كتاب الشركة
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)
الجزء: 10 - الصفحة: 4773
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
كتاب الشركة
باب جواز الشركة ومن تجوز مشاركته 1 بالدنانير والدراهم (2)
الأصل في الشركة قول الله -عز وجل- في ولي اليتيم: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: 3].
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "هي اليتيمة تشاركه في ماله".
الحديث 2. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة في كل ما لم يقسم".
أخرجه 3 البخاري ومسلم 4. وقال -عليه السلام-: "من أعتق شركًا له في عبد.
. .". الحديث 5.6
: (باب: جواز الشركة ومن تجوز مشاركته بالدنانير والدراهم)
ساقط من (ت).
الجزء: 10 - الصفحة: 4775
قال مالك في كتاب ابن حبيب: لا ينبغي للحافظ لدينه أن يشارك إلا أهل الدين والأمانة والتوقي للخيانة، والربا والتخليط في التجارة، ولا يشارك يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مسلمًا فاجرًا، إلا أن يكون هو الذي يلي البيع والشراء والمال، ولا يلي الآخر فيه إلا البسط والعمل (1).
فصل [في أنواع الشركة]
الشركة ثلاثة: شركة أموال، وأبدان، وعلى الذمم.
وشركة الأموال 8 ثلاثة أصناف: العين، والطعام، والعروض وما أشبهها.
فأما الشركة بالعين: الدنانير والدراهم، فتجوز بخمسة شروط 9: أن تكون العين المشترك فيها في الصفة 10 سواء، والعمل والربح والخسارة على قدر أموالهما 11، والمال بينهما على الأمانة.
واختلف هل مِنْ شرطها أن يخلطا المالين؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة وإن لم يخلطا واشتريا قبل الخلط.
وقال غيره: لا يجوز إلا أن يخلطا المالين حتى يصيرا شيئًا واحدًا لا يتميز، ورأى أن ذلك مبايعة نصف دينار أحدهما بنصف دينار الآخر، فغاية المناجزة الخلط 12. والقول الأول أحسن،7
الجزء: 10 - الصفحة: 4776
والمعلوم أنه ليس القصد المبايعة فيها، وإنما القصد المبايعة بها والتجر فيها.
وإن اختلفت السكة والقيمة لم يجز أن يشتركا على قدر قيمتها؛ لأن ذلك ربا، ولا على المساواة بالفضل على العفو 13 إذا كان ذلك كثيرًا؛ لأن ذلك زيادة في الشركة من أحدهما.
فأجاز ابن القاسم ذلك إذا كان يسيرًا 14.
والقياس ألا يجوز؛ لأن ذلك الترك لمكان الشركة 15 فأشبه من بادل دنانير بمثلها على أن يبيعه الآخر السلعة.
وقال محمد: إن أخرج أحدهما عشرة 16 دنانير قائمة والآخر ناقصة 17 حبتين 18 واشتركا على ترك الفضل لم يجز.
يريد: لأن الترك لمكان الشركة، ولم يفعله الآخر معروفًا منه لصاحبه، ولولا مقارنة الشركة 19 لكان جائزًا؛ لأن نصف كل عشرة على ملك صاحبها، وإنما 20 صارت المبادلة في خمسة 21 قائمة بخمسة ناقصة، وذلك جائز إذا كان الفضل من أحد الجنسين 22.
وقد أجاز ابن القاسم الشركة إذا أخرج أحدهما مائة هاشمية، والآخر
الجزء: 10 - الصفحة: 4777
مائة دمشقية إذا كان الفضل يسيرًا (1).
والقياس أيضًا ألا يجوز؛ لأن الترك لموضع الشركة كما قالوا في الإقالة والشركة في الجملة (2) أنها جائزة على وجه المعروف.
ولو قال: لا أقيلك إلا أن تقيلني، أو لا أشركك إلا أن تشركني، لم يجز؛ لأنهما خرجا بذلك عن وجه المعروف (3)، إلا أن يكونا عقدا الشركة على سكة واحدة ووزن واحد (4)، ثم أحضر أحدهما ماله وفيه فضل في الجودة أو الوزن، أو كان بينهما قبل ذلك من (5) المكارمة ما يفعل له ذلك من غير شركة فيجوز.
فصل [في شركة النقد]
كان أخرج أحدهما مائة مسكوكة والآخر مائة تبرًا وتساوى الذهبان، نظرت إلى فضل السكة، فإن كان كثيرًا لم تجز الشركة، وإن كان يسيرًا جازت إذا ألغيا ذلك الفضل على قول ابن القاسم 28، ولم تجز الشركة 29 على القيمة، وإن اعتدلا في القيمة فكانت جودة التبر مكافئة للسكة جرت على قولين؛2324252627
الجزء: 10 - الصفحة: 4778
بمنزلة ما لو أخرج أحدهما دنانير (1) والآخر دراهم؛ لأنها حينئذ مبايعة (2) فيجوز إذا قبض هذا دنانير صاحبه والآخر تبر صاحبه.
فصل [في اختلاف المالين في القدر]
وإن اختلف المالان في القدر، فأخرج أحدهما مائتي دينار والآخر مائة على أن العمل 32 والربح والخسارة أثلاثًا، جاز ذلك، وإن شرطا العمل نصفين والربح والخسارة أثلاثًا 33، لم يجز، ورجع صاحب المائة على صاحبه بإجارة عمله في خمسين، وكان الربح والخسارة بينهما أثلاثًا، وإن اشترطا العمل والربح بينهما نصفين، كانت المسألة على ثلاثة أوجه كلها فاسدة، فإن كان العمل بينهما نصفين والربح بينهما نصفين 34 والخسارة أثلاثًا أو الربح 35، لتكون الخمسون عند صاحب المائة على وجه الهبة، أو على وجه السلف 36، فإن كان له ربحها وخسارتها على صاحبها، كان ربحها لربها قولًا واحدً؛ لأنه عمل فيها على أنها باقية على ملك صاحبها لما كانت خسارتها ومصيبتها منه 37، وإن جعل خسارتها3031
الجزء: 10 - الصفحة: 4779
من 38 الآخر لتكون سلفًا أو هبة لا يرجع بها بعد اليوم، كان فيها قولان: أحدهما: أن يكون ضمانها من المتسلف والموهوب وربحها له.
والثاني: أن مصيبتها من صاحبها وربحها له؛ لأن الآخر لم يمكّن منها تمكينًا صحيحًا لما كان الشرط أن يتجر بها في جملة المال، ولا يبني بها؛ لأن التحجير يمنع انتقال ضمانها، وعلى هذا يخرج قول مالك في "المدونة" لأنه قال: إنما 39 أسلفه الخمسين على إن أعانه 40 بالعمل، فأراه مفسوخًا 41 ولا ضمان عليه، وضمانها من صاحبها وربحها له ووضيعتها عليه 42.
يريد: وإن قصد أن تكون سلفًا فلا تكون كذلك؛ لأن مضمون سلفه 43 أن يتجر بها في المال؛ لأن يد صاحب المائتين مطلقة في جميع المال تتصرف فيه بالبيع والشراء.
ثم يختلف في رجوع العامل بإجارة المثل في الخمسين الزائدة، فقال في المدونة 44: يرجع فيها بإجارة المثل فيها 45 وإن كان في المال وضيعة 46.
الجزء: 10 - الصفحة: 4780
وقال في (1) "مختصر ما ليس في المختصر": لا أجرة له (2). وهو أحسن.
ولا أرى له أجرة في الخسارة، وله إن كان ربح الأقل من إجارة المثل، أن ربحه عليها (3)؛ لأن صاحب المال لم (4) يستأجره عليها، وإنما جعله أن يعمل فيها لنفسه، فإذا لم يكن فيها فضل لم يكن على صاحبها عنها (5) أجرة.
وقد قال ابن حبيب في القراض الفاسد: إذا كان حكمه أن يرد إلى الإجارة، أن الإجارة معلقة بالربح، فإن لم يربح لم يكن له شيء (6). وإذا لم يستحق الأجرة (7) من الذمة في القراض (8) مع كونه أجيرًا على العمل فيها (9) كان ذلك أبين فيما لم يكن منه (10) استئجار ألا شيء عليه (11).
فصل [فيما إذا كان جميع العمل على صاحب المائة]
وإن كان جميع العمل على صاحب المائة على أن الربح والخسارة نصفان، كان الجواب على ما تقدم.
ويختلف في ضمانه خمسين، فمن ضمنه جعل له4748495051525354555657
الجزء: 10 - الصفحة: 4781
ربحها، ومن لم يضمِّنه جعل ربحها لربها، ويرجع العامل بإجارة المثل في مائة وخمسين؛ لأنه عملها لربها.
ويختلف في الإجارة عن خمسين.
وإن شرطا أن الربح نصفين والخسارة أثلاثًا جاز ذلك، وكانت المائتان 58 قراضًا على الربع 59، ولم يضره شرط خلط المالين على أحد قولي مالك، ولم يتكلم مالك على هذا الوجه وإنما جاوب 60 إذا شرطا 61 الربح والخسارة نصفين، وهذا لم يجرها مجرى القراض.
ولو علم من صاحب المائتين أنه قصد المعروف والمكارمة في سلفه 62 الخمسين لصداقة بينهما ومؤاخاة، كان السلف صحيحًا مضمونًا، والهبة ماضية متنقلة الملك عن معطيها 63، ويكون المال بينهما نصفين ربحه وخسارته، وهو قول مالك في "كتاب محمد" 64.
وعلى هذا يجري الجواب إذا أخرج أحدهما مائتين ولم يخرج الآخر شيئًا على أن تكون مائة منها سلفًا أو هبة، فإن كان لصداقة بينهما أو مؤاخاة وما يرى أنه كان يفعل ذلك لو لم يشاركه، جاز، وإلا لم يجز.
ثم يختلف هل يضمن ذلك السلف أو الهبة، أو لا يضمن لأجل التحجير؟ ويسقط الضمان عنه على
الجزء: 10 - الصفحة: 4782
أحد القولين وإن انفرد بالعمل.
فصل [في مشاركة من له مائتان من له مائة]
وقال مالك في رجل أخرج مائتي دينار شارك بها رجلًا له مائة، وكان صاحب المائتين (1) ضم غلامين يعملان معه (2) فدخل عليهما نقصان: إن النقص على قدر المالين ولا تكون للشريك في ذلك أجرة (3). قال: لأنهم اعتدلوا في الأبدان وقد أقام صاحب المائتين رجلين مقامه (4)، قال: وقد قال قبل (5) ذلك: له أجرة مثله (6). والأول أحسن إذا كان الغلامان يحسنان التجارة، وإن كانا يخدمان، كان للعامل إجارة مثله (7) في المائتين، وعليه إجارة الغلامين فيما ينوبه من خدمتهما.
فصل [فيما إذا لم يخلط الشريكان المالين]
قد تقدم القول: إنهما متى خلطا المالين 72 صحت الشركة، وهما إذا لم يخلطا65666768697071
الجزء: 10 - الصفحة: 4783
على ثلاثة أوجه: فإما أن يجمعا المالين في موضع ثم يشتريان بهما 73، أو يشتريان قبل الجمع وكل واحد ممكّن من الاشتراء بمال صاحبه، أو يشترطا ألا يجمعا وأن يكون الشراء بهما 74 على الانفراد، فالشركة في القسمين الأولين إذا اشتريا بعد الجمع وقل [الخلط أو قبل الجمع، جائزة، وكل شيء اشتري بمال أحدهما شركة بينهما.
قال مالك: إذا اشترى أحدهما بماله جارية قبل الجمع فهلكت، مصيبتها منهما 75؛ لأن هذا فعل ما أمره به صاحبه.
وقال فيما ضاع قبل الشراء وقبل الجمع: مصيبته من صاحبه دون شريكه 76.
ومحمل ذلك على أنه بقي فيها وجه من التوفية: وزن أو انتقاد 77، ولو كانا قد وفّيا ووزنت وقلبت وبقيت عند صاحبها على وجه الشركة وضاعت 78، لكانت مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة، ولو كان ذلك لكانت مصيبة الجارية التي اشتريت بمال أحدهما قبل الجمع من صاحبها دون شريكه.
وذهب سحنون إلى أن الشركة لا تنعقد إلا بخلط المالين 79، وحمل أمرهما فيما أخرجا من الدنانير على المبايعة، وأن كل واحد منهما باع نصف ملكه بنصف ملك صاحبه، وأنها مصارفة، فإذا خلطا كان ذلك قبضًا و 80 فوتًا،
الجزء: 10 - الصفحة: 4784
وقياد قوله: إذا قبض كل واحد منهما جميع 81 دنانير صاحبه، كان قبضًا ومناجزة وإن لم يخلطا؛ لأن المقبوض 82 نصفه صرف ونصفه وديعة.
ولو صرف رجل من رجل خمسين دينارًا ودفع إليه مائة؛ ليكون له نصفها، ونصفها وديعة لجاز ذلك.
ولو قبض أحد الشريكين دنانير صاحبه ولم يقبض الآخر شيئًا، لم تصح الشركة على أصله.
وقول مالك في هذا أحسن، وإنما القصد في الدنانير التجر بها ليس المبايعة الآن بعضها ببعض.
وقد تكلم مالك على هلاك الجارية أنها من جميعهما 83، ولو لم تهلك وكان فيها فضل، كان الربح بينهما إذا أخرج الآخر مثل دنانير صاحبه، وإن عجز عن الخلف لم يكن له من ربحها شيء؛ لأنه يقول: لم أرض أن يكون لك في مالي ربح إلا أن يكون لي في مالك ربح.
وهذا الجواب على أصل مالك وابن القاسم في المال الغائب: أن الربح بينهما على ما لكل واحد منهما من المال.
وعلى قول محمد 84 يكون الربح بينهما نصفين في هذا 85.
وإن اشترطا 86 أن يشتري كل واحد بماله بانفراده من غير خلط، كانت الشركة فاسدة، وما اشتراه أحدهما فله ربحه وعليه وضعيته، وإن جالت أيديهما في المال واشترى كل واحد منهما بمال الآخر، كان فيها قولان: هل
الجزء: 10 - الصفحة: 4785
تكون شركة، أو لمن اشترى بماله دون صاحبه؟
فصل [في الشركة بمالين حاضر وغائب]
اختلف في الشركة بمالين، حاضر وغائب، فأجازه مالك وابن القاسم، ومنعه سحنون 87، ومر في ذلك على أصله أنها مبايعة.
والأول أحسن، ولو كانت مبايعة لم يجز أن يخرج أحدهما مائة دينار وألف درهم والآخر مثلها 88، ولا أن يخرجا في شركة الحرث الزريعة جميعًا وأحدهما العمل والآخر الأداة والبقر؛ لأنه لا خلاف في منع مكيلة من الطعام بمثلها، ومع أحدهما عمل بقر والآخر عمل يد 89.
وقال مالك: إذا أخرج أحدهما ألفًا وخمسمائة، والآخر خمسمائة وله ألف غائبة 90، فخرج بالمالين واشتريا 91 بالألفين وباعا وربحا، أن الربح بينهما أرباعًا 92.
وقال محمد: إن كان كَذَبَهُ وخَدعه 93، اقتسما الربح أرباعًا، وإن كان أمره
الجزء: 10 - الصفحة: 4786
على الصحة، كان بينهما نصفين 94.
وأرى أن يسأل العامل عن الوجه الذي اشترى عليه، فإن قال: ليكون بيننا أرباعًا على قدر أموالنا، قبل قوله وكان له ربع الربح قولًا واحدًا.
وإن هلك المال قبل وصوله أو خسر فيه بعد بيعه، لم يضمن العامل بالمال 95 للمقيم شيئًا.
وإن قال: اشتريت ليكون بيننا نصفين حسب ما اشتركنا عليه، قُبِل قوله.
فإن هلك قبل بلوغه أو خسر، ضمن للمقيم خمسمائة إن هلك المال وما ينوبها من الخسارة إن خسرا، وإن ربحا كان الربح أرباعًا.
والحكم في الخسارة والربح مختلف، فإن خسر قال المقيم: أنا أمضي ذلك المشتري حسب ما ألزمت نفسك واشتريت عليه 96. وإن ربح قال: لم أرض أن يكون لك في مالي نصيب إلا أن يكون لي في مالك مثله.
وإلى هذا ذهب غير ابن القاسم في "المدونة": إذا اشترى أحدهما بماله جارية، فكان فيها ربح وهلك مال الآخر.
[قال: لأن 97 صاحب الجارية يقول: لم أرض أن يكون له معي نصيب إلا أن يكون لي معه نصيب] 98.
وهذا إذا أقر العامل أنه تَجر ليكون ضامنًا للخمسمائة، وإن كان ضامنًا 99 لتكون الخسارة على قدر المالين أرباعًا، كان الربح كذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 4787
فتكلم ابن القاسم على هلاك الجارية، وجاوب غيره على ربحها، إلا أن يرضى الآخر أن يأتي بألف أخرى مكان التي هلكت فيشتريان بها، فيكون ربح الجارية بينهما، أو يرضى 100 الآخر أن يخلف ألفًا 101 ويرجع وحده فيشتري بها، وهو 102 استحسان؛ لأن من حجة الأول أن يقول: عليَّ مضرة في انتظار سفرك ورجوعك، إلا أن يكون الذي بينهما قريبًا.
ومحمل جواب محمد في كون الربح بينهما نصفين، على أن الآخر يخلف مكان 103 التي عدمت.
واختلف بعد القول أن الربح أرباع في الأجرة، فقال ابن القاسم: لا شيء للذي سافر من الإجارة وهو متطوع.
وقال سحنون: له أجرته.
وهو أحسن، والقول قوله أنه لم يعمل على وجه التطوع ويكون له الأقل من إجارة مثله أو الربح.
وفي قول مالك: "الربح بينهما أرباع"، دليل على أنه يرى أن عدم الألف لا يمنع الغائب من التمادي في الاشتراء بالمالين، ولو كان عنده أن للمقيم منعه 104 لموضع قلة مال الآخر، لقال: الربح بينهما نصفان، ويكون له جميع الربح إذا اشترى به لنفسه؛ لأنه إذا كان الحكم عند عدم الألف أن يوقف مال المقيم ولا يتجر فيه له فتعدى وتجر، كان له جميع الربح.
وهذا هو الحكم في كل ما 105 حكمه لا يحرك لتجارة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4788
فصل [في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم]
اختلف عن مالك في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه في "المدونة" 106 وأجازه في "كتاب محمد" 107. يريد: إذا تناجزا بالحضرة وأخذ مخرج الدنانير الدراهم وأخذ الآخر الدنانير؛ لأن هذه مصارفة وليس بمنزلتهما إذا أخرجا صنفًا واحدًا، وإنما منع ذلك في القول الأول؛ لأن لكل واحد منهما بعد تسليمه أن يشتري بما سلمه ويتصرف فيه وإن كان عند الآخر، وذلك وصم في المناجزة.
فإن اشترى على هذا القول بالمالين تجارة صفقة واحدة، كان ذلك المشترَى بينهما على قدر ما أخرجاه يوم الشراء، ليس يوم المفاضلة.
فإن أخرج أحدهما ألف درهم والآخر مائة دينار 108 والصرف وقت الشراء 109 عشرون درهمًا بدينار، كان المشتري بينهما أثلاثًا، وسواء تغير 110 الصرف بعد ذلك أم لا؛ فإنهما يقتسمان ما يكون في أيديهما من ربح أو خسارة أثلاثًا.
وإن اشتريا 111 بكل مال على حدة، ثم اختلط عليهما ولم يعلما ما اشتري بكل مال، كان ذلك المشتري بينهما على قدر الصرف يوم اشتريا كالأول، فإن
الجزء: 10 - الصفحة: 4789
علم ما اشتري بكل مال، لم تكن 112 بينهما شركة وكان لكل واحد ما اشترى بماله، له ربحه وعليه خسارته.
ومحمل قول ابن القاسم في المدونة على أنهما 113 اشتريا 114 بالمالين 115 جملة أو اختلط عليهما 116.
وقد كان بعض أهل العلم يحمل قوله: "إذا كان قائمًا بعينه" 117، أن ذلك ليس له 118 وإن عرف ما اشتري بكل مال 119. وهذا غير صحيح، ولو كان ذلك لوجب أن يكون المشتري بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما اشترى نصف 120 ملك صاحبه من دنانير أو دراهم، وأن يكون اشتراؤه به فوتًا كالبيع الفاسد يفوت ويكون قد انشغلت 121 ذمة كل واحد منهما بنصف ما أخرجه الآخر.
الجزء: 10 - الصفحة: 4790
وقول ابن القاسم: إن هذا يأخذ بقدر مائته وهذا بقدر ألفه، ثم الربح بينهما 122 على ذلك 123 - دليل على أنه رأى أن مال كل واحد على ملكه لم تعمر ذمة الآخر منه بشيء، ولا مطالبة لأحدهما على الآخر.
وأيضًا فلو كان عنده أن التمكين في هذه الشركة 124 يصح، لأجازها إذا تقابضا.
ومحمل قوله: يعطى هذا بقدر دنانيره والآخر بقدر دراهمه 125، أن ذلك إذا لم يتغيّر الصرف برخص ولا بغلاء، ولو تغيّر لاقتسما أثلاثًا حسب ما كان وقت الشراء؛ لأن التجارة والسلع التي اشتريا كانت بينهما كذلك، فلو غلت الدراهم حتى صارت الألف تعدل المائة، لم يكن الثمن الذي يبيعاها 126 به أنصافًا؛ لأن السلع كانت أثلاثًا، ولو فعل ذلك لكان صاحب الدراهم قد أخذ بعض مال صاحبه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4791
باب في الشركة على الذمم
127
الشركة على الذمم جائزة في الشيء المعين: عبد، أو دار، أو ثوب.
ولا تجوز في غير معين، وسواء عينا الصنف الذي اشتركا فيه، أو لم يعيناه وأجملوا ذلك في جميع الممتلكات.
قال مالك: يكره ذلك؛ لأن هذا يقول: تحمَّل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمَّل عنك بنصف ما اشتريت 128. يقول: لأن الحمالة تتضمن سلف الحميل عند عدم المتحمل عنه أو غيبته.
والسلف الجائز ما أريد به المعروف من المتسلف.
فإذا تحمَّل هذا بشرط أن يتحمَّل الآخر، خرجت عن المعروف وصارت مُعاوضة وغَررًا.
وهذا الوجه الذي منع به يدخل في الشريكين في الشيء المعين، وإنما أمضاه في المعين لما مضى عليه العمل، ومنعه فيما لم يرد به عمل مما كان الأصل عنده المنع.
فإن اشتركا على الذمم 129 واشتريا سلعًا صفقة واحدة، كان شركة بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه.
واختلف إذا اشترى كل واحد منهما منفردًا عن صاحبه، فقال ابن القاسم: ذلك شركة بينهما؛ لأنه اشتراه بأمر 130 صاحبه.
وقال سحنون: لكل واحد منهما ما اشتراه.
والأول أحسن؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه على شراء نصف ما اشتراه بجعل فاسد، وهي الحمالة والوكالة بجعل فاسد لا
الجزء: 10 - الصفحة: 4792
توجب أن يكون المشترى للوكيل من غير خلاف، ولا يعارض هذا بالشركة الفاسدة في العروض 131؛ لأن لكل واحد منهما ما يبيع به عرضه لا يشركه الآخر فيه؛ لأن هذه سلع بيعت بيعًا فاسدًا ولم يمكَّن المشتري منها فكانت أثمانها لأربابها، ففارق الشركة على الذمم، ويكون للبائع منهما أن يبيع كل واحد منهما بنصف الثمن إذا 132 كانا حاضرين موسرين.
فإن افتقر أحدهما أو غاب، كان الجواب في مطالبة الحاضر عن 133 الغائب، والموسر عن الفقير على ثلاثة أقسام: فقسم يكون له ذلك، وقسم يختلف فيه هل ذلك له أم لا؟ وقسم يكون له أن يأخذ بذلك المتولي للشراء 134 إذا كان حاضرًا موسرًا، فإن غاب المتولي للشراء أو افتقر لم يأخذ الآخر إلا بنصف الثمن فقط، فإن كان البائع عالمًا بالشركة ولم يعلم بفساد ما عقداه، كان له أن يأخذ الموسر الحاضر بجميع الثمن، وإن لم يكن هو المتولي للشراء، وإن كان عالمًا بفسادها لم يكن له ذلك، فأخذ هذا بنصف الثمن ولم يطالبه بالحمالة عن الآخر، وإن لم يكن علم بالشركة وكان الحاضر 135 الموسر هو المتولي للشراء، كان للبائع أن يأخذه بجميع الثمن؛ لأنه دخل على أن 136 المبايعة منه ولم يدخل معه على أنه وكيل لغيره في النصف الآخر، وإن كان الحاضر 137 الموسر الذي لم
الجزء: 10 - الصفحة: 4793
يتول الشراء أخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك؛ لأن البائع لمّا لم (1) يعلم بالشركة لم يدخل على حمالة هذا فكان له أن يأخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك (2) لأنه ملك نصف سلعته.
فصل [فيمن شارك رجلًا على أن يعمل والحاصل بينهما]
وقال ابن القاسم في العتبية: فيمن شارك رجلًا وقال: أتقبل عليك المتاع وتعمل أنت فما رزق الله بيننا نصفين، لم يجز ذلك 140. قال الشيخ - رضي الله عنه -: فإن تقبل وعمل الآخر، كان ما تقبل به للعامل ولصاحب الحانوت إجارة المثل فيما كان يتولى من العقد مع الناس وإجارة حانوته، وسواء علم من تقبل منه أن العمل على 141 هذا العامل بعينه، أو دخل على أن العمل مضمون؛ لأن المعاقدة كانت بين صاحب الحانوت وبين العامل على أن منافعه المبيعة ومنافعه كسلعة 142 عنده بيعت، والثمن 143 لمن بيعت منافعه.
قال ابن القاسم: وإن اشترك رجلان فقال أحدهما: أنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علينا 144 ففعلا، كان الربح بينهما على قدر ما تعاملا.
قال، ولو قال: أنا آخذ لك متاعًا تبيعه ولك نصف ما ربحت، لم يصلح والربح لمن أجلسه138139
الجزء: 10 - الصفحة: 4794
وللآخر إجارة مثله 145. يريد: فيما تولى من البيع 146.
وفرق بين السؤالين؛ لأنه قال في الأول: الضمان علينا، وذلك يقتضي أن الشراء 147 على ذمتهما.
وقال في الثاني: لك نصف ما ربحت، ولم يجعل عليه من الخسارة شيئًا، وذلك يقتضي كون المشتري على ذمة المشتري وحده.
الجزء: 10 - الصفحة: 4795
باب في شركة الأبدان كالصناع، والأطباء، والمعلمين، والحمالين، واللذين يحشان أو يحتطبان أو يصيدان
148
الشركة بالأبدان: إذا كانا صاحبي صنعة 149، تجوز 150 بخمسة شروط، وهي 151:
أن تكون الصناعة واحدة، ويكونان في السرعة والإبطاء، والجودة والدناءة واحدًا أو متقاربًا 152، ويعملان في موضع واحد، وتكون الأداة والآلة التي يعملان بها بينهما.
وهذه جملة متفق 153 عليها، فإن انخرم شرط 154 من ذلك فسدت تارة، وتارة تصح على اختلاف فيها.
وإن اختلفت الصناعة فكان أحدهما صواغًا أو خياطًا، والآخر طرازًا أو حائكًا، لم تجز الشركة؛ لأنه لا تصح منهما معاونة 155.
الجزء: 10 - الصفحة: 4796
والتقدير عند مالك أن كل واحد باع نصف كسبه بنصف كسب صاحبه 156.
وكذلك إذا كانت الصنعة واحدة وكانا يعملان في موضعن مفترقين ولم يتعاونا، وإن اختلطا كان بيع منافع بمنافع وذلك جائز، وإن كان جنسًا واحدًا وكان أحدهما أسرع بالأمر البّين، جازت الشركة على قدر أعمالهما ولم تجز على المساواة.
وإن تباينت صناعتهما بالجودة والدناءة وكان أكثر ما يصنعانه ويستعملان فيه الأدنى، جازت الشركة؛ لأن الأعلى يعمله الأدنى، ولا حكم للقليل.
وإن كان أكثر ما يدخل إليهما ما يعمله الأعلى أو كان كل واحد منهما كثيرًا، لم تجز الشركة للغرر 157 والتفاضل؛ لأن أحدهما يصنع دون الآخر.
واختلف إذا كانت الصنعة 158 جنسًا واحدًا، وكانا يعملان منفردين كل واحد في موضع على حدة، فمنعه في "المدونة" 159 وأجازه في "العتبية" 160.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن استأجر أجيرًا على أن يأتيه 161 بالغلة فأجيز ومنع 162، فعلى القول بإجازته تجوز الشركة إذا كانا يعملان في موضعين
الجزء: 10 - الصفحة: 4797
والصناعة متفقة أو مختلفة؛ لأن كل واحد منهما باع نصف منافعه على أن يبيعها لمشتريها منه، ولا فرق بيئ أن يستأجره على أن يجيئه بالغلة بدراهم أو بنصف منافعه، فإن قدره منافع بمنافع جاز الجميع في الشريكن، وفي الإجارة على أن يأتيه بالغلة وإن قدَّره كسبًا بكسب (1)، لم يجز الجميع.
فصل [في اشتراك حائكين بأموالهما على أن يتولى أحدهما العمل والآخر الخدمة]
ولو 164 اشترك حائكان بأموالهما وكان 165 أحدهما يتولى العمل والآخر الخدمة والشراء والبيع، ولا يحسن النسج وكانت قيمة العمل والخدمة سواء، جازت الشركة.
وكذلك إذا لم يكن لهما رأس مال، وكانا يتقبلان العمل ليعمل أحدهما ويخدم الآخر ويتولى ما سوى النسج وتساوت القيمة، جاز ذلك، وهما بخلاف المختلفي الصنعة؛ لأن المختلفي الصنعة يصح أن يعمل أحدهما ولا يدخل على الآخر عمل.
والشركة على الخياطة على ما وصفنا جائزة؛ لأنه إن دخل عَمَلٌ عملا جميعًا وإلا يعطلا جميعًا فلم يكن في ذلك غرر 166، وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يتكلف الغوص عليه 167 والآخر يقذف 168 أو163
الجزء: 10 - الصفحة: 4798
يمسك عليه، فإذا كانت الإجارة سواء؛ جازت الشركة على التساوي فيما يخرج من اللؤلؤ، وإن كانت أجرة من يخرجه أكثر، لم يجز إلا على (1) قدر أجرة كل واحد من الآخر (2).
فصل [فيما إذا كان الشريكان صباغين]
وإن كانا صباغين وكان رأس المال فيما يصبغان به من عُصفر 171 أو نيل 172، والعمل على جزء واحد نصفين أو ثلث أو ثلثين، جاز، وإن خالفا 173 الأجزاء وجعلا 174 العمل نصفين وما يصبغان 175 به ثلثا 176 وثلثين، كان نصف ما أصابا لصاحب الثلثين وثلثه لصاحب الثلث، ويبقى سدس لواحد فيه رأس المال وللآخر العمل، وفضل ما أصابا فيه على قدر ما لهما فيه من رأس المال 177 وعمل؛ لأن ذلك الجزء الفاضل هبة أو سلف بشرط 178 الشركة.169170
الجزء: 10 - الصفحة: 4799
ومذهب مالك وابن القاسم أن الواهب والمسلف لم يمكن من ذلك لما كان (1) يشترط أن يعمله الآخر معه، وإذا لم يكن فيه (2) تمكين كانت مصيبته من صاحبه وكان ما بيع به (3) له ويشارك الآخر بقدر عمله فيه.
وقد قيل: إن ذلك قبض فيكون ما أصابا (4) بينهما بالسواء، ويرجع صاحب الكثير على صاحبه بمثل ما أسلفه أو وهبه، ولو كان ذلك الزائد ليس على وجه (5) الهبة (6) ولا السلف، وإنما وهبه الربح خاصة، فقال: إن خسرنا اقتسمنا رأس المال أثلاثًا، وإن ربحنا كان الربح بيننا نصفين، لكانت هبة الربح للواهب خاصة؛ لأن مصيبة ذلك الزائد من صاحبه قولًا واحدًا؛ لأن العامل عمل فيه على ملك صاحب الأكثر وللآخر الربح وهي هبة فاسدة ومردودة إلى الواهب، وبعض (7) ما بيع به (8) ذلك الزائد على قدره من قدر (9) العمل.
فصل [في الأداة التي يستعملها الشريكان]
لا تخلو الأداة التي يستعملانها من ثلاثة أوجه: إما أن تكون شركة بينهما، أو ملكًا لأحدهما وتطوع باستعمالها على صاحبه، أو بإجارة.179180181182183184185186187
الجزء: 10 - الصفحة: 4800
فإن كانا شريكين فيها على قدر أعمالهما، كانت الشركة جائزة.
وكذلك إن كانت لأحدهما (1) إذا كان الفضل فيها يسيرًا.
وإن كانت لأحدهما وتطوع بعملها من غير إجارة ولم يكن لها قدر ولا بال؛ جاز ذلك.
وإن كان لها قدر، لم يجز.
وإن استأجره القدر الذي ينوبه من الشركة بإجارة مثلها، أو كان التغابن يسيرًا، كانت الشركة جائزة (2) على مذهب ابن القاسم (3)، وفاسدة على قول غيره، إلا أن تكون ملكًا لهما، وإن استأجراها جميعًا لتكون أجرتها (4) على قدر شركتهما، جاز، فإن كانت على غير ذلك، لم تجز (5).
فصل [في الشركة بالبيت والرحى والدابة]
وقال ابن القاسم في ثلاثة نفر اشتركوا في الطحين لأحدهم البيت، وللآخر الرحى، وللآخر الدابة، قال: يقتسمون ما أصابوا أثلاثًا؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم 193، فإن كانت أجرة البيت والرحى والدابة معتدلًا، لم يكن بينهما تراجع، وإن كان 194 مختلفًا، رجع من له الفضل على صاحبه.
قال: ولو لم يصيبوا شيئًا لترادّوا فضل الكراء 195.188189190191192
الجزء: 10 - الصفحة: 4801
وقال محمد: يقتسمون على 196 ما أصابوا على قدر كراء 197 ما لكل واحد منهم 198، فإن فضل بعد ذلك فضل 199 قسم على أجرة كل واحد منهم، فإن فضل بعد ذلك نظر إلى جملة ما اجتمع لكل واحد فيقسم الفضل على قدر ذلك.
قال: فإن لم يصيبوا إلا مثل ما يعلفون وينفقون رجع بعضهم على بعض ويخرجون ذلك من أموالهم.
وليس هذا بحسن.
وأرى أن يكون رأس الال الرحى والدابة؛ لأن الإجارة والثمن المأخوذ إنما هو عنهما وليس عن البيت ولا عن عمل اليد، وليس للشركاء في ذلك سوى رباط الدابة والمعونة اللطيفة، ومعلوم أن الأجرة للرحى والدابة والبيت بمنزلة الحانوت، ولا تراجع بينهم في عمل أيديهم لأنهم قد تساووا فيه.
قال ابن القاسم: وإن كان العامل صاحب الدابة وحده كان له ما أصاب وعليه إجارة البيت والرحى وإن لم يصب شيئًا.
قال: وهو بمنزلة من دفع دابته أو سفينته على أن له نصف ما يكسب عليها 200.
وليس هذا بالبيّن، وأرى أن يكون ما أصاب مفضوضًا على قدر إجارة الرحى والدابة، فما ناب الرحى من العمل رجع عليه العامل فيه بإجارة المثل؛ لأن صاحب الرحى لم يبع من العامل منافعها؛ وإنما قال له: واجرها ولك بعض ما 201 تؤاجرها به، فإنما يؤاجرها على ملك صاحبها ثم يغرمان جميعًا إجارة البيت.
الجزء: 10 - الصفحة: 4802
وكذلك إذا كان العامل صاحب الرحى، فعلى قول ابن القاسم يكون له ما أصاب وعليه إجارة المثل للآخرين.
والقياس أن يكون مفضوضًا حسب ما تقدم، إلا أن يكون الذي يطحن عليها طعام نفسه وليس يؤاجرها من الناس، فيكون بمنزلة من قال: لك نصف (1) ما تكسب عليها.
وكذلك الدابة, فإن قال: وأجرها، وكان يعقد منافعها من الناس، كانت الإجارة التي بيعت به (2) منافعها لصاحبها وللآخر إجارة المثل.
وإن قال: اعمل عليها، فكان يحمل (3) عليها تجارته أو ما يحتطبه أو الكلأ أو الماء، كان ما باع به تلك الأشياء للعامل وللآخر إجارة المثل (4).
وكذلك الرحى والدابة إن دخل على أن يؤاجرها من الناس، كان ما أخذ عنهم لأصحابه وللعامل إجارة مثله، وإن دخل على أن يعمل فيها طعامه، كان ربح ماله له وعليه إجارة المثل.
فصل [في شركة الأطباء]
شركة الأطباء جائزة إذا كان طبهما 206 واحدًا، فإن اختلفا 207 فكان طبائعي وأعيني، أو طبائعي وجرائحي، أو أعيني وجرائحي، لم تجز الشركة ويصير كسبًا بكسب.
ولو كان أحدهما طبائعي أعيني والآخر أعيني خاصة، فاشتركا202203204205
الجزء: 10 - الصفحة: 4803
فيما يدخل عليهما عن طب الأعين وما دخل عن النظر فيما ينفرد به الآخر عن صاحبه (1) خاصة، كانت الشركة جائزة.
وإن اشتركا على أن ما دخل عليهما من جميع ذلك شركة بينهما، لم يجز (2).
وإن كان طبهما واحدًا، وشرطا الكسب على أجزاء مختلفة، لم يجز.
وكذلك ما يخرجان من رأس المال فيكون بينهما بالسواء.
فصل [في شركة المعلمين]
شركة المعلمين جائزة إذا كان تعليمهما صنفًا واحدًا: القرآن، أو الكتابة، أو النحو، أو اللغة، أو الحساب، فإن اختلفت فكان تعليم أحدهما القرآن والآخر النحو أو غير ذلك، لم يجز، وإن كانا يعلمان القرآن ويزيد أحدهما تعليم النحو أو الخط أو الحساب، فإن كان تعليم ذلك الزائد بالموضع تبعًا لا يزاد له في الأجرة شيء، أو كان الزائد بذلك يسيرًا؛ جازت الشركة، وإن كان شيء له قدر وبال، لم تجز الشركة إلا أن يكون لذلك قسط من الإجارة يختص به من يعلمه.
فصل [في الشركة في الحِمْل]
الشركة في الحمل على وجهين: بأبدانهما، أو على دوابهما، فإن كانت بأبدانهما، لم تجز إلا في شيء بعينه؛ لأن التعاون يحصل في مثل ذلك، ولا تجوز في208209
الجزء: 10 - الصفحة: 4804
غير معين للغرر، فقد يتيسر الحمل لأحدهما دون الآخر فيكون أخذ من لم يحمل من أكل المال بالباطل.
وهي على الدواب على أربعة أوجه: إما أن يكون ملكًا لهما من غير شركة، أو ملكًا وشركة، أو ملكًا لأحدهما واستأجر الآخر نصف منافعها ليعملا عليها أو يحملا، أو ملكًا لغيرهما واستأجراها، فإن كانت ملكًا لهما من غير شركة، لم يجز الاشتراك ليحمل عليها، كما لم يجز إذا كانت الشركة ليحملا على أنفسهما 210، لإمكان أن يتيسر الحمل لبعض الدواب، فكل واحد منهما يريد أن يحمل على دابة غيره لتكون دابته مستريحة 211 وهذا غرر.
وإن كانت الدواب شركة 212 بينهما، جاز ذلك، اتفق الحمل لأحدهما 213 أم لا؛ لأن صحبة 214 أحدهما للذي يحمل، وجلوس الآخر في حيز التبع.
قال ابن حبيب: لا بأس بذلك وإن افترقا في البلدان والمواضع 215.
يريد: وإن قرب أحد الموضعين وبعد الآخر.
وإن كانت الدواب لأحدهما واستأجر الآخر نصفها ليحمل عليها بالإجارة 216؛ جاز؛ لأنه يجوز أن يستأجر دابة ليؤاجرها مع إمكان أن تتيسر إجارتها أو تتعذر ولا تفسد الإجارة لأجل ذلك 217.
الجزء: 10 - الصفحة: 4805
فإن استأجراها جميعًا من أجنبي ليكونا شركاء في منافعها ويؤاجراها، جاز ذلك إذا عقدا الإجارة عقدًا واحدًا، وإن استأجر كل واحد دابة لنفسه، لم تجز الشركة, كما لم تجز إذا كانت الرقاب ملكًا من غير شركة إلا أن يجتمعا على حمل شيء بعينه.
فصل [في الشركة على الاصطياد]
الشركة على الاصطياد على خمسة أوجه، تجوز في وجهين:
فإن كانت 218 البزاة والكلاب 219 شركة جاز، وإن افترقا في الاصطياد بذلك 220؛ لأن الذي يصاد به بمنزلة رأس المال وعمل الشريك تبع، فأشبه الاشتراك بالأموال، أنها تجوز وإن افترقا في البلدان.
وإن لم يكونا شركاء في البزاة والكلاب 221، جازت الشركة إذا كان الصيد بهما معًا، يتعاونان ولا يفترقان، فيكون مضمون الشركة عملًا بعمل 222.
ولا يجوز إذا افترقا؛ لأنه يصير كسبًا بكسب.
وإن كان صيدهما بالنبل، لم يجز إلا أن يجتمعا ويرسلا سهميهما معًا.
وقال ابن القاسم في "العتبية": في النهر تكون فيه الحجارة تكون 223 فيه الحيتان، وقد أظله الطرفاء، ولها أصول تحت الماء فيضيق عن جر الشباك إن
الجزء: 10 - الصفحة: 4806
اجتمعت وتنفر (1) الحيتان، فيقول صاحب شبكة منهم (2): دعوني فما أصبت كان بيني وبينكم، وربما انقطعت شبكته فيقولون هم (3): لا شركة بيننا.
قال: الشركة بينهم كما شرطوا، ولولا الشركة لأفسد بعضهم على بعض.
يريد: لأنهما لم يدخلا على ضمان الشبكة، ولو دخلا على ضمانها لجاز، وهو أبين، وهذا إذا كانا يطرحانها مرة واحدة، وأما إذا تكرر ذلك فأرى أن ينصب هذا مرة وهذا مرة وكل هذا للضرورة، فإن لم تكن ضرورة فأجَّر رجل شبكته أو قاربه على أن له جزءًا مما يصيد الآخر، لم يجز؛ لأنه لا يدري ما يصيد، فقد يقل أو يكثر.
فصل [في الاشتراك على الاحتطاب والحش]
الاشتراك على الاحتطاب والحش يجوز على مثل 227 ما تقدم، فإن اجتمعا في الاحتطاب والحش جاز وان افترقا في مواضع البيع 228، وسواء كان الحمل على أنفسهما أو على دوابهما، فإن افترقا في الأصل، لم تجز الشركة وإن اجتمعا في حمل ذلك أو بيعه؛ لأنه في الأول عمل بعمل 229 وفي الثاني كسب بكسب 230،224225226
الجزء: 10 - الصفحة: 4807
إلا أن يكون الكسب والاحتطاب في موضع، ويشترط أحدهما على الآخر أنك تبيع في موضع كذا على بعد والآخر على قرب، فلا يجوز، فما وجدا كان ثمنه بينهما على السواء، ويرجع من أبعد في البيع على صاحبه بإجارة المثل فيما يفضله به.
الجزء: 10 - الصفحة: 4808
باب في مرض أحد الشريكين أو غيبته
231
وإذا عقد الشريكان 232 الإجارة على عمل ثم مرض أحدهما أو مات أو غاب 233، كان على الآخر أن يوفي بجميع ذلك العمل 234، وسواء كانت الشركة على أن العمل مضمون في الذمة أو على أعيانهما؛ لأنهما 235 على ذلك يشتركان، وعليه يدخل الذي يستأجرهما أخهما ربما جالت أيدجهما في عمل الشيء الواحد، وربما انفرد بعمله أحدهما، وليس كذلك إذا لم يكونا شريكين، وكانت الإجارة على عمل رجل، لم يجز أن يضمن عنه ذلك الآخر أجرة ذلك العمل 236 إن مرض أو مات أو غاب.
ولو آجر رجلان أنفسهما في عمل شيء بعينه 237، أو كانت الإجارة في الذمة، لم يكن على أحدهما أن يوفي عن الآخر، وليس كالأول؛ لأن أولئك متفاوضان فلزم أحدهما ما لزم الآخر.
وإذا كانت الإجارة 238 في الصحة ثم حدث مرض خفيف أو طويل أو غاب أحدهما إلى وضع قريب أو بعيد، كان على الصحيح والحاضر 239 القيام بجميع العمل.
الجزء: 10 - الصفحة: 4809
وكذلك إذا عقدا الإجارة على شيء في أول المرض ثم برئ عن قرب أو بعد أو في سفر أحدهما على 240 قرب من المكان، ثم رجع عن قرب أو بعد 241، فكل 242 ذلك سواء، فإن على الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل، هذا في حق الذي له 243 العمل، وكذلك في المسمى 244 الذي عقدا عليه، هو بينهما 245 نصفين في الوجهين جميعًا.
ويفترق الجواب في رجوع الذي عمل على صاحبه، فإن كان المرض الخفيف والسفر القريب لم يرجع؛ لأن العادة العفو عن مثل ذلك ولولا 246 العادة لرجع.
وإن طال المرض أو بعُد السفر رجع على صاحبه بإجارة المثل، ولو اشتركا على العفو عن مثل ذلك كانت الشركة فاسدة، ولو فسدت الشركة من غير هذا الوجه لكان التراجع بينهما في قريب ذلك وبعيده.
ولو عقد أحدهما إجارة بعد طول المرض أو بُعْد 247 السفر كان ذلك له وحده؛ لأن الشركة حينئذ قد انقطعت، وكذلك ضمان ما هلك إذا كان العقد عليه في موضع لم تنقطع الشركة كانت القيمة عليهما، وإذا كانت بعد أن انقطعت كانت عليه وحده.
الجزء: 10 - الصفحة: 4810
باب في الشركة في الحرث
قال محمد بن المواز: إذا سلم المتزارعان 248 في قول مالك من أن تكون الأرض لواحد والبذر من عند الآخر، جازت الشركة إذا تساويا ولم يفضل أحدهما الآخر بشرط 249 في عمل ولا نفقة ولا منفعة 250.
قال الشيخ -رحمه الله-: فتجوز الشركة إذا كانا شريكين في الأرض والبذر، أو في الأرض دون البذر، أو في البذر دون الأرض وتساويا فيما بعد ذلك؛ لأنه لا 251 يدخلهما حينئذ كراء الأرض بالطعام.
واختلف إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر، أو كانت الأرض والبذر لأحدهما والعمل من عند الآخر، فمنع مالك وابن القاسم إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر.
قال ابن القاسم: لأنه أكرى الأرض بنصف البذر، فإن نزل ذلك وفات بالعمل كان الزرع لصاحب الأرض وعليه مثل جميع البذر.
وروى ابن غانم عن مالك أن الربح لصاحب الزريعة وعليه قيمة كراء الأرض والعمل 252.
قال ابن حبيب: وبه قال من المدنيين، مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع.
ومن المصريين، ابن وهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ 253.
الجزء: 10 - الصفحة: 4811
قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: أما القول: إن جميع ذلك لصاحب الأرض، فلا وجه له؛ لأن المنع إذا كان لأن صاحب الأرض أكرى نصف أرضه بنصف البذر 254 وهو بيع فاسد، فنصف البذر باق على ملك صاحبه ولم يكن فيه بيع، وهو بمنزلة من أكرى أرضه بثمن فاسد على أن العمل على مكتري الأرض، فإنه لا خلاف أن الزرع لصاحبه وللآخر إجارة مثل 255 أرضه وعمله، ثم يختلف في النصف الآخر هل يكون لمن زرعه؛ لأنه بِيعَ بيعا فاسدًا 256 وقبضه مشتريه فأفاته بعمله في أرضه، أو يكون لبائعه لأنه بيع فيه 257 تحجير أن يزرعه معه ولا يبين به عنه فيزرعه في أرض أخرى؟ والأول أحسن، فيكون الزرع بينهما نصفين ويتراجعان؛ هذا بمثل نصف البذر والآخر بكراء نصف 258 الأرض 259 والعمل إن عملا جميعًا كان النصف لصاحب البذر؛ لأنه بذره وعمله بيده.
ويختلف في النصف الآخر، فعلى رواية ابن القاسم يكون للعامل، وعلى رواية ابن غانم يكون لصاحب البذر.
والأول أحسن؛ لأنه بيع فاسد فات بعمل 260 مشتريه.
ولو كان صاحب البذر العامل وحده كان جميع الزرع له؛ لأن النصف عمله على ملكه، والنصف الآخر باعه بيعًا فاسدًا، وأفاته بنفسه ولم يفته
الجزء: 10 - الصفحة: 4812
مشتريه.
وقال أحمد بن نصر الداودي: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، أو أخرج الأرض والبقر والعمل، أو الأرض والعمل، أو الأرض والبقر، والآخر البذر وما يحتاج إليه، فذلك جائز؛ لأنه إنما اشترى كل واحد منهما نصف ما أخرج صاحبه بنصف ما أخرجه الآخر 261.
والفرق عنده بي الشركة وكراء الأرض بنصف ما يخرجه ليس على وجه الشركة؛ لأنه في الكراء أكرى جميع الأرض ليزرعها المكتري على ملكه بنصف ما يخرج وهو لا يدري ما يخرج، فعاد الأمر إلى الغرر، وفي الشركة أكراه بنصف الزريعة يقبضها الآن ثم يزرعها لنفسه على ملكه فهو معلوم.
ومر في ذلك على أصله فيمن اكترى أرضًا بطعام فذلك عنده جائز.
قال: ويلزم من رأى أنها 262 إذا أكريت بطعام ليزرعها بطعام 263، أنه الطعام بالطعام 264 أن يدخل ذلك إذا اكتريت بالفضة والذهب فهو من اشتراء المجهول؛ لأنه يقل ويكثر.
يريد: أنه إذا قدر أن الذي تخرجه الأرض كان صاحب الأرض بائعه، أن يدخله 265 في الوجه الآخر المجهول، وبيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4813
فصل [في ما إذا كان البذر من عند صاحب الارض والعمل والبقر من عند الآخر]
واختلف إذا كان البذر من عند صاحب الأرض والعمل والبقر من عند الآخر، فأجازه سحنون، ومنعه محمد وابن حبيب.
فقال سحنون: إذا اشتركا على ذلك على أن ما أخرجه الله -عز وجل- من شيء فلصاحب الأرض والبذر 266 ثلثه، ولصاحب العمل ثلثه 267، وحق البقر الثلث، وكانت القيم 268 كذلك، جاز 269.
ومثله إذا كانت البقر من عند صاحب الأرض والبذر، ومن عند الآخر العمل 270 على أن له الثلث والقيم 271 في ذلك أثلاثًا، فهو جائز.
وقال محمد في مثل هذا: هو فاسد، وقد كان يكون على أصله جائزًا؛ لأنه قال: إذا سلم المتزارعان من أن تكون الأرض لواحد والبذر لواحد جازت الشركة إذا تساويا 272.
قال ابن حبيب: فإن نزل ذلك كان الزرع لصاحب الأرض والبذر، وللآخر إجارة عمله، إلا أن يقول له 273: تعال نتزارع على أن يكون نصف
الجزء: 10 - الصفحة: 4814
أرضي ونصف بذري ونصف بقري كراء لنصف عملك، فيكون الزرع بينهما؛ لأن 274 هذا قبض نصف البذر في أجرته وضمنه 275.
والصواب في جميع هذا الجواز، كما قال سحنون، إذا دخل على وجه الشركة، وأن يعمل البذر على أملاكهما، وإن كان على أنه يعمل على ملك صاحب البذر وللآخر ثلث ما يخرج، كان فاسدًا قولًا واحدًا؛ لأنه آجر نفسه بمجهول ما يكون بعد الخروج.
وإن اكتريا الأرض ثم تعادلا فيما سواها 276 جاز، بمنزلة ما لو كانت لهما، وإن اكتراها أحدهما، كان بمنزلة ما لو كانت له.
وأجاز 277 محمد بن المواز وسحنون إذا كانت ملكًا لأحدهما فاستأجر الآخر نصيبه منه بدنانير أو بدراهم أو بعروض 278.
قال سحنون: فإن أخرج أحدهما البذر والآخر كراء الأرض وتكافآ في العمل، لم يجز، ويدخله كراء الأرض بالطعام 279.
يريد: إذا اكتراها لنفسه، وإن اكتراها لهما وقال: أشاركك بالذي تكتري به 280، جاز، ولا يدخله كراء الأرض بالطعام.
وذكر سحنون عن ابن دينار أنه قال: إذا كانت الأرض ملكًا بينهما أو
الجزء: 10 - الصفحة: 4815
باكتراء ومن عند الآخر البذر ومن عند الآخر العمل أن ذلك لا يجوز.
قال: وجعله مثل ذهب بذهب وعرض 281.
وبنى ذلك على قول مالك: فيمن اكترى أرضه ممن يزرعها طعامًا بعسل أو سمن، فمنع ذلك؛ لأنه يدخله عنده الطعام بالطعام 282. فإذا جعل ما أخرجت الأرض 283 كان صاحب الأرض 284 بائعه، وإن كانت الزريعة من المكتري.
فكذلك تصير الشركة بما أخرجته الأرض يكون طعامًا بطعام وعرض، أخرج أحدهما بذرًا وما أخرجته أرضه, والآخر العمل وما أخرجته أرضه، وعلى هذا لا تجوز الشركة إذا كان البذر بينهما والأرض لأحدهما؛ لأنه طعام وأرض بطعام وعمل، وإن كانت الأرض والبذر من عند أحدهما والعمل من عند الآخر جاز.
وإن كانت الأرض لا خطب لها، جاز أن تلغى ويتساويا فيما سواها، وهو قول مالك وابن القاسم وسحنون ومنعه ابن عبدوس 285. وإن كانت لا خطب لها إذا كانت ممن له العمل والبذر من عند الآخر، قال: ويدخله كراء الأرض بالطعام.
وهو أقيس إذا كانوا يكرونها وإن قل، وإن كانت العادة أنها تمنح جاز.
الجزء: 10 - الصفحة: 4816
فصل [في ما إذا كان البذر من عند الشريكين]
واختلف إذا كان البذر من عندهما، هل من شرط الصحة أن يخلطاه قبل الحرث؟ وهل يجوز أن يخرج أحدهما القمح والآخر الشعير؟ وإن كان أحدهما يحرث 286 في بلد والآخر في غيره؟ وإذا أسلف أحدهما الآخر 287 نصيبه من الزريعة؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة إذا أخرجا قمحًا أو شعيرًا وإن لم يخلطاه، وهو أيضًا أصلهما في الشركة في العين: الدنانير 288 والدراهم أنها جائزة 289 وإن لم يخلطا 290. واختلف عن سحنون، فقال مرة بمثل قول مالك، وقال مرة: إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو جمعاها في بيت، أو حملاها إلى فدان وبذر كل واحد في طرفه، وزرع واحد ثم زرع الآخر 291، فهو كما لو جمعاها في بيت، وإلا لم تصح ويكون لكل واحد ما أنبت حبه 292. ورأى 293 أن ذلك مبايعة تحتاج إلى مناجزة وتقابض، والخلط كالقبض، وهو أصله في الشركة بالدنانير والدراهم ألا تصح إلا بالخلط.
الجزء: 10 - الصفحة: 4817
وقد اختلف قول مالك في الشركة بالطعامين إذا كان صفة 294 واحدة، فمنع ذلك مرة ورأى أنها مبايعة 295. فعلى هذا لا تجوز الشركة في الحرث إلا أن يكون جميعه من عند صاحب الأرض.
ويجوز على قوله أن الشركة جائزة إذا كان البذر من عندهما 296 وتساويا فيما بعد ذلك.
وتجوز الشركة إذا أخرج كل واحد منهما مائة دينار وعروضًا والآخر مثله.
واختلف عن سحنون إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنع ذلك مرة، وإن فعلا كان لكل واحد ما أنبتت زريعته، ثم رجع فأجاز ذلك إذا اعتدلت القيمة 297. يريد: والمكيلة.
ويجوز على هذا أن يخرج أحدهما قمحًا والآخر قطنية ويجمعاهما في بيت؛ لأنه كالقبض.
قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض ومُدَّي قمح ونصف مُدَّي شعير، والآخر مُدَّي قمح والعمل على أن جميع الزرع بينهما، جاز إذا كان العمل مكافئًا لكراء الأرض ولما أخرج ربها من الشعير.
قال ابن حبيب: لأن الشعير ثمن لبعض العمل 298.
قال ابن سحنون: ولو أخرج صاحب القمح 299 أكثر مما أخرجه صاحبه، لم يجز، ودخله قمح بشعير ليس يدًا بيد، وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها،
الجزء: 10 - الصفحة: 4818
ولو كان الشعير من عند صاحب العمل واعتدلا في القمح، لم يجز (1).
قال ابن حبيب: لا بأس أن يشتركا بصنفين من الطعام إذا اشتركا في كل صنف (2). يريد: أن يخرج هذا قفيز قمح وقفيز فول أو حمص، ويخرج الآخر مثله.
وهذا مثل قول مالك: إذا أخرج أحد الشريكين مائة دينار وألف درهم والآخر مثله (3). قال محمد بن سحنون: لو اشتركا على أن يزرعا بالريف ثم ذهبا إلى الشام فزرعا؛ جاز ذلك في قياس قول سحنون.
ولو كان هذا يزرع بالفيوم ويخرج الآخر بذره فيزرعه (4) بالشام، لم يجز (5).
فصل [في ما إذا أخرح أحد الشريكين الأرض والآخر البذر]
وقال ابن حبيب: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر على أن نصفه سلف من عند صاحبه، لم يجز، والزرع بينهما نصفين؛ لأنهما ضمنا الزريعة وتكافآ في العمل وكراء الأرض 305.300301302303304
الجزء: 10 - الصفحة: 4819
وقال سحنون في "كتاب ابنه 306 ": الزرع لمسلفه وعليه كراء الأرض؛ قبض صاحب الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبضها، إلا أن يكون السلف بعد 307 صحة الشركة على غير شرط 308.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: إذا كان المتولي للعمل المسلف، كان الزرع له؛ لأن المسلف لم يقبضه ولا أفاته، وإن كان العامل المسلف 309، كان له منه 310 بقدر ما أسلفه؛ لأنه قبضه وأفاته بعمله.
ولو كانت الشركة على أن يسلف أحدهما الآخر الثمن ليشتري به نصيبه من الزريعة، كان الزرع بينهما نصفين قولًا واحدًا، بخلاف سلف الزريعة.
واتفق ابن القاسم وسحنون، إذا كان السلف بغير شرط في أصل العقد، أن الشركة صحيحة والسلف صحيح 311.
قال ابن القاسم: ولو دفع أحد الشريكين لصاحبه دنانير ليشتري له نصيبه من الزريعة، فزرع ثم قال: لم أشتر شيئًا وإنما زرعت من عندي، لم يصدق والزرع بينهما، فإن صدقه كان بالخيار بين أن يعطيه المكيلة ويكون الزرع بينهما، وإن شاء أخذ دنانيره، وكان الزرع لزارعه 312.
الجزء: 10 - الصفحة: 4820
قال يحيى بن عمر: إن صدقه أو قامت 313 البينة أنه من عنده، كان 314 الزرع لزارعه 315، ولا يجوز للآخر الرضا بأخذ نصفه ويدفع الزريعة.
يريد: لإمكان أن يكون اختار الترك ثم انتقل إلى الرضا فيدخله بيع الزرع قبل بدو 316 صلاحه.
قال ابن القاسم في كتاب محمد 317: إذا غاب أحد الشريكين بعد أن قلَّبا الأرض ثم زرع الآخر له ولصاحبه ثم قدم الغائب، فإن رضي جاز، وإن لم يرض لم يلزمه.
قال: وأحب إليّ إذا رضي أن يؤخر ذلك حتى يحصد فيأخذ الزارع منه بذره، ويكون ما بقي بينهما.
وإن زرعها 318 لنفسه، لم يكن للغائب في الزرع شيء، وله قيمة كراء نصيبه محروثًا.
وإن حرث نصفها، كان للغائب قيمة كراء نصف ذلك النصف.
وإن أحضر شهودًا لقسمة ذلك، لم ينفعه إلا بقسم السلطان 319.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- وقد قال في كتاب الرواحل: إذا أشهد جماعة، كان كحكم السلطان إذا لم يكن سلطان.
الجزء: 10 - الصفحة: 4821
باب في الشركة (1) بالعروض والطعام
الشركة بالعروض على وجهين: فإن كان القصد بيع بعض أحدهما ببعض آخر وعلى أنهما لا يتجران في أثمانها إذا بيعا 321، كانت جائزة، وإن كان فيها تغابن أو تفضل 322 من أحدهما على الآخر.
وإن كانت الشركة ليتجرا بأثمانها، جازت الشركة 323 إذا كانت على أن لكل واحد منهما في الشركة مبلغَ قيمة سلعته، فإن اشتركا على المساواة والقيم مختلفة، لم يجز.
ثم هما فيها على ثلاثة أوجه:
فإما أن يبيع كل واحد سلعة نفسه قبل قبضها منه أو بعد 324، أو 325 باع كل واحد سلعة الآخر، أو باع أحدهما سلعته وسلعة صاحبه.
واختلف إذا نزل وفات بالقبض أو البيع، هل تكون بينهما شركة في القيم، أو في الأثمان؟ فقال في "المدونة": لكل واحد منهما ما بيعت به سلعته 326. ولم ير بينهما شركة ولا قبض؛ لأن لكل واحد من الشريكين 327 أن يتصرف فيما باعه بالبيع بعد قبضه منه، فكان قبض المشتري كلا قبض.
والقبض الصحيح ما لا320
الجزء: 10 - الصفحة: 4822
يتسلط 328 لبيعه فيه، فوجب لهذا أن تكون المصيبة بعد القبض من البائع والثمن له، كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل، وسواء كان بائع ذلك العرض مشتريَه أو بائعه.
والقول الآخر إن ذلك قبض، وهو قول مالك في الشريكين يُخرج أحدهما ذهبًا والآخر فضة، أن الشركة صحيحة والقبض صحيح تصح به المناجزة في الصرف 329.
وإذا كان ذلك فقبض كل واحد من الشريكين سلعة صاحبه، ضمن نصف قيمتها يوم قبضها وعمرت ذمته بذلك وصار جميع ما تجرا فيه بينهما نصفين إذا باع كل واحد منهما 330 سلعة صاحبه بعد قبضها منه؛ لأن الثمن بينهما.
وإن كان بيعه لها قبل قبضها، كان في المسألة قولان:
أحدهما 331: أن بيع المشتري كالقبض يوجب 332 عليه نصف القيمة ويكون له نصف الثمن.
والثاني: أن ذلك ليس بقبض والثمن لمن كانت له تلك السلعة، وإن باع كل واحد منهما 333 سلعة نفسه قبل قبضها منه، أو بعد قبضها وقبل أن يفوت عند القابض بحوالة سوق أو جسم، كان الثمن له دون الشريك.
وإن كان بيعه لها بعد القبض والفوت بتغير سوق أو جسم، كان الثمن
الجزء: 10 - الصفحة: 4823
بينهما وعلى كل واحد نصف قيمة سلعة (1) صاحبه.
وإن قبض أحدهما سلعة صاحبه ثم باعهما (2) جميعًا، كان (3) ثمن سلعته له (4)، وثمن سلعة صاحبه بينهما وعليه لصاحبه نصف قيمتها (5). وإن اتجرا بعد ذلك كان المشترى بينهما على قدر ذلك، لأحدهما بقدر (6) ثمن جميع سلعته ونصف ثمن سلعة صاحبه، وللآخر قدر نصف ثمن سلعة صاحبه خاصة (7).
وإن أخرج أحدهما عروضًا والآخر عبيدًا أو حيوانًا أو طعامًا، كانت (8) الشركة إذا اعتدلت القيم جائزة، ولم تجز إذا اختلفت القيم واشتركا (9) على المساواة في القيم.
والجواب إن نزل ذلك (10) على ما تقدم في العرضين (11).
فصل [في الشركة بالطعامين]
لا تخلو الشركة بالطعامين من 345 أربعة أوجه: إما أن يكونا صنفًا واحدًا334335336337338339340341342343344
الجزء: 10 - الصفحة: 4824
وهما في الجودة سواء، أو بعضهما أفضل من بعض، أو جنسين قمحًا وشعيرًا، أو صنفين قمحًا وتمرًا 346.
وقد اختلف في الشركة في جميع هذه الأوجه.
فأجاز مالك 347 في "المدونة" الشركة إذا كان الجنس واحدًا والجودة سواء، بمنزلة لو كانت دنانير كلها أو دراهم كلها 348، ولم يرها مبايعة، ويجوز على هذا وإن لم يخلطاها، ثم رجع عن ذلك ورأى أن الطعام مما تختلف فيه الأغراض بخلاف الدنانير فيدخلها 349 المبايعة من بعضها ببعض 350، وإذا دخلت المبايعة منع لأجل عدم المناجزة.
وقد أجاز مرة أن يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم وهي مبايعة، وإذا كان ذلك جازت الشركة بالطعامين مع تسليم القول: إنها مبايعة إذا قبض كل واحد منهما طعام الآخر.
وأجاز ذلك محمد إذا خلطا الطعامين 351. وإن اختلفت الجودة لم تجز الشركة على قيم الطعامين؛ لأنه ربًا، وسواء كان الفضل يسيرًا أو كثيرًا، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا؛ لأن ذلك الفضل في الشركة لا يجوز في عرض ولا في طعام، وإن كان الفضل يسيرًا واشتركا على الكيل جاز على قوله في "المدونة" 352، والقياس المنع؛ لأن من له الفضل إنما 353 تركه لمكان الشركة
الجزء: 10 - الصفحة: 4825
والتجر في المستقبل، وإن لم يقصد التجر بأثمانهما جاز، وهذا إذا كانت سمراء كلها أو محمولة كلها.
وإن كان من عند أحدهما سمراء والآخر محمولة، لم تجز الشركة أيضًا على القيم، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا، وإن كان يسيرًا، جاز على القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض فإن المحمولة أدنى، وعلى القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض 354 وتراد 355 في بعض الأوقات للزريعة، فلا يجوز لأنها تدخلها 356 المبايعة، إلا على القول بإجازة الصرف في الشركة ويقبض كل واحد طعام صاحبه.
واختلف إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنعه ابن القاسم في "المدونة" 357. واختلف فيه عن سحنون، فمنعه مرة وأجازه أخرى إذا اعتدلت القيم 358. يريد: والكيل وقبض كل واحد منهما طعام الآخر.
وإن أخرج أحدهما قمحًا والآخر تمرًا 359 كانت مبايعة، ويختلف في جواز الشركة, فعلى القول بإجازتها يأخذ كل واحد منهما طعام الآخر أو يجمعانه.
وقال ابن القاسم: إذا اشتركا في قمح شركة فاسدة ثم خلطاه كان لكل واحد منهما قيمة طعامه يوم خلطاه 360. وقال محمد: يقتسمان الثمن والربح
الجزء: 10 - الصفحة: 4826
نصفين 361. ورأى 362 أن ذلك قبض، فتعمر ذمة كل واحد منهما بمثل نصف 363 طعام صاحبه، ويكون الموجود بينهما نصفين.
ولم يره ابن القاسم قبضًا، ولا يكون نصفين، ولا 364 يضمن أحدهما لصاحبه شيئًا 365؛ لأن خلطهما بإذن منهما وليس بتعد، وإذا ارتفع العداء 366 كان كالذي اختلط بأمر من الله وتكون الشركة فيه على القيم 367.
وإذا اشترك رجلان على أن يخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفين والربح بينهما على رأس الأموال، وكذلك إن لحقهما دين بعد أن خسر المال وذهب فيه، فعلى صاحب الألف ثلث الدين، وعلى صاحب الألفين ثلثا الدين.
وقيل: على كل واحد ما تداين به بعد تلف رأس المال 368.
الجزء: 10 - الصفحة: 4827
باب في عقد الشركة هل (1) يلزم الوفاء به؟
وإذا كانت الشركة بأن أخرجا دنانير ودراهم ليشتريا بها 370 سلعة بعينها لا يقدر أحدهما على شرائها بماله بانفراده، لم يكن لأحدهما الرجوع عن ذلك؛ لأنهما أوجبا أمرًا جائزًا يتعلق به حق لمن طلب الوفاء به، وإن كان يقدر كل واحد بانفراده على شرائها 371 وكان شراء الجملة أرخص فكذلك.
وإن كان الشراء في الجملة وعلى الانفراد سواء، جرت على القولين فيمن اشترط شرطًا جائزًا لا يفيد، فاختلف هل يلزم الوفاء به أم لا؟.
وإن كانت الشركة ليتجرا في شيء بعينه وما لا أمد لانقضائه، كان لكل واحد منهما الرجوع عن ذلك، وتكون له دنانيره وإن كان لها فضل؛ لأنه إنما رضي أن تكون بينهما لمكان التجر في المستقبل، فإذا لم يصح له 372 كان له دنانيره.
وكذلك 373 إذا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم -على قول من أجاز ذلك- ثم بدا لأحدهما، فيكون له ما كان أخرجه؛ لأنه لم يكن له غرض في الصرف إلا 374 لمكان الشركة والتجر في المستقبل.
ويجري فيها قول آخر: أنه تلزم الشركة لأول نضّة، قياسًا على أحد قولي مالك فيمن عقد الكراء مشاهرة؛369
الجزء: 10 - الصفحة: 4828
أنه يلزم 375 أول الشهر 376.
وإن كانت الشركة في سلع أخرج كل واحد منهما سلعة، كانت الشركة على ثلاثة أوجه: فإن كان القصد بيع نصف إحداهما 377 بنصف الأخرى لا أكثر من ذلك، كانت لازمة لا رجوع لأحدهما 378 عنها، ومن دعا منهما إلى المفاصلة والبيع كان ذلك له.
وإن كان قصدهما التربص بها لما يرجى من حوالة الأسواق لموسم يرجى وما أشبه ذلك -وذلك القصد لو لم تكن شركة- كان القول قول من دعا إلى تأخير المفاصلة إلى الوقت المعتاد ويصير حكمهما فيها 379 حكم القراض، أنه لا يمكَّن أحدهما من بيعه قبل الأوان الذي يؤخر إليه، إلا أن يكون مما ينقسم 380 من غير نقص ولا مضرة فيقسم بينهما، وهذا في الشريكين.
وإن كان القصد تمادي التجر بأثمانها 381 كان القول قول من دعا إلى ترك التجر بأثمانها 382 في المستقبل على أحد قولي مالك في الكراء، ويكون لمن أحب التماديَ الخيارُ في نقض الشركة في العرضين 383 دون من أحب ألا يتمادى فيها؛ لأن مقال من أحب التماديَ أن يقول: لم أقصد باخراج عرضي 384 والشركة فيه إلا لمكان ما
الجزء: 10 - الصفحة: 4829
نرجو من التجر في المستقبل، ولولا ذلك لم أشاركك 385 فيه 386، فإذا لم تمكني من الوجه الذي 387 شاركتك له عدت في عرضي، ولا مقال في ذلك لمن كره التمادي؛ لأن الآخر يقول: قد ملكت عليك نصف عرضك ومكّنتك من الوجه الذي قصدت الشركة لأجله.
ولو أخرجا دنانير ثم سافر أحدهما بالمال، لزمت الشركة، وليس للحاضر أن يوكل من يأخذ ذلك منه بعد أن خرج الآخر لأجله، وليس للذي سافر بالمال أن يترك الشركة ويوقف له ماله هناك، ولو سافرا جميعًا وكان السفر لأجل التعاون بالمالين وإنما يتجران فيما لا يقدر أحدهما أن يتجر فيه على الانفراد، لكان القول قول من دعا إلى التمادي لأول نضة.
واختلف في الشركة في الحرث إذا أراد 388 أحدهما النزوع 389 قبل الحرث.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك له.
وقال سحنون: ليس ذلك له.
وإن كانا قد بذرا، لم يكن لواحد منهما النزوع قولًا واحدًا؛ لأنه لا 390 تجوز قسمته، بذر من الأرض أو لم يبذر.
وقال ابن حبيب: إن ذهب السيل بذلك الزرع لم يجبر أحدهما على أن يعيد بذرًا آخر.
وإن هلك ثور أحدهما أو غلامه أو بعض الأداة جبر الآبي منهما، وإن ذهب البذر قبل أن يزرعا أو بذر أحدهما، لم يجبر الآبي منهما 391. وقول سحنون أبين، وهو الأصل في الشركة في المعينات، هذا إذا اشتركا ليعملا بطنًا واحدًا، وإن كان ليعملا في المستقبل ولم يسمّيا، لزم أول بطن على أحد القولين.
الجزء: 10 - الصفحة: 4830
باب في نفقة أحد الشريكين [ونفقة العيال]
وإذا كان الشريكان 392 لا عيال لهما، أو لهما عيال سواء، أو بينهما الشيء اليسير كانت النفقة والكسوة ملغاة، وسواء كانا في بلدين أو في بلد واحد 393 اتفق سعرهما أو اختلف، هذا هو الظاهر من المذهب.
والقياس: إذا كان البلدان قرارًا لهما أيحاسب من كان في البلد الغالي بما بين السعرين؟ فإن لم يكن واحد منهما في قراره لم يحسبا ما بين السعرين، وإن كان أحدهما في قراره وهو أغلاهما سعرًا حوسب بما بين السعرين 394، وإن كان الآخر أغلاهما لم يحاسب بذلك الفضل؛ لأنه خرج من سبب المال ولتنميته، وقد كان في مندوحة عن الإنفاق من ذلك الغلاء، فإذا كان كل واحد في قراره، أو كان أغلاهما من هو في قراره دون من خرج لسبب المال، كان من حق أقلهما سعرًا أن يحسب 395؛ لأن الأصل أن نفقة كل واحد من الشريكين على نفسه وعياله مما 396 يخصه، وما سواه 397 فهو للعادة، فإن كانت العادة الإنفاق من الأوسط 398، جاز ذلك على أصل ما تجوز عليه الشركة، وهي المساواة في الانتفاع، وأن يكون الربح على قدر رؤوس الأموال، فإذا تراضيا على أن يأخذ أحدهما من الربح أكثر من الآخر لم يجز، وكل
الجزء: 10 - الصفحة: 4831
موضع تلغى فيه النفقة فإنه تلغى فيه الكسوة إذا كانت مما تبتذل.
وإن تساوى العيال في العدد وتباينوا في السن تحاسبوا 399 بفضل ذلك كتباين اختلاف العدد.
وإن كانت مما لا تبتذل واشتريت من مال الشركة، كان ربحها داخلًا في المال وخسارتها على مشتريها ويحاسب بما 400 وزن فيها، وإن علم لذلك قبل دفع الثمن، كان 401 الشريك الآخر بالخيار بين أن يردها للشركة أو يمضيها 402 له خاصة ويمنعه من وزن ثمنها من مال الشركة، إلا أن يسقط من نصيبه من المال قدرها.
وإن غاب المشتري وطلب البائع الشريك الآخر بالثمن، لم يكن ذلك له.
وإن قال مشتريها: اشتريتها 403 على غير مال الشركة لاستقراض الثمن أو لأخذه من الشركة وتسقط الشركة فيما ينوب ثمنها، كان ذلك له ولم يكن للآخر من ربحها شيء.
وإن اختلف رأس المال فكان لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث وتساوى العيال، لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بقدر جزئه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله ليحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه لا 404 يأخذ من المال أكثر مما أخذ صاحبه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4832
باب في اختلاف المتفاوضين والشريكين والشهادة في ذلكـ
ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن أقام 405 البينة على رجل أنه مفاوضه 406: كان جميع ما في يدي 407 الذي قامت عليه البينة بينهما، إلا ما أقام البينة عليه أنه ورثه أو وهب له أو كان له قبل المفاوضة، وأنه لم يفاوض عليه 408.
وهذا إذا أنكر الآخر المفاوضة 409. ولو أقر واختلفا في الأجزاء، فقال أحدهما: نصفين.
وقال الآخر: لك الثلث ولي الثلثان؛ لاقتسما السدس على أصله نصفين؛ لأن المفاوضة تقتضي كون أيديهما على جميع أملاكهما وتصرف كل واحد منهما فيه مع إمكان أن يكون ذلك نصفين أو الثلث أو 410 الثلثين، ولأنهما لو تفاوضا في جميع أملاكهما 411 على مثل ذلك من اختلاف الجزء، لقيل: هما متفاوضان، إلا أن يكون قوم لا يوقعان 412 المفاوضة إلا على ما استوت أجزاؤه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4833
ولو أقام رجل البينة على رجل أنه شريكه، لم يقض بالشركة في جميع أملاكهما 413؛ لأن ذلك يقع على بعض المال وعلى جميعه.
ومن كتاب ابن 414 سحنون: ومن أقر أنه شريك فلان في القليل والكثير، كانا كالمتفاوضين في كل ما في أيديهما، إلا أنه لا يجوز إقرار أحدهما على الآخر بالدين ولا بالوديعة ولم يتقاررا أنهما شريكان في التجارة، كان ما بأيديهما من التجارات بينهما، ولا يدخل في ذلك مسكن ولا خادم ولا طعام.
وإن قال أحدهما: هذا الذي في يدي ليس من الشركة إنما أصبته من ميراث أو جائزة أو هو بضاعة لرجل أو وديعة، صدق مع يمينه، إلا أن يقيم الآخر بينة أنه من الشركة، أو أنه كان في يديه يوم أقر، فإن أقر أنه كان في يديه يوم أقر بالشركة، كان بينهما؛ لأن 415 العين من التجارة، ولو كان بيده متاع من متاع التجارة، وقال: ليس هو منها ولم يزل في يدي قبل الشركة، كان بينهما ولم يصدق 416.
قال: وإن قال: فلان شريكي ولم يزد، ثم قال: إنما عنيت في هذه الدار أو الخادم، صدق مع يمينه.
وإن قال: شريكي في متاع كذا، صدق.
وإن قال: في كل 417 تجارة، وقال الآخر: فيما بين يديك 418 ولست شريكي فيما في يدي صدق مع يمينه.
وإن قال في حانوت في يديه: فلان شريكي فيما فيه 419، ثم أدخل فيه
الجزء: 10 - الصفحة: 4834
عدلين رضيا 420، فقال: ليس هو من الشركة، وقال الآخر: قد كان في الحانوت يوم إقراره، كان القول قول من قال 421 إنه كان فيه، إلا أن يقيم الآخر البينة أنه لم يكن فيه يومئذ 422. قال: وقال سحنون أيضًا وأشهب: لا يكون بينهما ويصدق من قال أنه قال 423 أدخله بعد الإقرار؛ لأن ما في الحانوت غيرُ معلوم 424.
الجزء: 10 - الصفحة: 4835
باب في مقاسمة أحد الشريكين مال الشركة بغير رضا شريكه
وإذا سافر أحد الشريكين بمال من شركتهما فلما بلغ البلد قسم ذلك الربح 425 واشترى لنفسه ولشريكه على الانفراد، فهلك أحد المالين أو سلما واختلف الربح، كان للمقيم أحسن ذلك وأفضله، فإن كانت الخسارة أو الضياع فيما جعله لنفسه 426، كان منه خاصة وكان للآخر 427 السالم بربحه؛ لأنه لا يختار إلا إجازة القسمة.
وإن كانت الخسارة أو الضياع في نصيب المقيم كان النصيب السالم بربحه بينهما وتلف الآخر وخسارته منهما 428 ولا يضمن للمقيم من ذلك شيئًا 429؛ لأنه لم يتعد 430 إلا في النية خاصة في قوله: هذا لي وهذا لصاحبي، والنية في هذا لا توجب ضمانًا، وإنما يضمن لو رفع يده عن نصيب صاحبه وجعل يد غيره عليه.
ولو كان الشركاء ثلاثة لكل واحد مائة دينار، فسافر اثنان منهم بجميع المال، ثم اقتسماه في سفرهما نصفين، ثم تجرا وربح أحدهما وخسر الآخر، كان الجواب على ما تقدم: له ثلث ما في يد هذا على خسارته وثلث ما في يد الآخر بربحه، ولا يرجع من خسر على من ربح بشيء؛ لأن مقاسمتها على أنفسهما
الجزء: 10 - الصفحة: 4836
جائزة وعلى الغائب غير جائزة، وحكمها 431 على الغائب بمنزلتهما لو تجر كل واحد منهما بنصف المال على أن الشركة قائمة بين جميعهم، ويكون كل واحد 432 منهما بنصف المال على الشركة، فإنه بين جميعهم، ولا يكون واحد منهما 433 متعديًا برفع يده عن الذي بيد صاحبه بخلاف الوصيين؛ لأن لأحد الشريكين أن يشتري بانفراده من غير مطالعة صاحبه، وإذا كان ذلك كان التعدي في النية ويكون معهما بمنزلة من لم يقسم فله 434 ثلثا 435 الجميع على الشياع 436 وذلك يؤدي إلى أن يأخذ ثلث ما في يد كل واحد، إلا أن يكون قدم إليهما المقيم ألا يقسما فيضمن التلف دون الخسارة؛ لأنهما يبقيان في الاشتراء على الأصل أن كل واحد منهما يشتري بغير محضر الآخر ما رآه صوابا، ويكون ذلك تحت أيديهما، إلا أن يكون الاشتراط ألا يشتري أحدهما بغير اجتماع من رأي صاحبه فيضمن الخسارة، وله أن يأخذ بما يجب له عن 437 الضياع أو الخسارة أيُّهما أحب، فيضمن من لم يضع ذلك عنده ومن لم يتول الشراء خسارة ما اشتراه 438 صاحبه؛ لأنه متعد 439 في رفع يده عنه، ويضمن ذلك من كان عنده؛ لأنه متعد في انفراده في النظر فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 4837
واختلف فيما يكون له من الربح في يد الآخر، فقيل: يكون 440 له ثلث ذلك.
وقيل: نصفه.
والأول أحسن، وإنما له ما 441 في يد كل واحد منهما نصفها.
وقال ابن القاسم في أحد المتفاوضين يشتري شراء فاسدًا، قال: ذلك لازم لشريكه، وليس كل الناس فقهاء يعرفون ما يشترون وما يبيعون، وإذا فات 442 كانت القيمة على الشريكين جميعًا 443.
الجزء: 10 - الصفحة: 4838
باب في مشاركة الحر العبد والمسلم النصراني والرجل المرأة
قال ابن القاسم: ولا بأس بمفاوضة الحر العبد ومشاركته إذا كان مأذونًا له في التجارة 444.
قال الشيخ -رحمه الله-: فإن لم يكن مأذونًا له في التجارة 445 وكان العبد المتوليَ للبيع 446 والشراء، لم يكن على الحر في ذلك مطالبته إن هلك المال أو خسر فيه، وكذلك إن توليا جميعًا الشراء ووزن كل واحد منهما ما ينوبه وأغلقا عليها 447 ولم ينفرد الحر بها، وإن كان الحر هو المتولي لذلك ضمن رأس المال إن هلك أو خسر.
ولا ينبغي مشاركة النصراني لعمله بالربا واستحلاله ما حرم علينا، إلا ألا 448 يغيب النصراني على شيء من 449 ذلك، فإن فعل استحب للمسلم أن يتصدق بنصيبه من الربح، لإمكان أن يكون عمل بالربا، وإن شك هل تجر به في الخمر؟ استحب له أن يتصدق بالجميع، وإن علم أنه سلم من ذلك، لم يكن عليه شيء.
الجزء: 10 - الصفحة: 4839
قال ابن القاسم: ولا بأس بشركة الرجل المرأة 450. يريد 451 إذا كانت متجالة أو شابة ولا تباشره في تلك المتاجر 452؛ لأن كثرة محادثة الشابة للرجل تبقي فيه الفتنة، فإن كان بينها وبينه واسطة فلا بأس في ذلك 453.
الجزء: 10 - الصفحة: 4840
باب في وطء أحد الشريكين جارية من الشركة وإذا اشترى من المال جارية لنفسه
ولا يجوز لأحد الشريكين أن يطأ جارية من الشركة، ولا أن يشتري جارية 454 من المال ليطأها 455، أذن الشريك له في ذلك أم لم يأذن 456، فإن فعل ووطئ جارية من الشركة بغير إذن شريكه، كان الذي لم يطأ بالخيار بين أن يضمّنه قيمتها أو يقاوله فيها.
واختلف هل يردها في الشركة؟ وإن اشتراها لنفسه فأدرك قبل أن يمسها، كان بالخيار بين أن يمضيها 457 له بالثمن الذي اشتراها به، أو يردها في الشركة.
وإن لم يعلم حتى أصابها، كان بالخيار 458 بين أن يمضيها له بالثمن، أو يضمنها 459 له بالقيمة، أو يقاويه فيها.
واختلف هل يردها في الشركة؟ فمنع ذلك ابن القاسم في "المدونة" وأجازه غيره 460. وأرى إن كان فعل الشريك ذلك جهلًا يظن أن ذلك يجوز له
الجزء: 10 - الصفحة: 4841
لمكان الشركة ولو علم بتحريم ذلك لم يفعل، جاز بقاؤها تحمت أيديهما، فإن أتى ذلك عالمًا، لم يجز بقاؤها تحت أيديهما وحازها عنه الشريك الآخر إذا كان مأمونًا وله أهل، وإلا جعلت على يد عدل حتى تباع.
وقد قال ابن القاسم في "كتاب المدنيين" فيمن وطئ أخته من الرضاعة بملك اليمين: أنها تباع عليه إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلًا يظن أن ذلك يجوز له ولا يتهم في حاله إلى العودة لمثل ذلك، لم تبع عليه 461.
وأجاز في كتاب محمد 462 الاستبراء فيمن جمع بين 463 أختين في الوطء بملك اليمين 464، ثم عادت إليه إحداهما بعد البيع قبل أن يطأ الباقية عنده، أن يجتمعا في ملكه 465.
ومحمل هذا على أن فعله الأول كان على وجه الجهل.
وكذلك الذي يصيب زوجته بعد الإحرام وهو عالم بتحريم ذلك، فرق بينهما عند الإحرام الثاني، وإن كان جاهلًا ولو علم بتحريم ذلك لم يصب، لم 466 يفرق بينهما.
ولو اشترى أحد الشريكين جارية للتجارة وليصِيبَها وكان اشتراءُ 467 مثلها للتجارة 468 حسنَ نظر وعلم بذلك قبل أن يصيبها -لم يضمن الثمن الذي
الجزء: 10 - الصفحة: 4842
اشتُرَيتْ 469 به وكانت شركة بينهما، وإذا كانت إصابة أحد الشريكين بإذن شريكه، لزمته القيمة 470، حملت أو لم تحمل 471؛ لأنه تحليل.
وإن اشتراها بإذن شريكه، ردت إلى الشركة وحيل بين مشتريها وبين إصابتها ولم يلزمه غرم ما اشتراها به 472؛ لأن مقتضى الإذن أن تكون على ملكهما، وإن بيدت بربح أو خسارة، كان ذلك لهما وعليهما، وإن لم يعلم حتى وطئ، كانت عليه بالقيمة من غير خيار لواحد منهما، وعلى هذا يجري الجواب إذا فعلا ذلك جميعًا، فإن كان فعله بغير علم من شريكه، خوطب كل واحد منهما بمثل ما تقدم إذا كان الفعل من واحد، وإن كان بعلم صاحبه وبإذنه بمثل ما تقدم 473 إذا كان الإذن من واحد والفعل من الآخر وحده.
الجزء: 10 - الصفحة: 4843
باب في أحد الشريكين يستدين أو يبيع بالدين 474 أو يؤخر به 475 أو يضع منه أو يهب أو يعير أو يستعير أو يودِع أو يودَع 476 أو يؤاجر نفسه أو يعمل بقراض أو يتحمل 477 أو يبضع وكيف إن مات المبضع قبل أن يشتري المبعوث معه المال
478
ويجوز 479 لأحد الشريكين أن يشتري بما 480 لم ينضّ معه ثمنه إذا كان الشراء على النقد لينقد بعد اليومين والثلاثة، وهذا مما لابد للناس منه، ولا يشتري بثمن مؤجل، فإن فعل وكان ذلك بغير إذن شريكه، كان الشريك بالخيار بين القبول أو الرد، ويكون الثمن عليه خاصة، وإن كان ذلك بإذن شريكه في سلعة بعينها، جاز الشراء على مثل 481 ذلك.
وإن كان شيئًا بغير عينه، لم يجز ذلك ابتداء، فإن فعل كان المشترى شركة بينهما على المستحسن من القولين في الشركة على الذمم، ولا يجوز أن يعقدا 482 الشركة على ما بأيديهما وعلى 483 أن
الجزء: 10 - الصفحة: 4844
يشتريا بأكثر منه، فإن فعلا كان ما اشتريا شركة بينهما.
واختلف في بيع أحدهما بالدين، فأجازه ابن القاسم في "المدونة" (1)، وروى عنه أصبغ أنه قال: لا يجوز (2). والأول أحسن؛ لأن كل ذلك من نحو ما دخلا عليه من التجارة وتنمية المال.
فصل [في تأخير أحد الشريكين على وجه المعروف]
وتأخير أحد الشريكين على وجه المعروف لا يجوز، ولشريكه 486 أن يرد التأخير في نصيبه من ذلك الدين، وأما نصيب صاحبه، فإن كان لا ضرر عليهما في قسمة الدين حينئذ؛ مضى التأخير في نصيب من أخّر، وإن كان عليهما في ذلك ضرر وقال من أخر: لم أظن أن ذلك يفسد 487 عليّ شيئًا من الشركة، رد جميع ذلك، فإن لم يعلم بتأخيره حتى حل الأجل، لم يكن على من أخر في ذلك مقال.
فإن أعسر الغريم بعد التأخير 488، ضمن الشريك لشريكه نصيبه منه, وإن كان تأخيره إرادة الاستيلاف، جاز ذلك على شريكه، ولا ضمان على من أخّر إن أعسر الغريم بعد ذلك، إلا أن يكون الغريم ممن يخشى عُدْمُه والعجز عن الأداء، فيرد في التأخير ويعجل جميع الحق، وإن لم يردّ حتى أعسر، ضمن الشريك إذا كان عالمًا بذلك.484485
الجزء: 10 - الصفحة: 4845
وقد قيل: لا يجوز التأخير إرادة الاستيلاف؛ لأنه من باب سلف بزيادة (1). والأول أحسن، وليس هذا داخلا في معنى الحديث في النهي؛ لأن هذا إنما يرجو حسن المعاملة من سائر الناس وقد يعامله هذا الغريم أو لا يعامله.
وإن وضع أحد الشريكين، كان الجواب على ما تقدم في التأخير، فلا يجوز على وجه التأخير (2) المعروف، ثم ينظر هل يمضي نصيب الذي وضع من ذلك؟ ويجوز إن أراد الاستيلاف، إلا أن يكثر فيما حط فيرد الزائد على ما يراد به الاستيلاف.
فصل [في ما تجوز إعارته من الشريكين]
ويجوز لأحد الشريكين أن يعير الشيء الخفيف 491 كالماعون وما أشبهه مما العادة أن الشريك يفعله بغير إذن شريكه 492، وكالدابة لمن يقضي عليها حاجة ليس ليسافر 493 بها، ولا يجوز فيما كثر إلا أن يكون ذلك لمن عادته مبايعته 494 فيرجع إلى الاستيلاف أو لمن يخشى 495 رده.
وأما استعارته، فهي على ثلاثة أوجه: تجوز فيما لا يغاب عليه؛ لأنه غير489490
الجزء: 10 - الصفحة: 4846
مضمون.
وفيما 496 يغاب عليه إذا كان لا خطب له.
ويمنع مما 497 يغاب عليه وله خطب 498.
قال ابن القاسم: فإن استعار كان ضمان ذلك على 499 المستعير دون شريكه؛ لأن شريكه يقول: أنا لم 500 آمرك بالعارية ولو 501 استأجرت لم أضمن، وقد يستعير الدابة والسفينة قيمتها مائة دينار وكراؤها دينار وهذا يدخل على صاحبه الضرر 502.
ومحمل قول ابن القاسم في ذكر الدابة والسفينة قدر القيم 503، ليس لأنها مضمونة أو يكون مذهب الحاكم بالموضع تضمينَ العواري.
وإن كانت مما لا يغاب عليها، فإن كان الحاكم ممن لا يرى التضمن فعزل قبل النظر في ذلك وولي غيره فضمنه، لكان الضمان عليهما.
وإن كان مذهب الحاكم الأولِ التضمينَ والمستعير يجهل ذلك، لكان الضمان عليهما على اختلاف فيه 504. قال ابن القاسم: وليس 505 كل الناس فقهاء 506.
الجزء: 10 - الصفحة: 4847
وقد اختلف في تضمين من وكَّل على شيء فاجتهد فأخطأ هل يضمن؟ فهو في هذا أعذر، والغالب اليوم أن الناس يرغبون في العارية لئلا يؤدوا أجرة، ويحملون الأمر في الضياع على السلامة وأنه من النادر.
وأرى أن يكون الضمان عليه وعلى شريكه وإن كانت مما يعاب عليه، وإذا استعار أحد الشريكين دابة فحمل عليها الشريك الآخر 507.
الجزء: 10 - الصفحة: 4848
باب في أحد الشريكين يودِع أو يودَع أو يشارك أو يعطي قراضًا أو يأخذه أو يبضع وكيف إن مات المبضع قبل أن يشتري المبعوث معه بالمال
508
ولا يجوز لأحد الشريكين أن يستودع شيئًا من مال الشركة إلا لعذر 509، وكذلك أحد المتفاوضين، وله أن يقبل الوديعة اختيارًا من غير عذر، فإن مات المودع ولم توجد الوديعة، كانت في ذمته وحده شريكًا كان أو مفاوضًا، فأما الشريك فلإمكان أن يكون فيما يخصه من المال الذي لم يشارك فيه، ولأن أمره فيها متردد بين ثلاثة أو جه:
الضياع، أو إدخالها فيما يختص به، أو فيما يشتركانه.
فكان إدخالها 510 فيما يخصه أو لى، ولا يغرم الآخر بالشك، ولا يحمل على التلف؛ لأن الغالب التصرف فيها إذا كانت عينا، ذهبًا 511 أو فضة.
وقال ابن القاسم في المتفاوضين مثل ذلك أن الوديعة في نصيب المستودع خاصة 512. ولو قيل في المتفاوضين: إنها في نصيبهما جميعًا لكان مذهبًا؛ لأنه على أحد أمرين: إما أن يكون أدخلها في المفاوضة، أو أنفقها 513، وأي ذلك كان فإن له أن يرجع بها في جميع المال؛ لأن الإنفاق يجب من جميع المال، فإذا أنفق من
الجزء: 10 - الصفحة: 4849
غيره كان العوض عنها من جميع المال، وقد يحمل قوله على أن لأحدهما مالًا لم يتفاوضا فيه.
فصل [في ما إذا تجر المودع في وديعة لنفسه]
وإن تجر المودع في وديعة لنفسه، لم يدخل شريكه في ربحها، وإن نوى أن يكون تجره فيها لهما، كان لشريكه نصيبه من الربح؛ لأنه لا يختار إلا الإجازة، ولا شيء عليه من الوضيعة؛ لأنه لا يرضى بإجازة تجره لهما.
وإن تجر فيها برضا شريكه، كان فيها قولان: فقال ابن القاسم: الربح بينهما والوضيعة عليهما وإن لم يعمل معه.
وقال غيره: إن عمل كان ضامنًا ولا شيء له من الربح وله على شريكه الأجرة، وإن رضي ولم يعمل لم يضمن وله الربح يأخذه ما لم يفت العامل بالوديعة أو يفلس، قال: بمنزلة من قال لرجل لك نصف ما أربح في هذه السلعة 514. فجعله ابن القاسم سلفًا صحيحًا لما تقدمت الشركة وانعقدت 515 بوجه صحيح استخف أن يسلف أحدهما الآخر ليتجرا 516 جميعًا.
وقد أجاز مالك أن يخرج أحد 517 الشريكين مائتي دينار والآخر مائة ليتجرا فيها نصفين إذا كان ذلك من صاحب المائتين لصداقة بينهما أو 518 معروف.
الجزء: 10 - الصفحة: 4850
وكذلك إذا تقدم الشركة استخف مثل ذلك، وأجرى غيره الجواب فيها 519 بمنزلتهما لو لم يشتركا أنه لا يجوز لأحدهما أن يخرج مالًا فيسلف نصفه ليكونا شريكين فيه؛ لأن السلف في الوديعة والمنع بيد 520 المودع فهو المسلف 521 لصاحبه، فإن كان ربح، كان للموح وعليه الأجرة كما تقدم في أو ل الكتاب إذا أخرج أحدهما مائتين والآخر مائة، وإن كان فيها خسارة، كان الضمان على المودع إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا ضمن الثاني نصفها؛ لأن السلف 522 الأو ل كان لوجه جائز، فمع اليسر لا يضمن الشريك لشريكه شيئًا؛ لأنه أذن له, ومع العسر مقال العامل مع المستحق؛ لأنه لم يأذن له أن يدخل يده فيها، وإذا لم يعمل فيها لم يضمن؛ لأنه كان قراضًا فاسدًا ولم يعمل به، فينبغي ألا يكون له شيء من الربح؛ لأن المودع لم يرض أن يكون له شيء من الربح إلا ليكون الأصل سلفًا عنده ويكون ضامنًا 523، وإذا لم يصح الضمان لم يكن له الربح.
وإذا استودع أحد الشريكين فردها المودع على الشريك الآخر برئ إذا صدقه.
ويختلف فيه إذا كذبه، فقال ابن القاسم: يضمن 524. وعلى قول عبد الملك القول قول الودع أنه ردها إلى شريكه مع يمينه ويبرأ.
وإن استودع رجل أحد المتفاوضين أو الشريكين وديعة، لم يكن له أن
الجزء: 10 - الصفحة: 4851
يجعلها عند صاحبه، فإن فعل ضمن؛ لأن صاحبها إنما (1) رضي أمانة من دفع إليه.
فصل [في مشاركة أحد الشريكين ثالثًا]
مشاركة أحد الشريكين ثالثًا 526؛ على ثلاثة أو جه:
فإن شارك في شيء بعينه، سلعة أو عبدًا أو بدنانير يخرجها من مال الشركة 527 فشارك فيها 528 آخر ليتجرا في ذلك، جاز.
فإن جعله ثالثًا معهما لم يجز، فإن فعل فربح أو خسر أو ضاع المال وكان المتولي للشراء 529 أو كان تحت يديه، لم يضمن لشريكه شيئًا 530، وإذا كان الآخر هو المتولي للشراء أو الدفع، ضمن الخسارة والضياع.
وكذلك إذا تولى الآخر الشراء وجعله تحت يدي 531 الأول؛ لأنها سلعة متعدى 532 في شرائها.
وإن تولى الأول الشراء وجعل عند الآخرة لم يضمن الأول خسارة ولا525
الجزء: 10 - الصفحة: 4852
وضيعة (1)؛ لأنه بمنزلة من أودع لعذر.
ويجوز لأحد المتفاوضين أن يقارض وأن يبضع من غير مطالعة لصاحبه إذا كان المال واسعًا يحتاج (2) فيه إلى مثل ذلك، فإن لم يكن فيه فضل عنهما لم يخرجه عن (3) نظره إلا برضا شريكه، أو يكون ذلك في شيء بار عليهما وبلغه عن بلد نفاق ولا يجد إلى (4) السفر به سبيلا (5) أو يبلغه عن سلع صلاح ببلد فيبعث ما يشبه أن يبعث به من مثل ما بأيديهما، ومثل هذا يعرف عند النزول.
فصل [في ما إذا أخذ قراضًا فربح]
واختلف إذا أخذ قراضًا فربح، فقال ابن القاسم: الربح له وحده.
وقال أشهب: بينهما، قال: وإن أجر نفسه أو تسلف مالًا فربح كان بينهما 538.
قال ابن حبيب: لأنهما إنما سميا متفاوضين لتفويض كل واحد منهما في النظر والطلب فيما يجرُّ إليهما من منفعة 539.
وقال أصبغ: الربح له خاصة وللآخر أجرة ما عمل في غيبته إذا حلف أنه لم يعمل على التطوع 540.533534535536537
الجزء: 10 - الصفحة: 4853
وقول ابن القاسم أبين، وإنما تفاوضا في مال وفيما جره ذلك المال ليس في عمل الأيدي ولا الأبدان، وإذا كان ذلك فإنه لا يخلو أن يكون اشتغاله بالعمل في القراض أو الإجارة في وقت لم يتوجه عليه فيه عمل في مال المفاوضة، أو توجه 541 فيعمل صاحبه مكانه، أو استأجر مكانه، أو لم يعلم 542 الشريك بتركه العمل حتى فسد ما كان حق صاحبه أن يعمله أو نقص سوقه ولم يفسد، فإن لم يتوجه عليه عمل في تلك المدة لم يكن لشريكه فيه مطالبته في ربح ولا أجر، وإن احتيج إلى قيامه بشيء من ذلك فعمله صاحبه كان لصاحبه الأكثر من إجارته فيما عمل أو نصف ما أخذ في القراض، وإن استأجر مكانه رجع عليه بتلك الإجارة 543، وإن لم يعلم الشريك الآخر؛ لأنه كان غائبًا حتى فسد رجع عليه بما ينوبه من قيمة ما فسد، وإن لم يفسد، ولكن 544 نزل سوقه، كان عليه ما ينوبه من ذلك النقص.
وقد اختلف في هذا الأصل، وأن يضمّن أحسن.
وقال ابن القاسم في أحد المتفاوضين أبضع بضاعة ثم مات أحد المتفاوضين 545، قال: وإن علم أن المال الذي أبضع معه من الشركة، لم يشتر به ورده على الباقي وعلى الورثة 546.
وسواء كان الدافع للبضاعة الحي أو الميت.
قال: لأن الشركة انقطعت بالموت.
قال: وإن لم يمت ولكن افترقا، كان له أن يشتري، بخلاف الموت.
الجزء: 10 - الصفحة: 4854
قال الشيخ -رحمه الله-: وإن علم في الموت أن المال من غير المفاوضة لم يكن له أن يشتري به إذا مات المبضع معه، وإن مات من لم يبضع معه 547 كان له أن يشتري 548، وإن لم يعلم هل 549 ذلك المال من المفاوضة أو مما يخصه لم يشتر؛ لأن أمره موقوف على الكشف بعد الوصول، فقد يكون من مال المفاوضة.
الجزء: 10 - الصفحة: 4855
باب في أحد الشريكين يبيع أو (1) يشتري ثم يوجد بذلك المبيع عيب أو يقتضي بعد الافتراق
وإذا باع أحد الشريكين عبدًا ثم وجد المشتري به عيبًا، فإن كان الذي باعه حاضرًا، كانت الخصومة معه وبه يبدأ؛ لأنه أعلم بصفة ما عقد 551 عليه، وهل بيّن ذلك العيب إلا أن يعجز البائع عن ذلك فيكون الحكم يمين البائع، فيكون للمشتري أن يحلف الشريكين جميعًا إذا أشبه أن يكون عند الآخر علم، وإن كان البائع غائبًا كان 552 مع الشريك، فإن أقام البينة أنه اشترى على العهدة وكان العيب قديمًا، رد به وأخذ الثمن من الحاضر، فإن لم يقم البينة، وكانت العادة البيع على البراءة لم يرد به، وإن اختلفت العادة حلف أنه اشترى على العهدة ورد، وإن كان العيب مشكوكًا في قدمه وكان اشتراء البائع لذلك العبد وبيعه في غيبة الحاضر الآن أو في حضوره وباعه بالحضرة قبل علم الآخر، لم يكن على الحاضر يمين، وإن كان اشتراؤه بحضرته، وغاب عليه أو كان هذا هو المتولي للشراء، أحلف على ذلك العيب، فإن حلف ثم قدم الغائب، حلف أيضًا، فإن نكل حلف المشتري ورد جميعه؛ لأنه لو كان حاضرًا لحلفهما جميعًا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، حلف المشتري ورد جميعه 553؛ لأنه لو أقر أحدهما وأنكر الآخر رد جميعه بإقرار المقر منهما، وإن نكل الحاضر حلف550
الجزء: 10 - الصفحة: 4856
المشتري، ثم لا يكون للغائب في ذلك مقال إذا قدم إلا أن يثبت أنه كان بيّن ذلك للمشتري، فإن نكل المشتري عن اليمين، سقط مقاله في الرد الآن وبعد أن يقدم الغائب؛ لأنه لو كان حاضرًا ونكلا عن اليمين ثم نكل المشتري بعد نكولهما لم يكن له شيء، واليمين في ذلك العيب على العلم إن كان مما يخفى، وعلى البت إن كان مما لا يخفى، وعلى قول أشهب يحلف على العلم في الوجهين جميعًا.
فصل (1) [في ما إذا وجد أحد الشريكين عيبًا فقبله أو رد به وخالفه الآخر]
وإذا وجد أحد الشريكين عيبًا فقبله 555 أو رد به وخالفه الآخر، كان الأمر على ما سبق به أحدهما والبائع بالخيار فيما أراده الآخر، فإن سبق أحدهما لقبوله ثم رد الآخر، كان القيام بالعيب ساقطًا، وكان البائع بالخيار في الرد، فإن اختار ردها لم ينظر إلى امتناع الآخر، وإن سبق أحدهما بالرد، كانت مردودة وكان البائع بالخيار في الرد 556، فإن اختار قبولها لم يكن للآخر أن يردها منه، وإن اختار ردها لم يكن لمن سبق بالرد أن يمتنع من ذلك إلا أن يعلم أن الذي فعله أحدهما فيه ضرر فيمضي ذلك في نصيب من رضي دون من كره.554
الجزء: 10 - الصفحة: 4857
فصل [في المتفاوضين يبيع أحدهما سلعة من تجارتهما بدين إلى أجل]
وقال ابن القاسم في المتفاوضين باع أحدهما سلعة من تجارتهما بدين إلى أجل ثم افترقا ثم قضى المشتري من باعه: فإن لم يعلم بافتراقهما لم يكن عليه شيء، وإن علم ضمن.
وقال في وكيل مفوض إليه في التجارة وأشهد عليه بذلك الموكل ثم حجر عليه وأخرجه من الوكالة فاقتضى الوكيل بعد ذلك، لم يبرأ الغريم، وإن لم يعلم بعزل الوكيل.
وقال غيره: إن علم الوكيل والغريم أو علم أحدهما، الوكيل أو الغريم، لم يبرأ الغريم، 557 وإن لم يعلما برئ.
وقال سحنون: بيعه جائز إذا لم يعلم بفسخ الوكالة 558. فكيف لا يجوز اقتضاؤه؟ قال: 559 ومسألة الوليين يزوجان 560 شاهد لهذا.
وقال الدباغ عن يحيى بن عمر 561: إذا لم يعلم الغريم برئ وإن علم الوكيل.
وفي كتاب محمد: إن الغريم يبرأ وإن علم بعزلة الوكيل إذا كان دفعه بحكم.
وأرى أن يبرأ إذا لم يعلما أو علم الوكيل وحده، وكذلك إذا علم الوكيل 562 بعزلته وحكم عليه بالقضاء؛ لأن الموكل فرّط إذا لم يعلم الغريم بعزلة 563 وكيله أو أعلمه ولم يشهد له بعزلته وقد سلّطه على القبض.
الجزء: 10 - الصفحة: 4858
باب في إقرار أحد الشريكين في حال الشركة أو بعد الافتراق أو موت أحدهما
إقرار أحد الشريكين المتفاوضين لمن لا يتهم عليه جائز وإن أنكر شريكه.
ويختلف إذا أقر لمن يتهم عليه، كالأب والابن والزوجة والصديق الملاطف، فقال مالك في "المدونة": لا يجوز إقراره 564. ويجري فيها 565 قول آخر 566: أن إقراره جائز قياسًا على إقرار من تبيّن فلسه لمن يتهم عليه.
وقد اختلف فيه والأمر فيهما سواء، بل الذي يفلس أبين في التهمة؛ لأنه ينتزع منه جميع ماله ويبقى محتاجًا لا شيء له 567 فيولج من ماله لمثل 568 هؤلاء ليعيده 569 إليه فيعيش 570 به وليس التفرقة؛ لأن 571 هذا يبقى في ذمته دين وجه، وإقرار أحدهما عندما أراد الآخر 572 الافتراق والمفاصلة جائز 573. وإن افترقا ثم أقر أحدهما بدين أو ما أشبه ذلك، لم يقبل إقراره إذا طال الافتراق.
الجزء: 10 - الصفحة: 4859
ويختلف إذا أقر بقرب ذلك فادعى أنه نسي.
وقد اختلف في العامل في القراض 574 يدعي بعد المقاسمة أنه أنفق من مال القراض ونسي الحاسبة بها 575، فقال ابن القاسم في "المدونة": لا يقبل قوله 576.
وقال مالك في "كتاب محمد": يحلف ويكون ذلك له والشريك مثله 577.
واختلف إذا أقر أحدهما بعد موت صاحبه.
فجعله ابن القاسم في "المدونة" شاهدًا ولم يقبل قوله، فقال: إذا قال الحي منهما رهنا هذا عند فلان، وقال ورثة الميت: بل 578 أعطيته له بعد موت صاحبنا، قال: هو شاهد يحلف مع شهادته ويستحق 579.
وقال سحنون: القول قول الشريك ويلزم الورثة ما أقر به.
وقال عنه ابن عبدوس: أرأيت لو كانا حيين 580 فقال أحدهما قبل المفاصلة: علينا من الدين كذا وكذا، فليس 581 يلزمهما جميعًا، ثم قال: ألا ترى أن ابن القاسم يقول في العبد يحجر عليه سيده وقد كان مأذونًا له فأقر بدين بعد ذلك أنه يلزمه، ثم ذكر المكاتب يقر بدين بعد العجز، وقال: والحاكم 582 يقر بأنه حكم بعد ما عزل، فلا يجوز إقراره ورآه مخالفًا للأول.
الجزء: 10 - الصفحة: 4860
وفي المفلس يقر بدين بعدما فلس.
وقول سحنون في هذا أصوب، وليس الموت كالافتراق؛ لأن الافتراق يكون عن محاسبة ومفاصلة، وقطع الدعاوي والموت أمر طرأ 583 قبل ذلك، وقد ولي كل واحد منهما أمرًا ولا يُعْلَم إلا من قِبَله 584، فلو لم يصدق لتلفت أموال الناس.
واختلف في العبد يحجر عليه بعد الإذن، والمكاتب يعجز، وأن يقبل قولهما أبين؛ لأن الإذن قد تقدم في التجر ولا يعلم ما كانا تصرفا فيه إلا منهما، وليس الشأن الإشهاد، فلو منعنا 585 الإقرار لذهبت أموال الناس.
واختلف بعد القول ألا يجوز إقرار الحي، هل تجوز شهادته؟ وإذا لم تجز هل يغرم جميع ما أقر به أو ما ينوبه؟ فقال ابن القاسم في "المدونة": هو شاهد، فإن نكل المقر له كان له من هذا ما يخصه من الدين 586.
وقال محمد: إن لم يحلف كانت حصة الحي رهنًا بجميع الحق.
وهذا أصوب؛ لأن كل واحد من المتفاوضين ملزوم بجميع الحق، وإنما أجاز ابن القاسم ها هنا شهادته؛ لأنه لم ير عليه بعد النكول إلا نصف الحق فلم تجرّ شهادته نفعًا 587 [ولا دفع بها ظلمًا] 588.
ويختلف في جواز شهادته بعد تسليم القول: إنه يغرم جميع ذلك الحق، وأن تجوز أصوب؛ لأنه في أداء شهادته من الأول غير متهم ولا ترد، وإذا أدت
الجزء: 10 - الصفحة: 4861
إلى غرمه.
وكذلك الحميل يشهد على من تحمل عنه إذا أنكر اختلف في جوازها، وأن تجوز أصوب؛ لأنه غير متهم.
فصل [في ما إذا كانا شريكين في شيء بعينه]
وإذا كانا شريكين في شيء بعينه، لم يجز إقرار أحدهما على صاحبه.
وقال ابن القاسم في "المدونة" في شريكين في دار أقر أحدهما لأجنبي بنصفها، قال: يحلف المقر له مع إقراره ويستحق حقه لأنها شهادة 589.
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: وإذا كانت بيد رجلين دار فأقر أحدهما لثالث بنصفها وأنكره الآخر، وقال: لا شيء له معنا، والدار بيننا نصفين 590، أو قال: أرباعًا، لي 591 ثلاثة أرباعها ولك 592 ربعها كما زعمت، أو قال 593: جميعها لي دونك ودون من أقررت له والمقر غير عدل.
فإن قال: الدار بيننا نصفين، حلف على ذلك وكان نصفها له ونصفها بين المقر والمقر له.
وإن قال: لك ربعها كما ذكرت وثلاثة أرباعها 594 لي، حلف المقر له وكان له ما حلف عليه ولا شيء للمقر؛ لأن كل ما اعترف به المقر ألا شيء له فيه ولا يد له عليه كان شريكه أحق به إذا ادعاه؛ لأن يده عليه، وإن قال: جميعها لي دونكما، كان
الجزء: 10 - الصفحة: 4862
للمنكر حظ (1) المقر له وهو النصف، ثم يقسم (2) الشريكان النصف الآخر (3) بعد أيمانهما.
ويختلف في الصفة التي يقسمانها عليه على ثلاثة أقوال: فعلى قول مالك: يقسمانها على قدر الدعوى فأحدهما يقول: لي جميعها، والآخر يقول: لي نصفها، فيقسمانها أثلاثًا.
وعلى قول ابن القاسم: يقسمانها أرباعًا فيكون للمنكر نصف النصف بإقرار شريكه له به (4)، ثم يقسمان النصف الآخر بينهما بالتساوي لتساوي دعواهما فيه، فيكون للمقر ثمن جميع الدار وللمنكر سبعة أثمانها.
وعلى قول أشهب: يكون النصف بينهما نصفين؛ لأن يد كل واحد منهما على ما يدعيه وحائز (5) له.
فصل [في ما إذا اختلف الشريكان في الدار]
فإن قال أحدهما: النصف لي والنصف لفلان ويدك معي عارية منه 600 أو بإجارة.
وقال الآخر: لا شيء لفلان والدار بيننا نصفين، أو قال: لي ثلاثة أرباعها والربع لك، أو قال: هي لي دونكما، كان القول قول المنكر مع يمينه ولا يكون للمقر له في جميع هذه الأسئلة شيء؛ لأن المقر له لم يقر له بشيء مما في595596597598599
الجزء: 10 - الصفحة: 4863
يده، وإنما أقر له 601 بما في يد غيره، وإقراره على غيره غير مقبول، ثم يعود المقال فيما بين الشريكين، فإن قال المنكر: بل 602 الدار بيننا نصفين، حلف المنكر للمقر له وكانت بينه وبين المقر نصفين.
وإن قال: إنما لك 603 ربعها، حلف يمينين، يمينًا للمقر له ألا شيء له فيها ويكون له نصف المقر له، ويكون ربعها للآخر لاتفاقهما أنها له ويبقى ربع يتحالفان ويقتسمانه.
وإن قال المنكر: بل جميعها لي، حلف أيضا يمينين، يمينًا 604 للمقر له 605، ويكون له 606 نصفها ثم يتحالفان في نصف، وتكون بينهما نصفين، وإذا كان المقر عدلًا جازت شهادته في كل موضع لا يدفع بها عن نفسه، وإنما ينتفع المشهود له وحده، وكل موضع يدفع به عن نفسه لا تجوز شهادته فيه 607.
تم كتاب الشركة والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وسلم 608
الجزء: 10 - الصفحة: 4864