 عبده، ثم أقام رجل شاهدًا بدين قبل العتق، و 223 أنه كان ابتاعه منه، فاختلف هل يرد العتق إذا حلف المشهود له؟ فهذا كله أصل واحد.
فقيل: الشهادة على تقدم ذلك شهادة 224 على مال فتمضي كالأول.
وقيل: هي شهادة على وقت والوقت ليس بمال، والطلاق والعتق والوطء ليس بمال.
وأرى أن لا يطلق على الزوج؛ لأن القيام بالطلاق والطلاق 225 ها هنا من باب النهي عن المنكر، والشبهة التي تقدمت في القضاء 226 تمنع من أن يقطع أنه
الجزء: 11 - الصفحة: 5419
على منكر، ولا يحد الآخر؛ لأن ذلك شبهة يدرأ بها الحد.
وقال مالك -في الموطأ-: لو ادعى رجل على رجل 227 أنه أعتق عبده بدين، وبينهما مخالطة فنكل المدعى عليه، وحلف الآخر فثبت حقه 228 لرد عتق 229 العبد 230. وقال ابن القاسم لا 231 يرد العتق 232. وهو أبين وليس بمنزلة من أقام شاهدا بدين على من أعتق عبده 233.
وأما العبد 234 فإنه يستحق بشهادة رجلين، ولا يستحق بشهادة رجل وامرأتين، ويستحق بشاهد واحد والقسامة 235، إذا كان عدلًا والشاهد ها هنا لوث.
واختلف عن مالك إذا لم يكن عدلًا، فقال -في المدونة-: لا يقسم معه 236. وقال -في كتاب محمد-: يقسم معه 237. والأول أحسن، ولا يراق دم مسلم بغير عدل.
الجزء: 11 - الصفحة: 5420
واختلف في 238 شهادة النساء بانفرادهن، هل تكون لوثا؟ فقال مرة: ليست بلوث، وقال مرة: يقسم مع امرأتين.
وروى أشهب عن مالك 239 في كتاب محمد أنه قال 240: يقسم مع المرأة 241 الواحدة 242. وقال أبو مصعب: يقسم مع جماعة النساء والصبيان، والقوم ليسوا بعدول.
وأرى أن يقسم مع شهادة امرأتين عدلتين؛ لأنهما يوجبان من اللطخ ما يوجبه الشاهد العدل، ويقسم مع الجماعة كما قال أبو مصعب، وإن لم تكن عدالة 243، إلا أن تكون هناك تهمة في شهادتهم 244 على مواطأة 245 في ذلك، وهذا مما 246 يعرف عند النزول.
وأجاز ربيعة في المجموعة القسامة مع شهادة الصبي والذمي 247. وليس بحسن.
وأجيز في كتاب محمد القسامة 248 مع شهادة 249 السماع المستفيض، وإن لم تكن الشهادة على المعاينة، قال: مثل ما لو عدا رجل على رجل، علانية في مثل سوق الأحد 250، وما أشبهه من كثرة الناس والغاشية، فقطع من حضر عليه
الجزء: 11 - الصفحة: 5421
الشهادة.
فرأى بعض أهل العلم إذا كثر هكذا 251 وتظاهر أنه 252 لوث يوجب القسامة، وبقية هذا القسم في كتاب الديات.
وأما جراح العمد فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فأجاز في كتاب الأقضية قطع اليد بشاهد ويمين، وهذا قياس منه على القتل 253. وقال -في كتاب الشهادات-: كل جرح لا قصاص فيه كالجائفة والمأمومة، فإنما هو 254 مال فلهذا جاز فيه شاهد ويمين.
وهذا اختلاف قول منه؛ لأنه لم ير اليمين مع الشاهد إلا عند عدم القصاص.
وقال سحنون: كل جرح فيه قصاص، فشهادة رجل ويمين الطالب يقتص به 255. وقيل: يجوز بشاهد ويمين فيما صغر من الجراح، ولا يجوز فيما كثر 256. ووجه هذا القول أن الشهادة مبنية على الجرح، فما كان له قدر وبال ألحق بالحدود.
وقد اختلف في مثل هذا فقيل: فيما كان من الشتم دون القذف، يجوز فيه شاهد ويمين ويعاقب المشهود عليه لما كان في الحرمة دون القذف.
وقيل: لا يجوز إلا 257 بشهادة رجلين؛ لأنه مما يتعلق بالبدن.
فعلى القول أنه يقتص بشاهد ويمين، يقتص بشهادة رجل وامرأتين.
الجزء: 11 - الصفحة: 5422
فصل [في الشهادة على الزنا ووجه ثبوتها]
وأما الشهادة على الزنا (1)، فإن كانت على المعاينة (2) لم تقبل أقل من أربعة، إذا أتوا معًا وأخبروا عن موطن واحد ووطء واحد (3)، وكانت الإصابة على الطوع.
وإن كانت الشهادة أنهما أكرها، كانت الشهادة (4) على قولين: فعلى القول أن الرجل يحد مع الإكراه، لم يجز أقل من أربعة، ومن قال لا حد عليه يجزئ في ذلك شهادة رجلين.
وفائدة الشهادة ما تستحقه المرأة من الصداق على الرجل، أو على المكره.
وفي كتاب الرجم ذكر البينة تأتي مفترقة فتخبر عن موطن واحد، أو مجتمعة وتخبر عن موطنين، والاختلاف في ذلك، أو تختلف فيقول بعضهم أصابها طائعة، ويقول (5) بعضهم: أصابها مكرهة.
فصل (6) [الشهادة على الإقرار بالزنا إذا رجع المقر]
وأما الشهادة على الإقرار 264 بالزنا 265، إذا رجع ولم يأت بعذر، على القول258259260261262263
الجزء: 11 - الصفحة: 5423
بحده وما ذكر معه فقيل: يقبل في ذلك شهادة رجلين، ويحد المقر المشهود عليه 266. وقيل: لا يقبل في ذلك إلا أربعة.
قال محمد: إن شهد شاهدان على كتاب القاضي 267 بالزنا، يقام الحد على المشهود عليه 268، إذا ثبت عند الأول بأربعة 269. وفي كتاب ابن سحنون: لا يقام الحد إلا أن يشهد أربعة على كتاب القاضي 270. وقال محمد -فيمن قذف رجلًا وأقام شاهدين، أن فلانًا الوالي ضربه الحد 271 بشهادة أربعة- قال: يحد القاذف والشاهدان، إلا أن يقيم أربعة على فعل القاضي، قال: وهو قول مالك، قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] 272 يريد أنه يشهد بحده أربعة، فلا يسقط عن القاذف الحد إلا بأربعة على حد القاضي.
وقال في كتاب ابن حبيب: يحد القاذف ولا يحد الشاهدان، قال: لأنهما لم يشهدا على رؤية 273، وإنما شهدا على فعل غيرهما 274.
وقال أبو مصعب: لا حد على القاذف؛ لأنه خرج مما قال: فلا يحد القاذف 275 ولا الشاهدان.
قال عبد الملك: وكذلك لو أقام القاذف أربعة،
الجزء: 11 - الصفحة: 5424
شهدوا 276 أن سيده إذ باعه تبرأ من زناه 277، قال: ولو شهد أقل من أربعة، لم أر على الشهود 278 حد الفرية؛ لأنهم لم يشهدوا على رؤية 279، وإنما مخرج شهادتهم على وجه الشهادة.
يريد أن الحد على القاذف دون البينة، إذا كانوا أقل من أربعة، وأرى أن يقام الحد بشاهدين في الإقرار وفي كتاب: محمد 280 القاضي، وإنما يكون الأربعة في المعاينة حسبما ورد القرآن، فإن لم 281 تكن معاينة جرت الشهادة على الأصل في 282 الإقرار، فيحد المقر إذا لم يأت بعذر 283، ولا يحد القاذف إذا أتى بشاهدين على الإقرار أو على حد القاضي.
واختلف إذا شهد شاهدان على الزوج بطلاق الثلاث، وأنكر الزوج الطلاق واعترف بالوطء، أو شهد على السيد بعتق أمته، فأنكر واعترف بالوطء 284، هل يحد؟ أو شهد شاهدان بالغصب لهذه الأمة، فاعترف بالوطء وأنكر الغصب، هل يحد الواطئ؟ لأن الشهادة ليست على معاينة الوطء فأشبهت الإقرار، فعلى القول أن الحد يقام على المقر بشاهدين يحد هؤلاء،
الجزء: 11 - الصفحة: 5425
وعلى القول الآخر 285 لا يحدون إلا أن يشهد أربعة على الأصل.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: لا يقام الحد على السيد، لإمكان أن يكون نسي العتق، وإن شهد أربعة بالطلاق وهو مقر بالوطء حد.
وروى علي بن زياد عن مالك، فيمن شهد عليه أربعة بطلاق البتة، وأنهم رأوه يزني بها بعد ذلك 286، أو كان مقرًا بالمسيس-: يفرق بينهما ولا حد عليه 287. قال سحنون: وأصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد 288. ومحمل 289 قول مالك على مثل ما في كتاب محمد، أنه يحتمل أن يكون نسي، والنسيان يحسن إذا كان الطلاق والعتق بيمين فيحنث.
وأما إذا كان ابتداء بغير يمين فليس يحمل فيه 290 أحد على النسيان.
واختلف إذا أنكر العتق والطلاق والإصابة، فشهد عليه شاهدان بجميع ذلك.
فقال عبد الملك -في كتاب محمد فيمن شهد عليه شاهدان، بطلاق امرأته البتة وأنه زنى 291 بها بعد ذلك، أو أنه أعتق أمته ثم زنى بها-: لم تجز الشهادة، قال: لأني إن أجزتها أوجبت عليه 292 الحد، وشهادة المحدود لا تجوز في طلاق ولا عتق، فصارت المرأة زوجة على حالها والأمة رقيقًا، ولأن من
الجزء: 11 - الصفحة: 5426
قذف رجلًا بامرأته أو (1) أمته، فقال: زنيت (2) كان كاذبًا ولم يكن قاذفًا، قال محمد: وفيه اختلاف؛ لأن من قول ابن القاسم إن شهادة القاذف جائزة حتى يقام عليه الحد (3). يريد أنه يقضى عليه بالطلاق والعتق، ثم يكون النظر في القذف، فقد يوجب عليهما الحد أو يسقط (4)، لإقرار الآخرين أن الزوجة والملك باق على حالة.
وقال أصبغ -في العتبية-: لا تجوز شهادتهما ويحدان (5). قال محمد: ولو قال الزوج طلقت وما أصبت، وقال السيد أعتقت وما أصبت، حد الشاهدان (6).
فصل [في انفراد النساء بالشهادة]
فأما شهادة النساء بانفرادهن، فتجوز فيما لا يطلع عليه الرجال، قال محمد 299: تجوز شهادة 300 امرأتين بغير يمين، إذا كانتا عدلتين فيما لا يطلع عليه الرجال 301، كالولادة والاستهلال والسقط، وعيوب الفرج في الإماء293294295296297298
الجزء: 11 - الصفحة: 5427
والحمل 302 والحيض والرضاع 303.
قال أصبغ: وما تحت الثياب والشهادة في الولد على ثلاثة أوجه: على نفس 304 الولادة، وعلى الاستهلال، وعلى أنه ذكر، فتجوز شهادتهما على الولادة مع وجود الولد، أن هذه ولدته.
واختلف إذا لم يكن الولد موجودًا، فأجازها ابن القاسم 305. ومنعها ربيعة وسحنون 306. وأرى إن كانت المناكرة بقرب الولادة أن لا تقبل الشهادة؛ لأنه يقدر على إظهاره وإن كان مقبورًا، وإن كانت الشهادة بعد طول الأمد، وإنما احتيج إليها الآن عند قدوم من أنكر الولادة، أو قالت الأم كنت مقرًا به وجحدت الآن، كانت الشهادة 307 جائزة، وإن شهدتا 308 على الاستهلال، جازت الشهادة إذا كان البدن حاضرًا 309، إلا أن يقال إن مثل ذلك لا يستهل؛ لأنه لم يتم خلقه، وإن لم يوجد البدن 310 عاد الخلاف المتقدم، إلا أن يكونا متفقين على الولادة، وإنما الخلاف في الاستهلال فتقبل الشهادة وإن عدم الولد.
واختلف إذا شهدتا على 311 أنه ذكر على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم:
الجزء: 11 - الصفحة: 5428
يحلف المشهود له مع شهادتهما ويستحق 312. فأقامهما 313 ها هنا 314 مقام شهادة رجل 315؛ لأن كونه ذكرًا مما يطلع عليه الرجال والنساء، وهي شهادة على ما ليس بمال يستحق بها مال.
وقال أشهب: لا تجوز شهادتهن 316. ومر في ذلك على أصله في الشهادة على ما ليس بما يستحق بها مال 317، وقد تقدم.
وقال أصبغ: إن فات أمره بالدفن وطال مكثه، حتى لا يمكن إخراجه، لتغيره، نظرت فإن كانت فضل 318 ذلك المال ترجع إلى بيت المال، أو إلى العشير 319 البعيد أجزت الشهادة 320، وإن كان يرجع إلى بعض الورثة دون بعض، أخذت بقول أشهب، قال محمد: وذلك 321 سواء 322؛ لأن حق بيت المال كحق أقرب الورثة، ولو 323 عدمت البينة ومات رجل عن زوجة حامل وبنت وعاصب، فوضعت الزوجة وقالت البنت 324 والزوجة كان غلامًا، وقال العاصب كانت
الجزء: 11 - الصفحة: 5429
أنثى، فعلى قول الزوجة والابنة تكون الفريضة من أربعة وعشرين، للابنة من ذلك أربعة عشر سهمًا، منها (1) سبعة عن الأب وسبعة عن الأخ، وللزوجة الثمن عن الزوج وهو ثلاثة، والثلث عن الولد وهو خمسة إلا ثلث، والباقي على قوليهما للعاصب وهو سهمان وثلث.
وعلى قول العاصب إنها أنثى يكون للزوجة الثمن وهو ثلاثة (2)، وللابنتين الثلثان فذلك تسعة عشر، والفاضل على قوله عن الزوج (3) خمسة، وعن الابنة سهم وثلث، الجملة ستة وثلث (4)، وقد قبض بتسليم الورثة الأم والبنت سهمين وثلثًا، فالمتنازع فيه على قولهم أربعة إلا ثلثًا (5)، يتحالفون فيها تقسم بينهم (6) على قدر دعواهم، فالعاصب يقول جميعها إلي، والزوجة والابنة يقولان جميعها لنا، فيأخذ العاصب نصفها، ثم تقسم الزوجة (7) والبنت النصف الآخر نصفين.
فصل [في شهادة النساء على عيوب الفرح]
وشهادتهن على عيوب الفرج على وجهين: فأما الحرة يدعي الزوج أن بفرجها عيبًا يوجب الرد، فينظر إليها النساء.
وقال سحنون وأصحابنا يرون 332325326327328329330331
الجزء: 11 - الصفحة: 5430
أنها مصدقة، وأنا أرى أن ينظر إليها النساء 333. وهو أحسن لأنها تتهم في أن تدفع عن نفسها فلا تصدق 334، والنظر والشهادة في ذلك ضرورة 335.
واختلف إذا كان العيب بغير الفرج، هل يبقر الثوب عن ذلك الموضع ليراه الرجال أو يرجع فيه إلى شهادة النساء؟ وقد تقدم قول أصبغ، أن شهادتهن 336 تجوز فيما تحت الثياب فلا يحتاج إلى أن يبقر عن الثوب.
وأما الإماء فإن كان العيب بالفرج، وهو مما لا يعلمه الرجال، وإنما يعلمه النساء ولا يدري الرجل، هل ذلك صفة خلق كثير منهن أم لا؟ فإن كانت الشهادة عن فائتة؛ لأن الأمة ماتت أو غابت، أو كان القائم بالعيب هو الذي أتى 337 بهن، ليشهدن له، لم يقبل في ذلك أقل من امرأتين ولا يمين عليه، وإن كان الحاكم الباعث في الكشف عن ذلك، كان فيه قولان: هل يقبل قول امرأة واحدة؛ لأنه من باب الخبر أو امرأتين؟ ولا أرى أن يقبل اليوم أقل من امرأتين؛ لأن العدالة ضعفت.
وإن كان العيب مما يعلمه الرجل كالبكارة، يقول وجدتها ثيبا وكذبه البائع، ولم يبعث الحاكم في ذلك أقل من امرأتين 338، لم يقبل في ذلك أقل من امرأتين، واختلف في اليمين 339.
الجزء: 11 - الصفحة: 5431
فصل [في انفراد النساء بالشهادة فيما يقع بينهن مما لا يجوز الانفراد به]
اختلف في شهادة النساء بانفرادهن، فيما يقع بينهن في العرس والمأتم والحمام، من الجراح والقتل.
فذكر ابن الجلاب في ذلك قولن: الجواز والمنع 340. فالجواز 341 قياسًا على شهادة الصبيان؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فيجوزان 342 وإن لم 343 تكونا عدلتين؛ لأنه موضع لا يحضره العدول.
وأرى أن يقسم معهما في القتل والمنع أولى؛ لأن النساء يتهمن أن يرمين بذلك من لم يجز، وليس قول المرأة من أولى 344 على الصدق فإذا لم تحمل على الصدق فإنه يختلف هل يقسم معهن في القتل؟ 345 وتحلف إن جرحت وتقتص، وإن عدل منهما اثنتان 346 اقتص له 347 في القتل بغير قسامة، واقتصت في الجراح بغير يمين؛ لأن شهادة اثنتين فيما لا يحضره غيرهن، كالرجلين فيما يحضره الرجال.
وأجاز محمد في المرأة تدعي علي زوجها، أنه بنى بها وأرخى الستر
الجزء: 11 - الصفحة: 5432
عليها 348، شهادة امرأتين 349 ويمين 350، لما كان ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء 351، والزوج يدعي المعرفة، وقد قيل في هذا الأصل: لا يمين عليها والمرأتان كالرجلين، ولا يقضى بشهادة امرأة واحدة في الأموال؛ لأنها ربع شهادة.
ويختلف فيما لا يطلع عليه إلا النساء فقال محمد: لا يلطخ 352 بشهادة امرأة واحدة شيئًا، لا في قتل ولا رضاع ولا استهلال، ولا حيض ولا حمل، ولا في عيب ولا في غير ذلك 353 من جميع الأشياء، أقل من امرأتين 354. وقد اختلف في جميع ذلك، فأجاز أشهب 355 القسامة مع المرأة الواحدة في العمد والخطأ 356، ورآها لطخًا وليس بالبين.
ولا أرى أن يراق دم امرئ مسلم بقول امرأة، وهو في الخطأ 357 أبين أن لا تجوز لأنها شهادة على مال.
وأجاز ابن القاسم في كتاب النكاح الثاني، بشهادة امرأة واحدة على الرضاع.
وأجازها مالك في كتاب محمد إذا فشا عند المعارف والأهلين 358.
الجزء: 11 - الصفحة: 5433
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفراق بقول امرأة أنها أرضعت 359، وإن لم يعرف ذلك من قولها قبل، فهو في هذا أبين.
وحلف ابن القاسم السيد بشهادة امرأة واحدة 360، على أمته 361 أنها ولدت منه 362، إذا شهد شاهدان على الوطء، قال: لأنها لو أقامت امرأتين، ثبتت الشهادة على الولادة، فإذا قامت امرأة حلف 363. يريد أن شهادة امرأتين 364 في هذا الموضع، بمنزلة شهادة 365 رجلين في غيره، وعلى هذا أن 366 شهادة امرأة واحدة نصف شهادة، يحلف بها السيد كما يحلف على شهادة رجل في 367 غيره.
وعلى هذا إن شهدت امرأة واحدة 368 على الاستهلال، حلف من قام بشهادتها واستحق، وأدنى منازل شهادتها أن يحلف المنكر للشهادة، إذا قالت الأمة إنه علم، وإن شهدت امرأة على الحبل 369، حلف المشتري ورد، وإن شهدت على الحيض، وكانت الشهادة بعد أن انتقلت إلى الطهر، حلف البائع وسلمها واستحق الثمن، ولا يصيبها المشتري، ويحال بينه وبينها إذا كان قد
الجزء: 11 - الصفحة: 5434
كذب الشهادة حتى تحيض، وكذلك العيب إن شهدت امرأة أن بها عيبا، في موضع لا يطلع عليه الرجال حلف ورد.
فصل [في شهادة الصبيان]
فأما شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجراح والقتل، فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فقال مالك: تجوز في الجراح والقتل 370. وقيل: تجوز في الجراح خاصة 371. وقال محمد بن عبد الحكم: لا تجوز في جراح ولا قتل؛ لأن الله إنما أجاز 372 شهادة العدل و 373 الرضي.
والأول أحسن؛ لأن القتل والجرح 374 موجود، والشأن صدقهم عند أول قولهم، والضرورة تدعو إلى معرفة ذلك منهم.
وقال القاضي 375 أبو محمد عبد الوهاب: تقبل شهادتهم بتسعة شروط.
أحدها: أن يكونا 376 ممن يعقل الشهادة، أحرارًا ذكورًا محكومًا لهم بالإسلام، والمشهود به جرح أو قتل، ويكون ذلك فيما بينهم، لا لكبير على صغير ولا لصغير على كبير، ويكونا ائنين فصاعدًا، وتكون الشهادة قبل تفرقهم
الجزء: 11 - الصفحة: 5435
وتخبيبهم 377، وتكون متفقة غير مختلفة 378.
وقد اختلف في هذه الجملة في سبعة مواضع أحدها: هل تجوز شهادتهم فيما بينهم في المعارك 379، أو شهادة من لم يحضر معهم في ذلك؟ والثاني: شهادة الإناث مع الذكور.
والثالث: شهادتهم لكبير أو عليه.
والرابع: القسامة إذا يمت بالحضرة.
وهل يقسم مع شهادة واحد.
والخامس: إذا اختلفت الشهادة ولم يخرجوا بالقتيل عن جملتهم.
والسادس: هل يراعى ما كان بينهم من عداوة أو قرابة 380.
فأما الوضع الذي تجوز فيه فقال مالك: تجوز فيما بينهم 381. وقال -في كتاب ابن سحنون-: تجوز 382 في المعارك.
يريد القتال الذي يكون بينهم، وقال ابن مزين: إذا شهد صبيان على صبي، فلا أبالي كان الشهود مع الجارح، أو مع المجروح في جماعة، أو كانوا في جماعة 383 ليسوا منهم بسبيل 384. والأول أشبه، وإنما يجوز 385 فيما تدعو الضرورة إليه، وهو ما يجري بينهم، فإذا لم يكونوا منهم،
الجزء: 11 - الصفحة: 5436
وإنما مروا بهم كانوا كغيرهم ممن مر بهم، فلا تجوز إلا بشرط البلوغ والعدالة.
وأما الإناث يشهدن مع الصبي، أو يشهد بعضهن على بعض، فقال محمد: لا تجوز شهادة الإناث وإن كان ذلك فيما بينهن 386. وأجازها عبد الملك 387 في المجموعة 388.
وقال محمد 389: أقل ما تجوز شهادة غلامين، أو غلام وجاريتين، ولا تجوز شهادة غلام وجارية، ولا شهادة الإناث وإن كثرن؛ لأنهن مقام اثنتين، واثنتان مقام واحد 390. وهو أحسن إذا كان يجتمع جميعهن للعب، الذكران والإناث، وإن لم يجتمعوا 391 وإنما مر صبي وصبيتان على صبيان يلعبون بانفرادهم 392، أو إناث يلعبن بانفرادهن، لم تجز الشهادة على قول مالك، وجازت على قول ابن مزين.
وإن شهد صبيان على ما كان بين الإناث بانفرادهن، جرى على الخلاف فيما يكون بين النساء في المأتم والعرس.
وقد قال -غير ابن القاسم في المدونة-: أن الإناث يجزن 393، ولم يبين هل ذلك فيما يكون بينهن بانفرادهن، وفيما.
يكون منهن مع الذكران؟ وكل ذلك يجري على الخلاف المتقدم.
ولا تجوز شهادة الصبيان لكبير 394، ولا على كبير، وهذا قوله في المدونة 395.
الجزء: 11 - الصفحة: 5437
وأجاز محمد شهادتهم للكبير في القتل، ولم يجزها في الجراح؛ لأنه يتهم أن يكون خببهم، ولم يجزها على كبير في جرح ولا قتل؛ لأنهم متهمون أن يدفعوا 396 عن أنفسهم 397.
وأجازها ابن حبيب للكبير وعليه.
والأول أحسن وأصوب 398. ولا تجوز إلا فيما تدعو إليه الضرورة، في المجامع التي تكون بينهم، ويلزم من أجازها للكبير أو عليه، أن يجيز شهادة الصغار 399، على من لم يكن معهم في المعارك.
قال مالك: وليس في الصبيان قسامة 400، والقسامة على أربعة أوجه: تسقط في وجهين، إذا قال المقتول: قتلني فلان.
وإذا أقر القاتل 401 أنه قتل.
واختلف إذا ثبت الضرب بشهادة صبيين، ثم نزي في ذلك الجرح فمات، أو شهد صبي واحد على القتل المجهز.
فعلى قول مالك لا يقسم في ذلك.
وقال ابن نافع -في المدونة-: إذا ثبت الضرب بشهادة صبيين، ثم نزي فيه 402 فمات، يقسم أولياؤه لمن ضربه، مات ويستحق 403 الدية 404. وقال أيضًا -في كتاب ابن مزين-: يقسم مع شهادة الصبي الواحد في العمد والخطأ.
الجزء: 11 - الصفحة: 5438
وقوله إذا ثبت الضرب بشهادة الصبيين 405، ثم نزي فيه فمات 406 أشبه؛ لأنهما في ذلك مقام الرجلين في ثبات الضرب، فكانت القسامة في ذلك جائزة، بمنزلة لو شهد على الضرب رجلان.
واختلف إذا خالطهم رجل، هل تسقط الشهادة لإمكان أن يكون خببهم ووقف الشهادة أولى؟ وإن كان عدلًا وإن 407 وقال لا أدري 408 من رماه، ثبتت شهادة الصبيان.
واختلف إذا شهد صبيان أن هذا الصبي قتله، وشهد رجلان عدلان أنه لم يقتله ولم يدمه، هل يؤخذ بقول الصبيين؛ لأنهما أثبتا حكمًا، أو بقول الرجلين؟ والأخذ بقول الرجلين أحسن، ولا تسقط شهادة العدول، بشهادة من ليس بعدل.
وكذلك إذا قال الرجلان بل قتله هذا، أخذ بقولهما وكانت الدية على عاقلة من شهدا عليه، إلا أن يقوم أولياء القتيل 409 بشهادة الصبيين، فتسقط الدية؛ لأنهم كذبوا الرجلين، وشهادة الصبيين ساقطة بشهادة الرجلين.
وإن شهد رجل عدل أن هذا قتله، لغير من شهد عليه الصبيان، أقسموا 410 معه وكانت الدية على عاقلته، وكذلك إن اتفقت شهادة الرجل العدل 411 و 412 الصبيين، فإنه يقسم مع شهادته؛ لأن شهادة الصبيين سقطت بحضور
الجزء: 11 - الصفحة: 5439
الرجل، وهذا هو الصحيح من المذهب.
وقال عبد الملك: تسقط شهادة الصغار إذا شهد كبار عدول بمعاينتهم، بخلاف ما شهدوا به 413. وإن اتفقت شهادة الرجل العدل مع الصبيين، فهو تقوية للرجل كشاهدين عدلين 414، أو يشهدون 415 باختلاف قولهم، أو أنهم تفرقوا قبل أن يشهدوا.
واختلف إذا اختلفت شهادة الصبيان، ولم يخرجوا القتل عنهم 416، فشهد اثنان أن هذين قتلاه.
وقال 417 المشهود عليه 418: بل أنتما قتلتماه.
فقيل: تسقط الشهادتان 419 لأنها اختلفت وقيل 420: تكون الدية على عاقلة الأربعة، لاتفاقهم أن القتل لم يخرج عنهم.
وقد اختلف في هذا الأصل في الرجال 421، إذا كان ثلاثة نفر فمات أحدهم، فقال الأول للثاني: أنت القاتل.
وقال الثاني للأول: أنت القاتل.
وذلك كله في موضع واحد.
وكذلك إذا كانتا قبيلتين، إحداهما مظلومة والأخرى ظالمة، واختلط القتيلان، أو لم يعرف القتيلان لمن هو منهما، قياسًا على من قتل رجلًا ثم اختلط بآخر، فقال كل وأحد منهما لصاحبه: أنت القاتل.
فقيل: لا شيء عليهما وقيل: الدية حكما وقال
الجزء: 11 - الصفحة: 5440
أشهب: الدم هدر 422 فقيل: فيمن قتل رجلا ثم اختلط بآخر، فقال كل واحد منهما لصاحبه أنت القاتل.
فقيل 423: لا شيء عليهما.
وقيل: الدية على عاقلتهما.
والأول أحسن؛ لأن عاقلة أحدهما بريئة.
فإذا جعلت الدية على العاقلتين كانت إحداهما مظلومة قطعا 424. وقال عبد الملك: إن شهد صبيان أن صبيا قتله، وشهد آخران أن 425 دابة أصابته، قضى بشهادة الصبيين على القتل 426. ورأى أن من أثبت حكما أولى.
والصحيح أنها قد اختلفت فيسقط جميعها.
وإن قيدت شهادتهم ثم اختلفوا أخذ بأول قولهم، وكذلك إذا بلغوا وعدلوا وشكوا 427 أخذ بقولهم الأول، وإن قالوا لم تكن الشهادة كما شهدنا، ولم يكن حكم بها لم يقض بها الآن، ولا يراعى في الصبيان جرح ولا تعديل.
ويختلف في العداوة والقرابة.
وقال ابن القاسم: لا تجوز شهادة القريب لقريبه 428 وقال المغيرة: تجوز عليه ولا تجوز له 429. وقال محمد: ومذهب 430 ابن القاسم، لا ينبغي 431 أن يجيزها في العداوة 432. وأجازها عبد الملك في العداوة
الجزء: 11 - الصفحة: 5441
وقال لأن العداوة بينهم ليس لها (1) غِمْرٌ (2). فعلى قوله تجوز في القريب، وأرى أن تجوز في القريب (3) لأنه لابد أن يكون له قاتل من تلك الجماعة، ولا يتهمون أن يرموا به غير الفاعل (4)؛ لأن الآخرين (5) أجنبيون وهم في المنزلة عند البينة سواء، ولا تجوز إن رموا به عدوًا لهم؛ لأنهم يتهمون أن يبرؤوا (6) من ليس بعدو لهم (7)، ويطرحون على عدو.
فصل [في شهادة الترجمان والقائف وما يشبهما]
واختلف في الترجمان والقائف، والطبيب والمقوم للعيب، يكون في العبد والأمة والقاضي ومكشفه، يسأل عن التعديل والتجريح إذا لم يأت على وجه الشهادة، هل يقبل في ذلك واحد؛ لأنه من باب الخبر أو اثنان.
فأما الترجمان فقال مالك -في العتبية-: إذا اختصم إلى القاضي خصمان433434435436437438439
الجزء: 11 - الصفحة: 5442
يتكلمان بغير العربية، فإنه يترجم عنهما رجل مسلم ثقة واثنان أحب إلينا 440، ولا نقبل ترجمة مسخوط ولا عبد ولا كافر، وتترجم امرأة إذا كانت عدلة، وألحق مما تقبل 441 فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحب إليّ؛ لأنه موضع شهادة، فأجراها مجرى الخبر فيجزئ 442 فيها واحد 443، واستحب أن يكون اثنين.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا أحفظ فيه عن متقدمي أصحابنا 444 شيئًا 445. وقال متأخرو شيوخنا: إن كان الإقرار يتضمن مالًا، أو ما يتعلق بالمال قبل فيه رجل وامرأتان، وإن كان لا يتضمن مالًا، لم يقبل فيه إلا رجلان، فأجروه مجرى الشهادة.
واختلف عن مالك في القائف، فقال يجزئ واحد عدل 446؛ لأن ذلك لم يؤخذ على وجه الشهادة، وقال أيضًا: يجوز واحد إذا لم يوجد 447 غيره 448، وقد أجازه عمر بن الخطاب، وروى عنه أشهب أنه قال: لا يجزئ إلا اثنان؛ لأن
الجزء: 11 - الصفحة: 5443
الناس قد دخلوا 449. وهو أصوب ولو استظهر في ذلك بالعدد حتى ينظر 450 هل يتفق قولهم لكان أحسن فإن لم يوجد إلا واحد أجزأ 451 إذا كان عدلًا بصيرًا.
واختلف في قبول الجرح والتعديل بواحد، إذا كان ذلك سؤال 452 من القاضي أو من من مكشفه، ولم يكن أحد الخصمين هو الذي أتى به إلى القاضي أو مكشفه، ولا أرى اليوم أن يجتزئ بأقل من اثنين، وإن كان المشهود له أتى بهم إلى القاضي أو مكشفه، لم 453 يقبل في ذلك أقل من اثنين قولًا واحدًا.
وقال محمد: لا يرد من العيوب إلا ما اجتمع عليه عدلان من أهل المعرفة والبصر.
وقال ابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: للحاكم قبول 454 شهادة الواحد فيما اختصم إليه من عيوب العبيد 455 والإماء، إذا كانا قائمين، وإن 456 كان الحاكم 457 متولي الكشف، فيرسل العبد أو الأمة إلى من يرتضيه، لمعرفة ذلك 458؛ لأن ذلك ليس بشهادة، وإنما هو علم يأخذه عمن يبصره، مرضيًا كان أو مسخوطًا.
فإن كان العبد غائبًا أو ميتًا كانت الشهادة على وجهها، وعلى
الجزء: 11 - الصفحة: 5444
ما جيء به 459 في 460 الشهادة، قال: وكذلك عيوب الإماء التي لا ينظر إليها إلا النساء، فإن كانت الأمة قائمة اكتفي فيها بقول امرأة.
وقال مالك -في الأمة توقف للاستبراء-: يجزئ فيها قول 461 امرأة.
فعلى قوله تجزئ الواحدة في العيوب، وعلى أحد قوليه في القائف 462 أن لا يجزئ واحد، فلا يجزي في العيوب إلا رجلان، وفي الإماء إلا امرأتان، وذكر شهادة السماع والاستفاضة يأتي فيما بعد إن شاء الله.
الجزء: 11 - الصفحة: 5445
باب في شهادة القاذف قبل حده وبعده
وقال ابن القاسم 463: تجوز شهادة القاذف و 464 المحدود في القذف، إذا تاب وحسنت حالته 465. قال مالك: وإن كان صالحًا ازداد درجة 466 جازت شهادته 467. وقد اختلف في القاذف في أربعة مواضع: أحدها: هل تسقط شهادته 468 بنفس القذف، أو حتى يعجز عما رمى به؟ والثاني: إذا عجز وحُدَّ، هل توبته أن ينتقل حالة 469 إلى خير وصلاح، أو أن يرجع عن قوله؟ والثالث: إذا صحت توبته هل يقبل في القذف؟ والرابع: إذا كان متماديًا على قوله هل يعد قذفًا 470 ثانيًا فيحد؟ فقال ابن القاسم: شهادته جائزة حتى يحد 471. وقال عبد الملك: تسقط بنفس القذف، إلا أن يثبت قول 472.
وأرى شهادته على الوقف فلا تمضي ولا ترد، فإن أثبت ما رمى به مضت، وإن عجزردت.
وإن قذف من هو مشهور بالفساد لم يحد له 473، وإن عجز عن
الجزء: 11 - الصفحة: 5446
إثبات 474 ذلك.
وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس: أن امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا" 475. فإذا كان الحد لصيانة الأعراض، وبلغ هذا من انتهاك حرمته، إلى هذا القدر من الإعلان بحاله، لم يحد قاذفه 476.
واختلف إذا حد القاذف، وسقطت شهادته في الوجه الذي يوجب قبولها.
فقال مالك: إذا ظهرت توبته وازداد درجة 477. قال: ولا يقال له تب وليس نزوعه عن قوله 478 بنافع حتى تظهر توبته 479. ولا مقامه عليه بضائر في شهادته، إذا ظهرت توبته، ولا يسأل أمقيم هو أم لا؟ فمنع شهادته وإن رجع عن القول الأول، إذا لم ينتقل حالة.
وأجازها وإن كان مقيمًا عليه، إذا انتقل حالة 480 إلى خير وصلاح.
وقيل: لا تقبل شهادته إلا أن يرجع عن قوله، فيقبل وإن لم تنتقل حالة.
وذكر البخاري عن عمر بن الخطاب: أنه جلد أبا بكرة وشبل ابن معبد 481 ونافعًا، لقذف المغيرة.
وقال من تاب قبل شهادته، فلم يرجع أبو بكرة فلم تقبل شهادته، وذكر عن أبي الزناد أنه قال: الأمر عندنا
الجزء: 11 - الصفحة: 5447
بالمدينة، إذا رجع القاذف 482 عن قوله واستغفر قبلت شهادته 483. وعن الشعبي وقتادة مثل ذلك 484.
وأرى أن يجمع بين التوبة من القول 485، وصلاح الحال، لقول الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] فشرط الفصلين جميعًا، والتوبة في الحقيقة النزوع عن القول الأول، أو الفعل إن كان فعلًا، وأن لا يعود إليه 486، فمن كان باقيًا على الذنب الذي أسقط 487 الشهادة، لم يتب وإن تبين منه الصلاح، في وجه آخر وهو بمنزلة من علم منه، أنه لا يستنكف عن صنف من المعاصي، وهو في غيره على الخير والصلاح.
ويستحيل أن يكون ذلك دليلًا على انتقاله 488، وهو مقر أنه مقيم عليه، يقول الذي كنت قلت حق، ثم لا يكتفي منه بالرجوع عن القول دون أن يتبين انتقال حالة؛ لأن من علمت منه معصية، لا تكون توبته فيما يتعلق بحق الناس من الشهادة، بأن يقول تبت دون أن يتبين حالة 489. وقال ابن القاسم: إذا قبلت شهادته لم ترد في شيء من الأشياء 490. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: تجوز في كل شيء
الجزء: 11 - الصفحة: 5448
إلا في القذف وحده 491، وكذلك الزاني البكر إذا حد ثم تاب، تجوز شهادته إلا في الزنا، وتجوز في القذف واللعان وكذلك المنبوذ، لا تجوز شهادته في شيء من وجوه 492 الزنا، لا في قذف ولا في رؤية 493، وكذلك قال مالك 494.
وتجوز شهادة السارق في كل شيء، إلا في السرقة، وكذلك قاتل العمد يعفى عنه ثم يحسن حالة، وكذلك الشارب يحد في سكره.
واختلف إذا تمادى على قوله، هل يكون كمبتدئ قذف فيعاد حده؟ وقد مضى ذلك في كتاب اللعان.
الجزء: 11 - الصفحة: 5449
باب في الشهادة على الشهادة
الشهادة على الشهادة 495 جائزة، إذا كان المنقول عنه مريضًا أو غائبًا أو ميتًا، وإن كان حاضرًا قادرًا على أدائها بنفسه 496، لم تنقل عنه لإمكان أن يكون تأخره لريبة، لو حضر ثبتت 497 عليه 498، فيؤدي ذلك إلى البحث والكشف، ولأن قبول الشهادة من شهود الأصل أسلم وأحوط؛ لأن شهود الأصل يمكن منهم، السهو والغلط وتعمد الكذب، ويمكن مثل ذلك من الناقلين، فكان من حق المشهود عليه، أن يؤدي الشاهد الشهادة بنفسه؛ لأن تخوف ذلك منهم أخف من تخوفه من الفريقين.
وقال ابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: ينقل عن النساء وإن كن حضورًا وذلك الشأن 499.
واختلف في حد الغيبة وفي عدد الناقلين عنهم 500، وهل يدخل النساء في النقل؟ فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل عنهم، إلا في الغيبة البعيدة، وأما اليومان والثلاثة فلا، ويجوز ذلك في غير الحدود 501. وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر في مثلها الصلاة، أو الستين ميلًا كتب القاضي إلى رجل تشهد عنده البينة، ولم يفرق بين أن تكون
الجزء: 11 - الصفحة: 5450
الشهادة 502 في مال أو حد 503. وقال ابن القاسم -في المدونة فيمن أراد أن يحلف خصمه، لغيبة بينته ثم يقوم بها- قال: إن كانت الغيبة قريبة اليوم واليومين والثلاثة، قيل له قرب بينتك، وإلا فاستحلفه على تركها 504. والأول أحسن.
والاحتياط للحدود أولى.
وأما العدد فذهب 505 ابن القاسم، إلى أنه كالشهادة على ذلك 506 الأصل الذي يشهد فيه المنقول عنهم، فإن كان مالًا جاز أن ينقل رجلان أو رجل وامرأتان 507، وإن كان نكاحًا أو طلاقًا أو حدًا غير الزنا، جاز نقل رجلين ولم يجز نقل النساء 508. وإن كانت عن معاينة الزنا، جاز أن ينقل أربعة عن كل واحد من الأربعة، أو اثنان عن كل 509 اثنين، أو اثنان عن ثلاثة، أو اثنان عن واحد، ولا ينقل واحد عن واحد 510.
كذلك المال والنكاح، ينقل الاثنان عن كل واحد من شهود الأصل، ولا ينقل واحد عن واحد، وواحد عن واحد 511، وإن كان النقل عن حكم قاض
الجزء: 11 - الصفحة: 5451
بمال، جاز على قوله شهادة رجل وامرأتين.
وقال ابن الماجشون -في المبسوط في الشهادة على السماع-: أقل ما يجزئ في ذلك شهادة أربعة 512. قال 513: وذلك أنه شبيه بالشهادة على الشهادة 514، فلا يجزئ على قوله في المال والحدود، وما سوى الزنا أقل من أربعة، وإن نقل عن حكم قاض، فإن كانت الشهادة على القاضي، بحكم تضمن مالًا أجزأ اثنان، وإن كانت الشهادة 515 على بينة في الحكم، لم يجز أقل من أربعة.
وقال -في النقل عن شهود الزنا-: ينقل أربعة عن كل واحد ولا يتكرروا 516. والأول أبين والحكم في النقل كالمنقول عنهم 517. وأجاز أشهب نقل اثنين في الأموال، ولم يجز نقل النساء فيه؛ لأن النقل ليس بمال وإن كان المستحق به 518 مالًا.
وقال عبد الملك -في كتاب محمد-: إن شهد رجلان على شهادة واحد، ثم شهد أحدهما وآخر معه، على شهادة رجل آخر على ذلك الحق، لم تجز.
الجزء: 11 - الصفحة: 5452
قال: وإنما حيي 519 ذلك الحق بواحد 520، ألا ترى أنه إنما 521 شهد رجلان على شهادة رجل، وشهد آخر على شهادة رجل آخر 522، فلم يجز ولم يقطع بها، حتى رجع أحدهما فشهد مع الآخر، حتى أنفذ ما وقف من شهادتهما.
وقال محمد: ذلك جائز 523، وإنما هو رجل شهد على شهادة رجلين، فلو جاء آخر فشهد عليها 524 ثبت الشهادة.
وهذا الذي قاله محمد لا تهمة فيه، وإنما جاوب عبد الملك إذا تقدم نقلها 525 عن واحد، ثم نقل أحدهما مع آخر، فاتهمه لما تقدم وقوف شهادته، أن يشهد مع هذا، لتمضي شهادته 526، وعلى أن قوله لو أتى الثلاثة معًا لم يقض بشهادتهم، إلا أن يكونوا أربعة.
قال محمد: وإن شهد رجلان على شهادة رجل في ذكر حق، وعدلا آخر شهد فيه جاز، وإن شهد شاهدان في ذكر حق، لم يجز أن يعدل أحدهما الآخر.
قال: وإن شهد العدول على شهادة رجل، ثم شك المنقول عنه 527 بعد طول زمان، أو أنكرهما 528 لم تجز شهادته، إلا أن يكون قد
الجزء: 11 - الصفحة: 5453
صار ذلك 529 إقرارًا على نفسه، أو آل 530 إلى أن 531 يجر إلى نفسه 532 بجحوده منفعة 533.
وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل فيمن حدث بحديث ثم نسيه، يجوز أن يسمع ممن كان سمعه، وإن كان 534 يرويه الأول عمن كان سمعه منه، وليس النقل بتعديل للمنقول عنهم؛ لأنهم إنا نقلوا 535 لفظًا سمعوه، ومجرد النقل 536 لا يقتضي تعديلًا، ولا ينبغي أن ينقل عن مجرح، خوف أن يخطئ الحاكم، أو يدلس عليه فيحكم به، ولا بأس 537 بالنقل عمن لا يعلمه بجرح ولا تعديل، وبقية ما يتعلق بهذا الفصل مذكور في كتاب الرجم.
واختلف في نقل النساء، فقال ابن القاسم: يجوز نقلهن فيما تجوز فيه شهادتهن، فينقل رجل وامرأتان عن رجلين شهدا بال، فتكون الشهادة قد تمت، وعن رجل وامرأتين، فيحلف المشهود له على شهادة المنقول عن 538 وعن امرأة فتكون ربع شهادة، وعن رجل أو امرأتين شهدتا على طلاق أو عتق أو قتل، فيحلف الزوج أو السيد ويقسم الأولياء، ولا يصح نقل امرأتين
الجزء: 11 - الصفحة: 5454
شهدتا 539 بانفرادهما 540 في شيء من ذلك، كما لا يجوز نقل رجل عن رجل 541 ولا عن امرأتين 542.
واختلف في نقل امرأتين عن امرأتين، شهدتا على ولادة أو استهلال.
فقال أصبغ: يجوز نقلهما بانفرادهما قياسًا على الشهادة في ذلك الأصل 543. وقال ابن القاسم: لا يجوز في ذلك إلا رجل وامرأتان 544، ولا يجوز نقل أربع نسوة، وهو أصوب؛ لأن الأول أجيز للضرورة، لما كان لا يحضره غيرهن، ولا ضرورة في النقل ولا في الاقتصار عليهن.
وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز 545 نقلهن للشهادة بحال، لا في مال ولا في غيره، ولا تجوز إلا حيث تجوز شاهد 546 ويمين، والنقل لا يجوز ذلك فيه 547.
الجزء: 11 - الصفحة: 5455
باب في اختلاف الشهادة في المال والطلاق والعتق والقتل
وقال مالك -فيمن أقام شاهدًا بمائة دينار 548، وشاهدًا بخمسين، فإن شاء أخذ مائة بيمين، وإن شاء أخذ 549 خمسين بغير يمين 550، ولم يبين الشهادة عن مجلس أو مجلسين.
وقد اختلف إذا كانتا عن مجلس 551 بلفظ واحد، وقام المشهود له بالشهادتين 552، والمدعى عليه منكر لهما.
فقيل: الشهادة ماضية حسبما تقدم، وكان شاهد المائة شهد بخمسين مرتين 553. وقيل: الشهادتان ساقطتان.
وهو أحسن، وقد كذب كل واحد منهما صاحبه، واللفظ بمائة غير اللفظ بخمسين.
وإن قام 554 الطالب 555 بشاهد المائة، حلف معه واستحق، وإن كان الآخر أعدل.
وقد 556 سقط شاهد الخمسين، لاتفاق الطالب والمطلوب على كذبه.
وإن قام المطلوب بشاهد الخمسن، نظر إلى أعدل الشاهدين، فان كان شاهد المائة أعدل، حلف معه الطالب واستحق، وإن كان الآخر أعدل، حلف معه المطلوب وبرئ.
وقيل: يحكم بشاهد الطالب وإن كان الآخر أعدل، وليس
الجزء: 11 - الصفحة: 5456
بالبين 557 والأول أحسن؛ لأن المطلوب يقول هذا شاهدي أعدل من شاهدك، يشهد أني لم أقر إلا بخمسين.
واختلف إذا كانت الشهادة عن مجلسين، وقال المشهود له هو مال واحد، والمدعى عليه ينكر الجميع.
فقال ابن القاسم: لا يستحق من ذلك شيئًا إلا بيمين، وقال محمد: له أن يأخذ أقلهما بغير يمين، ويحلف المطلوب على الزائد 558. والأول أصوب؛ لأن المطلوب يقول ليس لك أن تضم الشهادتين، وتأخذ خمسين ثم أحلف على تكذيب شاهد المائة، وإذا حلفت على تكذيبه بطل جميع شهادته، فإن أحب حلف 559 مع شاهد المائة وأخذها 560، ويستغني عن شاهد الخمسين، وإن أحب أن يحلف مع شاهد الخمسين ويرد اليمين في شاهد المائة، فإن حلف برئ وإن نكل غرم خمسين؛ لأن الطالب لم يدع إلا مائة وقد أخذ خمسين، فإن أحب أخذ خمسين بغير يمين مائة 561، ثم لا يكون له على الطالب شي، وإن زعم الطالب أنهما مالان، حلف مع كل شاهد 562 واستحق مائة وخمسين، إلا أن يقول الطالب 563 بالشهادتين، ويقول الخمسون من المائة ويعدم التواريخ، أو يعلم أنه أقر بخمسين قبل المائة، ويكون القول قوله مع يمينه، إذا قال 564 استدنت منه خمسين فأشهدت له بها، ثم خمسين فأشهدت
الجزء: 11 - الصفحة: 5457
بمائة، فإن علم أن الإشهاد بمائة متقدم لم يقبل قوله، وكان القول قول الطالب أنهما مالان، وإن شهد كل واحد بمائة عن مجلسين، وقال الطالب هما مائتان، وقال المطلوب هي 565 مائة، فظاهر قول ابن القاسم أن القول قول الطالب.
وقال أصبغ: إن كانتا بكتابين فالقول قول الطالب.
وكذلك إن كان إقرارا بغير كتاب، وتقارب ما بينهما 566.
واختلف 567 إذا شهد ستة 568 عن مجالس، كل اثنين 569 بطلقة، وقال الزوج هي واحدة كنت أشهدت بها.
فقال ابن القاسم: هي ثلاث ولا ينفعه ذلك، وقاسه بالسلف 570 أنه يغرم ثلاث مائة 571. قال أصبغ: يعني إذا شهد له بمائة، ثم بمائة 572، ثم بمائة في مجالس 573. وقال أصبغ: إن كان يقول اشهدوا أني طلقتها، دين، وإن كان يقول اشهدوا أنها طالق لم تنفعه نيت 574.
وقال مالك -في "مختصر ما ليس في 575 المختصر"، فيمن لقي رجلًا فقال 576 أشهد أن امرأتي طالق، ثم لقي آخر فقال: أشهد أن امرأتي طالق، ثم
الجزء: 11 - الصفحة: 5458
لقي ثالثًا (1) فقال له مثل ذلك، وقال أردت واحدة، أحلف ودين.
وهو أصوب؛ لأن معنى قوله (2) طالق أنها صارت (3) ذات طلاق، فهو لفظ يراد به الإخبار عن الماضي والإيقاع الآن، إلا أن يتباعد ما بين تلك الشهادات.
فصل [فيمن شُهد عليه بالطلاق والعتق في كلمة واحدة هل تمضي الشهادتان أو لا]
واختلف فيمن شهد عليه شاهدان، أنه قال امرأتي 580 طالق، وشاهدان أنه قال عبدي حر، وكان ذلك عن كلمة واحدة، والزوج منكر للجميع، هل تسقط الشهادتان أو 581 يقضى بهما بالعتق والطلاق؛ لأن الشهادتين تتضمن الحق لاثنين الزوجة والعبد؟ وكل واحد يقوم بما شهد له به، بخلاف أن تكون الشهادة لواحد، فلا يصح أن يقوم بجميعها؛ لأن بعضها يكذب بعضًا، والزوجة ها هنا تقوم بالطلاق، وتقول لا تضرني الشهادة بالعتق؛ لأني والزوج متفقان على تكذيبهما 582، والعبد يقوم بالعتق ويقول لا تضرني الشهادة بالطلاق لأني والسيد متفقان على تكذيبهما 583، فيصح أن يقوم كل واحد ببينته، وإن كذبت الزوجة من شهد بالطلاق، وكذب العبد من شهد بالعتق، لم يحكم577578579
الجزء: 11 - الصفحة: 5459
بطلاق ولا بعتق؛ لأن القيام على المشهود عليه (1)، يصير حينئذ حق (2) لله خاصة، وإذا عاد الحق لواحد لم يصح أن يقوم بهما، مع كون بعضهما يكذب بعضًا، وهذا مع تساوي العدالة، وإن كان بعضها أعدل قيم لله سبحانه بالأعدل، فإن صح (3) صدق الزوج الأعدل، والزوجة والعبد يقولان لا علم عندنا، ولم يقوما بشيء قضي بالتي صدق (4)، وإن صدق الأخرى قضي بالشهادتين، فيقضى بالأعدل لحق الله تعالى والأخرى بإقراره، وإن صدق الأعدل وهي التي شهدت بالطلاق، وقام العبد بشاهدي العتق، قضي بالعتق على القول أن بينة المدعي لا تكذب.
فصل [في شاهدين شهد أحدهما بالقتل والثاني بالذبح هل تمضي شهادتهما أو لا؟]
وإن شهد شاهد أن فلانًا ذبح فلانًا، وشهد 588 آخر أنه أحرقه بالنار 589، والمشهود عليه منكر للشهادتين، فإن قام الأولياء بالشهادتين بطل الدم، وإن قاموا بإحداهما أقسموا معه واقتضوا 590، وسقطت شهادة الآخر، لاجتماع584585586587
الجزء: 11 - الصفحة: 5460
الأولياء والقاتل على تكذيبه، فإن اعترف القاتل بالذبح، وقام 591 الأولياء بشاهد 592 الحرق، فإن كان هو الأعدل، أقسموا معه 593 وأحرقوا، وإن كان الآخر أعدل، حلف معه القاتل وقتل ذبحا بغير حرق.
الجزء: 11 - الصفحة: 5461
باب فيمن شهد بحق لنفسه ولغيره، والشهود يشهد بعضهم لبعض، ومن شهد على رجل في مال في يديه أنه أقر أنه لفلان
اختلف فيمن شهد في وصية لنفسه ولغيره، فقيل: يبطل جميعها؛ لأنه إذا اتهم في بعضها رد جميعها.
وقيل: يسقط ما يخصه منها، ويمضي ما يخص غيره.
وقيل: إن كان الذي يخصه يسيرًا مضت له و 594 لغيره، وإن كان له قدر وبال 595 رد جميعها.
وقال مالك -في المبسوط-: إذا شهد الموصى له جازت شهادته لغيره، يحلفون معه ويستحقون، وإن شهد معه آخر جازت شهادتهما لأهل الوصايا، وحلف هو 596 مع الشاهد الآخر واستحق، ولم يفرق بين يسير 597 ولا كثير.
وذكر الشيخ أبو القاسم 598 ابن الجلاب عن مالك في ذلك قولين 599.
وقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب-: إن لم يشهد في 600 الوصية، إلا رجلان أوصى لهما فيها بشيء وفيها عتق وديون، فإن كان أشهدهما لفظًا نسقًا أو مفترقًا، فشهدا بذلك عند الإمام، أو وضعاها في كتاب ولم يعلم الميت، طرح ما شهدا به لأنفسهما بالغًا ما بلغ، وأمضى ما شهدا به لغيرهما، وإن
الجزء: 11 - الصفحة: 5462
أشهدهما في كتاب أوقعا فيه شهادتهما، فشهدا بعد موته، لم تجز إذا كان ما أوصى به لهما، له بال 601.
واختلف إذا شهدا بدين ولهما فيه يسير، هل تبطل جميع الشهادة، أو تمضي للأجنبي.
فقال -في 602 كتاب محمد-: تمضي 603. وقال مالك 604 -في المدونة فيمن شهد في ذكر حق 605 له فيه شيء-: لم تجز له ولا لغيره 606. قال في المجموعة: لأن أحدهما لا يأخذ منه شيئًا، إلا دخل عليه صاحبه.
قال: ولو اقتسما قبل الشهادة جازت شهادته.
فعلى هذا تجوز شهادته 607 في الوصية لغيره، وإن كثر ما يخصه منها إذا كانت الوصية بمعين 608، مثل أن يوصي له بعبد ولآخر بثوب أو بدار؛ لأنه لا يدخل أحدهما على الآخر، وهي كشهادتين فلا ترد شهادته للأجنبي، وإن قال أنا أعلم أن شهادتي فيما تتضمنه لي لا تجوز، وإنما أقصد بأداء الشهادة الأجنبي 609، وذكرت ما أوصى لي 610 به، لأؤدي
الجزء: 11 - الصفحة: 5463
المجلس حسبما كان، ليس لأنهما 611 تنفعني 612، كان ذلك أبين أن لا ترد للأجنبي.
وقول مطرف وابن الماجشون أنها تجوز فيما لا يخصه، وإن كثر ما وصى له به منها أحسن 613، إلا أنه لا فرق بين أن يكون ذلك في كتاب، أو لفظ من غير كتاب، وإن كان جميع الوصية بعبد أو دار، رد جميعها لأنه لا يخص 614 الأجنبي شيء إلا دخل عليه الشاهد فيه.
وقال يحيى بن سعيد إذا شهد لنفسه ولغيره، ومعه شاهد آخر جازت شهادته له ولغيره 615. قال سحنون: يريد أنه يأخذ ذلك لنفسه بغير يمين، وهذا قول مخالف للأصول، وليس يأخذ أحد لنفسه بشهادته 616.
وقال أصبغ -في العتبية في رجلين شهدا على وصية، شهد كل واحد لصاحبه-: فإن كانت على كتاب واحد بطلت الشهادة، وإن كانت بغير كتاب جازت، وحلف كل واحد مع شهادة الآخر 617. وقال مطرف وابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب، في الشهود يشهد بعضهم لبعض-: إن كان ذلك كله على رجل واحد، وفي مجلس واحد 618، لم تجز الشهادة 619، وان كانت شيئًا بعد
الجزء: 11 - الصفحة: 5464
شيء جاز جميعها، وإن تقارب ما بين الشهادتين، وإن كان على رجلين مفترقين جاز، كان (1) ذلك في مجلس أو مجلسين (2). وأرى أن يرد جميعها، وسواء كانت على رجل أو رجلين، في مجلس أو مجلسين (3)، لفظًا أو بكتاب؛ لأنهما يتهمان على أن تشهد لي وأشهد لك، إلا أن يطول ما بينهما.
فصل [فيمن شهد على رجل، في مال في يد الشاهد، أنه تصدق به على فلان]
وقال مالك 623 -فيمن شهد على رجل، في مال في يد الشاهد، أنه تصدق به على فلان- قال: إن كان فلان حاضرًا، جازت شهادته، وإن كان غائبًا لم تجز؛ لأنه يتهم أن يقر المال في يده 624. قال محمد في كتاب الإقرار: يسلم ذلك ولا يشهد، ولا ضمان عليه، فإن قدم الغائب شهد له 625؛ لأنه إن شهد الآن فردت شهادته للتهمة لم تقبل بعد، فكان دفعه الآن أحسن للغائب.
وأرى إن أتى الشاهد بالمال إلى الحاكم، فقال أوقفه حيث ترى 626 وأنا620621622
الجزء: 11 - الصفحة: 5465
أشهد، أن تقبل شهادته ويكاتب المشهود له، إلا أن تبعد الغيبة فيحلف صاحبه للغائب ويأخذه، فإن قدم الغائب حلف واسترجعه، ولو كانت الشهادة بما لا يتهم المودع في الانتفاع ببقائه في يديه، كالثوب وما أشبهه، لقبلت شهادته وكوتب الغائب؛ لأن العدل لا يتهم في مثل هذا، وقد يتسلف الدنانير والدراهم.
الجزء: 11 - الصفحة: 5466
باب في الشهادة على السماع
الشهادة على السماع ثلاثة 627: على حاضر، أو غائب، أو ما 628 قدم زمانه.
فإن شهد على حاضر فقال مررت به فسمعته أقر بكذا، أو طلق زوجته، أو افترى على فلان، قبلت شهادته إذا استوعب ذلك الكلام أوله وآخره.
وقال ابن القاسم: لأن الذي سمع لعله كان 629 قبله أو بعده كلام يبطله، قال: وقول مالك 630 الأول، فيمن مر برجلين يتكلمان في الشيء ولم يشهداه 631، فيدعوه أحدهما إلى الشهادة قال: 632 فلا 633 يشهد 634، وليس العمل على هذا.
وقال مالك -في كتاب محمد-: إذا شهدا على رجل من وراء حجاب أقعدا له، فإن كان ضعيفًا أو مختدعًا أو خائفًا، لم يثبت ذلك عليه، ويحلف أنه ما أقر إلا 635 بالذي يذكر وإلا لزمه، ولعله يقر خاليًا ولا يقر عند من يشهد عليه 636.
واختلف إذا جلس رجلان للمحاسبة، وأجلسا رجلًا معهما على أن لا
الجزء: 11 - الصفحة: 5467
يشهد 637 بينهما هل يشهد؟ وتجوز شهادته 638 وأن تجوز الشهادة في كل هذا أصوب، وليست هذه شهادة سماع، ولا يحتاج في هذا إلى إذن، وإن سمع رجلان رجلا يقول، أنا أشهد على فلان بكذا، لم تقع 639، لإمكان أن يكون لو علم أنها تنقل عنه، لقيدها 640 وزاد فيها 641 أو نقص، إلا أن يقول انقلا عني.
وقال ابن القاسم -فيمن أثبت شاهدين عند قاض، ثم عزل فأنكر المشهود عليه أن يكونا شهدا عند القاضي، فشهد شاهدان أنهما شهدا به عند المعزول- قال: فهي شهادة ينتفع بها 642. ولأشهب في كتاب محمد: أنها ليست بشهادة ورآها شهادة سماع.
وقال محمد -فيمن جلس إلى قوم، أو مر بهم فسمع رجلًا يقول لقوم، اشهدوا على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا وكذا-: فلا يشهد بها 643. وليس قوله هذا بالبين ولا فرق بين أن ينقل تلك الشهادة المأمورون 644 بها أو هذا.
الجزء: 11 - الصفحة: 5468
فصل [في الشهادة على السماع في الغائب أنه مات أو في الزواج]
وإن كان السماع عن 645 غائب، سمعوا ها هنا أن فلانًا مات ببلد كذا، أو قتل، أو أخذه العدو.
فإن كان سماعًا مستفيضًا، ووقع به العلم، لكثرة عدد الطارئين، حكم بها ولا يقتصر في ذلك على شاهدين، دون أن يكشف ذلك من غيرهما، فإن لم يوجد علم ذلك، لم تقبل شهادتهما؛ لأن الأمر المستفيض المنتشر، لا يصح ألا يوجد 646 علمه في البلد الذي استفاض فيه إلا عند اثنين، وإن كانا طارئين شهدا على استفاضة بالبلد الذي 647 قدما منه قبلت شهادتهما 648 إلا أن يقدم 649 عدول غيرهما فيسألوا، و 650 لا يقتصر على اثنين، إلا أن يختلف مقامهم بذلك البلد، أو يكون الموت قبل حضور هؤلاء الآخرين الذين لا علم عندهم، قيل لسحنون: أيشهد على النكاح على السماع فقال: جل أصحابنا يقولون في النكاح، إذا انتشر خبره في الجيران، أن فلانًا تزوج فلانة ويسمع الزفاف، فله أن يشهد أنها زوجة.
وكذلك في الوت يسمع النياحة، ويشهد الجنازة أو لا يشهدها، إلا أن القول كثر من الناس أنا شهدنا جنازة فلان، فليشهد أن فلانًا قد مات وإن لم يشهد الموت.
الجزء: 11 - الصفحة: 5469
وكذلك القاضي يولى ولا يحضر ولايته، إلا بما سمع من الناس، فكل هذا تجوز الشهادة فيه على السماع، إذا وقع العلم وإن لم يطل العلم.
قال محمد بن عبد الحكم: ويجوز أن يشهد على امرأة أنها زوجة فلان، إذا كان يحوزها بالنكاح، وإن كان تزويجه إياها قبل أن يولد، كما يشهد أن هذا ابن لها (1).
فصل [في الشهادة على السماع في الرباع والنسب والولاء شروط جواز الشهادة على السماع المعتبر]
وتجوز شهادة السماع في الرباع، سمعوا فيما قدم وإن لم يقع بها 652 العلم، وهي على ثلاثة أوجه: يبقى بها ما 653 في اليد.
ولا ينتزع بها ما عليه يد 654. واختلف هل يؤخذ بها ما ليس عليه يد.
قال محمد: ولا تجوز في ذكر 655 الحقوق ولا في الودائع 656.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وتجوز في الديار والأرضين لمن هي في يديه، إذا قالوا لم نزل نسمع أن هذا أو أباه أو جده، اشتراها من أب هذا القادم 657، أو من جده.
فيسقط قيام 658 هذا فيها وإن كان حوزها في غيبته.
وإن كان خرابا لا يد عليه،651
الجزء: 11 - الصفحة: 5470
أو شيئًا من عفو من الأرض 659، قضي به 660 لمن شهد له به على السماع بعد يمينه على قول ابن القاسم، وبغير يمين 661 على قول أشهب كالشهادة على السماع في الولاء والنسب.
وكذلك الشهادة على الحبس تصح لمن ذلك الربع 662 في يديه.
ولا ينتزع بها 663 من يد ويؤخذ بها ما ليس عليه يد.
واختلف في الولاء والنسب، إذا شهدوا أن هذا الميت مولى هذا أو ابنه، لا يعلمون له وارثًا غيره 664، أو شهد شاهد واحد بمثل 665 ذلك.
فقال مالك: لا أرى للإمام أن يعجل في ذلك، فإن لم يأت أحد يستحق ذلك، وإلا 666 قضي به لهذا مع اليمين 667. وقال ابن القاسم: يقضي له بذلك المال دون الولاء، ولا يقضى له به في 668 مال آخر، إلا بعد يمينه 669. وقال أشهب: يقضي بشهادة السماع، في المال والولاء والنسب، ولا يقضى بشهادة 670 الشاهد الواحد في مال ولا ولاء، إلا أن يكون سماعًا منتشرًا يقع به العلم 671.
الجزء: 11 - الصفحة: 5471
قال ابن القاسم: مثل قول 672 نافع مولى ابن عمر، فيجر المال والولاء، قيل له فنشهد أنك ابن القاسم ولا نعلم ذلك إلا بالسماع.
قال: نعم 673 يقطع بهذه الشهادة ويقطع بالنسب 674. قال ابن القاسم في هذا الأصل إذا شهد رجلان 675، شيخان قديمان قد أدركا الناس، وباد ذلك القرن أنهما سمعا أن هذه الدار حبس، جازت شهادتهما.
قيل له: فالرجلان يشهدان وفي القبيل رجال من أسنانهما لا يعرفون شيئًا من ذلك.
قال: فلا تقبل شهادتهما إلا بأمر يفشو، ويكون عليه شهود أكثر من اثنين 676.
واختلف هل من شرط جواز 677 شهادة السماع أن يسمعا من عدول.
فقال ابن القاسم -في المدونة-: إذا شهدوا على السماع أنها حبس، ولم يشهدوا على قوم أنهم 678 أشهدوهم على السماع 679، ولا على قوم بأعيانهم، إلا أنهم قالوا بلغنا أنها حبس فذلك جائز.
قال: وإنما سألنا مالكًا عن السماع، ولم نسأله عن شهادة قوم عدول أشهدوهم، ولو أشهدوهم 680 لم يكن سماعًا وكانت شهادة 681. قال: وسئل مالك عن دار لم يزالوا يسمعون أنها حبس، ولم يزل الناس يعرفون
الجزء: 11 - الصفحة: 5472
الرجل من ولده يهلك، ولا ترث امرأته من الدار شيئًا، وتهلك ابنته ولها زوج وولدها 682، فلا يرث زوجها ولا وولدها من الدار شيئًا 683، ولا يشهدون على أصل الحبس بعينه 684. قال مالك: أراها حبسا ثابتًا 685.
قال محمد: قلت: فإن قالت البينة في شهادة السماع، أن قالوا 686 لم نزل نسمع ولا نعرف ممن سمعنا.
قال: قد قيل لا ينتفع بذلك، حتى يعرفوا أن الذين كانوا يسمعون منهم عدولًا.
قال عبد الملك: ولا تجوز شهادة السماع 687 من غير أهل العدل، من سامعين أو مسموعين أن دار فلان لفلان الغائب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا انتزل بالسماع فاحتيج إلى العدالة؛ لأن الشهادة للغائب بالدار لينتزعها 688، وللحاضر بالحوز لتبقى في يديه، فإذا كانت لينتزع بها طلب بالعدالة قولًا واحدًا، وإنما الاختلاف إذا كانت ليقر بها في اليد.
وكذلك إذا كانت ليأخذ بها ما ليس عليه يد.
وقال مالك 689 -فيمن أقر لقوم أن أباهم كان أسلفه مالًا وقضاه والدهم 690 -: القول قوله فيما طال زمانه، وإن
الجزء: 11 - الصفحة: 5473
قرب لم يقبل قوله.
يريد فيما بعد وادعى بعد القضاء، ولو ادعى 691 أن القضاء تراخى إلى قرب موته لم يقبل قوله.
والإقرار على أربعة أوجه: في مخاصمة، وفي غير مخاصمة على 692 الحديث، أو الشكر، أو الذم.
فإن كان في مخاصمة لم يقبل قوله 693 فيما قرب، ويقبل قوله 694 فيما بعد إذا كان الأشبه 695، أنه لا يتراخى القضاء إلى ذلك الوقت، إلا أن يقر أن القضاء تراخى، وأنه قضاه 696 قرب مخاصمتهما، فلا يقبل قوله.
وإن اختلفا فقال المطلوب كانت المداينة من 697 مدة 698 كذا لمدة بعيدة.
وقال الطالب: غيره كان القول قول الطالب، على قول ابن القاسم؛ لأنه مقر بالدين مدعٍ لمدة تسقطه 699 عنه 700. وعلى قول أشهب القول قول المطلوب في المدة، ولا يؤخذ بغير ما أقر به.
وكذلك إن كان إقراره على وجه الحديث، كان القول قول المطلوب فيما بعد، وقول الطالب فيما قرب.
واختلف إذا كان على وجه الشكر، أو الذم في غير مخاصمة.
فقال
الجزء: 11 - الصفحة: 5474
مالك 701: إذا كان على وجه الشكر أو الذم 702، فالقول قول المقر في {القضاء وإن قرب.
وقال ابن الماجشون -في كتاب ابن حبيب، فيمن قال لقوم أسلفني فلان مائة دينار 703 وقضيته إياها-: فهو مصدق، ولو قال ذلك عند السلطان لم يصدق.
قال 704: والفرق بينهما أن ما جره الحديث، على وجه الشكر أو الذم لا يؤخذ به.
قاله مطرف: وذكر أصبغ عن ابن القاسم: إذا كان على وجه الشكر، وأقر لحي صدق وإن قرب، وإن أقر لميت كان القول قوله فيما طال، وإن قرب لم يصدق؛ لأن الميت لعل عنده وثيقة بحقه.
ولم يصدقه سحنون فيما كان على وجه الذم بخلاف الشكر.
واتفق مالك وابن القاسم 705 ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: أنه مصدق فيما كان على وجه الشكر وإن قرب، وكذلك ما كان على وجه الذم، ولا فرق بينهما؛ لأن كل ذلك ليس على وجه الإقرار بشيء في الذمة.
وقال ابن القاسم -في العتبية فيمن قال لرجل، قضيتني مائة دينار من مائتين لي عندك 706، وقال الآخر: المائة 707 سلف أو وديعة-: كان القول قول الدافع مع يمينه.
وقال -فيمن قال لرجل أشهد أني قبضت من فلان مائة دينار، كانت لي
الجزء: 11 - الصفحة: 5475
عليه فأحسن قضائي جزاه الله خيرًا.
وقال الآخر: أسلفتها لك ومالك عندي شيء-: فالقول قول الذي قال أسلفتك، إلا أن يأتي الآخر ببينة أنه كان يتقاضاه في دين.
وعلى أصل قول 708 ابن القاسم المتقدم، يجب أن يقبل 709 قول القابض؛ لأنه على وجه الشكر.
وقال ابن سحنون -فيمن قال قبضت هذه الألف درهم من فلان، كانت لي عليه دينًا أو وديعة، وقال الآخر دفعتها إليك سلفًا ولا شيء لك عندي- فقال 710: قد قيل إن القول قول الدافع، ويحلف ويأخذها.
وقيل: القول قول القابض إذا أشبه ما قال في مداينة مثله، وقاله أكثر أصحابنا.
وقاله سحنون.
وأرى إن كان ذلك في مخاصمة، أن يكون القول قول القابض، إذا كان هو الذي أتى بالآخر ليطلب ما بقي له عنده، وإن كان الدافع هو الذي 711 أتى بالقابض 712 وادعى أنه سلف، كان القول قوله مع يمينه أنها سلف.
الجزء: 11 - الصفحة: 5476