كتاب السلم الثالث
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243)
الجزء: 7 - الصفحة: 3043
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب السلم الثالث
باب في إقالة المريض من السلم
وقال ابن القاسم فيمن أسلم مائة درهم في مائة إردب قيمتها مائتا درهم، ثم أقال منها في مرضه ولا مال له غيرها: يخير الورثة بين أن يجيزوا الإقالة، أو يقطعوا له بثلث ما عليه من الطعام ويأخذوا ثلثيه، وإن كان الثلث يحمل جميعه جاز ذلك وتمت وصيته، وإن لم يكن فيه محاباة فالإقالة جائزة 1. وقال سحنون: لا تجوز إقالة المريض إذا كان فيها محاباة؛ لأن فعل المريض موقوف لبعد الموت 2. قال أبو بكر ابن اللباد: لعل ابن القاسم أراد أن المريض مات مكانه 3. قال: ولو قيل: تفسخ الإقالة ما لم يمت، فإذا مات صارت ضرورة، كمن أقال وهرب بعد 4 فقد قالوا: تصح الإقالة 5.
الجزء: 7 - الصفحة: 3045
قال الشيخ -رحمه الله-: الإقالة على وجهين:
على البت، ووصية لبعد الموت، فإذا كانت على البت، وتناجزا وتقابضا جهلًا منهما بما توجبه الأحكام من حق الورثة، أو كانا عالمين بما للورثة في ذلك من الحق، وتقابضا على وجه الافتيات على الورثة، وعلم الورثة بذلك بعد الموت - كانت الإقالة جائزة.
وعلى هذا يُخَرَّج كلام ابن القاسم؛ لأن المسألة تتعلق بحق الله 6 سبحانه وهو 7 قوله: (تتعلق بحق الله) المناجزة، وقد كانت وتقدمت، والمقال الآن لحق آدمي وهم الورثة، ولا يقال فيما يراد لحق آدمي: إنه فاسد، والورثة بالخيار بين أن يسقطوا مقالهم فتمضي الإقالة أو يردوها، إلا أن يحملها الثلث.
وإن علم الورثة في الحياة فأجازوا، مضت الإقالة، وقد قيل في الأصل: إنه لا ينظر إلى إجازتهم وأن للحاكم أن يفسخ ذلك، لإمكان أن يكون الوارث غير من أجاز.
والأول أحسن؛ لأن هذا من النادر أن يموت الصحيح في حياة موروثهم الذي أشرف على الموت، فإن أرادوا الفسخ بأنفسهم الآن كان ذلك لهم، والفسخ إلى الحاكم إذا رفعوا ذلك إليه، فإن فسخوا بأنفسهم من غير حاكم كان ذلك على قولين، هل ذلك فسخ أم لا؟
وإن لم يفسخوه وقالوا لهما: رُدَّا الإقالة، فلم يفعلا حتى وقع الموت، مضت الإقالة إذا كان الثلث يحمل المحاباة.
والوصية بالإقالة على ثلاثة أوجه: جائزة, وممنوعة، ومختلف فيها بالجواز والمنع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3046
فإن كانت الوصية إلى الورثة وقد وكلهم على أن يقيلوه كانت جائزة.
وإن كانت من الميت، فقال: إذا مت فقد أقلته وأوجب 8 ذلك له، كانت فاسدة، عَاقَدَهُ على ذلك المُسْلَمُ إليه أم لا.
وإن لم يوجب الإقالة كان فيها قولان: الإجازة والمنع، فأجاز في الكتاب الوصية 9.
وحكى ابن حبيب فيمن صرف ذهبًا بورق في مرضه وحابى أو وصى 10 أن يصرف منه، وفيه 11 محاباة أو لا محاباة فيه أن ذلك جائز، قيل: وإن كان ينظر في ذلك بعد الموت، قال: قد قال قائل ذلك حرام للتأخير، قال: ولا أراه إلا حلالا؛ لأنه لم يرد التأخير 12.
وقد جمع ابن حبيب في هذا السؤال بين البت والوصية، وأجاز ذلك في الجميع، ومحمله في البت على أنهما تناجزا.
والحكم في الإقالة والصرف سواء، وكذلك النكاح: لا يجوز على الوقف.
وإن أوصى أن تزوج ابنته من فلان جاز، وإن أوجب هو ذلك ليكون تمامه بعد الموت لم يجز، وإن قال: إذا مت فقد زوجت ابنتي وكان الخيار ما بينه وبين أن يموت كانت على قولين، وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الأول.
وإذا كانت الإقالة على البت كانت المحاباة في الثلث وحده خاصة، وإذا
الجزء: 7 - الصفحة: 3047
الإقالة كانت على الوصية لبعد الموت، كان في الثلث جميع السلم، لمحاباته 13.
والفرق بينهما أن المريض غير ممنوع من البيع، وممنوع من الهبة، فإذا جمع عقد واحد بيعًا وهبة، مضى البيع، وكانت الهبة وحدها في الثلث، وإذا أخر البيع لبعد الموت، كان الورثة مالكين للثلثين بنفس الموت، فلم يكن له أن يبيع ذلك عليهم وإن استوفى الثمن.
ولم ير ابن القاسم أن يمضي من ذلك ما لا محاباة فيه كالعروض؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل استيفائه، والمنع في ذلك شرعٌ لا لِتهمةٍ 14.
ولو كان المسلم إليه هو المريض فأقال من السلم ولا شيء له سوى رأس المال، ولم يُجِزِ الورثة، وقيمة السلم يوم أقال أقلّ، فإن لم يجز الورثة اشترى من تلك الدراهم الطعام الذي عليه فقضى عنه، فما فضل بعد قضاء دينه كان للمسلم ثلثه، ولا يدخل في هذا بيع الطعام قبل استيفائه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3048
باب إذا أسلم جارية في طعام فولدت ثم أقال منها
وإذا أسلم جارية في طعام فولدت عند المسلم إليه ثم أقال منها امتنعت 15 الإقالة؛ لأنه إن كانت الإقالة على أن يرد الولد معها كان ذلك زيادة، وإن كان 16 على أن يحبسه كان نقصانًا 17؛ لأن كونها ذات ولد عيب يوجب الرد لمن اشترى أمة ولم يعلم.
وإن اشترط أن يبقى له ويكون الولد 18 في حضانتها، فذلك أنقص لثمنها ويدخله التفرقة، وإن مات الولد وكانت حاملًا به حين أسلمت لم تجز الإقالة؛ لأنها كانت ذات عيب فذهب العيب.
وكذلك إن حدث عند المشتري مِنْ زنًا أو من زَوْجٍ زوجها المسلم إليه لم تجز الإقالة؛ لأن الزنا والتزويج عيب.
وإن كانت حين ولدت ذات زوج فولدت ثم مات الولد وتعالت من نفاسها جازت الإقالة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3049
باب إذا أسلم غنمًا أو نخلًا أو دورًا في طعام
قال ابن القاسم: إن أسلم غنمًا أو دارًا أو نخلًا في طعام فأكل من لبنها أو من تمرها وأخذ كراء الدور، فلا بأس بالإقالة بعد ذلك.
وهذا الذي قاله صحيح؛ لأن أخذ الغلة لا يمنع الإقالة إذا كان الأصل لم يتغير، فأخذ اللبن غلة، وسواء كانت في حين السلم ذات لبن أو حدث بَعْدُ.
وأما الصوف فلا تجوز الإقالة بعد جَزِّهِ؛ لأنه إن كان عليها في حين السلم فجزه كانت الإقالة على أقل من رأس المال، إلا أن يسلمه معها إذا كان قائمًا، أو يحط ما ينوبه من الطعام إذا كان فائتًا، وإن حدث الصوف عنده فجزه لم تجز الإقالة؛ لأن الشاة تتغير في مثل تلك المدة.
وإن أسلم نخلًا لا تَمْرَ فيها فأقاله، وفيها تمر مأبور أو مُزْهٍ، جازت الإقالة والثمرة للمسلم إليه، ويؤخذ بجذاذها بالحضرة؛ لأن إطلاق الإقالة يقتضي رجوع الأصل على هيئة ما قبضت عليه، وليس ذلك بمنزلة بيعها ابتداءً؛ لأن الثمر على أنه لا تعلق له 19 فيها أفضل منه إذا كان على أن هناك حقًا في الدخول والخروج والتصرف 20 لأجل الثمار، فكان عليه رد الشيء على صفته، لا عيب فيها على ما كانت أسلمت 21 عليه.
وإن أسلمها وفيها ثمار غير مأبورة كان السلم فاسدًا إلا أن يشترطها ربها على الجذاذ، وإن كانت مأبورة أو مزهية كان السلم جائزًا إلا أن يستثنيها
الجزء: 7 - الصفحة: 3050
مشتري الأصول، فيفسد عند ابن القاسم؛ لأنها وإن كانت في حين السلم علفًا غير طعام فإنه يراعى ما تؤول إليه في المستقبل، وأجاز ذلك ابن مسلمة 22 إذا لم تزه، قال: لأنها غير مقصودة، وأجازها سحنون في السليمانية، وإن طابت، قال: هو بمنزلة العبد يباع ويستثنى ماله، فلا بأس به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغىً، قال: وكذلك يقول بعض أصحابنا، وكذلك السيف المحلى بالفضة تبعٌ له.
وإذا كان السلم جائزًا على قول ابن مسلمة ثم تقايلا بعد أن انتقلت الثمرة إلى الإبار، أو كانت مأبورة فأزهت- لم تجز الإقالة؛ لأنها على أحد ثلاثة أحوال: 23 إما أن يتقايلا على أن يسلما الثمار مع الأصول، فهي إقالة على أكثر من رأس المال، أو على أن تبقى لمشتريها، فهي إقالة على أقل من رأس المال، أو على أن يبقى ما 24 ينوبها من الثمن فتفسد؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عَمِلا على ذلك في أصل العقد، فيكون بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
ولو عقدا على الثمرة وهي مزهية على قول سحنون، ثم انتقلت إلى اليبس لم تجز الإقالة لهذه الوجوه التي تقدمت، وإذا كانت الإقالة على أن تبقى بما ينوبها كانت التهمة على بيع طعام بطعام ليس يدًا بيد.
وإذا أسلم عبدًا في طعام فاستدان العبد دينًا، ثم أقال من ثمن الطعام، لم تجز الإقالة، إلا أن يقضي ذلك عنه سيده، أو يسقطه عنه صاحب الدين، فتجوز الإقالة، إلا أن يكون استدان ذلك بغير إذن مشتريه 25، أو يكون تداين
الجزء: 7 - الصفحة: 3051
في فساد، فلا تجوز الإقالة وإن أسقط عنه الدين.
وإذا أسلم دراهم في طعام، ثم تقايلا، وأخذ عن الدراهم دنانير- لم تجز الإقالة؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عَمِلا على ذلك، فيكون صرفًا مستأخرًا.
وإن أخذ عن الدراهم عرضًا، لم يجز ذلك 26 عند مالك، خيفة أن تكون الإقالة في الباطن على ذلك العرض، ويجوز على أصل أشهب؛ لأن التهمة حينئذ 27 ليست على شيء كان في أصل العقد، وإنما ينبغي أن يكون بيع الطعام قبل قبضه.
وقد أجاز أن يعطي الغريم لمن له السلم أقل من رأس المال ليشتري به طعامًا لنفسه، ولم يتهمهما أن يكونا عَمِلا على ذلك فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وفرق بين الموضعين: فيمنع ما أدى إلى تهمة في أصل العقد؛ لأنها بيعة أجل، وبياعات الأجل مما يتهم الناس عليها، وإذا سَلِمَ 28 العقد من التهمة لم يمنع فيما يكون بعد؛ لأنها من بياعات النقود، ولا يتهم فيها إلا أهل العينة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3052
باب في التأخير في الإقالة والتولية ورأس مال السلم
وقال ابن القاسم: قال مالك فيمن أسلم في طعام أو عروض، فأقال من ذلك أو ولَّى ذلك رجلًا، أو باع السلم إن كان مما يجوز بيعه، قال مالك: لا يجوز أن يؤخره ساعة ولا يفترقان حتى تقبض ذلك من الذي وليت أو من صاحبك الذي أقلت، أو من الذي بعت، وإلا صار دينا بدين، وكذلك الصرف لا يجوز أن يفترقا قبل القبض، كذلك هذا 29.
قال الشيخ -رحمه الله-: والمعروف من المذهب أن الأمر في الإقالة أوسع من الصرف، وأنه تجوز المفارقة في الإقالة ليأتي بالثمن من البيت، أو ما قارب ذلك، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة؛ لأنه لا يجوز تأخير الإقالة اليومين والثلاثة بشرط بغير خلاف، واختلف في التولية هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين.
واختلف في الإقالة إذا وقع التراخي فيها بغير شرط على ثلاثة أقوال: فمنعه في المدونة، ورءاه دينًا بدين 30.
وقال مالك في كتاب محمد: بل يتبعه بالدنانير ولا يرجع في الطعام 31، قيل له: إن المشتري يقول: إن الإقالة لا تصلح مستأخرة فأنا أرجع في طعامي، قال: ليس ذلك له.
الجزء: 7 - الصفحة: 3053
وقال أشهب: إذا كانا من أهل العينة، فسخت الإقالة، وإن لم يكونا كذلك ولا عملا عليها رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ 32. وهذا تفسير لقول مالك.
فإن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن قام دليل على عدم التهمة؛ لأن ذلك كان لسفر حدث، أو لأنه حبس، أو كان من أهل الدين والثقة، بحيث لا يتهمان، مضت الإقالة، وإن لم يكن دليل تهمة 33 ولا براءة، كان هو موضع الخلاف المتقدم.
والإقالة من العروض والطعام سواء، فإن كان رأس المال عينًا في الذمة، لم تجز الإقالة إلا على المناجزة، وإن كان السلم في الطعام، وكانا شَرَطَا تأخير رأس المال ثلاثة أيام، لم يجز تأخير الإقالة إلى مثل ذلك، وجازت إذا تناجزا، ولا يراعى ما كان من تأخير الثمن عند بائع الدنانير.
ولو أسلم رجل دنانير في طعام إلى سنة ثم أقال منها عند تمام السنة لجاز، وإن كان ذلك في معنى من أقال في أقل من رأس المال؛ لأن المسلم لها قد خسر انتفاع الآخر بها إلى 34 سنة، وإذا لم يراع ذلك كان أحرى ألا يراعى انتفاع بائعها بها قبل أن يسلمها.
ولو أسلم رجل عبدًا في ثياب على أن يدفع العبد بعد يومين، ثم أسلمه، ثم أقال من تلك الثياب، ليسلم 35 العبد بالحضرة بمجرد الإقالة، ولم يكن لمن
الجزء: 7 - الصفحة: 3054
كان في يده أن يقول يبقى في يدي يومين كالأول.
فصل [في حكم التراخي في الإقالة في السلم إذا كان رأس المال شيئا معينًا أو طعامًا أو عروضًا]
وإن كان رأس المال شيئًا معينًا -عبدًا أو ثوبًا- وأقاله على ألا يقضيه إلا إلى يوم أو يومين، لم يجز ذلك في الطعام، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه.
ويختلف فيه إذا كان السلم في عروض:
فيمنع على قول ابن القاسم، ويدخله عنده فسخ الدين بالدين.
ويجوز على قول أشهب؛ لأنه أجاز أن يأخذ من دين سلعة غائبة وتمرًا لاستجذاذه 36.
وإن كان حاضرًا فأمكنه منه فقام وتركه، جاز ذلك، وهو وديعة عنده، وإن أمسكه حتى يشهد بالإقالة 37 وسقوط السلم، لم تفسد الإقالة على القول بأن المصيبة فيه من بائعه الأول، وعلى القول الأول 38 أنه ممن هو في يده 39 يعود الخلاف المتقدم.
وأن يجوز أحسن؛ لأنه إن أخذ بظاهر النهي عن فسخ دين في دين، قيل: هذا معين ليس بدين، وإن أخذ بالقول أنه معلل وأنه 40 لئلا يزيد في الثمن
الجزء: 7 - الصفحة: 3055
لمكان الصبر، جاز.
هذا أيضًا لأنه لا يزيده في الثمن لمكان حبسه في الثمن عنه حتى يشهد، وقد أجاز أن يأخذ من دين طعامًا يكثر كيله وتتراخى المناجزة فيه، لما كانت العادة أنه لا يختلف الثمن فيما يقبض من ساعته، أو يكون التراخي لأجل كثرة (1) كيله.
فصل [في التأخير اليسير عقد السلم]
واختلف في التأخير في بيع الدين: فمنع ذلك في المدونة إلا على المناجزة 42.
وقال محمد: يجوز تأخيره اليوم واليومين والإقالة غير هذا 43. وهو أصوب، ولا فرق بين بيع الدين وعقد الدين، وهو السلم.
وقد اختلف في السؤالين جميعًا وهو 44 عقد السلم وبيعه، فقيل: يجوز تأخير ذلك اليوم واليومين.
وقيل: لا يجوز أن يفترقا قبل أن يدفع فيهما جميعًا، وهو أقيس، فإما أن يؤخذ بمجرد النهي عن بيع الكاليء بالكاليء، فلا يجوز أن يفترقا في السؤالين جميعًا على أن الذمتين مشغولتان، ولا يجوز إلا أن يدفع هذا رأس المال، وهذا ثمن الدين، ويكون الدين في ذمة واحدة، أو يقال: إن تأخر هذا القدر معفو عنه في جنب أجل السلم وأجل الدين، فيجوز في الجميع.41
الجزء: 7 - الصفحة: 3056
ولو كان 45 أجل السلم قريبًا إلى يومين أو ثلاثة لم يجز أن يشترط تأخير رأس المال إلى يومين، وكذلك بيع الدين إذا كان الدين 46 حالًا، أو بقي من أجله هذا القدر، لم يجز تأخير رأس المال بحال، وكان دينًا بدين، وإن ولى طعامًا وكان دفع رأس المال فيه بفور العقد، كانت التولية فيه 47 على مثل ذلك، ولا يجوز تأخير القبض.
وإن كانا شرطا تأخير رأس مال السلم إلى ثلاثة أيام، وكانت التولية بفور العقد- لم يقبض رأس المال من المولَّى إلا بعد مضي 48 ثلاثة أيام، فإن كانت التولية بعد مضي ثلاثة أيام جرت التولية على قولين:
أحدهما: أن إطلاق التولية يقتضي التأخير إلى مثل ذلك، وإن شرطا التعجيل فسدت.
والآخر: أنها تقتضي التعجيل والقبض بالحضرة، فإن شرط التأخير إلى مثل الأول فسدت.
وهذا قياس على الشفعة إذا كان الشراء بثمن مؤجل، فقام الشفيع بعد انقضاء ذلك الأجل؛ لأن الشفيع إنما يستشفع بمثل ذلك الثمن، وكذلك التولية تجب بمثل ذلك الثمن أمرهما واحد.
الجزء: 7 - الصفحة: 3057
فصل [في تأخير رأس مال السلم بعد الإقالة من غير شرط، وتأخيره حتى يحل الأجل عمدًا أو مطلًا]
واختلف إذا كان الثمن عينًا في الذمة، فأقاله فتراخى قبض رأس المال من غير شرط على ثلاثة أقوال: فمنعه في المدونة، ورءاه دينًا بدين.
وقال مالك في كتاب محمد: بل يتبعه بالدنانير، ولا يرجع في الطعام، قيل له: إن المشتري يقول: إن الإقالة لا تصلح مستأخرة فأنا أرجع في طعامي، قال: ليس ذلك له.
وقال أشهب: إن كانا عَمِلا على ذلك، أو كانا من أهل العينة، فسخت الإقالة، وإلا رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ 49.
وهذا 50 أصوب فإن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن كان ذلك لسفر حدث أو غيره من العذر، أو كانا من أهل الدين والثقة، مضت الإقالة، وإن لم يكن دليل تهمة ولا براءة، كان هو موضع الخلاف المتقدم.
واختلف إذا تأخر رأس المال من غير شرط حتى حل الأجل، فقال ابن القاسم: أراه من الدين بالدين ولا يجوز، وأجازه في كتاب محمد.
وأرى أن يعتبر رأس مال السلم، فإن كان مثل ما كان سلم الناس جاز، وإن كان أكثر مثل ما يكون ثمنًا لما يقبض يدًا بيدٍ، كان فاسدًا، وذلك تهمة، وإن كان التأخير بهرب من أحدهما لم يفسد السلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 3058
وقال ابن حبيب: إن كان التأخير من المسلم بمطل 51 أو التراخي حتى حل الأجل، كان المسلم إليه بالخيار بين أن يقبض الثمن ويعطي ما عليه، أو يفسخ السلم؛ لأن السلم إنما أرخص 52 لتعجيل الثمن قبل أوان حلوله وانتفاع المسلم إليه 53 بثمنه، فإذا حرم ذلك لم يلزم دفع السلم 54.
وإن كان التأخير من سبب المسلم إليه حتى حل الأجل كان السلم لازمًا، وكذلك من باع طعامًا بثمن إلى أجل فلم يقبض الطعام حتى حل الأجل، قاله ابن القاسم وغيره.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر فيمن أسلم في حنطة ثم وجد درهمًا ناقصًا انتقض من السلم بقدره، فعلى هذا ينتقض السلم إذا تأخر رأس المال وإن كان بهرب من أحدهما؛ لأن محمل الزائف والنقص على غير التهمة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3059
باب [فيمن أسلم ثيابًا في حيوان، ثم استقال من ذلك السلم أو من بعضه]
ومن أسلم ثوبين في فرسين ثم استقال من ذلك السلم، فإنه لا تخلو الإقالة من أن تكون: على أعيان الثوبين، أو مثلهما، أو على عين أحدهما، أو على مثله، أو على عين أحدهما ومثل الآخر.
فإن أقال على أعيانهما جاز، وكذلك إن زاد شيئًا من صنفهما، أو من غير صنفهما، وكانت الإقالة على جميع السلم أو عن بعضه، ما خلا وجهًا واحدًا، وهو أن تكون الزيادة من صنف المسلم فيه، فلا يجوز 55 أن يعجل قبل أجله، وإن أخر إلى أجله جاز.
وإن كانت الإقالة على مثلهما من غير زيادة، أو أخذهما عن جميع الدين جاز، وإن كان معهما زيادة، أو أخذهما عن بعض السلم دخله سلف بزيادة.
وكذلك إن أقاله على مثل أحدهما عن جميع الحق جاز، وإن أخذه عن بعضه لم يجز ودخله بيع وسلف، وكذلك إن أخذه عن جميع السلم ومعه زيادة، فهو بيع وسلف، فالثوب الذي رجع إليه سلف، والزائد بيع، والذي في الذمة من الفرسين بيع بالثوب الباقي.
وإن أقاله على عين أحدهما لأنه مثل الآخر 56 من غير زيادة جاز، إذا 57 كانت الإقالة عن جميع السلم، ولا يجوز عن بعضه، وهو سلف بزيادة؛ لأن
الجزء: 7 - الصفحة: 3060
المعين الذي رجع إليه 58 لغو، كأنه لم يسلم، والآخر الذي هو مثل الباقي سلف، وما معه زيادة لأجل السلف.
وكذلك إن أخذه عن بعض السلم والباقي في الذمة زيادة لأجل السلف.
وقد اختلف في موضعين:
فالأول: إذا كانت الإقالة على عين أحدهما على أحد الفرسين على أن يعجل الباقي، فأجازه ابن القاسم في كتاب محمد، ورأى أنه إنما أخذه على أنه حقه ليس على وجه السلف 59. ولا خلاف فيمن عجل دينًا عليه ثم فلس ألا مقال لغرمائه فيه، ولو كان سلفًا لأخرجه وتحاصوا فيه.
والثاني: إذا رد مثل الثياب وزيادة: فأجازه ابن القاسم في كتاب محمد، وقال: كل ما خرج عن يدك 60 بمناجزة مما له مثل فلا تأخذ في ثمنه إلا ما يجوز أن تبيعه به إلى أجل، قال: ولا يدخل ذلك في الثياب مع المناجزة ولا فيما لا يجب فيه إلا القيمة في التعدي 61.
الجزء: 7 - الصفحة: 3061
باب في الشركة والتولية في الطعام
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، إِلا مَا كَانَ مِنْ إِقَالَةٍ أَو شِرْكٍ أَو تَوْليَةٍ" 62.
وقال مالك: أجمع 63 أهل العلم على أن لا بأس بالإقالة والشركة والتولية 64.
وذكر أبو الفرج عن مالك أنه منع الشركة.
ووافق الشافعي وأبو حنيفة في الإقالة وحدها؛ لأنها عندهما حل بيع.
واختلف فيمن اشترى طعاما بثمن إلى أجل ثم أشرك فيه قبل أن يكتاله: فقال مالك في المدونة: لا بأس بذلك 65، وعلى قوله تجوز التولية.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يحل أن يولي حتى يقبضه 66.
قال أشهب: لا يصلح فيه إلا الإقالة وحدها، قال: وهو بمنزلة من وجب له طعام من إجارة أو اشتراه بعرض فلا يصلح فيه إلا الإقالة فقط ما لم يفت العرض، أو يعمل الأجير، فلا تصلح إقالة ولا غيرها 67.
الجزء: 7 - الصفحة: 3062
واحتج ابن حبيب في منع الشركة والتولية باختلاف الذمم، قال: فليس ذمته وذمة الذي أشرك أو ولي سواء، يكون أحدهما أملى أو أعدم ولا يمكن أن يكون الاستيفاء منهم واحدا (1).
وإن اشترى طعاما غائبا قريب الغيبة واشترط النقد جاز فيه الشرك والتولية، وإن كان بعيد الغيبة مما لا يجوز النقد فيه واشتراه على ألا ينقد إلا بعد قبضه جاز فيه الشرك والتولية على قول مالك، ولم يجز على القول الآخر؛ لأن الذمم تختلف، فأشبه من اشترى بثمن إلى أجل.
ويختلف في الإقالة هل تجوز؛ لأن الذمم تبرأ من الآن، أو لا تجوز؛ لأنه يأخذ طعاما غائبا (2) عن دين، فيدخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه.
فصل [في اشتراط المعاوضة في الشركة والتولية والإقالة في الطعام]
قال محمد: وإن أشركته في طعام ابتعته على أن أشركك في طعام ابتاعه، أو قال: أوليك على أن توليني، أو أشركك على أن توليني، أو أقيلك على أن تقيلني، أو تشركني أو توليني، لم يجز 70؛ لأنهما خرجا بذلك عن المعروف إلى المكايسة والمبايعة ودخلا في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.6869
الجزء: 7 - الصفحة: 3063
فإن قال: أشركني وأشركك، وكان رأس المال سواء، كان محمل شركتهم بيع أحد الطعامين بالآخر، وذلك جائز؛ لأن الثمن لغو لا يخرجه واحد منهما.
وإن كان رأس مال أحدهما دنانير والآخر دراهم، أو عينًا والآخر عرضًا - فسدت الشركة؛ لأنها خرجت عن وجه المعروف لما شرط أحدهما بيع الطعام بالآخر 71.
وإن قال: أقيلك على أن تقيلني، جاز إن تساوت رؤوس الأموال؛ لأن مآل أمرهما إلى 72 بيع أحد الطعامين بالآخر؛ لأنه لا يخرج أحدهما للآخر شيئًا، وإن اختلف رأس المال أو استوى واختلف الطعامان، لم يجز.
وإن قبض المشتري بعض الطعام جاز تولية ما قبض، والشرك فيه، ولا يجوز أن يولي ما قبض وما لم يقبض، ولا أن يشرك فيهما.
واختلف هل يولي ما لم يقبض وحده؟
فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد، وأجازه ابن حبيب 73.
وقال محمد فيمن أسلم في طعام فقبض بعضه، فأعسر بما بقي فأقاله منه: لم يجز ذلك في طعام ولا عرض، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه مع البيع والسلف 74. لأنه لما قبض بعضه صار لما قبض منفعة، فكانت 75 إقالة بمنفعة، قال: فإن رد المقتضي ما اقتضى وأقاله من الجميع لم يجز، وهو بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن ما اقتضى صار مالًا من ماله، فلم يقِله مما بقي حتى ولاه قمحه
الجزء: 7 - الصفحة: 3064
الذي اكتاله.
قال محمد: إلا أن يكون الذي قبض يسيرًا مثل خمسة من المائة، وإن قبض عشرة من المائة فأرجو أن يكون خفيفًا (1).
فصل [فيمن اشترى سلعة ثم سأله آخر أن يشركه فيها]
وقال ابن القاسم في رجلين اشتريا عبدًا، فقال لهما رجل: أشركاني فيه، ففعلا، قال: له ثلث العبد؛ لأنهما إنما أرادا أن يكون فيه كأحدهما 77.
فجعل له الثلث؛ لأن ذلك القصد عنده، ولو كان المشتري واحدًا، كان له النصف على قوله، وأصله في الشرك عنده أنه لا يقع على جزء معلوم.
وقد قال فيمن أعطى رجلًا مالًا قِراضًا على أن له شركًا من الربح إنه فاسد 78. لأن قوله: "شرك" لا يتضمن جزءًا معلومًا، وقال غيره: هو جائز، وله النصف 79.
فإذا كان ذلك عند ابن القاسم لا يقع على جزء معلوم، كان القول قولهما فيما دون ذلك.
وفي كتاب ابن سحنون فيمن قال لفلان في هذا العبد شرك معي، أو لم76
الجزء: 7 - الصفحة: 3065
يقل معي، ثم قال: وهو العشر، كان القول قوله، وصل الكلام أو لم يصله؛ لأن الشرك يقل ويكثر، وكذلك الدار 80.
قال ابن سحنون: وقال بعض أصحابنا: له النصف، وفرق بعضهم فقال: إن قال: معي صُدّق، وإن لم يقل: معي، لم يُصدّق، وأجمعوا أنه إذا وصل كلامه بقوله: له 81 شرك الثلث أنه 82 يصدّق 83.
وإن قال: هذا العبد لي ولفلان، أو بيني وبينه، ثم سكت، فيسأل بعد ذلك، فقال: له الثلث أو السدس، وقال الآخر: النصف، فذكر الخلاف المتقدم، قال: ولو قال له معي فيه حق لصدق فيما يقر به 84.
وقال الشيخ -رحمه الله-: قوله له فيه شرك معي، أو لم يقل معي 85، أو هو بيني وبينه، أو له فيه حق، كل ذلك سواء، وهذه الألفاظ لا تتضمن المساواة، ويصح أن يؤتى بها مع اختلاف الأجزاء.
وإذا كان ذلك، كان القول قول المقر أنه أراد ذلك، فإن خالفه الآخر، أخذ ما أقر له به، وتحالفا في الجزء الذي اختلفا فيه على أصل ابن القاسم، فكان ذلك الجزء بينهما نصفين، فإن قال المقر: له الربع، وقال الآخر: النصف، أخذ الربع بإقراره، وتحالفا في الربع، وكان بينهما؛ لأن الإقرار بالربع إقرار منه بأن يد الآخر معه على ذلك العبد وإن كان في بيت المقر.
الجزء: 7 - الصفحة: 3066
ولو كان الإقرار بطعام أو بدراهم وقال: كانت الشركة في نصفه، وهو الذي قبضت وأضفت إليه نصفًا، كان القول قول المقر، وإن قال: كانت أيدينا على جميع هذا 86 الطعام إلا أن الذي لك الربع، لم يقبل قوله، وقيل له: سلّم الربع واقتسما الربع بعد أيمانكما.
الجزء: 7 - الصفحة: 3067
باب فيمن اشترى سلعة فأشرك فيها رجلًا على أن ينقد عنه أو ينقد هو عن المشرك
وقال ابن القاسم فيمن اشترى سلعة، ثم سأله رجل أن يشركه فيها فقال: أشركك على أن تنقد عني، لم يجز، وهو بيع وسلف 87.
فإن نزل فسخ، إلا أن يسقط السلف، فإن كان السلف من المشتري، فقال: اشتر وأشركني وانقد عني، أو قال: اشتر وأشركني ثم بعد انعقاد الشراء قال: انقد عني، جاز ذلك في كل شيء الصرف والطعام والعروض، وبيع النقد والأجل؛ لأن الشراء انعقد عليهما جميعًا.
ولو اشترى لنفسه فبعد أن عقد البيع قال: أشركني وانقد عني، أو قال: أشركني، فلما أشركه، قال: انقد عني، لم يجز في الصرف، وجاز في العروض إذا لم يكن سلمًا في الذمة، وسواء أشركه بشرط النقد أو تَطَوَّعَ بالنقد بعد أن أشركه.
فإن كان سلمًا في الذمة فأشركه على أن ينقد عنه، لم يجز، وإن أشركه بغير شرط ثم رضي أن ينقد عنه جاز.
وجعل الجواب في الطعام على ثلاثة أوجه:
معينًا حاضرًا، أو معينًا غائبًا، أو 88 سلمًا في الذمة.
فإن كان حاضرًا، لم يجز أن يشركه على أن ينقد عنه، وإن أشركه بغير شرط ثم قال: انقد عني، ولم يكن الأول نقد، جاز، وإن كان قد 89 نقد لم يجز.
الجزء: 7 - الصفحة: 3068
وقال ابن القاسم أيضًا: لا بأس إذا سأله بعد أن ينقد عنه 90. ولم يراع نقد الأول أو لم ينقد.
وإن كان الطعام سلمًا في الذمة لم تجز الشركة إلا أن ينقد بالحضرة، قال ابن القاسم مثل الصرف حرفًا بحرف.
يريد أنه لا يجوز أن ينقد الأول بشرط ولا بتطوع.
قال: وإن كان الطعام غائبًا لم يجز فيه شرك ولا تولية وإن كان معينًا؛ لأنه يصير دينًا بدين 91. قال محمد: إلا أن ينقد حصته قبل أن يفترقا 92.
والجواب في الصرف صحيح؛ لأن الشركة في جميع هذه الوجوه كبيع مبتدأ، فلا يجوز أن يتطوع بالصبر في الصرف، كما لا يجوز إن كانت مصارفة من غير شركة.
وأما العروض تكون سلمًا في الذمة، فمحمل قوله في منع الشركة بشرط النقد على 93 القول في التولية أنها لا تجوز إلا أن ينقد 94، ويجوز على القول الآخر أن ينقد بعد 95 اليومين والثلاثة، كتأخير رأس مال السلم.
ومنع الشركة في الطعام الحاضر بشرط النقد؛ لأنهما خرجا عن وجه المعروف 96، وإن كانت بغير شرط، صحت، ثم كان تطوعه بالنقد معروفًا أيضًا، ومنعه في القول الآخر، خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك 97.
الجزء: 7 - الصفحة: 3069
باب في بيع زراريع ما يكون منه طعام وبيع التوابل قبل أن تستوفى
قال مالك: لا بأس ببيع زريعة الفجل الأبيض الذي يؤكل وزريعة الجزر، والسِّلق، والكراث قبل أن تستوفى، وكذلك كل زريعة لا تراد للأكل وإنما يزرع منها ما يؤكل، وإن كان 98 تراد للأكل في نفسها، لم تبع قبل أن تستوفى إلا أن يكون ذلك نادرًا 99. واختلف قول مالك في التوابل: الكزبر، والقرنباذ 100، والفلفل وما أشبه ذلك، فقال في المدونة: لا يباع قبل أن يستوفى 101. وأجاز ذلك في مختصر ما ليس في المختصر 102.
الجزء: 7 - الصفحة: 3070
باب في بيع الطعام قبل قبضه
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" اجتمع 103 عليه الموطأ، والبخاري ومسلم 104، فبيع الطعام قبل قبضه يمنع بثلاثة شروط:
أن يكون من بيع على كيل، أو وزن، أو عدد مما يحرم التفاضل فيه، واختلف إذا كان مما يجوز التفاضل فيه، وإذا كان في ضمان البائع على غير كيل.
فأما ما يجوز فيه التفاضل فالمعروف من قول مالك المنع، لعموم الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا"، ولم يفرق.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: ما 105 لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه 106.
وقال في كتاب محمد فيمن اشترى تينًا وزنًا ثم قال: زن لي بنصفه عنبًا أو بطيخًا، ونصفه تينًا: أرجو أن يكون خفيفا، لا بأس به، وقال محمد: لا خير فيه 107. ومحمل قول مالك في التين على 108 أنه مما لا يدخر كالشتوي أو صنف يدخر عُجِّلَ جناه في وقت لا يدخر، وهذه المسألة أصل في جواز التفاضل فيما أصله الادخار إذا كان هذا في نفسه لا يدخر، وكأنه حمل الحديث على ما كان غالبًا أنهم يتبايعونه ويسلمون فيه، وهو التمر، وقاس عليه جميع المدخرات.
الجزء: 7 - الصفحة: 3071
واختلف في الجزاف إذا كان في ضمان بائعه: فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن ابتاع لبن غنم بأعيانها شهرًا بغير كيل: لا يبعه حتى يحتلبه 109. وأجازه أشهب 110.
وقال مالك في العتبية 111 فيمن اشترى جزءًا من ثمرة: لا يبعه حتى يقبضه، ثم رجع عن ذلك 112، ولا فرق بين الجزء والجميع.
وقال في كتاب محمد فيمن ابتاع ثمرة حائط غائب لم يره: لم يجز أن يبيعه حتى يراه؛ لأنه في ضمان البائع 113. يريد إذا كانت يابسة؛ لأنه لا يسقط الضمان وإن رضيه 114 إلا فيما كان يابسًا، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لعموم الحديث.
وقد قال مالك: نهى في الحديث "عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" 115 أن ذلك في الطعام 116، فبأي وجه كان الطعام في ضمان بائعه، فإنه يمنع من بيعه.
ويختلف على هذا في الصبرة إذا كانت محبوسة بالثمن على القول أن
الجزء: 7 - الصفحة: 3072
المصيبة من البائع.
واختلف إذا أمكن منها هل يبيعها قبل نقلها؟ فقال ممالك مرة: لا بأس بذلك 117.
وقال في العتبية: أحب إلي أن يؤخذ في ذلك بالحديث فيمن اشترى طعامًا جزافًا قال: لا يباع 118 حتى ينقل من مكانه 119.
يريد: حديث ابن عمر، قال: رَأَيْتُ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا تَبَايَعُوا 120 طَعَامًا جُزَافًا يُضْرَبُونَ أَلَّا يَبِيعُوهُ في مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُئْوُوَهُ إِلَى 121 رِحَالهِمْ.
اجتمع عليه البخاري ومسلم 122، وذكره مالك في الموطأ، ولم يقل جزافًا 123، وأخذ به الشافعي، وأبو حنيفة، وقال مالك في تفسير ابن مزين: إنهم كانوا يريدون بيعه بالدين، وأما بالنقد، فلا بأس.
ولا فرق بين النقد في ذلك والدين إذا بيع من غير بائعه، واتباع الحديث أولى.
واختلف في المكيل هل المنع معلل أم لا؟ فقال أبو محمد بن عبد الوهاب
الجزء: 7 - الصفحة: 3073
وأبو الفرج وغيرهم من البغداديين: المنع لأجل العينة 124. وقيل: شرعًا، وهو أحسن.
ولو كانت العلة العينة، لجاز بيعه من بائعه بأقل، ومن غير بائعه بأقل وأكثر، وهذا الأصل فيما كان المنع فيه خيفة العينة، ويكون على قولهم الطعام والعروض سواء.
وقال 125 محمد فيمن باع طعامًا قبل قبضه وقبض الثمن وذهب المشتري بالطعام، قال: يأخذ الثمن من البائع الآخر، ويقام به للغائب فيشتري به طعامًا، فإن كان أقل من الكيل الأول كان الباقي دينًا على الغائب يتبع به، وإن كان أكثر وُقف له 126، ورأى أن البائع الأول قد برئ بذلك الكيل؛ لأنه وفى بما عليه، والتعدي في البيع إنما كان من البائع الآخر، وليس من البائع الأول تعد، واستحسن في السليمانية إذا اشترى طعامًا أن يعاد إلى يد الأول حتى يوصله إلى يد 127 من اشترى منه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3074
فصل [في الطعام يجب عن نكاح أو صلح أو ثمن كتابة أو غير ذلك فيبيعه قبل قبضه]
وإذا وجب الطعام عن 128 نكاح أو خلع أو مصالحة عن دم أو كراء دار أو غير ذلك، لم يجز أن يباع حتى يقبض؛ لأن كل هذه معاوضات وداخلة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا.
. ." 129.
واختلف فيمن باع كرمه أو حائطه واستثنى منه كيلًا، قال ابن القاسم: أكره بيعه قبل قبضه، ثم رجع عنه وقال: لا بأس به 130، فذهب في القول الأول إلى أن المستثنى مشتَرَى اشتراه البائع من المشترى منه، والقول أنه يبقى 131 على الملك الأول أحسن.
وقال ابن القاسم في المكاتب يكاتب بطعام: يجوز لسيده أن يبيعه من المكاتب قبل قبضه؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، ولا يبيعه من أجنبي؛ لأن السيد لو دبر عبده جاز أن يبيع خدمته منه، ولا يبيعها من أجنبي 132.
ولا فرق بين المسألتين، فإما أن يقال: إن الكتابة دين ثابت، كما قال ابن عمر، فلا يباع الطعام من المكاتب ولا من غيره، أو يقال: ليست بدين ثابت، فيباع منه ومن الأجنبي.
الجزء: 7 - الصفحة: 3075
وقد منع سحنون فسخ الكتابة في غيرها إذا لم يعجل العتق؛ لأن فيه شبهة الدين، فكذلك بيع الطعام (1).
وأرى أن يجوز ذلك من العبد وغيره إذا كانت الكتابة على قدر الخراج؛ لأنها غلة، وإن كانت أكثر بالشيء البين، أو كانت إنما ينالها بما يستعين من الناس ألا يجوز بيعه؛ لأنه يصير ثمنًا للرقبة.
وقال مالك في النصراني يبتاع الطعام من نصراني: لا أحب للمسلم أن يشتريه منه قبل قبضه (2).
فلم يره محرمًا؛ لأنهم غير مخاطبين بفروع الإسلام، والحديث متوجه لمن كان مسلما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (3)، وسواء كان اشتراه النصراني من نصراني أو مسلم، فإن كان المسلم هو المشتري لم يجز أن يبيعه من نصراني قبل قبضه قولًا واحدًا.
فصل [في المواعدة في الطعام قبل قبضه ومن ابتاع طعاما بعينه أو بغير عينه فيريد بيعه قبل قبضه]
قال ابن القاسم: ولا يواعد أحدًا في بيع الطعام قبل قبضه، ولا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام اشتراه، بعينه كان، أو بغير عينه 136. والمواعدة133134135
الجزء: 7 - الصفحة: 3076
في هذا كالمواعدة في الصرف.
وقد اختلف في المواعدة في الصرف: فكره ذلك مالك 137، ومنعه أصبغ، وأجاز هذا 138 ابن نافع.
وأجاز مالك في كتاب محمد الخيار في الصرف 139، والمواعدة في هذا أخف.
وكذلك إذا عقدا بيعًا على طعام في ذمته، ونيته أن يقضيه من ذلك الطعام، فالعقد ماض ولا تأثير للنية في العقد، وقد أجيز التعريض في النكاح، فكيف بمن يضمر هذا ولا ينطق به.
وقيل: المعنى: لا يبيع طعامًا ينوي أنه يقضيه من طعام عليه.
وهذا أبعد؛ لأنه يستحيل صرف النية فيه إذا كان عليه طعام فطُلب بقضائه، وليس عنده، فلا يجري إليه.
إلا بشراء.
وإنما الاختلاف إذا جعل للطالب أن يقضيه من المشتري منه أخيرًا: فمنع ذلك ابن القاسم، إلا أن يقضيه الغريم من البائع آخرًا ثم يقضيه 140. وأجازه مرة، فقال فيمن عليه طعامٌ من سلم فأعطى الطالب مثل رأس ماله ليشتري ذلك لنفسه: فلا بأس به 141.
الجزء: 7 - الصفحة: 3077
فإذا جاز للطالب أن يشتري الطعام على ذمة المطلوب، ثم يقبضه لنفسه، جاز أن يشتريه الغريم ثم يجعل للطالب قبضه.
وقد قيل: إن هذه إقالة 142، وهو خطأ؛ لأنهما متفقان أنه أخذ ذلك على وجه الوكالة، ولو ضاع الثمن كانت مصيبته من الباعث، وإن ثبت أنه اشترى ذلك للغريم ثم قبضه منه جاز، وأجازه أشهب 143 وإن أخذ أقل 144 من رأس المال؛ لأنه أخذه على أنه وكيل وأن يشتري على ذمة الباعث، ولو دخل على أنه يمسك ذلك لنفسه لم يجز، ويجوز على قوليهما إذا أعطاه أكثر من رأس المال واشترى بنيته وكل ذلك راجع إلى القضاء عن البيع، هل هوبيع أم لا؟
والقول إنه ليس ببيع أحسن 145؛ لأن البيع المتقدم لم يكن في عين 146 هذا الطعام، وإنما قضاه عن دين تَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ في الذمة، وإنما جاء الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ" 147، ولم يقل فلا يقضه.
وقد أجاز مالك وابن القاسم وأشهب لمن أسلم في حنطة أو اشترى حنطة بعينها أن يأخذ بكيلها شعيرًا 148، وإن تقارَّا أنهما أرادا المبايعة ولم يقصدا المعروف.
= يعني طعاما أقضيك.
قال: إن ابتاع منه بنقد فلا بأس به.
الجزء: 7 - الصفحة: 3078
وكذلك من أسلم في سمراء وأخذ محمولة 149 يريدها للزريعة جاز وإن اعترف أنه قصد المبايعة جاز 150، وإن كان مما ينطلق عليه بيع الطعام قبل قبضه.
ويختلف في المقاصة قياسًا على ما تقدم في القضاء.
فإن أسلم رجلان كل واحد لصاحبه في طعام كيلًا واحدًا وصفة واحدة، ثم أرادا المقاصة، وتساوت رؤوس الأموال، لم يجز عند ابن القاسم 151.
وقال أشهب في كتاب محمد: يجوز ويكون 152 إقالة 153.
يريد: أنهما لواتهما أنهما 154 عَمِلا على ذلك في حين عقد السلم الثاني، جاز، وكانت إقالة، فإذا سَلِمَا من التهمة جازت المقاصة؛ لأن الثاني قضاء عن الأول، والقضاء بخلاف البيع.
ويلزم ابن القاسم أن يجيزه على ما تقدم له إذا وكله على أن يشتري لنفسه، فإذا اختلف رأس المال لم يجز، فإن كان الثاني أكثر دخله سلف بزيادة، وإن كان أقل، كانت إقالة على أقل من رأس المال، فإن خفي ذلك لهما، وكان باطنهما على الصحة أنهما يسلمان، جازت المقاصة؛ لأنه قضاء.
وكذلك إذا كان لرجل قِبَلَ رجل طعام فأحاله المطلوب على من له عليه
الجزء: 7 - الصفحة: 3079
طعام من سلم، فمنعه ابن القاسم 155؛ لأن الحوالة عنده بيع، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وأجازه أشهب إذا تساوت رؤوس الأموال قال: ويكون تولية 156.
يريد: أنهما يَسلَمَانِ من التهمة؛ لأنهما لو شاءا جعلاها تولية، وإلا فهما مُقران أنهما لم يقصدا إلا الحوالة والقضاء، ولو كان ذلك فاسدًا لم يجز أن يطرح ما اعترفا به على أنفسهما من الفساد ليصح غيره.
فإن اختلف رأس المال، وكان أحدهما أكثر -الأول أو الآخر- لم تجز الحوالة على قولهيما.
وإن كان أحدهما من سلم والآخر من قرض جازت المقاصة عند ابن القاسم إذا حلَّا 157.
وأجازه أشهب إذا حلَّ أحدهما 158.
وذكر ابن حبيب عنه أنه قال: يجوز إذا حل السلم 159. وقال ابن حبيب: تجوز وإن لم يحلا 160.
وهو أبين؛ لأن الذمم تبرأ من الآن.
الجزء: 7 - الصفحة: 3080
وأما الحوالة فتجوز إذا حل المحال به، حل المحال عليه (1) أم لا، وإذا صحت الحوالة عاد الجواب في بيعه في ذمة المحال عليه قبل قبضه على ما تقدم، فإن كانت الحوالة ببيع على قرض أو بقرض على بيع لم يجز على قوله في المدونة (2)، ويجوز على قوله في كتاب ابن حبيب إذا كانت الحوالة بقرض على بيع (3).
فصل [في الرجل يكون له طعام من سلم على أخر فيأمره ببيعه وإحضار الثمن]
ومن كان له على رجل طعام من سلم فقال له: بعه وجئني بالثمن، لم يجز عند مالك وابن القاسم 164، وسواء أتاه بمثل رأس المال أو أقل أو أكثر، فإن أتاه بأكثر اتهما أن يكونا عَمِلا على ذلك في أصل السلم، وهي بيعة أجل، فيكون سلفًا بزيادة، وإن أتاه بمثل رأس المال دخله فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الإقالة على التأخير في معنى أقل.
وكذلك إن أقاله على أقل من رأس المال فهو فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه.
وفرق ابن القاسم، فمنع أن يكون المسلم إليه وكيلًا على البيع وإن أتى برأس المال؛ لأنه يتهم على الإقالة المستأخرة، وأجاز أن يكون الذي له السلم161162163
الجزء: 7 - الصفحة: 3081
وكيلًا على الشراء بمثل رأس المال؛ لأنه يقبض ذلك بالحضرة، فلو أراد الإقالة لصحت بالحضرة، وإذا سقطت التهمة بقي وكيلًا على 165 حسب ما اعترف 166 به، إلا أن يقول: بقي لك الفضل بعد الشراء، فتدخله 167 التهمة على بيع الطعام قبل قبضه، أو يقول: بقي عليك فأتم، فتدخل التهمة في أصل العقد في السلم بزيادة.
ويجوز على قول 168 أشهب أن يوكل المسلم إليه إذا أتى بمثل رأس المال فأقل، قياسًا على قوله إذا وكل الطالب على الشراء بأقل من رأس المال، وإنما منع عنده إذا أتاه بأكثر من رأس المال؛ لأنه يعد تهمة 169 في أصل العقد، وهي بيعة أجل.
وإذا لم تكن زيادة، سَلِمَ العقدُ، وكانت التهمة بعد ذلك فيما يفعلانه بالحضرة على النقد إلى يومين أو ثلاثة، وهي كبيعة النقد، لا يتهم فيها إلا أهل العينة.
وقد أجاز أشهب لمن عليه دين أن يعمل به قراضًا، وأجاز لصاحب المال أن يأخذ الربح 170.
الجزء: 7 - الصفحة: 3082
فصل [في بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من غير معاوضة]
يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان من 171 غير معاوضة، كالقرض، والهبة، والصدقة، والميراث، إذا لم يكن الميراث في ذمته عن معاوضة، والغصب والتعدي، فمن أقرض رجلًا طعامًا، جاز للمقرض أن يبيعه قبل أن يقبضه، ويجوز للمقرض إذا قبضه منه أن يبيعه قبل أن يقبضه 172 من المقرض ومن غيره، ويجوز لمن له 173 سلم أن يقرضه قبل أن يقبضه، ولا يجوز للمقرض أن يبيعه قبل قبضه؛ لأنه على حكم السلم ما دام في الذمة، ولا يصح القرض إلا بعد قبضه.
ولو فلس المسلم إليه أو مات أو غاب، لم يلزم المقرض إليه 174 شيء، فإن قبضه وصار إليه، جاز للمقرض أن يبيعه منه ومن غيره قبل أن يقبضه؛ لأن كيل البيع قد تقدم، ولا يدخل في الحديث "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" 175؛ لأن هذا قد قبضه، وما وقع في الكتاب فحماية أن يكون باعه منه قبل قبضه من المسلم إليه وأظهر أنه إنما أقرضه 176، وأجاز في كتاب محمد إذا
الجزء: 7 - الصفحة: 3083
أقرضه الشيء اليسير من الشيء الكثير أن يبيعه قبل قبضه من المقرض؛ لأن التهمة تضعف 177.
ويجوز ذلك على أصل أشهب 178؛ لأنه لم يتهم على بيع الطعام قبل قبضه.
ولو أطاع رجل أن يقرض ذلك المسلم إليه ويقضيه عنه، لم يجز للذي له السلم بيعه قبل قبضه للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ.
." 179، فهو مبتاع بَعْدُ، لم يخرج عن ذلك.
فإن قبض ذلك المسلم جاز للمقرض أن يأخذ من المسلم إليه فيه ثمنا ما شاء 180؛ لأن السلم قد قبض، وهذا مقرض وليس بمبتاع، ولو استقرض الذي له السلم مثل ذلك الطعام ثم أحال به على المسلم إليه لم يجز للمحال أن يبيعه قبل قبضه عند ابن القاسم، ويجوز على قول مالك في كتاب ابن حبيب؛ لأن المحال مقرض وليس بمبتاع، والمبتاع قد خرجت عن يده 181.
ويفترق الحكم 182 أيضًا في الهبة والصدقة، فإن كانت الهبة والصدقة من الذي له السلم، وهبة لأجنبي، لم يجز للموهوب له بيعه قبل قبضه.
= باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته- صار ذلك حوالة، والحوالة عند مالك بيع من البيوع، فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف؛ لأنه يصير دينًا بدين، وبيع الطعام قبل أن يستوفي.
الجزء: 7 - الصفحة: 3084
وقال مالك في كتاب ابن حبيب: الهبة والصدقة أخف 183. يريد: لأن يد المشتري قد خرجت.
وإن كانت الهبة والصدقة من أجنبي، التزم أن يقضي ذلك عن المسلم إليه، ورضي المسلم بالحوالة عليه، لم يجز للمسلم بيعه قبل
قبضه من الواهب ولا من غيره.
وعقد هذا أنه متى كانت يد المسلم إليه 184 باقية على سلمه، وهو القابض، لم يجز البيع، وسواء كان المقبوض منه المسلم إليه أو واهبًا أو متصدقًا أو مقرضًا، للحديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ"، وإذا زالت يده وكان القابض موهوبًا له أو متصدقًا عليه، جاز 185؛ لأنه لا ينطلق عليه الحديث: "مَنِ ابْتَاعَ".
186 ومن وكل رجلًا يشتري له طعامًا ليقضيه عنه من سلم عليه، فأمسك الوكيل الذهب، وقضى الطعام من عنده فرضي ذلك المسلم إليه، جاز؛ لأن السلم قد قبض.
الجزء: 7 - الصفحة: 3085
باب فيمن ابتاع طعامًا على كيل، أو جزافًا ثم هلك بيد بائعه
ومن اشترى طعامًا بعينه، ثم هلك قبل قبضه، فإنه لا يخلو هلاكه من أربعٍ: إما أن يكون من سبب البائع، أو أجنبي، أو لا سبب فيه لآدمي، أو من المشتري، فإن كان من سبب البائع، باعه، أو أكله، أو وهبه- كان عليه أن يأتي بمثله إن علم كيله، وإن لم يعلم تحَرَّى قدر ما فيه فيغرمه، وليس للمشتري إن كان باعه أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، ولا إن كان أكله أو وهبه أن يأخذ القيمة، ويدخله إن فعل بيع الطعام قبل قبضه، ولا أن يفسخ البيع عن نفسه.
قال ابن القاسم: وهو بمنزلة من استهلك طعامًا، فإنما عليه مثله 187.
وإن أهلكه أجنبي أغرم القيمة، واشترى بها طعامًا، ويكيله البائع للمشتري، وإن لم يشتر بالقيمة حتى حال سوقه، لم يكن على البائع سوى ما اشترى بالقيمة، وينفسخ البيع في العاجز عن قدر الأول؛ لأنه بمنزلة ما ذهب بأمر من السماء، وإن حال برخص لم يشتر بالفاضل، وكان للبائع؛ لأنه في ضمانه فله رخصه.
وإن كان الذي أهلكه معسرًا لم يكن على البائع شيء، وكان للمشتري أن يفسخ البيع، ولم يلزمه الصبر حتى يوسر المعتدي، فإن رضي بالصبر جاز ولا مقال للبائع؛ لأنه لا مضرة عليه في ذلك، وإن رضي البائع أن يغرم مكيلته 188 مثل ما كان يشتري بالقيمة، لزم المشتري.
الجزء: 7 - الصفحة: 3086
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا غرم الأجنبي القيمة للبائع ينفسخ البيع، وليس للمشتري إلا ثمنه، إلا أن يقر المتعدي بعدد كيل، فيكون رب الصبرة بالخيار، إن شاء أغرمه كيل ما أقر به بعد أن يستحلفه، وإن شاء أغرمه القيمة ولا يصدقه، فيكون المشتري حينئذ بالخيار، إن شاء أخذ المكيلة التي أقرَّ بها المتعدي، وإن شاء أخذ 189 القيمة، فاشترى له بها طعامًا فأكله 190، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه 191.
قال محمد: اختلف قول أشهب إذا أخذت القيمة فقال مرة: يشتري بها طعاما 192 فيوفاه المشتري، ومرة قال: لا، إلا أن يعرف الكيل 193. فجعل في القول الأول الفسخ من حق البائع إذا غرم المتعدي القيمة، وكذلك قال فيمن
اشترى طعامًا فاطلع فيه على عيب بعد أن فات، قال: المشتري بالخيار بين أن يغرم المثل، أو يرجع بالعيب 194.
ورأى أن عليه في تغريم المثل وشرائه مشقة، وكذلك البائع ها هنا له الفسخ، ولا يتكلف الشراء.
ورأى في القول الآخر أن يشتري بالقيمة وأن هذا 195 أخف من المشتري يجد عيبًا بحضور ما يشترى به، ولأنه لا يغرم ذلك من ذمته، ثم اختلف قوله
الجزء: 7 - الصفحة: 3087
إذا سقط قول البائع، وغرم المستهلك المكيلة: هل يكون للمشتري خيار؛ لأنه يقول: اشتريت طعامًا بعينه، فلا ألزم غيره.
وإن هلك بأمر من الله، فسخ البيع على قوليهما (1) جميعًا إذا ثبت ذلك.
واختلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قِبل البائع: فقال ابن القاسم في العتبية: لا يصدق، وعليه أن يوفِّيَ الكيل الذي باع (2). وعلى قوله في كتاب السلم الأول يحلف أنه هلك ولم يكتمه، وينفسخ البيع.
وإن أهلكه المشتري وعرف كيله، كان ذلك قبضًا، وعليه وإن يغرم الثمن، وإن لم يعرف كيله، فالقدر الذي يقال: إنه كان فيه (3)، فإن قيل: قفيز، غرم ثمنه.
فصل [فيمن ابتاع صبرة جزافًا ثم هلكت بعد تمكين المشتري منها أو بعد حبس البائع لها]
وإن بيعت صبرة جزافًا فهلكت بعد أن أمكن المشتري منها، كانت المصيبة 199 من المشتري وعليه الثمن، وإن أهلكها البائع كان له الثمن، وعليه القيمة، فمن كان له فضل عند صاحبه غرمه، وإن أهلكها أجنبي غرم القيمة للمشتري، وغرم المشتري الثمن للبائع.196197198
الجزء: 7 - الصفحة: 3088
واختلف قول مالك إذا كانت محتبسة بالثمن:
فقال محمد: لم يثبت مالك منها على أمر 200. يريد: أنه جعلها مرة من المشتري، ومرة من البائع، كالعبد يحبس بالثمن، فقد اختلف فيه قول مالك، فعلى قوله: إن المصيبة من المشتري يعود الجواب إلى ما تقدم لو أمكن منها، هذا إذا كان هلاكها بأمر من الله أو أهلكها أجنبي.
واختلف إذا أهلكها البائع، فقيل: المشتري بالخيار، فله أن يفسخ البيع؛ لأنه حال بينه وبين المبيع 201، وله أن يغرمه القيمة ويدفع الثمن.
قال ابن القاسم في العتبية في مثل هذا: لو قال قائل: عليه القيمة، قلّت أو كثرت لم أعبه 202. وعلى القول أن المصيبة من البائع ينفسخ البيع إن هلكت بأمر الله أو أهلكها أجنبي ويسقط الثمن عن المشتري، ويعود المقال للبائع على الذي أهلكها فيغرمه القيمة إلا أن يكون الثمن أكثر فيغرمه إياه؛ لأنه كان دينًا ثابتًا فأبطله بإهلاكه، وإن أهلكها البائع فأكلها أو باعها، كان للمشتري أن يفسخ البيع.
واختلف هل له أن يغرم البائع القيمة إن أهلكها أو الأكثر من القيمة والثمن الذي بيعت به إن باعها؟
فعلى قول أشهب ذلك له، وليس ذلك له على قول ابن القاسم، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، لما كان في ضمان بائعه، كما تقدم في اللبن في الضروع والثمرة الغائبة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3089
وإن أهلكها المشتري عمدا كان ذلك 203 رضا بالقبض، وإن باعها بائعها على كيل فعلى القول أن المصيبة من المشتري يكون بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، أو يغرم البائع مثل ما وجد فيها من الكيل، وعلى القول أنها من البائع يكون له أن يغرمه، مثل ما وجد فيها من الكيل، ويختلف هل له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن؟
الجزء: 7 - الصفحة: 3090
باب فيمن له دين على رجل يقبضه ببلد فلقيه بغيره
وقال مالك فيمن باع سلعة وهو بمصر بدنانير على أن يقبضها بإفريقية، وضرب أجلًا، وحل الأجل وهو بمصر: أجبر على القضاء الآن حيثا وجده، قال: وليس العين كالسلع؛ لأن أثمانها في البلدان تختلف، فلا يأخذه إلا في البلد الذي شرط فيه 204.
قال ابن القاسم: ولو أسلم في سلعة لا حمل لها كاللؤلؤ والمسك والعنبر، لم.
يأخذه إلا في البلد الذي شرط؛ لأن سعر هذا في البلدان يختلف 205.
وقال أشهب في كتاب محمد: إلا ألا يختلف السعر في البلدان ولا في سوق يلتمس فيه هذا اللؤلؤ والعنبر، وكان الموضع بعيدًا جدًا، فله أخذه بالموضع الذي هو فيه -وإن كره- إذا حل الأجل، وإن كان على غير ذلك، لم يكن له أن يأخذه به إلا أن يرضى المطلوب فيجيز صاحب الحق على قبوله؛ لأنه بموضعها أغلى، يريد: لأن القصد من السلم التَّجر والأثمان، فإن علم أن له غرضًا في قبضه في الموضع الذي سمى، لم يلزمه قبضه الآن ها هنا، إلا أن يكون الطريق مأمونًا، فإن كان مخوفًا لم يلزمه قبوله هنا، وإن كان أغلى؛ لأن الطالب يقول: لي غرض في قبض مالي في ذلك البلد، وأخاف على وصوله إليه، وإن كان الدين مما له حمل، وهو هنا أرخص، فرضي الطالب بقبوله، أجبر 206 الآخر على
الجزء: 7 - الصفحة: 3091
الوفاء؛ لأنه حط عنه الحمل وغلاء السعر، وإن كان ها هنا أغلى ورضي المطلوب بالقضاء، كان للطالب ألا يقبل، لِحقِّه في الحمل، ويصح ألا يجبر على القضاء بغير البلد في العين.
فإن قال: أشتري لأقضي في البلد الفلاني؛ لأن لي به مالًا، وإن ما معي ها هنا ما أتوصل به، أو قال: ليس عندي ما أقضي منه ها هنا إلا داري أو ربعي، ولا أحب بيعه، فهذا لا يجبر على القضاء إلا بالبلد الذي سمّى.
ويجوز البيع وإن لم يضربا أجلًا، ويصير بمنزلة من باع على دنانير بأعيانها غائبة، فإن كان الشرط من البائع فقال: أبيعك على أن أقبض في بلد كذا؛ لأني احتاجها هناك لوجه كذا، فعجلها المشتري بغيره- لم يلزم البائع قبولها؛ لأنه يقول: أخاف في وصولها إلى هناك، وقد اشترَطتُ شرطًا جائزًا؛ فيوفي لي به.
فصل [في مسائل في اشتراط القبض في السلم في غير بلد التبايع]
وإن اشترط المشتري الوفاء في بلد وكان الثمن معينًا عبدًا أو دنانير موقوفة، جاز البيع وإن لم يضرب الأجل، واستحب محمد في الدنانير أن يضرب أجلًا 207، ولا وجه لذلك؛ لأنهما في الأجل على وجهين: إن حل الأجل قبل الوصول لأمر عاقهما لم يجبر على القضاء من غير الغائب، وإن وصلا قبل الأجل، كان للبائع قبض تلك الدنانير، ولم يلزمه الصبر حتى يحل الأجل، وإن كان الثمن مضمونًا وهو عين لم يجز إلا أن يضربا أجلًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 3092
واختلف إذا كان عرضًا أو طعامًا، فقيل: ذلك جائز، والمسافة كالأجل، وعلى المسلم إليه أن يخرج للقضاء فإذا وصل قضاه.
وقال ابن القاسم في سماعه عن مالك: سئل مالك عن ذلك، فقال: أحالٌّ هو؟ فقيل 208: نعم، قال: لا بأس به.
ولم يجعله على الجواز بمجرد العقد، وقال فضل: الدنانير والعروض سواء، فإن لم يضربا أجلًا فهو فاسد.
وهو أحسن؛ لأن السلم يحتاج إلى أجل يقبض عنده، وموضع يقبض فيه، فإذا ذكر الموضع بقي الأجل، وذكر الموضع لا يفهم منه الأجل.
وقد استحب مالك فيمن باع بدنانير غائبة أن يضربا الأجل، فهو في السلم أولى، وإذا ضربا الأجل 209 فبقي من الأجل قدر مسافة الوصول، كان على الغريم أن يخرج للقضاء.
واختلف إذا وكل وكيلًا للقضاء: فأجازه ابن القاسم 210. ومنعه سحنون، وقال: لا أعرف الوكيل في هذا؛ لأنه لا يستطيع أن يتحول بما له من الطعام.
وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه إنما يخرج على أنه وكيل، والوكالة تضمنت بقاء الدين في ذمة الأول، وليس بحوالة، فيدخله دين في دين، وإن خرج على أنه وكيل وحميل 211 جاز؛ لأن الطالب له ذمة غريمه وذمة الحميل، والحمالة بما لم يحل جائزة، ويسقط مقال الطالب بخروج الوكيل إذا كان يدفع إليه من المال ما يوفي بالدين في الغالب، أو كان للغريم بذلك الموضع ما يوفي به
الجزء: 7 - الصفحة: 3093
ولا يحتاج فيه إلى خصومة، وإلا لم يجز، إلا أن يتحمل الوكيل بالقضاء ويكون موسرًا بذلك، أو يأتي بمن يتحمل به إلى ذلك البلد، فإن حيل بين الناس وبين ذلك البلد لفساد طريق أو لعدو أو فتنة ولا يرجى قرب انكشافه، كانت على الخلاف فيمن أسلم في ثمرة فخرج وقتها هل يلزم الصبر إلى انكشاف ذلك أم لا؟
وأرى أن يكون بالخيار بين الصبر أو يأخذ رأس ماله، وإن أراد أن يأخذ الثمن الذي كان يشتري به في ذلك البلد، جاز على قول أشهب إذا كان السلم في عروض، وإن كان في طعام لم يجز، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وإن رضي الطالب أن يقبض ببلد هو قريب من البلد الذي شرطا والسعر سواء وهو في هذا أرخص كان ذلك له.
وإن كان بالبلد الذي هما فيه فقال الغريم: خذ حقك، وقال الطالب: لا أقبضه؛ لأني إن قبضته هلك، يجبر على قبضه، وكذلك إن كان على الطالب طلبٌ من سلطان، فكان قبضه أخذه السلطان، وإن لم يقبضه أغرمه المطلوب، كان من حق الغريم أن يبرئ ذمته منه (1) فيكون الغصب على الطالب.
فصل [في منع الدائن للمدين من السفر عند قرب حلول الأجل]
ومن كان عليه دين إلى أجل فأراد السفر قبل حلوله لم يمنع إذا بقي من الأجل قدر سيره ورجوعه، وكان ممن لا يخشى لدَدُهُ ومقامه، وإن خشي ذلك212
الجزء: 7 - الصفحة: 3094
منه، أو كان معروفًا باللدد، منع إلا أن يأتي بحميل، وإن كان موسرًا وله عقار كان بالخيار بين أن يعطي حميلًا بالقضاء أو وكيلًا بالبيع، ويكون النداء قبل الأجل بقدر ما يرى أنه يكمل الإشهاد قبل محل الأجل.
وإن أشكل أمره هل يريد سفرًا بجيدًا أم لا؟ حلف أنه ما يسافر فرارًا، وأنه لا يتأخر عن العودة عند محل الأجل، وتُرك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3095
باب فيمن اشترى تمرًا في النخل بطعام، أو نخلًا مثمرة بطعام، أو طعامًا حاضرًا بغائب عن موضعهما
ومن اشترى تمرًا في نخل بطعام نقدًا، فإن كانت زهوًا أو رطبًا 213، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة ويتقابضا، قال ابن القاسم: لأن فيها الجوائح 214.
وإن كانت قد يبست، وكان الجذاذ على المشتري، جاز وإن لم يجذ بالحضرة، وكذلك إن كان الجذاذ على البائع، ودخل على أنها في ضمان المشتري بالعقد، وإن شرط أنها في ضمان البائع حتى تجذ، لم يجز إلا أن تجذ الثمرة 215 بالحضرة أو يتقابضا 216، واختلف إذا اشترى نخلًا بما فيها من الثمار وهي زهو أو رطب: فقال ابن القاسم: لا يجوز إلا أن تجذ الثمار، ويتقابضا في الطعامين 217.
وقال سحنون: يجوز ذلك وإن لم تجذ الثمار وكان قبض الطعام الآخر مؤجلًا، قال 218 كان كحلية السيف ومال العبد.
وقد مضى ذلك في كتاب القسم.
وإن بيع قمح بتمر أو عسل بزيت تقابضا بحضرة العقد وقبل الافتراق،
الجزء: 7 - الصفحة: 3096
كالصرف، وإن كان أحد الطعامين غائبًا وقريبًا من مجلسهما أُحضر بفور ذلك، أو قاما إليه وتناجزا بالحضرة، جاز ولم يفسخ، وقد مضى مثل ذلك في كتاب الصرف.
وقال مالك في صاحب الحانوت يشتري حنطة بزيت أو سمن، فيكتال الحنطة، ويدخل الحانوت ليخرج السمن أو الزيت: لا يعجبني، وليدع الحنطة عند صاحبها، ويخرج السمن أو الزيت ثم يأخذ ويعطي.
وهذا حماية، ولا يفسخ إن نزل 219.
الجزء: 7 - الصفحة: 3097
باب فيمن اقتضى من ثمن الطعام طعامًا
ومن باع طعامًا فقضى في ثمنه طعامًا، فإن كان مثله في الصفة والكيل جاز، وهي كالإقالة، وإن كان أكثر كيلًا أو أجود صفة لم يجز؛ لأنهما يُتَّهَمَان أن يكونا عَمِلا 220 على سلف بزيادة، وإن كان أقل كيلًا وأدنى صفة كان فيها قولان، وأرى أن يجوز؛ لأنه لا يتهم على خسارة.
قال فضل: إنما كره ذلك لما يتخوف في الطعام من السوس، وهذا إنما يخشى إذا كان بين الكيلين ما يرى أن الناس يدفعونه للضمان، ويكون هناك ما يوجب أن يخرجه عن يده ليضمن، أما أن يكون في وقت يخشى عليه الفساد، ويكون بين بيعه وبين اقتضائه ما يتغير فيه الأول أو تكون فتنة.
وكل ما لا يجوز للبائع أن يأخذه من المشتري منه، فإنه إن أحال بالثمن على المشتري لم يكن للمحال أن يأخذه من المحال عليه، وكذلك إن أحال المشتري البائع على غريم له، لم يأخذ البائع من المحال عليه إلا ما كان يجوز له أن يأخذه من المشتري منه، وهذا حماية، ولا أفسخه إن نزل، وإن أحال البائع على المشتري رجلًا فأحاله المشتري على آخر جاز أن ياخذ طعامًا، أيّ صنف أحب؛ لأن المنع في الأول لأجل التهمة خيفة أن يكونا عَمِلا على ذلك، فإذا خرجت يد البائع والمشتري، وصار الآخذ والمأخوذ منه غير المتبايعين في ذلك الطعام، ضعفت التهمة، وقد تقدم بيان ذلك في الكتاب الأول.
ومن باع حبًا فلا يقبض من المشتري في ثمنه ما ينبت ذلك الحب إذا كان
الجزء: 7 - الصفحة: 3098
بينهما من الأجل ما ينبت ذلك الحب فيه، قال مالك في كتاب محمد: وما هو بالحرام البين 221. يريد: أن ذلك حماية، واختلف فيمن باع ثمرة حائطه 222 بعد الطيب، فلما صار تمرًا أقال منه: فقال مالك 223 مرة: لا بأس به 224. ومرة: لا خير فيه إلا أن يفلس المشتري فيكون البائع أحق بها من الغرماء 225. وأرى أن يجوز وإن لم يفلس؛ لأنه طعامه بعينه فلا يدخله طعام 226 بطعام.
الجزء: 7 - الصفحة: 3099
باب في بيع الشاة اللبون بالطعام أو باللبن نقدًا أو إلى أجل أو بيع الخلايا بالعسل
ومن المدونة قال مالك: لا بأس بالشاة اللبون بالطعام نقدًا أو إلى أجل، ولا بأس بها باللبن نقدًا، ولا يسلم في لبن، ولا يسلم اللبن في شاة لبون، ولا بأس بالشاة غير اللبون باللبن إلى أجل 227.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا تقدم اللبن فلا بأس، وإن تقدمت الشاة في اللبن فذلك حرام 228، وله نحو ذلك في كتاب محمد 229.
وقال أشهب: لا بأس بالشاة اللبون باللبن إلى أجل إذا صح، ولم يتق ذلك منهما.
وقال أيضًا: إن كان اللبن المعجل لم يجز 230. عكس ما ذهب إليه ابن القاسم.
فمن منع الوجهين جميعًا رأى أنه من باب سلف بزيادة إذا تقدم اللبن، كالكتان في ثوب كتان، وإن تقدمت الشاة من باب ضمان بجعل.
وأرى إن أسلم اللبن الكثير وما يرى أنه لا يرجى من تلك الشاة إلا في أعوام أن يجوز، ويحمل على أنه لبن شياه 231، وإن كان قليلًا يرجى منها مُنِعَ، إلا أن يعلم أنه أراد المعروف والمكارمة، ولا يجوز أن يسلم الشاة 232 في اللبن
الجزء: 7 - الصفحة: 3100
الكثير، إلا أن يعلم أنه أراد المكارمة فيجوز وإن كان يسيرًا، وكذلك إذا أسلم صوفًا في شاة عليها صوف، يجوز إذا كان كثيرًا، ويمنع إذا كان في قدر ما عليها إذا تم، وكذلك إن أسلم شاة في صوف فإن كان في (1) قدر ما يرجى منها في عامها وما قارب ذلك لم يجز، وإن كان كثيرًا لا يرجى منها جاز.
فصل [في بيع النحل أو الخلايا بالعسل]
قال ابن حبيب: لا بأس ببيع ذباب النحل بالعسل نقدا أو إلى أجل، وكذلك بيع العسل بكيل 234 من ذبابه أو من ذباب النحل إلى أجل؛ لأنه لا عسل فيه 235، بمنزلة بيع النخل بتمر إلى أجل يكون في النخل تمر.
قال محمد: قال ابن القاسم: لا تباع الخلايا بشيء من العسل نقدًا ولا إلى أجل 236.
قال محمد: كان فيها عسل أو لم يكن 237.
قال أصبغ: فإن لم يكن فيها يَومَ بِيعتْ عسل، جاز بيعها بالطعام غير العسل نقدًا أو إلى أجل قريب، لا يأتي فيه بعسل، وإلا فلا خير فيه إلا بالعين233
الجزء: 7 - الصفحة: 3101
والعروض، ولا يجوز بالعسل على حال 238.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما بيع ذباب النحل بالعسل فالجواب فيه حسن إذا كان إلى أجل لا يجني فيه منها 239 ذلك العسل.
ويختلف إذا كان الأجل بعيدًا يجني فيه ذلك منها، قياسًا على بيع النخل بتمر إلى أجل يكون فيها تمرًا، وأما الخلايا بالطعام فإذا كان فيها عسل فاضل عن قوتها جاز بالطعام نقدًا، ولم يجز إلى أجل.
ويختلف إذا لم يكن فيه فضل.
هل يجور بيعها بالطعام إلى أجل، قياسًا على حلية السيف إذا كانت تبعًا وهى فضة، هل يجوز بيعها بالفضة أو الذهب إلى أجل؟ فقيل: يجوز.
وقيل: يكره.
فإن نزل مضى.
وقيل: يفسخ.
فإن فات مضى وهو في النحل أجوز؛ لأنه إن قطع هلكت، وليس في زوال 240 الحلية أكثر من أجرة تؤدى على إعادتها، ولا يجوز بيعها بالعسل إذا كان فيها فضل عنها، نقدًا ولا إلى أجل، ويدخله التفاضل والنساء إن كان إلى أجل، ويختلف إذا لم يكن فيه 241 فضل هل يباع بعسل إلى أجل يصير فيه فضل عنها؟
وإن بيع النحل والخلايا بقرب ما رمى النحل فيها ولم تعمل شيئًا، أو عملت الشهد دون العسل، جاز بيعها بالعسل، بمنزلة بيع الذباب قبل أن تعمل ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3102
باب [فيما] (1) يحرم التفاضل فيه من الطعام وما يجوز منه
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "البُرُّ بِالبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ 243 شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" 244.
واختلف في تعليل هذه الأصناف فقال مالك في كتاب محمد: ما كان من الطعام والشراب من الحبوب والأوداك، والأدم، والفاكهة رطبها ويابسها مما يدخر- نوع واحد لم يجز التفاضل فيه.
فجعلها ثلاثة أقسام: مقتات، مؤتدم، ومتفكه، وقال أبو جعفر الأبهري: مِن أصحابنا من علله بثلاث علل فالبر مقتات مدخر جنس، فكل مقتات مدخر مردود إليه، والتمر متفكه يصلح للقوت، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله، والملح مؤتدم، فكل ما وجد فيه هذا المعنى فهو مثله.
ومنهم من علله بالقوت جنسًا.
وقال ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: العلة أنها مأكولة مدخرة للعيش غالبًا 245.
وليس هذا التعليل بصحيح، وهذه العلة شرط في كل ما تجب فيه الزكاة، وأنها إنما تجب فيما كان للعيش غالبًا، إذا كان مقتاتًا مدخرًا وقد يكون مدخرًا،242
الجزء: 7 - الصفحة: 3103
وليس للعيش غالبًا يحرم فيه التفاضل، وليس تجب فيه زكاة، فالجوز واللوز 246 وما أشبه ذلك يحرم فيه التفاضل؛ لأنه مقتات مدخر، ولا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بأصل للعيش 247، فالبر والشعير وما أشبه ذلك أصل للعيش فوجبت فيه الزكاة، وحرم فيه التفاضل.
والقول إن التمر متفكه غلط؛ لأنه كان بالمدينة أصلا للعيش، وكذلك مدائن التمر هو العمدة في أقواتهم، كالقمح في الحواضر، والشعير في البوادي.
وفي كتاب مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ لأزواجه من خيبر ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْق شَعِيرٍ 248.
ولورود النص بوجوب الزكاة فيه، ويلزم القائل أنه تفكه، أن يسقط الزكاة منه أو يوجب الزكاة في الفواكه، وإذا صح أن هذه الثلاثة البر والشعير والتمر أصل للعيش لم يبق إلا الملح، وهو مصلح القوت، فَقِس عليه المؤتدمات والفواكه المدخرة؛ لأن عمدة الملح في القوت الإصلاح، إن صنع في خبز أو طعام صلح وعذب، واستعمل الإنسان منه أكثر ما يستعمل لو لم يكن فيه، وإن أخل به كان ناقصًا، وفي معنى الفساد 249، وتدخل فيه المؤتدمات بالمعنى؛ لأن كل واحد منها متعلق بما هو أصل للعيش غالبًا يراد ليستطاب به 250 الطعام، ولينال منهما من الطعام ما لا ينال عند عدمهما، وكذلك المتفكه به تعلق فيما هو أصل للعيش فيما يستطاب به.
واختلف في الرمان والتفاح
الجزء: 7 - الصفحة: 3104
والخوخ: فأجاز مالك التفاضل فيها، ولم يرها مدخرات 251.
وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: الرمان والخوخ وعيون البقر والإجاص 252 والموز مما ييبس ويدخر، فلا يجوز التفاضل فيه.
وقال محمد في الزفيزف 253 يجوز التفاضل فيه، قال: لأن يبس ذلك ليس الغالب، ولا ييبس للأكل ولا للمعاش، وإنما ذلك ليدخل في غيره من العلاج والطبخ 254.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما الرمان فلا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه يدخر الشهور، وهو يتفكه قبل الادخار وبعده، وأما العين، والزفيزف فيجوز التفاضل فيهما؛ لأنهما إنما يرادان بعد اليبس للعلاج.
والحلبة الخضراء طعام، فإذا يبست كانت علاجا، فإن نبتت كانت طعاما وهي في حال اليبس على حكم العلاج، ولا تراد في المغرب لتنبت بخلاف الترمس له حكم الطعام وإن كان لا يؤكل في حال اليبس؛ لأنه لا يراد إلا لينبت فحمل على ما يراد له.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في التوابل والبقول 255، وألا يجوز التفاضل فيه أحسن؛ لأنها مصلحة للقوت كالملح.
الجزء: 7 - الصفحة: 3105
فصل [في بيع الرطب بالرطب، والرطب بالتمر، والبسر بالرطب، والبسر بالبسر]
البسر بالبسر والرطب بالرطب والتمر بالتمر لا يجوز التفاضل فيها 256، واختلف في بيع بعضها ببعض مثلًا بمثل: فأجازه مالك وابن القاسم.
وذكر أبو محمد عبد الوهاب عن عبد الملك: أنه منع بيع الرطب بالرطب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ.
. ." الحديث 257.
ويمنع على قوله بيع البسر بالبسر، ويجوز التمر بالتمر إذا كانا جديدين أو قديمين.
واختلف في الجديد والقديم: فأجازه مالك في كتاب محمد، ومنعه عبد الملك.
والمنع في جميع 258 ذلك أحسن إذا كانا من جنسين صيحاني وبرني 259، وما يعلم أنهما يختلفان في النقص إذا صار تمرًا، للحديث، ولا يجوز البسر بالرطب، ولا الرطب بالتمر مثلًا بمثل، ويختلف إذا تحريا نقص الرطب إذا جف، وقد
الجزء: 7 - الصفحة: 3106
اختلف قول مالك في بيع الطري من اللحم باليابس على التحري، وفي العجين بالدقيق على التحري، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه على التحري 260، والمنع في جميع ذلك أحسن؛ لأن الفضل محرم وإن قل، والتحري لا يأتي على حقيقة المماثلة.
وقال ابن القاسم في بيع البلح الكبير بعضه ببعض لا يجوز متفاضلًا 261. وأن يجوز أحسن؛ لأنه غير مدخر، وكذلك البلح الكبير بالبسر أو بالتمر قال مالك: لا خير فيه.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: تركه أحب إليّ وعسى أن يجوز.
وهذا أقيس؛ لأنه مدخر بما ليس بمدخر.
وقد اختلف في الشتوي من التين والعنب متفاضلًا: فأجيز؛ لأنه لا يدخر، ومنع؛ لأن الغالب في ذلك الجنس الإدخار، فحمل القليل على حكم الكثير، وأجاز البلح الصغار بالكبار وبالبسر وبالرطب متفاضلًا إذا كان يدًا بيد.
وقال في كتاب القسم في البلح 262 الصغار هو علف كالبقل.
فإذا كان في وقت يكون علفًا جاز أن يسلم في الكبار وفي الزهو والتمر إذا كان مجذوذًا أو يجذ قبل أن يراد للأكل، فإن كان يراد للأكل جاز التفاضل يدًا بيد، ولا يجوز صغاره بصغاره إلى أجل وإن لم يكن طعامًا، كما لا يجوز ثوب بمثله إلى أجل وأجاز النوى بالتمر، ومنعه مرة بموضع المزابنة خاصة؛ لأن التفاضل بين النوايين وبين النوى بالتمر جائز.
الجزء: 7 - الصفحة: 3107
باب في بيع اللحوم بعضها ببعض، وفي بيع الحيوان باللحم والحي بالحي
اللحم 263 ثلاثة أصناف: فلحوم ذوات الأربع صنف، إنسيها ووحشيها، الإبل والبقر والغنم وبقر الوحش وحمره وغيرها من ذوات الأربع، لا يجوز التفاضل فيها.
ولحوم الطير صنف، إنسيه ووحشيه، وما كان عيشه في البر والماء سواء، ولحوم الحيتان كله صنف البحري والنهري لا يجوز التفاضل فيه، والجراد صنف رابع لا يضم إلى الطير ولا إلى الحوت 264، وأجاز أشهب في كتاب محمد التفاضل فيه 265، ولا أرى ذلك؛ لأنه مما يدخر.
ومنع مالك التفاضل بين لحوم ذوات الأربع بعضها ببعض، وبين لحوم الطير بعضها ببعض لتقارب الأغراض وتقارب منافعها، وأجازه بين ذوات الأربع ولحوم الطير، لتباعد الأغراض والمنافع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الُبرُّ بِالُبرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ" 266. فأبان أن التفاضل جائز فيما تباعدت الأغراض فيه.
الجزء: 7 - الصفحة: 3108
فصل [في بيع اللحم بالحيوان]
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ" 267، ومحمل الحديث إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين جاز، فيجوز أن يباع لحم ذوات الأربع بحي الطير، ولحم الطير بحي ذوات الأربع، والحيتان بحي ذوات الأربع وبحي الطير، كل ذلك جائز يدًا بيد.
ويفترق الجواب إذا كان إلى أجل، فإن كان الحي يراد للقنية جاز إلي أجل 268، وإلا يكون يدًا 269 بيد، واختلف إذا كان لا يراد للقنية: فمنعه مالك إذا كان الحي لا تطول حياته، واختلف عنه إذا كانت تطول: فمنعه مرة، وأجازه أخرى 270.
قال في كتاب محمد: ليس كل شارف يمنع وإنما ذلك إذا شارف
الجزء: 7 - الصفحة: 3109
الموت 271. ومنعه ابن القاسم جملة، ورآه في حكم اللحم فيدخله الطعام بالطعام ليس يدًا بيد 272.
وأجازه أشهب وإن كان لا تطول حياته، كطير الماء، وهو أقيس، وهو قبل الذبح كسائر الحيوان، وليس كونه مما لا تطول حياته مما يخرجه عن أن يكون في حكم الحي، والقول حتى تطول حياته أحوط، وإذا كان من شرط جواز النسيئة الاقتناء فإن المقتنى ما كان يراد للولادة أو اللبن، أو كان كبشًا يراد لصوفه أو للفحلة للغنم، أو تيسًا يراد لشعر ولمثل ذلك، واختلف فيما لا منفعة فيه إلا اللحم: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هي شاة لحم 273. وقال أصبغ: لا بأس به، ولا يعد شاة لحم 274.
وهو أبين؛ لأنهم سلموا ما كان يراد للصوف أن ذلك قنية، وما يراد للسمن ولكثرة لحمه أبين، واختلف قول ابن القاسم في الكبش الخصي بالطعام إلى أجل: فكرهه مرة، وقال: لأنه لا يقتنى للفحلة، ثم رجع فقال: إذا كانت فيه منافع غير ذلك فلا بأس به 275. يريد: إذا كان يرغب في بقائه لصوفه، وإن كان للحمه فهو موضع الخلاف.
وقد 276 قال مالك في العتبية في التيس الخصي: إن كان لا منفعة فيه قائمة
الجزء: 7 - الصفحة: 3110
ولا مؤخرة فهو مثل ما وصفنا (1). يريد: ألا يجوز.
وأرى أن يجوز؛ لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه، وأما الوحشي من ذوات الأربع والطيرفقال مالك: ما كان منه يستحيا فلا بأس به بالحيتان إلى أجل (2).
وقال ابن حبيب: الوحشي لا يقتنى ولا يحيى حياة الاقتناء (3).
وأرى أن يجوز في مثل الحيوان؛ لأنه تطول حياته، ويراد للفراخ والولد، والولد (4) قنية قولًا واحدًا، فيجوز بذوات الأربع وبالحيتان إلى أجل.
فصل [في بيع اللحم بالحيوان من جنس واحد]
واختلف إذا كان الحي واللحم من جنس واحد فقال مالك وابن القاسم: لا يجوز كان الحي يراد للقنية أو للذبح، لا نقدًا ولا إلى أجل، لظاهر الحديث، ورأيا أنه شَرْعٌ غير معلل.
وقال ابن القصار: معنى الحديث إذا كان الحي لا يراد إلا للحم، وهو من المزابنة بمنزلة الرطب باليابس، وإليه ذهب الأبهري، وأبو محمد عبد الوهاب، وغيرهم من البغداديين، ورأوا أن الحديث معلل 281، وإن كان الحي يراد للقنية جاز.277278279280
الجزء: 7 - الصفحة: 3111
وقال ابن القاسم في المدونة: إن المنع لأجل المزابنة، إلا أنه مر على المنع جملة، وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي يراد للقنية 282.
ويجري فيها قول ثالث: ألّا يجوز حتى يعلم ما بينهما من الفضل فيخرجان من عين المزابنة، قياسًا على قول مالك في بيع 283 ثوب الصوف بالصوف، والجلد بالأحذية، فقال: يكره وإن كان يدًا بيد 284.
قال محمد: إن 285 جعله من المزابنة فلا يجوز هذا حتى يتبين الفضل 286.
وإن كان الحي لا يقتنى ويراد للذبح لم يبعه باللحم على الإطلاق للحديث، ويختلف هل يجوز على تحري مساواة ما فيهما من اللحم؟ فمنعه ابن القاسم في كتاب محمد على التحري 287. وأجاز في العتبية أن يباع طير لا يستحيا بطير لا يستحيا إذا كان 288 تحريا أن يكون مثلًا بمثل 289.
وقال محمد: كره مالك الشارف والمكسورة من الأنعام التي هي للذبح أن تباع باللحم ثم أجازه 290. يريد: على التحري.
وكرهه ابن القاسم.
وقال أصبغ: هو خفيف وليس بالحرام 291.
الجزء: 7 - الصفحة: 3112
وقال محمد: لا خير فيه وبيعها باللحم أكره من بيعها بالحية، وكل لا خير فيه (1).
فصل [في بيع الحيوان الحي بالحي]
وبيع الحي بالحي على أوجه: فإن كانا مما يقتنى جاز، وإن كانا لا يرادان للقنية وهما مما تطول حياته، جرت على اختلاف قول مالك، فأجاز ذلك مرة، ورآه بمنزلة ما يقتنى، ومنعه أخرى، ثم يختلف بعد القول بالمنع، هل يجوز على تحري مساواة اللحم؟ وإن كان لا تطول حياتهما لم يجز عند مالك على الإطلاق، ويختلف هل يجوز على التحري؟ فأجازه أشهب على الإطلاق، وهو عنده بمنزلة ما يقتنى، فإن اختلفا فكان أحدهما يقتنى، والآخر لا يقتنى، لم يجز على أحد قولي مالك أنه في حكم اللحم، وإن كان مما تطول حياته، وعلى قوله أنه كالذي يراد للقنية، يجوز، وإن كان مما لا تطول حياته لم يجز على قوله، ويجوز على ما ذكره ابن القصار وغيره.
وإن كان أحدهما تطول حياته ولا يراد للقنية والآخر لا تطول لم يجز عند مالك، ويدخله اللحم بالحي على أحد قوليه، وعلى قوله أن ما تطول حياته في حكم الحي، يختلف هل يجوزان على التحري؟
وعلى قول أشهب يجوز ذلك كله كيفما تصرفت به 293 الحالات من الاختلاف؛ لأنه حي كله.292
الجزء: 7 - الصفحة: 3113
والقول ألا يجوز على التحري، وإن سلم 294 أنه في حكم اللحم أحسن؛ لأن التحري لا يأتي على الحقيقة.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم على التحري في الكتاب الأول، وما قيل: إنه لا يجوز إلا عند عدم الموازين، والقول الأخر: أن ذلك لا يجوز بحال أحوط.
الجزء: 7 - الصفحة: 3114
باب في بيع اللبن والبيض بعضه ببعض
اللبن عند مالك في حكم ما يدخر؛ لأنه يعمل منه ما يدخر: السمن والجبن وما أشبه ذلك، واللبن وما يؤول 295 عنه على وجوه: حليب، ومخيض، ومضروب، وزبد، وسمن، وجبن، وأقط، فبيع الحليب بالحليب، والزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا ممنوع قولًا واحدًا 296.
واختلف في بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فأجازه مالك في المدونة 297، وحكى عنه أَبو الفرج المنع، قال: لما بينهما من الزبد المجهول.
فمنعه من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة؛ لأن المماثلة موجودة.
وهذا يصح إذا كانوا يريدونه ليستخرج زبده، وإن كانوا لا يريدونه لذلك جاز.
والأول أصوب، ولو منع ذلك لاختلاف ما يراد منهما لما جاز بيع قمح بقمح، لاختلاف ريعهما، ويجوز بيع الزبد بالزبد والسمن بالسمن متماثلًا، وكذلك الجبن بالجبن إلا أن يكون اليابس بالطري.
ولا يجوز الحليب بالزبد ولا بالسمن ولا بالجبن ولا بالأقط، ولا يجوز بيع شيء من هذه بالآخر؛ لأن الادخار موجود والتفاضل ممنوع، والمماثلة معدومة لا يقدر عليها.
الجزء: 7 - الصفحة: 3115
ويختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلًا؛ لأنهما لا يدخران، فمن منع التفاضل فيهما منع أن يباع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره مما تقدم ذكره؛ لأنه كالرطب باليابس.
ومن أجاز التفاضل أجاز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب وغيره، وقال مالك في المدونة: لا بأس بالسمن باللبن الذي قد (1) أخرج زبده (2).
وهذا لا يصح إلا على القول أن التفاضل بينهما جائز؛ لأنه كالرطب باليابس.
وأرى أن يجوز التفاضل في المخيض بالمضروب؛ لأنه مما لا يدخر، ومن منع ذلك حمله على الأصل، وقد تقدم الاختلاف في التين والعنب الشتوي، هل يمنع التفاضل بينهما ويحمل على الغالب من جنسه، أو يجوز؛ لأنه لا يدخر في نفسه ويفسد.
فصل [في بيع البيض بالبيض]
اختلف في التفاضل في البيض: فمنعه مالك، ورآه مما يدخر 300.
وذكر ابن شعبان فيه قولين: الجواز، والمنع.
والأول أبين أنه مدخر، وإنما يسرع إليه التغير في بعض أزمنة الصيف.298299
الجزء: 7 - الصفحة: 3116
قال محمد: والبيض كله صنف بيض ما يستحيا وبيض 301 ما لا يستحيا، وما يطير وما لا يطير 302.
وقال مالك في بيع 303 بيض النعام وبيض الأوز وبيض الدجاج: يتوخى أن يكون قدرًا واحدًا.
قال محمد: ذلك إذا استثنى صاحبه قشره، فإن أسلمه بقشره لم يصلح وزنًا؛ لأنه لو نحّى قشرة دون الآخر لكان فسادًا، وإنما يريد مشتريه أن يبقى في قشره إلى وقت استعماله 304. وقد يحمل قول مالك في تسليم بيض النعام بقشره لهذا، ويكون في موضع لا ثمن له فيه، والقياس ألا يجوز ذلك جملة.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في بيع اللحم باللحم تحريًا، وألا يجوز أصوب؛ لأن حقيقة المماثلة إنما تصح بالوزن أو الكيل، وذلك لا يعقل؛ 305 لأنه يصير إلى حالة لا تقبله النفس، والتحري لا يأتي على المماثلة حقيقة، ولو كانت شركة فقسمت جاز؛ لأنه يجوز أن يَفْضُلَ أحدهما صاحبه في القسم، ولا يجوز في البيع.
الجزء: 7 - الصفحة: 3117
باب في بيع الزيت والعسل والخل بعضه ببعض
الزيوت والعسول أصناف، والخلول صنف، ويفترق الجواب في الأنبذة هل هي صنف أو أصناف؟ فزيت الزيتون، والجلجلان والفجل والقُرطُم، وزيت زريعة الكتان، والجوز واللوز أصناف، يجوز بيع كل واحد منها بالآخر متفاضلًا 306، ويجوز التفاضل في زيت زريعة الكتان؛ لأنه لا يراد للأكل، ويجوز بيعه بزيت الزيتون نقدا وإلى أجل، ويجوز التفاضل في زيت اللوز؛ لأنه لا يراد للأكل غالبًا، وإنما يراد للعلاج ويدخل في الأدوية، وكذلك زيت الجوز عندنا.
وعسل النحل والقصب والقشر 307 أصناف يجوز بيع 308 أحدهما بالآخر متفاضلًا، وخل التمر والعنب والتين والعسل صنف لا يجوز التفاضل فيه، ويجوز مثلًا بمثل؛ لأن منافعه الآن متقاربة، فلم يراع الأصل وإن كانت 309 أصنافًا.
واختلف في نبيذ الزبيب والتمر: فقال مالك لا يصلحان إلا مثلًا بمثل؛ لأن منفعتهما واحدة 310.
الجزء: 7 - الصفحة: 3118
وقال ابن حبيب: الأشربة الحلال ما كان من التمر والزبيب والتين (1).
وقال أبو الفرج: عصير العنب والتمر صنفان ما داما حلوين، فإذا خللا لم يجز التفاضل بينهما.
وهذا أبين؛ لأن التمر بنبيذه والعنب بعصيره لا يجوز متفاضلًا، ولم ينقله ما يحدث فيه من عصر وانتباذ عن أصله، وإذا كانت باقية على أصولها وكان التمر بالعنب متفاضلًا جائزًا (2)، جاز الفضل بين نبيذيهما، فإذا صارا خلًا جازت بأصولهما متفاضلة، ولو طالت مدة الانتباذ حتى انتقل طعمه عن أصله جاز بأصله متفاضلًا، واعتبر حينئذ الحالة التي هما عليها، هل يتقارب طعمهما ومنفعتهما أم لا؟
واختلف في بيع التمر بخله، والزبيب بخله، فأجيز ذلك على الإطلاق.
وفي ثمانية أبي زيد أنه فاسد، لموضع المزابنة حتى يتبين الفضل، مثل قول مالك في الجلد بالأحذية.
فصل [في بيع الزيتون بعضه ببعض وبزيته، وبيع قصب السكر بعضه ببعض]
ويجوز بيع الزيتون بالزيتون مثلًا بمثل، وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر، كالقمح بالقمح، والقمح بالشعير والسلت، يجوز كيلًا وإن كان الريع مختلفًا، ولا يباع الزيتون بالزيت.
واختلف إذا كان ذلك الزيتون لا زيت فيه مثل زيتون مصر: فمنعه مالك،311312
الجزء: 7 - الصفحة: 3119
وأجازه ابن نافع في المبسوط، ويختلف على هذا في بيع الزيتون المصري بالآخر متفاضلًا، وقول ابن نافع هو أحد القولين في بيع التين والعنب الشتوي بالصيفي، فلا يجوز التفاضل في المصري بعضه ببعض؛ لأنه مما يدخر.
ولا يباع السمسم بزيته إلا أن يدخله صنعة فيعمل بالورد، أو بالبنفسج، أو الياسمين، فيباع به نقدًا أو إلى أجل؛ لأن ذلك يخرجه عن حكم الطعام، وإنما يراد حينئذ للعلاج، ويباع أحد هذه الأدهان بالصنف الآخر متفاضلًا يدًا بيد، وإلى أجل؛ لأنها ليست بطعام ومنافعها مختلفة.
ولا يباع القصب بعسله ولا برُبه إلا أن يدخله الأبزار 313، وأجيز في السليمانية بيع قصب السكر وعسل القصب بالسكر؛ لأن ذلك صنعة ويطول أمره، ومنع مالك التفاضل بين السكر؛ لأنه عتده يستعمل للتفكه 314، ومنه يعمل أهل مصر حلواتهم، ولا يراد عندنا إلا للعلاج.
ولا يجوز بيع عسل القصب بِرُبِّهِ 315، وهو كالطري باليابس؛ لأن عسل القصب إذا عمل رُبا 316 نقص.
الجزء: 7 - الصفحة: 3120
باب فيما يكون من الأطعمة صنفًا أو أصنافًا، والصنعة التي تخرجه عن أصله
القمح والشعير والسلت صنف واحد.
واختلف في العلس والأرز والذرة والدخن، فقال مالك: هي أصناف يجوز التفاضل بينها وبين الآخر 317.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب في العلس مع الحنطة: صنف واحد في الزكاة والبيع 318. وقال ربيعة في مدونة أشهب: في الذرة أنها مع القمح صنف واحد في الزكاة والبيع.
وذكر عن الليث أنه قال: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن صنف واحد في الزكاة والبيع، قال: لأنها تخبز خبزًا 319.
وهو أقيس على قولهم أن أخبازها صنف واحد؛ لأن هذه الأشياء ليست تؤكل على حالها وإنما تراد للخبز 320، إلا التسعير فإنه يستعمل على الوجهين جميعًا على حاله ويختبز.
وقال أشهب في كتاب محمد: أخبازها كلها صنف واحد 321.
وقال ابن القاسم في العتبية: أكره خبز القمح بخبز الأرز متفاضلًا، فإذا
الجزء: 7 - الصفحة: 3121
كان الغرض استعمالهما خبزًا، وكانت أخبازها كلها 322 صنفًا واحدًا كانت أصولها كذلك، وليست كالخلول؛ لأن التمر والزبيب استعمالهما على حالهما وطعمهما حينئذ متباينة 323.
ويلزم على القول أن أصولهما مختلفة أن يجوز التفاضل فيها، ويجوز التفاضل في أخبازها.
وكل ما طُحن من هذه الأصناف فلا يخرجه الطحين 324 عن أصله فلا يجوز الفضل بينهما، وكذلك إن عُجن، فإن خبز أو عمل سويقًا كان ذلك صنعة يخرجه عن أصله، فيجوز التفاضل إذا بيع بحبه، والفرق بين ذلك أن الطحين لم ينقل طعمه ولا منفعته، وأكثر ما فيه تفرقه أجزائه، وكذلك إذا عجن فإنما أضيف إليه ماء، فإذا خبز انتقل طعمه ومنفعته وتباين الغرض بينهما، وكذلك إذا عُمل منه سويق انتقل طعمه ومنفعته، وإذا كان الطحن ليس بصنعة ولم يجز الفضل فقد اختلف في بيع أحدهما بالآخر كيلًا على ثلاثة أقوال:
فقال مالك: يجوز بيع القمح بالدقيق كيلًا لا فضل بينهما 325.
وقال في كتاب ابن حبيب: لا يجوز إلا فيما قل على وجه المعروف بين الجيران والرفقاء، ولا يجوز فيما كثير لزيادة القمح وريعه إذا طحن 326.
وقال أَبو الحسن ابن القصار: يجوز موازنة ولا يجوز مكايلة.
الجزء: 7 - الصفحة: 3122
وظاهر قول مالك في كتاب ابن حبيب: أنه لا يجوز مكايلة ولا موزانة، ولا يصلح 327 أن يجوز موازنة إلا أن يقال: إن المماثلة بين القمحين تجوز من طريقين: الكيل والوزن، وإذا جاز 328 ذلك قبل الطحن جاز إذا طحن أحدهما؛ لأنه ليس في طحنه أكثر من تفرقة أجزائه.
وإن قيل: إن المماثلة بالكيل خاصة لم يجز إذا طحن أحدهما على الوزن، وكان الوجه امتناع المبايعة جملة، فلا يجوز على الكيل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ" 329 الحديث، ولا على الوزن؛ لأن استواء الوزن لا يدل على استواء الكيل؛ لأن الكيل يستوي والوزن يختلف.
ولا يصح حمل قولهم على ما وزنه وكيله سواء؛ لأنهم لم يتكلموا على بيع صورة معينة، ولا على نازلة في عين، وإنما أطلقوا الجواب في بيع القمح بالدقيق وزنًا، وإن كان غير معين، وفي البخاري ومسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" 330.
ففي قوله: "ووزن معلوم" 331 دليل على أنه كان لا 332 يباع عندهم على الكيل والوزن.
ويختلف في بيع الدقيق بالسميد 333، فيجوز على من أجاز القمح بالدقيق،
الجزء: 7 - الصفحة: 3123
ويمنع على القول الآخر؛ لأن السميد إذا سُحق زاد ريعه، وإن كان هذا قول بعض المخالفين، فهو قياس أحد قولي مالك، ولا يجوز الفضل بين العجينين، واختلف عن ابن القاسم في العتبية هل يباع أحدهما بالآخر على التحري؟ والمنع أصوب؛ لأنه لا يبلغ معرفة ما خالط كل واحد من الماء.
وكذلك الدقيق بالعجين لا يجوز على تفاضل، ويختلف إذا كان 334 تحريًا.
واختلف قول مالك في هذا الأصل في اللحم الطري بالقديد على التحري 335، وأجاز في كتاب محمد رطب الخبز بيابسه تحريًا 336، ولا يجوز الفضل بين الخبز والكعك إلا أن يكون فيه أبزار.
ويجوز ذلك بين الإسْفنجة 337 والخبز والكعك؛ لأن الزيت ينقل طعمهما، كما ينقل الأبزار 338، وبين الخبز والسويق؛ لأن منافعهما وطعومهما متباينة 339، وكره مالك الحنطة المبلولة بالمقلوة حتى تطحن، وأجازه ابن القاسم 340.
واليابسة بالمقلوة كذلك 341، ويجوز الدقيق بالمقلوة قولًا واحدًا؛ لأنه قد فات أن يعمل من أحدهما ما يعمل من الآخر 342، واختلف في الحنطة المبلولة
الجزء: 7 - الصفحة: 3124
بالمبلولة فمنعه مالك؛ لأن البلل يحتلف (1). وقيل: ذلك جائز إذا كان ما بُل هذا مثل ما بُل به الآخر (2). وأما المقلوة بالمقلوة، فإن كانا قد بُلا (3) قَبْلُ لم يجز، لإمكان اختلاف البلل، وإن لم يبلا وتساوى القلي جاز؛ لأن البل (4) ينفخ القمح عما كان قبل.
فصل [في أصناف القطاني والتفاضل بينها]
لا خلاف في القطاني 347 أنها لا تضاف إلى القمح وما ذكر معه وأن الفضل بينهما جائز، واختلف هل هي صنف؟ فجعلها مالك مرة صنفًا لا يجوز التفاضل فيها 348، ومرة أصنافًا.
وفرق ابن القاسم في كتاب محمد فقال: القطاني أصناف ما خلا الحمص باللوبيا والبسيلة بالجلبان، فإنهما متشابهان في الأكل والمنفعة 349.
وفي السليمانية: الحمص واللوبيا صنفان، والقول إن جميعها صنف أحسن 350، وهي في تقاربها أشبه من الشعير والسلت بالقمح والترمس من القطنية.
واختلف في الكرسنّة: فقال مالك في العتبية: هي من القطنية وتزكى343344345346
الجزء: 7 - الصفحة: 3125
معها 351. وقال ابن حبيب: هي صنف لا تجمع مع القطنية في الزكاة ولا في البيع 352. واختلف في أخباز القطنية بعد القول: إنها إذا كانت حبًا أصناف فقال ابن القاسم: خبزها مختلف كاختلاف حبها 353. وقاله أشهب مرة، وقال أيضًا: لا يصلح ذلك متفاضلًا 354.
قال محمد: وهذا أحب إلينا، وهو مثل سويقه 355. وأرى أن ينظر في ذلك: فإن كان إذا صار خبزًا تباينت منافعه وطعمه جاز التفاضل، وإن كان الأصل مختلفًا كخبز القمح والذرة والأصل مختلف، فالتفاضل إذا صار خبزًا ممنوعٌ.
واتفقا أن سويق القطنية صنف لا يجوز التفاضل بينهما، وإن جاز في حال كونه حَبًّا.
والسويق والخزيرة صنف، فاجاز ابن القاسم بيع أحدهما بالآخر متماثلًا.
وهذا صحيح على أصله؛ لأنه يجيز القمح بالدقيق، وعلى القول الآخر يمنع؛ لأن الخزيرة جليل السويق، فلو طحن كالسويق كان له ريع.
ولا يجوز الحمص اليابس بالمسلوق متفاضلا؛ لأن ذلك ليس مما يطول، ولا يتكلف فيه كبير مؤنة، ولا متماثلًا؛ لأنه رطب يابس، وكذلك يباس الفول بمسلوقه، وإن كان الفول أكثر مؤنة، وقد يجوز ذلك في الترمس يابسه بما يصلح للأكل؛ لأنه يطول أمره ويتكلف فيه مؤنة 356.
الجزء: 7 - الصفحة: 3126
باب في بيع اللحم باللحم نيئه بمطبوخه
وإذا كان اللحم صنفًا واحدًا، جاز بيع بعضه ببعض إذا كانا ذبحا في وقت واحد أو متقارب، وإن بَعُدَ ما بينهما وجف أحدهما دون الآخر لم يجز مثلًا بمثل.
ويختلف هل يتحرى ذلك النقص أو يكون ذلك على وجه التفضل من صاحب الأول، وهما في الجودة سواء، أو كان الأول أجود فيجوز، كما قال في الدنانير القليلة بأوزن منها، وإن كان الأول أدنى لم يجز وكان ربًا 357.
واختلف هل يتحرى عظم كل واحد من اللحمين؟ فالظاهر من المذهب الجواز من غير اعتبار في ذلك.
وقال ابن شعبان: يتحرى أو يفصل 358 منه.
والأول أحسن إذا كانت شاة بشاة أو نصفًا بنصف، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - التمر بالتمر مكايلة 359، وإن كان مختلف النوى وبعضه منتقى والآخر على غير ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 3127
وإن كان لحمًا معظمًا 360 وأحدهما كثير العظام، لم يجز إلا على وجه المكارمة والتفضل من أحدهما للآخر 361، ويعتبر مثل ذلك في قسمته إلا أن المقاسمة تجوز أن يفضل أحدهما الآخر فيعطى أوزن، فإذا جاز أن يعطى أوزن جاز أن يكون مباينًا للعظام ما لم يكن لحمه أحسن، وقد يكون موضع من الشاة أطيب لحمًا.
وأجاز ابن القاسم بيع الرؤوس بعضها ببعض موازنة، وإن دخل في ذلك رأس برأسين، وعلى القول الآخر لا يجوز إلا أن يتحرى اللحم.
واختلف في بيع الشاة بالشاة إذا ذبحتا ولم تسلخا على التحري على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم: لا بأس به إذا كان يقدر فيه على التحري حتى يكونا مثلًا بمثل 362. قال أصبغ في كتاب محمد: لا يجوز؛ لأنه لا يقدر فيه على التحري ويقع فيه اللحم المغيب.
وقال فضل بن سلمة: لا ينبغي ذلك وإن استطيع تحريهما إلا أن يستثني كل واحد منهما جلد شاته.
وأرى أن يمنع ذلك كله؛ لأنهما إن دخلا على تسليم الجلود في المعاوضة كان بيع عرض وطعام بعرض وطعام، وهو في هذا بخلاف حلية السيفين إذا كانت تبعًا؛ لأن تلك للضرورة في نزعها، وإنما تشترى لتبقى على حالها، وهذه تنزع جلودها.
الجزء: 7 - الصفحة: 3128
وإن دخلا على أن الجلود لأربابها دخله الفساد من وجهين: الغرر؛ لأنه لحم مغيب.
والآخر: التفاضل؛ لأن التحري لا يأتي على المثل بالحقيقة.
وبيع القديد بالقديد، والمطبوخ بالمطبوخ، والمشوي بمثله جائز مثلًا بمثل.
وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد؛ لأن يابسه يختلف، ولا في المشوي بالمشوي؛ لأنه لا يعتدل 363.
وبيع أحدهما بالآخر وبالنيء مثلًا بمثل لا يجوز؛ لأنه رطب بيابس، وهذا إذا كان لا أبزار 364 فيهما 365، فإن كان الأبزار في أحدهما جاز مثلًا بمثل ومتفاضلًا.
قال ابن حبيب: وذلك إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها المنفعة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا.
وقال ابن القاسم في قلية اللحم بالعسل وقليه بخل ولبن: لا يجوز التفاضل فيه؛ لأنه مطبوخ كله 366. يريد: إذا تعاوضا اللحم باللحم خاصة، وإن أدخل الأوداك في المعاوضة جرى على الخلاف في بيع قمح ودقيق بقمح ودقيق.
والقياس أن يجوز التفاضل بين قلية العسل والخل؛ لأن الأغراض بينهما متباينة.
قال محمد: لا بأس بالأرز المطبوخ بالهريسة 367 مثلًا بمثل، ولا يصلح
الجزء: 7 - الصفحة: 3129
الفضل بينهما (1).
قال أصبغ: وهو مثل عجينهما لا يصلح إلا بالتحري (2). يريد إذا طبخ الأرز باللحم والأرز والقمح وإن كانا صنفين فالأصل: يجوز التفاضل بينهما، فإذا صارا إلى هذه الصفة تقاربت منفعتهما، فلم يجز التفاضل وجاز بيع كل واحد منهما متفاضلا.
والقمح بالهريسة، والأرز غير مطبوخ بالمطبوخ؛ لأن إضافة اللحم إلى أحدهما تخرجه عن أصله؛ لأنه نقله عن طعمه، كإضافة الأبزار إلى اللحم، ويجوز بيعه بما لم يطبخ وبما طبخ بغير أبزار متفاضلا.
ويجوز بيع الهريسة بالخبز متفاضلا كان فيها لحم أو لم يكن؛ لأن كون اللحم فيه صنعة، وصنعته غير صنعة الخبز، وإن لم يكن فيها لحم جاز، كما أجزنا القمح بالهريسة.
فصل [في بيع مد قمح أو دقيق بمثله، ومد حنطة أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق]
قال مالك: ولا يصلح مدا قمح ودقيق بمدي قمح ودقيق، وإن كانت سواء كلها، أو بيضاء كلها، وكذلك مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير 370.
قال ابن القاسم: خشي الذريعة، لما يكون بين القمحين من الجودة أو368369 = الُبرَّ الذي هي منه يدق ثم يطبخ.
انظر: لسان العرب: 6/ 247.
الجزء: 7 - الصفحة: 3130
لفضل ما بين الشعيرين، فيأخذ فضل شعيره في حنطة صاحبه 371.
قال: وهو مثل من باع مائة دينار كيلًا ومائة درهم بمائة دينار ومائة درهم كيلًا 372.
وقال محمد في مدي قمح أو دقيق بمد حنطة ومد دقيق: إن كان مدا 373 الحنطة ليس أحدهما أرفع من مدي 374 الحنطة والآخر أدنى، كان الدقيق أو الحنطة فلا بأس به، وإن كان مد الحنطة والدقيق كلاهما أجود أو أدنى مما قابلهما أو أحدهما أجود أو أدنى والآخر مثل ما قابلهما جاز، كما قلنا في المراطلة.
قيل لمحمد: لم 375 كره مالك مد حنطة ومد دقيق بمثلهما؟ قال: كرهه مالك للذريعة، ولا بأس به عندي 376.
قال ابن ميسر: لا يعجبني شيء من ذلك، ولا يعجبني قول محمد 377.
يريد: لأن هذا مما يختلف فيه الأغراض، ولا يقطع أن هذا القمح مثل هذا، ولا أن الدقيق مثل الآخر، بخلاف الدنانير، ولهذا نظرها ابن القاسم بدنانير ودراهم، ولم يرها بمنزلتها إذا كانت دنانير كلها؛ لأنه يقطع إذا كانت إحداهما سكة واحدة، وضرب أمير واحد، وبلد واحد، وعيار واحد، ألا فضل لأحدهما على الآخر، فيتقى الفضل في الأخرى، ولا يقطع بمثل ذلك في
الجزء: 7 - الصفحة: 3131
القمحين، فقد نجد قائلًا يقول: هذا أسوأ، وآخر يقول: هذا أفضل، وثالثًا يقول: بل الآخر أفضل، ولا نجد مثل ذلك في الدنانير على أن الصواب في الدنانير المنع، كما قال بعض أهل العلم؛ لأنا لا نجدهما يخرجان عن 378 تلك الذهبين المتساويين 379 إلا لغرض علماه وقصدا به المبايعة، ولولا ذلك لأمسك كل واحد منهما الدنانير المتساوية وتراطلا في المختلفة، وهو في القمحين أبين، لاختلاف الأغراض فيهما، وهو حرام لا يحل.
تمَّ كتاب السلم الثالث
بحمد الله وعونه
الجزء: 7 - الصفحة: 3132